القاضي والمتشرِّد لأحمد الصفريوي.. حين لا تكون الإثنوغرافيا سُبّة

يحدث، أحياناً، أن تتَّسم العلاقة بين الكاتب المبدع والنقّاد، بكثير من التوتُّر، خاصّةً حين يكون مصدره سوءَ فهم شنيعاً، أو تحيُّزاً مسبقاً للقناعات الشخصية. ويعتبر أحمد الصفريوي، وهو أديب مغربي يكتب بالفرنسية (1915 – 2004)، مثالاً دالّاً على هذا الوضع؛ فقد انبرى معظم النقّاد لشخصه الوديع، باللوم والتأنيب، بدعوى «هروبيَّته» و«استقالته من الواقع»، و«الانشداه بالماضي»، وكذا لمحكيّاته الجميلة بالقدح والتثريب، بزعم أنها أدب « إثنوغرافي» و«فولكلوري» و«إغرابي».

وبالبداهة، كان لهذا التأويل المغرض أثر الجرح في وجدان أحمد الصفريوي الذي أبى، مع ذلك، إلّا أن يظلّ، في نصوصه، وفيّاً لعقيدته الأدبية، والجمالية، وهي أن ينذر نفسه، بتفانٍ وإخلاص، لتصوير المجتمع المغربي من جهة تشبُّثه، خاصّة، بالتقاليد المحلِّيّة، والطقوس الاحتفالية العريقة، وتعلُّقه بالقيم الأخلاقية السلفية؛ وهوما يجعله، في نظري، منتمياً لفصيلة أولئك الكُتّاب (الآيلين إلى الانقراض، هذا إذا لم يكونوا قد انقرضوا فعلاً) ذوي النزعة الإنسية (humaniste) بالمعنى القويّ للكلمة؛ أعني تلك التي تقوم على الاعتراف المبدئي والمطلق بإنسانية الإنسان، أي بما هو أصلي وأصيل فيه؛ فمحكيّاته كلّها تتغنّى بقيم المودّة والوفاء ونكران الذات ومحبّة الآخر والتكافل والتسامح والكفاف والبساطة والتلقائية والإيمان بالقدر والتديُّن غير المتطرِّف والتفاؤل ورؤية جوانب الخير والجمال في الأشياء؛ وذلك على خلفية كلّ ما هو عتيق ونبيل وشاعري في مدينة فاس التاريخية، مسقط قلبه.

قلتُ له، ذات زيارة له في بيته، بعد أن عبّرَ لي عن تبرُّمه من التلقّي النقدي لنصوصه:

اتَّهمك النقّاد ظلماً بالرؤية الإثنوغرافية للواقع المغربي، والحال أننا لانعدم روائيِّين مغاربة، يكتبون بالعربية، وبالفرنسية، تناولوا، في نصوصهم، ما يتفرَّد به المجتمع الفاسي، والمغربي، من عادات وتقاليد تتعلَّق بالشعائر الدينية، وبطقوس الولادة والختان والزواج ودفن الموتى، وبطرق الأكل واللباس، وبحكايات النساء الحميمة على سطوح المنازل، وفي الحمّامات التقليدية..، وغيرها. ومع ذلك….

فقاطعني بنبرة استياء واحتجاج:

«ومع ذلك، لا توصف نصوصهم بالإثنوغرافية؛ لأنها، بكلّ بساطة، لا ترقى إلى مستوى هذه القيمة السامية. اسمع: إذا كانت الإثنوغرافية تعني تصوير عادات الناس البسطاء الطيِّبين، والاهتمام بالتقاليد المحلِّيّة، وتأبيد آثار الماضي المشعّة في الحاضر، فأنا أجهر بعقيدتي الإثنوغرافية، ولا أخجل، إطلاقاً، من كون نصوصي إثنوغرافية».

أمّا أنا، فأقول إن أحمد الصفريوي يكفيه فخراً أنه أسهم في صيانة جزء من التاريخ المغربي، ومن المخيال المحلّي، وفي حفظ الذاكرة الشعبية من الامّحاء، حتى ولو كان فَعَل هذا بلغة أجنبية.

كم يغريني أن أشبّه كاتبنا بذلك الشاعر المتصوّف الحكيم، المتشرِّد والملغِز، الذي خصّه بحكاية جميلة تُلمّح أكثر ممّا تصرّح، وهي الحكاية التي قمتُ، شخصياً، بترجمتها بمتعة فائقة. في ما يلي نصّ الترجمة:

 

القاضي والمتشرِّد

 

«القاضي الحاجّ حمّاد يتذكَّر هذا جيّداً : حين جاءت الخادمة التي عنده لتخبره بأن متشرِّداً أشعث الشعر ورثيث الثياب ينتظره بالباب، كانت دادا مسعودة عاكفة على تحضير قصعة «العصيدة» احتفاءً بذكرى مولد النبي.

كان اليوم، إذن، يوم عيد المولد، وكانت العادة، في مثل هذا اليوم، أن يفطر الناس في الصباح الباكر، فيحتسون «العصيدة» بواسطة ملاعق خشبية يغمسونها في صحن من الخزف الصيني يطفح بـ «السميدة» المخلوطة بعسل داكن عَطِرِ الرائحة.

وقد خاطب الحاج حمّاد خادمته الزهرة، قائلاً لها إنه لا يعرف أيّ متشرِّد، ولا يرغب في معرفة واحد من فصيلة الناس هؤلاء، لكنها أجابته بأن مَنْ ينتظره بالباب لا شبه له، إطلاقاً، بأولئك المتسوِّلين المألوفين، وبأن النور يسطع من وجهه.

لكِ خيال جيّاش، قال لها.

ثم توجَّه نحو الباب، يحدوه في ذلك بعض الفضول، وخاصّةً رغبته، في يوم العيد هذا، في عدم معاكسة خادمته الصغيرة التي كان يعاملها معاملة ابنته، فوجد الرجل واقفاً مستنداً إلى الحائط المبنيّ بالآجر. كان طويل القامة، تشعّ عيناه بجمال فتّان، وتوحي هيأته، على رغم أسماله وآثار التعب في وجهه، بعزّة النفس والوقار. فإذا بالقاضي يتساءل مبهوتاً: هل هو في حضرة سلطان خرافيّ متنكِّر في هيئة متسوِّل انبعث، فجأةً، من أعماق زمان غابر، وأقبل إليه لينعم عليه بالمال والجاه؟

وقبل أن يفتح المتشرِّد فمه، بادره الحاجّ حمّاد القول :

– مولاي، الدار دارك، هلّا تفضَّلت بالدخول. ستأكل إذا كنت جوعان، وستشرب إذا كنت عطشان. نزِّلْني منزلة أخيك، ولا تتصرَّف في داري تصرُّف الغريب.

– إذا كنتُ طرقتُ بابك، فلأن يداً خيِّرة اقتادتني إليك. أشعر بأن ما قلتَه، قبل حين، لا لياقة فيه، ولا مجاملة. أجل، سأدخل، أ الحاجّ حمّاد، هيّا بنا، قدّم لنا «العصيدة» بالعسل حتى نحتفل معاً بالحدث الأعظم؛ مولدِ خير البشر، وأجمل نور في الكون.

ثم اتَّجه الرجلان نحو قاعة الاستقبال، وجلسا على أريكتَيْن فاخرتَيْن مكسوّتَيْن بالحرير، وتبادلا، في أثناء الأكل، أطراف الحديث على ضوء نور خافت، كرفيقَيْن متوادَّيْن عركتهما تصاريف الدهر، وخبِرا بني آدم، وأفراحهم وأتراحهم. ولمّا أنهيا الأكل، اقترح القاضي على ضيفه، بلين وتأدُّب، أن يقيم في غرفة بمؤخَّر الحديقة، حيث يمكنه، بحرّية، وبدون كلفة، أن يصلّي أو يستريح، وهو ما وافقه عليه، دونما اعتراض أو تحفُّظ.

في إثر ذلك، خرج الحاجّ حمّاد لملاقاة أصحابه وأصدقائه الاعتياديِّين، لكنه لم يخبرهم بما حدث. وفي المساء، وبعد صلاة العشاء، عاد إلى داره، حيث استفسر خدّامه عن أحوال ضيفه، فأخبروه بأنه لم يغادر الغرفة طيلة اليوم، ولم يطلب طعاماً أو شراباً. فظنّ الحاجّ حمّاد أن ضيفه، ربّما يكون آثر أن ينام ليستريح، ويستعيد عافيته، فقصد غرفة الحديقة ليوقظه، ويعرض عليه أن يشاركه طعام العشاء؛ عسى ذلك أن يخفِّف تعبه، فوجد الرجل متمدِّداً فوق الفراش، متسربلاً بقميص أبيض، طويل ومرقَّع، لكنه نظيف، فبادر في عتبة الباب إلى تحيَّته بما يقتضيه الأدب:

السلام عليكم. فردَّ عليه:

وعليكم السلام. أنا عاجز عن القيام لاستقبالك، أيُّها الأخ الكريم، فمعذرة. لقد مشيت مدّة طويلة لأجل ملاقاتك، لكنني لم أكن أتصوَّر أن موتي مقدّر عليّ في ضيافتك. أنا، الآن، موقن بذلك. أترجّاك، إذن، أن تلبّي لي رغبة أخيرة: أحضِرْ لي أوراقاً بيضاء ومداداً وريشات للكتابة،فأنا حريص على أن أترك لك تذكاراً يكون بمنزلة تعبير مني عن سعادتي بالتعرُّف إليك..

فقاطعه الحاج حمّاد:

ماذا تقول، يا مولاي؟ دعك من الكلام عن الموت، لعلَّ برد الليالي، في أثناء ترحالك، قد جمَّد الدم في عروقك، وهذا يوجعك الآن، أو لعلَّ جسدك في حاجة إلى الراحة وإلى أطعمة مقوِّية. سأطلب إحضار طبيب ليلطِّف آلامك.

لا داعي لذلك أ الحاج حمّاد، فأنا لا أتألَّم. لست مريضاً. كلّ ما في الأمر أن أجَلي قد حان. أحْضِر لي الأوراق والمداد والريشات، وستعرف سبب رحلتي إليك، ومعناها، والغاية منها. هيّا، أ الحاج حمّاد، نفِّذ طلبي بسرعة. أحسُّ أن جسدي سيسلم روحه لبارئها.

أرخى القاضي عينيه في استسلام، ينظر إلى الأرض متنهِّداً، ثم قصد دولاباً أخرج منه حزمة أوراق، ودواة، وريشات من قصب، ثم وضعها بين يدي الرجل المحتضر، وقبل أن ينصرف، سأله إن كان يريد أن يأكل أو يشرب، فأجابه بالرفض، راغباً، فقط، في كمِّية كبيرة من الشموع، وبعد أن زوَّده بها، ودّعه، والتحق بأهله.

وفي صباح الغد، زار الحاج حمّاد ضيفه باكراً، متمنِّياً له يوماً سعيداً ومستفسراً عن حاله. وبكثير من الجهد، أجابه بطيف ابتسامة، مؤكِّداً له أن ما بقي له من قوّة سيكفيه، بعون الله، لإنهاء ما تعاهد مع نفسه على إنجازه. كان مظهره يوحي بالدعة والهدوء وهو منهمك في الكتابة، رافعاً ركبته، مسنداً ظهره إلى مخدّات، وبجانبه كانت أوراق كثيرة متراكمة مكتوبة بخطّ أنيق. ومرّةً أخرى، امتنع عن الأكل والشرب.

وفي المساء، عاد القاضي إلى زيارته. كانت الأوراق تتكدَّس فوق الأوراق من غير أن يبارح الرجل فراشه.

وفي اليوم الثالث، وقبل أن يلتحق الحاجّ حمّاد بأهله، عرّج جهة الحديقة، فكان أن لفت انتباهه استغراق الغرفة في ظلام مطبق. حيَّره الأمر، ثم بدأ ينادي، مرّةً تلو الأخرى: مولاي! يا مولاي! لكن الصمت كان وحده ما يجيب، فأسرع لإحضار فانوس، واقتحم الغرفة. كانت آخر شمعة قد انطفأت، بعد أن انقضت ذبالتها في مشكاة نحاسية، وأكداس الأوراق متناثرة على الأرض، غير بعيد عن الفراش، حيث كان الرجل مضطجعاً على ظهره، فاغر العينين، مرتخية قسمات وجهه. فاقترب منه، وحقَّق النظر فيه مليّاً قبل أن يطبق جفنيه بحركة في منتهى الرقّة واللطف، ثم تربَّع مباشرةً على الأرض، وشرع في تلاوة سورة من القرآن».

***

قل لنا، أ الحاجّ حمّاد: ما اسم هذا الرجل؟، وما مصير مخطوطه؟، وهل هو صالح للنشر؟

أبداً، لم أسأل ضيف الأيّام الثلاثة عن اسمه. أمّا المخطوط الذي ملّكني إيّاه، فمعظمه أضرمتُ فيه النار في لحظة تهوّر واستخفاف، حيث لم أحتفظ منه إلا بهذا النزر اليسير. هاؤم، اقرأوا أوراقه:

يا صِحابي..

أضع بين أيديكم عصارة تجربتي الطويلة والمؤلمة في الحياة، فلا تتخذنّها هزؤاً. انظروا إليها نظرة رفق ورأفة. تعرفون كم أنا فقير، ومع ذلك أمنحكم الكثير. فهلاّ تتقبّلون هبّة قلبٍ بسيط رهيف، قلب مفعم بالمحبّة والإخاء، فلا تُعرضوا عنه بابتسامة سخرية.

مأوايَ الطيني البارد يتَّسع لاستقبالكم، أدعوكم ليلاً إلى الروابي، لتشاركوني رؤاي وهَلْوساتي. تعالوا أنّى شئتم لنتسكَّع معاً في دروبي العتيقة، ولا تنسوا أن تأخذوا ملء أيديكم، باقات صور. إذا كنتم يائسين أو مكتئبين، فسأعلّمكم أناشيد تحبّب الحياة إليكم، وتشيع البهجة في أنفسكم.

يا صِحابي..

نحن نتكلَّم اللّغة نفسها، أليس كذلك؟ فلننسَ أرذل العمر، ولنعد إلى لهونا ومرحنا. أوصيكم بإدمان الضحك. ليس في نيَّتي أن أعِظكم. حسبي أني أستعذب مخاطبتكم. فما أحلى أن يتكلَّم المرء مع أصدقائه في أوقات الشدّة والوحدة. قولوا عني إني ثرثار، قولوا عني إني كسلان، انعتوني بالبلَه أو بالهبل، فلن يهمَّني كلّ هذا. أمّا أنا، فلن أفصح عن رأيي فيكم. لن أدينكم. أنا، كما أنتم، غير معصوم من التناقض والخطأ. خليط أنا من الغرور والأنانية… ألم يُخلق الإنسان ضعيفاً؟ لكني، كما أنتم، أتطلَّع إلى الحقيقة، وأصبو، كما أنتم، إلى المحبّة والتسامح. نحن جميعاً مدعوّون إلى الوليمة نفسها. لنأكل من الصحن نفسه، ولنشرب من القدح نفسه. لا تبعدوني عنكم كما لو كنت مصاباً بالطاعون.

إن من لا يخدم عشيرته لا يمكنه إلّا أن يسيء إليها. لكن، مَن يخدم مَن؟ بل ما معنى أن تخدم أحداً؟ لماذا إكراه الشاعر على أن يهتمّ بعالم يرفضه؟ إن تمجيد الغباوة ليس، أبداً، ديدنه.

كثيراً ما تقولون لنا، نحن -زمرة الشعراء-: تكلَّموا بلغة نستطيع فهمها، أو أمسكوا عن الكلام ! أمّا أنا، فأقول لكم : مهما تحاولوا عن الكلام ردعي، فما أنا بصامت! افهموا بأنفسكم، إن كنتم ترغبون في ذلك، وإلّا فلديكم ما شاء الله من فقهاء اللّغة والأساتذة والمنظّرين والجغرافيِّين والمؤرِّخين والعلماء ليساعدوكم على الفهم.

لا شيء عندي أعلّمكم إيّاه. أنا نفسي لا أعرف شيئاً. تتحدَّثون عن الحرّيّة ! كونوا معي أسخياء، وامنحوني حرّيّة أن أحلم، وأن أغنّي في أوقات فراغي. امنحوني حرّيّة أن أتدبَّر ذاتي كما أشاء، لأكون كما أشاء. امنحوني -باختصار- حرّيّة أن أحقِّق فرحي الأسمى.

لن أحكي لكم ما رأيته بأمّ عيني، وأنتم لم تبوحوا لي بأيّة أسرار. إن عالم الكلمات هو عالمي، فالكلمات أدوات عملي. إنها موادّ حيّة، جواهر جوهرية. حاجتي ماسّة إلى كلمات تطفح بالشمس والألوان. تارةً، أنا موسيقيّ، وتارةً رسّام، لكن العالم الذي أترنَّم به، وأرسمه ليس عالمكم. بحثتُ عنه في الواقع، فوجدته في أحلامي.

كيف يمكن لي أن أسيء إلى عشيرتي؟ هي تملك السلطة… دمغتْ جسدي بالنار… قيَّدتْ اسمي في سجلّاتها الكبيرة… أمرتني بالطاعة… فانبطحتُ أمام أعيانها من أجل قسط من الراحة.. وكلّ يوم أقتل بعضاً من كياني؛ تلبيةً لنداء الواجب المقيت. فليكن. أنا راض بما يمليه عليّ قانون العشيرة. لا أتمرَّد، ولا أصرخ. إذا كنت لا أستحقّ أن آكل من الكعكة، فلن أمدّ إليها يدي، وإذا كان ماء هذه العين محبّساً على حلقوم ما، محظوظ، فلن يتطاول عليه فمي.

كلوا واشربوا -يا أصحابي- هنيئاً مريئاً، فخيرات الدنيا كلّها ملككم. عندكم شعراء ليخلّدوا مناقبكم، ويتغنّوا بلوعات الشوق في قلوبكم، ويُثنوا على آلهتكم. لديكم بهاليل يُنسُونكم ملل الاحتفالات الرسمية وقساوة الطقوس الدينية. تتفرَّجون على هرجهم الذي يستثير الضحك، وعلى مرجهم الذي يستدرّ الشفقة.

أيا صِحابي..

نهبتموني، ولمّا ينضب جشعكم. ماذا يهمّني أن أكون فقيراً؟ دعوني أخفِّف أحزاني. دعوني أغنِّ على مقام الألحان الذي يعجبني. اتركوا لي حرّيّة أن أختار موضوعات قصائدي. لا تنصتوا إلى أهازيجي، إن كانت لا تطربكم. وإذا شنَّفت إحداها آذانكم، فأنا أعرف ما ستقولونه، ستقولون: « إنه صوت شاعر آخر يدّعيه لنفسه». لا، صدِّقوني. فالصوت الذي تكونون قد استمعتم إليه، هو ما حباني الله -تعالى- إيّاه، فشكراً على نعمه.

كنت أصبحت غصناً ميِّتاً تذروه ريح الخريف، فشكراً لك، يا مولاي، على أن أرجعت لي غنائي. أحسّ برياح لواقح تسري في عروقي. يُخيَّل إليّ أن براعم تنبت، ببطء، في جسدي، وتوشك أن تتفتَّح عن أزاهير. ها قد عادت الشمس بعد طول انكساف عن كياني، طوال سباتي. هي ذي أشعَّتها تنعشني، كالسهام تخترقني، الدفء تبثّه في أعضائي، فترقص لها فرحاً روحي. فيا لروعة الفتنة التي تنبعث من هذا الضياء!

إلهي، كم يخيفني البرد والليل! ملكوتك يدعوني، الآن، إليه. لا وقت لي للحقد، ولا اقتدار لي على الخصام».

***

أخبِرنا، أ الحاج حمّاد، بما تلمّح إليه هذه الأوراق…

لا أعرف، لا أعرف، ثم ماذا عساها أن تلمّح إليه من معانٍ؟ حسْبُها أنها رسالة من صديق ائتمنني عليها.

فيليب باربو: اللّغة، غريزة المعنى؟

ما كانت الغاية من الكلام؟ للإجابة عن هذا السؤال الغامض والرائع على حدٍّ سواء، يقترح عالِم اللُّغويّات «فيليب باربو» سيناريو خاصاً ومبتكراً في كتابه «غريزة المعنى: مقال عن عصور ما قَبل التاريخ للكلام» (2021).

في ردهة ساكنة بأحد الفنادق في بوليفارد سان جيرمان التقينا بـ«فيليب باربو». قَدِمَ هذا اللُّغويّ من كيبيك، وهو يعرف باريس جيّداً بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة باريس الثامنة، التي كانت صرحاً مرموقاً في علم اللّغة في السبعينيّات. كان مهتمَّاً بما يجعل الإنسان إنساناً: اللّغة. لقد شكَّلت أصول اللّغة لغزاً كبيراً خاض فيه الباحثون باعتماد العلم الذي سمح لهم بالتكهن والتخمين وافتراض لماذا وكيف، هذه الأسئلة المركزية التي تغذِّي بحثنا عن المعنى. وهذا الموضوع تحديداً شغل «فيليب باربو» في كتابه الأخير من ثلاثة فصول، وطرح افتراضاً غير مسبوق: هل اللّغة غريزة بشرية طوَّرتها حاجتنا للمعنى؟.. في هذه المُقابلة نستطلع أفكاره حول هذا الموضوع.

في كتابك الأخير تتحدَّث عن الإدمان الفكري بالمعنى… هل هذا ما دفعك لأن تصبح لُغويّاً؟

– نعم… في الواقع! لكن في ذلك الوقت، لم يحظَ المعنى بأي اهتمامٍ يُذكَر. في نهاية سنوات عملي كأستاذ، بدأ الناس يفكِّرون في شيءٍ آخر غير الأشجار والعلامات وأجزاء الرموز، حينها أصبحت مهتمَّاً بجذور اللّغة. في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مع الاكتشافات العلمية الحديثة، ظهر العديد من الكتب حول تطوُّر اللّغة عبر العصور. كنا نبحث عن لغةٍ أصلية، وقد نشر الكثير من المجلّات هذا البحث. استأثر الموضوع بجُلّ اهتماماتي، لكن لم أجد التفسير المُناسب.

أنت تتحدَّث عن لغةٍ أصلية، أسطورة بابل الشهيرة، التي تتعارض مع نظريات الظهور المتزامن والجمعي للغة في أجزاءٍ مختلفة من العالَم. أين نحن اليوم من هذه النظريات؟

– لا يزال البعض يسعى وراء اللّغة الفريدة في أسطورة بابل، بينما البعض الآخر يبحث عن أصلها في امتداد لغة الحيوانات. قبل بضع سنوات، مرضت بشدّة وعندما نُصاب بالمرض نلازم الفراش عادةً، نتأمَّل ونقرأ، كثيراً. لمدة سبع سنوات، عملت على هذا الكتاب وانتهى بي الأمر إلى تطوير شيء لا يشبه النظرية، بل كان عبارة عن سيناريو معقول وموثَّق حول أهمّ التطوُّرات ذات الصلة في مجموعة واسعة من العلوم: الأنثروبولوجيا، وعلم الوراثة، وعلم النفس، وعلم الحفريات.

أنت تربط ظهور اللّغة المنطوقة بأنواع الرئيسيات؛ الإنسان، بعد أن بدأ في الوقوف، خضع لتغييرات تشريحية ونفسية سمحت له بإصدار أصواتٍ جديدة.

– لا يمكننا الإشارة إلى تاريخ محدَّد، فالتطوُّر يستغرق آلاف السنين. لقد بدأت عصور ما قبل التاريخ للكلام منذ حوالي 2 مليون ونصف، 3 ملايين سنة، عندما تمكَّنت أنواع من الرئيسيات من الوقوف، بعد الطفرة الجينية والتغيُّرات المناخية. لقد أحدث الوضع الدائم لنوع الإنسان تغيُّرات كبيرة: صغر حجم الأنف، وتطوّر الدماغ وتغيَّرت مواقع الحنجرة والعمود الفقري. سمح تعديل الحنجرة بإصدار أصوات جديدة لا تتناسب مع لغتهم الحيوانية: التنبيه والصيد والتزاوج. ربما بقطعة من الحجر تمكَّن أحد أعضاء المجموعة من جرح نفسه والصراخ مجدَّداً. هذه الصرخة الجديدة نبهتهم إلى قدرتهم الخطابية والمعنى المُحتمَل الذي يمكن أن تحمله الصرخة.

في كتابك تشرح أن التغييرات التشريحية سمحت بظهور الكلام، تماماً كما أن الوعي بمهارات التحدُّث قد سمح بتطوُّر الذاكرة. إذن فالنوعُ قد اختبر تأثيراً مزدوجاً للجسدي على النفسي، والنفسي على الجسدي؟

– بالضبط! المعنى تحديداً هو الذي ساهم في نمو الدماغ، وكذلك تطوُّر هذا النوع. بفضل تطوُّر النطق الصوتي، بدأ التخزين في الذاكرة على المُستوى العصبي. لم يكن دماغ الرئيسيات المُتطوِّرة متطوِّراً جدّاً، فقد كان طوله (700 مم2). ظهر تدريب للذاكرة بالتزامن مع تطوُّر النطق. تطلب الأمر ذاكرة أكبر، ثمَّ مساحة أكبر، وبالتالي زيادة سعة الدماغ.

تُرجع هشاشة المجموعات إلى الظروف المناخية القاسية. لذلك من الممكن أن طوفاناً قد جرف اللّغة مع مخترعيها. إذا كانت اللّغة قد تطوَّرت على أي حال، ألا يمكن أن نفترض أن اللّغة إمّا هي تطوُّر جيني تمَّ ترميزه في جيناتنا أثناء التطوُّر، أو أنها ظهرت في الوقت نفسه على الكرة الأرضية كتطوُّر طبيعي للغة الحيوان؟

– هذا سؤال معقَّد للغاية. لا أعتقد أن اللّغة قد تشكَّلت في مكانٍ واحد في شرق إفريقيا منذ ملايين السنين، وبالتأكيد كان هناك نمط التطوُّر نفسه في مكانٍ آخر. ومع ذلك، أعتقد أن هذه اللّغة ليست امتداداً لغريزة الحيوان. لا يوجد كائن حي واحد لا يتواصل.

النقطة المُشتركة الوحيدة بين لغة الحيوان ولغة الإنسان هي التواصل تحديداً. الآن، هل اللّغة تطوَّرت وأصبحت جزءاً من جيناتنا؟ كنا نعتقد ذلك في الخمسينيات من القرن الماضي. اعتبر بعض الباحثين الكلام على أنه عضوٌ وراثي، لكن من الناحية العلمية ليست لدينا جينات لُغويّة. بينما يؤمن البعض الآخر بفطرة اللّغة مثل (تشومسكي)، لكني لا أوافقه الرأي.

وإلّا فإنّ الأطفال حديثي الولادة يمكنهم التحدُّث عن أنفسهم، أليس كذلك؟

– بالضبط، وحتى لو لم نجد اللّغة في الجينات، فهي موجودة في الطريقة التي يعمل بها الدماغ. هذا يظل لغزاً رغم أننا نعلم أن بعض الألحان القشرية تنشط فيما بينها أثناء الكلام. الطفل في الرحم قادر على التمييز بين اللّغة الفرنسية واللّغة الأجنبية، ولكن القول، من هذا المنطلق، إنه مجهَّز لهذا الغرض وراثياً، لا أوافقه. أعتقد أن هذه العملية تمثِّل جزءاً لا يتجزَّأ من مليوني ونصف عام من التطوير.

هل عَزلتنا اللّغة عن غريزتنا؟

– اللّغة ليست غريزة بحكم التعريف. نحن قادرون على تكوين عدد لا حصر له من الجمل، وترجمة عدد لا حصر له من الأفكار شفهياً. لقد عُزلنا تماماً عن عالَم الحيوان وهذا هو المعيار الحقيقي الوحيد الذي يفصلنا عن هذا الأخير، وبالنسبة لبقية الأشياء فيمكننا دائماً العثور على روابط قويّة جدّاً.

لدينا اليوم لغةٌ غنيّة جدّاً ومتطوِّرة باستمرار. هل تعتقد أنه بعد 300 عام ستكون لغتنا بعيدة كلّ البُعد عن اللّغة التي نتحدَّث بها اليوم؟

– كلّ لغة ستتطوَّر في نطقها ومفرداتها. التكنولوجيا تغيِّر اللّغة. من ناحيةٍ أخرى، سجلنا اللُّغويّ اليوم يتضمَّن مفردات إنجليزية أكثر ممّا كان قبل عشرين عاماً، وبالتأكيد سنستخدم المزيد من المُفردات في غضون عشر سنوات من الآن.

لكن اللّغة العامية لن تتأثَّر إلّا قليلاً. ستبقى الشوكة شوكة. من المُحتمل أن تتطوَّر المُفردات في قطاع الإعلان والأعمال والدراسات، وما إلى ذلك. مفردات على غرار: (coach, sale manager – مدير مبيعات، مدرب،…) متداوَلة كثيراً اليوم. في كيبيك، على سبيل المثال، يستخدم الشباب أصواتاً جديدة ويغيِّرون نغمة نطقهم. بدأت اللّغة الإنجليزية في الاختراق، وبالتالي قد تصبح القاعدة في المُستقبل. لكن إذا سألتني هل ستختفي الفرنسية بعد 300 عام؟ لا. الكلمة المكتوبة هي حصن اللّغة. طالما أن تراكيب الجملة هي نفسها، سنتحدَّث الفرنسية.

هل تعتقد، كما هو الحال مع العربيّة المنطوقة والعربيّة الأدبيّة، يمكن أن يكون لدينا هذا التمييز في الفرنسية؟

– ليس من المُستبعَد على الإطلاق أن تصبح الفرنسية المكتوبة أكثر عزلة وألّا يتمُّ التحدُّث بها كما هو الحال اليوم. لكن هل ستصبح الفرنسية التي نتحدَّث بها اليوم في باريس لهجة؟ لا، الناس يمكنهم القراءة وهم متعلِّمون. عملية محو اللّغة سوف تستغرق مئات ومئات السنين.

أم تغييرات هيكلية مهمَّة للغاية، انهيار أنظمة معيَّنة جعلت اللّغة القديمة بالية، لأنها أكثر ملاءمة؟

– نعم بالضبط. أو كذلك الغزوات التي من شأنها أن تنتج مزيجاً من اللّغات والتراكيب اللُّغويّة، ولكن مع دولنا القومية والقواعد التي تتحكَّم في السلوك الاجتماعي على نطاقٍ كوكبي، هناك فرصة ضئيلة لحدوث ذلك. ستبقى اللّغات بالتأكيد على ما هي عليه. ومع ذلك، ربما في غضون 100 عام، سيحل الصينيّون محلّ الأميركيّين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: كارلا برنيني

المصدر:

Rencontre avec Philippe Barbaud – Le langage, un instinct du sens ?

 

رسالة إلى محمد شكري: الكتابة بيْن الصمت والثرثرة

أصدقكَ القول بأنني لا أدرك تماماً ما الذي حدا بي إلى كتابة هذه الرسالة، خلال زيارتي إلى الوطن المغرب بعد طول غياب. لعلَّه الشعور بالغُربة ما يجعلني ألتجئ إلى ظلال الصداقة الوارفة عندك أنت الذي رحلتَ قبل الأوان، إذْ شعرتُ أن الأصدقاء الأحياء منشغلون بهموم المرحلة الجديدة التي تبذل الجهود لتوديع جائِحة «كوفيد 19»، ومعانقة التحوُّلات؟

لا يهمّ الدافع، لأنني في حاجة إلى مَنْ يقرأ رسالتي بقلبٍ متواطئ، يستوعب ما وراء الكلمات. وأنا أعرف أنك لن تردّ على رسالتي كما كنتَ تفعلُ أيامَ «وردٌ ورماد»، لكنني أتوَهّمُ أن رسالتي ستصل إليكَ حيث أنتَ. ولكيْ أحدّد دوافع الكتابة إليك، أقول إنه السياق المُجتمعي العام الذي يستعصي على الفهم ما جعلني أكتب إليك، لأنني أغبط الأصدقاء الذين «بادروا» إلى الرحيل عن الحياة الدنيا تلافياً لمرحلة الانحدار التي تجعلنا نُراقب في عجز، تدحْرُجَ المُثل والأحلام التي تشبثنا بها عند مطلع الشباب حين عانقنا أوْهامَ صوْغ العَالَم من جديد… كأنكمْ هناك، وراء الغيوم في سماوات العُلا، تنظرون إلينا في إشفاق، مُستغْربينَ استمرارنا على نفس الطريق. ولأكون صريحاً معك، لم أجسرْ على زيارة مدينة طنجة بعد رحيلك، خشية أن أفتقد ذلك المناخ السحري الذي كنتَ تعرف كيف تنسجُ خيوطه لتُلبِس الفضاءَ والناس والذكرياتِ روحاً متجدِّدة، مُتنوِّعة الألوان. طنجة، معكَ، كانت تبدو رحِماً وَلودا لا يكفّ عن ابتكار المُفاجآت ونسج المحكيات. لذلك اعتبرتُك، في جزءٍ من كيانك، صنيعة تلك المدينة الميثولوجية التي عرفَتْ أن تبتدعَ من مغارات هرقل وأمواج الأطلسي والمتوسط، كاتباً جسوراً مثلك، استطاع أن يكسّر الصمت. لذلك كان خُبزك الحافي وجبةً دسِمَة جدّدتْ شهية القُرَّاء، وأيضاً أرغمتْ الروائيين المغاربة على مُراجعة النهج الذي ظلوا يتأرجحون بين مسالكه، من رومانسية وواقعية وطلائعية مُقتبَسَة في عجالة وابتسار. كانت إطلالتك على الحقل الأدبي ناقوساً مُنبِّهاً للكُتَّاب الذين اعتبروا الكتابة وصفة جاهزة تُلقن في مدرجات الجامعة أو من خلال حفظ الأشعار وملء الذاكرة بالغث والسمين. أنت نزعت القناع، وكشفتَ تلك الجوانب الخفية التي يعيشها الفرد بكيانه كاملاً وهو يواجه حيْف المُجتمع وظلم ذوي القربى، وقلق الوحدة والتشرُّد. أدركتَ أنك، رغم كلّ شيء، تظلّ مسؤولاً عن مصيرك، مُطالباً بتحرير ذاتك…

من قبل أن تكتب، كنت تتكلَّم وسط حومة الحياة وأنت تُجابه مصيرك وتثبت وجودك. وعندما تعلَّمت القراءة والكتابة في سنٍّ متأخِّرة، أدركتَ أن عليك أن تكتب ما أهمله التاريخ الرسمي وما يتواطأ الجميع على نسيانه. إلّا أنك سرعان ما أدركتَ أن الكتابة تنطوي على مخاطر ومزالق إذا انبنتْ على الثرثرة وإعادة إنتاج ما اختزنته الذاكرة من كتابات الآخرين. وهذا ما عبّرتَ عنه في إحدى رسائلك بعد أن نشرتُ لك في مجلة «آفاق» فصلاً من «الخبز الحافي». قلتَ في تلك الرسالة: «… كم أتمنّى أن أكون بعيداً في بلدٍ لا يعرفني فيه أحدٌ، ليكون لي من جديد أوّلُ صديق، أوّلُ خصم، أوّلُ عملٍ لمْ أمارسه من قبل، إلى ما لا نهاية من الأوائل». (21 – -12 1977). وفي نفس الفترة، خلال إقامتك بمُستشفى الأمراض العصبية في مدينة تطوان، عبَّرت لي عن وطأة مسؤولية الكتابة من خلال هذه المُقارنة: «سأبقى هنا حتى آخر هذا الشهر، ثمَّ أعود إلى طنجة لاستئناف عملي مُغيِّراً نمط حياتي. بعد اليوم، سأعيش عاقلاً وأموتُ مجنوناً. أمّا «دون كيخوتي» فقد عاش مجنوناً وماتَ عاقلاً». نعم، تلك هي أكبر هزيمة تنتظرنا: أن نُدرك، في نهاية المطاف، أنْ لا شيء يتغيَّر وفق ما أمّلناه، أو يتوضّح لنا أنه يتغيَّر حسب منطقٍ وإِوَالِياتٍ تنِدّ عن فهمنا، وعن طموحات «دون كيخوتي» الحالم الساذج.

محمد برادة

تذكَّرتُكَ يا شكري أيضاً، من خلال ما قاله كاتِبك المُفضَّل، هنري ميللر: «أكتب لأستطيع أن أصمتَ في ما تبقى من الوقت». كأنما الكتابة تجدِّد قُدرتنا على الصمت لنمتلئ بما يحيط بنا ويُسائلنا ويُحاصرنا من ألغاز». لكن الضجيج واللغط والاجترار هو ما يملأ الساحة هنا، بل في كلّ أرجاء العَالَم الفاقد البوصلة أمام الجَائِحة، وأمام اختلال موازين الطبيعة وتدهور البيئة… ولعلّك كنت ستجد نفسك ضائعاً، تائهاً وسط ضوضاء الشبكات الاجتماعية والتعليقات المُتنافرة، والعدوانية المجانية، والثرثرة المُحنّطة… وما يشبه ذلك، يُطالعك في ما يُنشر من نصوص وروايات: ستتوقَّف، مِثلي، عند ما تكتبه أقلام شابّة تستوحي هذا المناخ السّديمي الذي يطمس الأفق أمام مَنْ يتطلّع إلى معانقة الحياة، وستُعرض عن الذين يُكرِّرون ما استنسخوه في عشرات الكتب التي نشروها مُضاهية ما بلغتْهُ أعمارهم المديدة من سنين. تلك سُنّة الأدب والحياة: إبداع للبهرجة والتسلية والثرثرة والقول المُعاد، وإبداع يستوحي «الجُرح السّريّ» وأسئلة الوجود ليُخاطب الروح الصّنو والوجدان المُشترك، علّه يبلغ منطقة ذلك المجهول الذي تحدَّث عنه الشاعر «ريلكه» (1875 – 1926): «كلما زادَ صمتُنا، استطاع المجهولُ النفاذَ بِفعاليةٍ إلى أعماقنا». نعم، الصمتُ يوطّد علاقتنا بذلك المجهول الذي قد يُضيف عناصر جديدة إلى حياتنا. في كتابة الإبداع، تُطالعنا صفحات يضطر فيها الكاتب إلى الصمت، ليتيح للقارئ أن يُخمِّن بدوره ذلك الذي يستعصي على التعبير واللّغة المشاع. كأنّما نقلُ عدوى الصمت إلى القارئ يُسعف على التقاطِ ما استعصى على التعبير؟ هل تذكر تلك الرواية القصيرة المُوحية التي نُشرتْ إبّان احتلال النازيين لفرنسا بعنوان «صمْتُ البحر» واسم كاتب مُستعار «فيركوس»، سنة 1942؟ في هذه الرواية تحرص الكتابة على الإشارة إلى صَمْتها الاضطراري، غير أنها تجعل القارئ يعيش لِحسابه الخاص مغامرةَ تخمين ذلك الصمت الضّاجّ، الموحي بظلال المأساة…

أريد أن أقول لك، في نهاية هذه الرسالة أيها الغائب/الحاضر، إن الصمت الذي أحاول الاقتراب منه، هو ذلك الذي يكتسي إلى جانب وظيفته الجمالية والتعبيرية، قيمة معنوية تحُولُ دون التحايُل على القُرَّاء من خلال تسويق الإبداع مصحوباً بالضجة والتفخيم، وادّعاء الريادة والعالمية وما لستُ أدري من الفتوحات. ذلك أن العمل الإبداعي لا يجد تقييمه الحقيقي إلّا في حضرة الصمت والعزلة، ليتمكَّن القارئ والناقد من أن يُجاهرا برأيهما، بعيداً عن كلّ التأثيرات المُصطنعة؛ وهذا ما أجادَ التعبير عنه بدقةٍ وذكاء، «رولان بارتْ» قائلاً: «… هنا إذنْ، يجب أن يبدأ بحثُنا. في هذه اللحظة، حيث الكُتَّاب المُحدَّدون والمُتواشِجون بالآراء التي يُعلنونها، والشعارات التي يُدافعون عنها، والبيانات التي يُوقعونها، والمُؤتمرات التي يحضرونها، والمجلّات التي يكتبون فيها، يتواروْن مع ذلك وراءَ عملهم الإبداعي، ويفرضون الصمتَ على شخصهم، فاسحين المجالَ ليظهرَ من ورائهم الأدبُ في عزلته واقفاً تحت نظرة التاريخ والحقيقة».

أعتقد أن هذا المقياس الذي عبَّر عنه «بارتْ»، هو مقياس لا يبلى بالنسبة لِمَنْ يميِّز بين الأدب الإبداعي وأدب الكيتش والتسلية واجترار الذاكرة. وهو مقياس صالح للتمييز أيضاً بين الإبداع واللاإبداع في حقلٍ أدبيّ مثل حقلنا، لا يتوفَّر على الشروط الأساس لانتظام تلك العلاقة الحرّة والضرورية بين المُبدعين والقُرَّاء والنُقَّاد؛ أيْ تلك العلاقة التي لا تخضع للمُجامَلة أو للصداقات، والتي لا تسمح باصطناع طقوس التكريم التي يسعى بعض الكُتَّاب إلى تحضيرها علانية أو من وراء ستار.

إشكاليةُ اللّغةِ العربيّةِ عندَ بعضِ الأُدباءِ والإعلاميين

تظلُّ اللّغةُ -في أيِّ مجتمع- عاملَ بقاءٍ لهذا المُجتمع وازدهارهِ، ونقلِ مَعارفهِ إلى الأجيال القادمة. وحَصلَ أنْ تلاشت بعضُ الأمم، نتيجةَ تلاشي لُغتِها، ضمن التلاشي الناتجِ عن عدمِ العدالة، والغلو، والحروبِ والأمراض.

وللُغةِ العربيّة خصوصيةٌ واضحة، ومهمَّة، فهي لغةُ القرآن الكريم، ولغةُ الرسالة، وهي عاملٌ مُهمٌ لتوحُّدِ العرب والمُسلمين، ولقد بقيت هذه اللّغةُ صامدةً في وجهِ العديدِ من التحديّات السياسية، العسكرية، الاقتصادية، الاجتماعية والأدبية. وكانت الغزوات التي تعرَّضت لها أجزاءٌ من العالَم العربيّ، ثمَّ حقبةُ الاستعمار الحديث، والانتدابات، في مناطقَ مُحدّدةٍ من هذا العالَم؛ قد حاولت طمسَ اللّغةِ العربيّة، وإجبارَ بعضِ الشعوب العربيّة على التعلُّم بلغة المُستَعمِر أو المُنتدَب، كما حدثَ في دول شمالِ إفريقيا، وبعض الدول الإفريقية.

واليومَ تواجهُ اللّغةُ العربيّة معضلةً جديدة تشكَّلت بوجودِ أدواتِ التواصل الاجتماعي، وتهافتِ الإعلاميين على وسائل الإعلام، دونماً معرفةٍ باللّغة السليمة، أو حتى نُطق الحروف، بل وفي ضعفِ معرفةِ الطالب -في المُستوى الجامعي- للنُطقِ السليم لتلك الحروف، تماماً كما هي عدم قدرتهِ على كتابة موضوعٍ مقاليّ، ودائماً ما يُفضّل الطلبةُ الأسئلة الاختيارية (صح/خطأ). وما نقرؤهُ -عبر وسائل التواصل- يؤكِّدُ ما نذهبُ إليه.

نحن نعتقدُ أنَّ تدريسَ اللّغةِ العربيّة -خلال الخمسين سنة الماضية- قد تأثّر بالتحوُّلاتِ المُجتمعيةِ، ورغبةِ الأُسَرِ تعليمَ أبنائِها في المدارسِ الأجنبية، ذاتِ المساحةِ المحدودة في تعليم اللّغة العربيّة أو المنهج الديني، وأيضاً عدم تمكُّن بعضُ المُدرّسين من التوصيل السليم لهذه اللّغة، مقارنةً بالتدريس في الستينيات أو السبعينيات. ومن هنا، برزت مطالباتٌ بضرورةِ تطويرِ مناهجِ اللّغة العربيّة، منذ الثمانينيات، ولم يحصل أيُّ تطوُّر في هذا الاتجاه، حتى هذا اليوم، وهذا مبحثٌ طويل ومُتشعِّب، ولربّما تناولناهُ لاحقاً. وللأسف، فقد حتّمَ عدمُ إتقانِ بعض المذيعين للّغة العربيّة -في بعض المحطات- قيام المذيع بقراءة الأخبار الرسمية بلهجةٍ محلّيّة، أو استخدام التسكين (جرياً على قاعدة «سَكِّن تسلم»)، وينتجُ عن ذلك أَخطاءٌ فادحةٌ في مدلول الألفاظِ السياسية وتضميناتها!

د. أحمد عبدالملك

نأتي إلى الأُدباء (الجُدد)، الذين ظهروا خلال العشرين عاماً الماضية؛ ورأوا أنَّ بإمكانِهم الولوجَ إلى بوابةِ الشُهرةِ عبر الأدب! وصار أن ظهرت أعمالٌ قصصيةٌ وروائيةٌ جدّ متواضعة، لأنَّ بعض هؤلاء غيرُ مُتمكِّنٍ من اللّغةِ العربيّة، وبعضُهم كان يكتبُ قصتهُ أو روايتهُ باللَّهجةِ المحلية، ويقومُ مُدرسُ لغةٍ عربيّة بتحويلها إلى الفصحى، مع تحَفُّظنا الشديد على هذا النوع من «خداع» القارئ، وخداع الكاتِب ذاته.

وكان من نتائج ذلك، أنْ ظهرَ أَدبٌ «خديج» أساءَ لمسيرةِ الأدبِ في منطقةِ الخليج العربيِّ عموماً. كما ساهمت بعضُ دور النشر -في المنطقة- بدورٍ سلبيٍّ، بقيامها بطبعِ مثلِ تلك الأعمال، دونما مراجعةٍ أو تصحيحٍ لبعض المفاهيم أو حتى أشكال التراث، أو الحوادث التاريخية.

ولقد لمَسنا -ضمن تلك الإصدارات- إساءاتٍ واضحةً للتُراثِ الخليجي، ومكوِّنات الحياةِ الخليجية، كما وردَ في بعض «الروايات».

إنَّ حظَّ الإعلاميين «الجُدد» ليس بأفضل من حظِّ الأدباء «الجُدد»! فلقد أفرزَ لنا هذا الانتشارُ المُثيرُ للفضائيات، ومحطات الـ(F.M) واقعاً جديداً، خالفَ كُلَّ الأعرافِ الإعلامية، خصوصاً ما تعلَّقَ بسلامةِ اللّغةِ العربيّة، والتي هي الأساسُ في الرسالةِ الإعلامية؛ فظهر علينا جيلٌ من المذيعات والمذيعين «الرُوبوتيين» الذين اعتمدوا على جهاز القراءة (Auto Queue)، والذي يحاول إلغاءَ عقولِهم وسلبَ شخصياتِهم، وأصبحت المذيعةُ والمذيعُ لا يجلسان أَمامَ الكاميرا، إلَّا بعدَ التأكُّدِ من وجود هذا الجهاز؟! فماذا كانت النتيجة؟

  • التزامُ المذيعةِ أو المذيعِ بقراءةِ أَسئلةِ الحوار من الجهاز، بل، ويقومان بتكرارِ السؤالِ المكتوبِ على الجهاز، حتى لو جاوبَ عليه الضيفُ ضِمنَ ردِّهِ على السؤال السابق.
  • التهاءُ المذيعةِ أو المذيعِ بالبحثِ عن السؤال التالي، عبرَ جهازِ القراءة، دونما تركيز أو فهم أو استيعاب ما يقوله الضيف.
  • ضياعُ فرصةِ توليدِ سؤالٍ من أَجوبةِ الضيف، قد يراهُ المُشاهدون مُهمَّاً في السياق.
  • ضياعُ عينِ المذيعة أو المذيع بين أَسطرِ الجهاز، وهذا ما تكشفهُ عينُ المُشاهِد بسهولة.
  • عدمُ تطوُّرِ أَداءِ المُذيعةِ أو المذيعِ، أو زيادةِ خبرتهما الإعلامية، في الإعداد، وهذا يُشكِّلُ أزمة لهما في المُستقبل، كون معظمِ البرامج -في بعض المحطّات التليفزيونية- لا يُعدُّها المُذيعون بأنفسِهم.
  • وينطبقُ الشيءُ ذاتهُ على بعضِ مذيعات ومذيعي محطّات الـ(F.M) التي انتشرت بسرعة في العالَم العربيّ، مع التأكيد على أنَّ (95 %) من البرامج التي تُقدَّمُ في هذه الإذاعات وأغلب التليفزيونات، تعتمدُ على اللهجةِ المحلّيّة.

إِنَّه حقَّاً مأزقٌ كبيرٌ تواجههُ اللّغةُ العربيّةُ من أَهلِها! ولعلّنا نوردُ أدناه بعضَ الوسائل التي من شأنها دعمُ الكتابة الصحيحة للأعمال الأدبية، وسلامةَ تقديمِ البرامج والحواراتِ في الإذاعة والتليفزيون:

1 – ضرورةُ أنْ تُكتبَ النصوصُ (القصَصيَّة والروائيَّة والنثريَّة) بلغةٍ عربيّةٍ سليمة، وأن يُراجعها مُراجعٌ مُتمكِّن.

2 – ضرورةُ أنْ يكونَ الكاتبُ مُلمَّاً باللّغةِ العربيّةِ الفصحى، حتى لو تطلَّب الأمرُ الاستعانةَ بمدرِّسٍ لهذه اللّغة.

3 – تكثيفُ القراءةِ لفنون المعرفة، حيثُ إنَّ القراءةَ تُمكِّنُ الكاتِبَ من زيادةِ حصيلتهِ اللّغويّة، وضبط ِإيقاعِ القواعدِ النحويّة.

4 – رفعُ سقفِ الاختبارات التي تُجرى للمُتقدِّمِ لوظيفة (مذيع)؛ بحيثُ تكونُ إِجادةُ اللّغةِ العربيّة على أولِ سلَّم الأولويات في التعيين.

5 – إِدخالُ المُذيعات والمُذيعين (في محطّات الإذاعة والتليفزيون) دوراتٍ تدريبية مُتخصِّصةٍ في النحو والصَرف؛ مع أهمّيّةِ وجودِ مُدقّقٍ يُتابعُ أخطاءَ المُذيعات والمُذيعين يومياً، ويجتمع معهم، لمُناقشة ذلك.

6 – عقدُ اجتماعٍ يومي -في قسم المُذيعين- وتداولُ ما جرى خلال اليوم السابق، من هنّاتٍ أو اختلالاتٍ بحقِّ اللّغةِ العربيّة، مع وجود المُدقِّقِ اللُّغويّ.

7 – بعضُ المُذيعين يكون موظفاً في إدارةٍ أخرى، غير الإذاعةِ والتليفزيون، وهذا يحدُّ من متابعتهِ أو ارتباطهِ بالعمل الإعلامي، أي يعملُ بطريقةِ (Part Time)، حيث يسقطُ عاملُ الشغفِ وحبِّ العمل، وبالتالي تقلُّ درجةُ الإتقانِ في الأداء، وفي تطوُّرِ شخصية المُذيع من الناحية المهنية. كما أنَّ المذيعةَ أو المُذيعَ غير المُنتَميين إدارياً للمحطّة، قد يستقيلان في أيّةِ لحظة، وبالتالي تفقدهُما المحطةُ، وإنْ كانا من المُجدّين.

ويدفعنا الواجب هنا، إلى التصريح بمُراعاة الآتي؛ لحماية لغتنا العربيّة الجميلة:

  • وضعُ مناهجَ مُبسّطةٍ للّغة العربيّة.
  • حُسنُ اختيار المُدرّسين، والتدقيقُ في مؤهلاتِهم وخبراتِهم، واستعدادِهم الذهنيّ والمَعرفيّ لمِهنةِ التدريس.
  • تنظيمُ (ورش عمل) لهواة الكتابة عبر المراكز الشبابية، والمُؤسَّساتِ الخاصة، بهدف دعمِ قُدراتِ الشباب، وتوجيهِهم نحو إجادةِ اللّغةِ العربيّة الفصحى.
  • تطعيمُ مُخطَّط برامجِ الإذاعةِ والتليفزيون ببرامجَ عن اللّغة العربيّة، بصورةٍ مُشوّقة -غيرِ مدرسية- مع إضافة التشويق والإبهار اللازمَيْن لإنجاحِ مثلِ هذه البرامج، مع تقديم فقراتٍ شِعريةٍ أو مسرحيةٍ أو غنائيةٍ، لشرح جمالياتِ هذه اللّغة.
  • تنظيمُ دوراتٍ تدريبيةٍ في -المُؤسَّسات الإعلامية والصحافية- من أجل حُسنِ استخدامِ اللّغة العربيّة في العمل الإعلامي.

وأخيراً، فإنَّ اللّغةَ العربيّةَ هي وسيلتُنا في التواصل مع الآخر، ولا يُمكنُ أنْ نَفهمَ بعضَنا دونَ أنْ نُتقنَ اللّغةَ العربيّةَ، فكيفَ يكونُ الحالُ مع الآخر؟! خصوصاً في ظلِّ وجودِ الفضائياتِ العابرة للثقافات (Intercultural Communication)، والأقمار الصناعية (Satellites)، وأدوات التواصل الاجتماعي (Social Media)، التي تُحتِّمُ أنْ يكونَ المُنتَجُ الأدبي والإعلامي خالياً من العيوب، وبما يُشكِّل رسالةً واضحةً ومتكاملةً، يفهمُها كُلُّ الناطقين بالعربيّة.

محمد إبراهيم الشوش.. في ظِلّ الذّاكرة

بعودة صدورها في نوفمبر/تشرين الثاني 2007 إلى غاية فبراير/شباط 2016 كانت مجلة «الدوحة» قد أتمَّت العدد المئة. كانت المُناسبة بنكهة احتفالية، وفرصة لتنشيط ذاكرة المجلة وإرسال تحية إلى كُتَّابها ومحرّريها ورؤساء تحريرها الأوائل. وتحيتنا إلى هذه الذاكرة؛ تمثلت في إحيائها ضمن سلسلة كتاب «الدوحة» المجاني تحت عنوان «ظِلّ الذّاكرة»، الذي ضمَّ حوارات ونصوصاً من أرشيف المجلة منذ تأسيسها عام 1969، إلى غاية توقُّفها عن الصدور في يوليو/تموز 1986.
في هذا السياق المهني الذي تطلّب نفض غبار المُجلدات وتقليب صفحاتها، أدركت بدايات مجلة «الدوحة» عن كثب. كانت النية هي انتقاء ما نُشر للأسماء البارزة في تلك المرحلة، ولكن الأهم من هذه العملية المُضنية، أنني كنت بصدد التعرُّف على الراحل محمد إبراهيم الشوش من خلال الأرشيف، فقد كانت بصمته، كرئيس تحرير، واضحة الخطوط شكلاً ومضموناً، الأمر الذي جعل البحث عن كل شيء منذ البداية، يتجاوز عملية فنيّة وتحريرية اعتيادية، إلى غوصٍ تلقائي داخل شخصية الشوش، وتأملٍ في حرفته وطرق معرفته بالقصة التي يجب أن تجذب القارئ. وهي معرفة، تحقّقت منفعتها بمُكافحة الابتذال المُسلي لأنصاف المُتعلّمين وأصحاب العقول الكسلى، مقتفياً في ذلك الناقِد البريطاني «فرانك ريموند ليفيز»، أحد نقاده المُفضّلين، وقد كتب عنه كمَنْ ينظر في مرآته. بمزيد من الدقة والصدق، استنتجت درساً مفاده أن بداية اللعب مع قرَّاء لديهم رغبة مستمرة في إرضائهم، ما هي إلّا بداية النهاية.
صدر «ظِلّ الذّاكرة» وانتهى أمر حفظ دُرر هذا الأرشيف في كتاب، وبقي طيف الشوش بين سجلات النفس. مَنْ يكون هذا الرجل المنسي؟ هل هو حيٌّ يرزق؟ كان الظِلّ في الحقيقة، ظِلّ الشوش بالدرجة الأولى، يظهر ويختفي، يمتد بامتداد غيابه الطويل ولا يتوقف رغم الفتور الإرادي لسيرة بإهمال كتابتها تركت فراغات كثيرة، مادامت الشخصية السودانية ميّالة إلى حالة من نكران الذات وعدم الحديث عنها. ومادام الإنسان يبقى بتعريف الشوش نفسه: مُخزِّناً للأسرار والخبايا في أعمق أعماقه، مهما بدا بسيطاً وواضحاً، نراه كل يوم ونتحدَّث إليه ونتعرَّف إلى أفكاره ونقرأ له. استمر الفضول، الذي لم يكن في الوسع تفاديه إلّا بإعادة قراءة كتابات الشوش أثناء الإعداد لكتاب «ظِلّ الذّاكرة»، وكنت قد احتفظت بكل ما وقع بيدي من مقالات، بنية جمعها في كتاب ينشر تحية له ضمن سلسلة كتاب «الدوحة»، لكن الفكرة بقيت مؤجّلة دون أن نتمكّن من انتهاز الفرص التي كانت أمامنا.
كشأن غالبية السودانيين كان غياب الشوش عن وطنه اضطرارياً ومريراً. فقد كانت الغربة وهي «حارة جدّاً» بتعبير أحد الرواة، «في وقتٍ غير ملائم، في وقتٍ كان فيه السودان ينمو ويزدهر، وفي حاجة إلى طاقاته. لكن إغراءات الهجرة كانت قد جذبت الناس. لكن الشوش فيما يشبه حالة من التقييم الذاتي كان مقتنعاً بأن الغربة طالما رُبطت بالوجود والهوية فإنها تصبح مصدر غِنى للسيرة وللحياة.
كانت بداية الرحلة بترك الشوش عطبرة، مدينة الحديد والنار وحاضنة تاريخ نضالي ونقابي مجيد. عطبرة التي يستحضرها متألماً من ضياع مدينة كانت بصدد تشكيل نموذج لسودان المُستقبل. ترك مسقط الرأس في جوٍ من الفقد لدراسة الأدب في جامعة الخرطوم التابعة لجامعة لندن في ذلك الوقت، وفيها تعرَّف على رفيق دربه الطيب صالح، وأخذ الأدب العربيّ عن شيخ المُحقّقين والنُقَّاد العرب الفلسطينيّ إحسان عباس. إلى أن هاجر، وهو في العشرينات من عمره إلى عاصمة الضباب، حيث سيحصل على الدكتوراه التي أهلته للالتحاق بهيئة التدريس بجامعة الخرطوم (أم نخيل)، وليشغل لاحقاً منصب عميد كلية الآداب فيها.
مغادراً السودان مرةً أخرى، وباقتراح من الطيب صالح، سيصل الشوش إلى قطر، متسلِّماً رئاسة تحرير مجلة «الدوحة»، وفي يناير/كانون الثاني 1976، صدر العدد الأول بخطٍ تحريري جديد تخطَّى حدود الخليج ليصافح أيدي القُرَّاء مشرقاً ومغرباً. وكان التوجُّه منذ العدد الأول يضع المجلة في: فلك الرأي العام العربيّ بمُختلف الاتجاهات والمدارس والقوى الاجتماعية المُتعطّشة إلى الوحدة والتقدُّم واستعادة الأراضي المُحتلّة.
لقد كان الشوش، وهو بصدد تحديد الخطوط العامة في افتتاحياته، يرسم ملامح مجلة سيكون لها الأثر الباقي في إثراء الفكر العربيّ، وتنمية المدارك، وتربية الذوق الفنيّ والأدبيّ الرفيع. ولكي تصبح كما أراد لها منشئوها، مساهمة ثقافية جادة وحاسمة، تقدُّمها دولة قطر من فوق ضفاف الخليج إلى العَالَم العربيّ، خدمةً للثقافة العربية، ومنبراً لكل الأدباء العرب من الخليج إلى المُحيط.
كان الشوش مدركاً لصعوبة المُهمّة، وأنه لتغذية مجلة تعكس هذا الامتداد الشاسع والتعدُّد الغني في زمن عسير مسألة ليس بالهينة. ناهيك عن إحياء ملهاة نيرون وحمل قيثارته والغناء في محراب الأدب والفنّ بعيداً عن النيران وعن بحر السياسة المُتلاطم وصداع الصحف الذي اختبره منذ زاويته بجريدة الصحافة السودانية في ستينيات القرن الماضي. وسواء تعلّق الأمر بثقافة الخليج، تحديداً، أو بالثقافة العربية بشكلٍ عام، سلك الشوش درب الموضوعية والجدية، عن: تفهُّم واعٍ وليس عن ملقٍ أجوف، أو رياءٍ كاذب. وقد عبَّر صراحةً عن مبدأ هذه القناعة، في إحدى افتتاحياته قائلا: «الملق والرياء ينطويان على قدرٍ كبير من الاستخفاف بالموضع. فضلاً عن تحقير أولئك الذين تتضمَّن رسالتنا الاهتمام بهم وبنتاج عقولهم وخبراتهم. وهكذا فإننا لا نرى أن الاهتمام بثقافة الخليج، يكمن في نشر كل ما يُكتب أو يصدر عنه. ذلك أن نشر الغث والتافه، لا يخدم قضايا الفكر والثقافة في الخليج، بل هو يسيء إليه كذلك. وفي ضوء هذا الفهم لن نبرز غير الجيد من الأعمال الأدبية والفكرية».
وإيماناً منه بأن: تقدُّم البلدان العربية وتضامنها يقوم أساساً على تنمية وحدة الثقافة، كان الشوش طيلة توليه رئاسة تحرير مجلة «الدوحة» يرفع شعار كسر العُزلة الثقافيّة العربيّة عالياً. فهل استطاع تحقيق ذلك؟ في زمنٍ لاحق سيصرح إجابةً عن سؤال يخصّ هذه التجربة: «ينسى العرب أن لكل زمان شخصيته وطبيعته، وأن الزمن الذي ظهرت فيه مجلة «الدوحة» كان زمناً ملائماً، خصيباً، لذلك تحقّق نجاحها. كان الظِلّ الكبير لمصر، لطه حسين والعقاد… قِيل إن الشوش والنقاش اتجها بالدوحة إلى ثقافة وادي النيل، وأن الشوش حوَّلها مجلة محلية ولبعض السودانيين والمصريين، وهذه حقيقة لم تكن مقصودة. كنت حريصاً على وجود كاتب من كل البلدان».

محمد ابراهيم الشوش

تحت عنوان «الشهر الذي مضى» كتب الشوش زاويته الشهرية في مجلة الدوحة، تصدَّت بتنوُّعها ومرجعياتها الفكرية والثقافيّة لقضايا الإعلام، والشؤون الإفريقية والقضية الفلسطينية… فيما عكست قراءاته النقدية في الأدب والموضوعات الإنسانية، وكذلك ترجماته الشعرية لقسطنطين، وليم وردزورث، وليم بتلر ييتس، جون بتجمان وغيرهم ذائقته الأدبية الرفيعة وأسلوبه السلس والعميق الذي ميَّز كذلك مؤلَّفاته القليلة: «الشعر.. كيف نفهمه ونتذوّقه»، «الشعر الحديث في السودان»، «أدب وأدباء»، «نوادر هذا الزمان»، ومجموعة قصصية بعنوان: «وجوه وأقنعة».
لم يكن الشوش متردِّداً في الردِّ على مَنْ يعكِّر صفاء ذائقته. في إحدى مقالاته يسرد مستملحة يردُّ بها على أحدهم قائلاً: «كاتب لا يعرفنا ولا نعرفه أرسل إلينا مقالاً لم نرَ فيه -وقد يكون العيب فينا- ما يستوجب النشر.. وغضب. وكان يمكن أن يكتب مقالاً يلعن ذوقنا وجهلنا وتقصيرنا عن إدراك عبقريته أو حاجته المادية. لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك، بل سطر -جهلاً بقدر مَنْ يكتب لهم- رسالة مسمومة يستعدي فيها السلطة علينا ويتهمنا بما يضعنا والمجلة ومحرّريها ومراسليها تحت طائلة القانون. تصوَّروا! هذا الرجل يريد أن يغلق مجلة «الدوحة» بمَنْ فيها وما فيها، لا لأننا قتلنا أباه أو أخاه، بل لأننا بكل بساطة لم ننشر له مقالاً!».
في مطلع الثمانينيات ترك الشوش قبعة رئاسة تحرير مجلة «الدوحة»، ليلتحق مجدداً بالعمل الأكاديمي، وهذه المرة أستاذاً للغة العربية وآدابها، ثمَّ رئيساً للمعهد الدولي للدراسات العربية والإسلامية بجامعة «ألبرتي» بكندا. وبعيداً عن الخطابية المُباشرة الجوفاء التي ملّتها الجماهير من كثرة ما ردّدتها حناجر غير جادة، ترك الشوش خلفه مسيرة صحافية حافلة بطرح الأسئلة الصعبة، ومواكبة المصير العربيّ الذي لا يلتئم له جرح حتى ينكأ له جرح آخر! فكان من المُردّدين بضرورة: تجميع الإرادة العربية حول قضاياها المصيرية، وأهمية مواكبة الإعلام العربيّ لهذه القضايا، ليكون قادراً على إلهاب الخيال وتنشيط الوجدان العربيّ. وهي مواكبة تتحقق جدواها عند الشوش بإفساح المجال للباحثين والمُثقّفين ودعم المجلات الثقافية القادرة على رأب الصدع وإزالة ما علق بالأذهان من مفاهيم تاريخية واجتماعية وفكرية خاطئة، وتعميق فكرة الوحدة والتضامن والإخاء..
ما أشبه الليلة بالبارحة. ونحن اليوم بقدر حاجتنا المُستمرّة إلى أقلام تتصدَّى للمفاهيم الخاطئة التي تعيق النظر إلى المُستقبل، فإننا نردّد مع الشوش تلك الحاجة الملحة للانتماء إلى الزمن المعرفي، وقد كان الشوش منشغلاً بزمنه، مدافعاً عن المجلات الثقافية، ومؤمناً بأهمية انتشارها في أنحاء العَالَم العربيّ. وإذا كان قد واجه أجهزة التليفزيون التي كانت بصدد إقفال وتهديد مستقبل العديد من الصحف والمجلات الورقية منذ مطلع الستينيات، فإنه كان يفعل ذلك من منطلق أن تكون المجلات الثقافية جسراً يربط القارئ العربيّ بزمنه المعرفي في أفق تحقيق آمال الأمة العربية وتطلعاتها، لا مجرد أن تكون المجلات: «خرائب تلقى فيها الأفكار المُحنطة المُكرّرة لفظاً ومعنى، ومقالات الفصول الدراسية التي لا تتفاعل مع الأحداث، أو متاحف لعرض الأزياء اللفظية والمهارات الكلامية الخالية من كل مضمون أو منافذ لمُقتطفات من الرسائل العلمية الجامعية الجاهزة التي لا تجد لها مكاناً عند مصادر التمويل الأخرى، أو واجهة مزدانة ليس في داخلها شيء»(1).
في غياب سيرة مُدونة، لا شكّ أن الراحل محمد إبراهيم الشوش، كما هو شأن العديد من كتَّاب الظِلّ، قد أخفى إشارات عن نفسه في هذا النص أو ذاك. بصورةٍ ما ترسم قصة «ظلال المغيب» المنشورة في مجلة «الأديب اللبنانية» في خمسينيات القرن الماضي، ملمحاً داخلياً من شخصية الرجل؛ يروي الشوش على لسان قرينه: «وقال كأنما يحدِّث نفسه: إنها قصة من قصص القدر، هذا العملاق الجبّار الذي ينسج حياتنا نسجاً محكماً، فيه شيء من الغموض أحياناً ومن القسوة والظلم في أكثر الأحايين». ومنذ كتابة هذه القصة، وصولاً إلى حضوره الأخير، لم يتحدَّث الشوش عن ذاته كثيراً، كان يتجنَّب أسئلة السيرة ويترك زهوره تتفتح في الظِلّ، ومقابل ذلك يستعيد بحنين وحسرة في نفسه ذاكرة السودان الجماعية. كانت سيرته تتبعه ولا يتبعها، وبتواضعه الشديد لم يقطع الشجرة التي منحته هذا الظِلّ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) الثقافة في خدمة التضامن العربيّ، مجلة «الدوحة»، العدد 4، أبريل 1976.

 

 

بورخيس خَلَفًا للمعرّي

يحلو لي تصوُّر المعري متكئاً على جدار بيته، الذي لُقّب بمحبسه، وأحسبه كان جنة غفرانه، وهو يمرح مع الكلمات. قد زهدت عيناه في رؤية ألوان الدنيا، وغاصَتا في عقله تتفحصان ظلال الكلمات، لقّب الناسُ عماه بمحبسه، وأغناه هو عن كلّ ما لا يحب مرآه. وها هو، متكئاً، مرحاً، يناوش رهطًا من الكلمات، فكيف أجرؤ على وصف الشاعر والمُفكِّر المُتشائِم، الذي اعتقد بأن وجوده في الحياة جناية أبيه عليه، وأن عدمه النسل هو تحرير لآخرين من جنايته بالمرح؟

إنه يمرح فعلاً مع الكلمات، يلاعبها، يقلّبها على وجوهها، يتأمَّل الكلمات قليلة النظير في ثقافتنا ويسبر غورها، يضيف اللواحق والسوابق على الكلمة لينظر كيف تبدو، ثمَّ ينزعها عنها، لكأني به يُجري تصاريف الكلمات على لسانه، وازنًا إياها، لمجرَّد تذوق طعومَها بالأوزان المُختلفة، وتبيّن كم من شهد وكم من سم في «حَمَاطة» و«حَضب»، وكيف تتجلى كلمة «أسود»: ثعبانًا مرّة، ولونًا مرّة أخرى، وعَلمًا لعدد من شخصيات التاريخ، وكيف تتشكَّل الأباريق أوانيَ وجواريَ وسيوفًا والتماعًا، وكأن عصا المعري السحرية تلمس الكلمة فتتدفَّق له مكنوناتها، وتسرح معه، فيوسّع دلالاتها، ويعبث بها، عبث العالم، ليكشف لنا خطرها، وجديّتها في لعبها!

ومرَّت القرون والمعري متكئ في عماه على جنّته، جنّة وعيه الثاقب، وإذا بخلفٍ له تُنبته أرض أخرى، لم يعلم المعري حتى بوجودها على وجه الأرض، كما لم يعلم بوجود نسله الثقافي حين تفادى نسله البيولوجي، وتثقَّف هذا الخلف ثقافات شتّى، وحذق لغات عدداً، فها هو بورخيس، متكئاً على جدار مكتبته العظيمة، التي تصوَّر الفردوس على شاكلتها -كما تصوَّر المعري الجنة على شكل منتدى أدبي هائل- مُلاحقًا آخر ظلال الدنيا ببصره الكليل، الذي سيتلاشى من بعد مُلقيًا إياه كليًا في غياهب عوالمه الداخلية، وردهات مكتباته السريَّة المدهشة، ها هو بورخيس يمرح مع الكلمات. يُلاحقها في المعاجم، ويُطاردها في الموسوعات، ويمزح معها في نصوصه العجيبة، يُحمِّلها الدلالات ويفتح آفاقها، يغوص في أصولها كما يُفتَن بالمبتكر منها، يُطلق على بطل قصته اسم «ريد شارلاخ»، لأنه ببساطة قاتل! «ريد» الأحمر بالإنجليزية، و«شارلاخ» الأحمر بالألمانية، فكأن على القاتل أن يكون مضاعف الحمرة بلغتين اثنتين، أو لكأن معنى اسمه «الأحمر القرمزي»، باعتباره القاتل، وباعتبار الأحمر لون الدم، والسفك.

جوخة الحارثي

إذا كان المعري وسّع نافذة لغته العربيّة، وسمح للمزيد من نورها أن يضيئه في محبسيه، فإنّ بورخيس فتح نوافذ اللغات المُتعدِّدة، وسمح لأنوارها كلها أن تهديه أو تُضلّه في متاهاته. اللاتينية كانت من هذه اللّغات، فإذا علمنا أنّ خيوطًا من آثار المعري قد انتقلت إليها، وأن بورخيس المُتشرِّب باللاتينية كان معجباً بالثقافة العربية حتى حاول تعلم لغتها في أُخرةٍ من عمره، وكان مُلّمًا بالثقافة المشرقية عمومًا، فإننا نرى كيف توارث بورخيس المعري، حتى لو لم يكشف لنا موقفه منه مباشرةً، أوَليس هو المؤمن بأن أفكارنا ومشاعرنا قد تكيّفت على آثار أسلافنا، وأننا إذا أردنا أن نعرف حقيقتنا الراهنة فعلينا أن نعرف أسلافنا؟ لقد تفنَّن الخلف الأرجنتيني الأصل، الكوني الثقافة، مثل سلفه العربي في السخرية، والإمساك بقبضة عارية بالـمُفردة لمساءلتها، وتجليتها، والعبث معها.

لقد غيَّر المعري أفكارنا القارّة بشأن السجع والجناس، أرانا بمرحه مع الكلمات كيف أنها ليست مُحسّنات، ولا مجرّد تزيين، بل أفق في النظر، وتوسيع لدلالات الكلمات؛ بتقليب الكلمة على وجوهها، وسبر جذورها، يعلمنا المعري أن الجناس إمكانات للمُفردة، لا زينة لها، تأمَّل كيف يعبث ببيت النمر بن تولب متخيّلًا له قوافي شتى، على عدد حروف الأبجدية، مُكيّفاً إياه مع هذه القوافي، متلاعبًا بالمح والبح والرح والسح والجح، قائلًا في الختام: «وهذا فصل يتّسع، وإنما عرض في قول تام، كخيال طرق في المنام». وانظر كيف يصنع المسافات بين أسماء الأعلام كطلحة وعكرمة وسلمة، والمعاني الواقعية لهذه الأسماء من أشجار الظل والشوك والبشام، وبوقوفه الطويل على ما عُرف بالغريب في الثقافة العربية، يمزح مع الغريب ليكون أليفًا، ويسخر منه ليُقصيه إلى وكر غربته وغرابته، وبورخيس، بالمثل، ينقّب أبدًا عن أصل الكلمات ومآلاتها، ويلعب أبدًا بالاحتمالات التي تنفتح عليها الألفاظ، ويتتبَّع مسارات رحلتها في الاغتراب من ثقافةٍ إلى أخرى، ومن لغة أصل إلى أخرى فرع. بل لا يتورَّع بورخيس عن اختراع كلمات جديدة، كما فعل مع كلمة «الهرون» التي قال بأنه اخترعها لأشياءٍ متخيّلة، ثمَّ اكتشف بتتبُّع الإنجليزية القديمة أن لها أصلًا شبيهًا، وقد فسّر ذلك بأن الكلمة تسلّلت إليه من أسلاف له عبر عشرة قرون!

الكلمة هي البدء، وكلا الأديبين الكفيفيْن متشبث بهذا الأصل، متعلّقٌ بالجذور، ليس على هيأة اللغة وحسب، وإنما الجذور البشرية كذلك، وأي تجلٍ لها أعظم من الأم؟ هل هي محض مصادفة أن عُرف بورخيس كما عُرف المعري قبله بتعلقه الشديد بأمه؟ الأم عصا الكفيف، وهداية التائه في ظلمات العالم، هي الجذر، ومنبع الكلمة الأصل. ثمَّ إن فاجعة موت الأم ردَّت المعري إلى الرحم البديل: البيت، فلزمه وهو الشاب، وزهد في الدنيا وهو الواصف لملذَّات الجنان الحسيَّة، كأنما ليسخر من تصوُّرات الناس الشعبية لها، في حين زهد بورخيس في الزواج وذُعِر من الإنجاب، قاصًّا فروعه الـمُحتمَلة، مُكتفيا بجذوره، متكئًا على أمه في عمق شيخوخته، حتى أن قصة زواجه قبل وفاته تبدو أقرب للدعابة منها للجدّ.

هذا النحت اللُّغويّ عند الضريرَيْن، قد نجد له نظائر أخرى في الثقافة العالمية، مادام كلّ كاتب عدّته اللّغة، ولكن الخيط الواصل بين المعري وبورخيس، خيط متين في تصوُّري، يمسك كلٌ منهما بأحد طرفيه، متحسِّسًا إياه في عماه وهازًّا له، وما على القُرَّاء إلّا التأرجح في أرجوحتهما.

وهذا اللعب –لعبهما- في منتهى الجدية، وهذا المرح –مرحهما- في منتهى الصرامة.

رحلة باريس الثانية وسنوات الغليان في صالون توفيق الحكيم

كُنت في تلك السنواتِ أبقى كثيراً في مكتب الحكيم، حتى ينصرف الجميع، ويصعد إليه عادةً الرسَّام صلاح طاهر من مكتبه/ مرسمه كي يوصله في طريق عودته إلى منزله، وفي بعض الأحيان يوسف إدريس في الأيام التي لا يحضر فيها صلاح طاهر إلى مبنى الأهرام. ولأنني كُنت أسكن أيضاً على مسار رحلة صلاح طاهر في العودة إلى مسكنه في الجيزة أو بداية شارع الهرم على ما أذكر(1)، كنت أصحبهما في تلك الرحلة، وأنزل أنا بعدما ينزل توفيق الحكيم على كورنيش النيل، عند «كوبري الجامعة».

بعد أنْ تناولت علاقة توفيق الحكيم الإشكالية مع حركة الضباط التي استولت على الحكم عام 1952 وهو في أَوْجِ العطاء، ورغبته في أن يبقي بينه وبينها مسافة، برغم حرص عبدالناصر على الاقتراب منه، أحاول هنا إماطة اللثام عن فصلٍ آخر من فصولها. وأبدأ هنا بما كتبه محمد حسنين هيكل عن هذه المسألة من وجهة نظر هي أقرب ما يكون إلى وجهة نظر عبدالناصر، وهو يتناول علاقة الحكيم به كما شهدها: «توفيق الحكيم في مقابلته الأولى مع عبدالناصر عندما سلَّمه قلادة النيل، حاول عبدالناصر أن يتكلَّم معه، ولكنه كان قليل الكلام. كنّا قبل السويس، ولم تكن الأسطورة قد ترسَّخت بعد، وبالتالي فأنا أظن أن هذا اللقاء كان في أجواء مقابلة بين أديبٍ كبير والرجل القوي على قمة الدولة. في اللقاء الثاني اختلفت الصورة، لأن اللقاء جرى بعد السويس وجوِّها الأسطوريّ، وعند سفر الحكيم مندوباً لمصر في اليونسكو، وكان توفيق الحكيم يريد هذا المنصب بشدّة، وكان يتصوَّر أن عودته إلى باريس أديباً كبيراً هذه المرّة، سوف تحدث عنده انبثاقاً متجدِّداً في الفكر، يفوق ما أحدثه لقاؤه الأول مع باريس عندما ذهب إليها طالب بعثة لدراسة الحقوق. في هذه المُقابلة لم يتكلَّم الحكيم، ولم يقل شيئاً سوى كلمة شكر على تعيينه، وتصوُّره أنه يتوقَّع كثيراً من ذهابه إلى باريس. وكان من بين ما قاله له عبد الناصر إنه سيكون متشوِّقاً لقراءة ما يكتبه. ونصحه بأن يترك الأعمال الروتينيّة لمندوب مصر في اليونسكو لأحد مساعديه، وأن ينتدب مَنْ يشاء لمكتبه من سفارة مصر في باريس، حتى يتفرَّغ هو لما يتمنَّاه من تأمُّل وتفكير وكتابة. وعندما عاد الحكيم من باريس لم يطلب مقابلة جمال عبدالناصر، مع أن عدداً من أصدقائه -ومن ضمنهم الدكتور حسين فوزي كما قال لي- نصحه بأن يدوِّن اسمه في دفتر التشريفات في الرئاسة تعبيراً عن شكره بعد عودته من مهمَّته. سألني توفيق الحكيم إنْ كان ذلك ضرورياً؛ لأنه يشعر بخجل فهو لا يعتقد أنه نجح في اليونسكو، وأن باريس لم تهمّه هذه المرّة، وأنها «صدّت نفسه»، وأن قرينته ضحكت عليه كثيراً، لأنه تصوَّر أن في استطاعته بعد الستين استعادة أجواء كان فيها تحت الثلاثين»(2).

د. صبري حافظ

هذا المُقتطف، ممّا قاله محمد حسنين هيكل عن تلك العودة لباريس، ينطوي على تعبيرٍ دال وهو أن باريس «صدّت نفسه»، وأنه إنْ كان يعترف بأنه لم ينجح في اليونسكو، فهو لم ينجح أيضاً في أن يعود لنفسه الحرّة التي أبدعت ما أبدعت في باريس في المرّة الأولى. وعلى غير ما توهَّم هيكل فإنَّ الأمر كان من ناحية الحكيم كان محاولة للهرب من المناخ الثقيل الذي كان يشهد تخلُّق آليات الاستبداد فيه، والعصف بكثير من المُثقَّفين، علّه يسترد فيها حرّيته. وليته ذهب إليها دون أن يلتقي بعبد الناصر كي يشكره، وهو الأمر الذي ألح الكثيرون من أصدقائه وعلى رأسهم هيكل نفسه للقيام به، لأن لقاءه هذا مع عبدالناصر كشف له فيما يبدو أنه لن يستطيع الهرب ممّا أراد تجنُّبه، وأيقظ قرون الاستشعار لديه، وهي التي نغَّصت عليه إقامته في باريس. ففي هذه المرّة أحسّ أنه مُراقب، وأن عبدالناصر ينتظر منه شيئاً -وهو يقول إنه «سيكون متشوِّقاً لقراءة ما يكتبه»- لم يكن في طاقته أن يفعله.

فلم يكن غائباً عنه أن تلك السفرة التي طلبها قبل عام 1959، لم تتحقّق إلّا بعده، وبعد أكبر حملة اعتقالات للمُثقَّفين في مصر، وفي طليعتهم جُلُّ مثقَّفيّ اليسار الذين كان يعرف الكثيرين منهم، وله بينهم عددٌ من الأصدقاء، كما لم يغب عنه أيضاً أن مَنْ معه من المُعاونين من مصر، قد يكونون عيوناً عليه، فلم يكن الحكيم غافلاً عن منطق الحكم الناصري في تسليط العيون على الجميع، وانتشار كتبة التقارير الذين ألمح إليهم في (بنك القلق). وهو الأمر الذي «صدّ نفسه» وليست باريس، التي تصوَّر أنه قد يهرب إليها ممّا يضيق به في مصر، حتى ولو كان سعيداً بأن أغلاله كانت من حرير كما ذكرت، لأن باريس لديها القدرة دائماً على أن «تفتح النفس» المصدودة، وتستثير أفضل ما في الإنسان من طاقاتٍ خلّاقة.

ونحن نعرف كم كانت رحلات طه حسين إلى فرنسا تثمر دائماً إنتاجاً ثرياً، وكيف كانت واحدة منها حينما التقيا معاً فيها، هو وتوفيق الحكيم، قد أثمرت هذا العمل المُشترك (القصر المسحور)، لكن ذلك كلّه كان في زمنٍ سابق على زمن الاستبداد وحكم العسكر. أمّا تفسير زوجته الذي ينقله لنا هيكل وإحالتها الأمر كلّه إلى عمر توفيق الحكيم، فهذا يفتح الباب على جرح آخر في حياة الحكيم، وهو زواجه غير المُوفَّق، والذي عانى منه طويلاً، على العكس من طه حسين الذي أنعم اللهُ عليه بزوجةٍ حَفِيّة ورائعة، وهو أمرٌ أعرفه، وأعرف شيئاً عن طريقة توفيق الحكيم المُراوغة في التعامل معه، ولكني لا أتصوَّر أن من اللائق أن أكتب عنه شيئاً هنا في هذه الذكريات عن الحكيم الكاتِب والمُبدع الكبير.

نعود إلى صالون الحكيم المفتوح في مبنى (الأهرام) الجديد، والذي كنت أتردَّد عليه بشكلٍ شبه يوميّ طوال أكثر من عامين حينما عملت في ملحق الطليعة(3)، من 1971 – 1973، وحتى غادرت مصر إلى إنجلترا في أواخر مارس/آذار 1973 (4)، وهي الفترة التي تحوَّل فيها الصالون إلى ساحةٍ مفتوحة للنقاش والجدل في الشأن العام، وصولاً إلى كتابة بيان الأدباء الشهير في غرفته تلك، وكان اسمه في صدارة المُوقِّعين عليه، وهي أيضاً الفترة التي كتبَ فيها كُتيّبه المشهور (عودة الوعي).

كنت في تلك السنواتِ أبقى كثيراً في مكتب الحكيم، حتى ينصرف الجميع، ويصعد إليه عادةً الرسّام صلاح طاهر من مكتبه/ مرسمه كي يوصله في طريق عودته إلى منزله، وفي بعض الأحيان يوسف إدريس في الأيام التي لا يحضر فيها صلاح طاهر إلى مبنى الأهرام. ولأنني كنت أسكن أيضاً على مسار رحلة صلاح طاهر في العودة إلى مسكنه في الجيزة أو بداية شارع الهرم على ما أذكر، كنت أصحبهما في تلك الرحلة، وأنزل أنا بعدما ينزل توفيق الحكيم على كورنيش النيل، عند «كوبري الجامعة». وكان الحكيم يحرص على أن ينزل من السيارة على كورنيش النيل في جاردن سيتي، وفي مكان لا بيوت أمامه، وإنما أمام سور السفارة البريطانيّة المُطلة على هذا الجزء من كورنيش النيل. ومع أننا نعرف الآن أنه كان يسكن على بُعد أكثر من مئتي متر من المكان الذي كان يطلب إنزاله من السيارة فيه؛ إلّا أنه كان يريد أن يراه الجيران وبواب العمارة معاً، عائداً إلى بيته، ماشياً على قدميه بعصاه التقليديّة والبيريه الشهير. هذا وقد سمعت أكثر من تأويلٍ لهذا الإصرار الذي عاصرته لعامين تقريباً وبشكلٍ شبه منتظم. كان أسوأها ناجماً عن علاقته غير السعيدة، إنْ لم نقل الإشكالية مع زوجته، وهو الأمر الذي لا أريد حتى أن أذكره. أمّا تأويلي الشخصيّ لهذا فهو أنه ابن حرص الحكيم على ترويج صورة خاصّة وشخصيّة عن نفسه، لايزال يحرص فيها على أن يبدو في صورة ابن البلد الشعبيّ الذي يذهب لعمله ماشياً، كما يذهب لمقهاه ماشياً في أيام الجمعة، وقد ذكرت أنه اختار مقهى فندق (سميراميس) القديم، الذي لا يبعد عن هذا العنوان بأكثر من خمسمئة متر.

وكان صالون الحكيم في تلك الفترة العاصفة من تاريخ مصر -وما شهدته من تغيُّرات جلبها حكم السادات بعد انتهاء عصر عبدالناصر، بما له وما عليه- يعجُّ بالجدل المفتوح حول مستقبل مصر، وقد عاد عبء التخلص من الاحتلال -الإسرائيليّ المدعوم أميركيّاً هذه المرّة وليس البريطانيّ- يقض مضاجع الجميع ويشغلهم. وكانت هذه السنوات الأولى من السبعينيات مشحونة بالكثير من الأحداث، من تخلص السادات من كلِّ مناوئيه مِمّنْ كانوا يعتبرون أنفسهم أكثر منه ناصرية في مراكز السلطة السياسيّة، إلى سعيه للتخلّص من أنصار فكرهم في وسائل الإعلام المُختلفة.

ولم يكن هذا كلّه -رغم إحاطته بأجواءٍ من السرية- بغائب عن الواقع الثقافيّ، ولا عن الجدل المُستمر حول ما يدور في مصر في صالون الحكيم. وقد بدأ في هذا الوقت مثقَّفون يمينيّون من نوع ثروت أباظة يُكثِّفون من تردُّدهم على صالون الحكيم، وقد اكتسب أباظة، خاصّةً، جرأة في طرح أفكاره اليمينيّة ما كان يحلم بالتعبير عنها قبل عامين. وأخذ الحكيم -وقد صدّق ما أشاعه السادات من إطلاق الحرّيّات، وإلغاء الرقابة- يفصح عن كثيرٍ من آرائه الناقِدة للنظام بشكلٍ أوضح، بما فيها من نقدٍ حاد لتلكؤ السادات في العمل على تحرير الأرض المُحتلة. وكانت قضية التحرير تلك، ورفض حالة اللاسلم واللاحرب التي سادت منذ موت عبد الناصر، مجالَ جدلٍ مستمر بين مختلف التيارات الثقافيّة المصريّة والتي كانت تتجمَّع في كثيرٍ من الأحيان في غرفته تلك، كما كانت بالقطع موضوع الحركة الطلابية الأثير، منذ اندلاع أول مظاهرات في الجامعة بعد هزيمة 1967، وتنامي الاستقطاب بين تياراتها المُختلفة.

وما أن انتهى العام التالي لتولي السادات الحكم، وهو عام 1971 -وكان قد جعل شعاره في هذا العام، أنه عام الحسم وتحقيق الديموقراطيّة وتحرير الأرض أو تصفية آثار العدوان- دون حسم، حتى أخذت الحركة الطلابية في الغليان، وفي 13 يناير/كانون الثاني، وبمُناسبة الاحتفال بالمُولد النبويّ، خطب السادات «خطبة الضباب» المشهورة، وما أعقبها من نكاتٍ لم تنقطع(5). وفجَّر هذا الخطاب ثورةَ الطلاب في كلِّ الجامعات، وأصبح خطاب الضباب خطابَ استفزاز بدلاً من أن يكون خطابَ تبرير. فقد قال فيه إن ضباب الحرب الهنديّة – الباكستانيّة قد أعاق تنفيذ وعده بعام الحسم، لأنَّ العَالَم لم يكن فيه متسعٌ لاندلاع حربين كُبريين في آنٍ واحد. وكنت دائماً ما أتطلع إلى الوصول إلى غرفة الحكيم في تلك الفترة كي أبلغه بأحدث ما سمعت من نكات «الضباب»، وكان مولعاً بسماعها ككلّ المصريّين، أو أسمع منه خيراً من تلك التي جئت له بها. والواقع أن أحد المجالات التي لم تأخذ حقّها من الدرس والجمع والتحليل هو حقل «النكتة المصريّة»، والسياسيّة منها بشكلٍ خاص. وكانت موجة النكات المُضادة للعسكر، وانسحابهم من سيناء بعد هزيمة 1967، قد دفعت عبدالناصر إلى أن يرجو الشعب في خطابٍ علني بالكفِّ عن تلك النكات.

أمّا النكاتُ التي صاحبت السادات منذ توليه السلطة، وصولاً إلى أغنية الشيخ إمام الشهيرة «شحاتة المعسل»، فقد كانت من نوعٍ آخر. أعتقد أنه أخذ ينخر في هيبة الدولة المُرعبة التي بنتها مرحلة عبدالناصر، وجعلتها كياناً مخيفاً لا يجرؤ أحد على السخرية منه، ناهيك عن التطاول عليه، إلّا همساً ولمَنْ يثق بهم. لكن سحابة الخوف الثقيلة التي تكوَّنت في زمن عبدالناصر بدأت تتبدَّد، منذ أن كسرتها صدمة الهزيمة في عام 1967، وإنْ لم تنقشع كليةً إلّا بعد رحيله، وإعلان السادات الإجهاز على مراكز القوى والتنصُّت على الشعب، وأخذَ الكثير من الكُتَّاب يحلون ضيوفاً على المُؤتمرات الطلابية التي أخذت تتنامى في الجامعة، ويطرحون فيها آراءهم الناقِدة لما يدور بجرأةٍ غير مسبوقة. وكانت تلك أيضاً هي الفترة التي ازدهرت فيها الأغنية السياسيّة الساخرة التي تزعَّمها «الشيخ إمام عيسى»، ثمَّ «عدلي فخري»، وغيرهما.

وهي أيضاً الفترة التي بدا فيها أن مصر قد أزالت عن روحها عبء الخوف الثقيل الذي رانَ على روحها وعقلها في مرحلة عبد الناصر، واستعادت شيئاً من الحرّيّة التي عاشتها قبل استيلاء العسكر على السلطة. وحسب الدكتور أحمد عبد الله رزة تركَّزت مطالب الطلبة على ثلاث قضايا رئيسة هي: إنهاء حالة اللاسلم واللاحرب واتخاذ قرار حاسم ونهائي بالحرب، وتحرير الأراضي المصريّة المُحتلة، وقضية الديموقراطيّة والنظام السياسيّ في مصر، بما في ذلك حرّيّة الصحافة؛ وكانت ثالث القضايا هي البنية الاجتماعيّة الاقتصاديّة للبلاد، حيث نادى الطلبة بضرورة قيام ما سمّوه «اقتصاد حرب»، والإجهاز على الفساد. وكانت أكثر المطالب راديكاليّة في تلك القضية هي المُطالبة بألّا يتجاوز الحدّ الأعلى للأجور في البلاد عشرة أمثال الحدّ الأدنى، مع رفض سياسة ربط الاقتصاد المصريّ بالمصالح الإمبرياليّة عبر مناطق التجارة الحرّة، وطالبوا بالإفراج عن العُمَّال المُعتقلين وإعادة الاعتبار للجان النقابية العُمَّاليّة التي تعرَّضت للتشهير من قِبل الحكومة نتيجة إضراب العُمَّال عام 1971 (6).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 – كان مسكني في أول حيّ المنيل وبالقرب من «كوبري الجامعة»، الذي كان لابد أن يعبره في طريقه إلى الجيزة، وكنت أنزل من سيارته قبل أن يعبر الجسر مباشرةً.

2 – (محمد حسنين هيكل يتذكَّر: عبدالناصر والمُثقَّفون والثقافة)، ص 251 – 252.

3 – ما أن بدأ المُلحق بهيئة تحريره الكاملة لعدّة شهور، حتى أخذ المناخ الطارد وقتها، يعصف تدريجيّاً بأعضاء لجنة تحريره، فيغادرون مصر واحداً بعد الآخر. حتى لم يبقَ منهم سواي. ممّا جعلني أتردَّد على مبنى الأهرام بشكلٍ شبه يومي.

4 – جاءتني فرصة للسفر إلى إنجلترا في ذلك الوقت، وطلب مني لطفي الخولي أن أرشِّح له مَنْ يحلّ مكاني في هذا المُلحق، وفاتحت فاروق عبدالقادر في الأمر فرحَّب به، ورشّحته للطفي الخولي. واستلم فاروق العمل مني في ملحق الطليعة الأدبيّ في مارس/آذار عام 1973، وهو الشهر الذي غادرت مصر في نهايته.

5 – الواقع أن النكات الساخرة من السادات والمُستهزئة به لم تنقطع أبداً منذ تولي السادات السلطة. فلم تأخذه مصر مأخذ الجد، ولم تعترف له بأي شرعيّة حتى اندلاع حرب 6 أكتوبر، وهي الشرعيّة التي سرعان ما تبدَّدت بعد فترةٍ قصيرة. وخرجت المُظاهرات العارمة في 18 و 19 يناير/كانون الثاني عام 1977 من شواطئ المُتوسط حتى شواطئ بحيرة ناصر تنزع عنه كلّ شرعيّة. فتوجَّه فاقداً للشرعيّة إلى العدو الإسرائيليّ علّه يسبغ عليه شيئاً ممّا فقده، فضيَّع مصر معه.

6 – راجع كتاب أحمد عبد الله الشهير: Ahmed Abdalla, The Student Movement and the National Politics in Egypt: 1923-1973 (London, Saqi Books, 1985)، وخاصّة الفصل التاسع عن انتفاضة الطلاب عام 1972 – 73، ص 176 – 211.

إدغار موران.. مئة سنة من التوازُن بين العقلِ والشغف

احتفل الفيلسوف «إدغار موران» يوم 8 يوليو/تموز 2021 بعيد ميلاده المئة، ومعه احتفل أصدقاؤه والأوساط الثقافيّة ورئاسة الجمهورية الفرنسيّة، لأن هذا العُمر المديد يحمله شخص عاش تجربة شخصيّة مُتفرِّدة، وعاصَر أحداثاً وازنة وحرص طوال رحلته على أنْ يَستقرئ ويتأمَّل ويُحلِّل ما عاشه في حياته الخاصّة بتماسٍّ وتفاعلٍ مع ما حبَلتْ به تلك المئة سنة الزاخرة بالتحوُّلات والصراعات والحروب والاكتشافات المُذهلة في العلوم والتكنولوجيا والفنون…

أنْ يعيش المَرءُ قرناً من الزمن، وأن يكون ذكيّاً، طلعة، مُحبّاً لاكتشاف أسرار الحياة، معناهُ أنه سيجد نفسه مُعاشراً للتاريخ، مُتابعاً لأسئلته وتقلُّباته، مُضطراً إلى استيعاب الصيْرورة ونسبية الأحداث والتحوُّلات، وضرورة البحث عن فلسفةٍ ومنهج يُتيحان له السباحة في عالَم ينتقل من فترة الإيمان المُطلق بالتقدُّم وصلاحية القيم الكونية إلى مرحلة الشكّ وسيادة المصالح الذاتية، وتعاظم المطامع الليبراليّة المُتوحشة…

لكنْ، قبل أن يواجه «إدغار» أسئلة القرن الذي عاصره وما يزال، كان عليه أن يتآلفَ مع وضعه العائلي الصعب، إذْ إنه فقَدَ أمه وهو في الحادية عشرة من عمره، وعلاقته بالأب ينقصها التفاهُم والتواطؤ، ومُناخ باريس في ثلاثينيات القرن الماضي يقتضي الجهد والمرونة والشجاعة لاجتياز المِحن والمآسي، خاصّة خلال احتلال ألمانيا النازية لفرنسا. وإذا كان المناخ الثقافيّ والفنّي آنذاك قد أسعفه على معرفة إيقاع العصر من خلال ازدهار السرياليّة والفكر الماركسي فإنّ الاحتلال ومحنة تصفية اليهود قاداهُ إلى الانخراط في المُقاومة، حيث التقى مثقَّفين بارزين وهو في مطلع الشباب. وكان من الطبيعي أيضاً أن ينضمَّ إلى الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ الذي كان يجسِّد بعضاً من مطامحه إلى التغيير. غير أن التكوين الجامعي لإدغار (فلسفة، علم اجتماع، علم نفس، تاريخ…) شحذ لديْه حاسّة النقد الذاتي وجعله منفتحاً في تفكيره على المناهج والمقولات الحريصة على فهْم المُجتمع والتاريخ وأسئلة الذات المُعقَّدة. وهذا ما تجلّى أولاً في انسحابه من الحزب الشيوعي عندما تبيَّن أنه ليس حزباً ثورياً إذْ كان تابعاً للاتحاد السوفياتيّ ويستعمل اللُّغة المُتخشِّبة التي تظلّ أبعد ما تكون عن النفاذ إلى صلب الواقع وعلائق الصراع الاجتماعيّ. هذا التحوُّل الفكريّ السياسيّ هو ما جعله يؤلِّف كتاباً بعنوان «نقدٌ ذاتي» (1959) شرح فيه مواقفه المُوفقة والبعيدة عن الصواب، مؤكِّداً على أن هذا المبدأ ضروري لاكتشاف «الطريق» وسط عالَم بالغ التعقيد، بل أكثر من ذلك، نشر كتاباًَ بعنوان «مع وضدّ ماركس» (2010). وحين بدأ «إدغار» يصوغُ تصوُّراته النظريّة عن العَالَم ومنهج تحليله، لم يبتعد عن الواقع في تجلّيّاته الملموسة، النابضة بالحقائق الشعوريّة والوجوديّة؛ كما يتجلّى ذلك من إنجازه لفيلم سينمائيّ وثائقيّ مشترك مع «جانْ روش»، يحمل عنوان «وقائع صيْف»، 1961، ويدور حول سؤالٍ جوهري يُوجَّه للناس في الشارع: ما هي السعادة في نظرك؟ وهذا الولع بالسينما سيجعله طوال حياته مُداوماً على مشاهَدة الأفلام ومناقشتها، لأنها نافذة تطلّ مباشرةً على الحياة في تجلِّياتها المُتباينة. على هذا النحو، استطاع أن يبلور «منهجه المُركَّب» للاقتراب من «الفكر المُعقَّد»… ولأن كلّ شيء في الطبيعة والعلاقات البشريّة والمعارف والعلوم يتسِمُ بالتعقيد والتداخل فإنه لا يمكن أن نحلِّل أو نفهم أن العطَب لا يأتي فقط من الهشاشة البشريّة (المصائب، الموت، اللامُتوقّع)، بل أيضاً من العواقب المُحطمة الناجمة عن كلّ قوة هائلة علميّة وتقنية واقتصاديّة، تكون هي نفسها مُسخرة من لدُن شططٍ في إرادة ترمي إلى فرض العنف والاستئثار بالربْح «(جريدة لوموند، 8 يوليو، من مقال لإدغار). وهذا المنهج المُركَّب هو ما سيقوده منذ عقود إلى إدراك أهمِّيّة البيئة وضرورة النضال لتحقيق الشروط التي تحمي الإنسان من عواقب التلوث والكوارث والأوبئة، «لأن الإنسان هو داخل الطبيعة وليس خارجها».

إلّا أن هذا المسار العلميّ، السياسيّ، لم يكن السّنَد الوحيد لـ«مُورانْ» وهو يبلور منظومته الحياتية طوال قرنٍ من الزمن؛ ذلك أن الركيزة الثانية التي دعّمتْ بنيانه الشامخ، الجاذب والمُثير للإعجاب، تتمثَّلُ في شغفه العارم بالحياة وبكلّ ما يُضفي عليها تلك المُسحة التي تجعلنا نُسبِّح بالحمد، ونراهن على استدامتها غير مُبالين بالأخطار التي تترصَّدُنا من المهد إلى اللحد. أدرك فيلسوفنا، منذ نعومة أظفاره أن العقل وحده لا يكفي لحماية خطواتنا ونحن نتدحرج عبْر المسالك الوعرة بحثاً عن مَضاءاتٍ نستهدي بنُورها. لأجل ذلك، فتَحَ قلبَه على مِصْراعيْه لكي يجرِّب ويعيش في كنَفِ الحبّ ودفء العواطف. أحبّ أكثر من مرّة، وتزوَّج أربع مرَّات، مُتحدّياً الموتَ والمرض. ذلك أن «إدغار» يمتلك قلباً دائم الخفق، مُتجاوباً مع الجمال والعواطف التي تُغني الوجود. وهذا ما جعل مساره مفتوحاً على المُغامرة والمُبادرة ومساندة قوى الإبداع عند الشباب. ومن تجربته الحياتية الزاخرة استمدَّ ضرورة الأخذ في الاعتبار لما يُسمّيه: ما لا نتوقَّع حُدوثَه (اللامُتوقع) l’inattendu. ذلك أنه على رغم انغلاق آفاق المُستقبل وتراكُم المُعضلات الطبيعيّة والسياسيّة التي تبعث على اليأس، تظلّ هناك إمكانيات مُحتملة تنبثق من صلب الأزمة لتمْنحنا بصيصاً من الضوء نستهدي به…

محمد برادة

لقد أتيح لي أن أعايش «إدغار» عن قرب لمدة أسبوعيْن خلال شهر مايو/أيار 2020، عندما استضفناه في بيتنا أثناء سفر زوجته السيدة صباح خارج فرنسا، فتعرَّفتُ على طقوس حياته اليوميّة وعلى طيبته وشغفه بالحياة. يستيقظ حوالي التاسعة صباحاً ويبدأ بشُرب عصير الليمون مع ماءٍ ساخن، ثمَّ يتناول بعض الفيتامينات ومعها كوبٌ من الشاي الأسود وبيضة مسلوقة سَلْقاً خفيفاً؛ وبعد مهلة يتناول شرائح خبز مدهونة بالزُبْدة والعسل. في الأثناء، نتبادل الحديث حول أنباء العَالَم وعن كورونا (19) وامتدادات الحَجْر. بعد ذلك، يبدأ وقت القراءة ليمتدّ إلى موعد الغداء. ولأنه مُتعلِّق بالمعرفة والحوار، فإنه يستغني عن القيلولة ليشارك في ندوات وحوارات عبْر الشاشة الصغيرة (الزومْ). وهو يجد في ذلك مسرّة وارتياحاً لأن الحوار المعرفيّ والاجتماعيّ يجعله حاضراً في ساحة الثقافة الواسعة التي عاش فيها خلال أيام الشباب والتدريس والنضال. اتّضح لي أن «إدغارْ» يُؤمن بأن المعرفة والثقافة والصداقة والقرْب من الناس هي كلّها عناصر ضرورية لجعْل الحياة حاضرة وملموسة في السلوك والعلائق والمواقف؛ ذلك أن الحياة كلٌّ لا يتجزأ. ومن ثَمَّ، تعدّدُ اهتماماته بكلّ ما يُضفي على العيش حياة حقيقيّة، لا «حياة غائبة». وفي هذا الإطار وجدتُه يهتم بكرة القدم فشاهدنا معاً مباراة فرنسا/كَروَاتيا التي كانت ذات جودة عالية. وكانت هناك مناسبة أكَّدتْ لي إعجابه بروايات «دوستويفسكي»، عندما شاهدنا سلسلة أفلام عن حياة الكاتِب الروسي التي لا تقلّ في كثافتها ومأسويتها عن رواياته. كلّ صباح، يستيقظ «إدغارْ» مُفعما بحُبّ الحياة، حريصاً على إضافة لمسةٍ مضيئة إلى مناطق الظلمة فيها؛ فهو حريص على أن تكون المعرفة والذاكرة والتجربة في حالة عِناق من أجل إعادة ابتكار الحياة يوميّاً. هو يُدرك، منذ نَشرَ كتابه «الإنسانُ والموت»، 1951، أن حياة الفرد مؤقَّتة، لكنه يتذكَّر أن المئة سنة التي عاشها كانت مُشعّة باللحظات المُشرقات التي سطّرتْ ملاحم البطولات وثورات الشعوب المُستضعفة، وعبقريات الإبداع والفنون، وكشوفات العلم والمعرفة؛ ومن ثَمَّ ضرورة المُراهنة على حماية تلك القيم الكونيّة التي حقَّقتْ، ولو في فتراتٍ قصيرة، الصورة الأكثر اكتمالاً وصدقيةً للحياة. على هذا النحو، يتابع «إدغارْ مورانْ» رحلته الحياتيّة، مُسلَّحاً بالمعرفة والحبّ والصداقة والرأي الشجاع. تلك الشجاعة التي قادتْهُ منذ بضع سنوات إلى محاكمة كان فيها مُتهماً، بأنه مُعادٍ للسامية، إذْ كتبَ مقالاً ينتقد فيه الاحتلال الإسرائيليّ لفلسطين ويفضح أسلوب هَدْم المنازل واعتقال الشباب… لقد كان واضحاً، وهو يصرِّح قبل أيام لجريدة «ليبراسيون» الفرنسيّة: «علينا أن نعترف بأولئك الذين لا يحظوْن بالاعتراف: المُحتَقرين، والمُهانين. ليكنْ لديْكم حسُّ الأخوة تجاهَ جميع الذين يتألَّمون!».

تحدّيات الثقافة عن بُعد

لم يجف مِداد جدل طويل وعقيم، في الغالب، يخصُّ الكِتاب الإلكترونيّ الذي يحلّ محلّ الورقيّ، حتى اجتاح وباء «كوفيد – 19» العَالَم. ولاحتواء انتشاره تمَّ إغلاق مرافق الحياة العامة، وانتقلت جلّ الأنشطة الخارجيّة إلى المنزل بصورةٍ معزولة عن تقاليد الحياة الاجتماعيّة، فأصبحنا أمام تجارب وممارسات ثقافيّة جديدة، بقدر اعتمادها على الإنترنت والفصول الافتراضيّة ومؤتمرات الفيديو، فإنها قد أجبرت العديد من القطاعات والمُؤسَّسات الثقافيّة على إعادة تأسيس نفسها، وتعديل العلاقة التواصُليّة مع جمهور الثقافة بتكثيف الجهد الرَّقميّ من منطلق فعاليته الكمّيّة في الانتظام الثقافيّ.
طالما اقتصر دور الوسائط الإلكترونيّة على المُساعدة والدعم الفنّي، والإخبار بتنظيم الأنشطة الثقافيّة، وإلى وقتٍ قريب لم يكن من ضمن الاحتمالات تنظيم مهرجان ثقافيّ في نسخة إلكترونيّة، على سبيل المثال، أو حتى تصوُّر فعالية ناجحة من دون توفُّر ارتباط واقعيّ بين حدث ثقافيّ وجمهوره. كما أدَّى الحَجْر المنزليّ إلى تقييد الوصول إلى السلع الثقافيّة الماديّة بسبب إغلاق المكتبات ودُور السينما ومتاجر التسجيلات وما إلى ذلك… لكن ما شهدناه على المُستويين العربيّ والعَالميّ يؤكِّد أن الثقافة في الأوقات الصعبة بلسم للكثيرين، وقد حقَّقت الوساطة الرَّقميّة بالتأكيد فرصةً عظيمة للمُحافظة عليها، وأثبتت بأنها قناة فعَّالة لربط الجماهير بالمنتوج الثقافيّ والفنّي وإرضاء تعطّش الجمهور؛ حيث زادت العديد من المُؤسَّسات الثقافيّة التي أُجبرت على الإغلاق، كالمتاحف والمسارح والمعارض الفنِّيّة وغيرها، من عروضها ومواردها المُختلفة عبر الإنترنت.
لا شكّ في أن هذا التحوُّل الرَّقميّ الشامل، وإنْ كان طارئاً، يواصل اختباره لطبيعة علاقتنا بالثقافة التي تبدو في صورتها الظرفيّة على الأَقلّ، قد تحوَّلت من علاقة اجتماعيّة، إلى علاقة تقنيّة تطرح عدّة شكوك وأسئلة تتعلَّق بالتكيُّف مع واقع جديد ابتدع عادات ثقافيّة غير مألوفة لا نعرف إنْ كانت ستستمر بعد أداء وظيفتها الطارئة. ففي سياق استثنائيّ لم يعد بوسعنا أن نلتقي فيه داخل فضاء ثقافيّ عام، نحن في حاجة ليس فقط إلى التكيُّف المُجتمعيّ، وإنما إلى اختبار علميّ ونقديّ للمتاحف والمسارح ودُور السينما والمعارض الفنِّيّة في إطار العرض الافتراضيّ، حتى لا يترك العمل الثقافيّ رهين التقييمات الكمّيّة للتقنية. كما لا فائدة من عرض ثقافيّ يراهن في نجاحه على زيادة الوفرة في المُحتوى أو بتوسيع مدى انتشاره، وإنما تعمُّ الفائدة والفاعليّة أكثر حينما يكون الفعل الثقافيّ مَعنيَّاً بالدرجة الأولى، سواء بوساطة واقعيّة أم افتراضيّة، بضمان الاستقلاليّة النقديّة للجماهير.
وفي سياق هذا الاختبار لطبيعة علاقتنا الجديدة بالعرض الثقافيّ، تبدو آثار الحَجْر المنزليّ على مخرجات المُمارسات الثقافيّة مناقضة لما يمكن توقُّعه بطريقة تلقائيّة من ثورة الشاشات وتضاعف جماهير الوسائط الرَّقميّة أو حتى توحيد السلوك الثقافيّ. فإذا كان الحَجْر المنزليّ قد ضاعف مستويات الاستهلاك السمعيّ- البصريّ ومشاهَدة العروض الحيّة على الإنترنت، وممارسة الألعاب الإلكترونيّة. فإنه في مقابل ظهور سلوكيات جديدة تمَّ إهمال عادات أخرى، من قبيل الترفيه التقليديّ الذي يتطلَّب قدراً مُعيَّناً من التواصُل الاجتماعيّ. كما تُشير بعض الإحصاءات إلى أن بعض المُمارسات الإبداعيّة قلّت في فترة الحَجْر المنزليّ، وأن معدَّلات القراءة عرفت بدورها انخفاضاً بسبب إغلاق المكتبات الذي يفسِّر جزئياً هذه النتيجة. كما انخفضت نسبة قرَّاء الصحافة الورقيّة بشكلٍ كبير… ومرد ذلك -حسب التفسيرات الاجتماعيّة- إلى غياب الاستعداد النفسيّ بسبب العبء العاطفيّ والمعلوماتيّ الناجم عن الأزمة الصحّيّة والحَجْر المنزليّ.
وإذا كانت المُبادرات الافتراضيّة قد سمحت باستمرار العروض الثقافيّة، على قاعدة تأكيد الحضور من غرفتك، فإنّ ذلك لا يعني ألّا نأخذ بمحمل الجد المُلاحظات التي يتمُّ رصدها، من قبيل قِلّة التفاعُل التي كثيراً ما تنجم عن الشعور بالعُزلة الذي يخلِّف الشكل الفرديّ لهذا النوع من الحضور، ممّا يضعف الدافع لحضور فعالية ثقافيّة افتراضيّة أو الالتزام بإكمال حضورها، إلى جانب افتقار الفضاء الافتراضيّ حتى الآن إلى التفاصيل المُقترنة بالفضاء الواقعيّ والتي تدلّ على أن الحدث يسير بشكلٍ جيّد، كالانضباط في التفاعُل وعمليات التواصل، دون أن نغفل الفجوة الرَّقميّة التي تقف عقبة رئيسيّة أمام الجمهور المُستهدَف من كافة الشرائح والأعمار.
من المُؤكَّد أن التواصُل الاجتماعيّ يُلقي الضوء على تطوُّر وتنوُّع المُمارسات الثقافيّة، وأشكال المُشاركة الثقافيّة، وإذا كانت تجربة الحَجْر المنزليّ قد أزالت جزءاً كاملاً من الثقافة المُرتبطة بزيارات المتاحف ودُور السينما والمعارض الفنِّيّة، فقد ساهمت أيضاً في تعديل علاقة الأفراد بالثقافة من خلال خلق سلوكيات واستخدامات جديدة. لقد أعادت الشاشات تنظيم الاستهلاك الثقافيّ وأنماط المُمارسة داخل المجال الخاص، بالصورة التي تجعل الحاجة إلى دراسة آثار عمليات إعادة التشكيل المُؤقَّتة هاته ضروريّة في السنوات القادمة، للتحقّق ممّا إذا كانت علامة على التكيُّف مع سياق معيَّن وغير مسبوق أو على تغييرات عميقة في الوصول إلى الثقافة.

برنار نويل.. رحيل كاتب مُلتَزِم

عن سنٍّ يناهز التِّسعين سنة، رحل في أبريل الماضي، الشاعر والكاتب الفرنسي «برنار نويل»، مُخلِّفاً أزيد من أربعين عملاً أدبيّاً، كان آخرها «لَمْسَة هوائيَّة». كان «برنار نويل» أحد المدافعين عن القضيَّة الفلسطينيَّة، كما كان شديد الحساسيَّة تجاه قضايا عصره، وقد اصطدم بالواقع المرير حتى توقَّف عن الكتابة، لكنَّه سرعان ما عاد لممارستها، فأصدر، عام (1967)، ديوانه «وجه الصَّمت» ليُواجه بسلاح الكتابة شراسة الواقع.

وُلد «برنار نويل – Bernard Noel» عام (1930)، في سان «جينيفييف سور أرجانس». ترعرع في بيت جدِّه وجدَّته. بعد تخرُّجه في المدرسة الثانويَّة في «روديز – Rodez»، ذهب إلى «باريس» والتحق بكُلِّية الدراسات العليا للصحافة، لكنه سرعان ما تخلَّى عن هذا المسار. حوالي عام (1953)، كان أحد الأعضاء النَّشطين في حلقة الدّراسات الميتافيزيقيَّة، واقترب من فِكْر «ريموند أبيليو – Rymond Abllio». يُعدُّ من أَهَمِّ الكُتَّاب الفرنسيّين في النصف الثاني من القرن العشرين؛ لهذا خَصَّتْه الأكاديميَّة الفرنسيَّة بالجائزة الكبرى للشعر عام (2016). توزَّعت أعماله بين الشِّعر، والرّواية، والنقد الأدبي، والنقد التشكيلي. صدر ديوانه الأوَّل «مستخلصات الجسد» سنة (1956)، وانتصر فيه للجسد من خلال تأثُّره بالعنف الذي عايشه في الحرب العالميَّة الثانية، والمعسكرات، والقنبلة الذريَّة، وحرب الجزائر، وحرب الهند الصينيَّة. هذا وقد عُرِف بدفاعه عن القضيَّة الفلسطينيَّة، ولم يشعر بالحرج وهو يعلن ذلك في حوار صحافي. وُصف شعره بأنَّه تأمُّلٌ فلسفي في معنى الوجود الإنساني في العالَم.

حديث «برنار نويل» عن كتاباته

في حوار، أجرته «صوفي نولو – Sophie Naulleau»، من مجلّة «ثقافة فرنسا – France culture»، بتاريخ العاشر من فبراير/شباط (2013)، يناقش «برنار نويل» علاقته بالأجيال القادمة، والقصيدة التي كان يعمل عليها لعدّة سنوات، فقال: «لقد تأثَّرتُ كثيراً عندما كرَّست لي مجلّة «أوروبا – Europe» عدداً خاصّاً، في يناير/كانون الثاني (2011)، فقد كانت الأبراج العاجيَّة تزعجني. العمل لا ينتهي حتى نموت. نقطة النهاية هي موت مَنْ كَتَب. لا توجد كلمة أخرى «نهاية». لمدّة خمس سنوات أو سِتّ، كنتُ أكتب قصيدة ليس لها نهاية أخرى غير نهايتي… بعد ذلك، أحببْتُ فكرة أنَّ كلماتي لم تعد بحاجة إِليَّ. إنها نوع من المناطق المكوَّنة من الكُتُب التي أتمنّى أنْ يُكمّل بعضها الآخر. كلّ واحد منَّا يصنع بلداً ثم، في يوم من الأيّام، في مرحلة معيَّنة، سيُصبح هذا البلد غير صالح للسَّكن بالنسبَة إلى الَّذي صنَعه. وكثيراً ما تساءلتُ عمّا إذا كانت أفضل نهاية هي الدُّخول في الصَّمت والتَّأمُّل».

وبمناسبة نشر كتابه «كتاب النسيان – Livre de l’oubli»، يستحضر «برنار نويل» الطريقة التي يتصوَّر بها وظيفة النسيان التي يضعها في صميم عمليَّته الإبداعيَّة، فيقول: «النسيان هو الذاكرة الحقيقيَّة بالنسبة إليَّ؛ إنَّه يشكّل هذا النَّوع من الذاكرة العالميَّة التي تتجسَّد في اللغات، لا في الأذهان…» وبربطه بين الإبداع والنسيان رسم «برنار نويل» مقاربته بشاعريَّة خاصَّة، تتراءى مُرصَّعة باليأس والأمل، في الآن ذاته، لهذا، يستحضر كتابه «كتاب النسيان» اللّغة والذكريات، أو الوعي بنسيانها. وفي ذلك الكتاب، يؤرِّخ «برنار نويل» للنسيان، ويُقرُّ أنَّ ما نعتقد نسيانه، هو، في الحقيقة، ما نتذكَّره، والذكريات تعود لتطفو في الكتابة، وتصبح «كلاماً لكُلِّ ما تمَّ فقدانه».

التَّفاعل العربي مع كِتابات «برنار نويل»

اهتم الكُتَّاب العَرب بكتابات «برنار نويل»، وعملوا على ترجمتها. وكان الشاعر المغربي «محمَّد بنيس» أهمّ الذين نقلوا كتابات «برنار» إلى القارئ العربي. هكذا، بعد أن تبادل «بنيس» الزيارات مع هذا الكاتب الفرنسي؛ ما أسهم في تقوية الروابط بينهما؛ فقد كانت النتيجة هي ترجمة «بنيس» لأربعة كتب هي: «هسيس الهواء» عام (1998)، و«كتاب النسيان» عام (2013)، و«موجز الإهانة» عام (2017)، وكلُّها صادرة عن «دار توبقال»، بالمغرب. أمّا الكتاب الرابع «طريق المداد»، فقد صدر عن دار نشر فرنسيَّة، وهو عمل مُميَّز جمع بين نصوص «نويل» ولوحات الفنَّان «فرانسوا رووان»؛ ما جعل منه عملاً شعريّاً وتشكيليّاً ذا طابع خاصّ.

تفاعل «برنار» مع الاحتفاء بترجمته إلى اللسان العربي، فصار عضواً شرفيّاً في «بيت الشعر في المغرب»، وشارك في إقامة فنّيَّة بمدينة مراكش مع الشاعر «محمَّد بنيس» والفنَّان التشكيلي «محمَّد مرابطي» سنة (2017)، إلى جانب مشاركته في المهرجان العالمي للشعر بالدار البيضاء سنة (2002). هذا التفاعل الثقافي مع المشهد الإبداعي والفنّي العربي، من قِبَل «نويل»، أنتج ترجمات عربيَّة أخرى مثل: «لسان آنَّا»، ترجمة بشير السباعي، و«تناذر غرامشي»، ترجمة ميساء سيوفي.

«برنار نويل» في «مرآة» الكشف

وَرَدَ عن الكاتبة «شانتال كولومب غيوم – Chantal Colomb-Guillaume»، في العدد الخاصّ بـ«برنار نويل»، من مجلّة «Europe»، في مقدِّمة المجلّة قولها: «برنار نويل»، كاتب ذو أهميّة كبرى، وعددُ قُرَّائه يزداد، ليس في فرنسا، فقط، بل في الخارج أيضاً، من خلال قصائده وقصصه ومسرحيَّاته وكتبه التاريخيَّة، والسياسيَّة، ونصوصه عن الرَّسم. تعدُّ الكِتابة حياتَه (…)؛ فعطاؤه فيها لا ينضُب. وإذا كان إنتاجه يقع «خارج الأنواع»، وظلَّ غير قابل للتصنيف، فإنَّ أصالته تجعل كلّ صفحة من صفحاته موقَّعة، ويمكن التَّعرف إليها وتمييزها عن طريق الكتابة أو الصَّوت أو اللّغة.« برنار نويل» هو كذلك روح الثَّورة، وهو مستعدٌّ، دائماً، للوقوف في وجه الظّلم أو حين انتهاك السّلطة لحرِّيَّتنا. بدأ كلّ شيء في أعلى الطريق من قلعة العشاء الأخير (Château de Cène) عندما شارك الكاتب الشَّاب في مقاومة التعذيب في الجزائر. بعد أن خضع للرَّقابة، أدرك أنَّ هناك نوعاً غير ملحوظ من انتهاك الحرّيّة، يُمارَس دون علمنا. وأنشأ لفظة «sensure» (خلافاً للكلمة الأصل «censure»، حيث أبدل c بـ s) للإشارة إلى هذا الحرمان من المعنى الذي تحاول السلطة السياسيَّة حبس المواطن فيه. لايزال «برنار نويل» يُطالب باللّغة، التي تعني الجسد، والـمَلَكة اللُّغويَّة، والنَّظرة، التي تحيل على الجسد والإدراك، بوصفهما الأداتين اللَّتين يمكن -بواسطتهما – تحقيق علاقة أصيلة مع العالم ومع الآخرين ومع الذَّات. كتاباته لا تتوقَّف عن مساءلتنا، وصمتُه يمنعنا من التَّوقف عن التفكير، ويدعونا لمشاركة ما يُقال، وما لا يُوصَف».

وتستمرّ الكاتبة «شانتال كولومب غيوم» في مقال لها، بالمجلَّة نفسها، في تعداد ميزات هذا الكاتب: «يدحض «برنار نويل» صفة النَّاقد الفنّي، ومع ذلك تكشف النصوص المصاحِبَة لكتب الرَّسم أو الرُّسومات التي شارك فيها عن معرفة عميقة بالفنون الجميلة (…)، ومع ذلك، يجد «برنار نويل» في الرَّسم تعبيراً مكمِّلاً للكتابة؛ لذلك هو يعرف إيماءات الفنَّان أو الرّسَّام؛ ولهذا، يستطيع الكتابة -بسهولة – عن «ماغريت – Magritte»، وكذا عن أصدقائه؛ «أوليفيي – ديبري Olivier Debré»، و«جان فوس – Jan Voss»، وحتى عن تقنيَّة الرَّسم الصيني «لـِزاو-وُو-كي – Zao wou- ki». هو في مكانه الطَّبيعي، سواء في الرَّسم أم في الشِّعر».

من بين ما كُتب في رحيل «برنار نويل»؛ مقال نشرته جريدة «Le Monde»، في 14 أبريل/نيسان (2021)، حيث يستحضر «بتريك كيششيان – Patrick Kechichian»: ما كتب عنه صديقه «جورج بيروس – Georges Perros» في عام (1977): «كان برنار نويل الذي أعرفه يكتنفه صمتٌ يُقطع بسكّين». وستنشر مراسلاتهما في عام (1998)، (منشورات Unes). بهذه الصورة القويَّة، يسلّط «بيروس» الضوء على مفارقة تأسيسيَّة: العملُ الوفير، الـمُلهِم والمدروس على حدٍّ سواء، الذي قام به «برنار نويل» في إطار هذه العلاقة العنيفة مع السَّريرة الصامتة. العنفُ الذي تشكِّل اللغةُ أداتَه وسلاحَه. ففي حوار مع «كلود أوليير – Claude Ollier» عام (1995)، أعلن: «لم يكن هناك شيء خارج اللّغة بالنسبة إليَّ. فليس هناك شيء غير قابل للوَصْف إلَّا لوجود ما هو موصوف». تشير هذه الملاحظة إلى الإنسان الذي عاش زمانه مثلما تشير إلى الكاتب والشاعر الذي كان عليه).

كما كتب أستاذ الأدب في جامعة «بال – Bâle»، «هوغز مارشال – Hugues Marchal»، في مجلّة «France culture» عدد (15) أبريل/نيسان (2021)، يستعرض عمل «برنار نويل»، ومحاولته إعادة القوّة النشطة إلى الكلمات، فقال: «إن تطوُّر التفكير في الرقابة كان مبكّراً جدّاً في عمل «برنار نويل»، خاصّة أنَّ الشاعر كان جزءاً من جيل تميَّز بالحرب الجزائريَّة، وآثار تشويه وسائل الإعلام، وسيطرتها التي- ربَّما- كانت موجودة خلال هذه الفترة. بالإضافة إلى ذلك، كان من آخر الـكُتَّاب الذين حُكم عليهم بإهانة الأخلاق؛ وذلك بسبب روايته «قلعة العشاء الأخير/ Le château de Cène»، التي نُشرت باسم مجهول عام (1969)، وقد اعتبر «برنار نويل» هذا النصّ شكلاً من أشكال الانتحار لأسلوبه وكتابته الخاصَّيْن».

تستحضر هذه الأقوال خصائص كتابة «برنار نويل»، وتقف عند سماتها الدَّقيقة؛ وبذلك تحقَّقت نبوءة هذا الشّاعر الفرنسي، حينما كتب في قصيدة «الاسم نفسه»: «حلمتُ أنّي كنتُ ميّتاً. أناسٌ كانوا ينطقون باسمي. حركة شفاهِهم كنتُ أشاهدُ. واسمي من شفة لأخرى كان يطير. لم يكن اسمي يعرفُ من أنا، لم يكن يعرف أنَّه اسمي. بيضاء كانت الشِّفاه». هكذا، رحل «برنار»، وترك إرثاً ثقافيّاً غنيّاً سيجعل كلَّ الشِّفاه تتناقل اسمه، على مرِّ العصور، لأنَّه كاتِبٌ استثنائي؛ كاتبٌ قد حمل همَّ قضايا عصره، والتزم بالكتابة عنها.