موسوعة تحرير العالم.. الباب المفتوح لـ «ويكيبيديا»

ترجمة: مروى بن مسعود  |  26 مايو 2021

هناك قصَّتان، يمكن أن ترويهما عن «ويكيبيديا»؛ الأولى أنه، قبل 20 عاماً، تَمَّ إطلاق «مورد ويب»، فهدَّد الأوساط الأكاديمية ووسائل الإعلام، وأزاح مصادر المعرفة القائمة. كانت موسوعة يمكن لأيٍّ كان تحريرها: من أطفال، وجهلة عنيدون، وأزواج سابقون غاضبون. إذا قمتُ بتحرير الصفحة الخاصّة بفيزياء الجسيمات، وأدّعي أنها تتعلّق بدراسة «طائر البط»، فسيتمّ نشر التغيير على الفور. وإذا قمت بتحرير صفحتك، واتُّهِمت فيها بانتهاك حرمة الأطفال، فسيتمّ نشر ذلك أيضاً. والأسوأ من ذلك أنه يمكن لأي شخص تعديل المحتوى، إلا أن الجميع لا يفعل ذلك: فالمحرّرون هم مجموعة ممَّن اختاروا أنفسهم لهذه المهمّة، وهم من المتحذلقين وأصحاب المعرفة بكلّ شيء، ومن الرجال، بأغلبية ساحقة. أدى كلّ هذا إلى التحيّز في ما أصبح يعرف بأوَّل مصدر في العالم للبحث عن أيّ شيء. دون تردّد، اعترف «لاري سانجر»، المؤسّس المشارك للموقع، بأن «المتصيّدون قد استولوا على المنفذ، والسجناء يبحثون عن اللجوء».

لكن هناك قصّة أخرى أكثر قابلية للتصديق، وهي أن «ويكيبيديا» هي آخر معقل لمثالية الشبكة العالمية الأولى. منذ لحظة تقديم ورقة «تيم بيرنرز» لي، عام (1989)، ومقترحها حول كيفية ربط المعلومات، وإتاحتها عبر ارتباط تشعُّبي، بدأ الحامون في تخيّل نوع من الديموقراطية العالمية، حيث يمكن لأيِّ كان، في أي مكان، استخدام الكمبيوتر لاكتشاف العالم. وسط سلسلة من التطوُّرات المعروفة باسم «Web 2.0»، التي لم تسمح للجميع باستهلاك المحتوى، فحسب، بل حتى إنشائه، كان البعض يحلمون بأن يصبح الجميع مواطنين رقميّين، ويزعزعوا سلطة الأثرياء على وسائل الإعلام القائمة، وغيرها من التدرُّجات الهرمية النخبوية.

لكن، شيئاً فشيئاً، خذلتنا معظم مواقع الويب. نعم. لقد حصلنا على صوت، لكنه لم يأتِ مجّاناً. تحصد مواقع الويب مثل (فيسبوك)، بياناتنا من أجل استقطاب المعلِنين، وقد أصبح المشهد السائد: إدمان الشاشة، والقبليّة المستعرة، والتصيّد، والتضليل. كما أصبح المليارديرات في مجال التكنولوجيا، أكثر ثراءً ممّا كان عليه أباطرة الصحافة القدامى، والبقية مجموعات إلكترونية متمكِّنة، والشركات التي تريد استهدافنا تحصّلت على بياناتنا.

ولكن، رغم أنها سابع أكثر المواقع زيارةً في العالم، في عام (2020)، لا تزال «ويكيبيديا» مختلفة عن المشهد السائد. إنها المؤسّسة الوحيدة غير الربحية في المراكز العشرة الأولى، حيث لا توجد إعلانات، ولا تجميع بيانات، أو مدير تنفيذي ملياردير. يقوم مئات الآلاف من المتطوِّعين بصيانة الصفحات، وإنشائها مجّاناً، ويصحّح بعضهم للبعض الآخر، ويسهرون ليكون الموقع على درجة عالية من الموثوقية. في وقت مبكِّر من عام (2005)، كشفت المجلّة العلمية «Nature» أن «ويكيبيديا» تضاهي، في دقَّتها، (Encyclopedia Britannica)، عبر الإنترنت، (وهو ما أثار استياء محرّري بريتانيكا). في ذلك الوقت، تضمّنت «ويكيبيديا» الفتيّة أربعة أخطاء لكلّ مدخل علمي، مقابل ثلاثة في «بريتانيكا». ربَّما لم تصل «ويكيبيديا» إلى العالم المثالي في نظر «جيمي ويلز»، المؤسّس المشارك الأبرز للموقع، «عالَم، يُمنح فيه كلّ شخص على هذا الكوكب حرِّيّة الوصول إلى مجموع المعارف البشرية»، لكن ليس ببعيد. في فبراير (2020)، صنّفت «Wired» موقع «ويكيبيديا» بأنه «آخر أفضل موقع على الإنترنت».

وبينما تغادر «ويكيبيديا» سنوات المراهقة، يأتي السؤال: أيّ القصَّتَيْن أكثر موثوقية؟

قد يبدو منشئو «ويكيبيديا» كثوّار غير متوقّعين. كان «جيمي ويلز»، الذي نشأ في هنتسفيل، ألاباما، حيث ولد في عام 1966، مغرماً بموسوعته الشخصية. كان يجلس مع والدته المنشغلة بتحديثات الدخول التي يرسلها الناشر، والتي تحيل القارئ إلى مدخل أكثر دقّةً في إصدار لاحق، متحدّثاً من علِّيّة منزله في «كوتسوولدز». في أثناء الإغلاق الأخير، أخبرني «ويلز» أن أحد المدخلات يحتاج إلى التحديث، وهو مدخل القمر، ولسبب وجيه هو أن «الناس قد هبطوا على سطحه لأوَّل مرّة».

درس «ويلز» الماليّة، ثم عَمِل متداولاً. كان يستند، في فكره، على الروائي والفيلسوف «آين راند»، ورجل اقتصاد السوق الحرّة النمساوي «فريدريك هايك»، صاحب كتاب «طريق إلى العبودية»، المفضّل لدى «مارجريت تاتشر». قضى وقتاً كبيراً من فراغه على الإنترنت المبكِّر، يتسلّى بألعاب خيالية، ويتصفَّح الإنترنت، وأعجب بإمكاناته. استقال من وظيفته، وأسّس مع شريكَيْن موقع «Bomis»، كدليل للمعلومات في البداية، لكنه تطوَّر إلى موقع للإثارة، لاحقاً.

قرّر «ويلز» إنشاء موسوعة افتراضية مجّانية يمكن تحديثها في الوقت، ومتاحة للجميع، وهي، مثل سابقاتها، ستكون مصدراً ثانوياً لا أوَّليّاً، وسوف تستشهد بمعلومات من وسائل الإعلام أو الأوراق الأكاديمية، بدلاً من نشر بحث أصلي، وستكون الموافقات صارمة. يقول: «لقد كان مشروعاً رسمياً للغاية، ومن أعلى إلى أسفل، وكان لا بدّ من الحصول على الموافقة لكتابة أيّ شيء، وكان من المتوقَّع أن يقدّم المتطوّع مقالة كاملة». تَمَّ إطلاق («Nupedia») في أكتوبر (1999)، مع «لاري سانجر»، وهو طالب دراسات عليا في الفلسفة، التقى به «ويلز» عبر الإنترنت عبر القوائم البريدية للفلسفة، بوصفه رئيس تحرير.

بالنظر إلى طول عملية التقديم، نشر الموقع (21) مقالة، فقط، بعد عام. في غضون ذلك، توصل «سانجر»، و«ويلز» إلى مفهوم «الويكي» – صفحات ويب تعاونية وقابلة لإعادة الكتابة بحرِّيّة، ويمكن استخدامها لتشغيل مشاريع جماعية أو جمع الملاحظات أو تشغيل قاعدة بيانات («ويكي»، تعني «السريع» في هاواي). على سبيل التجربة، أسّسا موسوعة أخرى في (15) يناير (2001)، مهّدت الطريق لمقاربة تشبه الويكي: ويكيبيديا.

تَمَّ تصميم الموقع الجديد ليكون ضمن العرض الجانبي لـ«Nupedia». يتذكّر «ويلز»: «أحد الأشياء المثيرة للاهتمام أن الناس، في الأيّام الأولى، بدأوا في كتابة أشياء جيِّدة جدّاً. لقد كانت قصيرة جدّاً، وبسيطة، وخالية من الأخطاء». يوجد، الآن، أكثر من (300) موقع «ويكيبيديا»، بلغات مختلفة، وأكثر من ستّة ملايين مدخل على موقع اللّغة الإنجليزية، فقط. بمرور الوقت، وضعت ثلاث سياسات أساسية: يجب أن تتَّخذ الصفحات وجهة نظر محايدة؛ لا تتضمّن أيّ بحث أصلي، وتكون قابلة للتحقّق؛ ما يعني أنه يمكن للزوّار الآخرين التحقُّق من المعلومات المتأتِّية من مصدر موثوق. ومن المثير للاهتمام أن أيّاً من هذه المبادئ تضمَّنت جانب «الدقّة»: فالموقع يستعين بمصادر خارجية، بالأساس، من خلال الاعتماد على الاستشهادات.

تعطَّل اثنان من خوادم الموقع في يوم عيد الميلاد عام (2004)، واضطرَّ «ويلز» إلى إبقاء الموقع «يتعرّج» وحده. بعد فترة وجيزة، أطلق حملة لجمع التبرُّعات. اليوم، تجلب الحملات النشطة المنتظمة، والتي تظهر، بشكل كبير، عند النقر على (إدخال)، أكثر من (100) مليون دولار، سنوياً، لويكيبيديا ولغيرها من مشاريع مؤسَّسة و«يكيميديا» ​​المشرفة، معظمها من التبرُّعات الصغيرة – بمتوسِّط (15) دولاراً.

ورغم صفحاتها الهائلة، يوجد عدد أقلّ ممّا نعتقد من المحرّرين النشطين: على موقع «ويكيبيديا»، باللّغة الإنجليزية، قام (51.000) محرّر، فقط، بإجراء خمسة تعديلات أو أكثر في ديسمبر (2020). وجدت دراسة عام (2017) أنه، في العقد الأوَّل للموقع، كان (%1) من محرّري «ويكيبيديا» مسؤولين عن (%77) من تعديلاتها. يمكن أن يكون التعديل صغيراً كالتعديل في التنسيق، أو يمكن أن يكون إنشاء صفحة جديدة.

الآن، أصبح الموقع شاسعاً، يتضمّن أكثر من (55) مليون مقالة – يمكن أن يؤلِّف محتوى «ويكيبيديا»، باللّغة الإنجليزية، وحده، (90) ألف كتاب؛ ما يمنحه حجماً مشابهاً (لكن ليس، دائماً، بالجودة المطلوبة) لمكتبة كلِّيّة «أوكسبريدج» النموذجية، وهو متاح، مجَّاناً، لجميع مستخدمي الإنترنت، سواء أكان المستخدم مزارع أرز في بنغلاديش، أو طالب فيزياء بكتب مدرسية قديمة. الأكثر مدعاة للإعجاب هو سرعة الموقع: يتمّ تحرير المقالات (350) مرّة في الدقيقة. يقول «ويلز»: إن إحدى اللحظات الأولى التي رأى فيها، حقّاً، إمكانات «ويكيبيديا»، كانت في (11) سبتمبر، فبينما كانت الأخبار التلفزيونية تنقل لقطات للأبراج المتساقطة، كانت شبكة المتطوِّعين في «ويكيبيديا» تعكف على شيء مختلف: «كان الناس يكتبون عن الهندسة المعمارية لمركز التجارة العالمي وتاريخه».

حقّق الموقع نجاحاً كبيراً في أثناء وباء «كوفيد – 19»، أيضاً، حيث يتحرَّك بسرعة أكبر بكثير من المنشورات المعمول بها: منذ ديسمبر (2019)، كان هناك ما يعادل (110) تعديلات، في الساعة، على مقالات «كوفيد – 19»، بواسطة (97000) محرِّر، تقريباً.

إن شغف محرّري «ويكيبيديا» وتفانيهم في العمل، لا يَخْفيان على أحد، لكن هذا لا يعني، بالضرورة، أنهم بارعون، دائماً، في مهامِّهم. أحد الاكتشافات الحديثة والمروّعة تتعلَّق بإدخالات في اللّغة الأسكتلندية، وهي قريبة إلى اللغة الإنجليزية، يتمّ التحدُّث بها، بشكل أساسي، في الأراضي المنخفضة الأسكتلندية (يجب عدم الخلط بينها وبين الغيلية الأسكتلندية). تَمَّ إنشاء الآلاف من صفحات «ويكيبيديا» باللّغة الأسكتلندية، من قِبَل شخص لا يتحدَّث بها؛ إنه مستخدم مراهق يسمّى «أمارلس جاردنر» من ولاية «كارولينا» الشمالية. كانت بعض الكلمات لا تزال باللّغة الإنجليزية، ويبدو أن البعض الآخر ترجم إلى الأسكتلندية عبر قاموس ضعيف، على الإنترنت. اعتقد «أمارلس جاردنر» أن ذلك كان مفيداً، وعلّق على موقع «ويكيبيديا» أنه بدأ في تحرير الصفحات عندما كان في الثانية عشرة من عمره، لكنها «دُمِّرت» بسبب احتجاج و(إساءة استخدام) كما اعتبره محرِّرون آخرون. يخبرني «ريان ديمبسي»، وهو متحمّس للُّغة الأسكتلندية من أيرلندا الشمالية، والذي أبلغ عن الأخطاء، لأوَّل مرّة، على Reddit، أنه كان يعتقد أن الأخطاء لم تصحّح لفترة طويلة لأن الاسكتلندية غير متداولة على نطاق واسع، ولا تزال أقلّ اللّغات قراءةً، وبأن «أولئك الذين يتحدَّثونها، بطلاقة، من المرجَّح أن يكونوا أكبر سنّاً أو من الريفيِّين؛ لذا يكون حضورهم أقلّ على الإنترنت». بعد استبعاد «أمارلس جاردنر»، عُرف أن هناك «العديد من المحرّرين الآخرين الذين كانوا أسوأ بكثير»، على موقع الأسكتلنديين.

انتشرت القصّة في جميع أنحاء العالم، لكنها ليست أفضل مثال على فاعليّة «ويكيبيديا»: الترجمات الخاطئة (خاصّة في اللّغات قليلة القراءة)، من المرجَّح أن تظلّ أكثر من الأخطاء الواقعية، نظراً لشرط الاستشهاد بالحقائق، بكلّ دقّة .

ومع ذلك، حدثت العديد من الخلافات الأخرى حول دقّة المحتوى. تعرَّض اللورد «جاستيس ليفيسون» لانتقادات شديدة عام (2012)، بعد أن أدرج تقريره عن الثّقافة والأخلاق (والدقّة) في الصحافة البريطانية، من أحد مؤسّسي صحيفة «إندبندنت»، على أنه «بريت ستراوب»، شخصية غير معروفة، ظهرت بالخطأ على صفحة «ويكيبيديا» في الجريدة.

المشكلة الأخرى في سياسة تحرير الباب المفتوح لويكيبيديا؛ هي أنه لا يوجد الكثير لإيقاف أولئك الذين لديهم مصلحة خاصّة من التأثير على الإدخالات. تحذِّر إرشادات «ويكيبيديا» من تحرير صفحتك الخاصّة، أو نيابة عن العائلة أو الأصدقاء أو صاحب العمل، لكن هذا الأمر صعب التحقّق في أرضية تعتمد الأسماء المجهولة، ويمكن أن يكون الإغراء قويّاً. في الواقع، انكشف جدل هزلي، عندما قام «ويلز» بتغيير المدخل الخاصّ به لمحو كلّ إشارة إلى «سانجر» كمؤسّس مشارك لويكيبيديا، ومن ثَمَّ يصبح هو المؤسّس الوحيد. تمّ استدعاؤه في عام (2005)، وعبّر عن أسفه، لاحقاً، لـ «Wired»: «أتمنّى لو لم أفعل ذلك. إنه ليس من الذوق». كشف مكتب الصحافة الاستقصائية في عام (2012) عن إجراء آلاف التعديلات على «ويكيبيديا» من داخل مجلس العموم. اعترفت النائبة السابقة «جوان رايان»، التي تركت حزب العمل لصالح مجموعة «إندبندنت»، بتحرير صفحتها الخاصّة، بداعي تصحيح «معلومات مضلِّلة أو غير صحيحة».

وبينما يركّز النقد والثناء، غالباً، على الادّعاء بأن التحرير مجّاني للجميع، لم يعد الحال كذلك، تماماً. يكشف «توماس ليتش»، مؤلِّف «ويكيبيديا U»، أن «فولكلور ويكيبيديا يكمن في أنها موسوعة الجميع. والممارسة ديموقراطية، ويمكن لأيّ كان التحرير. هذا ليس صحيحاً؛ فبهدف التعديل لا يمكنك أن تكون شخصاً قام بتصحيح صفحة، أو تَمَّ تصحيحها بشكل خاطئ، من وجهة نظر «ويكيبيديا»، بشكل متكرّر، ممّا يؤدّي إلى حظرك؛ أو شخصاً أساء إلى محرّر. يجب عليك التفكير أو التصرُّف وفقاً للقواعد الموضوعة، حتّى تتمكَّن من التعديل على «ويكيبيديا».

بينما يمكن لأيّ شخص إنشاء حساب «ويكيبيديا»، والنقر فوق «تحرير» على أيِّ صفحة، تقريباً، فمن المحتمل أن يتمّ إبطال تعديلك بواسطة محرّر آخر، إذا لم يلتزم بمعايير معيَّنة. وإذا نشأت نزاعات (عند إجراء تعديلات وإبطالها، بشكل متكرّر، أو انتقل النقاش، بشكل سيِّئ، إلى صفحات المناقشة المصاحبة لكلّ مقالة) يمكن، حينها، حظر المستخدمين من قِبَل المشرفين، أو يمكن «تعطيل» كلّ عمليات التحرير غير الخاضعة للإشراف.

قد تكون العيون الصارمة للمحرّرين ذوي الخبرة مبرّرةً في بعض الحالات، لكن هناك عواقب وخيمة. تُظهر الاستطلاعات أن المحرّرين على موقع اللّغة الإنجليزية، هم، بأغلبية ساحقة، من الشباب؛ وهذا يتطابق كثيراً مع سياسات وادي السيليكون.

حدّدت «مؤسّسة ويكيميديا – Wikimedia Foundation» هدفاً في عام (2011)، يتمثَّل في الوصول إلى (25) في المئة من التحرير، بواسطة الإناث، على مدار أربع سنوات. في عام 2014، اضطُرَّت المديرة التنفيذية «سو غاردنر» للاعتراف بأنها «فشلت» في ذلك. في عام (2018)، كان تسعة من كلّ (10) محرّرين من الذكور.

وكشف «ويلز» عن خيبة أمله من التقدُّم «غير الكافي»، واعتبر أن المؤسّسة «لا يزال أمامها الكثير لتتعلَّمه». كان يأمل في أن يؤدِّي العمل بمحرّر النصوص المرئي (أي أن تظهر الصفحة التي تقوم بتحريرها كنسخة منشورة) إلى جذب المزيد من المحرِّرين المتنوِّعين، لكن ذلك لم يحدث.

ما هو على المحكّ مع التنوُّع، بكلمات «ويلز» الخاصّة، ليس فقط «دقّة السياسية العشوائية، بل التأثير في المحتوى». عندما يهيمن المساهمون الذكور، تحصل على أنواع معيَّنة من الإدخالات والتعديلات: في عام (2013)، لاحظت «أماندا فيليباتشي»، الصحافية في «نيويورك تايمز»، أن شخصاً ما، أو مجموعة من الأشخاص، كانوا ينقلون النساء، تدريجيّاً، من فئة «الروائيِّين الأميركيِّين» إلى فئة أخرى تُسمّى «الروائيّات الأميركيّات»؛ ما يعني أن القائمة الرئيسية للمؤلِّفين الأميركيِّين تتألَّف من الذكور، فقط.

في ظلّ عدم وجود استمارة لكونك محرِّراً، ومع احتمال أن تكون ملفّات التعريف مجهولة، ومن دون جنس، تظلّ هذه المشكلة قائمة أمام المراقبة التصحيحية التقليدية. «جيسيكا وايد»، عالمة الفيزياء ومحرّرة «ويكيبيديا»، تلقي باللوم، نتيجة هذا الانحراف، على عالم التكنولوجيا الذي يهيمن عليه الذكور، والذي منه نشأ الموقع: «عندما تأسّس المجتمع، لم يكن متنوِّعاً، ولم يرحّب بأشخاص من المجموعات الممثّلة تمثيلاً ناقصاً».

عندما تحاول النساء أو الأقلِّيّات التعديل (بحسب قولها)، يمكن أن يواجهن أياديَ قديمة «لا تشجّع الناس بما يكفي لحثّهم على البقاء. لا يمكن أن يصمد كلّ شخص إذا تمَّ إخباره بأن الصفحة التي أدرجها هي القمامة، أو أنه لم يقتبس شيئاً بشكل صحيح».

بعد أن انخرطت في تحرير «ويكيبيديا» بنفسها، صُدمت «وايد» بقلَّة إدخالات العالِمات. لقد حدّدت لنفسها هدفاً صعباً: إنشاء صفحة جديدة لعالمة أو عالمة من الأقلِّيّات، كلّ يوم. وبدءاً من أوائل عام (2018)، كانت تعمل على ذلك، دون انقطاع. أثار مشروعها بعض التذمّر، ودفعها أحد العلماء للتشكيك في نفسها: «قالوا إنني كنت بصدد إضعاف «ويكيبيديا»، وإلحاق ضرر بالمجتمع، من خلال وضع هذه الإدخالات هناك. لقد أزعجني ذلك، حقّاً». لكنها سرعان ما تستدرك، مع ذلك، أن غالبية المجتمع داعمة لها، وبأن متعة التعاون، والاستيقاظ بعد ليلة من التحرير، ورؤية المساهمين على الجانب الآخر من العالم، وقد أضافوا تعديلات أو صوراً مفيدة إلى مشاركتك، تغنيك عن سلبيّاتها.

أمّا الانحراف المهمّ الآخر في مساهمات «ويكيبيديا»، فهو التوزيع الجغرافي: حوالي (68) في المئة من المساهمين هم من أميركا والمملكة المتَّحدة؛ يتوقَّع «ويلز» أن التغييرات الكبيرة في «ويكيبيديا» للعشرين عاماً القادمة، ستكون غير مرئية، إلى حَدّ كبير، على الموقع الإنجليزي: «ويكيبيديا في لغات العالم النامي [ستكون] جزءاً كبيراً، حقّاً، من مستقبلنا – كيف ندعم أيّ قيود تكنولوجيّة قد يواجهها الأفراد؟»

يعتقد «ويلز» أن «سمعة «ويكيبيديا» قد تحسَّنت بشكل كبير، على مرّ السنين». في البداية، تبيّن أن العواصف المتعلّقة بالتعديلات الفردية السخيفة كانت محبطة، لكنها تراجعت، الآن. «هذا يشبه المجموعة الكاملة من القصص حول موقع «eBay»: شخص يبيع سلاحاً، أو أب يبيع أطفاله، أو يبيع روحه. قبل أن يدرك الجميع أنه يمكنهم نشر أيّ شيء يريدونه على موقع «eBay»، ثم يقوم شخص آخر بالإبلاغ عنه، ويتمّ حذفه. الأمر ليس بهذه الإثارة».

وفي الوقت نفسه، إن قصص المحاضرين الذين يحذّرون الطلّاب من الاستشهاد بويكيبيديا، ينسون أنهم سيقولون الشيء نفسه عن أيّة موسوعة أخرى، لأنها ليست من المصادر الأوَّلية. أوصي العديد ممن تحدَّثت إليهم بانتظام، بالرجوع إلى «ويكيبيديا» بصفته موقعاً متميّزاً لبدء البحث في أي موضوع، لأنها تمكّنك من الوصول إلى المصادر الأولية من خلال الروابط. جعل «إليس جونز»، أستاذ علم الاجتماع، تحريرَ صفحات «ويكيبيديا» الخاصّة بمنظِّرين اجتماعيِّين، جزءاً من منهجه الدراسي: «إنها أحد أكثر الأشياء إثارةً في الدورة، بالنسبة إلى الطلاب؛ تسمح لهم بالمساهمة ببعض المعرفة الصغيرة للجمهور، رغم أنهم ليسوا خبراء».

ويجادل «ليتش»، مؤلِّف «ويكيبيديا U»، بأن الهديّة العظيمة لويكيبيديا هي الطريقة التي تعلِّمنا بها التشكيك في مصادر السلطة. «نعم. بالطبع، علينا طرح أسئلة حول «ويكيبيديا». ولكن، بينما نحن في صدد هذا الموضوع، ألا ينبغي لنا أن نطرح تلك الأسئلة حول التعليم الليبرالي في جميع صوره الرمزية؟ «خذ عمليّة مراجعة الأقران، على سبيل المثال: وجدت دراسة أُجريت عام (2017) تضمَّنت مجموعة من التحيّزات: كانت المرأة ممثّلة تمثيلاً ناقصاً، ويميل كلّ من الرجال والنساء إلى تفضيل العمل، بحسب جنس كلٍّ منهم.

«لا تكن شرِّيراً»، كان شعار «غوغل» السابق، وقد اتَّخذته «ويكيبيديا» شعاراً لها. وبدلاً من وصف «Wired» لويكيبيديا على أنها «آخر أفضل مكان على الإنترنت»، أفضّل وصف «توم فورث»، أحد محرِّري «ويكيبيديا» بأنها «أقلّ الأماكن سوءاً على الإنترنت»، فيها من العيوب الكثير، لكنها أقلّ بكثير من المواقع الضخمة الأخرى.

ومن المفارقات بالنسبة إلى أولئك الذين يعتبرون «ويكيبيديا» أداة معطّلة، أن بعضاً من أكبر مشاكلها تنبع من المؤسّسات القديمة التي تعتمد عليها في الاستشهادات. «معايير الجدارة» الخاصّة بها، تعني أن المصادر «حسنة السمعة» يجب أن تدرك أهمِّيّة الموضوع قبل «ويكيبيديا». عندما سألت «جيمي ويلز» عن مخاوفه بشأن الأخبار المزيَّفة، ذكر لي مشكلة أكبر بكثير: الانخفاض الحادّ في وسائل الإعلام المحلِّيّة؛ ما يعني أن الموقع لا يمكنه تغطية الموضوعات المحلِّيّة، على الإطلاق.

ومع ذلك، ليست العلاقة بين المورد والعالم الذي يعكسه طريقاً أحادي الاتِّجاه. قد يتبادر إلى ذهن المستخدم أنه إذا لم يجد ما يبحث عنه في «ويكيبيديا»، فلن يجده في أيّ مكان آخر. على العكس من ذلك، يمكن للصفحات الأحدث كالتي أنشأتها «جيسيكا وايد» لفائدة العلماء من النساء والأقلِّيّات العرقية، بأساليب بسيطة، التخلّص من التحيّزات في العالم بأسره. في (2020)، شرعت الأخيرة، وعالِم آخر في إنشاء صفحات «ويكيبيديا» للباحثين في الوباء، وسرعان ما لاحظت انخفاضاً تدريجيّاً في التحيّز للخبراء من الذكور البيض، الذين يتمّ الاستشهاد بهم في وسائل الإعلام.

إحدى الصفحات الأولى التي كتبتها «جيسيكا وايد»، كانت عن «غلاديس ويست»، العالِمة الأميركية من أصل أفريقي والرائدة في تقنية GPS. كانت الصفحة صغيرة في البداية، حيث لم يكن يُعرف سوى القليل عن حياتها، ثم تطوَّرت على مرّ السنين، وتَمَّ التعريف بها، مؤخَّراً، في صحيفة «الغارديان». بالنسبة إلى «وايد»، هذا الأمر يجسّد متعة التحرير: «عندما أرى صفحات لأشخاص أنشأتها لهم، وحصلوا على التقدير والتكريم والاحتفاء، يسرّني ذلك. إنه أفضل يوم على الإطلاق. هذا أعظم شيء على الإطلاق. القوّة التي تكتسبها من الجلوس ليلاً مع الكمبيوتر المحمول، استثنائية».

هناك جانب رومانسي لا يمكن إنكاره؛ عندما يقوم آلاف الأشخاص بتجميع معارفهم عبر الإنترنت؛ ليس من أجل المال أو الشهرة، بل لهدف أسمى. أرسل لي أحد المحرّرين الذين تحدَّثت إليهم رابطاً يقود إلى موقع «استمع إلى ويكيبيديا»، وهو موقع «ويب» يعزف النوتات الموسيقية كما يبدو، في الوقت الفعلي، وتصاحب الصفحات التي يتمّ تحديثها: أصوات أجراس للإضافات، وأوتار للحذف، ونوتات أعمق للتعديلات الكبيرة، ونغمات أعلى للتعديلات الصغيرة، وموسيقات عامِّيّة متنوّعة، وكلمات بِلُغات لا أفهمها بسرعة. كلما شاهدت أكثر، تبيّن لي أنه أقلّ الأماكن سوءاً على الإنترنت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كاتبة المقال هي باربرا سبيد، محرِّرة التكنولوجيا والثّقافة الرقمية في «i.newspaper».

المصدر: مجلّة Prospect، مارس (2021).

مواضيع مرتبطة

المُنعطف الأخلاقيّ.. في علاقة المُؤلِّف بأعماله
محمد‭ ‬مروان10 مايو 2021
إمبراطوريّة الاكتئاب.. تاريخ جديد لـ«جائِحة القرن»
محمد الإدريسي09 مايو 2021
لوك فيري: نحن نعيش ثورة صناعيّة ثالثة
ترجمة: حياة لغليمي04 مايو 2021
حقيبتا «جان جينيه» السرِّيَّتان تكشفان عن نفائسهما
ترجمة: حياة لغليمي26 أبريل 2021
الأدب الرقميّ.. نحو تدشين فنّ غريب الأطوار!
ترجمة: شيرين ماهر26 أبريل 2021
كيف تغيَّرت الطريقة التي نتحدَّث بها في زمن الجائحة؟
ترجمة: دينا البرديني26 أبريل 2021
الحدود الحديديّة تجزئة للعَالَم
ترجمة: مروى بن مسعود26 أبريل 2021
البطيئون في مواجهة الحداثة
ترجمة: مروى بن مسعود17 مارس 2021
نقَّاد يوتيوب.. «صديق الأفلام» المُتهم بإفساد النقد السينمائيّ
‬أمجد‭ ‬جمال17 مارس 2021
ديفيد فينشر.. الأفلام على طريقة بيكاسو
ترجمة: أمجد جمال24 فبراير 2021
337 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

الحدود الحديديّة تجزئة للعَالَم
26 أبريل 2021

يشهد تشييد الجدران والحواجز، في القرن الحادي والعشرين، على تطوُّر الحدود في عالَم شديد الحركة، وكذلك على ازدهار سوق حقيقيّ للحدود. كتابه «تجزئة العَالَم»(1) يدرس الجغرافي «ستيفان روزيير»، دلالة الحواجز التي حلَّت محلّ الحدود في بعض المناطق من العَالَم،...

اقرا المزيد
البطيئون في مواجهة الحداثة
17 مارس 2021

البطء ليس نقصاً في السرعة، بل هو أعلى درجات المُقاومة ضدّ عالَم محموم يسعى إلى حشد الرجال في سباق لا نهاية له من أجل التسارُع. كتاب «الرجال البطيئون: في مواجهة الحداثة»، Flammarion ،2020 ، يكمل بشكلٍ جيِّد العملَ الذي ركَّز على التسارُع أو السرعة، وينقل تركيزنا...

اقرا المزيد
هل أصبحنا عرضة للأوبئة مرّة أخرى؟
06 أبريل 2020

إن الوباء موضوع الساعة قد شغل الناس وقلب عاداتنا وأنماط حياتنا ويقيننا بشكلٍ غير مسبوق. أعاد ترتيب أولوياتنا وعطَّل حركتنا لبعض الوقت. وأصبحنا نشعر، بدرجاتٍ متفاوتة، بعجزنا عن مواجهته. والعجيب في الأمر أننا لم نعد نعرف دائماً ممَّنْ نخاف، أو حتى ما إذا كان...

اقرا المزيد