مدينة في ورشة نزار صابور

أثير محمد علي  |  02 أغسطس 2020

شرع الفنَّان السوريّ نزار صابور (اللاذقيّة 1958) برسم المدينة في مرحلة مبكّرة من سيرته الفنّيّة، تحديداً في ثمانينيّات القرن الماضي، قبل أن ينتقل إلى مواضيع جماليّة أخرى؛ وها هو الآن ينكفئ عائدًا إليها في زمن الدار السوريّة المُلوَّعة. ما الذي دفعه لمُناداة المدينة.. مدينته، من وراء تخوم المراحل الفنّيّة الماضية؟ هذه المقالة تحاول الاقتراب من محاورة المدائن عامةً، وكيفيّة تأثيرها على سيمياء الحاضرة المُتبدِّية على قماش اللوحة التي أنجزها نزار صابور، إضافة للفوارق التي تميِّز مدنه الحاليّة عن تلك المرسومة في الماضي.

منذ لوحة «حارة الخرنوبة» (1973)، مسقط رأس الفنَّان، أضحتْ المدينةُ الرحمَ الذي يَؤُولُ إليه المصير التشكيليّ، بغض النظر عن عناوين المعارض العربيّة والدوليّة المُتعاقبة، والتي أذكر منها: «عن دمشق»، «مدن»، «حياة في الرماد»، «عبلة وعنترة»، «سكان التلّ»، «جدران تدمريّة»، «الحب ما أمكن»، «حتى الحرب لها حدود»، «أيقونة تدمريّة»، «معلولا»، «القلمون»، «نواويس سوريّة»…

حين التنقيب في حفريات المدن، ومشهديات البلدات الصابوريّة، تتكشف ينابيع متفاوتة تسقي لوحته بالأمواه المرجعيّة، وتمتد من الفنّ المحليّ السوريّ المُغرق في القدم، إلى العالميّ المُعاصِر؛ لتصب في بوتقة إبداعٍ تكون فيها حدقة الفنَّان مسمّرة على سيرورة المدينة، وصيرورتها آن تَجَلّيها في اللوحة على طريقتها التعبيريّة، مجبولةً بالخبرة الفنّيّة، والهموم المعيشيّة والثقافيّة، فضلًا عن تكوين الفنَّان المعرفيّ المُنفتح على بوليفونيّة الصوت التشكيليّ، وترجيع الحساسيّات الجماليّة المُختلفة.

لكلّ ذلك، ليس بمستغرب، حضور الفنّ الأيقونيّ السوريّ البدئيّ ما قبل البيزنطيّ، وميراث الملاحم الشعبيّة، والخربشات العفويّة «الغرافيتيّة» بنزعتها الفرديّة العفويّة والمألوفة على الحيطان المدينيّة؛ كما تحضر الرموز العقيديّة الشعبيّة المُتنوِّعة، فضلًا عن هامشيّات مكتفية بذاتها كالأبواب والنوافذ والعقود والنواويس..، حتى نعوات الوفيّات التي تعلّق على الجدران، بل وصحن الزيتون المُشترك على مائدة أهل الديار السوريّة… كلها تأتي إلى التصوير من تراث المدينة، التليد أسوة باليومي، تتوق للتجدُّد على يد الفنَّان، ومتابعة الحوار ومراكمة «الجميل» في تاريخ الفنّ السوريّ والعالميّ على حدٍّ سواء، ومعه مقاومة الفقد والفناء، والغياب والتغييب.

يخطط نزار صابور مدائنه بدُرْبَة وحِنكة، ينظمها وهو يتفكّر متأنيًّا، يتفحص مترويًّا، ويتحكَّم مترفِّقًا في التقنيّة والمُعالجة والتلوين والضوء… حتى في نسيج اللوحة وملمسها، بكلّ ما لكلمةِ «ملمسٍ» من معنى ماديّ حسيّ، وانفعاليّ متعالق مع ثخانة المادة اللونيّة، وكثافتها، وتعرُّجاتها، وترقُّقها حتى خِفّة الغباشة الضبابيّة. موظّفًا لهذه الغاية مواد طبيعيّة نبيلة مثل عُرجوم الزيتون المرمّد، والرمال، والطين، وعجائن التلاوين المُبتكرة…

من خلال هذه التكوينات، تنتظر المدينة، كما موادها الخام، إعادةَ التكوين بالمُعالجةِ الجماليّة، كي تسقي عطاش اللوحة؛ بينما يشدِّد الفنَّان على كفاءتها التواصليّة مع المُتلقي، وصلاحيّتها الحواريّة في راهن لحظتها، وما يفيض عن اللحظة من أزمنةٍ قادمة.

من جانبٍ آخر، تتمظهر مدينة نزار صابور كمكوِّن من مكوِّنات تضاريس الأرض، وطيات الأدوار الجيولوجيّة الوجوديّة الثقافيّة، وقول الأرض هنا يعني: أرض اللوحة كما أرض المشهد التصويريّ. هكذا يشكّل جَمْعُ الدور والعمارات الغفيرة طبوغرافيّة الجبل، والأكمة، والسفح، حتى قيعة السراب والعكس صحيح. فالمدينة لا تصعد العلو الجليل فقط، بل تكوّنه وتصيّره. لذلك لا يمكن نقل هذه المدينة إلى مطرح آخر، ولا يمكن تخيّلها في فضاء زمكانيّةٍ أخرى، لأنّها حالةٌ لابِثة ثاوية، في الأرضِ مقيمة؛ هي قبةُ المكانِ الثقافيّ السوريّ وما يأتي به الزمان من وجود.

في جميع تصاوير المدن، يقوم صابور برفع الأفقِ في الرسم، يزيح المنظور، يوسع من إمكانيّة رسم ما يعرفه، على حساب ما يبصره مباشرة؛ يزهد عن محاكاة الواقع الحَرفيّة، ليحاكي جوهر الواقع، ويمكّن الرؤية القلبيّة من التعبير عمّا يبصره الفنَّان ويتبصّره. وعليه، يدع منظر المدينة معلّقًا على ازدواجيّة مختلطة تتكافل فيه العينيّة مع التجريد، التركيب مع الانحلال، دقة الرسم مع الإيعاز، شكل الأرض مع فحوى السماء، انفعال الخط مع موحيات اللون، المُسطح مع مخاتلة العمق، والمكان المادي المُتموضع في إطار روحاني. ومع هذا التكافل والتعشّق بين الثنائيّات، يبتعد صابور عن حسم لحظة الدفق التصويري؛ الأمر الذي يترك الشكل في المدينة عند عتبة اللااكتمال، أو عند نقطة التحوُّل، وذروة العزوف عن قول الكلمة الأخيرة، وهذا ما يجعل المدينة التي يرسمها صابور تنزوي بعيدًا عن التصنيف الأكاديميّ أحاديّ البُعد، تنوء عن الانغلاق، وتقترب من أسلوبيّة الهشاشة والخشونة، بل تترك انطباعًا قصديًّا بالعفويّة والفطريّة التقنيّة.

أمّا ما يميِّز محاورة المدائن الصابوريّة الأولى، قبل تفجُّر العنف في بلده، عن مدائنه الراهنة، فيتركَّز، أساسًا، في طريقة توظيف النور، وكيفيّة تسليطه على تكوين اللوحة. سابقًا كانت المدينة تستغرق في السكينة، تستحم بهطل نورٍ علوي سماوي، مطمئنة لمسقطه العمودي، الأمر الذي يمكّن التلاوين من الإعلان الجماليّ عن نفسها بحبورٍ صوفيّ خفيّ، ويفسح السبيل أمام الظلّ المُفترض للاقتراب الجريء من اللون، كما لو أنّه تدرُّج من تدرُّجاته. إلى جانب ذلك، كانت المدينة تولي عنايتها لاحترام مبدأ المُواجهة الشعبيّ الأيقونيّ، كأنها تشخيص لقديس سوريّ دهريّ. بمعنى أن المدينة تحضر إلى اللوحة، وتطالب باحترام كينونتها وتضاريسها وفطريّتها وأفقها المُتقوّس، ولا تكفّ فيها نثرات ضوئيّة موشّاة، أشبه بأنجم نورانيّة، عن التلألؤ من باطن الرسم.

أما مدينة سنوات العنف الأخيرة، فلا تغفل عن مبدأ المُواجهة، ولا تكفّ عن المُطالبة بالاحترام، ولكنها تركّز أكثر على الكيفيّة التشكيليّة التي آلت إليه من فقدان الاحترام والكرامة. لذلك، يهبُ الفنَّان الأولويّة للعناصر الانفعاليّة، والخطوط المُتوترة، والشكل المُضطرب؛ كما يعملُ على نقلِ رسوم أيقوناته التراثيّة من لوحاتها المستقلّة سابقًا، كي تؤطِّر مرتسمات المدينة، وتنظر إليها كما لو أنها شاهد على ما يجري فيها؛ فما من حاضرةٍ سوريّة منفصلة عن الميراث الثقافيّ؛ وما من مدينةٍ سوريّة إلّا وقد أتت عليها آلات اللهب، وضرام الحطب، ودواهي النوائب والخرائب.

في فضاء غريب تكاد تختفي فيه فكرة الضوء والهواء، يتراكم الرماد بكلّ تدرُّجاته (حتى لو كان اللون أزرق محمّلًا بالرماد)، ويتوزَّع على مساحة الرسم، متباينًا مع الألوان الأخرى، أو مع ذاتِ أبيضِه المُحايث… يتراكم الرماد، ومفهوم الرماد، معمِّقًا اختلاج التعبير التشكيليّ، مبسطًا التفاصيل المُعقدة، ومركزًا على كيفيّة تشبُّث المدينة بالأرض المحروقة، وهي تحاول مقاومة الموت؛ بينما نثرات تلوين النور المُنبثّ، تلتمع من دفائن الرماد، تهسُّ محدّثةً النفس عن نورٍ مضمر، وربما عن «حياة في الرماد».

مع التصاق اليوميّات السوريّة بالموت، لم يرجع الفنَّان لرسوم المدينة فقط، بل راح يدنو، خلال الشهر الماضي، من كليّة الحاضرة البانوراميّة، يقتطع منها مشهديّات جزئيّة، كما لو أنها كولاج مجتزأ من تصميم معماريّ؛ ويفرد لهذا الجزء المكبّر لوحات كاملة تتسم بدقة التخطيط، وتسودها الأشكال الهندسيّة (المثلث، المربع، الدائرة…) ذات الدلالة الروحيّة الانفعاليّة.

في هذه اللوحات – القُطوع، يميّز المشاهدُ سلالم، وسبلَ حاراتٍ تتكئُ على حضِ الجبلِ، وتتوسدُ تجاعيده. في حقيقة الأمر، ما من حبيب للمدينة السوريّة، لم يرتقِ، فعلًا أو تخيّلًا، أدراج الأحياء الصاعدة إلى السماء الشاميّة. إنّها سلالم الحسّ والروح؛ عندها تجتمع مشقّة الجسد الفرديّة، مع شعيرة ارتقاء النفْس الكونيّة، درجة درجة؛ إلى أن يتنفّس الحبيب الصعداء آن الوصول لمصطبةٍ؛ ومن ثمَّ يتابع جهاد النفْس في المكان وبرفقته.

تنزاح السلالم الصابوريّة في اللوحات الأخيرة عن فكرة الوقار المُتعالي التقليديّة، وتتعالق مع تبجيل الهامشِ، وشرف المُحاولة لمَنْ يصعدُ الأدراج يوميًّا في المدينة السوريّة.

في بعض هذه الرسوم تظهر أشجار سَروٍ، كنقاط علام ضمن التشكيل؛ أشجارٌ تصنفها الهندسة الزراعيّة كمصدات رياح تسيّج الحقول لتحميها؛ بينما تُومئ خضرتها الدائمة في فنّ المُنمنمات الشرقيّة إلى الحياة؛ أما في الفنون الأوروبيّة فينتصب السرو على طرفي الدرب إلى المقبرة، عاقدًا وصاله مع رمزيّة الموت… وجميع هذه التأويلات صالحة في حضرة مدينة نزار صابور، لأن مدينته السوريّة المحليّة هي كونُ الأكوان، وتكشّفُ حياة وموات بآن.

ما انفكّتْ «المدينة» في المنجز الفنيّ العالميّ، تمارس تأثيرها على الفنَّانين، وعلى كيفيّة توظيفهم لها في خطابهم البصريّ. تاريخيًّا، يرجّح أن أوّل تصوير تشكيليّ مدينيّ يعود لجداريّةٍ مكتشفة في حفريات أكروتيري في جزيرة سانتوريني اليونانيّة، وتُعرف بـ»فريسك السفن» (بين 1650 و1500ق.م). وتمثّل منظر مدينتين ساحليتين، يصل بينهما موكب السفين والدلافين في احتفاليّة ماتِعة. ويُعتقَد أنّ المدينة الأولى تقع على دلتا النيل، والثانية على شاطئ جزيرةٍ إغريقيّة كفَّنها الرماد البركانيّ لاحقًا. ويرى البعض أنّ هذه الأخيرة كانت وراء محاورة أفلاطون حول أطلانتس الفانية. بمعنى أنّ اهتمام الفيلسوف بأطلانتس البائدة، دفعه نحو التفلسف حول المدينة – الفاضلة. من الناحية التشكيليّة، ورغم تجاهل المنظور، يتبدَّى في «فريسك السفن» تعايشٌ بين نزعتين تشكيليّتين: الأولى حيويّة بهيجة رشيقة التكوين مقارنةً مع فنون الحضارات الأخرى آنئذٍ، خاصة حين تصوير احتفاليّة المراكب؛ أما الثانية، فهي نزعة تميل نحو تصميم صارم يلازم الشكل الهندسيّ المُجرد للمدينتين. ولعلّ في تكوين «فريسك السفن»، إشارة أولى في تاريخ الفنّ حول تكافل المُتناقضات، بل تكاملها في العمل الفنيّ الواحد، إشارة نعثر عليها في أساس المدينة التصويريّة التي أبدعها نزار صابور.

بالوصول إلى المدينة الصابوريّة، لابد من القول إنّ سماتها الكليّة تتوضح بفهم الدلالات الفلسفيّة والجماليّة السابق ذكرها، كما لو أن الفنَّان يتابع محاورة المدائن تصويريًّا؛ ذلك أن اجتماع مجمل لوحاته حول المدينة، يتبدَّى أسوة بتشكيلات حواريّة؛ بل يمكن القول إنّ منجزه على اختلاف المراحل، هو مشهديّات مقرّبة، أو تفاصيل مدينيّة، لا يتلبسها المكان فقطّ، بل أزمنة «الأنا» الثقافيّة وحالاتها، على المُستويين الذاتيّ والجمعيّ.

مواضيع مرتبطة

داني لافرير.. «المنفى يستحق السفر» 
عبد الرحمان إكيدر03 يوليو 2020
محسن الموسوي.. «السِّياق الإسلامي لألف ليلة وليلة»
ترجمة: ربيع ردمان01 يوليو 2020
حجاب التلقّي في قصيدة النثر العربيّة
رشيد طلبي03 يونيو 2020
رحلة محمد الحارثي الأخيرة
إبراهيم‭ ‬سعيد06 أبريل 2020
رحلة الإيطالي بوتا إلى اليمن.. مرثيةٌ الصِّراع
رحلة الإيطالي بوتا إلى اليمن.. مرثيةٌ الصِّراع06 أبريل 2020
مديح التأخُّر!.. الوقت في طريقه إلى الانقراض
مديح التأخُّر!.. الوقت في طريقه إلى الانقراض06 أبريل 2020
641 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

جوائح الفن التصويري
01 أبريل 2020

تناولت الفنون التشكيليّة موضوع «الوباء» كواقع عياني قابل للإدراك والتوثيق، وتجربة تستجيب للأسطرة والترميز، وكمفهومٍ فلسفي يحمل على كاهله هواجس الإنسان وقلقه من المجهول والموات، فضلاً عن كيفية توظيف السُّلطة للجائحة في خطابها. في هذه القراءة سيتم التركيز...

اقرا المزيد