المِسْترال والحَجْر

في ندواتٍ حضرتُها أيام الشباب، كان السؤالُ المُسيْطِر على حواراتنا: قطيعةٌ أمْ إبداعٌ مُغاير؟ الآن، أجدُ أن هذا التساؤل ينطوي على مغالطة تحتاج إلى مُراجَعة. ذلك أن الإبداع في دلالته التاريخيّة والجماليّة والإنسانيّة يتوخَّى القبضَ على ما يجعل الحياة أفقاً مُغرياً للإنسان عبْر فرْضيّةٍ تستوحي المُخيِّلة والمشاعر والعقل. ومن هذه الزاوية نكون أمام عَالَمٍ دعائمُه الإبداع بمعناه الشامِل، العابِر للأزمنة والقابِل لكلِّ الإضافات والتحويرات بعيداً عن القطيعة التي تَحْرمُنا من استلهام واستحضار تلك الإبداعات التي أسَّستْ مملكة الحياة.

إحساسٌ غريبٌ يملأني ويستحوذ على مشاعري وأنا أتابع هوْجة المِسْترال، تلك الريح الشماليّة العنيفة الباردة الجافّة، التي تهبّ على مناطق فرنسا القريبة من البحر الأبيض المُتوسط، فتبدو الأشجار كأنها ستُقتَلع من جذورِها إذ تخضّها خضّاً وتنفضها من جذورها، فتسري الرعشةُ في عروقها وأغصانها، مُحدثةً ما يُشبه كُورالاً يُنشدهُ حفيفُ الأشجار على اختلاف قاماتها… هل تلك اللحظات التي يعصف خلالها المِسْترال هي بمثابةِ تجذير لها في أعماق التربة ليجعلها تقاوم كلّ اقتلاع؟ آهٍ من الاقتلاع الذي يُلاحقني في لحظات الملالة والخمود فأتمنى، وأنا أسترجع مشهد الأشجار وهي ترجُفُ في قبضة المِسْترال، أنْ أغدو مثلها تخضّني تلك الريح العاتية وتُشعلُ دواخلي، بلْ تُعرِّيني من كلِّ لبوسٍ لأقدرَ على التواصُل مع ما يجعلني «حقيقيّاً» وسط هذا الكون المُلتبس، المُضطرب. لديّ إحساسٌ غامض، كلما زار المِسْترال هذا الفضاء الذي أسكنه، مُحاطاً بالأشجار، أن النفْضَ الذي يمارسه على الأشجار هو في الآن نفسه نفْضٌ لجسدي وأفكاري وأحلامي المكرورة؛ فأبادر إلى إغماض العينيْن واستنشاق الريح الشماليّة العنيفة بكلِّ جوارحي، مُستسلماً لهُبوبها علّهُ ينقلني إلى تلك المنطقة المُتمنِّعة، حيث تكون الحياة أكثر من حياةٍ واحدة، أكثر من أحداثٍ ووقائع وطقوسٍ مُعتادة… حياة تشمل الجسد والنفس والذاكرة، وتُحصِّن الكيانَ البشريّ من كلِّ تجزيء وتصونُه من التحلّل.

مع الأيام، غدوتُ أترقبُ زيارات المِسْترال الذي يطردُ المطر والغمام، ويُبدِّد الدّكنة التي ترينُ على الخاطر وتنشر الخمول والكآبة. والجميل في هذا اللقاء، هو أن زمن نفْضِ الأشجار والعُشب والتربة يدومُ ساعاتٍ وساعات، وأحياناً أياماً بِلياليها، فيغدو هذا الجزءُ من الطبيعة مكسُوّا بديناميةٍ تنفث الحركة وتنشر صوت الرياح وهي تخترق الأغصان والفجوات وتنفذ إلى كلّ فضاء غيرِ مُحصِّنٍ لتنفْضه حتى النخاع. وعندما يتعب المِسْترال، أو يعود إلى مُستقرّ له مجهول لديّ، تكتسي الطبيعة، أرضاً وسماءً، حُلة الصّحو والإشراق والنصاعة الناطقة. عندئذٍ أغوص أنا في النصاعة المُطمئنة وأجدِّدُ تدريجيّاً ما ينقصني من الأوهام والتطلعات، لأتمكّن من متابعة الأيام والليالي في انتظار ذلك المُستقبل الغامض علّهُ يبدّدُ الكوابيس والقنوط… لكنْ، سرعان ما أجدُني تحت شجرة التوت الوارفة مُتطلعاً إلى هبوب المِسْترال من جديد لينفض عني ما تراكَمَ من أدرانٍ وتساؤلاتٍ مُعادة عن الصدفة التي أخرجتْني إلى الوجود نطفةً حائرةً تنمو وتواجه لغزيّة الحياة من دون أن تدري مآلَ صيرورتها.

مع الحَجْرِ الذي فرضه فيروس كورونا، أصبح شعورٌ يُلازمني بأنني أعيش مفصولاً عَن أشياءٍ كانت تمنحني طمأنينة الانتماء والانصهار: لمْ أعدْ أتعرَّف بسهولة على ذاتي، خاصة وسط الليل عندما أستيقظ دون ما سبب فتتراءى لي بالوعةُ الجَائِحة فأظلُّ مذهولاً قبل أن أتذكَّر ملامح «أنايَ» المَنسيّة. أقول مع نفسي: مَنْ يدري؟ لعلَّ المِسْترال في المرّة القادمة، وهو ينفْضُ الأشجار، أنْ يتمكنَ من النّفاذ إلى أْوْصَالي الشائِخة، الناعِسة، فينفْضُ عنها الخمول ويزرع في الحنايا تلك البذرة التي تجعل حياتي أكثر من حياة؟

الكتابة فرْضيَّة لاستجلاء العَالَم

أعتقد أن الكتابة تستمدُّ نبضها وحيويّتها من مُعانقتها لذلك الصراع الظاهر والخفيّ الذي يجري وراء ستار لاقتناص سيرورة الحياة وتجلّياتها المُتنوِّعة. من ثمَّ تؤول الكتابة إلى نوع من المُواجَهة بين الكاتِب المُبدع والنصّ الذي يسعى إلى إنجازه، وتغدو هذه المُواجهة كأنها صراعُ جسدٍ ضد جسدٍ يُستخدَمُ فيه التحايُل والعنفُ واللجوء إلى ما وراء اللّغة… لا أظنّ أننا نكتب لننسخ واقعاً أوْ نحاكي أحداثاً، بل لنقدِّم رؤيتنا إلى ما نعيشه في سياقٍ مُعيّن وضِمْن ذاتٍ لها فرادتُها في العيش والتفكير. ولأن الكِتابة الإبداعيّة تعني، قبل كلّ شيء، التوسّل بأشكالٍ فنيّة وجماليّة مفتوحة على رحابة التخييل، فإن حرّيّتها لا تتحقَّق إلّا ضمنَ شسوع المضمار الإستطيقي الذي يُضفي الخصوصيّة على اللّغة والشكل والدلالة. ولأن الكاتِب لا يتوخَّى الوصول إلى حقائق علميّة، إذْ إن مجاله مُتصل بالمشاعر الزئبقيّة واللحظات المُتلوِّنة المُتفاعِلة مع السياق والمزاج ونزوات الذاكرة، فإنه كثيراً ما يلجأ إلى تخيُّلِ أكثر من ردِّ فِعل، خاصّة عبْر الشخصيّات والبيئات المُتباينة…

يذهب الناقِدُ والفيلسوفُ البريطانيّ جورج ستاينر في كِتابه «نَحْوُ الإبداع» إلى أن: «الكتابة هي، في العمق، الإلقاء بِفرْضيّةٍ إلى العَالَم». أجدُ أن كلمة «فرْضيّة» (hypothèse) تعبِّر عمَّا في الإبداع من صُدْفويّة وعدم اكتمال، إذْ إنه لا يخضع لقوانين محدَّدة مسبقاً، ويمتحُ من مصادر متشابِكة في مرجعيّتها ومشاعرها، فضلاً عن أنه يتمُّ عبْر ذاتٍ محكوم عليها بالموت والفناء في عالَم مُستمرّ في الوجود والبقاء… من ثمَّ لا شيء في مجال الإبداع البشريّ يبدو مُكتملاً أوْ نهائياً. نتيجة لذلك، كلّ فرْضيّة تطرحها الكتابةُ الإبداعيّة على العَالَم تظلّ قابلة للتعديل والنسخ وإعادة الصياغة. ولا شكّ أن عنصر الزمن المُتغيِّر وتأثيراته على بنيات المُجتمعات وقيمها ومستواها المعرفيّ يستدعي تحوُّلاتٍ في صوغ «الفَرْضيَّات» وأشكال التعبير الجماليّ…

ولمّا كان مجال الاختيارات الفنّيّة والفَرْضيَّات الدلاليّة جدّ شاسع ومُتشابكاً، فإنهُ من الصعب تخمين الفرْضيّة الصائِبة التي تُغني عن سواها. لأجل ذلك، يغدو تبايُن وتجاوُر وتصارُع الفَرْضيَّات والرؤى مسألةً حتميّةً تجُرّ في أذيالها تعدُّد أشكال الكِتابة، وتعدُّدَ تأثراتها بما سبقها من إبداع.

يبقى السؤال الأصعب بالنسبة للكِتابة، التي لا مناص لها من أن تتفاعل مع الزمن وتبدُّل القيم، هو: على أي شيء تُراهِن الكِتابة استراتيجيّاً، إذا صحَّ التعبير: على تجسيد سوداويّة الحياة وما يكتنفها من تشاؤمٍ وأفق عدميّ؟ أمْ على أفقٍ ترانساندانتالي مُتعالٍ على شبح الفَناء والتلاشي، ومُنتصر للحياة رغم هشاشتها؟

أرى أن الكِتابة الإبداعيّة لا تُحيلُ على «واقع» أوْ عَالَمٍ ملموس؛ بل تحرص على أن تخلق عالَمها الخاص الذي يستمدُّ عناصر بنائه من الملموس والمُتخيَّل والمحلوم به… بذلك، يصبح النصّ واسطةً لِمُساءلة الواقع ومساءلة علاقة الإنسان بالقيم التي يستوحيها وعلاقته بما يقترحه من بدائل عن الموت وعن نهاية رحلتنا الأرضيّة…

في ندواتٍ حضرتُها أيام الشباب، كان السؤالُ المُسيْطِر على حواراتنا: قطيعةٌ أمْ إبداعٌ مُغاير؟ الآن، أجدُ أن هذا التساؤل ينطوي على مغالَطة تحتاج إلى مُراجَعة. ذلك أن الإبداع في دلالته التاريخيّة والجماليّة والإنسانيّة يتوخَّى القبضَ على ما يجعل الحياة أفقاً مُغرياً للإنسان عبْر فرْضيّةٍ تستوحي المُخيِّلة والمشاعر والعقل. ومن هذه الزاوية نكون أمام عَالَمٍ دعائمُه الإبداع بمعناه الشامل، العَابِر للأزمنة والقابِل لكلِّ الإضافات والتحويرات بعيداً عن القطيعة التي تَحْرمُنا من استلهام واستحضار تلك الإبداعات التي أسَّستْ مملكة الحياة الحق، مُنذ شعراء الجاهليّة، وتراجيديّات شعراء الإغريق، وروايات مَنْ ساروا على خُطى دون كيشوت، الحَالِم المجنون.

لأجل ذلك، حينما نريد التّعرُّف على قيمة الكِتابة الإبداعيّة، لا مناص من أنْ نعزلها عن الخطابات الأخرى والمواقف التي صدرتْ عن صاحبها لنتأمَّل الكِتابة الأدبيّة عاريةً عن تلك الهالاتِ التي لا تمتُّ بصلةٍ لإبداع الأدب. ومن ثمَّ يكون التقييمُ نوعاً من المُواجَهة بين النصوص ومقاييس النقد والفنّ وخُلاصات تاريخ الإبداع…

بذْلة الغوّاص

فقدانُ القدرةِ على الاختيار هو الذي يصنع القيدَ والسجنَ. وهو الذي منحَ «الحَجْرَ» بسبب الكورونا مذاقَه القياميّ. لقد أُكْرِهْنا على لزومِ البيت فكدنا نكرهُ مَا لو كنّا مُخَيَّرينَ ما غادرناه. بل إنّي كنتُ قد فقدتُ شهِيّةَ السفر وأوشكتُ على الاعتكاف في بيتي، قبل أن يضطرّني الحَجْرُ الصحيّ إلى لزوم البيت والبلد، فإذا أنا أحنُّ إلى الشوارع والمطارات من جديد، ولا أفتقدُ شيئًا كما أفتقدُ حرّيّتي في التعامُل مع المكان.

خُيِّلَ إليّ للحظةٍ أنّنا جميعًا أبطال «بذلة الغوص والفراشة» لجون دومينيك بوبي. لَوْلاَ أنّ بذلة الغوص التي نرتطم بجنباتها ليست بحجم جسد، بل هي بحجم بلد، وربّما بحجم الكرة الأرضيّة. ولَوْلاَ أنّ اشتراكنا جميعًا في الرقص الهيستيريّ داخل البذلة نفسها، لا يُلغي شيئًا من البونِ الشاسع بين الراقص على الحرير والراقص على المسامير.

لم أنتظر هذا الكِتاب كي أكتشف استعارةَ بذلة الغوص، ولم أهْتَدِ إليها بفضل «الحَجْر»، فأنا مدينٌ بها إلى طفولتي الأولى، حين كان الوالد يُطيل التعزير والتوبيخ لأقلّ خطأ، فأتمنّى أن تبتلعني الأرضُ فيما هو يوبِّخ ويعزِّر. استعصت الأرضُ فشرعتُ أتدرَّب على حياكة نوعٍ مجازيّ من «طاقيّة الإخفاء» ألوذ بها وأنا في مكاني فلا أسمع ما أكره. أطلقت عليها في البداية اسم البئر، ثمّ سمّيتها الداموس قبل أن أختار لها اسم بذْلة الغوَّاص. 

شيئًا فشيئًا أصبحت تلك البذلة سلاحي السريّ في وجه الزحمة والعزلة. أتفنّن في تأثيثها بما أريد وبمَنْ أريد، وأرتديها في كلّ فضاءاتِ الثرثرة الخرقاء والغباء المُتطاوس، كما أرتديها في لحظاتِ العُزلة، فإذا أنا في مكاني كيفما كان المكان ومهما كان الجليس. تعلّمتُ ذلك من المقاهي تحديدًا.

ليس من شكٍّ في أنّ «الحَصْرَ» مُنشِّطٌ للخيال. وليس من شكٍّ في أنّ أيّام الحَجْر كانت مؤاتيةً للسفر في الكُتب، والفضائيّات مُغرِيةً بالتواصل عبر الهواتف، والشاشات محفّزةً على السباحة في صفحات البحر الرقميّ الأزرق. لكن أين تلك الوسائط كلُّها من عَبَقِ الحقائب وهدير القطارات وأزيز الطائرات وحركة المسافرين والمارّة وروائح الأماكن الأليفة أو الجديدة، وأنت تلتقي أصدقاءك وصديقاتك وجهًا لوجه ويدًا في يدٍ وكتفًا إلى كتف ودفْئًا لدفء؟ بل أين تلك الوسائط كلّها من المقهى؟ 

لذلك لم أستسلم لإكراهات «الحَجْر» على الرغم من التزامي بها. كنت أرتدي بذلة الغوص في الوقت الذي أختار، وأقصد واحدة من مقاهيّ المُفضّلة، لا كمكانٍ، بل كحضنٍ شبيهٍ بذراعَيْ حبيبٍ، وصَدْرِ صديقٍ، ودفّتَيْ كتابٍ، وبابِ بيت. لا يهمّ أن يكون في قبلّي وقفصة، أو في باب الجديد، وباب سويقة. في قليبية، أو في المنستير. في القاهرة أو في باريس.

منذُ ثمانينيات القرن العشرين وأنا أجوب مدن تونس وقُراها من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب. منذ نهاية التسعينيات وأنا أسافر في القارّات الخمس ضيفًا على تظاهرات الشعر. لا أغادر مكانًا إلّا ولَدَيَّ فيه مقهى. 

لعبت المقاهي الشعبيّة في البداية دور الملاذ أو الملجأ. احتميتُ بها مع أبناء جيلي لقِلّة ذات اليد وضيق الفضاءات وتحدّيًا للرقباء. هناك كُنّا نتدرَّب على توقّي الضربات. نكتشف طبقات مجتمعنا من القمّة إلى القاع. ننصت إلى ما يحتدم في باطنه. نُلقِي الشعر ونتحاور في السياسة. نتلقّى دروسنا الابتدائيّة في علم الاجتماع والاقتصاد. نُعِدُّ للتظاهراتِ والمُظاهرات. 

ثمّ تطوَّرت علاقتنا بالمقاهي فإذا هي تلعب في حياتنا الدَّوْرَ الذي فرَّطت فيه المُؤسّسة التربويّة الرسميّة. دَوْر التربية عن طريق اللعب. صارت المقاهي ملاعِبنا المرحة ومكتباتنا المفتوحة على الجديد المُختلف. دُورَنا الثقافيّة الأكثر حيويّةً وحرّيّةً إلى جانب الفضاءات الجامعيّة والنقابيّة والحُقوقيّة. فيها عرفتُ أغلب أصدقائي. طالعتُ أجمل كُتبي. كتبتُ معظَمَ نصوصي. درَّبتُ عَضَلاتي الفكريّة الأولى على المُحادثة والجدل. خضتُ أولى معاركي النقابيّة والسياسيّة. 

ثمّ سرعان ما منحتنا المقاهي رحابةَ صدرٍ افتقدناها في البيت أو في الأسرة. فيها حظيتُ بأذنٍ صاغية ساعدتني على مواجهة همومي العاطفيّة الأولى. فيها وجدتُ المكان الذي يستر الوجه حين احتجتُ إلى دعوة ضيوف تونس. وظللتُ حتى اليوم آخذ إليها كلَّ مَنْ لا أريد له أن يتوقّف عند «البطاقة البريديّة». وفيهم مَنْ هو معروف حتى لدى غير المعنيّين بالثقافة. لكنّ زبائن المقاهي الشعبيّة يعرفون قيمة «مسافة الأمان»، ويحفظونَ للمقاهى إيطيقاها وإستطيقاها. 

شيئًا فشيئًا أصبح للمقهى دورٌ أكبر وأشمل. لم تعد مكانًا لقتل الوقت أو للبطالة. إنّها مكان للعمل أيضًا، أو لنقل إنّه مكانٌ يُعيد تعريف العمل، قريبًا ممّا ذهب إليه برتراند راسل سنة 1932 في كتابٍ نُقِلَ إلى العربيّة بعنوان «مديح البطالة» أو «مديح الفراغ»، وأُفضّل ترجمته إلى «مديح العطلة». 

نصٌّ ظللتُ أستحضره عند كلِّ «أزمةٍ اجتماعيّة» منذ اطّلعتُ عليه في طبعته الفرنسيّة سنة 2002. وتتمثّل أطروحتُه الرئيسيّة في أنّ العمل المهووس بالمردوديّة والربح طريقٌ إلى العبوديّة، لذلك لابدّ من النظرِ إلى العطلة بوصفها «عملاً» متحرِّرًا من ثقافة الربح، يُعيد الاعتبار إلى ما هو «بلا فائدة» في نظر السيستام: الإبداع، التفكير، العدل، التسامح، إنصاف المرأة، حماية الطفل، احترام البيئة…

لم أعد أجد ضيرًا في الانتساب إلى المقاهي بهذا المعنى. لا كمكانٍ «أقتل فيه الوقت»، أو أهرب إليه من الشارع، أو أنعزل فيه عن النّاس، بل ككوّةٍ مفتوحة على التفاصيل. كمنصّةِ انطلاق إلى أعماقِ البلاد والعباد. كمنفذٍ إلى أعماقي. 

آدم فتحي (تونس)
آدم فتحي

أمسك بمعمارها وأصواتها وروائحها كأنّي أمسك بمعصم أجسّ فيه نبض بلادي ونبضَ العَالَم. أغطس في دخانها وعرَقِها كأنّي أغتسل في موسيقى أوجاع الناس ومسرَّاتهم. مبتهجًا باكتسابي الحقّ في الاستماع يوميًّا إلى أوركستراها العفويّة. أوركسترا من كلِّ الطبقات والمشارب، تجتمع لتعزف بلا قائدٍ سولوهات، تُبدع تناغُمَها من تنافُرِها، فتصنع طربًا ساحرًا يترجم الغُربةَ إلى ألفة، والبردَ إلى دفء.

شيئًا فشيئًا تعلّمتُ فنّ «الغوص» في الضجّة والكثرة. قد يقترب منّي النادل يكاد يلصق فمه بأذني ليسأل إنْ كنتُ أريد شيئًا آخرَ بينما أنا «في عالمي» بعيدَ القرب قريبَ البُعد. وقد تشتدُّ النشوة بلاعبي الورق فيضرب أحدهم على الطاولة بقدمه، ويقابله الآخر بالشتيمة المقذعة، ويعلو الصراخ، ويمسك كلٌّ بخناقِ صاحبه، وأنا على بُعد مترٍ لا أشعر بشيء. حتّى إذا أفرغ المُتخاصمون ما في جعبتهم، وعادوا إلى اللعب وضع أحدهم يده على كتفي يعتذر، وما أكثر ما يفعلون، فإذا أنا أهتزّ للمسته، وما كنتُ قد شعرتُ بشيءٍ ممّا حدث. 

تلك السنواتُ، بل العقودُ منحت المقاهي مكانةً محوريّة في حياتي. انسلختُ من بذلة الغوص الأولى، وارتميتُ في «عجقتها» ودخانها وحكايات زبائنها وموسيقى حياتها المُثخنة بالجراح والأحلام. ألفتُ زحْمتها ولم يعد في وسعي «التركيز» بعيدًا عن صخبها. فما العمل بعد أن أصبحتُ زوجًا وأبًا «مسؤولاً»؟! ما العمل كي أزرع صخب المقهى في البيت؟! 

قد يبدو الأمر غريبًا على مَنْ يحتاج إلى الصمت والهدوء كي يكتب أو يقرأ، فهو لم يعش ما عشت، ولم يدمن ما أدمنت. أمّا أنا فالصمتُ والهدوء يصرخان في داخلي بما لا يسمح لي بالإنصات إلى العالم، وإلى نفسي، وإلى الكلمات وهي تناديني أو تستجيب إلى ندائي. 

لذلك دأبْتُ منذ سنواتٍ طويلة على فتح الراديو والتليفزيون في البيت طلبًا للضجّة. كانت تلك طريقتي الوحيدة لزراعة المقهى في البيت كي أستطيع القراءة والكتابة. فأنا في حاجةٍ إلى إعادة إنتاج وقْعِ المقاهي وإيقاعها، بعْدَ أن تحوَّلَ صخبُها إلى «سترة أمان» لا غِنًى لي عنها في حربي مع الكلمات. 

ولعَلّي لم أفتقد شيئًا خلال هذا الحَجْر مثلما افتقدتُ مقاهيّ وجلسائي. حتّى حين كنّا لا نتبادل كلمةً واحدةً، بل يجلس كلٌّ إلى كتابِه أو أوراقِه. بينما يمتلئ الهواء من حولنا بحوارٍ من نوعٍ خاصّ لا يفكُّ شفرته إلّا المُختارون. 

هكذا عرَفَتْ المقاهي نقلتها الأخيرة في حياتي. أصبحتْ هي بذلة الغوّاص التي تمكّنني من الغطس دون أن أغرَق. تفصلني عمّا حولى دون أن تقطع صلتي بأحد. تتيح لى أن أكونَ منفردًا في العدد، وحيدًا مع الجميع، منعزلاً في الزحمة. 

شيئًا فشيئًا تحوَّلتُ إلى فراشة حديقتُها المقهى، كدتُ أقولُ شَرْنَقَتُها المقهى. فأنا هناك داخل شرْنقةٍ حقًّا. شفَّافة ومتحرِّكة. تحيط بي كالقماط. كالقوقعة. كبذلة الغوّاص، بل هي بذلة غوّاصٍ بكلّ ما تملك العبارةُ من دلالةٍ بالنسبة إلى كَاتِب.

هل الكَاتِبُ إلّا غوّاصٌ؟ هل الكِتابَة إلّا فنّ الغوص في الذات بوصفها شرخًا في المكان والزمان؟

المُثقّف الحُرّ ضمير المُجتمع

أنهيت حديث الذكريات في مقال الشهر الماضي بالكشف عن أن قراءتي المُتأخرة لكتاب محمود أمين العالم (فلسفة المُصادفة) قادتني إلى تمحيص معنى تلك المُصادفة التي غيَّرت حياتي، حينما أتاحت لي السفر إلى أوروبا. ذلك لأن تعريفه للمُصادفة باعتبارها «التقاء غير متوقع بين سلسلتين مستقلتين من الظواهر، يولد حادثاً قد يبدو وكأنه مصادفة عشوائيّة»، هو الذي قادني لاكتشاف أن هذا السفر كان ابن تلك السلسلة المُستقلة، ونمط توقعاتها العقليّة النزيهة، التي أرساها طه حسين وجيل الاستنارة المصريّ الأول، في ممارسات الدولة من ناحيةٍ، وفي أفق توقعات المواطن من ناحيةٍ أخرى. 

لأن تأمُل عجائب تلك السفرة يدفعني لتأمُل العلاقة المأساوية بين تلك السلسلة العقلانية التي أسسها طه حسين وجيله، وأنتجت لنا الكثير من علامات الاستنارة، وكان هو نفسه أحد أبرز نتائجها؛ وتلك السلسلة الشائهة المُختلة التي وطد أركانها الفاسدة حكم العسكر، منذ زمن عبدالناصر، رغم أهمِّية إنجازاته في مجالاتٍ أخرى، ودمّر عبرها كلّ ما حقّقته مصر في مسيرتها مع العقل والعدل والحرّيّة.

والواقع أن حديث تلك المُصادفة التي تبدو الآن على ضوء هذا الفهم العميق للمُصادفة واقعة موضوعية تضيء لنا الكثير مما جرى من مياه تحت جسر التجربة التي عشتها في مصر. فقد كان جيل طه حسين، والجيل الذي تتلمذ على يديه- ولنسمه جيل توفيق الحكيم ويحيى حقي ونجيب محفوظ- والجيل التالي لذلك – جيل يوسف إدريس وإحسان عبد القدوس وعبدالرحمن الشرقاوي- وصولاً إلى جيل الخمسينيّات- جيل صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي ورجاء النقاش وسليمان فياض وصبري موسى وغيرهم-؛ كانت هذه الأجيال جميعاً قد تربّت في نظام التعليم المصريّ الذي كانت تقع على رأسه جامعة القاهرة (1908) واكتمل بتأسيس جامعة الإسكندرية التي أنشأها وأدارها طه حسين عام 1942. وحينما وفد جيلنا إلى الساحة الثقافيّة مع مطالع الستينيّات، كانت القيم الثقافيّة والفكريّة والضميريّة التي أرستها هذه الأجيال المتتالية -قيم الاستقلال الوطنيّ، والاستنارة والعدل والحرّيّة- هي القيم السائدة.

وكان شعار طه حسين عن ضرورة أن يكون حقّ الإنسان في التعليم كحقّه في الماء والهواء، أمراً مُسلَّماً به. فقد وضعه بنفسه على سُلَّم التنفيذ، حينما دفع حكومة الوفد في بداية الأربعينيّات لإصدار قانون التعليم الإلزاميّ حتى عمر 12 سنة، ثم سَنَّ هو قانون مجانيّة التعليم الثانويّ، حينما أصبح وزيراً للمعارف في حكومة الوفد الأخيرة عام 1950. وكان أبناء جيلي- وخاصة الذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى وما دونها من فلاحين أو عمال- من الذين استفادوا من قانون مجانية التعليم الثانويّ الذي سنَّه طه حسين عام 1951. حينما كان التعليم الثانويّ على مستوى عالٍ من الجودة والكفاءة العلميّة، ولم يكن سرطان ما يُسمَّى بـ«الدروس الخصوصيّة» قد التهم كل الخلايا السليمة في بنيته. 

والواقع أن نظام التعليم المصريّ الحديث الذي أرست قواعده النخبة التي يمثّلها جيل طه حسين هو ابن رؤية عقليّة ليبراليّة للعالم، تؤمن بحقِّ الإنسان في الحرّيّة والعدل والفرص المُتكافئة. وهي الرؤية التي رَادَت عملية التحديث المصريّة منذ الثورة العرابية 1881 وحتى ثورة 25 يناير 2011. وكان محمد عبده (1849 – 1905) وأحمد لطفي السيد (1872 – 1963) وطه حسين من بعدهما من أعمدة هذه الرؤية، خاصّة وأن لطفي السيد كان أوّل مدير حقيقيّ للجامعة المصريّة، ومن أعمدة سياستها التعليميّة التي كان الابتعاث إلى فرنسا، ثم إنجلترا من بعدها من أسس تكوين طاقمها التدريسيّ. وقد اكتسبت هذه الرؤية زخماً تاريخيّاً عبر التأكيد على الجذور الفرعونيّة لمصر كمكوِّن أساسيّ من مكوِّنات متخيَّل مصر الوطنيّ، ثم بلور طه حسين جُلَّ أبعاد تصوُّر هذا الجيل لمستقبلها في التقرير الشهير الذي كتبه عقب معاهدة 1936؛ والذي أصبح فيما بعد كتابه العلامة (مستقبل الثقافة في مصر) 1938، وهو كتاب يطرح على شباب مصر في المحلِّ الأوّل صورة هذا المستقبل، ويؤكِّد من البداية على ضرورة أن يرتبط بالانفتاح على كلّ ما جادت به ثقافات الضفة الأخرى للبحر المتوسط من اليونان وحتى فرنسا المُعاصِرة. 

ولا غرو فقد كان هو نفسه ابن الحوار الخصب بين الثقافة العربيّة الإسلاميّة من ناحيةٍ، والثقافة الغربيّة من ناحيةٍ أخرى. وكانت سلسلة التوقعات التي بنتها مسيرة ترسيخ ثقافة هذا الحوار في المُتخيَّل الوطنيّ المصريّ هي التي جعلتني في مطالع الشباب أحلم بالسفر إلى أوروبا، بل هي التي رقشت عدداً من تضاريس أوروبا وجغرافيّاها على خريطة معارفي الثقافيّة، منذ أن بدأ رفاعة رافع الطهطاوي ومحمد عياد الطنطاوي وأحمد فارس الشدياق كتابة تلك التضاريس في ذاكرتنا الثقافيّة في القرن التاسع عشر، واستمرّ من بعده في القرن العشرين محمد المويلحي وطه حسين وتوفيق الحكيم ويحيى حقي وسهيل إدريس وفتحي غانم ويوسف إدريس، وصولاً إلى الطيب صالح وسليمان فياض. ولم يكن هذا الحلم حلماً فرديّاً، وإنما جزءٌ أساسيٌ من المُتخيَّل الثقافيّ السائد وقتها. فقد سبقني إلى السفر إلى أوروبا كثيرٌ من أبناء شباب جيلي من وحيد النقاش وعبدالرشيد المحمودي وجلال أمين، ولحق بي بهاء طاهر، ثم عبدالحكيم قاسم.

صبري حافظ

إذن كان سفري للغرب ابن تلك المسيرة التي كرستها في المُتخيَّل الوطنيّ والثقافيّ المصريّ أجيالُ الاستنارة المصريّة المُتتابعة، رغم أن تطوُّر السياسة المصريّة في ظلِّ حكم العسكر- الذي أمضيت فيه سنوات الصبا والشباب- كان قد أخذ مصر في طريقٍ آخر. وربّما تكون هذه المسيرة، وخاصّة في دربها اليساريّ والنقديّ، هي التي دفعت الكثيرين من أبناء جيلي- جيل الستينيّات المصريّ- للتحفُّظ مبكراً على توجُّهات حكم العسكر، والنضال ضد قمعه للحرّيّات واستبداده. وهي التي جعلتنا نفرُّ بأعمالنا للمنافي العربيّة في مطالع الشباب، حينما كان الخوف ينتشر مع الهواء في كلّ موقع، وكان كلّ شيء يخضع للرقابة العسكريّة الصارمة.

وهي نفسها القيم التي دفعت محمد مصطفى بدوي لأن يفعل ما يقرب من المُستحيل لتوفير سفرة لي لأوروبا، بعدما أخذ العبارة التي بعثت بها له في خطاب صديقه إدوار الخراط على محمل الجد، وانتهز فرصة اعتزام جامعة لندن تنظيم أول مؤتمر عن الأدب العربيّ الحديث، لدعوتي لهذا المؤتمر كممثل للجيل الجديد من النُقَّاد، فوفَّرت لي الجامعة تذكرة السفر. وقد أقنع مركز الشرق الأوسط بجامعته- جامعة أوكسفورد- بأن يستضيفني لفصلٍ دراسي، وهو ما وفَّر لي غرفة للإقامة فيها، ووجبات الطعام في الكلية، حيث لايزال النظام في تلك الجامعة، ومعها جامعة كامبريدج وحدهما، أقرب لنظام حياة الرهبان التقليديّة في العصور الوسطى؛ أو نظام الأروقة والجراية الذي كان متبعاً في الأزهر، حتى وفود حكم العسكر لمصر. كما طلب من «المجلس البريطانيّ» في مصر أن يرعى الزيارة، وأن يوفِّر لي مبلغاً رمزيّاً للنثريّات (pocket money). ووفَّر وقتها مئتين وخمسين جنيهاً للمصروفات النثريّة طوال الفصل الدراسيّ بأكمله. 

هكذا وفَّر لي محمد مصطفى بدوي، ومن ثلاثة مصادر مختلفة، تلك الدعوة التي اعتبرتها فرصةً نادرةً لن تعوَّض، وربّما لن تتكرَّر، فأخذت من عملي في مصر وقتها- وكنت أعمل في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب- إجازة للحدِّ الأقصى الذي كان متاحاً وقتها، وهي ستة أشهر- ثلاثة أشهر بأجر، وثلاثة أشهر بلا أجر- كي أمضي أكبر وقتٍ ممكن في أوروبا، وخططت لزيارة كلٍّ من ألمانيا وفرنسا عقب انتهاء الفصل الدراسيّ في أوكسفورد. 

وأثناء الشهور الثلاثة التي قضيتها في أوكسفورد ضيفاً على مركز الشرق الأوسط في «كلية سانت أنتوني» دعتني كلية الدراسات الشرقيّة والإفريقيّة بجامعة لندن لإلقاء محاضرة عن الرواية المصريّة في الستينيّات، كان لها وقعٌ طيب على دارسي المنطقة والمُهتمين بها فيها. ولما علم أحد الأساتذة- أثناء حديثنا على الغداء بعد المُحاضرة- برغبتي في الاستمرار في بريطانيا، ومواصلة الدراسة فيها، أخبرني أن هناك عدداً محدوداً من المنح الدراسيّة، تقدِّمها الكلية لطلاب ما وراء البحار، وهذا ينطبق عليَّ، لكن موعد التقدُّم لهذه المنح قد انتهى من أسبوعين. فقلت يا ليتني علمت قبل مجيئي بها، لكنت تقدَّمت لها، فقد أعددت ملفاً كاملاً للتقدُّم للدراسة للدكتوراه هنا قبل مجيئي، وكان بإمكاني أن أبعث به لكم في الموعد لو علمت. 

وكنت قد أعددت بالفعل قبل مغادرتي مصر ملفاً، لا يحتوي على مؤهلاتي الدراسيّة فحسب، ولكنه يضم أيضاً عدداً من خطابات التزكية من أساتذتي الذين درست عليهم في معهد الفنون المسرحيّة: وفي مقدِّمتهم لطيفة الزيات وشكري عياد وسامية أسعد. فسألني هل معك هذا الملف؟ فقلت نعم! فقال أعرف أن لجنة فحص الطلبات لم تبدأ عملها بعد، فتقدَّم به اليوم على الفور، وقلْ إنه نسخة من الملف الذي بعثت به من مصر قبل قدومك، ولم يصل، وسوف أرفق تأكيداً مني على رداءة البريد في مصر، وضياع الكثير من الرسائل فيه، كي يُدرَج مع غيره من الطلبات، وهو يردف ذلك بتعبير إنجليزي شهير (no harm in trying) لا ضرر من المُحاولة، صار نبراساً لحركتي في بريطانيا فيما بعد، ففعلت! وعندما انصرفت من عنده كان شاغلي الأول كيف أن كلَّ من التقيت بهم في بريطانيا لا يدَّخرون الجهد في مساعدتي على الدرس والتقدُّم، بينما كان الكثيرون في مصر يحرصون على عرقلة كلّ جهدٍ من أجل التقدُّم.

وفعلاً وأثناء إقامتي في أوكسفورد استُدعيت للقاء لجنة الاختيار، وبعد أسابيع قليلة جاءتني رسالة مفرحة بأنني حصلت على منحة مجلس إدارة الكلية، هكذا كان اسمها، للدراسة للدكتوراه لمدة ثلاث سنوات، وقيمتها تسعة وخمسون جنيهاً في الشهر، فضلاً عن إعفائي من مصاريف الدراسة بالكلية. وبدلاً من الشهور الستة التي خططت لأن تكون هي كلّ رحلتي إلى أوروبا، لم أعد لمصر إلّا بعد سنوات ست ونيف.

لذلك حينما حلَّ الخريف التالي، موعدي السنوي لزيارة بيت طه حسين، كنت لازلت في بريطانيا، أبدأ الدراسة للدكتوراه في جامعة لندن، جاء خبر رحيل طه حسين في 28 أكتوبر/تشرين الأول 1973، وهو الرحيل الذي يبدو أنه جاء في موعده الدقيق مع الزمن، بعد أن حقّقت الأجيال التي كرّس طه حسين حقها في التعليم معجزة العبور الضخمة في الأيام الأولى لحرب أكتوبر، وقبل أن تتكشف الثغرة عمّا تكشفت عنه من مآسٍ جرَّت مصر بعدها إلى الهوان، وتكريس الهزيمة، والتفريط، في كامب ديفيد، فيما تحقّق من استقلالها الوطنيّ. فقد كان الجنود الذين حقّقوا معجزة العبور هم خريجو الجامعات الذين تعلّموا فيها بسبب شعار طه حسين «التعليم كالماء والهواء»، ثم دخلت دفعاتهم المُتتالية الجيش عقب النكسة، وقامت على أكتافهم عملية إعادة بناء جيشٍ حقيقي بكوادر قادرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، بعدما كان عبدالحكيم عامر قد خرّبه من الداخل فانهزم في ساعاتٍ، وأضاع سيناء وبقية فلسطين. 

أقول جاء رحيل طه حسين في موعده مع القدر. وطلب مني مركز الشرق الأوسط في جامعة أوكسفورد أن أتحدَّث عنه في سيمنار الجمعة الأسبوعي الشهير. ولبيت الدعوة بسعادةٍ غامرة، وبدأتها بقولي إنه لولا طه حسين، ولولا الدور الذي لعبه في تحرير التعليم في مصر، لما كنت أنا هنا اليوم أتحدَّث إليكم عنه. واستعرضت بعد الحديث عن دوره في جعل التعليم حقاً لكلّ مصريّ، الجوانب المُختلفة لمشروعه الكبير بروافده المُتعدِّدة. فإلى جانب الرافد التعليميّ الذي تحدَّثت عنه، هناك جوانب عديدة تستحق أن تُكتَب فيها كُتبٌ، أولها مشروع تحرير الخطاب الإسلاميّ من الرؤية التقليديّة القديمة، وتناوله بطريقةٍ عقليّة نقديّة في إسلاميّاته المُختلفة من (على هامش السيرة) مروراً بـ(الفتنة الكبرى) و(مرآة الإسلام) و(الوعد الحق) وحتى (الشيخان). وثانيها: مشروع ترجمة التراث الغربيّ من عيون الأدب اليونانيّ القديم وحتى شكسبير وراسين، وثالثها: مشروعه الإبداعيّ الذي جذَّر السرد العربيّ مبكراً في ميراث شهرزاد في (القصر المسحور) و(أحلام شهرزاد)، ثم انطلق به في (دعاء الكروان) و(شجرة البؤس) وصولاً إلى تأسيس السرد الواقعيّ في (المعذبون في الأرض). ورابعها مشروعه الأدبيّ النقديّ الذي بدأ بـ(في الشعر الجاهليّ) واستمرّ في دراساته المُتعدِّدة للأدب العربيّ القديم منه والحديث. وخامسها: مشروع تأسيس مجلّة أدبيّة عصريّة من طرازٍ رفيع من خلال (الكاتب المصري) وما أصدر معها من ترجمات ومطبوعات. وغيرها من مشروعات كتأسيس السيرة الذاتية في (الأيام) أو رسم خطة للمستقبل في (مستقبل الثقافة) أو الاهتمام بوحدة الثقافة العربيّة وتقديم ما يراه مُهمَّاً في إنتاج كُتَّابها من مختلف البلدان العربيّة، وغيرها.

لكن أهمّ ما أرساه، بالإضافة إلى كلّ هذه المشروعات الضخمة التي يكفي أيٌّ منها لتوطيد مكانة أي كَاتِب أو مُثقَّف، والذي حرص على تكراره أثناء الجلسات الثلاث التي أتيحت لي عنده، هو النمط الذي قدَّمه لاستقلال المُثقَّف ونزاهته واعتصامه بما يدعوه أستاذنا الكبير يحيى حقي بالأنفة. ذلك الأمر الذي يهتدي فيه المُثقَّف ببوصلة داخليّة راقية تحرِّك سلوكه ومشاريعه الثقافيّة. ولن أذكِّر القُرَّاء هنا باستقالته من الجامعة حينما طلبت منه المُؤسَّسة السياسيّة أن يوطئ استقلالها لخدمة مصالحها السياسيّة في ثلاثينيّات القرن الماضي، لأنه كان يعي من البداية أن المُثقَّف الحُرّ ضمير مجتمعه، وأنه مَنْ يعلي مكانة القيم الأخلاقيّة والمعنويّة في شتى مناحي الحياة وفي كلّ ممارساتها اليوميّة، ويجعلها نبراساً يهتدي به المجتمع كله. وأننا كلما أوهنا دور المُثقَّف وسلطة الضمير الفكريّ المُستقل، تعثَّر المجتمع وتدنَّت مكانة القيم فيه، وهو المُقدِّمة التي تفتح أبواب الشر والفساد على مصاريعها. والواقع أن كلماته في آخر لقاءٍ لي به مازالت ترن في أذنيّ حتى الآن وهي: أن على جيلنا أن يخوض من جديد تلك المعركة التي خاضها وجيله، ولكن في ظروفٍ أصعب، فقد بلغ التردِّي والفساد حضيضاً غير مسبوق في تاريخ مصر الحديث. وها هي مصر كلها تدفع ثمن الحط من قيمة المُثقَّف/ قيمة الضمير، وتتحوَّل إلى ما يقرب من جسدٍ ميت، لأنه جسدٌ بلا ضمير.

دوائر العُزلة

لا شيء يُشبه ما نعيشه الآن على صعيد الذاتِ والعَالَم؛ الفردِ والمجتمع؛ الكياناتِ السياسيّة ممثّلةً في الدولةِ القوميّة والمجتمعِ الدوليّ الأوسع الذي تُقيم معه هذه الدولةُ علاقاتٍ سياسيّة وتجاريّة وثقافيّة ورياضيّة. فالكوكب كلّه يجد نفسه يتجه من الخارج إلى الداخل، من المساحات المفتوحة إلى الأماكن المُغلقة، من صخب القرية الكونيّة التي تتخذ من الاتصال والتشبيك والحركة، والسياسة والاقتصاد المُعولمين، والسفر الدائم، والهجرة، واختيار المنفى كحالة وجودية، وزوال الحدود، وضعف الدولة القوميّة وحلول أشكال معولمة من العلاقات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، إلى العودة إلى الحدود القوميّة وانغلاق الدول والمجتمعات على نفسها. لقد حلَّ الشكُّ والحذر والتحسُّب من الاتصال بالآخرين، ومَنْ هم خارج الحدود (حتى المدن داخل الكيان الواحد أصبحت معزولة عن بعضها بعضاً، كما القرى والأطراف عن مراكزها المدينيَّة)، محلَّ التواصل والانفتاح والتبادُل والقرب، في عزلةٍ إجباريّة تفرضها البشريّة على نفسها خوفاً من المرض والموت، الفرديّ والجماعيّ. هكذا، وبمعنى من المعاني، انهارت العولمة بضربةٍ واحدة من فيروس كورونا الذي فرض على البشريّة نمطاً من العيش المُتوحِّد، المنعزل، الذي يلوذ بذاته خائفاً من الآخرين الذين صاروا همّ الجحيمَ بالمعنى الحرفيّ لا الوجوديّ الرمزيّ، كما قال فيلسوف الوجوديّة الأشهر جان بول سارتر. 

فخري صالح (الأردن)

بعد شهورٍ عِدّة من حظر التجوُّل الكامل، أو الجزئي؛ من طلب الحكومات من مواطنيها أن يلزموا بيوتهم فلا يغادرونها إلّا للضرورة القصوى؛ وبعد أن دخل تعبير «التباعُد الاجتماعيّ – social distancing» قواميس اللّغات المختلفة، وصار البشرُ يتجنَّبون بعضهم بعضاً، ويُصابون بالهلع إذا اصطدم واحدهم بالآخر في المتجر أو في الشارع، فإنّ علينا أن نفكِّر مليّاً بالمنحنى الذي سيُشكِّل حياتنا في الشهورِ أو السنواتِ المقبلة. لا مقاهي، لا مطاعم، لا دور سينما أو مسرح، لا مهرجانات أو احتفالات أو مدرجات محتشدة بمَنْ يريدون أن يحضروا عرضاً موسيقيّاً في الهواء الطلق، أو مباراة رياضيّة يشاهدها عشرات الآلاف من البشر الذين يتدافعون بالمناكب، ويحتضنون بعضهم بعضاً إذا ما هزَّ الشباك هدفٌ لناديهم الذي يحبون. كلّ هذه الأنواع من النشاط والاجتماع الإنسانيين متوقّفة، الآن على الأقلّ، أو يجري التعامل معها بحذر، وضمن استراتيجيّات التباعُد وعدم التجمهر. لقد فُرضت علينا عزلة إجباريّة مفتوحة، قد تطول أو تقصر، وقد يتغيَّر معها شكل الاجتماع الإنسانيّ، وأشكال التجارة والاقتصاد والمعرفة، والعلاقات السياسيّة، والتعاون في مجالات الصحّة والغذاء واحتياجات البشر الضروريّة الأخرى. نحن مقبلون، إذاً، على تغيير في طبيعة العلاقات والتحالفات، التي سوف يرسم فيروس كورونا حدودها، كما حصل بعد الحروب الكبرى، وانتشار الأوبئة التي قوَّضت حضارات وإمبراطوريّات وأحلَّت محلها أخرى. 

في هذا السياق من العُزلة، والعودة إلى ألفة البيت (أو ربَّما وحشته وجدرانه التي تفصلنا عن العَالَم الخارجيّ وأفراد المجتمع الآخرين، بمَنْ فيهم آباؤنا وأمهاتنا وإخوتنا وأبناؤنا وأصدقاؤنا الأقربون)، والعائلة الصغيرة، أو البقاء وحيدين لا نتصل أو نتواصل مع الآخرين إلّا من خلال الشبكة العنكبوتيّة أو الهواتف النقَّالة، تبدو العُزلة حالةً كونيّة مُعمَّمة. فلا فضل للدول المُتقدِّمة فيها على الدول غير المُتقدِّمة، أو للغني على الفقير. ملايين من البشر مضطرون للتباعُد عن بعضهم البعض والانسحاب إلى الداخل، إلى حيِّز ضيق مهما بدا، في زمن التكنولوجيا فائقة التقدُّم، رحيباً.

وبصرف النظر عن العواقب النفسيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، التي سيخلفها هذا العزل الإجباري للبشر، من أجل الحفاظ على صحتهم الجسديّة ومنع انتشار الوباء القاتل، فإن تأمُّل معنى العُزلة، في الأدب والثقافة، في نصوص من الأدب العالميّ والعربيّ، التي انشغلت بتصوير عودة الفرد إلى مساحته الشخصيّة؛ ذاته أو بيته، وتحصُّنه بعيداً عن الجموع الحاشدة في الخارج، والركون إلى الصمت للتأمُّل أو التعبُّد أو الإبداع، يُشير في بعض منه إلى لحظاتٍ فارقة في تاريخ البشر، على رأسها الأوبئة التي حصدت أرواح الملايين عبر التاريخ. وما يفعله أهل القرن الحادي والعشرين، في مواجهة جائِحة كورونا، هو الشيء نفسه الذي فعله البشر عندما تفشت الأنفلونزا الإسبانيّة عامي 1918 – 1919 وحصدت منهم ما يقترب من مئة مليون إنسان، كما أنه لا يختلف عمّا فعلوه أثناء تفشي الطاعون، وأوبئة عديدة أخرى في عصورٍ سابقة تركت أثرها على حيواتهم، كما على منجزهم الأدبيّ أو الفكريّ أو الفَنّيّ. لقد طبعت الأوبئة، كما الحروب، بطابعها شكلَ الحياة التي صمدت بعد أن وضعت الحرب أوزارها، واختفت الأوبئة أو تغلَّب عليها العِلمُ والطبُ. 

تختلف هذه العُزلة الإجباريّة، التي تفرضها أحكام وظروف قاهرة، عن العُزلة المُختارة التي يلجأ فيها الأنبياء والرسل والقديسون إلى الابتعاد عن الجموع للتأمُّل والعبادة؛ أو يلجأ فيها المُبدعون من شعراء وكُتَّاب وفنَّانين وباحثين إلى الابتعاد عن صحبة الآخرين لكي يستطيعوا التأمُّل والكتابة والإبداع. فالنوع الأخير يفتح الآفاق، ويوسِّع الخيال، ويطل على بئر الأعماق، ويهدي إلى حكمة العيش والوجود. فيما النوع الأول يفتح النفس على هاوية عميقة، ويجعل البشر يتصوَّرون اقتراب نهاياتهم والموت يترصدهم في زوايا الطرقات. 

تمثيلاً للعُزلة المُختارة يمكن أن نشير إلى تجربة الرومانسيّين الإنجليز الذين تطوَّرت تصوُّراتُهم النظريّة لمعنى الشعر والإبداع، وكذلك منجزُهم الشعري، انطلاقاً من التأمُّل والعُزلة، بوصف الإبداع الشعريّ نتاجاً لتواصل الشاعر مع الطبيعة، التي تمثل البراءة ومصدر الخلق، وانفصاله عن جموع البشر. هكذا يهيم الشاعر الإنجليزيّ «وليم ووردسوورث» (1770 – 1850) على وجهه «مثل غيمة تطفو فوق الوديان والتلال»، كما يقول في قصيدته الشهيرة، مستعيضاً عن صحبة البشر بصحبة «أجمات النرجس البري الذهبيّة قرب البحيرة وتحت الأشجار، وهي ترقص في مهب النسيم». وقد كان «ووردسوورث» يمشي وحيداً في ربوع الريف الإنجليزيّ، مفكِّراً بالقصائد التي يرغب في تأليفها، وبنعيم العُزلة التي عدَّها رحم الخلق الفَنيّ. ويُقال إنه مشى في حياته ما يزيد على مئة وثمانين ألف ميل.

في السياق نفسه تعرِّف الفيلسوفة الألمانيّة حنة آرندت في كتابها «أصول التوتاليتاريّة» (1951) الإنسان المُنعزل solitary بأنه ذلك الكائن الوحيد «الذي يستطيع أن يكون مع نفسه»، لأن لدى البشر «القدرة على الحديث مع أنفسهم». فحسب أرندت، فأنا كإنسان «أستطيع أن أكون مع نفسي»، و«بنفسي»، وفي هذه الحالة «أكون اثنين في واحد». 

أمّا القاموس العربيّ فيعرف العُزلة بأنها: الميل إلى الانزواء، والابتعاد عن الآخرين، والتنحي، والانقطاع، والمجانبة، والانفصال، والبقاء وحيداً، والتخلّي، والانصراف، والانفراد عن الجماعة وتجنُّبها. (وقد اعتزل واصل بن عطاء (700م – 748م) حلقة الحسن البصري، لخلافهما حول مرتكب الكبيرة، فقال البصري: اعتزلنا واصل، فنشأ بذلك مذهب المُعتزلة في علم الكلام الإسلاميّ). وهي معانٍ في معظمها سلبيّة، على عكس ما هو في اللّغة الإنجليزيّة مثلاً، حيث يتسم تعريف كلمة solitude بالإيجابيّة، لأن العُزلة طريق الحكمة، والقرب من الله، والتأمُّل والخلق والابتكار والإبداع، على عكس كلمة loneliness التي يضفي عليها القاموس معنى سلبيّاً.

انطلاقاً من هذه التأمُّلات، سوف أسعى، في مقالاتٍ لاحقة، إلى محاولة تبصُّر معنى العُزلة في أعمالٍ أدبيّة عالميّة وعربيّة كبيرة، وتفسير العلاقة التي تربط هذه الأعمال بسياقاتها التاريخيّة وشروط إنتاجها والمعاني الكامنة للعزلة في هذه النصوص، في زمن تبدو فيه العُزلة والانفراد عن الآخرين قدراً يصعب تجنُّبه، ولو كان مؤقَّتاً ونسبيّاً.