«انتصار الموت» هجائيّة أخلاقيّة للحياة البشريّة

عام 1562 أنهى الرسَّام الهولنديّ بيتر بروغيل الأكبر لوحته «انتصار الموت»، التي استوحاها من فريسكو «نقش جداري» سُمِّي بالاسم ذاته لفَنَّانٍ مجهولٍ داخل قصر سكلافاني في باليرمو – صقلية، وكما استوحى بروغيل لوحته من المقبرة القديمة لكاتدرائية مدينة بيزا، وهي اليوم معروضة في متحف البرادو بمدريد.

هذه اللّوحة تصوير أليجوري لجائحة (الطاعون) الذي اجتاح أوروبا بين عامي 1347 و1352، وقد سُمِّي حينها بالموت الأسود. كما استفاد بروغيل من تعبير (رقصة الموت) الذي كان مُنتشراً في إيطاليا.

تعجُّ اللّوحة بجحافل الهياكل العظميّة، راجلة أو راكبة أو رافعة أعلامها، في جيوشٍ منتظمة أو هياكل منفردة، عدا عن أكوامٍ من الجماجم المُتجمِّعة والمنثورة على امتدادِ اللّوحة. 

في المُقدِّمة، في الزاوية السفليّة اليُمنى نرى تروبادور (شاعر/ موسيقي جوّال) يعزف على العود بصحبة زوجته التي تبقي له كتاب النوتات مفتوحاً، الاثنان غارقان في عالمهما الخاصّ، غير مدركين للهيكل العظميّ/ الموت الذي يتربَّص بهما ويشاركهما في سخرية العزف على الجيتار، بينما نرى إلى جوارهما ناياً وحيداً مرميّاً.

تبدو الآلات الموسيقيّة حاضرة في اللّوحة، فثمّة فرقة تنفخ في الأبواق، والهيكل العظميّّ على البناء/ السجن/ المصيدة يقرع الطبول، فيما الجالس على عربة الجماجم يعزف بسعادة على آلة وترية (هارجي جاردي) تنتمي إلى الفلكلور القروسطي، بينما عربته تسحق مجموعة بشر دون اكتراث.

تقول اللّوحة إن الموت لا يوفِّر أحداً أو جنساً أو عُمراً، فالموت يطال الملوك، كما في يسار اللّوحة، ويطال النساء النبيلات، كما في يمينها، وهو يطال العثمانيين الذين نعرفهم من عمائمهم في اللّوحة، ويصل إلى المُلونين والسود، والرهبان والخاطئين، والكاردينال أيضاً. والموت في القلعة كما في الخلاء لا فرق بينهما.

لكن اللافت في اللّوحة، هو أن الطاعون لم يكن ليوقف أنماط الحياة الخاطئة أو اللاهية أو الظالمة، فنحن نرى هيكلاً عظميّّاً يسرق العملات الذهبيّة من البراميل، فيما نرى أحجار اللعب وكروت لعبة الورق مرميّة على الأرض، وكذلك الطاولة المستديرة، التي يحاول المُهرِّج الهروب تحتها.

لكن الأنكى هو الاستمرار في القتل، فثمَّة هيكل عظميّّ ينحر حاجاً من أجل الحصول على ماله، وآخر في خلفية اللّوحة يهمُّ بقطع رأس رجل شرب النبيذ للتو، وآخر يشنق إنساناً، فيما ثمَّة آخر مشنوق، وغيره مُعلَّق من رقبته على شجرة، في جوفها رجل مطعون في ظهره، وثمَّة مجموعة بشريّة تموت حرقاً فيما يشبه الاحتفالية.

هياكل أخرى تقوم بعمليّات الدفن في مناطق مُتعدِّدة في خلفية اللّوحة، وهياكل عظميّة بشريّة وحيوانية ملقاة على امتدادها.

يختلف الموت هنا في أن الطاعون يحصد البشر حصداً، يظهر ذلك من خلال الآلة الحاصدة (المحش/ المنجل) التي يحملها العديد من الهياكل العظميّة.

نرى في خلفية اللّوحة حرائق تتداخل بالظلمة، وفي الأفق على خط البحر سفناً تحترق، وسفن أخرى غارقة أو آيلة للغرق، فيما الهياكل العظميّة تقطع الشجر بالفؤوس، بالقرب منهم أناس محبوسون في برج داخل البحر. وداخل اليابسة البحيرة الوحيدة غادرها السمك ليموت بجوارها، فيما هيكلان يقرعان جرسين يعلنان حالة الموت.

يُساق الناس في حالة تدافع أو هروب أو صراع إلى ما يشبه مصيدة صندوقية عليها صلبان، تقبع فوقها الهياكل بسعادة، الجنود والفقراء والفلاحين والنبلاء، وهم في حالة حرب غير متكافئة وخاسرة مع الهياكل العظميّة التي ترتدي ملاءات بيضاء على عريها كسخرية من دروع الحرب ومدرعاتها التي لا تقي من الموت.

تحاول العديد من الهياكل العظميّة رمي البشر في البحيرة، وهناك جثة منتفخة طافية، وأسفل القلعة المُتهدِّمة هناك جوقة تنفخ في الأبواق، يجلس إلى جوارها هيكل عظميّ حزين، هو الوحيد الحزين في اللّوحة.

لكن الأغرب في اللّوحة، حدَّ الفكاهة وسط الموت، هو المخلوق خلف عربة السجن في وسط اللّوحة، الذي يظهر في صورة كاريكاتورية وهو يحاول تخويف الناس برفع يديه، وبقرونه المُتطايرة وهيئته السوداء الظلية.

إن عربة الموت التي يقودها هيكل يحمل في يده جرساً صغيراً تدوس امرأة تحمل في يدها مقصّاً وخيطاً، كرمز إلى انقطاع الحياة البشريّة، وقد أخذ بروغيل هذا الرمز من الموثولوجيا اليونانيّة، من خلال حكاية الأخوات الثلاث اللواتي يرمزن إلى الأقدار، وكذلك رمز المغزل في يد المرأة الأخرى، وقد كان رمزاً تقليديّاً يشير إلى حياة الإنسان.

يتجاور الكاردينال والملك في اللّوحة، فالكاردينال الساقط في لحظاته الأخيرة يحمله هيكل عظميّ ساخر على رأسه قبعة حمراء، فيما الملك في حالة ذهول لا يستطيع حراكاً وأمواله إلى جواره ينهبها هيكل عظميّ يرتدي درعاً حديديّة، بينما هيكل عظميّ آخر يسند الملك بيدٍ ويريه بيده الأخرى ساعة رملية، تشير إلى نفاد وقته/ زمنه، لكن الملك لا يراها، فعيناه في الفراغ، ويداه مرفوعتان باتجاه ذهبه وأمواله، وليس على محياه ما يُشير إلى توبته..

يصطاد الموت الناس جماعات في شبكة كالحيوانات، فيما واحد آخر يضع على وجهه -على سبيل السخرية- قناعاً بشريّاً مُتحجِّراً، ويرتدي زيّاً تنكريّاً، وهو يسرق قوارير الخمر، فيما الطاولة العريضة فارغة إلّا من خبزٍ قليل بلا رفاهية، وطبق جمجمة في الوسط، وهيكل عظميّ آخر ساخر يرتدي زيّاً أزرق ذي أذنين يحمل طبق جمجمة آخر، ليروِّع المرأة الذاهلة التي أمامه، فيما هيكل آخر يلاحق امرأة يحاول احتضانها وهي تفرُّ منه.

إنّ اللّوحة تحمل صفة هجائيّة أخلاقيّة للحياة البشريّة، وللمجتمعات التي لا تكفُّ عن ممارسة الفساد دون اتّعاظ، حتى في أسوأ أوقاتها، فالطاعون الذي كان يحصدها ويعبث بحيواتها عبثاً ليس سوى عقاباً إلهياً، لكنه يقيها من غرورها الذي يأخذها إلى مصيرها النهائي المحتوم.

جوائح الفن التصويري

تناولت الفنون التشكيليّة موضوع «الوباء» كواقع عياني قابل للإدراك والتوثيق، وتجربة تستجيب للأسطرة والترميز، وكمفهومٍ فلسفي يحمل على كاهله هواجس الإنسان وقلقه من المجهول والموات، فضلاً عن كيفية توظيف السُّلطة للجائحة في خطابها. في هذه القراءة سيتم التركيز على أعمال فنّيّة أوروبية، لم يُعنَ بها كثيراً في الثقافة العربيّة، وتقع في الفترة الممتدة بين القرن الرابع عشر والقرن التاسع عشر.

في إحدى المنمنمات التي تعود للعصور الوسطى، والمقيدة لرسَّام مجهول في كثير من المراجع، وتحمل عنوان «دفن ضحايا الطاعون» (1353م)، تحضر الإشارة إلى جائحة «الموت الأسود»، التي أصابت أوراسيا (القارتان الأوروبية والآسيوية) وشمال إفريقيا في القرن الرابع عشر، وتدرج في علم الأوبئة على أنها أكثر الجوائح فجائعيّة في تاريخ البشريّة، متجاوزة من حيث عدد الضحايا، وفق الدراسات الحالية، وباء فيروس الجدري الذي نقله المُستعمرون الأوروبيون إلى أميركا اللاتينية، والأنفلونزا الإسبانية سنة (1918). وفيما يبدو أن الوباء نشأ في آسيا، وبدأ بالتفشي، ووصل أوروبا بالطرق التجارية البحرية، وألقى مرساته في ميناء ميسينا في صقلية الإيطالية، ومنها انتشر في عموم أوروبا.

توجد منمنة «دفن ضحايا الطاعون»، في كتاب «The Chronicles of Gilles Le Muisit»، وهي «تواريخ» وحوليات كتبها المدوّن والشاعر والراهب الفرنسي «جيل لو مويزي Gilles Le Muisit» (1272-1352). وقاد البحث عن هويّة الفنَّان الذي صوّر هذا الكتاب، أثناء كتابة هذه السطور، إلى الناسخ ورسَّام المنمنمات «Pierart dou Tielt» (1340-1360). مفاده أن الراهب «جيل لو مويزي» كان قد أصبح أعمى في أواخر أيامه، فجُمعت المخطوطات والوثائق التي دونها عن يوميات الدير الذي كان يرأسه في مدينة تورناي البلجيكية، إضافة لأحداث عاصرها وسجّلها، ومنها وباء الطاعون. وأخيراً وصلت المخطوطات المكتوبة باللاتينية، إلى الرسام «Pierart dou Tielt»، الذي قام بإنجاز منمنماتها اعتباراً من النصّ حسبما يبدو.

كما هو معروف، اتّسمت العصور الوسطى الأوروبية بهيمنة الميتافيزيقيا اللاهوتيّة، ومركزية الخطاب الذي يقوم على أسبقية الإيمان على المعرفة العقلية. لذلك لم يكن استقلال الفنّ عن العقيدة أمراً يمكن أن تتصوّره العقلية الدينية آنئذٍ. الأمر الذي أخصع التعبير الجماليّ ليكون شأناً حِرفيّاً، وجزءاً من الفرائض الروحيّة، ومن الإرشاد والتعليم الكنسي، مما استدعى غياب وظيفة الفنّ الجمالية، ومتعة التلقي، وغض النظر عن إضافة اسم الفنَّان على العمل التصويريّ، كما هو الحال في «دفن ضحايا الطاعون» في مدينة تورناي.

نُفِّذ العمل في القرون الوسطى المتأخّرة، التي خبرت المجاعات والأوبئة، واندلاع الحروب الأهلية مراراً؛ وقيام انتفاضات اجتماعيّة هنا وهناك؛ إضافة إلى شيوع ما يعرف بالهرطقة الدينية. وأدَّى العدد المنخفض نسبياً للمصابين بوباء الطاعون بين اليهود، إلى تحكّم ما يعرف اليوم بـ«نظريّة المؤامرة»، وعمل ذلك على اتهام اليهود بتسميم الآبار وتلويثها بالطاعون عمداً، وفي أحسن الأحوال اعتبر وجودهم تجسيداً للشرور بين الساكنة «المؤمنة»، فتعرَّضوا للملاحقة والاضطهاد الأوروبي حينئذٍ.

حافظت الكنيسة على الانفعال الروحي المشبوب باستمرار، وكان من أهم ردود الفعل على جائحة «الموت الأسود»، بث عقيدة هروبية من العالم، فاصطبغ الفنّ بالروح الدينيّة. وبالعودة إلى رسم «دفن ضحايا الطاعون» نعثر على فضاء قبري، حيث لا شعائر ولا مظاهر دينيّة ولا دنيويّة، فنحن أمام الآلة الجهنمية للموت الخالص، حيث لا رحمة إلهية ولا شفقة بشريّة. ويكاد المتلقّي أن يشعر بانعدام الهواء في المنمنمة، مكان لا عمق فيه، ولا منظور، الخلفية مسطَّحة وزخرفية بحتة على بساطتها. وتبدو الصورة المؤطّرة كما لو أنها نعش هي الأخرى، ولا تواصل بين الشخوص التي تتصدّى لمُهمّة الدفن. والانفعال يتأتَّى من التكرار، ومن خلال الخطوط المتوازية للأجساد المنحنية، والحركة المبرمجة للشخوص، كذلك توازي التوابيت في قافلة تأخذ طريقها إلى الجبّانة. ويمكن ملاحظة الميل إلى التبسيط والتعميم، ومعالجة تصوير الجسم بطريقة تبدو فيها الشخوص أشبه بظلال، لا حجم ولا ثقل لها بسبب غياب المنظور. كما أن هناك عدم اهتمام بما هو ذاتي وحسي مميّز في الشخوص المصوّرة، بل تكاد تستنسخ نسخاً كما التوابيت التي تُحمل إلى اللحد. كلّ شيء ظاهر في اللّوحة، ومنجز بوضوح وبألوان فاتحة نسبيّاً، وتفوح من الرسم رائحة حلوليّة الموت، ونظرة سكونيّة ميتافيزيقية متعالية عن الحياة الدنيا، يتحوّل معها فعل الدفن لفعل صارم، لا إمكانية فيه للتحرُّك بحريّة، أو حتى النظر جانباً، ولا خروج فيه عن الانضباط أو الانتظام أو التكرار، ليقول بالترفع عن الأمور الأرضية الفانية، فموت الإنسان المادي يعني يقظة الإنسان الروحي المستقيم.

«عنبر الموبوئين» (1792).

كلّ ذلك يبرر سطوة الموت التي عمّت في أواخر القرون الوسطى، ويعثر على أفضل تعبير لها في الرسم الشعبي الموسوم بـ«رقصة الموت»، والذي أعيد رسمه مراراً وتكراراً في جميع أنحاء أوروبا. وفيها مشهدية غروتسكيّة لهيكل عظمي (مجاز الموت)، يدعو شخوص من فئات دينيّة، واجتماعيّة، وعمريّة، متنوِّعة للرقص معه حول أحد القبور. تتغيا الصورة تذكير البشر بأنهم سواسية في الموت، بأن مسرات الحياة الدنيا ومباهجها إلى زوال، وعلى الجميع الاستعداد للموت الكوني. ومن شدّة تأثير فكرة «رقصة الموت»، فإنها كانت عابرة الأشكال والأجناس الأدبيّة والفنيّة، وتجلّت في التصوير والحكاية والشعر والمسرح، وكانت تُؤدّى في العروض الدينيّة والاحتفالات التي كانت ترعاها الكنيسة مثل عيد الفصح. ومن بين العدد الهائل لتصاوير هذه الرقصة القبرية، أذكر الرسم القوطي الذي أنجزه عام 1493م الفنَّان الألمانيّ ميكائيل فولغيمون (1434-1519)، معلم الفنَّان آلبرخت دورِر. وفيها احتفالية تكاد تكون متهكّمة يفيض منها حسٌ ساخر، يتحدّى نزيف الموت في التصاوير الكنسية بالتآلف الهزلي مع الموات. يُراعى في رسم الهياكل العظمية محاكاة الواقع، وتبدو كما لو أنها رقصة أحياء يتلبَّسهم الموت الذي يحتفون به. وفي العصر الحديث ماتزال «رقصة الموت» تُؤدَّى في الكرنفالات التي يتواشج فيها الدينيّ مع الدنيويّ في وحدة لا تنفصم، وفي معرض الحديث هنا نتذكّر معاً فيلم «الختم السابع»، الذي اقتبس فيه انغمار بيرغمان «رقصة الموت» كي يسدل الستار على الحبكة الفلميّة.

في عام 1411م، وتحديداً في الكتاب المُقدَّس المعروف بمخطوطة Toggenburg (سويسرا)، وتعرف بـ«الوباء في مصر في مخطوطة الكتاب المُقدَّس في توغينبروغ»، نعثر على منمنمة تتناول الطاعون الأسود، وفيها ينقلنا فنَّان مجهول الهويّة إلى حجرة منزلية، يستلقي فيها رجل وامرأة على فراش المرض، ويرافقهما شخص يبدو أنه طبيب يقوم بتعطير الهواء، فقد كان يعتقد بأن الطاعون ناتج عن الهواء الفاسد أو الأبخرة السامة. تبدو المنمنمة أقرب إلى الصورة التوضيحيّة حول الأعراض السريريّة للمرض، رغم أنها مندرجة في الكتاب المُقدَّس، كي تشير إلى الوباء السادس في مصر الفرعونيّة، والموصوف في سفر الخروج (9: 8 – 9). ومن الواضح، أن الفنَّان استمد المادة الخام لمنمنمته من سياق عصره، وواقع الموت الأسود المنتشر في أوروبا. ومن اللافت للانتباه أن المصابين في المنمنمة، على ما يبدو، يشعران بالحمى، الأمر الذي يبرِّر كشف أجزاء من بدنهما من تحت الملاءات في الرسم، وبجسد طافح بالدمامل والبُثور (الطاعون الدبلي). من جانبٍ آخر يلاحظ أن الطبيب المعالج لا يرتدي أي لباس واقٍ خاص، فالمعرفة الطبيّة لم تكن قد توصلت إلى علاج الطاعون، واقتصرت على تشخيص المرض واللجوء لوصفات سحريّة ورجاءات إعجازيّة. وفي معرض الحديث هنا نذكر أن استخدام الزي الواقي المُميّز لأطباء ومعالجي الطاعون لن يتحقَّق إلّا في القرن السابع عشر كما سنرى لاحقاً. بيد أنهم في هذه المرحلة كانوا يتمتعون بأهمّيةٍ كبيرة، وتمّ منحهم امتيازات خاصّة، وسُمح لهم بإجراء عمليات التشريح للبحث عن علاج للوباء، ذلك أن هذه العمليات كانت محظورة في عموم أوروبا القروسطية.

في عام 1499م أنجز الفنَّان الهولنديّ المُولد «جوزي ليفيرنكس Josse Lieferinxe»، لوحة «القديس سيباستيان يتوسط لدى الرب في إحدى الأوبئة». لا يعرف الكثير عن حياة جوزي ليفرينكس، باستثناء أنه مارس الرسم في جنوب فرنسا في أواخر القرن الخامس عشر، واختصّ بإنجاز لوحات مُصَلَّيات ومذابح الكنائس والأديرة. ولوحته المذكورة نفذت لتزيين المذبح المُخصَّص للقديس سيباستيان في إحدى كنائس مرسيلية.

كان القديس سيباستيان، الذي يُشار له في العنوان، ضابطاً رومانيّاً شاباً، استُشهد رمياً بالسهام في عهد الإمبراطور ديوكلتيانوس للدفاع عن إيمانه المسيحيّ. وربطت سيرة القديس مع الوباء في القرن السابع، أثناء تفشي الوباء في مدينة بافيا الإيطاليّة، حيث تقول سيرة القديس الكنسيّة، إنه تمّ العثور على رفاته حينها، فنقلت وكرمت بدفنها في إحدى الكنائس، الأمر الذي تمخض عنه توقّف الوباء للتو بأعجوبة. وما أن ذاعت هذه السردية الكنسيّة، حتى تمتّع القديس بشعبيّة كبيرة في إيطاليا، ومنها في جميع أنحاء أوروبا مع انتشار الأوبئة، لدوره الإعجازي في إنهائها على اختلافها وتنوّعها وتلوّنها وشدّتها.

وفقاً لجماليات الفترة التي أنجزت فيها اللّوحة، يظهر القديس سيباستيان في الجزء السماوي من اللّوحة، وقد غطت جسمه السهام التي تستدعي استشهاده وتحديد هويّته. يركع القديس في حضرة الرب، ليتوسَّط ويتوسَّل من أجل إنهاء الوباء. في الأسفل مباشرة، تدور المعركة المجازية، التي توجز علّة الوباء بمقتضى الرؤية الدينيّة القروسطية، ألا وهي المعركة بين الخير والشر، ذلك أن العقيدة المكرسة وقتئذٍ اعتبرت أن الأوبئة هي نتاج الانزياح عن الصراط الكنسي، وبالتالي فهي عقاب إلهي. ولكن في الوقت نفسه، تُترك فسحة أمل من خلال العودة إلى الإيمان والتطهر والاستقامة لإنهاء العقوبة المفروضة. 

كالعادة في هذا النوع من التصوير، يحتلّ الجزء السفلي الدنيويّ القسم الأعظم من الرسم، ويتوافق في اللّوحة مع مدينة أفينيون الفرنسية أثناء إصابتها بوباء الطاعون. ويركّز على العمل الذي يقوم به الرجال في نقل جثامين الضحايا. ويهب الفنَّان حسّ الزمن المُتحرّك بكيفية توظيف المنظور، الذي يكسب المكان عمقاً، وبعداً ثالثاً يقسّم أرجاء المدينة إلى داخل السور، ثم باب المدينة، فخارج السور، حيث يجري الدفن في البعد الأقرب من المشاهد.

ترصد عين المتلقي تحرُّك الزمن، مع تحرُّك الموكب الدائم من الجثث، بفعل توافدها وتدفُقها في أبعاد الرسم المُتتابعة. لنلاحظ معاً، في خلفية المشهد الأعمق (داخل السور)، يمكن تمييز رجلين يجران جثة ملفوفة بالكفن، ومن ثمَّ في وسط التكوين، تحت قوس مدخل المدينة، تُرى عربة محملة بالجثامين، وفي مقدّمة اللّوحة (خارج سور المدينة) يتمُّ إلقاء جثة مكفنة في مقبرة جماعية، أودعت فيها جثث سبقتها للموت، ويقع هذا المشهد الذي يحتلّ معظم اللّوحة عند تخوم كنسية أو دير، حيث يجري الكهنة مراسم دينيّة. وفي الطرف المقابل حشد بشريّ مكتظ يعطي فكرة عن السلوكيات البشريّة المختلفة، ورود أفعالها الكونية وهم يواجهون الكوارث: الدهشة، أو الفزع، أو الهستيريا أو اليأس والتسليم.

كما أن الفنَّان يعمد إلى تأكيد حركة الزمن، والإحساس بسيرورته في لحظة فاصلة بين الموت والحياة، فقبل أن يودع أحد الحمّالين (اللحّاد) الجثة في القبر، يسقط فريسة للوباء، يدل على ذلك ظهور دمل أسفل الرقبة، وهي خاصية نموذجية للعدوى التي يسببها الطاعون الدبلي. كلّ ذلك يستدعي أن ينقّل المتلقي بصره في هذا الموكب الزمني، كشاهد ومشارك فيه معاً. وبذلك، نكون مع أوّل الخطو نحو الإيهام التصويريّ، أي نحو تداخل الواقع الفنيّ الجماليّ مع الواقع العياني التجريبي؛ إيهام سيكون له النصر جماليّاً في أَوْجِ عصر النهضة.

من جانب آخر، إن توسط القديس سيباستيان لدى الرب لرفع بلاء الطاعون، لا يعني أنه الحامي والشفيع لمرضى الوباء، ذلك أن الكنيسة منحت هذه السمة للقديس روش. يعرف القديس روش المولود في مونبيليه الفرنسية في القرن الرابع عشر. وتشير سيرته الكنسيّة إلى رحلة حج إلى إيطاليا، كرس فيها نفسه لمساعدة المصابين بالطاعون، فأصيب هو نفسه ومن ثمَّ تماثل للشفاء بعد أن أطعمه كلب بالخبز الذي أخذه من صاحبه. لذلك يمكن التعرف عليه في الرسم بزي الحاج الذي يرتديه والكلب الذي يرافقه. ويمكن أن تلمس قدسيته في لوحة «القديس روش شفيع ضحايا الطاعون» (1623)، للرسَّام الفلامنكي بيتر بول روبنس (1577 – 1640). في اللّوحة ينقل روبنس المتلقّي، إلى اللحظة الحافلة الحاسمة آن توسيم القديس روش شفيعاً. 

يحافظ الفنَّان على التوازن الكلاسيكيّ في توزيع مكوِّنات الرسم، ويعتمد هرميّة شكليّة مضمرة في التكوين. في المستوى الأعلى من اللّوحة، ترى الشخصيات الرئيسيّة فوق منصة، أشبه ما تكون بالركح المسرحي: المسيح إلى اليمين، ملفوفاً في قماش قرمزي، وهو ينحني نحو القديس، بينما الملاك إلى اليسار يحمل قرطاساً كُتب عليه باللاتينية: «أنت شفيع المصابين بالطاعون» Eris in peste patronus؛ بينما القديس روش، وكلبه إلى جانبه، راكعٌ بينهما، يلتفت برأسه وجسمه نحو السيد المسيح.

في المستوى الأدنى من اللّوحة، يشحن الرسّام الانفعال، ويشدّد دراميّة المشهد في ست شخصيّات تومئ إلى معاناتها، وتتوسّل طالبة الحماية والشفاعة من القديس. هكذا، قدَّم روبنس مشهداً يومياً، يقوم على وحدة الموضوع والمكان، مشهداً لا يترفّع فيه العلوي عن النزول والاقتراب من الدنيوي.

أما في لوحة «ساحة السوق في نابولي أثناء الطاعون» (1656)، للفنّان الإيطالي «دومينيكو غارجيولو Domenico Gargiulo» (1609-1675)، الرسّام الباروكي بامتياز، الذي اشتهر برسم المناظر البانورامية للمدينة، حتى أن رسومه تحمل بعداً توثيقيّاً لكثير من أحداث عصره، وتهجس برسم الحشود البشريّة. وفي اللّوحة ينقلنا الفنَّان إلى سوق نابولي، الحيز المكاني الذي يلخص انهيار التجارة، وسوق العرض والطلب في المدينة، وقد استحال إلى ساحة يتمسرح فيها الموت في مشهديّة كارثيّة مروّعة.

تتنوّع مكوّنات الحشد البشريّ المديني في السوق اجتماعيّاً، وجنسيّاً، وعرقيّاً. ويعكس العمل مخاوف وآلام السكّان وفجيعتهم. بعض الأصحاء يحاول مساعدة المرضى، بينما يحاول الآخرون إزالة الجثث المُتكدّسة، ومن اللافت للانتباه أن البعض منهم يغطي الأنف والأفواه بقطع من القماش، بسبب الاعتقاد أن الجثث تنقل العدوى. وكما هو مألوف في الفنّ الباروكي الذي لا مجال للفراغ فيه، تمتلئ ساحة السوق بالتفاصيل التي تتمحور حول الخطيئة والموت، ومع ذلك، ورغماً عن الكارثة، هناك دائماً بارقة أمل، كما يظهر في الجزء العلوي من التكوين، حيث تتوسَّط شخصيّة نيابة عن السكّان لرفع البلاء.

عند هذا المنعطف الكونولوجي، سوف أتطرّق إلى النقش النحاسي المعنون «طبيب الطاعون» (1656)، الذي يرجّح أنه من إنجاز النقّاش والناشر الألمانيّ «بول فورست Paul Fürst» (1608-1666). وظهر الرسم مرافقاً لقصيدة ساخرة تهكميّة، مكتوبة باللاتينية والألمانيّة. وفيه ينتصب الطبيب بقامته محتلاً الرسم بالكامل، وفي العمق الخلفي تلوح مدينة، وأشخاص يفرّون من أمام طبيب بزيه المُميّز حين التعامل مع مرضى الطاعون. تتكوّن البدلة الواقية من الوباء، والتي لا تختلف مبدئياً عن البزة المُستخدَمة في الأوبئة المُعاصِرة، من جبّة سوداء منسوجة من قماش سميك تمَّ تشميعه، وقفازات وقبعة من الجلد نفسه، وقناع مزوَّد بعدستين بلوريتين لتغطية العيون، وأنف على شكل منقار مخروطي له فتحتان، ويُحشى عادة بالنباتات العطرية والقش والتوابل، ويوظَّف ككمامة لتحمُّل الروائح العفنة. وبسسب هذا الأنف المنقاري في القناع عُرف الطبيب شعبياً بـ«Doctor Schnabel»، ومعناها الحرفي «الدكتور منقار». يحمل أطباء الطاعون عادةً قصبة طويلة تساعدهم في فحص وتحريك الموبوئين دون الحاجة إلى لمسهم والاتِّصال المُباشر معهم كما هو جلي في الرسم. وقد استخدم اللباس الواقي لأوّل مرّة في نابولي عام 1620، ومنها انتشر لعموم أوروبا.

«دفن ضحايا الطاعون» 1349م

من كلّ ما سبق، نصل للقول إلى أن المصابين بالوباء في التاريخ الأوروبيّ، لم يكونوا سواسية فنيّاً من حيث توفر «العناية الإلهية» أو الرعاية الصحّية؛ بل وجد من شكّل هامش الهامش في التاريخ الفنيّ باستمرار. مع هذه الفكرة نكون قد اقتربنا من لوحة فرانثيسكو دي غويا (1746 – 1828) الموسومة «عنبر الموبوئين» (1792). ينقلنا الفنَّان الإسباني إلى مطرح داخلي كهفي بارد في مشفى مفترض، أو عنبر مخصّص للمصابين بوباء لا يأتي على تحديده، ويصوّرهم، على اختلاف فئاتهم العمريّة والجنسيّة، ضحايا العزلة والتخلّي المؤسف، وقد تراكموا في العنبر المقبب، وتكدَّسوا مع وحدتهم ليواجهوا فظائع المعاناة والاحتضار والموت. ويتفاقم الانفعال في اللّوحة، مع محاولة أحد المصابين مساعدة آخر بإعطائه شربة ماء، أو لمسة عزاء وسلوان (أو عساه فرد آخر من الهامش، خاطر بحياته وآثر تقديم العون)، وأنوفهم مغطاة كي تتحمّل الرائحة الدفراء للأجساد العفنة.

يعكس الفنَّان في تكوين اللّوحة مناخ الحبس القمعي، لما يُدعى الحجر الصحي في زمنه، حيث يتمُّ إقصاء أفراد الفئات الشعبيّة من المُتضررين إلى مكانٍ قذر، ويقطع اتِّصالهم مع العالم الخارجي. نحن أمام سجن يكثّف معنى عذاب هذه الجماعة، سواء الجسدي الذي يتعرّضون له بفعل الوباء، أم العاطفي بسبب فقدان الرجاء الدنيويّ والشفيع السماويّ، فكلاهما غائب عن الحضور في هذا العنبر، ما من شيء يعلن الحضور من الخارج، أو الماوراء، باستثناء ضوء غبش يخترق النافذة يكثّف معنى الخارج النائي القصي، على حساب ترميز أمل بارق. تتبدّى لوحة غويا، التي ينسرب من مشهدها معنى الوحدة، والهجران والإحباط والفزع واليأس، على طباق مع لوحة روبنس السابق ذكرها، حيث العناية الإلهية الرحيمة والشفاعة، منبثة في العالم وغير منقطعة عنه. من هنا يبدو التشاؤم اللامتناهي على مصير مرضى غويا السجناء.

من تصوير الهامش عند غويا، ننتقل لخطاب المركز الجماليّ الذي تعكسه لوحة «زيارة بونابرت لضحايا الطاعون في يافا» (1804) للفنَّان أنطوان جان غروس (1771 – 1835). تصوّر اللّوحة زيارة نابليون للموبوئين من أفراد جيشه في مدينة يافا (عام 1799)، وتندرج ضمن الكلاسيكيّة الجديدة التي كرّست كمدرسة تصويريّة مع انتصار «العقل»، وتحديداً مع تبني نابليون للمدرسة الكلاسيكيّة الجديدة كممثّلة رسميّة للثورة، بعد إنجاز جاك لوي دافيد لوحته «قسم الأخوة هوراس» (1784)، على اعتبار أن هذه المدرسة الفنيّة صالحة لتمثيل الأيديولوجيا القائمة على فكرة السُّلطة المركزيّة. ومن جانب آخر، يقود التمعُّن في غائية لوحة غروس (تلميذ دافيد) إلى القول بملاءمة تصنيفها تحت الفنّ الاستشراقي بامتياز.

عرض غروس لوحته في المعرض الفنيّ لعام 1804، فلاقت استحساناً من قِبل أصجاب الرأي والمشورة من النُقَّاد، ممّا أدّى للاعتراف به كفنَّانٍ مكرس. ولذلك ليس بمستغرب أن يكلف من قبل نابليون لتصوير واقعة مهمة، يُقال إنها جرت أثناء الحملة على مصر.

يشكّك المُؤرِّخون بحدوث الواقعة كما تصوِّرها اللّوحة، من ناحية محاذاة بونابارت لضحايا الطاعون، ومدّ يده بدون قفاز ليتلمس خراج أحدهم، غير عابئ باحتمال انتقال العدوى له، ويُقال إن عدداً من جنرالات الجيش ممَّنْ أتى على كتابة مذكراته وتوثيق الحملة ينفي الواقعة جملةً وتفصيلاً، والبعض الآخر يكتفي بأن نابليون مرّ مرواً خاطفاً من المكان المُخصَّص للحجر الصِّحيّ ولم يتوقَّف عنده. وللتعرُّف على أهمِّية إنجاز اللّوحة في سياق تلك المرحلة، لابدّ من الإشارة إلى أن نابليون كان يثبت سلطته في الجمهورية الفرنسيّة، بغية القيام بانقلاب عليها، وتحويلها إلى إمبراطورية (1804) تهدف إلى التوسُّع الاستعماري.

في ذلك الوقت كانت سمعة نابليون بونابارت قد انتابها بعض التآكل في الصحافة الفرنسيّة، إثر هجوم الصحافة الإنجليزيّة المُعادية له، بسبب سلوكياته العسكرية في الحملة على مصر، ومن ثَمَّ هزيمته.

من هذه السلوكيات المُشوِّهة لسمعته كقائدٍ عسكريّ، وكما أثبتت بعض السير التي تناولت نابليون، الأوامر التي أصدرها نابليون بحق قتل الأسرى من حامية يافا (يُقدَّر العدد بحوالي 3000 أسير) لعدم قدرة الحملة على توفير الرعاية والغذاء لهم فضلاً عن تكاليف الحراسة.

كذلك مع استئناف الحملة، وضرورة تحرُّكها بعد مرحلة احتلال يافا، تؤكّد الكثير من المراجع أن نابليون طلب من الأطباء المرافقين لقواته المسلحة، دسّ السم (الأفيون) للجنود المرضى بالطاعون، كي لا يشكِّل وضعهم الصِّحيّ عائقاً أمام تقدُّم الحملة. كثير من المُؤرِّخين لا ينفي هذا الأمر، ويطلق عليه ما يُسمَّى في راهن اليوم بـ«القتل الرحيم». وفيما يبدو أن بعض الناجين من هؤلاء والمتروكين في يافا، وقعوا في يد القوات الإنجليزية لاحقاً، وأسرُّوا بما حصل معهم، وانتشر الخبر في الصحافة الإنجليزية. لهذا كلّه، كان نابليون يودُّ أن ينظّف سمعته المتردّية بعد الحملة على مصر، وأثناء الانقلاب الإمبراطوري، وخير أداة عثر عليها كانت الفنّ؛ فنّ السُّلطة.

يستدعي الرسَّام العمارة الأندلسيّة بأقواسها المُميّزة، ويغيب الطراز الإسلاميّ المعروف في فلسطين حينئذٍ. ربَّما لمعرفته بالآثار الأندلسيّة، أو لأن ذلك كان ينسجم مع إعادة اكتشاف الأندلس التاريخيّة، وأسطرتها، واستعادة انهيارها في السرديّات الكبرى الأوروبية في القرن التاسع عشر. في اللّوحة؛ يموضع الفنَّان المشهد في حرم مسجدٍ تدل عليه مئذنته، وقد استحال إلى مشفى ميدانيّ مرتجل، أو بالأحرى مكان للحجر الصِّحيّ. في الخلفية، تتبدَّى أسوار المدينة التي تهدَّم أحد أبراجها، بينما يرفرف العلم الفرنسيّ فوق إحدى أعاليها الراسية قرب دخان متصاعد. ومن جهةِ اليمين يمكن تمييز مرفأ المدينة الاستراتيجيّ بالنسبة للقوات الفرنسيّة.

يعلّم الفنَّان الفضاءات السينوغرافية في اللّوحة باستخدام نور يغمر قسماً منها، وظلال تخيّم على القسم الآخر، ويموضع بونابارت في مركز اللّوحة المنار، مع المصابين بالوباء، وجنرالاته الذين يغطون أنوفهم من رائحة تزكم الأنف. في الجزء المغمور بالضوء تصوِّر أجساد الموبوئين بمراعاة المعيار المثاليّ الأكاديميّ، وتعلن أبدانهم العارية عن نفسها، بعضلاتها المتبدية، كمنحوتاتٍ رومانية، على العكس من أجساد المصابين المتواجدين في الجزء الذي يخيّم عليه الظلّ، قرب الشخوص العربيّة التي توزِّع الخبز، أو الزنجيين اللذين يعينان على نقل الجثث (على الأغلب يريد الرسّام بهما الإشارة إلى العبودية في«الشرق»). على هذا النحو، يغرق كلّ ما هو متواجد في الظلّ تدريجيّاً في عتمة دامسة الأمل، حتى الغياب في الموت.

يقدِّم غروس شيخاً، أو طبيباً عربيّاً، يأخذ عيِّنة من القيح بخدش دملة المُصاب، كإشارة منه لاستخدامه كلقاح لبقية أفراد الحملة (يأخذ المرء القيح من المريض ويتمّ إدخاله في دم شخص غير مريض). ولكن تاريخ استخدام اللقاح يدل على أن هذه الطريقة لم تكن مستعملة سنة 1799، الذي صادف زيارة بونابارت لمصابي يافا، كما تشير اللّوحة، ولم يكن الأطباء المُرافقين للحملة على مصر على علم بها آنئذٍ، ولم يعمل بها في فرنسا إلّا عام 1800، لمحاربة الطاعون.

ينتصب بونابارت في مركز التصوير، كما لو أنه المحراب الذي تتوجَّه له اللّوحة ضمنيّاً كمعارضة استشراقيّة للمسجد. يشاهده المتلقّي وقد خلع قفازه؛ وباقدام،ٍ ودون خشية يلمس دمل الجندي المريض في إبطه، على نحوٍ معاكس لتهيُّب وخشية ضابطيه المُرافقين، اللذين يحاولان إبعاده عن الاتِّصال بالمريض، لتجنُّب تعرُّضه للعدوى. من وجهة النظر هذه يعلن نابليون عن نفسه كقائدٍ شجاع مغوار في ظاهر اللّوحة، ويستبطن فعله، استخصار الاعتقاد في العصر البائد قبل الثورة الفرنسية، بالقدرة الشفائية وبركة لمسة الذات الملكيّة، ولا ننسى هنا أن نابليون كان يحضِّر نفسه للقب الإمبراطور..

مع هذه اللّوحة، حقَّق غروس نجاحاً ملحوظاً، وأثبت نفسه كرسَّام يدور في فلك السُّلطة. وأثارت اللّوحة ضجة كبيرة في وقت عرضها في باريس، وأثنى عليها الفنَّانون والنُقَّاد، وأشادوا بمحاكاتها للواقع، وسلامة الذوق السليم فيها، والصدق في التصوير، وتوثيق حقائق الشرق. مع كلّ ذلك، لا يجانب الصواب القول إن اللّوحة هي التعبير الأصدق عن كيفية استخدام الفنّ عامّة، وموضوعة الوباء خاصّة، في الدعاية والبروباغاندا المُكرّسة لعبادة الفرد القائد الإمبراطور.

بالانتقال إلى نهاية القرن التاسع عشر، نتوقّف عند لوحة «الطاعون» (1898)، للفنَّان السويسري «آرنولد بوخلين Arnold Böcklin» (1827-1901). يعبِّر الرسَّام بأسلوبه الرمزيّ المفرد الذي عرف به، عن كابوس الوباء المتواشج مع الموت. تظهر في اللّوحة بلدة، يتحدَّد دربها الرئيس باستخدام المنظور، بيد أنه منظور لا ينتهي عند نقطة التلاشي الهندسيّة المعروفة، بل يتلاشى هو نفسه في ضبابة بيضاء، أو غبشة غير واضحة المعالم، أو عماء عدمي السيمياء مجهول الماهية. وعلى هذا الدرب الحضريّ يجسِّد الفنَّان الوباء كمخلوقٍ خرافي، هو مزيج من الخفاش والتنين (لنقل تنين وطواطي)، يخبط خبط عشواء، ويمتطيه الموت بمنجلة، على نحوٍ يعاكس اتجاه الحركة الوطواطية.

يتقدَّم الخفاش التنيني مع الدرب والزمن، بينما الموت يطال مَنْ تبقى على الطريق حيّاً. تغمر اللّوحة الألوان الطبيعيّة خاصّة البني الترابي، ويترك الرسَّام الأسود الداجي لرداء الموت وجسد الخفاش (الوباء)، والأسود المخضر لجسد الموت (لون التعفن)، والأبيض الملوث للعماء في العمق، والأبيض الناصع لفستان العروس في مقدِّمة اللّوحة (رمز الطهارة)، واللون الحيويّ الوحيد يتركه للمرأة التي كبت على وجهها، وقد انسدل شعرها الفاحم. ومن اللافت للانتباه أن الرسَّام لم يحدِّد للموت ملامح تشير لماهية جنسه، لا هو بأنثى ولا بذكر، هو ما هو، يتموضع إلى ما وراء المرئي ويتستر بالرمز.

على هذه الشاكلة، فإن حركة الموت، الفارس الذي يمتطي الوباء، تغزو اللّوحة بأكملها، بيد أن حلوليّة كابوسيّة تلفّ المشهد بسكونيّة مُطلَقة، ولا يمكن التكهن بما هو خلف الضبابة. ويبقى السؤال، هل كان الفنَّان يساجل فكرة التقدُّم المُنتصرة في عصره؟

مع لوحة «الوباء» لآرنولد بوخلين، تتوقَّف سطوري التي أتقاسمها مع القارئ، وأنا أكتب في الحجر الصِّحي، بينما الوباء أضحى حاضراً كونيّاً يحيق بنا أجميعن… عسى أن تكون في التجربة عظةٌ نحو عالمٍ أكثر عدالةً ومعرفةً وحسّاً إنسانيّاً!

«كورونا» الذي يُعيد «تربية» العالم 

لربَّما من السابق لأوانه، الدخول في محاولة لاستخلاص الدروس والعبر من رعب كورونا «السائل»، لربَّما من غير المنطقي، الحسم في مآلات الوضع المربك والمخيف الذي نختبره آناً، ومع ذلك لا بأس أن نجرِّب القراءة ونهفو إلى تلّمس الخلاص. الأمر جلل والموقف عصي على الفهم والتأويل، فالعالم الذي كان مطمئنا إلى يقينياته واعتقاداته المتصلّبة، بات غائصاً في حيرة كبرى، وكأنه يجرب دهشة البدايات وقلق النهايات كما في العود الأبدي، فلا حقيقة تصمد ولا معنى يُؤَوِّل ويُؤَوَّل، فقط هو «اللايقين» ما يشمخ عالياً في كلّ المسالك والمتاهات، فقط هو الضعف والخوف والمرض والموت، ما يعيدنا إلى الصفر ويدفعنا نحو المجهول.

لا الحكومات التي أدمنت طويلاً «البلطجة الدولية» والاستبداد السياسي، في الشمال أو الجنوب، استطاعت أن تتغلَّب على هذا العدو اللامرئي، الذي ينتشر سريعاً ولا يبقي ولا يذر. ولا الحكومات التي أدمنت «التبعية» أو «الأنفة وعزة النفس» استطاعت بدورها أن تتحرَّر من لعنة كورونا، وتبقى في حِلٍّ من «رعبه» و«ترعيبه»، فالفقراء كما الأغنياء، المشاهير والمغمورون، آل الشمال وآل الجنوب، الكلّ بات خائفاً من الجائحة، ومُوقِناً بأن رساميله الرمزية والمادية لن تمنع عنه «الوباء السائل».

فجأة توارت عن قصاصات وكالات الأنباء ومسائيات الإذاعة والتلفزة أخبار داعش وقفشات ترامب وتداعيات بريكسيت وثورات الربيع، تراجع كلّ ذلك إلى الوراء، ليصير خبزنا اليومي هو فيروس كورونا القاتل، نداعب شاشات الهاتف وأزرار الريموت كونترول، بحثاً عن أعداد القتلى والمصابين في الهنا والهناك، ونتطلَّع إلى أخبار تُبشّر باكتشاف اللقاح، نَتَنَدَّرُ حيناً بِنُكَتٍ للضحك والتهوين من الواقعة، أو ننخرط خطأ في مسارات التهويل والرفع من منسوب الذعر جراء تقاسم بعض الأخبار الزائفة أو الصادقة.

يبدو أنه «وباء مُعَلِّمٌ» جاء ليضع الإنسانية أمام ضعفها المتأصّل، ليذكّرها بألا شيء يمكن التحكّم فيه، وأن للطبيعة منطقاً آخر، و«رياضيات» أخرى، لا تخضع لقوانين السوق ومتاهات الحداثة المفرطة، جاء لِيُعْلِيَ من فرضية «سردية الرعب المعمم»، حيث قلق الموت ينتصر على قلق المعنى، وحيث غريزة البقاء تحاور غريزة الموت، وتفاوض بشأن التجاوز والانتصار على فيروس، يعبث بالأبدان والأرواح والاقتصاديات ويقودها قسراً نحو أحلك الاحتمالات.

لقد تحوّل العالم إلى محجر صحي كبير، وانسجن الأفراد تحت ضغط الجائحة في منازلهم، وتوقَّفت دورة الإنتاج في كثير من المصانع والإدارات، وباتت البِيَّعُ والكنائس والمساجد، توصد أبوابها في وجه المصلين، فمن كان يعتقد يوماً أن يصير الحرم المكي فارغاً؟ وأن تنتهي السعودية من منح تأشيرات العمرة؟ من كان يعتقد، يوماً، أن تصير المطارات والفنادق والمزارات السياحية بلا مسافرين وزائرين؟ من كان يتخيّل أن تصير فينيسيا «البندقية»، مدينة الحبّ والجمال، خاوية على عروشها؟

إن سردية الرعب المعمم نابعة أساساً من خطاب التهوين أو التهويل الذي رافق الفيروس منذ ظهوره الأول في إقليم ووهان الصيني، فلم تَنْتَهِ الآلة الإعلامية، ولو من غير قصدية مباشرة، من بث القلق والذعر في نفوس المواطنين في أكثر من سياق، مثلما لم تنته قنوات التواصل الشعبية من إنتاج النكت والشائعات والأخبار الزائفة بصدد الفيروس، ليتدخَّل «تجار الحروب وأثرياء الأزمات»، لصب مزيد من الزيت على النار، باحتكار السلع وتوجيه المستهلك نحو سُعار الشراء والتخزين استعداداً للأسوأ، كلّ ذلك كان سبباً رئيساً في تعميم الرعب والهلع وفتح علبة شرور العالم من جديد.

الفيروس فعلها، وأعاد كلّ شيء إلى الصفر، أعاد الإنسان إلى سردية الرعب الممتدة عبر الأزمنة، والتي دعته في حالة «حرب الجميع ضد الجميع» إلى الاحتماء بالسحر والمعتقد والخيال لمواجهة ظلام الجهل والمرض وباقي الشرور. كورونا فعلها وأعاد الإنسان إلى ضعفه وعجزه، فلا يجد بدّاً من الاختباء والامتناع عن اللقاء بالآخر. إنه الفيروس الذي يعيد بناء المسافة الاجتماعية ويعمل في الآن ذاته على تحيين أو تهجين الرابط الاجتماعي. ففي لحظات الخطر تلوح الحاجة إلى الشبيه، لمواجهة عنف المتوقّع واللامتوقّع، فكيف يستقيم الأمر في ظل فيروس يقتضي التباعد لا التقارب؟ هنا يشتغل الرمزي بدرجة أعلى وتصير المسافة «صحية/احترازية»، مع عودة دالة إلى الذات والآخر، في أشكال تضامنية وحدوية لمواجهة الخطر، بل وحتى في مستوى أشكال عدوانية تعلن انتصار الأنانية والجشع والاحتكار. وهو ما لاح بقوة في التسابق نحو إدخار الطعام وإعادة ترتيب الأولويات.

لقد تنازل الفرد، مكرهاً، عن طقوسه اليومية، وانسجن، ضداً على رغباته، في بيته، مذعوراً من خطر محدق، قادم من لمس زر مصعد أو فتح باب أو مصافحة مريض، لم يعد ذات الفرد منشغلاً بالبحث عن الأسفار والرحلات الأَقلّ سعراً، أو مهووساً بالتمشهد الرقمي لحصد اللايكات وتسويق الذات، ما يهمه في سردية الرعب المعمّم هو البقاء وتلافي ممكنات العدوى والاعتلال.

لقد بات الهمّ الوجودي للأفراد والجماعات هو تخزين الطعام والتسابق نحو تأمين أكبر قدر من الدواء، وهو ما فتح الباب لظهور الأنانيات المستحكمة والفردانيات المعطوبة والهويّات القاتلة، وكأن الأمر يتعلَّق بهندسة اجتماعية جديدة أساسها التباعد الاجتماعي والإعلاء من شرط البقاء. فكلّ التعليمات الاحترازية توصي بضرورة الانتهاء من طقوس التحية والتقبيل والعناق، لصالح أشكال جديدة من «اليومي التواصلي»، تنبني على التباعد لا التقارب، وعلى الانفصال لا الاتّصال. وهو ما تعضده خيارات منع التجمعات العامّة وإغلاق دور العبادة والمطارات والمقاهي والمطاعم.

إنها مجتمعات الخطر والمخاطرة التي أهدتنا إياها النيوليبرالية المتوحشة، وقادتنا إليها التفكيكات والتذريرات المتواصلة للرابط الاجتماعي ولكافة أشكال وبنيات التضامن والتعاضد الجمعي، إنها ذات المجتمعات، التي تعرَّضت، ولأسباب تاريخية وسياسية واقتصادية صرفة، للمزيد من التهجين والمسخ والاحتباس القيمي، وأنتجت في النهاية «مسخاً إنسانياً» هشّاً، لا يصمد طويلاً أمام اختبارات الجوائح والأوبئة، بل يكشف سريعاً عن الجانب المخفق والبائس المتأصّل في أعماقه، يستيقظ فيه الوحش، ويموت فيه الإنسان.

رسائل/دروس الجائحة لا تنتهي، إنها تتجاوز المحلي إلى الكوني، وتتفوّق على كلّ السرديات الدائرة بغير انقطاع، لتعلن للجميع، وفي عتبة العتبات، أن الجائحة ديموقراطية، في استهدافها للدول الغنية كما الفقيرة، وللفئات المهيمن عليها، كما الأخرى التي تهيمن وتمتلك وسائل الإنتاج والإكراه، فهو فيروس لا يختار ضحاياه بسبب اللون أو الدين أو الانتماء المراتبي، مثلما هو الحال بالنسبة لمرض السل الذي يصيب آل القاع الاجتماعي من الذين يقيمون في سكن حاط بالكرامة، أو فيروس الإيبولا الذي استهدف مواطنين من إفريقيا الوسطى بالتحديد. هنا الجائحة تعلن أنها جاءت لتقول للجميع، بألّا واحدة من الدول الكبرى أو الصغرى بمقدورها التحصّن ضد الفيروس.

في عتبة ثانية يعلن الفيروس للجميع أن العلم هو مفتاح الفرج، وأن المراهنة على التفاهة ونجوم الكرة والغناء والبلاهة، لن تنقذ العالم من مصير الهاوية، فقط هو البحث العلمي ما قد يقود إلى اكتشاف اللقاح وتأمين المستقبل، وهو ما يكون قبلاً بالاستثمار في بنيات التربية والتعليم والصحّة. فالفيروس وضع الإنسانية مرّة أخرى أمام حقيقة القطاعات الحيوية التي أُهْمِلت بسبب توصيات المؤسَّسات المانحة والمُقرِضة، والتي توصي دوماً بوجوب تخلي الدولة عن الإنفاق العمومي لصالح الصحّة والتعليم وباقي القطاعات الاجتماعية.

ثمّة عتبة أخرى للفهم والسؤال المستفز، تنكشف من خلال تداعيات «حرب كورونا»، وهي بالضبط عتبة المصير المشترك، فالإنسانية تختبر اليوم، عبر سردية الرعب المعمّم التي أفرزتها وعززتها جائحة كورونا، تختبر أن الألم مشترك والمعاناة واحدة، وأن الخوف من المجهول يتسيّد الوضع، ويلقي بثقله على كلّ الديناميات والفعاليات الإنسانية، فالكلّ بات منشغلاً بعدد المصابين والمتعافين والراحلين تباعاً، في الصين وإيطاليا والمدينة الفلانية والحي الأقرب، لم تعد أهداف ميسي ولا مؤخرة كارديشيان تغري بالمتابعة على اليوتيوب، وتحقّق بالتالي أعلى أرقام «الطوندونس»، فقط هو الخوف من الاعتلال ما يشكل أُسَّ الانهمام ومَكْمَنَ الرهاب.

لقد أحدث كورونا، فينا ومن حولنا، فائق الارتباك وعميق الصدمة، لقد عَرَّانا من الداخل قبل الخارج، وكشف جروحنا النرجسية العميقة، وأعطابنا الاجتماعية والسياسية الثقيلة، وكشف، وهذا هو الأهمّ، خسائرنا القيمية الكبرى، في إنتاج «إنسانية جمعية» أو حتى «فردانية عقلانية» تدبر الأزمات العصيبة بمزيد من الحكمة والتبصّر والإيثار. لهذا يتوجَّب علينا الاعتراف بأن الإنسانية رسبت في هذا الامتحان العسير، وأن ما بشّرت به العولمة والحداثة وحوار الحضارات، وما إلى ذلك من «مفاهيم مسكوكة  وترحالية»، لم نجد له من أثر في قلب الإعصار، وتحديداً في الدول التي لم يُبْنَ فيها الإنسان، وتُرِكَ فيها منذوراً لأدوات «التضبيع» والتتفيه.

في الختام لا بدَّ من التأكيد على أن درس الدرس الذي يتوجَّب الخلوص إليه، من هذي الجائحة، هو البناء الحضاري للأمم والشعوب، عبر بناء الإنسان وجعله محور كلّ الاستهدافات التنموية، مع ما يوجبه هذا البناء من تعاقدات مجتمعية جديدة، ومصالحات ذكية بين الطبيعة والإنسان، وبين الإنسان والإنسان. فهذا الوباء المُعَوْلِمُ للألم والفزع والشر، سيغرس في ذاكرة الشعوب خبرات مؤلمة عن سوء التدبير والتعاطي مع الأزمات، وسيذكرها بأن ما حقّقته البشرية من انتصارات مزعومة على الطبيعة، وما بلغته من شأوٍ في باب المستحدثات التقنية، وأن ما كرّسته من قيم الاستهلاك واحتمالات الضبط والتوجيه، بات بلا معنى، أمام فيروس مجهري أصاب العالم في مقتل، وعمق من جرحه النرجسي.

ستدرك البشرية، ولو بعد حين، أن الحياة تستمر بالضروري من أساسيات حفظ النفس والحياة، وألا حاجة إلى العلامات الفاخرة لتأكيد التمايز الاجتماعي، وألا حاجة إلى «المؤثرين» من صنَّاع التفاهة والبلاهة، لصناعة الرأي العام، وأن ما يمكث وينفع الناس هو العلم/مفتاح الفرج.

إن الحجر الصحي الذي يختبره العالم اليوم، هو أشبه ما يكون بعودة مفروضة إلى الذات، في شكل خلوة تفكير وتغيير وتنوير، لإعادة اكتشاف الأنا والآخر، وإزالة السحر عن الوقائع والأشياء، فالمطلوب أن تصير هذه «الخلوة القسرية» عتبة تأسيساتية فارقة ومائزة لإعادة قراءة وتأويل الحال والمآل، عبر اكتشاف الذات في محدوديتها القصوى، بعيداً عن وهم التضخّم الهويّاتي.

لربَّما كان من الضروري، أن تصفع الجوائح، الإنسان من حين لآخر، علّه يستفيق وينتهي من «رأسمالية الكوارث»، فعالم ما قبل سردية الرعب الكوروني، كان غائصاً في بلطجة دولية فجّة، لم يكن معها يعير أدنى انتباه لِأُمِّنَا الأرض، ولا إلى تلوثها ونهبها وتدميرها الذي فاق كلّ المعدَّلات، كان منشغلاً فقط بالتحريض على الاستهلاك وتوطين قيم السوق والتفاهة. وها هو الفيروس يصفع الجميع، ويعيد الإنسان إلى عُريه وضعفه ودهشة البدء، فهل سيستوعب الواقعة والدرس؟ والتي تتلخّص في هكذا عبارة «ألا ما أضعفك أيها الإنسان».

جيمس وود..  فنّ المراجعة النقديّة

في‭ ‬مقالتي‭ ‬السابقة‭ ‬سعيت‭ ‬إلى‭ ‬لفت‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬جنسٍ‭ ‬أدبيّ‭ ‬يبدو‭ ‬شبه‭ ‬غائب‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬المُعاصِرة،‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يستأثر‭ ‬بالاهتمام‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحوزه،‭ ‬والمكانة‭ ‬النقديّة‭ ‬التي‭ ‬احتلها‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬المُعاصِر،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الأنجلوساكسوني،‭ ‬وفي‭ ‬الثقافة‭ ‬الأوروبيّة‭ ‬عامّة‭. ‬كانت‭ ‬المراجعات‭ ‬الأدبيّة‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬تحوُّلات‭ ‬النقد‭ ‬الأدبيّ‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأوّل‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬جذبت‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬النُقَّاد،‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬بعضهم‭ ‬يعمل‭ ‬خارج‭ ‬المؤسَّسة‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬وبعضهم‭ ‬الآخر‭ ‬يعمل‭ ‬ضمن‭ ‬تلك‭ ‬المؤسَّسة،‭ ‬للمساهمة‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬مراجعات‭ ‬للكتب‭ ‬الصادرة‭ ‬حديثاً‭. ‬وقد‭ ‬قرَّبت‭ ‬تلك‭ ‬المراجعات‭ ‬الأدب‭ ‬الحديث‭ ‬والمُعاصِر‭ ‬إلى‭ ‬الناس،‭ ‬وشكَّلت‭ ‬حلقة‭ ‬وصل‭ ‬بين‭ ‬المؤسَّسة‭ ‬الأكاديميّة‭ ‬والجمهور‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬قرَّاء‭ ‬الصحف‭. ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬أولئك‭ ‬النُقَّاد‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يكتبون‭ ‬تلك‭ ‬المُراجعات‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬والمجلّات‭ ‬البريطانيّة‭ ‬والأميركيّة،‭ ‬نالوا‭ ‬من‭ ‬الشهرة‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬ممّا‭ ‬ناله‭ ‬الأكاديميّون‭ ‬الذين‭ ‬اكتفوا‭ ‬بالبقاء‭ ‬خلف‭ ‬أسوار‭ ‬الجامعة‭ ‬يكتبون‭ ‬أبحاثاً‭ ‬شديدة‭ ‬التّخصُّص‭ ‬لا‭ ‬يقرؤها‭ ‬إلّا‭ ‬عددٌ‭ ‬محدودٌ‭ ‬من‭ ‬المُهتمين‭.‬

لكن‭ ‬رغم‭ ‬تقليص‭ ‬الصحف‭ ‬والمجلّات‭ ‬للأقسام‭ ‬الخاصّة‭ ‬بمراجعات‭ ‬الكتب،‭ ‬وغياب‭ ‬اهتمام‭ ‬كثير‭ ‬منها‭ ‬بهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتصدَّر‭ ‬ملاحقها‭ ‬وحتى‭ ‬صفحاتها‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬غابِر‭ ‬الأيام،‭ ‬فقد‭ ‬ظلّت‭ ‬بعض‭ ‬الصحف‭ ‬والمجلّات‭ ‬البريطانيّة‭ ‬والأميركيّة‭ ‬تهتم‭ ‬بنشر‭ ‬مراجعات‭ ‬مطوَّلة‭ ‬للكتب،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬مجلّة‭ ‬‮«‬لندن‭ ‬ريفيو‭ ‬أوف‭ ‬بوكس‮»‬،‭ ‬و«نيويورك‭ ‬ريفيو‭ ‬أوف‭ ‬بوكس‮»‬‭ ‬اللتين‭ ‬أشرت‭ ‬إليهما‭ ‬في‭ ‬المقالة‭ ‬السابقة‭. ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬هاتين‭ ‬المجلّتين‭ ‬المُتخصّصتين‭ ‬في‭ ‬مراجعات‭ ‬الكتب،‭ ‬وكذلك‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬الغارديان‭ ‬البريطانيّة‮»‬،‭ ‬ومجلّة‭ ‬‮«‬نيويوركر‮»‬‭ ‬الأميركيّة،‭ ‬برز‭ ‬اسم‭ ‬الناقد‭ ‬البريطانيّ‭ ‬‮«‬جيمس‭ ‬وود‭ ‬James Wood‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يُنظَر‭ ‬إليه‭ ‬بوصفه‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬ألمع‭ ‬مراجعي‭ ‬الكتب‭ ‬في‭ ‬عصرنا،‭ ‬وأكثرهم‭ ‬مقروئية،‭ ‬وأقربهم‭ ‬في‭ ‬نقده‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬تطوُّر‭ ‬النقد‭ ‬الأنجلوساكسوني‭ ‬الذي‭ ‬يهتم‭ ‬بتحليل‭ ‬النصّ‭ ‬والقراءة‭ ‬المُتفحصة‭ ‬السابرة‭ ‬للعمل‭ ‬الأدبيّ،‭ ‬والاهتمام‭ ‬بالتفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمسائل‭ ‬الجمالية‭ ‬التي‭ ‬تهملها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬تيارات‭ ‬النظريّة‭ ‬الأدبيّة‭ ‬المُعاصِرة،‭ ‬مركِّزةً‭ ‬بصورةٍ‭ ‬أساسيّة‭ ‬على‭ ‬الشروط‭ ‬السياسيّة‭ ‬والأيديولوجيّة‭ ‬والثقافيّة‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬النصّ‭ ‬ممكناً‭. ‬وبغضِّ‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬النقد‭ ‬الموجَّه‭ ‬إلى‭ ‬جيمس‭ ‬وود،‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬تيارات‭ ‬النقد‭ ‬الثقافيّ‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬الكولونيالي‭ ‬والنسوي،‭ ‬بوصفه‭ ‬ناقداً‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬عتيق‭ ‬يهتم‭ ‬بجماليات‭ ‬النصّ‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬شروطه‭ ‬الأيديولوجيّة‭ ‬والاجتماعيّة‭ ‬والثقافيّة،‭ ‬فقد‭ ‬احتلّ‭ ‬الناقد‭ ‬الإنجليزيّ،‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬ويعمل‭ ‬أستاذاً‭ ‬لـ«الممارسة‭ ‬النقديّة‭ – ‬Practice of Criticism‮»‬‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬‮«‬هارفارد‮»‬‭ ‬الأميركيّة،‭ ‬مكانة‭ ‬رفيعة‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الأدبيّ‭ ‬في‭ ‬أميركا‭. ‬ولم‭ ‬يَحُل‭ ‬دون‭ ‬صعود‭ ‬نجمه‭ ‬سيطرةُ‭ ‬تيارات‭ ‬النظريّة،‭ ‬التي‭ ‬تهمل‭ ‬الجماليّات‭ ‬لصالح‭ ‬دراسة‭ ‬آليات‭ ‬الهيمنة‭ ‬والتمييز‭ ‬والسعي‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬ميراث‭ ‬الاستعمار‭ ‬وجرحه‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬المُستَعمَرين،‭ ‬وكذلك‭ ‬قراءة‭ ‬التمييز‭ ‬ضد‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬الآداب‭ ‬الغربية‭ ‬المُعاصِرة‭.‬

فخري صالح (الأردن)

بدأ‭ ‬جيمس‭ ‬وود‭ (‬مواليد‭ ‬1965‭) ‬الكتابة‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬العشرينات‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬الغارديان‮»‬‭ ‬البريطانية،‭ ‬وأصبح‭ ‬ناقدها‭ ‬الأوّل،‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬بعدها‭ ‬ليصبح‭ ‬مُحرِّراً‭ ‬رئيسيَّاً‭ ‬في‭ ‬مجلّة‭ ‬‮«‬نيو‭ ‬ريبَبْلِك‭ ‬New Republic‮»‬‭ ‬الأميركيّة،‭ ‬وهو‭ ‬الآن‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬تحرير‭ ‬مجلّة‭ ‬‮«‬نيويوركر‮»‬،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عمله‭ ‬أستاذاً‭ ‬في‭ ‬‮«‬هارفارد‮»‬‭. ‬ومع‭ ‬أنه‭ ‬أصدر‭ ‬روايتين،‭ ‬إلّا‭ ‬أن‭ ‬شهرته‭ ‬وإسهامه‭ ‬الحقيقيّ‭ ‬يصدران‭ ‬من‭ ‬مراجعاته‭ ‬النقديّة‭ ‬ومقالاته‭ ‬المطوَّلة‭ ‬التي‭ ‬ينشرها‭ ‬عن‭ ‬الكتب‭ ‬والمُؤلِّفين،‭ ‬خصوصاً‭ ‬الروائيين‭ ‬منهم،‭ ‬ممَّنْ‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬العصور‭ ‬السابقة،‭ ‬أو‭ ‬أولئك‭ ‬المُعاصِرين‭ ‬لنا‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬نشرها‭ ‬‮«‬وود‮»‬‭ ‬تضمُّ‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬مراجعاته‭ ‬النقديّة‭ ‬التي‭ ‬نشرها‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬ومجلّات‭ ‬مراجعات‭ ‬الكتب‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬اكتفاءه‭ ‬بهذا‭ ‬النشاط،‭ ‬وعدم‭ ‬انغماسه‭ ‬في‭ ‬المؤسَّسة‭ ‬الأكاديميّة،‭ ‬أو‭ ‬انقطاعه‭ ‬لكتابة‭ ‬دراسات‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬الطابع‭ ‬الأكاديميّ‭ ‬النظريّ،‭ ‬تنبع‭ ‬مما‭ ‬أعدَّ‭ ‬نفسه‭ ‬له‭ ‬منذ‭ ‬الصبا‭. ‬لقد‭ ‬أراد،‭ ‬كما‭ ‬يُشير‭ ‬في‭ ‬مقابلات‭ ‬أُجريت‭ ‬معه،‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مراجع‭ ‬كتب‭ ‬يكتب‭ ‬عن‭ ‬الروائيين‭ ‬الذين‭ ‬يحبهم،‭ ‬ويجلُّهم،‭ ‬ويرى‭ ‬فيهم‭ ‬تأوُّج‭ ‬فنّ‭ ‬الرواية‭ ‬وصعودها‭ ‬كشكلٍ‭ ‬أدبيّ‭. ‬وهو،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الشغف،‭ ‬يقرأ‭ ‬الرواية‭ ‬بعين‭ ‬ناقدٍ‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬سرِّ‭ ‬الكتابة‭ ‬الروائية،‭ ‬وكأنه‭ ‬يرقد‭ ‬تحت‭ ‬جلد‭ ‬مبدعها‭ ‬ليرى‭ ‬كيف‭ ‬تشكَّل‭ ‬ذلك‭ ‬العالم‭ ‬الروائيّ‭ ‬وتحوَّلت‭ ‬تفاصيله‭ ‬وشخصيّاته‭ ‬وتقنياته‭ ‬إلى‭ ‬كونٍ‭ ‬أشبه‭ ‬بالواقع‭. ‬وليس‭ ‬غريباً،‭ ‬إذاً،‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬روائيُّه‭ ‬المُفضَّل‭ ‬هو‭ ‬الكاتب‭ ‬الفرنسيّ‭ ‬غوستاف‭ ‬فلوبير‭ (‬الذي‭ ‬يعثر‭ ‬في‭ ‬عمله‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬أنجزته‭ ‬الرواية‭ ‬الحديثة‭)‬،‭ ‬وأن‭ ‬يمقت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬روائيي‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭.‬

في‭ ‬كتاب‭ ‬جيمس‭ ‬وود‭ ‬‮«‬كيف‭ ‬تعمل‭ ‬الرواية‭ ‬How Fiction Works‮»‬،‭ ‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬نصٌّ‭ ‬نقديٌّ‭ ‬لافت‭ ‬يشرح‭ ‬أسرار‭ ‬الصُنع‭ ‬الروائيّ‭ ‬ومفاصله‭ ‬الجوهرية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يلجأ‭ ‬إلى‭ ‬لغةٍ‭ ‬نظريّة‭ ‬مُعقَّدة‭. ‬النظريّة‭ ‬موجودة‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬الاستعراض‭ ‬الثري‭ ‬بالمعرفة‭ ‬للروايات‭ ‬والشخصيات‭ ‬وأشتات‭ ‬اللُّغات‭ ‬والأساليب‭ ‬والتقنيات‭ ‬التي‭ ‬يسلّط‭ ‬الضوء‭ ‬عليها‭ ‬هذا‭ ‬الناقدُ‭ ‬الواسع‭ ‬المعرفة‭ ‬والاطلاع‭ ‬على‭ ‬الرواية‭ ‬الغربيّة‭. ‬وهو‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬روائيٌّ‭ ‬في‭ ‬ثياب‭ ‬ناقد،‭ ‬ولذلك‭ ‬يُفضِّل‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الدمج‭ ‬بين‭ ‬تأمُّلات‭ ‬الروائيّ‭ ‬والتفحُّص‭ ‬السابر‭ ‬للنصوص‭. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يُقيم‭ ‬حواراً‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬مع‭ ‬ناقدين‭ ‬أساسيين‭ ‬عارفين‭ ‬بأسرار‭ ‬الصنع‭ ‬الروائيّ،‭ ‬هما‭ ‬الناقد‭ ‬الشكلاني‭ ‬الروسيّ‭ ‬فكتور‭ ‬شكلوفسكي‭ ‬والناقد‭ ‬البنيوي‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬البنيوي‭ ‬الفرنسيّ‭ ‬‮«‬رولان‭ ‬بارت‮»‬،‭ ‬لأنهما،‭ ‬بسبب‭ ‬اهتمامهما‭ ‬بالشكل،‭ ‬يصنعان‭ ‬صنيع‭ ‬الروائيين‭ ‬الذين‭ ‬يعنون‭ ‬بالأسلوب‭ ‬والكلمات‭ ‬والاستعارات‭ ‬والصور‭. ‬يركِّز‭ ‬وود،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التأثير،‭ ‬على‭ ‬فنّ‭ ‬الحكي‭ ‬والتفاصيل‭ (‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬عملاً‭ ‬روائيَّاً‭ ‬يتفرَّد‭ ‬عن‭ ‬عملٍ‭ ‬روائيٍّ‭ ‬آخر‭)‬،‭ ‬والشخصيّة،‭ ‬وأنواع‭ ‬اللّغات،‭ ‬والحوار،‭ ‬والأسلوب‭ ‬الحُر‭ ‬غير‭ ‬المباشر،‭ ‬مستنتجاً،‭ ‬من‭ ‬تركيزه‭ ‬على‭ ‬عمل‭ ‬غوستاف‭ ‬فلوبير،‭ ‬أن‭ ‬تطوُّر‭ ‬الرواية‭ ‬يتمثَّل‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬في‭ ‬تطوُّر‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬السردية،‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬تاريخ‭ ‬الكتابة‭ ‬الروائية،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬‮«‬دون‭ ‬كيخوته‮»‬‭ ‬للروائيّ‭ ‬الإسبانيّ‭ ‬العظيم‭ ‬ميغيل‭ ‬دي‭ ‬سيرفانتيس‭. ‬

في‭ ‬‮«‬كيف‭ ‬تعمل‭ ‬الرواية‮»‬‭ ‬نعثر‭ ‬على‭ ‬حشدٍ‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الروائيين‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬يربو‭ ‬على‭ ‬أربعة‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬الرواية‭: ‬سيرفانتيس،‭ ‬دانييل‭ ‬ديفو،‭ ‬هنري‭ ‬فيلدنغ،‭ ‬دينيس‭ ‬ديدرو،‭ ‬جين‭ ‬أوستن،‭ ‬ستندال،‭ ‬بلزاك،‭ ‬ديكنز،‭ ‬فلوبير،‭ ‬تولستوي،‭ ‬دستويفسكي،‭ ‬هنري‭ ‬جيمس،‭ ‬موباسان،‭ ‬تشيخوف،‭ ‬توماس‭ ‬مان،‭ ‬جوزيف‭ ‬كونراد،‭ ‬مارسيل‭ ‬بروست،‭ ‬جيمس‭ ‬جويس،‭ ‬فيرجينيا‭ ‬وولف،‭ ‬إيفلين‭ ‬وو،‭ ‬نابوكوف،‭ ‬تشيزاري‭ ‬بافيسي،‭ ‬صول‭ ‬بيللو،‭ ‬في‭. ‬إس‭. ‬نايبول،‭ ‬جون‭ ‬أبدايك،‭ ‬توماس‭ ‬بينشون،‭ ‬خوسيه‭ ‬ساراماغو،‭ ‬فيليب‭ ‬روث،‭ ‬كازو‭ ‬إيشيغورو،‭ ‬إيان‭ ‬ماك‭ ‬إيوان،‭ ‬جي‭. ‬إم‭. ‬كويتسي،‭ ‬ديفيد‭ ‬فوستر،‭ ‬والاس،‭ ‬وآخرين‭.‬

في‭ ‬كتب‭ ‬وود‭ ‬الأخرى‭: ‬الأرض‭ ‬المُحطمة‭: ‬مقالات‭ ‬عن‭ ‬الأدب‭ ‬والإيمان‭: ‬‮«‬The Broken Estate Essays on Literature and Belief‮»‬‭ (‬1999‭)‬،‭ ‬‮«‬الذات‭ ‬غير‭ ‬المسؤولة‭: ‬عن‭ ‬الضحك‭ ‬والرواية‭ ‬The Irresponsible Self‭: ‬On Laughter and the Novel‮»‬‭ (‬2004‭)‬،‭ ‬وأخيراً‭: ‬‮«‬ملاحظات‭ ‬جادَّة‭: ‬مقالات‭ ‬مختارة‭ ‬Serious Noticing‭: ‬Selected Essays‮»‬‭ (‬1997-‭ ‬2019‭) (‬2020‭)‬،‭ ‬نعثر‭ ‬على‭ ‬الجدية‭ ‬نفسها،‭ ‬وملاحقة‭ ‬التفاصيل،‭ ‬والتعليقات‭ ‬الذَّكيّة‭ ‬التي‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬عمل‭ ‬الروائي،‭ ‬والملاحظات‭ ‬التي‭ ‬تضيء‭ ‬الإبداع‭ ‬الروائيّ،‭ ‬وتجعل‭ ‬القارئ‭ ‬يرى‭ ‬ذلك‭ ‬العمل‭ ‬بعيني‭ ‬الناقد‭. ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬يكفُّ‭ ‬العمل‭ ‬النقديّ‭ ‬عن‭ ‬كونه‭ ‬عملاً‭ ‬ثانويَّاً،‭ ‬مجرَّد‭ ‬تعليق‭ ‬على‭ ‬الأعمال‭ ‬الأدبيّة،‭ ‬ليصبح‭ ‬جنساً‭ ‬أدبيَّاً‭ ‬في‭ ‬حَدِّ‭ ‬ذاته‭.‬

اتجاه.. هل حقَّق سلمان المالك نقلةً نوعية؟

شكل معرض «اتجاه» نقلةً نوعية طال انتظارها في تجربة الفَنَّان القطري سلمان المالك. فالحدث الذي استقبله جاليري المرخية (المطافئمقر الفَنَّانين) بالدوحة مطلع السنة الماضية دال على تفاصيله، فعبر أكثر من سبيل، يمكن الوصول إلى عوالم لوحات جمعت بين العودة إلى محترف الفَنَّان وتثبيت ما يمكن اعتباره دالاً على اكتمال مرحلة تشكيلية سابقة، وبين انطلاقة أخرى، يعتبرها الفَنَّان «مرحلةً مُهمَّة في حياته التشكيلية». تجربة جديدة إذن حملت عنواناً دالاً على الانتقال ومواصلة البحث داخل العلاقات اللّونية الممكنة والمفترضة في آن. 

وبالإمكان معاينة هذا الاتجاه في صراحته التشكيلية عبر عملين بارزين في واجهة المعرض، هما: «مدينة الفرح» و«رجل في فضاءٍ أبيض»، الأولى عبارة عن موزاييك فسيفسائي مُكوَّن من 21 قطعة تُشكِّل ملتحمة قياس 210/90 سم، والثانية بقياس أكبر 200/175 سم. عملان إذن، حدَّد بهما الفَنَّان، ملامح التحوُّل نحو أسلوبٍ آخر يُشكِّل ما يصفه بـ«الاتجاه القادم، والنقلة النوعية في تناول المادة التشكيلية تقنياً وموضوعياً».

للحديث عن هذا المنعطف الجزئي، الذي سلكه سلمان المالك، لابأس من التذكير بأن مرجعيته الأساسية تعود إلى تخلِّيه، منذ الثمانينيات، عن الانطباعية والوصفات التكوينية التقليدية، ليتبنَّى، بقرارٍ لا رجعة فيه، التعبيرية مذهباً فنِّيَّاً في رسم ما يشعر به، لا ما يراه. وعليه، فلكي نفهم التجربة التي أمامنا، ومن ثَمَّ الإجابة عن السؤال: هل التزم الفَنَّان بالمضمون التراثي دائماً؟ علينا قراءة جديده في ضوء تطوُّر لوحته، وتحديد درجات الاتصال والانفصال عن المضامين الفطرية بحكم انتمائه ومكان نشأته. فالذي بذاكرته مخزون الموروث الشعبي، وصور أحياء الدوحة القديمة، وأصوات الغوَّاصين على اللؤلؤ، سيترك الحنين إلى الماضي واستعادته على طريقة لوحته المُستوحاة من مدينة الخور الساحلية «الصياد والبحر» (السنة ؟؟؟؟)، ليتطلَّع إلى المستقبل عبر تأمُّل واقعه المُعاصِر، وهكذا سيرسم في انطلاقته مجموعة «التقاليد إلى متى؟» (السنة….؟؟؟)، وكان فيها مُمجِداً لمشاركة المرأة في تنمية المجتمع، وفي الوقت الذي كان يتطلَّع فيه إلى هذا الدور، نجده مُتمسِّكاً بمفردات الهويّة والتفاصيل الزخرفية المحِّّيّة، وسيطول حال اللوحة عنده على هذا المنوال، متراوحاً، من جهة، بين تدوين المفردات المحلّيّة (ثياب، أنسجة مزركشة، زخرف) الدالة على الهويّة الثقافيّة، تذكرنا بلوحته «استرخاء»، (سنة ؟؟؟؟)، ومن جهةٍ أخرى، النأي بالمكان إلى المنطقة الهلامية لفضاء سرد القصص، حيث لا نجد سلطة مُطلَقة للمكان بقدر الأولوية التي يعطيها لشحنات عاطفية تحيلنا تأويلياً على: الحلم، الواقع، الغياب، اللقاء، الانتظار، الاكتظاظ، الأمل، التردُّد، والقلق الفَنِّيوهي الشحنات المُتدفِّقة في محترف الفَنَّان، إلى يومنا، برؤية جديدة وحرارة لونية صريحة، بدأت معالمهما تظهر منذ معرضه الشخصي «تحوُّلات اللونوانتباه الكائن» عام 2004، الذي حمل بوادر التحوُّل إلى مرحلة مفصلية أبطالها عناصر هلامية، بلا ملامح، لكنها، في الوقت نفسه، طاغية الحضور والتجسُّد والميل إلى الصراحة والتعبير العاطفي، وهي المقاصد الفَنّيّة التي ستنضج في ذروة مرحلته الفَنّيّة المُتألِّقة ضمن معرضه الحديث «اتجاه» 2018.

سياق تطوُّر المراحل التشكيلية عند سلمان المالك، له مبرِّرات فكرية ومواقف حاسمة أيضاً، تجعلنا، إذا أمكن للمقارنة أن تثبت فرادة التجربة التي أمامنا، نطرح سؤالاً آخر: سلمان المالك ومعه جيله من الفَنَّانين القطريين؛ هل وقفوا على أرضية فنّيّة مشتركة؟ تجدر الإشارة هنا، إلى أن سلمان المالك لا يتردَّد في الاعتراف بكونه يقف بين؛ التطرُّف في الحداثة، وبين الواقعية المفرطة الساذجة. وهو يصرِّح قائلاً: لا أحسّ حالياً أني ملزم بالقفز إلى الأمام أو التراجع. أشعر أني لا أملك مُقوِّمات القفز، وهذه أعمالي تعبِّر عمَّا أشعر به. فكأنه بذلك لا يرغب في مستقبل يفصله عن الماضي، حتى وإن كان هذا الأخير ماضياً مُعبَّر عنه بهويّة اللون والعاطفة لا بالمادة وطرائق تشكيلها أو تركيبها الجريء والمُساير للأنماط الفَنّيّة المُتمرِّدة باسم مقولات الحداثة الفَنّيّة ومذهبها الرائج.. فعلى عكس هذا المنحى ينطلق سلمان المالك مقتفياً مسلك قلبه لا عقله، ساعياً إلى ما وراء قناع المظاهر من منطلق قناعته بالخديعة الكبرى التي يقترحها الشكل الخارجي الزاهي. وفي هذا السياق تستبطن لوحات معرض «اتجاه» موقفه الفَنّيّ من مقولات الحداثة الفَنّيّة، ممسكةً بالعصا من الوسط؛ فسلمان المالك يقتطع مشاهد من الحياة اليومية ويلقي بها على سطح اللوحة وفق ثنائيات متضادة خاضعة لنظام لوني تناغمي، بما يجعل معدَّلات الانسجام والمجاورة والطبقات قريبة من إنتاج حالة شعرية غنائية ذاتية وانطباعية قابلة للاستيعاب، منها إلى الوقوع في منزلق الإبهام، أو على أَقلّ تقدير، لزوم الإفراط في التأويل وتفكيك العناصر وبنائها من جديد. ووضع مجهد من هذا القبيل هو أبعد ما يدور في ذهن المُتلقِّي وهو بصدد معاينة لوحات من معرض «اتجاه»، وتحديداً: (النساء حائرات، ثلاث بنات، نساء في حديقة، لقاء، ليلة الحنة، معاريس، كحل أسود وسيدة تراقب)، لكن وبدرجاتٍ متفاوتة، لوحات أخرى ضمن المعرض نفسه، لا تكفي القراءة الانطباعية وحدها للتمكُّن من ولوج عوالمها، خاصّةً مع القصدية التي يوليها سلمان المالك لمُهمَّة تناغم الألوان الأصلية، وثبات الخط الزمني، وخفوت الضوء في خلق أجواء مناسبة للتأمُّل وإطالة النظر باعتبارهما المفتاح السحري لمحاورة اللوحة والظفر بنصيبٍ معقول من الحالة العاطفية المقترحة في تعدُّد مسبِّباتها وأوضاعها الواقعية والحلمية، على شاكلة لوحات من المعرض نفسه: (مشوار، انتظار، تساؤل، هو والمكعب، هو والكرسي، زحمة، القفز في الهواء، علاقة، حوار).

لكن، سواء في حالة التلقِّي العفوي الانطباعي، أو الذهني التأويلي، هناك رؤية شعرية حالمة يتشبَّث الفَنَّان بها بقناعة راسخة تدعم القول بأن قوة الفَنّ لا تزال في عواطفنا وأحاسيسنا وليس فيما نفكِّر فيه كرَدّ فعلٍ على ما يحدث. فهذه الغنائية الشعرية الملتزم بها، صراحةً وبوحاً، هدفها، كما يصرِّح سلمان المالك: (محاولة صنع لوحة تنتمي لي، تكون جزءاً من عاطفتي، فأنا أعيش وأستمتع بالتجربة الفَنّيّة، وأرسم الفَنّ لأجل الفَنّ…) .

وإذ تبدو المتعة الجمالية هي الأهم والأسمى، فإن السعي إلى عمل مجرَّد من أي موضوع مزعج، مريح كالأريكة في لوحته (ذات الرداء الأبيض)، يُثير سؤال حدود الوظيفة والرسالة الفَنّيّة؛ فبابتعاده الجلي عن التسجيل الخشن والشرس للجانب المظلم، من خراب وأزمات إنسانية في البلاد العربيّة، بكلّ أهوالها وفظائعها، لا يعني أن القسوة الإنسانية لا تنطبع في لوحاته. ففي «مدينة الفرح» تتداول الألوان في تحدٍّ مضطرب وصلابة لونية تدفع بالعناصر قدماً إلى خارج اللوحة، حيث كلّ قطعة تعانق أخرى، وتتوحَّد بها من الأعلى إلى الأسفل، ومن الخلف إلى الأمام بدرجاتٍ تحقِّق التناغم المنشود، لفكرة المدينة المأمولة، وليست المرسومة. إنها مدينة الأمل بلغت البساطة فيها أَوْجَها، بساطة الفرح نفسه، والأمل بالفرح يوازي الفرح ذاته.

بهذا تفاجئ «مدينة الفرح» الواقع العربيّ البائس بمقترح الحلم والأمل، بلوحة فسيفسائية يتساوى فيها الفرح مع الحزن، الخيبة مع الرجاء، الظاهر مع الخفيّ، الواقع مع الخيال، بل والأشكال، بدورها تعمل على إمداد هذه الثنائيات الضدِّية بتوفير شروط المحاورة والمجاورة والاتحاد، إنه التحدِّي الذي يرفعه سلمان المالك في وجه ألوانه مُجرِّداً إياها من أيّة وظيفة مباشرة.

«مدينة الفرح» عمل يقع في صلب تفكير سلمان المالك، يعكس انشغاله بالمدينة العربيّة الحزينة، وبحالة الانتظار والارتباك السرمدية. إنها مدينة يوتوبية مُفترَضة، مستعارة من أحلامه قطعةً قطعة، مدينة غير مكتملة (21 قطعة من أصل 60 قطعة)، شيَّدها بألوانٍ محلِّيّة متقدة وناصعة، وأقام العلاقات بينها بانسجام، تارةً، وبمزاجية حُرّة تارةً أخرى، مستغرقاً في تدبير التنافر والمجهول والاشتباكات بين الإنسان ومكانه.

بـ«مدينة الفرح» مدينة الأمل والانتظار الجماعي، و«رجل في فضاء أبيض»، رجل ما يُلقي خطاباً من على منصَّة، جدَّد سلمان المالك انخراطه في صلب قضايا الفَنّ المُعاصِر، الإنسان والمكان، وتحوُّل سيرورة العلائق البنيوية المُؤثِّرة والمُتأثِّرة؛ التوتر، الشَّك، الانتظار، الغياب، المواجهةموضوعات خيطها الرابط صراحة اللّون، وشاعرية التكوينات. لكن الأمر المُتخيَّل يفوق المشهد العفويّ، ففي الوقت الذي تنشد فيه هذه العناصر البساطة، فإنها تقع في تعقيد مُؤقَّت يورِّط المتلقِّي في لعبة التخمينات، فالدخول في لوحة موضوعها الحلم، هو دخول في التفسير والحيرة لا محالة، وإن كانت بغاية نبيلة تعكس ميل الفَنَّان إلى لوحة تحاور الناظِر ويحاورها.

من الواضح، كما سبقت الإشارة، أن «مدينة الفرح»، لوحتان تؤسِّسان لاتجاه آخر في مسيرة سلمان المالك التشكيلية، مسلك يتستَّر على ملامح الشخوص، أو يستعيض عنها بأخرى غائبة، في مقابل استنطاق سكونها الروتيني داخل الفضاء العام أو الحميمي، وهي معادلة تحيل على فعل التَّذكُّر الذي يُشكِّل النواة الأولى لعمل الفَنَّان: (أستدعي الشخوص من الذاكرة، وهناك مشاهد أشعر أني رأيتها من قبل). لكن الذي يأسر وردة في سجن، ويحرسها في لوحة: «هو والمكعب» يضعنا في احتجاز ثانٍ هو للمعنى وتوتراته، وقد كان بإمكان الزمن والذاكرة أن يستوليا على أحقية القصيدة بتصوير هذا الاعتقال، لكن سلمان المالك يقترح تشكيلياً نتيجة الشعر نفسه: الزمن والذاكرة فنَّانان حقيقيان، فهما يصوغان الحقيقة بما يريده القلب.. ولَعلّ هذا هو اتجاهه القديم والجديد..