هيرفيه لو تيلييه.. مواجهة المرء لنفْسه

ترجمة: فيصل أبو الطُّفَيْل  |  01 يناير 2021

استطاع الروائي «هيرفيه لو تيلييه»، من خلال روايته «النشاز – L’anomalie» أن يحقِّق أفضل مبيعات الموسم الأدبي الجديد لهذه السنة، إذ تُوّج، مؤخَّراً، بجائزة «غونكور»، بثمانية أصوات مقابل صوتَيْن لفائدة رواية «مؤرِّخ المملكة»، للكاتب الفرنسي «مايل رينوار».

على الرغم من أن «هيرفيه لو تيلييه» كان يقيم في إقليم «دروم»، في فرنسا، في إطار تجربة الحَجْر، إلا أنه، قبل أيّام قليلة من صدور قرار لجنة تحكيم «غونكور»، كان منخرطاً في حملة الترويج لروايته، مستمتعاً بذلك . وقد سرَّه الاهتمام الشديد بروايته التي تحكي قصّة رحلة على متن الخطوط الجوِّيّة الفرنسية، هبطت بشكل مفاجئ، مرَّتَيْن، في نيويورك، بالطاقم نفسه ، والركّاب أنفسهم ، لتَزُجَّ بالعالم في فوضى عارمة، بعدما وجدت هذه الشخصيّات نفْسها في مواجهة أشباهها. رواية «النشاز» هي، أيضاً، كتاب عظيم عن الحبّ، تنمزج فيه الأجناس ببراعة؛ لذلك، تستحقّ هذه الحكاية الخرافية عن العالم أن تُتَوَّج، وهو ما وقع، فعلاً، في الثلاثين من نوفمبر «2020».

بنجامين لكوج: ما هي نقطة البداية في رواية «النشاز»؟

– هيرفيه لو تيلييه: كانت لديَّ عدة مشاريع، بالتزامن مع كتابة هذه الرواية. ومنذ فترة طويلة كانت لديَّ رغبة في أن أتطرَّق إلى موضوع الشبيه ، بشكل أكثر مباشرةً من موضوع الاستنساخ البسيط؛ لذلك، كان المغزى من كتابتها هو أن يواجه المرء نفْسَه، وأن يواجه ذلك الشخص الذي لا يمكنه أن يكذب عليه، ذلك الشخص الذي يمتلك ذكرياتنا، وعواطفنا، وكراهيَّتنا. وكيف يتصرَّف المرء في مواجهة نفسه. لقد كنت مهتمّاً، أيضاً، لفترة طويلة جدّاً، بنظرية المحاكاة التي صاغها «بوستروم»، وهي الفكرة المذهلة للغاية، والقائمة على الاعتقاد بأننا نعيش في عالم افتراضي، وأن كلّ ما يحيط بنا مصطنع، وهي النظرية التي حظيت، مؤخَّراً، بمصادقة مجلّة «علوم» التي أكَّدت إمكان صحّة النظرية بنسبة %50… وهكذا، تمازجت هاتان الفكرتان مع رغبتي في كتابة رواية ما، وفق فرادة سردية، تتناول جميع القضايا المتعلِّقة بالأجناس الأدبيّة.

من هنا، جاء تعدُّد الأساليب في الرواية: حيث تنطلقون من الرواية البوليسية إلى الخيال العلمي، مروراً بقصّة الحبّ…

– ه. ل. ت: نعم. كنت قد جرَّبت كتابة الرواية البوليسية في أيّام سلسلة «الأخطبوط – Poulpe» ، لكن  الأمر لم يكن يستهويني، بيد أنه كان تمريناً أسلوبياً حقيقياً، أخضعت نفسي له، في غضون شهرين، مع ما يستتبع ذلك من مخاطر التكرار والصور والتعابير غير المضبوطة، فقد كانت هذه هي اللعبة. وفي هذا العمل راودتني الرغبة، مجدَّداً، في أن أعود، مرّةً أخرى، إلى جنس الرواية البوليسية؛ لذلك نجد أن أحد الشخصيات يعمل قاتلاً مأجوراً. هكذا، قلت لنفسي، وأنا أتخيَّل أن كلّ شخصية أخرى في الرواية ستتوافق مع أسلوب سرد مختلف؛ وبهذا يكون للمجموع كلِّهِ تلوينٌ شاملٌ فريد.

هل يتعلَّق الأمر، إذاً، بذلك الأدب المعروف بقيامه على الإكراهات ، والذي يحظى بدرجة عالية من التقدير عند جماعة «مشغل الأدب الاحتمالي» (Oulipo)، التي تنتمون إليها ؟

– نعم، لكن الإكراه هنا ضعيف ، وواضح المعالم. لقد اعتدنا في مشغل «أوليبو» أن نلزم أنفسنا بمظهر معيَّن للشخصيات، والتنقُّل إلى مبنى معين، مثلما فعل «جورج بيريك» في روايته «الحياة: دليل الاستعمال – La vie mode d’emploi». بيد أني لم أضع، في روايتي، سوى ثلاث صعوبات، فقط: الأولى تتعلَّق بالأساليب، والثانية تتعلَّق بتشابكها، والثالثة تقوم على كتابة فصول تبدأ، من وقت إلى آخر، بتحوير عنصر معيَّن مأخوذ من أحد الكتب الموجودة في خزانتي الخاصّة. فعلى سبيل المثال، أخذت الفقرة الأولى من رواية «وعد الفجر- La Promesse de l’aube» لـ«رومان جاري»، وكتبتُ على ضوئها فقرة في كتابي. وهذا الأمر يساعدني في نسج الرواية. إنه لأمر ممتع جدّاً أن ينتقل المرء من جنس إلى آخر. لأننا إذا قمنا بخلق شخصية قاتل مأجور، فلن تكون لدينا الرغبة في أن ننهج أسلوب «بروست» في الكتابة. [يضحك].

هل تتفاعل مع شخصيّاتك في الرواية؟

– أوه! يمكنني أن أقول إن في هذا الأمر مسحة من التصنُّع، لكن ذلك ليس بالأمر الخاطئ كلِّيّاً. فعندما نكتب عن «النشاز»، فإن الشخصيات تجسّد نفسها بقوّة. إنها تجذبك إليها، وفي لحظة معيَّنة تجد نفْسَك مأخوذاً بالسرد، إذ تتولد لديك رغبة في إكمال قصّة «بليك»، أو قصّة «لوسي» و«أندريه»، أو قصّة «جوانا». وكلّ قصّة من هذه القصص القصيرة هي بمنزلة رواية.

تمثِّل «النشاز»، أيضاً، رواية عظيمة عن الحبّ…

– وليست عن أيّ شيء آخر. إذ ما إن تلتقي الأشباه، بعضها بالبعض الآخر، حتى تصير مأخوذة بتسوية هذا المشكل، ولا تأبه، أبداً، لما سواه، لكن الأشباه تواجه المستحيل والفرصة الثانية. فالمسألة الأساسية، في عصرنا، هي مسألة العلاقة مع الآخر؛ فمن هنا تنبع مشكلة حبّ تملُّك الآخر. وبهذا الصدد توجد ثلاثة طرق ممكنة: إمّا تجريد المرء من التملُّك، أو التضحية، أو التعاون، وهو ما يمكن تلخيصه في السؤال الآتي: «هل أنا قادر على مشاركة شخص أحبُّه حياته؟» إنني لا أؤمن بالتنافس بين الرجال والنساء، كما أنني لا أعتقد أننا نترك شخصاً ما «من أجل» شخص آخر، بل بدافع من ذواتنا. إذا فشلنا في إقامة علاقة ما، فهذا ليس بسبب وجود علاقة أخرى، بل لأننا، فقط، وبكلّ بساطة، لا نستطيع.

لذا، إنَّ الحل الأنسب هو أن يكون لدى كلّ منّا شبيه ؟

– نعم. [يضحك]. بوجود الشبيه، يمكن للمرء أن يحاول النظر إلى ذاته، وأن يسعى إلى تحسينها. وهو ما يفعله «أندريه»؛ أحد الشخصيات في الرواية؛ فعندما يواجه شبيهه، يرى نفسه بطريقة أكثر وضوحاً بكثير من رؤيته نفْسَهُ في المرآة.

من أين تأتي الحاجة إلى هذه المسافة، في عصر صرنا نحبّ فيه السخرية والتهكُّم؟

– إننا نعيش، أيضاً، في عالم نقضي فيه وقتنا في التقاط صور لأنفسنا، وفي النظر إلى أنفسنا، وفي السعي لأن نجعل من ذواتنا مركزاً للعالم، حيث نحبس أنفسنا في فقاعة صغيرة، تجعلنا نؤمن بنظرية المؤامرة، وتحثنا على ألّا نواجه، أبداً، موقفنا من الآخر. إننا نتاج سلسلة كاملة من الظواهر التي تخرج عن نطاق سيطرتنا، من بينها: وسائل التواصل الاجتماعي، والتلفزيون الذي بدأ يفقد مكانته لصالح اختيارات ترفيهية وتثقيفية وإعلامية أخرى عديدة؛ إذ لم يحدث، أبداً، أن تمتَّع هذا العدد الكبير من الناس بهذا القدر القليل من الثّقافة؛ عرض ثقافي ضخم يركِّز على الحدّ الأدنى من الاختيارات، وهذا، أيضاً هو ما أعيشه، الآن، في هذه الرواية التي حقَّقت نجاحاً ظاهراً من المرّة الأولى، بينما الكثير من كتب أصدقائي لم تَنَلْ حقَّها من الشهرة، وهذا ظلم.

كيف كان شعورك عندما علمت بأن روايتك «النشاز» هي واحدة من الروايات المرشَّحة للفوز بجائزة «غونكور»؟

– أوه! لقد انخفض الضغط الآن، بعدما احترق مخزوني من الأدرينالين كلِّيّاً. [يضحك]. أنا لا أكترث لهذا الأمر. أشرب الشاي الممزوج بالأعشاب، وبعض المشروبات الأخرى. لقد كانت هذه الاستراحة مفيدة، تقريباً، بالنسبة إلى المرشحين الأربعة في المرحلة النهائية، ثم توقَّف كلّ شيء، فجأة، دفعة واحدة؛ لذلك أنا أتساءل عمّا إذا كان الأمر مهمّاً بالفعل. ولكن، تظل جائزة «غونكور»، مع ذلك، قادرة على تغيير حياة من يفوز بها، رغم أنني لست مهووساً بالأمر، ولا أفكِّر به طوال الوقت. وقد اتّضح أنه يجري، الآن، بالفعل ترجمة رواية «النشاز»، فأنا، إذاً، قد حقَّقتُ هدفي الشخصي المتمثِّل في إخراج الرواية إلى الوجود، كما أننا سعداء جدّاً بوجود جائزة مثل «غونكور»، إذ من شأن هذا الأمر أن يغيّر مكانك في الوسط الأدبي، ولكن بشكل مؤقَّت. فمن منّا -مثلاً- يتذكَّر جائزة «غونكور» لعام (1992) أو لعام (1993)؟ يتعيَّن علينا، إذاً، أن ننظر إلى هذا الأمر من منظور نسبيّ، وهو ما من شأنه أن يقدّم فرصة إضافية تمكِّن الكتب السابقة من أن تخرج، مرّةً أخرى، إلى الوجود.

ما وجهة نظركم في ما يتعلَّق بمسألة إغلاق المكتبات. هل ينبغي منح الأولوية للصحّة أكثر من الثّقافة ؟

– لا أدري، فأنا لست عضواً في المجلس الصحّي. والبلجيكيون لم يتبنّوا هذا الخيار. نحن نتوفَّر على أقنعة واقية، ومعقّمات، ثم اتَّضح أن عملية «طلب شراء الكتب عبر الإنترنت، قبل تسلّمها في المكتبة، والمعروفة بـ«click and collect»، ليست بالفاعلية التي كنّا نعتقد.. لأن جزءاً من المبيعات يتمّ بعد جَوَلان القارئ في فضاء المكتبة، واكتشافه بعضَ العناوين من خلال تناوله الكتب مباشرةً من فوق الرفوف. زد على ذلك أن كبار البائعين هم وحدهم من يستفيدون من نظام البيع هذا. وهكذا، الكتب الحقيقية التي أقوم باقتنائها هي تلك التي أراها على طاولة معيّنة أو على رفّ معيّن. وعندما أسمع «برونو لو مير» وهو يقول:«إن هذه العملية ستسمح لبائعي الكتب بالبدء في استخدام التقنية الرقمية»، ينتابني الفضول لمعرفة متى كانت آخر مرّة قام فيها وزير المالية هذا بزيارة المكتبة. إن المكتبة هي المكان المناسب الذي يواجه فيه المرء خيارات كثيرة؛ إذ ليس من الممكن أن يقتصر الأدب على خمسة عشَر عنواناً.

لقد كنتَ تَدْرُس الرياضيات، فكيف انتقلت إلى الأدب؟

– لم أكن مُدرِّساً جيّداً، كنت أطرح الصيغة الرياضية قائلا: «سنحاول العثور عليها معاً»، وكان بعض الطلّاب يتوصَّلون إلى الحلّ بشكل أسرع مني. لقد كان الأمر شبيهاً ببيداغوجيا التلميذ الكسول، إذ كنت أعرِّض نفسي للحرج؛ لذلك حوَّلت وجهتي نحو مركز تكوين الصحافيين ، حيث تَمَّ قبول ترشُّحي هناك، وسرعان ما دخلت عالم المجلّات العلمية، ولكم كنت أحبّ تبسيط المادّة العلمية، ونشرها لعموم القرّاء!.

ولكن، مع ذلك، كلّ هذا لا يجعل منك كاتباً.

– في عام (1984)، نشرت روايتي الأولى. لم تكن رائعة، بيد أني بدأت في الكتابة ضمن المجلّة الأسبوعية «حدث الخميس – L’Evénement du jeudi». ولمدّة سبع سنوات، كنت أكتب كلّ أسبوع قصّة قصيرة تتضمن ألفَيْ علامة. مرّة على الكوكتيلات، ومرّة على المكرونة، وأخيراً على مشروب شاي الأعشاب. كنت قد كتبت عن شاي الأعشاب حكايات مرعبة، كانت بطلتها هي نسخة بديلة لشخصية الآنسة «ماربل» الشهيرة، وقد شكَّل ذلك تدريباً جيّداً من حيث الكثافة السردية. وبالنسبة إليَّ، أنا الذي كنت أحبّ «جول رونار» أو «سويفت»، فإن اعتناق الشكل القصير ، كان أمراً مثاليّاً.

من الكتّاب المفضَّلون لديك؟

– عندما كنت طفلاً، كنت أفضِّل قراءة «رومان غاري»، و«جان بول سارتر» و«إيتالو كالفينو» فيما بعد، في روايته الثلاثية «أسلافنا»، لكن مجموعته القصصية «ماركوفالدو» هي أكثر ما أثار إعجابي، على مستوى الشكل؛ فقد كانت هذه القصص الصغيرة تتعاقب، وتخلق كوناً رائعاً مشيّداً بشكل جيِّد، كما أنها كانت تُدخِل النثر في شعر حضري مذهل.

أما زلت تقرؤه؟

– بالطبع. وأنا أقدّمه، أو أنصح بقراءته باستمرار، وخاصّةً للمراهقين الذين يسألونني عمّا يجب عليهم قراءته. لقد وصفه بافيس بأنه سنجاب القلم، وهذا -فعلاً- هو أدقّ وصف له: «كالفينو» يقفز من غصن إلى آخر، في رشاقة لا حدود لها.

ما الذي عرفته عن نفسك بفضل الأدب؟

– أدركت عندما قاربت سنّ الثلاثين، أن الأدب طريق يمكن أن يسلكه المرء للهروب من نفسه، ومن الحياة اليومية؛ لذلك فسيكون من الصعب عليّ أن أستغني عنه، من الآن فصاعداً…

حوار: بنجامين لكوج

المصدر:

https://bit.ly/3nMuBRy

مواضيع مرتبطة

كلاوديو ماغريس، وماريو فارغاس يوسا.. مرافعة للدفاع عن الأدب
ترجمة: عزيز الصاميدي26 مايو 2021
فولفغانغ فايراوخ.. “استعدادات لاغتيال الطاغية”
ترجمة: عماد مبارك غانم26 أبريل 2021
جين كورتيز.. سريالية الهوامش
الحبيب الواعي17 مارس 2021
هاروكي موراكامي: الأدب وحده لن يكون كافيا
ترجمة: عزيز الصاميدي24 فبراير 2021
تورغوت أويار: «حبّي يؤلمني من التعاسة المتكاملة لبني البشر»
ترجمة: صفوان الشلبي16 نوفمبر 2020
فرانثيسكو برينيس: الشعر هو قول أشياء مؤلمة
ترجمة: أحمد عبد اللطيف15 نوفمبر 2020
عدالت آغا أوغلو.. الأدب التركي يفقد زهرة خياله!
سمية الكومي01 سبتمبر 2020
”وردة النار“ كارلوس زافون
ترجمة‭ :‬خالد‭ ‬الريسوني06 أغسطس 2020
رحيل كارلوس زافون.. أشهر الروائيّين الإسبان
رشيد الأشقر02 يوليو 2020
محسن الموسوي.. «السِّياق الإسلامي لألف ليلة وليلة»
ترجمة: ربيع ردمان01 يوليو 2020
813 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

مارك ألكسندر أوهو بامبي: لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ
31 يوليو 2020

يُعَدُّ مارك ألكسندر أوهو بامبي (Marc Alexandre Oho bambe) من أبرز الشُّعراء الذين نشأوا بين أحضان الكتب والقصائد. وُلِدَ سنة 1976، بمدينة دوالا، العاصمة الاقتصادية للكاميرون. تَحَصَّلَ على  جائزة «بول فيرلين» من الأكاديمية الفرنسية، سنة 2015. يقتفي هذا الشاعر آثار الأدباء...

اقرا المزيد
مديح التأخُّر!.. الوقت في طريقه إلى الانقراض
06 أبريل 2020

إذا كنّا، على الدوام، في عجلة من أمرنا، فلأن نبض الحياة اليومية صار محكوماً أكثر بالتسارع، ومسكوناً باستباق اللحظة، ومنذوراً لإنجاز المهمّات والتخلُّص من عبئها في أسرع وقت ممكن. ولأننا نبذل كلّ ما في وسعنا لمجاراة سرعة العالم الحديث، باتت الغالبية العظمى...

اقرا المزيد