نجيب العوفي: ليست غاية الأدب أن يتنبّأ

حوار: محمد عبد الصمد الإدريسي  |  03 مايو 2020

منذ بدء أزمة كورونا تم التفكير في الأدب من جهتين؛ الأولى بحثاً عن آثار لهذه الجائحة فيه حيث بدا لكثيرين أن هناك أعمالاً روائية أو فنّيّة تنبأت من قبل بما يحدث للعالم اليوم، ومن جهة أخرى تم اللجوء للأدب لأنه صديق العزلة وخير مؤنس في الحجر الصحي الذي دخله العالم كُرهاً ودون سابق إعداد. في هذا الحوار نحمل أسئلة العزلة والأدب؛ للأديب والناقد المغربي نجيب العوفي (1948)، الذي يُعتبر من المؤسّسين الأوائل للثقافة النقدية الحديثة بالمغرب، اشتغل أستاذاً للأدب في كلّ من جامعة «فاس» و«الرباط»، وواكب صنوف التجارب الإبداعية المغربية والعربية منذ السبعينيات بأجيالها المختلفة. أصدر العوفي مؤلَّفات منها: «متخيل القصة والرواية بين المغرب والمشرق»، و«درجة الوعي في الكتابة»، و«جدل القراءة»، و«مساءلة الحداثـة».

لنبدأ بسؤال شخصي.. كيف تعيش حالة الحجر الصحي التي فرضتها هذه الأزمة؟

– أعيش هذه الحالة كما يعيشها الملايين من إخوتنا في الإنسانية على امتداد كوكبنا الأرضي، مع فارق في الأجناس والبيئات والعادات والاهتمامات. و«المصيبة إذا عمّت هانت» كما يقال. وقد أصبحنا- الآن- سواسية أمام فيروس كورونا الجائح – الجامح، لا فرق بين سيد ومسُود، ورئيس ومرؤوس، وغني وفقير، ومتعلِّم وجاهل، وأبيض وأسود.. وحّدتنا كورونا ووحّدنا الحجْر الصحي في معتقل واحد حتى لا أقول في منزل واحد، لأن هناك مراتب و«منازل» في المنازل. أصبحنا بعبارة أخرى، أمام «اشتراكية وبائية»، حيث عزّت واستعْصت كلّ اشتراكياتنا الطوباوية. فنحن- إذن- في معتقل جماعي عالمي، نقدّم الدليل الساطع الفاجع على «العوْلمة» والآثار الوخيمة التي نتجت عنها، ونحن نستقبل هذا الرقم النّكد 2020 من حياة البشرية.

كيف أعيش حالة حَجْري؟ أعترف أن العزلة ليست غريبة عليّ، ولستُ غريباً عليها. فهي شيء ألفته في حياتي، ونُجْعة ألوذ بها باستمرار، بحكم هذا الهمّ الذي ابتُليت به كما ابتلي به غيري ممن أدركتهم حرفة الأدب، وهو القراءة والكتابة. وهذا الهم رفيق جيّد في هذا الحجر. إضافة إلى الحضور الموازي الكثيف لمحطات وقنوات الإذاعة والتلفزة وشبكات التواصل الاجتماعي/الإنترنت. وبين هذا وذاك، إطلالات من شرفة منزلي بتطوان على سفوح جبل «غُرْغيز»، لاقْتناص نسمة هواء ولمْسة شمس.

ربَّما الزمن هو أوّل ما ينتبه له المرء في تجربة الحجر، الأمر يشبه كثيراً ما قاله أحدهم عن الزنزانة حيث يعاني المسجون قلّة في المكان وفائضاً في الزمان. ما رأيك؟

– صحيح، يشكِّل الزمن الفائض المُراوح في المكان، مشكلة ثقيلة بالنسبة للمواطن المأسُور بيْن جدران هذا الحجر الصحي المفروض عليه، حيث تغدو المعادلة غير متكافئة.

تماماً في المعتقل المنزلي بين المكان والزمان. بين محدودية المكان التي قد لا تتجاوز أمتاراً معدودات في الغالب الأعمّ، وسيولة الزمان ونهْريته التي لا تنتهي إلّا بمجيء النوم، «العدم المؤقت» بتعبير سارتر. وهذا يُقَرِّبُ جدران المنازل من جدران السجون والمعتقلات، كما يساوي بين المأسورين داخل المنازل والمأسورين داخل السجون.

ومعلوم أن «الوقت» هو العدو اللدود للمواطن العادي الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، لا يدري ما يفعل به، ولا كيف يتصرَّف فيه، وبخاصّة بعد اتساع رقعة العاطلين

والبطاليين وأبناء السبيل في العقود الأخيرة. ومن ثَمَّ راجت على ألسن الناس وعبر قاموسنا الشعبي المقولة المأثورة «قتل الوقت» و«هيا لنقتل الوقت»، وكانت المقاهي، والنوادي، والحانات، وأماكن الترفيه مراتع ومُنتجعات خصبة للتنفيس الاجتماعي و«قتل الوقت» في الصفقات والنّمائم والمؤامرات والمناقشات.. انعكست الآية الآن تماماً في منازل الحجْر الصحي. إذ بدل أن يقتل المواطن الوقت، أصبح الوقت هو الذي يقتل المواطن.

في سياق هذه المعادلة غير المتكافئة بين محدودية المكان وسُيولة الزمان؛ يصبح الإبداع الإنساني خير وسيلة لمواجهة رتابة وروتين هذا الاعتقال وخير مؤنس للعليل، سواء أكان هذا الإبداع كتاباً أو فيلماً أو أغنية وموسيقى أو لوحة وتشكيلاً أو رقصاً.. كما تصبح وسائل ووسائط التواصل الاجتماعي التقليدية والحديثة كالإذاعة والتلفزة والإنترنت؛ هي الميادين والنوادي والمقاهي الأثيرية – والافتراضية التي يلتقي فيها الناس ويتواصلون ويستعيدون بعض الدفء الاجتماعي المفقود. وأنا أفتح وأتصفّح في هذه الظروف الاستثنائية العصيبة؛ شبكات التواصل الاجتماعي التي ارتفعت درجة حرارتها؛ تبدو لي جَلِيَّة وبهيّة أهمِّية هذه الشبكات التواصلية في تقريب الشُّقّة، وتجْسير الفجوة، وتخفيف الكُرْبة، وتبادل الرأي والمشورة، بين معتقلي كورونا. وقد كانت هذه الشبكات التواصلية في أحايين كثيرة عرضة للنقد. هذه هي المفارقة التراجيكوميدية للعولمة / أن تأتينا بخير حضاري عميم، وأن تأتينا- أيضاً- بِشَرٍّ حضاري وخيم.

منذ بدء الأزمة؛ تم النبش في الروايات والأعمال الإبداعية على اختلافها.. وفي كلّ يوم نجد من يقول إن العمل الفلاني تنبأ بما يحدث الآن. هل صحيح أن الأديب أو الإبداع يمكن أن يتنبأ فعلاً بشيء ضخم قد يغير مسار الإنسانية ؟

– ليست غاية الأدب ووظيفته أن يتنبّأ ويتكهّن بالغيب ويَشُقَّ حُجب المستقبل، مع إقرارنا بوجود أدب تخييلي قائم بذاته، وهو أدب الخيال العلمي، وهو ضرب من الفِراسة

الإبداعية. الأدب لا يَقْرَأُ الكفّ أو الفنجان، ولا يَرْصُدُ أحوال الطقس الآتية. الأدب يتحسّس نبض الإنسان والمجتمع والتاريخ، ويزرع حُدوسه في مجاري النصوص بشاعرية وجمالية، وبلا جلبة تحليلية – ومفهومية. هو حسب الشاعر الفرنسي «رينيه شار»، كشف عن عالم يظل في حاجة مستمرة إلى الكشف. 

وبما أن الإبداع الأصيل هو الذي يلتحم بشرطه الإنساني، ويُصيخ السمع جيّداً لإيقاع مرحلته التاريخية، فقد تأتي أعمال إبداعية – روائية بخاصّة، مُرْهصة بالآتي. أو يأتي هذا الآتي مُوَافِقاً أو مطابقاً لبعض الأعمال. ولعلّ المثال الشهير المستحضر هنا، هو رواية «1984» للكاتب الإنجليزي «جورج أوريل»، التي صَوَّرَ فيها استقواء النظام الرأسمالي الشمولي بعد الحرب العالمية الثانية تحت إمرة وسيطرة «الأخ الأكبر». وإذا احتسبنا الفارق الزمني القليل بين زمن الرواية «1984» وزمن الكتابة (1949)، تأكّد لنا بأن «جورج أوريل» لم يكن يقوم بكهانة روائية، بقدر ما كان يتحسّس نبض وإيقاع لحظته التاريخية الرأسمالية – الصاعدة. جاعلاً الديستوبيا (المستقبل الفاجع) في مقابل اليوتوبيا (المستقبل الفاضل). وكثير من الأحداث التاريخية التي زعم بعض روائيينا أنهم تنبّؤوا بها كانت أقرب إليهم من أرْنبات أنوفهم. إن الأديب بعبارة أخرى هو ضمير أمّته وعينها الرائية التي ترى إلى الأبعد، وهي تتفرَّس في الأقرب، متطلّعة دوماً إلى غد أفضل، والكاتب الذي يزعم أن روايته كانت تتنبأ- حصْراً- بهذا الحدث أو ذاك، هو كاتب يضع الكَهانة في مقابل الإبداع. 

التواصل الإنساني ومعرفة الآخر كان هو غاية الأدب والفنّ عموماً.. ماذا يعني أن تصير القطيعة والعزلة هي الإمكانية الوحيدة للمرحلة؟

– القطيعة والعزلة هما قدر الإنسان المعاصر من قبل هُبوب وباء كورونا، بل هما ناجمتان أساساً مع هبوب رياح العولمة العاتية – الناعمة التي زجّت بالإنسان المعاصر في قوْقعته الفردية، وجعلته ذا بعد واحد. كما انتبه إلى ذلك مفكِّرون كـ«هربرت ماركوز» في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد». ثمّة- باستمرار- مُفارقات عدة مُنْزرعة في مجرى العولمة، ولنأخذ أقربها؛ فبواسطة الهواتف المحمولة وشبكات التواصل، صَرمت العولمة حبْل التواصل الأسري الحميم، وتحت طائلة فيروس كورونا، وهو ثمرة سامّة للعولمة، تستعيد العلاقات الأسرية دفأها وحضورها. هذه هي مفارقة الوقت التراجيكوميدية. إذ طالما اشتكى الناس من تفكك الأواصر والوشائج الأسرية في غمرة العولمة والليبرالية المتوحشة، وها هي جائحة كورونا تلمّ شمل الأسر المفكَّكة، وتجمعها تحت سقف المنازل التي أضحت معتقلات أسرية تحت الحجر، مع ما يترتَّب عن هذا الحجر من عواقب وآثار وخيمة، نتيجة القطيعة الجديدة والجبرية مع المجتمع والحياة الاجتماعية اليومية، وهكذا دواليك من قطيعة لأخرى. الآداب والفنون- على الدوام- هي التي ترتق فُتوق هذه القطائع المختلفة على مدار التاريخ. الأدب بخاصّة، هو الشفرة الروحية والرمزية التي يتفاهم ويتواصل بها الناس مهما تباعدت واختلفت الأمكنة والأزمنة، واشتدت الكوارث والأوبئة. هناك عبارة جميلة للكاتب والروائي ماريو فارغاس يوسا «إن الأدب هو أفضل ما تم اختراعه للوقاية من التعاسة». وما أحوجنا في هذه الظروف العصيبة التعيسة إلى هذا الواقي- الراقي الجميل. وفي إمكان وسائط التواصل الحديثة والمتطورة أن تصبح حاملاً جيّداً سريعاً وناجعاً للأدب. وقد سرّنا كثيراً في هذه الظروف الحجرية العصيبة، هذا التواصل الأدبي الرائع على شبكة الإنترنت. إنها عبقرية الإنسان الذي يجد له من الضيق- دائماً- مخرجاً.

طالما كانت العزلة هي ورشة المفكِّر والمبدع التي يُخرج منها تجربته للناس.. ما الذي يمكن للإنسانية أن تتعلَّمه من تجربة العزلة التي دخلتها قسراً؟

– هناك أدبيات كثيرة في مديح العزلة والتغنّي بأفضالها ومنافعها، قديماً وحديثاً، لما تتيحه من سكينة نفس وصفاء ذهن وخاصّة في حياتنا المعاصرة اللاهثة التي لا تترك للمرء فرصة لينصت لنفسه، ويخلو لعظامه، كما نقول. أستعين هنا قول صفي الدين الحلي:

وأطيب أوقاتي من الدهر خلوة // يَقِرّ بها قلبي ويصْفو بها ذهني

العزلة بالنسبة للمبدع والمفكِّر حديقة خلفية أساسية، يفيء إليها لفترات قد تطول أو تقصر، ليتأمَّل ذاته، ويتأمَّل العالم من حوله، ويعْكف على قراءاته وكتاباته.

ولذلك للعزلة زمن خاص وضروري للأديب يقتطعه من زمنه العام ليتفرغ لزمنه الإبداعي الأثير. ومن ثَمَّ راجت على الألسن والأقلام مقولة (البرج العاجي) بالنسبة للأديب المختلي لعزلته الأدبية. وكثيراً ما استعمل النقَّاد هذه المقولة للتفرقة بين الأدب الخالص والأدب الملتزم. لكن في جميع الحالات، تبقى العزلة قاسماً مشتركاً بين الأدباء.

أستحضر في هذا السياق كلمة معبِّرة لميخائيل نعيمة، يقول فيها: «ولا بدّ لي من ساعات أعتزل فيها الناس، لأهضم الساعات التي صرفتُها في مخالطة الناس». لذلك فالعزلة هي الفرصة التي تسمح بالخروج من الغابة البشرية لتأمُلها عن بعد وبهدوء.

وأظن أن كلّ واحد منّا في حاجة إلى هامش من العزلة ليهضم الساعات التي صرفها في مخالطة الناس. وقد صرف كثير من الأدباء والمفكِّرين حيواتهم أو أشطاراً من حيواتهم في العزلة الخلاّقة. ولعلّ رهين المحبَسَيْن، أبا العلاء المعري، أحد الرموز الكبيرة لهذه العزلة الخلاقة. وثمّة أدباء كبار كانت العزلة هي مملكتهم الإبداعية الصاخبة. وصدق الشاعر الإسباني رفائيل ألبرتي حين قال «أنت في وحدتك بلد مزدحم».

ومن جدران السجون والمعتقلات- أيضاً- خرج أدب بهيّ، وأيْنعت كتب ومؤلَّفات مضيئة.

فالأدب إذن، مقاومة للفراغ والرتابة والفناء وقبح العالم. وقراءة الأدب هي إحدى وسائلنا الراقية للتحرّر من أسْر المكان والزمان.

في نظرك ما هي المسلّمات التي قد تطرحها هذه الأزمة للمساءلة؟

– بكلّ تأكيد، فإن زمن الكورونا سيترك نُدوبه العميقة على الأزمنة القادمة. وبكلّ تأكيد أيضاً، فإن هناك ثلاثة أزمنة متقاطعة، زمن ما قبل كورونا، وزمن كورونا، وزمن ما بعد كورونا. هذه الأزمنة الثلاثة ستكون موضوعاً للمساءلة والمراجعة والتفكير بشكلٍ جديد منقح ومزيد، من طرف علماء البيولوجيا والطب والاجتماع والنفس والاقتصاد والحضارة والسياسة وغيرهم لغربلة ما كان، واستشراف ما سيكون.

زمن الكورونا سيزيد، لا محالة، من وتائر التفكير النقدي – العقلاني، وسيطيح بكثير من المسلّمات والثوابت والعوائد البالية. وربَّما سيحفّز الخُطى نحو عصر تنويري جديد. وهذا الحراك الفكري العالمي لن يمرّ بسهولة، ولكنه سَيَلْقَى في الطريق- دائماً- أباطرة العالم الرأسمالي وكهنة المعبد القديم، يستميتون في الدفاع عن حصونهم المتداعية.

مواضيع مرتبطة

محمد حلمي الريشة: ترجمتُ قصائد، اشتهيتُ لَو أَنِّي مبدعُها
حوار: عاطف عبد المجيد06 أغسطس 2020
سيزا قاسم: تمرّ شهور طويلة دون أن نقرأ عملاً نقديّاً واحداً
حوار: سالي شبل03 يونيو 2020
مازن أكثم سليمان: الشِّعر السُّوريّ في زمن الحرب
حوار: عماد الدين موسى07 أبريل 2020
عبد العزيز آل محمود: الوصول إلى الجوائز العالمية يحتاج إلى بنًى تحتيّة، لا نملكها
حوار: أكرم الفرجابي16 يناير 2020
أحمد الصفريوي.. في مواجهة عبد الكبير الخطيبي وكاتب ياسين
حوار: عبد العزيز جدير30 سبتمبر 2019
إليف شافاق: عندما تصوَّفت فُتِحَتْ لي نافذةٌ جديدة
حوار: سالي شبل30 سبتمبر 2019
قتيبة الجنابي: أفلامي ذاكرة مشتركة للمنفيين
حوار: أحمد ثامر جهاد01 سبتمبر 2019
خالدة سعيد: لا أعرف كيف يكون النقد نسويّاً أو ذكوريّاً!
حوار: رنا نجار18 يناير 2018
392 عدد المشاهدات