مواطنو العالم..قراءة الأدب مابعد الكولونيالي

ترجمة: لطفية الدليمي  |  02 يناير 2022

شهد القرن الماضي ازدهاراً غير مسبوق في الرواية، والشعر، والدراما، في بلدانٍ كانت مستعمرات بريطانية سابقة؛ الأمر الذي نتج عنه تغيّرٌ في خارطة الأدب الإنجليزي.

يستكشف كتاب «مقدّمة كامبردج في الآداب مابعد الكولونيالية Cambridge Introduction to Postcolonial Literatures» الذي ألّفته البروفسورة «لين إينيس Lyn Innes» – وهي أستاذة مميَّزة في ميدان اختصاصها – مدًى واسعاً من الكتابات مابعد الكولونياليّة من مناطق مختلفة ناطقة بالإنجليزية، منها إفريقيا، وأستراليا،والمنطقة الكاريبيّة، والهند، وإيرلندا، وبريطانيا. تقارن «إينيس» بين الطرق التي استخدمها الكُتّاب في تشكيل الهويّات الجمعية المشتركة، كما تسائلُ القيَم والتمثُّلات الخاصّة بشعوب الأمم المستقلّة التي كانت خاضعة للهيمنة الكولونيالية البريطانية.

وُلِدَت «لين إينيس» في أستراليا، وتخرَّجت في «جامعة سيدني» قبل أن تمضي اثنتي عشرة سنة في الولايات المتَّحدة الأميركية طالبة دراساتٍ عليا، ومحاضِرة جامعية، وقد أكملت أطروحتها الجامعية للدكتوراه في «جامعة كورنيل» عن (الهويّة الوطنية الثقافية السوداء، والإيرلندية)، ثم مارست التدريس في «جامعة ماساتشوستس – أمهرست»، حيث كان الروائي النايجيري «تشينوا أتشيبي» يعمل أستاذاً للآداب الإفريقية هناك، ثم أصبحت محرّرة مشاركة في مجلّة «OKIKE»، وهي مجلّة متخصِّصة بالكتابات الإبداعية الإفريقية، أصدرها «أتشيبي». انضمّت، عام (1975)، إلى التدريس في «جامعة كنت» البريطانية ضمن برنامج لتبادل المحاضرين، وبقيت في تلك الجامعة لسنوات عديدة لاحقة.

درّست «إينيس» برامج دراسية عديدة، منها: الدراسات الإفريقية، والأدب الأسترالي، والأدب الإيرلندي، كما شاركت عدداً من زملائها الأساتذة في قسم اللّغة الإنجليزية، جهودهم لتأسيس مركز للدراسات الكولونيالية ومابعد الكولونيالية، وأسهمت في تصميم برنامج دراسة الماجستير للدراسات مابعد الكولونيالية في «جامعة كنت».

المادّة الآتية، ترجمة للفقرات الأولى من الفصل الأخير من كتاب «مقدّمة كامبردج للآداب مابعد الكولونيالية» المشار إليه في التقديم. الفصل بعنوان «مواطنو العالم: قراءة الأدب مابعد الكولونيالي – Citizens of the world: reading postcolonial literature»، ويمكن للقارئ أن يشهد ذكر اسم الحاصل على «نوبل» الآدب (2021) «عبد الرزاق قرنح» في هذا الفصل، وقد ورد اسمه (عبد الرازق)، بحسب الصيغة الإنجليزية التي كُتِب بها.

 

 

 نص الترجمة:

على مدى ماينوف على الأربعين سنة الماضية، اجتذبت أعمال الكُتّاب مابعدالكولونياليين، في بريطانيا والمستعمرات البريطانية السابقة، جوائز أدبيّة مرموقة عديدة: مُنِحت جائزة «نوبل» في الآدب لكلّ من الكاتب الروائي الأسترالي «باتريك وايت»، والكاتب المسرحي والشاعر والروائي النايجيري «وول سوينكا»، والشاعر الكاريبي «ديريك والكوت»، والمؤلِّف الترينيدادي «في. إس. نايبول»، والروائية الجنوب إفريقية «نادين غورديمر»، والشاعر الإيرلندي «شيموس هيني»، (مثلما مُنِحت في وقت أبكر من القرن العشرين، للكاتبَيْن الإيرلنديِّيْن: «دبليو. بي. ييتس»، و«صامويل بيكيت»)، كما أن مايقارب نصف الفائزين بجائزة «مان بوكر» الروائية البريطانية المرموقة الأكثر حظوةً، ومنذ انطلاقتها في عام (1969)، هم كتّابٌ من مستعمرات بريطانية سابقة، من ضمنهم سلمان رشدي (الذي وصفت روايته «أطفال منتصف الليل» (1981) بأنها أفضل أعمال «البوكر» قاطبةً)، وتضمّ قائمة حائزي «مان بوكر»: (جي. إم. كوتزي (حازها مرتين) – بيتر كاري (حازها مرَّتَيْن) – في. إس. نايبول – مايكلّ أونداتشي – مارغريت آتوود – بن أوكري – كيري هولم – نادين غورديمر – توماس كينيللي – جَي. جي. فاريل – رودي دويل – جون بانفيل – أرونداتي روي – روث براور جادفالا)، وقد ظهرت أسماء العديد من هؤلاء الكاتبات والكتَّاب على قائمة «مان بوكر» القصيرة مرَّات عدّة، مثلما فعل كتّاب مابعد كولونياليين، منهم: وليم تريفور، وعبد الرازق غورناه، وروهنتون ميستري، وكارول شيلدز، ودوريس ليسنغ، وأنيتا ديساي، وأندريه برينك.

كان النقّاد والصحافيّون سبّاقين في الإشارة إلى حقيقة أن الجوائز الأدبيّة توفر شعبية مُرَحَّباً بها؛ لا على صعيد مموّلي تلك الجوائز، فحسب، بل لناشري الأعمال الأدبيّة للمؤلّفين على حدّ السواء، وقد صُمّمت جائزة «مان بوكر» بطريقة يتمّ معها تعظيم القبول الجماهيري، ثم مبيعات الكتب، من خلال الإعلان عن القوائم القصيرة للكُتّاب، وكذلك تشجيع تخمين القرّاء، ومشاركتهم في توقُّع الفائزين، قبل الإعلان المتلفَز عن الفائز. تَشاركَ الكثير من النقّاد (وأنا معهم) رأي «ريتشارد تود – Richard Todd» في أن جائزة «مان بوكر» شجَّعت تدعيم الإدراك المتعاظم بشأن كون بريطانيا مجتمعاً تعدُّدياً(1)، وساهمت الجائزة في تقديم التقدير اللازم والكافي للكتّاب في نطاق (الكومنولث) ؛ وبرغم هذا الأمر، شجَّعت النجاحات المرموقة التي أحرزها الكُتّاب مابعد الكولونياليّين مع هذه الجائزة، وجوائز كثيرة أخرى غيرها، على نشأة نوع من المزاح الساخر الذي يدعم الشكّ السائد لدى بعض النقّاد الذين يرون أن المركز الكولونيالي حدّد سمات الكتابة مابعد الكولونيالية بما يتلاءم مع الغايات النهائية الخاصّة به، وأنه ابتغى، من وراء الجوائز المرموقة، تحديد توجُّهات الأعمال التي ينبغي لها أن تتقدَّم على غيرها، طبقاً لرؤية المركز الخاصَّة. وعلى أساس هذه الرؤية، يدّعي بعض النقّاد الأفارقة والأفارقة الأميركيِّين أن منح جائزة «نوبل» في الأدب لِـ«وول سوينكا» و«ديريك والكوت» (حتى إلى «توني موريسون») أشّرت على حقيقة أن كتاباتهم كانت أكثر (أوروبيّة) و(نخبويّة تختصّ بالأقلِّيّة المهيمنة – elitist) بدل أن تنطوي على الأصالة المحلِّيّة الإفريقية أو الكاريبية. إن الحقيقة المؤسَّسة على كون شركة «ماكونيل – McConnell» التي تتولّى رعاية جائزة «مان بوكر» قد تأسَّست في «غويانا»، وحصلت على عوائدها المالية من إدارة مزارع قصب السكر في منطقة «ديميرارا»، إلى جانب أن واحداً من المعايير المطلوبة في منح الجائزة هو أن يكون العمل المترشِّح منشوراً في بريطانيا* – كلّ هذه العوامل عزَّزت الشكّ في أن رعاية الجوائز الأدبيّة، وتوفير التمويل اللازم لها إنْ هو إلّا شكلٌ آخر من أشكال الكولونيالية الجديدة.

من المؤكَّد أنّ الشكوك قد أثيرت بشأن التنظيم المؤسَّساتي الكامل للدراسات الأدبيّة مابعد الكولونيالية، من طرف نقّاد كثيرين، مثل «إعجاز أحمد» الذي يرى في التأكيد على الأدب المكتوب بالإنجليزية، والتعشيق بين هذا الأدب والنظرية مابعد البنيوية، عاملاً معيقاً لتطوُّر الآداب والمجتمعات المحلِّيّة الأصيلة(2)، وفي الوقت الذي رحّب فيه الكثير من النقّاد والأساتذة بالنموّ المضطرد في حقل الدراسات مابعد الكولونيالية، أبدوا علامات القلق بشأن الاعتبارات التي قد تعلق بفهمنا لتلك الدراسات من خلال التشييد المتسارع للهياكل الأدبيّة راسخة البنيان، وكذلك عبر الاعتماد على ناشرين محدَّدين، وأنتولوجيات محدَّدة لجعل الأدب مابعد الكولونيالي في متناول القرّاء. إلى جانب ذلك، تمَّ تطوير قيم ومفاهيم مثل (الأصالة المحلِّيّة – authenticity) و(الغيريّة – otherness) و(الهُجْنة – hybridity)، وتضمينها في المناقشات الخاصّة بالكتابات مابعد الكولونيالية، على نحوٍ بدت فيه النصوص الحاوية على هذه المفاهيم تختصُّ بالاهتمام المتواصل بكلّ مامن شأنه جعل الكتّاب يبدون غير متخاذلين في مساءلة الهياكل الأدبيّة موَطّدةِ الأركان، وبخاصّة تلك التي اتَّخذت سمة «نماذج فكرية – paradigms» نقدية مابعد كولونيالية محدَّدة. سبق لِـ «غراهام هوغان – Graham Huggan» أن حلَّلَ، وانتقد مأسسة الآداب مابعد الكولونيالية، وتسويقها لمحض تأكيدها على فكرة «الدخيل – The Exotic»؛ ذلك التأكيد الذي نشأ جزئيّاً؛ بسبب طغيان مفاهيم مثل (الغيرية) و(الأصالة المحلِّيّة) في النظرية مابعد الكولونيالية. يجادل «هوغان» في أن أعمال كتّابٍ مثل: حنيف قريشي، ونايبول، ورشدي، توفِّر أمثلة لِـ (التهميش المُمسرح)؛ أي التمثيل الدرامي لحالة المرؤوس التي يشعر بها هؤلاء إزاء الفوائد المتخيَّلة التي يجنيها الحضور ممّن يشكِّلون أكثرية(3). وفي الوقت الذي يعترف فيه «هوغان» بالنيّة التدميرية التي ينطوي عليها (التهميش المُمَسرح) لهؤلاء الكتَّاب، يبتغي تحدّي «النمطيات – Prototypes» السائدة لدى الأغلبية، والتي تميل إلى خلع صفة (الدخيل) على الآخر. يشير «هوغان» إلى أن أعمال هؤلاء الكتّاب، غالباً مايتمّ تسويقها وقراءتها بعونٍ من مفاهيم ( التهميش) و(الغيرية)، وهذه عملية يرى فيها «هوغان» خلقاً لِـ (الحالة الدخيلة مابعد الكولونيالية)؛ الحالة الرامية لتأهيل الآخر، أو كما عبّر «هوغان» ذاته «نمط من الإحساس الجمالي يتمّ معها تأهيل الآخر مع سياق القيم والمفاهيم السائدة، حتى لو بدا الأمر غريباً وغير معهود» (4).

يستشهد «هوغان» بمفهوم «بيير بورديو – Pierre Bourdieu» عن الرأسمال الثقافي المكتنز مركزيّاً، وهرميّاً (الذي يتمّ التفاوض بشأنه من خلال الاحتكاكات بين منتجي السلع، ومستهلكيها)، وبواسطة هذه الاحتكاكات يتمّ إضفاء الشرعية على أنواع محدَّدة من الكُتّاب، من خلال الجوائز المرموقة ومراجعات الكتب المعتبرة والمفضّلة…، وغير ذلك، ومن خلال امتلاك السلطة على تضمين كتّاب محدَّدين في المناهج والمقرَّرات الأكاديمية. يبتغي «هوغان»، في عمله المعنون بـ«الدخيل مابعد الكولونيالي – The Postcolonial Exotic» عام (2001) مساءلة مايراه (المترتّبات الإمبريالية الجديدة للصناعة الأدبيّة / النقدية مابعد الكولونيالية المتمحورة على المركز الغربي، والمعتاشة على موائده) – صناعة تعتمد، بصورة رئيسية، اللّغة الإنجليزية، ودور النشر في لندن ونيويورك، وتوفِّر المنتجات المترجمة للمستهلكين في الحواضر المدينية العالمية الكبرى، مفضّلةً (بعضاً من الكتّاب ذوي الشهرة المدَوِّية: أتشيبي، ونايبول، ورشدي)، إلى جانب (النقّاد الثلاثة المعتَبَرين نجوماً استعراضية: بابا، وسعيد، وسبيفاك) (5).

إن الأسئلة التي يطرحها «هوغان» هي في غاية الأهمِّية، ويحتاج أيّ قارئ للكُتّاب مابعد الكولونياليِّين أن يضع تساؤلات «هوغان» موضع تدقيق معمّق، رغم أنه يمنح أهمِّيّة أكبر، واعتباراً أعلى – على ماأرى – لِـ (القُرّاء الغربيين) الذين هم، على كلّ حال، جماعة مختلفة المشارب إلى حدود أبعد بكثير ممّا تفترضه محاججات «هوغان» الخاصّة: تؤكّد البيانات المنشورة بخصوص كتب «تشينوا أتشيبي»، مثلاً، أن معظم قرّائه هم أفارقة، وليسوا أوروبيِّين أو من أميركا الشمالية. ومن جانب آخر، أشار بعض الأساتذة منهم «كارين باربر – Karin Barber»، و«ستيفاني نيويل – Stephanie Newell» إلى أهمّيّة شبكات النشر والتسويق المحلِّيّة في نيجيريا(6)، في حين أشار أحمد، وآخرون إلى ازدهار الكتابة والنشر بلغات متعدِّدة في شبه القارة الهندية (تعدّ اللّغة الإنجليزية فيها محض لغة واحدة من بين لغات عدّة)، كما أشاروا إلى نموّ حضور أدبي محلِّي في تلك المنطقة.

لم يكن القبول والترحاب هو الحالة السائدة مع العديد من الأعمال المضادّة للكولونيالية ومابعد الكولونيالية في الأدب؛ بل طال الحظر تلك الأعمال، وعُدَّت غير متاحة في البلدان التي ينتمي إليها كُتّاب تلك الأعمال: في جنوب إفريقيا، طال الحظر الكثير من الأعمال التي أعتُبِرت تجريبية وحداثية بناءً على اعتبارات أخلاقية أو سياسية، وتضمّ قائمة الكتب المحظورة بعضاً من ألمع الأسماء، وأكثرها شهرةً، منها: بيتر أبراهام- برينك – غورديمر – أليكس لاغوما – لوريتا نغكوبو، كما مُنِع القرّاء في جنوب أفريقيا من قراءة نصوص لكُتّاب منهم: آي كوي أرماح – ليونارد كوهين – لانغستون هيوز – مارتن لوثر كينغ – ستيفن كينغ – نغوغي واثيونغو…، وكذلك وودي آلن !!!. ومن المثير الذي يدعو للدهشة، في هذا الشأن، أن عمل «إيرنست همنغواي» المسمّى «عبر النهر ونحو الأشجار – Across the River and Into the Trees» عام (1950) قد مُنِع في كلّ من جنوب إفريقيا، وإيرلندا !!. إن مثل هذه التحديدات عنَت أن الكثير من الحوادث تمّ قمعها، وأن الحيوات والثقافات الخاصّة بالسود أو الملوّنين في جنوب أفريقيا، كانت إمّا غير مُمثّلة على الإطلاق، أو مُمثّلة على نحو محدود أو مشوّه، وبالنسبة إلى هؤلاء الذين كان بمستطاعهم الوصول إلى الأعمال التي طالها الحظر، فإن واحداً من تأثيرات الحظر كان جعل الموضوعات (الثيمات) السياسية، والعرقية، والعنصرية تتصدّر طليعة الثيمات الروائية والشعرية السائدة والتي لولاها -ربّما- لقُرِئت تلك الأعمال بطرق أكثر تعقيداً وابتعاداً عن روح الثيمات التي أشرنا إليها.

يمضي هذا الفصل في إثارة أسئلة حول تجربة قراءة النصوص مابعد الكولونيالية، كما يقترح الفصل بعضاً من الطرق التي تتمايز بها تجربة تلك القراءة بين القرّاء المنتمين إلى المجتمع ذاته الذي ينتمي إليه الكاتب، والقرّاء غير المنتمين لذلك المجتمع: إن الإفتراض السائد، هنا، هو أن قراءة أيّ نصّ مضادّ للكولونيالية أو نصّ مابعد كولونيالي هي عمليّة قد يفترض فيها القُرّاء عدداً من الافتراضات الهوياتيّة، بما يجعلهم مدركين للعلاقات الجامعة بين تلك الافتراضات (منها الافتراضات الخاصّة بالعلاقات السلطوية). سأستكشف دور القرّاء المفترضين في قراءة نصوص مثل «يوليسيس»، إلى جانب أعمال مضادّة للكولونيالية ومابعد كولونيالية أخرى، ومن بعدها سندرسُ الكيفية التي يمكن بها، لهذه الأدوار القرائية، تشكيلُ الاستجابات المتوقّعة من جانب القرّاء الحقيقيّين في بقاع وأزمان مختلفة.

إن معظم التحليلات النقدية للكتابة مابعد الكولونيالية تفترض، بطريقة مسبقة، وعلى نحو صريح أو ضمني، أن القارئ؛ إمّا أن يكون فرداً في أمّة الكاتب (مثلما فعل بينيدكت أندرسون في عمله «مجتمعات متخيّلة Imagined Communities» المنشور عام (1983)، أو أن يكون القارئ مواطناً كوسموبوليتانياً غربياً مثلما هي الحالة السائدة، حقّاً، أكثر من سواها. نلمح، في عمل «هوغان» المعَنْوَن بـ«الدخيل مابعد الكولونيالي» أو في عمل «تيموثي برينان» المعنون بـ«في الوطن ضمن هذا العالم» (1997) افتراضاً سائداً مفروغاً منه بأن القارئ هو أميركي أو أوروبي، وثمةّ القليل، فحسب، من التفريق بين أنواع القرّاء الغربيِّين؛ وكنتيجة لهذا، نشأ افتراض ضمني آخر بأن النصوص مابعد الكولونيالية يمكن قراءتها بطريقة واحدة، وأن ثمّة قراءة عالمية موحَّدة تجمعها، ويعلن «هوغان» أن عمل «أتشيبي» المعَنْوَن بـ«الأشياء تتداعى» (1958) يتوجّه، بصورة ضمنية، لمخاطبة أنموذج من القارئ الغربي الذي تمّت هيكلة نشأته بوصفه غير مُنتمٍ لسياق البيئات الثقافية التي تفصح عنها مثل تلك الأعمال(7).

يعترف الكثير من النقّاد بأن مسألة انطواء النصوص (مابعد الكولونيالية) على تعدُّدية ثقافية أو غموض مفاهيمي هي خاصّية تتبع النصوص ذاتها بدلاً من اعتبارها نتيجة حتمية للقراءات المختلفة للنصّ، وفوق ذلك، يمكن لتلك الاستجابات المختلفة للقارئ، أن توجد بدرجات متفاوتة لدى القارئ ذاته، وسأجادل، هنا، بأن هيكلة القارئ متعدِّد الرؤى أو الهجين، هي واحدة من الخاصِّيات الفريدة التي تحوزها النصوص مابعد الكولونيالية، بغضّ النظر عمَّا إذا كانت تلك النصوص قد نشأت في إفريقيا أو شبه القارة الهندية أو إيرلندا.

من الواضح أن هناك الكثير من الأسئلة التي تثيرها التعقيدات المحيطة بقرّاء النصوص مابعد الكولونيالية، وكذلك بأشكال القراءات والاستجابات التي قد تنشأ عن تلك القراءات، ولم يُخفِ العديد من الكُتّاب والنقّاد مابعد الكولونياليِّين احتفاءهم بصفتهم ثنائية الأوجه؛ أي كونهم منتَمِين ولامنتمين للفضاء مابعد الكولونيالي؛ هنا يمكننا، وعلى نحو طبيعي، التساؤل بشأن الاختلاف المتوقَّع في الاستجابة التي يبديها قارئ منتمٍ للجغرافية مابعد الكولونيالية عن تلك التي يُبديها قارئ لامنتمٍ إلى تلك الجغرافية؛ أي: كيف تختلف القراءة النايجيرية بلغة «إغبو – Igbo» لرواية «الأشياء تتداعى» عن قراءتها باللّغة الدنماركية أو الإنجليزية أو الأميركية الشمالية؟ وكيف تختلف استجابة القارئ البريطاني لأشعار «ليز موراي – Les Murray» عن قراءتي، باعتباري أسترالية لها الخلفية الريفية ذاتها والخلفية الحضرية ذاتها التي كانت لدى موراي؟ من المهمّ، للغاية، أيضاً، توضيح الكيفية التي يمكن بها للسياق الذي يتمّ فيه نشر الكتاب وقراءته، أن يكيّف استجابات القرّاء، ويعدّلَها.

يمكن للمرء -إلى حدّ ما- أن يوفّر إجابات مجتمعية (سوسيولوجية) لأمثال التساؤلات السابقة، بوساطة إيراد مسوحات متعدّدة، وتدقيق مراجعات الكتب، وقد بدأ هذا الأمر، فعلاً، فيما يخصّ تأريخ (الكتاب مابعد الكولونيالي)، وأنماط نشره، والاستجابات التي تلقّاها (8). سيركِّز هذا الفصل على المعضلات والموضوعات مابعد الكولونيالية بدلاً من محاولة توفير مسوحات ميدانية، وتقديم بيانات إحصائية.

إن حجّتي بشأن الموضوع السابق هي أن العديد من الكُتّاب المناهضين للكولونيالية ومابعد الكولونيالية يختلفون عن الكُتّاب الأميركان، والإنجليز، والأوروبيين الحداثيِّين ومابعد الحداثيين في طريقة إحساسهم وتعاطيهم مع نوعَيْن من القرّاء: النمط الأوَّل هو الجماعة ذات الاتصال المباشر مع الكاتب، والمنتمية إلى فضاء الشعب المُستعمَر أو الموسومة بسماته. أمّا النمط الثاني فيتمثَّل بجمهرة القرّاء العالميين من خارج حدود الفضاء الكولونيالي الذي ينتمي إليه الكاتب، ولكنها مرتبطة به، غالباً، (بروابط ثقافية الطابع).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

** تمّ إبطال هذا الشرط قبل بضع سنوات.

الهوامش:

1- Richard Todd, Consuming Fictions (London: Bloomsbury, 1996), p: 83.
2- Aijaz Ahmad, In Theory: Classes, Nations, Literatures (London: Verso, 1992), p. 95–122.
3- Graham Huggan, The Postcolonial Exotic: Marketing the Margins (London: Routledge, 2001), p: xii..
4- Ibid., p: 13.
5- Ibid, p: 4.
6- See Karin Barker, ed., Africa’s Hidden Histories: Everyday Literacy and Making the Self (Bloomington: Indiana University Press, 2006), and Stephanie Newell, West African Literature (Oxford: Oxford University Press, 2006), chapter 7.
7- Huggan, The Postcolonial Exotic, p: 46.
8- See, for example, the international conference ‘The Colonial and Post-Colonial Lives of the Book 1765–2005: Reaching the Margins’,which was held at the Institute of English Studies in London from 3 to 5 November (2005).

مواضيع مرتبطة

القاضي والمتشرِّد لأحمد الصفريوي.. حين لا تكون الإثنوغرافيا سُبّة
رشيد بنحدو02 يناير 2022
لم يكن الأمر ليكون! قـمم يأس إميل سيوران
ترجمة: محمد الناجي07 يوليو 2021
“لأني، حقّاً، رأيت”.. شذرات لكريستيان بوبان
ترجمة: الخضر شودار26 أبريل 2021
جيني أوديل: أسطورة الاعتماد على الذات (مصادفتي لمقالات إيمرسون)
ترجمة: محمد الناجي15 فبراير 2021
لويز غلوك.. الشاعر والقارئ (خطاب نوبل)
ترجمة: عثمان عثمانية08 فبراير 2021
مو يان: «العمّ فوكنر، كيف حالك؟»
ترجمة: مي ممدوح25 نوفمبر 2020
تورغوت أويار: «حبّي يؤلمني من التعاسة المتكاملة لبني البشر»
ترجمة: صفوان الشلبي16 نوفمبر 2020
لويز غلوك.. تجاوز الخسارات
مجلة الدوحة16 أكتوبر 2020
”تغيير مسار الطريق“ لويس سيبولفيدا
ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني11 أغسطس 2020
”حُلم الضابط الأميركيّ“ جبّار ياسين
ترجمة: عاطف عبد المجيد06 أغسطس 2020
53 عدد المشاهدات