هل تجاوز الفَنّ التشكيليّ في موريتانيا مرحلة التأسيس؟

إبراهيم الحَيْسن  |  02 يونيو 2020

لا تنفصل البواكير الأولى للفَنِّ التشكيليّ في موريتانيا عن الظروف التي مرَّت منها خلال الفترة الكولونياليّة، حيث تمَّ احتضان فنون الأهالي Arts indigènes وإدماج الفَنّ في التلقين المحليّ تحت الوصاية البرَّانيّة، وذلك ضمن برامج المركز الثقافيّ الفرنسيّ سانت إكزيبيري في العاصمة نواكشوط الذي كانت تديره الرسّامة «ماري فرانسواز دولاغوزيير Marie-Françoise Delarozière» لمدة ثماني عشرة سنة (1965 – 1983)، والتي يعود لها الفضل في إعداد وتكوين مجموعة من الرسّامين العصاميّين الذين تتلمذوا على أيديها واكتسبوا خلال الورشات التي أطرتها مبادئ الرسم والتصوير الزيتيّ والمائيّ. وقد نمت هذه التجربة الفَنّيّة وامتدَّت لاحقاً وتباعاً بفضل جهود مجموعةٍ من الفَنَّانين الموريتانيّين المُؤسِّسين والمُجدِّدين الذين رسموا السمات الأساسيّة للمُمارسة التشكيليّة في البلد، تنوَّعت فيها المواضيع والمواد والخامات وصيغ المُعالجة..

معارض وميلاد مؤسّسات

يعود أوّل معرض تشكيليّ أقيم في موريتانيا إلى سنة 1978 وقد نُظم برواق الثقافة بالعاصمة نواكشوط. شارك في هذا المعرض الفَنَّانان المختار سيدي محمد المكنّى بـ«موخيس» ومامادو آن، حيث قدَّما مجموعة من الأعمال التصويريّة والتلوينات الورقيّة (لَوْنَمَة، باستيل، أقلام لبذية..) التي تؤسِّس لبداية الرسم والتشكيل في موريتانيا من منظورٍ مُعاصِر.

عقب ذلك بسنةٍ واحدة، احتضنت قاعة المتحف الوطنيّ في نواكشوط أيضاً معرضاً جماعيّاً أقامته وزارة الثقافة سُمِّي أنذاك بـ«معرض الانطلاقة»، وقد ضمَّ أعمال أربعة فنَّانين محليّين، هم: عبد الودود الجيلاني الملقب بأبي المعتز، موخيس، إبراهيم فال ومامادو آن.

وبعد مرحلة اتّسمت بنوعٍ من التذبذب، نظم الفَنَّانان سيدي يحيى ومحمذن ولد امَّيْنْ معرضاً مشتركاً سنة 2002 بالمركز الثقافيّ الفرنسيّ والمركز الثقافيّ المغربيّ في نواكشوط تناولا فيه تجربتهما الصباغيّة وقد أطلقا عليه اسم «أعمال ورشة»، إلى جانب إقامة معارض ثنائية متفرِّقة ببعض فنادق المدينة.. 

على مستوى المؤسَّسات الجمعويّة ذات الاهتمام بالإبداع التشكيليّ، توجد بموريتانيا الجمعية الموريتانيّة للفَنّانين التشكيليّين AMAP واتحاد الفَنَّانين الموريتانيّين الذي يوجد على رأسه في الوقت الحالي الفَنَّان عبد الودود الجيلاني، أنشئ سنة 1998 وكان أوّل من ترأسه الفَنَّان موخيس. أمّا من حيث البنيات الثقافيّة التحتيّة، فتتوفّر نواكشوط على دار الفَنَّانين التشكيليّين التي شيِّدت سنة 2004، وهي مؤسّسة فنّيّة تابعة للاتحاد المذكور، يعمل بها مبدعون موريتانيّون وآخرون أجانب أغلبهم من فرنسا.

وزيادة على المعارض المُنتظمة، تحتضن دار الفَنَّانين التشكيليّين ورشات تكوينية في الرسم والصباغة يستفيد منها الفَنَّانون المُنخرطون بالاتحاد، ويشرف عليها مبدعون محترفون أجانب، منها مثالاً الورشة التي أطرها الفَنَّان الفرنسيّ وأستاذ الفَنّ بمدرسة الفنون الجميلة في تولون باتريك سيروت، وذلك في سنة 2011 بدعم من المعهد الفرنسيّ في موريتانيا. 

فضلاً عن المتحف الوطنيّ الموريتانيّ التابع لوزارة الثقافة والاتصال والذي تمَّ إحداثه منذ بداية ستينيّات القرن الماضي. محافظ هذه المؤسّسة هو السيد هَدْيا كَنْ، وتضمُّ قاعة للعروض المُتجدِّدة ومكتبة تراثية خاصّة بالدراسات والمخطوطات وفضاء لعرض النفائس والقطع الأثريّة، مع الإشارة كذلك إلى تجمُّع فنيّ ناشئ M-Art يعمل على إقامة مهرجان موريتانيّ للفنون التشكيليّة أطلق عليه اسم «الفَنّ – حر» Libre- Art، وذلك للمساهمة في تعميم الفَنّ ونشره وتداوله بالبلد.

كما تمَّ مؤخَّراً إنشاء «جمعية التشكيليّين الشباب» AJAM التي ترأسها الفَنَّانة سلم منت الرحيل، تأسَّست على خلفية دعم المُبدعين الشباب والتعريف بفنّهم وإبداعهم، وقد سبق لها تنظيم معرض جماعيّ بعنوان «موريتانيا في لوحة»، وذلك في فبراير/شباط 2019 ضمَّ مجموعة من اللوحات الصباغيّة المُجسِّدة للعادات والتقاليد الموريتانيّة، يوجد من بين مؤسّسي هذه الجمعية الفَنَّان محفوظ ولد ببوط.

على مستوى الأروقة الفَنّيّة، يُمكن ذكر دار العرض ZeinArt Concept التي تديرها الفَنَّانة البرتغاليّة «إيزابيل فياديرو Isabel Fiadeiro»، وقد سبق لها احتضان معارض نوعيّة، من بينها المعرض الجماعيّ الذي أقيم في أبريل/نيسان 2006 وقد ضمَّ تجارب أربعة فنَّانين موريتانيّين مُعاصِرين، هم: عمر بال، بشير معلوم، أمي صو وصالح لو، مثلما احتضن في مناسبات متنوِّعة أعمال فنَّانين آخرين، من بينهم موخيس، مامادو آن، سيدي يحيى.. وغيرهم.

أمَّا بخصوص الدرس الجماليّ، فإنّ المنظومة التربويّة والتعليميّة الرسميّة في موريتانيا لا تتضمَّن ديداكتيك مادة التربيّة الفَنيّة في مختلف أسلاك التعليم، ما يوجد فقط هو تدريس شعبة خاصّة بالتصاميم الغرافيكيّة «الأنفوغرافيا» التي درَّسها الفَنَّان سيدي يحيى منذ إحداثها سنة 2006 لتنضاف إلى مواد معلوماتيّة تخصُّصيّة، وذلك بالثانوية التجاريّة للتكوين المهنيّ والفَنيّ في العاصمة، وهي مؤسَّسة تابعة لإدارة التعليم المهنيّ بوزارة التعليم، إلى جانب بعض التجارُب التعليميّة الخاصّة المتصلة بمؤسَّسات ثقافيّة عربيّة بالعاصمة نواكشوط، أبرزها الورشة التدريبيّة الدائمة التي تقام بالمركز الثقافيّ المغربيّ، وكذلك إنشاء مدرسة للفنون التشكيليّة في أكتوبر/تشرين الأول 2017 بمركز مصر للعلاقات الثقافيّة والتعليميّة في نواكشوط. وقد تمَّ تكليف الفَنَّان التشكيليّ الموريتانيّ ونقيب التشكيليّين الموريتانيّين خالد ولد مولاي إدريس مشرفاً فنّيّاً على المدرسة التي تدرَّس بها مجموعة من التخصُّصات والمهن الفَنّيّة، كالتصوير Peinture والخط والمُعالجة الرقميّة والتصميم. وعقب سنة تكوينيّة واحدة، تمنح المدرسة للمُتدربين شهادات ودبلومات تؤهلهم لولوج المعاهد المتوسطة. وقد نظم المركز سنة 2018 معرضاً فنّيّاً جماعيّاً لأعمال الطلبة المُتدربين تضمَّن إنتاجات فنّيّة وجمالية عبَّرت عن نبذ العنف ضِدَّ المرأة والطفولة وظاهرة الطلاق، وكذا التسرُّب المدرسيّ عند الفتيات. وصلةً بالمُبادرات الفرديّة، وجبت الإشارة إلى ورشة الخط العربيّ التي أنشأها الفَنَّان موخيس بنواكشوط سنة 1984، حيث استفاد منها عددٌ مهمٌّ من الخطاطين المحليّين.

ومن أهمّ المشاركات الفَنّيّة الجماعيّة للتشكيليّين الموريتانيّين خارج بلدهم، نذكر مشاركة الفَنّانين سيدي يحيى، موخيس ومحمد فال في المعرض الجماعيّ «مقامات من الرسم المغاربيّ المُعاصِر» الذي نظمته مجموعة البنوك المغاربيّة بالدار البيضاء سنة 1990، ويمكن اعتبار هذا المعرض بمثابة الإقلاع الحقيقيّ للفَنّ التشكيليّ الموريتانيّ بالمفهوم المُعاصِر. مع التنويه بالعمل التوثيقيّ الجبَّار الذي قامت به دار السينمائيّين سنة 2009 والمتمثِّل في إنجاز مجموعة من الأشرطة الفَنّيّة خُصِّصت لتجارب أهم الرسامين والفَنَّانين التشكيليّين في موريتانيا، فضلاً عن النشاطات الفَنّيّة التي يحتضنها المعهد الفرنسيّ في موريتانيا (المركز الثقافيّ الفرنسيّ سابقاً)، من ذلك تنظيم الصالون الموريتانيّ للفنون التشكيليّة الذي انطلقت فعاليات نسخته الأولى منذ سنة 2013 تحت رعاية وزارة الثقافة والشباب بتنسيق مع اتحاد الفَنَّانين التشكيليّين الموريتانيّين. تميَّزت هذه النسخة التأسيسيّة بتنظيم معرض تشكيليّ جماعيّ ضمَّ لوحات ورسوماً وصوراً فوتوغرافيّة لعشرين فنّاناً محليّاً تمَّ انتقاء مشاركتهم، إلى جانب استحداث جائزتين تقديريتيّن هما: جائزة «وَانْ بُوكَارْ» (تُمنح بناءً على استقراء رأي الجمهور) وجائزة «ماري فرانسواز دولاروزيير» (تمنحها لجنة التحكيم)، فضلاً عن محاضرة ألقاها أستاذ تاريخ الفنون الناقد الفرنسيّ فيليب بيغي.

خرائط التجربة التشكيليّة

تظلّ السمة المميزة للمشهد التشكيليّ الموريتانيّ هي بروز مجموعة من التجارُب الجماليّة التي تستمد ملامحها ودعائمها من مدركات ومرجعيّات بصريّة محليّة متنوِّعة تأخذ بعين الاعتبار خصوصيّة الميراث الثقافيّ الموريتانيّ الضارب في أعماق التاريخ.

فمن العلامات والرموز الموجودة على الأفرشة والأردية التقليديّة والمشغولات الجلديّة والصنائع الخشبيّة والمعدنيّة والحناء وزخرفة الجدران، مروراً بالمسرودات الشعبية وحَكايا الشعر الحسّاني (لَغْنَ) وأساطير الصحراء وسرائرها الكثيرة والعجيبة.. من كلّ هذه المصادر المرجعيّة، البصريّة والأدبيّة، أبدعت مجموعة من التشكيليّين الموريتانيّين جُلُّهم شباب في إنتاج اللوحة مقدِّمين بذلك إبداعاً جماليّاً متفرِّداً جديراً بالمتابعة والانتباه، إلى جانب بعض التجارُب الجريئة القليلة التي اشتغلت على النحت الحديث وفنّ الإرساءات التشكيليّة Installations والفوتوغرافيا في غياب شبه تام لباقي التعبيرات التشكيليّة الأخرى، كالفيديو آرت والسيراميك والديزاين الفَنيّ وفنون الحفر والطباعة… عموماً، يظل الغالب على التجربة التشكيليّة في موريتانيا الأساليب والميولات الفَنيّة التالية:

التجريديّة الرمزيّة

يبرز ضمن هذا التوجُّه الفَنَّان التشكيليّ الرَّائد المختار سيدي محمد (موخيس) الذي يميل كثيراً إلى الرمزية في التعبير، سواء من خلال قماشاته وورقيّاته، أو من خلال تركيباته الخشبيّة التي يقوم بتحويل أجزاء منها إلى حوامل للاشتغال دون تغيير بنياتها، يتركها بخشونتها الطبيعيّة ويقوم بإكسائها رموزاً ومفردات هندسيّة مختزلة من وحي الثقافة الشعبيّة في بلاده. فنَّان متعدِّد يزاوج بين الرسم والتصوير والخط العربيّ إلى جانب المُجسَّمات الفَنّيّة التي يبدعها بحسٍّ تجريديّ يعكس انخراطه الإبداعيّ في الفَنّ التشكيليّ الحديث والمُعاصِر، وله رسومات إيضاحيّة أدرجت ضمن بعض الكرَّاسات والمُقرَّرات المدرسيّة في بلاده. وأيضاً الفَنَّان سيدي يحيى الذي سبق له إقامة عِدّة معارض ببلده وبالمغرب والسينغال وفرنسا، وشارك في أخرى جماعيّة بالجزائر وتونس وإسبانيا والإمارات العربيّة المتحدة. الفرصة كانت مواتية قبل سنواتٍ قليلة لزيارة الفَنَّان بمرسمه الكائن بالعاصمة، حيث يعيش ويشتغل، والاطلاع على عالمه الصباغيّ الموسوم بالاشتغال على العلامات والرموز المُستوحاة من تراث بلاده..

يتفرَّد الفَنَّان سيدي يحيى بمحاورة الرموز والعلامات المُستوحاة من الثقافة الشعبيّة الموريتانيّة يساعده في ذلك تفتحه وثقافته التشكيليّة والأدبيّة التي تجعله يدرك أهمِّية التراكيب والنتوءات اللونيّة والتوليفات الهندسيّة التي يستعين بها في معالجة لوحاته التي تحمل بصمات إحساسه وقدرته على التخييل، حيث يُداعب فرشاته من غير ضجيج أو تكلف أو ادِّعاء. ولكل لوحة من لوحاته منطقها البصريّ الخاص بها، فهي مشبعة بطراوة الألوان الطافحة والفيّاضة، وكثيراً ما تتفجَّر فيوضاتها اللونيّة والمشهديّة. وبقدر ما هي لوحات، هي أيضاً فضاءات تتداخل فيها خيالات وأطياف تلاحقنا من كلّ زوايا اللوحة، ما يجعل أعماله التصويريّة تغري بأكثر من قراءة وتأويل.

من الفَنَّانات، نذكر أمي صو التي تزاوج إبداعيّاً بين الرسم والتصوير الفوتوغرافيّ والكتابة، أعمالها الفَنّيّة تعكس اشتغالها على التكعيب والتعبير بالرموز والأيقونات المُختزلة على الطريقة الإفريقيّة. من الوجهة التيماتيّة، أمست هذه الفَنَّانة تهتم بقضايا سياسيّة واجتماعيّة تتعلَّق بالعدالة الاجتماعيّة، والتمييز، وبأوضاع المرأة، والتحرُّش الجنسيّ، والعنف على النساء والأطفال..

وقد تمكّنت هذه الفَنَّانة الحالمة سنة 2012 بمعيَّة الفَنّانين منصور كيبي وحمادي ديالو من إنشاء مشروع فنّيّ أطلق عليه اسم «آر غال» Art Gallé (والتسمية ترمز إلى «الفَنّ بالمنزل»)، حيث جعلت منه فضاءً فنيّاً للقاء والتبادل والتواصل والتكوين في مجال الفَنّ التشكيليّ لفائدة الطلبة والشباب المُولعين بالرسم في موريتانيا.

وكذلك الفَنَّان البشير معلوم المعروف بتركيزه على التسطيح اللونيّ والميل كثيراً نحو الأزرق وألوان المغر Ocres، ولوحاته تتضمَّن مفردات مختزلة أقرب إلى الرسوم الصخريّة، بجانب مهاراته في الرسم السريع والإسكيزات التي ينفذها بخطوط تعبيريّة دقيقة وذات رهافة إبداعيّة جميلة، إلى جانب الفَنَّان محمذن ولد امَّيْنْ من خلال لوحاته التجريديّة القائمة على التوليف الزخرفيّ وإدماج الرسوم في اللوحة إدماجاً هندسيّاً. إلى جانب ذلك، يبرز الفَنَّان حسين هيدارة الذي يعمل محترفاً داخل دار الفَنَّانين ويشارك ضمن معارض اتحاد الفَنَّانين. لوحاته عموماً مطبوعة بتقسيمات هندسيّة عموديّة موشاة برموز وإشارات غرافيكيّة مختزلة. فبفعل مدركاته البصريّة واستخدامه لمفرداتٍ تشكيليّة مبسطة، فإن اللوحات التي يرسمها الفَنَّان هيدارة تنساب داخل تكوينات هندسيّة، الأمر الذي يمنحها أنفاساً فنيّة تقود المُتلقيّ إلى استشفاف البنية الجماليّة لعناصر البناء والتكوين، وله أعمال تجسيميّة وإرساءات تشكيليّة مفعمة بدلالاتٍ رمزيّة متنوِّعة، فضلاً عن محمد ولد سيدي، وهو فنَّان أصم لم تمنعه إعاقة السمع من فرض فنّه وإبداعه الموسوم بلغةِ الإشارات التي تشغل أسلوب عمله بمعيَّة ابنه سيدي.. أعماله يغلب عليها الطابع الهندسيّ وتبسيط الأشكال والمفردات المعماريّة والوجوه المُختزلة ودمجها بشكلٍ فنّيّ يقوم على التراكب والتجاوز والتداخل..

الرسم الفطريّ

يتسم التصوير الفطريّ بالبساطة والتلقائيّة في الأداء، ويكشف في نواحٍ كثيرة عن تصويريّة Figuration مستقلة بخصوصيّاتها التعبيريّة. اتجاه مليء بإبداعٍ صباغيّ خالص وخام Brut موسوم بحرارة الألوان وطراوتها.. مبسط وخالٍ من الادعاء والتعقيد، بل يرتكز على معرفة ذهنيّة لا تؤمن بالحقائق المرئيّة ولا تتقيّد بقواعد الرسم الأوقليدي وعلم المنظور.

في هذا، يبرز الفَنَّان حامد ولد عبد الله، الذي تتسم تجربته التصويريّة بالعفويّة والبساطة والتلقائيّة وعدم التقيُّد بالنظم الأكاديميّة والمنظور في الرسم والتلوين، وكذلك الفَنَّانة خديجة منت إسماعيل، رسامة عصاميّة تنفِّذ لوحاتها بتلقائيّة موسومة بمهارة تلوينيّة تعبِّر بواسطتها عن جوانب من ثقافة وتراث بلادها. فهي تشتغل على تحوير المناظر والمشاهد الطبيعيّة وإعادة تجسيدها بطريقة تلوينيّة ذات مسحة ذاتية. سبق لها الحصول على عدَّة جوائز تحفيزيّة، أبرزها الجائزة الثانية بمناسبة مشاركتها في معرض فنّيّ جماعيّ أقامته ممثليّة الاتحاد الأوروبيّ بالعاصمة نواكشوط. كما نظمت خلال سنة 2014 معرضاً فنّيّاً بالمركز الثقافيّ المغربيّ قدَّمت خلاله عِدَّة لوحات صباغيّة عكست اهتمامها بأصالة الموريتانيّين ونمط عيشهم، وكذا خصوصيّتهم الثقافيّة من خلال رسم بعض المُكوِّنات التراثية المحليّة، كالخيمة الصحراويّة واللباس التقليديّ والحلي والوشم بالحنَّاء… تعمل بإحدى المدارس بنواكشوط ولها مشاركاتٌ متنوِّعة في معارض فنّيّة بموريتانيا وخراجها، من معرض جماعي أقيم قبل سنوات بالصين.

وأيضاً الفَنَّانة سعيدة منت اتوينسي، وهي مبدعة عصاميّة شابة، خريجة ورشة الفَنّ التشكيليّ بالمركز الثقافيّ المغربيّ في نواكشوط، ولها معرض فرديّ جديد كانت أقامته خلال مارس/آذار 2018 بالمركز المذكور، حيث قدَّمت مجموعة من اللوحات الصباغيّة التي جسَّدت من خلالها اهتمامها بالتاريخ الثقافيّ لبلاد شنقيط، وبالمرأة الشنقيطيّة، والمسكن التقليديّ، وكذا الزخارف والشكول الحائطيّة الولاتيّة (نسبة لمدينة ولاتة)، إلى جانب الفَنَّانة أسماء إبراهيم التي أقامت هي الأخرى معرضاً فرديّاً بعنوان «هذا وطني»، وذلك في نوفمبر/تشرين الثاني السنة الماضية بالمتحف الوطنيّ في نواكشوط تزامناً مع تنظيم فعاليّات النسخة الثامنة لمهرجان المدن العتيقة في مدينة ولاتة. وقد كشفت اللوحات التي عرضتها الفَنَّانة أسماء تعلُّقها بثقافة بلدها وبمراحل نشأة وتطوُّر مجتمعها.

هذا إلى جانب الفَنَّانة عائشتو فال التي سبق لها الاستفادة من تكوين بسان لوي/السنغال في مجال الفنون التقليديّة (2002 – 2004) وترسم بأساليب متنوِّعة وغير مستقرة تعكس لديها شغف البداية والبحث عن أسلوبٍ شخصيّ يميِّزها، فضلاً عن فنّانات أخريات من بينهن الرسّامة بثينة منت الكتاب، الرسّامة ميّنة الديه، الرسّامة أميمة منت سيد، التي سبق لها تمثيل بلادها، رفقة فنَّانَين آخرين، ضمن المعرض الجماعيّ المُنظَم بمناسبة الأيام الثقافيّة الموريتانيّة بصنعاء (اليمن) التي احتضنت مهرجان الثقافة العربيّة سنة 2004..

التصوير الواقعيّ

برز اهتمام مجموعة من الفَنَّانين الموريتانيّين بالمدرسة الواقعيّة في الرسم والتصوير وشكّلت بالنسبة لهم محطة أساسيّة لتعلم أصول التصوير وتجاوز مشكلة اللون والضوء من منظور المجاورة البصريّة بينهما، وقد لعبت دوراً تسجيليّاً بارزاً في بداية الرسم في موريتانيا، لاسيما بعد تزايد الرغبة لدى الفَنَّانين بإعادة الاعتبار لموروثهم الثقافيّ عبر تصوير المشاهد المُستمَدة من البيئة الصحراويّة ومكوِّناتها الماديّة واللاماديّة. من بين هؤلاء، نذكر الفَنَّان صالح لو، الذي اتسمت بعض لوحاته بمحاكاة الواقع وتجسيد مواضيع مستوحاة من البيئة المحليّة بأسلوبٍ صباغيّ قائم على الأبعاد والنسب في الكتل والظلال والألوان، إلى جانب اختصاصه في رسم البورتريه بالصباغة على القماش والورق، وكذلك الفَنَّان محمد فال محمد لمين، الذي توقّف منذ مدة عن مزاولة الرسم بعد ما كان يرسم المناظر الطبيعيّة ويلوِّنها بالصباغة المائيّة (الأكواريل). كما أن للفَنَّان عبد الله محمد لمين إمكانيات ملحوظة في الرسم ونقل الواقع بأسلوبٍ يقوم على العمق والأبعاد واستعمال تقنية التهشير Hachures والتظليل بأقلامِ الرصاص.

مع الإشارة إلى إبداعات الرسّام عصام حتيتو والرسامة فتحية الأحمدي التي أقامت قبل سنوات قليلة معرضاً فرديّاً ببهو بلدية نواكشوط ضمَّ لوحاتٍ تعبيريّة وبورتريهات لمجموعة من شخصيّات ومشاهير المدينة.

التشخيصيّة الإيحائيّة 

بخصوص هذا الاتجاه، تظهر عِدّة لوحات قدَّمت الرمز كمفرداتٍ أيقونيّة Iconiques ضمن أبعادٍ تاريخيّة تعكسها بعض الرسوم المُستوحاة من التراث الصخريّ المحليّ، إلى جانب أبعادٍ شبه سرياليّة قائمة على التبصيم والخدش وخلق الأثر الفَنّيّ بحسيّة لونيّة يتمركز الكائن البشريّ بؤرتها، وذلك ضمن أوضاعٍ تعبيريّة متباينة يكثر فيها الرمز والإيحاء..

نذكر على هذا المستوى الفَنّان مامادو آن الذي ينتمي إلى المدرسة الإفريقيّة في التصوير، بحيث إن أغلب رسوماته عبارة عن منمنمات ومشخصات إيجازيّة تسيطر عليها الألوان الحارة، والفَنَّان عباس سليمان (من أصلٍ زنجيّ) الذي يتفرَّد بإنجاز اللوحات الصوفيّة- من الصوف- والمنسوجات المُلوَّنة، إبراهيم فال، هو من أوائل الفَنَّانين الموريتانيّين استفاد من تكوين فنّيٍّ بالمدرسة الوطنيّة للفنون الجميلة في دكار، وله علاقات فنيّة مع المهندسين المعماريّين ببلاده. جُل أعماله الفَنّيّة غرائبيّة وعجائبيّة Fantastiques، إلى جانب أخرى في هيئة تكوينات هندسيّة يكثر فيها التموُّج والتبسيط الشكليّ واللونيّ، خلافاً للفَنَّان عمر ولد الراجل الذي ينفذ لوحاتٍ تشخيصيّة رمزيّة مكسوة بالضبابيّة اللونيّة وخيالات الشخوص المرسومة بألوان شفيفة. وبأسلوب موسوم بنزعةٍ سيرياليّة، تبرز لوحات الفَنَّان محمدو ولد احظانا التي يرسم فيها مشاهد تمثّل شخوصاً يُعيد تأويل بنياتهم الجسديّة بطريقةٍ تلوينيّة قائمة على الترميز، وقد عرض البعض منها بفرنسا خلال مشاركته ضمن إحدى التظاهرات الفَنّيّة، إلى جانب ما تقدِّمه الفَنَّانة آمال دريا من تعبيراتٍ لونيّة ورمزيّة أقرب إلى التجريد بخلاف أعمال أختها الفَنَّانة حكيمة دريا التي تظلّ في شموليتها متصلةً بعالم البيئة والتحسيس بها مع رسم الوجوه المُختزلة الموسومة بخطوط إحاطة سوداء، دون نسيان تجربة الفَنَّان المغترب ديان ألفا المولود سنة 1979 في موريتانيا التي غادرها في سنِّ الستة والعشرين حولاً نحو أوروبا، حيث تفرَّغ للرسم والشعر والكتابة القصصيّة قبل أن يؤسّس سنة 2012 مشروعه الفَنيّ «البيت الأزرق» ومدرسته «الفَنّ والحِرف اليدويّة» وفي رصيده معارض فنّيّة متنوِّعة فرديّة وجماعيّة. أعماله عموماً تصاوير وتشخيصات تعبيريّة ذات مسحةٍ رمزيّة.

التعبيريّة اللونيّة

تتميَّز كلّ الأعمال الصباغيّة الموريتانيّة التي تندرج داخل خانة التجريديّة التعبيريّة بكونها جاءت مُفعمَة باستعمالاتٍ متنوِّعة لعناصر ومفرداتٍ جماليّة تعكس التحكُّم في التقنيّة التعبيريّة، وترسم حرّيّة الانتشار الخطيّ واللونيّ على مسطح اللوحة..

هذه الحرّيّة، تبرز كثيراً في شكل تعبيرات صباغيّة عفويّة متدفِّقة.. وغنائيّة متحوِّلة على إيقاع تراكيب مليئة بالمُقطعات المساحيّة.. والمساحات المُقطعة والخطوط الرخوة المُنفلتة والمُتطايرة، فضلاً عن اللطخات والتبصيمات اللونيّة المُتعاقِبة على تضادٍ طيفيّ مقروء كثير التناغُم مع فنِّ «الباتيك» الذي يتخذه الحِرفيّون في موريتانيا كتقنيّة تلوينيّة لطلاء ملابسهم التقليديّة المُتمثلة في الملاحف النسائيّة والدراريع الرجاليّة..

في هذا المجال، وبلوحاتٍ تجريديّة مادويّة يتناغم فيها الكولاج مع خاماتٍ مختلطة (خيش، خيوط..)، يبرز الفَنَّان منصور كيبي Kébé، سينغاليّ مقيم في نواكشوط منذ سنوات. كان يعمل بالاتحاد ودار الفَنَّانين قبل أن يؤسس لنفسه مرسماً خاصّاً، وله تجربة في تنشيط الورشات الفَنيّة لفائدة الأطفال والشباب بالمركز الثقافيّ المغربيّ.

الخط العربيّ والحروفيّة العربيّة

في المشهد التشكيليّ الموريتانيّ يظلّ الخطاط الباشا ولد شيخنا أوّل مَنْ مارس الخط العربيّ التقليديّ في بلاده، وله إنتاجاتٌ كثيرة محفوظة ببعض الصحف المحليّة والأجنبيّة. وصلةً بالتوظيف التشكيليّ لهذا الفَنّ الإسلاميّ البديع، يتضح نزوح مجموعة من الفَنَّانين نحو الحروفيّة العربيّة التي لعبت دوراً كبيراً في تأصيل الخطاب الجماليّ العربيّ رغم تأثيرات الفَنّ الغربيّ وادعاءاته الكثيرة..

على هذه الخلفيّة، وضمن هذا المنحى الكاليغرافي، اتّجهت أعمال بعض الفَنَّانين نحو إعطاء الحرف العربيّ والكتابة العربيّة معناهما التشكيليّ، بحيث يتمُّ تجريدهما من دلالاتهما اللّغويّة وتحويلهما إلى مفرداتٍ بصريّة ذات مدلولاتٍ فنّيّة أخرى.. ففيها يبرز الحرف داخل تقسيمات هندسيّة وتراكيب تشكيليّة ملوَّنة كخلفية صباغيّة تتفاعل داخلها أشكال الحروف بأهم بنياتها وإيقاعاتها البصريّة، وذلك وفق ما يميِّزها من قوائم وبسائط وانحناءات وتنوُّع في السُمك والغلاظة.

من ذلك، نذكر تجربة الفَنَّان الرائد مامادو آن المعروف بتنفيذ لوحاتٍ مُعاصِرة يبرز من داخلها خيالات وأطياف هلاميّة تمتزج أحياناً مع حروفيّات عربيّة مجرَّدة من معانيها اللّغويّة. يشغل منصب كاتب عام للاتحاد ويعمل منذ سنوات بدار الفَنَّانين. وكذلك تجربة العصامي حامد ولد عبد الله مزداد بروسو، قبل أن يشرع في إنجاز لوحاتٍ تشخيصيّة تكثر فيها خطوط الإحاطة والتبسيط اللونيّ مع ميلٍ واضح نحو تجسيد مواضيع من البيئة والتراث المحليّ، مثلما نذكر تجربة الفَنَّان سليمان عباس من فنّانيّ الرعيل الأول وأحد مؤسّسي اتحاد الفَنَّانين، وُلِدَ بنواكشوط وترعرع في السينغال التي تعلَّم بها أصول الرسم والديكور، إلى جانب استفادته من دروسٍ تدريبيّة بالمدرسة الوطنيّة للفنون الجميلة بدكار. أعماله الأولى واقعية تعبيريّة بملامح غير محدَّدة، لكنه سرعان ما تخصَّص في إبداع اللوحة الحروفيّة لاسيما عقب عودته إلى بلاده موريتانيا سنة 1987، حيث أنشأ مرسماً للخط العربيّ.

نضيف إلى ذلك تجربة الفَنَّان الشاب محمد علي الذي اهتم بفنِّ الخط العربيّ وساعده هذا الميل الفَنّيّ للعمل إلى جانب دور الفَنَّان موخيس في تحفيزه ومساعدته على ولوج دار الفَنَّانين منذ سنة 2005. يستقر الفَنّان علي بنواذيبو وله أعمال فنّيّة مُغايرة تطغى عليها الواقعيّة الرمزيّة بعناصر ومفردات تعبيريّة مستوحاة من البيئة الصحراوية، وأيضاً الخطاط الشاب محمد ديالو الملقب بـ«حمادي» الذي استفاد هو الآخر من دعم الفَنَّان موخيس وتوجيهه منذ سنة 2007، وله أعمالٌ فنيّة أخرى على شكل إنشاءات لونيّة تعبيريّة.

من الفَنَّانات الحروفيّات، نذكر الفَنَّانة زينبو منت الشيعة التي تبدع حروفيّة تجريديّة تذوب وسط تكوينات هندسيّة يكثر فيها التكوُّر والاستدارة، إلى جانب أخرى مندمجة مع تشكيلات لونيّة شفيفة، ولربما تعود هذه التوظيفات التجريديّة في لوحاتها إلى تأثرها ببعض ألوان واتجاهات الفَنّ الصينيّ، حيث تقيم هناك منذ سنوات. 

المُجسَّمات والنحت الجديد

في مجال النحت والتجسيم الفَنّيّ، يبرز بشكلٍ لافت للنظر الفَنَّان عمر بال الذي يزاوج بمهارةٍ عالية بين التصوير والنحت. فنَّان مبدع تتلمذ على يَدِ أبيه الفَنَّان النحَّات والفوتوغرافيّ عيسى بال، الذي شجعه على ولوج الفَنّ، وهو من مؤسّسيّ تجمع M-Art سبق له الاستفادة من إقاماتٍ فنيّة بأوروبا أبرزها إقامته بفضاء «فنون خضراء» في فرنسا سنة 2010، فضلاً عن مشاركته ضمن فعاليات ومعارض فنّيّة دوليّة بفرنسا وإسبانيا والسينغال، الأمر الذي مكَّنه من ناصية الخَلق والإبداع، وأمسى ينجز منحوتاتٍ تعبيريّة أقرب إلى التكعيب في البنية والتكوين.

فهذا الفَنَّان المائز، الذي ترعرع بقرية جميلة Bababé جنوب موريتانيا بمحاذاة نهر السينغال، أضحى يُبدع منحوتاتٍ مُشخَّصة فائقة التعبير، مادته الأساسيّة الخيش، القش، السماد، والأسلاك الحديديّة الرفيعة، والصفائح المعدنيّة الرقيقة سهلة التطويع، والتي يحوِّلها إلى مخلوقاتٍ حيوانيّة بصيغٍ تعبيريّة غير مألوفة مستمَدة من اليوميّ ومن العالم الرعويّ Pastoral، من عالم الإبل والماعز وبعض الحيوانات المُجنَّحة التي تعيش وتتعايش بودٍ مع الإنسان.. رؤوس ضخمة بعيونٍ جاحِظة في مقابل أعضاء جسديّة أخرى متباينة الحجوم والبنيات، مُغَرَّاة بطريقة التدوير والتلحيم لتصبح متراكِبة ومتراصة سوى ناحية المفاصل لمنحها إمكانية التحريك.. هي، بلا شك، مخلوقاتٌ تعبيريّة تؤنسه في خلوته ووحشته داخل مرسم اشتغاله.. كائناتٌ شبه ميثية كأنها آتية من زمانٍ غير زماننا.. 

وإلى جانب النحت، يُبدع الفَنَّان عمر بال تصاوير تعبيريّة سريعة التنفيذ بصبغات الأكريليك وأحبار ومساحيق لونيّة محليّة تتداخل فيها النماذج المرسومة كمَنْ يضع الرسم فوق الرسم بألوانٍ رماديّة وبنيّة تبرز في عمقها زرقة كوبالتية مؤسرة بخطوط إحاطة ظليّة منسجمة مع سند اللوحة المُشكَّل في الغالب من القماش وأوراق الكرافت Kraft ذات اللون الأمغر والكاكي المفتوح أو المطبوع بصفرةٍ ساجية.. هكذا يشتغل بوعيٍّ بصريّ وبرؤية جماليّة تعكس التزامه بالفَنّ، فهو «يعيش من فنّه ويسعى لحمله إلى الحياة»، كما يقول.

والواقع أن التجربة النحتيّة للفَنَّان عمر بال تظهر جزءاً من انفتاح بعض الفَنَّانين الموريتانيّين على تعبيرات تشكيليّة جديدة تستنبت جذورها من فنون ما بعد الحداثة، غير أن هذا الانفتاح يبقى مشروطاً بضرورة الوعي بالظروف والمناخات الجماليّة والتاريخيّة التي أنتجت هذه الفنون. من ذلك فنُّ الإرساءات الفَنّيّة (الأنستليشن) الذي هو وليد التقاطعات والتحوُّلات والتقلبات المُتكرِّرة في الفَنّ المُعاصِر وفي علاقته بالمجتمعات التي تحتضنه، في محاولة لتحرير مفهوم الفَنّ من الدلالاتِ الفَنّيّة التقليديّة، إلى جانب تقاطعه مع كلٍّ من «فنّ البيئة» و«فنّ الحدث» (الهابينيننغ) من حيث تشكيل الفراغ، بالإضافة إلى الجمع بين توظيفات عديدة للخامات بتنويعاتها مع الاستعانة بعناصر خالصة (خام) وعناصر سابقة الصُنع، وهي كثيرة ومتعدِّدة..

وفي تجربة مُغايرة، نذكر أعمال الفَنَّانة مكفولة منت احميادة- من مواليد سنة- 1974 التي تتفرَّد باستعمالها للمطرقة والإزميل عوضاً عن الريشة والفرشاة، وذلك لتطويع الخامات والمواد الصلبة، بحيث «ترسم بالحجارة» وتنجز أعمالاً وقطعاً تشكيليّة بديعة مستوحاة من البيئة المحليّة.

مع التنويه بالتجربة الفوتوغرافيّة المُتميِّزة للفَنَّانة مليكة دياغانا (بالأبيض والأسود) من خلال اهتمامها بشجاعةِ النساء في موريتانيا والسينغال، والفَنَّان ودودا كوريرا برصده للحياة ونمط العيش في بلده، وأيضاً بتجربة فنّ الكاريكاتير الذي برز في ساحته بشكلٍ مثير للجدل الرسّام والإعلاميّ عبد الودود الجيلاني الذي تعرَّض فنّه مرَّاتٍ عديدة للحظر والمنع والمصادرة بسبب مواضيعه السياسيّة الساخرة المُحرِجة للسلطات في بلاده. ففضلاً عن المواضيع الاجتماعيّة، تطرَّق الرسام الجيلاني لمواضيع سياسيّة كثيرة عالجها بحسٍّ فنيّ توعويّ، في مقدِّمتها القضيّة الفلسطينيّة، والحرب على العراق، ووضعية السجناء بغوانتانامو، وأبو غريب، إلى جانب مواضيع أخرى متصلة بمعاناة الأفارقة مع الهجرة السريّة نحو أوروبا، وقد قدّم الكثير منها ضمن معرض فرديّ أقامه سنة 2010 بالعاصمة نواكشوط. نضيف إلى ذلك التجربة المُتميِّزة للرسّام بونا ولد الداف الذي كان يشتغل سابقاً بقوات الدرك الوطنيّ قبل أن يتفرَّغ لمُمارسة الكاريكاتير بصحيفة الشعب الحكوميّة التي يعمل بها.

تعرَّضت إبداعات الرسّام بونا هو الآخر للمنع والمُصادرة في العهد السابق ببلاده بسبب نشره لرسوماتٍ سياسيّة وأخرى ساخرة من السلطة بجريدتي «أشْطاري» و«شِ يْلوحْ فْ شِ»، لكنه تمكَّن لاحقاً من إصدار صحيفة «دنيا الكاريكاتير» التي سرعان ما توقّفت لانعدام الدعم الماديّ. وفي رصيده مشاركاتٌ فنّيّة مُهمَّة، أبرزها في معرض مونبلييه ودار الكاريكاتير في اجواييز بفرنسا.

ويظلُّ الاستنتاج العام يبرز أن المُمارسة التشكيليّة في بلاد موريتانيا قطعت في شموليّتها مرحلة التأسيس وإثبات الذات، وتتجه بخطواتٍ واثقة نحو تجاوز إنتاج لون إبداعيٍّ واحد هو التعبير الصباغيّ Peinture بفضل اجتهاداتٍ ملحوظة تسعى إلى مقاربة الأجناس التشكيليّة الأخرى التي أرسى دعائمها الوعي البصريّ الأوروبيّ على نحوٍ خلَّاق ومبتكر منذ خمسينيّات القرن الماضي. 

ورغم أنها لا تزال فتيّة وحديثة النشأة والميلاد، فإنّ التجربة التشكيليّة في موريتانيا أضحت جديرةً بالمُتابعة والانتباه، ويحتاج تطويرها إلى تعميق البحث والتجريب وخلق شروط التحفيز والدعم الماديّ واللوجستيّ للفَنَّانين التشكيليّين الموريتانيّين وتشييد البنيات الثقافيّة والفَنّيّة ذات العلاقة وإدماج الدرس الجماليّ في المنظومة التربويّة والتعليميّة بالبلد والانفتاح على الإعلام الفَنيّ وإشراكه بكلّ مُكوِّناته في التنمية الإبداعيّة، والهندسة الثقافيّة، وتعميق العلاقة بين التشكيليّين والأدباء والمُثقَّفين، ومأسسة قطاع الصناعات اليدويّة الذي يُعَدُّ أبرز روافد التراث البصريّ والجماليّ الموريتانيّ العريق والمُتأصِّل.


الصورة: الفنان الموريتاني عمر بال

مواضيع مرتبطة

أمين معلوف: «أنقذوا لبنان من الموت»
ترجمة: عثمان عثمانية30 أغسطس 2020
بيروت أو جروح الضوء!
خالد بلقاسم30 أغسطس 2020
فايز صُيّاغ.. رحيل مثقَّف موسوعيّ
فخري صالح29 أغسطس 2020
أزمةُ سوقِ الكِتاب أمْ أزمةُ تضخُّمِ إنتاجِ الكُتب؟
محمد برادة15 أغسطس 2020
إنيو موريكوني.. الأغزر إنتاجاً والأكثر تنوُّعاً
‬أمجد‭ ‬جمال02 أغسطس 2020
مهن «الباك أوفيس».. الشرف المُستعاد!
ترجمة: حياة لغليمي15 يوليو 2020
صناعة النشر بعد الوباء
ترجمة: عبدالله بن محمد03 يوليو 2020
اقتصادُ التنمية الذاتيّة
محمد الإدريسي03 يوليو 2020
أديلا كورتينا: من فضلكم، يُرجى البحث عمّا أسماه أرسطو «الصداقة المدنية»
ترجمة: عبدالرحيم نورالدين22 يونيو 2020
في رحيل آدَم حَنين.. وَريثُ الصَّلابَة
بنيونس عميروش18 يونيو 2020
926 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

ماذا يأكل الرسّامون؟ بيكاسو، دالي وآخرون
21 يوليو 2020

ماذا يستهلك الرسّامون والمصوِّرون من أشربة وأطعمة؟ ما هي حاجتهم إلى الأكل(1)؟ وما هو نسقهم الغذائي؟ وكيف جسَّدوا علاقتهم الطبيعية مع الطهاة؟ وإلى أيِّ مدى أسَّسوا أنظمتهم الذوقية – Gustème وفقاً لطقوسهم الإبداعية الخاصّة؟ وهل هناك أغذية معيَّنة تساعدهم...

اقرا المزيد