يورغن هابرماس: على الفلسفة أن تواصل التخصُّص دون توقف

ترجمة: يحيى بوافي  |  02 فبراير 2022

إنّه أحدُ أكثر الفلاسفة الأحياء الذين تخلقُ كلمتُهم صدى وتَجاوباً، لكنه أيضاً أحد أكثرهم استعصاءً على مستوى قراءة أعماله، في سنِّ الثانية والتسعين تحدَّث «يورغن هابرماس» إلى طاقم تحرير المجلة (مجلة فلسفة الفرنسية) باللّغة الألمانية بكيفية مفهومة على نحوٍ استثنائي، مباشرةً بعد صدور الجزء الأول من كتابته لتاريخ الفلسفة، حيث يعيد رسم مسار حياة كرَّسها للمثال الديموقراطي، حياة تشْهَدُ على مشروع فلسفي لا تضاهيه في دقة تحديده إلَّا سَعة طموحِه؛ إنه مشروع إنقاذ الاستخدام العمومي للعقل.

يُلَقّبُ في ألمانيا بـ«هيغل الجمهورية الاتحادية»، وبالفعل فلـ«يورغن هابرماس» من شموخ القامة ما لِإرثٍ تاريخي، فهو من بين أكثر الفلاسفة المُعاصِرين الذين يحظون بدرجة كبيرة من الاحترام، إنْ لم نقل أنه أكثرهم حظاً من المُتابعة والقراءة. وُلِدَ «هابرماس» سنة 1929، وقد مثَّل المُفكِّر لعَمليةِ إعادة البناء التي أعْقبت الحرب العالمية الثانية، ولازال يمثِّل وريثاً لتقليد فكري مزدوج؛ تقليد مدرسة فرانكفورت والتقليد الفكري لنظرية اللّغة، احتفظ من التقليد الأول بـ«النظرية النقدية» للمُجتمع الرأسمالي، التي صاغها بمعهد البحث الاجتماعي بمدينة فرانكفورت مع مُرشديه وبإشراف منهم: «ماكس هوركايمر» و«ثيودور أدورنو» و«هربرت ماركيوز»، وباستلهامه لـ«ماركس» سيدخُل في حوار مع فلسفة الأنوار لاسيما مع الفيلسوف «إيمانويل كانط»، أمَّا التأثير الكبير الثاني في فكره فهو الذي مارسه المُفكِّر الأميركي «جون ديوي» والتيار البراغماتي، الذي يَعتبِرُ الديموقراطيّةَ سيرورةً تشاركيَّةً أكثر من كونها حالةً، ويُعَدُّ الفيلسوف «كارل أتو أبل Karl-Otto Apel» أبرز ممثليه الألمان، وقد التقى به «يورغن هابرماس» في بداية الخمسينيات من القرن العشرين، ليبلْوِرا معاً «أخلاقيات المُناقشة»، التي تتمثل في إرساء الشُّروط الكونية لإمكانات قيام مناقشة وتتيح التأسيس العقلاني للمعايير داخل فهم حواري للأخلاق.

عبْر المزج بين هذه الإسهامات المُختلفة -«كانط»، «ماركس وديوي»- منح «يورغن هابرماس» انعطافةً «تواصلية» للنظرية الاجتماعية لمدرسة فرانكفورت، وهو ما يؤكِّدُه بقوله: «لقد انطلقت من السَّواد المُطلق للنظرية النقدية في بداياتها والتي تعاملت مع تجربة الفاشية وتجربة الشيوعية، وحتى لو كانت الوضعية، التي هي وضعيتنا بعد 1945، مختلِفةً، فقد مثَّلت نظرة مجرَّدة من الأوهام تمَّ إلقاؤها على القوى المُحرِّكَة لدينامية اجتماعية ذاتية الهدم، لتقودني بالدرجة الأولى إلى الانطلاق في البحث عن مصادر تضامن الفرد مع الأفراد الآخرين؛ تضامُنُ لازال لم يتم إطماره بَعْدُ بصورة كلية».

يدافع الفيلسوف «يورغن هابرماس» عن المُواطنة الدستورية باعتبارها تِرْياقاً لما تنطوي عليه النزعة الوطنية من مخاطر؛ فهو ينافح عن التَّعلُّق بالمُؤسسات الديموقراطية بديلاً عن التَّعلُّق بالحيِّز الترابي، كما أنه لازال إلى اليوم مُلتزماً من أجل تجاوز الدولة الأمة ومناصراً متحمساً للبناء الأوروبي. وأن يكون الفيلسوف مؤلِّفاً لعمل ضخم حول المُناقشة الناجحة فهو أمرُ لا يعدمُ صِلَةً مع كونِهِ شخصاً عانى الإعاقة؛ إذ خضع «يورغن هابرماس» وهو في طفولته لعملية جراحية لتجاوز تشوُّه خِلْقي يُعرَف بالشفة الأرنبية، خرج منها بصعوبات على مستوى النطق، كانت كافية لإقناعه بِسُمُوّ الكتابي على الشفهي، فكان أن انتهى به الأمر إلى صياغة أسلوب جزل بقدر ما هو دقيق، إنْ لم يكن أسلوباً جافاً، لكن في بَوْحِه لفريق تحرير «مجلة فلسفة» في ألمانيا، كانت نبرته مشحُونةً بارتياحٍ غير معتاد، وفي الوقت الذي صدر فيه الجزء الأول من آخر عمل كبير له -كتاب ضخم يحمل عنوان «تاريخ الفلسفة – histoire de la philosophie» (عن دار غاليمار)- اختار «هابرماس» أن يُفضي لنا وهو في سن الثانية والتسعين من العُمر بذكرياته وما يحمله من آمال لفئة الشباب، إلى جانب حافز طموحه الفلسفي الذي لم يصبه العياء.

تمَّ مؤخَّرا نشر الجزء الأول من كتابك الضخم «تاريخ الفلسفة»، حيث نجد فيه على الخصوص سؤال دور الفلسفة، فما هو هذا الدور؟

– إنّ العلوم تتقدَّم وتزداد تخصُّصاً أكثر فأكثر، دون أن تفقد خاصيتها العلمية، بل تجِدْها تنحو بالأحرى إلى تقويَّتِها، وهو ما يعني أن على الفلسفة أن تواصل بدورها التخصص دون توقف، باعتبارها تتأمل وتفَكّر في أشكال التقدُّم التي تحققها هذه المعرفة، لكنها ستكُفُّ عن أن تكون فلسفة إنْ هي فقدت «الكُلَّ» من مجال نظرها، وأنا لا أقصد بـ«الكل» هنا «العالم في مجموعه»، بل الخلفية المقدمة بكيفية ضمنية فحسب، أي خلفية عالم العيش، الذي نتساءل في مواجهته عمّا يعنيه التّقدُّم العلمي بالنسبة لنا، وهذه الإحالة إلى أشخاصنا بوصفنا أفراداً معاصِرين وكائنات إنسانية عموماً، تقيم تمييزاً بين الفهم الفلسفي للذات وبين العلوم التي تتجه منهجياً نحو ميادين الموضوعات الخاصة بكل واحد منها، وبكتابي الأخير أردت أيضاً أن أبرز الكيفية التي تشعَّب بها، مع «كانط» وهيوم، خطان فكريَّان صار يبتعد أحدهما عن الآخر مثل قارتين من غير هدى وبلا هدف؛ أحدهما يتصوَّر الفلسفة تخصُّصاً علمياً من بين التخصُّصات العلمية الأخرى التي تزداد تخصصاً -وهو الأمر الذي ليس بالخاطئ في شيء- في عملية إعادة تشكيل عقلانية لـ«تعرّفٍ» محدَّد وحدسي فقط، وتتخصَّصُ في الكيفية التي بها ندرك أو نحس بشيء ما، ونفعل فيه أو نتحدَّث عنه، والكيفية التي بها نمارس العلم أو نقول بها الحق، أما الاتجاه الآخر فيستخدم هذه المعرفة التي أُعيدَ بناؤُها كي يقدم، مع نظرة على المُشكلات الضاغطة للراهن، مساهمةً في الفهم العقلاني للعالم وللذات عيْنِها من قِبل الأجيال المُعاصِرة، وفضلاً عن ذلك يبقى كلا التوجهين المُتعاكسين فيما بينهما عُرضة لخطرين متكاملين، هما خطر النزعة العلموية وخطر السقوط في مجرَّد الهواية.

إنّ نظريتكم حول الفعل التواصلي (1981) تدعو إلى مِثَال المُناقشة العقلانية بين جميع المُواطنات والمُواطنين، فهل لا زالت شروط الحوار الهادئ مُجتمعة؟

– لقد لامستم بسؤالكم هذا موضوعةً عميقة جداً هي المُتمثلة في كون الشبكات الاجتماعية تفكك حتى شروط تنظيم مناقشة سياسية وبأن التواصل العمومي لم يعدْ بتاتاً ذاك الفضاء الذي يقوم فيه التمييز بين «الصحيح» و«الخاطئ»، والواقع أن المُناظرة العمومية من اللازم أن تتمَّ هيكلتها بكيفية تكون فيها الآراء المُتنافسة معبِّرَة عن الأسئلة (والمُشكلات) التي يتمُّ تحديدها وتعيينها من قِبل جميع الأطراف باعتبارها أسئلة ملائمة ومشتركة، لكن ما تقوم به المنصات الرَّقميّة هو تكوين كمٍّ من جزر التواصل تدور حول نفسها وتميل إلى فصل وعزل المُشاركين عن تدفُّقات المعلومات التي تكون موضوعاً للفحص والتحرير، فبحُكم ذلك يكون العالم الرَّقميّ مُقسِّماً للآراء العمومية الوطنية إلى حَدٍّ لا يتواجَهُ فيه المُواطنون إطلاقاً حول نفس الموضوعات، وفي أقصى الحالات هم لا يعيشون بتاتاً حتى في نفس العالم السياسي.

غالباً ما نؤاخذ اليسار على ارتباكه وحيرته داخل خطابات نخبوية حول سياسة الهوية وعن تَحمُّله لجزء من المسؤولية في نجاح اليمين المُتطرِّف، فهل من أساس لذلك بنظركم؟

– بخصوص العلاقة بالمُهاجرين أو، بصورة أعم، العلاقة بالأشخاص من أصل إثني أو ثقافي أجنبي، تبقى المُبادرات الصادرة عن ممثلي الدراسات المابعد كولونيالية مرحَّباً بها؛ فنقد الأحكام المسبقة والجرائم العنصرية يستند دائماً إلى مبدأ ذي نزعة كونية للاحترام المُتماثل الذي يكون واجباً علينا تجاه كل شخص. ذاك هو السبب الذي من أجله يتعيَّن علينا ألّا نزيد في إضفاء الخاصية الطبيعية على الاختلافات الثقافية، فليس صحيحاً أن الآخر الذي ننتَقِدُه هو، بشكلٍ من الأشكال، أسيرُ ثقافته أو سجين داخل السياق الخاص بأصله وتنشئته الاجتماعية، ذلك أن الثقافات المُختلفة لا تشكّل عوالم مقطوعٌ بعضها عن البعض بسدُود لا يمكن عبورها، كما أنها لا تتميَّز أبداً بـ«هويات» جامدة وغير متحرِّكة في علاقة بعضها ببعض.

لقد أظهرت أزمة (كوفيد) للعيان وجود توترات هائلة بين الحرّية الفردية والتنظيم والضبط الذي مارسته الدولة باسم الصحة، ما حُكمكُم على فعل الدولة خلال الجَائِحة؟

– إنّ النقاش حول السبيل الأفضل الذي يتعيَّن اتباعُه في مواجهة الجَائِحة قد هيمن عليه إلى حدود تاريخ قريب الخلاف بين المُدافعين عن الإجراءات الوقائية الصارمة وأنصار خط إزالة العوائق والانفتاح التحرُّري، وفي هذا السياق، لدينا نقطة عمياء مهمَّة مع سؤال خاص بفلسفة الحق هي المُتمثلة في معرفة ما إذا كان بإمكان دولة الحق الديموقراطية اتباع سياسات تَتلاءَم عبْرها مع أرقام انتشار العدوى والوفيات التي يمكننا تفاديها من حيث المبدأ. ففي ظل الأزمة اعتمدت الدولة على تعاون غير عادي من قِبل السكان، وهو ما فرض قيوداً صارمة على جميع المُواطنين، بل وفرض عليهم حتى تقديم خدمات شخصية بارزة، بمَنْ فيهم مختلف المجموعات التي لا تتحمل التكاليف على قدم المُساواة، ولم تكن الدولة مرغمة على فرض المزايا التضامنية عبر الطريق القانوني إلّا لأسبابٍ وظيفية، والإحراج الحاصل بين الإكراه أو القسر القانوني والتضامن إنما هو ناجم عن انفجار توتر إبَّان الجَائِحة، وهو التوتر الذي يبقى داخلياً بالنسبة لدستورنا ذاته وملازماً له، بين مبدأين حاملين، ذاك الذي يوجد من جهة بين السلطة الديموقراطية التي تبسُط ولايتها على المُواطنين بغرض متابعة مجمل الأهداف الجماعية، ومن جهةٍ أخرى، الضمان المُؤكَّد من قِبل الدولة للحرّيات الذاتية، والعنصران معاً يتكاملان فيما بينهما كلما كان الأمر متعلِّقاً في وضعية عادية وبإعادة الانتاج الداخلي للمُجتمع، لكنهما يفتقدان التوازن كلما كان الجهد الجماعي الاستثنائي الهادف إلى صدّ خطر طبيعي يهدِّد «من الخارج» حياة المُواطنين مُسْتَلْزِماً أفعالاً تضامنية منهم تتجاوز المُستوى المُتواضع الذي يطبع التوجُّه نحو الخير المُشترك والذي ننتظره منهم في الحالة العادية. أعتقد بأن هذا الالتماس غير المُتَقَايس لتضامن المُواطنين على حساب حرّياتهم الذاتية المضمونة بدورها، إنما يجد تبريره في ما تطرحهُ على كاهلنا الوضعية الاستثنائية من تحدّيات، لكن الأكيد هو أنها لا تكون لها مشروعية سوى لفترةٍ محدودة.

لقد ظهر بفضل الأزمة الصحية، نوعٌ جديد من الاحتجاج الشعبي يؤكِّد نفسه على المشهد السياسي، فكيف تصفونه؟

– عندما نعكف على حالة وعي هؤلاء الناس، فإننا نصطدم في واقع الأمر بتناقض غريب، فمن جهةٍ هم يستخدمون نظريات المُؤامرة كي يسقطوا ألوان قلقهم المكبوتة حول القوى الظلامية التي يُفْترَض أنها تستعمل سلطة المُؤسسات القائمة؛ فالعنصر أو المُكوِّن السلطوي لهذه التصوُّرات المُنغلقة للعالَم والمُتأثرة في الأغلب بنزعة معاداة السامية تكشف عن جذور اليمين المُتطرِّف لهذا الإمكان، ومن جهةٍ أخرى نجد أن استنكار النظام الذي تمَّ وضعه قد أتاح للمُشككين في كورونا تقديم أنفسهم بلباس النزعة المُضادة للتسلط Anti-autoritarisme؛ بحيث تعطي مواكبهم الاحتجاجية المظهر التحرُّري للحركات الاحتجاجية للشباب، بهذا الشكل أمكن للمُحتجين أن يتظاهروا ويعملوا على تقديم أنفسهم باعتبارهم المُدافعين الديموقراطيين «الحقيقيين» عن الدستور الذي تمَّ انتهاكه من قِبل حكومة يَتَمُّ الزَّعم بأنها متسلطة. والواقع أن الشيء الوحيد الذي يرشح من هذه الوضعية التحرُّرية، هو الدفاع الخالص والمحض عن المصالح الشخصية الذي يتوقع المرءُ أن يجده عادةً عند ممثلي الليبرالية الاقتصادية الجذرية، لكن ما يوجد في هذه الحالة، هو نزعةُ التمركز حول الأنا الخاصة بالضّعفاء والمُهمشين، لا تلك الخاصة بالأقوياء. ولو وَثِقْتُ في انطباعي، لَقُلت بأن إمْكَانَ الاحتجاج هذا لازال سيشغلنا لفترة أطول، وبكيفية مستقلة تماماً عن العامل الذي أطلَقَهُ المُتمثل في الجَائِحة وأفترض أنه يعبِّر عن هذا النوع من عدم الاندماج الاجتماعي ذي الأصل النسقي والذي أجاد الرئيس الأميركي «جو بايدن»، دون أدنى شك، في تشخيص مُسبِّباته بعد الهجوم على الكابيتول الأميركي وهو يحاول لحدود الآن محْوَهُ من خلال محاولته العودة إلى برامج «روزفلت».

ما رأيك في الاستجابة الأوروبية للأزمة الصحية؟

– لا شيء يبعث على الاندهاش في ما أبانت عنه الدول الأمم، أثناء جائِحة «كوفيد – 19»، من قدرة على التصرُّف ككيانات بشكلٍ فعلي وحقيقي، على الرغم من نشاط التنسيق الذي قامت به المُنظمات الدولية لاسيما منظمة الصحة العالمية، ومع ذلك لازالت المفوضية الأوروبية مسؤولة، نيابة عن الدول الأعضاء، عن اقتناء اللقاحات النادرة وتوزيعها، فبذلك استطاعت أن تتجنَّب، في نطاق مجالها التراتبي المُتميِّز عالمياً من زاوية اقتصادية، تفاوتات قوية في التزوُّد بالأدوية الحيوية، كانت ستظهر بين الدول الأعضاء المُتفاوتة في قوتها، لكن تزامن الكارثة التي عصفت بإيطاليا في بداية الجَائِحة مع المُشاورات حول الميزانية هو ما دفع على الخصوص كلا من «ماكرون» و«أنجيلا ميركل» إلى فرض مبادرتهما من أجل برنامج مشترك للمُساعدة على الصعيد الأوروبي وإذا كانت خطة الإنعاش لافتة في تميُّزها، فلأنها أتاحت للمفوضية تحمُّل الدُّيون الأوروبية المُشتركة، حتى وإنْ لم يكن ذلك في لحظة أولى إلّا بهدف التّحكُّم في ما نجم عن الوباء من عواقب، لكن منذ تاريخ توقيع اتفاقية «ماستريخت» إلى الآن، يبقى قرار تحمُّل الدَّين بصورةٍ مشتركة هو الخطوة الجدية الأولى نحو توحيدٍ أكثر تقدُّماً.

تخيَّل لو أنَّ شاباً في غمار طرحه لأسئلة على نفسه بخصوص العَالَم، حَصل أن التقى بك، ما هو المُؤَلَّف الفلسفي الذي ستنصَحُه بقراءته أولاً؟

– لن أوصيه بأي واحدة من تلك الطلقات (وعمليات القصف) الاندفاعية التي نُسْلم أنفسَنا لها عندما يكون الأمر متعلّقاً بتقديم صور تشخيصية للحقبة التاريخية، بل سأنصحه، من باب تحفيزه من أجل الاطلاع على الفلسفة، بقراءة صفحتين ونصف وصَلتَا إلينا من كتابة «هيغل»، تحت عنوانٍ به شيء من الخداع: «أقْدَمُ برنامج نسقي للمثالية الألمانية»، وحتى لو سارع أحدهم إلى القول بأن طالبة شابة في قسم البكالوريا لا يمكنها فهمُ سياق هذه الأسطر، فإن ما ستشعر به هو تلك القوة المُتعالية لفكر شعري فلسفي (péotico-philosophique) التي كان يحملها الأصدقاءُ الثلاثة: «هيغل» و«شلينغ» و«هولدرلين» في تلك الحقبة، أي سنوات بعد الثورة الفرنسية، لأن هذه الأسطر هي التي انحدرت منها أعمال فلسفية وأدبية هزَّت العالَم ولا زالت تُحرِّكُهُ إلى يومنا هذا، وإذا تعلَّمت هذه الشرارة الفلسفية، سأنصحُها عندئذ، هي أو صديقها المهْتم، بقراءة «كتابات الشباب» لـ«هيغل»، نعم هي نصوص محيِّرَةُ، لكنها أيضاً الخُطى تقود على الطريق الصحيح، وفي نهاية المطاف سيكون الاثنان قد اكتشفا معاً مفهوم الحرّية ومفهوم «الحب»، أي سيكونان قد اكتشفا التبادلية التي تطبع العلاقات البينذاتية بوجهٍ عام، وهما مفهومان لن يغيبا عن ذهنهما أبداً، مهما كانت الوجهة التي يأخذهما صوبها فِكرُهما الخاص.

أنت أحد آخر المُفكِّرين الذين عرفوا الفيلسوف «ثيودور لودفيغ فايسنغرند أدورنو» شخصياً، هل تتذكرون هذا اللقاء؟

– عند أول لقاء بيننا في يناير/كانون الثاني 1955 لم يكن «أدورنو» قد صار بعد «أدورنو» كما هو في أعين الجمهور، أتذكره شخصاً بحركات رشيقة، عميقاً في تفهُّمِهِ لكنه يحمي، في ذات الوقت، نفسَه من الخارج، هذا الشخص الذي رأيته فيما بعد، استقبلني بمكتب «هوركايمر» بتودد ملحٍّ بقدر ما هو مستعصٍ على كلِّ اختراقٍ، لقد صارت الذهنية الشفافة، طبيعة ثانية له، فمن لغته وخَطَابَتِه اللاَّذعة ينكشف، ربما عنصر أو مكوِّن مصطنع يسبب اندهاش الزائر غير المُستعد. لم يكن بمقدروي في تلك الحقبة التكهُّن بما الذي كانت ستعنيه بالنسبة لي السنوات الأربع ونصف السنة الموالية من العلاقة شبه اليومية مع هذا الذهن العظيم والهش، الأعزل من كل دفاع والفائق الحساسية تجاه المؤسسات؛ بمعنى ما الذي كانت ستعنيه تلك السنوات في تطوُّري الفلسفي وبصورة أعمّ في تطوُّري الذهني. لقد كان «أدورنو» شخصاً لا يمكنه إلَّا أن يفكِّر، إذْ كان أقربَ ما يكون إلى العيش تحت وطأة التوتر بشكلٍ يومي، وهو ما كان ينطوي تقريباً على شيء من الألم، وفي الأمسيات التي كانت تجتمع فيها حلقة الوُد المُصغَّرة كان يبذُل لنا فيها ما هو أكثر من واجب الضيافة، ولما كان يشعر صاحب البيت بالأمان، كانت تلك الليالي تطول أكثر، لقد كان «أدورنو» يعيش حياة بورجوازية، فعند منتصف النهار يدخل لتناول غدائه في بيته، ثمَّ يعود إلى المعهد عند الساعة الثالثة زوالاً تماماً، من شارع «كيليتنبرغ» القريبة جداً، رفقة زوجته «جريتيل».

عندما تتذكرون هذه الحقبة التاريخية هل تجدون فيها بعضاً من صور التوازي مع حقبتنا نحن؟ أم تُرانا أمام عالَم مختلف تماماً؟

– بكيفية تطبعها المُفارقة سأجيب بنعم عن سؤاليْك معاً؛ فالناس وحاجاتهم وصور قلقهم وآمالهم وتطلعاتهم لا تتغير بشكل سريع جداً، اللهم إلّا إذا كان ذلك بكيفية سطحية جداً على غرار ما تتغير أشكال الموضة. وبالمُقابل نجد أن شروط الحياة والظروف السياسية قد شهدت تحوُّلاً ظاهرياً في أعقاب تسارُع التغيُّر التكنولوجي والاجتماعي. أكيد أن وعي السكان الذين ينتمون إلى نفس الوطن في تلك الحقبة كان غارقاً في الإطار الوطني وكان رجعياً إلى حدٍّ ما، لكنه كان وعياً متّجهاً نحو المُستقل. ومع الدفعة المُواتية التي حملتها الانطلاقة الاقتصادية، وعلى الرغم من صور الاتصال والاستمرارية على صعيد الذهني والشخصي كانت ضاغطة مع حقبة الوطنية الاشتراكية، على الرغم من ذلك كنا نشعر بأن شيئاً ما في طور التحسُّن. أما اليوم فنجد الوعي قد اهتز وارتجَّ من مدة طويلة وسقط في حالة دفاعية، والجَائِحة ما هي، بالأحرى، إلّا عَرَضٌ لذلك؛ إنّ عولمة التهريب والإنتاج وَرقْمَنةَ علاقات العمل والتَّواصُل، والآثار القاسية والمُدمرة للأزمة المناخية تحديداً لا تبعث على الأمل؛ فما أبرزته الإيكولوجيا تحديداً هو أن أشكال المنافذ التحليلية تتغير في ذات الوقت الذي تتغير فيه الظواهر. ومن جانب آخر نجد أن المُشكل القديم هو المُتمثل في معرفة الكيفيّة التي يمكن بها، لضبط وتنظيمٍ تتولّاه الدولة، تدبيرَ المُشكلات التي أفرزتها الرأسمالية، إلى جانب التفاوتات وعدم المُساواة الاجتماعية المُتزايدة التي لم تخْتفِ، بل ازدادت حدَّةً وخطورةً في أعقاب العولمة الاقتصادية والأزمة المناخية، ومع أن هذا المُشكل لم يتم التَّحكُّم فيه دائماً وضبطه، فإنّ إدراكه يتمُّ باعتباره مشكلاً تافهاً ومبتذلاً داخل مجتمع صار أكثر غِنى في المُتوسط، ليتم تركه في ذيل الخطة ووضعه على آخر سلم الأولويات، كما أن السياسة قد تخلَّت عن التوجيه وعن الإرادة الخلّاقة والمُبدعة وعن المنظور أو الأفق المُستقبلي، وصارت تتكيَّف بانتهازية مع التَّعقيد المُتزايد الذي صار يَسمُ الوضعيات المُقلقة، دون أن تمتلك بالبث والمطلق أيَّ إرادة واضحة.

قدَّم «برتراند راسل» نصيحتين للأجيال المُستقبلية؛ إحداهما فكرية والأخرى أخلاقية؛ فأما الإشارة الفكرية فمضمونها وُجُوب التَّركيز على الوقائع وحدها وما تنطوي عليه من حقائق. وأما الإشارة الأخلاقية فتتمثل في أننا نعيش في عالَم يصير أكثر فأكثر تعولماً (globalisé) مما يستوجب تكويناً جماعياً على التعاطف والتسامح، فما النصائح التي تقدِّمها أنت؟

– أوافق «راسل» على كلتا النقطتين، لكنني أَسْند إشارته الأخلاقية بوقائع: الوقائع التاريخية، مثل إلغاء العبودية وتجاوز الهيمنة الاستعمارية وإدانة التعذيب وإلغاء عقوبة الإعدام وضمان التسامح الديني وحرّية الرأي أو المُساواة في الحقوق بين الجنسين، فهذه الوقائع كلُّها تمَّ التّرحيب بها بصورةٍ واضحة باعتبارها صور تقدُّمٍ على طريق مَأْسَسة الحُرّيات، وهو أمرٌ حاصلُ ليس داخل منظورنا الغربي المحدود. وإلى جانب ذلك لا أحد يشكك في ما حقَّق العلم من تقدُّم، كما أننا راكمنا تقدُّماً أيضاً على صعيد استخدام العقل العملي؛ غير أن ذلك لا يمكِّنُنا من ضمانة مؤكَّدةٍ على أننا سنحُلُّ المُشكلات الراهنة، التي تبدو، بصورة خالصة وبكامل البساطة، عقباتٍ يتعذَّر تذليلُها، لكن يمكنها على أقل تقدير تشجيعنا على المضي في اتجاه «تعلم الأمل» (Docta Espoir)، واستخدام عقلنا العملي من أجل تحسين العالَم، ولو كان ذلك بالأقل، واليوم لا زال بإمكان الفلسفة أن تقدِّم أدواتٍ جيدةً لدعم وإسناد هذا الفكر الذي يُفصِح عن نفسه في أعمال «كانط» أكثر من أي فيلسوفٍ آخر.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

Philosophie Magine,N°155, decembre2021 / janvier2022.
حوار: ليزا فرايدريش. تقديم: سيدريك انجالبرت. الترجمة الأصلية: أوليفييه مانوني

مواضيع مرتبطة

«أمازون» ابتكرت طرقاً لا حصر لها لتقسيم الرواية
ترجمة: عبدالله بن محمد02 فبراير 2022
ميشيل مافيزولي: الإدارة بواسطة الخوف تؤدِّي إلى ترسيخ الفردانية
ترجمة: حياة لغليمي02 يناير 2022
ميشيل أغلييتا: فرصة أخيرة لإنقاذ المناخ
ترجمة: مروى بن مسعود02 يناير 2022
جدل البيو.. حماية للصحة أم انتهازية تجارية؟
جمال الموساوي02 يناير 2022
حرب الخوارزميّات بعد سَكتَة الفيسبوك
آدم فتحي01 نوفمبر 2021
فكِّر مثل الفيروس
ترجمة: أسماء كريم06 أكتوبر 2021
الأرض ستفرغ قريباً من سكّانها!
ترجمة: ياسين المعيزي06 أكتوبر 2021
كيف شوَّهت الرّقمنة والجَائِحة لغة الجسد؟!
ترجمة: شيرين ماهر30 سبتمبر 2021
بول أريي: ولدت السياسة حول مائدة الطعام
ترجمة: عبداللطيف القرشي30 سبتمبر 2021
بيتر أدامسون: الفلسفة الإسلاميّة جزءٌ من الفلسفة الغربيّة
ترجمة: مجدي عبد المجيد خاطر26 مايو 2021
307 عدد المشاهدات

مقالات أخرى للكاتب

إدغار موران: أصفُ نفسي باليقظ وحتى بالحَذِر وليس بالمُتشائم
02 فبراير 2022

في شهر سبتمبر/أيلول عاد «إدغار موران» للتو من «الدوامة الإعلامية» الخاصة بعيد ميلاده المئة، بعد أن قام بجولة على بلاتوهات التليفزيون والإذاعة مستجيباً دون توقف لزميلاتنا الصحافيات وزملائنا الصحافيين، كان استقباله لنا عبر تقنية التناظر الرّقمي، حيث يخلد...

اقرا المزيد