محمّد ديب.. الروائيّ الشّاعر

ترجمة: مبارك وساط  |  25 يونيو 2020

يُعــدّ الكاتـب الجـزائريّ محمّد ديب، من روّاد الأدب الفرنكوفوني في بلده، كما في البلدان المغاربيّة، وهو ليس مجهولاً تماماً لدى القارئ العربيّ، فقد ترجم له سامي الدّروبي ثلاثيّته الأولى (الدّار الكبيرة- النَّوْل- الحريق) قبل عقود، كما ظهرتْ، بالعربيّة، روايته «صيف إفريقي».وإنْ كان محمّد ديب الشّاعر لمْ يَحْظَ كثيراً باهتمام المترجمين العَرَب، فإن له إنتاجاً في مجالات الرّواية والشّعر والقصّة القصيرة والمسرح والحكاية، كما أنّه ترجم أعمالاً من الفنلنديّة.

وُلِد محمّد ديب في تلمسان، في 21 يوليو، 1920، وتوفّي في ضاحية سانْ-كْلُو الباريسيّة، يوم 2 مايو، 2003. في طفولته، بدأ الدّراسة في تلمسان بالجزائر، وتابعها في مدينة وجدة بالمغرب. مات والدُه سنة 1931، وانطلاقاً من سنة 1934 بدأ يكتب شِعْراً، ويُمارِسُ الرّسم التّشكيلي (الصّباغة، بمعناها الفنّي)، ومارس ديب التّدريس في الابتدائي، من 1938 إلى 1940. بعدها، أصبح مُحاسِباً في مدينة وجدة، ثمّ مترجماً ما بين اللغتين الفرنسيّة والإنجليزيّة لدى جيش الحلفاء في الجزائر العاصمة، خلال سنتَيْ 1943 و1944. وعاد إلى تلمسان في 1945، واشتغل في مجال النّسيج، وقد نشر أوّل قصيدة له سنة 1946، في مجلّة «Les Lettres» (الآداب) السّويسريّة، تحت اسْم «ديابي». بعد ذلك، تعرّف إلى أدباء مثل ألبير كامو، وجان سيناك…، ثمّ أصبح ديب نقابيّاً، وقام بزيارة أولى إلى فرنسا، واشتغل في الصّحافة، وفي سنة 1951، تزوّج من كوليتْ بيليسّان، التي أنجبت له أربعة أطفال. 

سنةَ 1952، صدرتْ له رواية «الدّار الكبيرة» عن منشورات سُويْ في باريس، وهي أولى أجزاء ثلاثيّته الأولى المُشار إليها (الجزءان الآخران منها ظهرا، بالتّتابع، سنتَيْ 1954 و1957). وكانت كتابة ديب، وقتها، تندرج تحت مُسَمّى الواقعيّة، فالكاتب، من هذا المنظور، يلعب دور «شاهد» على بؤس أهل المدن والقرى، وعلى إضرابات عمّال الزّراعة، كما يُعَبِّر عن المطالب الوطنيّة التي كانتْ قد بدأتْ وقتها في الإعلان عن نفسِها، وقد انتقدت الصّحافة الاستعماريّة الرّواية، فيما دافع عنها لويس أراغون. 

في «صيف إفريقيّ» (سُوي، 1959)، تطرّق محمّد ديب، بشكل أكثر صراحةً، إلى حرب التّحرير. وفي سنة صدورها تلك، طردتْه الشّرطة الاستعماريّة من الجزائر، بسبب أنشطته النّضاليّة، فقد كان عضواً في الحزب الشّيوعيّ الجزائريّ، كما كان قريباً من حركة التّحرير، وقد تدخّل أندريه مالرو، وألبير كامو، وجان كايرول لتمكينه من الإقامة في فرنسا، وبالفعل، استقرّ هنالك. وفي 1960، كتب في قصيدة له: «أيا لياليَ باريس الوادِعة، كمْ أجدُك مريرة/ للمنفِيِّ، باريسُ المظلِمة هي جحيم.» 

سنة 1962، ظهرتْ له رواية بعنوان «من يتذكّر البحر»، وفيها ظهر، جَلِيّاً، أنّ محمّد ديب شرع في خَوضِ مغامرة إبداعيّة من صنف جديد؛ فقد تمرّد على قيود الواقعيّة، ونحا في «من يتذكّر البحر» منحىً فانتازتيكياً وحُلُميّاً في معالجة تيمات، كعُنف الاستعمار الفرنسيّ في الجزائر وظهور حركة التّحرير.

سنةَ 1964، ظهرتْ لمحمّد ديب رواية بعنوان «ارْكُضْ على الضّفّة المهجورة»، وفيها يعتمد كتابة حُلُميّة أيضاً، ويفتح فيها للخيال آفاقاً، ويُعالج تيمات الأوضاع الإنسانيّة، والحبّ والموت (لكن، ليس من زاوية واقعيّة، كما أسلفنا).

ما بين سنَتيْ 1974 و1976، درَّسَ ديب في جامعتَيْ لوس أنجوليس، وكاليفورنيا، وابتداءً من 1975، توالتْ أسفاره إلى فنلندا، وهنالك، اشترك مع الشّاعر الفرنسي غِيلفيك في ترجمة أعمال أدبيّة فنلنديّة. ومن إقاماته في فنلندا، استلهم «ثلاثيّة الشّمال»، المنشورة عند ألبان ميشال: «سطوح أورسول» (1985)، و«نوم حوّاء» (1989) و«ثلوج من مرمر» (1990).

وقد بقي محمّد ديب مثابراً على الكتابة حتّى آخر حياته، ففي سنة 2003، وهي سنة وفاته، ظهرتْ له رواية بعنوان «سيمورغ» (ألبان ميشال)، أمّا آخر رواياته، «لايزا»، التي أنهاها قبل موته بأيّام، فقد نُشِرَتْ سنة 2006 عن (ألبان ميشال).

بالطّبع، فحديثنا عن روايات محمّد ديب لن يُنْسِيَنا أنّه كان شاعِراً مقتدراً وكاتب قِصّة قصيرة، ففي شعره نجد احتفاءً بالمرأة، وبالحبّ، وبالبحر، والتقاطاً للحظاتِ الأسى وللّحظات الشّاعريّة في الحياة، والتي تُمكّن القصيدة، وحدها، من التّعبير عنها. ومن أعماله الشّعريّة، نذكر: «ظِلٌّ حارس» (1960)، و«استبيانات» (1970)، و«أومنيروسْ» (1975)، و«نارٌ نارُ جميلة» (1979)…

وله مجموعات قصصيّة: «في المقهى» (1955)، و«الطِّلسم» (1966)، و«الليلة المتوحّشة» (1995). 

وقد حاز جوائز عِدّة، فكان أوّل كاتبِ مغاربيّ يحصل على الجائزة الكبرى للفرنكوفونيّة التي تمنحها الأكاديميّة الفرنسيّة (1994)، كما حصل على جائزة مالارميه في الشّعر (1998).

قالتْ عنه الباحثة الجزائريّة نجاة خَدّة: «إنّ الأعمال الأدبيّة لمحمّد ديب، والتي شرع في إنجازها في نهاية أربعينيّات القرن العشرين، هي الأغزر، اليوم، في نطاق الإنتاج الجزائريّ باللّغة الفرنسيّة، وهي -أيضاً- التي يتبدّى فيها تجديدٌ مستمرّ على مستوى الأشكال والتّيمات، وتسودها استمراريّة وثيقة، ووحدة لا جدال فيها.».

يجد القارئ، رفقة هذه المقالة، قصائد مترجمة لمحمّد ديب، إضافةً إلى مقتطفات من رواية «ارْكُضْ على الضّفّة المهجورة» تشمل الفصل الأوّل منها وفقراتٍ من الفصل الثّاني. ولا بدّ من كلمة، ولو وجيزة، عن هاته الرّواية التي أنجزها ديب، في فترة، كان قد تمرّد فيها على حدود الرّواية الواقعيّة. يمكننا أن نبدأ، هنا، من تذييل، كان محمّد ديب قد كتبه لأوّل رواية له، اعتمد فيها الكتابة الحُلُميّة والفانتازتيكيّة، أعني «من يتذكّر البحر». في ذلك التّذييل، قال ديب إن الكتابة الواقعيّة عن مآسي الحرب الجزائريّة لم تعد ذات تأثير في وجدان القارئ، ذلك أنّها استنفدتْ مفعولها بفعل التّكرار. وكي يقرِّب ديب القارئَ ممّا سعى إليه في روايته المذكورة، عمد إلى الإشارة إلى لوحة بيكاسو، «غرنيكا»، التي هي بمثابة عمل غير واقعيّ ومؤثّرٍ جدّاً، عن مأساة غرنيكا التي دمّرتها طائرات الألمان المقنبلة، سنة 1937.

في «اركُضْ على الضّفّة المهجورة»، يطغى الطّابَع الحُلُمي أيْضاً، دون أن تفقد الرّواية صِلاتها بالواقع، طبعاً. والسّارد فيها رجل في مقتبل العُمر، يُسَمّى إيفن زوهار، ينوي أن يعقد قرانه على المرأة التي يُحِبّ، واسمها راضية، لكنّ كارثةً طبيعيّة تحدث، ويكون إيفن زوهار من النّاجين، إلا أن الكارثة تُفَوّت عليه الزّواج المرغوب فيه، إذ تؤدّي إلى اختفاء راضية. يمضي إيفن زوهار في البحث عنها، وفي لحظةٍ ما، يعتقد أنّه عثر عليها، لكنّ المرأة التي يبدو أنّها تامّة الشّبه براضية ليست إلّا هيلّي، وهي جِنّية، نوعاً ما، تريد أنْ تخدعه فتظهر له في أجواء ساحرة جِدّاً. وبعدها، لن يكفّ عن فقدان راضية والعثور عليها من جديد، بحيثُ تبقى هذه الأخيرة كأنّما يتعذّر العثور عليها فعليّاً. وللتّخييل قوّته في هذه الرّواية، التي تُعتمد فيها أساليب من تلك التي وطّدها السّورّياليّون في مجال الشِّعر.


مقاطع من «ارْكُضْ على الضّفّة المهجورة»

محمّد ديب

مضينا، إذَاً.

كانت مياهٌ وسُحُبٌ اجتاحتْها النّوارس تُهاجم ذَهَب السَّماء دون أن تَبْلُغه – ذَهَبَ السّماء الذي يمتدّ فوقنا، ويتجاوزُ أشجاراً وحدائق فسيحة – لكنّها كانت تنهشُ الأعالي والفيلّات والقِلّة من العابرين الذين كانوا يتباعدون، أو يتقاربون، على خطوطٍ لا نهاية لها. ولجأْنا إلى غابةٍ، كانت السُّبُلُ فيها تتقاطع دون أنْ تُفْضِيَ إلى مخرج، ثمّ عُدْنا نحو الجادّة الكبيرة التي أفرغتها هجمة الأمواج، وإذا بنا أمام عالَمٍ من اللهب.

خلف ظَهْرَينا، زَمْجر التّرولّي سُداسيّ القوائم. مرّ قريباً منّا جِدّاً، وبلا إبطاء ترك الطّريقَ سالكة، وهرعنا نحوه. ينبغي ألّا يَفُوتنا: لقد كان الأخيرَ الذي يُمكننا أنْ نستقلّه، بحسب الرّقم الوحيد المسجَّل على مِينا ساعتِي، وكان قد وصل إلى مكان وقوفه، وثمة أُناسٌ ينزلون منه. كانتْ راضية، متعلّقةً بِذِراعي، تتقافز على كعبي حذائها. وكان شَعْرها، إذْ تهتزّ إلى أعلى، يلطمني على وجهي. 

كان التّرولّي يستعدّ للانطلاق. وبادرْتُ إلى القفز على أرضيّته، جاذباً، في اندفاعتي، راضية التي سقطتْ إلى جانبي وهي تضحك.

لقد جعلتها حركة الانطلاق ترتطم بي، واعتمدتْ كفّيها لتُخَفّف من حِدّة انقذافها، واستمرّتْ في الضّحك، وهي تتعلّقُ برسغي، فيما كانت سرعة المركبة تزداد. 

ووجّهتُ ناظريّ إلى حقيبة صغيرة بلا مقبض، كانت كفّها اليسرى تنقبض عليها.

لا تَخْشَ شيئاً، همستْ إليّ. 

وابتسمتْ وأضافتْ، وقد أشاحتْ ببصرها:

 إنّها المرّة الأولى التي أتزوّج فيها، وهذان الخاتمان، لن أُضيّعهما.

تعالتْ في داخلي صيْحةُ اعترافٍ بالجميل.

وكان الرّجال والنّساء الذين من حَوْلِنا يبدون كشُهودٍ من حجر. وبِيَد مرتفعةٍ إلى حدٍّ ما، كانت راضية تمسك بالحقيبة الصّغيرة أمامها، ومن وقفة إلى وقفة، كان ذو القوائم السّتّ ينزل نحو وسط المدينة.

كنتُ قد بدأتُ أستشعر خشيةً ما، وحضور راضية جعل المخاوف لا تتمكّنُ منّي.

«لماذا؟ ليس هنالك أيّ خطر في أيّ مكان؛ ليس هنالك ما تتخوّف منه.».

لم يُعدّ التّرولّي يسير، وتكاثف العالَم. حاصرتني المياه والسّحب في زوبعة، وأخمدَتْ حواسّي، مُهيّئةً الموجة الباعثة على الدّوار التي لن تنسحب، التي ستأخذني معها. أغلقتُ أجفاني ضاغطاً جيّداً، فتحتها ثانية. كان التّرولّي ما يزال يتقدّم.

«لن تُفصح. لنْ تُفْصِح عن كلّ ما تنتظر، ولا عمّا تُطارده.»

أيكون في هذا وقاية لي؟ أهو أسلوب الاتّقاء الأكثر نجاعة؟

«لن تُفصح. لنْ تُفْصِح عن كلّ مّا تنتظر…»

وكأنّ الأضواء قد نضجتْ؛ فالأشجار مشتعلة في الحدائق، وجمرٌ ينتشر فوق المدينة.

وجّهتُ، إذاً، ابتسامة وداع لِظِلال، ولبيت، كُنْتُ، للتوّ، قد تعرّفتُ إليها من أعماق ضبابٍ كان يسكنني. كانتْ شجرةُ مشمش تَمُدّ فروعها في فِناء الدّار، ومن إحدى الزّوايا، كانت شجرة عنب تعلو حتّى السّطح، ومن هناك، تُلْقي بفروعها حول رأس المرء. كان أبي وأمّي يجلسان، هنالك، متجاورين، ومع ذلك فلا أحد منهما كان يفتح فمه. هل سيقرّران أن يتكلّما في آخِر الأمر؟ كنتُ أُصِيخُ السَّمع، ثمّ فهمت. إنّهما كانا قد تكلّما من قبل. في أيّة لحظة؟ لم أكن أعرف، لمْ أكنْ أعرف. حدث ذلك قبل وقتٍ طويل، بلا شكّ.

هبّتْ عليّ ريحٌ باردة. وتلاشتْ الظّلال التي كانتْ قد انبثقتْ من مدينة قديمة، ولم تترك إلّا لهب البحر يتراقصُ أمام عينيّ. 

وفي نزولِها نحو ذلك البحْرِ الذي لُمِح، كانت المدينة تدور على رِجْلٍ واحدة. تلك كانت دورةُ بنايات، وحدائق تنتصب فيها أشجار، وتظْهرُ جوانبُها في ما يَعكسه الجَوْن. أمّا البحر، فقد كان يقوم بِدَورة أكثر اتّساعاً، مُجَمِّعاً ما تبقّى منْ ضوءٍ مُتلبّث، وكان رفاقنا في الرّحلة، بأحداقهم الميّتة، يحاذون العَدَم. كيف كان هؤلاء الشّهود يَرَوننا: راضية، وأنا؟ وكيف كانوا يرون الأشياء الأخرى؟ هم لم يكونوا يعرفون الطّريق الذي كنّا نمضي فيه تحت أبصارهم. كانتْ لديهم عنه فكرة غامضة، ورأوا فيه الطّريق نفسه الذي كان قدرُهُمْ قد عوّدهم على اتّباعه.

هذه الفكرة جعلتْني أضحك.

وردّت راضية على ضحكتي بضحكةٍ أخرى.

وفوق رؤوسنا، ارتعشتْ سماء سبتمبر.

وجّهتُ صوبها ناظِرَيّ من جديد: كانتْ ساهيةً عمّا حولها… ونال منّي الاضطراب، إذْ رأيْتُ قبالتي واحِدةً، أجهلُ مَن هي! كانت تنتصب أمامي امرأةٌ وحيدة.

كنتُ أتقدّم مُتلمّساً طريقي.

هذه المرأة الضّائعة لم تكنْ راضية. لقد تمّ الإبدال بسرعة شديدة، حدّ أنّ أحداً لم يتنبّه إليه لحظة حدوثه؛ لا أنا ولا الشّهود.

بقيتُ للحظة منكمشاً على نفسي، لا أرى شيئاً.

وباحتياط، فكّرت:

«من الذي سَيُخَلِّصُها؟ من الذي سيتصدّى للُّغز؟ من الذي سيطرد الشّقاء؟ أنا؟ سأعرف كيف أعثر عليها، وسنمشي من جديد، جنباً إلى جنب…»

وشعرتُ برغبةٍ في إيصال أفكاري إليها، لكنّي تراجعت، فقد أدركتُ ما في ذلك من مخاطرات.

«سأخبرها بهذا، بعد أنْ…»

كنتُ أفهم، وأرفض أن أفهم. لم يكن الانفصال هو الذي أنشأ هذه الهوّة بيننا، لم يكن الانفصال وحده هو الذي فَعَل، فتجلّي المظهر لعب دوراً في ذلك، أيضاً.

«هل سيُمكنني، مُسْنَداً بحُبّي، أنْ أُدَمّر المرآة التي تفصلني عنها؟

… هل سنلتقي من جديد، إذْ تنصرم هذه اللحظة؟

… هل سأُدَمَّرُ أنا أيْضاً؟»

وترنّحت المدينة. كانتْ تهيم على وجهها، ولم تُلاقِ نظراتي سوى وُجوه من حجر. وعلى السّواء، كانت وجوه الرّجال والنّساء تحمل التّعبير المستهلَك نفسه. لم تكن تلك السَّحَنات تُعْلِنُ إلّا عن الرّغبة في الموت أو في القتل. واستغللتُ ارتجاجةً للتّرولّي فدنوتُ من راضية للاحتماء من البرد الذي كانت تَبُثّه تلك الوجوه.

وفي اللحظةِ نفسِها، تبدّدت نارُ الهواء، ونارُ البحر، ونارُ المدينة، وصار الجوّ رمادِيّاً، والعالَم بدأَ يهْمي على شكل غبار. كنتُ أراقب الشّهود: ما رأيْتُه تماثيلُ مُفَحَّمَةٌ لفظتها كارثةُ المغيب، وكلّها خرساء.

«عمّا قريب»، قالتْ.

ألقيتُ نظرة على ساعتي. كان عقرباها على وشك الوصول إلى الرّقم الوحيد بِميناها.

تطلَّعَتْ راضية إليّ، وكانت أساريرها قد انبسطت بمفعول ابتسامة تكاد لا تبين، وشددتُ على ذراعها.

عاودتْني الرّعشة، فتماسكتُ، وبذلتُ جهدي لأنطق بالكلمات الأولى التي راودتْ ذهني:

نمضي إلى هناك؟ 

حنتْ رأسها نحو صدري:

نمضي إلى هناك.

اهتزّ التّرولّي إثْر الفرملة، نزل بِضعة أشخاص، ونحنُ أيْضاً. 

***

كان حشد من النّاس منشغلين بالإعدادات الأخيرة للاحتفال، ولم يكونوا يولونني اهتماماً. عليّ أنْ أقول بأنّ قِلّة قليلة من بينهم هم من كنتُ أعرف أسماءهم، وكان يبدو أنّهم يعتبرون إهمال الأزواج أمراً يُضْفي أهمّية كبيرة على الاحتفال بالقِران؛ فلا أحد منهم، من ثَمّ، شَرّفني برفقته. تركتُ الأمور تجري كما قُيِّضَ لها؛ فهم الذين كان بإمكانهم أن يقيموا لي وزناً ما، أو ألّا يأبهوا بي. حقّاً، كان من بينهم من يدنون منّي أحياناً، ويتفحّصون وجهي في صمت، ثمّ يهزّون رؤوسَهم. إنّها الشّفقة، شفقتهم عليّ في يوم كهذا. كنتُ أَقول لنفسي: «إنّهمْ لا يُدركون حقيقة الأمر، فكيف لا يفهمون؟»

وكان مزيد من النّاس يدخلون باستمرار، ومنهم من يتسلّل حتّى إلى القاعة التي جعلوني أقبع فيها والتي بُسِطتْ فيها زربيّة من مُخْمَل في لون النّار، وكانت هنالك قاعات أخرى، تشكّل امتداداً لهاته، وتشبهها فيما يخصّ الدّيكور. ولم يُعَدّ فيها مكان لمدعوّ إضافيّ، وسيكون ظهور العروس، التي كانتْ محروسةً، إيذاناً ببدء الاحتفال الذي كانت تفاصيلُه الصّغيرة، حتى، قد حُدِّدتْ سَلَفاً. (لمْ يكن أحدٌ قد أبِه بإطْلاعي على تلك التّفاصيل، ولم أكنْ أستشِفّ إلّا العناية التي تمّ بها وضعُ كلّ شيء في مكانه)، كما أنّ ذلك الظّهور سيحرّر هؤلاء الفضوليّين من التّرقّب. 

فجأة، انبثق في نفسي شعور مسبق بأنّ كلّ شيء سيجري بخلاف المُتوقّع، ما دامت العروس التي ستلج هذا المكان هي راضية.


صورةٌ تُؤجِّج الهواء

محمّد ديب

(1) في غابةٍ، ما بعد الظّهيرة

 أمام عينيّ صورة

من الضّوء

لطيفة الحركات

إنّها تُؤَجِّج الهواء من حولها.

ولا نَعرف ما سِرُّ الطّقس،

فهو -بأناةٍ- يُحوِّلُ طَميَ المرارة

إلى عسل

ويحسب المرء أنّه يسمع المستقبل؛

فالعمق الأزرق للسّماء يخفق 

والشّوارع، والأشجار

وبنو الإنسان، وكلّ الحياة

تُصيخُ السّمع.

سلامُ العالَم ينساب، ويحلّ دافقاً،

وجمرةُ الشّمس الرّقيقة

تتمدّد على كلّ الطّرقات. 

وهذا اليوم الجميل الهادئ 

البارد قليلاً

والذي يلتمع طويلاً، مع ذلك

يُخَفِّف على القلب المتعب

للخريف.

(2) في المكان نفسه

حيثُ ينعقدُ النّفَس

يهوي الحبّ

أكثر بياضاً من السّاطور

حيثُ ينعقدُ النّفَس

يهوي السّاطور

أكثرَ حُمرةً من الحُبّ

(3) من يستطيعُ أنْ يرى

مُطاردةً من قِبَلِ الصّقيع

فيما كلّ حنان سيرتعش

إذا استيقظْتِ

(4) عاينتُ الجَزع

عاينتُ الجَزع

المتمرّدَ القاتم

وهو يُحْرِق عينيك

فيما، بتأنٍّ،

يهيم وئيداً

لِصْقَ الثّرى،

ويسري في الفضاء

الذي أصبح من رماد

نشيد براءة.

(5) ضوء معاكس

تظهرُ الطّيور

تشتعل شُعلة

وها هي المرأة

بلا اسم ولا ارتباطات ولا شراع

تهيم، بعينين مغمضتين،

المرأة التي 

تغطّيها طراوة البحر.

لكن، فجأةً، تظهر الطّيور من جديد،

وتتمدّد هذه الشّعلة 

التي هي أكثر من ملموحة 

في عمق الغرفة.

وها هو البحر،

البحر بيديه المنوِّمتين 

يحمل الشّمس

وما من مشرق، ولا شرق، 

ما من متراس ولاحاجز، 

إنّه البحر.

وحده البحر المجلّل بالظّلمة، الرّقيقُ

السّاقِط من بين النّجوم، 

الشّاهد على حالات البتر 

التي تتعرّض لها السّماء، 

عزلة، أحاسيس سبقيّة، همس خفيف:

ذاك البحر ولا شيء آخر

بعيونه المُطفأة،

بلا موج ولا ريح ولا شراع

وفجأةً، تظهر الطّيور من جديد.

وها هي المرأة،

إنّها ليست نجمة ولا حُلماً، 

ليستْ عينَ مارّ حارّ

ولا عَجَلةً، المرأة.

وتعود العصافير.

وما من شيء سوى البحر.

(6) كما لوْ أنّي كُنْتُ أحلم

كما لو أنّي كنتُ أحلم…

على نهر وادِعِ الانسياب،

فيما الليل يُنشئ فراغات غريبة

بين المدينة والهواء والماء الدّاكن.

بهدوء، أفقد حياتي في شهر أغسطس هذا.

كما لو أنّي كنتُ أحلم، وتلك هدنة فحسب…

مِن فوق الأرصفة والجسور تَسْري فتنة قاتلة؛

فلا ننطلق، لا ننطلِقْ صارخين

نحو ذاك الذي، من هنالك،

ينزل عبر نهر السّين

في الحُلم.

على فمه اجتذب النّهر ما يُشبه الشّرشف،

فهو يمرّ دون أن يرى شيئاً،

دون أنْ يُنادي أحداً،

حتّى الشّجرة التي ترتعد على الضّفّة.

والقمر، في عالم حيثُ كلّ شيء سيتصلّب،

في عاصمةٍ ذات بياض تائه،

سيحرسه من أعالي الكثير

من بروجِ الحِراسة.

مواضيع مرتبطة

مارك ألكسندر أوهو بامبي: لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ
ترجمة: فيصل أبو الطُّفَيْل31 يوليو 2020
الجائحات
يوسف فاضل02 يونيو 2020
656 عدد المشاهدات