من الحجْر إلى الضجر

عبد الرحيم العطري  |  02 يونيو 2020

لا أدري لماذا تحضرني واقعة سقوط جدار برلين، كلما أمعنت التفكير في جائحة كورونا، فهل من تناصٍ محتمل بين الواقعتين، ولو في مستوى السقوط المادي والرمزي؟ ألا تشكل الجائحة واقعة خراب وانهيار لجدران اليقين والارتياح المبالغ فيه؟ ألم تُفْضِ إلى إحداث هزات ورجات في منظومة القيم والمعتقدات والانتماءات؟ ذلكم ما أحدثه سقوط جدار برلين قبل ثلاثة عقود، وذلك ما تفعله فينا الجائحة، الآن، في ظلّ شموخ اللايقين واللامعنى. فما الذي سقط فينا، وانهدم بسبب هذا الفيروس التاجي؟ وما الذي انهار في أعماقنا واستحال خراباً ويباباً، في زمنية الحجْر الصحي؟ وهل من إمكان لإعادة الترميم أو استئناف البناء في سياق الـ«ما بعد» والـ«عن بعد»؟

حتماً هناك تناصات للمعنى والمبنى بين جدار برلين الذي هدّته الإرادة السياسية، ومؤديات الحرب الباردة، وبين جدار اليقين الذي أهدتنا إياه العولمة السعيدة والحداثة المفرطة، والذي حطّمته جائحة كورونا، مؤكّدةً بأن النبوءات لم تصدق، وأن السقوط، والخراب، واللاجدوى كلّها باتت ممكنات للتفاوض مع واقع قاسٍ ومؤلم، حيث الترقب أفقاً والضجر احتمالاً. طبعاً لا شيء أقسى من الضجر، لا شيء أكثر وخزاً وإيلاماً من الخضوع لسلطان العادة، حيث التكرارية متناً للحضور والامتداد، وتحت مسمى جديد/قديم اسمه «الحجْر الصحي»، حيث يكون على «إنسان الجائحة»، تدوير كلّ مفاهيم الحرّيّة والإرادة والفعل والألم والمعاناة.

في ظلّ هذه «الإقامة الجبرية» التي ترتهن إلى المنع والتضبيط والمراقبة والعقاب، يختبر الإنسان معنى الحرمان من كَثيرِ من الحقوق والطقوس والممارسات، ويتوجب عليه، تحت طائلة الجبر والإكراه، ألا يغادر رقعة جغرافية محدودة، وألا يمارس فعاليات كثيرة، وأن يتخلص من أجندة اليومي الموزعة بين العمل والترفيه وباقي الطقوس الحياتية، ما يقوده في النهاية، إلى الانحشار في زاوية ضيقة، تتكرَّر فيها الوقائع والأفعال، بنمطية وروتينية مثيرة للسأم. ذلك أن أصعب ما نعيشه اليوم، في ظلّ الجائحة، هو الخوف من فقدان شغف الحياة، والانتهاء إلى سجل «اللاَّأين» و«اللاَّمتى»، وفي جحيم مأزق «اللاَّمخرج» من ورطتنا الجماعية الكبرى.

عندما ننسجن في الرف الأرضي للفجيعة، ننتظر خلاصاً أو مهدياً، نحاور أشياءنا المكرورة، ونقترف الوقائع ذاتها، وبنفس تفاصيل الأداء والترتيب، ما نفعله اليوم، نفعله غداً، وتحت السقف ذاته المُحاصر والمُهدّد بالوباء القاتل، حينها نتجرع مرارة الضجر، نُحِسُّهُ جرحاً ينكأ الجرح، في تأشير دال على انتصار العنصر الخامس، أي العدم والفراغ. ذلك أن مفكِّري الإغريق الأوائل كانوا يعتقدون أن أصل العالم موزَّع بين التراب والماء والهواء والنار، وهناك من أضاف العدم كعنصر خامس، نتلظى به آنا، في مواجهة الوباء السائل. فكيف للإنسان أن ينتصر على الفراغ؟ أنّى له أن يتحرَّر من سطوة العدم؟ هناك حيث لا شيء يوحي بالامتلاء، هناك حيث الزمن ينسال بطيئاً، ويندلق مؤلماً نحو اللانهائي، ففي عز الفراغ تصير الدقيقة بألف جرح وجرح، تغدو الحقيقة وهماً، والوهم دمعاً، ينساب مالحاً من القلب قبل العين. 

الفراغ قاسٍ ومبعثر، والضجر الذي يتحدّر منه، أكثر قسوة وإرباكاً، إنه يعيدنا إلى الحيرة الكبرى، حيث اللايقين أفقاً، واللاجدوى موئلاً. ولهذا لم يكن الضجر لينسحب من نقاشات الفلاسفة والأدباء، فقد شكّل على الدوام «مسلكاً» للتفكير والتخييل، باعتباره حالة وجودية مُولّدة للقلق والتوتر. فقد اعتبره «هيدغر» على أنه الضباب الصامت، الذي يغتال الرؤية، ويفتح كلّ الاحتمالات، مثلما وصفه «كيركغارد» بأنه جذر كلّ الشرور، وأنه منتهى اللا طمأنينة برأي الشاعر «بيسوا» الذي عمل على تكثيف دلالة الضجر في هكذا تعبير: «أحس بأني لست أكثر من ظل لشكل، لا أقدر على رؤيته، إنني أعيش في اللا شيء مثل الظلام البارد، حيث لا يوجد هنا إلّا حائط الضجر، الذي تعلوه كسور الغضب الكبيرة».

إن فقدان معنى الأشياء، انتماءً وإرادة وفاعلية، يُدخل الإنسان في دوامة المبتذل والعابر والروتيني، حيث الفراغ المطلق والتدوير المكرور، ولما يغيب الحافز، وترتبك مسارات التجديد والتغيير، تتعطّل دورة الحياة في بعدها الأنطولوجي المشبع بالفعل والتردّد والمغامرة والشغف، فلا تصير الحياة جديرة بالحياة، ما دامت الساعات القادمة مجرَّد نسخ مكرورة لزمن بطيء، عنوانه الانتظار والرعب والقلق. هنا بالضبط، وكما يقول «شوبنهاور»: «تتذبذب الحياة مثل رقاص ساعة، يميناً وشمالاً، من الألم إلى الضجر، باعتبارهما عنصرين مؤسّسين للحياة».

وفي هذا الصدد، أثبتت إحدى الدراسات الحديثة التي أنجزتها المندوبية السامية للتخطيط، بالمغرب، (هيئة حكومية للإحصاء) عن التداعيات النفسية والاجتماعية لجائحة كورونا، أن أَزْيد من 40 بالمئة من الأسر التي شملتها الدراسة، عانت، وبسبب الجائحة، القلق والخوف، ورهاب الأماكن المغلقة، واضطرابات النوم، وفرط الحساسية، والتوتر العصبي، والملل. كما كشفت الدراسة ذاتها أن 70 بالمئة من المبحوثين أبدوا قلقاً، متراوحاً بين المتوسط والشديد، بشأن الخوف من الإصابة بالعدوى، وفقدان العمل، والوفاة بسبب الجائحة، وعدم القدرة على تموين الأسرة، والخوف على المستقبل الدراسي للأبناء، وعدم استثمار وقت الفراغ. وبين هذا وذاك، كان الملل والضجر، من سلطان التكرارية والاعتيادية، يلقيان بظلالهما على المعيش اليومي للمبحوثين، و«يُثْمر» مَزيداً من التوتر والعنف والألم.

لقد أنتجت الجائحة خطابات تتوزَّع بين «التديين» و«التسييس» و«الدولنة» و«التهوين والتهويل»، وفي الآن ذاته، أنتجت خطاباً آخر يمكن توصيفه بـ«الهندسة الأخلاقية للجائحة»، والذي يُعنى بـ«النصائح التدبيرية» للتعاطي مع الحجْر الصحي، ليس فقط في مستوى الاحترازات الصحّية، ولكن في مستوى التفاوض مع فائض الزمن الذي تراكم لدى الأفراد والجماعات بسبب العودة القسرية إلى المساكن، وكذا في مستوى الإرشاد النفسي والاستماع والتوجيه التربوي. وهو خطاب يستعير عُدَّته المصطلحية من علم النفس والتنمية الذاتية، لدفع الناس إلى تقدير الذات، والتفكير الإيجابي، وإدارة الوقت، وتدبير الآثار النفسية للجائحة بفائق الاقتدار والاتزان. 

إلّا أن هذه الهندسة الأخلاقية لتداعيات الجائحة، لم تمنع من بروز فروق فردية في التعاطي مع تبعات الحجْر الصحي، ولم تُلْغِ الاتساع الكمّي والكيفي لمساحات الإحساس بالعجز والملل والضجر، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى ما تُخَلّفه الصدمات من خلخلة للبناء النفسي. فالجوائح والأوبئة والحروب والثورات والانقلابات والزلازل والأعاصير هي صدمات مربكة لمسار الحياة الإنسانية، وإن اختلفت شروط بنائها الأولية، ما بين الصحي والسياسي والمجتمعي والطبيعي، فإنها تشترك جميعها، في إنتاج حالات من الهلع والخوف على الأحوال والمصائر، والتي تربي اليأس والملل اتصالاً بغياب الحلول المُرْضِية، وتراكم الخسائر الفادحة.

يفيدنا علم النفس كثيراً في فهم العلاقة مع الصدمات، ففي البدء يلجأ المرء إلى الإنكار، وهو ما لاحظناه بقوة في الخطابات الأولى التي رافقت الإعلان عن ضحايا هذا الوباء، ما أنتج نظرية المؤامرة بصدد من أنتج الفيروس التاجي ومن يستفيد من شيوعه في ربوع العالم، وأنتج، في الآن ذاته، كثيراً من القراءات والتحليلات المُنكرة لكلّ ما حدث ويحدث. بعدها تأتي مرحلة التفاوض أو المساومة مع الصدمة/الجائحة، وهنا بالضبط ينتعش، خطاب التهوين أو التهويل، وذلك في شكل إبداع نُكت عن الجائحة، أو ترويج للشك والشائعات والأخبار الزائفة، وهي ذات المرحلة التي لم تتحرر من سجل الإنكار الأولي.

بعدئذ تأتي مرحلة الإقبال على الصدمة باستدماجها والإفراط في الانشغال بها، حديثاً ومساءلةً، وهنا سنلاحظ كيف لاحت أساسيات هذه العتبة في مستوى إنعاش الخطابات المشار إليها قبلاً، حيث نلحظ «سعاراً» و«إسهالاً» في الحديث عن الصدمة، في تأكيد لتجاوز عتبات الدهشة والإنكار والمساومة. ليصل المرء في النهاية إلى مرحلة التقبل والالتزام، حيث تصير الواقعة قضيته الوجودية، التي يتفاوض معها ويتقبلها، ويلتزم ببروتوكولات التعايش معها، وهو ما نلاحظه في شأن تقعيد «العادات الصحية الاحترازية» الجديدة، من قبيل وضع الكمامات، واستعمال المطهر، واحترام مسافة التباعد الاجتماعي. 

طبعاً لا يمكن القول بأن كلّ الصدمات التي يختبرها الإنسان، تفترض هذا المسار الانتقالي، من الإنكار إلى التقبُّل، فقد تكون هناك انتكاسات وتراجعات وصدمات أخرى غير متوقَّعة، تعيد كلّ شيء إلى ما قبل الصفر، فقد ينتصر العنصر الخامس في كلّ العتبات، وقد يغدو سيد الموقف، برفقة الضجر، والذي يعتبره «إميل سيوران» بأنه العثور على الذات، لكن بإدراك بطلانها وانتفاء صلاحيتها. يحدث ذلك، تحديداً، عندما تطول الصدمة، وتصير واقعاً يرفض الارتفاع، عندما تصير «خبزاً يومياً» يصبح ويمسي عليه الفرد، ولا حقّ له في تغيير نمط العيش ولا رقعة المعيش. 

إن الضجر، والحالة هذه، هو انحسار للمعنى وانتهاء من إدراك الفارق، إنه انتفاء للإرادة وغرق مباشر في التشابه الفج، فلا اختلاف بين السابق واللاحق، ولا إحساس بالأثر أو الإثارة، ولا انشغال بالأمل أو الفضول، فقط، هي الرتابة التي تحرك بندول الزمن الضائع، بلا ماهية ولا شغف. أليس الموت المقنع بالحياة، ما يحيل عليه كلّ هذا الضجر؟ لنعترف بأن ثمّة جوائح اقتصادية ونفسية واجتماعية تترتب عن جائحة كورونا، فأي لقاح كفيل بمداواة جائحة الضجر، التي تجتاح العالم في صمت، وخلف الأبواب الموصدة، وتُخلّف وراءها عنفاً وقلقاً ويأساً معتقاً؟ وأي ترياق نحتاجه، آنا، لصناعة الحياة ومقاومة اللامعنى؟.

آل الهندسة الأخلاقية للجائحة، يقترحون التداوي بالحرف والسؤال لرتق الرقع وتلافي السقوط، وهناك من يقترح الهجرة إلى السماء ضداً على السأم، فيما آل «التسييس»، يريدونها لحظة للمصالحة مع «السياسي» والوقوع في غرام «التكنوقراط»، فيما الدولة موزَّعة بين دواء «الدولة الحارسة» وترياق «الدولة الرعاية»، في حين ينتصر آل «التهوين والتهويل» والذين يُحتمل أن يكونوا- أيضاً- من أصحاب الخطابات الفائتة، ينتصرون للرعب المعمم أو الوهم المعمم، عبر وسائط الميديا التي تَفَاقَمَ «النزوح الإلكتروني» نحو منتجاتها ومجالاتها التداولية الافتراضية والواقعية، وبين هذا وذاك، يبقى الضجر والتنميط والملل واقعاً يبحث لنفسه عن لقاح آمن، في انتصار، نتمناه مؤقتاً، للعنصر الخامس.

لا بأس أن نكتب ختاماً مع الفيلسوف «سلافوي جيجك»، مديحاً للملل، عَلَّهُ يعيدنا إلى سجل الأمل، فالملل عنده هو مطلع كلّ فعل أصيل، وأنه ما يفسح المجال لانشغالات جديدة، إذ بغياب الملل يغيب الإبداع، وإن لم تشعر بالملل، يقول «سلافوي»: «فإنك مستمتع، وبغباء، بوضعك الراهن». فالملل سؤال يقظ، يدعوك إلى رفض الكسل وبحث آفاق أخرى لكتابة الحيوات..

مواضيع مرتبطة

غالب هلسا.. الثورة والأنموذج ومرثية العمر الجميل
صبري حافظ01 يوليو 2020
غالب هلسا.. الكتابة بالحُلم
خالد بلقاسم01 يوليو 2020
غالب هلسا.. من رواية اليقظة إلى رواية الأفول
فيصل درّاج01 يوليو 2020
غالب هلسا.. سرديّة المغترب الأبدي
محمد‭ ‬الشحات01 يوليو 2020
ضجرٌ لا كالضجر
خالد بلقاسم02 يونيو 2020
الملل.. كتلة من ظلام تعاند الحياة
فيصل درّاج01 يونيو 2020
ما أراه من النافذة
علوية صبح13 مايو 2020
لا تحمِلْ الحياةَ على محمَلِ الجد
هدى حمد13 مايو 2020
تدريبٌ من الماضي
عدنية شبلي13 مايو 2020
أسئلة مرعبة
سعدية مفرح13 مايو 2020
979 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

«كورونا» الذي يُعيد «تربية» العالم 
01 أبريل 2020

لربَّما من السابق لأوانه، الدخول في محاولة لاستخلاص الدروس والعبر من رعب كورونا «السائل»، لربَّما من غير المنطقي، الحسم في مآلات الوضع المربك والمخيف الذي نختبره آناً، ومع ذلك لا بأس أن نجرِّب القراءة ونهفو إلى تلّمس الخلاص. الأمر جلل والموقف عصي على...

اقرا المزيد