يوسا في بيت بورخس.. حوار لم يُنشر!

ترجمة: أحمد عبد اللطيف  |  21 أغسطس 2020

«لو أُتيح لي أن أسمّي كاتبًا باللغة الإسبانية، من زمننا، ستُخلّد أعماله، وسيترك أثرًا عميقًا في الأدب، سأشير إلى هذا الشاعر والقاص والناقد الأرجنتيني خورخي لويس بورخس. حفنة الكتب التي كتبها، وهي كتب موجزة، دائماً، كاملة مثل خاتم يشعر المرء- دائمًا- أنها منحوتة، كانت ولا تزال ذات أثر كبير على من يكتبون بالإسبانية. قصصه الفانتازية التي تحدث في لا بامبا أو بوينوس آيرس، في الصين أو لندن، في أي مكان في الواقع أو اللا واقع، تعكس الخيال الخصب نفسه، والثقافة الواسعة نفسها الموزَّعة في مقالاته عن الزمن، ولغة الفايكينج… لكن الحكمة عند بورخس ليست كثيفة ولا أكاديمية، وإنما هي- دائمًا- شيء فريد، ولامع، ومسلٍ، مغامرة للروح نخرج منها كقراء مندهشين، وممتلئين». 

هذا ما كتبه الكاتب البيرواني، الحائز على جائزة «نوبل»، ماريو بارجس يوسا عن خورخي لويس بورخس في مقدمة حوار أجراه معه، في العام 1981، في بوينوس آيرس، وظلّ محتفظًا به هذه السنوات كلّها ليظهر، أخيرًا، في كتاب بعنوان «نصف قرن مع بورخس»، صدر هذا الأسبوع عن دار «ألفاجوارا» الإسبانية. دار هذا الحوار في شقة بورخس المتواضعة، في مركز بوينوس آيرس، وفي وجود مساعدته التي كانت تقرأ له، أيضًا، إذ فقد بورخس بصره منذ سنوات، وفي وجود قِط سمّاه بيبو، وقال: «إن هذا اسم قِط أحد الشعراء الإنجليز الذين يقدِّرهم: وهو لورد بايرون».

– يوسا: اندهشت كثيرًا حين لم أرَ في مكتبتك أي كتاب لك، لماذا لا تحتفظ بكتبك في مكتبتك؟

– بورخس: أعتني جدًّا بمكتبتي. فمن أكون، أنا، لأضع كتبي بجانب شوبنهاور.

– ألا تحتفظ بأي كتاب من الكتب التي كتبت عنك، فرغم كثرتها إلّا أنني لا أرى أي واحد منها في مكتبتك!

– قرأتُ- فقط- أولَ كتاب نُشر خلال فترة الديكتاتورية، في مندوثا (الأرجنتين).

– أي ديكتاتورية تقصد يا بورخس؟ لأنه، لسوء الطالع، كانت هناك ديكتاتوريات كثيرة.

– ديكتاتورية ذاك… الذي لا أريد أن أتذكَّر اسمه.

– ولا ذكره.

– ولا ذكره، لا، فمن الخير تجنب بعض الكلمات. المهم، حينها نُشر كتاب بورخس: «اللغز والمفتاح» لـ«رويث دياث»، وهو بروفيسور من مندوثا، وتامايو، بروفيسور من بوليفيا. قرأت هذا الكتاب لأعثر على المفتاح لأني كنت أعرف اللغز، ثم لم أقرأ أي كتاب آخر. كتبت أليثيا خورادو كتابًا عني. شكرتها، وقلت لها: «أعرف أنه كتاب جيّد، لكن الموضوع لا يهمني أو ربّما يهمني أكثر من اللازم، وبالتالي لن أقرأه».

– ألم تقرأ، كذلك، كتاب السيرة الهائل الذي نشره رودريجيث مونجال عنك؟

– ما رأيك فيه، هل تراه ممتازًا؟

– على الأقلّ الكتاب توثيقي، ومصنوع بتمجيد، وبحب كبيرَين لك، وبمعرفة عميقة بأعمالك، كما أظنّ.

– نعم، نحن أصدقاء. هو من ميلو، أليس كذلك؟ من الجمهورية الشرقية.

– نعم، وبالإضافة إلى ذلك يظهر في واحدة من قصصك كشخصية.

– أتذكّر بعض الأشعار الجميلة لـ«إميليو أوريبي» من ميلو؛ أشعار تبدأ بطريقة تافهة، ثم تغدو عظيمة، وتتمدد: «أنا ولدتُ في ميلو، مدينة المستعمرات البيوت»… المهم، ليس هناك اختلاف كبير بين «مستعمرات البيوت» و«البيوت الاستعمارية». يقول: «أنا ولدتُ في ميلو، مدينة المستعمرات البيوت، في وسط سهل الرعب اللا منتهي»، ثم يتوسَّع «في وسط سهل الرعب اللا منتهي وبالقرب من البرازيل». كيف تتوسَّع القصيدة، ها؟ كيف تتوسَّع.

– والأهمّ كيف تقرأها أنت.

– لا، لكن «أنا ولدت في ميلو، مدنية المستعمرات البيوت» لا تعني شيئًا؛ «في وسط سهل الرعب اللا منتهي وبالقرب من البرازيل»، هل ترى «المشهد الأخير». إنه شديد الجمال، إميليو أوريبي.

– نعم إنه شديد الجمال. قل لي يا بورخس، ثمّة شيء أريد أن أسألك عنه منذ سنوات طويلة. أنا أكتب روايات، وشعرت، دومًا، بغصة بسبب عبارة جميلة جدًّا لك، لكنها مهينة جدًّا لروائي، عبارة تقول تقريبًا: «هذيان فقير هذه الرغبة في كتابة رواية، الرغبة في التوسع حتى خمسمئة صفحة في شيء يمكن أن يصاغ في عبارة واحدة». 

– نعم إنه خطأ، خطأ ابتكرته أنا، أو كسل، أليس كذلك؟ أو تجنب للمنافسة.

– لكنك كنت قارئ روايات عظيم ومترجم روايات مُبهر.

– لا، لا. لقد قرأت روايات قليلة.

– مع ذلك، تظهر الروايات في أعمالك، تشير إليها، بل وتخترعها.

– نعم، لكن ثاكري هزمني، وديكينز يروق لي جدًّا.

– هل بدت لك رواية «سوق الضلالات» مملة جدًّا؟

– استطعت قراءة «بيندينيس» بمجهود، لكني لم أستطع قراءة «سوق الضلالات»، لم أستطع.

– كونراد، على سبيل المثال، أحد الكتَّاب الذين تقدرهم، ألا تهمّك روايات كونراد؟

– بالطبع، جدًّا، لذلك أقول إن هناك استثناءات قليلة. مثلًا، حالة هنري جيمس، وهو قاصّ كبير، وروائي من عيار آخر.

– لكن أليس من بين كتابك المهمّين أي روائي؟

– …

– اذكرْ أيَّ روائي من بين المؤلّفين أو الشعراء أو النقَّاد الذين تعتبرهم مهمّين؟

– وقاصين.

– وقاصين.

– لأنّي لا أظنّ أنّ «ألف ليلة وليلة» رواية، أليس كذلك؟ هي أنطولوجيا لا نهائية.

– ميزة الرواية أن كلّ شيء يمكن أن يكون رواية. إنها نوع آكل للبشر، يبتلع الأنواع كلّها.

– بمناسبة «آكل البشر»، هل تعرف أصل كلمة «caníbal»؟

– لا، لا أعرفه. ما هو؟

– كلمة جميلة، مشتقة من كاريبي «Caribe»، ثمّ «caribal»، ثمّ «caníbal». 

– ما يعني أنّ أصلها أميركي لاتيني.

– نعم، إنّ أصلها أميركي، وليس لاتيني. كان الكاريبيون قبيلة من الهنود الحمر، ومن هنا اشتقت كلمتا كانيبال، وكاليبان عند شكسبير.

– إضافة أميركية لافتة للمفردات العالمية.

– هناك كلمات كثيرة، شوكولاتة، مثلًا، من كلمة «تشوكوتل» على ما أظن، أليس كذلك؟ ثمّ فقدت الـ«تل» لسوء الحظ، وكلمة «بابا» كذلك. 

– ما هو برأيك أفضل مساهمة في حقل الأدب الأميركي؟ من كلّ أميركا: الإسبانية والبرتغالية… مؤلّف، كتاب، موضوع؟

– رأيي أنّها الحداثة بشكل عام. لقد كانت من أعمال الأدب في اللغة الإسبانية، وذلك يظهر في هذا الجانب، كما يشير لذلك، ماكس إنريكيث أورينيا. تحدثتُ مع خوان رامون خيمينيث، وحدثني عن العاطفة التي تلقى بها نسخة من كتاب «جبال الذهب»، العام 1897، وعن تأثيره في الشعراء الكبار بإسبانيا، لذلك يظهر، من هذا الجانب، واللافت، أننا هنا- ليس جغرافيًا- أكثر قربًا لفرنسا منا لإسبانيا. لقد لاحظت في إسبانيا أن بوسعي مدح إنجلترا، أو إيطاليا، أو ألمانيا، أو حتى أميركا الشمالية، لكن إذا مدحت فرنسا يقلبون وجوههم.

– القومية مرض عضال في أي مكان في العالم.

– إحدى شرور زمننا الكبيرة.

– أحب أن أكلمك في ذلك يا بورخس، يمكنني أن أحدثك بكلّ صراحة على ما أظن.

– بالطبع، إضافة إلى ذلك، أريد أن أقول إنه شر، يناسب اليمين واليسار بالتساوي.

– بعض تصريحاتك السياسية تحيرني، لكن ثمةّ موضوع حين تتحدث فيه تستحق تقديري واحترامي كليهما، وهو موضوع القومية. أعتقد أنك تكلمت – دائمًا – ببصيرة حول هذا الموضوع، أو الأفضل أن أقول ضد القومية. 

– ومع ذلك تورطت فيه.

– لكن الآن، في السنوات الأخيرة…

– حدث الكلام على ضفاف بوينوس آيرس، وتمّ التعرّف على مغنيّ البايا، وحاملي السكاكين، واستخدامهم في الأدب. أنا كتبت عن موسيقى الميلونجاس… كلّ شيء جدير بالأدب، لماذا لا نكتب – أيضًا – عن موضوعات تخصّ العادات والتقاليد؟

– أنا أقصد القومية السياسية.

– وهذا خطأ، لأن المرء لو أحب شيئًا ضدّ شيء آخر، فهذا لأنه لا يحبه فعلاً. على سبيل المثال، إذا أحببتُ إنجلترا ضد فرنسا فهذا خطأ، إذ يجب أن أحب البلدين، في حدود إمكانياتي.

– لقد أدليت بتصريحات كثيرة ضد قطيعة الكراهية بين الأرجنتين وتشيلي.

– وما زلت. أنا حاليًا، ورغم أنني حفيد، وابن حفيد لعسكريين غزاة من بعيد، إلّا أنهم لا يعنون لي شيئًا، أنا رجل مسالم. أعتقد بأن كلّ حرب جريمة. بالإضافة، لو أمكن قبول حروب عادلة، ولابد أنها موجودة – حرب الأيام الستة، مثلًا- لو قبلنا حربًا عادلة، حربًا واحدة، سيفتح ذاك الباب لأي حرب، ولن تغيب الأسباب التي تبررها، خاصّة لو أمكن اختراعها والقبض، بتهمة الخيانة، على من يفكِّر بطريقة أخرى. قبلها، لم أكن قد لاحظت أن برتراند راسل، وغاندي، وألبيردي، ورومان رولاند كانوا محقين عند تصديهم للحرب، وربّما القيمة اليوم للتصدي للحرب أكبر من الدفاع عنها أو الخوض فيها.

– هنا أختلف معك، فأنا أعتقد أنك دقيق فيما تقول، لكن: ما هو النظام السياسي المثالي بالنسبة لك يا بورخس؟ ما الذي تتمنّاه لبلدك ولأميركا اللاتينية؟ أي نظام يبدو لك الأكثر ملاءمة لنا؟

– أنا عجوز أناركي من أنصار سبنسر، وأعتقد أن الدولة شر، لكنه حتّى هذه اللحظة شر لابدّ منه. لو كنت، أنا، ديكتاتوريًا لتنازلت عن منصبي، ولعدت إلى أدبي المتواضع، لأني لا أمتلك حلًا لأقدمه، فأنا شخص حائر، وخائب الأمل، مثل كلّ أبناء بلدي.

– لكنك تعتبر نفسك أناركيًا، بالأساس لأنك رجل يدافع عن سيادته الفردية في مقابل الدولة. 

– مع ذلك لا أعرف إن كنت جديرًا بذلك. على أي حال، لا أعتقد أن هذا البلد جدير بالديموقراطية ولا بالأناركية. ربّما في بلدان أخرى يمكن تطبيق ذلك، في اليابان، مثلاً، أو في البلاد الإسكندنافية. هنا الانتخابات مزيفة بشكلٍ واضح، ولا تأتي لنا إلّا بـفرونديثي آخر أو بآخرين وما إلى ذلك. 

– هذه الارتيابية لا تتسق مع بعض تصريحاتك المتفائلة حول السلام، والمناهضة للحرب بالتحديد، ومؤخَّرًا، المناهضة للتعذيب، ولكلّ أشكال القمع.

– نعم أعرف، لكني لا أعرف إن كان ذلك مفيدًا. لقد أدليت بهذه التصريحات لأسباب أخلاقية، لكني لا أعتقد أنها مفيدة، ولا أعتقد أن بوسعها أن تساعد أحدًا. ربّما تساعدني، أنا، لأريح ضميري، لو كنت حكومة، لا أعرف كيف أتصرف، فنحن في حارة مسدودة.

– لقد أجريت معك مقابلة منذ ما يقرب ربع قرن في باريس، وأحد الأشياء التي سألتك عنها…

– منذ ربع قرن! اسكت. ما أحزن أن نتحدَّث عن شيء منذ ربع قرن…

– أحد الأشياء التي سألتك عنها كان رأيك في السياسة، هل تتذكَّر بماذا أجبتني؟ قلت: «إنها إحدى أشكال الضجر».

– آه، لو كان كذلك، فنحن متفقان.

– كانت إجابة جميلة، لكني لا أعرف إن كنت ستكررها الآن. ألا تزال تعتقد أنها أحد أشكال الضجر؟

– حسنًا، سأقول إن كلمة ضجر كلمة أكثر نعومة، سأقول إنها استياء، فكلمة «ضجر» مؤدبة جدًّا.

– هل ثمّة سياسي معاصر يثير إعجابك، تحترمه؟

– لا أعرف إن كان بوسع المرء أن يُعجب بالسّاسة، فهم أشخاص يميلون للاتفاق، للفساد، للابتسام لرسم صورتهم، واعذروني، يميلون للشهرة، أيضًا.

– من الذين يحظون بتقديرك يا بورخس؟ المغامرون؟

– نعم، لقد حظوا، كثيرًا، بتقديري لكني لا أعرف موقفي منهم الآن. يجب أن يكونوا مغامرين فرادى.

– من، على سبيل المثال؟ هل تذكر أي مغامر كنت تتمنى أن تكونه؟

– لا، لا أتمنى أن أكون شخصًا آخر. 

– هل أنت سعيد بمصير بورخس؟

– لا، لست سعيدًا، لكني أعرف أنني عند مصير أحد غيره؛ سأكون شخصًا آخر. وكما يقول سبيوزا: «كلّ شيء يريد عزلة كينونته». وأنا مُصر على أن أكون بورخس، لا أعرف لماذا. 

– أتذكّر جملة لك: «قرأت أشياءً كثيرةً، وعشت أشياءً قليلةً»، عبارة جميلة من ناحية، وتبدو نوستالجية من ناحية أخرى.

– حزينة جدًّا.

– يبدو أنك متأسف عليها.

– كتبتها حين كنت في الثلاثين من عمري، ولم أنتبه، حينها، إلى أن القراءة شكلٌ من أشكال الحياة، أيضًا.

– لكن، ألا تشعر بنوستالجيا لأشياء لم تفعلها، لأنك كرّست وقتك لحياة فكرية صافية؟

– أعتقد لا. أعتقد أنه على المدى الطويل يعيش المرء، بشكل أساسي، كلّ الأشياء، والمهم ليست الخبرات، وإنما ما يفعله المرء بها.

– أظن أن ذلك منحك تخليًا كبيرًا عن الأشياء المادية. المرء يكتشف ذلك عند الوصول إلى البيت. تعيش بالفعل كراهب، بيتك محض تقشف كبير، تبدو غرفة نومك كزنزانة راهب، هي بالفعل متواضعة بشكل لافت.

– الرفاهية بالنسبة لي وقاحة. 

– ماذا يعني المال في الحياة بالنسبة لك يا بورخس؟

– إمكانية شراء الكتب والسفر وتطوير كلّ منهما.

– لكن ألم تهتم، أبدًا، بالمال؟ ألم تعمل، أبدًا، من أجل جنيه؟

– حسنًا، حتى لو فعلت ذلك، فيبدو أنني لم أنجح. الأفضل بالطبع أن تتمتع بالرفاهية، أن تعلو فوق الحاجة، خاصّة لو كنت في منطقة فقيرة، وكنت مضطرًا إلى التفكير في المال طوال الوقت. شخص ثري بوسعه أن يفكّر في شيء آخر، أما أنا فلم أكن ثريًا أبدًا. أجدادي كانوا أثرياء، كانت لدينا بيوت، وخسرنا كلّ شيء، صادروها، لكن حسنًا، لا أظن أن ذلك مهم.

– أنت تعرف أن جزءاً كبيراً من بلدان هذه الأرض تعتمد، اليوم، على الأموال في معيشتها، والرفاهية المادية استحقاق لك.

– الطبيعي أن يكون كذلك خاصّة مع وجود الفقر. ففي ماذا سيفكّر المتسوّل إلّا في المال والطعام. لو كنت فقيراً جدًّا، ليس أمامك إلّا التفكير في المال، فالشخص الثري يمكن أن يفكّر في شيء آخر، لكن الفقير لا، مثل المريض لا يفكّر إلّا في الصحَّة. الإنسان لا يفكّر إلّا في ما ينقصه، لا ما يمتلكه. حين كنت مبصرًا لم أكن أفكّر أن البصر ميزة، والآن في المقابل، أدفع أي شيء لأسترد بصري، ولن أخرج من البيت.

– يا بورخس، ثمّة شيء أدهشني في هذا البيت المتواضع الذي تعيش فيه، خاصّة في غرفة النوم شديدة التقشف، هو رؤية «نيشان الشمس» الذي منحته الحكومة البيروانية لك من بين أشياء قليلة بالغرفة.

– هذا النيشان يعود إلى العائلة قبل أربعة أجيال.

– وكيف ذلك يا بورخس؟

– حصل عليه أبو جدي، الكولونيل سواريث؛ لأنه قاد حملة فروسية بيروانية في خونين. حصل على النيشان، ورقّاه بوليفار من رائد إلى كولونيل، ثم ضاع النيشان في الحرب الأهلية. ورغم أننا عائلة متماسكة إلّا أني قريب بعيد في روساس، حسنًا، كلنا أقرباء في هذا البلد شبه المهجور، وبعد أربعة أجيال عاد إلينا لأسباب أدبية، وكنت مع أمي في ليما، وقد بكت لأنها كانت قد شاهدت النيشان من قبل في صور أبي وجدي، والآن غدا بين يديها، ومن أجل ابنها. كانت متأثِّرة جدًّا.

– معنى ذلك أن علاقتك بالبيرو ترجع لأجيال عديدة.

– نعم، لأربعة أجيال. لا، بل أقدم من ذلك، سأقول لك، أنا كنت… لا لا، انتظر. نعم، أنا كنت في الكوثكو، ورأيت بيتًا له درع برأس مِعزة، ومن هناك خرج خيرونيمو لويس دي كابريرا قبل أربعمئة سنة، ليؤسس مدينة تسمّى إيكا، لا أعرف مكانها، ومدينة قرطبة، بالجمهورية الأرجنتينية. بمعنى أنها علاقة قديمة.

– هكذا أنت بيرواني بطريقة ما.

– نعم، بالطبع نعم.

– ماذا كانت فكرتك عن البيرو قبل أن تعرف ليما؟

– كانت فكرة كسولة جدًّا، اعتقدت أنها مبنية على رأي بريسكوت.

– على ذكر كتاب «تاريخ غزو البيرو» لـ«بريسكوت»، متى قرأت هذا الكتاب؟

– ربّما كنت في السابعة أو الثامنة، وهو أول كتاب تاريخ أقرأه في حياتي، بعدها قرأت كتاب «تاريخ جمهورية الأرجنتين» لـ«بيثنتي فيدل لوبيث»، وكتاب «التاريخ الروماني والإغريقي»، لكن أول كتاب أقرأه من أوله لأخره كان كتاب بريسكوت.

– وأي فكرة كانت لديك عن البيرو؟ البلد الأسطوري ربّما؟

– أسطوري قليلًا، نعم، ثم صرت صديقًا مقربًا لكاتب منسي بينكم بلا شك، البيرواني ألبيرتو إيدالجو، من أريكيبا. 

– الذي عاش فترة طويلة في الأرجنتين، أليس كذلك؟

– نعم، وهو من كشف لي عن شاعر كنت أحفظ له أشعارًا كثيرة من الذاكرة.

– أي شاعر يا بورخس؟

– إيجورين.

– خوسيه ماريا إيجورين.

– نعم، هو بالضبط، وعنوان كتابه «الطفلة ذات اللمبة الزرقاء» أليس كذلك؟

– هذه القصيدة، إحدى أشهر قصائد إيجورين.

– نعم. وهناك قصيدة أخرى… لديّ صورة غامضة عن مركب وقبطان ميّت، يتجول بالمركب، لكني لا أتذكر أبياتها.

– هو شاعر رمزي يمتاز بسذاجة ورِقّة كبيرتين.

– رقة كبيرة نعم، ولا أعرف إن كانت سذاجة، أعتقد أنه كان ساذجًا متعمدًا.

– لا أقول سذاجة بالمعنى التحقيري.

– لا .. لا، السذاجة جدارة، بالطبع.

– لم يخرج، قط، من البيرو، وأعتقد أنه لم يخرج من ليما، أبدًا، وكتب جزءًا كبيرًا من أعماله عن العالم الشمالي، عن الحوريات الإسكندنافيات، وعن موضوعات غريبة بالنسبة له.

– النوستالجيا مهمّة جدًّا.

– ربّما ذلك ما يخلق تشابهًا بينكما: أنت وإيجورين.

– نعم، الحقيقة أنني أفكر في بلاد لم أزرها، أو عرفتها بعد ذلك بكثير. أتمنى زيارة الهند والصين…، رغم أنني أعرفهما أدبيًا.

– أي بلد عرفته حرّك مشاعرك أكثر يا بورخس؟

– لا أعرف، ربّما اليابان وإنجلترا و…

– أيسلندا، مثلًا؟

– أيسلندا، بالطبع، لأني أدرس الإسكندنافية، وهي اللّغة الأمّ للسويدية والنرويجية والدنماركية وبشكل جزئي للإنجليزية.

– لكنها لغة مهجورة، منذ عدة قرون؟

– لا لا، يتحدَّثون بها في أيسلندا. لديّ طبعات لكتب كلاسيكية، وأعمال من القرن الثامن عشر، هذه الطبعات اشتريتها وتلقيتها كهدايا من ريكيافيك، لا يوجد فيها قاموس ولا مقدمات ولا هوامش. 

– معنى ذلك أنها لغة لم تتطور، ظلّت كما هي على مدار ثمانية قرون.

– أشكّ في أن النطق قد تغير. هم بوسعهم قراءة الكلاسيكيين، كما يستطيع الإنجليزي قراءة دنبار وتشوسر، وكما نستطيع، نحن، قراءة، لا أعرف، نشيد السيد، والفرنسيون قراءة نشيد رولان.

– واليونانيون قراءة هوميروس.

– نعم بالطبع، فبوسعهم قراءة كلاسيكيهم في طبعات بدون هوامش ولا قواميس، ونطقهم بطريقة مختلفة بالطبع، لكن، على سبيل المثال، النطق الإنجليزي تغيّر كثيرًا. نحن نقول: «to be or not to be»، لكن يبدو أن شكسبير، في القرن السابع عشر، كان يقول: «tou be or not tou be»، بالحروف المتحرّكة مفتوحة أكثر، وهذا يجعلها رنانة أكثر، ومختلفة كليًا، وتبدو مضحكة، الآن. 

– أنت فضولي جدًّا، أو مفتون، بالأدب الغريب.

– لا أعرف إن كان غريبًا.

– أشير إلى اهتمامك بأدب شمال أوروبا والأنجلوساكسوني.

– حسناً، الأنجلوساكسوني هو الأدب الإنجليزي القديم.

– هل تعتقد أن له علاقة بـ …

– بالنوستالجيا؟

– بالأرجنتين، حيث إنّ الأرجنتين بلد حديث كليةً، بلا ماضٍ، تقريبًا.

– أعتقد أنه نعم، وربّما يكون أحد ثرائنا هو النوستالجيا، نوستالجيا أوروبا، خاصّة التي لا يستطيع الأوروبي أن يشعر بها لأنه أوروبي لا يشعر أنه أوروبي، وإنما يشعر أنه إنجليزي، فرنسي، ألماني، إسباني، إيطالي، روسي.


المصدر: من كتاب «نصف قرن مع بورخس»، ماريو بارجس يوسا، دار ألفاجورارا، يونيو 2020.

مواضيع مرتبطة

سيزا قاسم: تمرّ شهور طويلة دون أن نقرأ عملاً نقديّاً واحداً
حوار: سالي شبل03 يونيو 2020
نجيب العوفي: ليست غاية الأدب أن يتنبّأ
حوار: محمد عبد الصمد الإدريسي03 مايو 2020
مازن أكثم سليمان: الشِّعر السُّوريّ في زمن الحرب
حوار: عماد الدين موسى07 أبريل 2020
عبد العزيز آل محمود: الوصول إلى الجوائز العالمية يحتاج إلى بنًى تحتيّة، لا نملكها
حوار: أكرم الفرجابي16 يناير 2020
أحمد الصفريوي.. في مواجهة عبد الكبير الخطيبي وكاتب ياسين
حوار: عبد العزيز جدير30 سبتمبر 2019
إليف شافاق: عندما تصوَّفت فُتِحَتْ لي نافذةٌ جديدة
حوار: سالي شبل30 سبتمبر 2019
قتيبة الجنابي: أفلامي ذاكرة مشتركة للمنفيين
حوار: أحمد ثامر جهاد01 سبتمبر 2019
خالدة سعيد: لا أعرف كيف يكون النقد نسويّاً أو ذكوريّاً!
حوار: رنا نجار18 يناير 2018
1030 عدد المشاهدات