المِسْترال والحَجْر

في ندواتٍ حضرتُها أيام الشباب، كان السؤالُ المُسيْطِر على حواراتنا: قطيعةٌ أمْ إبداعٌ مُغاير؟ الآن، أجدُ أن هذا التساؤل ينطوي على مغالطة تحتاج إلى مُراجَعة. ذلك أن الإبداع في دلالته التاريخيّة والجماليّة والإنسانيّة يتوخَّى القبضَ على ما يجعل الحياة أفقاً مُغرياً للإنسان عبْر فرْضيّةٍ تستوحي المُخيِّلة والمشاعر والعقل. ومن هذه الزاوية نكون أمام عَالَمٍ دعائمُه الإبداع بمعناه الشامِل، العابِر للأزمنة والقابِل لكلِّ الإضافات والتحويرات بعيداً عن القطيعة التي تَحْرمُنا من استلهام واستحضار تلك الإبداعات التي أسَّستْ مملكة الحياة.

إحساسٌ غريبٌ يملأني ويستحوذ على مشاعري وأنا أتابع هوْجة المِسْترال، تلك الريح الشماليّة العنيفة الباردة الجافّة، التي تهبّ على مناطق فرنسا القريبة من البحر الأبيض المُتوسط، فتبدو الأشجار كأنها ستُقتَلع من جذورِها إذ تخضّها خضّاً وتنفضها من جذورها، فتسري الرعشةُ في عروقها وأغصانها، مُحدثةً ما يُشبه كُورالاً يُنشدهُ حفيفُ الأشجار على اختلاف قاماتها… هل تلك اللحظات التي يعصف خلالها المِسْترال هي بمثابةِ تجذير لها في أعماق التربة ليجعلها تقاوم كلّ اقتلاع؟ آهٍ من الاقتلاع الذي يُلاحقني في لحظات الملالة والخمود فأتمنى، وأنا أسترجع مشهد الأشجار وهي ترجُفُ في قبضة المِسْترال، أنْ أغدو مثلها تخضّني تلك الريح العاتية وتُشعلُ دواخلي، بلْ تُعرِّيني من كلِّ لبوسٍ لأقدرَ على التواصُل مع ما يجعلني «حقيقيّاً» وسط هذا الكون المُلتبس، المُضطرب. لديّ إحساسٌ غامض، كلما زار المِسْترال هذا الفضاء الذي أسكنه، مُحاطاً بالأشجار، أن النفْضَ الذي يمارسه على الأشجار هو في الآن نفسه نفْضٌ لجسدي وأفكاري وأحلامي المكرورة؛ فأبادر إلى إغماض العينيْن واستنشاق الريح الشماليّة العنيفة بكلِّ جوارحي، مُستسلماً لهُبوبها علّهُ ينقلني إلى تلك المنطقة المُتمنِّعة، حيث تكون الحياة أكثر من حياةٍ واحدة، أكثر من أحداثٍ ووقائع وطقوسٍ مُعتادة… حياة تشمل الجسد والنفس والذاكرة، وتُحصِّن الكيانَ البشريّ من كلِّ تجزيء وتصونُه من التحلّل.

مع الأيام، غدوتُ أترقبُ زيارات المِسْترال الذي يطردُ المطر والغمام، ويُبدِّد الدّكنة التي ترينُ على الخاطر وتنشر الخمول والكآبة. والجميل في هذا اللقاء، هو أن زمن نفْضِ الأشجار والعُشب والتربة يدومُ ساعاتٍ وساعات، وأحياناً أياماً بِلياليها، فيغدو هذا الجزءُ من الطبيعة مكسُوّا بديناميةٍ تنفث الحركة وتنشر صوت الرياح وهي تخترق الأغصان والفجوات وتنفذ إلى كلّ فضاء غيرِ مُحصِّنٍ لتنفْضه حتى النخاع. وعندما يتعب المِسْترال، أو يعود إلى مُستقرّ له مجهول لديّ، تكتسي الطبيعة، أرضاً وسماءً، حُلة الصّحو والإشراق والنصاعة الناطقة. عندئذٍ أغوص أنا في النصاعة المُطمئنة وأجدِّدُ تدريجيّاً ما ينقصني من الأوهام والتطلعات، لأتمكّن من متابعة الأيام والليالي في انتظار ذلك المُستقبل الغامض علّهُ يبدّدُ الكوابيس والقنوط… لكنْ، سرعان ما أجدُني تحت شجرة التوت الوارفة مُتطلعاً إلى هبوب المِسْترال من جديد لينفض عني ما تراكَمَ من أدرانٍ وتساؤلاتٍ مُعادة عن الصدفة التي أخرجتْني إلى الوجود نطفةً حائرةً تنمو وتواجه لغزيّة الحياة من دون أن تدري مآلَ صيرورتها.

مع الحَجْرِ الذي فرضه فيروس كورونا، أصبح شعورٌ يُلازمني بأنني أعيش مفصولاً عَن أشياءٍ كانت تمنحني طمأنينة الانتماء والانصهار: لمْ أعدْ أتعرَّف بسهولة على ذاتي، خاصة وسط الليل عندما أستيقظ دون ما سبب فتتراءى لي بالوعةُ الجَائِحة فأظلُّ مذهولاً قبل أن أتذكَّر ملامح «أنايَ» المَنسيّة. أقول مع نفسي: مَنْ يدري؟ لعلَّ المِسْترال في المرّة القادمة، وهو ينفْضُ الأشجار، أنْ يتمكنَ من النّفاذ إلى أْوْصَالي الشائِخة، الناعِسة، فينفْضُ عنها الخمول ويزرع في الحنايا تلك البذرة التي تجعل حياتي أكثر من حياة؟

الكتابة فرْضيَّة لاستجلاء العَالَم

أعتقد أن الكتابة تستمدُّ نبضها وحيويّتها من مُعانقتها لذلك الصراع الظاهر والخفيّ الذي يجري وراء ستار لاقتناص سيرورة الحياة وتجلّياتها المُتنوِّعة. من ثمَّ تؤول الكتابة إلى نوع من المُواجَهة بين الكاتِب المُبدع والنصّ الذي يسعى إلى إنجازه، وتغدو هذه المُواجهة كأنها صراعُ جسدٍ ضد جسدٍ يُستخدَمُ فيه التحايُل والعنفُ واللجوء إلى ما وراء اللّغة… لا أظنّ أننا نكتب لننسخ واقعاً أوْ نحاكي أحداثاً، بل لنقدِّم رؤيتنا إلى ما نعيشه في سياقٍ مُعيّن وضِمْن ذاتٍ لها فرادتُها في العيش والتفكير. ولأن الكِتابة الإبداعيّة تعني، قبل كلّ شيء، التوسّل بأشكالٍ فنيّة وجماليّة مفتوحة على رحابة التخييل، فإن حرّيّتها لا تتحقَّق إلّا ضمنَ شسوع المضمار الإستطيقي الذي يُضفي الخصوصيّة على اللّغة والشكل والدلالة. ولأن الكاتِب لا يتوخَّى الوصول إلى حقائق علميّة، إذْ إن مجاله مُتصل بالمشاعر الزئبقيّة واللحظات المُتلوِّنة المُتفاعِلة مع السياق والمزاج ونزوات الذاكرة، فإنه كثيراً ما يلجأ إلى تخيُّلِ أكثر من ردِّ فِعل، خاصّة عبْر الشخصيّات والبيئات المُتباينة…

يذهب الناقِدُ والفيلسوفُ البريطانيّ جورج ستاينر في كِتابه «نَحْوُ الإبداع» إلى أن: «الكتابة هي، في العمق، الإلقاء بِفرْضيّةٍ إلى العَالَم». أجدُ أن كلمة «فرْضيّة» (hypothèse) تعبِّر عمَّا في الإبداع من صُدْفويّة وعدم اكتمال، إذْ إنه لا يخضع لقوانين محدَّدة مسبقاً، ويمتحُ من مصادر متشابِكة في مرجعيّتها ومشاعرها، فضلاً عن أنه يتمُّ عبْر ذاتٍ محكوم عليها بالموت والفناء في عالَم مُستمرّ في الوجود والبقاء… من ثمَّ لا شيء في مجال الإبداع البشريّ يبدو مُكتملاً أوْ نهائياً. نتيجة لذلك، كلّ فرْضيّة تطرحها الكتابةُ الإبداعيّة على العَالَم تظلّ قابلة للتعديل والنسخ وإعادة الصياغة. ولا شكّ أن عنصر الزمن المُتغيِّر وتأثيراته على بنيات المُجتمعات وقيمها ومستواها المعرفيّ يستدعي تحوُّلاتٍ في صوغ «الفَرْضيَّات» وأشكال التعبير الجماليّ…

ولمّا كان مجال الاختيارات الفنّيّة والفَرْضيَّات الدلاليّة جدّ شاسع ومُتشابكاً، فإنهُ من الصعب تخمين الفرْضيّة الصائِبة التي تُغني عن سواها. لأجل ذلك، يغدو تبايُن وتجاوُر وتصارُع الفَرْضيَّات والرؤى مسألةً حتميّةً تجُرّ في أذيالها تعدُّد أشكال الكِتابة، وتعدُّدَ تأثراتها بما سبقها من إبداع.

يبقى السؤال الأصعب بالنسبة للكِتابة، التي لا مناص لها من أن تتفاعل مع الزمن وتبدُّل القيم، هو: على أي شيء تُراهِن الكِتابة استراتيجيّاً، إذا صحَّ التعبير: على تجسيد سوداويّة الحياة وما يكتنفها من تشاؤمٍ وأفق عدميّ؟ أمْ على أفقٍ ترانساندانتالي مُتعالٍ على شبح الفَناء والتلاشي، ومُنتصر للحياة رغم هشاشتها؟

أرى أن الكِتابة الإبداعيّة لا تُحيلُ على «واقع» أوْ عَالَمٍ ملموس؛ بل تحرص على أن تخلق عالَمها الخاص الذي يستمدُّ عناصر بنائه من الملموس والمُتخيَّل والمحلوم به… بذلك، يصبح النصّ واسطةً لِمُساءلة الواقع ومساءلة علاقة الإنسان بالقيم التي يستوحيها وعلاقته بما يقترحه من بدائل عن الموت وعن نهاية رحلتنا الأرضيّة…

في ندواتٍ حضرتُها أيام الشباب، كان السؤالُ المُسيْطِر على حواراتنا: قطيعةٌ أمْ إبداعٌ مُغاير؟ الآن، أجدُ أن هذا التساؤل ينطوي على مغالَطة تحتاج إلى مُراجَعة. ذلك أن الإبداع في دلالته التاريخيّة والجماليّة والإنسانيّة يتوخَّى القبضَ على ما يجعل الحياة أفقاً مُغرياً للإنسان عبْر فرْضيّةٍ تستوحي المُخيِّلة والمشاعر والعقل. ومن هذه الزاوية نكون أمام عَالَمٍ دعائمُه الإبداع بمعناه الشامل، العَابِر للأزمنة والقابِل لكلِّ الإضافات والتحويرات بعيداً عن القطيعة التي تَحْرمُنا من استلهام واستحضار تلك الإبداعات التي أسَّستْ مملكة الحياة الحق، مُنذ شعراء الجاهليّة، وتراجيديّات شعراء الإغريق، وروايات مَنْ ساروا على خُطى دون كيشوت، الحَالِم المجنون.

لأجل ذلك، حينما نريد التّعرُّف على قيمة الكِتابة الإبداعيّة، لا مناص من أنْ نعزلها عن الخطابات الأخرى والمواقف التي صدرتْ عن صاحبها لنتأمَّل الكِتابة الأدبيّة عاريةً عن تلك الهالاتِ التي لا تمتُّ بصلةٍ لإبداع الأدب. ومن ثمَّ يكون التقييمُ نوعاً من المُواجَهة بين النصوص ومقاييس النقد والفنّ وخُلاصات تاريخ الإبداع…

«اِرتدِ قناعَك» الحياة بنصف وجه!

لا ينفصلُ الإنسانُ عن وَجْهه، إذ به يتميّزُ وبه تتحدّدُ هُويّتُه، وقد تهيّأ الوَجهُ، انطلاقًا من تركيبته، لأن يكون مُضاعَفًا، على نحو جعلَ الإنسانَ منذورًا مُنذ البدء لأن يَعيشَ بوَجهيْن، لا بالمعنى القدحيّ الذي اقترَن فيه الوَجهُ بالنفاق، وبإظهار المَرء غيرَ ما يُبطن، وبالتلوُّن والتحايُل. فالمعنى القدحيّ منحىً آخَرُ لتأوُّل الوَجه وَفق الامتدادات المُتشعِّبة التي يَشقّها هذا المنحى للتأويل، ووَفق فِعل الانتحال بتعدُّد صيَغه التي تنتظرُ دراسات عديدةً لاستجلاء تعقّد هذا الفِعل في مظاهره الأولى، ولاستجلاء حتّى غناه الأدبيّ قديمًا، قبْل أن يَغدوَ جُزءًا من الحيَاة ومظهرًا من مظاهر تقلّباتها وزيفها. المقصود، في هذا السياق، بالعَيش بوَجهيْن، غيرُ ما يُستفادُ من المَنحى القدحيّ السابق، إذ المُراد به أنّ الإنسانَ خُلقَ على صورةٍ ضدّيّة شكّلتْ أسَّ كينونته، وأنّ الوَجه، في تَركيبة الإنسان، كان أكثرَ أجزائها تجسيدًا لهذه الضدّيّة. فقدِ انطوَت ملامحُ الوَجه دومًا على هذا البُعد الضدّيّ، إذ عليها يَرتسمُ الشيءُ وضدُّه؛ يرتسمُ الحُزنُ والفرَح، الغضبُ والرضا، السكينةُ والقلق، وغيرها من الأضداد، لأنّ هذه الملامح قابلة لاحتضان كلِّ التقابُلات.

إنّ قابليّة الوَجه للتلوُّن تُوازيها أيضًا طاقتهُ على الإظهار والإخفاء، بل على إظهار الوجهِ غيرَ ما يُبطن، أي إظهار الشيء مقلوبًا إلى ضدّه، لأنّ تَركيبة الوجه قائمة، في الآن ذاته، على ما يُرى فيه وعلى ما لا يُرى، وهو، من ثمّ، ظاهرٌ وباطن. إنّ للوجه، في حقيقته، ظاهرًا يرتبط بما يَبدو منه، وباطنًا مَطويًّا في ما يُرى منه وفي ما لا يُرى، حتى إنّ لفظ الوجه في اللسان العربيّ يدلُّ، ممّا يدلُّ عليه، على القلب. لقد كان لظاهر الوَجه معنى لا حدَّ لتفرُّعاته وأبعاده، قبْل أن يَختلَّ هذا الأمرُ راهنًا بسبَب القناع الذي صارَ مُلازمًا للوَجه، بل غدا عُنصرًا دخيلًا عليه، ممّا حرَمَ الوجهَ مِنْ ظاهره الذي به وفيه يشتغلُ باطنُه أيضًا؛ فضاع الباطنُ بضَياع الظاهر. بهذا المعنى الضدّيّ الذي تستوعبُه دلالةُ الوجه، هيّأتْ ملامحُهُ دَومًا إمكانَ قراءته مِن ثلاث زوايا؛ زاوية الظاهر وزاوية الباطن، وهُما أساسًا زاويتان تُجسِّدان كلَّ التقابُلات التي يَقوى الوَجهُ على احتضانها، ثمّ زاوية ثالثة لا تقوم على التقابُل، بل على عُنصر ثالث يتأتّى من لقاءِ الضدّيْن في الوَجه، إذ ليس عبثًا أن يكونَ الوَجهُ بعَينيْن وأذنيْن وبلسانيْن، حتى وإنْ لم يُضاعَف اللسانُ عضويًّا في الوجه، إذ يبقى مُضمِرًا للمُضاعَفة انطلاقًا من طاقته اللانهائيّة على قول الشيء وضدِّه.

ما تَشكّلَ الوَجهُ على هذه الصورة المُضاعَفة إلّا ليتسنّى له أنْ يَرى باحتماليْن ويُرَى بهما أيضًا، ويُسْمَعَ بصيغتَيْن ويُسْمِعَ وَفقهُما كذلك. فالوجه، أيُّ وجه، مُضاعَفٌ بمَعنيَيْن؛ هو مُضاعَفٌ بما ينطوي عليه ويَجعلهُ قابلًا لأنْ يُتلقّى في ضَوئه، من جهة، وبما به يَتلقّى هو نفسُه الآخَرَ، أي ما به يَتلقّى خارجَه، من جهة أخرى، لأنّه يَرى بعَينيْن ويَسمَعُ بأذنَيْن. المُضاعَفة، في الحالتيْن، ذاتُ صبغة ضدّيّة. وحتّى اللسان، بما هو عضوٌ من أعضاء الوَجه، يَنطوي كما سبَقت الإشارة على هذه الضدّيّة، إذ يبقى، وإن لم يُضاعَف عضويًّا في الوَجه، الأقدرَ على تقديم الشيء الواحد في صورة ضدّيّة، لأنّه ائتُمِنَ، في الوَجه، على أخطر النِّعم بتعبير هيدغر، أي ائتُمِنَ على اللغة التي تحمّلَ لا عبئَها وحسب، بل اسمَها أيضًا. لذلك، ليس ثمّة ما هو أقدر على إنتاج الضدّية، وعلى جعْل الشيء يَظهرُ في صُورته وفي ضدِّها، مِنَ اللسان، أي اللغة. على هذا الأساس، يُستساغُ تصوُّر الوَجه بلسانيْن، حتى وإنْ كان تخيُّلُ هذه الصورة في الواقع أمرًا سرياليًّا. على كلٍّ، فنواةُ هذه الصورة مُضمَرةٌ في اللسان المشقوق، الذي تضمّنَ، مُنذ قصّة آدم، احتمالَ قابليّته للمُضاعَفة، أي احتمالَ أن يكونَ لسانيْن، وقد ظلّ تحقّقُ هذه الصورة مُمكنًا دومًا، انطلاقًا من اشتغالِ اللغة بوَجهيْن، على نحو حَدا بالقدماء إلى الحديث عن الكلام المُوَجّه، الذي لمْ يكُن، في دلالته، سوى كلامٍ بوَجهيْن.

لعلّ ما يتولّدُ ضدّيًّا في الوَجه مُرتبطٌ أساسًا بالصّورة التي عليها ظهرَ، وَفق ما ترسّخَ، من جهة، في التأويل الصوفي، ومُرتبطٌ، من جهة أخرى، بنسقيّته، أي بتلك الوشيجة الغامضة التي تجمَعُ أعضاءَ الوجه، وبها يتشكّلُ دون أن يتكرّرَ في الصّوَر التي بها يَظهر، وفيها تتفاعلُ ملامحهُ ضمن نسقيّة لا تُولِّدُ غيْر الاختلاف. لا يتشكّلُ الوَجهُ من عُنصر واحد بل من عناصرَ مُتفاعلة، ولكنّ هذه العناصر، التي هي نفسُها ما به يتشكّلُ كلُّ وَجه، لا تكفُّ، على قلّةِ عدَدها، عن تجديد صُورتها النسقيّة، بما يَمنعُ الوجهَ مِن أن يتكرَّرَ في أيِّ صورة من صُوَر ظهوره، إذ تكونُ صورةُ كلِّ وَجه مُنتجةً لتميُّزه ولِما يَفْصلهُ عن غيره من الوُجوه، وإن انبنَت أساسًا على العناصر ذاتها، أي على المُشترَك في الوُجوه. فالوجه لا محدود، وهي خصيصة يُحقِّقُها اعتمادًا على المحدود، لأنّ عددَ ما به يتشكّلُ قليلٌ للغاية، لكّن ما يتولّدُ من هذا القليل يَمتلكُ صفةَ اللانهائيّ. لذلك كان الوَجهُ شاهدًا على تعدُّد الواحد؛ إذ تأوَّلهُ الصوفية اعتمادًا على مرآةٍ مُكثِّرة؛ مرآة لا تعكسُ صورةَ وَجهٍ واحد، بل تُعدِّدُ الصّوَرَ بتعدُّد الأسماء التي يُمْكنُ أنْ تتجلّى بها الوُجوه. إنّ نسقيّة الوَجه والحكمة المُضمَرة فيه قائمتان على تولُّد اللانهائي من المحدود، فالوجهُ يَكشفُ، بحُكم العناصر القليلة التي منها يتشكّلُ، عن نسَبه إلى اللانهائيّ، لأنّ صورَتَه مُتمنّعة على التكرار حتى في أقصى تجلّياتِ المُشابَهة. الوجهُ، بهذا المعنى، سرٌّ، لأنّه يتكثّرُ بالعناصر المحدودة التي بها يتشكّل، ليغدوَ في حقيقته وُجوهًا قائمة دومًا على الاختلاف. يتولّدُ الاختلاف من النّسق الذي تأخذهُ عناصرُ الوجه وتجعلُهُ تجلّيًا للانهائيّ، على نحو يستحيلُ معه حصْرُ الوَجه، ويتمنّعُ معه استنفادُ سِحْر الوشيجة التي تظهرُ فيه دومًا من داخل العناصر نفسها، دون أن تتكرّرَ الصورة، ودون أن تفقدَ طاقتَها على أنْ تعودَ في كلِّ مرّة مُغايرةً لنَفْسِها. لعلّ هذا اللانهائيّ، الذي يَسِمُ صُوَرَ الوَجه، هو ما هيّأَهُ لأنْ يُسْنَدُ إلى المُطلق، مُقترنًا، في هذا الإسناد، بالكرَم والجَلال، وهو أيضًا ما هيّأَ الوَجهَ لأن يتحوّلَ إلى مفهوم خَصيب لدى الصوفية قديمًا، ولدى ليفيناس حديثًا، الذي تشعّبَ المفهومُ في فلسفته بَعد أنْ عوّلَ عليه في إعادة تأويل الذات، وتأويل علاقتها بالآخَر انطلاقًا من مُنطلق إيتيقيّ يَربطُ الوجهَ بالضيافة والمسؤولية.

اِستحضارُ دلالات الوَجه اليوم مُرتبطٌ بالانكماش الذي طاله، أي مُرتبطٌ بتغيُّرٍ مَسّهُ فغدا جُزءًا ممّا مسَّ اليَوميَّ بصورة عامّة في زَمن الجَائِحة، التي فرضَت إيقاعَها على تفاصيل العيش والتعايُش حتى امتدَّ أثرُها لا فقط إلى وَجه الحياة، على نحو صارَ فيه هذا الامتدادُ اكتساحًا لافتًا في كلّ القطاعات، بل امتدّ هذا الأثرُ، أبعدَ من ذلك، إلى وَجه الإنسان الذي صارَ مُلزَمًا بأن يَسيرَ في الأرض مُقنّعًا فعليًّا بَعد أن عرفَ كيف يُخفي أقنعَتَه على امتداد التاريخ ويجعلها خلفَ وَجهه لا فَوقه. فهل «كشَفَت» الجَائِحة عن حقيقة الإنسان؛ حقيقةِ قناعه، بأنْ ألزَمتْهُ ألّا يُخفيَ قناعَه، وأرغمتْهُ على أن يَضعَه فعليًّا على وجهه حتى لا يظلَّ مُتستّرًا على جوهر حقيقته؟ أيتعلّق الأمرُ، في تأويل بعيد، بقناعٍ كاشف، لأنّه يُظهرُ ما كان مستورًا؟ هل استنفدَ الإنسانُ كلَّ مظاهر إخفاء قناعه فانتهى إلى كشْف حقيقته بأنْ أُلزِمَ بوَضع القناع فعليًّا على وَجهه؟ ألا يكشفُ هذا القناع، إن تمَّ تأمُّله في ازدحام اليَوميِّ بوجوه مُقنّعَة،، عن الحُجُب التي تَبني سَيرَ الحياة وتجعلُ حقيقتها في التقلّب والتلوُّن؟ هل أجهزَ «التقدُّم» البَشريّ على لانهائيّة الوَجه؟ هل اكتسحَ هذا «التقدُّم» وجهَ الإنسان وأتى على حيِّز كبير منه؟ ما معنى أن يتحوّلَ مأوى اللانهائيّ إلى قناع؟ وما معنى أن تنكفئَ المُضاعَفة، التي بها تشكّلَ الوَجه، إلى الرّبع، أي إلى نِصف وَجه بَعد أن كان الوجهُ مُضاعفًا؟ هل تنحو المُضاعفة لأنْ تكون خَصيصة القناع لا خَصيصة الوَجه؟ ما الذي ضاعَ مِنْ وَجه اليوميّ، ومِنْ وجه الحياة بصورة عامّة، بَعد أن اختفَت الوُجوهُ ولم يَعُد يُرى منها غيْر أنصافها؟ لقد غدَت هذه الأسئلةَ وغيرُها بديلًا عن قراءة الملامح التي اختفَت فجأةً، إذ صارَت الأقنعة تُغطّي حيِّزًا من الوُجوه في الشارع وفي مُختلف مَرافق الحياة، وتسلّلت إلى الشاشات والقنوات التلفزيّة، واستأثرَت بالاهتمام وبالنقاش العموميّ، كما لو أنّ القناعَ زاحمَ الصُّورة المرئيّة في اكتساحها، ونافسَها الذيوعَ السّريع، وتمكّنَ، في وقت وَجيز، من مُجاوَرتها في كلّ ظهور لها، لأنّها أصْلًا من صُلبه، ذلك أنّ صلةَ الصّورة المَرئيّة بالقناع مَكينةٌ وَفق ما تنطوي عليه آلياتُ اشتغالها.

لعلّ ما ضاع مِن الوَجه، بَعد أن فقدَ ظاهرَهُ وتقلّصَ ما يَبدو منه، هو جمَالُ الاختلاف، وأسرارُ تركيبته، وسِحرُ اللانهائيّ الذي يجعلُ الوَجهَ تجلّيًا لا يكُفُّ عن التجدّد عبْر تكثُّر لا سَبيلَ إلى استنفادِ معناه، لأنّ لانهائيّة الوجه كانت دليلًا على لانهائيّة معناه. فالتأمّلَ في الوُجوه من زاوية اللانهائيّ، الذي تُضمرهُ، شكّلَ دَومًا غنىً للمعنى وعلامةً على مجهول مُتجدِّد. فالوجهُ فضاءُ أسرار لا حدَّ لها؛ أسرارٌ لا تنكشفُ أبدًا، ولكنّ ظاهرَ الوُجوه يُفصحُ دومًا أنّها مَطويّةٌ فيه، فهي، وإن لم تكُن تُرى، تَحتفظ بظلالها في الوجه. ظلالٌ تشهدُ، من داخل سِحْر المَلامح، أنّ الأسرار هناك في زاوية ما، وفي طيّة من طيّات ظاهر الوجه، قبل أن يختلّ هذا الظاهرُ ويكتسحَ القناعُ نصفَهُ. ما الذي يُمكنُ أن يَراه المرءُ، اليوم، في وَجهٍ لم يَعُد وَجهًا؟ 

بغَضِّ النظر عن دواعي ارتداء القناع الصحّيّة الضّروريّة، وبغَضّ النظر عن كونه أحَد الإمكانات المُتاحة اليوم للتصدّي جُزئيًّا للجَائِحة، فإنّه يبدو إفقارًا للوَجه بتجريده من نسقيّته، وإفقارًا، في العُمق، لتعدُّد الحياة الخصيب، وحَجْبًا لجُزء خُصَّ في جَسد الإنسان باحتضان الجَمال والكرَم والضيافة والصّفاء، فالعملُ على تصفيّة القلب وتخليص النفس مِن المُظلم فيها لا يتجلّى إلّا في الوَجه، الذي كان كلُّ ظفَر بانبثاق النّور فيه تجسيدًا لمُكابدة داخليّة في تجفيف ظلمة القلب وتمكينه مِن صفائه. إنّ ما حلّ بالوَجه اليوم أصابهُ بانكماش مُفقر، كما لو أنّ إجهازَ الإنسان على الطبيعة وعلى غنى الحياة قد انقلبَ عليه وتجسّدَ في انكماش أجهزَ على نِصف وَجهه، فصارَ الإنسانُ بنصف وَجه، والحال أنّ الوَجه لا يكون وجهًا إلّا بالتفاعُل الغامض بين أعضائه، وبالأسرار التي تُضمرُها تركيبةُ هذه الأعضاء ونسقيّتُها، وبالمجهول الذي يُقرأ في الوجه. وكلّها أمورٌ اختفَت بالقناع الذي حوّلَ الوجهَ إلى مجرّد عَينيْن مُتوَجِّستيْن، مفصولتيْن عن سياقهما الذي كان يَبني جَمالهُما ويَصونُ أسرارَهُما.

«اِرتدِ قناعَك». أمرٌ لا ينفكُّ يَسمَعهُ المرءُ، اليوم، في الشارع، وعند عتبات المَتاجر، ومداخل المصانع، ومحلّات العمل، وفي مُختلف فضاءات الحياة اليوميّة. وهو أمرٌ شديدُ الالتباس متى سمِعنا معناه من خارج الإلزام الصحّيّ ومن خارج مُقتضيات السلوك الذي تُطالبُ ظروفُ الجَائِحة بالتزامه. ما يُسْمَعُ في هذا الأمر يَمتدُّ إلى حقيقة الإنسان ويَنفذُ إلى جَوهره، كأنّ الحياةَ لم تَعُد تحتملُ أن يتستّرَ المرءُ على قناعه، لأنّ هذا التستّرَ غدا مفضوحًا ولم تَعُد حيَلهُ تنطلي على أحد. وهكذا، فالأمرُ بارتداء القناع مُرادفٌ للأمر بأن يُفصحَ المرءُ عن حقيقته. هكذا صارت مُعظم الوُجوه مُقنّعة، وحَرصَت السلطات على إلزام الفرد بارتداء قناعه. لا سبيل للمَرء، اليوم، إلى إخفاء قناعه، فقد صار مُلزمًا أنْ يَضعهُ على وجهه قبْل أن يَخرجَ ليؤدّي دورهُ في مسرحيّة انفلَتَ التحكّمُ في أطوارها حتّى مِنْ مُخرجيها. مِنَ القناع الخفيّ إلى القناع الماديّ الملموس مَنحى عجّلَتْ الجَائِحة بتبيُّن مساره. ولكن ألا يَعني ارتداءُ قناع مادّيٍّ فوق آخَرَ خفيٍّ أنّنا في الطريق نحو قناع مُضاعَفٍ بَعد أن كانت المُضاعفةُ خصيصةً تُميِّزُ الوَجه لا خصيصةَ قناع؟

«اِرتدِ قناعك». أمرٌ موجَّهٌ أيضًا إلى اللسان مادام الحيّزُ الأكبر الذي يُغطّيه القناع هو الفَم. فتغطية الفَم، وضِمْنه اللسان المُضطلع بمُهمَّة الكلام، ليْست دون دلالة، فقد بدا الناس وهُم يَضَعون أقنعة تغطّي أفواهَهُم كما لو أنّ قوّةً خفيّةً تدعوهم إلى الصّمت قليلًا بَعد أن امتلأ الكونُ بالكلام حتى «أُحْمِدَ الصّمَمُ» على حدّ تعبير المتنبّي. فالصمتُ من أجلِّ الأشياء التي افتقدَها الإنسانُ في الزمن الحديث أمام أمواج الكلام المُتدفّقة من كلّ مكان. فلو كان الكلامُ مادّةً صُلبة لَمَا وَجدَ الإنسانُ مكانًا على الأرض يعيشُ فيه. فلْيَضَعِ الإنسان غطاءً على لسانه ولْيَصْمُت وجهُ العالَم قليلًا حتى تستعيدَ الوُجوهُ حكمتها وأسرارَها واللانهائيَّ الذي ائتُمِنَتْ عليه.

حيَويٌّ أن نقرأ انكماشَ الوَجه اليوم، الذي فرضته الإجراءاتُ الصحيّة المُصاحِبة للجَائِحة، انطلاقًا ممّا يحتملهُ من دلالات وممّا يفتحهُ من تآويل. فسيرورةُ الحياة تبدو، من غير تهويل أو اطمئنان إلى المَنحى الفجائعيّ، كما لو أنّها تسلكُ طريقًا يقودُ لا إلى أنْ يعيش الإنسانُ بنِصف وجه، بل إلى أنْ يَعيش بلا وَجه.

أفلام الغرب الأميركيّ.. كيف بدأت ولماذا انقرضت؟

القبعات، الخيول، الأزياء، المنازل الخشبيّة، خطوط السكك الحديدية، الأسلحة النارية، والطبيعة البريّة. كلها سمات فيلمية جذابة لأفلام الغرب الأميركيّ تعلّقت بها قلوب وأعين محبي السينما لفتراتٍ طويلة من عمر هذا الفنّ تتجاوز النصف قرن، وهي المدة التي ظلّت فيها تلك النوعية في ذروتها منذ فجر السينما وحتى نهاية العصر الذهبيّ لهوليوود مع مطلع السبعينيّات، قبل أن تتحوَّل وتتحوَّر وتجفَّ خطوط إنتاجها بالتدريج، وتكاد تكون اختفت الآن.

هناك ادعاء بأنّ أفلام الأبطال الخارقين حلَّت محلّها. أو قد تكون تلاشت، لأنها ببساطة قدَّمت كلّ ما لديها، ولم يظهر مَنْ يعيد اكتشافها ويجدِّدها مثلما حدث مع نوعيات سينمائيّة أخرى! وهناك مَنْ يذهب لأن صعود تيار اليسار الجديد، وتسيُّد ثقافة الصحوة والصوابيّة في هوليوود أدّيا لاستبعادها بشبهة عدم المُلاءمة سياسيّاً؛ لأنها تعرض ماضياً اجتماعيّاً شائكاً خاصّة في نظرتها للسكّان الأصليين للولايات المُتحدة. 

أياً كانت الأسباب، فافتقاد هوليوود لهذه النوعية يعد أحد الأعراض على انتكاسة سينمائيّة قد تمتد لتكون انتكاسة ثقافيّة وقوميّة كذلك. أفلام الغرب أو «رعاة البقر» كما يسمّيها البعض، عمرها من عمر السينما، أسهمت الطبيعة الشكليّة لهذه النوعية في تطوُّر أساليب السرد البصريّة والمُساعدة في مزيد من الاستكشاف لذلك الوسيط الفنيّ.

الغرب هو السينما في صورتها النقيّة

فيلم «سرقة القطار الكبرى» (1903) للمُخرج إدوين بورتر لهو خير دليل على ذلك، يُصنَّف من أوائل أفلام الغرب، ومن أوائل الأفلام التي استوعبت مفردات السينما في الحكي، الفيلم المُكوَّن من 13 دقيقة، وتغلب على أحداثه المُطاردات والكَرّ والفَرّ، قام بتعريف صُنَّاع السينما الأوائل على أسلوب القطع المُتعارض (cross-cutting montage)، والذي يعني باختصار عرض مشهدين مختلفين يحدثان بالتزامن، وذلك عن طريق القطع والوصل من هنا وهناك بشكلٍ مستمر، هذا الأسلوب بقدر ما يبدو بسيطاً الآن، كان بمثابة ثورة في عالَم حكي القصص بصريّاً آنذاك، لأنه وضع خطاً فاصلاً جديداً بين السينما والمسرح والرواية، حين لم تعد الأفلام تُروى بالتتابع المشهديّ الخطيّ (الستاتيكيّ)، بل بمنطق الشعر والأحلام.

في رأي مُنظِّر السينما «أندريه بازان» أفلام الغرب هي النوعية السينمائيّة التي تتطابق أصولها مع أصول فنّ السينما نفسه، مدللاً على ذلك بعنصر الحركة فيها، كيف تتنقل عناصرها الشخصيّة هنا وهناك وسط الطبيعة الفسيحة، والخيول الرامحة، وقطعان الماشية المُترحلة، ومطاردات الهنود الحمر، والمعارك والمُبارزات التي لا تنتهي داخل عالَم لا تظهر حدوده. هذا من الناحية الفنيّة والشكليّة.

لكن بطبيعة الحال استفادت أفلام الغرب كذلك من الناحية الموضوعيّة، فهي تؤسس لهويّة وتراث الشعب الأميركيّ بتصوير سنوات المُراهقة التاريخيّة لهذه الأمة، حيث تدور أحداث تلك الأفلام إمّا في القرن الـ 19، وإما في زمان مُجهل يتماشى مع نفس الحقبة الزمنيّة، عصر ما قبل وبعد وأثناء الحرب الأهليّة، حين كانت معظم الأراضي الأميركيّة البعيدة عن سواحل الأطلنطي غير خاضعة لمركزيّة سياسيّة مستقرّة ونافذة، وهي بيئة خصبة للخيال، شُيِّدت عليها صراعات وتيمات تلك الأفلام.

بين الأسطورة والتاريخ

أحياناً يُستدعى الجدل حول تصنيف المادة المعروضة في تلك الأفلام، أهي تاريخ أم أسطورة؟

الكفَّة تميل لصالح «الأسطورة» التي تعكس «حقيقةً» ما، فمعظم حكايات وسمات هذه الأفلام تمَّ اقتباسها من القصص الخياليّة المُصوَّرة التي طبعت في نهايات القرن الـ 19، والتي كانت معادلاً لقصص الكوميكس في زمننا، بفارق أنَّ أبطالها الخارقين كانوا أكثر تعقيداً وإنسانيّة في تركيبتهم. ويرى بازان أن العلاقة بين الحقيقة التاريخيّة وأفلام الغرب ليست علاقة مباشرة أو لحظيّة، لكن علاقة دياليكتيّة. ويمكن تبسيط هذا المعنى بالرجوع لجملة على لسان شخصيّة الصحافي بتحفة أفلام الغرب «الرجل الذي أطلق النار على ليبرتي فالانس» (1962) للمُخرج جون فورد، حين فضَّل هذا الصحافي أن يتجاهل الحقيقة التي اكتشفها عن أسطورة تاريخيّة صنعت سمعة زائفة لبطل القصّة، قائلاً، «نحن في الغرب، عندما تتصادم الحقيقة مع الأسطورة نقوم بطباعة الأسطورة».

أفلام الغرب ليست حالة خاصّة من الأساطير الشعبيّة، في كلّ الحضارات الإنسانيّة وجدت نماذج قصصيّة من هذا النوع، بالطريقة التي لخصها الكاتب الألمانيّ «هانز بورينجر» في عبارة مثيرة تذهب كالتالي: «الإغريق لديهم الإلياذة، واليهود لديهم العهد القديم، والرومان لديهم الإنيادة، والإنجليز لديهم أساطير فرسان أرثر، والإسبان لديهم السيد (…)، والأميركيّون لديهم جون فورد»، وخصَّ المُخرج جون فورد تحديداً، لأنه صاحب النصيب الأكبر والأهم في صناعة أفلام الغرب، مع تمرير فكرة يصعب نفيها بأنّ أفلام رعاة البقر هي المُنجز الثقافيّ الأميركيّ الأكثر محليّة وأصالة. نسى الكاتب الإشارة لأسطورة الساموراي اليابانيّة، وأسطورة «الفتوة» المصريّة التي كتب عنها نجيب محفوظ، وكلهم يدخلون في نفس المعادلة بالتقريب.

لكن عدسات السينما فضَّلت الأسطورة الأميركيّة على غيرها لعِدّة أسباب، أولها التفوُّق الاقتصاديّ والعسكريّ للولايات المُتحدة في السنوات التي تزامنت مع نشأة السينما، فقد كانت عاصمة لهذه الصناعة، ونموذجاً للعَالَم الجديد بشكله وأفكاره الجديدة، وبالتالي لها الحق المُكتسب في تصدير ثقافتها، وقد أجادت في ذلك. ثانياً، أن الأسطورة الأميركيّة هي الأقرب تاريخيّاً لثمار الحداثة، لأنها تتلو أو تتزامن مع نظريّات السوق الحرّ والعقد الاجتماعيّ والثورة الصناعيّة، فهي تجمع بين التراث والمُعاصَرة، سواء في المرجعيّة القيميّة، أو في السمات الشكليّة، وهو ما أعطاها الجاذبيّة والأهميّة.

أميركا تعرض وتشاهد نفسها

الأهمّيّة الأكبر لأفلام الغرب تكمن في أنها نافذة يمكن من خلالها التعليق على الحالة الإنسانيّة في أي وقت، وتحديداً الولايات المُتحدة. وتزداد الأهمّيّة في تلك الأيام تحديداً مع تأزم الوضع السياسيّ هناك عقب مقتل المواطن «جورج فلويد» بدمٍ بارد على يد شرطيّ، وما تبعه من ردود أفعالٍ يساريّة تدعو إلى إلغاء تمويل الشرطة، وتكذيب التحقيقات، ورفض القضاء، وتشريع الغضب الذي يؤدِّي إلى عمليّات النهب والسرقة العشوائيّة، في مقابل دعوات يمينيّة برفع الطوارئ وباستخدام القوة الباطشة لفرض النظام، وتنشيط المادة الأولى من الدستور الخاصّة بحمل السلاح لحماية النفس والمُمتلكات، والاستعانة بالقوى الفيدراليّة لوأد التمرُّد في مدن وولايات بعينها.

هناك مَنْ يشعر بأن الولايات المُتحدة تمرُّ بتحوُّل تاريخيّ بسبب الحادثة، والحقيقة أنه لم يطرأ سوى أن صعدت للسطح الهواجس الدفينة المُترسِّخة داخل النفوس منذ قيام هذه الأمة. وتلك الهواجس والصراعات كانت جوهر أفلام الغرب، فقد اعتادت أن تطرح الأسئلة الصعبة وتجيب بالحقائق الأصعب. لا أخصُّ الفئة العميقة من أفلام هذه النوعية، ولكن حتى أبسطها وأخفّها، فالتعليق الذي تقدِّمه تلك الأفلام ينبع تلقائيّاً من سماتها الدراميّة التأسيسيّة، كالحياة في قرى بعيدة عن المركزيّة السياسيّة، الخيط الرفيع بين النظام والفوضى، الغاية التي تبرِّر الوسيلة، الشجاعة حين تكون معياراً وحيداً للنبل، نزاع مَنْ يملك الأحقيّة بتطبيق القانون، من أين تأتي شرعيّة السلطات؟ وهل العنف أخلاقيّ لو كان أداة لوقف عنفٍ آخر؟ وهل الكراهية مبرَّرة لو كانت الطريق الوحيد لانتصارٍ قومي؟

بالطبع أفلام الغرب إشكاليّة، فهي بطبيعتها تنكأ الجراح الأميركيّة القديمة، تكفي سمة التسليح الذاتيّ لمعظم أبطال تلك الأفلام، والتي تقول شيئاً ضمنيّاً، الأيادي حين تمتد اختلاساً ناحية الأحزمة الأنيقة التي تحمل المُسدسات، يا له من مشهدٍ كلاسيكيّ! غالباً ما تتبعه أيادٍ مضادة تتحرَّك ناحية حزام مسلح آخر بغرض الردع أو المُبارزة، لكن القتل في تلك المُبارزات يكون أسرع وأكثر مباغتة مقارنةً بمُبارزات السيوف والعصا بأساطير الشعوب الأخرى. وهو سببٌ آخر لجاذبية وتفوُّق أسطورة راعي البقر سينمائيّاً، وقرينة بأنّ الحاجة لحمل السلاح ليست زخرفة إثاريّة بتلك الأفلام، بل مكوِّناً رئيسيّاً في الشخصيّة الأميركيّة، وقد يكون سبباً في قيام هذه الدولة بعد سنوات الاقتتال والانقسام الأولى، لولاه لبقت تلك الدولة العُظمى مجرَّد مجموعات انتفاعيّة متصارعة فيما بينها. ولكن بتطوُّر الزمن، بات حمل السلاح محل تساؤل الآن، وهي نقطة نزاع مشتعلة بين الليبراليّين والمُحافظين.

مع الأحداث الأميركيّة الأخيرة، انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل لمُسلحين يستعدون لاقتحام مطعم للمأكولات الإيطاليّة، ولكن فوجئوا بأصحاب المطعم يخرجون للدفاع عن مطعمهم مشهرين المدافع، وكان ردُّ الفعل أن تراجعَ المُقتحمون، وابتعدوا عن المطعم فوراً. هذا المشهد يحدث في عام 2020 إلّا أنه مشهدٌ كلاسيكيٌّ من سينما الغرب!

جاك كرول: «الغرب كان ساحة للحلم الأميركيّ، منظر طبيعيّ على رغباتنا الوطنيّة، وميدان للمُواجهة بين الحرّيّة الفرديّة المنشودة وبين الحاجة لنظامٍ اجتماعيّ»

النهر الأحمر 

الطبيعة الترفيهيّة الخالصة لأفلام الغرب أخفت درجة المضمون الاجتماعيّ والسياسيّ في كثيرٍ من الأفلام. «النهر الأحمر» 1948 للمخرج هوارد هوكس، يراه البعض مجرَّد فيلم مغامرات مثير، امتدحه النقَّاد وقت صدوره، لأنه خلافاً لأفلام جون فورد (منافس هوكس الأبرز حينها) بدا محايداً أيديولوجيّاً، لا إشارات على كونه يدس السمَّ السياسيّ في العسل، أو يتضمَّن رؤية اجتماعيّة ما، فقط منشغل بعرض القصة الشيقة عن الفارس توم دونسون (جون واين)، الذي يعتزل القتال بعد انتهاء الحرب الأهليّة ويستولي على أرض يحوِّلها لمزرعةٍ حيوانيّة، يُربِّي فيها أسطولاً من الماشية على مرِّ سنوات، ثم يقرِّر قيادة هذا الأسطول أقصى الغرب لبيع اللحوم وكسب الثروة، في الطريق يواجه التهديدات التلقائيّة في أفلام الغرب، كالصراع مع الطبيعة، وقبائل الهنود، ثم تظهر تهديدات أخرى من رفاق رحلته تتمثل في صراع على القيادة.

أشهر ناقدات السينما الأميركيّة «بولين كايل» امتدحت الفيلم، ونعتته بـ «أوبيرا الخيول المُدهشة». الناقد «كيل كريتشون» كتب: «لا أحد يستطيع إلقاء البروباجاندا في فيلم مليء بالماشية والخيول واستعراضات الأسلحة والنساء الجريئات والرجال الشجعان». أندريه بازان اعتبر الفيلم نموذجاً لأفلام الغرب الفريدة المُخلصة لتيمات الغرب التقليديّة دون تشتيت بفرضيّات اجتماعيّة.

هذه النظرة التبسيطيّة للفيلم سقطت بعد ثلاثين عاماً من صدوره بفضل دراسة لاحقة نشرها المُؤرِّخ «روبرت سكلر» أستاذ السينما في جامعة ميتشيجان، وهو يرى الفيلم استعراضاً لفكرة التوسعيّة وتأسيس الإمبراطوريّات، التي يكون نتاجها إعادة تشكيل العلاقات بين النساء والرجال، وبين الرجال بعضهم البعض، وهي مسائل أساسيّة بالنسبة للنظام الاقتصاديّ. يقول: «النهر الأحمر فيلم عن الماشية والخيول واستعراضات الأسلحة والنساء الجريئات والرجال الشجعان.. والرأسماليّة!».

ويطبِّق سكلر صراعات الفيلم على التاريخ التأسيسيّ للولايات المُتحدة، باعتبارها الحضارة الرأسماليّة الرائدة، بمجرَّد أن انتهى القتال بدأت التجارة، وتحوَّلت العلاقة بين أطراف الإمبراطوريّة الأميركيّة لعلاقة اقتصاديّة براغماتيّة.

قبل بداية المُغامرة السينمائيّة يجتمع دونسون مع رجال القرية ويعرض عليهم فكرة قيادة الماشية في رحلةٍ طويلة وعرة من أجل بيعها والفوز بثروةٍ كبرى، سيكون لكلّ منهم فيها نصيبٌ، بشرط أن يوقّع كلّ رجل منهم على عقد اتفاق بأنه إذا أقدم على الذهاب فهو يسلم أمره وقراره إلى دونسون، وأنّ عليه المُضي قدماً مهما كانت المخاطر، ولا يحقّ له العودة في منتصف الرحلة، ومَنْ لا ينفذ الأوامر تكون حياته هي الثمن.

في دراسته أشار سكلر إلى أن فكرة العقد في جوهرها إشارة للانتقال من عصور التجارة البدائيّة المحكومة بالعهود الكلاميّة، إلى عصر آخر من الاشتراطات المحكومة بقوة القانون، وهي من قيود السوق الحرّ، وقد نصَّب دونسون نفسه رأس السلطة والقانون؛ فقط لكونه يملك القوة والكاريزما والحصة الأكبر من الثروة.

لكن العقد بما يمثله من نقلة طابعها الحداثة، قد يتحوَّل بسهولة لصورةٍ سوداء من الاستبداد، وهو الأمر الذي يتحقَّق أثناء الرحلة فعلاً، دونسون يسيء استغلال سلطته وينكل برفاقه حتى يثوروا في وجهه بزعامة «مات جارث» (مونتغومري كليفت) ابنه الروحي الذي انتزع من أبيه حق القيادة (أسقط الوصاية الأبويّة) وتركه مُقيَّداً في منتصف الرحلة، بعد أن حظي بحب وتعاطف بقية الرجال. ومن ثمَّ تحوَّلت الرأسماليّة الديكتاتوريّة إلى رأسماليّة الأخوة والمُساواة والإنسانيّة. هنا يطرح الفيلم واحداً من أسئلة أفلام الغرب الكلاسيكيّة حول السلطة بشكلٍ مُبتكَر، ويترك رسالة ضمنيّة بأنّ الرخاء الاقتصاديّ مرتبط شرطيّاً بمنظومة العدالة. وأن العدالة نفسها قيمة أكثر مرونةً من أن تُحدَّد بوثيقة منزوعة الروح.

جاي هوبيرمان: «أفلام رعاة البقر كانت الوسيلة التي تشرح أميركا بها نفسها لنفسها. مَنْ يضع القوانين؟ ماذا يعني النظام؟ ما الذي يؤدِّي برجلٍ لاقتراف ما عليه فعله؟ وكيف يفعله؟» 

الرجل الذي أطلق النار على ليبرتي فالانس 

«الرجل الذي أطلق النار على ليبرتي فالانس» (1962) للمُخرج جون فورد، اكتسب مكانةً مميّزة وسط أفلام الغرب بسبب الأداء التمثيليّ لنجميه «جيمس ستيوارت» الذي يجسِّد دور رانسي ستودارد رجل القانون، الحالم، المثالي، الرافض لاستخدام العنف مع المُجرمين وقُطَّاع الطرق. و«جون واين» الذي يجسِّد دور توم دونفون، وهو على النقيض، راعي ماشية ذو بأسٍ وشجاعة، ماهر في استخدام السلاح، ومتحمِّس لإرساء القانون والنظام داخل قرية «شينبون» بما يفوق حماسة «الشِريف» نفسه (شِريف sheriff: وظيفة شائعة في أفلام الغرب، وتعني مأمور الشرطة المُكلَّف من الولاية لحفظ الأمن في كلّ قرية).

أمّا الشِريف في هذا الفيلم فهو رجل خانع وجبان، يؤثر سلامته الشخصيّة على المُواجهة وفرض النظام. هذا الفراغ الأمنيّ الذي يتركه الشِريف يحاول سده من ناحية رانسي: صوت الدبلوماسيّة والأخلاقويّة السلبيّة. ودونفون: صوت القوة والشجاعة الفرديّة. وبيبودي: صحافي القرية الذي يحاول التغيير بالكلمة. وللثلاثة هدفٌ مشتركٌ هو وضع حدٍ لليبرتي فالانس، المُجرم وقاطع الطرق الذي يهدِّد وعصابته أمن ومصالح أهل القرية بصفةٍ مستمرة.

الفيلم يطرح أسئلة أفلام الغرب بطريقته، ويجيب بطريقة جون فورد المُعتادة: القوة والميثولوجيا هما كلمتا السرِّ والوسيلة لقيام واستقرار أي مجتمع، ومن ثمَّ الدولة. أمّا القوة فتتمثَّل في التراكمات التي تغيِّر من شخصيّة رانسي وتدفعه للتخلّي عن مبادئه بخصوص حمل السلاح والردّ على العنف بالعنف في مواجهة أخيرة بينه وبين ليبرتي فالانس تنتهي بمقتل الأخير. لكن لأنه جون فورد فهو لا ينهي الأمور بتلك البساطة، ويعود ليسأل: أليس خيار استخدام القوة ذاته يستلزم امتلاك القوة أولاً؟ هذا ما ينقص رانسي، فلا يعقل أن يكون نجح في القضاء على ليبرتي فالانس بسلاح القوة الذي لا يملكه، لذا تأخذنا التواءة الحبكة إلى الإجابة بالميثولوجيا، لنعرف أن قاتل ليبرتي فالانس الفعليّ هو دونفون، وترك الجميع يتوهمون بأسطورة، أن رانسي الضعيف هو الرجل الذي أطلق النار على ليبرتي فالانس وأنقذ القرية من شره.

تُدفن الحقيقة في سبيل الإيمان بالكذبة، لأن الكذبة في هذه الحالة ستعود بمنفعةٍ أكبر على القرية، حين يُصوَّر للعامة أن رانسي هو مَنْ فعلها، وبالتالي تزيد شعبيّته ويتمكّن من الترشح للكونغرس، ويمتلك سلطة برلمانيّة تمكنه من فرض أفكاره النبيلة بالطريقة التي أرادها من البداية. وهنا يمهدنا جون فورد لنقبل بأنّ اللبنات الأولى في بناء القانون والديموقراطيّة قد تستلزم الخروج على القانون والديموقراطيّة أولاً.

حادثة قوس الثور 

«حادثة قوس الثور» 1942 للمُخرج «ويليام ويلمان» فيلم غرب تدور أحداثه في قرية صغيرة بولاية نيفادا عام 1885، تستيقظ هذه القرية على خبر مقتل راعي الماشية المحبوب «لاري كينكيد» أثناء رحلة قام بها خارج القرية لتسويق بضاعته، وتتردَّد الشائعات بأن قاتليه سرقوا ماشيته وما زالوا مختبئين أعلى الجبل على حدود القرية. شخصيّات الفيلم يتشابهون مع تركيبات أفلام الغرب الشهيرة لجون فورد، بحيث يمثل كلّ فرد فئة، هناك القاضي، ورجل الدين، والجنرال المُحارب، والإقطاعي، وأصحاب الحِرف، وحتى الصعاليك. المشكلة الوحيدة أن مأمور الشرطة (الشِريف) في مُهمَّة خارج القرية، ولا يوجد مَنْ ينفِّذ القانون بديلاً عنه سوى مُساعِد مشكوك في كفاءته.

الأغلبية تتفق على الخروج في حملة للقبض على المُشتبَه بهم والاقتصاص منهم دون انتظار الشِريف وإجراءات العدالة البطيئة التي تمكِّن المُجرمين من الإفلات بشرورهم. القاضي يعترض ويحثهم إما بأن ينتظروا عودة الشِريف من أجل التصرُّف، وإما القدوم بالمُتهمين إلى محكمة القرية ليواجهوا محاكمة عادلة. صوت الكثرة يغلب صوت العقل، وبالفعل يخرج رجال القرية، ثم يعثرون على ثلاثة من الرجال المُشتبَه بهم، يدَّعون أنهم اشتروا الماشية من لاري دون أن يعطيهم قسيمة شراء، وينكرون قيامهم بقتله، ولا يمرُّ الكثير حتى يُعلَّقوا على المشانق بقرار رجال القرية فيما عدا بطل الفيلم «جيل كارتر» (هنري فوندا) الذي ساورته الشكوك، وحاول منع رفاقه من تنفيذ حكم الإعدام، لكن دون جدوى. وبعد عودة الشِريف للقرية يتضح أن لاري ما زال على قيد الحياة، وأن ثلاثة أبرياء قتلوا بلا ذنب.

يطرح الفيلم قضية «المقاصل الشعبويّة»، وربّما يعتبرها البعض من القضايا التي تجاوزتها الإنسانيّة في عصر وثائق ضمان الحقوق وقاعدة «المتهم بريء حتى تثبت إدانته». لكن هذا غير حقيقيّ، فكرة المقاصل الشعبويّة حاضرة في زمننا، ربّما بصورٍ أخفّ وأقلّ دمويّة من الماضي، لكنها موجودة خاصّة عبر الساحات الافتراضيّة، متمثلة في ثقافة الإلغاء والتنمُّر والاغتيالات المعنويّة المُنظمة التي تستهدف الشخصيّات العامة في الداخل والخارج. عصرنا أيضاً بات في أمسِّ الحاجة لأسئلةٍ عن سير العدالة المُنضبطة. والواضح من النماذج الثلاثة لأفلام الغرب في هذا المقال أن الإجابات والمواقف تكون مختلفة باختلاف الفيلم وهوية صانعه.. أفلام الغرب شائكة بالفعل، ليس لإجاباتها عن الأسئلة، بل لأنها تطرح الأسئلة.

الفنّ والحرب

حين تنعدمُ الأخلاقُ جرَّاء العنفِ فإننا نحتاجُ إلى المزيدِ منها، وعندما نواجه الافتقار إلى الوعي لدى بعض شرائح المُجتمع، فإننا نحتاجُ إلى المزيدِ من الوعي.. إنه ما نحتاجه في الخطابِ الثقافيّ، والذي يحث الفنَّانين لإيلاء موضوعات الحربِ أهمِّيةً أكبر في أعمالهم، والتعبير بمختلف الأشكالِ الثقافيّة لاسترجاع الواقع المُعاش من آثار العنفِ الذي لا يرتبط بالحربِ فقط، بل يرتبط أيضاً بقضايا أخرى، كالإرهابِ الفكريّ، والعنصرية، والتشريد، والتهجير، والفقر، وتخلّي المُثقّفين عن قضايا أوطانهم، وهويّاتهم، وانتمائهم…

الفنُّ مفهومٌ عام، قادر على التعايُش مع تناقضاته، ومع تجريبيّته، كأحد عناصر التفكير الشاهِدة على التحوُّلات، التي تطال الأفكار والوجدان، والظفر بوعي التجربة الإبداعيّة بصورتها الكليّة، المُتشكلة من حماسِ الفنَّانين، وإيمانهم بدورهم المعرفيّ، وحلمهم بتجاوز كلّ الظروف، لإبداع كياناتهم في إطار فضاءٍ عام من التفكير البصريّ، الذي يعيد تكوين العَالَم والمادة والتجربة، بصياغاتٍ تتقارب وتتباعد، تتآلف وتختلف، تتناحر وتنسجم، لتحقيق التناسق من الفظاعة، ولجعل كلّ تجربةٍ من التجارُب تمضي إلى اكتساب صفة القبول، والرغبة بوجودها، وتحقيق الحيويّة المُتأتية من صلة هذه التجارب ببعضها البعض على مستوى الوعي.

والحربُ ظاهرةٌ مُعقَّدة يصعب اكتشافها، إذ طالما كانت مواكِبة للبشريّة في مختلف مراحل تطوُّر الحياة الإنسانيّة، ولعلّ التحليل التاريخيّ لأسبابِ الحروب يكشف عن هذه الظاهرة وكيفيّة تطوُّرها، وهذا يلقي على عاتق البشريّة ضرورة التفكير بالسُبل التي تحِدُّ من وقوعها والسعي باستمرار إلى إيقافها عبر التدابير التي تقع على عاتقِ الدول والحكومات والمُؤسَّسات والهيئات الدوليّة بما فيها التدابير السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة لإحقاق حق الشعوب ونشر العدالة.

في الحروبِ غالباً ما تكون أعمال الفنَّانين هدفاً للتحليلاتِ النقديّة، وأساساً للبحوث وإدارة الحوارات والنقاشات، كونها تعبِّر عن مآسي الحروب وويلاتها، وترتبط الأعمال الإبداعيّة للفنَّانين بالمفاهيم الفكريّة لدى المجتمع، بل إنّ مثل هذه النقاشات تبرز القوةَ الدافعة لإنتاج هذه الأعمالِ الفنّيّة التي من المُمكن أن تكون مذهلةً في تعبيراتها، وقد تكون مرعبةً بما تحتويه من مضمون، أقلّه على المستوى الأخلاقيّ، بما تعكسه هذه الأعمال من مقارناتٍ بين الخيرِ والشر، وهي مقارنات تنتمي إلى مجال الأخلاق، والقوانين الأخلاقيّة، التي تحكم العلاقات الإنسانيّة، على الرغم من أن ما نعيشه في هذا العصر من مآسي الحروب والجرائم الوحشيّة والمعاناة التي تكابدها الشعوب، إنما يبرز بأن المبادئ المثاليّة قد تعطّلت، وبلغت شراسة القوى الإرهابيّة الحدَّ الأقصى من العنف، ما يقتضي من الفنَّانين وكافةِ المُبدعين أن ينقلوا نبض الحياةِ تحت وطأة العنف كمبدأ في التفكير والرؤية.

إنها محاولات لإشراك المُشاهدين بمشاريع المُبدعين، وتصوُّر مستوى النهايات التي يمضي إليها الإنسانُ لتحرير الحياةِ من هذا الكابوس، وهي محاولات لجعل الفنّ القوة التي تفوق الواقع، وتتعالى على رائحة الحرائق وصور الدماء والخراب، علماً أن إيقاف ضجيج الحرب لا يوقف ضجيجها في الضمير الإنسانيّ، حيث تستمر الانكسارات وآثار المُعاناة والفقد.. هنا يبرز الفنُّ قدرته التي تجعل كلّ ذلك ملموساً في الأعمال الإبداعيّة كشواهد على الزمن والحقيقة. 

في الحرب على الثقافة تتبدَّى صورة الحرب، وسيكون على الفنَّانين أن يكونوا في حالة حربٍ مع التغيير، ومع اللحظةِ الثقافيّة التي يعيشها المُجتمع، ويجد فيها الفنَّان نفسه ليمضي الفنّ في تذكير الناس بدروسِ الماضي ومعاني التوجُّه إلى المُستقبل.. إنها اللحظة التي يتبدَّى فيها دور الفنّ في بناء الثقافة والتشكيك بها. ولكي يمثل الفنّ النموذج المُتحرِّر من ذنب تاريخه فإنّ ذلك يقتضي أن يفضي إلى نموذج لا يُكرِّر أشكالاً ثابتة أو مسبقة التداول في الفنّ، بحيث يشكِّل إثر معاناة العنف والحرب مفتاحاً لقراءات مُتجدِّدة، ولإعادة صياغة الذاكرة.

حين يُعيد بعض الفنَّانين أحداثاً مضت، إنما يُعيدون تنظيم تلك الأحداث وفق رؤاهم المُعاصِرة لوجودهم، ويكون عرض الماضي بناءً على قدرات إعادة تخيُّل تلك الأحداث إلى حدود تجعلها أحياناً خياليّة قياساً بالحاضر المُعاش، أو افتراضيّة في تخارُجها مع الزمن. إنها محاولة إعادة تكرار أو تمثيل أو ابتكار ما مضى وفق قيم قد تتطابق أو لا تتطابق مع مواقف المُجتمع التي تعتبر أن ما مضى قد مضى، وأن إعادة تمثله هو خارج مفهوم أصالة العملِ الفنّيّ، بمعنى أن المُنجز الفنّيّ في مثل هذه الحالات خاضعٌ للأطرِ المفاهيميّة التي تحدِّد شكل العمل الفنّيّ ومعناه وفق طروحات المُجتمع المُعاصِر له.

يسعى الفنُّ إذن لاستكشاف العلاقة بين الجوانب التاريخيّة والاجتماعيّة والمعاني المُتولِّدة جرَّاء محاولة إعادة صياغة الأحداث وبنائها من جديد وفق مفاهيم الحاضر المُتجدِّد، ونموذج الحياة المُعاش، والصيغ الظرفيّة بما في ذلك مختلف ردود الأفعالِ الحاصلة على تجاوزات الفنَّانين لكلّ ما يقع تحت سلطة الأصالة في عقول متابعيها والمُهتمِّين بها والمُؤمنين بأنها الحقيقة التي تبتكر العالم الذي يعيشونه ويعيشون فيه، الحقيقة التي تولِّد لدى جمهورها على المستوى اللغويّ الارتياح الناتج عن العمليّة الفنّيّة وتداخلهم معها، حتى لو كان الزيفُ عنوانها.

مهما كانت الأفكارُ التي يحملها المرءُ ويؤمن بها ويدافع عنها في أزمنةٍ يُفترَض أنها جزءٌ من فهمه للثورةِ والتغيير، إلّا أن ذلك كلّه لا يعفيه من اتخاذ الموقف الصحيح والصريح مما يحدث من عدوانٍ وتدميرٍ مُمنهَج واستهانةٍ بالحقوق والقيم الإنسانيّة، وكلّ ما يؤدِّي إلى العبث والفوضى جرَّاء الاجتياح الوحشيّ الذي يطال مختلف جوانب الحياةِ بما فيها ما تشتمل عليه البلادُ من إرثٍ ثقافيّ ومواقع حضاريّة وأثريّة وعمرانيّة. ولعلّ ما يزيد المرء حزناً ما تتناقله عادةً وسائل الميديا، والوسائط الاجتماعيّة، والأخبار عن النهب، والعبث، والتدمير، والاستهانة بالمُقدَّسات، والمكتبات، والمتاحف، والمخطوطات، والنفائس، والأعمال الفنّيّة، وكلّ ما يطال ذاكرة الأوطان.

لهذا لا يُمثِّل الفنَّان في إبداعه حاله المُعاش وحسب، وإنما يمضي إلى الماضي مُقتطعاً ما يتوافق وحاضره المُعاش، وبما لا يجعل هذه الصلة مضطربةً على المستوى المعرفيّ المُتولِّد من العملِ الفنّيّ، إذ لا يمكن تجاوز المعلومات الأساسيّة التي تمنح تفسير المُتلقي لهذا العمل الحقيقة المطلوبة، خاصّة إذا كان الموضوع على ارتباط بالعنف والخسارة التي تلحق بالمجتمع، والأمر كما يبدو على صلةٍ بالاستجابة المأمولة من التعمُّق بالقلق الذي يكتنف الفنَّان وأعماله الفنّيّة، كونها تديم الفعل المقصود، وتسجله في ذاكرة الحياة، كفعلٍ يبرز التوحُّش الذي تمَّت ممارسته من قِبَل الذين يعتدون على الشعوب، في زمن كان من المفروض أن تختفي فيه هذه المُمارسات المُدمِّرة للحياة بمختلف تفاصيلها، والأضرار شديدة التأثير التي تلحق بالناس، وكل ما يضطرهم لدمج وسائل العيش الطبيعيّة بنمطِ الحياة الذي تفرضه الحرب، حيث يكون الوقت متاحاً أكثر لتجاوز الحذر الذي يعيشونه، والقلق الذي كان يدفع لمزيد من التساؤل عن المستقبل، وكلّ ما كان يعمل على تشويه الإدراك، ويزيد الارتباك في التعبير عن التداعيات الجماليّة والاجتماعيّة والسياسيّة، لوضع أعمالهم في سياقها الموضوعيّ الذي يربط تجارب الفنَّانين ببعضهم البعض.

بعض الأعمال الفنّيّة تمضي في تصويرها للعنفِ إلى الأشكالِ غير المُباشرة، بحيث لا يمكن التقاط الخطوط التي تؤدِّي بالوعي إلى الحدث، وكأن الفنَّان يتجاهل الواقع المُعاش وتدهور الأمان فيقدِّم ما يعاكس هذه الحالاتِ العنفية، إذ لا نجد الموتَ بصورته المُباشرة أو التعذيب والمُمارسات اللامعقولة مع النساء والأطفال، وبدلاً من ذلك يمكن ملاحظة الافتراضات البصريّة والثقافيّة بصورتها الشموليّة، والتي يمكن إحالتها بحسب الزمن إلى مواجهةِ العنف بالرموز المُتأصِّلة في ثقافاتِ الشعوب، والتي تبرز حيويّة وقدرة الحياة الإبداعيّة على البقاء في مواجهة الظلم المُتجسِّد في الواقع والخيال معاً ما يؤدِّي في النهاية إلى تكوين العمل الصادم.

يعبِّر الفنُّ إذن عن عنفٍ «خارجيّ» ذي طبيعة استفزازية (على المستوى البصريّ)، وتحيل الأعمال ذات الصلة إلى المُمارسات الدمويّة، والروح المُغمسة بالدم، والتفاصيل المأتميّة، وبشاعات الموتِ المفروضة على البلاد بفعل الاعتداءات والمُمارسات غير الإنسانيّة بحق الناس. فيما يمكن ملاحظة عنفٍ آخر «داخليّ» يتكرَّس في أعماق وعي الفنَّانين، يكون نقطة انطلاق لمثاليّة إبداعيّة تهتم بالعنفِ الفكريّ، وغياب العدالة الإنسانيّة، وانعدام الحوار بين الفنَّان ومنجزه البصريّ، وكل ما يتيح إطلاق مكبوتات الإبداع لكشف الحقائق ذات الصلة بالرموزِ الإبداعيّة، وأهمِّيّتها في مسار الفنّ وهو يمضي لإعادة بناء التصوُّر وفق نظامٍ ثقافيّ وفكريّ يستطيع تعيين فعل العنفِ في المُنجز الفنّيّ من جهةٍ، وإمكانية طرح الأسئلة التي تعكس خبرة الفنَّانين وسعيهم إلى فهمِ العلاقة بين قواعد الفنّ وملكية الناس لمعاني عروضهم وخطاباتهم البصريّة من جهةٍ أخرى، باعتبارهم موجهين ومعنيين بواقع هذه الخطابات وقيمها التشكيليّة والأسلوبيّة. إضافة إلى كون المُمارسات العنفية الواقعة عليهم تؤثِّر في فهم دور الفنِّ أثناء الحروب في إطار التقاليد الثقافيّة والاجتماعيّة والقيميّة.

كان على الفنَّان أن يبحث عن اللغةِ الذاتيّة التي يمكن أن يعبِّر بها عن واقعه الحيّ أثناء الحرب، بل لعَلّ الشعور بضرورة أن يلجأ إلى إعادة تقييم الأشياء والمواضيع، وسبل الانفتاح على الأساليب والمواد والصيغ التي تعينه في التعبير، باعتباره منتجاً ثقافيّاً، وعليه أن يسهم في تغيير البنية الداخليّة لتجربته الشخصيّة أوّلاً إلى جانب إسهامه بإعادة تقييم موقعه في المُحترف الوطنيّ، سواء بالإيغال في تجربته، أو بتجاوزها نحو تجارُب أكثر طليعيّة، سواء في فترة الحرب أو في فنون ما بعد الحرب.

قد يكون من الصعب تحديد توقُّعاتنا في الفنِّ لأسبابٍ تتعلَّق بطبيعته المُتبدلة، أو ما يطال الفنَّ من تغييراتٍ في إطار فهم آليّات النقدِ الاجتماعيّ، خاصّة مع الفنون المُعاصِرة بتقنياتها المُتنوِّعة وفضاءاتها المفتوحة المُفعمة بالحيويّة التي تدفع باتجاه موازاة أنظمة الفكر المُتبدِّلة على المستوى الإنسانيّ، ومنها التأكيد على أهمِّية التجربة الجماليّة كوسيلة لإشراك المُجتمع في إبداع الفنون باعتباره جزءاً لا يتجزَّأ من العمليّة الفنّيّة. فالفنُّ يلهم المُجتمعات وأفرادهم لأن ينظروا إلى القضايا والأشياء من منظورٍ مختلف، بل إنه يوفر للمُجتمعات فرصَ توحيد الآراء، وتشجيع إمكانيّات التغيير الاجتماعيّ.

لاأعلم إنْ كان ممكناً نسيان المشاهد الهمجيّة لأعداء الإبداع وهم يحطِّمون الفرائد الفنّيّة ويفجِّرونها في مختلف البلاد التي طالتها الحروب، أو وهم ينهالون عليها بالأدوات البدائيّة، يقطِّعون أوصالها بالمطارق والفؤوس وبمختلف أدوات الهدم بطريقةٍ استعراضيّة، في حين كان بعضهم يقومون بمقايضة بعض هذه الأوابد بالسلاحِ لمزيدٍ من القتل والتدمير. ومهما كانت الأفكار التي يؤمن بها المرءُ، هل بإمكانه أن يساهم- بشكلٍ أو بآخر- بدعم الحروب تحت أي شعارٍ أو مقولةٍ، ليكون في المُحصلة وكأنَّه لا ينتمي لهذا الإرثِ وسماته الجماليّة وتفاصيله الإبداعيّة التي عبرت الزمان لتصل إليه؟! ألا يكون هذا الكائنُ وكأنَّه يشنُّ الحربَ على ذاته وكيانه وقيمه، منحازاً للوجهِ الكريه من الحياةِ وتناقضاتها. وحين انقلبت المفاهيم، واتضح الكثيرُ مما كان خافياً على سرائر أولئك الذين دفعهم التطرُّف وعدم تقدير حقائق الأمور.. إثر ذلك كلّه ألم يتبدَ لهم جوهر ما تخلِّفه الحروبُ من دمارٍ نفسيّ وجسديّ وماديّ، وأن يبتعدوا عن إذكاء النار التي تمَّ إطلاق شرارتها المُرعبة على الوجدانِ الإنسانيّ، أم أنها كانت عبر رؤيتهم الضيِّقة ما زالت تحقِّق لهم مكاسب تافهة قياساً بما يلحق بأوطانهم وأهلهم من مآسٍ لا يمكن إعادة تصوُّرها، أو الحديث عن ويلاتها بالطريقةِ التي خلقتها الحرب وهي تكشر عن أنيابها وتنهش الحقيقة والقيم الإنسانيّة قَبل أي أمرٍ آخر.

مع كلّ قذيفة هاون أو صاروخ موجَّه إلى أحياء المدنيين ومدارس الأطفال، كانت أسرار العنف والعدالة كقوتين متعاكستين تحتاجان لوعي الفنَّان، كي يحولهما إلى قوةٍ تساعد في تفكيك الواقع وولوج المُخاطرة الجماليّة التي تعبِّر عن مدى التفاعُل مع الأحداثِ وإدراك مخاطر عدم الاكتراث، أو تزوير الوقائع الفكريّة الناتجة عن مواقف مُلتبسة وغير مفهومة عمَّقت أزمة الثقة بين المُثقَّفين وقضاياهم الوطنيّة، الأمر الذي يحتاج لمزيدٍ من التقصِّي والتحليل لمواقف المُثقَّفين والفنَّانين من الحرب والعدوان.

حين تنعدمُ الأخلاقُ جرَّاء العنفِ فإننا نحتاجُ إلى المزيدِ منها، وعندما نواجه الافتقار إلى الوعي لدى بعض شرائح المُجتمع، فإننا نحتاجُ إلى المزيدِ من الوعي.. إنه ما نحتاجه في الخطابِ الثقافيّ، والذي يحث الفنَّانين لإيلاء موضوعات الحربِ أهمِّيةً أكبر في أعمالهم، والتعبير بمختلف الأشكالِ الثقافيّة لاسترجاع الواقع المُعاش من آثار العنفِ الذي لا يرتبط بالحربِ فقط، بل يرتبط أيضاً بقضايا أخرى، كالإرهابِ الفكريّ، والعنصرية، والتشريد، والتهجير، والفقر، وتخلّي المُثقَّفين عن قضايا أوطانهم، وهويّاتهم، وانتمائهم…

ستستمرُ الحياةُ، ولن يتضاءل الإنسانُ بعد كلّ هذا الموتِ والعنفِ الذي يعيشه العَالَم، سنحتاجُ إلى المزيدِ من القوةِ من أجل إعلاءِ قيمة الإنسان، وإذا كان العنفُ ينبع من الجهلِ والكراهية، فلا بد من تحقيق عَالَم ينتصرُ فيه العقلُ على الجهلِ، وسيكون الفنُّ شفاءً لمُعالجةِ المشاعر لكلٍّ من المُبدعين وجمهورهم التوَّاق إلى الإبداعِ وجماليّات الفنونِ على اختلافِ محاملها وتوجُّهاتها.


العمل الفني:

الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬الإسبانية Frank-Brangwyn‭‬

ماذا يأكل الرسّامون؟ بيكاسو، دالي وآخرون

ماذا يستهلك الرسّامون والمصوِّرون من أشربة وأطعمة؟ ما هي حاجتهم إلى الأكل(1)؟ وما هو نسقهم الغذائي؟ وكيف جسَّدوا علاقتهم الطبيعية مع الطهاة؟ وإلى أيِّ مدى أسَّسوا أنظمتهم الذوقية – Gustème وفقاً لطقوسهم الإبداعية الخاصّة؟ وهل هناك أغذية معيَّنة تساعدهم على التفكير والتأمُّل والاشتغال داخل المراسم والمحترفات؟ 

نقارب في هذا المقال علاقة الرسّامين بالطعام خلال الفترة الممتدة بين عصر النهضة في القرن الخامس عشر والقرن العشرين بما شهدته من إبداعات وروائع فنِّيّة خالدة Chef-d’œuvres، وثّقت الصلة بين المبدعين وفن الطعام، مع ما صاحب ذلك من طقوس وممارسات اجتماعية متنوِّعة. وتشير بعض الأبحاث إلى وجود «اكتشافات أثرية عديدة» أظهرت أن المطبخ وبعض محتوياته كانت محور اهتمام فنَّانين إبَّان الإمبراطورية الرومانية مروراً بالعصور الوسطى والعصور الحديثة، وقد حضر، بصفته موضوعاً، في الكثير من الأعمال الفنِّيّة من تصوير ونحت وخزف، ولاحقاً تناولته الأعمال الفوتوغرافية والإرساءات التشكيلية والعروض الأدائية التي تمحورها الجسد البشري وموقفه الطبيعي من الطعام والغذاء.

في الحاجة إلى الطعام

الطعامُ حاجةٌ بشريةٌ لا محيد عنها، لأنه يشكل مادة رئيسية لتغذية الجسم، وتمكينه من العيش والبقاء على قيد الحياة. تاريخيّاً، تمَّ تصنيف موضوع الطعام في (علم الإناسة) ضمن مناطق وسياقات أخرى، اعتبرت ذات صلات نظرية أكبر بالموضوع. في الحقيقة، لم يُكتب سوى القليل عن موضوع الطبخ باعتباره شكلاً من أشكال الفنّ، خاصة من وجهة نظر الأنثروبولوجيا في الفنّ(2). ويطلق اليابانيون على المطبخ اسم كامادو – Kamado الذي يعني «موقد الطبخ» ويحظى في ثقافتهم بمنزلة خاصّة حيث يربطونه بالبيت وائتلاف الأسرة.

 ومنذ مطلع ستينيات القرن الماضي، كتب «رولان بارث – R. Barthes» مقالة بعنوان: «من أجل سيكولوجيا للتغذية المعاصرة»(3) أبرز فيها أن «الغذاء نسق تواصلي» من خلال تجسيد العديد من الصور والمواقف المتصلة بآداب المائدة. ولم يكتفِ بارث بهذا المقال، بل اقترح منهجاً دلاليّاً للأغذية، وبيَّن أن الطبيخ، والذوق الغذائي يستمدان مسوغاتهما من السيميائية الغذائية، كما في عملية «إمبراطورية العلامات» و«ميثولوجيات»(4). في السياق نفسه، يبيِّن الباحث «أ. ريتشاردز – A. Richards» أن «الغذاء نسق توالدي لا يخلو من وظيفة تعبيرية وترميز. فالطعام مادة الغذاء، وهو المحدِّد الأساسي للعلاقات، والمنتج للبنى، والمولد للنسق الاجتماعي»(5).

كما أن «كلود ليفي ستراوس – C. Lévi Strauss» اعتبر الطبخ نسقاً مثل اللغة؛ يُعبِّر به المجتمع عن بنيته(6)، وفي بحثه الموسوم بـ«المثلث المطبخي – Triangle culinaire»، وَصْفٌ تضمَّن ثلاثة أنواع من الطهي: الغليان، والتحميص، والتدخين، وقد أبرز من خلاله كيف أن الطعام مفعم برسائل ترسم التراتب الاجتماعي، وتُجسِّد معنى الحياة. في حين يعتقد «ج. ب. بولان – J. P. Poulain» أن الغذاء «يحوِّل الإنسان تحويلاً ماديّاً ونفسيّاً ورمزيّاً، ويُبيِّن هويّته»(7)، كما أبرزت ذلك – أيضاً- دراسات متخصِّصة؛ منها كتاب عالم الاجتماع الألماني «جورج سيمّل – G. Simmel»، (1858 – 1918)، الموسوم بـ«علم اجتماع المائدة»، والصادر سنة 1911، ينطلق فيه مؤلفه من أن للإنسان «ثقافة مطبخية» باعتبار أن الطعام والشراب حاجة بشرية، لا محيد عنها، مكّنت البشر من الانتقال من المستوى الحيواني إلى المستوى الإنساني عن طريق الاجتماع على مائدة الأكل، مع ما يرافق ذلك من قواعد وطقوس..

موقف دافنشي من اللحوم 

من فنَّاني القرن الخامس عشر، يُحكى أن رسام عصر النهضة الإيطالي «ليوناردو دافنشي – L. de Vinci» كان عاشباً ونباتيّاً، ولم يكن يُعير أي اهتمام للّحوم التي ابتعد عن تناولها منذ سن مبكرة، وتكوَّنت لديه مبادئ و«فوبيا» حول وحشية قتل الحيوانات والكائنات المتحرِّكة، وسلخها من أجل العيش والبقاء، معلِّلاً موقفه بالقول: «لقد تخلّيت عن استهلاك اللحوم في وقت مبكر جدّاً، وسيأتي وقت سيكون فيه جميع الرجال راضين عن الخضار. قتل الحيوانات أمر يستحق اللوم!!»، وفقاً لما حكى عنه الكاتب «ديميتري ميريكوفسكي – D. Merejkovski».

كما كان دافنشي يشتري الطيور في أقفاص، ويسعد كثيراً بإطلاق سراحها، وتمتيعها بالحرّيّة، مع مفارقة هي أنه يُنسب لهذا الرسّام صنع آلية ميكانيكية لتقليب المشاوي في عصره، بعد أن كان الأمر يقتصر، في السابق، على المواقد الحجرية. ورغم التنوُّع الذي يَسِمُ المطبخ الإيطالي، إلاَّ أن صاحب «العشاء الأخير – L’Ultima Cena»، فريسكو كان يكتفي، في الغالب، بتناول الشوربات المحضرة بالخضار إلى جانب البَيْض المسلوق والتفاح، ولم يكن لديه الوقت الكافي للطهي والمكوث داخل المطبخ من أجل الأكل، وقد رسم هذه الجدارية الضخمة في ما بين سنتي 1495 و1498، وهي تغطي الجدار الخلفي لصالة طعام داخل دير سانتا ماريا ديلي غراتسي في ميلانو.

فنَّان آخر من عصر النهضة الإيطالي هو «غيسيبي أرسيمبولدو – Giuseppe Arcimboldo»، (1527 – 1593)، المنتمي للحركة الفنِّيّة المسمَّاة النهجية أو الأسلوبية – Maniérisme، والمعروف بأعماله الفنِّيّة التركيبية المرحة التي خصَّصها لشخصيات شهيرة من أبناء عصره، وهي مكوَّنة، بالكامل، من الفواكه، والخضار، والغلال، والزهور، والحشرات، والأسماك.

خلال هذه الحقبة، انتعش المطبخ الفينيسي، وأزهر بفضل العلاقة التجارية مع الشرق، التي سمحت باستيراد التوابل (الفلفل، الزعفران، القرفة، الخردل، جوزة الطيب..) إلى جانب تعزيزه بمأكولات جديدة، اعتمد تحضيرها على الذرة، والبطاطس، والطماطم، والكاكاو، ومجموعة من الفواكه كالأناناس، والمانغو، والأفوكادو وغيرها. 

عقب ذلك، توالى الاهتمام بالطعام والغذاء الذي كان يقوم، بالأساس، على الحبوب؛ وبالأخص الأرز الذي وصل إلى أوروبا متأخراً، إلى جانب إدخال البطاطس، في سنة 1536، عن طريق التصدير والتبادل عقب الغزو الإسباني لإمبراطورية الأنكا، كبرى الإمبراطوريات في أميركا الجنوبية، إثر معركة «كاخاماركا – Cajamarca»، سنة 1532، وكذلك الفاصوليا والقمح اللذين كانا من نصيب الفئات الحاكمة، والنبلاء، وعلية القوم الذين كانوا يستهلكون اللحوم الطازجة والأسماك النهرية بالإضافة إلى أنواع عديدة من الفواكه والخضروات، وكانت لهم مطابخ خاصّة منفصلة عن قصورهم وبلاطاتهم لحمايتها من الأدخنة وروائح الأطعمة المزعجة، بينما ظلَّ طعام الفقراء يتشكَّل، في الغالب، من الأخباز والأطعمة المملحة التي يتمُّ تخزينها باعتماد التجفيف والتخليل للحفاظ عليها أطول مدة ممكنة، كلحم الخنزير المقدَّد والدواجن، وكذلك الحليب، والألبان، والجبن، والفول المدمس، والخضروات وغيرها. وهناك مستندات ومخطوطات يدوية محفوظة عن فنون الطهي وصناعة الطعام خلال العصور الوسطى، وقد استلهم منها فنَّانو تلك المرحلة العديد من الرسومات والأيقونات التي عكست صلتهم الاستثنائية بالطعام، هذا إلى جانب اهتمام بعض الفنَّانين بمواضيع مستوحاة من عالم المطبخ بعد أن ظلّت المدارس الفنِّيّة الإيطالية والفرنسية تهتم، لوقت طويل، بالتيمات السردية (دينية وأدبية) والصور الشخصية (البورتريهات)، حيث شاع رسم «الطبيعة الصامتة – Nature mortes» بشكل غير مسبوق؛ والمكوَّنة من الخضار، والفواكه، واللحوم، والأسماك، وموائد الطعام المتنوِّعة.

إفطار فيلاسكيز

طوال الحقبة المذكورة، وعلى امتداد عقود كثيرة تالية شكّلت العصر الباروكي في الفن، وبدءاً من أواخر القرن السادس عشر ظهر- بشكل لافت للنظر- الفنَّان الإسباني «دييغو فيلاسكيز – D. Vélasquez»، (1599 – 1660)، المتأثر بالرسّام الإيطالي «كارافاجيو – Caravaggio» من خلال أسلوبه الفنّي الموسوم بواقعية مذهلة، وتخصُّصه في رسم الصور البورتريه؛ ما مكَّنه من الاشتغال كفنَّان معتمد في البلاط الملكي للملك فيليب الرابع الذي كان يسعد برسم صورته الشخصية. فهذا الفنَّان، المولود في إشبيلية، والمُتوفَّي في مدريد، رسم لوحات بديعة جسَّد فيها مشاهد الطعام، أبرزها لوحة «الإفطار – Breakfast»، زيت على قماش، 102×108,5 سم، سنة 1617، ولوحة «امرأة عجوز تقلي البَيْض – Vieille femme faisant frire des œufs»، زيت على قماش، 100,5×119,5 سم، سنة 1618، كما برز – أيضاً، في تلك الفترة، بشكل ملحوظ، فنَّانون وأساتذة الرسم من أوروبا، يتقدَّمهم فنَّان الباروك الهولندي «جان فان دير هيدن -J. Van der Heyden» إلى جانب مواطنه الفنَّان «يان ستين – Jan steen» صاحب لوحة «المطبخ الكبير» التي رسمها سنة 1650م.

ومع بداية القرن السابع عشر، تطوَّرت المواقد والمراجل والأفران باعتماد الغاز لأوّل مرّة، لاسيما في الولايات المتحدة، وبعد ذلك في أوروبا التي شهدت اختراع أفران الخشب، والفحم، والحديد، والغاز، والأفران الكهربائية. وظهرت آنذاك العجينة المنتفخة، وانتشرت زراعة الأرز والبطيخ عند الأميركان. خلال هذه الحقبة، تميَّز المطبخ بالعديد من الابتكارات المتعلقة بـ«فن الطهي – Gastronomie»، وإدخال مكوِّنات مطبخية جديدة مع التركيز على مرق اللحوم المختلفة (البقر، الماعز، الدواجن..) والمنكَّه بالأعشاب العطرية مع إضافة القمح أو دقيق اللوز.

أما في نهاية القرن الثامن عشر، فقد انتعش استهلاك الأطباق الفرنسية من قبيل كعكة الدوقة – Gâteau de la duchesse والجبن المحمص. كما شاع استهلاك المعكرونة الإيطالية (غذاء العامّة)، والنقانق الألمانية وأبرزها السجق المشوي؛ وهو نوع مصنوع من لحم الخنزير أو لحم البقر، ثمَّ حساء الشعرية الإيطالي، ولاحقاً حساء الخبز المعروف باسم «البانكوتّو -Pancotto»؛ وهو شوربة مصنوعة من الخبز والأعشاب البرية، يُعطى للأطفال خلال مرحلة الفطام، بينما بَدأ الناس، في الثامن عشر، يعرفون المعجنات والكعك، وشاعت عمليات بيع البيتزا في الأسواق العامة، فضلاً عن شروع الروس في إنتاج الحليب المجفَّف المعروف باسم «حليب البودرة – Lait en poudre» الذي اخترعه الصيدلاني الروسي مي درافوش وجرى استخدامه بديلاً عن الحليب السائل.

في الفترة نفسها، ظهرت بعض الكتب التي احتوت على طقوس الطهي وأسرار المطابخ؛ منها كتاب «فن الطهي – L’art du cuisinier» لـ«أنطوان بوفيليرز- Beauvilliers A». وهو صاحب مطعم معروف في باريس، لتتناسل، عقب ذلك، مجموعة من المطاعم والمقاهي المشهورة التي شكَّلت مصدر وحي لكبار الرسّامين والكُتَّاب، أبرزها المقاهي الواقعة في حي «مونمارتر – Montmartre» المعروف بأزقته الضيِّقة التي تنبت في أعالي باريس والذي اشتهر باحتضان أهمّ الحركات الطليعية في الفنّ إلى جانب التيارات الفوضوية في السياسة. ومن بين الفنَّانين الذين قطنوا به أو زاروه: بابلو بيكاسو، وفان كوخ، وسالفادور دالي، إلى جانب حي «مونبرناس – Montparnasse» موطن فكرة نشأة الحركة السيريالية في الرسم والأدب، وهو من أشهر أحياء المدينة الذي ضمَّ تكتُّلاً لفنَّانين مرموقين، يتصدَّرهم مارك شاغال، وأمادو موديغلياني، وفاسيللي كاندانسكي وغيرهم.

وجبة مع الانطباعيين

فنيّاً، وفي القرن التاسع عشر، ذاع الرسم الانطباعي، وبرزت كوكبة من الرسّامين المتأثِّرين، بداية، بواقعية «غوستاف كوربيه – G. Courbet» الذين تشبعوا بالثقافة الغذائية الأوروبية المتنوِّعة، واستهوتهم كثيراً الأطباق المشهورة في ذلك الوقت؛ فأطلقوا العنان لريشاتهم وفراشيهم، وشرعوا في التصوير في الهواء الطلق مزوَّدين بحوامل لوحاتهم (الشوفاليه)، قبل أن ينصرف كثيرون منهم نحو التخصُّص في رسم مشاهد حفلات الغداء والعشاء، والموائد، والمطاعم، والمقاهي بشكل مكثَّف، ولافت للنظر.

ضمن هذه المجموعة الفنِّيّة، كان الفنَّان الفرنسي «كلود مونيه – C. Monet» أكثر رسّامي الانطباعية عشقاً للطعام، وكان يخطط لوجباته الخاصّة داخل دفاتره وكرَّاساته الفنِّيّة، ويُحكى أنه اشتهر بولعه الشديد بـ«عجة البَيْض – Omlette» المُمَلّح والمصحوب بالفلفل الأسود الناعم والثوم المفروم إلى جانب بعض الأعشاب والخضروات الموجودة في حديقته، فضلاً عن إعداده الجيِّد للنقانق المحشوة بلحم الدجاج، ولزميله الفنَّان «إدوارد مانيه – E. Manet» لوحة بعنوان «غذاء على العشب»، زيت على قماش، 214×270 سم، التي تظل تمثِّل أبرز تصوير صباغي نفّذه مانيه، وعَرَضَه سنة 1863م، وأعاد مانيه رسمه بعد ذلك بسنتين. ولمانيه لوحة أخرى بعنوان «النادلة»، 78×97 سم، رسمها، في سنة 1879م، بالزيت على الكانفس، إلى جانب لوحة أخرى تحمل عنوان «الليمون»، عام 1880م، مُشكَّلة، فقط، من ليمونة واحدة موضوعة على صحن صغير، تحتل المساحة الإجمالية للوحة، معروضة بمتحف أورساي، زيت على قماش، 27×19 سم، وله – أيضاً- طبيعة صامتة بعنوان «سمك السلمون»، نفذها سنة 1896م، بالصباغة الزيتية على قماش، 89,9×71,8 سم.

كما برز، في السياق نفسه، الرسّام «بيير أوغست رينوار – P. A. Renoir» المتخصِّص في رسم المطاعم الباريسية التي كانت قد انتعشت، في ذلك الوقت، بما تتميَّز به من موائد، وأطباق، وحفلات مصاحبة للولائم، والأعشية الجماعية، منها لوحة «غداء القوارب – Le Déjeuner des canotiers» التي رسمها بواسطة الصباغة الزيتية على القماش، 130×173 سم، في الفترة ما بين صيف 1880 وشتاء 1881، وذلك بشرفة منزل فورنيز ببلدة شاتو، وتُعتبر هذه اللوحة من آخر اللوحات الانطباعية التي رسمها رينوار، وتظهر فيها مجموعة من أصدقائه، وعددهم أربعة عشر شخصاً: خمس نساء وتسعة رجال، يتناولون عشاءً جماعيّاً على قارب للصيد، تتقدَّمهم «ألين شاريغوت – Aline Charigot» (زوجة الرسّام المستقبلية) مع كلبها الصغير، واللوحة محفوظة في مجموعة فيليبس بواشنطن في الولايات المتحدة.

هذا إضافة إلى الرسّام «بول سيزان – P. Cézanne» المختص في رسم الفواكه، والمُولَع بالتفاح والبرتقال، والذي رسم كثيراً موائد الطعام كطبيعة صامتة، لازمت جلَّ قماشاته التي تؤرِّخ للفترة ما بين 1839 – 1906، أبرزها لوحتا «الفواكه» و«الإفطار»، ولوحة «ستارة وإبريق ماء وفاكهة» وهي أغلى لوحاته سعراً، وقد بيعت، في فترة ما، بأكثر من ستين مليون دولار أميركي، وأيضاً، الرسّام «فانسان فان كوخ – V. Van Gogh» من خلال لوحاته الانطباعية الرمزية العديدة ذات الصلة، تتصدَّرها لوحة «آكلو البطاطس – Les mangeurs de la pomme de terre» التي نفذها في بلدة نوينين الهولندية، بالزيت على القماش، 82×114 سم، في أبريل من سنة 1885م، تظهر فيها عائلة فقيرة، تتناول عشاءها الليلي المكوَّن من وجبة بسيطة من البطاطس، وقد تمَّ إنجاز مطبوعات حجرية «ليثوغراف» لهذه اللوحة الموجودة في متحف فان كوخ بأمستردام، وغيرها من النماذج الكثيرة. يقول الفنَّان فان كوخ عن هذه اللوحة: «أشعر بهذه اللوحة بشكل جيِّد لدرجة أنني أستطيع رؤيتها كما هي في المنام»، مضيفاً، سنة 1887، في إحدى رسائله المعتادة إلى أخته «ويل – Wil»: «من بين أعمالي الفنِّيّة، أعتبر لوحة الفلاحين الذين يأكلون البطاطس أفضل ما أنجزته حتى الآن». 

كما أن الفنَّان «كاميل بيسارو – C. Pissaro»، (1830- 1903)، الذي تفرَّغ للرسم منذ عودته إلى باريس سنة 1855م، وتكوَّنت لديه علاقة وطيدة مع الفنَّانين مونيه وسيزان، كان مولعاً بالطعام وبروائح الطهي والوجبات الغذائية التي كانت تعدُّها زوجته الطباخة الشابة «جولي فيلاي – Julie Vellay». أما الفنَّان «هنري دي تولوز لوتريك – H. T. Lautrec»، (1864- 1901)، فقد تركّز رسمه على مقاهي اللهو، وترك إرثاً فنيّاً وافراً رغم الحياة القصيرة التي عاشها، خلاف «إدغار ديغا – E. Degas»، الرسّام والنحات، الذي اهتم برواد المطاعم وأحاديثهم في أثناء تناول الوجبات، وقد تميَّز عن غيره من الرسّامين الانطباعيين بمهارته في تصوير الحركة في اللوحة.

وقد دفع شغف الرسّامين الانطباعيين بالطعام الباحثة «جوسلين هاكفورث جونس –  Jocelyn Hackforth-Jones» إلى تأليف كتاب يوثّق لهذه التجربة الفنِّيّة الفريدة، سمّته بـ«وجبة مع الانطباعيين»(8) حيث أوردت فيه حكايات الفنَّانين الانطباعيين، وأذواقهم، واختياراتهم في الطهي، مع الاهتمام بروائعهم الفنية التي جسَّدت احتفالاً جماليّاً بملذات الموائد.

مطبخ «بيكاسو»

للفنَّان التكعيبي «بابلو بيكاسو – P. Picasso» علاقة «طقوسية – Rituel» مع المطبخ، كما تشهد، على ذلك، العديد من تصاويره ولوحاته الصباغية التي جسَّدت حبَّه الشديد للأكل، لاسيما السمك، منها- مثلاً- لوحة «المطبخ» التي نفذها خلال إقامته بالعاصمة الفرنسية، في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1948، بألوان زيتية على قماش، 175×252 سم، وهي موجودة في متحف بيكاسو الوطني في باريس، وأيضاً، لوحة «رَجُل عند موقد» باريس، سنة 1916، التي استعمل في إنجازها ألواناً زيتية على قماش بحجم 130×81 سم، وتوجد في المتحف نفسه. إلى جانب لوحات أخرى جاد بها معرض «مطبخ بيكاسو» الذي أقيم قبل سنتين في متحف الفنان في برشلونة، وقد ضمَّ مئتي عمل فنيّ من رسومات وقطع خزفية متنوِّعة. كان بيكاسو يقضي معظم أوقاته في المطبخ بجانب زوجته، وقد حكى عنه المُخرج الإيطالي الشهير «فيديريكو فيلليني – F. Fellini» حين زاره، سنة 1962، برفقة زوجته الممثِّلة «جوليتا مازينا – Giulietta Masina» مبرزاً في مؤلفه «كتاب أحلامي» (فلاماريون، 2010، مذكرات ضمَّت مختارات حلمية) أنهم كانوا يقضون وقتاً طويلاً داخل المطبخ، محاطين باللوحات والأعمال الفنِّيّة التي كانت تتمحور حولها أحاديثهم ونقاشاتهم الممتدة.

في حوزة الفنَّان بيكاسو لوحة أخرى بعنوان «طبق الفواكه»، عُرِضت، سابقاً، في سنة 2001، للبيع بسعر يقدر بمليون دولار أميركي، إلى جانب لوحات أخرى تحمل عناوين تخصيصية مأخوذة من عالم الطعام، كلوحة «طبق فاكهة وزجاج» ولوحة «صحن خبز وفواكه على المائدة» التي يعود تاريخ إنجازها إلى سنة 1909، فضلاً عن زميله الرسّام «جورج براك – G. Braque» الذي أنجز سلسلة لوحات ذات الصلة، تحتوي على مشاهد نسوة يحملن الفواكه، وأخرى بها مواقد بزخارف وفاكهة وغيثارة، بجانب لوحة «الفاكهة على طاولة المائدة مع طبق» سنة 1925، التي استخدم فيها أسلوبه التكعيبي المعروف المفعم بالمساحات والأشكال المسطحة المتراكبة والكولاجات.

امتداداً لذلك، تزايد الاهتمام بالطعام فنيّاً مع فنَّاني «المستقبلية – Futurisme» منذ ظهورها سنة 1910، في ميلانو بإيطاليا، والتي قامت على فكرة السرعة والحركة والمبادئ التي ينتجها عصر الآلة والتكنولوجيا، وهي بالنسبة إليهم رموز تقدُّم القرن نحو الحداثة. وقد تزَعَّم هذا الاتجاه الفني كلُّ من أمبرتو بوتشيوني، وجياكومو بالا، وجينو سيفيريني وغيرهم من الفنَّانين الذين سعوا إلى محاربة التقاليد والبقايا الموروثة عن الماضي.

كان اهتمام فنَّاني (المستقبلية) بالطعام والمآدب التجريبية بالغ التأثير في فنّهم وإبداعهم، كما يُبرز ذلك الالتزام الذي صدر، سنة 1931، في كتاب بعنوان «المطبخ المستقبلي – La cucina futurista» عن منشورات «فيليبو توماسو مارينيتي – Ph. T. Marenitti» والمعروف بـ«بيان الطهي المستقبلي»(9) الذي صاغه الشاعر المذكور مارينيتي، في سنة 1909، ونُشر في 20 أبريل/نيسان من السنة نفسها، بمجلة لوفيغارو الفرنسية في باريس.

وقد بَدَا هذا البيان الفني غرائبيّاً، بحيث تضمَّن شروطاً غير مألوفة حول «آداب المائدة – Les manières de la table» والمؤاكلة دون استعمال الشوكات، والملاعق، والسكاكين، وطريقة الجلوس، وعدم الخوض في النقاشات السياسية إلى جانب ترك بعض الطعام على الطاولة، والاكتفاء بالتذوق عبر النظر والشم، حتى في حالات الجوع والرَّغبة في مواصلة الأكل!!

ورغم أن الحركة المستقبلية، التي امتدت، أيضاً، إلى فنّ العمارة، لم تدم وقتاً طويلاً، إلاَّ أنها استطاعت أن تتصل بالسريالية عن طريق البعد الميتافيزيقي.

ولع «دالي» بالبَيْض

من جهته، شكَّل الطعام أحد وساوس الرسّام السيريالي «سالفادور دالي – S. Dali»، وقد حضر بأشكال عديدة في رسوماته وكتاباته «النرجسية»، وسيرته الذاتية التي أبرز في مقدمتها بأنه كان يتمنَّى أن يكون طبّاخاً منذ أن كان يبلغ عمره ست سنوات. وقد سبق له أن أنجز بورتريهاً لزوجته «غالا – Gala» حاملة لحماً مشويّاً على كتفيها، مثلما رسم لوحة بعنوان «فطام تغذية الأثاث»، وكذلك «طعم العسل ألذّ من طعم الدّماء»، وهو عنوان أهمّ لوحاته التي تؤرِّخ لأعماله السيريالية الأولى التي امتدّت إلى سنة 1929. كما رسم البَيْض في جلِّ لوحاته، وأبرزها لوحة «ميلاد» أو لوحة «بَيْضة على طبق بلا طبق»، سنة 1932، وقد نفذها بالولايات المتحدة الأميركية التي هاجر إليها هرباً عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية، مثله في ذلك مثل الكثير من الفنَّانين والأدباء الأوروبيين. ومن أبرز تقاليعه و«مهاراته» المطبخية طهي ديك رومي دون ذبحه!! وكان يُصِرُّ على العلاقة الوثيقة بين المطبخ والرسم، فضلاً عن لجوئه أكثر من مرَّة إلى صنع أشياء غريبة على منوال أسلوبه السيريالي في الرسم؛ وذلك بواسطة قطع الخبز والرغيف الذي كان يخبزه في أشكال غريبة غير مألوفة ليضعه في بعض الفضاءات العامّة والفضاءات الخاصّة، منها حدائق «قصر فرساي – Le château de Versailles» المزيَّنة بالأشجار والزهور.

ولما بلغ من العمر ثمانياً وستين سنة، حقّق سالفادور دالي، سنة 1973، حلمه المذكور بأن يصبح طبَّاخاً، حيث نشرت له دار طاشن -Taschen  كتاب طبخ مستوحى من الأماسي والحفلات التي كان يُقيمها دالي وزوجته غالا، بعنوان «أعشية غالا – Les dîners de Gala»(10). يحتوي على رسومات إيضاحية مرفقة بنعوت وأوصاف خاصّة بالطبيخ والأطباق المهداة إلى غالا، بمساهمة مجموعة من المطاعم الباريسية. ويذكِّرنا هذا العمل بكتاب آخر ألفه «موريس جوايون – M. Joyant» حول الطبخ(11) تضمَّن وصفاً لـ197 وجبة غذائية مشهورة في فرنسا، رافقتها رسوم شارحة، عددها 400، أنجزها الرسّام تولوز لوتريك المذكور، والمختص في الأعمال الفنّيّة الطباعية، وتصميم الملصقات الدعائية والثقافية والفنية.

بينما أبدع السيريالي الساخر «رينيه ماغريت – R. Magritte» أعمالاً فنّيّة مُغايرة، منها العمل المسمَّى «هذه قطعة جبن»، 1936 – 1937، والقائم على تغيير التصوُّرات المألوفة لدى المتلقي، وهو مكوَّن من رسم لقطعة جبن بواسطة زيت على قماش، وُضِع، بإطاره الخشبي الذهبي اللون، داخل إناء زجاجي شفاف.

 مع الإشارة إلى الرسّام الهولندي «تجالف سبارناي – Tjalf Sparnaay» أحد أبرز فنَّاني «الواقعية المفرطة – Hyperréalisme» الذي عُرضت الكثير من أعماله حول الطعام في جميع ربوع العالم.

علبة حساء الطماطم

تشير بعض الأبحاث إلى أنه بدءاً من النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحالي، تضاعف الاهتمام بالغذاء، لاسيّما عقب الحرب العالمية الثانية، حيث تطوَّر المجتمع الاستهلاكي، وانتعشت محلات السوبر ماركت بمنتجاتها المتعدِّدة والمتنوِّعة المُدَعّمة بإعلانات واسعة وغير محدودة.

في هذا السياق، برزت حركة (البوب آرت)، وهي حركة فنّيّة تعود إلى سنة 1921، وقد ظهرت بالولايات المتحدة الأميركية حين رسم الفنَّان الأميركي «ستيوارت ديفز – Stuart Davis»، في السنة نفسها، لوحة بعنوان: «لوكي سترايك – lucky strike»، وهو نوع معروف من التبغ الأميركي. داخل هذه الحركة نشط فنَّانو البوب ​​الأميركيون الذين خلقوا فنّاً شعبيّاً أعاد إنتاج العناصر الحيوية داخل المجتمع (ثقافة الاستهلاك، النجوم والمشاهير، الإشهار..)، وأبدعوا أعمالاً فنِّيّة مستوحاة من الحياة اليومية، لاسيما الطعام (وجبات سريعة، إعلانات المجلات..) احتفاءً بالمجتمع الاستهلاكي الأميركي بالتركيز على منتوجات شعبية ذات حمولة رمزية كبيرة من قبيل: زجاجة كوكا كولا، وحساء كامبل، وهوت دوج، وهمبرغر، وآيس كريم..إلى غير ذلك من المنتوجات التي تمَّ تجسيدها ضمن الأعمال الفنّيّة كاللوحات، والمنحوتات، والكولاجات، والإرساءات والأفلام.

من الأعمال الفنِّيّة المشهورة التي مثّلت هذه الحركة، خصوصاً منها ذات الصلة بالطعام والغذاء؛ نذكر الأعمال السيريغرافية التي أنجزها رائد فن البوب الأميركي «أندي وارهول – A. Warhol» والمتمثِّلة في صور لعلبة حساء الطماطم Campbell’s التي نفذها سنة 1962، وهي موجودة في متحف الفن الحديث بنيويورك. استغرق إنجاز هذه السيريغرافيات الفنِّيّة، «علب الحساء»، والمكوَّنة من 32 لوحة، سنة كاملة، أبدعها وارهول بتقنية طباعة الشاشة الحريرية، بحجم 51×41 سم، وقد ظهرت لأوّل مرّة في التاسع من يوليو/تموز عام 1962 ضمن معرض فيروس في لوس أنجلوس. 

عقب ذلك بسنتين، احتضنت صالة عرض «بول بيانشيني – P. Bianchini» في مانهاتن معرضاً جماعيّاً لفنَّاني حركة (البوب آرت) تحت عنوان «السوبر ماركت الأميركي»، شارك فيه الفنَّان أندي وارهول، حين عرض لوحة «علبة حساء الطماطم»، وأرفقها بكومة من علب حساء حقيقية ذات اللونين الأحمر والأبيض، وقد أضحت هذه اللوحات (علبة حساء الطماطم) من أشهر الأعمال السيريغرافية التي ظهرت في فترة ما بعد الحرب. ولفرط إعجابه بالطعام، كان وارهول يردِّد: «خرجنا لشراء بعض اللحم في كاليفورنيا، اشتريت كاميرا، هكذا بدأت أفلامي».

بقايا طعام على جدار

 من الأعمال الإنشائية المعاصرة، نستحضر تجربة الفنَّان السويسري «دانييل سبويري – D. Spoerri»، من مواليد رومانيا، سنة 1930، الذي يُبدع قطعاً توليفية مكوَّنة من بقايا وجبات الطعام(12): كراسي خشبية معلقة على الجدار مع الطاولة، وأكواب القهوة، وبَيْض مع قشوره، وأعقاب سجائر، وملاعق، وعلب صفيح، وغيرها من المواد التي يقوم بجمعها وتغريتها بعد انتهاء المأدبة، وذلك بواسطة مادة «أبيوكس»، ليعرضها على حائط بقاعة «ستون غاليري -Stone Gallery»، في لندن، خلال سنة 1964. إلى جانب تجربة المصوِّرة الأميركية المعاصرة «هانا روثشتين – Hannah Rothstein» التي قامت بإعادة إنتاج عدة وجبات داخل صحون متقايسة، جسَّدت، بواسطتها، أعمال كبار فنَّاني العصر الحديث، أمثال: فانسان فان كوخ، وبابلو بيكاسو، وجورج سوراه، ورونيه ماغريت، وبييت موندريان، وجاكسون بوللوك، وغيرهم. 

مثلما نستحضر العمل الفنَّي «سيدة السوبر ماركت» أو «امرأة مع عربة تسوق» الذي عرضه الفنَّان «أندرياس غورسكي – A. Gursky»، سنة 1969، والذي يطرح فيه موضوع التسوق الجديد، والإقبال المتسارع على المواد الغذائية في الأسواق الأميركية، مع ما يرافق ذلك من تسليع جديد قائم على الدعاية المتقنة، وجودة التعبئة، وأشكال التغليف الملوَّنة وذات التصاميم المبهرة. 

وفي تجربة أقرب إلى البرفورمانس (الجسد كعرض)، نذكر الأداء الحي «احتفال آكلي لحوم البشر – Festin cannibale» الذي قدَّمه الفنَّان «ميريت أوبنهايم – Oppenheim Meret» خلال افتتاح المعرض السريالي الدولي في غاليري كوردييه بباريس، سنة 1959، وقد تضمَّن مشهد عارضة أزياء/ دمية من السيليلويد، مستلقية على ظهرها، ومحاطة بالعديد من أدوات تناول وجبة غذائية كبيرة Buffet إضافة إلى مجموعة من الفواكه المبعثرة على جسدها، لنستحضر كذلك العمل الذي قدَّمه الفنَّان المفاهيمي «جوزيف بويز – J. Beuys»، سنة 1963، بعنوان «كرسي الدهون»، 90x30x30 سم، حيث يتعلَّق الأمر بكرسي مطبخ خشبي مطلي باللون الأبيض، مقعده مغطى بطبقة من الدهون بشكلٍ هرمي، وقد جمع فيه بويز بين عنصر مصنوع (الكرسي) وآخر طبيعي (الدهن)، بنيته لا توحي بالجلوس، لكنه يرمز إلى مراحل الإنسان الأولى غير المنظّمة.. إلى غير ذلك من الأعمال والقطع الفنّيّة الإنشائية وهي كثيرة ومتعدِّدة.. إضافة إلى الفنَّان السويدي «أولدنبرغ كلاس – Oldenburg Claes» الذي يجسِّد الأكلات الخفيفة الأميركية الصنع، ويعرضها بمقاسات كبيرة مثيرة، فهو يستخدم الطعام كهدف للتمثيل، حيث أقام معرضاً لتماثيل الهامبرغر والبيتزا، ويهتم بالموضوعات التجارية، والأشياء المعدَّة للبيع، والتسويق السريع، ويجد إلهامه في الحداثة والابتذال في أميركا، وكذلك الفنَّان «غونزاليز توريس فيليكس – Gonzalez Torres Félix» الذي يعرض أكواماً كبيرة من الحلوى المغلفة بالأزرق، والأحمر، والأبيض موضوعة رهن إشارة الجمهور، وهو فنان مفاهيمي معروف باستخدامه للأشياء اليومية المكبرة في المنشآت (كومة من الأوراق، المصابيح، الحلوى، الساعات..) وغيرها من التوليفات الفنِّيّة التي يكشف الفنَّان، من خلالها، تعبيره عن الحياة وعن الموت.

ونخلص إلى الضجة التي أحدثتها «موزة» النحات الإيطالي «موريسيو كاتلان – Maurizio Cattelan» التي غرَّاها، السنة الماضية، بشريط لاصق على جدار في قاعة «آرت بازل»، في ميامي جنوب شرق ولاية فلوريدا، في الولايات المتحدة الأميركية، جاعلاً منها عملاً فنيّاً، بِيعَ بمبلغ 120 ألف دولار! أية سخرية هذه؟ وأيُّ جنون هذا الذي وقع، مباشرة، بعد رفع الستار عن الموزة المعلقة وسط فوضى إعلامية كبيرة.. وقد انتهت هذه الموزة، التي ترمز إلى التجارة العالمية، في بطن فنان أميركي استعراضي، يُدعى «ديفيد داتونا – D. Datuna» الذي أكلها أمام عدسات المصوِّرين بدعوى أنه كان «جائعاً»!!. 


هوامش وإحالات:

1 – للقراءة والاستزادة:

– Les artistes ont-ils vraiment besoin de manger? – Collectif. Editeur: Monstrograph- 2018.

2 – جوي أدابون: فن الطهو والأنتروبولوجيا. ترجمة: ريمة سعيد الجباعي – (كلمة)- الطبعة الأولى، 2011 (ص. 69).

3 – Roland Barthes: Pour une psychologie de l’alimentation. In, Annales- ESC. No 6- 1961.

4 – Roland Barthes: L’empire des signes (1970), Mythologies (1970), Lecture de Briallat- Savarin; in psychologie du gout (1975).

5 – سهام الدّبابي الميساوي: الطعام والشراب في التُّراث العربي. منشورات كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، 2008 (ص. 36).

6 – ليفي ستراوس: أسطوريات Mythologies، وعلى الخصوص أجزائه الثلاثة من أصل أربعة: النيئ والمطبوخ (1964)، من العسل إلى الرماد (1966)، وأصل آداب المائدة (1968). الجزء الرابع يحمل عنوان: «الإنسان العاري».

7 – للقراءة والاستزادة:

 J. P. Poulain: Sociologie de l’alimentation. PUF- Paris, 2002.

   :Anthropos-Sociologie de la cuisine et des manières de table- Lille, Université de Paris VII, 1985.

8 – للقراءة والاستزادة:

– Jocelyn Hackforth-Jones: A table avec les impressionnistes.  Éditeur: Adam Biro- 31 octobre 1991.

9 – صدرت طبعة فرنسية لهذا البيان بالعنوان نفسه في شكل كتاب أعدته الباحثة الفنية نتالي إينيك:

– Nathalie Heinich: Manifeste de la cuisine futuriste. Les Impressions Nouvelles- Collection «Hors série», 2020.

10 – Salvador Dalí: Les dîners de Gala. Edition: TASCHEN, 2016.

11 – Maurice Joyant: La cuisine de Toulouse-Lautrec et de Maurice Joyant. Editeur: Edita – Lausanne, 1996.

12 – Denys Riout: Qu’est-ce que l’art moderne?- Ed. Gallimard, Paris- 2000 (p. 457).

بذْلة الغوّاص

فقدانُ القدرةِ على الاختيار هو الذي يصنع القيدَ والسجنَ. وهو الذي منحَ «الحَجْرَ» بسبب الكورونا مذاقَه القياميّ. لقد أُكْرِهْنا على لزومِ البيت فكدنا نكرهُ مَا لو كنّا مُخَيَّرينَ ما غادرناه. بل إنّي كنتُ قد فقدتُ شهِيّةَ السفر وأوشكتُ على الاعتكاف في بيتي، قبل أن يضطرّني الحَجْرُ الصحيّ إلى لزوم البيت والبلد، فإذا أنا أحنُّ إلى الشوارع والمطارات من جديد، ولا أفتقدُ شيئًا كما أفتقدُ حرّيّتي في التعامُل مع المكان.

خُيِّلَ إليّ للحظةٍ أنّنا جميعًا أبطال «بذلة الغوص والفراشة» لجون دومينيك بوبي. لَوْلاَ أنّ بذلة الغوص التي نرتطم بجنباتها ليست بحجم جسد، بل هي بحجم بلد، وربّما بحجم الكرة الأرضيّة. ولَوْلاَ أنّ اشتراكنا جميعًا في الرقص الهيستيريّ داخل البذلة نفسها، لا يُلغي شيئًا من البونِ الشاسع بين الراقص على الحرير والراقص على المسامير.

لم أنتظر هذا الكِتاب كي أكتشف استعارةَ بذلة الغوص، ولم أهْتَدِ إليها بفضل «الحَجْر»، فأنا مدينٌ بها إلى طفولتي الأولى، حين كان الوالد يُطيل التعزير والتوبيخ لأقلّ خطأ، فأتمنّى أن تبتلعني الأرضُ فيما هو يوبِّخ ويعزِّر. استعصت الأرضُ فشرعتُ أتدرَّب على حياكة نوعٍ مجازيّ من «طاقيّة الإخفاء» ألوذ بها وأنا في مكاني فلا أسمع ما أكره. أطلقت عليها في البداية اسم البئر، ثمّ سمّيتها الداموس قبل أن أختار لها اسم بذْلة الغوَّاص. 

شيئًا فشيئًا أصبحت تلك البذلة سلاحي السريّ في وجه الزحمة والعزلة. أتفنّن في تأثيثها بما أريد وبمَنْ أريد، وأرتديها في كلّ فضاءاتِ الثرثرة الخرقاء والغباء المُتطاوس، كما أرتديها في لحظاتِ العُزلة، فإذا أنا في مكاني كيفما كان المكان ومهما كان الجليس. تعلّمتُ ذلك من المقاهي تحديدًا.

ليس من شكٍّ في أنّ «الحَصْرَ» مُنشِّطٌ للخيال. وليس من شكٍّ في أنّ أيّام الحَجْر كانت مؤاتيةً للسفر في الكُتب، والفضائيّات مُغرِيةً بالتواصل عبر الهواتف، والشاشات محفّزةً على السباحة في صفحات البحر الرقميّ الأزرق. لكن أين تلك الوسائط كلُّها من عَبَقِ الحقائب وهدير القطارات وأزيز الطائرات وحركة المسافرين والمارّة وروائح الأماكن الأليفة أو الجديدة، وأنت تلتقي أصدقاءك وصديقاتك وجهًا لوجه ويدًا في يدٍ وكتفًا إلى كتف ودفْئًا لدفء؟ بل أين تلك الوسائط كلّها من المقهى؟ 

لذلك لم أستسلم لإكراهات «الحَجْر» على الرغم من التزامي بها. كنت أرتدي بذلة الغوص في الوقت الذي أختار، وأقصد واحدة من مقاهيّ المُفضّلة، لا كمكانٍ، بل كحضنٍ شبيهٍ بذراعَيْ حبيبٍ، وصَدْرِ صديقٍ، ودفّتَيْ كتابٍ، وبابِ بيت. لا يهمّ أن يكون في قبلّي وقفصة، أو في باب الجديد، وباب سويقة. في قليبية، أو في المنستير. في القاهرة أو في باريس.

منذُ ثمانينيات القرن العشرين وأنا أجوب مدن تونس وقُراها من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب. منذ نهاية التسعينيات وأنا أسافر في القارّات الخمس ضيفًا على تظاهرات الشعر. لا أغادر مكانًا إلّا ولَدَيَّ فيه مقهى. 

لعبت المقاهي الشعبيّة في البداية دور الملاذ أو الملجأ. احتميتُ بها مع أبناء جيلي لقِلّة ذات اليد وضيق الفضاءات وتحدّيًا للرقباء. هناك كُنّا نتدرَّب على توقّي الضربات. نكتشف طبقات مجتمعنا من القمّة إلى القاع. ننصت إلى ما يحتدم في باطنه. نُلقِي الشعر ونتحاور في السياسة. نتلقّى دروسنا الابتدائيّة في علم الاجتماع والاقتصاد. نُعِدُّ للتظاهراتِ والمُظاهرات. 

ثمّ تطوَّرت علاقتنا بالمقاهي فإذا هي تلعب في حياتنا الدَّوْرَ الذي فرَّطت فيه المُؤسّسة التربويّة الرسميّة. دَوْر التربية عن طريق اللعب. صارت المقاهي ملاعِبنا المرحة ومكتباتنا المفتوحة على الجديد المُختلف. دُورَنا الثقافيّة الأكثر حيويّةً وحرّيّةً إلى جانب الفضاءات الجامعيّة والنقابيّة والحُقوقيّة. فيها عرفتُ أغلب أصدقائي. طالعتُ أجمل كُتبي. كتبتُ معظَمَ نصوصي. درَّبتُ عَضَلاتي الفكريّة الأولى على المُحادثة والجدل. خضتُ أولى معاركي النقابيّة والسياسيّة. 

ثمّ سرعان ما منحتنا المقاهي رحابةَ صدرٍ افتقدناها في البيت أو في الأسرة. فيها حظيتُ بأذنٍ صاغية ساعدتني على مواجهة همومي العاطفيّة الأولى. فيها وجدتُ المكان الذي يستر الوجه حين احتجتُ إلى دعوة ضيوف تونس. وظللتُ حتى اليوم آخذ إليها كلَّ مَنْ لا أريد له أن يتوقّف عند «البطاقة البريديّة». وفيهم مَنْ هو معروف حتى لدى غير المعنيّين بالثقافة. لكنّ زبائن المقاهي الشعبيّة يعرفون قيمة «مسافة الأمان»، ويحفظونَ للمقاهى إيطيقاها وإستطيقاها. 

شيئًا فشيئًا أصبح للمقهى دورٌ أكبر وأشمل. لم تعد مكانًا لقتل الوقت أو للبطالة. إنّها مكان للعمل أيضًا، أو لنقل إنّه مكانٌ يُعيد تعريف العمل، قريبًا ممّا ذهب إليه برتراند راسل سنة 1932 في كتابٍ نُقِلَ إلى العربيّة بعنوان «مديح البطالة» أو «مديح الفراغ»، وأُفضّل ترجمته إلى «مديح العطلة». 

نصٌّ ظللتُ أستحضره عند كلِّ «أزمةٍ اجتماعيّة» منذ اطّلعتُ عليه في طبعته الفرنسيّة سنة 2002. وتتمثّل أطروحتُه الرئيسيّة في أنّ العمل المهووس بالمردوديّة والربح طريقٌ إلى العبوديّة، لذلك لابدّ من النظرِ إلى العطلة بوصفها «عملاً» متحرِّرًا من ثقافة الربح، يُعيد الاعتبار إلى ما هو «بلا فائدة» في نظر السيستام: الإبداع، التفكير، العدل، التسامح، إنصاف المرأة، حماية الطفل، احترام البيئة…

لم أعد أجد ضيرًا في الانتساب إلى المقاهي بهذا المعنى. لا كمكانٍ «أقتل فيه الوقت»، أو أهرب إليه من الشارع، أو أنعزل فيه عن النّاس، بل ككوّةٍ مفتوحة على التفاصيل. كمنصّةِ انطلاق إلى أعماقِ البلاد والعباد. كمنفذٍ إلى أعماقي. 

آدم فتحي (تونس)
آدم فتحي

أمسك بمعمارها وأصواتها وروائحها كأنّي أمسك بمعصم أجسّ فيه نبض بلادي ونبضَ العَالَم. أغطس في دخانها وعرَقِها كأنّي أغتسل في موسيقى أوجاع الناس ومسرَّاتهم. مبتهجًا باكتسابي الحقّ في الاستماع يوميًّا إلى أوركستراها العفويّة. أوركسترا من كلِّ الطبقات والمشارب، تجتمع لتعزف بلا قائدٍ سولوهات، تُبدع تناغُمَها من تنافُرِها، فتصنع طربًا ساحرًا يترجم الغُربةَ إلى ألفة، والبردَ إلى دفء.

شيئًا فشيئًا تعلّمتُ فنّ «الغوص» في الضجّة والكثرة. قد يقترب منّي النادل يكاد يلصق فمه بأذني ليسأل إنْ كنتُ أريد شيئًا آخرَ بينما أنا «في عالمي» بعيدَ القرب قريبَ البُعد. وقد تشتدُّ النشوة بلاعبي الورق فيضرب أحدهم على الطاولة بقدمه، ويقابله الآخر بالشتيمة المقذعة، ويعلو الصراخ، ويمسك كلٌّ بخناقِ صاحبه، وأنا على بُعد مترٍ لا أشعر بشيء. حتّى إذا أفرغ المُتخاصمون ما في جعبتهم، وعادوا إلى اللعب وضع أحدهم يده على كتفي يعتذر، وما أكثر ما يفعلون، فإذا أنا أهتزّ للمسته، وما كنتُ قد شعرتُ بشيءٍ ممّا حدث. 

تلك السنواتُ، بل العقودُ منحت المقاهي مكانةً محوريّة في حياتي. انسلختُ من بذلة الغوص الأولى، وارتميتُ في «عجقتها» ودخانها وحكايات زبائنها وموسيقى حياتها المُثخنة بالجراح والأحلام. ألفتُ زحْمتها ولم يعد في وسعي «التركيز» بعيدًا عن صخبها. فما العمل بعد أن أصبحتُ زوجًا وأبًا «مسؤولاً»؟! ما العمل كي أزرع صخب المقهى في البيت؟! 

قد يبدو الأمر غريبًا على مَنْ يحتاج إلى الصمت والهدوء كي يكتب أو يقرأ، فهو لم يعش ما عشت، ولم يدمن ما أدمنت. أمّا أنا فالصمتُ والهدوء يصرخان في داخلي بما لا يسمح لي بالإنصات إلى العالم، وإلى نفسي، وإلى الكلمات وهي تناديني أو تستجيب إلى ندائي. 

لذلك دأبْتُ منذ سنواتٍ طويلة على فتح الراديو والتليفزيون في البيت طلبًا للضجّة. كانت تلك طريقتي الوحيدة لزراعة المقهى في البيت كي أستطيع القراءة والكتابة. فأنا في حاجةٍ إلى إعادة إنتاج وقْعِ المقاهي وإيقاعها، بعْدَ أن تحوَّلَ صخبُها إلى «سترة أمان» لا غِنًى لي عنها في حربي مع الكلمات. 

ولعَلّي لم أفتقد شيئًا خلال هذا الحَجْر مثلما افتقدتُ مقاهيّ وجلسائي. حتّى حين كنّا لا نتبادل كلمةً واحدةً، بل يجلس كلٌّ إلى كتابِه أو أوراقِه. بينما يمتلئ الهواء من حولنا بحوارٍ من نوعٍ خاصّ لا يفكُّ شفرته إلّا المُختارون. 

هكذا عرَفَتْ المقاهي نقلتها الأخيرة في حياتي. أصبحتْ هي بذلة الغوّاص التي تمكّنني من الغطس دون أن أغرَق. تفصلني عمّا حولى دون أن تقطع صلتي بأحد. تتيح لى أن أكونَ منفردًا في العدد، وحيدًا مع الجميع، منعزلاً في الزحمة. 

شيئًا فشيئًا تحوَّلتُ إلى فراشة حديقتُها المقهى، كدتُ أقولُ شَرْنَقَتُها المقهى. فأنا هناك داخل شرْنقةٍ حقًّا. شفَّافة ومتحرِّكة. تحيط بي كالقماط. كالقوقعة. كبذلة الغوّاص، بل هي بذلة غوّاصٍ بكلّ ما تملك العبارةُ من دلالةٍ بالنسبة إلى كَاتِب.

هل الكَاتِبُ إلّا غوّاصٌ؟ هل الكِتابَة إلّا فنّ الغوص في الذات بوصفها شرخًا في المكان والزمان؟

المُثقّف الحُرّ ضمير المُجتمع

أنهيت حديث الذكريات في مقال الشهر الماضي بالكشف عن أن قراءتي المُتأخرة لكتاب محمود أمين العالم (فلسفة المُصادفة) قادتني إلى تمحيص معنى تلك المُصادفة التي غيَّرت حياتي، حينما أتاحت لي السفر إلى أوروبا. ذلك لأن تعريفه للمُصادفة باعتبارها «التقاء غير متوقع بين سلسلتين مستقلتين من الظواهر، يولد حادثاً قد يبدو وكأنه مصادفة عشوائيّة»، هو الذي قادني لاكتشاف أن هذا السفر كان ابن تلك السلسلة المُستقلة، ونمط توقعاتها العقليّة النزيهة، التي أرساها طه حسين وجيل الاستنارة المصريّ الأول، في ممارسات الدولة من ناحيةٍ، وفي أفق توقعات المواطن من ناحيةٍ أخرى. 

لأن تأمُل عجائب تلك السفرة يدفعني لتأمُل العلاقة المأساوية بين تلك السلسلة العقلانية التي أسسها طه حسين وجيله، وأنتجت لنا الكثير من علامات الاستنارة، وكان هو نفسه أحد أبرز نتائجها؛ وتلك السلسلة الشائهة المُختلة التي وطد أركانها الفاسدة حكم العسكر، منذ زمن عبدالناصر، رغم أهمِّية إنجازاته في مجالاتٍ أخرى، ودمّر عبرها كلّ ما حقّقته مصر في مسيرتها مع العقل والعدل والحرّيّة.

والواقع أن حديث تلك المُصادفة التي تبدو الآن على ضوء هذا الفهم العميق للمُصادفة واقعة موضوعية تضيء لنا الكثير مما جرى من مياه تحت جسر التجربة التي عشتها في مصر. فقد كان جيل طه حسين، والجيل الذي تتلمذ على يديه- ولنسمه جيل توفيق الحكيم ويحيى حقي ونجيب محفوظ- والجيل التالي لذلك – جيل يوسف إدريس وإحسان عبد القدوس وعبدالرحمن الشرقاوي- وصولاً إلى جيل الخمسينيّات- جيل صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي ورجاء النقاش وسليمان فياض وصبري موسى وغيرهم-؛ كانت هذه الأجيال جميعاً قد تربّت في نظام التعليم المصريّ الذي كانت تقع على رأسه جامعة القاهرة (1908) واكتمل بتأسيس جامعة الإسكندرية التي أنشأها وأدارها طه حسين عام 1942. وحينما وفد جيلنا إلى الساحة الثقافيّة مع مطالع الستينيّات، كانت القيم الثقافيّة والفكريّة والضميريّة التي أرستها هذه الأجيال المتتالية -قيم الاستقلال الوطنيّ، والاستنارة والعدل والحرّيّة- هي القيم السائدة.

وكان شعار طه حسين عن ضرورة أن يكون حقّ الإنسان في التعليم كحقّه في الماء والهواء، أمراً مُسلَّماً به. فقد وضعه بنفسه على سُلَّم التنفيذ، حينما دفع حكومة الوفد في بداية الأربعينيّات لإصدار قانون التعليم الإلزاميّ حتى عمر 12 سنة، ثم سَنَّ هو قانون مجانيّة التعليم الثانويّ، حينما أصبح وزيراً للمعارف في حكومة الوفد الأخيرة عام 1950. وكان أبناء جيلي- وخاصة الذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى وما دونها من فلاحين أو عمال- من الذين استفادوا من قانون مجانية التعليم الثانويّ الذي سنَّه طه حسين عام 1951. حينما كان التعليم الثانويّ على مستوى عالٍ من الجودة والكفاءة العلميّة، ولم يكن سرطان ما يُسمَّى بـ«الدروس الخصوصيّة» قد التهم كل الخلايا السليمة في بنيته. 

والواقع أن نظام التعليم المصريّ الحديث الذي أرست قواعده النخبة التي يمثّلها جيل طه حسين هو ابن رؤية عقليّة ليبراليّة للعالم، تؤمن بحقِّ الإنسان في الحرّيّة والعدل والفرص المُتكافئة. وهي الرؤية التي رَادَت عملية التحديث المصريّة منذ الثورة العرابية 1881 وحتى ثورة 25 يناير 2011. وكان محمد عبده (1849 – 1905) وأحمد لطفي السيد (1872 – 1963) وطه حسين من بعدهما من أعمدة هذه الرؤية، خاصّة وأن لطفي السيد كان أوّل مدير حقيقيّ للجامعة المصريّة، ومن أعمدة سياستها التعليميّة التي كان الابتعاث إلى فرنسا، ثم إنجلترا من بعدها من أسس تكوين طاقمها التدريسيّ. وقد اكتسبت هذه الرؤية زخماً تاريخيّاً عبر التأكيد على الجذور الفرعونيّة لمصر كمكوِّن أساسيّ من مكوِّنات متخيَّل مصر الوطنيّ، ثم بلور طه حسين جُلَّ أبعاد تصوُّر هذا الجيل لمستقبلها في التقرير الشهير الذي كتبه عقب معاهدة 1936؛ والذي أصبح فيما بعد كتابه العلامة (مستقبل الثقافة في مصر) 1938، وهو كتاب يطرح على شباب مصر في المحلِّ الأوّل صورة هذا المستقبل، ويؤكِّد من البداية على ضرورة أن يرتبط بالانفتاح على كلّ ما جادت به ثقافات الضفة الأخرى للبحر المتوسط من اليونان وحتى فرنسا المُعاصِرة. 

ولا غرو فقد كان هو نفسه ابن الحوار الخصب بين الثقافة العربيّة الإسلاميّة من ناحيةٍ، والثقافة الغربيّة من ناحيةٍ أخرى. وكانت سلسلة التوقعات التي بنتها مسيرة ترسيخ ثقافة هذا الحوار في المُتخيَّل الوطنيّ المصريّ هي التي جعلتني في مطالع الشباب أحلم بالسفر إلى أوروبا، بل هي التي رقشت عدداً من تضاريس أوروبا وجغرافيّاها على خريطة معارفي الثقافيّة، منذ أن بدأ رفاعة رافع الطهطاوي ومحمد عياد الطنطاوي وأحمد فارس الشدياق كتابة تلك التضاريس في ذاكرتنا الثقافيّة في القرن التاسع عشر، واستمرّ من بعده في القرن العشرين محمد المويلحي وطه حسين وتوفيق الحكيم ويحيى حقي وسهيل إدريس وفتحي غانم ويوسف إدريس، وصولاً إلى الطيب صالح وسليمان فياض. ولم يكن هذا الحلم حلماً فرديّاً، وإنما جزءٌ أساسيٌ من المُتخيَّل الثقافيّ السائد وقتها. فقد سبقني إلى السفر إلى أوروبا كثيرٌ من أبناء شباب جيلي من وحيد النقاش وعبدالرشيد المحمودي وجلال أمين، ولحق بي بهاء طاهر، ثم عبدالحكيم قاسم.

صبري حافظ

إذن كان سفري للغرب ابن تلك المسيرة التي كرستها في المُتخيَّل الوطنيّ والثقافيّ المصريّ أجيالُ الاستنارة المصريّة المُتتابعة، رغم أن تطوُّر السياسة المصريّة في ظلِّ حكم العسكر- الذي أمضيت فيه سنوات الصبا والشباب- كان قد أخذ مصر في طريقٍ آخر. وربّما تكون هذه المسيرة، وخاصّة في دربها اليساريّ والنقديّ، هي التي دفعت الكثيرين من أبناء جيلي- جيل الستينيّات المصريّ- للتحفُّظ مبكراً على توجُّهات حكم العسكر، والنضال ضد قمعه للحرّيّات واستبداده. وهي التي جعلتنا نفرُّ بأعمالنا للمنافي العربيّة في مطالع الشباب، حينما كان الخوف ينتشر مع الهواء في كلّ موقع، وكان كلّ شيء يخضع للرقابة العسكريّة الصارمة.

وهي نفسها القيم التي دفعت محمد مصطفى بدوي لأن يفعل ما يقرب من المُستحيل لتوفير سفرة لي لأوروبا، بعدما أخذ العبارة التي بعثت بها له في خطاب صديقه إدوار الخراط على محمل الجد، وانتهز فرصة اعتزام جامعة لندن تنظيم أول مؤتمر عن الأدب العربيّ الحديث، لدعوتي لهذا المؤتمر كممثل للجيل الجديد من النُقَّاد، فوفَّرت لي الجامعة تذكرة السفر. وقد أقنع مركز الشرق الأوسط بجامعته- جامعة أوكسفورد- بأن يستضيفني لفصلٍ دراسي، وهو ما وفَّر لي غرفة للإقامة فيها، ووجبات الطعام في الكلية، حيث لايزال النظام في تلك الجامعة، ومعها جامعة كامبريدج وحدهما، أقرب لنظام حياة الرهبان التقليديّة في العصور الوسطى؛ أو نظام الأروقة والجراية الذي كان متبعاً في الأزهر، حتى وفود حكم العسكر لمصر. كما طلب من «المجلس البريطانيّ» في مصر أن يرعى الزيارة، وأن يوفِّر لي مبلغاً رمزيّاً للنثريّات (pocket money). ووفَّر وقتها مئتين وخمسين جنيهاً للمصروفات النثريّة طوال الفصل الدراسيّ بأكمله. 

هكذا وفَّر لي محمد مصطفى بدوي، ومن ثلاثة مصادر مختلفة، تلك الدعوة التي اعتبرتها فرصةً نادرةً لن تعوَّض، وربّما لن تتكرَّر، فأخذت من عملي في مصر وقتها- وكنت أعمل في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب- إجازة للحدِّ الأقصى الذي كان متاحاً وقتها، وهي ستة أشهر- ثلاثة أشهر بأجر، وثلاثة أشهر بلا أجر- كي أمضي أكبر وقتٍ ممكن في أوروبا، وخططت لزيارة كلٍّ من ألمانيا وفرنسا عقب انتهاء الفصل الدراسيّ في أوكسفورد. 

وأثناء الشهور الثلاثة التي قضيتها في أوكسفورد ضيفاً على مركز الشرق الأوسط في «كلية سانت أنتوني» دعتني كلية الدراسات الشرقيّة والإفريقيّة بجامعة لندن لإلقاء محاضرة عن الرواية المصريّة في الستينيّات، كان لها وقعٌ طيب على دارسي المنطقة والمُهتمين بها فيها. ولما علم أحد الأساتذة- أثناء حديثنا على الغداء بعد المُحاضرة- برغبتي في الاستمرار في بريطانيا، ومواصلة الدراسة فيها، أخبرني أن هناك عدداً محدوداً من المنح الدراسيّة، تقدِّمها الكلية لطلاب ما وراء البحار، وهذا ينطبق عليَّ، لكن موعد التقدُّم لهذه المنح قد انتهى من أسبوعين. فقلت يا ليتني علمت قبل مجيئي بها، لكنت تقدَّمت لها، فقد أعددت ملفاً كاملاً للتقدُّم للدراسة للدكتوراه هنا قبل مجيئي، وكان بإمكاني أن أبعث به لكم في الموعد لو علمت. 

وكنت قد أعددت بالفعل قبل مغادرتي مصر ملفاً، لا يحتوي على مؤهلاتي الدراسيّة فحسب، ولكنه يضم أيضاً عدداً من خطابات التزكية من أساتذتي الذين درست عليهم في معهد الفنون المسرحيّة: وفي مقدِّمتهم لطيفة الزيات وشكري عياد وسامية أسعد. فسألني هل معك هذا الملف؟ فقلت نعم! فقال أعرف أن لجنة فحص الطلبات لم تبدأ عملها بعد، فتقدَّم به اليوم على الفور، وقلْ إنه نسخة من الملف الذي بعثت به من مصر قبل قدومك، ولم يصل، وسوف أرفق تأكيداً مني على رداءة البريد في مصر، وضياع الكثير من الرسائل فيه، كي يُدرَج مع غيره من الطلبات، وهو يردف ذلك بتعبير إنجليزي شهير (no harm in trying) لا ضرر من المُحاولة، صار نبراساً لحركتي في بريطانيا فيما بعد، ففعلت! وعندما انصرفت من عنده كان شاغلي الأول كيف أن كلَّ من التقيت بهم في بريطانيا لا يدَّخرون الجهد في مساعدتي على الدرس والتقدُّم، بينما كان الكثيرون في مصر يحرصون على عرقلة كلّ جهدٍ من أجل التقدُّم.

وفعلاً وأثناء إقامتي في أوكسفورد استُدعيت للقاء لجنة الاختيار، وبعد أسابيع قليلة جاءتني رسالة مفرحة بأنني حصلت على منحة مجلس إدارة الكلية، هكذا كان اسمها، للدراسة للدكتوراه لمدة ثلاث سنوات، وقيمتها تسعة وخمسون جنيهاً في الشهر، فضلاً عن إعفائي من مصاريف الدراسة بالكلية. وبدلاً من الشهور الستة التي خططت لأن تكون هي كلّ رحلتي إلى أوروبا، لم أعد لمصر إلّا بعد سنوات ست ونيف.

لذلك حينما حلَّ الخريف التالي، موعدي السنوي لزيارة بيت طه حسين، كنت لازلت في بريطانيا، أبدأ الدراسة للدكتوراه في جامعة لندن، جاء خبر رحيل طه حسين في 28 أكتوبر/تشرين الأول 1973، وهو الرحيل الذي يبدو أنه جاء في موعده الدقيق مع الزمن، بعد أن حقّقت الأجيال التي كرّس طه حسين حقها في التعليم معجزة العبور الضخمة في الأيام الأولى لحرب أكتوبر، وقبل أن تتكشف الثغرة عمّا تكشفت عنه من مآسٍ جرَّت مصر بعدها إلى الهوان، وتكريس الهزيمة، والتفريط، في كامب ديفيد، فيما تحقّق من استقلالها الوطنيّ. فقد كان الجنود الذين حقّقوا معجزة العبور هم خريجو الجامعات الذين تعلّموا فيها بسبب شعار طه حسين «التعليم كالماء والهواء»، ثم دخلت دفعاتهم المُتتالية الجيش عقب النكسة، وقامت على أكتافهم عملية إعادة بناء جيشٍ حقيقي بكوادر قادرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، بعدما كان عبدالحكيم عامر قد خرّبه من الداخل فانهزم في ساعاتٍ، وأضاع سيناء وبقية فلسطين. 

أقول جاء رحيل طه حسين في موعده مع القدر. وطلب مني مركز الشرق الأوسط في جامعة أوكسفورد أن أتحدَّث عنه في سيمنار الجمعة الأسبوعي الشهير. ولبيت الدعوة بسعادةٍ غامرة، وبدأتها بقولي إنه لولا طه حسين، ولولا الدور الذي لعبه في تحرير التعليم في مصر، لما كنت أنا هنا اليوم أتحدَّث إليكم عنه. واستعرضت بعد الحديث عن دوره في جعل التعليم حقاً لكلّ مصريّ، الجوانب المُختلفة لمشروعه الكبير بروافده المُتعدِّدة. فإلى جانب الرافد التعليميّ الذي تحدَّثت عنه، هناك جوانب عديدة تستحق أن تُكتَب فيها كُتبٌ، أولها مشروع تحرير الخطاب الإسلاميّ من الرؤية التقليديّة القديمة، وتناوله بطريقةٍ عقليّة نقديّة في إسلاميّاته المُختلفة من (على هامش السيرة) مروراً بـ(الفتنة الكبرى) و(مرآة الإسلام) و(الوعد الحق) وحتى (الشيخان). وثانيها: مشروع ترجمة التراث الغربيّ من عيون الأدب اليونانيّ القديم وحتى شكسبير وراسين، وثالثها: مشروعه الإبداعيّ الذي جذَّر السرد العربيّ مبكراً في ميراث شهرزاد في (القصر المسحور) و(أحلام شهرزاد)، ثم انطلق به في (دعاء الكروان) و(شجرة البؤس) وصولاً إلى تأسيس السرد الواقعيّ في (المعذبون في الأرض). ورابعها مشروعه الأدبيّ النقديّ الذي بدأ بـ(في الشعر الجاهليّ) واستمرّ في دراساته المُتعدِّدة للأدب العربيّ القديم منه والحديث. وخامسها: مشروع تأسيس مجلّة أدبيّة عصريّة من طرازٍ رفيع من خلال (الكاتب المصري) وما أصدر معها من ترجمات ومطبوعات. وغيرها من مشروعات كتأسيس السيرة الذاتية في (الأيام) أو رسم خطة للمستقبل في (مستقبل الثقافة) أو الاهتمام بوحدة الثقافة العربيّة وتقديم ما يراه مُهمَّاً في إنتاج كُتَّابها من مختلف البلدان العربيّة، وغيرها.

لكن أهمّ ما أرساه، بالإضافة إلى كلّ هذه المشروعات الضخمة التي يكفي أيٌّ منها لتوطيد مكانة أي كَاتِب أو مُثقَّف، والذي حرص على تكراره أثناء الجلسات الثلاث التي أتيحت لي عنده، هو النمط الذي قدَّمه لاستقلال المُثقَّف ونزاهته واعتصامه بما يدعوه أستاذنا الكبير يحيى حقي بالأنفة. ذلك الأمر الذي يهتدي فيه المُثقَّف ببوصلة داخليّة راقية تحرِّك سلوكه ومشاريعه الثقافيّة. ولن أذكِّر القُرَّاء هنا باستقالته من الجامعة حينما طلبت منه المُؤسَّسة السياسيّة أن يوطئ استقلالها لخدمة مصالحها السياسيّة في ثلاثينيّات القرن الماضي، لأنه كان يعي من البداية أن المُثقَّف الحُرّ ضمير مجتمعه، وأنه مَنْ يعلي مكانة القيم الأخلاقيّة والمعنويّة في شتى مناحي الحياة وفي كلّ ممارساتها اليوميّة، ويجعلها نبراساً يهتدي به المجتمع كله. وأننا كلما أوهنا دور المُثقَّف وسلطة الضمير الفكريّ المُستقل، تعثَّر المجتمع وتدنَّت مكانة القيم فيه، وهو المُقدِّمة التي تفتح أبواب الشر والفساد على مصاريعها. والواقع أن كلماته في آخر لقاءٍ لي به مازالت ترن في أذنيّ حتى الآن وهي: أن على جيلنا أن يخوض من جديد تلك المعركة التي خاضها وجيله، ولكن في ظروفٍ أصعب، فقد بلغ التردِّي والفساد حضيضاً غير مسبوق في تاريخ مصر الحديث. وها هي مصر كلها تدفع ثمن الحط من قيمة المُثقَّف/ قيمة الضمير، وتتحوَّل إلى ما يقرب من جسدٍ ميت، لأنه جسدٌ بلا ضمير.

حوار نجيب محفوظ وَكلود سيمونْ.. الفُرصة الضائعة

خلال معرض الكتاب في القاهرة لسنةِ 1990، بادرتْ اللجنة الثقافيّة المُشرفة على نشاطات المعرض إلى استدعاء الروائي الفرنسي كلود سيمونْ الحائز على جائزة نوبل (1985)، ليُحاور زميله في ضيافة نوبل نجيب محفوظ (1988). ومنذ أسبوعيْن، عثرتُ على تسجيل لوقائع هذه الندوة ضمن الفيديوهات المُتداولة عبْر وسائط الإعلام.

قلتُ مع نفسي وأنا أستعدُّ للاستماع إلى الشريط: هذه فرصة نادرة لإنصاف الرواية العربيّة على لسان أحد أعمدة صْرحِها المُتنامي، وتجلية تفاعلها المخصب مع تراث الرواية العالميّة، بما فيها تجربة تيار الرواية الجديدة بفرنسا خلال منتصف القرن العشرين. لكن وقائع الندوة كانت مخالفة لما توقعتُ، ودون ما أمّلتُ، نتيجة لطريقة تأطير الحوار وعدم حرص محفوظ على إنصاف مَنْ حملوا المشعل بعده، وغامروا على طريق الإبداع ليُضيفوا لبناتٍ مُجدّدة وأشكالاً تتصادى مع منجزات الرواية عالميّاً. لأجل ذلك، أودُّ أن أعرض أهمّ ما قرأه سيمونْ في مداخلته المكتوبة، وما تفوَّه به نجيب في ردوده المُرتجلة.

انطلق كلود سيمونْ من مفهومه للكتابة وصوْغ الرواية، مؤكّداً على التباعد الملحوظ بين الواقع والنصّ المكتوب، ومن ثَمَّ الشكّ في قدرة الكتابة الإبداعية على تغيير الواقع كما ذهب إلى ذلك أنصار نظريّة الالتزام السارتري التي اكتسحتْ الساحة الأدبيّة في فرنسا عقب الحرب العالميّة الثانية. وهذا التحوُّل في مفهوم الأدب والرواية والذي نادى به تيار الرواية الجديدة، دون أن يتشابه أعضاؤه في شكل ومُحتوى ما يكتبون، يعودُ إلى اختلاف عميق بين الروائيين الفرنسيّين الجُدد وروائيي القرن التاسع عشر، وعلى رأسهم بلزاك وزولا وستاندال. ويعود أساس الخلاف بين كلود وزملائه من جهةٍ، وأسلافهم وبعض مُعاصِريهم من جهةٍ ثانية، إلى عنصريْن اثنين: أحدهما تلخصه قولةٌ للشاعر باسترناك: «لا أحد يصنع التاريخ، فنحنُ لا نراه، مثلما أننا لا نرى العُشبَ ينبُت». وهذا ما جعل سيمونْ ينحو صوْب اسْتبار النفس البشريّة في تفاصيل المشاعر واضطرابها وشكوكها، وملامسة أسئلتها الميتافيزيقيّة النابعة من واقع محفوف بالالتباس والتناقضات… بعبارةٍ أخرى، هو لا يرى الواقع في تجليّاته المادية البادية للعيان فقط، وإنما يهمه أكثر ذلك الواقعُ المُتخفي، المراوغ الذي يتحكّم في السلوك وردود الفعل والتعاطي مع الحياة. والعنصر الثاني الذي يميّز تيار الرواية الجديدة، هو أن ما يُصنّف ضمن الرواية الواقعيّة والطبيعيّة درَجَ على فصل الرواية عن بقية الفنون الأخرى وتجليّاتها الشكلية، ليجعل منها أداة لنَقلِ المعرفة واستخلاص العِبَر الأخلاقيّة والاجتماعيّة، ومن ثَمَّ يُحوّلها إلى حكاية خرافية (fable) تختزل الواقع والشكوك المحيطة بإدراكه. وهذا هو ما جعل، في نظر كلود سيمونْ، مجموعة من الروائيين في العالم يُجددون شكل الرواية ومضمونها، مشيراً إلى كلٍّ من دوستويفسكي وبروستْ وَجُويْس وبيرانديللو. وبالنسبة له، يحرص على الاهتمام بالشكل واللّغة، لأنه لا يعتقد أن المعنى يمكن أن يوجد خارج الكتابة وقبْلَ إنجازها. ذلك أن العلائق المُعقدة، المستعصية على التحديد التي توجد بين الإنسان وتاريخه، لا يمكن القبضُ عليها إلّا من خلال الكتابة وطرائق السرد وتشكيل الفضاء على نحوٍ يُجسّد الصراع اليائس بين النظام والفوضى، ويوضح الالتباس القائم بين الإنسان وتاريخه. من ثَمَّ، يحرص كلود سيمونْ على أن تكون رواياته ذات بنيةٍ مفتوحة، لا بنية مغلقة حسب المصطلح الذي استعمله أمبرتو إيكو.

أمّا نجيب محفوظ الذي لمْ يُعِدّ ورقة مكتوبة، فقد اكتفى بتعليقات قصيرة، تؤكّد على أهمّية المعنى في الكتابة، وعلى استيحاء الروائي للمشاكل والأحداث التي يعيشها مجتمعه. وأشار إلى أنه في مطلع علاقته بكتابة الرواية، بذل جهداً كبيراً لاستيعاب الاتجاهات الروائية الحديثة في أوروبا، لكنه لم يقتنع بأنها صالحة لتجسيد الهموم والمشكلات التي كانت تشغل المجتمع المصري آنذاك. وهذا الرأي سبق لنجيب محفوظ أن ردّدهُ في حواراتٍ صحافية كنتُ قد قرأتُها خلال سبعينيات القرن الماضي. بعبارةٍ ثانية، لم يكلف محفوظ نفسه عناء التعريف بالتحوُّلات التي عرفها خلال تجربته الطويلة. وكلّ مَنْ تابع إنتاج محفوظ، يعرف أنه تفاعل بشكلٍ أو بآخر، مع طرائق السرد والأشكال الحديثة، العالميّة، خاصّةً في «الّلصّ والكلاب» وَ«أولاد حارتنا» وصولاً إلى كتابته الشذرية في «أصداء السيرة الذاتية».

محمد برادة

غير أن ما افتقدتُه في ذلك الحوار التاريخيّ بين روائييْن بارزيْن ينتميان إلى مُجتمعيْن مُتغايريْن، هو المقارنة بين الوضع الاعتباري للرواية داخل مجتمعيْن لهما مساران تاريخيّان وحضاريّان مختلفان، ما جعل دور الرواية يتباينُ، وكذلك علاقتها بالتاريخ والأيديولوجيا. ذلك أن مصر والفضاء العربيّ لم يعيشا القرنيْن الثامن والتاسع عشر بنفس الوعي والتركيبة الاجتماعيّة اللذيْن عرفتْهما أوروبا من خلال المشروع التنويري والصراع لإقرار النظام الديموقراطي… وهي حقبة ثريّة وجدت انعكاساتٍ لها في الرواية الواقعيّة والطبيعيّة لدرجة أن البعض اقترح اعتمادَها عند التأريخ لتلك المرحلة… بينما استِنْباتُ الواقعيّة في الأدب العربيّ الوليد منذ نهاية القرن 19 إلى منتصف القرن العشرين، تحققَ ضمن بنياتٍ وتركيبات اجتماعيّة أبعد ما تكون عن وضوح قيم وعلائق مجتمعات تقُودها البورجوازية والرأسمالُ الاستعماريّ. لأجل ذلك، كان مشروع نجيب محفوظ الأوّلي مُبرراً ومفيداً، إذْ وظّف عدداً لا بأس به من رواياته لتقديم صورة «واقعيّة» عن مجتمعه الساعي إلى الاستقلال والتحديث والتحرُّر، إلّا أن ذلك الشكل الروائي سُرعان ما تبدَّى غير كافٍ ومُفارق للتعقيدات التي طرأتْ على مجتمعات الفضاء العربيّ، خاصّة بعد هزيمة 1967، واتّضاح أن التاريخ يسلك في مجراه دروباً شائكة ومتداخلة، تتعدّى الظاهر لتغوص في أعماق الفرد وَلا وعْيه وتُسائل المسكوت عنه في وثائق التاريخ والسياسة… وهذا المنحى الجديد في الرواية العربيّة هو ما اضطلع به جيلُ الستينيات في مصر، ثم في بقية أقطار الفضاء العربيّ بِدرجاتٍ متفاوتة. وما افتقدتُه في هذه الندوة هو الإشارة من لدُن محفوظ إلى دور ذلك الجيل، لأنه كان يعرف إنتاجه، وله صداقاتٌ مع بعضٍ من مبدعيه. صحيح أن تجديدات جيل ستينيات القرن الماضي والأجيال التالية له لم تكن مطابقة لتنظيرات روبْ كرييه أوْ نتالي ساروت صاحبة «زمنُ الشكّ»، إلّا أنها فتحتْ باب التجريب والتجديد على مصراعيْه متفاعلةً مع مجموع الاجتهادات الفنّيّة التي كانت تتحقَّق عالميّاً من الهند إلى أميركا اللاتينية. جهودُ هذه الأجيال في مصر وفي بقية الأقطار العربيّة هي التي غابَ صوتُها عن تلك الندوة التاريخيّة التي كان من الممكن أن تلقي أضواء على أهمّية الرواية اليوم عندنا، رغْم ما تعانيه من حصارٍ وتناقُصٍ في عدد القُرَّاء. لكنها أثبتت قدرتها على التغلغل في الدهاليز الخلفية للمجتمع وفي أعماق الفرد العربيّ المسحوق تحت أنظمةٍ مُتسلّطة تُصرّ على أن تعيش حاضرَ التاريخ مِنْ منظورٍ ماضَويّ. ما نبّه إليه جيلُ الستينيات والأجيال التي توالتْ بعده، على امتداد الفضاء العربيّ، هو أن الأدب والرواية بصفةٍ خاصّة، لا تكتسب مُبرراً لوجودها إلّا إذا استطاعت أن تنأى عن خطابات جَوْقةِ المادحين ومُزيفي الواقع والتاريخ. الرواية التي نقصدها هي التي أصبحت، عالميّاً، تجسِّد مغامرة فكريّة وشعوريّة وفنّيّة لاستكشاف المخبوء، ومحاورة المجهول في الكون وفي أعماق النفوس، ومن ثَمَّ ضرورة التجدُّد والتفاعل بين الروايات على اختلاف انتماءاتها اللّغويّة والحضاريّة، لأن «قانون» المُثاقفة يفرض على جميع الثقافات أن تتفاعل لتُسهم في بلورة القيم الفنّيّة والإبداعيّة الجديرة بالبقاء والاعتبار.

دوائر العُزلة

لا شيء يُشبه ما نعيشه الآن على صعيد الذاتِ والعَالَم؛ الفردِ والمجتمع؛ الكياناتِ السياسيّة ممثّلةً في الدولةِ القوميّة والمجتمعِ الدوليّ الأوسع الذي تُقيم معه هذه الدولةُ علاقاتٍ سياسيّة وتجاريّة وثقافيّة ورياضيّة. فالكوكب كلّه يجد نفسه يتجه من الخارج إلى الداخل، من المساحات المفتوحة إلى الأماكن المُغلقة، من صخب القرية الكونيّة التي تتخذ من الاتصال والتشبيك والحركة، والسياسة والاقتصاد المُعولمين، والسفر الدائم، والهجرة، واختيار المنفى كحالة وجودية، وزوال الحدود، وضعف الدولة القوميّة وحلول أشكال معولمة من العلاقات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، إلى العودة إلى الحدود القوميّة وانغلاق الدول والمجتمعات على نفسها. لقد حلَّ الشكُّ والحذر والتحسُّب من الاتصال بالآخرين، ومَنْ هم خارج الحدود (حتى المدن داخل الكيان الواحد أصبحت معزولة عن بعضها بعضاً، كما القرى والأطراف عن مراكزها المدينيَّة)، محلَّ التواصل والانفتاح والتبادُل والقرب، في عزلةٍ إجباريّة تفرضها البشريّة على نفسها خوفاً من المرض والموت، الفرديّ والجماعيّ. هكذا، وبمعنى من المعاني، انهارت العولمة بضربةٍ واحدة من فيروس كورونا الذي فرض على البشريّة نمطاً من العيش المُتوحِّد، المنعزل، الذي يلوذ بذاته خائفاً من الآخرين الذين صاروا همّ الجحيمَ بالمعنى الحرفيّ لا الوجوديّ الرمزيّ، كما قال فيلسوف الوجوديّة الأشهر جان بول سارتر. 

فخري صالح (الأردن)

بعد شهورٍ عِدّة من حظر التجوُّل الكامل، أو الجزئي؛ من طلب الحكومات من مواطنيها أن يلزموا بيوتهم فلا يغادرونها إلّا للضرورة القصوى؛ وبعد أن دخل تعبير «التباعُد الاجتماعيّ – social distancing» قواميس اللّغات المختلفة، وصار البشرُ يتجنَّبون بعضهم بعضاً، ويُصابون بالهلع إذا اصطدم واحدهم بالآخر في المتجر أو في الشارع، فإنّ علينا أن نفكِّر مليّاً بالمنحنى الذي سيُشكِّل حياتنا في الشهورِ أو السنواتِ المقبلة. لا مقاهي، لا مطاعم، لا دور سينما أو مسرح، لا مهرجانات أو احتفالات أو مدرجات محتشدة بمَنْ يريدون أن يحضروا عرضاً موسيقيّاً في الهواء الطلق، أو مباراة رياضيّة يشاهدها عشرات الآلاف من البشر الذين يتدافعون بالمناكب، ويحتضنون بعضهم بعضاً إذا ما هزَّ الشباك هدفٌ لناديهم الذي يحبون. كلّ هذه الأنواع من النشاط والاجتماع الإنسانيين متوقّفة، الآن على الأقلّ، أو يجري التعامل معها بحذر، وضمن استراتيجيّات التباعُد وعدم التجمهر. لقد فُرضت علينا عزلة إجباريّة مفتوحة، قد تطول أو تقصر، وقد يتغيَّر معها شكل الاجتماع الإنسانيّ، وأشكال التجارة والاقتصاد والمعرفة، والعلاقات السياسيّة، والتعاون في مجالات الصحّة والغذاء واحتياجات البشر الضروريّة الأخرى. نحن مقبلون، إذاً، على تغيير في طبيعة العلاقات والتحالفات، التي سوف يرسم فيروس كورونا حدودها، كما حصل بعد الحروب الكبرى، وانتشار الأوبئة التي قوَّضت حضارات وإمبراطوريّات وأحلَّت محلها أخرى. 

في هذا السياق من العُزلة، والعودة إلى ألفة البيت (أو ربَّما وحشته وجدرانه التي تفصلنا عن العَالَم الخارجيّ وأفراد المجتمع الآخرين، بمَنْ فيهم آباؤنا وأمهاتنا وإخوتنا وأبناؤنا وأصدقاؤنا الأقربون)، والعائلة الصغيرة، أو البقاء وحيدين لا نتصل أو نتواصل مع الآخرين إلّا من خلال الشبكة العنكبوتيّة أو الهواتف النقَّالة، تبدو العُزلة حالةً كونيّة مُعمَّمة. فلا فضل للدول المُتقدِّمة فيها على الدول غير المُتقدِّمة، أو للغني على الفقير. ملايين من البشر مضطرون للتباعُد عن بعضهم البعض والانسحاب إلى الداخل، إلى حيِّز ضيق مهما بدا، في زمن التكنولوجيا فائقة التقدُّم، رحيباً.

وبصرف النظر عن العواقب النفسيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، التي سيخلفها هذا العزل الإجباري للبشر، من أجل الحفاظ على صحتهم الجسديّة ومنع انتشار الوباء القاتل، فإن تأمُّل معنى العُزلة، في الأدب والثقافة، في نصوص من الأدب العالميّ والعربيّ، التي انشغلت بتصوير عودة الفرد إلى مساحته الشخصيّة؛ ذاته أو بيته، وتحصُّنه بعيداً عن الجموع الحاشدة في الخارج، والركون إلى الصمت للتأمُّل أو التعبُّد أو الإبداع، يُشير في بعض منه إلى لحظاتٍ فارقة في تاريخ البشر، على رأسها الأوبئة التي حصدت أرواح الملايين عبر التاريخ. وما يفعله أهل القرن الحادي والعشرين، في مواجهة جائِحة كورونا، هو الشيء نفسه الذي فعله البشر عندما تفشت الأنفلونزا الإسبانيّة عامي 1918 – 1919 وحصدت منهم ما يقترب من مئة مليون إنسان، كما أنه لا يختلف عمّا فعلوه أثناء تفشي الطاعون، وأوبئة عديدة أخرى في عصورٍ سابقة تركت أثرها على حيواتهم، كما على منجزهم الأدبيّ أو الفكريّ أو الفَنّيّ. لقد طبعت الأوبئة، كما الحروب، بطابعها شكلَ الحياة التي صمدت بعد أن وضعت الحرب أوزارها، واختفت الأوبئة أو تغلَّب عليها العِلمُ والطبُ. 

تختلف هذه العُزلة الإجباريّة، التي تفرضها أحكام وظروف قاهرة، عن العُزلة المُختارة التي يلجأ فيها الأنبياء والرسل والقديسون إلى الابتعاد عن الجموع للتأمُّل والعبادة؛ أو يلجأ فيها المُبدعون من شعراء وكُتَّاب وفنَّانين وباحثين إلى الابتعاد عن صحبة الآخرين لكي يستطيعوا التأمُّل والكتابة والإبداع. فالنوع الأخير يفتح الآفاق، ويوسِّع الخيال، ويطل على بئر الأعماق، ويهدي إلى حكمة العيش والوجود. فيما النوع الأول يفتح النفس على هاوية عميقة، ويجعل البشر يتصوَّرون اقتراب نهاياتهم والموت يترصدهم في زوايا الطرقات. 

تمثيلاً للعُزلة المُختارة يمكن أن نشير إلى تجربة الرومانسيّين الإنجليز الذين تطوَّرت تصوُّراتُهم النظريّة لمعنى الشعر والإبداع، وكذلك منجزُهم الشعري، انطلاقاً من التأمُّل والعُزلة، بوصف الإبداع الشعريّ نتاجاً لتواصل الشاعر مع الطبيعة، التي تمثل البراءة ومصدر الخلق، وانفصاله عن جموع البشر. هكذا يهيم الشاعر الإنجليزيّ «وليم ووردسوورث» (1770 – 1850) على وجهه «مثل غيمة تطفو فوق الوديان والتلال»، كما يقول في قصيدته الشهيرة، مستعيضاً عن صحبة البشر بصحبة «أجمات النرجس البري الذهبيّة قرب البحيرة وتحت الأشجار، وهي ترقص في مهب النسيم». وقد كان «ووردسوورث» يمشي وحيداً في ربوع الريف الإنجليزيّ، مفكِّراً بالقصائد التي يرغب في تأليفها، وبنعيم العُزلة التي عدَّها رحم الخلق الفَنيّ. ويُقال إنه مشى في حياته ما يزيد على مئة وثمانين ألف ميل.

في السياق نفسه تعرِّف الفيلسوفة الألمانيّة حنة آرندت في كتابها «أصول التوتاليتاريّة» (1951) الإنسان المُنعزل solitary بأنه ذلك الكائن الوحيد «الذي يستطيع أن يكون مع نفسه»، لأن لدى البشر «القدرة على الحديث مع أنفسهم». فحسب أرندت، فأنا كإنسان «أستطيع أن أكون مع نفسي»، و«بنفسي»، وفي هذه الحالة «أكون اثنين في واحد». 

أمّا القاموس العربيّ فيعرف العُزلة بأنها: الميل إلى الانزواء، والابتعاد عن الآخرين، والتنحي، والانقطاع، والمجانبة، والانفصال، والبقاء وحيداً، والتخلّي، والانصراف، والانفراد عن الجماعة وتجنُّبها. (وقد اعتزل واصل بن عطاء (700م – 748م) حلقة الحسن البصري، لخلافهما حول مرتكب الكبيرة، فقال البصري: اعتزلنا واصل، فنشأ بذلك مذهب المُعتزلة في علم الكلام الإسلاميّ). وهي معانٍ في معظمها سلبيّة، على عكس ما هو في اللّغة الإنجليزيّة مثلاً، حيث يتسم تعريف كلمة solitude بالإيجابيّة، لأن العُزلة طريق الحكمة، والقرب من الله، والتأمُّل والخلق والابتكار والإبداع، على عكس كلمة loneliness التي يضفي عليها القاموس معنى سلبيّاً.

انطلاقاً من هذه التأمُّلات، سوف أسعى، في مقالاتٍ لاحقة، إلى محاولة تبصُّر معنى العُزلة في أعمالٍ أدبيّة عالميّة وعربيّة كبيرة، وتفسير العلاقة التي تربط هذه الأعمال بسياقاتها التاريخيّة وشروط إنتاجها والمعاني الكامنة للعزلة في هذه النصوص، في زمن تبدو فيه العُزلة والانفراد عن الآخرين قدراً يصعب تجنُّبه، ولو كان مؤقَّتاً ونسبيّاً.

الكورونا.. ظاهرة إعلاميّة؟

استطاع فيروس كورونا في وقتٍ قياسيّ أن يُحقّق ما عجزت عنه أشرسُ الشموليّات: حثّ الناس على تكميم أفواههم بأنفسهم. دَفْعهم إلى إخلاء الشوارع ولزوم البيوت. إيهامهم بضرورة الانعزال بعضهم عن بعض طلبًا للسلامة. إقناعهم بما ذهب إليه باسكال حين قال «إنّ كُلَّ شقاءِ البشر ناجمٌ عن كونهم لا يعرفون الركونَ إلى الراحةِ في غرفة». 

تُقِرُّ الجهاتُ الرسميّة في فرنسا مثلاً بأنّ عدد الوفيات اليوميّة بسبب (كوفيد – 19) أقلّ بكثير من عدد الوفيات اليوميّة بسبب السرطان. كما تُذَكِّرُ اليونسكو بأنّ 25 ألفًا من البشر يموتون في العالم يوميًّا بسبب الجوع، من بينهم عشرة آلاف طفل. دون أن يرفَّ للعَالَمِ جفنٌ. دون أن تُفكّر «منظومةُ المال والسياسة» في إيقاف عجلتها الشرسة ولو لثوانٍ. 

ما الذي جَدَّ إذَنْ؟

أعتقد أنّ هذا الفيروس ما كان ليوقف عقارب الساعة العالميّة عن الدوران بهذه «القصوويّة»، لولا حضورُ الإعلام بشكلٍ غير مسبوق. أقصد ذلك الجانب من الإعلام الذي عرف كيف يتمرَّد على المثلّث الجهنّمي: مجتمع التعاليم، ومجتمع التعليمات، ومجتمع المعلومات. حيث «الأغُورَا» سُوقٌ دَيْدَنُها الربح والكلُّ فيها سلعة، حتّى البشر، الذي يُراد له هو تحديدًا أن يكون بضاعةً قليلةَ العلَف سريعةَ التلف قابلةً للاستبدال. 

لولا «تَفشِّي» فيروس الكورونا كمعلومةٍ لَمَا اختلفَ ردُّ الفعل تجاهَهُ عن ردِّ الفعل تجاه ما سبقه من الفيروسات والأوبئة. الأمر الذي يجعلنا أمام «ظاهرة إعلاميّة» بالمعنى الإيجابي للعبارة. أي بالمعنى الذي ينحني خشوعًا أمام ضحاياها ولا يهوّن من شأن ما تسبّبت فيه (وما قد تتسبّب فيه) من كوارث، لكنّه يرفض التغافل عن الأبعاد الأخرى التي يُتَحاشَى الخوض فيها. 

تلك هي قناعتي. لذلك علينا أن ندعم الجانب «المنفلت» من الإعلام. علينا أن نحميه عن طريق نقْدِهِ وتحصينه من أمراضه وفيروساته الكثيرة. بعيدًا عن غواية التوظيف أو الترويض. استعدادًا للمعارك القادمة. وهي قادمة لا محالة بعد أن امتصّت المنظومة الدوليّة الصدمة، وعثرت على «عناصر الخطاب» المناسبة لجَعْل رَفْع الحَجْر بلا ضماناتٍ حقيقيّةٍ «مَطْلَبًا شعبيًّا»! ولم يبقَ إلّا أن يختفي الفيروس بضربة عصًا سحريّة، بينما المنظومةُ «تغسل يديها» أمامنا مثل بيلاطس، ولسان حالها يقول من على منابرها المطيعة الطيّعة: «أخفِي عنّي هذا الفيروس الذي لا أطيق رؤيته». 

قد يكون رفْع الحُجب عن «كواليس» المنظومة إحدى هدايا الجائحة للمُستَغْفَلين أو للمحكومين في العالم، كي لا يسمحوا لأحد أن يحكمهم من جديد عن طريق إدارة الهلع من اللامرئيّ. ولعلّنا نكتشف قريبًا أنّ هذه «العيانيّة» (هكذا أرى ترجمة عبارة visibilité) كانت نقطة الضوء الأساسيّة في عتمة «اللحظة الكورونيّة». لا بسبب ما سبق فحسب، بل بسبب فعلها المُمكِن في الكثير من المفاهيم والمُسلّمات.

آدم فتحي (تونس)
آدم فتحي (تونس)

قبولُ الناس بارتداء «الكمّامات» قد ينبّههم إلى أنّ «ثمّة شيئًا متعفّنًا في مملكة الدنمارك» لا يُراد لهم مُقاوَمتُه. إخلاءُ الشارع قد يلفت انتباههم إلى أنّ قبولهم اليوم بالعمل عن بُعْدٍ قد يفتح الطريق غدًا إلى قبولهم بالتظاهر عن بُعْدٍ. لُزُومهم البيت قد يُحفّزهم على مُساءلَةِ أسباب تفتُّتِ الأسرة، وقد يشجّعهم على اكتشاف خفايَا تحوُّل البيت من ملاذٍ إلى حَبْس. من مأمنٍ إلى عقوبة. من وطَنٍ إلى منْفًى. بعيدًا عن ذلك النوع من «الرحم» أو «الجسد الأموميّ» الذي تغنّى به باشلار، نشدانًا للسعادة، أو للإقامة «شعريًّا» في أرض البشر المتناهية، لا في ذلك الفضاء الهُولْدِرْلِينيّ اللامتناهي. 

الاطّلاعُ اليوميّ على ما يَظهر من خفايا ظهور الفيروس أو «تصنيعه» قد يُنشّط التفكيرَ في خطل تأسيس القيمة على «الربح» و«القوّة» و«التوحُّش»، وقد يُرغِمُ الإنسانيّةَ على شيء من التواضع! فما الذي نختلف فيه عن الفيروسات؟ الفيروساتُ تحتاج إلى الخلايا المُضيفة كي تتكاثر وتتغوّل. لذلك لابدّ من استخدام فيروسات مضادّة (virostatika) تمنعها من دخول الخلايا المُضيفة. إنّها بمثابة الضيف الثقيل الذي يقتحم البيت ويسيطر عليه عن طريق التهام ما فيه من مؤونة. هذا يعني أنّ فيروس الكورونا ما كان لينجح لولا استعدادنا «لتسمينه». وليس من حلٍّ إلّا أن تُغلَقَ في وجهه مخازنُ التموين. لكن ما العمل إذا كانت المفاتيح في يد فيروسٍ أكبَر اسمُهُ الإنسان؟

«العزلُ» قد يغيّر علاقتنا بالمكان الذي خُيِّل إلينا أنّنا ننتشر فيه ونتمدّد فإذا نحن ننكمش ونتقوقع. إقفالُ المدارس (وفتْحُها لتمكين الأولياء من الذهاب إلى العمل) قد يكون فرصةً للانتباه إلى المكانة الدنيا التي آلت إليها التربية. وقد يتيح الانتباه إلى عواقب تضارُبِ الساعات (الأُسَريّة والمهنيّة والثقافيّة) ودوران عقاربها كلّ عكسَ اتّجاه الأخرى. الأمر الذي يحفر شرخًا متّسعًا بين التربية والتعليم من جهةٍ، وبينهما وبين الإعلام والثقافة من جهةٍ ثانية، مختزلاً فضاءاتها في أماكن لحراسة الصغار (garderies) من جهةٍ، وأماكن لقتْل الوقت وإعدام المعنى بدعوى تسلية الكبار من الجهةِ الأخرى. 

أمّا إلغاء «التظاهرات» الثقافيّة وإغلاق المكتبات والمسارح ودُورِ الثقافة وقاعات السينما، فلعلّه يزيح ورقة التوت الأخيرة التي تُخفِي مُعاداةَ المنظومة واحتقارَها التامّ للشيء الثقافيّ، ورغبتَها في «حيْونَة» الإنسان عند أوّل فرصة، عن طريق اختزاله في إشباع غرائزه، وتجريده من «الحاجة إلى الثقافة» التي جعلت منه ما هو. 

لقد برهنت طريقةُ إدارة «حرب الكورونا» المزعومة على أنّ معظم أصحاب القرار لا يخافون شيئًا كما يخافون الثقافة. «اللعبةُ» السياسيّة بالنسبة إليهم «طاقيةُ إخفاء» كي لا يراهم أحد. ولمّا كانوا يعلمون أنّ الثقافة هي المرآة الوحيدة القادرة على تحويل «اللامرئيّ» إلى مرئيٍّ لا تُحتَمل رؤيته ولابدّ من تغييره، فإنّهم ما انفكّوا يسعون إلى تصفيتها وإلغائها من المشهد. وليس من طريقةٍ أفتك من القمع والتجويع كالتشويه والاحتقار. بدايةً من اختزال الشيء الثقافيّ في التسلية والترفيه، وصولاً إلى إنتاج ما سمّاه فيليب موراي «الهومو فيستيفوس Homo Festivus» الذي يتمُّ تقديمه قربانًا لكلّ وحشٍ يظهر.

هكذا باتت الثقافة في نظر معظم أصحاب القرار: أوّل شيء يمكن الاستغناء عنه والتضحية به وآخر شيء يُفَكَّر في إسناده والدفاع عنه، بل إنّهم نجحوا حتى في إقناع «شُهُودٍ من أهلها» بأنّها ليست ضروريّة، وأنّ أهلها ليسوا من «جنود الصفّ الأوّل» في مثل هذه «الحروب»! متناسين أنّ المناعة ثقافة أو لا تكون. أنّ الأمنَ ثقافيٌّ، صحيًّا وغذائيًّا كانَ أم «قوميًّا». أنّ الثقافة هي التي تُرَسِّخُ في العقول والوجدان القيم التي تدور بفضلها عقارب كلّ الساعات وعلى رأسها الساعة الاقتصاديّة. تناسوا كلّ ذلك. وما إنْ قرّروا «الحَجْر» حتى حجروا على الثقافة. ما إنْ قرّروا «رفع الحَجْر» حتّى استثنوا كلّ فضاءٍ ثقافيّ. لقد خيّل إليهم أنّ أصغر مغازة أو مخبزة، في مثل هذه اللحظات الكارثيّة، أهمّ من أكبر مسرح أو مكتبة. لم يتركوا مكتبةً واحدة تشتغل. لم يفكّروا حتّى في تنظير «المكتبات» بدكاكين المُكَسَّرات! 

قد تكون «اللحظة الكورونيّة» فرصةً لإعادة النظر في كلّ هذا. وقد تغتنم الإنسانيّة هذه الفرصة وقد لا تفعل. كلّ ذلك مشروط بإرادة البشر وإصرارهم على الدفاع عن حرّيّتهم. بقدرتهم على التفاؤل بلا سذاجة وحرصهم على ترجمة تفاؤلهم إلى واقع ملموس. بانتباهم إلى أهميّة إزاحة اللثام ورفْع طاقيّة الإخفاء عن كلّ ما يُدارُ في الخفاء، وتحويله إلى «ظاهرة إعلاميّة» بالمعنى الذي حاولنا تشخيصه. 

في انتظار ذلك أرى فصْلَ «رفع الحَجْر» يقترب، واثقًا من أنّه سيحلُّ بالضرورة قبل أوانه. أضربُ بيديّ وبالكلمات على جنبات «الخزّان». ليس لديّ غير يديّ وكلماتي. الصوتُ بَحَّ من النباح في البريّة. أشُمُّ رائحةَ أحلامٍ تحترق. أنحني لمظاهر التضامن ونكران الذات وأشمئزّ لأمارات الجشع والاستثمار في الكارثة. أقفُ مشدوهًا أمام أرضٍ جريحة، نصفُها منخرطٌ في عرسٍ لا يَتمّ ونصفُها منغمسٌ في حدادٍ لا ينتهي. 

أحاولُ التفكير على طريقتي في طبيعة ما يحدث. 

رأيتُ في البداية أن أنأى بنفسي عمّا خيّل إليّ أنّه انخراطٌ في الجوقة. رفضتُ المَشْيَ على مخاوف الناس وآلامهم، لكنّها سرعان ما بدت مخاوفي وآلامي. استطاعَ الإعلام (ربّما للمرّة الأولى بهذا الشكل) أن يحشر الجميع في نفس المربّع، وأن يضع أقدام سكّان العالم كلّهم على الجمرة نفسها. فجأةً خُيّل إلينا أنّ «التباعُد» جعلنا نتقارب أكثر. كان ذلك وهمًا طبْعًا. ليس المحصورُ في فِيلّا بطوابق كساكنِ عُلبةِ صفيح، ولا صاحبُ الحِذاءِ الجِلْدِ كالحافي. لكن لا بأس. لم نَعُدْ مَخْفِيّين بعضُنا عن بعضٍ كالسابق. صنعتْ اللحظةُ قدْرًا أكبر من «المُشْتَرَك»، فإذا التراجيديا على الرغم من جوانبها الكرنفاليّة، أكثر جديّة وأشدّ وطأةً من أن تُتْرَكَ خارِجَ مجال «التفكير معًا».

التفكير والإبداع ليسا اثْنين في نظري. إنّهما اثنان في واحدٍ. قد يُضيءُ أحدُهما الطريق للآخر في ظرفٍ مُعيّن وقد يتمخّض أحدهما عن الثاني في ظرفٍ آخر. إنّهما يتطلّبان عادةً اتّخاذَ مسافةٍ من الوقائع والأحداث. لكنّها مسافةٌ تُقاسُ بالكثافة لا بالامتداد في الزمن. وهي نتيجةُ كيمياء خفيّة بين المزاج والموهبة والمعرفة لا يملك سرّها أحد. الامتداد في الزمن لا يمنع الرداءة والاستجابة الفوريّة لا تمنع الجودة. لذلك تتعدّد طرائق التفكير والإبداع تعدُّدَ المُفكّرين والمُبدعين. 

كيفما كان الأمر: «المسافة» كتمهُّلٍ أو تَعَفُّفٍ تَرَفٌ لا يتوافق مع الحياة في فوهة بركان أو بين يدي جائِحة. ليس في وسعي والمركب يحترق أن أطلب من النيران مسافةً للتفكير أو الإبداع. أحتاج إلى أن «أتوجّع فكريًّا أو إبداعيًّا» بالتوازي والتزامُن مع توجّعي الجسديّ والعاطفيّ، في انتظار أنّ «أفكّر في الوجع» بتأنٍّ حين يصبح الوقت مُتاحًا. أحتاج إلى نوعٍ من التفكير غيْرِ المُفَكّر فيه. لعلّه نوعٌ من التفكير الفوريّ، العفويّ، الحدْسيّ، كدتُ أقول الغريزيّ لولا علمي بأنّ أساتذتي وأصدقائي من الفلاسفة قد ينكرون عليّ هذا الخلط. وليت أحدهم يسعفني بترجمةٍ أجمَل لعبارة «Pensée réflexe». ذلك الفضاء المُستثنى من «بروتوكولات» التفكير وفق القواعد العلميّة أو الفلسفيّة، حيث تنبثق اللمعةُ مثلما ترْمشُ العينُ لمرور نحلة. حيث تُومضُ الفكرة مثلما تندّ الصرخةُ جرّاءَ عضّةٍ أو طعنة. حيث لا أحد يُنكِرُ عليّ أن أتوجّع بأفكاري وأن أفكّر بآهاتي. 

ذاك ما أفعل. وبين الآهة والآهة أَنفرِدُ بمدينتي ليلاً. أُنصِتُ إلى آهاتِ مَنْ أعرف فيها ولا أعرف. أجسّ نبضَها لأطمئنّ عليها وعليهم. أجوب شوارعها المنثورة في غابة النيون الذابلة. ألاحظ هنا وهناك بعض الأضواء الخافتة تنبعث من بعض النوافذ، تُرجِّحُ زُرْقَتُها الرماديّةُ أنّها أضواءُ تليفزيونات أو حواسيب مفتوحة على البحر الرَّقميّ، فأفرح لأنّ أحدهم ينتبه من جديد إلى «ظاهرةٍ إعلاميّة» بالمعنى الإيجابيّ للعبارة، أو «يبحث» عنها في هذه القناة أو تلك، في هذا الموقع أو ذاك. ثمّ تذكّرني جراحي الفاغرة بأنّ بعض التفاؤل سذاجة، فأستحضرُ بطلَ رواية جون إيرفينغ «العالمُ وفْقَ غَارْب»، وأستأنفُ تِيهِي مردّدًا عبارتَهُ التي حفظتُ عن ظهر قلبٍ منذ قرأتُ الروايةَ لأوّل مرّة: «حيثما لاحَ ضوءُ تليفزيون فثمّةَ سهرانٌ لا يَقرأ»