هشام جعيط.. إصلاح الحياة!

محسن العتيقي  |  06 يوليو 2021

لماذا لا تساهم الثقافة العربيّة في المجهود البشريّ لفهم عقل العالم الإنسانيّ؛ في تاريخه واقتصاده وقوانينه الاجتماعيّة وسُننه اللُّغويّة، وفي تجديد التفكير الفلسفيّ العالَمي؟ كان هذا السؤال من بين الأسئلة الفكريّة والتاريخيّة المُؤرِّقة التي انشغل بها المُؤرِّخ والمُفكِّر التونسيّ هشام جعيط، الذي فقدته الساحة الثقافيّة العربيّة في يونيو/حزيران المُنصرم، بعد مسيرة علميّة حافلة بالحيويّة النقديّة في سبيل أن يكون للفكر ما يكفي من «التحديث والسيرورة العربيّة نحو المُستقبل».

أبصر المُؤرِّخ والمُفكِّر الراحل هشام جعيط النور في تونس العاصمة في ديسمبر/ كانون الأول 1935. بدأ تعليمه في جامعة «الزيتونة»، ثمَّ في المدرسة الصادقيّة، قبل أن يقرِّر حفيد آل جعيط، المعروفين بالجاه والعلم، تغيير طريقه، وشيئاً فشيئاً نحو بادرة الرفض التي ستسمح لتفكيره بالتقدُّم والتجدُّد. فبعد استقلال تونس عام (1956) يحكي جعيط أن: «آل جعيط فقدوا مكانتهم الاجتماعيّة المرموقة بعدما صار كلّ شيء يدور حول الدولة الجديدة، ولمّا قام الرئيس الحبيب بورقيبة بغلق جامعة «الزيتونة» بعد الاستقلال.. كان هَمّ أبي أن أدخل في النظام الجديد، ولم أكن أوافقه على هذا؛ لأن لي مهجة البحث كما علَّمتني العائلة ذلك منذ الصغر. وبدا لي عندما طلبت مني أسرتي، التي انحدرت اجتماعيّاً، ولم تعد لها نفس المكانة المرموقة في المُجتمع التونسيّ الجديد، أن أنصهر في التجربة التونسيّة وليدة الاستقلال وكأنها قد انقلبت عليّ. لكني آمنت بالبحث الفكريّ والعلميّ، واتبعت هذا السبيل طوال حياتي، ولم أهتم بأمور السياسة. أمّا بالنسبة لتأثير العائلة فقد تواصل حتى بلوغي سن الـ 25، ثمَّ سافرت إلى فرنسا، واتبعت طريقي الخاص»(1).

في فترةٍ مبكِّرة فطن جعيط إلى أن الكلمة الصحيحة تشحذ العقل، وأن كلّ شيء في الفكر يصبح في المُقابل وحيداً وبطيئاً كما يُقال؛ فبعد عودته من باريس، يصف المناخ الأكاديميّ في الجامعة التونسيّة قائلاً: «عندما دخلت الجامعة التي عُدت إليها عام 1976، لم يكن يوجد أي مؤرِّخ أو أي فيلسوف يهتم بالتاريخ الإسلاميّ العام أو بالفلسفة الإسلاميّة»(2). ففي هذه الفترة، يضيف جعيط: «انشغل الباحثون التونسيّون بالدولة الوطنيّة حديثة النشأة تحت التأثير البورقيبي، إلى جانب اهتمامهم بالمسار الجامعي الوظيفيّ»، الأمر الذي أخر انتباه النخبة وجمهور القُرَّاء في تونس، إلى كتب هشام جعيط ونصوصه الأولى التي كانت تحظى باهتمام الصحافة في فرنسا، وكذلك في لبنان، وفي بلدان الشرق عموماً في تلك الفترة. كما لم يكن مجدياً، وصول صداها عبر التأثير الفرنسيّ، ففي رأي جعيط أن كتبه الأولى: لم تُقرأ حقّاً في تونس، ولم يكن لها صدى حقيقيّ، ولم يقع تحليلها، والاستفادة منها(3).

(1)

تتحدَّد خطوط مشروع هشام جعيط، على مستويين، تتفرَّع عنهما، في كثير من الأحيان، مستويات أخرى متداخلة التشخيص والنقد واقتراح الحلول. فبين الخط الأول الفكريّ، والثاني التاريخيّ، تتأصل مواقفه تجاه المشاكل الآنية واشتباكاته مع الأيديولوجيّات السياسيّة والفكريّة، لكنه قبل أن يطرق أبواب التاريخ ويكتب أطروحته التاريخيّة الدقيقة، كان أول ما ألّفه كتباً فكريّة بنَفسٍ فلسفيّ، تخوض في حال العالَم العربيّ والإسلاميّ، وفلسفة الدين، وهي الكتب التي رسمت معالم ومرجعيات خطّه الفكريّ في كتابيه: «الشخصيّة العربيّة الإسلاميّة والمصير العربيّ»، و«أوروبا والإسلام» الذي وقف عند المُقارنة بين الحضارتين في الماضي.

أمّا الخطّ التاريخيّ في مشروع جعيط، الخطّ الإسلاميّ تحديداً، فهو كالسهم الذي يوضع على القوس! وقد اختصَّ به منذ 1981 في أطروحته المُوسَّعة «الكوفة في القرنين الأول والثاني للهجرة» حول الحضارة الإسلاميّة، والمدينة في الإسلام، واستكمله في كتبه الستة عن التاريخ الإسلاميّ الأوّلي التي راجع فيها العديد من المُسلَّمات التاريخيّة، بنظرة نقديّة تعيد النظر في المصادر التي اهتمَّت بتاريخ الإسلام(4). ويصرِّح جعيط في هذا الصدد: «فيما يخص التاريخ الدقيق أردت فيه محاكاة المُستشرقين القدامى وتحسين الرؤية لهذه الحضارة؛ لأني لا أعدهم قاموا بعملٍ جيّد لترويج الصورة القريبة من الحقيقة التاريخيّة والبعيدة من التأثيرات السياسيّة والأيديولوجيّة إلّا البعض»(5). في حين نجد دراسته للمشاكل الراهنة قد بدأت قبل ذلك واستمرَّت مواكبة أهمّ الأحداث والمراحل الحاسمة، على غرار كتابه «أزمة الثقافة الإسلاميّة». وقد كان جعيط في الثمانينيات من القرن الماضي منشغلاً بالواقع الثقافيّ والأيديولوجيّ العربيّ، سواء بالمُشاركة الدؤوبة في ملتقيات مراكز ووحدات البحث العربيّة. أو بالكتابة في مجلّات عربيّة وأجنبيّة حول الواقع الحديث… انطلاقاً من إيمانه بأهمِّيّة «تحقيق التوازن بين الهويّة الجماعيّة والدخول في التاريخ المُعاصِر، وفي هذا المنحى حدَّد جعيط خطوط انشغالاته متمسِّكاً بقناعته الثابتة بكون «الإيمان بالهويّة ورسوخها في التاريخ العميق لا يمكن أن يحصل بدون أن ندخل بجدية في التحديث والسيرورة العربيّة نحو المُستقبل»(6) وما دون ذلك لا خير فيه، وإنما مآله الشر المكتوب في فراغ الفكر!

(2)

يهمنا في الجانب المُتعلِّق بنصوصه الفكريّة، إبراز تشخيص جعيط للواقع العربيّ، ولأزمة الفكر الإسلاميّ المُعاصِر. وكذلك تقييمه للأيديولوجيّات التي شكَّلت هذا الواقع، وحلوله المُقترحة من أجل ما يسمِّيه، تجاوز مستوى فكر النهضة وصدمة الحداثة، وخلق كيان علميّ وفكريّ لعرب اليوم. وفي هذا الجانب يتنقَّل جعيط في تشخيصه الفكريّ لواقع الثقافة العربيّة، بين أربع مراحل حاسمة على الأَقلّ، الأولى: حملة «بونابارت» وصدمة التقاء العرب بالغرب حوالي 1800م، والثانية: حركة النهضة العربيّة، والثالثة: ما بعد الحرب العالمية الثانية، أمّا الرابعة، فهي مرحلة الستينيات وصولاً إلى الزمن الراهن. وفي كلّ تلك المراحل يربط جعيط تداعيات كلّ مرحلة بما قبلها وما بعدها في سياقٍ نقديّ أفقيّ ومتصل على مستوى بنية التحوُّلات الفكريّة والثقافيّة. لقد فهم المُسلمون، في تشخيص جعيط لمرحلة الالتقاء بالغرب، أن: «الأوروبيّين قد تجاوزوهم على مستوى العظمة، وفهموا أيضاً أنهم تفوَّقوا عليهم على مستويات الاقتصاد والحضارة المادية وتنظيم المدرسة والحاضرة، وكلّ العناصر التي شكَّلوها في مفهوم التمدن»، غير أن صدمة الالتقاء بالأوروبيّ لم تكن في تقديره، لحظة إنتاج وعي مماثل، ذلك أن أحد المساعي الفكريّة الأولى الناتجة عن الصدمة كان هو مسعى الإنصات للغير والانتباه إليه كموقف استدعاء للإصلاح والتغيُّر. وحجته في ذلك أن المُسلمين «لم يفكِّروا في ظاهرة الحداثة كمعانٍ للقطيعة مع الماضي، وإنما كمعانٍ لارتباط جديد معه»، فكان هذا الاستدعاء محفِّزاً للتفكير، ومنبِّهاً لحدوده في الوقت نفسه في إطار قضايا فرضت على المُثقَّف العربيّ ثنائيات متقابلة من قبيل: أصالة/ حداثة، عروبة/ إسلام، سلطة/ ديموقراطيّة، نهضة/ حضارة، شورى، عدالة، حرّيّة، استشراق/ استغراب…

لكن جعيط، وهو بصدد تشخيص تبعات هذه المرحلة، يقرُّ بما هو إيجابيّ في نظره؛ فتجاوز الوثوقيّة وإحلال الروح النقديّة سيترتَّب عنهما أكثر فأكثر بروز، ما يصفه بـ: «عقل عربيّ، عقل نقديّ أو متفهم للاثنين معاً، يتجاوز بجدة عقل العقلانيين القدامى بامتصاص قوي لإسهامات الفكر الغربيّ، كما لو أن ذلك تعلَّق بانخراط أكثر ضمانة في جذور الأنا العربيّ الإسلاميّ». لكن هذا البروز لعقلٍ عربيّ نقديّ، وإنْ كان بمقدوره تجديد إشكاليّاته، ومنهجيته، فإنه يبقى، في تحليل جعيط، ناقصاً من أجل أن يكون للفكر ما يكفي، بل إنه «أَقلّ إبداعيّة في نظام المفاهيم أو في ميدان المخيال. وكمصاب بالشلل بمجرَّد ما تعلَّق الأمر بتفكير الكونية. إنه لا يزال عقل معركة، غاطساً في عالمه، رغم تهميشه الفعلي.. بهذه المُوارَبة»(7). ولهذا التحليل حصيلة أخرى، وهي أن حركة النهضة العربيّة، التي انبثقت على إثر الصدمة التي أحدثتها حملة «بونابارت» على الفكر الشرقيّ، لم تصل بالثقافة العربيّة الإسلاميّة إلى المُستوى العالميّ لتضاهي إنتاج روائع الفكر البشريّ المُعاصِر، فعلى الرغم من جهود لا تُجحَد لشخصيّات لامعة إلّا أنها، في نظر جعيط، بقيت في حدودها النسبية تمثِّل نهضةً إقليميّة ومحلّيّة يبرز فضلها بالمُقارنة مع عصر الانحطاط المهول(8). ولنلاحظ هنا، أن جعيط، في المُقابل، وضعنا أمام مفارَقة حين كتب مقالاً يخلص فيه إلى أنه: بعد أكثر من قرن من ظهور حركة النهضة، لم يبرز ولا فيلسوفاً واحداً من طراز متوسط، وأن التقليد الفلسفيّ العربيّ الإسلاميّ مات خلال عصور الانحطاط دون أن يخلف شيئاً، بل إن جعيط يبدي تعجُّبَه من كون «لا أحد من جيل العشرينيات والثلاثينيات تتلمذ على أحد كبار الفلاسفة الغرب وهُم على قيد الحياة من أمثال «برغسون» و«هوسرل» و«هايدغر»…»(9)، ولعَلّنا نستخلص هنا، بأن جعيط، وقف من جديد أمام مسافة أخرى في إطار اللقاء بالغرب، مسافة إمّا أن تُلزم المُفكِّر العربيّ بالبحث في التاريخ الفكريّ العربيّ الخاص، وتحديداً الثورة العلميّة في الأندلس باعتبارها تراكماً حضارياً ساهم في بناء الحداثة الغربيّة، أو بالاستكانة إلى الواقع والاستسلام له. وفي تقدير جعيط أن الخيار الأول على المُستوى التاريخيّ: بدأ منذ النهضة العربيّة بالنبش في التراث، ونشر أمهات الكتب، والاهتمام بماضي العرب وثقافتهم وصولاً إلى الجيل الريادي في الكتابة التاريخيّة الذي مثَّله طه حسين، أحمد أمين، جرجي زيدان، حسن إبراهيم، وجواد علي… وهي كتابات أرادت لنفسها، بتعبير جعيط، تجديد الرؤية للماضي، إلّا أن مجهودها انحسر كمّيّاً في الستينيات. أمّا على المُستوى الفكريّ: فلم يقع بصفة جديّة إلّا بعد الستينيات مع صدور كتب حول التراث الفلسفيّ، منها: «فلسفة ابن خلدون السياسيّة» لمحسن مهدي، و«الفكر الواقعيّ عند ابن خلدون» لناصيف نصار، وكتاب محمد أركون حول فلسفة ابن مسكويه(10)….

(3)

شهدت مرحلة الستينيات، التي يوليها جعيط تشخيصاً بنيوياً عميقاً، بروز عدّة جامعات فتية في البلاد العربيّة، ومعاهد فكريّة ممولة، كما نشطت فيها حركة النشر والترجمة والإنتاج الفكريّ، ونتج عن ذلك، كما يقول جعيط: ظهور بعض المُؤرِّخين الجديين على رأسهم: عبد العزيز الدوري (1919 – 2010) صاحب «تاريخ العراق الاقتصاديّ في القرن الرابع الهجري»، وصالح أحمد العلي (1918 – 2003)  «التنظيمات الاجتماعيّة والاقتصاديّة في البصرة في القرن الأول الهجري»، ومحمد عبد الحي محمد شعبان (1926 – 1992) «ثورة العباسيين»، وفاروق عمر فوزي (1938) «طبيعة الدعوة العباسية: العباسيون الأوائل»، ثمَّ نسج هشام جعيط على منوال صالح أحمد العلي والدوري، أطروحته عن «الكوفة في القرنين الأول والثاني للهجرة». وهكذا، يلاحظ جعيط بأنه: فيما بين 1948، تاريخ بروز أطروحة الدوري، و1981 تاريخ بروز أطروحته، أي طوال مدة ربع قرن لا نجد إلّا خمسة مؤرِّخين اختصوا في الفترة الكلاسيكيّة الكبيرة، أي القرون الأربعة الأولى وهي فترة لها دلالة خاصة.

وإذا كان جعيط قد اعتبر بأن: كتابات هؤلاء المُؤرِّخين الخمسة هي -تقريباً- الوحيدة في كلّ الإنتاجِ العربيّ في ميدان العلوم الإنسانيّة المُعترَف بها عالميّاً كبحوثٍ جديّة، تجاوزت ما قبلها وما بعدها، فإنها، تبقى في نظره، نزراً يسيراً جدّاً، مبرراً ذلك؛ بتعذُّر تكوين مدرسة تاريخيّة، ولانصراف معظم الباحثين عن كلّ ما هو تراثي «لقلّة طموحهم ولقلّة تفتحهم للإنسانيّة العالميّة ولاستكانتهم، بل وكسلهم وفقدهم للمُثل الفكريّة العليا»(11). كما أنه، باستثناء المجهودات المُحترَمة لعبد الله العروي، والحبيب الجنحاني، ومحمد الطالبي… فيما يخصُّ جغرافيّات وفترات تاريخيّة أخرى، بما في ذلك جهود الأثريّين في استكشاف الحضارات القديمة بمصر والعراق… فإنّ نظرة جعيط إلى المُؤرِّخين المُولعين بالحديث والقريب تبقى ناقصة، لكون هذا الولع في تقديره لم يأتِ بثمارٍ جديّة، متسائلاً: «هل لنا تاريخٌ جديّ لرقعة الهلال الخصيب منذ قرن؟ في هذا المضمار ما زلنا عالةً على كتاب جورج أنطونيوس»(12).

لقد كان لتسارع الأحداث بعد الاستقلال، حرب (حزيران)، النكسة، حرب 1973، القضية الفلسطينيّة… بالغ الأثر على دور الفكر العربيّ، فالاصطدام هذه المرّة لم يحدث بالغرب، وإنما مع الأيديولوجيّات والإشكالات الداخليّة المُتفاقمة بحدّة بعد سيطرة العامل السياسيّ الآني على الأفق العربيّ، وهيمنة وسائل الإعلام، على حساب قدسية الفكر ومجاله الحيويّ الذي كان إلى حدود الخمسينيات يزخر بأسماء «من نمط الشخصيّة الكبيرة ذات التأثير الواسع على الجماهير والنخب كطه حسين والعقاد…». ولن يكون من باب الزيادة في الكلام، ونحن نستنتج من خلال جعيط، وجه الشبه العام بين الأمس واليوم؛ صورة الستينيات وما تلاها مستعادة في وسط فكريّ متعدِّد الروافد، يتمُّ فيه تهميش دور المُفكِّر، على الرغم من تجاوزه الحدود النظريّة، والعمل الأكاديميّ البحت، إلى التفكير في مجمل المشاكل العربيّة. إذ بفضل مثقَّفين «آمنوا بالفكر والثقافة، وقليلاً ما حظوا بتشجيع مع الحكومات أو الجماهير.. حصل في الجملة تقدُّمٌ نظريّ في معالجة مشاكل العالَم العربيّ من الوجهة الفكريّة. فلم نعد عالةً على المُستشرقين في دراسة تاريخنا، ولا على الخبراء الأجانب في دراسة اقتصادنا… والخطر اليوم أن يهدَر هذا المجهود، وأن ينقرض علماؤنا دون أن يتمكَّنوا من تكوين أجيال جديدة على ما يلزم من حب للمعرفة ومنهجية كاملة. هذا تخوُّف ليس مصدره التشاؤم وإنما حقيقة الأمور»(13).

في تشخيصاته لواقع الثقافة والفكر في البلاد العربيّة، حمل جعيط مسؤولية التهميش إلى الساسة والجماهير معاً، وبنبرة أكثر حدّة يلقي باللائمة على مستويات الوعي العربيّ العام، وقبله وعي النخبة الأكاديميّة، أو الجامعيّة التي تنصرف إلى اختصاصاتها، دون مثابرة على البحث المُتخصص والمُجدي، ولهذا فالأستاذ الجامعي يظهر، في تصوُّر جعيط، بمظهر العالِم المُختص لكن بمظهر المدرس الصغير! وهنا نصل مع جعيط إلى: «نقطة استفهام وإبهام؛ فالوعي العربيّ لا يحسن التمييز الصارم المضبوط بين العالِم المُختص في أحد ميادين العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وبين المُفكِّر الحقيقيّ صاحب النظرة الشموليّة المُتجاوز للاختصاصات، والذي يأتي برؤية وبمفاهيم مع عمق في النظر واستقلالية في منابع التفكير. ليس كلّ مَنْ يفكِّر مفكِّراً، وليس كلّ مختص عالماً»(14).

 

(4)

لم تكن رحلة جعيط في البحث عن جواب لتساؤله: لماذا لا تساهم الثقافة العربيّة في المجهود البشريّ لفهم عقل العالم الإنسانيّ؛ في تاريخه واقتصاده وقوانينه الاجتماعيّة وسُننه اللُّغويّة، وفي تجديد التفكير الفلسفيّ العالَميّ؟ مسألة سهلة، ولا مستحيلة، فهي بقدر انفتاحها على المُستقبل وتفاعلها مع الفكر العالميّ، إجابة بصوت مرتفع تؤكِّد استحقاقنا الفكر الذي لدينا، وقد وجد جعيط نواة إجابته متجذِّرة في الثقافة العربيّة التي هي بالأساس؛ ثقافة فكريّة وذهنيّة، لذلك فمن المنطقيّ «أن يكون الميدان الفكريّ والتاريخيّ أخصب ميادين الإنتاج لما اتّسمت به الحضارة العربيّة من عمقٍ تاريخيّ، وأيضاً من تقاليد تاريخيّة عريقة في ميادين التحليل والعلم الإنسانيّ، والقانون، والتاريخ، والاقتصاد»(15). وإذ تبدو رحلة البحث، قد استُؤنفت منهجياً باتجاه الماضي لإعادة اكتشاف طرقه، واستنطاق فراغاته التاريخيّة، فإنّ جعيط، وهو في مقام مَنْ يقول: أين الفكر هناك القوة، قد مضى في رحلته الطويلة، وعينه على مستقبل العقل العربيّ المفقود، والذي يتطلَّب العناء والمشقة لاستعادة ما يمكن استعادته من الينابيع الأولى؛ و«إن كلّ عمل في سبيل إحياء هذا الاستعداد وخلق كيان علميّ وفكريّ لعرب اليوم هو عمل ذو بُعدٍ مصيري، لأن الأمّة قامت على فكرة مجدها الثقافيّ… ولا يمكن البتة أن ينحصر هذا المجد في الماضي، بل علينا أن نؤسِّس مجداً جديداً يعطي الأمّة العربيّة مقامها بين الأمم». وبما أن هذا المجد كان شعريّاً وعقليّاً، وليس أدبيّاً خياليّاً إلّا في العنصر الشعبيّ الحكائيّ، فلن ينبغ عرب اليوم، في الميدان المسرحيّ أو الروائيّ أو الفنّيّ عموماً؛ إننا نفخر، يستطرد جعيط: بابن سينا، والطبري، والمقدسي، والبيروني، بينما يفخر الإنجليز بشكسبير، والفرنسيون بروائيّيهم أو كُتَّاب التراجيديا عندهم (…) وإذا عجز العرب عن إنشاء علوم إنسانيّة بالمعنى الصحيح، فهم في غير ذلك أعجز!، والشاهد في ذلك عند جعيط كون، التقليد الثقافيّ يسيطر على مناهج الإبداع، بما يجعل النبوغ العربيّ متاحاً وممكناً، بتفكيرٍ أشمل وأعمق، لكن في الميادين المعهودة التي كان العرب يسمّونها بالحكمة، وهي بلغة اليوم علوم إنسانيّة واجتماعيّة.

نصل الآن إلى نقطة أساسيّة في اشتباك جعيط بالمشاكل الراهنة، ألا وهي تشخيصه النقديّ لاختلاط الأيديولوجيّات بالثقافة، بداية من تحديده لسمات الثقافة العربيّة المُعاصِرة بوصفها «ثقافة أمّة تتساءل عن مصيرها، وعن علاقتها بالعَالَم الخارجيّ، وبماضيها على السواء، وليست ثقافة إبداعيّة بالمعنى الذي تحمل فيه نظريّات عامة حول الإنسان والتاريخ والمُجتمع عامة»، وصولاً إلى رصد نتائج ذلك على كافة القضايا المصيريّة؛ حيث بدا لجعيط أن الثقافة العربيّة في الأزمنة المُعاصِرة اختُرقت من طرف تيارات سياسيّة ومذهبيّة أكثر من كونها مدارس فكريّة. فمن القوميّ إلى الإقليميّ، ومن الإسلاميّ إلى العلمانيّ ومن التحديثيّ إلى التراثيّ… فإنّ تحصيل الحاصل هنا، ليس فكراً يُزرع في الاختلاف، وإنما ذلك السؤال الذي نحته شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ الذي يستعيده جعيط متأمِّلاً ثقافة عربيّة مازالت تخاصم نفسها والدنيا حول إشكاليّاتها الأساسيّة، دون أن تتمكَّن من تجاوز صدمتها بالحداثة. وإذا كان جعيط يقرُّ بأنه من غير المُنصف، بل قد يكون من باب المُستحيلات، ونضيف إليها اللامبالاة، مطالبة «الثقافة العربيّة الفكريّة اليوم بأن تتخلَّى عن المناخ الذي تعيش فيه، كما عن الإشكاليّات الموروثة»، فإنه في المُقابل يتحدَّث بما يقيسه من فروقات في أدق التفاصيل، عن ثقافة عربيّة، لا يراها تساهم اليوم: في المجهود البشريّ لفهم عقل العالَم الإنسانيّ في تاريخه واقتصاده وقوانينه الاجتماعيّة وسُننه اللُّغويّة وتجديد التفكير الفلسفيّ فيه(16).

 

(5)

من سياقات متعدِّدة في كتابات جعيط، يتضح أن الانخراط في فهم العالَم الإنسانيّ، لا يتأتى إلّا بتوفُّر شرطين أساسيّين؛ الأول: ثقافة جمعية متميِّزة، والثاني: حداثة مرتبطة بالهويّة. ويمكن الاستنتاج فيما يخصُّ متطلَّبات تحققهما، أن الأول مقترن بالحاجة المُلحة إلى «جهاز فلسفيّ يصالح مصالحة نهائية بين حاجات النفس البشريّة المُعاصِرة بما فيها العلم وبين الروح الدينيّة»(17). ومن شأن ذلك أن يرشد الثقافة العربيّة إلى: خوض المعارك الفكريّة العامة وما يترتَّب عنها من تعميق أكثر للأمور وحذق أدق للمنهجيات، مع ضرورة التمييز: «بين الإنتاج الأيديولوجيّ المُوجَّه للجماهير (الذي قد يكون لازماً) والذي ينتج العدد الأوفر من الكتب والدوريات، وبين الإنتاج العلميّ الجيّد أو الإنتاج الفكريّ العام ذي المرتبة الرفيعة»(18).  وتجدر الإشارة في هذا الصدد، أنَّ جعيط أجاز وجود فكر فلسفيّ – أيديولوجيّ عربيّ مهتم بالإشكاليّات السياسيّة والحضاريّة والثقافيّة، وهو في تصنيفه الكمّي له يمثِّل: إسهاماً مهمَّاً، في خطاب السياسيّ كما في خطاب الصحافيّ، وإنْ كانت هذه الإشكاليّات من حيث المضمون لا تتجاوز الأفق العربيّ – الإسلاميّ إلى نطاق التنظير العام، كما أنها لا تأخذ بُعدها الفلسفيّ النظريّ إلّا عند القليل، ومنهم هشام جعيط نفسه، وعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون وناصيف نصار والطيب تيزيني.

أمّا الشرط الثاني، وهو الحداثة المُرتبطة بالهويّة، فيجد تأصيله المبدئي عند جعيط؛ من منطلق دور الهويّة في مقاومة الهيمنة الإمبرياليّة والاقتصاديّة؛ وانطلاقاً من اعتقاده بضرورة التمسُّك بخصوصيّاتنا، وبالعناصر الأساسيّة التي انبنت عليها هويّتنا وحضارتنا. لكن الهويّة عند جعيط، كموضوعٍ للبحث وبناء الذات والمُستقبل، تتخطَّى النبش في التاريخ والانغماس في التراث، كما لا تقوم على الذاكرة فحسب، وإنما تعني الهويّة كذلك: «احتكاك الهويّات الفرديّة، وانفتاحها على الأخلاقيّات التي تقرِّب بين البشر وتبني القيم، التي تفتح آفاقاً أمام الإنسان، وتعطي لحياته معنى، وتجعل منها قيمة عالية»(19).

إعطاء معنى للحياة، هو إصلاح لها، كانت هذه رسالة هشام جعيط، وقد وصفها في إحدى انزياحاته الشعريّة: «إصلاح الحياة! رسالة عظمى أثقلت كواهل عظماء من المُحرِّرين، والقادة، والمُفكِّرين، والأدباء.. إصلاح الحياة باسم نداءٍ داخليّ في قلب الإنسان المُتحيِّر.. نزوع إلى بناء المُستقبل، ولكن أيضاً وفاء بالماضي.. تفتح أمام هذه النسبيّة الغريزة المُنبسطة أمامنا والتي هي حاضرنا.. احترام لوساطة الكلمة حتى لا يبتلع الهدف الوسيلة.. إيمان حقّ بالقيم ولو نبذها المُجتمع، شعور بسوء النية ورفضها.. الحب دوماً والرحمة دوماً والذهاب إلى الغير(20)…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 – ھشام جعیط: الفكر یلزمه فترات من الدعة والعالم الیوم في تغیُّر واضطراب/ مجلة الفیصل، العدد: 477، یولیو 2016.

2 – نفس المرجع السابق.

3 – نفس المرجع السابق.

4 – ھشام جعیط: الفكر یلزمه فترات من الدعة والعالم الیوم في تغیُّر واضطراب/ مجلة الفیصل، العدد: 477، یولیو 2016.

5 – نفس المرجع السابق.

6 – نفس المرجع السابق.

7 – ھشام جعیط: فلسفة الأنوار والفكر العربيّ الإسلاميّ/ مجلة التبیین، العدد: 14، أبریل 1999.

8 – ھشام جعیط: أزمة الفكر الإسلاميّ المُعاصِر/ مجلة الفكر العدد: 1، أكتوبر 1965.

9 – ھشام جعیط: الإنتاج الفكريّ العربيّ منذ عشرین سنة/ مجلة فكر وفنون، العدد: 42، یونیو 1985.

10 – نفس المرجع السابق.

11 – ھشام جعیط: أزمة الفكر الإسلاميّ المُعاصِر/ مجلة الفكر العدد: 1، أكتوبر 1965.

12 – ھشام جعیط: الإنتاج الفكريّ العربيّ منذ عشرین سنة/ مجلة فكر وفنون، العدد: 42، یونیو 1985.

13 – نفس المرجع السابق.

14 – نفس المرجع السابق.

15 – نفس المرجع السابق.

16 – نفس المرجع السابق.

17 – ھشام جعیط: أزمة الفكر الإسلاميّ المُعاصِر/ مجلة الفكر العدد: 1، أكتوبر 1965.

18 – ھشام جعیط: الإنتاج الفكري العربي منذ عشرین سنة/ مجلة فكر وفنون، العدد: 42، یونیو 1985.

19 – ھشام جعیط: الفكر یلزمه فترات من الدعة والعالم الیوم في تغیر واضطراب/ مجلة الفیصل، العدد: 477، یولیو 2016.

20 – ھشام جعیط: آراء نقدیة في الأدب المعاصر/ مجلة الفكر، العدد: 4، ینایر 1967.

مواضيع مرتبطة

122 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

فرج دهام.. فنَّان اللامرئيّ
01 يناير 2021

مع مُنادَاة مارسيل دوشامب (1968-1887) «العمل الفَنّي ينبغي أن يكون حقيقةً ذهنيّة» بدا كأنَّ الرسمَ قد وصل إلى غايته القصوى(1)، إذ في سنة 1961 سينحت هنري فلينت مصطلح (الفَنّ المفاهيميّ)، وبذلك سيعرف الفكر الجماليّ ثورةً نقديّة نقلت مجال البحث من الجانب الفيزيائيّ...

اقرا المزيد
اتجاه.. هل حقَّق سلمان المالك نقلةً نوعية؟
16 يناير 2020

شكل معرض «اتجاه» نقلةً نوعية طال انتظارها في تجربة الفَنَّان القطري سلمان المالك. فالحدث الذي استقبله جاليري المرخية (المطافئ – مقر الفَنَّانين) بالدوحة مطلع السنة الماضية دال على تفاصيله، فعبر أكثر من سبيل، يمكن الوصول إلى عوالم لوحات جمعت بين العودة...

اقرا المزيد