الكورونا.. ظاهرة إعلاميّة؟

استطاع فيروس كورونا في وقتٍ قياسيّ أن يُحقّق ما عجزت عنه أشرسُ الشموليّات: حثّ الناس على تكميم أفواههم بأنفسهم. دَفْعهم إلى إخلاء الشوارع ولزوم البيوت. إيهامهم بضرورة الانعزال بعضهم عن بعض طلبًا للسلامة. إقناعهم بما ذهب إليه باسكال حين قال «إنّ كُلَّ شقاءِ البشر ناجمٌ عن كونهم لا يعرفون الركونَ إلى الراحةِ في غرفة». 

تُقِرُّ الجهاتُ الرسميّة في فرنسا مثلاً بأنّ عدد الوفيات اليوميّة بسبب (كوفيد – 19) أقلّ بكثير من عدد الوفيات اليوميّة بسبب السرطان. كما تُذَكِّرُ اليونسكو بأنّ 25 ألفًا من البشر يموتون في العالم يوميًّا بسبب الجوع، من بينهم عشرة آلاف طفل. دون أن يرفَّ للعَالَمِ جفنٌ. دون أن تُفكّر «منظومةُ المال والسياسة» في إيقاف عجلتها الشرسة ولو لثوانٍ. 

ما الذي جَدَّ إذَنْ؟

أعتقد أنّ هذا الفيروس ما كان ليوقف عقارب الساعة العالميّة عن الدوران بهذه «القصوويّة»، لولا حضورُ الإعلام بشكلٍ غير مسبوق. أقصد ذلك الجانب من الإعلام الذي عرف كيف يتمرَّد على المثلّث الجهنّمي: مجتمع التعاليم، ومجتمع التعليمات، ومجتمع المعلومات. حيث «الأغُورَا» سُوقٌ دَيْدَنُها الربح والكلُّ فيها سلعة، حتّى البشر، الذي يُراد له هو تحديدًا أن يكون بضاعةً قليلةَ العلَف سريعةَ التلف قابلةً للاستبدال. 

لولا «تَفشِّي» فيروس الكورونا كمعلومةٍ لَمَا اختلفَ ردُّ الفعل تجاهَهُ عن ردِّ الفعل تجاه ما سبقه من الفيروسات والأوبئة. الأمر الذي يجعلنا أمام «ظاهرة إعلاميّة» بالمعنى الإيجابي للعبارة. أي بالمعنى الذي ينحني خشوعًا أمام ضحاياها ولا يهوّن من شأن ما تسبّبت فيه (وما قد تتسبّب فيه) من كوارث، لكنّه يرفض التغافل عن الأبعاد الأخرى التي يُتَحاشَى الخوض فيها. 

تلك هي قناعتي. لذلك علينا أن ندعم الجانب «المنفلت» من الإعلام. علينا أن نحميه عن طريق نقْدِهِ وتحصينه من أمراضه وفيروساته الكثيرة. بعيدًا عن غواية التوظيف أو الترويض. استعدادًا للمعارك القادمة. وهي قادمة لا محالة بعد أن امتصّت المنظومة الدوليّة الصدمة، وعثرت على «عناصر الخطاب» المناسبة لجَعْل رَفْع الحَجْر بلا ضماناتٍ حقيقيّةٍ «مَطْلَبًا شعبيًّا»! ولم يبقَ إلّا أن يختفي الفيروس بضربة عصًا سحريّة، بينما المنظومةُ «تغسل يديها» أمامنا مثل بيلاطس، ولسان حالها يقول من على منابرها المطيعة الطيّعة: «أخفِي عنّي هذا الفيروس الذي لا أطيق رؤيته». 

قد يكون رفْع الحُجب عن «كواليس» المنظومة إحدى هدايا الجائحة للمُستَغْفَلين أو للمحكومين في العالم، كي لا يسمحوا لأحد أن يحكمهم من جديد عن طريق إدارة الهلع من اللامرئيّ. ولعلّنا نكتشف قريبًا أنّ هذه «العيانيّة» (هكذا أرى ترجمة عبارة visibilité) كانت نقطة الضوء الأساسيّة في عتمة «اللحظة الكورونيّة». لا بسبب ما سبق فحسب، بل بسبب فعلها المُمكِن في الكثير من المفاهيم والمُسلّمات.

آدم فتحي (تونس)
آدم فتحي (تونس)

قبولُ الناس بارتداء «الكمّامات» قد ينبّههم إلى أنّ «ثمّة شيئًا متعفّنًا في مملكة الدنمارك» لا يُراد لهم مُقاوَمتُه. إخلاءُ الشارع قد يلفت انتباههم إلى أنّ قبولهم اليوم بالعمل عن بُعْدٍ قد يفتح الطريق غدًا إلى قبولهم بالتظاهر عن بُعْدٍ. لُزُومهم البيت قد يُحفّزهم على مُساءلَةِ أسباب تفتُّتِ الأسرة، وقد يشجّعهم على اكتشاف خفايَا تحوُّل البيت من ملاذٍ إلى حَبْس. من مأمنٍ إلى عقوبة. من وطَنٍ إلى منْفًى. بعيدًا عن ذلك النوع من «الرحم» أو «الجسد الأموميّ» الذي تغنّى به باشلار، نشدانًا للسعادة، أو للإقامة «شعريًّا» في أرض البشر المتناهية، لا في ذلك الفضاء الهُولْدِرْلِينيّ اللامتناهي. 

الاطّلاعُ اليوميّ على ما يَظهر من خفايا ظهور الفيروس أو «تصنيعه» قد يُنشّط التفكيرَ في خطل تأسيس القيمة على «الربح» و«القوّة» و«التوحُّش»، وقد يُرغِمُ الإنسانيّةَ على شيء من التواضع! فما الذي نختلف فيه عن الفيروسات؟ الفيروساتُ تحتاج إلى الخلايا المُضيفة كي تتكاثر وتتغوّل. لذلك لابدّ من استخدام فيروسات مضادّة (virostatika) تمنعها من دخول الخلايا المُضيفة. إنّها بمثابة الضيف الثقيل الذي يقتحم البيت ويسيطر عليه عن طريق التهام ما فيه من مؤونة. هذا يعني أنّ فيروس الكورونا ما كان لينجح لولا استعدادنا «لتسمينه». وليس من حلٍّ إلّا أن تُغلَقَ في وجهه مخازنُ التموين. لكن ما العمل إذا كانت المفاتيح في يد فيروسٍ أكبَر اسمُهُ الإنسان؟

«العزلُ» قد يغيّر علاقتنا بالمكان الذي خُيِّل إلينا أنّنا ننتشر فيه ونتمدّد فإذا نحن ننكمش ونتقوقع. إقفالُ المدارس (وفتْحُها لتمكين الأولياء من الذهاب إلى العمل) قد يكون فرصةً للانتباه إلى المكانة الدنيا التي آلت إليها التربية. وقد يتيح الانتباه إلى عواقب تضارُبِ الساعات (الأُسَريّة والمهنيّة والثقافيّة) ودوران عقاربها كلّ عكسَ اتّجاه الأخرى. الأمر الذي يحفر شرخًا متّسعًا بين التربية والتعليم من جهةٍ، وبينهما وبين الإعلام والثقافة من جهةٍ ثانية، مختزلاً فضاءاتها في أماكن لحراسة الصغار (garderies) من جهةٍ، وأماكن لقتْل الوقت وإعدام المعنى بدعوى تسلية الكبار من الجهةِ الأخرى. 

أمّا إلغاء «التظاهرات» الثقافيّة وإغلاق المكتبات والمسارح ودُورِ الثقافة وقاعات السينما، فلعلّه يزيح ورقة التوت الأخيرة التي تُخفِي مُعاداةَ المنظومة واحتقارَها التامّ للشيء الثقافيّ، ورغبتَها في «حيْونَة» الإنسان عند أوّل فرصة، عن طريق اختزاله في إشباع غرائزه، وتجريده من «الحاجة إلى الثقافة» التي جعلت منه ما هو. 

لقد برهنت طريقةُ إدارة «حرب الكورونا» المزعومة على أنّ معظم أصحاب القرار لا يخافون شيئًا كما يخافون الثقافة. «اللعبةُ» السياسيّة بالنسبة إليهم «طاقيةُ إخفاء» كي لا يراهم أحد. ولمّا كانوا يعلمون أنّ الثقافة هي المرآة الوحيدة القادرة على تحويل «اللامرئيّ» إلى مرئيٍّ لا تُحتَمل رؤيته ولابدّ من تغييره، فإنّهم ما انفكّوا يسعون إلى تصفيتها وإلغائها من المشهد. وليس من طريقةٍ أفتك من القمع والتجويع كالتشويه والاحتقار. بدايةً من اختزال الشيء الثقافيّ في التسلية والترفيه، وصولاً إلى إنتاج ما سمّاه فيليب موراي «الهومو فيستيفوس Homo Festivus» الذي يتمُّ تقديمه قربانًا لكلّ وحشٍ يظهر.

هكذا باتت الثقافة في نظر معظم أصحاب القرار: أوّل شيء يمكن الاستغناء عنه والتضحية به وآخر شيء يُفَكَّر في إسناده والدفاع عنه، بل إنّهم نجحوا حتى في إقناع «شُهُودٍ من أهلها» بأنّها ليست ضروريّة، وأنّ أهلها ليسوا من «جنود الصفّ الأوّل» في مثل هذه «الحروب»! متناسين أنّ المناعة ثقافة أو لا تكون. أنّ الأمنَ ثقافيٌّ، صحيًّا وغذائيًّا كانَ أم «قوميًّا». أنّ الثقافة هي التي تُرَسِّخُ في العقول والوجدان القيم التي تدور بفضلها عقارب كلّ الساعات وعلى رأسها الساعة الاقتصاديّة. تناسوا كلّ ذلك. وما إنْ قرّروا «الحَجْر» حتى حجروا على الثقافة. ما إنْ قرّروا «رفع الحَجْر» حتّى استثنوا كلّ فضاءٍ ثقافيّ. لقد خيّل إليهم أنّ أصغر مغازة أو مخبزة، في مثل هذه اللحظات الكارثيّة، أهمّ من أكبر مسرح أو مكتبة. لم يتركوا مكتبةً واحدة تشتغل. لم يفكّروا حتّى في تنظير «المكتبات» بدكاكين المُكَسَّرات! 

قد تكون «اللحظة الكورونيّة» فرصةً لإعادة النظر في كلّ هذا. وقد تغتنم الإنسانيّة هذه الفرصة وقد لا تفعل. كلّ ذلك مشروط بإرادة البشر وإصرارهم على الدفاع عن حرّيّتهم. بقدرتهم على التفاؤل بلا سذاجة وحرصهم على ترجمة تفاؤلهم إلى واقع ملموس. بانتباهم إلى أهميّة إزاحة اللثام ورفْع طاقيّة الإخفاء عن كلّ ما يُدارُ في الخفاء، وتحويله إلى «ظاهرة إعلاميّة» بالمعنى الذي حاولنا تشخيصه. 

في انتظار ذلك أرى فصْلَ «رفع الحَجْر» يقترب، واثقًا من أنّه سيحلُّ بالضرورة قبل أوانه. أضربُ بيديّ وبالكلمات على جنبات «الخزّان». ليس لديّ غير يديّ وكلماتي. الصوتُ بَحَّ من النباح في البريّة. أشُمُّ رائحةَ أحلامٍ تحترق. أنحني لمظاهر التضامن ونكران الذات وأشمئزّ لأمارات الجشع والاستثمار في الكارثة. أقفُ مشدوهًا أمام أرضٍ جريحة، نصفُها منخرطٌ في عرسٍ لا يَتمّ ونصفُها منغمسٌ في حدادٍ لا ينتهي. 

أحاولُ التفكير على طريقتي في طبيعة ما يحدث. 

رأيتُ في البداية أن أنأى بنفسي عمّا خيّل إليّ أنّه انخراطٌ في الجوقة. رفضتُ المَشْيَ على مخاوف الناس وآلامهم، لكنّها سرعان ما بدت مخاوفي وآلامي. استطاعَ الإعلام (ربّما للمرّة الأولى بهذا الشكل) أن يحشر الجميع في نفس المربّع، وأن يضع أقدام سكّان العالم كلّهم على الجمرة نفسها. فجأةً خُيّل إلينا أنّ «التباعُد» جعلنا نتقارب أكثر. كان ذلك وهمًا طبْعًا. ليس المحصورُ في فِيلّا بطوابق كساكنِ عُلبةِ صفيح، ولا صاحبُ الحِذاءِ الجِلْدِ كالحافي. لكن لا بأس. لم نَعُدْ مَخْفِيّين بعضُنا عن بعضٍ كالسابق. صنعتْ اللحظةُ قدْرًا أكبر من «المُشْتَرَك»، فإذا التراجيديا على الرغم من جوانبها الكرنفاليّة، أكثر جديّة وأشدّ وطأةً من أن تُتْرَكَ خارِجَ مجال «التفكير معًا».

التفكير والإبداع ليسا اثْنين في نظري. إنّهما اثنان في واحدٍ. قد يُضيءُ أحدُهما الطريق للآخر في ظرفٍ مُعيّن وقد يتمخّض أحدهما عن الثاني في ظرفٍ آخر. إنّهما يتطلّبان عادةً اتّخاذَ مسافةٍ من الوقائع والأحداث. لكنّها مسافةٌ تُقاسُ بالكثافة لا بالامتداد في الزمن. وهي نتيجةُ كيمياء خفيّة بين المزاج والموهبة والمعرفة لا يملك سرّها أحد. الامتداد في الزمن لا يمنع الرداءة والاستجابة الفوريّة لا تمنع الجودة. لذلك تتعدّد طرائق التفكير والإبداع تعدُّدَ المُفكّرين والمُبدعين. 

كيفما كان الأمر: «المسافة» كتمهُّلٍ أو تَعَفُّفٍ تَرَفٌ لا يتوافق مع الحياة في فوهة بركان أو بين يدي جائِحة. ليس في وسعي والمركب يحترق أن أطلب من النيران مسافةً للتفكير أو الإبداع. أحتاج إلى أن «أتوجّع فكريًّا أو إبداعيًّا» بالتوازي والتزامُن مع توجّعي الجسديّ والعاطفيّ، في انتظار أنّ «أفكّر في الوجع» بتأنٍّ حين يصبح الوقت مُتاحًا. أحتاج إلى نوعٍ من التفكير غيْرِ المُفَكّر فيه. لعلّه نوعٌ من التفكير الفوريّ، العفويّ، الحدْسيّ، كدتُ أقول الغريزيّ لولا علمي بأنّ أساتذتي وأصدقائي من الفلاسفة قد ينكرون عليّ هذا الخلط. وليت أحدهم يسعفني بترجمةٍ أجمَل لعبارة «Pensée réflexe». ذلك الفضاء المُستثنى من «بروتوكولات» التفكير وفق القواعد العلميّة أو الفلسفيّة، حيث تنبثق اللمعةُ مثلما ترْمشُ العينُ لمرور نحلة. حيث تُومضُ الفكرة مثلما تندّ الصرخةُ جرّاءَ عضّةٍ أو طعنة. حيث لا أحد يُنكِرُ عليّ أن أتوجّع بأفكاري وأن أفكّر بآهاتي. 

ذاك ما أفعل. وبين الآهة والآهة أَنفرِدُ بمدينتي ليلاً. أُنصِتُ إلى آهاتِ مَنْ أعرف فيها ولا أعرف. أجسّ نبضَها لأطمئنّ عليها وعليهم. أجوب شوارعها المنثورة في غابة النيون الذابلة. ألاحظ هنا وهناك بعض الأضواء الخافتة تنبعث من بعض النوافذ، تُرجِّحُ زُرْقَتُها الرماديّةُ أنّها أضواءُ تليفزيونات أو حواسيب مفتوحة على البحر الرَّقميّ، فأفرح لأنّ أحدهم ينتبه من جديد إلى «ظاهرةٍ إعلاميّة» بالمعنى الإيجابيّ للعبارة، أو «يبحث» عنها في هذه القناة أو تلك، في هذا الموقع أو ذاك. ثمّ تذكّرني جراحي الفاغرة بأنّ بعض التفاؤل سذاجة، فأستحضرُ بطلَ رواية جون إيرفينغ «العالمُ وفْقَ غَارْب»، وأستأنفُ تِيهِي مردّدًا عبارتَهُ التي حفظتُ عن ظهر قلبٍ منذ قرأتُ الروايةَ لأوّل مرّة: «حيثما لاحَ ضوءُ تليفزيون فثمّةَ سهرانٌ لا يَقرأ»

تصاريف الزمن الماكرة وفلسفة المصادفة

منذ أن ألمّت جائحة (كرونا) الراهنة بالعالم، وبدأ تأثيرها يمتد إلى حياة الأفراد المحيطين بي، و إلى حياتي اليومية، شخصيًّا، بصورة غيَّرت إيقاعها ومساراتها تغييرًا جذريَّا، وأنا أفكر في تصاريف الزمن الماكرة، وقدرته على فرض منطقه وتغيراته علينا، حتى لو بصورة مؤقتة، وكيف تلتقي هذه التصاريف، أحيانًا، مع رغبات الأشخاص وتتعارض معها في أحيان أخرى. ولأنني لا أريد أن أنضم إلى جوقة المنظرين من رؤوسهم – فقد دفعت الجائحة كل من هبَّ ودبَّ للإدلاء بدلوه فيها. واتخذ البعض سمت علماء الفيروسات، دون أدنى معرفة بطبيعتها أو خصائصها؛ أو خبراء الطب الوقائي منه أو العلاجي؛ أو حتى علماء المستقبليات والتنبؤ بما سينتاب العالم من تغيرات بنيوية، لا وفق الإحصائيات والمعطيات العلمية الدقيقة؛ إنما بما هو أقرب إلى النظر في بلورات المستقبل الخرافية.. أقول: لأنني لا أريد الانضمام إلى تلك الجوقة المتنامية، فقد آثرت الاهتمام بموقع ما يدور في الزمن، وبتأمل قوانين المصادفات الماكرة وعلاقتها بما نحن فيه. ما دلالة حدوث هذه الجائحة في هذه اللحظة من تاريخ البشرية؟ أهي مجرد مصادفة أن تتكشف عمّا أسفرت عنه من عالم مختل؟ خاصة وأنني أنهيت ذكرياتي الشخصية عن طه حسين، في العدد الماضي، بالحديث عن بعض فعل تلك المصادفات الماكرة في حياتي الشخصية.

فما إن حان الموعد السنوي التالي، في خريف عام 1973، لانعقاد الجلسة السنوية في بيت طه حسين (رامتان)، وعملت سكرتيرًا لها لثلاث سنوات، حتى كنت في بريطانيا، وطلبت مني جامعة أكسفورد – التي كان لها الفضل في سفري إليها – الحديث عن طه حسين عقب وفاته في 28 أكتوبر، 1973. وقد أنهيت حديث ذكرياتي عن طه حسين بآخر كلماته لي: «وفقك الله، يا بُني!» قائلًا: «ويبدو أن الله استجاب لدعوته لي، رغم استحالة السفر إلى أوروبا لأمثالي في ذلك الوقت»، وهو أمر فيه شيء من الاستخفاف بفعل المصادفة التي دفعني تأمل دلالاتها، مع جائحة «كورونا» الراهنة، إلى العودة لكتاب محمود أمين العالم المهم عن (فلسفة المصادفة). فما أرجعته إلى المصادفة السعيدة، أو إلى استجابة الله لدعوة طه حسين لي، يدفعني، بعد قراءة بحث العالم المهم عن (فلسفة المصادفة)، إلى إعادة النظر فيما أنهيت به ذكرياتي عن طه حسين، قبل التفكير في دلالات وقوع جائحة «كرونا» على عالمنا في تلك اللحظة الراهنة، لأن التجربة الشخصية قد تكون أفضل مدخل لتناول أي قضية عامة.

تكشف لي قراءة بحث محمود أمين العالم عن (فلسفة المصادفة)، عن أمرين بالغَي الدلالة: أولهما: كيف كان مستوى البحث الجامعي في الإنسانيات في مصر في بداية خمسينيات القرن الماضي. لأن الكتاب – كما يخبرنا – هو رسالته التي تقدم بها للحصول على درجة الماجستير من قسم الفلسفة بجامعة القاهرة، عام 1954، وقد كان مدرسًا بها قبل أن يفصله نظام العسكر من وظيفته الجامعية فيها؛ لأن أي مراجعة لقائمة الكتب والمقالات التي استخدمها البحث، والتي تجاوز عدد المراجع الإنجليزية والمراجع الفرنسية فيها مئة مرجع، وهي مراجع تكشف قراءة الرسالة، بعناية، عن أن الباحث قد قرأها باستيعاب وتمحيص، واشتبك مع ما ورد فيها بالحوار العلمي قبولًا أو رفضًا، وردَّ ما ورد فيها لأصوله، في كثير من الأحيان. وهو أمر لا يكشف عن مقدرة الباحث، فحسب، ولكنه ينبئنا عن أن مستوى الجامعة المصرية العلمي، وقتها، يضاهي ما لمسته في أكبر جامعات العالم بعد أن أمضيت عمرًا في التدريس فيها. كما أن أي متابع مُخلِص لما يدور في الجامعات المصرية، اليوم، لا يمكنه أن يحلم بأن يجد ربع عدد هذه المراجع في رسالة للدكتوراه؛ لأن جلّ الحاصلين على درجة الدكتوراه من الجامعات المصرية لا يقرأون بأي لغة أجنبية، وكثيرين منهم لا يحسنون كتابة لغتهم العربية، ناهيك عن القراءة بطلاقة، بلغتَين، كما هو الحال في رسالة محمود العالم تلك. 

والواقع أن قراءة الكتاب نفسه تكشف لنا عن جهد علمي وبحثي من طراز رفيع، يتتبع فيه الباحث موضوعه في تاريخ الفكر والفلسفة، بشمول ودقة، ثم في تاريخ الرياضيات والعلوم الطبيعية، بدأب معرفي لا مماراة فيه. وهو الأمر الذي يعدّ شهادة له، وهو ليس في حاجة لأي شهادة، وشهادة للجامعة التي درس فيها في الوقت نفسه – وهي أشدُّ ما تكون حاجةً لهذه الشهادة كي تدفع عن نفسها، ولو بماضيها، عار التردي البحثي والانهيار الأخلاقي معًا. فهذا الكتاب خير دليل على كيف كان الحال بجامعة القاهرة، حينما وفد العسكر لحكم مصر، لمن يعرف ما هو حالها – الآن – على جميع المستويات العلمية، والبحثية. ولو كان الأمر لا يزال بيد طه حسين وأمثال طه حسين، في الجامعة المصرية، لبعثوا بمحمود أمين العالم إلى أوروبا، يتعمق في دراسة الفلسفة فيها، ثم يعود لينهض بدوره في رفع مستوى الجامعة المصرية أدائيًّا وبحثيًّا، بدلًا من طرده من الجامعة، ثم الزجّ به في المعتقلات السياسية، لسنوات.

أما الأمر الثاني فهو أن هذا الكتاب المهم يصحب قارئه في رحلة معرفية من الحيرة، إلى مشارف اليقين الفكري والعلمي بالجدل الهيجيلي، عاشها الكاتب نفسه للخروج من التخبط بين الظلال الميتافيزيقية في قلب الفكر الفلسفي والعلوم الفيزيائية، إلى آفاق الوضوح العلمي بتعقيدات الرياضيات والفيزياء الحديثة. فقد كان يتحرك، في بداية بحثه، بإرادة نيتشه، ويتلمس طريقه بحدس بيرجسون، وطفرته الحيّة، ويرافقه لحن إليوت الجنائزي المفضل. وكانت تناوشه، طوال رحلته تلك، ظلال ميتافيزيقية في قلب الفيزياء الحديثة. ولكن مسيرة البحث المضني عن المعرفة، والمضي قدمًا في شعاب الاستقراء الفلسفي، قادته إلى بَلْورة المدلول الموضوعي للمصادفة، لأنها «تتعلق، من ناحية، بالمنهج الاحتمالي للعلم نفسه، ثم تتعلق، من ناحية أخرى، بظواهره وقوانينه مثل مبدأ عدم التحديد، وموجة الاحتمال، والمظهر التكميلي في الفيزياء»، ويقصد – هنا – المنهج الجدلي. (ص 15) 

ولو أعدت تأمل ما دعوته بالمصادفة على وقع أحد التعريفات المتعددة لها، والتي ترد في صلب هذا البحث، وهي أنها «التقاء غير متوقع بين سلسلتين مستقلتين من الظواهر يولد حادثًا قد يبدو وكأنه مصادفة عشوائية»، لتكشف لي أن ما طرحه عليَّ طه حسين من أنهم كانوا يحرصون على إرسال النابهين من الخريجين في بعثات إلى أوروبا، هي تلك السلسلة التي تحققت، بسفري العجيب إلى أوروبا، وهي التي رسخت – أيضًا – نمطًا من التوقعات السليمة، بأن من يحرص على المعرفة، ويتفوق في تحصيلها ينفتح أمامه سبيل الحصول عليها حتى أعلى الدرجات، بصرف النظر عن إمكاناته المادية، وهو المنطق الصحي السليم الذي ترتقي به الأمم. برغم أن الواقع نفسه، بعد بداية حكم العسكر في مصر، عام 1952، وانفرادهم بالسلطة المطلقة فيها بعد أحداث 1954 التي عصفت بأي أمل في العودة إلى التبادل الديموقراطي الهش للسلطة، الذي أنجزه جيل طه حسين فيها، قد رسَّخ لسلسلة أخرى كانت هي التي سادت وقت حديثي الأخير معه. 

وكانت سيادة تلك السلسلة في الواقع الذي سيطر فيه خلل المعايير، هي التي دفعتني للقول بأن من المستحيل على أمثالي السفر إلى أوروبا. فقد كان شعار تلك السلسلة المضادة، والذي صك مبرراتها النظرية محمد حسنين هيكل في كتابه الإشكالي الشهير، “أزمة المثقفين”(1)، هو الاعتماد على أهل الثقة بدلًا من أهل الخبرة؛ الأمر الذي نجم عنه العصف الممنهج بأهل الخبرة، وتهميشهم أو الحطّ من قيمتهم، وحتى التنكيل بهم. وقد تطورت آليات تلك السلسلة المضادة، وهي تكرس نفسها كقاعدة فاسدة بعدما كانت استثناءً؛ مما أدى، على مد أكثر من نصف قرن، إلى ما نحن فيه من تدهور وهوان.

فبعد مرحلة الاعتماد على العسكر في الكثير من المهام والمناصب غير المؤهلين لها، وخاصة في العقد الأول من حكمه، كي يتم للنظام الجديد التحكم الكامل في الواقع؛ أخذ النظام الاستبدادي في تخليق أجيال متتالية من أهل الثقة، تتخذ التفاني في الولاء سبيلًا للصعود حينما تعوزها الموهبة أو المعرفة. وكان من أيسر سبل اكتساب ثقة السلطة في كثير من المواقع، وخاصة في مؤسسات توليد الفكر والرأي العقلي المستقل، أي الجامعات، هي أن يصبح «المثقف» بين قوسين، عينًا للأمن على من ينتقدون النظام، وخصوصًا على من يعتصمون بالقيم الأخلاقية، ويحرصون بالمعرفة والموهبة على استقلال الرأي، والاعتصام بنزاهة القصد، ونقد قصور أهل الثقة في القيام بما ليسوا أهلًا له.

وحينما أعاود النظر الآن، في حديث الذكريات هذا، في تلك المصادفة التي نتج عنها سفري إلى أوروبا، أجد أنها بنت تلك السلسلة العقلانية النزيهة التي كرسها طه حسين وجيله في الواقع المصري؛ والتي كان السفر فيها إلى أوروبا لتحصيل العلم نتيجة منطقية للتفوق المعرفي. بل إن قيم تلك السلسلة، نفسها، هي التي دفعت شابًا مثلي إلى الحلم بالسفر إلى أوروبا، وتتبع خطى أعلام ثقافتنا فيها. مع أن حكم العسكر الجديد كان قد استأصل تلك السلسلة، كلية، من الواقع، وجعل السفر لمواصلة الدراسة في الخارج – وكانت وقتها قاصرة على منح من بلدان الكتلة الاشتراكية – مقتصرًا على أهل الثقة، وعيون النظام الأمني. 

وما يربط هذه «المصادفة» بتلك السلسلة النزيهة، هي أن الفاعل الأساسي فيها، وهو الدكتور محمد مصطفى بدوي، كان، بحق، من تلاميذ مشروع طه حسين الفذ في جامعة الإسكندرية، ومن خريجي دفعتها الأولى التي بعث طه حسين بأوائلها، في جميع التخصصات، إلى أوروبا لمواصلة دراستهم فيها.(2) وكان قد ترك مصر عام 1962، وهو العام الذي أكملت فيه دراستي العليا، وبدأت النشر في المنابر العربية والمنابر المصرية، واستقر في بريطانيا، وعمل على تأسيس دراسة الأدب الحديث في جامعة أكسفورد. وقد قادته متابعته لموضوعه إلى قراءة بعض ما نشرته في لبنان ومصر، والاستشهاد به في بعض أبحاثه المنشورة بالإنجليزية، وإلى الاهتمام، بشكل خاص، بأول بيبليوجرافيا شاملة للرواية المصرية، كنت قد نشرتها في مجلة (الكتاب العربي) عام 1969، وكنت أنا – أيضًا – قد سمعت عنه، وقرأت، بل درست ترجمته المهمة لكتاب (مبادئ النقد الأدبي) الشهير لريتشاردز، والذي أصبح ركنًا أساسيًا في صرح مدرسة النقد الجديد الأمريكية.

وكان قد أرسل أوائل عام 1972 تلميذًا له، يعدّ رسالة للدكتوراه عن الرواية المصرية في جامعة أوكسفورد، إلى مصر، وطلب منه أن يبحث عني، ويشرح لي موضوعه كي أحدد له الروايات التي يجب عليه دراستها في هذا الموضوع، وأن يحصل على كل هذه الروايات من القاهرة، ويعود بها ليكمل دراسته، وقد أرسل تلميذه ذاك إلى زميله وصديقه القديم في جامعة الإسكندرية، إدوار الخراط، كي يساعده في الوصول إليّ. وما إن وصل هذا التلميذ إلى القاهرة حتى أرسله إدوار الخراط لي، فأرشدته إلى كل الروايات التي عليه قراءتها لدراسته تلك، كما صحبته إلى أماكن بيع الكتب القديمة في القاهرة، وقتها، للحصول على كل تلك الروايات، وانتهت علاقتي به بعد حصوله على ما أراد. 

وتشاء الصدف – وقد أخبرنا محمود العالم أن لها منطقها الموضوعي- أن أمرَّ بعدها، ذات مساء، بإدوار الخراط في بيته، فيخبرني بأنه يكتب رسالة إلى صديقه محمد مصطفى بدوي، سيأخذها له هذا الطالب الذي ساعدته، والذي سيعود إلى بريطانيا بعد يومين، ويسألني: هل تريد منه شيئًا؟ فقلت له: إنني لا أعرفه إلا قراءةً، فكيف أريد منه شيئًا!؟ كل ما أريده من بريطانيا هو أن أسافر أنا إليها، فقال إدوار: إذن، سأخبره بذلك. 

وكانت تلك السطور القليلة التي كتبها إدوار الخراط في رسالته تلك لصديقه، هي التي قادتني إلى بريطانيا في غضون عام واحد من كتابتها. 

وما جعل لهذه الواقعة دلالة موضوعية أعمق، تؤكد خلاصات (فلسفة المصادفة)، هو أنها جاءت كَردّ على غبن فادح ألمّ بي، وقتها؛ فقد كنت قد أكملت دبلوم الدراسات العليا الجديد في النقد والأدب المسرحي بأكاديمية الفنون «المعهد العالي للفنون المسرحية»، وجاء ترتيبي الأول على الدفعة الأولى لهذا النظام الجديد. وأعلنوا عن بعثة، أو – بالأحرى – منحة لدراسة الأدب المسرحي في الاتحاد السوفييتي وقتها، فتقدمت لها، وتقدم لها معي الأول على أحدث دفعة للبكالوريوس من المعهد نفسه، ولكني لم أفز بتلك المنحة، ولا فاز بها الأول على دفعة البكالوريوس، أيضًا، إنّما أُرسل فيها من كان ترتيبه الثاني على دفعة البكالوريوس، ولم يكن قد أكمل، بعد، دبلوم الدراسات العليا في نظام الدراسات العليا الجديد بالأكاديمية؛ لأنه كان من أهل الثقة، بالمعنى الذي توطد لأهل الثقة الجدد.


هوامش:

1 – لأن مؤلفه حرص على أن يمنع إعادة طبعه، رغم حرصه على إعادة طبع كل مؤلفاته بانتظام شديد. لأن نشر هذا الكتاب عام 1961، أولًا على شكل مقالات في (الأهرام) وقبل أن يظهر ككتاب، أثار الكثير من الجدل والنقاش؛. ليس  فقط لأنه كتب موقف الدولة الناصرية من المثقفين ورغبتها في احتوائهم، وعدم ثقتها فيمن لا ينضوون تحت سلطتها منهم بطريقة فجّة إلى حد ما، ولكن أيضًا لأن الشريحة الكبيرة من المثقفين الذين تناولهم الكتاب، أي مثقفي اليسار خاصة، كانوا في المعتقلات الناصرية وقتها. وكانت ثمة رغبة من النظام في أن يتخلوا عن أجنداتهم الثقافية أو السياسية المستقلة وأن ينخرطوا كُلّيّةً في مشروع النظام. ولأن الكتاب وثيقة دامغة، تكشف عن عداء النظام العسكري، حتى في أفضل مراحله وطنية، وهي مرحلة عبدالناصر، للحرية وللمثقفين بشكل عام، فقد أصرّ محمد حسنين هيكل، فيما بعد، على ألا يعيد طبعه. 

2 – كتبتُ في غير هذا المكان من قبل عن دور طه حسين اللامع في تأسيس جامعة الإسكندرية، وإدارته لها في سنواتها الأولى، وكان من بين أوائل دفعتها الأولى التي تخرجت، وطه حسين مديرًا لها، ومصطفى صفوان وسامي علي في علم النفس، وأصبح لكل منهم باع طويل فيه في فرنسا، وعبد الحميد صبرة في تاريخ العلوم عند العرب، والذي أصبح أستاذًا لهذا الموضوع في جامعة هارفارد، ومصطفى بدوي، نفسه، الذي أصبح أستاذًا للأدب الإنجليزي بجامعة الإسكندرية، ثمّ الأدب العربي الحديث في جامعة أوكسفورد.

في مُواجهة الأكثر فُتوّة

قال الفتى للشيخ المُتحيِّر: منذ شهر وأنت تبدو «تالفاً»، مُتحيِّراً، لا تنفكّ تكلِّم نفسك، مع أن الربيع بدأ يُرسل أماراتِ حُلوله، والشمس بدأتْ تُدمنُ إطلالاتها؟

قال الشيخ المهموم: أنت شغوف بأن تلعب ورقة اللامُبالاة، مع أن كلّ مَنْ حولك، ومَنْ هُمْ في أرجاء البسيطة يصرخون ويحاربون هذا العدوّ اللامرئي الذي ابتدع له، هذه المرّة، اسم كورونا المُحاط بتيجانٍ فتَّاكة. وأنت تعلم أنها معركة محفوفة بأقسى المخاطر، لأن هذه الجائحة تشغل جميع الفضاءات، وتتسلل إلى ضحاياها في الليل والنهار، ناشرةً الرعب والخوف والترقُّب…

قال الفتى: بلى، أنا أيضاً خائف مُترقِّب. لكنني منشغل أكثر بما سنعيشه بعد انحسار الفيروس أوْ بعد التغلُّب عليه.

قال الشيخ: طبيعي وأنت في ميْعةِ الصبا والفُتوّة أن تشرئبّ نحو المستقبل، على الرغم من الضباب والهلع وتقلص الرؤية. أمّا أنا، وقد بلغتُ من السنّ عِتِيّاً، فأتشبث بالحياة مُتطلعاً إلى ما ستؤول إليه أوضاعُ الدنيا، وأوضاعُ هذا الفضاء الذي أنتمي إليه. وكما تعلم، فأنا عاصرتُ اهتزازاتٍ وانقلاباتٍ وأعاصير وحروباً وهجماتٍ إرهابيّة وأزماتٍ اقتصاديّة كاسحة، وعايشتُ تحوُّلاتٍ حملتْها العولمة المُتدثرة في طيْلسان العلماء والخبراء، من أجل تأمين الربح لذوي المال… كذلك، تابعتُ الكشوفات العلميّة والتقنيّة التي أغدقتْ على البشريّة وسائل الرفاهية، وأمدّتها بالأمصال والأدوية لمقاومة الأمراض، وبالمختبرات والمناهج الدقيقة لفكّ ألغاز الكوْن المجهولة منذ بدء الخليقة… وأنا أيضاً عشتُ في رحاب المعركة المُستمرة بين العلم والعقل، وبين الجهل والتعصُّب وقوانين الغاب. كلّ ذلك أعطى لرحلتي الحياتيّة معنىً أستعينُ به على مواجهة قلق الوجود في عالمٍ تتكشَّفُ هشاشته كلّما تحوَّلت الأوضاع من وضعٍ إلى آخر، غالباً حسبَ ما يُمليه الأقوياء المُتحكِّمون في مصير الدنيا.

قال الفتى: أيْ أنك كنتَ تُداري قلقك وخوفك من هشاشة الوجود المحدود في العالم، بِمُراهَنَتك على تحقّق أوضاعٍ مُكتملة تتسمُ بالعدالة والمساواة وحرّيّة الأفراد والأوطان، في عالم تحلم بأن يصبح ملموساً عبْر القرون؟

قال الشيخ: أعرف أنه رهانٌ لا يخلو من هشاشة، لأنه لا يحلّ مشكلة علاقتنا بالموت الذي هو «ضرْبٌ من القتْل» كما قال الشاعر؛ إلّا أن هذا الجانب المأسوي من وجودنا حاولتُ أن أواجهه بالمُراهنة على ما أسميْتُه، مع آخرين، بـ«اللحظات المُميّزة» في الحياة؛ أي تلك التجارب التي نحسّ من خلالها أننا نعيش بأقصى ما يمكن من الكثافة والتلذذ والأخذ والعطاء… وهذه الكثافة في العيش هي التي تُسوِّغُ قبولَ الحياة مُقترنةً بمحدودية العمر، وبلاء الفُقدان ووحشة القبر. ونفس تلك اللحظات المُميّزة تكون ممتلئة بالتحدّي لكلّ ما يحبس حرّيّتنا في قُمقم الماضي ودهاليز الوصايا التي يَعلُوها الغَمَلُ. تلك اللحظات، تجعل الحياة تعلو على كلّ ما يُرافقها من مللٍ وعنف وتزييف للمشاعر، وتوقظ الروح المُتمرِّدة لمقاومة الخيبة في العلاقات الاجتماعيّة وفي السياسة، وتدفعها إلى المُراهنة على تغيير المجتمعات المُتكلّسة…

قال الفتى: كأنك تُعوّض الأبديّ الموعودين به في جنّات الخُلد، بما هو وقتيّ محدود في تجربته ومفعوله؛ أي أنك تُضفي على الدنيويّ العابر، صفة المُتعالي الذي يستمرّ عبْر الأجيال والحضارات طوالَ استمرار الحياة؟

قال الشيخ: لك أن تقول هذا، إذْ ما مِنْ أحدٍ يستطيع أن يتابع العيش من غير تعلّاتٍ ورهانات يتكئ عليها في رحلته نحو مصيره المُبهَم. أنا لا تُقلقني مسألة الموت وحدها، بل يشغلُ بالي أيضاً هذا الكونُ الذي نرتاده من دون اختيار، ومن دون تفسيراتٍ علميّة تُسعفنا على فهم لُغزيّة الفضاء الذي نُمضي داخله رحلتنا. ذلك هو عمق المأساة المُزدوجة التي تُشقينا، والتي نجهدُ في مواجهتها بابتكار البدائل والاحتماء بالتفلسف…

قال الفتى: لكنك ابتعدتَ بنا عن فيروس كورونا، وعن تساؤلات الناس عن الحَجْر والمآل في ظلِّ هذا الغول الفتّاك، الناشر للرعب والخوف وأحزان الفُقدان؟

قال الشيخ: هذه الجائحة، على خطورتها، هي جزءٌ بسيط من مأساة الوجود في هذه الدنيا. هي من سلالة المجاهيل التي تشلّ ذكاءنا وتُطوّحُ بنا إلى أصقاع الحيْرة والشكّ والألم الصامت. لذلك تستيقظ لدينا غريزة إطالة البقاء في عالم ينطوي على اللحظات المُميّزة التي نسكرُ بسحرها ونسعى إلى إدمانها. وهي لحظات تتحقَّق على الأرض إذا عرفنا كيف نبتدع الطريق لمُعانقتها. بعبارةٍ ثانية، هي أضمنُ من جَنّاتٍ تُغدق الوعدَ بها فلسفاتٌ ودياناتٌ أخروية ما مِنْ أحدٍ تحقَّق من صدقها. 

قال الفتى: لكن هذا الحاضر المُعتم سيضعنا، بعد فترةٍ، أمام مشكلات مادية صعبة، تخصّ الاقتصاد والتدبير والفوارق الاجتماعيّة التي تميّز فئاتٍ عن فئات… وهذا هو الوجه الأصعب، لأنه يقتضي تغييراتٍ في طرائق العيش وتوزيع الثروات، وتنظيم أشكال العمل والإنتاج، وتأمين صحة العباد؛ أقصد تلك الآراء التي تتوالى مؤكِّدة أن العيش بعد (كوفيد – 19) لن يُشبه ما قبله.

قال الشيخ: تقصد مسألة إعادة النظر في التعاقد الاجتماعيّ بين الفرد والدولة، وتغيير طبيعة المؤسَّسات ونوعية السياسة الجاري بها العمل؟ هذه مسألة حيويّة لها الآن الأسبقية، لأنها هي التي تتيح للمواطن أن يحقِّق الشروط التي تجعل رحلته على الأرض مقبولةً ومُحصَّنةً ضد العنف والاستغلال والسّخرة. هي مسألة تهمّ كلّ مجتمعات العالم، لكنها تكتسي أهمِّية أكبر عندنا في الفضاء العربيّ. ذلك أننا ضيّعنا فرصاً كثيرة تتعلَّق بجعل الديموقراطية التشاركيّة وسيلةً لتجسيد المواطنة المسؤولة، وتقليص الفوارق، وبناء مجتمع العلم والمعرفة. ما أكثر المعارك والضحايا التي قُدِّمتْ قرباناً في معبد الديموقراطية منذ الاستقلال عن الإدارات الاستعماريّة. لكنها لم تُؤتِ أكلها، لأن مَنْ آلتْ إليهم مهمَّة تشييد الدولة الوطنيّة آثروا انتهاجَ الحكم الفرديّ وحرمان شعوبهم من توفير ركائز المستقبل في عالم يجري بسرعة الصاروخ نحو حياةٍ أخرى، أساسُها حقوق المواطن والتضافر بين المجتمع المدنيّ والمجتمع السياسيّ… الآن الجميع مدفوع إلى إعادة النظر في حضارة المستقبل. لا مناص من أن يُعاد الاعتبار للإنسان وحقوقه التي تحرِّره من قيود الماضي ووصاية الشركات الربحيّة الرأسماليّة. لم يعد ممكناً الاستمرار في هذا العالم بأناسٍ معصوبي العيون مُسَرْنَمين، لأن كورونا فتحتْ العيون والأفئدة والعقول على ضرورة احترام الإنسان وقيَمه المُشتركة التي تتيح له أن يمضي في رحلته الدنيويّة من غير عنفٍ واستغلالٍ وسُخرةٍ.

قال الفتى: كأنك تستوحي ما كتبه نيتشه في كتابه «فجر Aurore» عن تغيير الجِلد: «يَهْلِك الثعبانُ عندما لا يستطيع أن يُغيِّر جِلده؛ ونفس الشيء بالنسبة للعقول التي تُمنَعُ من تغيير آرائها، إذ تكفّ عن أن تكون عقولاً»..

قال الشيخ: أنت تريد أن تنقلنا إلى منطقة الاستعارة والتشبيهات المُستقاة من حِضن الطبيعة. أوافقك، وأقترح عليك بدوري قصيدة للشاعر الفرنسي «بولْ إيلوار» (1895 – 1952)، يُوحي فيها بأن كلّ تغيير إنما يصنعه مَنْ هُمْ أكثر فُتوّة:

الضبابُ الخفيف يلعقُ نفسه مثل قِطّة / تنزعُ عنها أحلامها. / والطفلُ يعلم أن العالم يوشكُ أنْ يبدأ:

كلّ شيء شفاف/ القمر يتوسّط الأرض، / والخُضرة تكسو السماء وفي عينيّ الطفل الدّاكنتيْن العميقتيْن / مثل الليالي البيضاء، يُولدُ الضياء. 

الهلع وتوقُّع الكارثة

لا ينتمي الهلع الذي أثاره «كورونا» إلى ألوان الرعب السابقة. فقد اتخذ لنفسه من البشريّة كلّها مسرحاً، ولم يشر إلى موعد الوصول أو تاريخ المُغادرة، وواجهها ساخراً سافر الغطرسة، مبرهناً أن البشريّة كلّها بأسلحتها وأساطيلها ومخابراتها وجلّاديها ووعّاظها أعجز من أن تنتصر على «فيروس» لا يُرى بالعين المُجرَّدة وتُرى آثاره القاتلة في كلِّ مكان.

وصل وباء كورونا، الذي يضرب البشريّة الآن، حاملاً إشارات ثلاث: المرض الغامض الذي يسقط على غير توقُّع، منتقلاً من آسيا إلى أوروبا إلى الأميركيتين، كما لو كان جيشاً عجيب الانتصار، تساقطت أمامه جدران العواصم كلّها. يتلو الوباء بداهة الموت المُتغطرس الذي لم يلتقِ بعد بعلاجٍ يصده، ما يجعله موتاً موسَّعاً يجتاح الأرواح البشريّة بدأبٍ واجتهاد.

وإذا كانت كلمتا: الوباء والموت ترميان على الإنسان بالخوف والقلق والحزن، فإن الإشارة الثالثة المرعبة ماثلة في «انتظار الوباء» القاتل، الذي يتسلَّل على غير انتظار، لا يُحاصر ولا يُقاتل، بل ينقله البشر لبعضهم بعضاً، دون أن يقصدوا ذلك، أو يعلموا به، ما يسخر من قاعدة «الإنسان أخ الإنسان» سخريةً فظّة، ذلك أن «ابتعاد الإنسان عن الإنسان» قاعدةٌ ذهبيّةٌ في الوقاية والحماية.

الكورونا وباءٌ قاتل ماكر ساخر، يأتي مُستسراً تاركاً أعراضه تتلوه، يصيب جميع الأعمار، ينتقل بالملامسة، ويعلق بالتراب، ولا دواء له إلّا «البقاء في البيت»، كما لو كان من أنصار العُزلة والاعتكاف، لا يفصل بين الأجناس والأعراق والطوائف، يصيب الجميع،… ومع أنه في مساواته بين الأعمار والأديان والأعراق يبدو «ديموقراطيّاً»، فإنه كاره للأطفال والعُمَّال والتلاميذ وللبشريّة كلّها، ذلك أنه أجبر «نصف البشريّة» حتى الآن على ملازمة البيوت.

لا شيء منذ الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) بدَّل حياة البشر مثل الكورونا، ساوى بين القوي والضعيف، والأسود والأبيض، وعبث بالأقوياء كما يريد، فَهُم الآن «الأشدُّ سقوطاً». ذلك أن المرض الماكر ضرب الصين أولاً، وانتقل لاحقاً إلى أوروبا- إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا- وألحق بهذه البلدان «القويّة» إصاباتٍ كثيرة، ثم حطّ رحاله في البلد الأوّل في العالم: الولايات المتحدة، وأنزل بها الحدَّ الأعلى من الوفيات.

في رؤية مرض عاتٍ لا يفصل بين الأقوياء والضعفاء، وتأمُّل مرض علاجه الوحيد «البقاء في البيت» ما يثير الهلع، وفي وباء يفرض إفراغ الشوارع وإغلاق المدارس والحدائق العامّة ويعبر القارات ما يوسّع الخوف، وفي شرٍّ مسلَّح يمنع المُزارِع من بيع محصوله، والشاب عن زيارة أمّه، والعاشق عن محبوبته ما يوقظ العجر إلى حدود البكاء، وفي دموع شاب لا يستطيع ملامسة رأس أمّه الراحلة بالوباء ما يشلّ اللسان ويخنق الروح ويسقط صامتاً في أرجاء: الهلع.

الهلع خوفٌ شديدٌ يجتاح الإنسان ويزعزع كيانه إلى تخوم العجز والشلل، إنه ما يضع الإنسان خارج كيانه وإرادته، أو يحتفظ بإنسان مبتور الكيان عاطل الإرادة، وهو ما يلغي أمراً قديماً متعارفاً عليه، ويستعيض عنه ببديل مقيت لا يرحّب به. يقول علماء الاجتماع: «استبداد العادة أعلى أشكال الاستبداد استبداداً». برهنت الكورونا إلى الآن، أنها قادرة على اجتياح العادات جميعها، بما فيها فروض الصلاة في الجامع وزيارات الأهل إن افتقد الإنسان رؤيتهم.

خوف أو هلع أو رهاب أو ماذا؟

ما شعور إنسان يرى شاحنات متلاحقة تكدَّست فيها الجثث، وما يدور في خاطره إنْ رأى حفرةً واسعة تتَّسع لعشرات الأرواح الراحلة، وما الذي يهجس به إذا رأى صفّاً من الجثث الملفوفة بالبياض تراصفت في نهاية شارع؟ الشعور لا يُعبَّر عنه، لأن الكلمات لا تساوي مواضيعها دائماً، إنْ لم يكن دور الكلمات حجب المعاني. ولهذا تحضرنا كلمة: الخوف، أو الخوف الشديد، والخوف أعمى على ضوء الحساب العقلاني، يترجم إحساساً قابضاً يعرف جميع البشر. وقد يتمُّ تعديل الكلمة قليلاً فيُقال: الخوف البارد، الذي يجتاحنا حين نسمع عن «البرّادات – المقابر»، أو أن نتحدَّث عن: «الخشية من العدوى». حيث يبدو الخوف مستوراً، أو أن نرى شوارع العالم فارغةً تماماً بعد السادسة مساءً، ويحتلّنا «الرعب»، أو نستمع إلى عدد الوفيات في نيويورك، ونصاب «بالذعر»، وصولاً إلى اختناق روحي يسائل معنى الحياة والموت وقدرة الإنسان وعجزه مجلاه الذي لا يعبّر عنه هو: الروع، الذي يستأصل كيان الإنسان ويلقي به في الفراغ.

جاء في رواية نجيب محفوظ «ملحمة الحرافيش»، طبعة عام 1988 ما يلي: «دبّت في ممر المقبرة حياة جديدة…. يسير فيه النعش وراء النعش. يكتظ بالمُشيعين. وأحياناً تتتابع النعوش كالطابور. في كلّ بيت نُواح. بين ساعةٍ وأخرى يُعلَن عن ميتٍ جديد. لا يفرِّق هذا الموت الكاسح بين غني وفقير، قوي وضعيف، امرأة ورجل، عجوز وطفل، إنه يطارد الخلق بهراوة الفناء. ص: 55». تشبه «الشوطة» التي تحدَّث عنها محفوظ وباء الكورونا، وتختلف عنه، تشبهه ولا تشبهه في المرض الخاصّ بمصر آنذاك دون غيرها، والمجهول الهويّة، لا يعرف أحد من أين جاء ولا إلى أين يذهب، على خلاف «كورونا» وفدت من الصين وتسافر إلى حيث تشاء.

أضاف الوباء المستجد كارثةً جديدة إلى الكوارث البشريّة المألوفة، وشكلاً غير مألوف إلى أشكال الخوف المعروفة. كان الفيلسوف الإنجليزي «هوبس» في كتابه «لوفيتان» قد حذَّر الإنسان من الإنسان، وجاء الفرنسيّ «غوستاف لوبون» وحذَّر من «الجماعات» التي يطلق اجتماعها نزوعات مدمّرة، وندَّد «عبد الرحمن الكواكبي» في كتابه «طبائع الاستبداد» الأنظمة القمعية، حيث المواطن النموذجي لا يحسن الكلام، وتعميم الخوف المبدأ الأوّل في التربية السُّلطوية.

وإذا كان الرعب من السلطان الجائر أمراً قديماً، فإن أشكالاً أخرى من الخراب أحاقت بالإنسان وأحاطت به، مجلاها الكوارث الطبيعيّة التي تشهد عليها الزلازل والأعاصير والفيضانات، والرعب من «الجوع العاري»، الذي حدَّث عنه المُؤرِّخ المصري المقريزي، وحرائق المدن الكبيرة، أو تهجير شعب من أرضه بقوة السلاح وتكثير المجازر.

لا ينتمي الهلع الذي أثاره «كورونا» إلى ألوان الرعب السابقة. فقد اتّخذ لنفسه من البشريّة كلّها مسرحاً، ولم يشر إلى موعد الوصول أو تاريخ المُغادرة، وواجهها ساخراً سافر الغطرسة، مبرهناً أن البشريّة كلّها بأسلحتها وأساطيلها ومخابراتها وجلّاديها ووعّاظها أعجز من أن تنتصر على «فيروس» لا يُرى بالعين المُجرَّدة وتُرى آثاره القاتلة في كلِّ مكان.

الهلعُ انتظارُ شرٍّ غير مألوف، إذ في الانتظار ما يهصرُ القلبَ، وفي الشرِّ ما يرهقُ الروحَ، وفي اللامألوف توقُّع الكارثة.

في ظلال كوفيد.. حق «الحياة العارية»

فيما يقبع ما يُقارب نصف سكّان العالم وراء جدران بيوتهم، وتُقفر الشوارع من سكانها، وتحطُّ الطائرات في مهاجعها، ويكفُّ العالم عن الحركة، تبدو البشريّة وكأنها على أهبة قطيعة تاريخيّة مع ماضيها وحاضرها. لقد أجبرها فيروس كورونا (حاكم الأرض الجديد كوفيد- 19) على تغيير عاداتها، والتنازل عن حرّيّاتها، وإدارة الظهر لمفهوم الحقوق الأساسيّة، الذي أشاعه التنوير الأوروبيّ، وصادقت عليه المبادئ التي وضعتها الأمم المتحدة. 

فما شهدناه، في إيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وأميركا، وغيرها من الدول، من ترك كبار السنِّ يموتون في بيوت المُسنين دون مدّ يد العون لهم، لأن النظام الصِّحيّ يعاني من الانهيار، ومن الصعب توفير أجهزة تنفس لكلّ المرضى، يشير إلى حقيقة فاجعة – إضافة إلى حقائق عديدة أخرى على رأسها هشاشة الأنظمة الصِّحيّة في بلدان العالم الأول- هي قدرة العالم المُعاصِر على غض البصر عن الالتزام بالمحافظة على حقِّ الحياة بوصفه الحقّ الأساسيّ الأوّل لكلّ إنسان يعيش على هذه الأرض، بغض النظر عن عرقه أو طبقته أو ديانته، أو معتقده الأيديولوجيّ؛ والأهمّ ممّا سبق كلّه، بغض النظر عن فئته العمرية، فالمُسن مثله مثل الشاب يتمتع بحقّ الحياة، وتُعَدُّ مساعدته للحفاظ على هذا الحقّ إلزاميّة. لكننا نشهد للأسف تضحية بهذا الحقّ في أعرق الديموقراطيّات الغربيّة، وكذلك في الدول التي تحكمها أنظمة ديكتاتوريّة أو شبه ديموقراطيّة. إننا نرى ونسمع عن آلاف المُسنين، وكذلك المُصابين بذبحاتٍ صدريّة حادة، يموتون لأن الجهاز الصِّحيّ في بلدانهم على شفا الانهيار، وهو لا يملك مدّ يد المساعدة إليهم، فهناك مرضى أولى بالمُساعدة، ممَّنْ يقبعون في المشافي أو من الشباب الذين همّ الأقوى، و«الأصلح»، والأكثر قابلية للشفاء. إننا نعبر عصراً يتسلح بمفاهيم وقيم داروينية جديدة تضرب عرض الحائط بكلّ ما دعت إليه فلسفة الأنوار وشرعة حقوق الإنسان. وهو أمرٌ مخيفٌ، بل مثيرٌ للفزع، أن تنحدر الإنسانيّة إلى هذا الدرك من سُلَّم القيم. 

يجادل الفيلسوف الإيطالي «جورجيو أغامبين Giorgio Agamben» (مواليد 1942) في مدى أحقية تفضيل ما يسمّيه «الحياة البيولوجيّة» على بقية الحيوات الأخرى، السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، قائلاً إن ذلك يندرج ضمن التصوُّر الغربيّ لما يسمّيه «الاستثناء». يكتب أغامبين معترضاً: «إن أول الأشياء التي تكشف عنها هذه الموجة من الفزع التي أصابت بلادنا بالشلل هي أن مجتمعنا لم يعد يؤمن بأي شيء يتجاوز الحياة العارية… فنحن في هلعنا ذي الطابع الهستيريّ، نمارس جهداً جباراً لتجنُّب الأذى الجسدي. وبذلك عرَّضنا أنفسنا لخسارة نظام أرفع شأناً (من الحياة البيولوجيّة): لقد ضججنا بالعمل، والصداقة، والعائلات الممتدة، والطقوس الدينيّة (وعلى رأسها الجنازات)، والانتماءات السياسيّة. ونحن بذلك قد نحافظ على أنفسنا بيولوجيّاً، لكننا نضحي بكلّ ما يجعل للحياة معنى، بما يجعلها تستحق أن تُعاش».

بغض النظر عن وجاهة ما يقوله أغامبين بخصوص التضحية بأشكالٍ أساسيّة من الوجود الإنسانيّ لصالح ما يسميه «الوجود العاري»، المتمثّل، في الحفاظ على مجرَّد العيش واستمرارية الحياة، فإن ما يقوله يندرج ضمن نوع من الهرطقة النظريّة، التي تُعلي من شأن النظريّة على حساب الحقّ الأساسيّ في العيش. ففي الوقت الذي تتعرَّض فيه البشريّة لتهديد وجودي يتصل بفناء أعدادٍ كبيرة من أفرادها، سواء أكانوا مسنين أم شباباً، مرضى أم أصحاء، لا يكون هناك معنى للحديث عن «الحياة العارية» في مقابل أنواع من الحيوات أكثر غنى وتمثيلاً لمعنى الوجود الإنسانيّ. وإذا استعملنا نظريّة أغامبين نفسه فإن ما تمرُّ به البشريّة هو «الاستثناء» The Exception، فلكي نحافظ على أنواع الحيوات الأخرى «الأكثر غنى» علينا أن نحافظ على الحياة البيولوجيّة، أو «الحياة العارية» Bare Life، إذ بانتفاء «الحياة العارية» لن تكون هناك حيوات أخرى، ويصبح الحديث عنها نوعاً من الهلوسة النظريّة التي يتَّسم بها النقاش الفلسفيّ في بعض مدارس ما بعد الحداثة. 

صحيحٌ أن القوانين الاستثنائية التي تُفرض الآن، في طول العالم وعرضه، بل في أعرق الديموقراطيّات في العالم، تندرج في سمة «الاستثناء»، التي تمثِّل في فلسفة أغامبين طابع الحضارة الغربيّة، حيث تكتسب الأنظمة في أزمنة الأزمات سلطات أكثر قوة وتتعطل الحياة الدستوريّة. ويتمثل هذا «الاستثناء» في إجراءات الحَجْر الصِّحيّ، ومنع التجوُّل، ونزول قوات الأمن والجيوش إلى الشوارع، حيث يجري خنق الحرّيّات الأساسيّة وتقليصها والاعتداء عليها، بصورة من الصور، وإحلال قوانين عرفية محل القوانين الطبيعيّة. وهو الأمر الذي يجعل الفيلسوف السلوفيني «سلافوي جيجيك Slavoj Zizek» (مواليد 1949) يتخوَّف من وباء السلطويَّة وشيوع الاستبداد، متوقعاً أن تنشأ في أوروبا: «بربرية جديدة بوجهٍ إنسانيّ- حيث تُفرض قيودٌ صارمة لا ترحم من أجل البقاء- تلجأ إلى آراء الخبراء لاكتساب مشروعيتها». لكن مع أخذ ملاحظات كلّ من أغامبين وجيجيك في الحسبان، فالبشريّة كلّها، وعلى رأسها الديموقراطيّات الغربيّة، تواجه مرحلةً فاصلةً في تاريخها، والحفاظ على الحياة، بمعناها الأولي العاري المتصل بالوجود البيولوجيّ، يعلو على أي نقاشٍ آخر في هذه الفترة العصيبة التي تعبرها الإنسانيّة. وهو ما يشدِّد عليه الفيلسوف الألماني «يورغن هابرماس jurgen Habermas» (مواليد 1929) قائلاً إن حماية ما يسمّيه «الحياة الضروريّة» تمثّل الآن أولوية كونية تعلو على أي حسابات نفعيّة، أو أضرار اجتماعيّة أو سياسيّة أو اقتصاديّة قد تتسبب بها القوانين الاستثنائيّة التي تتخذها الدول للحفاظ على حياة الناس. «مع اتخاذ القرار بشأن الوقت المناسب لإنهاء الحَجْر الصِّحيّ، فإن حماية الحياة الضروريّة على المستوى الأخلاقيّ، وكذلك على المستوى القانونيّ، قد تبدو متناقضة مع منطق الحسابات النفعيّة، مما يعني أنه عند الموازنة بين الضرر الاقتصاديّ أو الاجتماعيّ من جهةٍ، والوفيات التي يمكن تجنُّبها؛ يجب على السياسيّين مقاومة إغراء الحسابات النفعيّة». من جهةٍ أخرى فإن احتمال تحوُّل حالة الطوارئ إلى قاعدةٍ أمر يهدِّد الأنظمة السياسيّة الديموقراطيّة في العالم، وهو ما يجعل من الحفاظ على الحياة الضروريّة نوعاً من العبور إلى نظم استبداديّة وتوتاليتاريّات تتخذ من حماية حياة الناس جسراً للهيمنة والسيطرة على الحياة السياسيّة والاجتماعيّة لهؤلاء الناس. ولهذا يُنبِّه هابرماس إلى «أن تقييد عددٍ كبيرٍ من حقوق الحرّيّة المُهمَّة يجب أن يظلَّ مرتباً لمدة محدودة جدّاً، ولكنه إجراء مطلوب كأولوية للوصول إلى الحقِّ الأساسيّ في الحياة والسلامة الجسدية، وإنْ كان البعض قد يستغله لغايات سياسيّة».

رغم التحوُّطات السابقة التي يذكرها هابرماس، وهو الفيلسوف اللامع الذي قدَّم نقداً لاذعاً للحداثة، فإنه ينتصر لمبدأ الحياة الضروريّة، ويشدِّد على كون هذا الوضع، الذي تمرُّ به الإنسانية – في زمن انتشار (كوفيد – 19) الأسطوريّ، والكارثيّ، الذي يصعب تخيُّله قبل تصديقه، في جهات الأرض الأربع، عابراً حدود الدول، التي اضطرَّت إلى عزل نفسها وغلق حدودها، وكذلك منع الحركة بين مدنها، من جهةٍ، وبين مدنها وأريافها، من جهةٍ أخرى- هو الاستثناء لا القاعدة. لكن هل يتحقَّق بالفعل توقع هابرماس، أو أمله، أو رغبته، في عودة الإنسانيّة إلى ما كانت تعده «طبيعيّاً»؟ أم أننا نعبر إلى زمن تكون فيه الإنسانيّة قد عادت القهقرى إلى عصورِ الاستبداد التي تُخنَق فيها الحرّيّات وتسود فيها الصراعات التي قد يشعلها الجوع وفقدان الوظائف وازدياد التقاتل على الموارد في عالم تبدو فيه الديموقراطيّة مجرَّد قشرة خارجيّة طوَّح بها وباء كورونا إلى عالم النسيان؟ إنها أسئلة برسم المُستقبل القريب.

كي لا نصدِّق أنّ المُستقبل وراءنا!

لم يدّخر المهدي المنجرة جهدًا في دعوة العرب نُخبًا وشُعوبًا وحُكّامًا إلى إيلاء الدراسات المُستقبليّة ما تستحقّ من اهتمامٍ باعتبارها مسألة حياة أو موت، فلا بقاء في نظره إلّا لمَنْ ينظر إلى أبعد من أنفه، وإلى أبعد من جيله، وإلى أبعد من عهدته النيابيّة أو الرئاسيّة.

يُشير زيغمونت بومان عَالِمُ الاجتماع الإنجليزيّ ذو الأصول البولنديّة في كتابه «ريتروتوبيا» الصادر سنة 2018، إلى أنّ «المُستقبل» المحلوم به لم يعد جذّابًا، بل أصبح أفقًا مُخيفًا نتيجةَ التقدُّم التكنولوجيّ المُتوحّش الذي يهدِّد ديمومة العمل البشريّ، ونتيجةَ التنافُس المتصاعد بين الجميع حدَّ إنتاج الليبراليّة المُتوحّشة، ونتيجةَ تَراجُع الديموقراطيّات وفشل الدولة الاجتماعيّة. 

مفكِّرون كثرٌ يشاركون بومان نظرته التشاؤميّة، وكأنّ الحاضرَ الكونيَّ لم يعد سوى شاهدٍ على انهيار شامل يغطّي جميع الوجوه. انهيار صدَّ الفرد عن النظر إلى المُستقبل باعتباره فضاءً مفتوحًا أمام الأمل، ورجّح لديه أنّ المُستقبل لن يكون سوى مرحلة انهيار أشمل وتدهور أكبر. من ثمَّ حلّ الحنين إلى الأمس محلّ الحلم بالغد وكأنْ ليس في الإمكان أفضل ممّا كان.

يُطلق بومان على هذه الحالة اسم «زمن العودات الكبرى» التي تجعل اليوطوبيا تكفّ عن التحرُّك في اتّجاه الأمام لتصبح نكوصًا وانكفاءً في نوعٍ من المديح العقيم للحلول التي اقترحها علينا الماضي. مؤكّدًا أنّ تشخيصه هذا دعوةٌ إلى اليقظة والعمل، وليس مرثية يائسة. فالحلُّ بالنسبة إليه موجود، ويتمثَّل في أن ننظر إلى المُستقبل وأن نبحث في المُستقبل عن حلولٍ لمآزقنا، عاملين بدعوة غرامشي إلى ضرورة الجمع بين «تشاؤم الذّكاء وتفاؤل الإرادة». 

آدم فتحي (تونس)
آدم فتحي

في مثل هذا السياق أفتقِدُ المهدي المنجرة، وأنظرُ إلى نهجه فأرانا في أمسّ الحاجةِ إليه، اقتداءً ونقدًا وتطويرًا. وإنّي لَأُمعِنُ النظرَ فيما حَظِيَ به فكرُ الرجل منذ رحيله سنة 2014 فأراه دون المطلوب بكثير. وقد يكون لمرضِ جانبٍ كبيرٍ من الثقافة العربيّة بماضيها، بعض المسؤوليّة عن ذلك. إذ كيف لثقافةٍ لا تكفّ عن الإقامة في ماضيها، ولا تكفّ عن البحث عن خلاصها فيه، أن تنتبه بما يكفي إلى عَالِمٍ من عُلَماء المُستقبليّات؟!

لا أدّعي في هذه المُداخلة المُوجزة الحلول محلّ أهل الاختصاص، فأقصى ما أهدف إليه هنا لفت الانتباه، وتوجيه تحيّة «رمزيّة» لمُفكّرٍ من أولئك الذين أثبتوا أنّ العلم والشعر يلتقيان في مجالاتٍ كثيرة، على رأسها مجال المُستقبليّات. وهو مجال لدراساتٍ لا تُعادِي أحلام الشعراء بقدر ما تستنير بها، ولا تُخاصم الماضي بقدر ما تستفيد منه. لذلك ما انفكَّ المهدي المنجرة يدعو إلى دراسة التاريخ مؤكِّدًا أنّه كلّما اهتمّ بالدراسات المُستقبليّة «ازداد شعورًا بالحاجة إلى ترسيخ رؤيته على أُسُسٍ تاريخيّة صلبة».

أذكر هنا ذلك الحوار الذي أداره أفلاطون في «فيدروس»، بين الفرعون ثاموس وهرمس أو تحوت الذي وقف أمام الفرعون يعرض عليه اختراعًا سيغيّر مستقبل البشريّة، هو الكتابة، فخيَّب الفرعونُ ظنّه، مشيرًا إلى أنّ الذاكرة موهبة عظيمة لابدّ من تعهّدها بالممارسة المستمرّة، وأنّ اختراعًا كهذا قد يجعل البشر يعتمدون على «أداة خارجيّة» فيكفّون عن تنمية تلك الموهبة «داخلهم».

علّق أمبرتو إيكو على هذا الحوار في محاضرته بمكتبة الإسكندريّة بتاريخ 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2003، مؤكِّدًا أنّ التاريخ أثبت تهافُت فكرة ثاموس، فالكتابة لم تقتل الذاكرة، بل منحتها مزيدًا من أسباب النموّ… ولعلّه كان يستطيع أن يقول أيضًا، إنّ ثاموس كان «يتذكّر المُستقبل»، لأنّه كان مفتقرًا إلى كلّ ما مدَّنا به علم المُستقبليّات من أدوات تحليل ومناهج تفكير…

من هذا المنطلق أنظر إلى ضرورة الانتباه إلى ريادة مفكّرٍ مثل المهدي المنجرة، لمع نجمه في مجال البحث الاقتصاديّ والاجتماعيّ والحضاريّ، وتحديدًا في مجال الدراسات المُستقبليّة، وأصبح ذا صيتٍ عالميّ غير مسبوق، وترك العديد من المُؤلَّفات القيّمة التي تحتاج إلى محاورةٍ حقيقيّة، مثل «من المهد إلى اللحد» و«الحرب الحضاريّة الأُولى» و«الإهانة في عهد الميغا أمبرياليّة». 

في كتابٍ ضمَّ مجموعةً من المحاضرات بعنوان «قيمة القيم» أشار إلى أولئك الذين ما انفكّوا يعتبرون الدراسات المُستقبليّة طوباويّات غير علميّة، مؤكّدًا أنّها رؤية للمستقبل لا غِنًى عنها لأيّ إستراتيجيّة أو سياسة تنمويّة. كما وضَّحَ الفرق بين التخطيط والمُستقبليّات، مُلِحًّا على أنّ التخطيط ضروريّ ومُهمّ وهو يقوم على «تحليل المعطيات بمقاييس وخيارات تسمح بإسقاطات ميكانيكيّة شيئًا ما»، أمّا المعيار المُستقبليّ فإنّ «إسقاطاته ليست خطيّة، لأنّها تأخذ بعين الاعتبار التغيُّرات النوعيّة والطفرات المُهمّة».

لم يدّخر المهدي المنجرة جهدًا في دعوة العرب نُخبًا وشُعوبًا وحُكّامًا إلى إيلاء الدراسات المُستقبليّة ما تستحقّ من اهتمام باعتبارها مسألة حياة أو موت، فلا بقاء في نظره إلّا لمَنْ ينظر إلى أبعد من أنفه، وإلى أبعد من جيله، وإلى أبعد من عهدته النيابيّة أو الرئاسيّة. ما فائدة مخطّطات التنمية «إذا لم تتجاوز المدى المنظور» ولم تضع في حسابها تغيُّر الظروف الموضوعيّة والذاتيّة؟ ما فائدة خطط إصلاح التعليم إذا كان الوزراء الداعون إليها لا يهتمّون إلّا «بما يستطيعون جني ثماره خلال فترة اضطلاعهم بالمسؤوليّة»؟

يتطلَّب إصلاح التعليم، في نظر المنجرة «الاهتمام أساسًا بعقليّة الذين سيطبّقونه»، لأنّ الأشخاص الذين سيدرّسون حوالي عام 2020 هم تلاميذ المدارس عام 2000، فكيف يُصلحون خطأً تربَّوا عليه؟! ويضيف قائلاً: «إذا كانت الدراسات المُستقبليّة تفترض توقُّع الخطأ فلأنّها تبحث عن المرغوب فيه ولا تقتصر على الممكن».

سنة 1989 شارك المهدي المنجرة في ندوة تناولت الثورة الفرنسيّة، وقدَّم ورقةً مُدهشة تكاد تتوهّج بما شهدته البلاد العربيّة بداية من سنة 2010 و2011، إلى درجة استشراف الشعارين الأساسيّين اللذين ضجّت بهما الشوارع: الحرّيّة والكرامة. في تلك الورقة أشار المنجرة إلى أنّ «الإشكاليّات التي عرفها مجتمع فرنسا سنة 1789 أصبحت كونيّة»، وأنّ الثوّار ما كانوا لينجحوا في شيء وقتئذ لولا قدرتهم على إبداع منهج وأسلوب وأدوات إجرائيّة ووسائل قادرة على الخروج بهم من تلك الإشكاليّات.

المشكل الحقيقيّ لمستقبل البشريّة وبقائها، كما جاء في تلك الورقة، هو أن نعرف إنْ كنّا قادرين على الإبداع في التمسّك بالكرامة الإنسانيّة، بما يكفي للوصول إلى الثورة دون دفع الثمن في شكل أرواحٍ بشريّة…

نتمعَّن في مرحلتنا الراهنة، فنشعر برشاقة هذه الفكرة، فكرة الإبداع. إذ بالإبداع وحده استطاعت الجماهير أن تحوِّل الأدوات التكنولوجيّة الحديثة إلى ثقافة، وأن تبتكر قيادة جماعيّة لحركتها، وأن تقتصد في الدم. لكن هل تواصل هذا الإبداع؟ هل احتكم «راكِبُو الموجة» إلى قوانين جديدة؟ هل غيّروا الخيارات؟ هل استنبطوا ميكانيزمات مُختلفة؟ أم أعادوا إنتاج نفس القوانين والخيارات والميكانيزمات والمناهج؟ 

بعبارةٍ أخرى: هل أحسنَ «أبناءُ التكنولوجيا الرَّقميّة» اختيار «ممثّليهم»، وهل عبّروا عن ذهنيّة مختلفة تستطيع التأقلم مع فائض الحرّيّة وفائض المطلبيّة الراهنين، أم أنّهم سرعان ما استسهلوا إعادة إنتاج جوهر المنظومة التي ادّعوا مواجهتها؟ 

سؤالٌ يعود بنا إلى سؤال المنجرة: «هل في وسعنا دون تشاؤُم ملاحظةُ الخطر الذي يتهدَّد المجتمعات المُتقدِّمة، حيثُ باتت الحرّيّة تُمارَسُ لا ككرامةٍ سامية، بل كرفاهية»؟ تشاؤمٌ يشملُ الدول «المُتقدِّمة»، فما بالك بالأخرى؟، حيث يُقصِي التكتيكُ الإستراتيجيا ويبدو التفكيرُ بعيدُ المدى في نظر البعض «بلا فائدة إجرائيّة على المستوى السياسيّ» مادام يتجاوز «عهدتهم السياسيّة».

وعلى الرغم من ذلك يظلّ الأفق مُشرَعًا أمام ذوي الإرادة. ولعلّنا نلتقي فيه بمفكِّرين ومبدعين، عرفوا مثل المنجرة كيف يجيئون من المُستقبل، وكيف يرحلون بنا إليه، كي لا نصدِّق أنّ المُستقبل وراءنا.

الخاص والعام في الجائحة

أنا من الأشخاص الذين يتطلَّب عملهم بقاؤهم في المنزل، وتلك كانت عادتي في معظم حياتي العمليّة، فإنك حتى تكتب لابد أن تقرأ، ولا أفضل من جو البيت للقراءة. وكنت دائماً في أوقات الإجازة الأسبوعيّة أبقى في المنزل وأستخدم عبارة (أنا مُجاز في البيت) لأصدقائي الذين يتصلون بي، وهو تعبير معروف بالإنجليزية vacationing at Home أخرج إلى الفضاء العام بضعة أيام في الأسبوع من أجل الذهاب إلى (الديوانية)، وهي ملتقى لتجمُّع أصدقاء ومعارف تستغرق أقلّ من ساعتين في الجلسة، وهي تقليد من التقاليد الاجتماعيّة القديمة في الكويت، أغشى ثلاث أو أربع ديوانيات في الأسبوع في المساء عادةً حتى التاسعة مساء، غيرها طبعاً الذهاب إلى الاجتماعات في اللجان التي أعمل عضواً فيها في بعض المؤسَّسات أو الجامعة، ويومان للتدريس من الصباح حتى الظهر. 

في بداية الحجز- مذ شهر تقريباً أو أكثر- اعتقدت أن الأمور سوف تسير كما كانت بنقصٍ في بعض النشاطات، ومع مرور الأيام بدأت أشعر أن الأمور مختلفة، حتى الرياضة الصباحية في المشي لم تعد ممكنة في المنطقة التي أسكنها، وأصبحت المشكلة أن القراءة لا تستهلك كلّ الوقت، فلجأت إلى التلفاز، والذي أصبح يوماً بعد يوم مملاً بسبب الفقر الشديد في المحتوى لمعظم البرامج، فهي تتناول أخبار انتشار المرض، ومقابلة بعض مَنْ يُسمَّى أهل الاختصاص، وظهر أن كثيراً منهم غير مختصِّين، ولا يعترفون بقصور معلوماتهم، ولكنهم يتحدَّثون في العموم بغير علم. هنا ظهر ما يمكن أن يُسمَّى جائحة المعلومات الكاذبة أو غير الدقيقة، وأصبحت الديوانية ذكرى عزيزة على قلبي، لأنك لو سمعت فيها شيئاً لا يصدق تستطيع أن تصحح أو تعترض، وحتى لو عوضتها جزئياً بمجموعات (الواتس أب)، ولكن حتى هذه الأداة بدأ البعض ينشر فيها رسائل ممّا يتلقاه دون تدقيق، وفي بعضها يجنح للخرافة. مخيف عندما يُصاب الإنسان بالقلق، وهو قلقٌ ناتجٌ من هذا المرض الخفي، فحتى الآن ليس له دواء معروف، وليس له لقاح قريب! لذلك توقَّفت عن متابعة الكثير من مجموعات (الواتس أب) وأبدلتها بانتقاء شديد لما أقرأ على تلك الوسيلة.. 

شعور غريب في البقاء القسري داخل البيت، ففي البقاء الطوعي أنت تتخذ القرار، تخرج أو تبقى في المنزل متى ما أردت.. في البقاء القسري عليك أن تبقى بصرف النظر عن رغبتك، وهي سجن من نوعٍ ما، تجعلك تتعاطف مع كلّ مسجون في العالم، وتعرف قيمة التنقل والارتحال، وهي قيمة غالية ومهمَّة للإنسان نفسيّاً وصحيّاً واجتماعيّاً. أصبحت الديوانية شيئاً تذكره باعتزاز.. أقسى ما يمكن أن تفكِّر فيه وأنت في الحجر القسري هو أنك لو مرضت أو مرض أحدٌ من أفراد عائلتك لن تستطيع أن تذهب كما كنت تفعل إلى العيادة القريبة من منزلك، لأن ذلك قد يكلفك فوق المرض حياتك. كما أنك تسمع خمس مرّات في اليوم تعبيراً في رفع الأذان (أصبح مخيفاً) ومغلقاً (ألا صلوا في بيوتكم)، كم هي عبارة بالغة الدلالة لم تكنْ تحلم أن تسمعها في السابق مهما كان خيالك خصباً، والأمر الثاني هو أن تفقد عزيزاً غادر دنياك، ولا تستطيع حتى أن تودّعه كما عهدت في مجتمع مثل الكويت.. عادةً تذهب للعزاء حتى لأشخاص أو أسر لا تعرفهم فهو (واجب اجتماعيّ)، فما بالك إنْ كان ذلك الذي غادر إلى ربه صديق عزيز، وقد فقدت في الأسابيع الأخيرة العديد منهم مع الأسف دون وداع إلّا من رسالة على (الواتس أب) لذوي المتوفى أو تعزية على (تويتر) لا تُغني عن المُشاركة الحقيقيّة. 

على الصعيد العام انكشفت بعض السياسات التي كان يتوجَّب أن نفكِّر فيها من قبل سواء على مستوى الوطن، وأحسب حتى على مستوى دول الخليج للخصوصيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تحملها هذه المجتمعات، وأعني ما أصبح يعرف بـ(الهيكل السكّاني)، كان معروفاً أن هذا الهيكل مختل، وأن هناك جيشاً من العاملين في الخدمات، في الحقيقة إن هناك نوعاً من العمالة غير المحلّية تحتاجها البلد، وهي عمالة مهنيّة عالية أو متوسطة تعيش في أماكن صحيّة وتتلقّى عن عملها بديلاً مجزياً يساعدها على مواجهة متطلباتها الحياتيّة، و لا ضرر منها، أمّا ما تبيَّن من نقص أن هناك عمالة هامشية وعددها كبير تراكمت في بلدان الخليج بسبب سياسات خاطئة وضعف ضمير لدى البعض بعد ذلك، فتعيش هذه المجموعات في أماكن مكتظة ودخلها قليل ووعيها الصِّحيّ والاجتماعيّ محدود كليّاً. السياسات الخاطئة هي الملامة وليس الأشخاص، فعن طريق سياسات (تلزيم بعض الأعمال الحكوميّة إلى مقاولين)، مثل الحراسات في المدارس والمؤسَّسات المختلفة، وعمّال الخدمة في المؤسَّسات الحكومية، وعمّال التوصيل في المستشفيات إلى آخره من هذه العمالة، وهي أعمال تخضع لمناقصات سنويّة تقوم فيها الشركات بمنافسة بعضها البعض، وعادةً ما يرسو عقد التلزيم على الشركة الأقلّ تكلفة، وبالتالي يجلب ذلك المتعهد أناساً غير أكفاء، ويسكنون في مساكن جماعيّة مكتظة تكون عُرضة أكثر لانتشار الأوبئة. اللوم هنا على السياسات التي صُمِّمت بهذا الشكل، وأيضاً على الثقافة الاستهلاكيّة السائدة في مجتمعاتنا. إن تحدَّثنا عن الكويت فأنت إنْ ذهبت إلى الجمعية الاستهلاكيّة أو المستشفى أو إلى مؤسَّسة حكوميّة، سوف ترى أن كثيراً من عُمَّال المساعدة هناك، وبعضهم لا يخضع للشروط الصِّحيّة، جلب الشاي والقهوة ونقل الملفات أو حمل ما تبضع الإنسان من مشتريات في الجمعيات الاستهلاكيّة إلى السيارة لا يضير الشخص أن يقوم بذلك، فهو لو ترك بلده في إجازة لفعل ذلك راضياً. الحل من خلال الأتمتة، كمثل الحراسة عن بُعد بالكاميرات الحرارية، أو أن يقوم الموظف بتحضير الشاي والقهوة من خلال ماكينات حديثة له ولضيوفه! أو يحمل المتبضع ما اشتراه إلى سيارته دون مساعدة من آخرين، طبعاً ذلك يحتاج إلى إعادة تثقيف من جهةٍ، وتغيير سياسات من جهةٍ أخرى.

لقد كشفت هذه الجائحة والبقاء في المنزل لفترةٍ طويلة الكثير من الضعف الإنساني، وفجّرت أيضاً خلافات أسريّة، وصعَّدت من الضيق الشخصيّ الذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعيّ، كما كشفت أيضاً كَمْ هي مهمَّة علاقتك بمَنْ حولك، فهؤلاء التزموا البقاء في المنزل كما أنت، وعليك أن تفهم حاجياتهم حتى لو لم تكنْ توافق عليها، وتتفهم مدى قدرتهم على التحمُّل، وقد لا يكون الجميع في القدرة النفسيّة على تحمُّل الاعتزال سواءً ولفترةٍ طويلة. كما كشفت أهمِّية العاملين في البيت من جنسياتٍ مختلفة، فهم يعانون معك كما تعاني، وتكتشف أيضاً كَمْ هي الإنسانيّة متماثلة، فهم أيضاً قلقون، أوّلاً على صحَّتهم، وثانياً على أقرباء وأحباء لهم في بلدانهم الأصلية.

الأسئلة الصعبة التي يحار المرء في الإجابة عنها هي: إلى أي مدى سوف يبقى الناس في منازلهم؟ أمّا السؤال الآخر المُهمّ جدّاً في نظري فهو: هل سوف نتعلَّم من أحداث هذه الجائحة؟ في تقديري أن الإجابة عن السؤال الثاني هي في الغالب: لا… لأن النوع الإنسانيّ يتمتّع بضعفِ الذاكرة!!! وإلّا لكُنا تعلَّمنا الكثير من التاريخ!!

ذكريات عن طه حسين (الحلقة الرابعة)

عندما‭ ‬انصرفت‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬الزيارة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬طالت،‭ ‬حتى‭ ‬وفدت‭ ‬السيدة‭ ‬زوجته‭ ‬لإنقاذه‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬أن‭ ‬تطول‭ ‬أكثر‭ ‬وترهقه،‭ ‬كانت‭ ‬تتنازعني‭ ‬مشاعر‭ ‬الفرح‭ ‬والاستياء‭ ‬معاً‭. ‬الفرح‭ ‬لأن‭ ‬الظروف‭ ‬أتاحت‭ ‬لطه‭ ‬حسين‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬أنني‭ ‬لست‭ ‬مجرد‭ ‬موظف‭ ‬جاء‭ ‬لتدوين‭ ‬محضر‭ ‬الجلسة،‭ ‬وأنني‭ ‬أحد‭ ‬أحفاده‭ ‬المجهولين،‭ ‬والاستياء‭ ‬من‭ ‬قطع‭ ‬السيدة‭ ‬زوجته‭ ‬لأول‭ ‬حوارٍ‭ ‬حقيقيّ‭ ‬بيني‭ ‬وبينه،‭ ‬كان‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يمتد،‭ ‬وما‭ ‬أكثر‭ ‬شغفي‭ ‬بأن‭ ‬تطول‭ ‬بنا‭ ‬الحوارات‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن‭ ‬البعيد‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الاستياء‭ ‬منها‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬استياء‭ ‬من‭ ‬عجزي‭ ‬عن‭ ‬اهتبال‭ ‬الفرصة‭ ‬التي‭ ‬أتاحها‭ ‬لي‭ ‬الدكتور‭ ‬العميد،‭ ‬حينما‭ ‬طلب‭ ‬مني‭ ‬المجيء‭ ‬مبكراً‭ ‬في‭ ‬المرة‭ ‬القادمة،‭ ‬ولم‭ ‬أنتهز‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭ ‬لأطلب‭ ‬منه‭ ‬موعداً‭ ‬خاصاً،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬مواعيد‭ ‬انعقاد‭ ‬اللجنة،‭ ‬أجيب‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يودّ‭ ‬أن‭ ‬يعرفه‭ ‬عن‭ ‬جيلي‭ ‬من‭ ‬ناحيةٍ،‭ ‬وربَّما‭ ‬استطعت‭ ‬أن‭ ‬أظفر‭ ‬فيها‭ ‬بحوارٍ‭ ‬معه‭ ‬من‭ ‬ناحيةٍ‭ ‬أخرى‭. ‬

فعلى‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تعجبني‭ ‬دائماً‭ ‬سرعة‭ ‬بديهته،‭ ‬فإنني‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬يُعيد‭ ‬تمحيص‭ ‬ما‭ ‬دار‭ ‬بعد‭ ‬انصرامه،‭ ‬ويكتشف‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬باستطاعته‭ ‬دوماً‭ ‬أن‭ ‬يقدِّم‭ ‬أجوبة‭ ‬أفضل،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يتصرَّف‭ ‬بطريقة‭ ‬أحسن‭ ‬ممّا‭ ‬دار‭. ‬وكلما‭ ‬تأمّل‭ ‬الموقف‭ ‬أكثر‭ ‬ازداد‭ ‬استياءً‭ ‬من‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به،‭ ‬ونقداً‭ ‬لها‭. ‬وأخذت‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬عودتي‭ ‬أُقرّع‭ ‬نفسي‭ ‬مغتاظاً‭ ‬من‭ ‬تفويت‭ ‬تلك‭ ‬الفرصة‭ ‬النادرة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يجود‭ ‬الزمن‭ ‬بمثلها‭. ‬وأن‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أنتظر‭ ‬عاماً‭ ‬آخر‭ ‬حتى‭ ‬تتاح‭ ‬لي‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬الفرصة‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬معالي‭ ‬الباشا‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتذكّر‭ ‬ما‭ ‬دار،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬شغوفاً‭ ‬بمعرفة‭ ‬أحوال‭ ‬جيلي‭ ‬الجديد‭. ‬وحتى‭ ‬لا‭ ‬يفسد‭ ‬عليّ‭ ‬تقريع‭ ‬الذات‭ ‬غبطتي‭ ‬بما‭ ‬حدث،‭ ‬فقد‭ ‬عدت‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬لتأمُّل‭ ‬ما‭ ‬دار‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬مع‭ ‬سهيل‭ ‬إدريس،‭ ‬ومفاوضاته‭ ‬البارعة‭ ‬على‭ ‬حقوقه‭. ‬وكلما‭ ‬استعدت‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحوار‭ ‬الذي‭ ‬دار،‭ ‬أدركت‭ ‬كم‭ ‬أن‭ ‬لاعتصام‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬بالحديث‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى‭ ‬دوره‭ ‬المهم‭ ‬في‭ ‬الرقي‭ ‬بتلك‭ ‬المفاوضات‭ ‬ونجاعتها‭. ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬أسلوبه‭ ‬البارع‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المفاوضات‭ ‬والذي‭ ‬يدفعه‭ ‬بعد‭ ‬فعل‭ ‬الأمر‭ ‬المُوجز‭: ‬زدها‭ ‬قليلاً‭! ‬إلى‭ ‬الانصراف‭ ‬مباشرةً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يتناوله‭ ‬من‭ ‬شؤون‭ ‬ثقافيّة،‭ ‬وكأنه‭ ‬يضع‭ ‬تلك‭ ‬المفاوضات،‭ ‬ولا‭ ‬أقول‭ ‬المساومات،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬ثقافيّ‭ ‬أوسع‭. ‬فلو‭ ‬دارت‭ ‬تلك‭ ‬المفاوضات‭ ‬باللّغة‭ ‬العامية،‭ ‬سواء‭ ‬المصريّة‭ ‬أو‭ ‬اللبنانيّة،‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬هذا‭ ‬الوقع،‭ ‬وربَّما‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬لتنجح‭ ‬بتلك‭ ‬البساطة‭ ‬والسلاسة‭ ‬التي‭ ‬دارت‭ ‬بها‭ ‬بلغة‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬الفُصحى‭ ‬والراقية‭.‬

صبري حافظ

وانتظرت‭ ‬عاماً‭ ‬آخر،‭ ‬وقد‭ ‬كنت‭ ‬محظوظاً،‭ ‬حيث‭ ‬جادت‭ ‬عليّ‭ ‬الظروف‭ ‬بلقاءٍ‭ ‬ثالث،‭ ‬وعدت‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬رامتان‮»‬‭ ‬مرةً‭ ‬ثالثة‭ ‬وأخيرة‭ ‬في‭ ‬خريف‭ ‬عام‭ ‬1972،‭ ‬مبكراً‭ ‬وقبل‭ ‬موعد‭ ‬انعقاد‭ ‬الجلسة‭ ‬بساعة‭ ‬تقريباً‭. ‬وأخبرت‭ ‬فريد‭ ‬شحاتة‭ ‬الذي‭ ‬استغرب‭ ‬وصولي‭ ‬مبكراً‭ ‬جداً،‭ ‬بأن‭ ‬معالي‭ ‬الباشا‭ ‬طلب‭ ‬مني‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬المرة‭ ‬السابقة،‭ ‬حينما‭ ‬عرف‭ ‬بأنني‭ ‬أنشر‭ ‬مقالات‭ ‬نقدية‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ (‬الآداب‭) ‬البيروتيّة‭. ‬وكانت‭ ‬عودتي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬رامتان‮»‬‭ ‬يحدوها‭ ‬الشوق‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬تسفر‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬حديث‭ ‬شخصي‭ ‬بين‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬وبيني‭ ‬من‭ ‬ناحيةٍ،‭ ‬وإن‭ ‬شابها،‭ ‬من‭ ‬ناحيةٍ‭ ‬أخرى،‭ ‬شيءٌ‭ ‬من‭ ‬الأسف،‭ ‬لأنني‭ ‬لن‭ ‬أرى‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬عوض‭ ‬محمد‭ ‬الذي‭ ‬استأثر‭ ‬باهتمامي‭ ‬في‭ ‬المرّتين‭ ‬السابقتين،‭ ‬لرحيله‭ ‬مع‭ ‬بدايات‭ ‬ذلك‭ ‬العام‭ (‬1972‭). ‬وطال‭ ‬انتظاري،‭ ‬لأن‭ ‬السيدة‭ ‬سوزان‭ ‬لم‭ ‬تأتِ‭ ‬بزوجها‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬الاستقبال‭ ‬التي‭ ‬تنعقد‭ ‬فيها‭ ‬الجلسة،‭ ‬وقد‭ ‬أخذت‭ ‬مكاني‭ ‬فيها‭ ‬مبكراً،‭ ‬إلّا‭ ‬قبل‭ ‬موعد‭ ‬انعقاد‭ ‬اللجنة‭ ‬بربع‭ ‬ساعة‭ ‬كالمعتاد‭. ‬ولاحظت‭ ‬أن‭ ‬الدكتور‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬بدا‭ ‬أشدّ‭ ‬انحناءً‭ ‬وهزالاً‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬مازال‭ ‬في‭ ‬كامل‭ ‬أناقته‭ ‬ومهابته‭. ‬في‭ ‬حلة‭ ‬رمادية‭ ‬كاملة‭ ‬وجميلة‭ (‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬قطع‭)‬،‭ ‬ورابطة‭ ‬عنق‭ ‬حريريّة‭ ‬راقية‭.‬

وما‭ ‬أن‭ ‬أجلسته‭ ‬زوجته‭ ‬في‭ ‬مقعده‭ ‬الوثير‭ ‬المُعتاد،‭ ‬ووضعت‭ ‬على‭ ‬ركبتيه‭ ‬بطانية‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬الصوف،‭ ‬مدَّت‭ ‬فوقها‭ ‬يديه،‭ ‬لاحظت‭ ‬تشنج‭ ‬أصابع‭ ‬يديه‭ ‬قليلاً،‭ ‬وارتعاشهما‭ ‬بشكلٍ‭ ‬خفيف‭. ‬ولما‭ ‬استوى‭ ‬على‭ ‬مقعده،‭ ‬بادر‭ ‬بتحيتي‭ ‬التي‭ ‬رددت‭ ‬عليها‭ ‬بأحسن‭ ‬منها،‭ ‬وبسؤال‭ ‬فريد‭ ‬شحاتة‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬قدَّم‭ ‬لي‭ ‬القهوة‭ ‬أم‭ ‬لا،‭ ‬فبادرت‭ ‬أنا‭ ‬بالردِّ‭ ‬بدلاً‭ ‬منه‭ ‬بأنه‭ ‬فعل‭ ‬وشكرته‭. ‬وطلب‭ ‬مني‭ ‬معالي‭ ‬الباشا‭ ‬–كالعادة‭- ‬أن‭ ‬أقرأ‭ ‬عليه‭ ‬جدول‭ ‬أعمال‭ ‬الجلسة‭ ‬ففعلت‭. ‬ثم‭ ‬بادرني‭ ‬بالسؤال‭ ‬عما‭ ‬أكتب‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ (‬الآداب‭)‬؟‭ ‬ولما‭ ‬أجبته‭ ‬بأنني‭ ‬أكتب‭ ‬النقد‭ ‬الأدبيّ‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬منبر‭ ‬عربيّ‭ ‬خارج‭ ‬مصر،‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬وسوريا،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬كان‭ ‬سؤاله‭ ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬مصر؟‭ ‬هل‭ ‬نشرت‭ ‬شيئاً‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬يا‭ ‬بُني؟‭ ‬فقلت‭ ‬له‭ ‬نعم‭ ‬يا‭ ‬معالي‭ ‬الباشا‭! ‬وأخبرته‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬جيلنا‭ ‬ينشرون‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬الصفحة‭ ‬الأدبيّة‭ ‬لجريدة‭ (‬المساء‭) ‬القاهريّة،‭ ‬وأحياناً‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ (‬المجلة‭) ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يشرف‭ ‬عليها‭ ‬يحيى‭ ‬حقي‭. ‬لكننا‭ ‬ننشر‭ ‬في‭ ‬المنابر‭ ‬العربيّة‭ ‬أكثر‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬تتيحه‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عمّا‭ ‬نريد‭. ‬وأن‭ ‬الرقابة‭ ‬المباشرة‭ ‬منها‭ ‬وغير‭ ‬المباشرة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬الكثير‭ ‬منا‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭ ‬خارج‭ ‬مصر‭. ‬

هنا‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬معالي‭ ‬الباشا‭ ‬تنهيدة‭ ‬عميقة،‭ ‬وقال‭: ‬يؤسفني‭ ‬أنكم‭ ‬مضطرون‭ ‬إلى‭ ‬خوض‭ ‬نفس‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬خضناها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬أسوأ‭! ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬وضع‭ ‬تتدنى‭ ‬فيه‭ ‬مكانة‭ ‬الثقافة‭ ‬ودور‭ ‬المُثقّف‭ ‬في‭ ‬مجتمعه‭. ‬كنا‭ ‬نودّ‭ ‬أن‭ ‬تستفيدوا‭ ‬مما‭ ‬حققناه،‭ ‬وأن‭ ‬تبنوا‭ ‬فوقه‭. ‬ثم‭ ‬سأل،‭ ‬وكأنه‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يغيّر‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬المؤسف،‭ ‬قلت‭ ‬لي‭ ‬إنك‭ ‬لم‭ ‬تدرس‭ ‬عندنا،‭ ‬فماذا‭ ‬درست؟‭ ‬فكرَّرت‭ ‬عليه‭ ‬ما‭ ‬قلته‭ ‬في‭ ‬المرّة‭ ‬الماضية‭ ‬عن‭ ‬مسيرتي‭ ‬الدراسية،‭ ‬وأخبرته‭ ‬بأنني‭ ‬أكملت‭ ‬دراسة‭ ‬عامين‭ ‬للتخصّص‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬والنقد‭ ‬المسرحي،‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬جديد‭ ‬للدراسات‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬المعهد‭ ‬العالي‭ ‬للفنون‭ ‬المسرحية،‭ ‬أسسه‭ ‬وقتها‭ ‬الدكتور‭ ‬مصطفى‭ ‬سويف،‭ ‬حينما‭ ‬عهدت‭ ‬له‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬بإدارة‭ ‬أكاديمية‭ ‬الفنون‭. ‬وذكرت‭ ‬له‭ ‬أسماء‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬تلقيت‭ ‬دروسهم‭ ‬فيه‭ ‬وفي‭ ‬طليعتهم‭ ‬الدكتورة‭ ‬لطيفة‭ ‬الزيات،‭ ‬والدكتورة‭ ‬سامية‭ ‬أسعد،‭ ‬والدكتور‭ ‬شكري‭ ‬عياد،‭ ‬والأستاذ‭ ‬بدر‭ ‬الديب‭ ‬وغيرهم‭ ‬ممن‭ ‬أظن‭ ‬أنهم‭ ‬تتلمذوا‭ ‬على‭ ‬يديه‭. ‬فردَّد‭ ‬نعم‭ … ‬نعم‭! ‬

ثم‭ ‬أردف‭: ‬إذن‭ ‬أنت‭ ‬تريد‭ ‬التخصُّص‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬الأدبيّ،‭ ‬ومواصلة‭ ‬العمل‭ ‬فيه،‭ ‬فهل‭ ‬تجيد‭ ‬لغة‭ ‬أجنبية‭ ‬يا‭ ‬بُني؟‭ ‬فقلت،‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التلعثُم،‭ ‬وقد‭ ‬أدركت‭ ‬أنه‭ ‬وضع‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬نقطة‭ ‬ضعف‭ ‬مُهمَّة،‭ ‬إنني‭ ‬أحاول‭ ‬يا‭ ‬معالي‭ ‬الباشا‭ ‬أن‭ ‬أحسِّن‭ ‬لغتي‭ ‬الإنجليزية‭ ‬بالدرس‭ ‬والترجمة‭. ‬وقد‭ ‬التحقت‭ ‬بقسم‭ ‬الدراسات‭ ‬الحرّة‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬الأميركية‭ ‬بالقاهرة‭ ‬لهذا‭ ‬الغرض‭. ‬فقال‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬يا‭ ‬بُني‭ ‬أن‭ ‬تجيد‭ ‬اللّغة‭ ‬في‭ ‬بلدها،‭ ‬وأن‭ ‬تعرف‭ ‬ثقافتها‭ ‬وحضارتها‭ ‬بشكلٍ‭ ‬جيد،‭ ‬كي‭ ‬تضيف‭ ‬شيئاً‭ ‬لثقافتك‭. ‬فاللّغة‭ ‬الأوروبيّة‭ ‬مفتاح‭ ‬للحضارة‭ ‬الغربيّة،‭ ‬ولابد‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬تلك‭ ‬الحضارة‭ ‬كي‭ ‬ترهف‭ ‬وعيك‭ ‬النقديّ‭ ‬والعقليّ‭ ‬بالأشياء،‭ ‬وكي‭ ‬ترى‭ ‬حضارتك‭ ‬بعيونٍ‭ ‬جديدة‭. ‬كنا‭ ‬نحرص‭ ‬يا‭ ‬بُني‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نرسل‭ ‬النابهين‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬كي‭ ‬يدرسوا‭ ‬فيها‭: ‬لأنهم‭ ‬بذلك‭ ‬يتعلّمون‭ ‬اللّغة‭ ‬ويعيشون‭ ‬الثقافة‭ ‬معاً،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬قد‭ ‬انحسر‭ ‬للأسف‭ ‬الشديد‭ ‬مع‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬البعثات‭.‬

هنا‭ ‬وفدت‭ ‬الدكتورة‭ ‬سهير‭ ‬القلماوي‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬لحضور‭ ‬الاجتماع‭ ‬فانصرف‭ ‬معالي‭ ‬الباشا‭ ‬عني‭ ‬إليها،‭ ‬مما‭ ‬زاد‭ ‬نفوري‭ ‬الطبيعيّ‭ ‬منها‭ ‬بسبب‭ ‬تعاملها‭ ‬السيئ‭ ‬مع‭ ‬يحيى‭ ‬حقي‭ ‬ودورها،‭ ‬في‭ ‬إخراجه‭ ‬من‭ ‬مجلة‭ (‬المجلة‭) ‬وتدميرها‭ ‬مع‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬منابر‭ ‬الثقافة‭ ‬الجادة‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬عصر‭ ‬السادات‭ ‬الكئيب‭. ‬ثم‭ ‬توالى‭ ‬وفود‭ ‬بقية‭ ‬أعضاء‭ ‬اللجنة‭ ‬وانصرف‭ ‬انتباه‭ ‬معالي‭ ‬الباشا‭ ‬إليهم،‭ ‬وإلى‭ ‬ما‭ ‬ينتظرهم‭ ‬من‭ ‬أمورٍ‭ ‬لإنجازها‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الجلسة‭. ‬وإنْ‭ ‬بدأ‭ ‬الحديث‭ ‬كالعادة‭ ‬بالأمور‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬وأخبار‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظرهم‭. ‬وكنا‭ ‬وقتها‭ ‬في‭ ‬خريف‭ ‬الغضب‭ ‬الفعلي،‭ ‬وليس‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬صكَّ‭ ‬مصطلحه‭ ‬محمد‭ ‬حسنين‭ ‬هيكل‭ ‬–مهندس‭ ‬تمكين‭ ‬السادات‭ ‬من‭ ‬السلطة–‭ ‬بعدما‭ ‬غضب‭ ‬السادات‭ ‬عليه‭. ‬كانت‭ ‬مصر‭ ‬كلها‭ ‬تعيش‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬الغضب‭ ‬الكظيم‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬اللا‭ ‬حرب‭ ‬واللا‭ ‬سلم‭ ‬التي‭ ‬أخذها‭ ‬السادات‭ ‬لها‭ ‬وقد‭ ‬تعلَّل‭ ‬بالضباب؛‭ ‬بعدما‭ ‬انصرم‭ ‬عام‭ ‬الحسم‭ (‬1971‭) ‬كما‭ ‬سماه‭ ‬دون‭ ‬حسم‭. ‬وخرج‭ ‬الطلاب‭ ‬إلى‭ ‬الشوارع‭ ‬في‭ ‬مظاهرات‭ ‬حاشدة،‭ ‬واعتصموا‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬التحرير‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬العام‭ ‬1972‭. ‬وتغنَّى‭ ‬بثورتهم‭ ‬أبرز‭ ‬شعراء‭ ‬جيلي‭ ‬مثل‭ ‬أمل‭ ‬دنقل‭ ‬في‭ ‬قصيدته‭ ‬الشهيرة‭ ‬‮«‬الكعكة‭ ‬الحجرية‮»‬‭ ‬،‭ ‬وأحمد‭ ‬فؤاد‭ ‬نجم‭ ‬والشيخ‭ ‬إمام‭ ‬في‭ ‬أغنيته‭ ‬المشهورة‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬رحت‭ ‬القلعة‭ ‬وشفت‭ ‬ياسين‮»‬‭ .‬

ولما‭ ‬تضامن‭ ‬الكتاب‭ ‬والمُثقفون‭ ‬معهم،‭ ‬ووقّعوا‭ ‬في‭ ‬مكتب‭ ‬توفيق‭ ‬الحكيم‭ ‬الشهير‭ ‬على‭ ‬عريضة‭ ‬مؤيدة‭ ‬لمطالبهم،‭ ‬وتدعو‭ ‬إلى‭ ‬الإفراج‭ ‬عمَّن‭ ‬اعتُقل‭ ‬منهم،‭ ‬عصفت‭ ‬بهم‭ ‬لجنة‭ ‬التنظيم،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬السادات‭ ‬قد‭ ‬وضع‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬كادراً‭ ‬إسلامجياً‭ ‬معروفاً‭ ‬هو‭ ‬محمد‭ ‬عثمان‭ ‬إسماعيل‭.  ‬،‭ ‬فقام‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬بفصل‭ ‬العشرات‭ ‬منهم،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬يوسف‭ ‬إدريس‭ ‬ورجاء‭ ‬النقاش‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاشتراكي،‭ ‬مما‭ ‬يفقدهم‭ ‬بشكلٍ‭ ‬مباشر‭ ‬وظائفهم‭ ‬في‭ ‬أجهزة‭ ‬الإعلام‭ ‬الرَّسميّة‭ ‬المملوكة‭ ‬كلية‭ ‬لهذا‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاشتراكيّ‭. ‬وبدأ‭ ‬أغلبهم‭ ‬وقد‭ ‬حرموا‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬أو‭ ‬الظهور‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬المنابر‭ ‬الإعلاميّة،‭ ‬وضيّق‭ ‬النظام‭ ‬عليهم‭ ‬في‭ ‬رزقهم،‭ ‬في‭ ‬التُشتُّت‭ ‬في‭ ‬المنافي‭ ‬العربيّة‭ ‬والغربيّة‭ ‬على‭ ‬السواء‭. ‬كما‭ ‬أخذ‭ ‬السادات‭ ‬في‭ ‬إغلاق‭ ‬الدوريات‭ ‬الثقافيّة‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعج‭ ‬بها‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬وتخلّقت‭ ‬آليات‭ ‬ما‭ ‬دعوته‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مقالٍ‭ ‬بالمناخ‭ ‬الطارد‭ ‬الذي‭ ‬أخذ‭ ‬يَدُعّ‭ ‬المثقفين‭ ‬العقلانيين‭ ‬واليساريين‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬طوال‭ ‬سنوات‭ ‬حكم‭ ‬السادات‭. ‬بينما‭ ‬أُفسح‭ ‬المجال‭ ‬وأجهزة‭ ‬إعلام‭ ‬الدولة‭ ‬للإسلامجية‭ ‬يعيثون‭ ‬فيها‭ ‬فساداً،‭ ‬ويقومون‭ ‬بغسل‭ ‬عقول‭ ‬المصريين‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬التاريخ‭ ‬العقلانيّ‭ ‬التنويريّ‭ ‬الذي‭ ‬زرعه‭ ‬فيها‭ ‬جيل‭ ‬طه‭ ‬حسين،‭ ‬والأجيال‭ ‬التي‭ ‬تلته،‭ ‬ويسدلون‭ ‬الحجاب‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬النساء،‭ ‬وعلى‭ ‬عقول‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬حقيقة‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬بغائبة‭ ‬عن‭ ‬طه‭ ‬حسين،‭ ‬الذي‭ ‬لمست‭ ‬طوال‭ ‬نقاشاته‭ ‬في‭ ‬مفتتح‭ ‬هذه‭ ‬الجلسة‭ ‬شدّة‭ ‬حساسيته‭ ‬لأي‭ ‬عصفٍ‭ ‬بدور‭ ‬المُثقفين،‭ ‬وأي‭ ‬تأثيرٍ‭ ‬سلبي‭ ‬على‭ ‬مكانتهم‭ ‬ودورهم‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬وشعرت‭ ‬وأنا‭ ‬أتابع‭ ‬مناقشاتهم‭ (‬وكان‭ ‬فيهم‭ ‬مَنْ‭ ‬له‭ ‬ميول‭ ‬إسلاميّة‭ ‬واضحة‭ ‬مثل‭ ‬مهدي‭ ‬علام،‭ ‬أو‭ ‬ميول‭ ‬انتهازية‭ ‬مثل‭ ‬سهير‭ ‬القلماوي‭ ‬التي‭ ‬صعد‭ ‬نجمها‭ ‬مع‭ ‬نظام‭ ‬السادات،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يقدِّمون‭ ‬تبريرات‭ ‬متهافتة‭ ‬لما‭ ‬فعله‭ ‬السادات‭)‬،‭ ‬وكأن‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬يواصل،‭ ‬وإنْ‭ ‬بشكل‭ ‬مغاير،‭ ‬تأكيده‭ ‬لما‭ ‬قاله‭ ‬لي‭ ‬قبل‭ ‬قدومهم،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬جيلنا‭ ‬أن‭ ‬يحارب‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬نفس‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬حاربها‭ ‬جيله‭: ‬معارك‭ ‬العقل‭ ‬والحرّية‭ ‬واستقلال‭ ‬المُثقّف‭. ‬واستمرّت‭ ‬الجلسة‭ ‬بأحاديثها‭ ‬الطلية‭ ‬كالعادة،‭ ‬وبتوجيه‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬لدفة‭ ‬الأمور‭ ‬فيها‭ ‬بحصافة،‭ ‬بعد‭ ‬اكتمال‭ ‬عدد‭ ‬حضورها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يتضمّنه‭ ‬جدول‭ ‬أعمالها‭. ‬ولم‭ ‬ينلْ‭ ‬الخلاف‭ ‬بينه‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬فيما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬المصري‭ ‬وبينهم‭ ‬من‭ ‬مناخ‭ ‬الحب‭ ‬والتقدير‭ ‬الذين‭ ‬يحيطونه‭ ‬به‭. ‬وما‭ ‬أن‭ ‬انتهى‭ ‬من‭ ‬مناقشة‭ ‬كل‭ ‬البنود‭ ‬على‭ ‬جدول‭ ‬الأعمال،‭ ‬وتوصل‭ ‬مع‭ ‬اللجنة‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬بشأنه‭ ‬حتى‭ ‬كان‭ ‬الإرهاق‭ ‬قد‭ ‬بدا‭ ‬عليه،‭ ‬وازدادت‭ ‬ارتعاشات‭ ‬يديه،‭ ‬فأخذ‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الانصراف‭.‬

وبعد‭ ‬انصراف‭ ‬آخرهم‭ ‬التفت‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬إليَّ‭ ‬وأخذ‭ ‬يُملي‭ ‬عليَّ‭ ‬محضر‭ ‬الجلسة‭ ‬كالعادة‭. ‬وما‭ ‬أن‭ ‬انتهى‭ ‬منها‭ ‬وبنفس‭ ‬حضور‭ ‬الذهن‭ ‬الذي‭ ‬اعتدته‭ ‬منه،‭ ‬حيث‭ ‬جاءت‭ ‬قراراتها‭ ‬بنفس‭ ‬ترتيب‭ ‬البنود‭ ‬في‭ ‬جدول‭ ‬أعمالها،‭ ‬حتى‭ ‬توجَّه‭ ‬إليَّ‭ ‬بالحديث‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬وقال‭ ‬لا‭ ‬تنسَ‭ ‬يا‭ ‬بُني‭ ‬ما‭ ‬قلته‭ ‬لك‭ ‬من‭ ‬ضرورة‭ ‬السفر‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬لتتعلّم‭ ‬فيها‭ ‬اللّغة‭ ‬والثقافة‭ ‬معاً‭! ‬فقلت‭ ‬نعم‭ ‬يا‭ ‬معالي‭ ‬الباشا،‭ ‬ولكنه‭ ‬أمر‭ ‬صعب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭. ‬فقال‭ ‬وفقك‭ ‬الله‭ ‬يا‭ ‬بُني‭!‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬استجاب‭ ‬لدعوته‭ ‬لي،‭ ‬رغم‭ ‬استحالة‭ ‬السفر‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬لأمثالي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭. ‬فما‭ ‬أن‭ ‬حان‭ ‬الخريف‭ ‬التالي‭ ‬عام‭ ‬1973،‭ ‬وهو‭ ‬الخريف‭ ‬الذي‭ ‬فارق‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬الحياة‭ ‬فيه،‭ ‬حتى‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بالفعل،‭ ‬وطلبوا‭ ‬مني‭ ‬أن‭ ‬أقدِّم‭ ‬في‭ ‬ندوة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الأسبوعية‭ ‬الشهيرة‭ ‬وقتها‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬أوكسفورد‭ ‬ندوةً‭ ‬عنه،‭ ‬بدأتها‭ ‬بأنه‭ ‬لولا‭ ‬دور‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬المصريّة،‭ ‬وما‭ ‬أرساه‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬وركائز‭ ‬تعليميّة،‭ ‬لما‭ ‬كنت‭ ‬أنا‭ ‬هنا‭ ‬الآن،‭ ‬أتحدّث‭ ‬إليكم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجامعة‭. ‬ولكن‭ ‬تلك‭ ‬قصة‭ ‬أخرى‭ ‬تستحق‭ ‬التوقُّف‭ ‬عندها،‭ ‬وعندما‭ ‬رأيته‭ ‬لما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬‮«‬رامتان‮»‬،‭ ‬عقب‭ ‬عودتي‭ ‬لمصر‭ ‬بعد‭ ‬رحيله‭ ‬عنها‭ ‬بست‭ ‬سنوات‭.‬


الهامش:

1- ‬تبدأ‭ ‬قصيدة‭ ‬أمل‭ ‬دنقل‭ ‬الطويلة‭ ‬والمهمّة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المظاهرات‭: ‬أيها‭ ‬الواقِفونَ‭ ‬على‭ ‬حافةِ‭ ‬المذبحهْ‭/ ‬أَشهِروا‭ ‬الأَسلِحهْ‭!/ ‬سَقطَ‭ ‬الموتُ‭; ‬وانفرطَ‭ ‬القلبُ‭ ‬كالمسبحَهْ‭./ ‬والدمُ‭ ‬انسابَ‭ ‬فوقَ‭ ‬الوِشاحْ‭!/ ‬المنَازلُ‭ ‬أضرحَةٌ،‭/ ‬والزنازن‭ ‬أضرحَةٌ،‭/ ‬والمدَى‭.. ‬أضرِحهْ‭/ ‬فارفَعوا‭ ‬الأسلِحهْ‭/ ‬واتبَعُوني‭!/ ‬أنا‭ ‬نَدَمُ‭ ‬الغَدِ‭ ‬والبارحهْ‭/ ‬رايتي‭: ‬عظمتان‭.. ‬وجُمْجُمهْ،‭/ ‬وشِعاري‭: ‬الصَّباحْ‭!‬

2- وهي‭ ‬الأغنية‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬كلماتها‭ ‬‮««‬أنا‭ ‬رحت‭ ‬القلعة‭ ‬وشفت‭ ‬ياسين‭/ ‬حواليه‭ ‬العسكر‭ ‬والزنازين‭/ ‬والشوم‭ ‬والبوم‭ ‬وكلاب‭ ‬الروم‭/ ‬يا‭ ‬خسارة‭ ‬يا‭ ‬أزهار‭ ‬البساتين‭/ ‬عيطي‭ ‬يا‭ ‬بهية‭ ‬على‭ ‬القوانين‭/ ‬أنا‭ ‬شفت‭ ‬شباب‭ ‬الجامعة‭ ‬الزين‭/ ‬أحمد‭ ‬وبهاء‭ ‬والكردي‭ ‬وزين‮»‬‭ ‬والمقصود‭ ‬هنا‭ ‬بهذه‭ ‬الأسماء‭ ‬زعماء‭ ‬حركة‭ ‬الطلبة‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬عام‭ ‬1972‭: ‬أحمد‭ ‬عبدالله‭ ‬رزة،‭ ‬وأحمد‭ ‬بهاء‭ ‬الدين‭ ‬شعبان،‭ ‬وجلال‭ ‬الجميعي،‭ ‬وزين‭ ‬العابدين‭ ‬فؤاد،‭ ‬وشوقي‭ ‬الكردي‭.‬

3- كان‭ ‬الملك‭ ‬فيصل‭ ‬قد‭ ‬جاء‭ ‬للسادات‭ ‬وقدَّم‭ ‬له‭ ‬عمر‭ ‬التلمساني‭ ‬مرشد‭ ‬تنظيم‭ ‬الإسلامجية‭ ‬‮«‬الإخوان‭ ‬المسلمون‮»‬‭ ‬ومئة‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬مقابل‭ ‬إعادتهم‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬مصر‭ (‬حسب‭ ‬رواية‭ ‬هيكل‭ ‬في‭ ‬خريف‭ ‬الغضب‭) ‬وتخليصه‭ ‬من‭ ‬المعارضة‭ ‬الناصرية‭ ‬واليسارية‭ ‬لمشروعه‭ ‬المدمر،‭ ‬الذي‭ ‬مازالت‭ ‬مصر‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬عواقبه‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭. ‬وكان‭ ‬تعيين‭ ‬محمد‭ ‬عثمان‭ ‬إسماعيل‭ ‬أميناً‭ ‬للتنظيم‭ ‬السياسيّ‭ ‬الوحيد‭ ‬وقتها،‭ ‬وهو‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاشتراكي،‭ ‬بداية‭ ‬هذا‭ ‬المُخطط‭ ‬الجهنمي‭.‬

مانغويل في تونس.. انتصار الخيال على الواقع

يعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أسبابٍ‭ ‬عديدة،‭ ‬يتعلَّق‭ ‬بعضها‭ ‬بميّزات‭ ‬الرجل‭ ‬وحضوره،‭ ‬ويتعلَّق‭ ‬بعضها‭ ‬بما‭ ‬حفّ‭ ‬بهذه‭ ‬الزيارة‭ ‬من‭ ‬محطَّات‭ ‬دراماتيكيّة‭ ‬منحتها‭ ‬مذاقاً‭ ‬خاصّاً‭. ‬وهي‭ ‬فرصةٌ‭ ‬سأظلّ‭ ‬مديناً‭ ‬بها‭ ‬للروائيّ‭ ‬كمال‭ ‬الرياحي،‭ ‬مدير‭ ‬‮«‬بيت‭ ‬الرواية‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬عهد‭ ‬إليّ‭ ‬بمحاورة‭ ‬الرجل،‭ ‬وهو‭ ‬يعرف‭ ‬صلتي‭ ‬بأعماله‭ ‬منذ‭ ‬صدور‭ ‬مؤلَّفه‭ ‬الشهير‭ ‬‮«‬تاريخ‭ ‬القراءة‮»‬‭ ‬في‭ ‬طبعته‭ ‬الفرنسيّة‭ ‬سنة ‭.1998‭

لم‭ ‬يتوقَّع‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬تحظى‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬بما‭ ‬حظيت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭. ‬ولعلّها‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬لتصبح‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الحدث‭ ‬الاستثنائيّ‮»‬‭ ‬لولا‭ ‬رغبة‭ ‬وزير‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬إلغائها،‭ ‬وإصرار‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬المُثقَّفين‭ ‬على‭ ‬إنجازها‭. ‬تعلّل‭ ‬الوزير‭ ‬بأنّ‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬‮«‬إرجاء‮»‬‭ ‬الزيارة‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬تسلُّم‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭ ‬عهدتَها‭. ‬وحين‭ ‬جُوبِه‭ ‬بمبدأ‭ ‬‮«‬استمرار‭ ‬الدولة‮»‬‭ ‬واستمراره‭ ‬في‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬تظاهرات‭ ‬أخرى،‭ ‬اتّضح‭ ‬أنّ‭ ‬ثمّة‭ ‬من‭ ‬‮«‬أشاعَ‮»‬‭ ‬أنّ‭ ‬الرجل‭ ‬‮«‬مُطبِّع‮»‬‭! ‬لا‭ ‬لشيء‭ ‬إلّا‭ ‬لأنّ‭ ‬والده‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬وغادرها‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الرابعة‭! ‬أمّا‭ ‬مواقف‭ ‬الرجل‭ ‬ونصوصه‭ ‬وتصريحاته‭ ‬المُناصِرة‭ ‬للقضيّة‭ ‬الفلسطينيّة‭ ‬فقد‭ ‬اتّضح‭ ‬أنّها‭ ‬ليست‭ ‬بالشفيع‭ ‬الكافي‭! ‬

ما‭ ‬كان‭ ‬لمثْلِ‭ ‬هذا‭ ‬التخبُّطِ‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬يمرّ‭ ‬دون‭ ‬‮«‬فضيحة‭ ‬إعلاميّة‮»‬‭ ‬مدوّية‭. ‬لذلك‭ ‬هالَنا‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬تونسُ‭ ‬الجديدةُ‭ ‬مصداقيّتها‭ ‬بسبب‭ ‬تصرُّف‭ ‬لا‭ ‬موجب‭ ‬له‭ ‬إلّا‭ ‬الحسابات‭ ‬السياسواتيّة‭ ‬الضيّقة‭. ‬وبدا‭ ‬لنا‭ ‬أنّ‭ ‬في‭ ‬القبول‭ ‬بهذا‭ ‬التصرّف‭ ‬المبنيّ‭ ‬على‭ ‬فقرٍ‭ ‬ثقافيّ‭ ‬مدقع‭ ‬نيلاً‭ ‬من‭ ‬كرامة‭ ‬المُثقَّفين‭ ‬التونسيّين‭. ‬وكان‭ ‬أمام‭ ‬مدير‭ ‬‮«‬بيت‭ ‬الرواية‮»‬‭ ‬أن‭ ‬ينتصر‭ ‬في‭ ‬شخصه‭ ‬للمُثقَّفين‭ ‬ولموظّفي‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬أيضاً،‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬واحدٌ‭ ‬منهم‭. ‬

لم‭ ‬يخلُ‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬الانتقاص‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الضيف‭ ‬بدعوى‭ ‬أنّه‭ ‬ليس‭ ‬بماركيز‭ ‬الرواية،‭ ‬وليس‭ ‬بأفلاطون‭ ‬الفكر‭! ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يخلُ‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬الطعنِ‭ ‬في‭ ‬مضيفيه‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنّهم‭ ‬لم‭ ‬يقفوا‭ ‬من‭ ‬الوزير‭ ‬موقفهم‭ ‬ذاك‭ ‬إلّا‭ ‬لأنّه‭ ‬راحل‭! ‬والحقّ‭ ‬أنّهم‭ ‬لم‭ ‬ينتظروا‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬التظاهرة‮»‬‭ ‬لمواجهة‭ ‬خيارات‭ ‬الوزير‭ ‬بما‭ ‬استطاعوا‭. ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬إصرارهم‭ ‬على‭ ‬إنجاز‭ ‬التظاهرة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬استهدافاً‭ ‬لأيّ‭ ‬شخص‭. ‬لكنْ‭ ‬هَب‭ ‬أنّهم‭ ‬وجدوا‭ ‬في‭ ‬‮«‬الخطأ‭ ‬الوزاريّ‮»‬‭ ‬ما‭ ‬يسمّيه‭ ‬سُونْ‭ ‬تزُو‭ ‬‮«‬التوقيت‭ ‬المناسب‭ ‬والميدان‭ ‬الملائم‮»‬‭ ‬لكَسْبِ‭ ‬المعركة،‭ ‬فما‭ ‬العيب‭ ‬في‭ ‬ذلك؟‭ ‬

أمّا‭ ‬قيمة‭ ‬الرجل‭ ‬فلا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬برهان‭ ‬بعد‭ ‬قرابة‭ ‬الثلاثين‭ ‬كتاباً‭ ‬حتّى‭ ‬الآن،‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬والقصّة‭ ‬والمُقاربة‭ ‬الفكريّة‭ ‬الأدبيّة‭ ‬العابرة‭ ‬للأجناس‭. ‬صحيح‭ ‬أنّه‭ ‬لم‭ ‬يصبح‭ ‬ماركيز‭ ‬الرواية‭ ‬ولا‭ ‬أفلاطون‭ ‬الفكر،‭ ‬وليس‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬غاياته،‭ ‬لكنّه‭ ‬صار‭ ‬عَلَماً‭ ‬في‭ ‬ميدانه‭. ‬فهو‭ ‬ذاكرةُ‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬في‭ ‬العالَم‭ ‬بما‭ ‬يُشبه‭ ‬الإجماع‭. ‬كما‭ ‬استطاع‭ ‬بأسلوبه‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬أسلوب‭ ‬‮«‬مُعَلِّمهِ‮»‬‭ ‬بورخيس‭ ‬أن‭ ‬يحقِّق‭ ‬أصعب‭ ‬معادلة‭: ‬احترام‭ ‬النُقَّاد،‭ ‬وإعجاب‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬القُرَّاء‭ ‬في‭ ‬وقتٍ‭ ‬واحد،‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬اللّغات‭ ‬العالميّة‭ ‬التي‭ ‬تُرجِمَت‭ ‬إليها‭ ‬أعمالُه‭. ‬هكذا‭ ‬استحقَّ‭ ‬لقب‭ ‬‮«‬الرجل‭ ‬المكتبة‮»‬‭ ‬بامتياز‭. ‬وما‭ ‬انفكّت‭ ‬زياراته‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬بلاد‭ ‬العالم‭ ‬تحظى‭ ‬بالاهتمام‭ ‬وتترك‭ ‬أثراً‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬المستمعين‭ ‬إليه‭ ‬ووجدانهم‭.‬

وَقَفْتُ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حواري‭ ‬معه‭ ‬وهو‭ ‬يحدّثني‭ ‬حديث‭ ‬عاشق‭ ‬الكِتاب،‭ ‬في‭ ‬عالَمٍ‭ ‬يسعى‭ ‬بعضُهُ‭ ‬إلى‭ ‬تعميم‭ ‬‮«‬البؤس‭ ‬الفكريّ‮»‬‭ ‬لفبركة‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬‮«‬المُستهلكين‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬مهمّاً‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يُفضِ‭ ‬إلى‭ ‬مردود‭ ‬ماديّ‭. ‬من‭ ‬ثَمَّ‭ ‬أهمِّيّة‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬الكتابة‭ ‬بالجسد‭ ‬وعلاقة‭ ‬الجسد‭ ‬بالقراءة،‭ ‬فالخطر‭ ‬المحدق‭ ‬بالكتاب‭ ‬اليوم،‭ ‬في‭ ‬نظره،‭ ‬ليس‭ ‬ناجماً‭ ‬عن‭ ‬تعدُّد‭ ‬المحامل‭ ‬الإلكترونيّة‭ ‬أو‭ ‬الرَّقميّة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ناجم‭ ‬عن‭ ‬الهجوم‭ ‬المنظّم‭ ‬على‭ ‬‮«‬القراءة‭ ‬النوعيّة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬تحرير‭ ‬الجسد‭ ‬والفكر‭ ‬والمخيّلة‭. ‬من‭ ‬ثَمَّ‭ ‬سعيُ‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬الكتاب‭ ‬من‭ ‬المشهد،‭ ‬لأنّ‭ ‬قراءة‭ ‬الكتاب‭ ‬تعلِّم‭ ‬القارئ‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يُدرِكَ‮»‬‭ ‬نفسَه،‭ ‬ومن‭ ‬ثَمَّ‭ ‬أن‭ ‬يفكّر‭ ‬بنفسه،‭ ‬فإذا‭ ‬هو‭ ‬يتحرَّر‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬واقعه،‭ ‬وقد‭ ‬بات‭ ‬منتجاً‭ ‬لا‭ ‬مستهلكاً،‭ ‬ومبدعاً‭ ‬لا‭ ‬متّبعاً،‭ ‬ومواطناً‭ ‬لا‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬قطيع‭.‬

أخذَنا‭ ‬الحوارُ‭ ‬إلى‭ ‬بورخيس،‭ ‬معلِّمه‭ ‬وقدوته،‭ ‬الذي‭ ‬حاور‭ ‬في‭ ‬نصوصه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الآثار‭ ‬العربيّة‭ ‬الإسلاميّة،‭ ‬بدايةً‭ ‬من‭ ‬القرآن،‭ ‬مروراً‭ ‬بابن‭ ‬سينا‭ ‬وابن‭ ‬رشد‭ ‬والخيّام‭ ‬والرومي‭ ‬والقزويني‭ ‬والجاحظ‭ ‬وغيرهم،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مثار‭ ‬إعجابه‭ ‬الكبير،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يُذكر‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬وكأنّ‭ ‬الأدب‭ ‬العربيّ‭ ‬توقَّف‭ ‬عند‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬نعتزّ‭ ‬بها‭ ‬طبعاً‭… ‬فسألتُه‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬تناول‭ ‬نصوصاً‭ ‬عربيّة‭ ‬حديثة‭ ‬لمحمود‭ ‬درويش،‭ ‬ورشيد‭ ‬بوجدرة،‭ ‬ومحمَّد‭ ‬البساطي،‭ ‬وسنان‭ ‬أنطون،‭ ‬لماذا‭ ‬ظلّ‭ ‬حضور‭ ‬المدوّنة‭ ‬العربيّة‭ ‬الحديثة‭ ‬محتشماً‭ ‬لديه‭ ‬ولدى‭ ‬‮«‬مُعلِّمه‮»‬‭ ‬بالقياس‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تزخر‭ ‬به‭ ‬هذه‭ ‬المدوّنة‭ ‬من‭ ‬أعمالٍ‭ ‬مهمَّة‭… ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وراء‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الأدب‭ ‬القديم؟‭ ‬هل‭ ‬هي‭ ‬مسألة‭ ‬ذائقة‭ ‬وتقييم‭ ‬أم‭ ‬مسألة‭ ‬اطّلاع‭ ‬وترجمة،‭ ‬أم‭ ‬أنّ‭ ‬للأمر‭ ‬علاقة‭ ‬بضرب‭ ‬من‭ ‬الاستشراق‭ ‬المزمن؟‭ ‬

لم‭ ‬يتهرَّب‭ ‬الرجل‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬سؤال،‭ ‬بل‭ ‬إنّه‭ ‬لم‭ ‬يتهرَّب‭ ‬حتّى‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬المُحرجة‭ ‬المُتعلِّقة‭ ‬بمواقفه‭ ‬السياسيّة،‭ ‬وتحديداً‭ ‬بموقفه‭ ‬من‭ ‬القضيّة‭ ‬الفلسطينيّة‭… ‬فإذا‭ ‬هو‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬انحيازه‭ ‬إلى‭ ‬الفلسطينيّين،‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬استنكاره‭ ‬خفوت‭ ‬أصوات‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬زملائه‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬كلّما‭ ‬تعلَّق‭ ‬الأمر‭ ‬بالفظائع‭ ‬الإسرائيليّة،‭ ‬مؤكِّداً‭ ‬انتماءه‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬للمُثقَّف‭ ‬باعتباره‭ ‬‮«‬شخصاً‭ ‬لا‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الإجماع،‭ ‬بل‭ ‬ينحاز‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يمليه‭ ‬عليه‭ ‬وعيٌ‭ ‬نقديٌّ‭ ‬لا‭ ‬يتوقّف‮»‬‭.‬

آدم فتحي (تونس)
آدم فتحي

الحوار‭ ‬أثرى‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬بكثير‭. ‬وفي‭ ‬وسع‭ ‬الراغبين‭ ‬في‭ ‬الاطّلاع‭ ‬عليه‭ ‬كاملاً‭ ‬أن‭ ‬يقصدوا‭ ‬الإنترنت،‭ ‬حيث‭ ‬تولّى‭ ‬موقع‭ ‬‮«‬بيت‭ ‬الرواية‮»‬‭ ‬وموقع‭ ‬‮«‬المكتبة‭ ‬الوطنيّة‮»‬‭ ‬توفيره‭ ‬للعموم‭. ‬لكنّ‭ ‬الحوار‭ ‬على‭ ‬ثرائه‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬جزء‭ ‬بسيط‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬التي‭ ‬أكسبت‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬بُعدَهَا‭ ‬‮«‬الرمزيّ‮»‬،‭ ‬وأتاحت‭ ‬للمُثقَّفين‭ ‬تسجيل‭ ‬نقاط‭ ‬مهمَّة،‭ ‬قد‭ ‬تغيِّر‭ ‬طريقة‭ ‬تعامُلهم‭ ‬مع‭ ‬أنفسهم‭ ‬ومع‭ ‬واقعهم‭.‬

من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬النقاط‭:‬

أوّلاً‭: ‬أنّ‭ ‬‮«‬المسؤوليّة‭ ‬الثقافيّة‮»‬‭ ‬رؤيةٌ‭ ‬ومشروع‭ ‬وليست‭ ‬مهارات‭ ‬اتّصاليّة‭ ‬لجمع‭ ‬الأصوات‭ ‬وتلميع‭ ‬الصّوَر،‭ ‬ومن‭ ‬تبعات‭ ‬ذلك‭ ‬ألّا‭ ‬يتصرَّف‭ ‬المسؤولون‭ ‬الثقافيّون‭ ‬كأنّهم‭ ‬في‭ ‬حملة‭ ‬انتخابيّة‭.‬

ثانياً‭: ‬أنّ‭ ‬على‭ ‬‮«‬المسؤول‭ ‬الثقافيّ‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يُنتَخَبْ‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬رؤيةٍ‭ ‬ومشروع‭ ‬ألّا‭ ‬ينسى‭ ‬أنّه‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬أفكار‭ ‬المُثقَّفين‭ ‬والمُبدعين،‭ ‬وليس‭ ‬‮«‬مُكلَّفاً‮»‬‭ ‬بالتفكير‭ ‬عوضاً‭ ‬عنهم‭.‬

ثالثاً‭: ‬أنّ‭ ‬‮«‬المناصب‭ ‬الثقافيّة‮»‬‭ ‬مهمَّةٌ‭ ‬عسيرة،‭ ‬يستحيل‭ ‬أن‭ ‬ينهض‭ ‬بها‭ ‬غيرُ‭ ‬الزّاهد‭ ‬فيها،‭ ‬المنحاز‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬الخيارات‭ ‬الثقافيّة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬مناورات‭ ‬السياسة‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬مأتاها‭.‬

رابعاً‭: ‬أنّ‭ ‬المسائل‭ ‬‮«‬القيميّة‮»‬‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نتركها‭ ‬بين‭ ‬أيدي‭ ‬‮«‬السياسواتيّين‮»‬،‭ ‬الذين‭ ‬يُغلِّبون‭ ‬الانتهازيّة‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬مبدأ،‭ ‬وقد‭ ‬يتغيَّر‭ ‬اتِّجاه‭ ‬البوصلة‭ ‬لديهم‭ ‬ستّين‭ ‬مرّةً‭ ‬في‭ ‬الساعة‭. ‬

خامساً‭: ‬أنّ‭ ‬في‭ ‬وسع‭ ‬المُثقَّفين‭ ‬المُبدعين‭ ‬متى‭ ‬تحكَّموا‭ ‬في‭ ‬نرجسيّاتهم‭ ‬وتضامنوا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مشروع،‭ ‬أن‭ ‬ينجزوا‭ ‬أحلامهم‭ ‬وأن‭ ‬ينتزعوا‭ ‬‮«‬القرار‭ ‬الثقافيّ‮»‬‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬قِلّة‭ ‬مواردهم‭. ‬

سادساً‭: ‬أنّ‭ ‬الخيال‭ ‬هو‭ ‬الثروة‭ ‬الحقيقيّة‭ ‬غير‭ ‬القابلة‭ ‬للنفاد،‭ ‬لأنّه‭ ‬يصنع‭ ‬من‭ ‬الضعف‭ ‬قوّةً،‭ ‬ويتيح‭ ‬العمل‭ ‬بحرّيّة‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬كواليس‭ ‬التباس‭ ‬الدعم‭ ‬والتمويل‭ ‬بالضغط‭ ‬والابتزاز‭. ‬ولأنّه‭ -‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الأهمّ‭- ‬يستطيع‭ ‬متى‭ ‬صدق‭ ‬العزم‭ ‬وتوفَّرت‭ ‬الإرادة‭ ‬أن‭ ‬يُترجِم‭ ‬الحلم‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة،‭ ‬وأن‭ ‬ينتصر‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬ويغيِّره‭.‬

«الـناطقُ باسم».. قناعُ الجُبْن والتزييف

صحيح‭ ‬أن‭ ‬تــأزُّم‭ ‬المجتمع‭ ‬يُـعلن‭ ‬عن‭ ‬نفســه‭ ‬مـن‭ ‬خلال‭ ‬مظاهــر‭ ‬ومواقف‭ ‬مـادية،‭ ‬ملموسة،‭ ‬تُـشـعـر‭ ‬المواطنين‭ ‬أن‭ ‬خـلـلاً‭ ‬مّا‭ ‬يعـوق‭ ‬السـيْر‭ ‬الطبيعي‭ ‬للعـلائق‭ ‬التي‭ ‬تضـمن‭ ‬الـحـدَّ‭ ‬المطـلوب‭ ‬للـتّـوافُق‭ ‬وتـدبـيـر‭ ‬الشـؤون،‭ ‬ومن‭ ‬ثـمَّ‭ ‬تُـعلن‭ ‬الأزمة‭ ‬عـن‭ ‬نفسها‭ ‬بـطرائق‭ ‬مُتـباينة،‭ ‬ليـبـدأ‭ ‬التشخيص‭ ‬والبحـث‭ ‬عن‭ ‬الحلول‭ ‬الـمُـمكنة‮…‬‭ ‬لـكنْ،‭ ‬عند‭ ‬التـدقيق‭ ‬والمراجعة،‭ ‬يـتـبـيَّن‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الأزمة‭ ‬كانت‭ ‬تُـعـلن‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬بكـثـير،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تـزيـيف‭ ‬الـكلام‭ ‬ولـجوء‭ ‬مَنْ‭ ‬يـقتـسمون‭ ‬السُّلطة‭ ‬في‭ ‬مجالاتها‭ ‬المُـتـبـاينة‭ ‬إلى‭ ‬لـعـبة‭ ‬الأقنـعة‭ ‬الكــلامية‭ ‬التي‭ ‬تُـخـفِّـف‭ ‬من‭ ‬وطأة‭ ‬الانحراف،‭ ‬وتساعد‭ ‬على‭ ‬ربح‭ ‬الوقت‭… ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الكلام‮»‬‭ ‬يـضـطلع‭ ‬بـدورٍ‭ ‬أساس‭ ‬في‭ ‬التوصيل‭ ‬والحوار‭ ‬والإقناع،‭ ‬خاصّة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬السياسة‭ ‬وسيْـرورة‭ ‬الصِّراع‭ ‬الديموقراطيّ‭. ‬الكلام‭ ‬المنطوق‭ ‬قبل‭ ‬البلاغ‭ ‬المكتوب‭. ‬يتـكلَّم‭ ‬الـفرد،‭ ‬وتـتكـلَّم‭ ‬الحكومة،‭ ‬وتـتـكلَّم‭ ‬وسائـط‭ ‬الإعلام،‭ ‬فـيـنْـتـسِــج‭ ‬ذلك‭ ‬الفضاء‭ ‬الواصل‭ ‬مباشرةً‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬الـمُــكـــوّنة‭ ‬للمجـتمع‭ ‬والـقـُـوى‭ ‬الـمُدبّرة‭ ‬لـحـركـيّــته،‭ ‬كـلّ‭ ‬من‭ ‬مـوقعه‭. ‬والمفـروض،‭ ‬ضـمـنيـاً،‭ ‬أن‭ ‬لكلّ‭ ‬مجتمع‭ ‬قـيماً‭ ‬أخلاقية‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬صـوْنها،‭ ‬وتــعــمــل‭ ‬السياسة‭ ‬على‭ ‬مُـراعاتها‭. ‬إلَّا‭ ‬أن‭ ‬الـمُـمارسة،‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الأفـراد‭ ‬وفي‭ ‬تـدبـير‭ ‬السـياسة،‭ ‬تـكشـف‭ ‬خـلـل‭ ‬الـتباعُـد‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والمبادئ‭ ‬الـمُتــفق‭ ‬عليها‭. ‬ومن‭ ‬ثَـمَّ‭ ‬يـطفو‭ ‬على‭ ‬السـطح‭ ‬التحايُـل‭ ‬الـكلامي‭ ‬لِـتـمْـرير‭ ‬الانـحـرافات‭. ‬وكثـيـراً‭ ‬ما‭ ‬استـوقـفـتْـني‭ ‬صيـغة‭ ‬‮«‬الـنـاطق‭ ‬باسـم‭.‬‭..‬‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تـطالـعُـنـا‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬مُتعدِّدة،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬الكتابة‭ ‬الأدبيّة‭ ‬والفكريّة،‭ ‬ووصولاً‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬السياسة‭. ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأدب‭ ‬والفكر،‭ ‬يحـلو‭ ‬للـبعض‭ ‬أن‭ ‬يُــرفـــــق‭ ‬اسـمه‭ ‬بـصفة‭ ‬الكاتب‭ ‬القومي‭ ‬أو‭ ‬الوطني‭ ‬أو‭ ‬اليـساري،‭ ‬ليمـنح‭ ‬لـنفسه‭ ‬مـصداقية‭ ‬مّـا‭ ‬تُـعلي‭ ‬من‭ ‬شـأنه،‭ ‬وتـضفي‭ ‬على‭ ‬كلامه‭ ‬هالةً‭ ‬مـرجعية‭ ‬لا‭ ‬يتسرّب‭ ‬إليها‭ ‬الشكّ‭ ‬من‭ ‬قُـدّامٍ‭ ‬أو‭ ‬خــلْــف‭. ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الاتجاه،‭ ‬نـجدُ‭ ‬وظـيفة‭ ‬‮«‬الناطـق‭ ‬باسم‭ ‬الحكومة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬باسم‭ ‬الـقصـر‭ ‬الملكي،‭ ‬أو‭ ‬القصـر‭ ‬الجمهوري،‭ ‬وكـلّـها‭ ‬صِـيَـغ‭ ‬تـضـع‭ ‬مسافة‭ ‬بيـن‭ ‬مـصدر‭ ‬الـكلام‭ ‬وبيـن‭ ‬الـمُـخـاطَـبـيـن‭. ‬وعـند‭ ‬التـدقيق،‭ ‬نـجد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬يـخـلقها‭ ‬‮«‬الناطق‭ ‬باسم‭..‬‮»‬‭ ‬مــا‭ ‬هِــــيَ‭ ‬إلّا‭ ‬قناع‭ ‬يحتمي‭ ‬به‭ ‬مصـدر‭ ‬الكلام،‭ ‬ليـكـتسب‭ ‬فسـحة‭ ‬تـتيح‭ ‬لـه‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يُـصـحِّـح‮»‬‭ ‬ما‭ ‬أخـطأ‭ ‬الناطــق‭ ‬باسمه‭ ‬في‭ ‬تـوصيـله‭ ‬إلى‭ ‬المُـخاطبـين‭. ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬تصبح‭ ‬لعبة‭ ‬الكلام‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قناعٍ‭ ‬أو‭ ‬واسطةٍ،‭ ‬وسيـلة‭ ‬للتـحايُـل‭ ‬والتـســتّــر‭ ‬على‭ ‬الـحيَـدان‭ ‬الذي‭ ‬يلجأ‭ ‬إليه‭ ‬الـكُـتّــابُ‭ ‬والـساسة‭ ‬عند‭ ‬مواجهــــــة‭ ‬الواقع‭. ‬هذه‭ ‬الــمـمارسة‭ ‬التي‭ ‬تـطبع‭ ‬الســلوك‭ ‬البـشـري‭ ‬الـعامّ،‭ ‬تُـوضح‭ ‬صـعوبة‭ ‬‮«‬الـوفـاء‮»‬‭ ‬للـمـبادئ‭ ‬وعلاقة‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الانـحــراف‮»‬‭ ‬بـعوامل‭ ‬عميــقـــــة‭ ‬تـعـود‭ ‬إلى‭ ‬منطــقة‭ ‬‮«‬أخلاق‭ ‬الشجاعة‮»‬‭ ‬وانـعكاساتها‭ ‬على‭ ‬مجال‭ ‬السـياسة،‭ ‬كـما‭ ‬أوضحتْ‭ ‬ذلك‭ ‬الـفيـلسوفة‭ ‬الفرنسية‭ ‬‮«‬سانــتيا‭ ‬فْـلوري‭ ‬Cynthia Fleury‮» ‬‭ ‬في‭ ‬كتابها‭ ‬الـمُـتـمـيِّـز‭ ‬‮«‬نــهاية‭ ‬الشجاعة‮»‬‭ (‬دار‭ ‬فـايـار،‭ ‬2010‭). ‬انطلقت‭ ‬فـلوري‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الشجاعة‭ ‬ليست‭ ‬مسألة‭ ‬محض‭ ‬ذاتية،‭ ‬بل‭ ‬يعـــــــود‭ ‬وجودها‭ ‬أو‭ ‬تـلاشيها‭ ‬إلى‭ ‬سـلـوك‭ ‬الـمجتمع‭ ‬وحـرصه‭ ‬على‭ ‬تصـحيح‭ ‬الـمـمارسات‭ ‬التي‭ ‬تـؤدِّي‭ ‬إلى‭ ‬استــبدال‭ ‬الجبن‭ ‬والتـزيـيـف‭ ‬بالشجاعة‭ ‬والـكـــلام‭ ‬الصـريح‭ ‬المُنــتـقد‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬أخلاق‭ ‬الشجاعة،‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحُولُ‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحوَّل‭ ‬الكـلام‭ ‬السياسيّ‭ ‬إلى‭ ‬عُـملةٍ‭ ‬للـتّـدليس‭ ‬وتبرير‭ ‬الانزياح‭ ‬عن‭ ‬مبادئ‭ ‬التعاقد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬المواطنة،‭ ‬والإسهام‭ ‬في‭ ‬تـعطيل‭ ‬آلـيـات‭ ‬الصِّراع‭ ‬الديموقراطيّ‭: ‬‮«‬أيّ‭ ‬معنى‭ ‬للإنـسانية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬شجاعة؟‮»‬‭ ‬تــتسـاءل‭ ‬الكاتــبة‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬شـروط‭ ‬تطوُّر‭ ‬الحضارة‭ ‬والمجتمعات‭ ‬آلــتْ‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تـسـخـيـر‭ ‬الإنسان‭ ‬وتـشــيـيـئه،‭ ‬كما‭ ‬شجّعتْ‭ ‬على‭ ‬اختفاء‭ ‬الشجاعة‭ ‬والدخول‭ ‬في‭ ‬متاهة‭ ‬الإســـهال‭ ‬الكلامي‭ ‬الذي‭ ‬يتـولى‭ ‬تـلْــيـِـيــنَ‭ ‬العقول‭ ‬والحواسّ‭ ‬لــتــنـقاد‭ ‬إلى‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬أوالــيات‭ ‬مجتمع‭ ‬الـفُـــــــرْجة‭ ‬وغـضّ‭ ‬الـبـصـر‭ ‬عن‭ ‬الشـجاعة‭ ‬الداخلية،‭ ‬الـضرورية‭ ‬لـوقْـفِ‭ ‬تـآكُــل‭ ‬الديموقراطية‭ ‬وتـرويض‭ ‬المواطــنين‭ ‬على‭ ‬الاستـسلام‭ ‬لـِلـُـعْبة‭ ‬الكلام‭ ‬الـفــارغ‭.‬

محمد برادة (المغرب)
محمد برادة

من‭ ‬خلال‭ ‬ثلاثة‭ ‬عناصر‭ ‬تـكـوِّنُ‭ ‬إبـسـتـمولوجيا‭ ‬الشجاعة،‭ ‬أو‭ ‬إبسـتـمولوجيا‭ ‬القلب‭ ‬كما‭ ‬تقترح‭ ‬‮«‬فـلوري‮»‬،‭ ‬تَـتــمّ‭ ‬مُراجعةُ‭ ‬المقايـيس‭ ‬الكفيلة‭ ‬بــتــصحيح‭ ‬مسار‭ ‬‮«‬سياسة‭ ‬الشجاعة‮»‬‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬إعـــادة‭ ‬الاعتـبار‭ ‬إلى‭ ‬الـقيم‭ ‬المطــلوبة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭. ‬هذه‭ ‬العـنـاصـر‭ ‬الثلاثة‭ ‬هي‭: ‬المُـخيّلة‭ ‬الصادقة،‭ ‬وثـمَـنُ‭ ‬الألــم،‭ ‬والـقـوّة‭ ‬الـهـزْلية‭. ‬كـلّ‭ ‬واحد‭ ‬منها‭ ‬يـحدُّ‭ ‬من‭ ‬غلواء‭ ‬الآخــر‭ ‬ليجعل‭ ‬التـمفصُـل‭ ‬بينها‭ ‬مُتوازناً‭ ‬ضمن‭ ‬مستوى‭ ‬‮«‬الـوسَـطيّـة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬حدّدها‭ ‬أرسطـو‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬تُـسلم‭ ‬نفسها‭ ‬لإدراكٍ‭ ‬مباشر؛‭ ‬ومن‭ ‬ثَمَّ‭ ‬فـإن‭ ‬عنصر‭ ‬الفكاهة‭ ‬يكشف‭ ‬ما‭ ‬يختبئ‭ ‬عبْر‭ ‬الثنايا‭ ‬ليُسعف‭ ‬‮«‬الشجاع‮»‬‭ ‬على‭ ‬التقاط‭ ‬الحقيقة‮…‬‭ ‬لا‭ ‬يتسع‭ ‬المجال‭ ‬لاستعراض‭ ‬تحليل‭ ‬‮«‬فلوري‮»‬‭ ‬لمجموع‭ ‬الظاهرات‭ ‬المتَّصلة‭ ‬بمُعوِّقات‭ ‬الشجاعة‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬الأخلاقيّة‭ ‬والسياسيّة،‭ ‬لذلك‭ ‬نورد‭ ‬بعــض‭ ‬الأمثلة‭ ‬التي‭ ‬تشخّص‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭: ‬هناك‭ ‬مثلٌ‭ ‬معاصر‭ ‬يعيشه‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬والذي‭ ‬دشـنتْه‭ ‬بجرأتها‭ ‬السيدة‭ ‬‮«‬أديلْ‭ ‬هائنيلْ‮»‬‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حركـــــة‭ ‬‮«‬أنـا‭ ‬أيضاً‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬شرعت‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬الفتيات‭ ‬والنساء‭ ‬ليـفضحنَ‭ ‬ما‭ ‬تعـرَّضْن‭ ‬لـه‭ ‬من‭ ‬تحرُّش‭ ‬الرجال‭ ‬الذين‭ ‬يعتبرون‭ ‬الجنس‭ ‬اللطيف‭ ‬مملكة‭ ‬مُستباحة‭. ‬لولا‭ ‬شجاعة‭ ‬أديل‭ ‬لظلتْ‭ ‬سـطوة‭ ‬الذكورة‭ ‬وامتيازات‭ ‬الرجل‭ ‬المتحدّرة‭ ‬من‭ ‬الجُـبن،‭ ‬سائدة‭ ‬وسـاترة‭ ‬لهذا‭ ‬السـلوك‭ ‬الـمشـيـن‭.‬

والـمـثال‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬أقـلـقني‭ ‬وطـرح‭ ‬أمامي‭ ‬أسئـلةً‭ ‬مُـحـيّـرة،‭ ‬يـتعـلَّـق‭ ‬بالفـنَّانة‭ ‬النـحاتة‭ ‬‮«‬كاميـيْ‭ ‬كلوديـل‭ ‬Camille Claudel‮»‬‭ (‬1864-‭ ‬1943‭) ‬التي‭ ‬أمضتْ‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬محجوزة‭ ‬في‭ ‬مـشـفىً‭ ‬للأمـراض‭ ‬العقلية،‭ ‬بـسـبـبِ‭ ‬رجعية‭ ‬أمّـها‭ ‬وجُـبْـن‭ ‬أخيها‭ ‬الشاعـر‭ ‬الكبير‭ ‬‮«‬بولْ‭ ‬كلوديلْ‮»‬‭ (‬1955-1868‭). ‬هذه‭ ‬المرأة‭ ‬المُبدعة‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬تجربة‭ ‬حبٍّ‭ ‬جارف‭ ‬مع‭ ‬مُعلمها‭ ‬النحّات‭ ‬‮«‬رودانْ‮»‬‭ (‬1917-1840‭)‬،‭ ‬وأبانتْ‭ ‬عن‭ ‬موهبة‭ ‬تجديدية‭ ‬فذّة،‭ ‬تنكَّـر‭ ‬لها‭ ‬الحبيب‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬متزوجاً،‭ ‬وحكمتْ‭ ‬عليها‭ ‬الأم‭ ‬بالحجز‭ ‬والعُـزلة‭ ‬للـتــســتّر‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬غـرامية‭ ‬تـسيء‭ ‬إلى‭ ‬سمعة‭ ‬عائـلة‭ ‬بورجوازية‭ ‬كاثوليكيّة،‭ ‬هي‭ ‬ضـحية‭ ‬الجبن‭ ‬واللاشجاعة‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬وتـبــريـر‭: ‬جُـبن‭ ‬الفنَّان‭ ‬‮«‬رودان‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬فـضَّل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬سـمعته‭ ‬والتنـكّـر‭ ‬لعواطفه،‭ ‬ثم‭ ‬قـسوة‭ ‬الأمّ‭ ‬التي‭ ‬ضحّتْ‭ ‬بابنتها‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الوفاء‭ ‬لقيمٍ‭ ‬بـورجوازية‭ ‬مـغشوشة،‭ ‬والـغـدْر‭ ‬الجبان‭ ‬من‭ ‬لـدُن‭ ‬أخٍ‭ ‬كانت‭ ‬شـهـرته‭ ‬الشـعرية‭ ‬تطبق‭ ‬الآفـاق،‭ ‬لكنه‭ ‬فـضَّل‭ ‬طموحه‭ ‬إلى‭ ‬الحصول‭ ‬عـلى‭ ‬منصب‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬السلك‭ ‬الدبلوماسيّ‭ ‬الفرنسي‭. ‬موقف‭ ‬الشاعر‭ ‬كلوديلْ‭ ‬هـو‭ ‬الذي‭ ‬يـبعث‭ ‬الغضب‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬كلّما‭ ‬تذكَّرتُ‭ ‬موقفه‭ ‬المتخاذل‭ ‬من‭ ‬أخته‭ ‬الفنَّانة‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬تـذرَّعتْ‭ ‬إلـيه‭ ‬في‭ ‬رسائلها‭ ‬وخلال‭ ‬زياراته‭ ‬القليلة‭ ‬لها،‭ ‬لكي‭ ‬يُـسعفها‭ ‬على‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬محبسها،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تـتحرَّك‭ ‬عواطفه‭ ‬أو‭ ‬يهـتـزّ‭ ‬ضميـرُه‭. ‬هذه‭ ‬فعلاً،‭ ‬حالة‭ ‬ملموسة‭ ‬عـن‭ ‬فــقدان‭ ‬‮«‬شجاعة‭ ‬القلب‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تتحدَّث‭ ‬عـــنها‭ ‬‮«‬فلوري‮»‬‭ ‬في‭ ‬كتابها،‭ ‬والتي‭ ‬من‭ ‬دونها‭ ‬يـفـقد‭ ‬المـرءُ‭ ‬السماتِ‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬منه‭ ‬إنساناً،‭ ‬قـبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شـاعـراً‭ ‬أو‭ ‬فـنَّاناً‭. ‬

لـكنْ،‭ ‬لحسن‭ ‬الحظ،‭ ‬يحتفظ‭ ‬سِجـلّ‭ ‬التاريخ‭ ‬بأسماء‭ ‬شعراء‭ ‬ومفكِّرين‭ ‬ومواطنين،‭ ‬تشبَّعــوا‭ ‬بالشجاعة‭ ‬في‭ ‬معناها‭ ‬العميق‭ ‬ومارسوا‭ ‬السياسة‭ ‬من‭ ‬خلالها،‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬سقراط،‭ ‬وفيكتور‭ ‬هيجو،‭ ‬الشاعر‭ ‬الشجاع‭ ‬الذي‭ ‬انتــقــد‭ ‬بـِـقُــوّة‭ ‬دكتاتورية‭ ‬شارل‭ ‬لويس‭ ‬نابليون‭ (‬1808‭ – ‬1873‭) ‬وخصَّص‭ ‬له‭ ‬كتاباً‭ ‬‮«‬Napoléon le petit‮»‬،‭ ‬شـرح‭ ‬فيه‭ ‬سلوكه‭ ‬ووعوده‭ ‬الكاذبة‭ ‬وتهافته‭ ‬على‭ ‬تجميع‭ ‬المالل‭… ‬وتـحـمّلَ‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك‭ ‬سنواتٍ‭ ‬في‭ ‬المنفى‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتخلّى‭ ‬عن‭ ‬إيقاظ‭ ‬شعبه‭ ‬من‭ ‬غـفوة‭ ‬السُّبات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تؤدِّي‭ ‬إلى‭ ‬الموت‭. ‬لحسن‭ ‬الحظ‭ ‬أن‭ ‬أمثال‭ ‬هيــجو‭ ‬كُـثْـر،‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يجـهـر‭ ‬صوتُهم‭ ‬بالحقيقة‭ ‬الشجاعة،‭ ‬ولا‭ ‬يجعلون‭ ‬من‭ ‬السياسة‭ ‬وسيلة‭ ‬لـتـزييف‭ ‬الكلام‭ ‬أو‭ ‬‮«‬تـجـيـيـر‮»‬‭ ‬نفوذ‭ ‬حـزبٍ‭ ‬أو‭ ‬تأمين‭ ‬منـصب‮…‬‭ ‬إن‭ ‬الشجاعة‭ ‬في‭ ‬الأخلاق‭ ‬والسياسة‭ ‬لـيستْ‭ ‬وقْـفـاً‭ ‬على‭ ‬جنسٍ‭ ‬بعـينه،‭ ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬ميزة‭ ‬للرجال،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬قيمة‭ ‬كونية،‭ ‬ضرورية‭ ‬لحماية‭ ‬الحقّ‭ ‬والديموقراطية،‭ ‬ووسـيلة‭ ‬لـجعل‭ ‬الانتقـاد‭ ‬عـنصراً‭ ‬حاضراً‭ ‬باستـمرار،‭ ‬يـُـذكـي‭ ‬الحوار‭ ‬الديموقراطي‭ ‬ولا‭ ‬يـجعله‭ ‬قاصراً‭ ‬على‭ ‬الحمـلات‭ ‬الانتـخابيّة‭. ‬من‭ ‬ثَمَّ،‭ ‬فإن‭ ‬دراسة‭ ‬شجاعة‭ ‬الأخلاق‭ ‬والسياسة،‭ ‬مثلما‭ ‬فعلتْ‭ ‬سانتـيا‭ ‬فـلوري،‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬مدخل‭ ‬لدراسة‭ ‬نظريّة‭ ‬الإتيك‭ ‬للسياسـة‭ ‬في‭ ‬مُــجـملـها‭. ‬وبـذلك‭ ‬تـنــتــظمُ‭ ‬أمامنا‭ ‬نـظريّة‭ ‬للشجاعة،‭ ‬مـغايـرة‭ ‬للشجاعة‭ ‬الـعـنـتـرية،‭ ‬تـصِــلُ‭ ‬الـفرديّ‭ ‬بالجماعي‭.‬