تحدّيات الثقافة عن بُعد

لم يجف مِداد جدل طويل وعقيم، في الغالب، يخصُّ الكِتاب الإلكترونيّ الذي يحلّ محلّ الورقيّ، حتى اجتاح وباء «كوفيد – 19» العَالَم. ولاحتواء انتشاره تمَّ إغلاق مرافق الحياة العامة، وانتقلت جلّ الأنشطة الخارجيّة إلى المنزل بصورةٍ معزولة عن تقاليد الحياة الاجتماعيّة، فأصبحنا أمام تجارب وممارسات ثقافيّة جديدة، بقدر اعتمادها على الإنترنت والفصول الافتراضيّة ومؤتمرات الفيديو، فإنها قد أجبرت العديد من القطاعات والمُؤسَّسات الثقافيّة على إعادة تأسيس نفسها، وتعديل العلاقة التواصُليّة مع جمهور الثقافة بتكثيف الجهد الرَّقميّ من منطلق فعاليته الكمّيّة في الانتظام الثقافيّ.
طالما اقتصر دور الوسائط الإلكترونيّة على المُساعدة والدعم الفنّي، والإخبار بتنظيم الأنشطة الثقافيّة، وإلى وقتٍ قريب لم يكن من ضمن الاحتمالات تنظيم مهرجان ثقافيّ في نسخة إلكترونيّة، على سبيل المثال، أو حتى تصوُّر فعالية ناجحة من دون توفُّر ارتباط واقعيّ بين حدث ثقافيّ وجمهوره. كما أدَّى الحَجْر المنزليّ إلى تقييد الوصول إلى السلع الثقافيّة الماديّة بسبب إغلاق المكتبات ودُور السينما ومتاجر التسجيلات وما إلى ذلك… لكن ما شهدناه على المُستويين العربيّ والعَالميّ يؤكِّد أن الثقافة في الأوقات الصعبة بلسم للكثيرين، وقد حقَّقت الوساطة الرَّقميّة بالتأكيد فرصةً عظيمة للمُحافظة عليها، وأثبتت بأنها قناة فعَّالة لربط الجماهير بالمنتوج الثقافيّ والفنّي وإرضاء تعطّش الجمهور؛ حيث زادت العديد من المُؤسَّسات الثقافيّة التي أُجبرت على الإغلاق، كالمتاحف والمسارح والمعارض الفنِّيّة وغيرها، من عروضها ومواردها المُختلفة عبر الإنترنت.
لا شكّ في أن هذا التحوُّل الرَّقميّ الشامل، وإنْ كان طارئاً، يواصل اختباره لطبيعة علاقتنا بالثقافة التي تبدو في صورتها الظرفيّة على الأَقلّ، قد تحوَّلت من علاقة اجتماعيّة، إلى علاقة تقنيّة تطرح عدّة شكوك وأسئلة تتعلَّق بالتكيُّف مع واقع جديد ابتدع عادات ثقافيّة غير مألوفة لا نعرف إنْ كانت ستستمر بعد أداء وظيفتها الطارئة. ففي سياق استثنائيّ لم يعد بوسعنا أن نلتقي فيه داخل فضاء ثقافيّ عام، نحن في حاجة ليس فقط إلى التكيُّف المُجتمعيّ، وإنما إلى اختبار علميّ ونقديّ للمتاحف والمسارح ودُور السينما والمعارض الفنِّيّة في إطار العرض الافتراضيّ، حتى لا يترك العمل الثقافيّ رهين التقييمات الكمّيّة للتقنية. كما لا فائدة من عرض ثقافيّ يراهن في نجاحه على زيادة الوفرة في المُحتوى أو بتوسيع مدى انتشاره، وإنما تعمُّ الفائدة والفاعليّة أكثر حينما يكون الفعل الثقافيّ مَعنيَّاً بالدرجة الأولى، سواء بوساطة واقعيّة أم افتراضيّة، بضمان الاستقلاليّة النقديّة للجماهير.
وفي سياق هذا الاختبار لطبيعة علاقتنا الجديدة بالعرض الثقافيّ، تبدو آثار الحَجْر المنزليّ على مخرجات المُمارسات الثقافيّة مناقضة لما يمكن توقُّعه بطريقة تلقائيّة من ثورة الشاشات وتضاعف جماهير الوسائط الرَّقميّة أو حتى توحيد السلوك الثقافيّ. فإذا كان الحَجْر المنزليّ قد ضاعف مستويات الاستهلاك السمعيّ- البصريّ ومشاهَدة العروض الحيّة على الإنترنت، وممارسة الألعاب الإلكترونيّة. فإنه في مقابل ظهور سلوكيات جديدة تمَّ إهمال عادات أخرى، من قبيل الترفيه التقليديّ الذي يتطلَّب قدراً مُعيَّناً من التواصُل الاجتماعيّ. كما تُشير بعض الإحصاءات إلى أن بعض المُمارسات الإبداعيّة قلّت في فترة الحَجْر المنزليّ، وأن معدَّلات القراءة عرفت بدورها انخفاضاً بسبب إغلاق المكتبات الذي يفسِّر جزئياً هذه النتيجة. كما انخفضت نسبة قرَّاء الصحافة الورقيّة بشكلٍ كبير… ومرد ذلك -حسب التفسيرات الاجتماعيّة- إلى غياب الاستعداد النفسيّ بسبب العبء العاطفيّ والمعلوماتيّ الناجم عن الأزمة الصحّيّة والحَجْر المنزليّ.
وإذا كانت المُبادرات الافتراضيّة قد سمحت باستمرار العروض الثقافيّة، على قاعدة تأكيد الحضور من غرفتك، فإنّ ذلك لا يعني ألّا نأخذ بمحمل الجد المُلاحظات التي يتمُّ رصدها، من قبيل قِلّة التفاعُل التي كثيراً ما تنجم عن الشعور بالعُزلة الذي يخلِّف الشكل الفرديّ لهذا النوع من الحضور، ممّا يضعف الدافع لحضور فعالية ثقافيّة افتراضيّة أو الالتزام بإكمال حضورها، إلى جانب افتقار الفضاء الافتراضيّ حتى الآن إلى التفاصيل المُقترنة بالفضاء الواقعيّ والتي تدلّ على أن الحدث يسير بشكلٍ جيّد، كالانضباط في التفاعُل وعمليات التواصل، دون أن نغفل الفجوة الرَّقميّة التي تقف عقبة رئيسيّة أمام الجمهور المُستهدَف من كافة الشرائح والأعمار.
من المُؤكَّد أن التواصُل الاجتماعيّ يُلقي الضوء على تطوُّر وتنوُّع المُمارسات الثقافيّة، وأشكال المُشاركة الثقافيّة، وإذا كانت تجربة الحَجْر المنزليّ قد أزالت جزءاً كاملاً من الثقافة المُرتبطة بزيارات المتاحف ودُور السينما والمعارض الفنِّيّة، فقد ساهمت أيضاً في تعديل علاقة الأفراد بالثقافة من خلال خلق سلوكيات واستخدامات جديدة. لقد أعادت الشاشات تنظيم الاستهلاك الثقافيّ وأنماط المُمارسة داخل المجال الخاص، بالصورة التي تجعل الحاجة إلى دراسة آثار عمليات إعادة التشكيل المُؤقَّتة هاته ضروريّة في السنوات القادمة، للتحقّق ممّا إذا كانت علامة على التكيُّف مع سياق معيَّن وغير مسبوق أو على تغييرات عميقة في الوصول إلى الثقافة.

برنار نويل.. رحيل كاتب مُلتَزِم

عن سنٍّ يناهز التِّسعين سنة، رحل في أبريل الماضي، الشاعر والكاتب الفرنسي «برنار نويل»، مُخلِّفاً أزيد من أربعين عملاً أدبيّاً، كان آخرها «لَمْسَة هوائيَّة». كان «برنار نويل» أحد المدافعين عن القضيَّة الفلسطينيَّة، كما كان شديد الحساسيَّة تجاه قضايا عصره، وقد اصطدم بالواقع المرير حتى توقَّف عن الكتابة، لكنَّه سرعان ما عاد لممارستها، فأصدر، عام (1967)، ديوانه «وجه الصَّمت» ليُواجه بسلاح الكتابة شراسة الواقع.

وُلد «برنار نويل – Bernard Noel» عام (1930)، في سان «جينيفييف سور أرجانس». ترعرع في بيت جدِّه وجدَّته. بعد تخرُّجه في المدرسة الثانويَّة في «روديز – Rodez»، ذهب إلى «باريس» والتحق بكُلِّية الدراسات العليا للصحافة، لكنه سرعان ما تخلَّى عن هذا المسار. حوالي عام (1953)، كان أحد الأعضاء النَّشطين في حلقة الدّراسات الميتافيزيقيَّة، واقترب من فِكْر «ريموند أبيليو – Rymond Abllio». يُعدُّ من أَهَمِّ الكُتَّاب الفرنسيّين في النصف الثاني من القرن العشرين؛ لهذا خَصَّتْه الأكاديميَّة الفرنسيَّة بالجائزة الكبرى للشعر عام (2016). توزَّعت أعماله بين الشِّعر، والرّواية، والنقد الأدبي، والنقد التشكيلي. صدر ديوانه الأوَّل «مستخلصات الجسد» سنة (1956)، وانتصر فيه للجسد من خلال تأثُّره بالعنف الذي عايشه في الحرب العالميَّة الثانية، والمعسكرات، والقنبلة الذريَّة، وحرب الجزائر، وحرب الهند الصينيَّة. هذا وقد عُرِف بدفاعه عن القضيَّة الفلسطينيَّة، ولم يشعر بالحرج وهو يعلن ذلك في حوار صحافي. وُصف شعره بأنَّه تأمُّلٌ فلسفي في معنى الوجود الإنساني في العالَم.

حديث «برنار نويل» عن كتاباته

في حوار، أجرته «صوفي نولو – Sophie Naulleau»، من مجلّة «ثقافة فرنسا – France culture»، بتاريخ العاشر من فبراير/شباط (2013)، يناقش «برنار نويل» علاقته بالأجيال القادمة، والقصيدة التي كان يعمل عليها لعدّة سنوات، فقال: «لقد تأثَّرتُ كثيراً عندما كرَّست لي مجلّة «أوروبا – Europe» عدداً خاصّاً، في يناير/كانون الثاني (2011)، فقد كانت الأبراج العاجيَّة تزعجني. العمل لا ينتهي حتى نموت. نقطة النهاية هي موت مَنْ كَتَب. لا توجد كلمة أخرى «نهاية». لمدّة خمس سنوات أو سِتّ، كنتُ أكتب قصيدة ليس لها نهاية أخرى غير نهايتي… بعد ذلك، أحببْتُ فكرة أنَّ كلماتي لم تعد بحاجة إِليَّ. إنها نوع من المناطق المكوَّنة من الكُتُب التي أتمنّى أنْ يُكمّل بعضها الآخر. كلّ واحد منَّا يصنع بلداً ثم، في يوم من الأيّام، في مرحلة معيَّنة، سيُصبح هذا البلد غير صالح للسَّكن بالنسبَة إلى الَّذي صنَعه. وكثيراً ما تساءلتُ عمّا إذا كانت أفضل نهاية هي الدُّخول في الصَّمت والتَّأمُّل».

وبمناسبة نشر كتابه «كتاب النسيان – Livre de l’oubli»، يستحضر «برنار نويل» الطريقة التي يتصوَّر بها وظيفة النسيان التي يضعها في صميم عمليَّته الإبداعيَّة، فيقول: «النسيان هو الذاكرة الحقيقيَّة بالنسبة إليَّ؛ إنَّه يشكّل هذا النَّوع من الذاكرة العالميَّة التي تتجسَّد في اللغات، لا في الأذهان…» وبربطه بين الإبداع والنسيان رسم «برنار نويل» مقاربته بشاعريَّة خاصَّة، تتراءى مُرصَّعة باليأس والأمل، في الآن ذاته، لهذا، يستحضر كتابه «كتاب النسيان» اللّغة والذكريات، أو الوعي بنسيانها. وفي ذلك الكتاب، يؤرِّخ «برنار نويل» للنسيان، ويُقرُّ أنَّ ما نعتقد نسيانه، هو، في الحقيقة، ما نتذكَّره، والذكريات تعود لتطفو في الكتابة، وتصبح «كلاماً لكُلِّ ما تمَّ فقدانه».

التَّفاعل العربي مع كِتابات «برنار نويل»

اهتم الكُتَّاب العَرب بكتابات «برنار نويل»، وعملوا على ترجمتها. وكان الشاعر المغربي «محمَّد بنيس» أهمّ الذين نقلوا كتابات «برنار» إلى القارئ العربي. هكذا، بعد أن تبادل «بنيس» الزيارات مع هذا الكاتب الفرنسي؛ ما أسهم في تقوية الروابط بينهما؛ فقد كانت النتيجة هي ترجمة «بنيس» لأربعة كتب هي: «هسيس الهواء» عام (1998)، و«كتاب النسيان» عام (2013)، و«موجز الإهانة» عام (2017)، وكلُّها صادرة عن «دار توبقال»، بالمغرب. أمّا الكتاب الرابع «طريق المداد»، فقد صدر عن دار نشر فرنسيَّة، وهو عمل مُميَّز جمع بين نصوص «نويل» ولوحات الفنَّان «فرانسوا رووان»؛ ما جعل منه عملاً شعريّاً وتشكيليّاً ذا طابع خاصّ.

تفاعل «برنار» مع الاحتفاء بترجمته إلى اللسان العربي، فصار عضواً شرفيّاً في «بيت الشعر في المغرب»، وشارك في إقامة فنّيَّة بمدينة مراكش مع الشاعر «محمَّد بنيس» والفنَّان التشكيلي «محمَّد مرابطي» سنة (2017)، إلى جانب مشاركته في المهرجان العالمي للشعر بالدار البيضاء سنة (2002). هذا التفاعل الثقافي مع المشهد الإبداعي والفنّي العربي، من قِبَل «نويل»، أنتج ترجمات عربيَّة أخرى مثل: «لسان آنَّا»، ترجمة بشير السباعي، و«تناذر غرامشي»، ترجمة ميساء سيوفي.

«برنار نويل» في «مرآة» الكشف

وَرَدَ عن الكاتبة «شانتال كولومب غيوم – Chantal Colomb-Guillaume»، في العدد الخاصّ بـ«برنار نويل»، من مجلّة «Europe»، في مقدِّمة المجلّة قولها: «برنار نويل»، كاتب ذو أهميّة كبرى، وعددُ قُرَّائه يزداد، ليس في فرنسا، فقط، بل في الخارج أيضاً، من خلال قصائده وقصصه ومسرحيَّاته وكتبه التاريخيَّة، والسياسيَّة، ونصوصه عن الرَّسم. تعدُّ الكِتابة حياتَه (…)؛ فعطاؤه فيها لا ينضُب. وإذا كان إنتاجه يقع «خارج الأنواع»، وظلَّ غير قابل للتصنيف، فإنَّ أصالته تجعل كلّ صفحة من صفحاته موقَّعة، ويمكن التَّعرف إليها وتمييزها عن طريق الكتابة أو الصَّوت أو اللّغة.« برنار نويل» هو كذلك روح الثَّورة، وهو مستعدٌّ، دائماً، للوقوف في وجه الظّلم أو حين انتهاك السّلطة لحرِّيَّتنا. بدأ كلّ شيء في أعلى الطريق من قلعة العشاء الأخير (Château de Cène) عندما شارك الكاتب الشَّاب في مقاومة التعذيب في الجزائر. بعد أن خضع للرَّقابة، أدرك أنَّ هناك نوعاً غير ملحوظ من انتهاك الحرّيّة، يُمارَس دون علمنا. وأنشأ لفظة «sensure» (خلافاً للكلمة الأصل «censure»، حيث أبدل c بـ s) للإشارة إلى هذا الحرمان من المعنى الذي تحاول السلطة السياسيَّة حبس المواطن فيه. لايزال «برنار نويل» يُطالب باللّغة، التي تعني الجسد، والـمَلَكة اللُّغويَّة، والنَّظرة، التي تحيل على الجسد والإدراك، بوصفهما الأداتين اللَّتين يمكن -بواسطتهما – تحقيق علاقة أصيلة مع العالم ومع الآخرين ومع الذَّات. كتاباته لا تتوقَّف عن مساءلتنا، وصمتُه يمنعنا من التَّوقف عن التفكير، ويدعونا لمشاركة ما يُقال، وما لا يُوصَف».

وتستمرّ الكاتبة «شانتال كولومب غيوم» في مقال لها، بالمجلَّة نفسها، في تعداد ميزات هذا الكاتب: «يدحض «برنار نويل» صفة النَّاقد الفنّي، ومع ذلك تكشف النصوص المصاحِبَة لكتب الرَّسم أو الرُّسومات التي شارك فيها عن معرفة عميقة بالفنون الجميلة (…)، ومع ذلك، يجد «برنار نويل» في الرَّسم تعبيراً مكمِّلاً للكتابة؛ لذلك هو يعرف إيماءات الفنَّان أو الرّسَّام؛ ولهذا، يستطيع الكتابة -بسهولة – عن «ماغريت – Magritte»، وكذا عن أصدقائه؛ «أوليفيي – ديبري Olivier Debré»، و«جان فوس – Jan Voss»، وحتى عن تقنيَّة الرَّسم الصيني «لـِزاو-وُو-كي – Zao wou- ki». هو في مكانه الطَّبيعي، سواء في الرَّسم أم في الشِّعر».

من بين ما كُتب في رحيل «برنار نويل»؛ مقال نشرته جريدة «Le Monde»، في 14 أبريل/نيسان (2021)، حيث يستحضر «بتريك كيششيان – Patrick Kechichian»: ما كتب عنه صديقه «جورج بيروس – Georges Perros» في عام (1977): «كان برنار نويل الذي أعرفه يكتنفه صمتٌ يُقطع بسكّين». وستنشر مراسلاتهما في عام (1998)، (منشورات Unes). بهذه الصورة القويَّة، يسلّط «بيروس» الضوء على مفارقة تأسيسيَّة: العملُ الوفير، الـمُلهِم والمدروس على حدٍّ سواء، الذي قام به «برنار نويل» في إطار هذه العلاقة العنيفة مع السَّريرة الصامتة. العنفُ الذي تشكِّل اللغةُ أداتَه وسلاحَه. ففي حوار مع «كلود أوليير – Claude Ollier» عام (1995)، أعلن: «لم يكن هناك شيء خارج اللّغة بالنسبة إليَّ. فليس هناك شيء غير قابل للوَصْف إلَّا لوجود ما هو موصوف». تشير هذه الملاحظة إلى الإنسان الذي عاش زمانه مثلما تشير إلى الكاتب والشاعر الذي كان عليه).

كما كتب أستاذ الأدب في جامعة «بال – Bâle»، «هوغز مارشال – Hugues Marchal»، في مجلّة «France culture» عدد (15) أبريل/نيسان (2021)، يستعرض عمل «برنار نويل»، ومحاولته إعادة القوّة النشطة إلى الكلمات، فقال: «إن تطوُّر التفكير في الرقابة كان مبكّراً جدّاً في عمل «برنار نويل»، خاصّة أنَّ الشاعر كان جزءاً من جيل تميَّز بالحرب الجزائريَّة، وآثار تشويه وسائل الإعلام، وسيطرتها التي- ربَّما- كانت موجودة خلال هذه الفترة. بالإضافة إلى ذلك، كان من آخر الـكُتَّاب الذين حُكم عليهم بإهانة الأخلاق؛ وذلك بسبب روايته «قلعة العشاء الأخير/ Le château de Cène»، التي نُشرت باسم مجهول عام (1969)، وقد اعتبر «برنار نويل» هذا النصّ شكلاً من أشكال الانتحار لأسلوبه وكتابته الخاصَّيْن».

تستحضر هذه الأقوال خصائص كتابة «برنار نويل»، وتقف عند سماتها الدَّقيقة؛ وبذلك تحقَّقت نبوءة هذا الشّاعر الفرنسي، حينما كتب في قصيدة «الاسم نفسه»: «حلمتُ أنّي كنتُ ميّتاً. أناسٌ كانوا ينطقون باسمي. حركة شفاهِهم كنتُ أشاهدُ. واسمي من شفة لأخرى كان يطير. لم يكن اسمي يعرفُ من أنا، لم يكن يعرف أنَّه اسمي. بيضاء كانت الشِّفاه». هكذا، رحل «برنار»، وترك إرثاً ثقافيّاً غنيّاً سيجعل كلَّ الشِّفاه تتناقل اسمه، على مرِّ العصور، لأنَّه كاتِبٌ استثنائي؛ كاتبٌ قد حمل همَّ قضايا عصره، والتزم بالكتابة عنها.

«البرفورمانس» والنصّ المتحرّك

هل أصبح الكَاتِب والشاعِر والمُفكِّر منشّطين تليفزيونيّين؟ ذاك هو السؤال المطروح منذ غلبةِ التليفزيون على الساحة الثقافيّة العالميّة، ومنذ توليّ فضاءات التواصل الاجتماعيّ إسناد التليفزيون في صناعة النجوميّة، قبل منافسته في صناعة القيمة.

كان مجتمعُ الفرجة يَبْرِي مخالبَهُ أيّامَ «غي ديبور وبورديو» في القرن العشرين، أمّا في بداية القرن الموالي، وخاصّة مع استعداد العالم للانخراط في «مرحلة ما بعد الكوفيد»، فقد باتت الفرجة «التباعديّة» هي القاعدة. وعليك أن تصنع الفرجة بنفسك إذا أردت أن «تصل».

من ثَمَّ ظلَّ لكُتَّابٍ كثيرين حضورٌ في الفضائيّات وعلى صفحات التواصل الاجتماعيّ، إلّا أن «حضورهم» كان في الغالب على حساب كُتبهم. وماذا يفعلون بالكتاب؟ «ليس في وسع كتابٍ في الطبخ أن يطفئ جوعك» هكذا يقول لك يوشيكاوا في «الحجر والسيف».

المُهمّ في نظر المسؤولين عن المشهد قدرة الكاتِب على صناعة الحدث وليس كتابه. «الاهتمام بكاتبٍ لِإعجابِنا بكتابِه كالاهتمام بحياة وَزّةٍ لإعجابنا بكبِدِها المُسَمّن»، هكذا يقول لك «غيّوم ميسو» في «طفلة الورق».

من مقتضيات الفرجة أن يتوفّر قدرٌ متصاعد من التشويق والإثارة والخصومات الدمويّة. بتلك الطريقة تمّت التضحية بالكثير من ألعاب القوى وتربّع الفوتبول على المشهد، وتفانى «المُعلّقون» في تعميم مُعجَم حربيّ ترتعد له الفرائص: أجهزوا عليهم أيّها الأبطال! نريد مقاتلين! يا لها من هزيمة شنيعة! لابدّ من الثأر!

حتى سباق الدرّاجات في تجلّياته الكبرى (طواف فرنسا أو إسبانيا أو إيطاليا) باتَ مسارُهُ مُحدّداً ومرسوماً بالشكل الذي يتيح انزلاقات بشعة وحوادث قاتلة أحياناً. كلّ ذلك طبعاً في سياق خطاب منافق مُضمّخ بعبارات أفرغت من كلّ معنى مثل الروح الرياضيّة وغيرها من الشعارات التي لم يعد يصدّقها أحد.

أصبح المُستثمرون في الإعلام والنشر يحدّدون «الرياضة» أو «الفن» الناجح والذي يستحق الحضور في الإعلام: ولا يمكن إفساح المجال طبعاً لخطاب «عميق» أو «نكديّ»، بل لابدّ من لعبة «مشهّية» ولاعبين ماهرين في الفضيحة والإثارة المبنيّة على مخاطبة الغرائز.

لقد أتيح لي على مرّ السنوات أن أشارك في العديد من التظاهرات الثقافيّة، خاصّةً في أوروبا وفي أميركا الجنوبيّة، ولاحظتُ أنّ الوضع لم يعد حكراً على لاعبي الفوتبول أو نجوم «الشوبيز»، بل صار ينطبق على الكُتَّاب وطال حتى المُفكِّرين والشعراء.

لقد سرت هذه العدوى الفرجويّة والمشهديّة والمنبريّة إلى الشعر العالميّ بسبب إغراءات «الميديا» وبسبب بحث الناشرين عن «رواج» منشوراتهم من خلال رواج كُتّابهم. بتحفيز من هؤلاء الناشرين انخرط شعراء كثيرون في البحث عن «الضجّة» أو الـ Buzz.

آدم فتحي (تونس)
آدم فتحي (تونس)

لقد لاحظت من خلال مشاركاتي في هذه المهرجانات حرصاً كبيراً على صناعةِ نجوميّة نوع جديد من الشعراء بتحفيز من الناشرين وإقبال من الجمهور، أُطلِقَ عليهم اسم «شعراء البرفورمانس»، فهذا يقرأ نصّه من «قرطاس»، والآخر يلقي قصيدته لاعباً بثعبان، والثالث يخلط بين الإلقاء والغناء والصراخ الهستيريّ!!

ليس من شكّ في أنّنا نعيش مرحلة «الميديا» و«الملتي ميديا» والرقميّات و«الحقيقة المُدمَجة». ولا ضير في أن ينفتح الشاعر على تقنيات زمانه، بل لعَلّ من واجبه ذلك. شرْط أن يكون كلّ ذلك خدمةً للنصّ الشعريّ لا «تمويهاً» وشعوذة للتستّر على ضعف النصّ أو رداءته.

استجابت «الميديا» فإذا هي تُشرع أبوابها أمام ظواهر مثل الـ Slam الذي اكتشفه الغرب في ثمانينيّات القرن العشرين بينما عرفناه نحن قبل قرون في هيئة «القوّال» أو «آلأديب» أو «الغنّاي»، والمُعارضات الشعريّة حامية الوطيس التي كانت تحفل بها الأعراس في بوادينا وأريافنا والتي تُرجمت اليوم إلى «مبارزات شعريّة».

لقد اعتدنا أن نرى الشعراء يختفون وراء قصائدهم لأنّهم يعتبرونها وحدَها الجديرة بالحضور، ولا يريدون التشويش على حضورها بحركة أو مظهر يغلب عليهم. إلّا أنّ الأمر تغيّر، وبتنا أمام قصائد تختفي وراء شعرائها لأنّها تحتاج إليهم كي تقف على قدميها.

ثمَّة أكثر فأكثر شعراء يعوّضون عن ضعف النصّ بحضورهم الإعلاميّ أو المنبريّ. يصنعون الحدث بأشياء من «خارج الشعر» فإذا قصائدهم تُقرأ من باب الفضول. أو ينخرطون في حقل شبيه بحقل «الستاند آب» وأحياناً «مسرح الممثّل الواحد».

هكذا أصبح الشأن بالنسبة إلى حضور الشعراء في فضاءات الإعلام. فالغلبة، مع احترام الاستثناءات، للشعراء الذين «يُمسرحون» حضورهم ويفتعلون المعارك ويتصنَّعون الضحك والتهريج ويعوّلون على أشياء من خارج القصيدة للمُشاركة في «البلاتوهات» كي يعتبرهم التليفزيون «زبائن» جيّدين.

هؤلاء هم شعراء الميديا و«البرفورمانس»، وهؤلاء هم المعنيّون بسؤالنا حين نراهم «يسكنون» بلاتوهات التليفزيون، محوّلين الكتابة والجدل الفكري والمُغامرة الفنّية إلى نوع من «التنشيط» التليفزيونيّ أو الإعلامي المحكوم بقواعد التسلية والترفيه.

علينا أن نشيد طبْعاً بشعراء «النصّ» الذين يشتغلون على نصوصهم، ثمّ لا يضيرهم بعد ذلك أن يشتغلوا على إلقائها أو «أدائها الركحيّ» الذي يدخل على النصّ «حركة» أو يعيد المُصالحة مع «الشفهيّ» أو يرتقي بالنصّ إلى مرتبة الكوريغرافيا أو «الفرجة الشاملة».

هؤلاء لا يفسدون للشعر قضيّة، بل يسندون المُغامرة ويَمُدّون الإبداع بجمهور جديد.

لقد تابعتُ بإعجاب كبير بعض التجارب في هذا السياق، وأتيح لي أن أرى نماذج من هؤلاء الشعراء الجدد، في فرنسا تحديداً، مثل «سيسيل كولون» و«روبي كور» اللتين قرأتا أشعارهما في عشرات المكتبات والفضاءات الثقافيّة وكسبتا بذلك الكثيرين إلى الشعر والكتاب والبحث.

إنّهما تكتبان شعراً متحرّراً، مُحرّراً، في لغة الحياة اليوميّة البسيطة، بسرديّة محسوبة، متخلّصة من إكراهات الوزن والبلاغة، نابعة من سيرة الشاعر الذاتيّة، بما تعنيه من تجارب وخبرات ولقاءات ومعرفة، عن طريق لوحات ومشاهد تعبّر عن المعيش، وتعيد تفكيكه وتركيبه لإنتاج أحاسيس وانفعالات، قريباً من أجواء الشعراء الأميركيين «شارل بوكوفسكي» و«ريمون كارفر».

لكن ماذا عن الشعر العربيّ.

الشعر إقامة في العالم. وليس من السهل أن تقيم في عالم اليوم من دون أن يؤثِّر فيك هذا العالم. لذلك يمكن الانتباه إلى وجود متزايد لشعر «البوفورمانس»، دون أن يكون ذلك بالضرورة على حسابِ شعرِ «النصّ المتحرّك» أو النصّ «الكوريغرافي».

لقد عرف الشعر العربيّ في مراحله القديمة الكثير من هذه الظواهر. وقد يكون من طبيعة الإبداع أن يُجدّد بعضَ قديمه ويذهب به إلى حيث لم يذهب، بعيداً عن التكرار والاتّباع. إلّا أنّ في هذه الظواهر ما أحسنّا فعلاً بتجاوزه، ومن ذلك ما يُصاحبها من صنعة وافتعال وتستُّر على هشاشة النصّ بنوع من البهارات الفرجويّة والشعوذة المنبريّة.

لقد صالحت هذه التقنيات الحديثة من جديد بين الجسد والنصّ وأعادت الشاعر أو الكاتب إلى مقدّمة المشهد بعد أن تراجعت به ثقافة العين إلى ما وراء الصورة، كما ردمت هذه التقنيات الفجوة الفاغرة بين المقروء والمسموع. ولعلّها في الطريق إلى المزيد من ذلك.

لماذا تخجل هوليوود من تاريخها؟

«هذا البرنامج يحتوي على صورةٍ سلبية وتناول خاطئ تجاه بعض الجماعات أو الثقافات. ذلك التنميط كان خطأً في الماضي، ومازال خطأً إلى الآن. وبدلاً من أن نحذف هذا المُحتوى أردنا الإقرار بأثره الضار، والتعلُّم منه، وإشعال نقاش يهدف لخلق مستقبل أكثر تسامحاً». بهذا البيان التحذيريّ اختارت منصّة (ديزني+) أن تستهل عدداً من أشهر العناوين في مكتبتها الفيلميّة الضخمة المُكوَّنة من إنتاجات الشركة المُمتدَّة عبر تاريخ صناعة السينما، أفلام اعتدنا مشاهدتها في الماضي والاستمتاع بها.

أفلام مثل: (Dumbo, Peter Pan, Jungle Book, The Muppet Show) وغيرها. أصبحت إشكالية، «Dumbo» بنسخته القديمة مثلاً، يبدو مجرَّد فيلم كارتوني رقيق يدور في عالَم الغابة والحيوانات، لكن بعض الأصوات النقديّة المُعاصِرة وجدت فيه مقارَبة بين الطيور ذات اللون الأسود في الفيلم وبين المُواطنين أصحاب البشرة السوداء في المُجتمع الأميركيّ، كتب ترافيس أندرسون في مقال نشرته واشنطن بوست في مارس/آذار 2019، أن الفيلم يبالغ في جعل تلك الطيور تتماهى مع العرق الإفريقيّ، في لكنتهم، وفي مصاحبة موسيقى الجاز لمشاهدهم وهي موسيقى مرتبطة بالسود، كما أن هناك ممثِّلاً أبيض «كليف إدواردز» يقوم بالأداء الصوتيّ لأحد تلك الطيور السوداء ويحاول بصوته مُحاكاة ما سمّاه «أصوات الأفارقة»! ووجد ترافيس أنها تفاصيل إشكالية تنمُّ عن رؤية عنصريّة لصُنَّاع الفيلم.

وجدت «ديزني» تلك الانتقادات سبباً كافياً لحجب بعض تلك الأعمال عن مستخدمي المنصّة من الأطفال، والذين كانت توجَّه تلك النوعية من الأعمال لهم بالأساس، واكتفت بعرضها على المُستخدمين البالغين يسبقها ذلك التحذير، مع إضافة رابط لمقطع فيديو توعوي ضدّ الانحياز اللاواعي للذكور البيض، وعن ضرورة توازن التمثيل العرقيّ للأعمال الفنِّيّة، والحذر من تمرير أية تفاصيل قد تجرح مشاعر الأقليّات والجماعات البشريّة الأقَلّ تمثيلاً.

ما تفعله منصّة «ديزني»، سبقتها إليه منصّة «HBO Max» في يونيو/حزيران من العام الماضي، حيث قامت بحذف الفيلم الكلاسيكيّ «Gone with the Wind – ذهب مع الريح» (1939)، بعد ساعات من نشر مقال مضاد للفيلم بواسطة الكاتِب والسيناريست «جون ريدلي» بجريدة «لوس أنجلوس تايمز»، كتبه «ريدلي» انفعالاً مع حملة «حياة السود مهمّة» ردّاً على أحداث مقتل المُواطن الأميركيّ «جورج فلويد» بدمٍ بارد على يد الشرطة. وطالب «ريدلي» في مقاله برفع هذا الفيلم المُصنَّف بين روائع السينما الكلاسيكيّة والأنجح من حيث تحصيل الإيرادات تاريخيّاً، بزعم أنه يجمِّل العبوديّة، وينحاز لولايات الجنوب الكونفدراليّة في الحرب الأهليّة، وهي التي كانت ترفض تحرير العبيد، إضافة لأنه «يعرض أصحاب البشرة المُلوَّنة بصورة نمطيّة مؤلمة».

قرار «HBO» برفع الفيلم قُوبِل بهجومٍ مضاد هذه المرّة، باعتباره شكلاً من الرقابة التي تجاوزها الغرب، ومحاولة لدفن صفحة من التاريخ القومي للولايات المُتحدة، فضلاً عن كونها صفحة شديدة الأهمِّيّة في تاريخ فن السينما، ما أدَّى بعشَّاق الفيلم وأصحاب الفضول من الأجيال الجديدة ليسارعوا بشراء نسخة الديفيدي للفيلم كردِّ فعل، وتصدر الفيلم قائمة الأسطوانات الأعلى مبيعاً في ذلك الشهر رغم مرور (81) عاماً على إنتاجه.

الهجوم المُضاد على مقال «ريدلي» شمل عرض وجهات نظر مختلفة عن الفيلم، ومطالبات بعدم تحميله ما يفوق سياقه التاريخيّ، فهو فيلم يتناول حقبة حساسة في تاريخ الولايات المُتحدة، ويتعامل مع معطياتها بشكلٍ واقعي دون تعمُّد بالإساءة لأي فئة، والحرب الأهلية التي تدور داخل أحداث الفيلم لم تكن موضوعاً رئيسيّاً، مثلها مثل قضية العبيد وحصر أصحاب البشرة المُلوَّنة في مهن الخدم، فكلّها بمثابة ديكور هامشي للفيلم، ولم ينحز الفيلم لقضية الجنوب الفيدراليّ ضد حلفاء الشمال بقدر ما كان مهتمَّاً بسيرة شخصيّات تعيش أصلاً في الجنوب بولاية جورجيا، بل يقدِّمهم في بداية الفيلم كمجموعة من المُتغطرسين والموهومين بالكبرياء والشوفينيّة التي تكون سبباً في هزيمتهم بالحرب، وينحاز الفيلم للأصوات العاقلة منهم مثل شخصيّة «آشلي» (ليزلي هوارد) أحد القادة العسكريّين في الجنوب، وهو فارس نبيل كان يرفض فكرة الحرب ويودُّ لو تمَّ حلّ النزاع سلميّاً، ونسمعه يقول في أحد المشاهد -بعد خسارة الحرب- إنه كان يخطِّط لتحرير العبيد على أي حال، وبغض النظر عن نتيجة الحرب.

لكن «ذهب مع الريح» هو بالأساس قصّة إنسانيّة عن الحبّ والغيرة والفرص الضائعة وكيف يتطوَّر المرءُ تكيُّفاً مع الظروف. وهو فيلم يتمتَّع بحيثيّة فنِّيّة بالغة الأهمِّية، حيث كان من أوائل الأفلام التي اختارتها مكتبة الكونغرس الأميركيّة للحفظ باعتباره وثيقةً ثقافيّة، ويحتلّ المرتبة الرابعة في قائمة معهد الفيلم الأميركيّ لأفضل (100)فيلم في التاريخ. وتسبَّب الفيلم في أول جائزة أوسكار في التاريخ تذهب لمُمثِّلة من أصحاب البشرة السمراء، وهي «هاتي ماكدانيل» التي جسَّدت شخصيّة المُربية «مامي». وهناك عشرات الدلائل على تأثيره الإيجابيّ في تاريخ فنّ السينما.

الناقِد والمُؤرِّخ الفنّي «بين مانكويتس» اعترف بأن بعض تفاصيل الفيلم التاريخيّة قد تُشعر بعض الفئات بعدم الراحة أثناء المُشاهَدة، لكنه شدَّد على تبنِّي الفيلم لرؤية تقدُّميّة سابقة لزمنه، تتعلَّق بعرض نموذج قوي عن المرأة في المُجتمع الأميركيّ بوقت كانت النساء على الهامش، ويرى أن تلك هي الطريقة الأمثل لتلقي فيلم كهذا، الاندماج مع البطلة «سكارليت أوهارا» التي تمثِّل جانباً نسويّاً مدهشاً، في كلّ مرّة تخسر هذه المرأة كلّ شيء، تتدارك خسائرها سريعاً، وتعاود الوقوف على قدميها لتكون أقوى ممّا كانت عليه، مدعومة بالأداء الفريد من المُمثِّلة «فيفيان لي» التي فازت بجائزة الأوسكار عن دورها.

منصّة «HBO» استجابت للانتقادات وأعادت الفيلم للعرض على منصّتها بعد أيامٍ من رفعه، ولكن سبقته بشاشة سوداء بها تحذير بأن الرؤية «العنصريّة» للفيلم كانت خطأ في الماضي، وهي خطأ الآن، وأضافت «لقد شعرنا بأنه من عدم المسؤوليّة لو أبقينا عرض هذا الفيلم بدون شرح وإدانة لمُحتواه». وأرفقت المنصّة مقطعين خارجيين لنُقَّاد يشرحون الفيلم بوضعه في سياقه التاريخيّ، كي تتقبَّله الأجيال الجديدة التي تربَّت في عصر «الصحوة».

وعمَّمت المنصّة تلك الوسيلة على عددٍ من أفلامها ومسلسلاتها المعروضة، فامتدَّت التحذيرات لكلاسيكيّات أخرى مثل «Blazing Saddles» (1974) وهو فيلم كوميدي شهير للمُخرج «ميل بروكس» يسخر من الأنماط الشائعة بأفلام رعاة البقر، ويقدِّم شخصيّات تمارس العنصريّة على المُلوّنين من باب الفكاهة، وأرفقت المنصّة مع التحذير مقطع فيديو للمُؤرِّخة «جاكلين ستيوارت»، أستاذة السينما بجامعة شيكاغو، توضح فيه أن المُمارسات العنصريّة تُقدَّم في إطار ساخر، وينتقدها الفيلم بإظهار أبطالها جهلة وضيقي الأفق، وهُم بذلك ليسوا نماذج عليا، بل نماذج مُدانة.

سياسة التحذيرات وصلت لفيلم «علاء الدين» بالنسخة الكارتونيّة (1992)، وبالنسخة الحيّة (2019)، حيث تعرضه منصّة «Sky» لمُشتركيها مسبوقاً بعبارة «هذا الفيلم يحتوي على طباع ولغة وتمثيل ثقافيّ عفَّى عليها الزمن، وقد يجرح البعض الآن».

الأمر لم يقتصر على المنصّات، وامتدَّ لقنوات الكابل التليفزيونيّة، وأبرزها قناة «TCM» بنسختها الأميركيّة، وهي قناة شهيرة في معظم مناطق العالَم، ومتخصِّصة في عرض كلاسيكيّات السينما من العصر الذهبيّ لهوليوود. فمنذ أسابيع قرَّرت القناة اتّباع سياسة التحذيرات، إذ يتمُّ تقديم فيلم «ذهب مع الريح» بهذه الطريقة: «نعرض الفيلم بالحالة الأصلية التي عُرِضَ بها عام 1939. وتحتوي على تيمات وتمثيل إشكالي، وربّما يجرح المُتفرّج المُعاصِر».

وقرَّرت القناة إنتاج برنامج حواري جديد بعنوان «Classics Reframed» ليتمَّ بثه قبل عرض الأفلام «الإشكالية» بدقائق، وهو عبارة عن مائدة تجمع عدداً من النُقَّاد ومؤرِّخي السينما بهدف وضع الأفلام في سياقها التاريخيّ، والكشف عن العناصر المُسيئة ثقافيّاً بها.

ومن أبرز الأفلام الكلاسيكيّة التي تتعرَّض للتنقيح الثقافيّ رائعة ألفريد هيتشكوك  «Psycho» (1960)، إذ يرى البعض أن الفيلم يسيء لفئة المُتحوِّلين جنسيّاً، ويربطهم بالمرض العقليّ. وهو ادّعاء مردود عليه، إذ إن شخصيّة المعتوه التي يجسّدها «أنطوني بيركنز» في الفيلم لم يكن يرتدي ملابس النساء لأنه متحوِّل، بل لأنه متأثر بأمّه لدرجة مهووسة، وحين يفعلها لا يستهدف التشبُّه بالنساء بصفةٍ عامة، لكن بأمه تحديداً، ويستخدمها هيتشكوك كأداةٍ بديهيّة لإحداث الفزع نظراً لغرائبيّة أفعال الشخصيّة وعدم تناسق هيئتها، وليس بغرض الإساءة لأي فئة.

أيضاً، تستهدف الرسائل التحذيريّة وبرنامج التنقيح بعض الروائع الكلاسيكيّة الأخرى مثل الفيلم الرومانسيّ «Breakfast at Tiffany’s» (1961)، إذ كان يفترض أن يجسِّد دور البطل ممثِّل بملامح آسيويّة مثلما جاء بالرواية، في حين قدَّمها جورج بيبارد بملامحه الشقراء، واعتبر المُنتقدون هذا نوعاً من التبييض المرفوض بمنطق عصرنا.

في البرنامج يشرح المُؤرِّخون سبب اختيار ممثِّل أبيض لأداء شخصيّة آسيويّة كقرار إنتاجيّ؛ خوفاً من ترسُّبات سلبية عند المُجتمع الأميركيّ منذ الحرب العالمية الثانية جرّاء المُواجهات ضد اليابان.

الفيلم الملحميّ الشهير لـ«جون فورد» «The Searchers» (1956) متهم من القناة بتقديم السكّان الأصليّين للولايات المُتحدة بصورةٍ مسيئة وعنصريّة، وكذلك في «Guess Who’s Coming to Dinner» (1967) رغم أنه كان يهدف بوقته لبث رسالة مضادة للعنصريّة بشكلٍ مباشر، لكنه متهم الآن بتقديم صورة عفَّى عليها الزمن عن المُلوَّنين. وفيلم «Seven Brides for Seven Brothers» (1954) متهم بالترويج للذكوريّة الكريهة. والقائمة تطول…

مقدِّمو البرنامج يؤكِّدون في كلِّ لحظة أنهم لم يأتوا بغرض منع الأفلام أو دفنها أو ممارسة نوع من الرقابة، بل لإتاحتها للعرض في سياق يناسب العصر، مدعوماً بالشرح. لكن أي شرح؟ وهل تحتاج البديهيات لشرح؟!

لديّ شكوك بأن هذه الطريقة الأمثل للتعامل مع الكلاسيكيّات، فهناك شبهة وصاية على إرادة المُتلقي وعقله وضميره، وافتراض بغباء هذا المُتلقي وعجزه عن التمييز والاستيعاب بأن ما يشاهده منتجات ثقافيّة تنتمي لعصرها.

لا مشكلة من دراسة تلك الأفلام تاريخيّاً وتنقيحها اجتماعيّاً بفتح مناقشات حول محتواها، هذا كان يحدث بالفعل في السلك الأكاديميّ والصحافيّ، ولم يتوقَّف يوماً، بينما سياسة التحذيرات والحجب وإرفاق الشروحات التي تسبق العرض، هذا كلّه لا يعمل على فتح نقاش ثقافيّ بقدر ما يعمل على بث سمعة شعبويّة سيئة عن تلك الأفلام، وهو نوعٌ من التوجيه السلبي للمُتفرِّج المُحايد، إذ تقوم تلك التحذيرات المُبهمَة بشحنه بانطباعات مسبقة عمّا يراه مما قد يؤثِّر في حكمه.

كما أنها تنزع حُسن نوايا المُتلقي لاستخلاص المُتعة الفنِّيّة والقيمة الأدبيّة، وتحوّله لمُتفرِّج مرتاب، متشكك، مدقّق في كلّ تفصيلة هامشية بوتيرة مهووسة، يملؤه شعور بالذنب لمجرَّد الإقبال على عملٍ فنّي يعتبره البعض إشكاليّاً. وإن لم يعثر على شيء مسيء فسيقوم باختراعه.

نعم، تلك المُمارسات لا يمكن تصنيفها كرقابة بالمفهوم الكلاسيكيّ، لكنها على الأقلّ تسميم للبئر، أو كما تذهب مقولة راي برادبري الشهيرة: «ليس عليك بحرق الكتب لتدمِّر الثقافة، فقط اجعل الناس يكفُّون عن القراءة». والحال المُقابل هنا لا تمنع الأفلام في عصر لم يعد المنع قابلاً للتطبيق، فقط املأ الدنيا بالتحذيرات وشعارات التلويح بالفضيلة والتعالي الأخلاقيّ.

موقف المثقَّف بين المتنبِّي والمعرّي وطه حسين

نستكمل، في هذا المقال، ما بدأناه في العدد الماضي من الكشف عن أن طه حسين، في كثير من دراساته التي كتبها عن الأدب القديم، كان يزن الكُتَّاب والشعراء، بميزان الجدل العقلي والنقد الموضوعي الذي يموضع الكاتب أو الشاعر في العصر الذي انبثق منه، ومارسَ فاعليَّته فيه، بالإضافة إلى حرص طه حسين، في الوقت نفسه، على استخدام هذه الدراسات كمرآة للتناظر مع الواقع أو التناقض معه، وكأنه يضرب بأعلام أدبنا القديم المَثل الذي يُحتذى -كما هو الحال مع المعرّي – أو الذي لا يريد له أن يسود في الواقع الراهن، فيكشف للقرَّاء سوءاته، كما هو الحال مع المتنبّي.

بعد أن صَحِبَنا في (مع المتنبّي) في رحلة تكوينه النفسي، والاجتماعي، والمعرفي، وكيف بدأ يكوِّن زاده الشعري، واللغوي، ثم كيف استخدم هذا الزاد في مدح ذوي الجاه والسلطان؛ يلفت نظر قارئه، بعدما مضى معه أشواطاً في مسيرة المتنبّي الحياتية، والشعرية، إلى ظاهرة مهمّة تتعلَّق بأهمَّ ما خَلَّد هذا الشاعر؛ أي براعته الشعرية وتجويده لفنّه: «أنَّ ظاهرة قد اطردت فِي حياة هَذَا الشاعر، فهو لم يستطع أنْ يرقى بفنّه إلّا فِي ظلِّ حامٍ يحميه ويعطف عليه، وهو لم يستطع أن يعيش عيشة الشَّاعِر المنتج المرتقي بفنَّه شيئاً فشيئاً، إلّا فِي كنف الأشراف والسادة والأمراء، كأنه النبت الطفيلي، لا ينمو ولا يزهر إلّا فِي ظلّ الشجر الضخام المرتفعة فِي السماء»(1).

وياله من حكم يجهز على أيّ أمل في استقلال الشاعر، أو تعهُّده الحرّ لموهبته واستقلال مواقفه. ثم يضيف إلى هذه الطفيلية: «ولنلاحظ هذه الظاهرة بالقياس إلى شخصية المتنبّي؛ فهي تقفنا على أخصّ ما يمتاز به هَذَا الرجل من التناقض الغريب بين رأيه فِي نفسه وسيرته بين الناس، فهو قد كان، فِي شبابه، لا يطمح إلّا إلى الحرّيّة، ولا يطمع إلّا فِي الاستقلال، وهو قد ألقى نفسه فِي السجن، وعرَّض نفسه للموت فِي سبيل حرّيّته واستقلاله، ولكنه لم يكد يظفر برعاية أمير من الأمراء أو سيِّد من السادة، حتى نزل عن نفسه، وضحّى فِي سبيله بهذه الحرّيّة، وذلك الاستقلال، وأغرب من هَذَا أنَّ سيف الدولة لم يشغل المتنبّي عن غيره من الأمراء والملوك، فحسب، بل شغله، أَيْضاً، عن الشعر الخالص… فهذا كلّه يدلّنا على أنَّ المتنبّي كان يتَّخذ الشعر وسيلة لا غاية، وعلى أنه كان عبداً للطمع والمال، لا للجمال والفنّ».(ص 147 – 148).

لذلك، لم يكن غريباً أن يكرّر رأيه فيه بوضوح بالغ، لمن لم يفهم مسار تناوله له حتى وصوله إلى سيِّده الأخير «كافور»: «إلى هَذَا الحال انتهى حين فارق سيف الدولة، وألقى بنفسه بين يدي سيِّده الجديد «كافور»، جَحَد ماضيه كلّه، ورفض آراءه كلَّها، ونزل حَتَّى عمّا كان خليقاً أنْ يحتفظ به من أَيْسَر الكرامة، وأهْوَن الكبرياء، ولا تقل إنه كان محتاجاً إلى هذه الذلّة، مضطرّاً إلى هَذَا الهوان، عاجزاً عن أنْ يحيا حياة كريمة مستقلّة، خالصة للفنّ، فلم يكن المتنبّي، في ذلك الوقت، بائساً ولا فقيراً، بل كان بعيداً كلّ البعد عن البؤس والفقر، أخذ من سيف الدولة مالاً كثيراً جدّاً، ولم يسرف فِي هَذَا المال، بل أسرف فِي حسن تدبيره، وشدّة القيام عليه، حَتَّى انتهى به إلى البخل القبيح. وخرج من ملك الحمداني يسوق بين يديه مالاً ضخماً، ويحيط به عدد من الرقيق، فلو شاء أنْ يعيش حُرّاً كريماً مستقلّاً لما وجد فِي ذلك مشقّة، ولا جهداً».(ص 243).

ثم ما يلبث أن يدينه أبلغ إدانة لهذا كلّه (في تعزيز لأطروحته الأساسية عنه)، ويؤكِّد ما ذهب إليه طوال تحليله لمسيرته الشعرية، والمعرفية، والحياتية: «… أنَّ المتنبّي إنما كان شاعراً كغيره من الشعراء، ورجلاً كغيره من الناس، قد رفع نفسه فوق قدرها، وزعم لها ما ليس من أخلاقها، وطمع فيما لا ينبغي لمثله أنْ يطمع فيه. ظنَّ نفسه حُرّاً، ولم يكن إلّا عبداً للمال، وظنَّ نفسه أبيّاً، ولم يكن إلّا ذليلاً للسلطان، وظنَّ نفسه صاحب رأي ومذهب، ولم يكن إلّا صاحب تهالُك على المنافع العاجلة التي كان يتهالك عليها أيسر الناس أمراً، وأهونهم شأناً».(ص244).

وكأني به يجمع، هنا، جلّ القيم التي يجب على المثقَّف أو على الشاعر الحقّ، أن يتحلَّى بها: الحرّيّة التي لا ترضى، بأيّ شكل من أشكال العبودية، سواء أكانت للمال أم كانت للسلطان، والإباء الذي يحمي به عزّة نفسه وكرامته من كلّ سوء، والوعي بضرورة أن يكون المثقَّف صاحب رأي وموقف ممّا يدور في الواقع الذي يصدر عنه، وألّا يتهالك على المنافع التي يتهالك عليها أيسر الناس. ويضعها جميعاً مرآة لمن يريد، حقّاً، أن يرى نفسه، وأن يزن الآخرين بالعدل.

صبري حافظ

لذلك، كان طبيعياً، وقد أقام تلك المرآة، أن يرينا فيها الوجه الآخر للمتنبّي. حينما يقيم تناظراً بينه وبين أبي العلاء المعرّي، من حيث الوعي والموقف واستقلال المثقَّف: «وقد جاء بعد المتنبّي رجل آخر، رفع نفسه عن الدنيا وعن شهواتها ولذّاتها ومنافعها العاجلة، واحتقر الناس وازدراهم، وأنكر الملوك والأمراء، وزهد فِي التقرُّب إليهم والدُّنوِّ منهم، وأراد لنفسه أنْ تكون نفس الرجل الحرّ الكريم، ولعقله أنْ يكون عقل الرجل الحكيم الفيلسوف، فوفى لنفسه وعقله بكلّ ما أراد، ولم يكن أَقلّ شاعريّةً من المتنبّي، ولم تسعده الأيّام كما أسعدت المتنبّي، فقد حرمته بصره، ولم تتح له من الغنى والثروة ما يكفل له لين الحياة، وخفض العَيْش، ومع ذلك عاش كريماً، ومات كريماً، ولم يتعلَّق عليه أحد بذلّة، ولم يغتمز فيه أحد هفوة».(ص244).

هنا، يقيم طه حسين أمام أيّ متأمِّل لحياة المتنبّي وشعره مرآة، عليه أن يعرض عليها صورته قبل أن يصل إلى حكم نهائي عليه؛ ألا وهي صورة الشاعر المثقَّف المستقلّ. شاعر ترفع عن الصغائر كلّها، وصبّ كلّ اهتمامه العقلي على عمله، فارتقى به إلى مصافّ الحكيم الفيلسوف. بل إن هذا الموقف سرعان ما رفد شعره بالتفوُّق الفنّي، والعمق الفكري معاً.

وحينما تناول شعره في كافور، والذي يعتبره من أعذب شعره، برهن لنا، عبره، أن «كافوراً» استطاع بفطنته، أن يكشف حقيقة المتنبّي، وأن يعامله على قدر ما استشفَّه من حقيقته، فآلم ذلك المتنبّي، وما أشد ألم مواجهة النفس لمن يخادعها!، وكيف أنه بعد أن يئِس المتنبّي من أن يولِّيه كافور ما كان يطمع فيه من ولاية، فرّ منه وهجاه. فكشف، بذلك، لا عن صغر «كافور»، فحسب، بل عن صغره هو، وهو يقول عكس ما قاله فيه لسنوات، ممّا عرّى المتنبّي حقّاً: «فالمتنبّي فِي قصّته مع كافور كلّها صغير حقّاً، صغير حين مدح، وصغير حين هجا، وصغير حين رضي، وصغير حين غضب»(ص279). ثم يسقط المتنبّي، تماماً، في عينيه، حينما يقتل نفساً بغير حقّ، لمجرَّد أنها سرقت شيئاً من متاعه. ويروي علينا قصّته في أثناء فراره من كافور متوجِّهاً إلى العراق، وكيف نزل في بعض طريقه «بأعرابي من طيِّئ، يُقال له وردان بن ربيعة، فجعل هَذَا الأعرابي يُفسد عبيده، وجعل العبيد يسرقون له من متاع سيِّدهم، فلما شعر المتنبّي بذلك، وعرف أعظم عبيده حظّاً من هَذَا الشرّ، ضربه بالسيف فأصاب وجهه وجدع أنفه؛ ثم أمر غلمانه أنْ يجهزوا عليه، ففعلوا».

ويعلِّق على ذلك: «إنما الشيء الخطير حقّاً؛ هُوَ إقدام المتنبّي على القتل فِي سبيل ما كان يسرق هَذَا العبد من متاعه، فذلك لا يصوّر بخله وحرصه على المال، فحسب، بل يصوّر، كذلك، ما هُوَ شرّ من هذا؛ يصور استهانته بالحياة الإنسانية، واستباحته الدم الإنساني فِي سبيل متاع يقوَّم بالدراهم والدنانير. وأَقلّ ما يوصف به هَذَا الإثم أنه لا يصوّر نفساً شاعرة متحضّرة رقيقة الحسّ، متأثِّرة بالفلسفة، فضلاً عن الدين الذي لا يبيح دماء الناس فِي مثل هذه الصغائر، ولو أنَّ حياة المتنبّي كلّها خلت من النقائص والعيب، لكانت هذه الحادثة وحدها خليقة أن تسبغ عليها لوناً أحمر قانياً يبغضها ويبغض صاحبها إلى الناس»(ص288).

ويخلص من هذا كلّه إلى تذبذب المتنبّي في مسارات تبدو متعارضة، «فقد رأينا الشاعر، بعد محنته في شبابه، يُدفع شيئاً فشيئاً إلى طريق الشعراء من قبله، ويتهاون شيئاً فشيئاً في الاحتفاظ بما كان له من مذهب ورأي. رأيناهُ يُفرط في القرمطية، وإنْ احتفظ بشيء من الحنين إليها، ثم رأيناه يمدح غير العرب حين تدعوه الضرورة إلى ذلك، ثم رأيناه يتكلَّف الشعوبية في مدح الروزباري بدمشق، ثم رأيناه يعود إلى عربيَّته حين يتصل بالحمدانيين، ثم رأيناه، بعد ذلك، يُعرض عن هذه العربية، وينقطع إلى عبد زنجي أو نوبي في الفسطاط، فيمدحه ما امتدَّت له أسباب الطمع فيه، ثم رأيناه يستردّ عربيَّته ويعود إلى العراق وقد آثر الحيدة والهدوء، ثم رأيناه، آخر الأمر، يغلب على قرمطيَّته وعلى عربيَّته معاً، فإذا هُوَ يهجو القرامطة ويقاتلهم بالسيف والرمح، من جهة، وإذا هُوَ يمدح دلِّير، ويؤثر ابن العميد وعضد الدولة على صديقه الحمداني القديم، من جهة أخرى. هُوَ يعود الآن إلى العراق، وقد ضحى في سبيل المال والمجد الشخصي، بالقرمطيّة والعربيّة معاً تحت أقدام البويهيِّين».(ص312).

وينهي كتابه، بعد اكتمال الفصل الثامن «خاتمة المطاف» من الكتاب الخامس «غنيمة الإياب»، بأن يذكر أنه أملاه في «سالنش – Sallanches» في يوليو/تموز (1936)، و«كمبلو – Combloux» في أغسطس/آب (1936)، في منطقة «السافوا العليا – Haute-Savoie» جنوب شرقي فرنسا. لكنه يضيف بعد عودته إلى القاهرة، تذييلاً أخيراً يكتبه في بيته بالزمالك، في يناير/كانون الثاني (1937)، في أثناء طباعة الكتاب، ويُعَنْوِنه بـ«بعد الفراغ». في نوع من النهاية الدائرية (إن صَحَّ التعبير)، بالعودة إلى ما بدأ به من أن الكتاب يتيح لنا معرفة ما يشغله أكثر من التعامل معه كموضوع لبحث، استثارَتْه مناسبة الاحتفال بألفيّة المتنبّي. حيث يؤكِّد، مرّة أخرى، أن هذا الكتاب يصوِّره هو أكثر ممّا يصوِّر المتنبّي: «أريد أنْ ألاحظ أنَّ هذا الكتاب إنْ صَوَّر شيئاً، فهو خليق أنْ يصوِّرني أنا في بعض لحظات الحياة، في أثناء الصيف الماضي، أكثر ممّا يصور المتنبّي، وإنه لمن الغرور أنْ يقرأ أحدنا شعر الشاعر أو نثر الناثر، حتى إذا امتلأت نفسه بما قرأ، أو بالعواطف والخواطر التي يثيرها فيها ما قرأ، فأملى هذا أو سَجَّله في كتاب، ظنَّ أنه صوَّر الشاعر كما كان، أو درسه كما ينبغي أنْ يُدرَس، على حين أنه لم يصوِّر إلّا نفسه، ولم يعرض على الناس إلّا ما اضطرب فيها من الخواطر والآراء»(2). ثم يضيف: «إنَّ نقد الناقد إنما يصوِّر لحظات من حياته، قد شُغل فيها بلحظات من حياة الشاعر أو الأديب الذي عُني بدرسه». وكأنه يردّنا إلى فكرة المرآة التي أشرت إليها، في بداية حديثي عن هذا الكتاب؛ وهي ضرورة أن نفهم العمل وأطروحته الأساسية حول دور الشاعر/ المثقَّف في مجتمعه، وأهمِّيّة أن يخلص لمشروعه، ويحقِّق استقلال موقفه إزاء السلطة، لا أن يكون تعبيراً عنها، أو مسجّلاً لما تريده منه، ناهيك عن أن ينحطَّ إلى التعبير عمّا لا يؤمن به من أجل المال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

1 – طه حسين (مع المتنبّي). الطبعة التي اعتمدنا عليها، هنا، هي طبعة القاهرة، مؤسَّسة هنداوي للتعليم والثقافة، (2013)، ص 139، وسنشير بعد ذلك للمقتطفات من الكتاب؛ برقم الصفحة من تلك الطبعة.

2 – المرجع السابق، ص 315.

الدبلوماسية الثقافيّة.. ما قبْل وما بعد!

من الضروريّ إثراء صنف المُلحقين الثقافيّين بعددٍ من الأدباء والمُثقَّفين، شباب الروح والخيال، الذين تتوفَّر لديهم الرغبة والشروط. إمّا كمُلحَقين وإمّا كمُختصّين يُساعدون المُلحقين في مجال اختصاصهم. هذا الأمر معمول به من القديم. وقد رأينا سلسلةً تكاد لا تنقطع من الأدباء الدبلوماسيّين من «شاتوبريان» إلى «صلاح ستيتيّة» ومن «كارلوس فوينتوس» إلى «نزار قباني»، دون أن ننسى الحاصلين على جائزة نوبل للآداب: «سان جون بيرس» و«أستورياس» و«بابلو نيرودا» و«أوكتافيو باث»، وغيرهم كثير.

قد تختلف سنواتُ ما بعْدَ (الكوفيد) في التعامُل مع الكثير من الخيارات، وخاصّة فيما يتعلَّق بالتعامُل مع المكان: المكان بوصفه ماكينة جديدة لإنتاج التقارب والتباعد على الأرض وفي اللُّغة والفكر تحديداً. ولعَلّ من السهل الانتباه في مُعظَم دُوَل العالم إن لم يكن في كلِّها، إلى ظهور تركيبةٍ ماديّة لُغويّة جديدة تبشّر بهذا «المكان الجديد»، الذي قد يضع «الحوارَ عن بُعد» جنبَ «الجوارَ عن بُعد».

في هذه التركيبة الماديّة اللُّغويّة الجديدة، المُتحالفة مع واقع متجدِّد، قد نرى وزارات الثقافة والتربية والسياحة والخارجيّة تُشكِّلُ رأسَ حَرْبة، في تحالُف مع دوائر الاقتصاد والمال والتنقّل، على أساس أنّ الخطّ الأوّل للدفاع عن الداخل يبدأ من الخارج، وأنّ النجاح داخل الحدود يبدأ من الخارج، فيما يمكن أن نسمِّيه «الدبلوماسيّة الثقافيّة».

آدم فتحي (تونس)
آدم فتحي (تونس)

تحرصُ الدول ذاتُ الرؤية الاستراتيجيّة على المُوازاة بين عملها الدبلوماسيّ المحض وعمل المُستشاريّات والمراكز الثقافيّة وتختار لهذه المُستشاريّات والمراكز مسؤولين من طرازٍ خاصّ، بل تنتدب لها في أحيان كثيرة مسؤولين من كبار مُثَقَّفِيها. لكنْ ماذا سيكون علينا أن نفعل قبل ظهور «الصعوبات الجديدة» وما قد تتضمَّنه من «نظرةٍ مختلفة» إلى السفر والتنقّل؟

ليس من السهل طبعاً اختزال مواصفات المُلحق الثقافيّ الناجح قبل (الكوفيد) وبعده. لقد شرع محلِّلون مختلفون في النظر إلى «مشهد الرحلة والفرجة» وهو يعيد تركيب صورته وترتيبها في ضوء ما يحدث، وما يمكن أن يحدث، حين نقف أمام ضرورة التعامُل مع المجهول. وبات واضحاً للجميع أنّ من الصعْبِ النّظر إلى المسارح، ودور السينما، وقاعات العروض، بنفس الطريقة لما قبل (الكوفيد) وما بعده.

الدبلوماسيُّ الثقافيّ الناجح لما قبْلَ (الكوفيد) هو ذاك الذي لا يكتفي بامتلاك الكاريزما والمهارات التي تجعل منه وسيطاً ناجعاً وعنصر تجميع، بل يتخطّى ذلك إلى حيثُ يقِفُ المُبدع، فإذا هو يتمثَّلُ ثقافتَه حدَّ الانفتاح على الثقافة الإنسانيّة، وإذا هو يبتكر ويتجاوز القواعد. الأمر الذي يتطلَّبُ سعةَ الخيال ومرونة الفكر وامتلاكَ اللّغة ومعرفةَ الذات حدّ الاهتمام بما هو مختلف عنهما، بما يُيسّرُ التواصُل مع الآخر ولُغتِه وثقافتِه بشكلٍ عامّ.

الدبلوماسيُّ الثقافيّ الناجح لما قَبْلَ الكوفيد هو ذاكَ المهووسُ بالشيء الثقافيّ لأسبابٍ تتعدَّى متطلَّبات المهنة، فإذا هو يتمكَّن من تفاصيل البروتوكول والتشريعات والإجراءات الإداريّة ودوائر القرار والتمويل والرعاية الثقافيّة في البلدين، ويكاد يوازنُ بين اطّلاعه على تفاصيل الحياة الثقافيّة في بلاده وفي البلاد التي يعمل بها.

لكن أين هذا ممّا نحتاج إليه اليوم وغداً: ذاكرة مفتوحة تصنع من الجذور أجنحة. صورة دقيقة عن الساحة الثقافيّة في البلاد التي يعمل بها لا تقلّ دقّةً عن الصورة التي يحملها عن الثقافة في بلاده. جسور تردم الفجوات بين تلك الساحة والساحة الثقافيّة في بلاده، بحيث تنتعش تلك الساحة وتتجدَّد بِفعل التلاقُح والتحاوُر مع الثقافات الأخرى، وتُصبح في الوقتِ نفسِه، الجبهة الأولى (أو الفيترينة) التي تكتسبُ من خلالها جاذبيّة حقيقيّة تُتيح لها الانتعاشَ ومن ثَمَّ إنعاش السياحة والاقتصاد ككلّ. مخيّلة خصبة. تكنولوجيا حديثة. إرادة على الإنجاز وقدرة على التواصل، كفيلة كلّها بإعادة النظر في مفهوم الشيء الثقافيّ ككلّ.

ليس من شكٍّ طبعاً في أنّ لدينا دبلوماسيّةً عريقة مشهوداً لها منذ عُقود وسفراء مقتدرين مقتنعين بدور الثقافة يعملون بمساعدة مُلحقين ثقافيّين مجتهدين. إلّا أنّ أغلب هؤلاء المُلحقين الثقافيّين يعمل وفق اجتهاده الشخصيّ، بلا ميزانيّة مناسبة ولا موارد بشريّة ولا خطّة عمل واضحة ولا تنسيق مع مختلف الوزارات. فضلاً عن ضرورة الاعتراف بأنّ المُلحق الثقافيّ في عددٍ من سفاراتنا اسمٌ بلا مُسمَّى. أو لا تكوين له في المجال. أو مشغولٌ بمهمَّات المُلحق الاجتماعيّ!

إنّ في الأزمة (التنظيميّة والإبداعيّة) التي عاشتها معظم الساحات الثقافيّة العالميّة خلال أزمة (الكوفيد)، ما يدلّ على ضرورة تغيير النظر إلى الثقافة والإبداع.

وإذا كانت الحلول «الأوّليّة» قد نجمتْ في الغرب عن «مبدعين» أوّلاً، استطاعوا أن يبلغوا مراكز القرار، فإنّ الموقف ظلّ مختلفاً في معظم البلدان العربيّة، حيث استمرّ المسؤولون عن مشاكل الأوضاع الثقافيّة في البحث عن حلول للمشاكل الثقافيّة.

إنّ من الضروريّ (الآن الآن وليس غداً) إثراء صنف المُلحقين الثقافيّين بعددٍ من الأدباء والمُثقَّفين، شباب الروح والخيال، الذين تتوفَّر لديهم الرغبة والشروط. إمّا كمُلحَقين وإمّا كمُختصّين يُساعدون المُلحق في مجال اختصاصهم. هذا الأمر معمول به من القديم. وقد رأينا سلسلةً تكاد لا تنقطع من الأدباء الدبلوماسيّين من «شاتوبريان» إلى «صلاح ستيتيّة»، ومن «كارلوس فوينتوس» إلى «نزار قباني»، دون أن ننسى الحاصلين على جائزة نوبل للآداب: «سان جون بيرس» و«أستورياس» و«بابلو نيرودا» و«أوكتافيو باث»، وغيرهم كثير. ولا أدري إنْ كنّا محتاجين حقَّاً إلى دراسات مُعمَّقة كي نبرهن على المكاسب الثقافيّة (ومن ثَمَّ الماديّة والمعنويّة) التي حقَّقها هؤلاء المُثقَّفون الدبلوماسيّون لأوطانهم، في سياق الموازنة بين متطلَّبات الوظيفة ومتطلَّبات الموهبة.

السؤال الآن: أين نحن من كلِّ هذا؟

أنطلقُ في هذا السؤال من تجربةٍ شخصيّة وعامّة جعلتني أعرفُ كَمْ يُهدر المُبدعُ من طاقةٍ كي يسدَّ غيابَ المؤسَّسات الخاصّة والعموميّة، وكَمْ يتمكَّن أحياناً من الذهاب شرقاً وغرباً، بجهده الخاصّ، فإذا بالإعلام هناك «يتَحرَّك» طيلة أسبوعٍ وأسبوعين بما لا يُقارَنُ مع ما تفعله الدبلوماسيّة طيلة سنة، دون أن يتحرَّك لسفارته ساكن! مع احترام الاستثناءات!

قد يقول قائلٌ نحن لسنا فرنسا كي نزرع أكثر من 150 مركزاً ثقافيّاً فرنسيّاً في العَالَم ولسنا معنيّين بالدفاع عن اللّغة الفرنسيّة في كندا مثلاً كي يكون لنا فيها مستشاران ثقافيّان. قد يقول قائلٌ نحن لسنا الولايات المُتّحدة الأميركيّة كي نكون مهمومين بفتح الأسواق أمام صناعاتنا الثقافيّة من كُتُب ودوريّات وإنتاج سمعي بصريّ موسيقيّ وسينمائيّ وتكنولوجيا رقميّة.

قد يقول القائلُ أكثر من هذا لكنَّ وْضْعَنا (على تواضعه وربَّما بسبب تواضعه) يُواجهنا بحقيقةٍ بسيطة، مفادها أنّنا أحوج من الجميع إلى تفعيل هذه المنظومة، لأنّ الثقافة ثروتنا الأساسيّة، ولأنّها مفتاح استقطاب المُترجم والناشر والإعلاميّ، ومن ثَمَّ السائح والمستثمر. لِنتخيَّلْ المردودَ المُمكن على الصعيدين الثقافيّ والاقتصاديّ، لو توفَّر لـ(50) سفارة من سفاراتنا في العَالَم مُلحَقُون ثقافيُّون قادرون على تنظيم نشاط جيّد كلّ شهر، ولو استضاف هذا النشاط عشرة مُثقَّفين عرب، بما يُتيح حضوراً دوليّاً لـ(6000) مُثقَّف عربيّ كلّ سنة!

ليس من شكٍّ طبعاً في أنّ النهوض بهذا الدور يتطلَّب من المُلحق الثقافيّ تكويناً خاصّاً، واطّلاعاً دقيقاً على الثقافة في بلاده، لا يقلّ دقّةً عن اطّلاعه على الثقافة في موقع عمله. أسأل هنا على سبيل الاستفسار والاستيضاح بعد حفظِ المقامات واحترام الاستثناءات، بعيداً عن كلِّ تعميم أو حكمٍ مُسبَق: هل لدينا في تقاليدنا الدبلوماسيّة ما يدلُّ على أنّنا نؤمن حقَّاً بأنّ للثقافة هذه المكانة وللمُلحَقِ الثقافيّ هذا الدور؟ وكَمْ لدينا من مُلحَقٍ ثقافيٍّ بهذه المُواصفات؟ وهل لدينا تحديداً القدر الكافي من الخيال والطاقة «الاقتراحيّة» لمُواجهة متطلَّبات «الدبلوماسيّة الثقافيّة» للمكان المُنفلت، المُغاير، المُختلف، لسنوات ما بعد الكوفيد؟

جدل التناقض بين طه حسين و المتنبي

لم يحظَ شاعرٌ عربيّ -قديماً أو حديثاً- بما حظي به المتنبي من اهتمام ومكانة. وكثرت عنه الدراسات قديماً وحديثاً. لكن ما استوقفني في كتاب طه حسين عنه، هو أطروحته المُهمَّة في هذا الكتاب، والتي جعلت العودة للتراث سبيلاً إلى تمحيص الكثير من قضايا الحاضر، واستخدامه كمرآة للتناظر أو التناقض بين الماضي والحاضر.

وقد أملى طه حسين كتابه عن المتنبي في صيف عام 1936، بعدما أمضى العام الدراسي 1935/ 1936 في تدريس نصوصه لطلابه، والحوار معهم حولها. فقد كانت مصر مشغولة به -فهو بالقطع أحد أهمّ شعراء العربيّة الكبار، وقد وافق هذا العام (وهو عام 1354هـ) مرور ألف عام على مقتله- في شهر رمضان (354هـ)(1). وقد أمضى طه حسين جلّ هذا الصيف في إملاء كتابه عن المتنبي، إلى الحَدِّ الذي كانت زوجته تلحُّ عليه كثيراً كي يأخذ قسطاً من الراحة، أو يستمتع بطبيعة جنوب فرنسا الخلّابة، فلا يأبه لإلحاحها، كي يفرغ من هذا الكتاب. ويكشف لنا طه حسين في مقدِّمة الكتاب -وإنْ بطريقة مواربة- سرَّ تفرُّغه لهذا الكتاب على حساب حقّ نفسه من الراحة عليه، حينما يؤكِّد أكثر من مرّة نفوره الطبيعيّ من المتنبي «وليس المتنبي مع هَذَا من أحب الشعراء إليَّ وآثرهم عندي، ولعلّه بعيد كلّ البعد عَنْ أن يبلغ من نفسي منزلة الحب أو الإيثار، ولقد أتى عليَّ حينٌ من الدهر لم يكن يخطر ببالي أني سأعُنَى بالمتنبي أو أطيل صحبته، أو أدُيم التفكير فيه»(2).

وكأنه يدعونا هنا إلى أن نسأل أنفسنا لماذا أجبر نفسه على ما لا تحب؟ صحيح أنه يخبرنا بما نعلمه من متابعة سيرته أنه شديد العناد، وأنه أثقل بذلك الأمر على نفسه: «وأكبر الظن أني إنما فعلت ذلك؛ لأني أحب أن أعاند نفسي وآخذها من حينٍ إلى حينٍ ببعض ما تكره من الأمر، وقد قلت فِي غير هَذَا الموضع: إني لست من المُحبين للمتنبي ولا المشغوفين بشخصه وفنّه، فلم أجد بأساً فِي أن أشقَّ على نفسي أثناء الراحة، وأثقل عليها حين تبغض الإثقال عليها… لم أجد بأساً بأن أثقل على نفسي أثناء هَذَا كلّه بالتحدُّث إلى المتنبي والتحدُّث عنه، والاستماع له، والنظر فيه، والناس يعرفون أني شديد العناد للناس، فليعرفوا أَيْضاً أني شديد العناد لنفسي كذلك» (ص 10). لكن الأمر عندي يتجاوز عناد النفس، إلى ما هو مهمّ وجوهريّ في مسيرته لتأكيد أهمِّيّة استقلال المُثقَّف ونزاهة موقفه، في زمن أصبح فيه طه حسين رمزاً لكثير من القيم الضميريّة التي يتطلَّع لها جلّ أبناء وطنه. وهو أيضاً ابن سعي طه حسين للإجابة عن السؤال المُضمر في عدم حبه للمتنبي، بالرغم من احتفاء الكثيرين به وولعهم بشعره.

هذا فضلاً عن أن تريثه عند المتنبي -وهذا ربّما ما خرجت به من قراءتي لكتابه عنه- هو نوع من العودة إلى تأكيد خياراته الأولى، منذ تمرد على ما اعتبره جموداً في الأزهر، واختار أبا العلاء المعري موضوعاً لرسالته الأولى من الجامعة الأهلية عقب إنشائها. ولأنه، وقد تماهى مع أبي العلاء وخصّه بأكثر من كتاب، أراد أن يقيم أمامنا نقيضه المرفوض: المتنبي. ويرفع به مرآة للمُثقَّف وللعالم، يرى فيها صورته أولاً قبل صورة غيره، ويُسَرِّي بها عن نفسه، بعد ما عانى من الكبت والظلم. فيسعده أنه لم يفعل مثلما فعل المتنبي، وإنما دافع عمّا يؤمن به، وتحمَّل مسؤولية رسالة المُثقَّف، وتصدَّى لاضطهاد حكومة صدقي، ومن ورائه الإنجليز والملك. ويكشف لنا عن أنه لا يكفي أن يكون المُثقَّف بارعاً في فنّه، مسيطراً على أدواته اللُّغويّة والشعريّة، وقادراً على توظيف معارفه في تجويد الشعر. وإنما لابدّ أن يصاحب هذا كلّه نزاهة الموقف ونصاعته، والصدق مع النفس، والاعتزاز بكرامته، والترفُّع عن قول ما لا يؤمن به.

ويصحبنا طه حسين في كتابه «مع المتنبي» في رحلة حياة الشاعر عبر مسارها التاريخيّ من البداية حتى النهاية. وهي رحلة نقديّة يستخدم فيها حصيلته المعرفيّة والمنهجيّة الواسعة؛ من وعي بأثر السياق التاريخيّ والثقافيّ والاجتماعيّ في تكوين الكاتب/ الشاعر/ المُثقَّف، وبتأثير العوامل النفسيّة والفرديّة والاجتماعيّة، والوضع الطبقيّ أو العرقيّ، في ثقافة كانت تتجاور فيها الأعراق وتتنافس. ويموضعه في السياق الذي انبثق عنه كرجل موهوب نشأ في القرن الرابع الهجريّ، في عصر فسدت فيه السياسة، وتخلخلت فيه قبضة الخليفة على الحكم، وتلاعب به الجند من ناحية، وما في القصور من حاشية وجوارٍ وإماء من ناحيةٍ أخرى. ومع فساد السياسة فسد الاقتصاد معها، واضطربت جباية الضرائب وانتشر الظلم والفساد، وتململ الرعية. ووسط هذا كلّه بلغت الحياة الفكريّة والعقليّة ذراها. فقد «نضجت الحضارة الإسلاميّة، وأدركت رشدها، واستكملت قوتها، وأخذت تؤتي ثمرها طيباً لذيذاً في كلِّ فرعٍ من فروع العلم والفلسفة والأدب والفَنّ» (ص25). ومع التباين بين ما يتيحه التقدُّم العقليّ من وعي، وما يكشف عنه الواقع الفاسد من تناقضات اندلعت الثورات: البابكية أو الخرمية في أول القرن الثالث، وثورة الزنج أواسط هذا القرن، وثورة القرامطة في آخره، وفي أثناء القرن الرابع. وجوهر هذه الثورات كلّها، طلب العدل الاجتماعيّ وإصلاح النظام الاقتصاديّ…

أتراه يضع هذه المرحلة المُضطربة مرآة لما تضطرب به مصر التي تركها وراءه وقت كتابته بين قوى الجمود والقصر والاحتلال وتفشي الجهل وغياب العدل الاجتماعيّ؟! أم أنه يهتمُّ بهذا السياق العام كي يكشف عبره عن أهمِّية دور المُثقَّف في أن يرود ويقود، بدلاً من أن يتاجر بمهاراته لكسب المال أو النفوذ؟ هذا فضلاً عن أنه يتناول مع هذا كلّه ما كُتب عن الشاعر الذي يدرسه، سواء ما كتبه عنه معاصروه، أو مَنْ جاءوا بعده، مؤيدوه منهم أو من ناصبوه العداء بالدرس والتمحيص. ويخبرنا من البداية بأنه لا يعبأ إنْ كان المتنبي قد انحدر من أسرة غنية أو فقيرة، ذات أصلٍ عريق أو حقير، فليست هذه غايته، وليس هذا الأمر هو مدار البحث عنده بأي حالٍ من الأحوال. فـ«أنا على أقلّ تقدير لا أسُرُّ ولا أحزن إنْ ظهر أنَّ نسب المتنبي، من جهة أبيه أو من جهة أمّه، قد كان صريحاً أو مدخولاً؛ فنحن نبحث، أو أنا على أَقلّ تقدير أبحث من أمر المتنبي عَنْ شيء أبقى وأرقى وأقومُ من نَسبِه العربيّ الصريح أو المدخول: عَنْ أدبه، وفنّه، ومكانته من الأدباء، وأصحاب الفَنّ القدماء والمُحدثين» (ص 17).

فطه حسين يهتمُّ بأثر نشأته -أو إحساسه بضعة نسبه- نفسيّاً عليه، ويهتمُّ بالسياق الأوسع الذي نشأ فيه وشهد ثلاث ثورات كان القاسم المُشترك فيها هو طلب العدل الاجتماعيّ، بصورة عظمت معها الشخصيّة الفرديّة، في هذا السياق نشأ المتنبي: «في هَذَا العصر الذي نحن بإزائه عظمت الشخصيّة الفرديّة حَتَّى انتهت من القوة إلى حدٍّ لم تبلغه قط فِي التاريخ الإسلاميّ.. ملكٌ عظيم ينقض، وسلطانٌ هائل ينهار، وقومٌ يتهالكون على فتات ذلك المُلك وأنقاض هَذَا السلطان، فإذا وُلد فِي هذه البيئة صبي ذكي القلب، مرهف الحس، رقيق المزاج حاد الشعور، ملتهب العاطفة، قوي الخيال، كان من الطبيعي أنْ يسير السيرة التي تكوِّن منه هَذَا الشخص الذي يعرف بالمتنبي» (ص26). ولا يفوته طوال مصاحبة المتنبي -في مسيرته الحياتيّة والشعريّة معاً- والتوقُّف عند أحداث حياته الخصبة، أو عند عيون قصائده المُختلفة على مرِّ رحلة حافلة بالإبداع الشعريّ، أن ينبهنا إلى تأثير هذه العوامل السياقيّة منها أو الفرديّة على ما يواجهه المتنبي أو ما يقرأه معنا من أعماله.

ويُمحّص معنا طوال الوقت الكثير ما يُروى عنه، من أقوال أو أحداث تفسّر بعض سلوكه وكثيراً من مواقفه. بدءاً من قصّة المتنبي الفتى قبل مغادرته الأولى لبغداد مع تاجر البطيخ الذي أبي أن يبيعه بطيخه بخمسة دراهم، ثم باعه لتاجر بدرهمين، ولما أظهر المتنبي عجبه لصاحب البطيخ من هذه الحماقة التي جعلته يرفض دراهمه الخمسة ويقبل درهمين من التاجر ردَّ عليه التاجر: «ويلك إنه يمتلك مئتي ألف دينار! ويزعم الرواة على المتنبي أنه أحب المال منذ ذلك الوقت وكلف بالغنى، وحرص على أن يملك مئتي ألف دينار» (ص 46). ثمَّ يعرج على سجنه في شرخ الشباب حين سُجن فِي أواخر سنة ثلاث وعشرين أو أوائل سنة أربع وعشرين، فِي جريمة خطيرة من جرائم الرأي، قوامها الرِّدة، والخروج على السلطان، والدعوة إلى تسليط السيف على المُسلمين» (ص86). وكيف أن تجربة السجن تلك قد علّمته الحذر، وأدّت ربّما إلى نوع من انقسام النفس على نفسها، تبطن غير ما تعلن. فقد «تعلَّم الحذر والاحتياط، ومنذ وصوله إلى الشام يظهر انقسام نفسه بين هذين النوعين من الحياة: حياة خارجيّة يجاري فيها الناس ويداريهم، وحياة داخليّة يبغض فيها الناس أشدَّ البغض، ويمقتهم أشنع المقت، ويضمر لهم ضغينة لا حدَّ لها، وعداء لا هوادة فيه» (ص79).

والواقع أن انقسام النفس على ذاتها ليس بالأمر اليسير، وأن له الكثير من العواقب، بعضها بلا شكّ وخيم. فقد لاحظ طه حسين عواقبه على حياة شاعره -بعدما تتبَّع سيرته حتى نضج وبدأ التكسب بشعره- أنه منذ بداية مدائحه لبدر بن عمار، لم تعُد «حياة المتنبي منذ ذلك الوقت إلّا سلسلة متصلة من بذل هذه الكبرياء، للسادة والقادة والأمراء، ثمَّ البكاء عليها بعد أن يبذلها ويفرط فيها، وسنرى أنَّ المتنبي لم يخرُج لبدر وأشباهه عن كبريائه وحدها، بل خرج لهم كذلك عن أشياءٍ كثيرة أخرى ليست أقلّ من الكبرياء خطراً عند الرجل الكريم» (ص110). ويرينا طه حسين كيف ضحَّى المتنبي في شعره -منذ بداية مسيرته الطويلة في مدح ذوي الجاه والمال- بأكثر من ماء وجهه. حينما يحلل أهمّ قصائده في مدح بدر. فيكشف لنا أن وراء ما بها من جمالٍ لفظي وسبك شعري «أسمج ما كان فِي المتنبي حين كان ينشد بين يدي ممدوحيه من هذه الخيلاء التي لا تمثِّل إلّا ذلة وضعة وضعفاً وسخفاً» (ص112).

ويواصل طه حسين على مد صفحات هذا الكتاب المُمتع بثّ تفاصيل أطروحته المُهمَّة تلك والتي تزداد على امتداد متابعة مسيرة الشاعر، وسياقات مواقفه، رسوخاً وإقناعاً. فقد مدح المتنبي الكثيرين مثل علي بن إبراهيم التنوخي والحسين بن عبيد الله الإخشيدي وأبي العشائر، ومحمد الحسن بن طغج الفارسي، ومساور بن محمد الرومي، وصولاً إلى سيف الدولة التغلبي الذي أمضى في صحبته في حلب تسع سنين، هي من أخصب سنوات نضجه، بصورة تجعل مدائحه فيه ديواناً كاملاً من عيون شعر المدح العربيّ. فقد مدحه بأكثر من ثمانين قصيدة من عيون شعره وأفضله قبل أن ينتقل إلى الفسطاط، ويمدح كافور لسنوات أخرى. وقد أنفق طه حسين قسماً كبيراً من الكتاب في تحليل مدحه لسيف الدولة والثناء عليه. لأن الكثير من شعر المتنبي في سيف الدولة قد أصبح من عيون الشعر العربيّ، وبوأ صاحبه تلك الشهرة التي جعلته علماً من أعلامه. وإن لم يفته أن فيه كثيراً من الشعر الفاسد الذي يشير له طه حسين وهو شعر المُناسبات: «هَذَا الشعر الذي ينزل فيه الشَّاعِر عن كرامته دائماً، وعن مروءته أحياناً، ويبيع فيه فنّه لمولاه بيعاً دنيئاً، أريد به شعر المُناسبات الذي يقوله الشَّاعِر مدفوعاً إِلَيْهِ بالتملق مرّة، وبالخوف مرّة أخرى، وبالمُناسبة مرّة ثالثة، وبالطاعة مرّة رابعة، وعلى هَذَا النحو» (ص219).

(يُتبع في العدد القادم)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 – قُتل المتنبي في شهر رمضان 354هـ، ووافق شهر رمضان 1354، أوائل ديسمبر 1935، وتزامنت بقية السنة مع 1936م.

2 – الطبعة التي أستخدمها من كتاب طه حسين «مع المتنبي»، هي طبعة القاهرة، مؤسَّسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013، ص 9، وسنشير بعد ذلك للمُقتطفات من الكتاب برقم الصفحة من تلك الطبعة.

آلية الترجيح في الترجمة

من ملامح الحيرة، التي تُصاحبُ آلية الترجيح في الترجمة، اضطرار المُترجِم، مثلًا، إلى الاستعانة بهوامشَ، من خارج النصّ المُتَرْجَم ولكن بإيحاءٍ منه، كي يكشفَ عن الحيرة التي ساورَتْهُ في العُبور من لغةٍ إلى أخرى ومن سياقٍ ثقافيّ إلى آخر، وكي يُفصحَ عمّا دعاه إلى تغليب ما غلّبه في الترجيح، ويُلمحَ إلى ما بقي مُتملّصًا حتى بَعد حسْم عمليّة الترجيح.

يسمحُ الترجيح، بما هو آليةٌ مُصاحبة لمُمارَسة الترجمة، بإثارة أسئلة من صميم ما أثارَهُ التفكيرُ الفلسفيّ في هذه المُمارَسة بَعد أن عدّ الترجمة قضية فلسفيّةً مُضمِرةً لمُختلف الانشغالات التي اهتمّ بها هذا التفكير منذ القديم. لا تتكشّفُ إمكاناتُ استثمار آلية الترجيح في إثارة هذه الأسئلة إلّا إذا تمّ تسييج الترجيح في الترجمة ضمْن مفهومات فلسفيّة، والتفكير فيه استنادًا إلى إشكالات الكتابة، والمعنى، والتأويل، والاختلاف. وهو ما قد يستجْلي جوانبَ من الأسُس المعرفيّة لآلية الترجيح التي تتمُّ، في الغالب العامّ، اعتمادًا على احتمالات النصّ المُترجَم، من جهةٍ، وعلى التصوُّر الفلسفيّ للترجمة، بما هي مُختبر قضايا فلسفيّة، من جهةٍ ثانية، وعلى ما تنطوي عليه، من جهةٍ ثالثة، المسافةُ القائمة بين لغتيْن، أو بين ثقافتيْن، من وُعود تأويليّة، باعتبار هذه المسافة منطقةً فكريّةً خصيبة. أبْعد من ذلك، يُمكنُ الذهاب إلى أنّ التصوُّرَ الذي يبنيه التأويلُ لآليّة الترجيح مشدودٌ إلى الرؤية المُحتكَم إليها في فهْم الترجمة، حيث لا ينحصرُ الترجيحُ في مُجرّد آلية تفرضُها الصّعوباتُ التي تنفتحُ في مُمارَسة الترجمة، بل يَغدو تصوُّرًا عن هذه المُمارَسة يُعارضُ تصوُّرات أخرى.

كثيرًا ما يلجأ المُترجِمُ داخل التردُّد، الذي يُصاحبُ مُمارَسةَ الترجمة ويتولّدُ من مَضايقها واحتمالاتها، إلى ترجيح لفظٍ أو مُصطلح على آخَر، وتغليب معنى على حساب معنى قريب منه، وتشطيبِ احتمالٍ لإثبات احتمالٍ آخَر، وغيرها من الأمور التي تجعلُ الترجيحَ مُضمِرًا لمسافةٍ بَينيّة خليقة بتأمّل مُمارَسةِ الترجمة في ضَوء المُنفلت منها وفيها، وفي ضَوء الاحتمال ذي السّند الفكريّ، الذي فيه تغدو كلُّ ترجمة مُنطويةً على نداءِ المُعاودة، لتملّصها دومًا من الامتلاء، ولانفلاتها من أيِّ انغلاق.

من ملامح الحيرة، التي تُصاحبُ آلية الترجيح في الترجمة، اضطرار المُترجِم، مثلًا، إلى الاستعانة بهوامشَ، من خارج النصّ المُتَرْجَم ولكن بإيحاءٍ منه، كي يكشفَ عن الحيرة التي ساورَتْهُ في العُبور من لغةٍ إلى أخرى ومن سياقٍ ثقافيّ إلى آخر، وكي يُفصحَ عمّا دعاه إلى تغليب ما غلّبه في الترجيح، ويُلمحَ إلى ما بقي مُتملّصًا حتى بَعد حسْم عمليّة الترجيح. نماذجُ هذه الهوامش المُتولّدة عن الترجيح وعن المُتملّص منه عديدةٌ في الكثير من الترجمات، بما يؤكّدُ أنّ الأمر يتعلّق بآليّةٍ مُلازمة لمُمارَسة الترجمة. من نماذج ذلك ما نعثرُ عليه، مثلًا، في الهامش الأوّل الذي خصّهُ للعُنوان مُترجمُ مُحاضرة «هايدغر» المُتصدّرة لكتابه «Acheminement vers la parole»؛ أي المُحاضرة الحاملة لعُنوان «Die Sprache»، وهو ما تمّت ترجمتهُ بـ«الكلام»، إذ ذهبَ المُترجمُ في الهامش، الذي خصّهُ لموَجِّهات تغليبه لاحتمال ترجمةِ هذا العنوان بـ«الكلام»، إلى أنّ مُصطلح Die Sprache في الألمانية يُستعملُ لتعيين «ما نُسمّيه باللّغة»، وأنّ ترجيح ترجمته بـ«الكلام» تَمّ بَعد تردّد طويل. واللافت أنّ المُترجِم أشارَ، في الهامش نفسه، إلى ضرورة استحضار المعنى الواسع للكلمة في الألمانيّة، في كلِّ مرّة نقرأ فيها كلمة «كلام» في ترجمته، أي استحضار المعنى الذي يدلُّ، حسب المُترجِم، على الكلام مُتكلّمًا به في قلب لغةٍ ما، مُحذّرًا أنّ أيَّ تحديد أو تمييز لسانيّيْن لا مجال لهُما في هذا السياق، ولن يُسعفَا في أيّ شيء.

ليس هذا المثالُ المُستشهَدُ به من ترجمة المُحاضرة الأولى في كتاب «هايدغر» المُشار إليه سوى صيغةٍ من صيَغ الترجيح اللانهائيّة التي تُلازم مُمارَسة الترجمة. تُلازمُها وتُلزمُها بأن تتحقّقَ وهي تمحو وتُثبتُ، تُشطّبُ وتُبقي، تَستبعدُ احتمالًا وتُغلّبُ آخَر، وغير ذلك من الآليات التي بها تتبلورُ الترجمةُ على المنوال ذاته الذي به تتبلوَرُ الكتابة بوَجهٍ عامّ، وبه يتبلورُ التأويلُ أيضًا. إنّه أحدُ العناصر التي دفعتْ مُفكّرين غربيّين، ضمْن تقويضهم لميتافيزيقا الترجمة، إلى مقارَبة الترجمة بوَصفها كتابةً، وبوَصفها شكلًا من أشكال التأويل، على نحوٍ جعلَ المسافة بين الأصل والترجمة منطقةَ احتمال مفتوحٍ لا يكفُّ عن الابتعاد عن وَهْم المُطابقة. يتجدّدُ انفتاحُ هذا الاحتمال بناءً على امتناع استنفادِه في الأصل المُترجَم، وبناءً على ما يَستجدُّ في الفعل التأويليّ وفي المفهومات الفكريّة، بما يُغيِّرُ النظرةَ إلى الأصل. فالفاصل الزمنيّ والفكريّ بين الأصل والترجمة يُمْلي تجدّدَ الأولى، التي تظلّ مشدودةً، وَفق ذلك، إلى التأويل. تستندُ كلّ ترجمة إلى الزمن الفكريّ الذي فيه تتمُّ، بدليلِ الحاجة إلى مُعاودة الترجمة، وبدليل حاجةِ الأصْل إلى ترجمات مُتعدّدة. ومن ثمَّ، مثلما تتحدّدُ الترجمة، في الفكر الحديث، بوصفها كتابةً، تتحدّدُ أيضًا بوَصفها تأويلًا. وهما أمْران حيَويّان في الاقتراب من آلية الترجيح.

لعلّ أوّلَ ما يُثيرُ في الهامش الذي أقامهُ مُترجمُ مُحاضرة «هايدغر»؛ الهامش الفائض عن الترجمة والمُتولّد من مضايقها، هو أنّ الترجيح، الذي غلّبه المُترجم بَعد تردُّده الطويل، لا يُبعدُ تمامًا الاحتمالَ الباعث على التردُّد، بل احتفظَ الترجيحُ لِما تمّ استبعادُه بحصّته في المعنى حتى بَعد استبعاده، على نحو ما يُفهَمُ من تنصيص المُترجم على استحضار ما لم يَشمله حتّى المُصطلحُ المُرجَّح، الذي بقيَ مُنطويًا على ما بَدا نقصًا، وإن لم يكُن كذلك من منظور مُفكّرين غربيّين لعَمل الترجمة. فالمسارُ الذي فيه تتبلورُ آليةُ الترجيح دالّ، بمُختلف أطواره، من زاوية التصوُّر الفكريّ عن الترجمة. ثمّة أطوارٌ تُلازم هذه الآلية، إذ ثمّة، أوّلًا، التردُّد الذي يسبقُ الترجيح، يليه، ثانيًا، تغليب احتمال على آخر، ثمَّ، ثالثًا، ضرورة استحضار المُبعَد في الترجيح لإضاءة المعنى. ليست هذه الأطوار، التي تصاحبُ مُمارَسة الترجمة، عمليّات تخصّ المُترجم، بل هي قضايا من صَميم اشتغال الترجمة بما هي إشكالُ علاقةٍ بين لغتيْن. فالعلاقة بين اللغتيْن بحمولاتهما الثقافيّة تقتضي أساسًا المسارَ المُلمح إليه، لأنّها تحتفظ دومًا بالمُنفلت في المسافة بين طرَفيْها وببَونٍ غير قابل للامّحاء التامّ. إنّ هذا المُنفلتَ هو عينهُ الاختلافُ الذي تعملُ الترجمة على إدامته، بعيدًا عن ثنائيّة الأمانة والخيانة التي شهدَت قلبًا فكريًّا في تصوُّرات العديد من المُفكّرين للترجمة بَعد أنْ عملوا على تحرير هذه الثنائيّة من أيِّ بُعد أخلاقيّ، مثلما عملوا، في سياق تفكيكهم لميتافيزيقا الترجمة، على تقويض العديد من الثنائيات المُرتبطة بمُمارَسة الترجمة، مثل ثنائية الأصل والنسخة، والقرب والبُعد، وغيرهما.

بناءً على الإشارات السابقة، لا يستقيمُ فهمُ الترجيح بمعنى إيجابيّ وتثمينُ مُوجّهاته إلّا في ضَوء القلب الذي مسّ العديدَ من المفهومات في التصوُّر الفكريّ لمُمارَسة الترجمة. إنّ إعادة هذا التصوُّر لتأوُّل العلاقة بين الأصل والترجمة، واتّخاذَهُ هذه العلاقة منطقةً لمُساءلة الهويّة وتقويض المُطابقة وتمجيد الغرابة في اللّغة، هو ما يُتيحُ استجلاءَ الترجيح بوَصفه دليلًا على انفتاح هذه العلاقة وامتناعها عن كلّ إغلاق. فالتردُّد، الذي يوجّهُ الترجيح ويتركُ أثرَه حتى بَعد تغليب احتمالٍ واستبعادِ آخَر، من الأدلّة التي تعزّزُ أنّ الترجمة ليست مُطابَقةً للأصل، وأنّ أمانتها له مشدودةٌ، خلافًا لِما تكرّسَ في هذا السياق، إلى الابتعاد عنه وإبعاده عن نفسه، وإبعادِ حتى لغةِ الترجمة عن نفسها. فالاقتراب الشديدُ من الأصل لا يتمُّ في الترجمة إلّا بغايةِ استنبات البُعد. ومُحاولةُ التشبُّه بالأصل لا تتمّ إلّا لتُوَلِّد الاختلاف لا بين لغته ولغة الترجمة وحسب، ولكن لتوليده داخل الأصل وداخل لغة الترجمة. فالأوّل يكفّ، في الترجمة وبها، عن أن يكون هو ذاته، ويكتشفُ اختلافَه في لغةٍ أخرى، وهذه اللّغة؛ أي لغة الترجمة، تنطوي، في تحقّقها وهي تتشبّهُ بالأصل، على المُختلف فيها والغريب عنها، وتستضيفهُ كي تنموَ به وتتجدّد، وكي ينموَ بها ويتجدّد في الآن ذاته. لا يكونُ الأصلُ هو ذاته في الترجمة ولا يكونُ غيرَه في الوقت نفسه، إنّ الأصل يكونُ في الترجمة، متى استعرْنا عُنوان كتاب أمبرطو إيكو في الموضوع، هو ذاته «تقريبًا». والتقريب معناهُ الانفصال عن المُطابقة، والاحتفاظ للمسافة بحيّزِ اشتغالها من قلب الاختلاف، وإنتاجُ المعنى من داخل الاحتمال، ومن داخل الترجيح الذي لا يُفرّط في القُرب والتقريب بوَصفهما، في الآن ذاته، بعدًا وابتعادًا واختلافًا.

الترجيحُ بهذا المعنى ترسيخٌ لما كرّسهُ تفكيكُ ميتافيزيقا الترجمة عند مفكّرين غربيّين؛ ترسيخٌ للبُعد في الترجمة، القائمِ أساسًا على قُرب شديد من الأصل، لأنّ بهذا القُرب تكشفُ المسافةُ بينه وبين الترجمة عن بُعد أصيل بينهما يُشطّبُ كلَّ مُطابقة وكلَّ وهْمٍ بتحصيلها. ليست الترجمة، وَفق ما يُعزّزه الترجيحُ وتعزّزه آلياتٌ أخرى، مطابَقةً للأصل. إنّها مُماثلةٌ لا تنفصلُ عن الاختلاف الذي يُحقّقها، بل لا تعملُ، داخل المنطقة البَينيّة التي فيها تتحقّقُ الترجمة، إلّا على تغذية الاختلاف وتقويته، وذلك بتمكين الأصْل من اختلافه، وتمكين اللّغة، التي إليها يُترجَمُ الأصل، من اختلافها. ثمّة دَومًا في الترجمة ما يكشفُ أنّ التطابُقَ رؤيةٌ محجوبةٌ بالمُطلق الذي يُوجِّهُها ويَسكنها، وثمّة دومًا، في مُمارَستها وفي ما يتحصّلُ من هذه المُمارَسة، ما يُهيّئُ لتفكيك هذه الرؤية المُطلقة ولاستجلاء بذور الاختلاف الذي يتخلّقُ بالترجمة، كأنّها لا تعملُ في قُربها الشديد من الأصل إلّا على صَون ما يُبعدُها عنه وعن لغتها في الآن نفسه. لعلّ ما يُعضّدُ هذا التصوُّر، من بين عناصر أخرى عديدة، هو تخلُّل الترجيح لأطوار الترجمة؛ الترجيح الذي يُمليه التردُّد الساري في مُمارَستها والساري في مُختلف هذه الأطوار. فهو الذي يُبرزُ ما يَسمُ المنطقة البينيّة التي فيها تتمُّ مُمارَسة الترجمة. منطقةٌ لا تُفرّط، من داخل التقارُب والتقريب اللذيْن يحكمانها، في بُعدها، لأنّ القرب يَحتفظ بالبُعد، بل يَصونه، ويجعلُ تفاعُلَ لغتيْن وتشابُكهما مُنطويًا عن بَون لا يرتفع. إنّه البَون الذي يجعلُ الأصل يحيَا في غير لغته، ويجعلُ لغةَ الترجمة تتجدّدُ بالغريب الذي يَحلّ فيها. وبذلك، ليس التردُّدُ المُصاحب للترجمة وما يترتّبُ عليه من ترجيح سوى وَجهيْن من وُجوه الاختلافِ المُلازم لمُمارَستِها، الاختلاف الذي يظلّ مَصونًا وغيرَ قابل للمَحو، على نحو ما يومئُ إليه لفظُ «تقريبًا» الباني لعُنوان كتاب أمبرطو إيكو.

قد تنفتحُ كوّةٌ من كوى تأمّل الترجمة من موقع آلية الترجيج متى تمَّ توسيعُ هذه الآلية لتشملَ كلَّ صورة تتحقّقُ بها الترجمة، حيث تبدو كلُّ ترجمةٍ لأصل ما احتمالًا تمَّ ترجيحُه. هكذا تغدو إعادةُ الترجمة، التي ظلّت مُصاحِبةً للعديد من الأصول، بحثًا عن ترجيح آخَر ينهضُ، كلّما استندَ إلى الترجيحات التي سبقتْه، بمُراجعتها، أي مُراجعة ما كان ترجيحًا فيها، قبْل أن يغدوَ هو ذاتُه موقعَ تردُّد ومُساءلة في الترجمات اللاحقة. مِن الحيَويّ، إذًا، تصوُّرُ الترجمة في سلسلةِ ترجيحات تنسَخُ بعضَها، وهو أمرٌ مُتحصّل في تعدُّد ترجمات النصّ الواحد، على نحو يشقُّ مسلكًا تأويليًّا يسمحُ بمُناقشة تعدُّد ترجمات النصّ الواحد في أزمنة مُتباينة وفي سياقات فكريّة مُختلفة استنادًا إلى وُعود الترجيح التأويليّة.

لربّما من داخل الترجيح المُلازم للترجمة، ومن داخل آليات أخرى في هذه المُمارَسة، يُمكنُ استيعاب حاجة الأصل إلى ترجمات عديدة اعتمادًا على حاجةِ كلّ نصٍّ لقراءات لا نهائيّة، بما يُعمّقُ استثمارَ القرابة التي تصلُ الترجمة بالكتابة وبالقراءة وبالتأويل. وهو ما يُفضي، كما نصّ على ذلك مفكّرون غربيّون، إلى تأوّل الترجمة في ضَوء إرادة اللّغة لا إرادة المُترجم. ضمن هذا التصوُّر، يبدو الترجيحُ رؤية أوسع وأشمل، تتجاوزُ مُجرّدَ حصْره في آلية من آليات الترجمة، لأنّ اللّغة هي التي تفرضُه، لا في ممارَسة الترجمة وحسب، بل حتى في كتابة الأصل. فعدمُ الثبات الذي يَحكمُ التردُّدَ المُفضي إلى الترجيح، وتحوُّلُ ما تمَّ ترجيحُه في ترجمة سابقة إلى عُنصر مُستبعَدٍ في أخرى لاحقة، ينطوي على حركيّة تعودُ إلى ما يَحكمُ اشتغالَ اللّغة في الترجمة وفي الكتابة بوَجهٍ عامّ. فالترجيحُ غير مُتولّد عن الترجمة وحسب، بل يسكنُ الأصل أيضًا، لأنّهُ خصيصةٌ مُلازمة للّغة. لعلّ ذلك ما يتكشّفُ للكُتَّاب عندما يقرؤون أعمالَهم في تآويلَ يُنجزُها القُرَّاء، بل يتكشّف، وهذا أمرٌ شديدُ الدلالة، حتى في إعادةِ الكاتب نفسِه قراءةَ عمله، خُصوصًا عندما يعثرُ على ترجيحات تقترحُها اللّغة؛ ترجيحات تتجاوزُ ما كان الكاتبُ قصدَه أو دارَ بخَلده في أثناء الكتابة. إنّه أمرٌ حيَويّ من زاويةِ الكتابة والتأويل، ومن زاوية عدِّهما معًا ترجمةً داخل اللّغة الواحدة، بما يُوضّحُ امتدادات الترجيح وحمولاته المفهوميّة في الآن ذاته. يُمكن التمثيل لهذا الأمر الحيَويّ بإعادةِ قراءة كيليطو لعُنوان كتابه «بحِبر خفيّ» من خارج المعنى الأوّل الذي قصدَه، إذ تنبّه إلى أنّ عُنوانه ينطوي على سرٍّ من أسرار اللّغة، ويَفيضُ عمّا أرادهُ منه. ذلك ما صرّحَ به في مؤلَّف جماعيّ صدرَ حول أعماله عام 2020، ضِمن منشورات كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بالرباط، تحت عنوان «كيليطو والحوار النقديّ العالميّ». في تقديم هذا الكتاب، يقولُ كيليطو عن عُنوان كتابه «بحِبر خفيّ»: «تبيّن لي ذات يوم وعلى حين بغتة أنّه يُمكنُ أن يُقرأ بحَبر خفيّ، والحَبر كما نعرفُ هو العَالِم الكبير، هو المُتبحِّر في العِلم، ولا غرو أن تتمَّ الإحالة على البحر بصدَده. يكفي تبديل شكل حرف ليَختلفَ المعنى، معنى العنوان، بل معنى الكتاب بكامله. لم أكُن واعيًا بذلك، كنتُ غافلًا تمامًا عن الحَبر، وعن البحر، ولكنّ اللّغة لا محالة واعية ودائمًا بالمرصاد، تنتظرُ الوقتَ المُناسبَ للإفصاح عن المَعنى المُستتر. وهكذا يصيرُ الكتابُ كتابيْن ويجدُ القارئ نفسَه مُلزَمًا بتغيير مُقاربته. وغنيّ عن القول إنّ العنوان في هذه الحالة تستحيلُ ترجمته». يُمكن أن نتأوّل ما عدّهُ كيليطو استحالةً باعتبارها منطقةَ اشتغال الترجيح، إنّها الداعي للترجمة التي تعملُ على اقتفاء المُنفلت الذي لا يفرّطُ، داخل الأصل، في انفلاته، وبه يُنادي دومًا ترجماتٍ عديدة. إنّ ما عدّه كيليطو استحالة هي ما يُقيمُ فيه الترجيحُ المُتجدّد؛ الترجيح الذي لا يَتوقّف عن تقديم الاحتمالات، على نحو يَستحضرُ، في هذا السياق، مفهوم «ما لا يقبلُ الترجمة» l’intraduisible بالمعنى الذي صاغه جاك دريدا، معنى لا يتعارضُ مع ما يقبل الترجمة، بل يتفاعلُ معه، بصورةٍ تجعلُ ما لا يقبلُ الترجمة هو ما يدعو دَومًا لإنجازها.

الترجيحُ، في ضَوء الإشارات السابقة، آليةٌ كتابيّة مُلازمةٌ لإنتاج أيّ نصّ قبل أن تكونَ آليةً في مُمارَسة الترجمة. وهي، فضلًا عن ذلك، آليّةٌ قرائيّة تتمُّ، من موقع التأويل، حتّى داخل اللّغة الواحدة. فكلّ قراءة ليست سوى تأويلٍ يُقدِّمُ ترجيحًا ويحرصُ على دَعمه والاستدلال عليه، غير أنّ اللّغة تحتفظ دومًا بما يَجعلُ كلَّ ترجيح مُجرّد احتمال، على النحو الذي يُؤمّنُ دوامَ ما يُبقي الترجيحَ حيًّا، وما يمنعُ المعنى من الامتلاء. ومن ثمَّ، إذا كان الترجيحُ يتحقّقُ بوَصفه آليةً محكومة بعمليّات عديدة، فإنّه، في العُمق، أكبرُ مِن أن يُختزلَ في مُجرّد آلية. إنّه إرادةُ اللّغة، يَسري في اشتغالها. والوعيُ به، في مُمارَسة التأويل والترجمة، يَنتسبُ إلى منطقة فكريّة ديناميّة لا تكفُّ عن تفكيك الثبات والامتلاء والانغلاق.

الحوار مع الغَائِب الأندلسيّ

تحتاج المُجتمعاتُ من حينٍ لآخر إلى تقليب ذاكرتها الرمزيّة، ومعاينة «سرديّاتها»، ومنها سرديّتها التاريخيّة لفترةٍ من الفترات، قد تبدو بعيدةً في الزمن، ولكنّها ثابتة ولا تفتأ عن الظّهور. ومن هذه السّرديّات، سرديّة «العصر الأندلسيّ»، وإذ نطلق لفظة «العصر» على القرون الثمانية التي عمَّر فيها العرب المُسلمون بإسبانيا، فلأنّنا نفترض أنّ ما امتدَّ على تلك القرون لا يمكن اختزال مداه في الأثر النفسيّ الذي يشعر به عرب مسلمون كثْرٌ من فقدانِ «فردوس»، في صيغة استعاديّة لا واعية للفقدان الأوّل، وتحميل شعور الخطيئة الأولى من جديد للأجيال، ووضع كلمات الأميرة عائشة أم أبي عبد الله الصغير كخلاصةٍ ترميزيّة للحظة توصيف قاسية لسقوط غرناطة حين قالت له «ابكِ كَالنساءِ مُلكاً لم تُحافظ عليه مثل الرّجال». إذ نرجِّح أنّه خارج دائرة «الأندلس» الرمز، ظلَّ ذلك العصر قريباً وبعيداً في آنٍ واحد، فهو عصرٌ حيّ في «الدراسات الأندلسيّة» ولدى المُختصين فيها من حيثُ إجراء المباحث فيه، وهو عصرٌ حاضر في ذاكرة العرب المُسلمين من حيثُ أبعاده النفسيّة لا غير، وهو عصرٌ غائب في الهويّة الإسبانيّة الراهنة من حيثُ إنكاره رمزيّاً وعدم التفكير فيه كمُكوِّن لتلك الهويّة.

ورغم أنّه لا يُمكننا عزلَ ذلك «العصر» عن سياقه الحضاريّ، فإنَّنا نفترضُ أنّ تميُّزه في ذلك السياق يجعلنا نعود إلى مساءلة تلك المُميِّزات التي جعلت منهُ تجربةً فريدة على المُستوى المعرفيّ، وشاهداً على حوارٍ ثقافيّ عميق بين «شرق وغرب»، ومؤثِّراً في نهضة أوروبا لا محالة. وتقودنا هذه الاستعادة إلى اللحظة المُؤسِّسة لذلك «العصر» التي نجملها في رمزيّة «العبور» من المغرب إلى إسبانيا عبر المضيق، تلك اللحظة التي بدت خطوةً عسكريّة توسُّعيّة، ولكنّها دشَّنت «عصراً معرفيّاً» ما زالَ محتاجاً إلى الاستكشاف والحفر ودراسة بنيته المعرفيّة الضّمنيّة.

لم يكن مضيق جبل طارق مجرَّد موقع تتصارع حوله قوى إقليميّة للسيطرة عليه، فقد ظلَّ في ذاكرة العرب المُسلمين رمزاً للخطوة التي قطعها طارق بن زياد في القرن الثامن للميلاد، ليدشّن «عصراً جديداً» حمل في داخله بذور الاختلاف والتميُّز في الحضارة العربيّة الإسلاميّة. لقد استطاع طارق البربري، حاكم مدينة طنجة أن يعبر إلى الأندلس عام (92 هـ – 710م)، فلم يدخلها فارساً وفاتحاً فحسب، وإنّما دخلها أديباً وخطيباً أيضاً، فما تزال كلماتُ خطبته تلهبُ حماسَة الرومانسيّين الذين ظلّوا ينظرون إلى الأندلس باعتبارها «فردوساً مفقوداً»، وأصبحت فاتحة الخطبة مثلاً سائراً «أيّها الناسُ أين المفرّ؟ البحر من ورائكم والعدوّ أمامكم».

لقد شهد هذا الجبل الذي كان يُسمَّى بـ«جبل الزّقاق»، عبور العرب المُسلمين، إلى أوروبّا، وبعد أن كانَ غير معمورٍ صارَ عامراً بحركة العابرين، ومستقرّاً للعلماء أيضاً، ومنذ العبور في اتّجاه طليطلة، بدأت حياةٌ جديدة لإسبانيا، التي كانت تربطها علاقاتٌ عابرة مع شعوب مختلفة مثل الفينيقيّين، واليونانيّين، والقرطاجيّين والوندال في السّلم والحرب. ولكن لم يكن لتلك العلاقات من تأثيرٍ قويّ وحاسم في تشكيل هويّة مخصوصة للشعب الإسبانيّ، حيثُ بدا المُؤثِّر الروماني والمُؤثِّر الإسلاميّ، هما العاملان الأساسيّان في نحت خصوصيّة الإسبان، فقد كانت اللّغة اللاتينيّة والنّظم القضائيّة والأدبيّة والفنِّيّة والدينيّة سليلة الرومان، ولم يكن للإسبان إلى حين دخول الفاتحين من علومٍ تُذكر، غير أنّ دخول العرب المُسلمين شحن إسبانيا بروح الحياة الجديدة، وشكَّل منعطفاً حضاريّاً لم يميِّز به ذلك الفضاء وحده.

د. نزار شقرون

لا يعني ذلك أنّ الفضاء العربيّ الإسلاميّ في تلك الفترة لم يتأثَّر بدوره بالنتاج العلميّ والفكريّ والأدبيّ لأبناء الأندلس بعد أن نهلَ منهُ، ولكنّه تميَّز عنه في آنٍ واحد، فقد اتَّسمت البيئةُ الأندلسيّة بقبولِ الآخر، ونعني به الآخر الشّقيق، وهو الفكر المشرقيّ بمختلف أبعاده المعرفيّة، دون أن ينساق الأندلسيّون إلى مجاراة ما وقع في المشرق العربيّ من تنازع المذاهب والفرق الكلاميّة، فقد شهدت بدايات الوجود العربيّ في إسبانيا استقبالاً للثقافة العربيّة الإسلاميّة في المشرق، وبعد أَقلّ من قرنين صارت الأندلس قبلة أهل الشّرق. وبعيداً عن مقولة مغرب عقلانيّ ومشرق عاطفيّ، فإنّ الأندلسيّين شرعوا بعد استيعاب علوم وآداب وفكر إخوانهم في الشرق، في تدشين تجربة تخصّهم على جميع المُستويات.

ولكنّ الموروث الأندلسيّ ظلَّ غائباً عن التداول طيلة قرون إلى غاية القرن التاسع عشر، وحين تمَّت استعادته في القرن العشرين، غلبت صورة الأندلس عن خزانها الرمزيّ، وشاع التناول الرومانسيّ لحضارة بلغت مرحلة الأطلال في الذاكرة الجماعيّة، وطغى الاهتمام بأسباب سقوط الأندلس على أسباب بلوغ الحضارة فيها أَوْجَ ازدهارها، وبدل أن ينصبَّ الاهتمام على عوامل التميُّز الحضاريّ، وممكنات الاستفادة منه، خيَّم خطاب الفقدان على خطاب الاستعادة النشيطة لمُحرِّكات البناء الحضاريّ.

ومن العجيب أنّ علماء الأندلس الذين شاعت فضائلهم بين أهل الشرق وفي الغرب، عاشوا تجربة غربة الفكر شأنهم شأن كلّ العلماء، وقد عبَّر عن ذلك ابن حزم الأندلسيّ في قوله «أمّا جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى بهِ المثل السّائر أزهد الناس في عالِمٍ أهلهُ»، ولكنّ هذه الغربة مازالت متلبسة بفكر أهل الأندلس عامّة إلى يومنا، وكَمْ نحتاج إلى مساءلة ذلك العصر بما يحتويه من ثراء ومميِّزات تفرَّد بها أهلهُ عن أبناء زمانهم، وظلَّت آثارها إلى الآن مبثوثة في فكرنا المُعاصِر.

غيابُ الكِتاب في الإذَاعة والتليفزيون

قَلَّ حُضورُ الكِتاب والثقافة في الإذاعةِ والتليفزيون، وباتَ عبئاً يتمُّ النهوضُ به من باب جبر الخواطر ورفع العتب، حتى إذا سأل أحدُهم عن الكِتاب دمغوه بقائمةٍ من الحصص والبرامج طويلةٍ عريضة، تسمح بإيجاد نسبةٍ مئويّة في الشبكة يتبجَّح بها الإداريّون عند المُحاسَبة أو المُساءَلة.

قد يكون من المُفيد هنا أن نفصّل الحديث في هويّة المُنشّطين المُكلّفين بالبرامج القليلة المعنيّة بالكتب والثقافة عموماً. فهم واحد من اثنين: إمّا منسوب إلى عالَم الثقافة والكِتابة، وإمّا ابن الإذاعة والتليفزيون، أي منسوب إلى مجالِ الإعلام.

نحن في الحالتين نتيجة وضعٍ كارثيّ: في الحالة الأولى: نحن أمام كاتِب لا يكتب ولا يقرأ، وميزته الأساسيّة قدرٌ كبير من الوقاحة والشراسة، وينتقي ضيوفه اعتماداً على الشّلليّة. في الحالة الثانية: نحن أمام (أنا) متضخِّمة، وهو في أفضل الحالات شخصٌ يقرأ الصحف ليُتابِعَ أخبار الفَنَّانين والفَنَّانات.

في الحالتين، دون تعميم ومع حفظ المقامات واحترام الاستثناءات، يتبجَّح هذا المُنشّط بأنّه محترف، وأنّ هذه الحرفيّة تسمح له بأن يستضيف مثقَّفين، هو في كثيرٍ من الأحيان لا يعرف عنوان كتابهم الجديد الذي استضافهم من أجله.

وأيّاً كان مدارُ الاستظافة فهو لن يكون الجدل، لأنّ الجدل تبادلٌ علنيّ صريح للآراء وصراعٌ بين الأفكار تقوله الكلمات، ومقارعة الحُجَّة بالحُجَّة دون طهرانية زائفة ولا ملائكيّة كاذبة، قد يغضب فيه المُتجادلان كلّ لقناعته، لكن كلاً منهما يدخل الجدل وهو مستعد لتغيير رأي الآخر وإقناعه برجاحة رأيه.

في مثل هذه الحالة يكفُّ الجدل عن كونه جدلاً، أي اختلافاً للفكر يؤدِّي إلى إنتاج فكر جديد، ويُصبِحُ مَأتَماً للمُحادَثَة، بل يصبح مجرَّد اقتتال وحشيّ لا نتيجة له إلّا تطبيع ثقافة العنف والإرهاب. وتبدو ضجّة الإذاعة والتليفزيون حاجزاً صوتيّاً ملائماً ليرتكب المُجرم جريمته دون أن ينتبه إليه أحد.

ذاك هو الدور المنوط بعهدة البرنامج الثقافيّ المعنيّ بالكِتاب تحديداً. ولذلك هو مثار احتراز المُبرمجين من ذوي المصالح الإذاعيّة والتليفزيونيّة المشبوهة. إنّ معاداة الكِتاب والثقافة في الإذاعة والتليفزيون تعني الرغبة في إنتاج مواطن ميت لا أسئلة له ولا عقل ولا مخيّلة ولا مقاومة، أي جثّةً هامدة تكتفي بالتصفيق والرقص أحياناً وتأكل لتروث في باقي الأحيان.

إنّ الإداريّين المُعادين للكِتاب في الإذاعة والتليفزيون هُم إداريّون لا يرون المُواطن الصالح إلّا في هيئة المُواطن الميت. لذلك همّ حريصون على جرِّ كلّ البرامج، بما فيها الميِّتة ثقافيّاً تحديداً، إلى منطقة الصراخ والضجّة بدعوى أنّ الجمهور عاوز كده، وأن شروط تليفزيون العصر الحديث هي كده.

وشيئاً فشيئاً يتحوَّل التليفزيون وتتحوَّل الإذاعة إلى ملعب رياضيّ مرئي أو مسموع نهاراً وإلى علبة ليليّة ليلاً. شيئاً فشيئاً يتحوَّل المُنشّطون إلى نوعٍ من «الدي جي» ويهبط الكُتَّاب المدفوعون إلى مثل هذه البرامج إلى المُستنقع نفسه، كي يشاركوا في العياط والزياط، أو في ثرثرة مختصين في أواخر الليل، وهو عياط وزياط من نوعٍ سالب، يختلف الأسلوب لكن النتيجة واحدة: قتل المعنى، وتعطيل التواصل، وإحالة الدماغ على التقاعد.

هكذا يُصبِحُ التليفزيون والإذاعة شيئاً فشيئاً مصنعاً لإنتاج العنف الذهنيّ والعاطفيّ والجسديّ، منصّةً لانطلاق الترويج للعنف اللفظيّ والأخلاقيّ في البرامج التي تدَّعي الحوار والجدل، حلبةً يتصارع فيها عبيدٌ جُدد، تتجلَّى فيها حماسة استعراضيّة فرجويّة تعتمد التخوين وكتم صوت المُنافس، ومونولوغات لا مجال فيها للإنصات إلى الآخر، وملاسنات يقاطع فيها الجميع الجميع.

ثمّة في المُحادثة شيءٌ ضروريّ للحياة. حتى لكأنّ الإنسان كائن محادِث من زاوية ما. وفي المُحادثة المسموعة المرئيّة أو المُباشرة (المعيشة) مُتَع وفوائد يحصل عليها الكُتَّاب والقُرَّاء (الجمهور عموماً) تتجاوز ما يمكن أن تتيحه القراءة والكتابة.

ولعَلّ مادام «دو ستايل» عَبَّرتْ عن ذلك في كتابها «في ألمانيا»، حيث قالت: «إنها طريقةٌ أفضل لتلتحم لديهم لحظة التعبير بلحظة التفكير، وليعبِّروا عن ذكائهم وألمعيّتهم بكلّ لطائف النبرة والحركة والنظرة، وأخيراً لينتجوا بسخاء ما يجوز اعتباره نوعاً من الكهرباء التي ينبثق منها شرر، يخلِّص البعض من حيويّته المُفرطة، بينما يوقظ البعض الآخر من خدره المُضني».

آدم فتحي (تونس)
آدم فتحي (تونس)

كلّ هذه الأمور لا مجال لظهورها من خلال الكتابة والقراءة. وحده الحديث عن الكتابة والقراءة في الصالون أو في الإذاعة والتليفزيون، وهما صالون العصر، يمكن أن يجعلنا نستمتع بهما وبغنائمهما. وهذا ما يحرمنا منه غياب برامج الثقافة، وبرامج الكتاب تحديداً، عن الإذاعة والتليفزيون. إنّ تشجيع الكتابة في الإذاعة والتليفزيون هو إعادة الصلح بين القراءة الصائتة والقراءة الصامتة. إنّ تشجيع الكتاب هو تشجيع للقراءة بما هي تشجيع للتفكير. فالقراءة رياضة لمجموعة من الملكات والعضلات الذهنيّة والروحيّة والجسديّة لا تنمو ولا تتفاعل بغيرها.

والحقيقة أنّ العلاقة بينهما علاقة تكامل تامّ. فلا معنى للشراكة لولا الانفراد، ولا قيمة لانفراد لا يفتح على الشراكة. وهو ما يعنيه حضور الكِتاب من خلال الإذاعة والتليفزيون. فهو حضورٌ يعني قراءة انفراديّة صامتة لتذوُّق العمل أدّت إلى قراءة مسموعة لتقاسمه مع المُستمعين. هنا حتى المقولة القديمة المأثورة، كما قال مينغويل في كتابه، أمّا ما يُكتب فيبقى وأمّا ما يُقال فتذروه الرياح، حتى هذه المقولة يمكن تأويلها في اتجاه التكامل.

المكتوب يبقى أي يخلد، والمقول تذروه الرياح أي يُنسى، والمكتوب يبقى أي يتجمَّد، والمقول تذروه الرياح أي يحلّق كاللقاح من مكانٍ إلى آخر ويُخصب الأرض. ومن شأن وسائل الإعلام الحديثة أن تحمل الكلمات المكتوبة من مكانٍ إلى آخر في اللحظة نفسها لتصبح لقاحاً منقطع النظير.

وحتى من الناحية السياسيّة فالأمر متعادل. كان أغسطينوس يخشى أن تدفع القراءة الجهريّة إلى طرح المُستمع المُنصت أسئلةً محرجة، تستدعي تفسيراً أو دخولاً في جدل معقَّد. بينما ذهب آخرون إلى أنّ القراءة الصامتة هي أيضاً مريبة سياسيّاً، إذ ينعدم شهود العيان بين القارئ والكتاب وتنعدم إمكانيّة الرقابة على ما يقرأ وعلى ما تثيره القراءة من أسئلةٍ أو أفكار. والخلاصة أنّ الديموقراطيّات الحديثة تجاوزت هذا الحرج وفهمت منافع التكامل بين القراءتين.

كم أخطأ «سقراط» في حواره مع «فيدروس» حين قال: «هل تعرف يا فيدروس أن العجيب في الكتابة أنّها تشبه الرسم إلى حدٍّ كبير. إنّ عمل الرسّام يطالعنا وكأنّ اللوحات حيّة تنطق… ينطبق هذا على الكلمات المكتوبة. تبدو أنّها تتحدَّث إليك وكأنّها شديدة الذكاء، إلّا أنّك عندما تسألها والرغبة تحدوك في معرفة المزيد، فإنّها تستمرّ في ترديد نفس الشيء دون انقطاع».

ظلم «سقراط» الرسم والكتابة معاً، وكأنّ الانفتاح على ما تتيحه اللوحة من تأويل هو من شأن مشاهدها وحده ولا علاقة له بمفرداتها التشكيليّة. وكأنّ مجازات النصّ ومعانيه هي نتاج مخيّلة القارئ وحده وليست نتيجة لحركة كلمات النصّ نفسه. ربّما لانطلاقه من ظروف عصره، وربّما لأنّه كان محكوماً بسياق رؤيته الفكريّة…

في الحياة، في كتاب الحياة، لا يمكنك أن تعود إلى الصفحة السابقة أو إلى الصفحة الأولى كي تبدأ القراءة أو الرحلة من جديد، إلّا أنّك عندما تمسك كتاباً بيدك، كما يقول أورهان باموك في الحصن الأبيض، «فإنّك تستطيع بعد الفراغ منه أن تعود إلى البداية إنْ أردت، وأن تقرأه من جديد، كي تفهم ما هو صعب فيه، وبالتالي، أن تفهم ما هو صعب في الحياة أيضاً».