الحوار مع الغَائِب الأندلسيّ

تحتاج المُجتمعاتُ من حينٍ لآخر إلى تقليب ذاكرتها الرمزيّة، ومعاينة «سرديّاتها»، ومنها سرديّتها التاريخيّة لفترةٍ من الفترات، قد تبدو بعيدةً في الزمن، ولكنّها ثابتة ولا تفتأ عن الظّهور. ومن هذه السّرديّات، سرديّة «العصر الأندلسيّ»، وإذ نطلق لفظة «العصر» على القرون الثمانية التي عمَّر فيها العرب المُسلمون بإسبانيا، فلأنّنا نفترض أنّ ما امتدَّ على تلك القرون لا يمكن اختزال مداه في الأثر النفسيّ الذي يشعر به عرب مسلمون كثْرٌ من فقدانِ «فردوس»، في صيغة استعاديّة لا واعية للفقدان الأوّل، وتحميل شعور الخطيئة الأولى من جديد للأجيال، ووضع كلمات الأميرة عائشة أم أبي عبد الله الصغير كخلاصةٍ ترميزيّة للحظة توصيف قاسية لسقوط غرناطة حين قالت له «ابكِ كَالنساءِ مُلكاً لم تُحافظ عليه مثل الرّجال». إذ نرجِّح أنّه خارج دائرة «الأندلس» الرمز، ظلَّ ذلك العصر قريباً وبعيداً في آنٍ واحد، فهو عصرٌ حيّ في «الدراسات الأندلسيّة» ولدى المُختصين فيها من حيثُ إجراء المباحث فيه، وهو عصرٌ حاضر في ذاكرة العرب المُسلمين من حيثُ أبعاده النفسيّة لا غير، وهو عصرٌ غائب في الهويّة الإسبانيّة الراهنة من حيثُ إنكاره رمزيّاً وعدم التفكير فيه كمُكوِّن لتلك الهويّة.

ورغم أنّه لا يُمكننا عزلَ ذلك «العصر» عن سياقه الحضاريّ، فإنَّنا نفترضُ أنّ تميُّزه في ذلك السياق يجعلنا نعود إلى مساءلة تلك المُميِّزات التي جعلت منهُ تجربةً فريدة على المُستوى المعرفيّ، وشاهداً على حوارٍ ثقافيّ عميق بين «شرق وغرب»، ومؤثِّراً في نهضة أوروبا لا محالة. وتقودنا هذه الاستعادة إلى اللحظة المُؤسِّسة لذلك «العصر» التي نجملها في رمزيّة «العبور» من المغرب إلى إسبانيا عبر المضيق، تلك اللحظة التي بدت خطوةً عسكريّة توسُّعيّة، ولكنّها دشَّنت «عصراً معرفيّاً» ما زالَ محتاجاً إلى الاستكشاف والحفر ودراسة بنيته المعرفيّة الضّمنيّة.

لم يكن مضيق جبل طارق مجرَّد موقع تتصارع حوله قوى إقليميّة للسيطرة عليه، فقد ظلَّ في ذاكرة العرب المُسلمين رمزاً للخطوة التي قطعها طارق بن زياد في القرن الثامن للميلاد، ليدشّن «عصراً جديداً» حمل في داخله بذور الاختلاف والتميُّز في الحضارة العربيّة الإسلاميّة. لقد استطاع طارق البربري، حاكم مدينة طنجة أن يعبر إلى الأندلس عام (92 هـ – 710م)، فلم يدخلها فارساً وفاتحاً فحسب، وإنّما دخلها أديباً وخطيباً أيضاً، فما تزال كلماتُ خطبته تلهبُ حماسَة الرومانسيّين الذين ظلّوا ينظرون إلى الأندلس باعتبارها «فردوساً مفقوداً»، وأصبحت فاتحة الخطبة مثلاً سائراً «أيّها الناسُ أين المفرّ؟ البحر من ورائكم والعدوّ أمامكم».

لقد شهد هذا الجبل الذي كان يُسمَّى بـ«جبل الزّقاق»، عبور العرب المُسلمين، إلى أوروبّا، وبعد أن كانَ غير معمورٍ صارَ عامراً بحركة العابرين، ومستقرّاً للعلماء أيضاً، ومنذ العبور في اتّجاه طليطلة، بدأت حياةٌ جديدة لإسبانيا، التي كانت تربطها علاقاتٌ عابرة مع شعوب مختلفة مثل الفينيقيّين، واليونانيّين، والقرطاجيّين والوندال في السّلم والحرب. ولكن لم يكن لتلك العلاقات من تأثيرٍ قويّ وحاسم في تشكيل هويّة مخصوصة للشعب الإسبانيّ، حيثُ بدا المُؤثِّر الروماني والمُؤثِّر الإسلاميّ، هما العاملان الأساسيّان في نحت خصوصيّة الإسبان، فقد كانت اللّغة اللاتينيّة والنّظم القضائيّة والأدبيّة والفنِّيّة والدينيّة سليلة الرومان، ولم يكن للإسبان إلى حين دخول الفاتحين من علومٍ تُذكر، غير أنّ دخول العرب المُسلمين شحن إسبانيا بروح الحياة الجديدة، وشكَّل منعطفاً حضاريّاً لم يميِّز به ذلك الفضاء وحده.

د. نزار شقرون

لا يعني ذلك أنّ الفضاء العربيّ الإسلاميّ في تلك الفترة لم يتأثَّر بدوره بالنتاج العلميّ والفكريّ والأدبيّ لأبناء الأندلس بعد أن نهلَ منهُ، ولكنّه تميَّز عنه في آنٍ واحد، فقد اتَّسمت البيئةُ الأندلسيّة بقبولِ الآخر، ونعني به الآخر الشّقيق، وهو الفكر المشرقيّ بمختلف أبعاده المعرفيّة، دون أن ينساق الأندلسيّون إلى مجاراة ما وقع في المشرق العربيّ من تنازع المذاهب والفرق الكلاميّة، فقد شهدت بدايات الوجود العربيّ في إسبانيا استقبالاً للثقافة العربيّة الإسلاميّة في المشرق، وبعد أَقلّ من قرنين صارت الأندلس قبلة أهل الشّرق. وبعيداً عن مقولة مغرب عقلانيّ ومشرق عاطفيّ، فإنّ الأندلسيّين شرعوا بعد استيعاب علوم وآداب وفكر إخوانهم في الشرق، في تدشين تجربة تخصّهم على جميع المُستويات.

ولكنّ الموروث الأندلسيّ ظلَّ غائباً عن التداول طيلة قرون إلى غاية القرن التاسع عشر، وحين تمَّت استعادته في القرن العشرين، غلبت صورة الأندلس عن خزانها الرمزيّ، وشاع التناول الرومانسيّ لحضارة بلغت مرحلة الأطلال في الذاكرة الجماعيّة، وطغى الاهتمام بأسباب سقوط الأندلس على أسباب بلوغ الحضارة فيها أَوْجَ ازدهارها، وبدل أن ينصبَّ الاهتمام على عوامل التميُّز الحضاريّ، وممكنات الاستفادة منه، خيَّم خطاب الفقدان على خطاب الاستعادة النشيطة لمُحرِّكات البناء الحضاريّ.

ومن العجيب أنّ علماء الأندلس الذين شاعت فضائلهم بين أهل الشرق وفي الغرب، عاشوا تجربة غربة الفكر شأنهم شأن كلّ العلماء، وقد عبَّر عن ذلك ابن حزم الأندلسيّ في قوله «أمّا جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى بهِ المثل السّائر أزهد الناس في عالِمٍ أهلهُ»، ولكنّ هذه الغربة مازالت متلبسة بفكر أهل الأندلس عامّة إلى يومنا، وكَمْ نحتاج إلى مساءلة ذلك العصر بما يحتويه من ثراء ومميِّزات تفرَّد بها أهلهُ عن أبناء زمانهم، وظلَّت آثارها إلى الآن مبثوثة في فكرنا المُعاصِر.

غيابُ الكِتاب في الإذَاعة والتليفزيون

قَلَّ حُضورُ الكِتاب والثقافة في الإذاعةِ والتليفزيون، وباتَ عبئاً يتمُّ النهوضُ به من باب جبر الخواطر ورفع العتب، حتى إذا سأل أحدُهم عن الكِتاب دمغوه بقائمةٍ من الحصص والبرامج طويلةٍ عريضة، تسمح بإيجاد نسبةٍ مئويّة في الشبكة يتبجَّح بها الإداريّون عند المُحاسَبة أو المُساءَلة.

قد يكون من المُفيد هنا أن نفصّل الحديث في هويّة المُنشّطين المُكلّفين بالبرامج القليلة المعنيّة بالكتب والثقافة عموماً. فهم واحد من اثنين: إمّا منسوب إلى عالَم الثقافة والكِتابة، وإمّا ابن الإذاعة والتليفزيون، أي منسوب إلى مجالِ الإعلام.

نحن في الحالتين نتيجة وضعٍ كارثيّ: في الحالة الأولى: نحن أمام كاتِب لا يكتب ولا يقرأ، وميزته الأساسيّة قدرٌ كبير من الوقاحة والشراسة، وينتقي ضيوفه اعتماداً على الشّلليّة. في الحالة الثانية: نحن أمام (أنا) متضخِّمة، وهو في أفضل الحالات شخصٌ يقرأ الصحف ليُتابِعَ أخبار الفَنَّانين والفَنَّانات.

في الحالتين، دون تعميم ومع حفظ المقامات واحترام الاستثناءات، يتبجَّح هذا المُنشّط بأنّه محترف، وأنّ هذه الحرفيّة تسمح له بأن يستضيف مثقَّفين، هو في كثيرٍ من الأحيان لا يعرف عنوان كتابهم الجديد الذي استضافهم من أجله.

وأيّاً كان مدارُ الاستظافة فهو لن يكون الجدل، لأنّ الجدل تبادلٌ علنيّ صريح للآراء وصراعٌ بين الأفكار تقوله الكلمات، ومقارعة الحُجَّة بالحُجَّة دون طهرانية زائفة ولا ملائكيّة كاذبة، قد يغضب فيه المُتجادلان كلّ لقناعته، لكن كلاً منهما يدخل الجدل وهو مستعد لتغيير رأي الآخر وإقناعه برجاحة رأيه.

في مثل هذه الحالة يكفُّ الجدل عن كونه جدلاً، أي اختلافاً للفكر يؤدِّي إلى إنتاج فكر جديد، ويُصبِحُ مَأتَماً للمُحادَثَة، بل يصبح مجرَّد اقتتال وحشيّ لا نتيجة له إلّا تطبيع ثقافة العنف والإرهاب. وتبدو ضجّة الإذاعة والتليفزيون حاجزاً صوتيّاً ملائماً ليرتكب المُجرم جريمته دون أن ينتبه إليه أحد.

ذاك هو الدور المنوط بعهدة البرنامج الثقافيّ المعنيّ بالكِتاب تحديداً. ولذلك هو مثار احتراز المُبرمجين من ذوي المصالح الإذاعيّة والتليفزيونيّة المشبوهة. إنّ معاداة الكِتاب والثقافة في الإذاعة والتليفزيون تعني الرغبة في إنتاج مواطن ميت لا أسئلة له ولا عقل ولا مخيّلة ولا مقاومة، أي جثّةً هامدة تكتفي بالتصفيق والرقص أحياناً وتأكل لتروث في باقي الأحيان.

إنّ الإداريّين المُعادين للكِتاب في الإذاعة والتليفزيون هُم إداريّون لا يرون المُواطن الصالح إلّا في هيئة المُواطن الميت. لذلك همّ حريصون على جرِّ كلّ البرامج، بما فيها الميِّتة ثقافيّاً تحديداً، إلى منطقة الصراخ والضجّة بدعوى أنّ الجمهور عاوز كده، وأن شروط تليفزيون العصر الحديث هي كده.

وشيئاً فشيئاً يتحوَّل التليفزيون وتتحوَّل الإذاعة إلى ملعب رياضيّ مرئي أو مسموع نهاراً وإلى علبة ليليّة ليلاً. شيئاً فشيئاً يتحوَّل المُنشّطون إلى نوعٍ من «الدي جي» ويهبط الكُتَّاب المدفوعون إلى مثل هذه البرامج إلى المُستنقع نفسه، كي يشاركوا في العياط والزياط، أو في ثرثرة مختصين في أواخر الليل، وهو عياط وزياط من نوعٍ سالب، يختلف الأسلوب لكن النتيجة واحدة: قتل المعنى، وتعطيل التواصل، وإحالة الدماغ على التقاعد.

هكذا يُصبِحُ التليفزيون والإذاعة شيئاً فشيئاً مصنعاً لإنتاج العنف الذهنيّ والعاطفيّ والجسديّ، منصّةً لانطلاق الترويج للعنف اللفظيّ والأخلاقيّ في البرامج التي تدَّعي الحوار والجدل، حلبةً يتصارع فيها عبيدٌ جُدد، تتجلَّى فيها حماسة استعراضيّة فرجويّة تعتمد التخوين وكتم صوت المُنافس، ومونولوغات لا مجال فيها للإنصات إلى الآخر، وملاسنات يقاطع فيها الجميع الجميع.

ثمّة في المُحادثة شيءٌ ضروريّ للحياة. حتى لكأنّ الإنسان كائن محادِث من زاوية ما. وفي المُحادثة المسموعة المرئيّة أو المُباشرة (المعيشة) مُتَع وفوائد يحصل عليها الكُتَّاب والقُرَّاء (الجمهور عموماً) تتجاوز ما يمكن أن تتيحه القراءة والكتابة.

ولعَلّ مادام «دو ستايل» عَبَّرتْ عن ذلك في كتابها «في ألمانيا»، حيث قالت: «إنها طريقةٌ أفضل لتلتحم لديهم لحظة التعبير بلحظة التفكير، وليعبِّروا عن ذكائهم وألمعيّتهم بكلّ لطائف النبرة والحركة والنظرة، وأخيراً لينتجوا بسخاء ما يجوز اعتباره نوعاً من الكهرباء التي ينبثق منها شرر، يخلِّص البعض من حيويّته المُفرطة، بينما يوقظ البعض الآخر من خدره المُضني».

آدم فتحي (تونس)
آدم فتحي (تونس)

كلّ هذه الأمور لا مجال لظهورها من خلال الكتابة والقراءة. وحده الحديث عن الكتابة والقراءة في الصالون أو في الإذاعة والتليفزيون، وهما صالون العصر، يمكن أن يجعلنا نستمتع بهما وبغنائمهما. وهذا ما يحرمنا منه غياب برامج الثقافة، وبرامج الكتاب تحديداً، عن الإذاعة والتليفزيون. إنّ تشجيع الكتابة في الإذاعة والتليفزيون هو إعادة الصلح بين القراءة الصائتة والقراءة الصامتة. إنّ تشجيع الكتاب هو تشجيع للقراءة بما هي تشجيع للتفكير. فالقراءة رياضة لمجموعة من الملكات والعضلات الذهنيّة والروحيّة والجسديّة لا تنمو ولا تتفاعل بغيرها.

والحقيقة أنّ العلاقة بينهما علاقة تكامل تامّ. فلا معنى للشراكة لولا الانفراد، ولا قيمة لانفراد لا يفتح على الشراكة. وهو ما يعنيه حضور الكِتاب من خلال الإذاعة والتليفزيون. فهو حضورٌ يعني قراءة انفراديّة صامتة لتذوُّق العمل أدّت إلى قراءة مسموعة لتقاسمه مع المُستمعين. هنا حتى المقولة القديمة المأثورة، كما قال مينغويل في كتابه، أمّا ما يُكتب فيبقى وأمّا ما يُقال فتذروه الرياح، حتى هذه المقولة يمكن تأويلها في اتجاه التكامل.

المكتوب يبقى أي يخلد، والمقول تذروه الرياح أي يُنسى، والمكتوب يبقى أي يتجمَّد، والمقول تذروه الرياح أي يحلّق كاللقاح من مكانٍ إلى آخر ويُخصب الأرض. ومن شأن وسائل الإعلام الحديثة أن تحمل الكلمات المكتوبة من مكانٍ إلى آخر في اللحظة نفسها لتصبح لقاحاً منقطع النظير.

وحتى من الناحية السياسيّة فالأمر متعادل. كان أغسطينوس يخشى أن تدفع القراءة الجهريّة إلى طرح المُستمع المُنصت أسئلةً محرجة، تستدعي تفسيراً أو دخولاً في جدل معقَّد. بينما ذهب آخرون إلى أنّ القراءة الصامتة هي أيضاً مريبة سياسيّاً، إذ ينعدم شهود العيان بين القارئ والكتاب وتنعدم إمكانيّة الرقابة على ما يقرأ وعلى ما تثيره القراءة من أسئلةٍ أو أفكار. والخلاصة أنّ الديموقراطيّات الحديثة تجاوزت هذا الحرج وفهمت منافع التكامل بين القراءتين.

كم أخطأ «سقراط» في حواره مع «فيدروس» حين قال: «هل تعرف يا فيدروس أن العجيب في الكتابة أنّها تشبه الرسم إلى حدٍّ كبير. إنّ عمل الرسّام يطالعنا وكأنّ اللوحات حيّة تنطق… ينطبق هذا على الكلمات المكتوبة. تبدو أنّها تتحدَّث إليك وكأنّها شديدة الذكاء، إلّا أنّك عندما تسألها والرغبة تحدوك في معرفة المزيد، فإنّها تستمرّ في ترديد نفس الشيء دون انقطاع».

ظلم «سقراط» الرسم والكتابة معاً، وكأنّ الانفتاح على ما تتيحه اللوحة من تأويل هو من شأن مشاهدها وحده ولا علاقة له بمفرداتها التشكيليّة. وكأنّ مجازات النصّ ومعانيه هي نتاج مخيّلة القارئ وحده وليست نتيجة لحركة كلمات النصّ نفسه. ربّما لانطلاقه من ظروف عصره، وربّما لأنّه كان محكوماً بسياق رؤيته الفكريّة…

في الحياة، في كتاب الحياة، لا يمكنك أن تعود إلى الصفحة السابقة أو إلى الصفحة الأولى كي تبدأ القراءة أو الرحلة من جديد، إلّا أنّك عندما تمسك كتاباً بيدك، كما يقول أورهان باموك في الحصن الأبيض، «فإنّك تستطيع بعد الفراغ منه أن تعود إلى البداية إنْ أردت، وأن تقرأه من جديد، كي تفهم ما هو صعب فيه، وبالتالي، أن تفهم ما هو صعب في الحياة أيضاً».

مريد البرغوثي.. كتابة فلسطين الجديدة

يأتي رحيل مريد البرغوثي (1944 – 2021) بعد ستّ سنوات من رحيل زوجته ورفيقة دربه رضوى عاشور (1946 – 2014) كنوعٍ من التذكير المُستمر برحيل زمن مغاير، يبدو الآن بعيداً ومتنائياً. وهو رحيل يقترب معه الموت بخطوه الدؤوب ممَّنْ بقي من أبناء هذا الجيل، جيلي، الذي كان مترعاً بالحياة، مليئاً بالرغبة في تغيير المُستقبل.

لكن المُستقبل لم يأتِ له بغير الكوارث، التي بدأت مع تفجُّر رغبته في العطاء بنكسة عام 1967 المُروِّعة. وأمضى الشطر الأكبر من حياته يرفض ما جلبته النكسة من هزائم متلاحقة، ويَدُعّ عن نفسه تلاحُق النكسات التي تتابعت عليه على مرِّ العقود، ويقاومها كلّ بطريقته. صحيح أن الطرق قد توزَّعت بأبناء هذا الجيل -ككلّ الأجيال التي سبقته منذ انشقت الحركة الثقافيّة عقب الثورة العرابية، إلى أحفاد عبدالله النديم في ناحية، وأبناء علي مبارك في ناحية أخرى- فكان منهم مَنْ قاوموا وحافظوا على شعلة الثقافة الحرّة المُستقلة حيّة ومضيئة، وكان منهم أيضاً مَنْ آثروا الانخراط في مؤسَّسة الانحطاط والتسلُّط والتدهور والهوان، وأصبح بعضهم مجرَّد مخبرين لها، وعيوناً على مَنْ فضَّلوا انتهاج طريق عبدالله النديم الصعب والمُوحش أحياناً.

وكما هو الحال في كلّ جيل أيضاً، كانت هناك قصّة حبّ جديرة بالاهتمام، هي قصّة حبّ رضوى عاشور ومريد البرغوثي في جيلنا. ومن مفارقات رحيل مريد أنه رحل يوم عيد الحبّ 14 فبراير/شباط وكأنه يذكِّرنا من جديد بأجمل قصص هذا الجيل. وهي القصّة التي جسَّدت الكثير من القيم الإيجابيّة التي حرص مثقَّفو هذا الجيل الأنقياء على الالتفاف حولها: استقلال المُثقَّف في الرأي والاختيار، وحرصه على أفقه العربيّ، وتمسُّكه بالقضية الفلسطينيّة كقضية لا تنفصل بأي حالٍ عن القضية المصريّة أو العربيّة من ورائها. لأن رضوى واجهت من البداية اعتراض أسرتها على قرارها الشخصيّ بالارتباط بفلسطينيّ. وواجهت أسرتها والواقع القديم من ورائها بالتمسُّك بمَنْ قرَّرت الارتباط به، بل وتكريس جزء كبير من حياتها الثقافيّة العامّة للقضية الفلسطينيّة التي كان مريد تجسيداً ناصعاً ومستقلاً أيضاً لمرحلة الشتات فيها. وواصلت النضال من أجل هذه القضية -وهي القضية التي تمسَّك بها أبرز مثقَّفيّ جيل الستينيّات- لدرجة يمكن أن نقول معها إن إسهامها في الحفاظ عليها حيّة ومتقدة لا يقلّ عن إسهامه، وخاصّة عبر ثلاثيتها المُهمَّة (غرناطة) وروايتها (الطنطورية) التي كتبت الممحي، وأقامته حيّاً وناصعاً في وجه المُحتلّ. وكتبت معه بطولة المرأة الفلسطينيّة في جلدها وحفاظها على وطنها وشعبها.

فعلاقة رضوى ومريد، رغم أنها على المُستوى الإنسانيّ علاقة أسرة بسيطة وجميلة في مواجهتها لما تطرحه عليها الحياة من مسرات وأوجاع، تكشف على مستوى آخر، وبسبب التزام رضوى الثقافيّ وقدرتها الفذة على تجسيد هذا الالتزام إبداعيّاً عن علاقة مصر وفلسطين. وفي زمن عانت فيها تلك العلاقة من أبشع أشكال التدهور والتدمير.

لغة شعريّة فريدة لعَالَم مُغاير

لكن إنجاز رضوى في هذا المجال لا يطغى على ما قدَّمه مريد هو الآخر من إبداع وإضافة إلى قضيته، وإلى جدليّة العلاقة المُهمَّة والجوهريّة بين مصر وفلسطين أيضاً. والواقع أن من الصعب في مقالٍ قصير كهذا الحديث عن إنجاز مريد في مجال الشعر الذي كتب فيه أكثر من عشرة دواوين، يستحق كلّ منها دراسة مستقلّة. خاصّة وأنني لازلت أذكر بوضوح يوم أن صحبت مريد إلى مبنى الإذاعة في ماسبيرو -ولماسبيرو ذكريات بهيجة وأخرى موجعة- للحديث عن ديوانه الأول «الطوفان وإعادة التكوين» عقب صدوره. وكيف أنني ركَّزت في حديثي معه عن ديوانه على نجاحه -منذ بدايات مسيرته الشعريّة- في ألّا يسقط تحت ظلّ شعراء المُقاومة في الأرض المُحتلّة، وكانوا قد استأثروا وقتها بالمشهد الشعريّ. وأن يخلق قصيدته المُغايرة، ولغته الشعريّة الفريدة التي كتبت الشتات الفلسطينيّ من ناحية، كما أعادت تأسيس فلسطين الضائعة المُنتهَكة في مفردات حسيّة ملموسة من ناحيةٍ أخرى. وقد استطاع مريد بحقّ أن يحفر لنفسه مساراً متميِّزاً، لا في لوحة الشعر الفلسطينيّ فحسب، وإنما في مسيرة الشعر العربيّ لدى جيل الستينيّات العربيّ كلّه. وكوَّن من خلال هذه الدواوين عالَمه الشعريّ الخاص بزخمه الإنسانيّ، ولغته الشعريّة الفريدة ذات القاموس البسيط الآسر معاً، ومفرداته الخاصّة من الصور والاستعارات والرؤى المُتميِّزة.

 

 

لذلك سأكتفي هنا بالتريُّث قليلاً إزاء أحد أعمال مريد النثريّة لتميُّزها، ودلالاتها المُهمَّة على ما انتاب القضية الفلسطينيّة من متغيِّرات. وهو كتابه «رأيت رام الله». وهو نصّ شيّق بحقّ، يوشك أن يكون نوعاً متفرِّداً من الكتابة الشعريّة السرديّة، أو الكتابة السرديّة الشعريّة التي لم يعرفها الأدب العربيّ باستثناء حفنة من النصوص النادرة، أذكر منها (خليها على الله) لكاتبنا الكبير وأستاذنا الذي يذكره جيلنا كلّه بالخير والعرفان يحيى حقي. والواقع أن سرّ سحر هذا النصّ الفريد هو في شعريّته. إنه ليس كتاب ناثر، بل كتاب شاعر يكتب بالصورة، ويفكِّر بها. ثمَّ يحيل الصور في كثيرٍ من الأحيان إلى أسئلة مدبّبة، تخزّ القارئ وتوقظ خياله باستمرار. وهو لذلك كتابٌ سرديّ فريد، لأن السرد فيه ليس من النوع الوصفيّ الذي يهتمُّ برصد التفاصيل واصطحاب القارئ إلى بقاعٍ جديدة، وإنْ كان يفعل ذلك. ولا من نوع السرد التتابعيّ الذي يهتمُّ بتطوُّر الأحداث واللهاث وراء تصاريفها، وإنْ امتلأ النصّ بأحداثٍ شيِّقة ومفاجآتٍ كثيرة مثيرة. ولكنه من النوع التحليليّ والتأمُّليّ الذي يسعى إلى بلورة صورةٍ كاملة ومؤثِّرة لما جرى، ويتحرَّك بحرّيّة في الزمن. يستدعي حدثاً مضت عليه ثلاثون سنة، ثم يرتد لحدث مرَّت عليه عدّة ساعات، وينتقل منه لحدثٍ جرى قبل شهور أو عدّة أعوام. ولكنه يكشف لنا من خلال صياغة الصور فيه مدى تعدُّد الوشائج بين هذه الأحداث جميعاً، ومدى تشابك المصير الفلسطينيّ بالمصائر العربيّة والتصرُّفات العربيّة المُتباينة والعبثيّة في كثيرٍ من الأحيان، ومدى تجلِّي القديم في الجديد بصورةٍ مغايرة، ولكنها تكشف عن الثابت بقدر كشفها عن المُتحوِّل.

رحلة تأسيس الحقّ

ويقدِّم لنا الكِتاب في حقيقة الأمر رحلة الشاعر إلى رام الله بعدما حُرِمَ من دخولها منذ خرج منها للدراسة في جامعة القاهرة، وحدثت أثناء سنوات الطلب واقعة 1967. كما يقدِّم لنا في الوقت نفسه رحلة الفلسطينيّ الصعبة للتشبُّث بوطنه وهو في المنفى، ولتأسيس حقّ ابنه «تميم» في هذا الوطن. فشاغل مريد في هذه الرحلة هو أن يحصل لابنه الذي وُلِدَ في المنفى، من أبٍّ فلسطينيّ وأمٍّ مصرية هي الكاتِبة المصريّة الكبيرة رضوى عاشور، على حقّ العودة لوطنه الذي لم يضع قدماً على ترابه بعد. وعندما قرأت هذه الصفحات التي يَجري فيها «مريد» وراء الأوراق التي تَمنح ابنه حقّ العودة، بعدما ألقت السلطات المصريّة بـ«تميم» خارج الحدود لمُشاركته في المظاهرات العارمة التي اندلعت في القاهرة عشية الحرب الأميركيّة على العراق، قبل شهور من تلك الرحلة التي يكتب عنها مريد، أدركت كمّ كان «مريد» على حقّ في الغوص في متاهة البيروقراطيّة الفلسطينيّة الوليدة ليحصل لابنه على حقِّه في وطنه، الذي لن يظلّ سليباً مادام هناك مَنْ يتشبَّث به، ويضحي من أجله.

رحلة صعبة واستعاراتها

لكن دعنا نبدأ تلك الرحلة الصعبة من أولها، كي نتعرَّف على الآليّات السرديّة والاستراتيجيّات النصّيّة التي استطاعت بها المُعالجة الشعريّة، أن تحيل هذه الرحلة المُحدَّدة، إلى استعارة فنِّيّة لرحلة الفلسطينيّ في الشتات منذ أن ضاع وطنه على مرحلتين. لأن النصّ وإنْ تمركز حول رحلة كاتبه، إلى الحدِّ الذي يمكن اعتباره نوعاً من نصوص السيرة الذاتيّة، إلّا أنه يقدِّم لنا اشتباك مصير هذا الكاتِب الفرد بمصير وطنه فلسطين، وبمصائر العديد من الفلسطينيّين من أبناء جيله. من أخيه الأكبر «منيف» الذي يكبره بثلاث سنوات، وإنْ فرضت عليه التجربة وهو لايزال في شرخ الشباب أن يكون أباً رؤوماً لا لأسرته وحدها، ولكن لكثيرٍ من الفلسطينيّين أيضاً، إلى ناجي العلي الرسَّام الفلسطينيّ الشهيد الذي شارك «مريد» في جنازته في لندن.

أقول دعنا نبدأ هذه الرحلة من أولها، وهل هناك أكثر من الجسر ملاءمةً لهذه البداية؟ فالجسرُ هو عنوان الفصل الأول في هذا الكتاب. «فيروز» تسمِّيه «جسر العودة». الأردنيّون يسمّونه «جسر الملك حسين». السلطة الفلسطينيّة تسمِّيه «معبر الكرامة». عامّة الناس وسائقو الباصات والتاكسي يسمّونه «جسر اللنبي». أمّي وقبلها جدتي وأبي وامرأة عمّي أم طلال يسمّونه ببساطة «الجسر» (ص 15). ويبدأ النصّ «ها أنا أقطع نهر الأردن. أسمع طقطقة الخشب تحت قدمي… أمشي باتِّجاه الغرب مشية عادية، ورائي العَالَم، وأمامي عالَمي. آخر ما أتذكَّره من هذا الجسر أنني عبرته في طريقي من رام الله إلى عمّان قبل ثلاثين سنة، ومنها إلى مصر، لاستئناف دراستي في جامعة القاهرة. إنه العام الدراسيّ الرابع والأخير عام تخرُّجي المُنتظر» (ص 5).. ويا له من تخرُّج كتب سفر خروج هذا الفلسطينيّ الشاب وهو لايزال يسعى إلى امتلاك أدوات المعرفة.

يقول لنا الكاتب بمرارة تهكميّة ستسمُ السرد كلّه «حصلت على ليسانس من قسم اللُّغة الإنجليزيّة وآدابها، وفشلت في العثور على جدار أعلِّق عليه شهادتي» (ص7). لأن غياب «مريد» في القاهرة أثناء وقوع الضفة الغربيّة تحت الاحتلال البغيض، منعه من حقّ العودة، وكتب عليه شتاتاً لا يقلُّ ألماً ومرارة عن شتات الفلسطينيّين. ويجسِّد لنا الشاعر هذا الشتات، «حيث كلّ شيء مؤقَّت إلى أن تتَّضح الأمور» (ص32).

وهذه الغربة المُرّة عن أرضه القريبة البعيدة معاً في مشهدين: مشهد لقاء الأسرة عندما التمَّ شملها في فندق في عمّان في صيف عام 1968 ومشهد شعريّ يستدعيه من ذاكرته قبل أكثر من عشرين عاماً عندما شارك في أواخر عام 1979 في أحد مؤتمرات اتحاد الكُتَّاب العرب في دمشق؛ وأخذه المضيفون لزيارة مدينة القنيطرة، وشاهدوا التدمير الفظيع الذي تعرَّضت له المدينة. ووقف الزائرون بجوار الأسلاك الشائكة التي يرتفع وراءها علم الاحتلال الصهيونيّ الكريه. «مددت يدي من فوق السلك، وأمسكت بالأفرع العلويّة من إحدى الشجيرات البريّة في الجانب المُحتلِّ من الجولان. أخذت أهز الشجيرة المضمومة في يدي، وقلت للدكتور حسين مروة، وكان يقف بجواري مباشرةً: هذه هي الأرض المُحتلَّة يا أبو نزار. إنني أستطيع أن أمسكها باليد… هل ترى كم هي قريبة ملموسة، موجودة بحقّ. إنني أستطيع الإمساك بها باليد كالمنديل. وفي عيني حسين مروة تكوَّن الجواب كلّه، وكان الجواب صامتاً مبلولاً» (ص10).

فالأرضُ المُحتلّة واقعٌ مر يجلب الدموع إلى المآقي. وهي واقعٌ يبلور «الإهانة المُتجسِّدة في انتزاعها مِنّا. فالإهانة تنغِّص حياة المُهانين. نشيدنا ليس للقداسة السابقة، بل لجدارتنا الراهنة. فاستمرارُ الاحتلال يشكِّل تكذيباً يوميّاً لهذه الجدارة» (ص11). والنصّ مشغول بتجسيد فقداننا للجدارة وبتجلِّيات هذا الفقدان التي تتغلغل في نسيج الحياة اليوميّة فتجعل الجميع يحسون بفداحة الهوان، وبفقدانهم للجدارة بطريقةٍ تنخر الروح وتسري في الدم، فتصيب الجميع بشللٍ جمعي مقيت لا هو موت ولا هو حياة.

وسوف أتوقَّف هنا عند هذا الحدّ من قراءتي لكتابِه البديع.. لأقول من جديد وداعاً يا مريد.

الحياة بوَصفها حُلماً

تناولَ «بورخيس» في المُحاضَرة الثانية، ضِمن ما ألقاهُ من مُحاضَرات عامَي 1967 و1968، بجامعة «هارفارد» الأميركيّة، الأنماطَ الأصليّة أو النموذجيّة للاستعارة، وتوقَّفَ، وهو يَعرضُ هذه الأنماط، على النمطِ الأصليّ لاستعارةِ «عدِّ الحياة حُلماً». وفي سياق تأمُّل هذا النمط، استحضرَ «بورخيس» قول شكسبير: «إنّنا مصنوعون، كما الأحلام، من المادّة نفسها». قولٌ رأى فيه «بورخيس» مُفارقةً بين المعنى وطريقة الصَّوغ، حتى وإنْ كان مُنجذباً إلى المَعنى المُتضمَّن في القول. فبقدر ما اِنجذبَ «بورخيس»، على امتداد مَساره الكتابيّ، إلى الحمولة الدلاليّة للنمط الأصليّ لهذه الاستعارة واقتنعَ بعُمقها وأسْهمَ في ترسيخها، لم يَستَسِغ صَوْغَ معناها عند شكسبير بنبرةِ تأكيد تنمُّ عن يَقينٍ ما، لأنّ حقيقة هذا النمط البعيدة تنهضُ، من بين ما تنهضُ عليه، على غُموضٍ لا يرتفعُ أبداً. فقد رأى «بورخيس» أنّ صَوْغَ شكسبير لهذه الاستعارة اعتماداً على التأكيد لا يَنسجمُ مع معناها القائم أساساً على الارتياب. فالمعنى الارتيابيّ، الذي يُرسِّخهُ النمط الأصليّ لهذه الاستعارة، يقتضي صَوْغاً ارتيابيّاً يُؤمِّنُ للحَيرة وللَّبْس حصّتَهُما في التركيب اللغويّ وفي المعنى. لذلك انحازَ «بورخيس» إلى قول الشاعر الألمانيّ «والتر فون دير فوجيلويد- walter von der vogelwide» الذي انطوَى على المعنى ذاته ولكن بنبرة ارتيابيّة صاغها على النحو التالي: «تراني حلمتُ حياتي، أم أنّها كانت حُلماً؟»، وانحازَ أيضاً إلى قول الشاعر الأميركيّ كامينغز- commings الذي شبَّهَ حياتَهُ بشَيء لم يحدُث. إنّها النبرة الارتيابيّة التي إليها انجذبَ «بورخيس» بكُلّه وهي تتحقّقُ بصيغة عالية، مُنذ زَمن سحيق، لدَى الفيلسوف الصينيّ تشوانغ تزو، إذ لم يكُف «بورخيس» عن الاستشهاد بالصّورةِ الشعريّة التي بها صاغ تشوانغ تزو النمط الأصليّ لاستعارة «عدِّ الحياة حُلماً»، بل، أبْعَد من ذلك، لم يكُن «بورخيس» يَنوي أبداً أنْ يكُفَّ مدى حياته عن الاستشهاد بهذه الصورة، التي جاء فيها أنّ تشوانغ تزو «حَلَمَ أنّه فراشة، وحين استيقظ، لمْ يَدْر إذا ما كان بَشراً حَلَمَ أنّه فراشة، أو أنّه فراشة تحلُمُ الآن أنّها إنسان». لقد أُعجِبَ «بورخيس» بهذا القول لا فقط لأنّهُ صيغَ بنبرةٍ تنطوي على الحيرة واللّبس، بل أيضاً لأنّ حمولة الحُلم ظلّت سارية حتى بَعد اليقظة، ولأنّ تشوانغ تزو اختارَ، في نظر «بورخيس»، الحيوانَ المُناسب؛ اختارَ كائناً في غايةِ الهشاشة، انسجاماً مع الحُلم. فالفراشة، التي اعتمدَها تشوانغ تزو في صَوغ الصورة، مِثلُ الحُلم، ولو كان اختارَ نَمراً أو حوتاً لكان، حسب «بورخيس»، سطحيّاً ولَما نجحَ في تبليغ ما قصدَه من قوله.

لا غرابة إطلاقاً أنْ ينجذبَ «بورخيس» إلى قول تشوانغ تزو، لأنّ رُؤيتَهُ هو أيضاً إلى الزّمن والحياة تتجاوَبُ مع ذلك، وتُغذّي، بروح ارتيابيّة عالية، التشابُكَ القائم بين ما يُعَدُّ حُلماً وما يُعَدُّ واقعاً. يكفي التمثيل لهذا الأمر بنصّ «بورخيس» الحامل لعُنوان «الآخَر»، الذي يَنطوي على رُعبِ أنْ تكونَ حياةُ المَرءِ حُلماً رَآهُ الآخَر. فضلاً عن ذلك، حرصَ «بورخيس» على أنْ يعيشَ الحياةَ في الحُلم أو الحياةَ بوَصفها حُلماً، إذ ظلّت رُؤيتُه مُنطويةً على عَدِّ الحياة حُلماً، وعلى عَدِّ ذلك تجلّياً سامياً للحياة، وتصوُّراً عميقاً لمعناها. وهو ما هيّأتْهُ لهُ أيضاً، بمعنى ما، صِلتُه الخاصّة بالأدب الذي تماهَى عنده بالحياة بما هي حُلم، إذ لمْ يكُن «بورخيس» يتصوَّرُها خارجَ الأدب وخارج الحُلم. فالمُتتبِّعُ لأعمال «بورخيس» يلمسُ أنّ الأدبَ، في منظوره، رافدٌ رَئيس للحياة لا العكس، فـ«بورخيس» واحدٌ مِمّنْ رَسّخوا حقيقةَ أنّ الأدبَ مَرجعُ الوَقائع وليسَت هي مرجعَه، حتى لتَبْدو الوقائعُ، في نظره، تجسيداً لِما يَختزنُهُ الأدب، لا بالمعنى البسيط الذي يَنهضُ عليه مفهوم التنبّؤ المُبتذَل، بل بمَعنى شديدِ التعقيد، فيه يبدو الحلمُ، الذي يُحقّقُهُ الأدب، مُلامسةً للمنطقة التي تُشكِّلُ مَصدرَ الأشياء والوقائع؛ المنطقة التي فيها يَستعيدُ الغموضُ عُمقَهُ المَنسيّ، أي يستعيدُ معنى كوْنه حقيقةَ الأشياء وحقيقة كلِّ ما يُرى، بعيداً عن حجاب الوُضوح المُعتم.

لرُبّما يُتيحُ تمديدُ النبرة الارتيابيّة، التي شدَّدَ عليها «بورخيس»، إمكاناتٍ عديدةً للاقتراب من عُمق الغُموض الذي يَسِمُ العلاقة بين الحُلم وما يُسمَّى بالواقع. تمديدٌ يُعيدُ النظرَ حتى في علاقة الاستعارة بالحقيقة، على نحوٍ يُكسّرُ الحُدودَ بينهما ويُحرِّرُ هذه العلاقة من الأحكام الجاهزة ومن ثبات الرّؤية. قد يكون هذا التمديدُ مُضمَراً، بوَجه ما، في نُصوص «بورخيس» أو سارياً بصيَغ أدبيّة في حكاياته التي تَبْني العجائبيَّ فيها من هِباتِ هذه المنطقة بالذات؛ منطقة تلاشي الحُدود بين الحُلم والواقع، وهو السّريان الذي جعلَ «بورخيس» نفسَهُ غامضاً. إذا كان هذا الأديب يُحدِّدُ مفهومَ الاستعارة، الذي خصّهُ بأكثر من مقال، بأنّه جمْعٌ بين النقيضيْن، فإنّ التمديدَ المُشارَ إليه يُتيحُ عدَّ الجْمع بين النقيضيْن ليس استعارةً، بل لرُبّما هو أساساً حقيقةُ الحياة أو على الأقلّ وَجهٌ من وُجوه حقيقتها، بحيث لا تغدو فكرةُ «عدِّ الحياة حُلماً» نمطاً من أنماط الاستعارة، بل تصيرُ حقيقةً من الحقائق الغامضة الخفيّة. وفي ضَوء ذلك، يكفُّ كلُّ تناوُل للحياة بوَصفها حُلماً عن أنْ يستقيمَ من زاوية الاستعارة بالمعنى الذي يُحدِّدُها اعتماداً على تقابُلها مع الحقيقة، بما يُمكِّنُ من تفكيك ثنائيّة الحقيقيّ والاستعاريّ. إنّه التفكيك الذي نهضَت به، مُنذ زمنٍ بعيد، التوجُّهات المعرفيّة ذات المَنحى الشعريّ والصوفيّ، بالمعنى الواسع والخَصيب لكِليْهما.

وهكذا، فإنّ «عدَّ الحياة حُلماً» تصوُّرٌ يَستندُ، من بين ما يَستندُ إليه، إلى الرّؤية الخَصيبة التي بها أعادَتْ بَعضُ التوجُّهاتُ المعرفيّة، مُنذ القديم، صَوغَ مفهوم الخيال، وتحريرَه من الفَصْل الذي أبْعدَهُ عن الحقيقة واختزَلهُ في مُجرّد مُقابل لها، حتى لقد غدَت ثنائيّة الخياليّ والحقيقيّ، أو الخياليّ والواقعيّ مُثقلةً، في هذا الاختزال، بالأفكار الجاهزة التي لا تنفكّ تَخضعُ للتفكيك في التصوُّرات التي لامَسَت عُمقَ الخيال وعُمق المعرفة التي يُنتجُها، ولا تنفكّ تخضعُ أيضاً للتفكيك، بصورةٍ أبْعد، في المُمارَسات النّصيّة الإبداعيّة التي لا يَستقيمُ وُجودُها إلّا بالإقامة في منطقة الخيال وتلقّي هِباته في بناءِ المعنى. من ثمَّ، يُمْكنُ الزعم أنّ النّمط الأصليّ لاستعارة «عدِّ الحياة حُلماً» ليْسَ خيالاً إلّا إذا نُظِرَ للخَيال بوَصفه «حقيقةَ» الأشياء، أي بتغيير التصوُّر عنه، أمّا النظرة التي ظلَّت تعتبرُه درجةً أدنى مِمّا يُسمَّى، على نحوٍ فجّ وجاهز، بالواقع، فليس في مُكْنتها إطلاقاً أنْ تُدركَ المعنى البَعيد لهذه الرّؤية للخيال وللحياة.

إنّ بذورَ هذه الرّؤية، التي تَنظرُ إلى الحياة بوَصفها حُلماً، مُتعدِّدةُ المصادر ومُختلفةٌ حتى في تفاصيلها وفُروعها، إذ يَصعبُ تطويقُ المُوَجِّهات التي تَسندُ هذه الرّؤية والامتدادات والتلوُّنات التي شهدَتْها. وهذا أيضاً عُنصُرٌ من عناصر غُموضها الذي سبقَت الإشارة إلى أنّه لا يَرتفع أبداً. تجلّياتُ هذه الرّؤية عديدة، تبدَّى أحدُها، بعُمْقٍ لافت في خطاب الصوفيّة، وفي تصوُّرهم للحُلم ولطرائق عُبوره. يُمكنُ، في سياق استحضار هذا الخطاب للتمثيل، عدُّ ابن عربي واحداً ممَّنْ جسَّدوا هذه الرّؤية على مُستوى التصوُّر الوُجوديّ والمعرفيّ، وممَّنْ حرَصوا على إضاءَتها انطلاقاً من إعادةِ تأمُّل ما يَجري في حُلم المنام، وفي الحُلم الذي يتحصَّلُ في الحياة أو فيما يَجري في الحياة بوَصفها أصْلاً حُلماً. بهذا التأمّل، الذي يُعيدُ ترتيبَ العلاقات والوَشائج بين المعاني ويُزعزعُ المُعتاد في التأويل، يغدو الحُلمُ في المنام صيغةً أخرى للحُلم المُتماهي بما يَجري في الحياة؛ يغدو حُلماً مُضاعَفاً، لأنّه لا يُقابلُ وقائعَ وأحداثاً مادامت الحياةُ نفسُها، في هذا المنظور، حُلماً. ما يتمُّ في الحُلم المُعتاد؛ حُلمِ المنام، ليس، في تصوُّر مَن رَسَّخوا نَسَب الحياة إلى الحُلم، سوى «منامٍ في منام» وَفق تأويل ابن عربي لحديث نبويّ يَستحضرهُ في خطابه مرّات عديدة من مواقعَ مُتباينة كما هو دأبُه في التأويل؛ يتعلّقُ الأمر بالحديث الذي جاء فيه: «الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا». أكثر من ذلك، فترسيخُ نَسب الحياة إلى الحُلم عند ابن عربي مشدودٌ إلى تصوُّره للوُجود، ولعلاقة الواحد بالكثرة فيه، ولحقيقة الصّوَر في التجليّات، وغيرها من المفهومات التي تُسيِّج هذا التصوُّر. لذلك كلّه، لا يتردَّد ابنُ عربي، وَفق موقعٍ من مواقعِ تأويله العديدة، في التصريح بأنّ ما يُرَى في الحياة هو مِنْ قبيل ما يُرَى في المَنام. وبذلك يَغدو الحُلمُ في المنام مُضاعَفاً، منه يتمُّ العُبور، في التأويل، لا إلى وقائع، بل إلى حُلمٍ آخَر، على نحوٍ يَجعلُ ما يُرَى؛ سواء في حُلمِ المنام أو في صُوَر الحياة؛ ذا وَضعٍ إشكاليٍّ شديدِ التعقيد، بما يَمنعُ كلَّ حديث عمَّا يُرَى في الحياة من ادّعاء اليقين والوُضوح اللذيْن لا حجّة عليهما.

مثلما تسنَّى الحديث عن حُلم مُضاعَف يُقرّبُ المسافة بين ما يُرَى في المنام وما يُرَى في الحياة، حتى لا نقول يُرَى في اليَقظة التي تغدو في هذا التصوُّر مَوضوعَ ارتياب، يتسنَّى أيضاً الحديث عن عِلم تعبير مُضاعَف؛ علمٍ لا يتكلَّفُ بعُبور ما يُرَى في المنام وحسب، بل أيضاً بعُبور ما يُرَى في الحياة وبتأويله. وهي مُضاعفةٌ شدَّدَ عليها ابنُ عربي وظلَّت سارية في تآويله. فعلمُ التعبير، الذي ينهضُ على عبُور ما رآه النائمُ من صُوَر إلى أمْر آخَر، لا يَنطلِقُ، في جانب من تصوُّر ابن عربي، مِن مَنام إلى أمْر في «الواقع» وحسب، بل يتمُّ من مَنامٍ إلى منام آخر، لأنّ ما يَجري في الحياة هو أصْلاً حُلم، بناءً على ما يُستفادُ من تأويل ابن عربي. فتحقُّقُ الحُلم، الذي يُرَى في المنام، حسب علم التعبير غير المُضاعَف، تُجسِّدُه «وقائع»، فيما علمُ التعبير المُضاعَف يَذهبُ إلى أنّ ما عُدّ «وقائع» في عُبور الحُلم هو في ذاته حُلم، بما يجعلُ الانتقالَ في العُبور، أي في التأويل، حركةً لا تتمُّ مِنْ مَنامٍ إلى «واقع»، بل مِن مَنامٍ إلى منامٍ آخَر، وهو ما أضاءهُ ابنُ عربي في الفصّ المُعنون «فصّ حكمة نوريّة في كلمة يوسفيّة» ضمن كتابه «فصوص الحكم». في هذا الفصّ، ذهبَ ابنُ عربي إلى أنّ ما يتحصَّلُ بوَصفه تأويلاً لِما يُرَى في الحُلم ليس هو أيضاً سوى حُلمٍ، بمعنى أنّ الحُلم سارٍ في كلّ ما يُرى ويُعاش. لا يتعلَّقُ الأمرُ باستعارة، في نظره، بل برُؤية مشدودة إلى تصوُّره إلى الوُجود الذي قال عنه إنّه كلّه «خيال في خيال».

بالجُملة، إنّ ما له دلالة، في سياق تأمُّل فكرة «عدِّ الحياة حُلماً»، هو النّفَسُ الارتيابيّ الساري في المعنى الذي تَبنيه هذه الفكرة، بغضّ النظر عن مُوجِّهات مَنْ صدرَت عنه، وفي اللغة التي يَتعيّنُ، في نظر «بورخيس»، أن يُبنى بها هذا المعنى، على النحو الذي يَخلقُ تجاوباً، على مُستوى الارتياب، بين المعنى وصَوْغه. فأهمّيّةُ النّفس الارتيابيّ بوَجْهيْه يَمنعُ مِنْ عدِّ هذه الفكرة حقيقةً تُقابلُ ما هو سائدٌ بشأنها، لأنّها في هذه الحالة تتنكّرُ لمنطقة الغموض التي مكّنتْ من ظهور الحياة بوَصفها حُلماً، وتنسى أيضاً أنّها بناءٌ بالتأويل. ذلك أنّ النّفَس الارتيابيّ، الذي شدَّدَ عليه «بورخيس»، لا يَنطلقُ من حقيقة ما، بل يرومُ أساساً زعزعة ما يُعَدُّ حقائقَ وبدهيات؛ وفي مقدِّمتها حُجُبُ الأزواج والثنائيّات التي تخلقُ الحُدودَ بين ما يقومُ أصلاً على التداخل، وتُمكّنُ هذه الحُدود، أبْعَد من ذلك، من سُلطة إنتاجِ المعنى. النّفَسُ الارتيابيّ يمنعُ الاحتمالَ من أن يتحوَّلَ إلى مُسلَّمة ويُتيحُ للأزواج أن تتحرَّرَ من التقابل. واللافت في التفكيك، الذي تنهضُ به فكرة «عدّ الحياة حُلماً» هو مصدرُه الذي قلّما تمّ الإنصاتُ إلى طاقته التفكيكيّة؛ إنّه المصدرُ الشعريّ والصوفيّ وهُما يتقاطعان، من منطقتهما الخاصّة، مع المصدر الفكريّ، على نحوٍ يدعو إلى التنبُّه للمعرفة التي يُنتجُها الشعريّ والصوفيّ، ولِعُمق المناطق البعيدة التي منها يستقيَان رُؤيتَهُما إلى الأشياء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الشواهد الخاصّة بـ«بورخيس»، في هذا المقال، مصوغة بترجمة صالح علماني لمُحاضَرة «الاستعارة»، ضمن ترجمته للمُحاضَرات التي ألقاها «بورخيس» بجامعة «هارفارد». وهي الترجمة التي صدرت في كتاب «صنعة الشعر»، دار المدى، سورية، ط1، 2007.

جرجي زيدان بين الموقف الثّقافي والممارسة الإبداعية

في الكثير من كتابات القرن العشرين، التي أرَّخت للأدب العربي في مرحلة الإحياء، يغلب التركيز على تيّارَيْن كبيرَيْن أو مرجعيَّتَيْن ثقافيَّتَيْن، أسهم التفاعل العميق بينهما في تشكّل الأدب العربي الحديث، هما: بعث التراث الثّقافي العربي، والثّقافة الغربية الوافدة. وليس ثمّة شكّ في دور هذَيْن التيّارَيْن، لكن -في المقابل- يتمّ إغفال (أو التقليل من شأن) جدل كان يدور داخل أنساق ثقافة الإحياء بين التراث العربي الرسمي ومرويّات الثّقافة الشعبية، وقد أخذت ملامح هذا الجدل في التشكُّل، في الفترة التي سبقت مطلع النهضة، وتسارعت وتيرته بفضل ظهور الطباعة والصحافة لتشمل الكثير من جوانب اللّغة والأسلوب، من حيث استخدام المفردات ومستويات التعبير ومكوِّنات السرد وآليّاته وأشكاله، وكان لهذا الجدل الداخلي تأثير حاسم وعميق في تكوين الأدب العربي الحديث بشكل عامّ، والأنواع السردية بشكل خاصّ. وهذه زاوية مهمّة من البحث، تناولها -بإشباع- الأستاذان: صبري حافظ في كتابه «تكوين الخطاب السردي العربي الحديث» (2002)، وعبدالله إبراهيم في «السردية العربيّة الحديثة» (2003)، في إطار سعيهما إلى إعادة قراءة أدب المرحلة، وتفسير نشأة الأنواع الأدبيّة الحديثة، من خلال منظور يأخذ في اعتباره مختلف السياقات الفاعلة في حركة الأدب.

تكشف هاتان الدراستان أن تعاطي الكثير من مؤرِّخي الأدب مع مرحلة الإحياء، كان تعاطياً تجزيئيّاً، يتمّ التركيز فيه على جوانب من الظاهرة الأدبيّة، دون الوعي بالترابطات التي تصل بينها، واستبعاد فكرة التعدُّدية في المكوِّنات والمرجعيات التي تسهم في تشكُّل الظاهرة والتبادلات الفاعلة في عمليّات إنتاج الأدب، وتلقِّيه. ومن مظاهر هذه التجزيئية، الانتقائية في المصادر التي تؤرِّخ لأدب المرحلة، حيث كان يتمّ الاعتماد على المؤلَّفات والأعمال الأدبيّة المعترف بها من المؤسّسة النقدية الرسمية، وإغفال ما لم يكن يتَّفق مع التوجُّهات الثّقافيّة السائدة، بما في ذلك الصحف والمجلّات الصادرة في مرحلة الإحياء، والتي تُعَدّ مصدراً مهمّاً في توثيق إيقاعات المشهد الأدبي الإحيائي، بكلّ أطيافه وتفاعلاته.

تيّار التحديث الأدبي

ومع ذلك، فيبدو أن هجوم بعض زعماء الإصلاح ضدّ انتشار القصص والمرويّات الشعبية قد لعب دوراً في توجيه المؤرِّخين إلى عدم الاهتمام بهذا البعد المهمّ، وإغفال دوره في تشكُّل الأدب العربي الحديث. فقد كان أنصار الاتِّجاه المحافظ والتقليدي يتمتَّعون بحضور قويّ في الحياة الاجتماعية، والحياة الثّقافيّة في الشام ومصر، خاصّةً عند فجر النهضة العربيّة الحديثة، وتلقّف مؤرِّخو الأدب تلك المواقف، بوصفها التوجُّه الرئيسي للمرحلة أو الصوت الجامع لثقافة الإحياء، في حين كان هناك اتِّجاهات أخرى أخذت تتبلور منذ أواخر القرن التاسع عشر، بفعل ما أتاحته المدارس الحديثة من ظهور أجيال جديدة جمعت، في معارفها، بين التراث العربي والاتِّصال الوثيق بالثّقافة الأوربية عبر إتقان إحدى لغاتها، كما هو الحال مع يعقوب صنوع، وفرح أنطون، وجرجي زيدان، ويعقوب صروف، ولويس شيخو.

الواقع أن أصحاب هذا التيّار كانوا أكثر انخراطاً في ممارسة الأدب؛ إبداعاً ونقداً، من التيّارات الأخرى، وحاز بعضهم شهرة وريادة في كتابة الأنواع الأدبيّة الحديثة كالرواية والمسرح. وقد عبَّر هؤلاء، في مقالاتهم وكتبهم، عن رؤى ومواقف جديدة تجاه الواقع والثّقافة الأدبيّة المعاصرة، وكذلك الأمر فيما يتعلّق بالتاريخ، وبالثّقافة العربيّة القديمة، فكيف نظر هؤلاء إلى هذا التراث السردي؟ وما المواقف التي اتَّخذوها تجاهه؟ تساؤلان، يمكن التوقُّف عندهما، من خلال الحديث عن واحد من أبرز كُتّاب الرواية في مرحلة الإحياء، هو جرجي زيدان، بصفته ممثِّلاً لتيّار التحديث المبكِّر في الأدب العربي الحديث، وبوصفه، أيضاً، أحد رموز الثّقافة الإحيائية ذات التوجُّه المنفتح على الثّقافات الحديثة.

جرجي زيدان (1861 – 1914)، صحافي وكاتب لبناني، من جيل روّاد النهضة العربيّة الحديثة، هاجر إلى مصر واستقرَّ بها، وأسَّس هناك مجلّة (الهلال) عام 1892. جاء معظم إنتاجه الأدبي والفكري على شكل مقالات متتابعة، وكان يعمد، بعد اكتمال كلّ موضوع، إلى جمع المقالات وتنقيحها وإخراجها في كتب. تسنَّمَ زيدان مكانته في الأدب العربي الحديث، من خلال إسهامه في كتابة عدد كبير من الروايات التاريخية التي جعلت منه رائد هذا النوع من الكتابة، وقد أراد بها – كما يذكر – تعليم التاريخ العربي للأجيال الصاعدة، من خلال قالب روائي يسرد فيه أحداث التاريخ، ويملأ فراغات أحداثه بقصّة غرامية متخيَّلة لشدّ انتباه المتلقّي.

في إطار هذا الدور التنويري، نشر زيدان الكثير من المقالات في مجلّة (الهلال) للتعريف بأعلام الأدب العربي القديم وتقريب أهمّ ذخائر هذا التراث لقرّائه المعاصرين، ومن تلك المقالات مقال بعنوان « الروايات: أصلها وتاريخها» (مجلّة الهلال، أكتوبر، 1902)، قدّم زيدان فيه لمحة عن فنّ القصص، وأصوله، وتاريخه.

أصول القصص العربي

يتناول زيدان أصول القصص العربي، ونماذجه، في إطار مقارنته بأصول القصص الغربي ممثَّلةً بملاحم اليونان والرومان، وأقاصيصهم، ويقسم القصص العربي إلى قسمَيْن: قصص موغلة في القدم، تروي مصاب عاد وثمود، وحادثة سيل العرم، وهذه القصص ليست من إنشاء العرب؛ لكونها لا تتضمَّن شيئاً من أخلاقهم وآدابهم المأثورة؛ لذا يرجِّح زيدان أنها من ابتداع يهود اليمن.  فيما يعدّ قصص القسم الثاني أحدث، زمنيّاً، من الأوَّل، فهي قصص تشكَّلت في إطار التمثيل الرمزي للقيم، وفي فضاء اجتماعي، تتأسَّس أصول العلاقة بين أفراده على منظومة الفضائل، وأساسها الذي نشأت عنه هو اشتهار «أحد الناس بخِلَّة من الخلال المحمودة عندهم، فينسبون إليه كلّ ما يؤيِّد ذلك من النوادر التي قد تكون وقعت لغيره أو أنهم اختلقوها ترغيباً في تلك الفضيلة… فإذا اشتهر أحدهم بالشجاعة فلا يسمعون حادثة من هذا القبيل إلّا نسبوها إليه، وزادوا فيها، ووسَّعوها».

ثم يقسم زيدان قصص القسم الأخير إلى نوعين؛ بناءً على علاقة القصص بالمرجع، فالنوع الأوَّل يقوم على التخييل الخالص، وإن تظاهر بمرجعيّة للتاريخ، ويمثِّل لهذا النوع بـ «قصّة «سَيْر الإمام علي بن أبي طالب إلى الهضام بن الجحاف، وقطعه الحصون السبعة حتى وصل إليه»…، وسيرة الملك الظاهر، وسيرة الملك سيف، والزير، وعنترة، وغيرها. بينما تأتي قصص النوع الثاني في صورة أقرب إلى الكتابة التاريخية، ومنها «ما وضعوه من القصص في وصف أخلاق هارون الرشيد، وتمثيل عصره وآداب الهيئة الاجتماعية في أيّامه. وأكثر هذه القصص داخل في قصّة (ألف ليلة وليلة) الشهيرة».

السِّيَر الشعبية والتاريخ

بصرف النظر عن اختلاف التسميات والأوصاف التي يطلقها زيدان على كتب التراث، وعناوينها، في مرحلة لم يكن التحقيق العلمي قد أخذ مكانه، إن تمييزه بين هذَيْن النوعيين الأخيرين يكشف عن ميل زيدان إلى القصص ذات الصبغة التاريخية؛ والباعث على هذا الميل هو مشاكلتها للكتابة التاريخية التي يعنى فيها الراوي بوصف شخصيات ذات مرجعية تاريخية، ووصف أخلاق العصر، وعلاقات الناس، بصورة لا تفارق الواقع التاريخي كثيراً، حتى حين يسرد الراوي أحداثاً ووقائع غريبة.

والتمييز بين السِّيَر الشعبية والمرويّات التاريخية ليس تمييزاً نوعيّاً بل كمِّيّاً، فالاثنان يصدران عن أصل واحد هو التاريخ. والسير الشعبية، بصورتها التي وصلت إلينا، لا تختلف في موضوعها عن تلك المرويّات؛ لأنها تقوم على حواداث وشخصيات لها سند في الواقع التاريخي. يرى محمد رجب النجار أن السير الشعبية «تنشأ، في الأصل، «نواة» ذات أصل تاريخي من قصص الفروسية، تكون بمثابة الجنين، ما إن يولد حتى ينفصل عن مبدعه الأوَّل»،ثمّ تعاد صياغتها، وإضافة المزيد من الحوادث والشخصيات، من خلال منظور شعبي يلبّي تصوُّرات الشعب، ويعبِّر عن أفقه الجمالي وخصوصية السياق الحضاري التي تجري فيه عمليّات إعادة الصياغة والحذف والإضافة. وإلى هذا المعنى، يشير أستاذ التاريخ قاسم عبده قاسم، حين يعتبر السير الشعبية مجرَّد قراءة شعبية للتاريخ العربي، فهي تجسيد لرؤيتها، ولماضيها، ولإرثها الحضاري كما تراه، أو كما تحبّ أن تراه. وبالطبع، هذه الرؤية تتلون بالواقع السياسي، والواقع الاجتماعي اللذين تعيشه ما طبقات الشعب، وتعكس تصوُّراتها التي تنشأ من الفطرة، ومن الشعور بالقهر، وفق تعبير الشاعر عبدالله البردوني، فتشكِّل بطلاً معجزاً يعمل ما يراه الإنسان العادي مستحيلاً. ومن هنا، تكتسب شخصيات السير وحوادثها أبعاداً خوارقية وعجائبية؛ انسجاماً مع تلك التصوُّرات.

يتَّضح مما سبق أن زيدان ينظر إلى التاريخ بوصفه منبعاً للسرد العربي، وهذا رأي متقدِّم يتَّفق معه معظم الدارسين اليوم، فالتاريخ كان بمنزلة النهر الذي تشكَّلت فيه جداول السرد العربي القديم، فاستمدَّ منه آليّاته وتقنيّاته، وانتخب مادَّته من أخباره. غير أن زيدان يعمِّم هذا الرأي على التراث السردي كلِّه، فيجعل الوقائع التاريخية أساساً لكلّ القصص العربي الموروث؛ بينما هناك الكثير من نصوص السرد العربي القديم لم تُبْنَ على أصل تاريخي، بل قامت على أساس عنصر الخيال، كالمقامات والرسائل القصصية، مثل رسالة «التربيع والتدوير»، و«التوابع والزوابع»، و«رسالة الغفران»، و«حي بن يقظان»…وغيرها.

يضفي زيدان على السِّيَر الشعبية قيمة إيجابية من جهة الأصل الذي تطوَّرت عنه، وهو التاريخ، فهي تنتمي إلى زمنها التاريخي الذي تولَّدت فيها والأفق الجمالي الذي عبَّرت عنه، لكن امتدادها في الزمن المعاصر، يجرِّدها من تلك القيمة لعدم مناسبتها للعصر، بالإضافة إلى ما تتضمَّنه عوالمها من مفارقة للواقع، واعتمادها على المبالغة في رسم شخصياتها، ووصف حوادثها، وهذا ما يؤثِّر – بحسب رأيه – سلباً في أخلاق مطالعيها الذين يميلون، غالباً، إلى «تكييف أخلاقهم حتى تطابق أخلاق بطل الرواية التي يطالعونها؛ فإذا كان رجلاً محارباً مالوا إلى الاقتداء به، حتى أنهم يحاولون أن يعملوا مثل عمله..».

بين الرواية والسِّيَر الشعبية

يلاحَظ أن معظم النماذج التي أشار إليها زيدان تنتمي إلى المرويّات الشعبية، غير أنه لم يتطرَّق، في حديثه، إلى خصائص هذه الأنواع السردية، وآليّاتها، ومكوِّناتها، أو يثير مسألة علاقة النصوص الروائية الحديثة التي كان يكتبها، هو ومجايلوه، بالتراث السردي العربي وإمكانيّة الاتِّكاء عليه، واستلهامه، بل اكتفى بالإشارة إلى اختلاف المضامين بين الرواية الحديثة والسِّيَر الشعبية، وأثر كلّ منهما في المتلقّي، وكأنه يسعى، بذلك، إلى إزاحة تلك الذخيرة السردية، وإفساح المجال للرواية الحديثة لكي تتسلَّم دفّة القيادة؛ بوصفها أداة تعبيرية جديدة يناط بها تعليمُ الأجيال الجديدة التاريخ الذي صنع حضارة أسلافها، والتعريف بالأفكار الحديثة حول التمدُّن والتقدُّم.

وإذا تأمَّلنا هذا الموقف، في ضوء النظرة المقارنة بين كلّ من السِّيَر الشعبية وروايات جرجي زيدان التاريخية، سيتبيَّن لنا أن موقفه الفكري بدا متأخِّراً عن ممارسته الفعلية في كتابة الرواية؛ ذلك أن الصلة بين روايات زيدان والسِّيَر الشعبية تحمل من القوّة والوضوح ما لا تخطئه العين، إلى حدّ أنها دفعت أحد الدراسين إلى الشطط في القول إن محاولة زيدان لتعليم التاريخ أشبه بإعادة إنتاج لتلك المرويّات الشعبية التي سعت هي، أيضاً، إلى قراءة التاريخ من منظور شعبي.

يتبدّى أثر المرويّات الشعبية واضحاً في معظم روايات زيدان؛ فالبناء العامّ في رواياته يقوم على أساس المنطق الشفاهي المميِّز للحكايات الشعبية، حيث يغلب على البناء القصصي أسلوب الاسترسال في سرد الأحداث، ويأتي الانتقال من حكاية أو حادثة إلى أخرى بلا رابط، أحياناً، إذ يتمّ من خلال الاستطراد فتكثر المصادفات في تقدُّم مسار الأحداث وتقلب مصائر الشخصيات. كما يظهر ميل الراوي إلى استخدام صيغ المبالغة، بهدف شدّ انتباه المتلقّي، وإدهاشه بسرد ما هو غريب من الأحداث.

ويمكننا، هنا، الإشارة إلى روايته التاريخية «المملوك الشارد» التي تنطلق من حادثة القلعة التي دبَّرها محمد علي باشا للتخلُّص من المماليك، فتتَّخذ من نجاة أحد المماليك محوراً لأحداثها، ويتتبع الراوي رحلة هروبه وتشرُّد عائلته، وفي أثناء ذلك يلمّ بالأحداث التاريخية التي وقعت خلال النصف الأوَّل من القرن التاسع عشر، من خلال حركة شخصيات الرواية في ثلاث بيئات: مصر ولبنان والسودان. وبالرغم من أن الرواية تقوم على حادثة قريبة من عصر الكاتب إلا أنها تحفل بالمغامرات والمصادفات المدهشة، ويستلهم الراوي الكثير من تقنيات الراوي الشعبي في تحبيك أجزاء الحكاية، ومدّ متوالية الأحداث، وتتبادل شخصيات الرواية موقعَي الراوي والمروي له، فلكلّ منها قصّتها التي تحكيها للآخرين: «ما كاد الأمير بشير يعود إلى رجاله في الخيمة بعد أن استمع لقصّة أمين بك، حتى جاءه رسول قادم من بني سويف» (ص62) «حدَّثَ الأمير أمين أباه بالخبر من أوَّله إلى أخره» (ص53) «وأخذت زوجة الأمير تقصّ على غريب حكاية أبيه باختصار» (ص130).

قد يدفعنا هذا التجاوب الواضح بين روايات زيدان والمرويّات الشعبية وموقفه منها، إلى اعتبار ذلك نوع من التضارب بين التصوُّر والممارسة الفعلية، وهذا صحيح على مستوى النظر، لكنَّ الأمر قد لا يكون مجرَّد تضارب أو ازدواجية بقدر ما هو وقوع خلف حجاب المعاصرة الذي لا يتيح لصاحبه رؤية المشهد بكلّ تفصيلاته، بما في ذلك موقعه داخل هذه المرحلة التي كانت تشهد تغييراً ثقافياً واسعاً، ومتعدِّداً في مكوِّناته ومرجعيّاته، فالإحيائيّون كانوا يصوغون مواقفهم، ويؤسِّسون تجاربهم الأدبيّة في ظلّ تجاذبٍ شديد بين عالمَيْن؛ عالم في طريقه للأفول، وعالم جديد تتشكَّل ملامحه، ويحاول خلق أدواته الخاصّة، وكان من المتوقَّع أن ينطبع هذا التجاذب في مواقف الكتّاب، وتجاربهم الفعليّة.

يمكن القول إن حالة التحوُّل التي كان يشهدها المجتمع والثّقافة، آنذاك، قد ضبّبتْ وعيَ الإحيائيِّين فاتَّسعت المسافة، لدى البعض، بين الموقف الفكري والممارسة الفعليّة. ومع ذلك، نجد جرجي زيدان يسجل موقفاً متقدِّماً وإيجابياً تجاه التراث السردي بصورة عامّة، وبعض أنواع المرويّات الشعبية بصورة خاصّة، ولا ننسى أن هذا الموقف يعود إلى مرحلة، كانت السيادة فيها للتقاليد الأدبيّة والتصوُّرات النخبوية التي تحدِّد للأدب صورة مخصوصة، لا يندرج ضمنها فنّ القصّ، ويسعى أنصارها إلى محاربة كلّ ما يتعارض مع تلك الصورة. غير أن زيدان أبدى بعض التحفُّظ تجاه الحضور الكثيف لرواة السِّيَر الشعبية، الذين كانوا يحيون ليالي القاهرة وبعض مدن الشام، بالسمر والقصّ. وسوَّغ هذا التحفُّظ بالاستناد إلى اعتبارات إصلاحية وتنويرية لا تتَّهم الخيال، ولا تهاجمه إنما تبدي حذرها من خطورة غياب الوعي الجمالي، لدى المتلقِّين، بالطبيعة الفنّيّة لهذه النصوص السردية، والتلقّي شبه التداولي لها، حيث تغيب المسافة بين التخييل والواقع، وتتحوَّل النصوص، بالنسبة إليهم، إلى وهم، و-من ثَمَّ- تحلّ محلّ الواقع.

وَهْم الحضور في لغات العالم المركزية

يتهافت الكُتّاب العرب، وغير العرب، أيضاً، على الترجمة؛ أي على نقل أعمالهم التي ينتجونها، بلغاتهم الأمّ، إلى لغات أخرى، طمعاً في الانتشار وكسب قرّاء جدد، وتحصيل شهرة، قد لا يجدونها في ثقافاتهم وديارهم.

وقد تبلغ الرغبة في الحضور، في الثّقافات الأخرى، خصوصاً الغربيَّ منها الذي ينتمي إلى ما يسمّى الميتروبول (أي ما يمثِّل دول المركز وعواصمه واللّغات المركزية الواسعة الانتشار بين البشر: الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، على وجه الخصوص) حدَّ الهوس. وعادةً ما لا يهتمّ الكُتّاب العرب كثيراً باللّغات الأقرب ثقافياً ولغويّاً وجغرافيّاً؛ أي التركية والفارسية والصينية واليابانية والكردية، على سبيل المثال لا الحصر، لأن هذه اللّغات لا توفِّر لهم حضوراً في ثقافات العالم المركزية وعواصم العالم الأوَّل القادر على تسليط الضوء عليهم، وتنبيه الثّقافات الأخرى التي تمرُّ عبر الوسيط الغربيِّ نفسه.

بسبب هذه الرغبة، التي يمكن أن نصفها أحياناً بأنها ملحاحة وجامحة ووسواسيَّة، فإننا نعثر في سِيَر كتّابنا الذاتية على عبارات تفيد بأنهم مترجمون إلى لغات عالمية عديدة، وأن بعض أعمالهم قد وصل إلى عواصم الثّقافة في العالم، عن طريق الترجمة. والحقيقة أن معظم هذه الأعمال العربيّة المنقولة إلى بعض اللّغات الغربية، وحتى غير الغربية، مطبوعٌ لدى دور نشر صغيرة، بعضها محلِّيٌّ وفرديٌّ ومحدود التوزيع يعتمد على المعاهد والجامعات التي تهتمّ بالتعرّف إلى وقائع السياسة والمجتمع والأنثروبولوجيا في العالم العربي. هذا يعني أن الأدب، في هذه الحالة، يتحوَّل إلى مجرَّد وثيقة اجتماعية وسياسية يقرؤها المتخصِّصون من ذوي الاهتمامات الاستشراقية أو الأنثروبولوجية، ويفقد قيمته الأدبيّة الفنّيّة، وقدرته على أن يصبح جزءاً من السلسلة الأدبيّة في الموروث الثّقافي العالمي.

ثمَّة، بالطبع، أسباب جيو – استراتيجية تقيم في أساس الاهتمام من عدمه بالأدب العربي المعاصر، بعضها متَّصلٌ بالرغبة في الفهم ومعرفة كيف يفكِّر العرب والمسلمون في جغرافيا معادية، في حالات، وغنيَّة بمصادر الطاقة الضرورية لتشغيل الصناعات الغربية، في حالات أخرى. وهذا مشروعٌ بالنسبة إلى الجهات التي تموِّل أو تشجِّع على ترجمة أعمال أدبيّة عربيّة معيَّنة، دون أخرى. كما أن عدم الاهتمام، بصورة كافية، بالأدب العربي، بالمقارنة مع آداب أخرى مثل الأميركية اللاتينية واليابانية، مفهومٌ على خلفيَّة الإحساس الغربي بأن الآداب العربيّة الحديثة متأثِّرة، بل طالعةٌ من رحم الآداب الغربية (وهو تصورٌ صحيحٌ في جزء منه، خاطئٌ في معظمه)، بحيث يمكن لدور النشر الغربية أن تقول إن بضاعتهم قدر ردَّت إليهم.

فإذا تأمَّلنا حال ترجمة الرواية العربيّة إلى تلك اللّغات المركزية، فإن نصيبها من النقل إلى تلك اللّغات لم يكن وافراً، بأيّة صورة من الصور، حتى فاز نجيب محفوظ بجائزة «نوبل» للآداب، عام (1988)، فانتبه العالم إلى وجود كتابة روائية عربيّة تستحقّ الالتفات. ومع أن أعمال محفوظ كلّها، قد جرى نقلها إلى عشرات اللّغات؛ الغربية وغير الغربية، إلّا أن انتشار محفوظ عالمياً لا يقارَن بانتشار روائي فاز بـ«بنوبل» قبله (1982)، أقصد «غابرييل غارسيا ماركيز»، فقد جرى النظر إلى عمل محفوظ بوصفه آتياً من بلاد «ألف ليلة وليلة»، أو بوصفه «بلزاك» العرب، فيما جرى النظر إلى «ماركيز» بوصفه مجدِّداً من مجدِّدي دم الرواية العالمية، ومعلِّماً من معلمي تيّار الواقعية السحرية اللاتينية التي أصابت، بالعدوى، أعداداً كبيرة من كُتَّاب البشرية، وغيَّرت مفهوم النوع الروائي، وطبعته بطابع غرائبي، كان حاضراً، بقوّة، في «ألف ليلة وليلة» التي أثَّرت عميقاً في كتابات الكاتب الأرجنتيني «خورخي لويس بورخيس». لكن ذلك الحضور المستتر لـ«ألف ليلة وليلة»، في الوعي الغربي، وفي ميراثه الاستشراقي، لم يخدم كثيراً حضور الرواية العربيّة في الترجمات، ربَّما لأنه جرى القطع، في الوعي الغربي، بين عرب ألف وليلة والعرب المعاصرين.

فخري صالح (الأردن)

لكن، لا شكّ في أن عدد الروايات العربيّة المترجمة، بدءاً من أحداث (11) سبتمبر/ أيلول (2001)، وبعد أحداث الربيع العربي (2011)، إلى اللّغات الأوروبية، قد زاد بتأثير الرغبة في التعرُّف إلى المنطقة، وكيفية تفكير أهلها، ونظرتهم إلى العالم، وخصوصاً الصقع الغربي منه. لكن هذه الزيادة لا تُقارَن بعدد الروايات الأميركية اللاتينية، وكذلك اليابانية، التي تترجم إلى الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، والألمانية. صحيحٌ أن هناك عدداً من الروائيين العرب، الذين تُرجِمت أعمالهم إلى تلك اللّغات، قد رُشِّحوا للحصول على جوائز كبيرة، مثل أحمد سعداوي الذي وصلت روايته «فرانكشتاين في بغداد» إلى القائمة القصيرة لجائزة «مان بوكر»، و«جوخة الحارثي» التي فازت بهذه الجائزة عن روايتها «سيِّدات القمر» (2019)، إلّا أن حضور الرواية العربيّة، في تلك اللّغات ما زال محدوداً. والأهمّ من ذلك أن هذه الروايات المترجمة لم تصبح جزءاً من كلاسيكيّات الرواية في تلك اللّغات، وهي لا تصير جزءاً من المُعتمَد الأدبي (Canon) الذي يتشكَّل سنة بعد سنة، فلا يجري تدريسها إلّا في أقسام اللّغة العربيّة في الجامعات الغربية، وغير الغربية. أي أن الرواية العربيّة تظل ملتصقة بأصلها اللّغوي، وأصلها الثّقافي، ولا تصبح جزءاً ممّا يطلق عليه «الأدب العالمي». يصدق ذلك على كُتَّاب، منهم إلياس خوري، وعلاء الأسواني، وصنع الله إبراهيم، وجمال الغيطاني (وهم كُتّاب نالوا حظّاً جيّداً من الترجمة إلى لغات عديدة)، كما يصدق على عميد الرواية العربيّة نجيب محفوظ. إننا ما زلنا نسكن حقل الأنثروبولوجيا، ولم نغادره إلى الحقل الذي يطلق عليه اسم «الأدب العالمي».

من جهة أخرى، إن ما تختاره بعض دور النشر الغربية يقع في باب الأدب الذي يميط اللثام عن باطن المجتمعات العربيّة، خصوصاً الخليجيَّ منها، وما يعرِّيها من الداخل، على لسان أبنائها، بغضّ النظر عن السويَّة الإبداعية والطاقة اللّغوية الخلّاقة، والقدرة على إضافة علامة صغيرة إلى ميراث الكتابة الإنسانية. علينا، بالطبع، ألّا نغرق في وهم الاعتقاد بأن تلك الدور تركِّز على الجانب الإبداعي في تلك الأعمال، أو أنها تسعى إلى تقديم الثّقافة العربيّة لقرَّائها، وتلحظ النقص في الكتب المترجمة من العربيّة إلى الإنجليزية أو أيّ لغة مركزية من اللّغات الأوروبية (مع قليلٍ من الحالات الفرديَّة التي لا تنفي الشائع والسائد، بل تؤكِّده). إن ما يُنشَر ويُروَّج له من أعمال روائية لا يمثِّل الأفضل في ما يكتب من روايات، سواءٌ في دول الخليج العربي أو في مصر وبقية البلدان العربيّة، بل إنه يقع في خانة ما يؤكِّد الصورة النمطية للعربي في المخيال الغربي؛ إنه نوع من الاستشراق الجديد، لكن بأدوات مختلفة، وعبر الترجمة هذه المرّة، ومن خلال التركيز على ما تكتبه المرأة، وما يغذّي، في كتابة المرأة، تلك الصورة النمطية الشائعة للذكورية العربيّة المستبدّة. وهناك عدد من الكُتّاب العرب يعرفون تلك الوصفة الرائجة، ويقومون بكتابة روايات تغازل ذلك المخيال، وتعرف أنها سوف تُتَرجَم لذلك السبب لا بسبب تفوُّقها الإبداعي وطاقتها الخلّاقة المتجدِّدة.

هل يخضع الاختيار، في جانب منه، للعبة السوق، وتفضيلات القرّاء، بحيث تربح دار النشر حين تلبّي حاجات تلك السوق؟ نعم، فصناعة النشر تسعى إلى الربح، وثمّة ذائقة عامّة سائدة تريد أن تغذّي مخيالها، وتركن لما تعرفه عن مجتمعات جرى وصفها في (كتالوج) الاستشراق، من قبل، على هيئة معيَّنة يتطلَّب محوها الكثير من العمل في المؤسَّسات التعليمية، والأكاديمية، والإعلامية، وعلى المستويَيْن: السياسي، والاجتماعي، في الغرب، لكي تتغيَّر. ولهذا، إن السبيل الأسهل هو اللجوء إلى إشاعة الشائع، وتكريس المعرفة الركيكة بالعالم العربي، وتلك مهزلة تجعل من الفهم المتبادل في جوّ الاحتقان الحضاري، والسياسي المحتدم بين الغرب والمنطقة العربيّة، شبه مستحيل.

ما أقصد قوله لا يتَّصل بحفنة من الروايات تجري ترجمتها والترويج لها من قِبَل عدد من دور النشر الغربية، سواء أكانت تلك الدور صغيرة أم كانت كبيرة، مؤثِّرة أم غير مؤثرة، بل إنه يتَّصل بحالة الشحن المستمرّة للوعي الغربي في هذه المرحلة المعقَّدة الخطيرة من التصادم بين عالمَيْن وحضارتَيْن، يرغب بعض المنظِّرين، ممَّن يتَّسم عملهم بالضحالة والفقر البحثي والرؤية القصيرة النظر، في أن يؤجِّجوا الصراع فيما بينهما. ويبدو أن ما تتمّ ترجمته يخدم، في بعض الأحيان، تلك الأجندة من تأجيج الصراع، ويعيد إلى الذهن قولة الشاعر الإنجليزي «روديارد كيبلنغ»: «الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا».

قد يكون في هذا التصوُّر بعض المبالغة، أو أنني أحمِّل الترجمة أكثر ممّا تحتمل، لكن تلك المسألة تقع في باب السياسة والاستراتيجية، وليست مجرد ترجمة للآداب، فحسب. فمنذ عقدَيْن من الزمان بات الغرب، عامّةً، وأميركا، خاصّةً، يتَّطلع إلى معرفة العرب والعالم العربي بشتّى الأشكال والطرق. ومن بين الكُوى التي حاول فتحها في هذه المنطقة الغامضة بالنسبة إليه، كان «الأدب» الذي قد يوفِّر وصفاً أكثر دقّةً وعمقاً من كتب التاريخ والسياسة.  هذا يدلّ على أن الغرب يريد أن يعرفنا لكي يفسِّر، بطريقته، أسباب الاحتكاك العنيف بين الغرب والشرق، ويتعرَّف طبيعة التربية الاجتماعية التي تخرِّج (إرهابيِّين) محتمَلين! ورغم أننا لا نوافق على هذا النوع من التلصُّص على المجتمعات، من خلال الأدب، نفهم لماذا تتغلَّب الغايات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية على الغايات الإبداعية، والرغبة في التعرُّف الحقيقي إلى الأدب العربي.

المهمّ، في هذا السياق، من اهتمامنا بنقل الأعمال الأدبيّة العربيّة إلى عدد من اللّغات المركزية الغربية، هو أن نعرف أن دورة النشر والتوزيع في سوق استهلاك الكتاب لها آليّاتها وخصوصيّاتها؛ فليس الكتاب الأكثر توزيعاً هو الأفضل في العادة، وقد يكون العكس هو الصحيح في هذه الحالة. كما أننا بحاجة إلى حملاتٍ وجِهاتٍ تمويلية تدعم ترجمة الأدب العربي إلى اللّغات: الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، والألمانية، والسويدية، وغيرها، لنمكِّن الأدب العربي المعاصر من الانتشار. لا تكفي جهود الكتّاب أنفسهم لتحقيق ذلك، ولا تكفي، كذلك، جهود بعض أقسام اللّغات الشرقية في الجامعات الغربية التي تموِّل ترجمة بعض الأعمال عن حسن نيَّة، أحياناً، أو لدوافع ذات طبيعة استشراقية، في معظم الأحيان. فكثيرٌ من وزارات الخارجية، ومن ضمنها وزارتا الخارجية الأمريكية، والفرنسية، على سبيل المثال لا الحصر، تقوم بتمويل ترجمة آداب بلادها، وتسعى إلى انتشار لغاتها في طول العالم وعرضه. فلنفعل نحن مثلهم بدلاً من تبديد الأموال، ونهبها من قِبَل ساسة ومتنفِّذين فاسدين، لا يشبعون.

السنة البطيئة!!

لعَلّ أفضل ما نتمنَّاه لنا وللقادمين، أن تكون سنة 2021 سنة «يقظة الوعي الجماعيّ»، ودرساً كافياً للبشريّة كي نفهم جميعاً أنّ مصيرنا مشترك أو لا يكون، وأنّ مُستقبلَنا رهينُ تضامننا، وأنّ إهدار الثروات والاعتداء على المناخ وتلويث البيئة طريقٌ إلى تدمير الإنسان وكوكبِه، وأنّ الثروةَ الحقيقيّة ليست الاقتصاد أو الطاقة أو المال أو المصانع والأسواق أو المطارات والطرق السيّارة والتكنولوجيا الرقميّة، بل هي التربية والصحَّة والبحث العلميّ والإبداع. أي أن مستقبلَنا ثقافيّ تحديداً، وثقافيٌّ أو لا يكون.

«كلّ عام وأنتم ومَنْ تحبّون كما تحبّون». بمثل هذه العبارة اعتدنا أن نختتمَ سنةً ونفتتحَ أُخرى، متمنّين لأحبّتنا الصحَّةَ والنجاح والسّعةَ والسعادةَ والوقت الطيّب… مسارعين في أثناء ذلك، كلٌّ على طريقته، إلى تقييم السنة المُنصرمة في نوعٍ من «جرْد الحساب». واليومَ وقد حزمت سنة 2020 حقائبها ودخلت التاريخ، شأنها في ذلك شأن السنوات التي سبقتها، نستطيع أنْ نسأل: أيّ سنةٍ كانت؟ وبأيّ عبارةٍ يمكننا اختزالُها لأنفُسنا وللأجيال القادمة؟

تحدَّث أسلافُنا عن عام الجراد كلّما اجتاحهم الجراد، وعن عام الحزن كُلّما اختطف منهم العامُ «بُدوراً» تُفتَقَدُ في الليلة الظلماء. تحدَّثوا عن عام الرّمادة حين أصاب الناسَ قحطٌ حتى صارت وجوههم في لون الرماد من الجوع. وقِيل: كانت الريح تسفي تراباً كالرّماد لشدّة يبس الأرض. كما تحدَّثوا عن عام الرّعاف وسُمِّيَ بذلك لكثرة ما أصاب الناس فيه من الرّعاف، وعام الجحاف حين وقع بمكّة سيل عظيم ذهب بالإبل وعليها الحمول.
تسميات أُطلِقت على سنوات معيَّنة، لكنّها ظلّت صالحة للتعبير عمّا تلاها من «محطّات». ولعلّها تصلح كلّها لوصف بعض أبعاد السنة المُنصرمة دون أن تلمَّ بكافّة وجوهها. والحقّ أنّ سنة 2020 لم تترك أحداً في مأمن. وليس من شكّ في أنّ أغلبنا يرغب في القفز عليها بذاكرته ويتمنَّى نسيانَها أصْلاً.

أذكُرُ هنا (والشيء بالشيء يُذكَر) أنّي كنتُ حاولتُ قبل أكثر من عشرة أعوام النسج على منوال «السنة الكبيسة»، فاقترحتُ إطلاق عبارة «السنة النسيئة» على البعض من سنواتِنا العصيبة، على الرغم من أنّ أسلافنا لم يتحدَّثوا عن النسيء إلّا نسبةً إلى الشهور التي كانوا يُنسئونها في الجاهليّة، إذ كانوا يعظِّمون الأشهر الحُرم الأربعة ويتحرَّجون فيها من القتال، فإذا قاتلوا في شهرٍ حرام، حرَّموا مكانه شهراً من أشهر الحلّ…

وقد حكى ابن إسحاق صاحب «السيرة» أنّ أوّل من نسأ الشهور على العرب وأحلّ منها ما أحلّ وحرّم ما حرّم القلمس، ثمّ قام بعده نسله وصولاً إلى أبي ثمامة. فكانت العرب إذا فرغت من حجّها اجتمعت عليه بمنى، فقام فيها على جمل وقال بأعلى صوته: «اللّهمّ إني أحللتُ شهر كذا (ويذكر شهراً من الأشهر الحرم وقع اتّفاقهم على شنّ الغارات فيه) وأنسأتُه إلى العام القابل (أي أخّرتُ تحريمه) وحرَّمتُ مكانه شهر كذا من الأشهر البواقي…». وفي ذلك يقول عمرو بن قيس بن جذل الطعّان مفتخراً:
لقد علِمَتْ مَعَدٌّ أنَّ قومِي كـِرامُ الناس إن لهم كراما
وأيّ الناس فاتُونا بِوَقْرٍ وأيّ الناس لم يعلك لِجاما
ألسنا الناسئين على مَعَدٍّ شهورَ الحلّ، نجعلها حراما؟

وكنتُ حاولتُ أن أنسب «النَسَأَة الجدد» إلى النسيان لا الإرجاء. بانياً اقتراحي على رغبةٍ «بعيدة المنال» في أن نعمد إلى بعض السنوات المُثقلة أوجاعاً وخيبات، فننسِئها إلى أجَلٍ غير مُسَمَّى، وننفيها بعيداً عن الذاكرة، وننساها إلى الأبد كأنّها لم تكن.

آدم فتحي (تونس)
آدم فتحي (تونس)

والأرجح أنّ أغلبنا يرغب بشدّة في نسيان سنة 2020 مرّةً واحدةً وإلى الأبد. وليس من شكٍّ في أنّنا ما كنّا لنتردّد لحظةً لو سألتنا عنها الأجيالُ القادمة، في القول إنّها كانت سنة ثقيلة الظِلّ والوطأة، أخذت معها الكثير من أعلامنا نساءً ورجالاً، وشهدت خلالها القارّات الخمس ما شهدته من انفجارات وحرائق ومجاعات وحروب، وتجلّت في منعطفاتها مآزق الخيارات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة الدوليّة، وبلغت فيها «الشعبويّة» ذروةً غير مسبوقة، وتراجعت معها الثقافة والإيطيقا أمام نوعٍ من «السينيزم المُتوحِّش»، ومرَّت خلالها «الديموقراطيّة العالميّة» بامتحاناتٍ عسيرة بلغت أشُدّها مع طريقة خروج ترامب من الحكم، وأطاحت بالكثير من أوهامنا، ووَضَعَتْنَا أمام حقيقة «هشاشة» الإنسان وكوكَبِه.

إلّا أنّها كانت قبل كلّ ذلك وبعدَه سنة «الكوفيد – 19» بامتياز. وليس من شكٍّ في أنّ جائِحة «الكوفيد» اكتسبت بعضاً من وقْعِها غير المسبوق من «الانفجار الإعلاميّ» الغالب على المرحلة. وهو ما ألمحتُ إليه في مقالةٍ سابقة حين أشرتُ إلى نجاح «الوسائط الجديدة» في إرغام «أصحاب القرار» العالميّ على التصرُّف «مكشوفين» أمام الرأي العامّ وكأنّهم في أكواريوم، فإذا كُلٌّ يخشى أن يُتّهَمَ بتغليبِ دواعي الاقتصاد على مصالح العباد. إلّا أنّ الجانب الآخر من وقعِ هذه الجَائِحة راجعٌ إلى طابعها المُلغَّز، وإلى سهولة عبورها كلّ الحواجز، فإذا هي قادرة على إصابة الجميع، لا فرق في ذلك بين غنيٍّ وفقير أو بين «متقدِّم» و«متخلِّف».
لقد وضعتنا هذه الجَائِحة، جميعاً، أمام الخوف من المجهول. وكشفت فينا عن الشيء ونقيضه. ولعلّها تبدو في نظر البعض «السنة المنعرج» بين زمن الانفتاح المُعَوْلَم وزمن «الانكفاء على الذات» والعودة إلى نوع من «الحمائيّة» الهيستيريّة.

تغيَّرت نظرتُنا إلى المكان في 2020 أكثر من أيّ وقتٍ مضى. أصبحت «المسافة» ضروريّة لحماية الآخر وحماية الذات. أغلقت الأماكن دونَنا وعلينا. فضاءات العمل. فضاءات التَّعَلُّم. الشوارع. المطارات. المحطّات. الموانئ. دور الثقافة. المكتبات. المسارح. قاعات السينما. المقاهي. المطاعم. الملاعب. أصبحت كلّها موضعَ ريبة: المكانُ هو العدوّ! فما بالُك بالآخَر؟!

تغيَّرت المقاييس والإحداثيّات تبعاً لذلك. بدَا البُعدُ أبعدَ والطُّولُ أطوَلَ. تعطّلت الحركة وثقلت الخطوة. أصبح السفرُ أمنيةً والتنقُّلُ إنجازاً يُحسَب له ألفُ حِساب. استمرأ البعضُ التواصُلَ عن بُعد والمُحادثة عن طريق الفيديو. لم نعد نجرؤ على المُصافحة فضلاْ عن العناق، وخرجت «القُبلة من خلف زُجاج» من حيِّز الاستعارة إلى حيِّز الواقع. بتنا حريصين على المسافات بعد أن كُنّا نطويها طيّاً، وأصبح «التباعُدُ» غايةً بعد أن كان عيباً.

كما تغيَّر إحساسنا بالزمن. ضاقت علينا جنبات الشوارع حين أرغمتنا على العودة إلى البيوت. ضاقت علينا جدران البيوت حين أصبح الخروج إلى الشوارع «فردوساً منشوداً». لم نعد واثقين من «الغد» بعد أن أصبح «الفيروس» قادراً على الضرب في أيّ لحظة. شيئاً فشيئاً صعُبَ علينا التخطيط لأيّ مستقبل واضح. أصبحنا نعيش يوماً بيوم لائذين بالانتظار: ننتظر انحسار الجَائِحة. ظهور اللقاح. النهوض من النوم دون أعراض. مرور اليوم دون سماع خبر سيّئ عن إصابة حبيب أو وقوع صديق. استئناف العجلة الاقتصاديّة والاجتماعيّة دورانها المعهود. وباختصار: عودة الحياة.

وازدهرت إلى جانب ذلك عقليّة التآمر و«نظريّة المُؤامَرة». بدايةً من إرجاع أسباب ظهور الجَائِحة إلى هذا الطرف أو ذاك، مروراً باعتبارها «جزءاً من خطّةٍ يائسة» لتغيير فلسفة العمل والخروج من مأزق المنظومة الاقتصاديّة المُوشكة على الانهيار، وصولاً إلى «الاحتراز» من «اللقاحات» المُقتَرحَة، مرّةً بدعوى أنّها لم تستكمل مواصفاتها العلميّة، ومرّات بدعوى أنّها جزءٌ من خطّةٍ أُخرَى لتعقيم البشر أو تسميمهم أو التخلّص من عددٍ منهم!!

وما كان لذهنيّة المُؤامَرة أن تتفشَّى بهذا الشكل لولا طريقة مُعالَجة الجَائِحة التي اتّبعتها الدول الكبرى جارّةً معها أغلب شعوب العَالَم. لقد أفرطت تلك الأنظمة في تخويف مواطنيها من الجَائِحة حتى لم يعد أمامهم بُدٌّ من التهوُّر! من ثَمَّ ازداد تمرُّدهم على مقتضيات «التباعد» وازداد ضيقهم ذرعاً بإغلاق شتّى فضاءات العمل والثقافة والتسلية، فإذا هم يرفضون لزوم البيوت والانضباطَ للتوجيهات الحمائيّة، بدعوى تفضيل الموت رفقة الآخرين على الخيار بين أن يموتوا فرادى وأن يموتوا جماعات.

هكذا مرَّت سنة 2020. ولعَلّها كانت من تلك السنوات «الجامِعة» التي تضمَّنت شيئاً من «ويلات» السنوات التي سبقتها، إضافةً إلى «تميُّزها» بتأثيرٍ ذي طابعٍ جماعيّ كونيّ. وإذا كان لابدّ لها من تسمية خاصّة بها فلنقُل إنّها كانت «السنة البطيئة» بامتياز. لقد «طالت» علينا حتى كدنا نتوسَّل إليها أن ترحل. ومرَّت ثقيلةً أكثر من أيّ سنةٍ أخرى. انكفأ خلالها المكان على الزمان، وثقلت علينا وطأة الانتظار، فإذا لعقارب الساعة إيقاع السلحفاة والنملة، حتى لكأنّ الثانيةَ دقيقةٌ والدقيقةَ ساعةٌ والساعةَ يومٌ واليومَ شهرٌ والشهرَ سنةٌ.

ولعَلّ أفضل ما نتمنَّاه لنا وللقادمين، أن تكون سنة 2021 سنة «يقظة الوعي الجماعيّ»، ودرساً كافياً للبشريّة كي نفهم جميعاً أنّ مصيرنا مشترك أو لا يكون، وأنّ مُستقبلَنا رهينُ تضامننا، وأنّ إهدار الثروات والاعتداء على المناخ وتلويث البيئة طريقٌ إلى تدمير الإنسان وكوكبِه، وأنّ الثروةَ الحقيقيّة ليست الاقتصاد أو الطاقة أو المال أو المصانع والأسواق أو المطارات والطرق السيّارة والتكنولوجيا الرقميّة، بل هي التربية والصحَّة والبحث العلميّ والإبداع. أي أن مستقبلَنا ثقافيّ تحديداً، وثقافيٌّ أو لا يكون.

حسن المنيعي.. نصّاً في الحياة ونصّاً في الكتابة

في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، رُزِئَ المغرب في أحد رموزه الثقافيّة المُعاصِرة، وهو الدكتور حسن المنيعي، عن عُمر 79 عاماً، مخلِّفاً وراءه إرثاً وفيراً من الأبحاث والمُؤلَّفات، التي تتوزَّع على النقد المسرحيّ والنقد الروائيّ والترجمة الأدبيّة. ويُعَدُّ الفقيد، من غير منازع، رائداً وعميداً للبحث الأكاديميّ في فنون المسرح. وقد تعلَّم على يده وتأدَّب عددٌ كبير من الباحثين الجامعيّين والنُقَّاد، من بينهم كاتب هذه الشهادة، أحد أصدقائه وزملائه، بعد أن كان أحد طلبته بجامعة فاس.

أعترف في البداية بأنّ سؤالاً، لا يعدم القوة والفداحة، اعترضني على عتبة هذه الشهادة. وهو بالمُناسبة نفس السؤال الذي سبق أن طرحه رولان بارث قبل خمسين عاماً في مقال برنامجيّ مشهور، دشنت به مجلّة «Poétique» الفرنسيّة ذائعة الصيت ميلادها في 1970. السؤال هو : من أين أبدأ؟

يعكس هذا السؤال صعوبة اختيار الزاوية التي يمكن لي أن أنظر منها إلى حسن المنيعي. فهو شخصٌ متعدِّد الأنشطة ومتنوِّع الكفايات.

فهو أستاذ جامعيّ مؤسِّس، تشهد قاعات كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بفاس ومدرجاتها وأروقتها بدوره الرائد مع زملائه في بناء صرحها العلميّ والإشعاعيّ، أستاذاً وباحثاً أكاديميّاً وموجِّهاً للطلبة ومشرفاً على أطروحاتهم.

وهو ناقدٌ مبرّز في عمله، تنوَّعت حقول اشتغاله بين فنون المسرح والرواية والتشكيل.

كما أنه، باعتراف ذوي الاختصاص، رائد الدراسات الدراميّة بالجامعات المغربيّة، حيث تعتبر أطروحتاه الجامعيّتان، اللتان دافع عنهما بجامعة السوربون الفرنسيّة، وكذا مؤلَّفاته ومقالاته، البذرة الأولى التي أثمرت، منذ سبعينيّات القرن الفارط وما تزال، عدّة أبحاث ومونوغرافيات ذات صلةٍ بالمسرح المغربيّ خاصّة، والعربيّ عامّة، وذلك من حيث أصوله البدائيّة الأولى وأشكاله ومراحل تطوُّره، ومن حيث الرهانات التقنية التي تحف به بين كونه نصّاً أدبيّاً منذوراً للقراءة وعرضاً فنّيّاً منذوراً للفرجة، دون نسيان طبيعة تأثّره بالمذاهب والمدارس المسرحيّة الغربيّة… إلخ.

وهو مُترجِم مُتمرِّس، كان لتعريبه نظريّات الأدب ومناهج نقده في الغرب أثرٌ حاسم في تخليص النقد المغربيّ والعربيّ من آفات التفسير التاريخيّ للنصوص وتعليقها بالذوات البيوغرافيّة لمُؤلِّفيها وتأويلها الأيديولوجيّ وسوى هذا من شبكات القراءة التقليديّة.

ثمَّ هو أخيراً لا آخراً فاعل جمعويّ نشيط أسهمت عضويّته في جمعيات ومنتديات ومهرجانات ومؤتمرات ثقافيّة، محلّيّة ووطنيّة، في بلورة أسئلة ورؤى جديدة كان لها، ضمن دينامية جماعيّة، أثر تحريك الحقل الثقافيّ، محافلَ وبرامجَ وطرقَ تدبير… إلخ.

تذليلاً لهذه الصعوبة، اخترت تبئير شهادتي على سؤال واحد ذي شقين، هما العلاقة بين حسن المنيعي إنساناً وبينه ناقداً، ثمَّ مدى تكييف رؤيته الشخصيّة للعَالَم لكلٍّ مِن تصوُّره للنشاط النقديّ ومِن مزاولته له. ولئن كانت هذه الشهادة لن تنحو منحى عاطفياً أرثي فيه فقيدنا وأثني عليه بما كان له من مناقب، فلأنني لم أستطع بعد التآلف مع فكرة موته، لاسيما أنه يشغل حيِّزاً كبيراً من ذاتي. شهادتي ستكون إذن احتفائيّة، لا أثر فيها لفعل «كان» الذي أصبحتُ أكنُّ له الكراهية، لا لأن عيوباً كثيرة اجتمعت فيه فحسب –فهو ناقص ومعتل وأجوف وماضٍ!- ولكن لفرط ما استعملتُه في حقِّ أشخاص أعزاء صاروا في خبر كان.

***

أبداً لم يخالجني الشعور بأنه أكبر مني سنّاً، على الرغم من أنه يخطو حثيثاً نحو سنِّ الثمانين، أو أن فكره تكلّس، كما هو حال بعض أقرانه الذين كُتِبَ عليه أن يعيش بين ظهرانيهم. فهو، على العكس، أكثر شباباً من شبابٍ استعجلوا بأفكارهم مرحلة الهرم : متوثِّب الحيويّة، مواكِب لكلّ جديد، متحفِّز إلى عدم الثبات، محتضن أبحاث وإبداعات الشباب، يبهرهم ببهجته الأبولونية ببواكيرهم وبحدبه اللامنقطع على كلِّ من يحدس فيه تباشير الموهبة، وينشر عليهم فرحته بفعل الكتابة الذي يباشره كما لو كان يزاول طقساً روحانياً مهيباً في أسطورة التجدُّد الأزليّ.

هو ذا سرُّ حسن المنيعي: يرعى في داخله النار البروميثيوسيّة، فلا يزيدها العمر إلّا توهُّجاً. يدمن بحميّا نادرة التعرُّف على ما جدَّ في المسرح والرواية والنقد والفلسفة والتشكيل تجعلنا نتلهَّف على زمنٍ ولّى، زمن الدهشة والبكارة أيام كنّا شباباً مفتونين بكلِّ ما هو طليعيّ في الأدب والفَنّ والفكر، لأحَدَّ لِمَا يستحوذ على إعجابنا، ولا نهاية لما يستجلب تمرُّدنا، ولا متاريس تحجم أخيلتنا المُندفعة كخيولٍ جامِحة.

عشرات تدفَّقوا من تحت معطفه الباطرياركي: فكم دارسين نهلوا من معينه الفذِّ الغزير موضوعات أبحاثهم وتشرَّفوا بإشرافه على رسائلهم الجامعيّة، ومعظمهم الآن منتشرون في مؤسَّسات التعليم العالي.

مخضرمٌ هو حقُّ الخضرمة، ينتمي في نفس الآن إلى جيل الرواد المُؤسِّسين وإلى الجيل الجديد المُجدِّد، بل لعَلّ مَنْ يقرأ ترجماته الأدبيّة ودراساته النقديّة لا يسعه سوى أن يصنِّفه ضمن الجيل الجديد. ولاشكَّ في أن ما يؤهله لذلك هو انفتاحه على الثقافة العالميّة، متمثِّلاً بعمق وذكاء تيارات الحداثة في الفَنّ والأدب والفلسفة في لغاتها الأجنبيّة الأصليّة، ومستوعباً بنفاذ ونباهة كافة تنويعات التنظير الأدبيّ والتفكير النقديّ المُعاصِرين.

في شخصه تتجسَّد البساطة تامّة بهية: في سلوكه، في علاقاته، في نمط عيشه. حسبي، دليلاً على بساطته أن أُشير إلى أن المجال الحيويّ اليوميّ، الذي تتحرَّك فيه قامته القصيرة النحيفة، لا يتعدَّى، نهاراً، معتكفه الصوفيّ الأزليّ الذي تمخَّض فضاؤه الصغير الدافئ عن عشرات الدراسات والترجمات، والتي تظلّ بابه مشرعة باستمرار في وجه الكُتَّاب والفنَّانين والباحثين الذين يقصدونه من كلِّ حدبٍ وصوب.

وفوق هذا، فحسن المنيعي غيور حدّ الهوس على حرّيّته التي لا يقبل أبداً أن تكون موضوع مساومة أو تعريض أو مزايدة. وأخال أن هذا ما يفسِّر سرّ حرصه على أن يظلّ متحلِّلاً من كلِّ التزام من شأنه أن يحدَّ حرّيّته، ما عدا الالتزام بالقيم والمبادئ الرفيعة التي لمَّحت إلى بعضها.

***

أمّا عن حسن المنيعي ناقداً، فلقد ألَّف دراساتٍ عديدة، بالعربيّة والفرنسيّة، مدارها متعدِّد ومتنوِّع. فهي تتراوح بين نمطين خِطابيّين: أحدهما تاريخيّ يهتم إجمالاً بعرض تطوُّر النقد الأدبيّ وبعض أجناس الأدب، تارةً في المغرب، وتارةً ثانية في العَالَم العربيّ، وتارةً ثالثة في الغرب. والنمط الثاني تحليليّ يهتم، إجمالاً كذلك، بمُقارَبة تجارب مسرحيّة وروائيّة مغربيّة وعربيّة وأجنبيّة، وهو الذي سيستأثر باهتمامي.

لقد قمت باستقراء فاحص لهذه الدراسات أسعفني على استخلاص جُملة ملاحظات.

فاللافت في خطابه النقديّ هو ابتعاده عموماً عن أوابد الألفاظ وحوشي الكلمات. فالمنيعي، على الرغم من اختصاصه الأكاديميّ الدقيق، الذي يفرض عليه التوسُّل بلغة تقنية، لا يلجأ في دراساته وأبحاثه إلى مصطلحات إلّا حين تُعجزه الضرورة البيانيّة عن الحياد عنها. علماً بأن جُلَّ هذه المُصطلحات، حتى لا أقول جميعها، التي يضطر أحياناً إلى استعمالها هي من ابتكاره الشخصيّ. فهو، عوض الاغترار ببريق الرطانة النقديّة المُعاصِرة، يحرص على أن يكون خطابه مبينا بألفاظ اللّغة العادية، البليغة بعدم تعقُّدها والمفحمة بسلاستها. وما أحسب عدم التعقُّد هذا إلّا صورة أمينة لبساطته في الحياة، وهذه السلاسة إلّا انعكاساً صادقاً لليونة طبعه.

كما أن لحسن المنيعي ناقداً حدّة ذهن ونفوذ بصر يجعلانه، في نقده الروائيّ والمسرحيّ (وحتى التشكيليّ)، يذهب رأساً إلى مباهج النصّ المدروس التي تصنع فرادته. ولاشكَّ عندي في أن حدّة الذهن ونفوذ البصر هذين أثر من آثار ثقافة فكره وحصافة رأيه إنساناً. فهو مثلاً لا يستهل دراساته بتلك الأطر النظريّة المُفخمة والتحديدات المنهجية الفضفاضة والتعريفات المفهومية الرنانة التي يتحذلق الباحثون المُبتدئون ويتفنّن النُقَّاد المُتمرنون عادةً في تصدير خربشاتهم بها، ذرّاً في العيون لحداثة مزعومة، بل يقوده حدسه المُرهف مباشرةً إلى مكامن الإبداع والأصالة في النصّ، سواء أكانت شكلاً أم أسلوباً، أم كانت تيمة أم فكرة.

ولا عجب أن يمتدَّ حرصه القوي على حرّيّته ليطول مجال مناهج نقد الأدب بالذات، إلى حدٍّ يغريني معه بالقول إنه يكتب خارج «الصرعات» النظريّة و«التقليعات» النقديّة. ترى هل يكون موقفه هذا، إنْ صحَّ ظني، نابعاً مثلاً من إيمانه بأن النصّ الإبداعيّ أكبر من النقد، وبأن محاولة القبض عليه هي محاولة القبض على الجمر، وبأن النصوص الأدبيّة ليست مفصَّلة على قدود المناهج النقديّة، وبأن أدوات هذه المناهج وإجراءاتها فتاكة بالأدب؟ قد يكون هذا وذاك.

لكن، هل يمكن للقراءة النقديّة أن تتمرَّد إلى هذا الحدِّ على مناهج مقاربة الأدب؟ يتخيَّل لديّ أن حسن المنيعي استبعد هذه الإمكانية، خاصّة وأنه درَّس بالجامعة مناهج النقد المُعاصِرة وعرَّف بها ونوَّه بفعاليتها في دراسة الأدب المغربيّ والعربيّ، قديمه وحديثه. ألم يقم هو نفسه بتطبيق المنهج الاجتماعيّ والنفسيّ والسيميائيّ والدراماتورجيّ على نصوص الرواية والمسرح؟ إلّا أن ما يتخيَّل لديّ أيضاً هو أنه، بعد أن يشرع في إخضاع تلك النصوص إلى هذه المناهج، سرعان ما يضيق بها ذرعاً، فيفجِّر أطرها الصارمة وقوالبها الخانقة ليخضع النصوص إلى نبض قلبه وإيقاع رئتيه.

هو ذا سِرُّ ارتياح فئةٍ عريضة من القُرَّاء إلى حسن المنيعي ناقداً: فهو يعتمد البساطة أسلوباً، والحدس أداةً، والتحلّل من سطوةِ المناهج الجاهزة سلاحاً. وكلّ هذه خاصيات محايثة له إنساناً في الحياة.

مرّة أخرى أتساءل: هل يمكن ألّا يكون لحسن المنيعي ناقداً منهج؟ إن منهجه هو هذا اللامنهج الذي لمَّحت إلى بعض مقوِّماته دون أن أسمّيه. هل أسمّيه رؤيويّاً طالما أنه منسجم مع طبيعة رؤيته للعَالَم؟ هل أسمّيه انطباعيّاً ما دام أن ما تخطه يده الناعمة الودود من دراسات يمرُّ من قناة حدسه الجماليّ؟

هو في حسباني هذا وذاك.

فمعظم خطابه النقديّ يتماهى مع فلسفته في الحياة، القائمة على البساطة والتلقائيّة واللاانتمائيّة، متعارضاً بذلك مع كلِّ تسيُّج منهجيّ جاهز أو تحذلق دوغمائيّ مكرس. فكأني بلسان حاله يقول: «لنكن صرحاء. أليس النقد في جوهره كتابة بالروح والجسد عن نصوص الآخرين؟ ألا أكون كاتباً نفسي إذ أكتب عن هذه النصوص؟».

***

خُويَا حسن: هكذا أفضِّل أنا دائماً أن أناديك. وهكذا تقبل أنت أن أناديك. كثيرة هي الذكريات الجميلة التي أحتفظ بها باعتزاز عنك إنساناً، وكثيرة هي الصور والارتسامات التي انبصمت في وجداني عنك ناقداً.

هل وفقتُ إلى إبراز ما بينك إنساناً و ناقداً من وشائج وثيقة؟ أشكُّ في ذلك، فللحديث عنك مداخل كثيرة ومتنوِّعة: حسن المنيعي الإنسان، الناسك، الأب الروحي، الأستاذ، الصديق، المُترجِم، الناقِد، الخبير بفنون الإبداع الروائيّ والمسرحيّ والتشكيليّ والسينمائيّ، المُثقَّف الحامل ثقافته في كفِّه.. حسن المنيعي نصّ واحد متعدِّد في الحياة. حسن المنيعي نصّ واحد متعدِّد في الكتابة. فأنّى لي أن أحف بهذين النصّين المُتفاعلين المُتكاملين؟ إنّ لك، كما عند المُتصوِّفة، مفتاحاً واحداً ووحيداً يتعدَّد ويتكثر في مرآة العارفين الاستسراريين. فما أعجب هذا التزاوج الحميم والبديع بينك نصّاً في الحياة وبينك نصّاً في الكتابة!

تغريبةُ الإنسان المحتار

ليس من شكٍّ في أنّ ثلاثةَ أرباع حياتنا انتظار. أمّا الربع الباقي فلعلّه مُوزّعٌ بين الاستسلامِ للانتظار والاستعدادِ لهُ والضِّيقِ بهِ ومساءلةِ الإنسان نفسَهُ في المرآة:
ماذا تنتظر؟: نتيجةً؟ مفاجَأةً؟ نجاحاً؟ خيبةً؟ معجزةً؟ محنةً؟ خلاصاً؟، ومن تنتظر؟: ليلاك؟ قيسَك؟ بطلَكَ الضرورة؟ قائدَكَ المُلهَم؟ فردوسَكَ المفقود أو المنشود، أم كُلَّ ذلك وأكثر، بلا يقينٍ يُذكَر؛ لأنّ الانتظار موعدٌ مع ما قد يجيء وقد لا يجيء، مع ما قد يَفِي وقد يخون، سطوعٌ بين شهيق الرجاء وزفير اليأس، شبيهٌ بسطوع البرق بين شهيق العاصفة وزفيرها؟
وكيف تنتظر؟ تنتظر وحيداً، أم تنتظر كثيراً؟ مُختاراً أم مُرغَماً؟ لا مُبالياً أم متعجّلاً؟ ثبْتَ الجنان أم متلفّتاً مذعوراً؟ متصالحاً مع إيقاع الزمن أم في خصومةٍ معه؟ محروساً أم شبيهاً بعوليس في كفّ الإعصار، مُحاطاً بسيرينات اللهفة والرغبة؟ على قلقٍ، كأنّ الريح تحتكَ، أم مطمئنّاً كأنّك ترى المستقبل؟ مُؤجّلاً للفعل أم فاعلاً منفعلاً، كالصيّاد الذي لا يعرف بماذا تعود إليه شباكه؟
وأين تنتظر؟ في كلّ لحظة. في كلّ مكان. في كلّ هاجس. «لو أتيح لنا أن نبني للسعادة بيتاً لكانت أكبر غُرَفِه قاعة الانتظار». هكذا، كتب «جول رونار». لم ينتبه إلى أنّ الانتظار ترحالٌ، تحديداً، وليس محضَ إقامة. الانتظارُ يعني أن تسافر بعيداً، في كلّ اتّجاه، مستقلًّا خيالك، وقد يستنفد ذلك السفر الافتراضي قُواك، فإذا بك لا تملك القدرة على عملِ شيءٍ آخرَ بَعْدَه.
لو كان الزمنُ «عُمْلةً» لكانَ الانتظارُ طريقةً من طُرُقِ تصريفه في المكان، وجهاً من وجوه إنفاقه مقابل جرعةٍ من الوهم أو الأمل، شكلاً من أشكال إهداره عجزاً عن استثماره. في الحالة الأولى، أنتَ تحاول أن «تُلْغِيَ» به المسافة. في الحالة الثانية، أنت تعتقد أنّكَ «تشتري» به ما تريد أو ما تتوقّع. في الحالة الثالثة أنت «تقتله» لأنّك تراهُ شهوةً بلا أُفُق، وأُفُقاً لا يُطال.
هل نقترب، هنا، من الانتظار في «طبْعَتِه العربيّة»، نحن الذين كدنا نحترفه ونبدع فيه.. نحن الذين كدنا نخصّه بثلاثة أرباع الزمن الفاصل بين ابن خلدون، آخرِ عقلٍ كونيٍّ اقترحناه على العالم، ومعظم علامات تاريخنا الحديث؟ أيّ نوع من الانتظار هو انتظارنا؟ وفي أيّ النماذج «الانتظاريّة» الواقعيّة أو المُتَخيّلة نعثر لانتظارنا على شبيه؟
ثمّة الانتظار البنّاء، الذي يتيح لك أن تعمّق معارفك وتشحذ مواهبك. تعرف أنّكَ مخلوقٌ فانٍ أو أنّكَ لا تستطيع أن تلغي قانون الجاذبيّة. تعرف أنّك ذائق الموت أو عائدٌ إلى الأرض بعد كلّ قفزة، إلاّ أنّك لا تكتفي بانتظار الموت، ولا تكتفي بانتظار السقوط بعد القفز، بل تغتنم تلك الفسحة الزمنيّة لتقاوم الموت بالحياة، فتبدع ما يجوز معه قولُ درويش: «هَزمَتْكَ، يا موتُ، الفنون جميعُها»، أو تحلم ببساط الريح، ثمّ تترجم ذلك الحلم إلى معرفةٍ وإبداعٍ قادِرَيْنِ على ترويض الجاذبيّة بالمركبات الفضائيّة.
وثمّة الانتظار الهدّام الذي ينتجه فكرُ الهزيمة، ولا يُنتِجُ، بدوره، إلاّ فكرَ الهزيمة؛ انتظارٌ لا ينفكُّ يؤجّل عمَلَ اليوم إلى الغد، ثمّ إلى ما بعدَ الغد، انتظارٌ مُفْرَغ من كلّ معنًى، مُعادٍ لكلّ رغبة في التغيير ولكلّ اعتقادٍ في إمكانيّة التغيير، انتظارٌ يُؤلّفه فقرُ الجيب والروح، وتُراجِعُهُ النقمة، ويطبَعُه الجهل والضجر والعدميّة، ويوزّعه الاحتقان واليأس والقنوط والإحساس بالقهر، يغلب عليك فإذا أنتَ جسد بلا روح، أو «عبوّة ناسفة» سرعان ما تنفجر بعنفٍ أعمى لتدمّر صاحبَها والعالَمَ.
وثمّة الانتظار الفعّال: مزيج من «الانتظارين» السابِقَيْنِ، أنت فيه سهمٌ يطلقه الماضي في اتّجاه المستقبل. لا يكفيكَ أن تَرغبَ في عدم السقوط قبل أن تُصيب المرمى، بل عليك، في انتظار بلوغ الهدف، أن تُؤثّث الانتظارَ بالعمل، وأن تُنصت- بمقدارٍ- إلى الجانب الهدّام فيه، بما يكفي كي تُسيطر على وساوسه، وكي لا تستسلم لها، وكي تُحوّلها إلى طاقةٍ محفّزة على الاستمرار.
الانتظارُ الفَعّال يعني تخصيص الوقت الضروريّ لبلوغ الغاية وتحقيق الرغبة أو لتكوين الذات وتمكينها من شروط الكفاءة والجدارة والاستحقاق؛ وهذا يعني الصبر على «المسافة» صبراً فاعلاً لا منفعلاً، صبراً لا يكتفي بتدخين عشبةٍ سحريّة والظهر مستند إلى جدار. لا يكتفي بالبحث عن مهرب وهميّ على متن أحد زوارق الموت. لا يكتفي بتدميرٍ عشوائيّ لمكتسبات خاصّة أو عموميّة. لا يكتفي بالنظر من ثقْب الباب إلى نهايةِ حَرْبٍ أو انزياح جائحة، بل يعمل ما عليه، يساهم بما يستطيع، ويواجه الآفاق المسدودة، ويظلّ يناطحها حتى تنفتح أمامه. الصبر هو الاسم الحركيّ لهذا الانتظار.
إنّ من شأن التنكّر لقيمة الانتظار (بهذا المعنى) أن يمهّد لترسيخ ذهنيّتين: ذهنيّة التسوّل أو التواكل، وذهنيّة الاستسلام أو الهزيمة. وهما وجهان لعملةٍ واحدةٍ، لا يمكن تصريفها إلاّ في بَنْكِ الانتظار الفاسد. ومن مفسدات الانتظار التعويل على «الأسرة» أو «الدولة» والتعويل على «الحَرْقة» أو «الهجرة» وصولاً إلى التعويل على «الصُّدْفَة» أو الغِشّ و«تدبير الرأس».
وضعٌ لا يُنتِجُ إلاّ مجتمعاتٍ «عالةً» وشعوباً «قاصرة» وأفراداً عاجزين عن «الفطام»، قد يبلغون سنّ الشباب والكهولة وحتى الشيخوخة، لكنّهم يظلّون رُضَّعاً مُزمنين، يستنفدون «وقتهم» في انتظار «الحلول السحريّة»، أو في إنتاج «الردود الانفعاليّة»، أو في ممارسة التحيّل والمُضاربات اللا أخلاقيّة، بحثاً عن خلاصٍ فرديّ أو جماعيٍّ موهوم؛ من ثمَّ يسهلُ «استغفالهم» وتنشئتهم على إدمان الفساد والتأبّد في مربّعه، عن طريق الوصفات المسمومة التي يتقن الترويج لها أحفادُ «بُوجَادْ».
أين نعثر على شقيقِ انتظارنا أو «قرينِه»، في مجاهيل هذا البحر المتلاطم من «الانتظارات»؟
لدى «بيكيت» في «في انتظار غودو» الذي لن يجيء؟ لدى «بوتزاتي» في «صحراء التتار» حيث انتظارُ المستقبل ستارٌ يحجب الحاضر؟ لدى غيلان المسعدي الذي عاش حياتَه بين قوسين من الانتظار: انتظار بناء «السدّ» وانتظار انهياره؟ لدى نجيب محفوظ في «الحرافيش» حيث نقرأ: «الانتظار محنة… في الانتظار يموت الزمن وهو يعي موتَه»؟ في رواية كمال الزغباني، حيث نرى اليوميَّ يتجرّد من أقنعته وزيفه، فإذا الناس يعيشون ضُروباً من الموت المؤجّل «في انتظار الحياة»؟ في سُباتِ المجموعة التي هربت من الاضطهاد في قصّة «أهل الكهف» كأنّها نامت (أو أنِيمَت) في انتظار أن يتغيّر العالم؟ هل كان سُباتُ أهل الكهف انتظاراً أم إنظاراً؟ وهَبْ أنّه كان انتظاراً، هل ظلّت أمامنا مبرّرات معقولة بعد كلّ هذه القرون من المراوحة في المكان والزمان، كي نرضَى بالانتظار «مهرَّباً»؟
في وسعنا، من ناحيةٍ أخرى، أن ننظر إلى «الموقف من الانتظار» بوصفه علامةً محوريّة، فاصلة، تشير إلى انتقالنا، نظريّاً وعمَليّاً، من زمنٍ إلى آخر: من زمن البطء إلى زمن السرعة. من زمن التأمُّل إلى زمن التعجُّل. من زمن العمق إلى زمن السطح. من زمن التحصيل إلى زمن الخَطْف. من زمن الحرص على مواكبة «الخطوة الموسيقيّة» إلى زمن «الجري أسرع من الموسيقى»، حتى لو آل ذلك إلى نَشاز.

آدم فتحي (تونس)
آدم فتحي (تونس)

نحن، في هذا الزمن الجديد، محكومون بشروط الواقع الافتراضي وإيقاعه السيبراني. أوْهَمَتْنَا سماتُ هذا التحوّل بامِّحاء الفوارق بين الفضاء الواقعيّ ومخلوقاته، والفضاء الرقميّ وكائناته، حتى كاد يُخَيّلُ إلينا ألاَّ أحد يتحرّك، اليوم، إلاّ وفق «خوارزميّات»، وبات من الجائز الزعم، مع حفظ المقامات واحترام الاستثناءات، أنّنا انتقلنا من ثقافة الحفر في المعرفة والخبرة، إلى ثقافة النقر السطحيّ على العناوين أو الشذرات.
تأسّس «الزمن الأوّل» على منظومة قيميّة قريبةٍ من دعوةِ «سبينوزا» إلى أن «نحبّ الضرورة». منظومة محورُها «الإنتاج»، والإنتاج محكومٌ بمسافةٍ ضروريّة من الانتظار، ريثما يحصل ما لابدّ منه: هطول المطر بعد غياب. هدوء البحر بعد غضب. وفرة الحصاد بعد البذر. ثمرة التعلّم والعمل. تجلّي أمارات النضج واكتساب الخبرة. تأكيد ضمان الكفاءة والاستحقاق…
ثمّ انخرط «الزمن الثاني» في عقيدة «الاستهلاك السريع»، فلم يعد الانتظار قيمة، بل صار «حَجَرَ عثْرة» وعلامةً دالّة على «القدامة» وعلى (has been). شيئاً فشيئاً، تمّ تدمير قِيَم العمل، والتعلّم، والكفاءة، وحلّت محلّها «ذهنيّةُ الغنيمة» وشعاراتُ «الوثوب» و«الركوب» و«اغتنام الفرصة» و«الإغارة» و«حرْق المراحل» و«تَعلُّم الحِجامة في رؤوس اليتامى»!!.
تمّ إيهام الشباب بأنّ كلّ شيء ممكنٌ فوراً و«توّاً» في تأويل رديء لقول الشاعر: «وفاز باللذّة الجسور»!
ولماذا تنتظرُ أن تَعْلَمَ أو أن تتعلّمَ، ما دامت «المعلومة» متاحةً سهلة المنال؟! لماذا تنتظر أن تعرف أو أن تفكّر، ما دمتَ تستطيع- بفضل «نقرة واحدة» على لوح المفاتيح- أن تعثر على من يفكّرُ لكَ أو يعرف عوضاً عنك؟! لِمَ الانتظار، ما دام في وسعك أن «تفتح صندوقاً» في برنامج تلفزيونيّ كي «تغنم» سيّارةً أو منزلاً، و كي «تربح المليون»؟! ولماذا تنتظر، وفي وسعك- بمجرّد الصراخ و«الديغاجيزم» والعنف- أن تحصل، بسرعة، على كلّ ما ترغب في ابتزازه: الثروة، والشهرة، والمنصب، والاعتراف؟!
ليس من شكٍّ، طبْعاً، في أنّ للكثير ممّا تحقّق في هذا الزمن الجديد منافع حقيقيّة وجوانب إيجابيّة. لقد أتاحت لنا التكنولوجيا الحديثة الكثير من أدوات اختزال المكان واختصار الزمن، وبات في وسعنا تسريع الإيقاع والتقليص من «مدّة الانتظار» في كلّ الاتّجاهات: عند السفر. عند التواصل. عند التعبير. عند البحث والتنقيب في مكتبات «بابل» المفتوحة.
لكن ليس من الهيّن إلغاء الانتظار من حياتنا، بشكل كامل، و- تحديداً- ذلك «الانتظار الفعّال» الذي لا تنضج من دونه ثمرة. ولعلّنا لا نبالغ حين نزعم أنّ كلّ محاولةٍ للالتفاف على هذا النوع من الانتظار، هي محاولة لإلغاء جزء جوهريّ من إنسانيّتنا، من خلال الرغبة في إرغام الحياة على «الاستجابة الفوريّة» لكلّ شهوة أو رغبة طارئة، وتلك سمة الأطفال الذين أفسدهم أولياؤهم، وأنشؤوهم على وضعيّة «العالَة المُدَلّل».
إنّ من شأن هذا النوع من الاستجابة أن يخرج بنا (غافلين أو متغافلين) من دائرة الوعي النقديّ والعقل المبدع إلى نوع من «الذهنيّة السحريّة» التي هي تنويعٌ على فكرة «عفريت المصباح» الذي يحقّق لك ما تتمنّى، ما إن تفرك نحاسه، بينما الزمن متجمّدٌ في المكان، فارغ مهما امتلأ، خالٍ في انتظار أن يعمّره «الشيء» أو «الشخص» أو «العفريت» المُنتَظر.
إنّ من شأن إلغاء الانتظار (بهذا المعنى) أن يقتُل فينا ما يُسمّيه برغسون «الديمومة الخلاّقة» (la durée créatrice)، تلك التي لا مناصَ منها إذا أردْنَا الإبداع. الانتظار هنا ليس «تأجيلاً»، بل هو عمل وإعداد، لابدّ منهما لتحقيق النجاح في كلّ مجال. نحن هنا أمام معادلةٍ خيميائيّة شديدة الدقّة، لأنّ من شأن كلّ انتظارٍ أطوَلَ ممّا يجب، وكلّ انتظارٍ أقلّ ممّا يجب، أن يؤدّيا إلى النتيجة نفسها: الفشل الذريع. وليس في وسعنا (أفراداً وجماعات) أن نصنع أيّ تغيير حقيقيّ على إثْر «ضغطة زرّ» أو وثبة خاطفة. علينا أن نتغيّر كي نغيّر. وهذا يتطلّب «إنضاجاً للذات» بالتوازي مع نضوج الظروف الموضوعيّة. ذاك هو «الانتظار الفعّال» الذي لا يحدثُ شيءٌ في غيابه، إلاّ كان «انفعالاً» غير محسوب العواقب، أو فقاعةً تاريخيّة، أي حدَثاً سطحيّاً عابراً سريعَ الزوال يسهلُ الانقلابُ عليه وتحويلُه إلى نقيضه.
لا نعدمُ صدًى لمثل هذا الإدراك في الوجدان الشعبيّ العامّ. تقول الحكمة الشعبيةُ التونسيّة، على سبيل المثال: «اللي يستنَّى خِيرْ من اللّي يتمنَّى»، في إشارة إلى تفضيل الانتظار على التمنّي. عبارةٌ دالّةٌ على أنّ العقل والوجدان «الشعبيَّيْن» يدركانِ أنّ الانتظار بناءً على جهْدٍ أو وَعْدٍ معلومٍ، خيرٌ من الانتظار بناءً على احتمالٍ مجهول، وأنّ المعلوم الممكن أقرب من المجهول المحتمل. إلاّ أنّ هذا «الإدراك» لم يتحوّل، بعدُ، إلى «براكسيس».
لقد جرّبنا، طويلاً وعبثاً، تأجيل عمل اليوم إلى ما بعد الغد، وانتظار ضربة الحظّ والفرَج بعد الشدّة، وانتظار عودة الابن الضالّ وانبعاث الفينيق من رماده، وانتظار المخلّص المُختار، وعبّرنا، مِراراً وتكراراً، في مختلف مراحل تاريخنا، عن إدراكِنَا ضرورةَ تأثيث الانتظار بالعمل. فماذا ننتظر، حتّى الآن، لكي نترجم ذاك الإدراك إلى قولٍ وفِعْل، وكي ننهض، حقّاً، وكي نجرّب الانتظار الفعّال؛ أي كي نضع حدّاً لرحلة «إنساننا» المحتار، بين غواية حَرْق المراحل وغواية تأثيث الانتظار بالانتظار؟

المِسْترال والحَجْر

إحساس غريب، مثير، يملؤني ويستحوذ على مشاعري وأنا أشاهد وألمس هوْجة المِسترال، تلك الريح الشمالية العنيفة الباردة، الجافّة، التي تهبّ على مناطق فرنسا القريبة من البحر الأبيض المتوسط. حين تهبّ، أجدني أتابع ما تفعله بالأشجار، إذْ تخضّها خضّاً وتنفضها من جذورها فتسري الرعشة في عروقها وأغصانها مُحدثةً ما يُشبهُ كورالاً يَعزفه حفيفُ الأشجار على اختلاف قاماتها وألوانها. هل تلك اللحظات التي يعصف خلالها المِسترال هي بمثابة تجذير لها في أعماق التربة ليجعلها تقاوم كلّ اقتلاع؟ آهٍ من الاقتلاع الذي يُلاحقني شبحُه في لحظاتِ الملالة والخمود فأتمنَّى، وأنا أسترجع مشهد الأشجار وهي ترجفُ في قبضة المِسترال، أنْ أغدوَ مثلها: تخضُّني الريح العاتية فتُشعل دواخلي وتُعرّيني من كلّ لبوس كي أقدر على التواصل مع ما يجعلني «حقيقياً» وسط هذا الكون المُلتبس، المُضطرب. لديّ إحساسٌ غامض، كلّما زار المِسترالُ هذا الفضاء المُحاط بالأشجار، الذي أسكنُه، أن النفض الذي يُمارسه على الأشجار هو في الآن نفسه نفْضٌ لجسدي وأفكاري وأحلامي المكرورة… عندئذ أبادر إلى إغماض العيْنيْن واستنشاق الريح الشمالية العنيفة بكُلّ جوارحي، مُستسلماً لِهُبوبها علّهُ ينقلني إلى تلك المنطقة المُتمنِّعة، حيث تكون الحياةُ أكثر من حياةٍ واحدة، أكثر من أحداثٍ ووقائع وطقوسٍ مُعتادة: حياة تشمل الجسد والنفس والذاكرة وتُحصنُ الكيان البشريّ من كلِّ تجزيء…

مع الأيام، غدوتُ أترقَّب زيارات المِسترال الذي يطردُ المطر والغمام والدّكنة التي ترينُ على الخاطر وتنشر الكآبة والخمولَ. والجميل في هذا اللقاء مع الريح الشمالية هو أن زمن نفْض الأشجار وتحريك العُشب يدوم ساعاتٍ وساعات فيغدو هذا الجزءُ من الطبيعة مكسُواً بدينامية تنفث الحركة وتنشر عالياً صوت الرياح وهي تخترق الأغصانَ والفجوات وتنفذ إلى كلِّ فضاءٍ غير مُحصّن. وعندما يتعب المِسترال أو يعود إلى مستقرّ لهُ مجهول لديّ، تكتسي الطبيعة، أرضاً وسماءً، حُلة الصّحو والإشراق والنصاعة الناطقة. عندئذٍ أغوص في النصاعة المُطمئِنة وأجدِّد تدريجاً، ما ينقصني من أوْهامٍ وتطلّعاتٍ لمُتابعة الأيام والليالي في انتظار ذلك المُستقبل الغامض علّهُ يُبدِّد الفسولة والكوابيس والقنوطَ… لكنْ، سرعان ما أجدُني تحت شجرة التوت الوارفة مُتطلِّعاً إلى هبوب المِسترال لينفضَ عني ما تراكمَ على الجسد والعقل والنفس من أدرانٍ ومن تساؤلاتٍ عن الصدفة الكامنة وراء وجودي نطفة حائرة أخذتْ تنمو وتواجه لُغزيّة الحياة من دون أن تدري شيئاً عن مآلِ صيرورتها.

مع الحَجْر الذي فرضه وباء كورونا، صرتُ أتوهَّمُ أن إحساسي زادَ بأنني أعيش مفصولاً عن أشياء كانت تمنحني طمأنينةَ الانتماء والانصهار والتآلف مع ما يُحيط بي. لم أعد أعرف مَنْ أنا، أو بتعبيرٍ أدقّ، العيشُ قريباً من بالوعة الجَائِحة هو ما أنساني مَنْ أكون؟

أقول مع نفسي: مَنْ يدري؟ لعَلّ المِسترال في مرّةٍ قادمة، وهو ينفض الأشجار، يتمكَّنُ من النفاذ إلى أوصالي الشائِخة، الناعسة، الخائِفة، فينفض عنها الخمول ويُحصِّنُها ضد الجَائِحة، ويزرع في جنباتها تلك البِذرة التي تجعل من حياتي أكثر من حياة؟

مارجريت ديراسْ والكتابة

أقرأ هذه الأيام كتاب «الصديقة «(L’Amie) الذي كتبتْه الراحلة «ميشيل مونسو» سنة 1997، مستفيدةً من صداقتها الحميمة مع الكاتِبة المُتميِّزة «مارجريت ديراسْ» التي كانت تسكن أيضاً بالقرب منها في بلدة «نوفل-لوشاتو». والكتاب عبارة عن حوار طويل تتناول أسئلتُه الحياة الخاصّة والتجارب الحميمة للكاتِبة وأيضاً بعض القضايا المُجتمعية. لكن المحور الجوهريّ ينصبّ على علاقة «مارجريتْ» بالأدب والكتابة. وتوضِّح «ميشيل» أنها أعطت الأسبقية في هذا الحوار لما كانت «مارجريتْ» تتفوَّهُ به خلال لقاءاتهما العديدة بحكم الجوار وألفة الصداقة. واللافت في تلك الأقوال والتعليقات أنها تشتمل على نفوذ البصيرة وسداد الرأي؛ ومن ثَمَّ حرصتْ على تسجيلها وإيرادها كما هي. وبالنسبة لي، أثار انتباهي المكانة الخاصّة التي احتلتْها الكتابة في حياة «ديراسْ» وجعلتْها تكرِّس كلَّ أوقاتها لمُمارستها؛ بلْ أصبحتْ أداةَ علاج لمُشكلات حياتها العاطفيّة. تقول «مارجريت» عن أهمِّية الكتابة بالنسبة إليها: «ميّتة، أستطيعُ بَعْدُ أن أكتب». هذا منتهى الشغف بالكتابة. وهي تشرحه على النحو التالي: «اكتشفتُ أن الكِتاب هو أنا. وموضوعُ الكِتاب هو الكِتابة، والكِتابة هي أنا». وخلال الحوار تؤكِّد «مارجريت» على أن الكِتابة هي أساس المُقارنة والتمييز بين الكُتَّاب، مُلاحظة أن «جان بولْ سارتر»، مثلاً، ليس كاتِباً في نظرها. وهذا رأي سبق أن سمعتُه من «جانْ جونيه» في الرباط حين سألتُه عن رأيه في الكتاب الضخم الذي نشره «سارتر» عن «فلوبير» بعنوان «عبيط العائلة»، فقال لي ما معناه: «سارتر» ليس كاتِباً ولذلك هو يحقد على «فلوبير» ويريد أن يحطِّمه من خلال التأويل الأيديولوجيّ! ونظراً للأهمِّية التي تُوليها «مارجريت» للكتابة، حاولتْ مؤلِّفة الكتاب/ الحوار أن تتساءل عن العنصر الذي يجعل النُقَّاد في فرنسا يعتبرون صديقتها كاتِبةً متميِّزة: هل هو استيحاؤها للذات في تقلُّباتها وحميميّتها؟ أم يعود ذلك إلى لغتها المُتدفِّقة النابعة من مشاعر دفينة وطاقة عاطفية لا تنضب؟

خلال تأمُّلي في خواطر هذا الحوار الخصب، وجدتُ بالفعل، أنه في عالمنا الضّاجّ بالمعلومات والإحصائيات المُتناسلة والأكاذيب المُجاورة للحقائق، يصبح الأهمّ بالنسبة للكاتِب والروائي والشاعر، هو أن يقدِّم شيئاً خاصّاً، حميمياً يُلامس جوانب مهملة لكنها تستثير انفعالات إنسانية تتخطَّى الظاهر لتغوص في اللامرئي، وتعبُر من الخاص إلى شيءٍ أشمل، دون أن تفرِّط في الجانب الحميمي الذي يفسح المجال لخصوصية اللّغة وفرادة صور الذاكرة… لكنْ، عندما تجعل «مارجريت» الكتابة مُعادلاً لـ«الأنا»، يحقّ لنا أن نتساءل كيف تحدِّد هي الأنا وكيف تستخلصها ممّا ليستْ هي؟ إنها تجعل المقياس هو الاحتكام إلى الإحساس الذاتي في مواجهة العَالَم الخارجيّ لالتقاطِ ما يترسَّبُ في نفوسنا وذاكرتنا من تجارب الحياة وتفاصيل العلاقات مع الآخرين.. غير أن «الأنا»، مع جميع الافتراضات، ليست كتلة منفصلة عمّا حولها ولها كيانٌ يسهل التعرُّف عليه من لدُنِ الآخرين. مع ذلك، أرى أنه عندما يقول المُبدع: الكتابة هي أنا، على غرار ما قالته «ديراس»، فإنه يكون محقّاً على رغم أن العبارة يكسوها التعميم والالتباس ولا تحيلنا على شيءٍ ملموس. ذلك أن «الأنا» هي مربط الفرَس، لأنّ الإبداع عموماً يتمايَزُ من خلال تمايُز الأنوات المُبدعة، انطلاقاً من مُكوِّناتها الجينيّة والبيئيّة ووصولاً إلى جماع تفاعلاتها مع العصر الذي عاشت فيه، والسياق الذي أثَّر في تكوين رؤية الأنا إلى نفسها وإلى الكوْن والآخرين ضمن شروط لا تخلو من جِدالٍ وصراع… لذلك، إذا قال الكاتِب: الكتابة هي أنا، علينا ألّا نسلِّم بأنّ تلك الأنا قائمة من دون امتدادات وتشابكات مع الآخر ومع المُحيط المُتشابك مع مجرى العَالَم. من الصعب أن نسلِّم بأنّ الأنا كيانٌ ذاتيُ الوجود يجسِّد العَالَم ويختصره، وكأنه يستمدّ هذه التمثيلية من سرّ ربّانيّ أو سليقة موروثة. لا مناص، إذن، من أن نتخذ ما تعبِّر عنه «أنا» الكاتب مِقفزاً يسعفنا على تبيُّنِ تفاعلاتها مع الموروث والمُكتسب، مع المعيش والمُلقن… وفي جميع الحالات، يظلّ القارئ والناقِد في حيْرة عند تقييمهما لكتابات المُبدعين، إذْ ليس من السهل تحديد دور «قواعد الفَنّ» ودور عبقرية «أنا» الكاتِب أو موهبته في احتواء الكتابة لتصبح معادلاً لأناه.