نقَّاد يوتيوب.. «صديق الأفلام» المُتهم بإفساد النقد السينمائيّ

‬أمجد‭ ‬جمال  |  17 مارس 2021

منذ أيام ظهر المُخرج «مارتن سكورسيزي» بمقالٍ يتناول أوضاع السينما في عصر المنصَّات الإلكترونيّة، أبدى فيه استياءه من عبارة «محتوى» التي صارت تتردَّد بكثرة في وصف الأفلام والمُسلسلات التي تبثها المنصَّات، بكلِّ ما تحمله الكلمة من هلاميّة.

والحقيقة أن استخدام العبارة تجاوز ما يغضب «سكورسيزي»، فباتت تشمل أي منتج ترفيهي صوت-مرئي، شركات الإنتاج تبحث عن محتوى للبث، والجمهور يبحث عن محتوى لملء ساعات الفراغ، ومواقع التواصل تكافئ صُنَّاع «المُحتوى»، ومن ضمنهم مدوِّنو الفيديو ونقَّاد (اليوتيوب) أصحاب المُراجعات النقديّة المُصوّرة للأفلام. المُحتوى هو عملة العصر إذن، لدرجة أنه باتت هناك مهنةٌ تسمَّى «صانع محتوى».

أحياناً أفكِّر فيما كنَّا نقدِّمه ونستهلكه قبل ظهور مفهوم المُحتوى، وأخرج بأنه على الأرجح كان «محتوى» أيضاً مع الفارق أنه لم يكن بغرض الملء!

كلُّ شيءٍ يتغيَّر في عالَم الأفلام والترفيه المرئي، شكل السوق، أقطاب الإنتاج، وسائط المُشاهدة. الجمهور نفسه يتغيَّر. فلا عجب من تغيُّر شكل النقد الفنّيّ والسينمائيّ.

«نقَّاد يوتيوب»: شبَّان من نفس عُمر الجمهور يقفون أمام كاميراتهم المنزليّة ليتحدَّثوا عن آخر ما شاهدوه أو قرأوه أو سمعوه ويشاركوا تلك المقاطع على موقع «YouTube»، يفعلونها بطبيعيّة، الناجح منهم يتمتَّع بحدٍّ أدنى من القبول وخفَّة الظلّ والطلاقة. سلاحهم الجرأة والتحرُّر من الحواجز القديمة بين الكاتِب والقارئ، فلا رقابة، ولا محرِّرين ومدقِّقين، ولا توازنات، ولا نحو ولا صرف، ولا معيار .. وفي أحيانٍ لا نَصّ.

أعطت مواقع التواصل الاجتماعيّ صوتاً حُراً للجميع، ديموقراطيّة في التعبير وديموقراطيّة في جني المكاسب الماديّة عن طريق الإعلانات التجاريّة التي تتخلَّل مقاطعهم، فصانع المُحتوى/ناقد «اليوتيوب» لا يربح بمرتَّب مضمون ينفقه ربّ العمل، بل يربح مباشرةً عبر مستهلكي محتواه، ضغطة منك على مقطع بعينه بمثابة توجيه من المُعلنين أو الرعاة للدفع لصاحب المقطع.

عملية تبدو أكثر عدالة وشفافية في توزيع العوائد، وقد تكون حافزاً لصانع المُحتوى بالاجتهاد، لأنه لن يأكل إلّا من حصيلة إنتاجه الفعليّة. لكن الخطورة تكمن في أن الحصيلة التي يبحث عنها صانع المُحتوى تتمثَّل في أرقام مشاهدات، أرقام معبِّرة عن حجم تأثيره والطلب عليه. إغواء الأرقام لن ينال من قِلّة تؤمن بما تفعله، لكن الغالبية ستدفعها الأرقام للسعي وراء زيادتها، وبالتالي سيكون عليهم تقديم مزيد من المُحتوى، حتى لو انتهى أحدهم من مراجعة كلّ الأفلام تجده يبدأ في مراجعة إعلانات الأفلام ثمَّ ملصقاتها الدعائيّة، كلّ ذلك بغرض جذب مزيد من المُتابعين وهو حقٌّ مشروع، لكن التجميع اللاانتقائيّ للمتابعين يزيد من الضغوطات عليه لإرضاء الجميع، فتتآكل الحرّيّة شيئاً فشيئاً ويفقد صانع المُحتوى أهمّ مزاياه.

كثير من نقَّاد «اليوتيوب» اعترفوا بأنهم جرَّبوا ممارسة النقد المكتوب، لكن اتَّجهوا بعدها للنقد المُصوَّر، لأنهم لم يجدوا أصواتهم في الكتابة، ولم تلقَ كتاباتهم رواجاً. ولا ننسى أن المساحات النقديّة التي تمنحها الصحف والمجلّات المطبوعة أصبحت في نقصانٍ مستمر، مع قِلّة مَنْ يفضِّلون القراءة على المُشاهَدة بصفةٍ عامّة، وهي من أسباب تشكّل تلك الظاهرة.

من ناحيةٍ أخرى، فلا شكّ أن طريقة الإلقاء عبر اللُّغات العامّية أسهل، وتدعمها وسائل مساعدة مثل التمثيل والانفعالات والإيماءات ولغة الجسد. أي أنها موهبة خاصّة بمعزل عن موهبة الكتابة وثقل الثقافة السينمائيّة.

من حينٍ لآخر، يحاول بعض النُقَّاد التقليديّين ركوب حافلة الحداثة وتأسيس قنواتهم الخاصّة على «يوتيوب»، لكن رغم خبراتهم وتفوُّقهم الثقافيّ لم يستطيعوا مجاراة السكّان الأصليّين لـ«اليوتيوب»، أبرز مثال على ذلك ناقد صحيفة الغارديان اللامع «بيتر برادشو» مؤلِّف كتاب «الأفلام التي صنعتني»، والذي اتّجه مؤخَّراً لتقديم بعض مراجعاته بالطريقة المُصوَّرة، لكنها لم تلقَ الإقبال المُناسب، مراجعته للجزء الثاني من فيلم «Wonder Woman» حقَّقت حوالي 500 مشاهدة، أما ما حقَّقته مراجعة «كريس ستاكمان»، أحد نجوم النقد على «يوتيوب»، لنفس الفيلم فتجاوزت المليون و800 ألف مشاهدة. رغم تفاوت القيمة والخبرة بين النَّاقِدَيْن.

جزءٌ كبيرٌ من نقَّاد «اليوتيوب» لهم خلفيّات مع مهن العروض والإلقاء، ممثِّلون وكوميديانات لم يجدوا الفرصة، مدرِّسون أو إعلاميّون ناشئون …إلخ، وهو ما يمنحهم التفوُّق كمُقدِّمي عروض مرئية قبل أن يكونوا محلِّلين جادين للأفلام.

ولنعطيه حقَّه، وسيط الفيديو أكثر صلةً بفَنّ السينما مقارنةً بالتدوين النثريّ، حيث يُمكِّن صانعه من الاستعانة بمواد صوتيّة وبصريّة ملائِمة للموضوع ومصاحِبة له بشكلٍ يجعل المُراجعة النقديّة أكثر تكاملاً.

لكن عدد محدود من نقَّاد «اليوتيوب» مَنْ أحسنوا استغلال تلك الإمكانيات، على رأسهم قناة بعنوان «Every Frame A Painting»، كانت تقدِّم النموذج الأمثل للمقالة المُصوَّرة، وتعمَّقت في تفاصيل وتاريخ فنّ السينما فاهتمَّت بإبراز لغة الصورة وشرح وظيفة كلّ حرفة سينمائيّة من المُونتاج للتكوين للصوت، وقدَّمت مراجعات لعددٍ من الأفلام بطرحٍ متعمِّق، لكنها توقَّفت عن العمل منذ سنوات مصيرها مثل القنوات التي تسلك الطريقة الجادة في استغلال هذا الوسيط النقديّ، فالجهدُ الذي تتطلَّبه صناعة مقطع واحد بالمعايير الصحيحة أكبر ممّا يظن كثيرون، المادة تحتاج لإنتاج وتجميع ومونتاج وتعليق وهندسة صوتيّة وتفكير بمرجعيّة بصريّة، وقبل كلّ ذلك تسويات مع شركات الأفلام المالِكة لحقوق المواد المعروضة.

عملية شاقة أكبر من قدرات المُتطوِّعين مهما كان العائد، لدرجة تدفع بالآخرين لطريق الاستسهال، فتصير مع الوقت مراجعاتهم مجرَّد وصلة من الكلام، انطباعات عن الأفلام أغلبها سطحي، كثير من النعوت على طريقة «… القصّة جيّدة لكن التمثيل سيئ..»، خوف من التعمُّق في أي تفاصيل فكريّة أو حرفيّة عن موضوع العمل، لأن هذا قد يعرِّض أحداث القصّة للحرق، أو لأن الناقد لا يتمتَّع بحصيلة ثقافيّة ومعرفيّة كافية تسمح له بتقديم مزيد من الإضاءات.

من هنا يصبح الهدف الأول للمُراجعة هو ترشيح الفيلم للمُشاهدة أو عدم ترشيحه، تلك واحدة من الوظائف الكلاسيكيّة للناقد، لكنها ليست الوظيفة الأهمّ أو الوحيدة.

 

روجر ايبرت وجين سيسكل

الراحل «روجر إيبرت»، وهو أحد نقَّاد السينما المُخضرمين، سبق أن كتب: «وظيفة الناقد أن يشجِّع الحاسة النقديّة لدى قرَّائه، يعرِّفهم بأحدث تطوُّرات الفَنّ، يهتمُّ بالمشهد المحليّ، يتجاوز اهتمامات المُعجبين بفنَّانين وأفلام بعينها، يستشعر الظواهر الاجتماعيّة، يستحضر السياقات الأشمل للأعمال الفنِّيّة، يُعلِّم، يُخبر، يُسلِّي، ويُلهم».

المُفارقة أن معظم مَنْ نتحدَّث عنهم ليسوا لاهثين خلف رتبة «الناقد» التي يمنحها «إيبرت»، على العكس، يتنصَّلون من الكلمة في كلِّ مناسبة، وهي وسيلة ماكرة للتحرُّر من أي إلزامات يفرضها حرَّاس المهنة القدامى، لذا تنوَّعت إجاباتهم عن سؤال: هل تعتبر نفسك ناقداً؟ يقول «كريس ستاكمان»: «على الورق أُعتبر ناقداً، لأنني أتحدَّث بشكلٍ نقديّ عن الأفلام، لكن حلمي أن أُقدِّم نفسي كعاشق للأفلام». وتقول «هايزل هايز»: «لا أعرف إنْ كنت سأطلق على نفسي ناقدة، لكنني بالأحرى متفرِّجة نشطة». وتقول «أليشيا كوين»: «لم أدَّعِ يوماً أنني خبيرة سينمائيّة، أو محلِّلة للأفلام. التقييمات التي أعطيها مبنيَّة على شعوري تجاه الأفلام».

النقدُ المُصوَّر له إرهاصات وتاريخ قبل «اليوتيوب»، ويرجع تأسيسه في الأغلب لـ«روجر إيبرت» نفسه، فبالتوازي مع كتاباته لصحيفة «شيكاغو صن تايمز» منذ ستينيّات القرن الماضي، بدأ ظهوره في منتصف السبعينيّات على القنوات التليفزيونيّة مع زميله «جين سيسكل»، حيث قدَّما برامج تناقش وتحلِّل الأفلام مثل «Sneak Previews» على قناة «PBS»، وبرنامج «At The Movies» على شبكة قنوات «ABC».

ورغم الشعبيّة الكبيرة التي حقَّقتها تلك البرامج، تظلّ كتابات «إيبرت» الصحافيّة وما نُشر في كتبه هو المرجع الذي يذهب له دارسو السينما والسينيفيل وصُنَّاع الأفلام. شئنا أو أبينا لازالت الكلمة المطبوعة أسهل في الأرشفة وأنسب لمرجعيّة الأبحاث، مقارنة بساعاتٍ متلفزة أكثر تعرُّضاً للتلف عبر الزمن وأصعب في التنقيب بداخلها بالنسبة للباحثين.

نفس الظاهرة موجودة بالنقد السينمائيّ العربيّ، فحين ترغب في معرفة ما كُتب عن فيلم منذ ثلاثة عقود، الأرجح أنك ستراجع كتابات سامي السلاموني أو إبراهيم العريس أو سمير فريد، لكن من الصعب أن تعرف ما قاله يوسف شريف رزق الله مثلاً، رغم كونه الناقد المصريّ الأكثر شهرة ونجوميّة بين أقرانه لظهوره المُكثَّف على القنوات التليفزيونيّة وصناعتها وإعدادها، لا أحد يعرف مصير تلك الساعات التي سجَّلها أو يستطيع الاطلاع عليها بسهولة.

ليس الزمن وحده ما يقف في صف النقد المكتوب، شركات الإنتاج أيضاً مازالت لا تعترف إلّا بالنقد المكتوب، والدليل أنها تستعين بجُمل وفقرات مأثورة من المُراجعات المكتوبة لتعيد طبعها على ملصقات الأفلام الدعائيّة. ببساطة الجملة المنثورة بتركيب بلاغي وتنظيم لغويّ لازالت الوسيلة المُفضَّلة للتواتر، مقارنةً بالإيماءة ولغة الجسد!

الحديث عن الأفلام له ألف شكل وغاية، وهو في العادة مُسلٍ ومثير للفضول. من الجميل معرفة مَنْ يشاركون تفضيلاتك حتى لو لم يضيفوا شيئاً لثقافتك السينمائيّة. ربَّما التوصيف الأقرب لنُقَّاد «اليوتيوب» هو توصيف «أصدقاء الأفلام»، أولئك الذين تفضِّل الذهاب للسينمات بصحبتهم تحديداً، وما أن تُضاء الأنوار بعد نهاية الفيلم يبدأ النقاش الحماسيّ حول ما شاهدتموه، والفرحة الصبيانيّة بأنّ ملاحظاتكم واحدة، وتفضيلاتكم واحدة. لنتجاهل فقط أنهم صاروا الآن أصدقاء بالأجر وتتخلَّل مناقشاتكم بعض إعلانات الرعاة.

مواضيع مرتبطة

المُنعطف الأخلاقيّ.. في علاقة المُؤلِّف بأعماله
محمد‭ ‬مروان10 مايو 2021
إمبراطوريّة الاكتئاب.. تاريخ جديد لـ«جائِحة القرن»
محمد الإدريسي09 مايو 2021
لوك فيري: نحن نعيش ثورة صناعيّة ثالثة
ترجمة: حياة لغليمي04 مايو 2021
حقيبتا «جان جينيه» السرِّيَّتان تكشفان عن نفائسهما
ترجمة: حياة لغليمي26 أبريل 2021
الأدب الرقميّ.. نحو تدشين فنّ غريب الأطوار!
ترجمة: شيرين ماهر26 أبريل 2021
كيف تغيَّرت الطريقة التي نتحدَّث بها في زمن الجائحة؟
ترجمة: دينا البرديني26 أبريل 2021
الحدود الحديديّة تجزئة للعَالَم
ترجمة: مروى بن مسعود26 أبريل 2021
البطيئون في مواجهة الحداثة
ترجمة: مروى بن مسعود17 مارس 2021
ديفيد فينشر.. الأفلام على طريقة بيكاسو
ترجمة: أمجد جمال24 فبراير 2021
المُجتمع المفتوح في السياق الإسلاميّ
محمد أيت حمو08 فبراير 2021
453 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

لماذا تخجل هوليوود من تاريخها؟
21 مايو 2021

«هذا البرنامج يحتوي على صورةٍ سلبية وتناول خاطئ تجاه بعض الجماعات أو الثقافات. ذلك التنميط كان خطأً في الماضي، ومازال خطأً إلى الآن. وبدلاً من أن نحذف هذا المُحتوى أردنا الإقرار بأثره الضار، والتعلُّم منه، وإشعال نقاش يهدف لخلق مستقبل أكثر تسامحاً». بهذا...

اقرا المزيد
إنيو موريكوني.. الأغزر إنتاجاً والأكثر تنوُّعاً
02 أغسطس 2020

بمجرَّد المرور على اسم «إنيو موريكوني» Ennio Morricone تحضر في المسامع التيمة الموسيقيّة من فيلم «الطيب والشرس والقبيح» (1966)، وتحديداً ذلك الصوت المُميَّز لذئبٍ يعوي مع الصرخات والهمهمات البشريّة وأصوات الكورال الصاخبة التي تنظمها إيقاعات لطبول تحاكي صوت الخيول...

اقرا المزيد
أفلام الغرب الأميركيّ.. كيف بدأت ولماذا انقرضت؟
01 أغسطس 2020

القبعات، الخيول، الأزياء، المنازل الخشبيّة، خطوط السكك الحديدية، الأسلحة النارية، والطبيعة البريّة. كلها سمات فيلمية جذابة لأفلام الغرب الأميركيّ تعلّقت بها قلوب وأعين محبي السينما لفتراتٍ طويلة من عمر هذا الفنّ تتجاوز النصف قرن، وهي المدة التي ظلّت...

اقرا المزيد
صناعة السينما العالميّة في الحجر الصِّحيّ
08 أبريل 2020

‮«‬السينما‭ ‬مُغلقة‭ ‬حتى‭ ‬يتوقَّف‭ ‬الواقع‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يبدو‭ ‬كالأفلام‭.‬‮ ‬حافظوا‭ ‬على‭ ‬سلامتكم‭ ‬وكونوا‭ ‬بخير‮»‬‭.‬‮ ‬بهذه‭ ‬اللافتة‭ ‬استقبلت‭ ‬إحدى‭ ‬دور‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬فلوريدا‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭...

اقرا المزيد