يقتلنا الخوف مِنَّا

عبد العزيز بركة ساكن  |  10 مايو 2020

العُزلة لا ترعبني، أتعامل معها كرفقةٍ آمنة مشحونة بالضجيج. الموتُ لا يخيفني، كانت لنا صولات وجولات وخرجت منها منتصراً، بل أستطيع أن أقول إنني قتلتُ الموتَ في عِدّة معارك، ولم يستطع أن ينتصر عليَّ سوى مرّة أو مرّتين. ترعبني الكورونا: كلّما قرأت عنها ازددت جهلاً، وكلما ازداد جهلي، ازداد خوفي، وكلّما ازداد خوفي انفجرت عُزلتي بالضجيج الصاخب. بالتأكيد، لا يمكن أن تُفسّر عزلة الكورونا، بأي شيء آخر سوى أنها سجن اختياري، سجن منزلي مفتوح على الشخص، شاسعاً ممتداً مثل أوقيانوس مسحور، لا بداية له ولا نهاية، وسجن مغلق يسع العالم كلّه ويضيق بك أنت بالذات.

أنا بين السجنين، أصنع سجني الخاصّ، وهو سجن معتاد ويومي: جزء أساسي من طبيعتي هو أنني أحب العُزلة، أحب أن أكون في مكانٍ ما آمن من الآخرين، أقرأ وأكتب وأتتبع أخبار السودان، ثم أخبار العالم، أحب أن أكتب لأصدقائي وصديقاتي في كلّ أنحاء المعمورة، ولا يعني أنني أكتب إليهم مستخدماً اللّغة، قد أرسل لهم خطابات وأردُّ عليها بنفسي في عملية ذهنية بحتة، فالكتابة ترميز لعمل عقليّ عاطفيّ إنسانيّ لئيم. مغلقٌ أنا في مدينة دبرماركوس الإثيوبية، مغلقٌ على نصوصٍ مفتوحة، أكتشف لنفسي أوّلاً الأدب الإثيوبي المكتوب باللّغات المحلّية في فترةٍ تمتد لمئة عام، أدب لم يُترجم إطلاقاً لأية لغةٍ في العالم، كتبه أدباء عظماء بالأمهرا والتجرنة والأرمو، كتبوه بـ 85 لغة حيَّة في إثيوبيا، وأغلقت العُزلة عليه أبوابها: الجبال العالية، واللّغات، والتقويم الخاصّ، والخوف من الغُزاة، والحروب الداخلية.

أحاول فتح تلك الأبواب وتكسير مغلاق العُزلة، قريباً ستقرؤنه بالعربيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة، ولمَنْ أراد- لعشاق الهضاب العالية- بالأمهرية أيضاً: أنطولوجيا الأدب الإثيوبي لمئة عام. وهي أوّل أنطولوجيا للأدب الإثيوبي المكتوب باللّغات المحلّية في تاريخ هذا البلد الشاسع. أليس غريباً أن أعمل على أدب في عُزلة، وأنا في عُزلةٍ واقعيّة وفعليّة، عُزلة شبح الكورونا: أقبع الآن في غُرفة في فندق عجوز، عندما حضرت إليه قبل جائحة الكورونا كان يضج بالحياة: عمّال وعاملات، مسافرون عابرون، موظفو منظَّمات عالمية، موظفو وموظفات حكومة عابرو الولايات والأقاليم، تجار وسماسرة، أساتذة جامعات وما لا يعلمون. استيقظت ذات صباح على جلبة رحيل الجميع، حيث تم إعلان إغلاق حدود الولايات في إثيوبيا، بعد يومين من تأريخه. وما كان عندي خيار، أنا غريب في بلادٍ غريبة في فندق غريب، تتساوى عندي كلّ الأمكنة، وقد جئت إلى إثيوبيا من النمسا، وهي أيضاً ليست بلدي، بالتالي أن أكون محتجزاً في دبروماركوس لا فرق من أكون محتجزاً في أديس أبابا العاصمة، أو في فيينا، فالغرفة التي تحدها أربعة جدران هي ذاتها أينما كان موقعها من العالم، والخوف من الكورونا هو خوف من فيروس مجهول لا يعرف أحدٌ عنه معلومة صحيحة، الذين يعرفون المعلومات الصِّحية لا أحد يصدقهم في عاصفة الأكاذيب والشائعات التي تحمل منطقاً أقوى من منطق مَنْ يعرف الحقيقة، وهل الذين يعرفون الحقيقة راغبون في إطلاقها؟! فالشائعة أقوى وأجمل من كلّ حقائق العالم، لأنها نتيجة الظنّ العام والجهل العام، والرغبة في تصديقها رغبة عميقة في الإنسان المرعوب بما لا يعرف، لأنها نتيجة الحالة التي يعيشها: إنها رغبة جماليّة بحتة. 

أقيم الآن وحدي في الفندق العجوز، ولأن تدفئة المياه تكلّف كثيراً، فأوقفت إدارة الفندق جهاز التدفئة، ولأنني لا يمكن أن آكل كلّ الأصناف التي ينتجها مطبخ الفندق العجوز، فتقلّصت القائمة إلى ثلاثة أصناف، منها صنفان لا أحب تذوقهما مطلقاً، إذن لا أطعم سوى من صنفٍ واحد، وهو «شيروا بالانجيرا»، وإذا كنت صادقاً، فإن ذلك لا يمثِّل عندي مشكلة، يمكنني أن أطعم على صنفٍ واحد لشهور عددا، فأنا ابن العُزلة: لا أتشهى شيئاً، ولا أرغب فيما لا أملك، ولا أحزن، لأنني لم أجد ما أرغب فيه. العُزلة هي بيتي المأهول بي. ولكن عُزلة الكورونا عُزلة مأهولة بالمخاوف والرُعب: الخوف من الآخرين، خوف الآخرين منك، خوفك على الآخرين، خوف الآخرين عليك، خوفكما معاً على هذا العالم الهش من الانهيار!! وأنت في عُزلتك تحيط بك الكورونا من كلِّ صوبٍ وحدبٍ، في المذياع: تحتل أذنيك. في التليفزيون: تخاطب عينيك التائهتين وترعبهما. في الشبكة العنكبوتية: تخاطب كلَّ حواسك ومشاعرك ولغتك وجنونك. في الطريق الذي لا تخرج إليها إلّا مضطراً: خوف المارة، وخوفك من المارة، يحتلان وعيك الهش، وعيك المحتلّ مسبقاً بكلّ مصائب العلم، بالشهداء والثوار والقتلة، بالجنجويد والعسكر ورجال الأمن، بالمجاعات وصراخ الأطفال والضحايا، بالبرد والجليد، بالصحراء والرمال، بالطين والليمون والزنجبيل، بالسفر الشاسع المُرعب، بهدير السيارات ونُعاس الحافلات، وزئير محرِّكات الطائرات الضخمة، عابرة القارات، وعيك المحتلّ بك، بالفراغ. العُزلة لا تعزلك من الكورونا:  

في البيت: الكتب والنصوص التي تنتظرك، وتطلب منك غسل يديك قبل أن تلامسها.

في البيت: الفراش والمرآة وجهاز الكمبيوتر، الأكواب الفارغة، الأحذية المُرتبكة من السكون والإهمال، التي يحرقها الشوق والحنين.

في البيت: الستائر التي لا تسترك من شيء غير ضوء الشمس والهواء النقي الطازج.

عقلك: ذاك المرعوب، يحاصرك بالأسئلة، فيعقد عزلتك وتحيط بك الأشياء وأنت تحيط بالعالم يفتك بك وتفتك به،… كورونا لا تقتلنا، يقتلنا الخوف مِنَّا.

العُزلة التي تحبها التي هي بيتك المأهول بك، هي الآن عدوك اللدود الذي يتربَّص بك، يغمز لك من النافذة، ويكح كلّما عبر تحت الشرفة، يعطس وهو يدعي مغازلتك في قبلة شيطانية تتبعثر في الهواء المُكهرب بالظنون. كورونا تكسر عزلتها في جنون وتسأل جان بول سارتر: هل الآخرون هم الجحيم؟!

مواضيع مرتبطة

غالب هلسا.. الثورة والأنموذج ومرثية العمر الجميل
صبري حافظ01 يوليو 2020
غالب هلسا.. الكتابة بالحُلم
خالد بلقاسم01 يوليو 2020
غالب هلسا.. من رواية اليقظة إلى رواية الأفول
فيصل درّاج01 يوليو 2020
غالب هلسا.. سرديّة المغترب الأبدي
محمد‭ ‬الشحات01 يوليو 2020
ضجرٌ لا كالضجر
خالد بلقاسم02 يونيو 2020
من الحجْر إلى الضجر
عبد الرحيم العطري02 يونيو 2020
الملل.. كتلة من ظلام تعاند الحياة
فيصل درّاج01 يونيو 2020
ما أراه من النافذة
علوية صبح13 مايو 2020
لا تحمِلْ الحياةَ على محمَلِ الجد
هدى حمد13 مايو 2020
تدريبٌ من الماضي
عدنية شبلي13 مايو 2020
215 عدد المشاهدات