«والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي».. اِرتيابُ الحكاية في حدَثها ونِسبَتها

خالد بلقاسم  |  02 يناير 2022

تَتّخِذ رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»(1) قيمتها من قيمةِ الأدب الأساسيّة ومن حَيويّته الوُجوديّة الضروريّة. فالأدبُ حارسٌ من حُرَّاس الارتياب، ومُؤتمَنٌ على عُمْقه. إنّهُ ارتيابٌ يُوسِّعُ مفهومَ الحياة، ويُمكّنُ المَعنى من بُعده اللانهائيّ ومن أُفُقه المَتاهيِّ ذي الصِّلة المَكينة بليْل الكتابة، ويُتيحُ، فضلًا عن ذلك، تَفكيكَ أيِّ تَصلّب قد يَتسرَّبُ إلى علاقة «الواقعيّ» بالخياليّ. لعَلّ جانبًا من نُبْل هذا الارتياب هو ما صاغَهُ عبد الفتاح كيليطو في كتابه الجديد من داخل عالَمه الكتابيّ، واعتمادًا على طَرائقِ الحَكي والتأويلِ التي تحملُ دَمغتَهُ الشخصيّة ونَبرتَهُ الحاملةَ لمَلامحه.

مِن المفهومات التي عوَّلَ عليها الأديبُ عبد الفتاح كيليطو في صَوغ نَبْرَته الكتابيّة وإغناء قُدرَته الحكائيّة والتأويليّة، ثمَّة، تمثيلًا لا حصْرًا، مفهوم اللَّبْس، ومفهوم الهَذيان، ومفهوم سُوء الفهْم، ومفهوم النّسْخ والتناسُخ. اِستندَت عنايةُ كيليطو بهذه المفهومات إلى الحرْص على الانشغال المَعرفيّ بقَلْب الرّؤية إليها، والعمَل على تَحريرها من الحمولة القدْحيّة، بغاية العُبور بها، حَكيًا وتأويلًا، صَوب معنًى يقومُ على ردّ الاعتبار لها، وإبراز طاقتها التحليليّة وقُدرَتها على إمْداد الحَكي بما يُشعّبُهُ، وبما يُقوّي فيه حكمةَ الارتياب. بهذا العُبور، واستنادًا إلى مُمْكناته في الحَكي والتأويل، من جهَة، وإلى خلفيّاته وتَعدُّد مَرجعيّاته، من جهة أخرى، واصلَ كيليطو إنتاجَ معرفةٍ أدبيّة من داخل هذه المَفهومات، إذ لمْ يتوَقّف، في مَساره الكتابيّ الذي انطلقَ مُنذ سَبعينيّات القرن الماضي، عن الحفْر فيها والحفْر بها في الآن ذاته، على نحو هيّأ لها تَمديدًا حيَويًّا لا يَنفكّ يَتشعّبُ في كتابة كيليطو، حتى غدا اشتغالُ هذه المفهومات في مُنجَزه من السِّمات المُحدِّدة لنبرَة هذا الأديب الكتابيّة. تبعًا لذلك، غدَتْ هذه المفهوماتُ جُزءًا من التعاقُد الذي بناهُ الكاتبُ مع قارئه، إذ يتساءلُ القارئُ، كلّما نَشرَ كيليطو عملًا جديدًا، عن المنطقة التي منها شغّلَ هذا الأديبُ، مرّةً أخرى، المفهومات الأثيرةَ لديه. فحِرْصُ كيليطو على الاحتكام، في إنتاج نُصوصه، إلى المَفهومات السابقة وغَيرِها يُوَجّهُهُ رهانُهُ على قارئ يُشاركُهُ تَمديدَها، واستثمارَها في التأويل وفي فتْح دُرُوب المَعنى وتَوسيعها. من ثمّ، لا تَبْني هذه المفهوماتُ نَبرةَ الكاتب الذاتيّة وحسب، بل تُشكّلُ أيضًا الوَديعةَ التي يأتمِنُ الكاتبُ قارئَهُ عليها مثلما كان كيليطو نفسُهُ مُؤتمَنًا على وَدائع «المقامات» و«ألف ليلة وليلة» وغيْرها من النّصوص التي انجذبَ إلى تَمديدها بالحَكي والتأويل. فكتابةُ كيليطو تُسْهمُ في خلْق قارئ يَنخرطُ معها في مهمَّة نَسْج الخُيوط التي تُقيمُها هذه الكتابةُ بين الحَكي والتأويل، وتُقيمُها، بناءً على المفهومات السابقة وعلى غيرها، بَين قديمِ الثقافة وحديثِها.

(1)

خلخلة مفهوم الحدث وزعزعة نِسبة الحكاية

في سياق التمديد الذي تَشهدُه الطرائقُ المُعتمَدة في تَشغيل المفهومات المُشار إليها لدى كيليطو، تكشفُ روايتهُ «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» عن استثمار مُتعدِّدِ الأبعاد لمَفهوم اللبْس ومفهوم الهذَيان ومفهوم التناسخ بوَجْه خاص. وهو ما تبدَّى مُنذ عُنوان الرّواية الذي يَعتمدُ في تَركيبه اللُّغويّ صيغةَ «يقين»، ولكن كي يُضيءَ، على نحو مُفارق، ارتيابًا لا يَكفّ عن التنامي عبْر المفهومات المُشار إليها. اللافتُ في هذا العُنوان أنّه مَصوغٌ بتَركيب يَرومُ تَرسيخَ يَقين بشأن نسبَة الحكاية، ويَبتغي إزالةَ لَبْس بصدَدها، فالقَسمُ وأداتَا التوكيد («إنّ» و«اللام الواقعة في جَواب القَسم») يُرَجِّحان ذلك، غير أنّ الرّواية بكاملها تَنهضُ، خلافًا لظاهر عُنوانها، على لَبْس مَنسوج بارتياب مَكين. ارتيابٌ يَتوزّعُ كلَّ مَشاهدِها ويُوَجِّهُ نُمُوّها. أبْعَد من ذلك، فالحكاية، بما هي مَوضوعةٌ رَئيسةٌ في هذه الرواية، ترتابُ في حدَثها، وفي ذاتها، وفي نِسبة الحدَث إلى الشّخوص. كما لو أنّ الرواية لا تَسرُدُ حكايتَها، وهي تبحثُ عمّن تُنْسَبُ وقائعُها إليه، (أثمّة أصلًا وقائع في هذه الرواية أم يَتعلّقُ الأمرُ بحَكي مُضاعَف أو بتأويل يَتحوّلُ إلى حكاية؟)، إلّا كي تَنسجَ ارتيابًا فكريًّا من داخل مُمْكنات الحَكي.

ليس هذا الارتيابُ «المُتعارضُ»، بقصْديّة مَدروسة، مع العُنوان مُجرّدَ افتراض قرائيّ، بل هو رهانٌ كتابيٌّ بيّنٌ، إذ تمَّ الاحتكامُ إليه وَفق اشتغال مُتأنٍّ مُنذ أوّل جُملة في الرّواية قبْل أن يَسريَ في أدقّ تفاصيلها، حتى بدَت الروايةُ كما لو أنّها لا تَنْمو إلّا بغايةِ تَقوية الارتياب. لعَلّ هذا الاشتغالَ المُتأنّيَ هو ما جعلَ كلَّ عبارة في الرّواية مُنطويَةً على أصداء بَعيدةٍ، مانعةً بها انتسابَ حكايتها إلى حدَث واضح المَعالم وإلى شَخص مُحدَّد، لأنّ رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» لا تَروي أساسًا إلّا عن كُتُب وعن حكايات قادمة من مَصادرَ عديدة. وهي بذلك تَنمو عبْر تأوُّلها للطرُوس، التي تُشكّلُ خَلفيّةَ الحَكي، أكثر من نُموّها عبْر وقائع، بل لرُبّما لمْ تَعْمَل الرواية إلّا على تَوليد وقائعَ مِن هذه الطّروس، أي تَوليد الوقائع من الكُتُب بوَجه خاصّ، ضمْنَ قلْب ذي امتدادات فكريّة، به تُسائلُ الروايةُ علاقة «الواقعي» بالخَيالي، وعلاقة المَعيش بالكتاب. لذلك كلّه، تتطلّبُ قراءة رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، من بين ما تتطلّبهُ، التركيزَ على التفاصيل الصّغرى، لِما تَنطوي عليه هذه التفاصيلُ مِن مُضمَراتٍ شديدَةِ التكثيف. فقد صيغَتْ هذه المُضمَراتُ بتأنٍّ فكريّ يَستدعي صُورةَ الصائغ في إحكامِ العَمل وإتقانه وتَجويده. فالرواية لا تتّخذُ من علاقة الكاتب بالصّائغ مَوضوعةً من مَوضوعاتها وحسب، بل إنّ كيليطو نفسَهُ يُمارسُ الكتابةَ انطلاقًا من وَعي مَكين بما يَصلُ الكاتبَ بالصّائغ، وبما يَصِلُ أيضًا الكتابةَ بالخياطة. عُمومًا، فالانشغالُ بالتفصيل الصّغير خَصيصةٌ كتابيّةٌ في أعمال كيليطو جَميعِها، إذ تحتفظُ فيها كلّ عبارةٍ بأصدائها البَعيدة. أصداء قادمةٌ من أصْواتٍ غابرَةٍ أو من أصوات مُبْهَمَةٍ يُوَلّدُها التأويل.

تَسردُ رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» حكايَتَها فوقَ طِرْس رَئيس هو حكاية حسن البصري الصائغ، الواردة في كتاب «ألف ليلة وليلة»، وتُضاعِفُها بحكاية حسن ميرو، التي تُمدِّدُها الرّوايةُ بحكاية مُحسن في رواية «عُصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، وبحكاية الأستاذ ع. وحكاية يوليوس موريس، وبمَقاطع من حياة الراوي (ولربّما مِن حياة كيليطو نفسه)، وبأصداء أخرى قادمَة من كتابات كيليطو السابقة. لا تعملُ هذه الطروسُ إلّا على زَعزعة اليَقين الوارد في عبارة العُنوان، وتَوسيع احتمالات الإحالة في ضَمير المُتكلّم الواردة في هذه العبارة، وتَقوية التباسه، إذ لم تَقُم الفِقرةُ المُثبَتةُ في ظَهر غلاف الرواية، وهي تَنسبُ، بطريقة لا تَخلو من ارتياب، ضَميرَ المُتكلّم في العُنوان إلى شهريار اعتمادًا على ما تفرّدَت به خاتمة إحدى نُسَخ الليالي، سوى بتَعميق الالتباس. فتعدُّدُ الطروس جَعلَ نسبَةَ الحكاية مُلتَبسة، وجعلَ الفاصلَ بين «الواقعيّ» والمُتخيّل فيها واهيًا، حتّى ليُمكن للتأويل أنْ يعدّ خَلخلةَ هذا الفاصل أحدَ المُوَجّهات الرّئيسَة في رواية كيليطو، إذ يَبدو الحَدثُ  كما لو أنّه هو نفسُه ليس سوى حكاية، وهذا أمرٌ غيرُ غريب عن نَمط الرواية التي يكتُبها كيليطو؛ رواية تتّخذُ من الأدب مَوضوعًا لها. لذلك غالبًا ما يكونُ بطلُها أديبًا(2)، ويكونُ الراوي أيضًا أديبًا، على نحو يَجعلُ مَوضوعَ الرواية و«أحداثها» غيرَ مُنفَصلة عن الكُتُب وأسئلتِها وقضايا تأويلها، بل إنّ الحديث عن الكُتُب وتَحليلها وتأويلها يكونُ، في الغالب العامّ، العُنصُرَ الرّئيس في نُمُوّ الرواية. لذلك، لا غرابة أن يكونَ الكتابُ هو البَطل، مثلما هي الحال في رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي».

تبدأ رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» بجُملة تَضطلعُ بتأطير دالّ، إذ يُقيمُ هذا التأطيرُ صِلةً بين ما «يحدث» في الحكاية وحياة الراوي، انطلاقًا من الإيهام بحدَث ذي جذور واقعيّة تبدّتْ من حِرْص الراوي على الإشارة، منذ الاستهلال، إلى أنّ «الحدث» جَرى في منزل والديْه. في هذه الجُملة الاستهلاليّة، يقولُ الراوي: «يَحدثُ هذا، مرّةً أخرى، في بيت والديّ: ساحة مُربَّعة مفتوحة على السّماء(3)». لا تبدأ الرواية بكلمة «يَحدث» عبثًا؛ لا تبدأ بهذه الكلمة إلّا لتتّخذَ من مفهوم «الحدَث» نَفسِه مَوضوعًا لبناء اللّبْس وتَعميق الارتياب، إلى حدّ مَنْعِ «الحَدث» من أنْ يَستقيمَ في صُورة ثابتة. وهو ما يَسمحُ، وَفق مَسار قراءة أخرى مُمْكنة، بتأوّل نُمُوّ الحكاية، في مُختلف تفاصيلها، انطلاقًا من اعتبارها تفكيكًا فكريًّا لمفهوم الحَدث بمطرَقة الحَكي. قد تتسنّى هذه القراءة باقتفاء التفكيك والتّتبُّع التّفصيليّ لحِرْص الرواية على جَعْل الحَكي يَنهَضُ بالتقويض الذي يَضطلعُ به الفكرُ، لكن اعتمادًا على لعِب مُحَصَّن بالخَيال والإمتاع. إنّه أمرٌ لم يكُفّ كيليطو عن تَرسيخه مُنذ أنْ أرساهُ في خاتمة مؤلَّفه «الكتابة والتناسخ»، التي خَصّها للمُستَنبح القادم من مقامة الحريري الكوفيّة. إنّهُ المُستنبحُ الذي تكفّلَ، في هذه الخاتمة، بإضاءَة التشعُّب الفكريّ لمَسألة الازدواجيّة اللُّغويّة، اعتمادًا على كتابةٍ نُسِجَتْ وهي تُقيمُ لقاءً مَرِحًا بين الفكر والخيال. لربّما أمكنَ القول إنّ هذا الإرساءَ، الخاصّ باشتغال الفكر من داخل الحَكي، تكشّفَ في كتابة كيليطو مُنذ أطروحَته عن «المقامات»، أي قبل مُؤلَّف «الكتابة والتناسخ». لقد تسلّلَ الخيالُ إلى هذه الأطروحة، التي عملَ فيها كيليطو، بجُرأة علميّة، على إدماج الخيال في البحث الأكاديميّ. أصداءُ تأمّل هذا الإدماج بَيّنة في مَوضوعة الإشراف على البُحوث الجامعية، التي شكّلت مَوضوعة من مَوضوعات رواية «أنبئوني بالرؤيا» ورواية «والله إنّ هذه  الحكاية لحكايتي»، بل إنّ الروايتيْن تضمّنَتا، في سياق سُخريّة نقديّة، تصريحًا بحَيويّة التشويش على الأسلوب الأكاديميّ في البحث.

بنموّ رواية «والله إنّ هذه  الحكاية لحكايتي» وتَوالي تآويلها(4) لا أحداثها، يَشعرُ قارئُها بتَلاشي الماهيّة الواقعيّة للحدَث، إلى حدّ يقودُ إلى افتراض أنّ الكاتب حَرصَ بصورَة ضمنيّة على خَلخلة مفهوم «الحدث» بدقّة مَدروسة منذ جُملة الاستهلال. بَعد تأطير جُملة الاستهلال للحدَث مُفترضَةً وُقوعَهُ في المكان ذاته الذي سَبقَ لحدَث آخَر أن وقعَ فيه (يُلمحُ كيليطو بذلك، من بين ما يُلمِحُ إليه، إلى روايته «أنبئوني بالرؤيا»)، تكفّلت الصّفحةُ الأولى من الرواية برَسْم المَشهد – النّواة قبْل تَفريعه عبْرَ ارتياب مَدروس بصَرامة، ومَصُوغ في انسياب الحكْي. يَتعلّق الأمرُ في المشهد – النواة بشخصيّة نورا وهي تَرتدي ثوبًا من الريش، مُنتظرةً مُنذ الفَجر استيقاظ حسن ميرو كي تُوَدّعَه، ولمّا تسنّى لها ذلك بَعد أنْ فُتِحَ بابُ الحُجرة، حلّقتْ ثمَّ اختفَتْ، ليُلقيَ حسن باللوم على والدته، مُرجِّحًا أنّها هي مَنْ أخبَرَ نورا بالمكان الذي خبّأ فيه معطف الرّيش. هو ذا مَشهدُ الافتتاح الذي شرعَ الراوي في «تفسيره» وتَمديده بالحَكي، وعملَ عبْرَهُ على خَلخلة مفهوم الحدث، مُعتمدًا، في مُنطلَق الرواية، على سلسلة من التعليقات سَعَتْ جَميعُها إلى استنبات اللَّبْس والارتياب.

أ- في التعليق الأوّل على المشهد – النواة، يُوردُ الراوي مجموعةً من الأسئلة، إذ يقول: «ليس هذا المَشهدُ عديمَ الفائدة، لكن ما دخْلُ والديّ في الأمر؟ وإلى أيّ مدى هُما مَعنيّان بما حدث؟ والأسوأ أنّه إذا كانا مُتورّطيْن، فأنا، أيضًا، ضالعٌ في الحكاية… لكنّ حسنًا ميرو لم يَضَع رجْليْه في عتبة مَنزلنا، لا هو ولا زَوجته، ناهيك عن ولديْه. من المُحتمَل أنّني تحت تأثير رُؤيا سابقة… أيّة رُؤيا؟ وفي أيّ سياق؟ ماذا حدَث بالتحديد، في منزل والديّ(5)». لا يَقومُ هذا التعليقُ إلّا بإبعاد الحدَث عن واقعة من الوقائع، أي بتَجريد الحدَث من واقعيّته ومن إمكان أن يكونَ قد وَقعَ فِعْلًا، وذلك استنادًا إلى خَلخلة مَدروسة لمَفهوم الحدَث نَفسه، وإلى الحرص على وَصْله برُؤيا، على نحو يُسيّجُه ضمْن الخيال. لعَلّ هذا الوَصْلَ هو ما هيّأ به الراوي لطرْح سُؤال إشكاليّ يَتجاوَزُ سياقَ هذه الرواية كي يَشملَ ما يَربطُ الحكيَ بالحدث بوَجه عامّ. إنّه السّؤال الذي صاغهُ الراوي في قوله: «ماذا حدث بالتحديد؟». مَن يَقوى، في كلّ حكاية، على تقديم ما حدَث «بالتحديد»؟ وهل يَرومُ الحكيُ، أصْلًا، روايةَ ما حدَث «بالتحديد»؟ أليْست المسافةُ بين الحدَث وحكايته هي مُسوّغُ كلّ حكاية؟ ألم تكُن الحاجة إلى الحكاية، في الأصل، سوى رغبةٍ في إبعاد الحدث عن ذاته وتَمكينه من استعادات تجعلُهُ مُختلفًا عن نَفسه؟ ألا تغدو الحكاية، أيُّ حكاية، وهي تَنمو في الزّمن وفي التاريخ وفي استعاداتِها المُختلفة، مُتلوّنةً بما به تَنمو؟ ألا يكُفُّ كُلّ حدَث بمُجرّد حُدوثه، عن أن يكونَ واقعَةً كي يَصيرَ حكايةً بصيغَة الجَمع؟ ألا يَغدو الحدثُ، حتّى في استعادَة الفرد لقصّته الشخصيّة، سلسلةً من النُّسَخ المُتباينة، على نَحو ما عاشتْهُ أكثرُ من شَخصيّة في رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»؟ أليس مَصيرُ كلّ حدَث أن يَصيرَ حكاية؟ ألا تصيرُ الحكايةُ هي الماهيّةَ المُمكنة للحدَث؟ وماذا لو كان أصْلُ الحدَث نفسُه حكايةً أو «مُجرّدَ» مُنَمنمَة مَرسومة فوق حكاية؟ على نَحو ما هو مُرجّحٌ في رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، بما يُفضي إلى خَلخلةٍ تُسائلُ العلاقة بينَ الحدث والحكاية، وتمتدُّ حتى إلى مفهومهما، بما يُعيد النظرَ بشأن أيّهما يُوَلِّدُ الآخَر؛ أيُولِّدُ الحدَث الحكاية أم أنّ الحكاية هي ما يُوَلِّدُ الحدث؟ إنّ السّؤال الذي طرَحهُ الراوي في سَعْيه إلى الإمْساك بما حدثَ على وَجه «التحديد» يَحتملُ أن يكونَ الحدثُ هو الحكيَ ذاتَه لا ما وَقع (ماذا وقع؟ أثمّة واقعةٌ أصلًا خارج الحكاية التي شكّلت مَوضوع الرواية؟)، بصُورَةٍ تَكشفُ الماهيّة الحكائيّة للحدَث بوَصفها ماهيّتَهُ المُمْكنة.

ب- في التعليق الثاني على المَشهد – النواة، يُواصلُ الراوي أسئلتَهُ ويَعملُ على إخراج الحدَث من منطقة «التحديد»، التي كانت مُوَجِّهَ السؤال الإشكاليّ السابق، إلى منطقة «الترجيح»؛ وهي المنطقة الأقرَب لتأمّل أيّ حدَث. يقولُ الراوي في هذا التعليق: «حدَثَ ذلك، على الأرجَح، غداة رُجوع حسن من سَفر طويل نسبيًّا(6)». الانتقال من التحديد إلى الترجيح حَيَويٌّ في مَسار بناء الارتياب، إذ يُعيدُ هذا الانتقالُ النظرَ في سبَب القرار الذي اتّخذَتْه نورا بشأن علاقتها بحسن ميرو، أي قرار الانفصال أو «التحليق» حسب ما تَضَمّنَهُ المشهدُ – النواة. فسبَبُ انفصالها عنه يعودُ، وَفق ما يُتيحُهُ الترجيح، إلى الوَهلة التي رأتْه فيها لأوّل مَرّة. يقولُ الراوي: «لقد كرهَتْهُ فورًا بينما كان مُتيّمًا بها إلى حدّ الجُنون. بمُجرّد أن رأتْهُ انفصَلتْ عنه بالفِعل(7)». بهذا الترجيح ذي الأصداء المُبْهَمَة، يَتراجَعُ إمكانُ الحَكي عن «الحدث» بصيغَةٍ تُفيدُ «التحديد». هكذا يَغدو الحدثُ مُزاحَمًا بحكاية تُنافسُهُ في ماهيّته، أي يَغدو قابلًا لاحتمال أنْ يكونَ في الأصْل نابعًا من حكاية. يَشعرُ القارئُ، في ضَوء هذا الترجيح، بصَدى كلّ الحكايات التي كانت تحملُ انفصالَ رجُل وامرأة في لحظةِ انطلاق علاقتهما، أي كُلّ العلاقات التي كان طيفُ «معطف الرّيش» يُلازمُها ويَجعلُ التحليقَ أو الانفصال احتمالها المُنتظَر(8). قد يَستحضرُ القارئُ، حتى قبْل أنْ يَكتشفَ إعجابَ حسن ميرو برواية «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، ما وقعَ في هذه الرواية بين مُحسن وسوزي التي ارتبطَت به مُدّةَ أسبوعيْن وهي تعرفُ، مُنذ اللقاء الأوّل، أنّها ستنفصلُ عنه، لأنّها كانت مُتعلِّقة بهنري، أي أنّها كانتْ تَنتظرُ، مثلما هي حال الجنّيّة المُجنَّحة في حكاية حسن البصريّ في الليالي، لحظة العُثور على «معطف الريش»، وَفق المَعاني الجديدة التي يُمكنُ أن يَحتمِلَها هذا المعطفُ وهو يَبتعدُ عن حكايات «ألف ليلة وليلة». ما لهُ دلالة في هذا السياق هو أنّ التعليقَ الثاني للراوي على المَشهد – النواة أفضَى إلى التّرجيح، الذي به انزاحَ الحدثُ عن «منطقة التحديد» وَفق زَعزعةٍ تمَسّ، استنادًا إلى ما سَبقت الإشارة إليه، مفهومَ الحدَث ذاته.

ج- في التعليق الثالث على المَشهد – النواة، انتقلَ الراوي إلى منطقة الارتياب التي كان يُهيّئ لها، دون أنْ يوقِفَ آلية الترجيح الذي جعلَ الحكيَ يَبتهجُ، في مُختلف أطوار الرواية، بالاحتمالات المُخَلخِلة لثبَات الحدَث على أصْل واحد. ثمَّة، إذًا، تدرُّجٌ يَنمو، وَفقَ نأي وتأنٍّ دقيقيْن، مِنَ التحديد إلى الترجيح، ثُمَّ مِنَ الترجيح إلى الارتياب الذي ظلّ يقتاتُ احتمالاتِ الترجيح باستمرار. يقولُ الراوي في التعليق الثالث: «بَيد أنّ هذا ليس حقيقةً مُؤكّدة، والأمورُ ليسَت بهذه البَساطة. فالسّفرُ المُفترَض، والذي تَحومُ حَوله شبْهةٌ ما، ليس له علاقة بحَسن. لم يُفكّر أبدًا في القيام به، ولم يكُن لديه داعٍ مهنيّ أو شخصيّ للسّفر بَعيدًا عن أُسرته. لا شكّ أنّ الأمْرَ يتعلّقُ بشَخص آخَر، شَخص يَحملُ الاسمَ نفسَه. لنكُن حَذرين، لنَحرص على عدم الخلْط بين الحكايات، لنتجنَّب التأثّر بأوجُه شَبه مُبْهمة(9)». يَخضعُ هذا التعليقُ الثالث ذاتُه إلى تدرُّج مَدروس، إذ يَنطلقُ من فَصْل الحدَث عن حقيقة مُؤكّدة، وإبعادِه عن البَساطة، وتقريبه من الاشتباه والارتياب، وزَعزعةِ نسبَته إلى شَخص مَعلوم، فلم يَعُد الحدَث، بذلك، هو وَحدهُ المَشكوك في ماهيّته، بل حتّى مَن وقع له، على نحو يُوَلِّدُ لدى القارئ السّؤال التالي: حكاية مَن هذه الحكاية التي صاغَ عُنوانُ الرّواية نِسبَتها بصيغَة القسَم والتوكيد؟

لن يَتوَقّف التّرجيحُ عند هذا الحدّ، بل واصلَ الراوي توليدَ الاحتمالات عبرَه، انطلاقًا من سَعيٍ دقيق إلى إبعاد الحدث عن أصْل ثابتِ الصّورة. في سياق ذلك، يُرجعُ الراوي الحدثَ إلى أصلٍ ليس هو ذاتُه سوى نُسخَة. فالمشهدُ النواة، لا يُحيلُ، في ترجيح جديد، إلّا على رَسْمٍ في مُنَمنمَةٍ تُصَوّرُ حكايةً ما. لم يَعُد الحدث، تبعًا لهذا الترجيح، مُنبثقًا من نصّ، بل من مُنَمنمَة مَرسُومة استنادًا إلى نصّ. الانتقالُ في هذا الترجيح إلى أصل -نُسخة يُوغلُ بالحدث في البُعد، كما لو أنّ نُمُوَّ الحَكي يَرومُ جَعْلَ الحدث يشطُّ في البُعد. يقولُ الراوي عن المشهد- النواة في هذا الترجيح الجديد: «ليس هذا، على الأرجح، سوى لوحة شاهَدْتُها في مكان ما، في متحف رُبّما، أو بالأحرى مُنَمنمَة في كتاب. أيُّ كتاب يا تُرَى؟ ومَنْ هو الرّسّامُ الذي أنجَزَها؟ ومَنْ أوحى له بها؟ نصّ ما بالتأكيد، حكاية قامَ بتصويرها. لكن، هل هُناك نصٌّ؟ لو كان مَوجودًا، لتذكّرتُ الحكاية. غير أنّني قرأتُ ما لا يُحصَى من الكُتُب، ما لا يُعدُّ من الحكايات، إلى درجة أنّني نَسيتُ العديدَ منها، وأنّها تختلطُ في ذهني(10)». لا يُوَلِّدُ الراوي، وهو يُبعدُ الحدثَ عن أصل ما، سوى الارتياب. إنّهُ يَحكي بارتياب عن الارتياب. يَبدو الراوي كما لو أنّهُ مَنذورٌ، وَفق ما تداخلَ في لاشعوره القرائيّ، لأنْ يَحكي اعتمادًا على السّؤال. ليس من إمكان للحَكي سِوى الاسترشادِ بالسّؤال الذي لا يَقودُ إلى أيّ يقين. إنّ السؤال، على العكس، يُغذّي الارتيابَ ويُقوّيه.

إنّ ثمَّةَ حرصًا، مُنذ البَدء، على تَفتيت الحدَث عبْر تنويعِ احتمالاتِ أصْله ومَصدَره، حيث يَغدو الحدَث، في تَفتّته، شَبيهًا بشَذرات لا تَحتفظُ بها الذاكرةُ اعتمادًا على وقائع، بل اعتمادًا على كُتُب وحكايات. تتعدّدُ أصولُ الشذرات، التي هي الصّورَة المُمكنة للحدَث؛ إذ منها ما هو مُنبثقٌ من حكاية من حكايات «ألف ليلة وليلة»، ومنها ما هو مَشدودٌ إلى رواية «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، ومنها ما هو مُرتبط برُسوم مُنَمْنَمَةٍ من المُنَمْنَمات، ومنها ما لهُ صلةٌ بالمقامات، ومنها ما يَنطوي على أصداء قادمةٍ من كتابات كيليطو السابقة ومن مَقروئه بوَجه عامّ. تَمنعُ الشذراتُ الحدَثَ من أنْ يَحتفظ بأصل ثابت، ومن أنْ يُسنَدَ إلى شَخصيّة مُحدّدَةٍ بوُضوح. بناءً على هذا التّفتيت المَصوغ بدقّة عالية، وبالإمكانات التي يُتيحُها اللقاءُ المَرِحُ بين الحَكي والفكر، تَنفتحُ نِسبةُ الحكاية على احتمالاتها، أي تغدو قابلةً لأنْ تَنتَسِبَ إلى مَن راهنَ على أن يَجعلَ حدثَ رواياته قادمةً من حكايات الكُتُب. لذلك، يُمكنُ للقراءة أن تَسمعَ في عُنوان الرواية، أي في عبارة «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، بَعد الإنصات لأطوار الرواية، صدًى بَعيدًا يَسمحُ للتأويل بأنْ يُرجّحَ أنّ الضّمير(11)، في عبارة العُنوان، قد يَعودُ على كيليطو، الذي عاشَ كي يَحكي حكايةً انفصلَتْ عن حدَث واضحِ المَعالم، بَعد أن صارَت مُنشغلةً بحدَث الحَكي المَنسُوج من أصداء حكايات لا حدّ لها(12). إنّ للأمر صلةً، في العُمْق، بتصوُّر كيليطو للكتابة، مثلما له صِلة بحيَاةِ هذا الأديب الذي اقتسمَ مع شُخوص الرّواية ارتهانَ حَياته بالكتاب.

ثمَّة، في المَسار الذي اتّخذهُ الحكيُ والتأويل داخل رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، مُرتكزٌ معرفيٌّ يَمَسُّ مفهومَ الكتابة نَفسَه. فالحكيُ يَنمو بمُوَجِّه قلْب المَنحَى المُعتاد، أي المَنحَى الذي فيه تُصاغ حكايةٌ عن حدَث ما، حيث تَغدو الوجهَةُ، التي يأخذُها الحَكيُ، على النحو التالي: الانطلاق من حكاية بغاية تَحويلها إلى «حدث». بهذا التّحويل لا يَستحضرُ الحكيُ الوقائعَ إلّا كي يَرتابَ فيها، لأنّه لا يَستحضرُها، أصلًا، إلّا من داخل حكايات. فيغدو التأويلُ الحكائيّ، الذي تَخضعُ له الحكايةُ المُشكِّلةُ لنصّ الانطلاق، هو الحدَث. مِنْ حكاية الحدَث إلى الحكاية – الحدث تَوَجُّهٌ كتابيٌّ يَستندُ إلى مُوَجّهات معرفيّة عن نَمط الرّواية التي يكتُبُ كيليطو، وإلى تَصوُّر عن رواية تتحقّقُ من داخل التأويل، وتعَدّ فعلَ التأويل رَئيسًا في تحديد ماهيّتها وفي سَيرورَةِ حَكْيها.

(2)

القراءة بالخلط والتماثلات المُبْهَمة

بَعد التكثيف الذي انطوى عليه التعليق الثالث على المشهد – النّواة، اعتمادًا على تقويةِ نبرة الارتياب، انتهى التعليقُ، وَفق ما سَبقَت الإشارة إليه، بتَحذير دالّ، جاء فيه: «لنَحرص على عَدَم الخلْط بين الحكايات، لنَتجَنَّب التأثّرَ بأوجُه شَبَه مُبْهَمة». التحذيرُ من الخَلط والدّعوة إلى عدم الالتفات إلى أوجُه شَبَه مُبهمَة أمْران حيَويّان في كتابة هذه الرواية، وفي الاحتمالات المَفتوحة أمام قراءتها وتأوّلها. لابدّ، إذًا، من مُصاحبَةِ احتمالاتهما الدّلاليّة في الرّواية، لاقترانهما بخَصيصةٍ من صَميم كتابة كيليطو بوَجه عامّ.

(1.2)

التحذير من الخَلط  

اللافت، بالنّسبة إلى تَحذير الراوي منَ الخَلط بين الحكايات، أنّ الحَكيَ في رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» لا يَقومُ إلّا على هذا الخَلط، بل إنّ قوّةَ هذه الرواية نابعةٌ أساسًا من نَسْجها للخَلطِ بإحكامٍ شديد، إذ به انبنَتْ نَبرةُ الالتباس والارتياب. ليس تَحذيرُ الراوي، تبعًا لذلك، سوى تَوجيهٍ مَعكوس، أي أنّ التّحذيرَ، في الأصل، تحريضٌ على قراءة الرّواية استنادًا إلى هذا الخَلط. لا يتمّ التحذيرُ من الخَلط إلّا بغايةِ التحفيز على اعتماده. للتحذير، من هذه الزاوية، صلةٌ بمَوضوع الفُضول، الذي شغلَ كيليطو كثيرًا في تأويله لنُصوص «ألف ليلة وليلة»، إذ أشارَ هو نفسُهُ، في سياقات عديدة، إلى أنّ التحذير من أمْرٍ ما يَنطَوي على تَوليد الفُضول لخَرقه. أيتوَجّهُ الراوي بتَحذيره إلى نَفسه أم إلى القارئ؟ أيًّا كانت وجهَةُ تحذير الراوي، فإنّ مَنطوقَ قوله لا يَستقيمُ إلّا بخَرقه، لأنّه لا يَحكي هو أيضًا إلّا بنَسْجِ خَلطٍ مدروس.

لا يُمكنُ للراوي، بوَصفه أديبًا، أن يَحكيَ إلّا من داخل مَقروئه، وهو مَقروءٌ شاسعٌ كما اعترفَ هو نفسهُ في سياق تقويَته لاحتمال أنْ يكونَ الحدثُ مُنبثقًا من الحكايات التي قرأها واختلطَت في لاشعوره القرائيّ، إذ قال، كما سبَقت الإشارة: «قرأتُ ما لا يُحصَى من الكُتُب، ما لا يُعدُّ من الحكايات، إلى دَرجة أنّني نسيتُ العديدَ منها، وأنّها تختلطُ في ذهني». لا يُعوِّلُ الراوي في حَكيه سوى على ما «اختلط» في ذهنه من حكايات، أي على وَعيه بأنّ الحكيَ لا يَستقيمُ إلّا بهذا الخَلط الإبداعيّ الخلّاق. ثمَّ إنّ الحكيَ عن الالتباس لا يَتسنّى إلّا بخطاب مُلتبس؛ خطاب يُحفِّزُ ويُوَلِّدُ الفضول، ولكن بصيغَة معكوسة تتبنَّى التّحذير. يَحكي الراوي عن الالتباس بنَبرة مُلتَبسة؛ مُستندًا إلى التباسِ الحكايات في ذهنه، فيَغدو حكيُهُ، اعتمادًا على التباسها، حكيًا، في الآن ذاته، عن هذا الالتباس. بالالتباس يتمّ الحكيُ عن الالتباس. وهو أمرٌ يقومُ به الراوي لا مُنساقًا وراء ما اختلطَ في ذهنه، بل وَفقَ نسيان فعَّال، ووَفق تدبير خاضع، في إحكامه، لصَرامةٍ حاسمَة في الحكي الذي يَضطلعُ به الرّاوي وفي تَحديد نبرة الكتابة نَفسِها لدى كيليطو أيضًا. كما لو أنّ كيليطو كان مُنشغلًا، وهو يَصوغ شَخصيّة الراوي، بالكيفيّة التي تُمَكّنُ هذه الشخصيّة من القُدرة على صَوغ حَكي مُلتبس قائم على خَلط أدبيّ، وراسمٍ، في الآن نَفسه، لنبرَة الكتابة لدى خَالق هذه الشخصيّة. فالخَلطُ يقومُ، مثل الصياغة والخياطة، بإتقان مُحكَم.

إذا كان الراوي يَحكي وَفق الخَلط واستنادًا إليه، فكيفَ للقارئ ألّا يَنخرطَ في تتبُّع الصّرامة التي بها يُنسَجُ الخَلط، وكيف له ألّا يُسْهمَ في تَمديد اللّبْس؟ إنّ التحذير السابق إذًا مقلوبٌ، فالمُرادُ منه عكسُ ظاهره، إنّه تنصيصٌ على أنّ كلّ قراءة من خارج الخَلط لن تَستوعبَ مُرتكَزًا من أهمّ أسُس النّبرة الكتابيّة في هذه الرواية، وفي أعمالٍ أخرى لكيليطو. كما لو أنّ الراوي يَدعو القارئَ إلى اعتماد الخَلط، لأنّ ما يُكتَبُ بناءً على خَلط خلّاق لا يُقرأ إلّا في ضَوء تَمديد هذا الخَلط والمُشاركة في صَوغه. لربّما يعودُ الأساس المَعرفي البَعيد لهذه الدّعوة، التي تَنشدُ قراءةً بالخلط وتُحفِّزُ عليه، إلى حاجة هذا النمط من الرواية إلى لاشعور قرائيّ خَصيبٍ بشُسوع نُصوصه، كما يعودُ، من زاوية أخرى، إلى تصوُّر يَرى كُلّ حكاية خِلْطًا مَصيرُهُ أن يَحيَا داخل أخلاط أخرى. إنّهُ المصيرُ الذي يُؤمِّنُ لكلّ خِلطٍ حَياتَه. المصيرُ الحَتميُّ لكلّ حكاية كي تَدومَ في الاختلاف هو أن تُعاودَ الظهورَ داخل حكايات أخرى، كما لو أنّ كلّ حكايةٍ ليسَتْ سوى خِلطٍ مَنذور، كي يَحظى بحَيَوات أخرى، لأنّ يَندمجَ في أخلاط تُماثله وتؤمِّنُ اختلافَه في آن. كي تَحيا الحكاية، في أيّ قراءة وفي أيّ كتابة، لابدّ أنْ تَصيرَ خِلطًا يُنادي أخلاطًا أخرى تُبقيه وتُديمُهُ. إنّ إدامةَ الحكايَة لحَياتها لَفي تناسُخها اللامُتناهي وهي تَختلطُ بحكايات أخرى. يَتعلَّقُ الأمرُ، إذًا، بخَلط خلّاق يَحتكمُ إلى أسُس مَعرفيّة، ويَعتمدُ طرائقَ صارمةً في تحقّقه، على نحو يُعيدُ الاعتبارَ لمَفهوم الخَلط، في القراءة وفي الكتابة، ويُبعدُهُ عن الحمولة القدحيّة اللصيقة بمَعناه المُعتاد.

ليسَ للخَلْط معنى واحد. إنّهُ مُتعدِّد. كما أنّ مَرجعيّاته عديدةٌ. لرُبّما تُشكّلُ «المقامات» أحدَ أهمّ هذه المَرجعيّات بالنّسبة إلى كتابة كيليطو بَعد أن صاحبَ نُصوصَها طويلًا وأخضَعها لتأويل من قلب الثقافة الحديثة. فالخَلطُ، في «المقامات» كان عُصُرًا بنائيًّا، بحُكم الدّور الذي يُؤدّيه، مثلًا، أبو زيد السروجي في مقامات الحريري. كيليطو نفسُهُ تَوَسّلَ بالخَلط في قراءته قبْل أن يَتحوَّلَ الخَلطُ إلى آلية كتابيّة لديْه. لقد اعتمدَهُ في تحليله لمقامة الحريري الكوفيّة التي أفردَ لها كتاب «الغائب». في هذا التحليل، اتّخذ كيليطو من الخَلط المُنطلَقَ الرّئيس في فكّ خُيوط المقامة الكوفية لمّا انتبهَ إلى الوَشيجَة التي تَربط ليلةَ السّمَر، في هذه المقامة، بشخصيّة أبي زيد السروجي. كان أديمُ هذه الليلة ذا لونيْن، شأنُها شأن أبي زيد السروجي، وهو التلوُّن الذي كان مشدودًا إلى خَلطٍ أصيل في المقامة وفي شخصيّة بَطلها. عن اختلاط لَونَي الليلة، يقول كيليطو: «إنّ امتزاجَ لَونيْن على صفحَتِها عبارةٌ عن شَوْب، عن خلط، والشّوْب ضدّ الصفاء، وهذا ما يجعلُ أمرَها مشكوكًا فيه. ألا يُقالُ للمُخلّط في القول والعمل: هو يَشوب ويَرُوب(13)». صدى هذا الخَلط، وأصداء أخرى قادمة من مَرجعيّات عديدة، سارٍ في كتابة كيليطو، وقد بلغَ مستوى عاليًا في رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي». الراوي نفسُهُ واعٍ بالخَلط ومُدركٌ لمُتطلّباته، بل إنّ إحدى مهامّه الرئيسَة في هذه الرواية أن يَحبك خلطًا معرفيًّا مُحكَمًا ويَصوغَهُ في حَكي ارتيابيّ. فقد صرّحَ هو نفسهُ، في سياق التّرجيحات المُولِّدة للاحتمالات، قائلًا: «أرى أنّني أخلطُ بين قصّتَيْن(14)»، وهي عبارةٌ ينبغي أن تُقرَأ بالمَعنى الفعَّال للخَلط في الكتابة لا بمَعناه القدحيّ. يتعلَّقُ الأمرُ بخَلط ذي وشائج لا نهائيّة، لأنّه قائمٌ على «ما لا يُحصَى من الكُتُب» التي قرأها الراوي. فتعدُّدُ الوشائج، التي يَنطوي عليها اللاشعور القرائيّ للراوي، هي ما يُمكنُ أنْ يُظهرَ الحكيَ كما لو أنّه هذيانٌ. لذلك لم يَستبعد الراوي هذا الاحتمال لمّا قال «ليس الأمر كذلك، إنّني رُبّما أهذي(15)». غير أنّهُ هذيانٌ مُحصّنٌ باللانهائيّ، بل يكاد يكونُ معنى الهذيان، في هذا السياق، دالًّا على تمكين الحكاية من نَسَبها اللانهائيّ، وعلى توليد تماثلاتها المُتناسِلة في سَيرورَةِ تناسُخٍ لا حدّ له.

(2.2)

التماثلات المُبهَمة

ليسَت دَعوةُ الراوي إلى تَجنُّب «التأثّر بأوجُه شَبَه مُبهَمة»، المُشار إليها في أحَد الشواهد السالفة، سوى استطرادٍ مَدرُوس، به يُمدّدُ التحذيرَ السابق ويُقوّي المَعنى العَكسي المُضمَّن فيه، بما يُعضّدُ نَبرَةَ الالتباس في الحَكي عن المُلتبس، مادام الالتباسُ، في رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» نَبرةَ كتابةٍ ومَوضوعَةً روائيّةً في آن. يَرومُ هذا الاستطراد، القائمُ على المَعنى العكسيّ، تَوجيهَ اهتمام القارئ إلى إحدى أهمّ خَصائص الكتابة في هذه الرواية، وفي كتابة كيليطو بوَجه عامّ. يتعلَّقُ الأمرُ بأيّ شبَهٍ مُبهَمٍ يُمكنُ أن يُطلّ من اللاشعور القرائيّ لراوٍ قرأ، باعترافه هو نَفسه، «ما لا يُحصَى من الكُتُب». فالراوي لا يقومُ إلّا بتتبُّع الأصداء القادمة من مَقروئه الشاسع، والحرص على العُثور فيها على تماثلات، أي على أوجُه شَبَه مَهْما بَدَت مُبهَمة. إنّ مهمَّة الراوي، بالمُواصَفات التي تَحدَّدَ بها في رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، هي تحويل المُبْهَمِ إلى احتمال له قوّتُه داخل الأدب. أبْعَد من ذلك، فمهمَّته، التي هي إحدى خصائص كتابة كيليطو، أن يبتكرَ التماثلات، ويخلقَ أوجُهَ شَبَه مُبهَمة، ويُقنعَ بالوشائج الخَفيّة التي تحكُمُها، لأنّ الحكيَ الذي يضطلعُ بإنجازه غير مفصول عن التأويل بوَصفه ابتكارًا للوشائج. لذلك تعدَّدَت التماثلات، في هذه الرواية، حتى لقد تَجاوزَت، كما هو دأب الكتابة عند كيليطو، أوجُهَ الشبَه بين الحكايات التي تداخَلت في «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، إذ امتدَّت التماثلاتُ إلى أوجُه شبَه قادمة من الأساطير ومن المُتخيَّل البعيد.

للتماثلات تجذّرٌ أصيلٌ في كتابة كيليطو التي يَرتكزُ جانبٌ من نَبرتها على ابتكار أوجُه شَبَه مُتشابكة، وعلى استثمار هذه الأوجُه في خَلق أصداءَ عديدة داخل النّصوص. شكّلت هذه التماثلات، التي ما دَعا الراوي إلى تَجنُّب أثرها إلّا كي يَلفتَ الاهتمامَ إليها، عُنصُرًا بنائيًّا في رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، حتّى لقد تَحوَّلَ التماثلُ أو أوجُه الشَبَه إلى مَوضوعة من مَوضوعات الرّواية، على نحو ما تبيّنَ، تمثيلًا لا حصرًا، من المَقاطع التي رَصدَ فيها الراوي القواسمَ المُشترَكة بين حسن البصري وحسن ميرو، وعلى نحو ما تبيّن أيضًا من تقاطُع شُخوص الرواية في مَصير يُقرّرُهُ الكتاب. يُمكنُ لقارئ رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» أنْ يُمَيِّز فيها، اعتمادًا على بنيَتها وعلى المُوجّهات الرّئيسَة في كتابة كيليطو بوَجه عامّ، بين ثلاثة أنماط من التماثل تنتَظمُ وَفق تشابُك قويّ.

أولًا، التماثل الأفقيّ. وهو ما يَحكمُ العلاقة بين الحكايات داخل الرواية. تُجسِّدُهُ أوجُهُ الشبَه بين حكاية حسن البصري وحكاية حسن ميرو وحكاية مُحسن، في «عصفور من الشرق»، وحكاية يوليوس موريس وحكاية الراوي التي ظلّت «بابًا» مُواربًا لم يُفتَح فتحًا تامًّا. لهذا التماثل الأفقيّ، في رواية كيليطو، وَشيجةٌ تربطُهُ بطَريقةِ الحكي في «ألف ليلة وليلة»، التي فيها يَنمو الحكيُ عبْر توليد حكاية من داخل أخرَى بناءً على تماثلات ظاهرَة أو خفيّة. فمهمَّة شهرزاد في الحكي لم تكُن مُنفصلةً، بمعنى ما، عن تَمديد الحكاية الإطار، أي تمديد حكاية شهريار اعتمادًا على تَشقيق تماثلات لا حدّ لها وتفريعها. ألمْ تعمَل، في كلّ ما حَكتْهُ، على خلْق تماثلات «مُبْهَمَة» بين حكاية شهريار والحكايات التي رَوتْها له قصْدَ مُصالحَته مع حكايته، أي مع ذاته؟ وهو ما احتملَ، في بعض التآويل، عدّ الليالي حكاية شهريار التي أنصتَ لها في حكايات غيريّة؛ حكايات مُماثلة لحكايته بصورة مُبهَمة.

ثانيًا، التماثل العَموديّ. وهو الذي تُوَلّده الرواية وتبتكرهُ انطلاقًا من حرصها على وصْل تفاصيلَ في حكايات التماثل الأفقيّ، أي الحكايات المتقاطعة في الرواية، بمُتخيَّل سَحيق يمتدّ إلى الأساطير البَعيدة وإلى كُتُب الأديان، وحرصها، أبعد من ذلك، على التوغّل بهذا المُتخيَّل إلى زمن البدايات، حتى لقد أطلّ، في هذه الرواية، مرّةً أخرى طيفُ آدم(16)، بَعد أنْ خصّهُ كيليطو  بكتاب كامل سابقًا. بَيّنٌ أنّ هذا النّمطَ الثاني منَ التماثل مَشدودٌ إلى خَلفيّة أنثربولوجية تَسري في قراءات كيليطو وفي كتابته. وهو ما يُفسّرُ الأصداء البعيدة التي تخترقُ نصوصه. لعَلّ أوّل تجلٍّ من التجلّيات العديدة لهذا النّمط من التماثل، الذي يُصادفُه بكثافة قارئُ رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، يُجَسِّدُه الوَصلُ الذي أقامَهُ الراوي بين ظَفَر حسن البصري بمعطَف الريش الذي مكّنهُ من الظّفَر بالجنّيّة المُجنّحة، وظفَر جازون، في الأسطورة، بالفروة الذهبيّة(17)، التي كانت تحرُسها أفعى في بلاط الملك أيتييس بَعد أنْ ساعدتْ ميديا جازون في سرقة الفروة. هو ذا التجلّي الأوّل للتماثل العموديّ في الرواية، وبنُمُوِّ الحَكي توالَت الأصداءُ ذات المَنحى العموديّ بصورة تكشفُ أنّ هذا التماثل عُنصرٌ حاسمٌ في التشابك الذي يُقيمُه كيليطو بين الحكي والتأويل. من تجليات هذا النمط، ما يصلُ نظرةَ الجنّيّة المُجنّحة المُسبّبة للهلاك بنظرة الغورغون، وما يصلُ عقاب الانتهاك، في حكاية حسن البصري، بمنفى آدم وحواء، وبالعمى في أسطورة أوديب، وبالمسخ والتحوُّل إلى فريسة في أسطورة أكْطيون(18) وغيرها من أوجه الشبَه التي تبتكرُها الرواية وهي تحكي بالتأويل. إذا كان التماثلُ العموديّ خصيصةً قرائيّة وكتابيّة عند كيليطو، فإنّ هذا النمط جسّدَ، أيضًا، حرص كيليطو على تأويل «ألف ليلة وليلة» في ضَوء مَكاسب العُلوم الإنسانيّة، وخُصوصًا الأنثربولوجيا.

ثالثًا، التماثل المُضمَر في حُلم كيليطو بكتابة نصّ ليليّ. ثمَّة، في المسار الكتابيّ لهذا الأديب، ما يُتيحُ اقتفاءَ آثارِ حُلمه بصَوغ نصٍّ ذي نَسَب إلى الليالي، اعتمادًا على تداخُل أصيل بين مُمارَسةِ القراءَة ومُمارَسةِ الكتابة. لقد تبدَّى هذا الحُلمُ، القائمُ على تماثل لا يُفرّطُ في الاختلاف، بجَلاء في رواية «أنبئوني بالرؤيا» من زاويتيْن على الأقلّ. الزاوية الأولى، اتّخاذُ رواية «أنبئوني بالرؤيا» من كتابة خاتمةٍ لـ«ألف ليلة وليلة» مَوضوعةً رَئيسةً، وصَوْغ احتمالات عديدة لإنجاز هذه الكتابة، حتى لقد اتّفقَ الأستاذ ك.، في الرواية، مع إسماعيل كملو على أن يُضيفَ كملو لعُنوان بَحثه «الجنون الثاني لشهريار» عُنوانًا فرعيًّا هو «خاتمة للّيالي لم يَسبق نشرها(19)». الزاوية الثانية، استثمار رواية «أنبئوني بالرّؤيا» لُعبةَ المخطوط، التي أتاحَتْ لكيليطو أن يَصوغ نصًّا ليليًّا و«يَدُسّه» في نُسخة «ألف ليلة وليلة» بترجمة رتشارد فرنسيس بيرتون التي اشتراها إسماعيل كملو في أميركا. وقد كان لافتًا أنّ إسماعيل كملو أخضعَ المخطوط، في الرواية، لتحليل أبرزَ فيه ما يَصلُ هذا المخطوط بنُصوص «ألف ليلة وليلة» وما يَفصلهُ عنها. لربّما، في هذا السياق، يُمكن العُثور، من داخل التماثل الذي يَعي استيعابَه للاختلاف، على ما يُضيءُ إشكالَ نسبةِ الحكاية، الذي طرَحَتْهُ، فيما بَعد، رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي». إنّ بذرة هذه النِّسبَة مَبثوتةٌ مُنذ لُعبة المَخطوط في «أنبئوني بالرؤيا». ففي تحليل كملو للمخطوط، وَرَدَت ملحوظتان قد تُسعفان في حَلّ لُغز عُنوان «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي». جاء في الملحوظة الأولى: «هذه ليسَت حكاية من الليالي»، ووَرَدَ في الملحوظة الثانية: إنّها «حكاية من الليالي لم يَسبق نشرها(20)». وبذلك، قد تبدُو عبارة عُنوان الرواية الجديدة «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» من صَميم انشغال المَلحوظتيْن، ومن صَميم الإشكال المُتعلِّق بمَخطوط مَدسوس في الليالي. مخطوطٌ مُضمِرٌ لحُلم كيليطو بإنتاج نصٍّ مُنتسِبٍ إلى الليالي ومُختلف عنها في الآن ذاته. ذلك أنّ التماثل، بوَجه عامّ، يَقومُ على اختلاف جوهريّ يحكمهُ. اللافتُ، في هذا السياق، أنّ هاجسَ كتابة نصّ ليليّ تحوَّلَ هو ذاته إلى مَوضوع للتأمّل داخل رواية «أنبئوني بالرؤيا». لقد ذهبَت الرواية، من زاوية تَماثلٍ آخَر يَتعلَّقُ بما يَصِلُ القراءةَ بالكتابة في نمط النّصوص التي يَكتبُها كيليطو، إلى حَدِّ اعتبار التأويل قُدرةً على كتابةِ النصّ المُؤوَّل، كما لو أنّ مَنْ لا قُدرة له على كتابة النصّ المُؤوَّل لا قُدرةَ له على قراءَته وتأويله. ذلك ما صاغهُ كيليطو على لسان إسماعيل كملو في قوله «ليس جَديرًا بتأويل عمل أدبيّ، الليالي في هذه الحالة، إلّا القادر على كتابته(21)». لربّما، تبعًا لذلك، كان المخطوط المَدسوس، الذي هو في الأصل نصٌّ سبقَ لكيليطو أنْ نشرَه في كتاب آخَر، تجسيدًا للحُلم بإنتاج نصٍّ ليليّ يُماثلُ نصوصَ الليالي ويَختلفُ عنها في آن. ولربّما تُشكّلُ رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، في السياق ذاته، عتبةً عُليا لهذا التّجسيد، الذي يقومُ على قراءةِ نصٍّ ليليٍّ وإعادةِ كتابَته اعتمادًا على حكاياتٍ شديدةِ القُرب منه بقدْرِ شدّةِ بُعدها منه في الآن نفسه، لأنّها لا تُماثلهُ إلّا لتختلفَ عنه.

ليس ما تقدَّمَ من إشاراتٍ بشَأن رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» سوى مَدخلٍ، من بين مداخل أخرى مُمكنة، لتأمُّل ما يقودُ إليه الخَلطُ الإبداعيّ القائمُ على ابتكار التماثلات، أي تأمُّل التناسُخ الذي يَحكمُ هذا النّمط من الرواية ويُوجِّهُ جانبًا رئيسًا من نَبرة كيليطو الكتابيّة بصورَة عامّة. لا حدّ لمَنافذ التناسخُ في كتابة كيليطو وفي هذه الرواية على وَجه التحديد. لقد تقدَّم الإلماحُ إلى أحَد هذه المنافذ، أي اعتمادُ التأويل والحكي على الخَلط الخلّاق، الذي يَجعلُ النصَّ خِلطًا قابلًا لأنْ يَتحوَّلَ ويأخذ صورةً أخرى وَفق الأخلاط الذي يَعبرُ إليها، أي قابلًا للتناسُخ. فبدُون خَلطٍ مُستَنِدٍ إلى بناءِ التماثُلات وإلى أوجُه الشَبَه المُبهَمَة، لا يَتسنّى للكاتب تحويل التناسُخ إلى آليّة كتابيّة. عديدةٌ هي تجلّياتُ التناسُخ، في رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، يُمكنُ الإشارة إلى أحَدها بتَشقيق نمَط رابع من التماثُل؛ نمَط قائم هذه المَرّة على أوجُه شبَهٍ بين أعمال كيليطو نَفسها. أعمالٌ تُسمَعُ فيها الأصداءُ الداخليّة، وتُرى فيها أوجُهُ التناسُخ التي تَخضعُ لها النّصوص، بما يَسمحُ لمقاطعَ من نُصوص سابقة بأنْ تظهرَ في صُورة جديدة، ويَسمحُ لنُصوص كاملة إمّا بأنْ تُعاودَ الظهورَ مُختلفة عن صُورتها الأولى أو بأنْ تُغادرَ مكانَها الأوّل نحوَ مكان جديد، داخل سَيرورَةِ تَحوُّلٍ تحتكمُ فيها الكتابةُ إلى التناسُخ. فإذا كانت رواية «أنبئوني بالرؤيا»، مثلًا، قد استعادَت، في فَصلها الرابع، مَوضوعة الانتحال من زاوية التناسُخ وَفقَ ما وَرَدَ عن هذه المَوضوعة في مؤلَّف «الكتابة والتناسُخ»، فإنّ رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» تستعيدُ، من داخل المُؤلَّف نفسه ومن الزاوية ذاتها، لا مَوضوعة الانتحال، بل مَوضوعة التناسُخ ذاتها، ولكن بتحويلها إلى نَبرة كتابيّة. نبرةٌ تجسّدَت في قابليّة الحكاية الواحدة لأنْ تتناسخَ داخل الرواية، ولأن تظهرَ بأكثر من وجه دُون أن تَبقى في الآن ذاته هي نَفسها. إلى جانب ذلك انشغلت رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» بظهور اسم متناسخ، الذي ليس هو أيضًا سوى، تَجلٍّ من تجلّيات الالتباس. فمثلما تضمّنَتْ رواية «أنبئوني بالرؤيا» اسْمَ امرأة قائمًا على التناسُخ (إيدا أو آدا، أو عايدة، أو إيدّا)، استعادَت رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، هي أيضًا، التناسخَ ذاتهُ اعتمادًا على امرأة ظهرَت باسم نورا، ونورما، ونور. فلا غرابة، إذًا، أن تتضمَّن هذه الرّواية فصلًا بعُنوان «هي أنتِ، وليسَتْ أنتِ»، فهو من صُلب عَوالمِها. أبعد من ذلك، يُمكنُ مُقاربة إدماج الرواية للحَيوان، في سيرورة الحَكي، بِعَدِّ هذا الإدماج مُنطَويًا على وَشيجةٍ تصِلهُ بالتناسُخ. ففي سياق تذكُّر الراوي لطُفولته، استحضَرَ، من بين الحَيوانات التي استحضرَها، طائرَ اللقلاق، لأنّ حكاية الراوي قائمةٌ، في مَشهدها – النواة، على معطف من الرّيش وعلى مَوضوعة التحليق، ولمّا تحدَّثَ الراوي عن اختفاء اللقلاق في فترَة من السّنة وعودَته في فترَة أخرى، تساءلَ، من قلب التناسُخ، قائلًا «أكان الذي يَعودُ هو اللقلاق نفسُه؟!(22)». لعَلّ عُمقَ هذا السّؤال هو ما يَسمحُ، مِنْ قلب التناسُخ دومًا، بتَمديده ليشملَ ما لا يكفُّ عن مُعاوَدةِ الظهور في كتابةِ كيليطو. تمديدٌ يُمكن صَوغُه على النّحو التالي: أما يُعاودُ الظّهورَ في كتابة كيليطو هو النّصّ الأوّل نفسُه؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

1 – عبد الفتاح كيليطو، والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي، منشورات المتوسط، ميلانو، إيطاليا، 2021.

2 – إنّه أحدُ الأنساب التي تجمعُ كتابة كيليطو بالمقامات التي نَهضَت على اتّخاذ الأديب بطلًا لحكاياتها.

3 – والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي، ص 11. يفتحُ كلّ جُزء من أجزاء هذا الشاهد، الذي انطوى على أهمّ الدروب التي شقّتْها الرواية، مَسلكًا للتأويل ولإضاءة هذه الدروب. فعبارةُ «مرّةَ أخرى»، مثلًا، تُقيمُ علاقة بين فضاء «ما يَحدُث» بفضاءات «أحداث أخرى» في نُصوص كيليطو السابقة. يعتمدُ الراوي عبارة «مرّةً أخرى» وليس «مرّةَ ثانية»، بما يحتملُ أنّ «ما حدثَ» خاضعٌ لتكرار مُستمرّ، أي لعَود لا يَنفكّ يحدُث، انسجامًا، من جهة، مع مَصير «حدث» هو في الأصل حكاية كما سيأتي بيانُ ذلك، وتجاوُبًا مُنذ البدء، من جهة ثانية، مع مَوضوعة التناسخُ السارية في الرواية، والصامتة في ثنايا عبارة «مرّة أخرى». إلى جانب ذلك، تكشفُ الساحة المفتوحة على السماء، في الشاهد، مُنذ البَدء هي أيضًا، أنّ للسّماء حُضورًا دلاليَّا يوَجّهُ التأويلَ صَوب الطيور (للخطاطيف واللقلاق حُضورٌ في الرواية) وصَوب كلّ ما له صلة بالسّماء، مادامت الرواية تحكي عن امرأة مُجنّحَة وعن معطفٍ من ريش، ومادامت السماءُ هي ما ولَّد لدى الراوي، في طفولته، الشعورَ باللانهائيّ. ص 24.

4 – لنمط الرواية التي يكتُبها كيليطو خُصوصيّته. فروايتُهُ تنمو لا اعتمادًا على مُتواليات الحدَث، بل اعتمادًا على تدرّج يَخضعُ له التأويل الذي تحرصُ الرواية على بنائه. إنّ ما يَبدو، في الرواية، مُتوالياتِ حدَثٍ ما ليس سوى تحوُّلٍ شَهدتْهُ خطواتُ التأويل.

5 – والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي، ص 12.

6 – نفسه، الصفحة ذاتها.

7 – نفسه، الصفحة ذاتها.

8 – يبدو الانفصال في العلاقة بين رجُل وامرأة، في رواية «والله إن هذه الحكاية لحكايتي»، كما لو أنّه قرارٌ يَصدرُ عن المرأة تحديدًا.

9 – والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي، ص 12.

10 – نفسه، ص 13.

11 – في حكي يَتولَّدُ من الترجيح، لا يُمكنُ للتأويل هو أيضًا أن يُعوّلَ إلّا على التّرجيح.

12 – تحتملُ عبارة «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، من بين ما تحتملُهُ، مَعنيَيْن على الأقلّ. لرُبّما تعلَّق الأمرُ، في المَعنى الأوّل، بمَنْ صاغ الحكاية، وهو ما يُرجِّحُ رَبْطها بما أنجزهُ كيليطو في كتاباته، إذ يُمكنُ أنْ يُفهَمَ من عبارة العنوان، في هذا المعنى الأوّل، أنّ صاحبَ القسَم يُقرّ بأنّهُ هو مَنْ نسَجَ الحكاية وأنّها مِن إنتاجه لا من إنتاج غيره. إنّها حكايتُهُ التي صاغها. ورُبّما تعلَّق الأمرُ، في المَعنى الثاني، بمُحتوى الحكاية، وهو ما يترتّبُ عليه أنّ صاحبَ القسَم يُقرُّ بأنّ ما جَرى في الحكاية يخُصّ حياتَهُ هو بالذات، أي أنّ الحكاية تروي عمّا عاشهُ، وحتّى في هذه الحالة، يظلّ طيفُ كيليطو حاضرًا في احتمالات الإحالة التي يُمكنُ أن يَقترنَ بها ضَميرُ المُتكلّم في العُنوان، مادامت الرواية تتحدّثُ عن الكتاب الذي يحسمُ مصيرَ الحياة، ومادام كيليطو قد نذرَ حياتَهُ للكُتُب وقرن مصيرَه بها. دون أن نَنْسى، في هذا السياق، الندّمَ الذي به تصدَّرَت الرواية اعتمادًا على قول لكافكا، جاء فيه: «ما كان يَنبغي أن أعيشَ على هذا النّحو».

13 – عبد الفتاح كيليطو، الغائب، دراسة في مقامة الحريري، دار توبقال، الدار البيضاء، ط1، 1987، ص 29.

14 – والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي، ص 16.

15 – نفسه، ص 15.

16 – ألمحت الرواية إلى آدم في سياق تماثل عموديّ أنجزَهُ الراوي بشأن العقاب الذي يترتّبُ على انتهاك المحظور، مادامت الرواية تتخذ من الباب الممنوع فَتْحه موضوعةً من مَوضوعاتها. والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي، ص 66.

17 – نفسه، ص 18.

18 – نفسه، ص 66.

19 – عبد الفتاح كيليطو، أنبئوني بالرؤيا، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار الآداب، بيروت، ط1، 2011، ص 52.

20 – نفسه، ص 33 و 34.

21 – نفسه، ص 63.

22 – والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي، ص 23.

مواضيع مرتبطة

عبد الرّحمن بدوي.. وجه الرّوائي
محمّد صلاح بوشتلّة06 أكتوبر 2021
القصّة القصيرة فـي قطـر
محمَّد مصطفى سليم07 يوليو 2021
فرج دهام.. فنَّان اللامرئيّ
محسن العتيقي01 يناير 2021
فرج دهام.. على مِحَكِّ المُعاصَرة
بنيونس عميروش01 يناير 2021
سعيد الكفراوي.. ختام مرحلة
صبري حافظ17 نوفمبر 2020
سعيد الكفراوي: في نفس المشهد كنت قد بكيت!
حوار: علي النويشي16 نوفمبر 2020
استعادة غالب هلسا، بعد ثلاثين عاماً من الغياب
فخري صالح01 يوليو 2020
غالب هلسا.. الثورة والأنموذج ومرثية العمر الجميل
صبري حافظ01 يوليو 2020
غالب هلسا.. الكتابة بالحُلم
خالد بلقاسم01 يوليو 2020
غالب هلسا.. من رواية اليقظة إلى رواية الأفول
فيصل درّاج01 يوليو 2020
398 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

دون كيخوطي.. من مجهول الكُتب إلى مجهول العَالَم
06 أكتوبر 2021

يبدو الأفق، الذي تفتحُهُ رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا» للتأويل، كما لو أنّه متاهةٌ لا حدّ لأغوارها. وهي عُموماً صفةُ ما يَبقى ويدومُ في الكتابة وبها، أي الديمومة التي تؤمِّنها الكتابةُ بما تَهَبُهُ من إمكانات للتأويل والتمديد. فأراضي هذه الرواية، المُشرَعة...

اقرا المزيد
في نقد العباراتُ المسكوكة.. تصلّبُ اللّغة إفقارٌ للحياة
07 يوليو 2021

تُصابُ اللّغةُ بالشلَل مثلما يُصابُ الجسد، لأنّ للغةِ أيضًا جسدًا، كلّما تصلّبَ فيه طرَفٌ سرَى الموتُ كي يُجمِّد أطرافًا أخرى، على نحو يوسِّعُ مساحة الشلل، ويُهدِّد بموتِ اللّغة حتى وإنْ اتّخذ هذا الموتُ صورةَ حياة مُقنّعةٍ بتداوُلٍ مُفرط. فتداولُ التراكيب...

اقرا المزيد
عز الدين المناصرة.. الشعر في استجلاء التاريخ البعيد
26 مايو 2021

عاشَ الشاعر الفلسطينيّ عز الدين المناصرة (1946 – 2021) منفيًا عن أرضه مُبْعَدًا عنها، وهي المُفارقة التي تكشفُ عُمقَ الجُرح الفلسطينيّ بوَجه عامّ، وعمقَ غُربة الشاعر بوجه خاصّ. غربةٌ تردَّدت أصداؤها لا في نصوص الشاعر وحسب، بل أيضًا في حُلمه الأخير بأنْ «يُدفَنَ...

اقرا المزيد
آلية الترجيح في الترجمة
26 أبريل 2021

من ملامح الحيرة، التي تُصاحبُ آلية الترجيح في الترجمة، اضطرار المُترجِم، مثلًا، إلى الاستعانة بهوامشَ، من خارج النصّ المُتَرْجَم ولكن بإيحاءٍ منه، كي يكشفَ عن الحيرة التي ساورَتْهُ في العُبور من لغةٍ إلى أخرى ومن سياقٍ ثقافيّ إلى آخر، وكي يُفصحَ عمّا دعاه...

اقرا المزيد
الحياة بوَصفها حُلماً
15 فبراير 2021

تناولَ «بورخيس» في المُحاضَرة الثانية، ضِمن ما ألقاهُ من مُحاضَرات عامَي 1967 و1968، بجامعة «هارفارد» الأميركيّة، الأنماطَ الأصليّة أو النموذجيّة للاستعارة، وتوقَّفَ، وهو يَعرضُ هذه الأنماط، على النمطِ الأصليّ لاستعارةِ «عدِّ الحياة حُلماً». وفي سياق تأمُّل...

اقرا المزيد
رفعت سلام.. البحث عن مجهول البناء الشعريّ
10 ديسمبر 2020

استناداً إلى خلفيّته المعرفيّة، كان الشاعر المصري الراحل رفعت سلام (1951 – ديسمبر 2020) يَعي أنّ الشعر ليس جماهيريّاً ولا هو نقدٌ مُباشرٌ لِما لا يكفُّ يَحدثُ في الحياة وفي اليوميّ؛ كان يعي أنّ الشعر بحثٌ قادمٌ من المُستقبل بنبرة نقديّة، لكنّها ليْست هي ما...

اقرا المزيد
بيروت أو جروح الضوء!
30 أغسطس 2020

كانت الهزّات التي عرفَها لبنان وعرفتْها، بوَجه خاصّ، مدينة بيروت، مُنذ الحرب الأهليّة مُنتصَف سبعينيّات القرن الماضي وما تلاها من اجتياحات إسرائيليّة سافرة، تُضاعفُ جُروحَ ذاكرة المدينة، وتُضاعفُ، في الآن ذاته، الحاجة الدائمة إلى ضَوء الثقافة الحُرّ...

اقرا المزيد
«اِرتدِ قناعَك» الحياة بنصف وجه!
02 أغسطس 2020

لا ينفصلُ الإنسانُ عن وَجْهه، إذ به يتميّزُ وبه تتحدّدُ هُويّتُه، وقد تهيّأ الوَجهُ، انطلاقًا من تركيبته، لأن يكون مُضاعَفًا، على نحو جعلَ الإنسانَ منذورًا مُنذ البدء لأن يَعيشَ بوَجهيْن، لا بالمعنى القدحيّ الذي اقترَن فيه الوَجهُ بالنفاق، وبإظهار المَرء...

اقرا المزيد
غالب هلسا.. الكتابة بالحُلم
01 يوليو 2020

مِنَ الحُلم جاءَ غالب هلسا إلى الكتابة، التي انجذبَ، مُنذ الطفولة، إلى أسرارها. ما دوّنَهُ في هذا الانجذاب الطفوليّ الأوّل، الذي يَحتفظُ، دوماً، بغُموضه في حياةِ كلّ كاتب، كان مُستمَدّاً مِمّا رآه في الحُلم قبْل أنْ يَمزجَهُ، في البدْء، برَغبات الطفولة،...

اقرا المزيد
ضجرٌ لا كالضجر
02 يونيو 2020

ليس الضَّجرُ شعوراً مَقيتاً في ذاته، إنّهُ جُزءٌ مِنَ الحياة، إذ يَتمنّعُ تصوّرُها بدُونه، ما دامت حقيقةُ الحياة في تناقُضاتها، وما دامت هذه الحقيقةُ وُجوهاً مُتناقضةً لا وَجْهاً ثابتاً بمَلامحَ جامدة. الضَّجرُ شعورٌ إنسانيّ عامّ، لكنّ صيَغَهُ وحِدّتهُ...

اقرا المزيد
في زمن الجائحة
06 أبريل 2020

في مُقابل العَولمة، التي قامَت على إلغاء الحُدود وتمْكين خَصيصة العبور من التحكّم في نظام الحياة العامّ، فرضَ وباءُ كورونا المُستجدّ إقامةَ الحدود لا بَين البلدان وحسب، بل بين مُدُن البَلد الواحد، وحتى بين مكان المُصابين والمدينة التي فيها يُوجَدون، وبين...

اقرا المزيد