المترجم التونسي عبد الجليل العربي: أصعب ما ترجمته

المترجم التونسي عبد الجليل العربي، من مواليد 29 مايو (1975)، مدينة سليانة، تونس. هو أستاذ اللّغة والأدب العربي المعاصر في جامعة «نوفا لشبونة». له العديد من الترجمات الروائية، من بينها: «هيّا نشترِ شاعراً»، للكاتب البرتغالي «أفونسو كروش» (2017)، و«بائع الماضي»، للكاتب الأنغولي «جوزي إدواردوا أغوالوزا»، (2016)، و«ميتتان لرجل واحد»، للكاتب البرازيلي «جورج أمادو» (2015)، و«ماراثون الخلود»، للكاتب «أندريه أوليفيرا»، (2015). وترجم، مؤخَّراً، رواية، «نصب الدير التذكاري» ، للكاتب البرتغالي «جوزيه ساراماغو» (2020).

بحكم انتمائك إلى تونس، كان من المتوقَّع أن تختار اللّغة الفرنسية لغةً للدراسة، لكنك توجَّهت إلى اللّغة البرتغالية. ما الدافع الذي قادك إلى تعلُّم اللّغة البرتغالية؟

– آفاق الدراسة في بلداننا العربيّة مقسَّمة، عموماً، بين توجُّهين؛ توجُّه فرنكفوني، وآخر أنجلوساكسوني، لكن هناك من الباحثين مَنْ سَلَك طريقاً آخر، واختار ثقافات أخرى مثل الألمانية أو الإسبانية أو اليابانية. أنا اخترت البرتغال؛ لرغبة شخصية في تحقيق بعض الإضافات ضمن مجال الدراسات الأدبيّة، والثّقافيّة المعاصرة حول هذا البلد العريق، الذي تربطنا به علاقات تاريخية معروفة.

قدَّم لك معهد «كامويش» منحة للدراسة في البرتغال، فاخترت الدراسات الإسلامية، مع ميولك الأدبيّة. ما الذي كان متاحاً لك لإبراز الإسلام المتنوِّر؟

– أشكر كثيراً معهد «كامويش» على تلك المنحة. كان توّجُّهي الأوَّل مشدوداً إلى حقل الدراسات الإسلامية الإيبيرية في البرتغال، ضمن منهج الأديان المقارنة، ويعود ذلك إلى رغبة مني في مواصلة تخصُّصي الجامعي الذي بدأته في تونس، في دراسات الماجستير في الحضارة العربيّة الإسلامية القديمة، وذلك بالانفتاح على الإرث الثّقافي العربي والإسلامي في البرتغال، لكن – للأسف- كانت الاهتمامات الجامعية القليلة في البرتغال، بهذه المسألة، مرتبطة بمادّة التاريخ أساساً، فاضطررت لتغيير ذلك الهدف نحو الدراسات الأدبيّة.

ما لبثت أن غيرت تخصُّصك، بعد ذلك، من الدارسات الإسلامية إلى الأدب. كيف وجدت نفسك داخل الأدب البرتغالي الذي أُنتج في البرتغال، وفي الدول الناطقة بالبرتغالية؟

– مررت بمرحلة اكتشاف تاريخ هذا الأدب، وأعلامه، ومدارسه، ثم تخصَّصت في الدراسات الأدبيّة المقارنة. أعتبر نفسي محظوظاً باطِّلاعي على هذا الأدب واشتغالي على بعض قضاياه في أكثر من بلد ناطق بالبرتغالية، إذ وقفت على بعض خصوصيّاته وجماليّاته الأدبيّة، وسأنشر هذه النتائج في كتاب، مستقبلاً.

وُفِّقت في ترجمة الأعمال الأدبيّة، فما هي خطتك التي اعتمدتها في ترجماتك الموفَّقة؟

– لا أدري إن كنت قد وُفِّقت أم لم أوَّفَّق؛ فهذا المنجز مازال في بداياته، ومسألة تقييمه تعود لغيري من المختصِّين. أمّا بخصوص الخطّة لإنجاز الترجمات الصادرة إلى حدّ الآن، فقد ارتبط أمرها، في البداية، بترجمة عمل روائي من كلّ قارّة (البرتغال، البرازيل، أنغولا)، لكن الرحلة آخذة في التشكُّل ضمن توجُّه مدروس يقوم على التنوُّع في الأجناس المختارة والتي قد تحقِّق ترجمتها إضافة إلى الثّقافة العربيّة. وآمل أن أساهم، مع زملائي المترجمين الآخرين، في إثراء المكتبة العربيّة، كمّاً ونوعاً، بهذا الأدب.

ترجماتك توافق تخصُّصك الأكاديمي، فهل التخصُّص يقيِّد عمل المترجم، أم من الممكن أن يجعله يتطلَّع إلى ترجمة أعمال أخرى خارج إطار تخصُّصه، كالفلسفة، والفنّ التشكيلي، والعلوم؟

– التخصُّص مهمّ في الترجمة، لكنه لا يقيِّد عمل المترجم كثيراً؛ فلكلّ عمل لغته الخاصّة ومفاهيمه وعوالمه، وما إن امتلك المترجم تلك الأدوات حتى أصبح من حقِّه أن ينفتح على مجالات أخرى.

ترجمت روايات كبرى، لأدباء كبار. لو توقَّفنا عند رواية «جوزي ساراماغو» «نصب الدير التذكاري» التي تحتلّ مكانة خاصّة في قلب مؤلِّفها، كيف عشت تجربة هذه الترجمة؟

– هذه الرواية هي من بين أبدع ما كتب «ساراماغو»، وهي التي وضعته بين كبار الروائيين في العالم، سواء من ناحية الأسلوب المتمرِّد على شكل الكتابة التقليدية أو من ناحية القضايا المطروحة. لم تكن ترجمتها للُّغات الأجنبية سهلة، وهي من أصعب الترجمات التي قمت بها، وأتمنّى أن تكون موفَّقة.

ترجمت، أيضاً، رواية إفريقية بعنوان «بائع الماضي» للكاتب الأنغولي «جوزي إدواردوا أغوالوزا». كيف وجدت نتاج هذا المبدع الإفريقي؟ وهل استطاعت هذه الرواية الإجابة عن الأسئلة الإفريقية المقلقة بخصوص بناء الهويّة الوطنية ما بعد الاستعمار؟

– الأدب الإفريقي المكتوب بالبرتغالية يزخر بطاقات إبداعية أدبيّة متنوِّعة، ومواكبة لتحوُّلات العصر الفكرية والإيديولوجية، وغيرها، وكتابات «أغوالوزا»، في أغلبها، هي تمرين إبداعي على مساءلة تلك التحوُّلات، ودورها في تشكيل هويّات المجتمعات أو البلدان الإفريقية في مرحلة ما بعد الكولونيالية. هذه المسألة ظهرت في رواية «بائع الماضي»، في رواية «نظرية عامّة للنسيان» للكاتب نفسه، أيضاً، أيضاً، ولحسن الحظ ظهرت في ترجمة عربيّة ممتازة، أنجزها المترجم سعيد بنعبد الواحد.

ماذا عن ترجمة الشعر؟ هل لديك مخطَّطات مستقبلية؟ هل تقبل، على سبيل المثال، عرضاً بترجمة ملحمة «اللوسياد» للشاعر البرتغالي «لويس دي كامويس ويش»؟

– أقبل، طبعاً. أحبّ ترجمة الشعر؛ فمعه بدأت تجربتي في الترجمة من خلال التدريب على ترجمة بعض القصائد المحبَّبة إليّ. وستصدر لي، خلال السنة القادمة، ترجمة لأحد دواوين «فرناندو بيسوا»، بالإضافة إلى ملحمة «كامويش» التي ذكرت.

انتشرت الترجمات الوسيطة، بشكل متسارع، في العالم العربي. فهل يمكن أن تكون حلّاً، ولو بشكل مؤقَّت، في ظلّ تراجع الترجمة الجادّة؟، وما أضرارها على الأدب؟

– الترجمة الوسيطة مهمّة ومطلوبة، إذا انعدم أو قلّ عدد المترجمين في اللّغات قليلة الانتشار. كانت الترجمات الروسية أو اليابانية أوالصينية، مثلاً، تأتينا عبر الفرنسية أو الانجليزية، ولم يُنقِص ذلك، بتاتاً، من قيمتها؛ فلولاها لما عرفنا شيئاً عن تلك الآداب. مادامت الترجمة جيِّدة فلا يهمّ، في تقديري، إن كانت من اللّغة الأصلية أو من لغة وسيطة، وليس لها أيّ ضرر على الأدب، وإنما لها فوائد.

عرف العرب الترجمة، في العصر العباسي، على شكل جماعات، وقد أعطت الترجمة ثمارها. هل الترجمة الجماعية أفضل من الترجمة الفردية، في نظرك؟

– الترجمة حاجة معرفية بشرية ضرورية لكلّ الحضارات واللّغات، على مرّ العصور. أما المفاضلة بين الترجمة الفردية والترجمة الجماعية، فغير مجدية؛ إذ في كلّ ترجمة إفادة. الترجمة الجماعية ترعاها مؤسّسات، وتهتمّ -عادة- بالموسوعات أو الأنطولوجيات التي تتطلَّب مجهوداً جماعياً، وهذا جيِّد، كما أن الترجمة الفردية (وهي الأكثر انتشاراً) ضرورية، وفضائلها كبيرة.

 يلاحظ، في السنوات الأخيرة، اقتصار الترجمة على الأدب، دون سواه من العلوم الأخرى.

– انتشار الترجمة الأدبيّة مهمّ في كلّ الأحوال، وكلَّما ازدادت الترجمة وتراكمت فإن نتيجتها، دائماً، إيجابية ومفيدة. وأمّا دورها فهو -أساساً- ليس الارتقاء بأيّة ثقافة، بل فتح إمكانات عديدة للتفاعل والتقارب والتعاون، وتبادل الأفكار والتجارب بين اللّغات والثّقافات، كما أنني لا أرى أنّ واقع الثّقافة العربيّة سيِّئ كما يتوهَّم البعض. الفنون والآداب واسعة الانتشار، وجمهورها واسع، وتقبُّلها سهل، عكس العلوم؛ ولهذا تنتشر الترجمات الأدبيّة أكثر في أغلب البلدان، وليس في العالم العربي وحده.

لو أتيح لك العودة إلى بلدك تونس، يوماً ما، فما هي المشاريع الثّقافيّة التي ستعمل عليها هناك؟

– ليست عندي فكرة واضحة لمشروع ما، في بلدي، مستقبلاً. ما يشغلني هو استغلال الحاضر في تحقيق أهدافي البحثية.

بشير مفتي: لا أكتب لأطلب مالاً أو شهرة

بشير مفتي، كاتب وصحافي جزائري، وُلِد عام (1969)، في الجزائر العاصمة، متخرِّج في كلّية اللّغة والأدب العربي، جامعة الجزائر. نُشرت أوَّل أعماله في العام 1992، وأصدر العديد من الأعمال القصّصية، والأعمال الروائية من بينها: «المراسيم والجنائز»، «رخبيل الذباب»، «شاهد العتمة»، «بخور السراب»، «دمية النار»، «أشباح المدينة المقتولة»، «غرفة الذكريات»، «لعبة السعادة أو الحياة القصيرة لمراد زاهر»… كما أن له مساهمات عديدة في الصحافة الجزائرية، والإعلام الثّقافي الجزائري.

لو سألتك عن أهمّ المحطات المؤثِّرة في حياتك؛ كاتباً وإنساناً ومبدعاً، فكيف تقدِّمها للقراء؟

– أعتقد أن أهمّ محطّة مؤثِّرة هي الحرب الأهليّة في الجزائر، أو (العشرية السوداء)، أو حتى يمكن تسميتها بعنوان فيلم لخضر حمينة «وقائع سنوات الجمر»، رغم أن فيلمه يتحدَّث عن فترة ما قبل الاستقلال، تلك الفترة التي كانت مؤثِّرة؛ لأني بدأت فيها مشواري مع الكتابة الذي تزامن مع فترة العنف والقتل والتدمير والخوف، وقد تركت أثراً في كتاباتي كما في حياتي، فلا يمكن أن يمرّ العنف دون أن يُحدِث تأثيراً في حياتنا، وفي رؤيتنا للإنسان الذي نفقد فيه الثقّة، ومع ذلك هي مرحلة الزخم والحلم والأمل في الغد.. أراها أهمّ محطّة، وهي التي شكَّلت حتى هواجسي الأدبيّة، ورؤيتي للكتابة، حيث يأخذ العنف مركزية في موضوعاتي الروائية؛ كيف حدث؟ ولماذا حدث؟ وما نتائجه، لاحقاً؟ وهو، حتى عندما يتوقَّف، يترك بصمات وحتى تشوُّهات على جسد المجتمع، وسلوك الفرد.

في رواية «اختلاط المواسم»، لم تخرج عن السوداوية والقتل والعنف والمهمَّشين…؟

– ولماذا تريديني أن أخرج؟ أنا أشتغل على مواضيع معيَّنة، لها علاقة بالواقع الذي أعيش فيه، أو من عين الروائي الذي يلتقط التراجيديات لا الأشياء المفرحة والسعيدة؛ تلك الأشياء نحبّ عيشها لا كتابتها، ومن هذا الباب رؤيتي، بالفعل، سوداوية للعالم، لكنّ هذا لا يمنعني من أن أضع، في لوحة السواد تلك شخصيات تقاوم، أو حبّ يريد أن ينتصر، وآمال في الغد..إلى غير ذلك. أقصد أن الرواية هي جزء من عالم ينهار ، ونحن لا نعزف موسيقى انهياره، بل نريد أن نعرف: لماذا ينهار؟ ماذا يحدث للناس وهو ينهار أمامهم؟..

كان من المفروض أن أكتب رواية عن المرأة الحلم، المرأة التي نحلم بها، وتساءلت إن كان من الممكن أن توجد في الواقع، وافترضت أنها غير موجودة، أو أنها، إن وجدت، يجب أن تموت أو تقتَل. وعندما فكَّرت في مسـألة القتل هذه، قلت: يجب أن يكون القاتل هو بطل مهمّ في القصّة، ثَمَّ وجدت، في النهاية، أن قصّة القاتل هي التي استأثرت بالنصّ، بل أخذت المساحة الأكبر ، وأصبحت قصَّته هي الأهمّ في الرواية .

لا تختلف «اختلاط المواسم» كثيراً عن رواية «دمية النار»، من حيث انتقاد الواقع والتوظيف السياسي للأحداث..

– طبعاً، هي مختلفة لكنها متقاربة أيضاً.. شخصية القاتل، التي ستعبر فترة التسعينيات الأليمة، حيث ستجد مشروعية في القتل دون محاسبة القانون، ستجد نفسها مستمرّة في القتل، أيضاً، دون محاسبة القانون، لأن القانون يطبَّق، فقط، على الضعفاء، لقد تحدَّثت، في هذه الرواية، عن مرحلة ما بعد الإرهاب، حين توقّف الإرهاب، لكنّ الفساد جعل الحياة أكثر جحيماً من قبل؛ لهذا سيجد القاتل طريقة، حتى للارتزاق من القتل ..

كيف ترى تطوُّر كتاباتك ما بين «المراسيم والجنائز»، وحتى «مواسم الاختلاط»؟

– هل تتطوَّر الكتابة أم لا؟ هو سؤال مهمّ حقّاً. مع أني لا اعرف الإجابة عنه. وهنا، يتدخَّل دور الناقد الذي يتابع ويقرأ ويتأمَّل ويدلي بدلوه ..بالنسبة إليَّ، أكتب لأني أشعر أن الكتابة تسكنني من الداخل، ولا أستطيع العيش من دون ممارستها. أنا لا أكتب لأطلب مالاً أو شهرة أو جائزة، بل لأني مرتبط بها كما يرتبط الجذع بالشجرة، فهو الذي يغذِّيها، ويحفظ توازنها وتماسكها من الداخل.

من الملاحظ أن شخصيات رواياتك ترتكز ، في الغالب، على قصص حقيقية.

– لا أدري إن كانت حقيقية؛ أي حدثت، بالفعل، في الواقع ..هي، بالفعل، قد تكون حدثت أو يمكنها أن تحدث ..أنا أتخيَّل معظم الوقت، ولكن هذا التخيُّل غير بريء؛ لأني -كما قلت لك- أطالع مذكِّرات سياسيِّين..فنّانين ..وأطالع الجرائد، وأهتمّ بالأحداث اليومية، وأستمع إلى قصص ناس أعرفهم، وناس لا أعرفهم، وكلّ هذا هو، بالنسبة إليَّ، مصدر مهمّ للخيال كي يدخل في عمل روائي .

لم تتأثَّر بالمدرسة التي تكتب بالفرنسية، والتي تصدَّرت المشهد الجزائري السردي. هل هذا موقف من لغة المستعمر ؟

– يجب أن نفرِّق بين الثّقافة والاستعمار. صحيح أن الاستعمار الفرنسي همَّشَ اللّغة العربيّة في الجزائر، أو -لنقل- حاربها حرباً عنيفة حتى يفصل الجزائري عن الثّقافة التي ينتمي إليها، لكن النخبة القليلة التي تكوَّنت باللّغة الفرنسية، وكتبت بالفرنسية، كانت من بين الأوائل الذين حاربوا الاستعمار بلغته ..نتذكَّر جميعاً مقولة كاتب ياسين الشهيرة: « أكتب بالفرنسية، لأقول لكم إني لست فرنسياً».

بالنسبة إليَّ، نشأت في عائلة معرّبة؛ ولهذا كانت الكتب التي وجدتها في محيطي الأوَّل هي كتب بالعربيّة، وكان لها تأثيرها في بداية تكويني الثّقافي؛ من القرآن الكريم إلى الشعر العربي القديم إلى قصص التراث الإسلامي.. واستمرَّ هذا المنحى على هذه الوتيرة حتى الثانوية، حيث تعلَّمت الفرنسية للدراسة، وبعدها بدأت اقرأ الروايات بهذه اللّغة، والتي أعتبرها لغة ثقافية، وليست مرجعاً هوياتيّاً، أو حياتيّاً، وأتعامل معها كلغة يمكن أن أطَّلع، من خلالها، على جزء من الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، والكثير من الأعمال التي يكتبها فرنسيون، أو المترجمة إلى لغتهم.. صحيح أن الفرنسية حاضرة، بقوّة، في المشهد الجزائري، لكنه -للأسف- ليس حضوراً يغني، بل يقسم الجزائريِّين إلى فئتَيْن وأدبَيْن، لا يتقاطعان كثيراً؛ فكلٌّ يكتب ضمن خريطته الثّقافيّة وجغرافيَّته الأدبيّة.. أقصد أننا لا نملك تعدُّداً لغوياً ثريّاً، بل انقساماً لغويّاً عند الغالبية، ولأن قلّة هم من يملكون الازدواجية اللّغوية عندنا.

هل تتعبك الكتابة؟ هل هي -فعلاً، كما يصفها البعض- كجَلْد الذات؟

– أعتقد ذلك. هي متعبة، بالفعل. الكثير من الناس ينظرون إلى الكُتّاب بنوع من الإعجاب الساحر، وكأنهم يحسدوننا على هذه «اللعنة» التي تخفي وراءها شقاءً وجوديّاً كبيراً؛ وهذا لا يعني أنه لا توجد نشوة في الكتابة، بل توجد لحظات تسعدك فيها الكتابة، لكنك تشعر بأن ثمن ذلك كبير جدّاً.

مَنْ من الروائيين الجزائريين يصنع الاستثناء، بالنسبة إليك؟

– نعاني من مشاكل كثيرة تؤثِّر في نجاح الكُتّاب، وفرض أنفسهم في الواقع، رغم أن المواهب كثيرة. في ظلّ هذه الظروف، البعض سيستمرّون، والبعض سيفشلون، والبعض سيتحوَّلون إلى مزاولة مهن أخرى.

ما الذي ينقص الرواية العربيّة لتصبح منافساً عالمياً؟

– من فرط ما نردِّد أن العالمية تبدأ من المحلِّيّة كما هو الحال مع مبدعنا الكبير نجيب محفوظ، أو الطيِّب صالح، لم نعرف، بعد، كيف نستثمر في هذه المحلِّيّة، أو كيف نقدِّمها للعالم؛ ولهذا تجد، عند البعض، ميلاً، الآن، للكتابة حسب الموضة، وتقليد الكُتّاب العالميِّين الكبار مثل «موراكامي»، أو «بول أوستر»… اليوم، يوجد هاجس الشهرة والنجاح، ومع ذلك لم يحقِّق هؤلاء ما يريدونه؛ أي الوصول إلى عالمية موهومة لأنهم ينطلقون -أصلاً- من التقليد، والإبداع عدوّ التقليد.

كيف تقرأ ملامح المشهد الروائي العربي، اليوم؟

– أصبح معقَّداً جدّاً، ولم يعد سهلاً معرفة ماذا يُكتَب فيه. اليوم، صعب على الكاتب العربي أن يتابع كلّ ما يكتب في هذا المشهد المترامي الأطراف. ربَّما تفيدنا الصداقات بعض الشيء، وتجعلنا نعرف واحداً أو اثنين من كلّ بلد عربي، لكن حتى هذا كثير، ويصعب متابعة كلّ شيء. طبعاً، ما يزال القديم في السنّ يحتلّ واجهة المقدّمة، وليس كلّ قديم يعني إبداعاً كبيراً، وليس كلّ جديد يعني إبداعاً جديداً، أو أظنّ هذا.

حصلت على جوائز أدبية رفيعة. ماذا تعني الجائزة للمبدع؟ كيف تنظر إلى الجوائز الأدبية؟ وهل تراها رافعة للإنتاج الأدبي العربي؟

بوصفها تقييماً، أنا لا أعتقد ذلك. لكن للجوائز فوائدها طبعاً، وكلّ كاتب يحلم بالجائزة التي تلقي عليه الضوء، وتخرجه من الهامش إلى المتن. وأنا مدين، بشهرتي العربيّة، لرواية «دمية النار»، فقط، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر»، وهذا العام وصلت روايتي «مواسم الاختلاف» إلى القائمة الطويلة الجائزة نفسها، فقبل ذلك تعرَّف إليَّ الأصدقاء الكُتّاب العرب من خلال مقالات بعض النقّاد المعروفين كمحمد برادة، لكن الشهرة بدأت مع «دمية النار». والحقّ، كما يعرفني المقرَّبون، أنا لاأهتمّ بالجوائز، فإن جاءت فمرحباً بها، وهي شيء مشجِّع مادِّيّاً ومعنويّاً، وإذا لم أحصل عليها فلن يزعجني الأمر..

بعد (11) رواية، وعدّة مجموعات قصصية، هل كتبت روايتك التي تريد؟

– لا أظنّ ..كلّ كاتب يحلم بالرواية النهائية ..الرواية التي لو نكتبها سنتوقَّف، حتماً، عن الكتابة لاحقاً ..ربَّما، هذه الأمنية هي التي تدفع إلى مزيد من الكتابة لمطاردة مثل هذا الحلم.

هل من مشاريع قادمة على أرض الكتابة؟

– حاليّاً، عندي هواجس، وأفكار، وتأمُّلات، وشخصيات عالقة، وأحلام، وكوابيس..وكلّها عناصر صالحة لبدء رواية جديدة.

يعيش العالم، حاليّاً، حالة من الخوف والقلق بسبب «فيروس كورونا».. لو أردنا أن نوظّف الأدب والإبداع في مواجهة مثل هكذا مصائب، فكيف سيكون دور الأديب والمبدع هنا؟

– الشيء الوحيد الذي ربَّما يستطيع الأدب أن يساعد فيه، في ظلّ الحجر الصحّي، هو أن يدعم وعي الناس الذين يطالعونه بأهمِّيّة الحياة والصمود ومعرفة ما يجول في النفس البشرية من شرور وخير ، وطريقة للهروب من هذه اللحظة الأليمة، وهذا المصاب الشديد.

لين فنغمين: المستعربون الصينيّون ضدّ المركزيّة الغربيّة

ينتمي «لين فنغمين» إلى الجيل الجديد من المستشرقين الصينيين الذين يهتمّون بالثّقافة وباللّغة العربيتَين. يشغل منصب عميد معهد الدراسات العربيّة الإسلامية في جامعة بكين، ونائب رئيس مركز الدراسات الشرق الأوسطية، ونائب رئيس مركز الدراسات الإفريقية في الجامعة نفسها، ورئيس جمعية الصين لدراسات الأدب العربي. ترجم «لين فنغمين» عدداً من الأعمال العربيّة إلى الصينية، من بينها «برقيّات عاجلة إلى وطني»، و«امرأة بلا سواحل» و«آخر السيوف» لسعاد الصباح، و«جسر بنات يعقوب» لحسن حميد، و«كتاب الأمير» لواسيني الأعرج، و«دومة ود حامد» للطيِّب صالح، كما نشر عدداً من الدراسات، من بينها «الأدب العربي الحديث في التحوُّل الثّقافي»، و«الدراسات المقارنة بين أدبَي الصين والعرب».

  ما الأسباب التي كانت وراء اختيارك للُّغة العربيّة لغةً للترجمة والبحث ؟

– يبدو أن اللّغة العربيّة هي التي اختارتني، أو يمكن القول إن القدر اختارني لدراسة اللّغة العربيّة. إذ لم تكن لديَّ أيّة رغبة في دراستها في مرحلة الدراسة الثانوية، وذلك بحكم كوني لم أكن أعرف، حينها، أين يقع العالم العربي. وسيكون أحد أساتذة كلّيّة اللّغات الشرقية وراء تغيير مساري، حين أقنعني باختيار دراسة هذه اللّغة ضدّاً على رغبتي في دراسة الإنجليزية أو الإدارة أو الاقتصاد، أمّا الأمر الذي حفَّزني، أيضاً، على تغيير مساري فهو بحثي عن مقعد في جامعة بكين، باعتبارها أفضل الجامعات في الصين، وأقدمها، وهي الجامعة التي تحتضن كلِّيّة اللّغات الشرقية، حيث يتمّ تدريس اللّغة العربيّة.

وبعد التحاقي بجامعة بكين؛ قصدَ تعلُّم اللّغة العربيّة، بدأتُ اكتشف جمال هذه اللّغة، بالرغم من الصعوبات التي تطرحها أمام كثير من الصينيين. وبفضل علاقتي باللّغة العربيّة، ستتاح لي فرص زيارة كثير من البلدان العربيّة، واكتشاف جانب من جغرافيا هذا العالم المذهل، والإحساس بعواطف المجتمعات العربيّة. ولا شكّ في أن اللّغة العربيّة فتحت لي باباً مشرعاً على عالم مختلف جدّاً، يمنحني إمكانية الاستمتاع بمعالم الثّقافة العربيّة والإسلامية المذهلة.

ترجمتَ عدداً من النصوص الأدبيّة العربيّة إلى الصينية، من بينها «برقيّات عاجلة إلى وطني» لسعاد الصباح، و«جسر بنات يعقوب» لحسن حميد، و«كتاب الأمير» لواسيني الأعرج، و«دومة ود حامد» للطيّب صالح. ما الذي قد تحمله ترجمة الأعمال الأدبيّة العربيّة للقارئ الصيني ؟

– أشير، أوّلاً، إلى كون عدد الأعمال الأدبيّة العربيّة المترجمة إلى اللّغة الصينية قد جاوز، بشكل عامّ، المئتي عنوان. أمّا بالنسبة إلى الأعمال المذكورة التي ترجمُتها، فتعكس أبعاداً مختلفة من الثقافات العربيّة الإسلامية، ويخصّ ذلك مجموعة «برقيّات عاجلة إلى وطني» لسعاد الصباح، التي تحمل الأفكار الوطنيّة والقومية العربيّة. بينما يمنح نصّ «جسر بنات يعقوب» لحسن حميد، للقرّاء الصينين، إمكانيةَ التعرُّف إلى معالم التسامح والتعدُّد الثّقافي، والتعدُّد الديني في العالم العربي، خصوصاً مع وجود الثّقافة المسيحية في منطقة الشرق الأوسط، بشكل لا يمسّ حضور الثّقافة الإسلامية. أمّا رواية «دومة ود حامد»، للطيب صالح، فتقرِّب القارئ الصيني من موضوع الحداثة كما تعيشها المجتمعات العربيّة، حيث يمكن أن تتعايش التقاليد العربيّة، والثّقافة الغربية، في السودان، وفي أيّة دولة من الدول العربيّة، وذلك اعتباراً لأهمِّيّة الأفكار الحديثة كأساس للتحديث، دون التضحية بالتقاليد. بخصوص نصّ «الأمير» للروائي الجزائري واسيني الأعرج، هو يُظهر للقرّاء الصينيين مقاومةَ العرب للاستعمار الفرنسي، وشجاعةَ المسلمين ضد المستعمرين، وكذلك مظاهرَ الحوار الثّقافي بين الثّقافة العربيّة والإسلامية، والثّقافة المسيحية، وبين الثّقافة الشرقية والثّقافة الغربية.

كيف ترى، من موقعك، اهتمام المثقّفين والقرّاء الصينيين بترجمة الأعمال الأدبيّة العربيّة؟

– أظن أن اهتمام المثقّفين والقرّاء الصينيين بأعمال ترجمة هذه الأعمال، هو أقلّ من اهتمامهم بالأعمال الغربية والروسية المترجمة إلى اللّغة الصينية. وإن كانت بعض الحوادث تغيِّر، أحياناً، مستوى هذا الاهتمام؛ فمثلاً: فتح فوز نجيب محفوظ بجائزة «نوبل» للأدب، البابَ أمام اهتمام المثقّفين والقرّاء الصينيين ليس بأعمال نجيب محفوظ فحسب، بل بعدد مهمّ من الأدباء والشعراء العرب الآخرين. وبعد حادث (11) سبتمبر (2001)، تزايدت رغبةُ المثقّفين الصينيين في التعرُّف إلى الثّقافة العربيّة الإسلامية، وكذلك الأمر بعد حرب الأميركان على العراق، وتغيُّرات «ربيع العرب»، وغيرها من الحوادث المهمّة التي تجعل المثقّفين يهتمّون بالعالم العربي، من خلال قراءة الأعمال الأدبيّة العربيّة المترجمة.

ما هي، بنظرك أهمّ العقبات التي يمكن أن تواجه المترجم الذي يشتغل على النصوص الأدبيّة العربيّة ؟

– أظن أن أهمّ العقبات التي يواجهها المترجم الذي يشتغل على النصوص العربيّة، تتعلَّق، بشكل خاصّ، بترجمة القصائد. لقد قال أدونيس، في محاضرة ألقاها في جامعة بكين، إن ترجمة الشعر خيانة. وأفهم من كلام أدونيس أن ترجمة القصائد، دائماً، تخالف قصد الشاعر؛ بسبب اختلاف دلالات الكلمات؛ إذ لا يمكن أن ننقل كلّ معاني القصيدة إلى لغة ثانية. ولعلَّ هذا الرأي قريب من تصوُّر الشاعر الصيني «سيتشوان» الذي يرى أن قضايا ترجمة الشعر لا تخصّ مشكلة اللّغة، فقط، بل تهمّ، أيضاً، قضيّة الثّقافة، وقضيّة تيّار الفكر الأدبي، وقضيّة مفاهيم الإبداع، وكذلك قضيّة عادات القرّاء. وإذا كان من الممكن ترجمة معاني الكلمة، فمن الصعب ترجمة القوافي والعروض إلى لغة أخرى، بل قد لا نستطيع نقل كلمات القصيدة إلى لغة أخرى، إذا كان لها أكثر من معنى.

كيف ترى مسارات الترجمة بين اللّغتين: العربيّة، والصينية، على مستوى الاتِّجاهَيْن؟

– أعتقد أن وضعيّة الترجمة بين اللّغتين: العربيّة، والصينيّة، على مستوى الاتِّجاهَيْن، ظلَّت -خصوصاً، خلال القرن الماضي- غير متوازنة، وكانت الغلبة، على الأقلّ، على المستوى الكمّي، لصالح الترجمة من اللّغة العربيّة إلى الصينية. بينما شهد القرن الحالي تطوُّراً كبيراً على مستوى تعليم اللّغة الصينية، سواء في الدول العربيّة، أو في الصين؛ إذ ارتفع عددُ أقسام اللّغة العربيّة، في الجامعات الصينية، من ثمانية أقسام إلى ثمانية وأربعين قسماً. وهو ما يشكِّل أساساً ومحفِّزاً لتطوُّر الترجمة في المستقبل.

من جهة أخرى، أنشأت الحكومة الصينية عدداً من البرامج الثّقافية لتشجيع الترجمة، ودعمها، من بينها برنامج «الترجمة المتبادلة بين الصينية والعربيّة»، الذي تمَّ إطلاقه في إطار التعاون بين الحكومة الصينية وجامعة الدول العربيّة، وبرنامج «الترجمة المتبادلة بين الصين والكويت»، وغيرها من البرامج الكثيرة، كان من نتائج ذلك ازدياد أعداد الكتب الصينية المترجمة إلى اللّغة العربيّة في السوق الثّقافية العربيّة. على العموم، تظلّ وضعية أعمال الترجمة بين اللّغتَيْن: الصينيّة، والعربيّة، محدودة، برغم الجهود المبذولة من الجانبَيْن في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع وجود كثير من الكنوز التي تزخر بها كلٌّ من الثّقافة العربيّة الإسلامية والثّقافة الصينية، والتي تحتاج إلى الاكتشاف.

تتَّسم المدرسة الاستشراقية الصينية بخروجها عن سلطة التصوُّرات الغربية التي لم تستطع التخلُّص من التصوُّرات الاستعمارية. كيف تتصوَّر، من موقعك، دواعي هذا الاختيار الذي يطبع الاستشراق الصيني؟

– قبل أن أجيب عن هذا السؤال، يجب عليَّ أن أبيِّن لكم طبيعة تمثُّل الصينيين لمصطلح «المدرسة الاستشراقية الصينية». فمن المعروف أن علم الاستشراق، بمفهومه الاصطلاحي الضيِّق، يحيل على اهتمام العلماء الغربيين بالدراسات الإسلامية، والدراسات العربيّة. في مقابل ذلك، يوسِّع الصينيون مجال المصطلح ليشمل، ليس الدراسات الإسلامية والعربيّة، فحسب، بل الدراسات التي تهمُّ الصين والهند واليابان وكوريا وغيرها من الدول الآسيوية، أيضاً؛ لذلك، أُفضِّل أن أستخدم مصطلح (الاستعراب) أو علم الاستعراب. وبالفعل، إن معظم الأساتذة والباحثين الصينيين المتخصِّصين في علم الاستعراب هم ضدّ هيمنة التصوُّرات الغربية، وضدّ المركزية الغربية، إذ لا يتبعون وسائل الاعلام، لأنهم يعرفون اللّغة العربيّة، ويقرأون الصحف والمجلّات والكتب العربيّة؛ وهو ما يتيح لهم إمكانية التعرُّف إلى الأوضاع الحقيقية في الشرق الأوسط، بدون وضع ثقتهم العمياء في الميديا الغربية.

هيرفيه لو تيلييه.. مواجهة المرء لنفْسه

استطاع الروائي «هيرفيه لو تيلييه»، من خلال روايته «النشاز – L’anomalie» أن يحقِّق أفضل مبيعات الموسم الأدبي الجديد لهذه السنة، إذ تُوّج، مؤخَّراً، بجائزة «غونكور»، بثمانية أصوات مقابل صوتَيْن لفائدة رواية «مؤرِّخ المملكة»، للكاتب الفرنسي «مايل رينوار».

على الرغم من أن «هيرفيه لو تيلييه» كان يقيم في إقليم «دروم»، في فرنسا، في إطار تجربة الحَجْر، إلا أنه، قبل أيّام قليلة من صدور قرار لجنة تحكيم «غونكور»، كان منخرطاً في حملة الترويج لروايته، مستمتعاً بذلك . وقد سرَّه الاهتمام الشديد بروايته التي تحكي قصّة رحلة على متن الخطوط الجوِّيّة الفرنسية، هبطت بشكل مفاجئ، مرَّتَيْن، في نيويورك، بالطاقم نفسه ، والركّاب أنفسهم ، لتَزُجَّ بالعالم في فوضى عارمة، بعدما وجدت هذه الشخصيّات نفْسها في مواجهة أشباهها. رواية «النشاز» هي، أيضاً، كتاب عظيم عن الحبّ، تنمزج فيه الأجناس ببراعة؛ لذلك، تستحقّ هذه الحكاية الخرافية عن العالم أن تُتَوَّج، وهو ما وقع، فعلاً، في الثلاثين من نوفمبر «2020».

بنجامين لكوج: ما هي نقطة البداية في رواية «النشاز»؟

– هيرفيه لو تيلييه: كانت لديَّ عدة مشاريع، بالتزامن مع كتابة هذه الرواية. ومنذ فترة طويلة كانت لديَّ رغبة في أن أتطرَّق إلى موضوع الشبيه ، بشكل أكثر مباشرةً من موضوع الاستنساخ البسيط؛ لذلك، كان المغزى من كتابتها هو أن يواجه المرء نفْسَه، وأن يواجه ذلك الشخص الذي لا يمكنه أن يكذب عليه، ذلك الشخص الذي يمتلك ذكرياتنا، وعواطفنا، وكراهيَّتنا. وكيف يتصرَّف المرء في مواجهة نفسه. لقد كنت مهتمّاً، أيضاً، لفترة طويلة جدّاً، بنظرية المحاكاة التي صاغها «بوستروم»، وهي الفكرة المذهلة للغاية، والقائمة على الاعتقاد بأننا نعيش في عالم افتراضي، وأن كلّ ما يحيط بنا مصطنع، وهي النظرية التي حظيت، مؤخَّراً، بمصادقة مجلّة «علوم» التي أكَّدت إمكان صحّة النظرية بنسبة %50… وهكذا، تمازجت هاتان الفكرتان مع رغبتي في كتابة رواية ما، وفق فرادة سردية، تتناول جميع القضايا المتعلِّقة بالأجناس الأدبيّة.

من هنا، جاء تعدُّد الأساليب في الرواية: حيث تنطلقون من الرواية البوليسية إلى الخيال العلمي، مروراً بقصّة الحبّ…

– ه. ل. ت: نعم. كنت قد جرَّبت كتابة الرواية البوليسية في أيّام سلسلة «الأخطبوط – Poulpe» ، لكن  الأمر لم يكن يستهويني، بيد أنه كان تمريناً أسلوبياً حقيقياً، أخضعت نفسي له، في غضون شهرين، مع ما يستتبع ذلك من مخاطر التكرار والصور والتعابير غير المضبوطة، فقد كانت هذه هي اللعبة. وفي هذا العمل راودتني الرغبة، مجدَّداً، في أن أعود، مرّةً أخرى، إلى جنس الرواية البوليسية؛ لذلك نجد أن أحد الشخصيات يعمل قاتلاً مأجوراً. هكذا، قلت لنفسي، وأنا أتخيَّل أن كلّ شخصية أخرى في الرواية ستتوافق مع أسلوب سرد مختلف؛ وبهذا يكون للمجموع كلِّهِ تلوينٌ شاملٌ فريد.

هل يتعلَّق الأمر، إذاً، بذلك الأدب المعروف بقيامه على الإكراهات ، والذي يحظى بدرجة عالية من التقدير عند جماعة «مشغل الأدب الاحتمالي» (Oulipo)، التي تنتمون إليها ؟

– نعم، لكن الإكراه هنا ضعيف ، وواضح المعالم. لقد اعتدنا في مشغل «أوليبو» أن نلزم أنفسنا بمظهر معيَّن للشخصيات، والتنقُّل إلى مبنى معين، مثلما فعل «جورج بيريك» في روايته «الحياة: دليل الاستعمال – La vie mode d’emploi». بيد أني لم أضع، في روايتي، سوى ثلاث صعوبات، فقط: الأولى تتعلَّق بالأساليب، والثانية تتعلَّق بتشابكها، والثالثة تقوم على كتابة فصول تبدأ، من وقت إلى آخر، بتحوير عنصر معيَّن مأخوذ من أحد الكتب الموجودة في خزانتي الخاصّة. فعلى سبيل المثال، أخذت الفقرة الأولى من رواية «وعد الفجر- La Promesse de l’aube» لـ«رومان جاري»، وكتبتُ على ضوئها فقرة في كتابي. وهذا الأمر يساعدني في نسج الرواية. إنه لأمر ممتع جدّاً أن ينتقل المرء من جنس إلى آخر. لأننا إذا قمنا بخلق شخصية قاتل مأجور، فلن تكون لدينا الرغبة في أن ننهج أسلوب «بروست» في الكتابة. [يضحك].

هل تتفاعل مع شخصيّاتك في الرواية؟

– أوه! يمكنني أن أقول إن في هذا الأمر مسحة من التصنُّع، لكن ذلك ليس بالأمر الخاطئ كلِّيّاً. فعندما نكتب عن «النشاز»، فإن الشخصيات تجسّد نفسها بقوّة. إنها تجذبك إليها، وفي لحظة معيَّنة تجد نفْسَك مأخوذاً بالسرد، إذ تتولد لديك رغبة في إكمال قصّة «بليك»، أو قصّة «لوسي» و«أندريه»، أو قصّة «جوانا». وكلّ قصّة من هذه القصص القصيرة هي بمنزلة رواية.

تمثِّل «النشاز»، أيضاً، رواية عظيمة عن الحبّ…

– وليست عن أيّ شيء آخر. إذ ما إن تلتقي الأشباه، بعضها بالبعض الآخر، حتى تصير مأخوذة بتسوية هذا المشكل، ولا تأبه، أبداً، لما سواه، لكن الأشباه تواجه المستحيل والفرصة الثانية. فالمسألة الأساسية، في عصرنا، هي مسألة العلاقة مع الآخر؛ فمن هنا تنبع مشكلة حبّ تملُّك الآخر. وبهذا الصدد توجد ثلاثة طرق ممكنة: إمّا تجريد المرء من التملُّك، أو التضحية، أو التعاون، وهو ما يمكن تلخيصه في السؤال الآتي: «هل أنا قادر على مشاركة شخص أحبُّه حياته؟» إنني لا أؤمن بالتنافس بين الرجال والنساء، كما أنني لا أعتقد أننا نترك شخصاً ما «من أجل» شخص آخر، بل بدافع من ذواتنا. إذا فشلنا في إقامة علاقة ما، فهذا ليس بسبب وجود علاقة أخرى، بل لأننا، فقط، وبكلّ بساطة، لا نستطيع.

لذا، إنَّ الحل الأنسب هو أن يكون لدى كلّ منّا شبيه ؟

– نعم. [يضحك]. بوجود الشبيه، يمكن للمرء أن يحاول النظر إلى ذاته، وأن يسعى إلى تحسينها. وهو ما يفعله «أندريه»؛ أحد الشخصيات في الرواية؛ فعندما يواجه شبيهه، يرى نفسه بطريقة أكثر وضوحاً بكثير من رؤيته نفْسَهُ في المرآة.

من أين تأتي الحاجة إلى هذه المسافة، في عصر صرنا نحبّ فيه السخرية والتهكُّم؟

– إننا نعيش، أيضاً، في عالم نقضي فيه وقتنا في التقاط صور لأنفسنا، وفي النظر إلى أنفسنا، وفي السعي لأن نجعل من ذواتنا مركزاً للعالم، حيث نحبس أنفسنا في فقاعة صغيرة، تجعلنا نؤمن بنظرية المؤامرة، وتحثنا على ألّا نواجه، أبداً، موقفنا من الآخر. إننا نتاج سلسلة كاملة من الظواهر التي تخرج عن نطاق سيطرتنا، من بينها: وسائل التواصل الاجتماعي، والتلفزيون الذي بدأ يفقد مكانته لصالح اختيارات ترفيهية وتثقيفية وإعلامية أخرى عديدة؛ إذ لم يحدث، أبداً، أن تمتَّع هذا العدد الكبير من الناس بهذا القدر القليل من الثّقافة؛ عرض ثقافي ضخم يركِّز على الحدّ الأدنى من الاختيارات، وهذا، أيضاً هو ما أعيشه، الآن، في هذه الرواية التي حقَّقت نجاحاً ظاهراً من المرّة الأولى، بينما الكثير من كتب أصدقائي لم تَنَلْ حقَّها من الشهرة، وهذا ظلم.

كيف كان شعورك عندما علمت بأن روايتك «النشاز» هي واحدة من الروايات المرشَّحة للفوز بجائزة «غونكور»؟

– أوه! لقد انخفض الضغط الآن، بعدما احترق مخزوني من الأدرينالين كلِّيّاً. [يضحك]. أنا لا أكترث لهذا الأمر. أشرب الشاي الممزوج بالأعشاب، وبعض المشروبات الأخرى. لقد كانت هذه الاستراحة مفيدة، تقريباً، بالنسبة إلى المرشحين الأربعة في المرحلة النهائية، ثم توقَّف كلّ شيء، فجأة، دفعة واحدة؛ لذلك أنا أتساءل عمّا إذا كان الأمر مهمّاً بالفعل. ولكن، تظل جائزة «غونكور»، مع ذلك، قادرة على تغيير حياة من يفوز بها، رغم أنني لست مهووساً بالأمر، ولا أفكِّر به طوال الوقت. وقد اتّضح أنه يجري، الآن، بالفعل ترجمة رواية «النشاز»، فأنا، إذاً، قد حقَّقتُ هدفي الشخصي المتمثِّل في إخراج الرواية إلى الوجود، كما أننا سعداء جدّاً بوجود جائزة مثل «غونكور»، إذ من شأن هذا الأمر أن يغيّر مكانك في الوسط الأدبي، ولكن بشكل مؤقَّت. فمن منّا -مثلاً- يتذكَّر جائزة «غونكور» لعام (1992) أو لعام (1993)؟ يتعيَّن علينا، إذاً، أن ننظر إلى هذا الأمر من منظور نسبيّ، وهو ما من شأنه أن يقدّم فرصة إضافية تمكِّن الكتب السابقة من أن تخرج، مرّةً أخرى، إلى الوجود.

ما وجهة نظركم في ما يتعلَّق بمسألة إغلاق المكتبات. هل ينبغي منح الأولوية للصحّة أكثر من الثّقافة ؟

– لا أدري، فأنا لست عضواً في المجلس الصحّي. والبلجيكيون لم يتبنّوا هذا الخيار. نحن نتوفَّر على أقنعة واقية، ومعقّمات، ثم اتَّضح أن عملية «طلب شراء الكتب عبر الإنترنت، قبل تسلّمها في المكتبة، والمعروفة بـ«click and collect»، ليست بالفاعلية التي كنّا نعتقد.. لأن جزءاً من المبيعات يتمّ بعد جَوَلان القارئ في فضاء المكتبة، واكتشافه بعضَ العناوين من خلال تناوله الكتب مباشرةً من فوق الرفوف. زد على ذلك أن كبار البائعين هم وحدهم من يستفيدون من نظام البيع هذا. وهكذا، الكتب الحقيقية التي أقوم باقتنائها هي تلك التي أراها على طاولة معيّنة أو على رفّ معيّن. وعندما أسمع «برونو لو مير» وهو يقول:«إن هذه العملية ستسمح لبائعي الكتب بالبدء في استخدام التقنية الرقمية»، ينتابني الفضول لمعرفة متى كانت آخر مرّة قام فيها وزير المالية هذا بزيارة المكتبة. إن المكتبة هي المكان المناسب الذي يواجه فيه المرء خيارات كثيرة؛ إذ ليس من الممكن أن يقتصر الأدب على خمسة عشَر عنواناً.

لقد كنتَ تَدْرُس الرياضيات، فكيف انتقلت إلى الأدب؟

– لم أكن مُدرِّساً جيّداً، كنت أطرح الصيغة الرياضية قائلا: «سنحاول العثور عليها معاً»، وكان بعض الطلّاب يتوصَّلون إلى الحلّ بشكل أسرع مني. لقد كان الأمر شبيهاً ببيداغوجيا التلميذ الكسول، إذ كنت أعرِّض نفسي للحرج؛ لذلك حوَّلت وجهتي نحو مركز تكوين الصحافيين ، حيث تَمَّ قبول ترشُّحي هناك، وسرعان ما دخلت عالم المجلّات العلمية، ولكم كنت أحبّ تبسيط المادّة العلمية، ونشرها لعموم القرّاء!.

ولكن، مع ذلك، كلّ هذا لا يجعل منك كاتباً.

– في عام (1984)، نشرت روايتي الأولى. لم تكن رائعة، بيد أني بدأت في الكتابة ضمن المجلّة الأسبوعية «حدث الخميس – L’Evénement du jeudi». ولمدّة سبع سنوات، كنت أكتب كلّ أسبوع قصّة قصيرة تتضمن ألفَيْ علامة. مرّة على الكوكتيلات، ومرّة على المكرونة، وأخيراً على مشروب شاي الأعشاب. كنت قد كتبت عن شاي الأعشاب حكايات مرعبة، كانت بطلتها هي نسخة بديلة لشخصية الآنسة «ماربل» الشهيرة، وقد شكَّل ذلك تدريباً جيّداً من حيث الكثافة السردية. وبالنسبة إليَّ، أنا الذي كنت أحبّ «جول رونار» أو «سويفت»، فإن اعتناق الشكل القصير ، كان أمراً مثاليّاً.

من الكتّاب المفضَّلون لديك؟

– عندما كنت طفلاً، كنت أفضِّل قراءة «رومان غاري»، و«جان بول سارتر» و«إيتالو كالفينو» فيما بعد، في روايته الثلاثية «أسلافنا»، لكن مجموعته القصصية «ماركوفالدو» هي أكثر ما أثار إعجابي، على مستوى الشكل؛ فقد كانت هذه القصص الصغيرة تتعاقب، وتخلق كوناً رائعاً مشيّداً بشكل جيِّد، كما أنها كانت تُدخِل النثر في شعر حضري مذهل.

أما زلت تقرؤه؟

– بالطبع. وأنا أقدّمه، أو أنصح بقراءته باستمرار، وخاصّةً للمراهقين الذين يسألونني عمّا يجب عليهم قراءته. لقد وصفه بافيس بأنه سنجاب القلم، وهذا -فعلاً- هو أدقّ وصف له: «كالفينو» يقفز من غصن إلى آخر، في رشاقة لا حدود لها.

ما الذي عرفته عن نفسك بفضل الأدب؟

– أدركت عندما قاربت سنّ الثلاثين، أن الأدب طريق يمكن أن يسلكه المرء للهروب من نفسه، ومن الحياة اليومية؛ لذلك فسيكون من الصعب عليّ أن أستغني عنه، من الآن فصاعداً…

حوار: بنجامين لكوج

المصدر:

https://bit.ly/3nMuBRy

خالد خليفة: كُتّاب وكاتبات يعتبرون الوصول إلى الشهرة قضيّة حياة أو موت

خالد خليفة: كاتب سيناريو، وروائي سوري، من مواليد مدينة حلب، سنة 1964، تُرجمت أعماله إلى الكثير من اللغات. في رصيده- حتى الآن- ستّ روايات، هي: «حارس الخديعة» (1993)، و«دفاتر القرباط» (2000)، و«مديح الكراهية» (2006) التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر» العربيّة، و«لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة» (2013) التي وصلت، أيضاً، إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر»، وحازت جائزة نجيب محفوظ لعام 2013، و«الموت عمل شاقّ» (2016)، و«لم يُصَلِّ عليهم أحد» (2019) التي أُدرجت على القائمة الطويلة لجائزة «بوكر».
للكاتب، أيضاً، عدد من المسلسلات التلفزيونيّة، منها «سيرة آل الجلالي» (1999)، ومسلسل «هدوء نسبي» (2009). أجري هذا الحوار بالتزامن مع صدور أعماله الروائية الكاملة:

فازت، مؤخَّراً، الترجمة الإيطالية لروايتك «الموت عمل شاقّ» بجائزة PremioLattesTraduzione الإيطالية المرموقة، التي تمنحها Fondazione Bottari Lattes، ماذا تعني لك هذه الجائزة؟
– الحقيقة أني كنت سعيداً جدّاً لفوز مترجمة كتبي «ماريا أفينو» بهذه الجائزة المرموقة، عن ترجمتها لكتابي «الموت عمل شاقّ» الذي لم يتوقَّف، منذ بدء صدوره باللغات الأجنبية، خاصّةً الإنجليزية، عن الحضور في قوائم كثيرة، والفوز والمنافسة على كبرى جوائز العالم كما حصل لدى وصوله إلى نهائي جائزة الكتاب الوطني في الولايات المتَّحدة. هذه جائزة مهمّة وتستحقّها «ماريا».
هل من كتب أخرى لك مترجمة إلى لغات عالمية حيّة، وحصلت على جوائز؟ حبّذا لو تحدِّثنا عن حيثيات هذ الاحتفاء الغربي بالأدب السوري، من خلال تجربتك والاحتفاء بكتبك؟
– تقريباً، أغلب كتبي مترجمة إلى الكثير من اللغات. كما تعلم، إن رواياتي: «مديح الكراهية» و«لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، و«الموت عمل شاقّ» تُرجمِت إلى عدد كبير من اللغات. والآن، أنتظر ترجمة «لم يُصَلِّ عليهم أحد» بأربع لغات. هناك حركة دائمة، وتبنٍّ لكتبي من قِبَل دور نشر أجنبية، ومن قِبَل المترجمين. وهذا ليس احتفاء بشخصي وكتبي، إنما هو اعتراف باللّغة العربيّة وبأدب جيلي. هناك، اليوم، رغبة كبيرة جدّاً بترجمة الأدب العربي، وبدأنا نحضر وننافس على كبرى جوائز العالم. هذا جيّد،لكنه ليس كافياً لاختراق الأسواق العالمية، والبقاء فيها.
صدرت أعمالك الروائيّة الكاملة في طبعة جديدة، عن (دار نوفل) في بيروت. من أين أتت الفكرة؟
– لا توجد أيّة فكرة، انتهت عقودي مع (دار الآداب)، ويجب أن تكون كتبي في السوق، فجرى الاتِّفاق مع (دار هاتشيت أنطون) للنشر، والأمور تجري بسلاسة كما ترى. أحبّ أن أرى كلّ كتبي قادرة على المقاومة، وفي طبعات جديدة.
أغلب مؤلَّفاتك تصدر في طبعتين؛ واحدة في بيروت، وأخرى في القاهرة. ما السبب في ذلك؟
– الموضوع، ببساطة، له علاقة بالتسويق، الكتاب اللبناني غالي الثمن، ويجب أن توجد كتب أي كاتب في مصر التي مازالت تعتبر الأمّ الكبرى للقراءة والكتابة. وبالنسبة إليَّ، شغفي بالقاهرة وعلاقتي بها جعلاني مصمِّماً على رؤية كتبي في واجهات المكتبات المصرية، يتداولها القرّاء أي بالأسعار المصريّة التي أصبحت، اليوم غالية -أيضاً- نتيجة التضخُّم.
كيف تنظر إلى واقع القراءة في العالم العربي؟، وهل غدت الرواية -حقّاً- ديوان العرب، والأكثر مبيعاً وقراءة، في ظلّ انحسار الاهتمام بالشِعر وبقية الفنون الكتابية الأخرى؟
– واقع القراءة لم يتغيَّر، لأن سياسات التعليم لم تتغيَّر منذ خمسين سنة. هناك مبادرات فردية هنا وهناك، لا تكفي ليصبح الكتاب جزءاً من حياة البشر، لن ينعم العرب بالحياة الحقيقية دون الوصول إلى الديموقراطية والحرِّيّة، ومازالت الرواية تحتلّ مكانة أهمّ في جدول اهتمامات القرّاء، والموضوع له علاقة بانتشار الرواية عالمياً، لا عربياً فقط.
المُلاحظ، في رواياتك، أنك لا تركّز على شخصيّة معيّنة، بقدر اهتمامك بكلّ الشخصيّات. هل يمكننا القول إن البطل، لديك، هم جميع الشخصيّات؟
– دوماً، هناك سؤال تقني لديّ، بداية كتابة أيّة رواية: كيف سأكتب الرواية؟، وعبر أيّة شخصيات؟. وصيرورة الشخصية، عموماً، تخضع لتطوُّرات معقَّدة في أثناء الكتابة، ولا أعرف إلى أين ستنتهي. لذلك، دوماً هناك شغف حقيقي للعمل على عدّة شخصيات، لا على شخصية واحدة، إنها لعبة أحبُّها، وتقنية تتيح لي تجريب أشكال كثيرة لبناء الشخصيات ومراقبة تطوُّر علاقاتها بينها وبين ذاتها، وبينها وبين الشخصيات الأخرى.
ثيمة الموت، تكاد لا تفارق رواياتك؛ وكأنها صفة باتت تلازمك. ولعلّ رواية «الموت عمل شاقّ» خير مثال على ذلك. ما الرابط الخفي الذي يجمعك بالموت؟
– دوماً، أفكِّر: لماذا أصبح الموت تيمة رئيسية في كلّ كتبي؟ حقيقةً، لا إجابة لديّ، لكن هناك جاذبية في الكتابة عن الموت والحبّ، وأنا متورِّط في التفكير والعيش والكتابة عن هذه المتلازمة.
في رواياتك، تعود إلى حقبات زمنية مختلفة، كالثمانينات «مديح الكراهية»، والسبعينات «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، والقرن التاسع عشر وبداية العشرين «لم يُصَلِّ عليهم أحد». هذا الشغف بالبحث التاريخي لديك، كيف تتحدّث عنه؟
– فقط، في «لم يُصَلِّ عليهم أحد» عدت إلى التاريخ، وكان يجب أن أجيب عن عدّة أسئلة بدأت التفكير فيها منذ عام 2006، حين بدأت أفكِّر في كتابة هذه الرواية، وعام 2008، حين بدأت بكتابة الملاحظات، كانت النتيجة التي أعرفها، مسبقاً، هي أن التاريخ لم يتوقَّف عن إعادة إنتاج نفسه. «مديح الكراهية»، و«لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة» من الأعمال المعاصرة، مازلنا نرى شخوصهما بيننا، لذلك لا أعتبرهما من روايات عن التاريخ، ولي عودة إلى التاريخ لكن ليس الآن، قد يكون بعد سنتين أو ثلاث. لديَّ، أيضاً، حكاية كبيرة أعمل عليها منذ سنوات. نعم، هناك جاذبية كبيرة في أسئلة التاريخ.
تبدو مُقلّاً في الكتابة، إلى حدّ ما، بعيداً عن الغزارة التي نعهدها من كُتّاب متفرّغين للكتابة، إذْ ثمّة فترة زمنية لا بأس بها بين إصدار رواية وأخرى؟
– الكتابة، عندي، ليس معناها النشر. غالباً، أعيد كتابة روايتي بمسوَّدات كثيرة: في «لم يُصَلّ عليهم أحد» أعدت كتابة الرواية 19 مرّة، وحين انتهت نسختها الكاملة، سنة 2017، كنت في المسوَّدة التاسعة أو العاشرة، لكن ذلك اقتضى مني قرابة سنة ونصف، والعمل لمدّة عام مع صديقتي المحرِّرة في (دار هاتشيت أنطوان) رنا حايك، وفيما بعد مع المحرِّرة في (دار العين) أريج جمال، رغم أن رنا كانت تتابع أوائل المسوَّدات، ونتحدَّث، مطوَّلاً، عن النسخ المقبلة. أحبّ هذه الطريقة في العمل، فحين يذهب الكتاب إلى المطبعة أفقد أيَّة علاقة معه، وللأبد.
نلت، في مسيرتك الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود، جوائز عدّة، أبرزها جائزة نجيب محفوظ. كذلك ترجمت أعمالك إلى العديد من اللغات. ترى، كيف تنظر إلى تجربتك، وهل نلت الحفاوة المرجوّة؟
– الشيء المؤكَّد أن أعمالي استطاعت أن تدافع عن نفسها، ولم تستعمل وسائل الغشّ والنفاق والكذب والحسد، و(طقّ البراغي)، والاتِّكاء على شهرة كُتّاب آخرين للترويج، ولم تدخل في فلك العلاقات الاجتماعية، فكما ترى هناك أساليب جديدة للترويج، خاصّةً بالنسبة إلى كُتّاب وكاتبات يعتبرون الوصول إلى الشهرة قضيّة حياة أو موت، وهنّ مستعدّات لفعل أيّ شيء من أجل الوصول إلى الجوائز والشهرة التي أعتقد بأنها أسوأ ما يمكن أن يحدث لكاتب أو كاتبة. ليس لديَّ مظلومية، فكتبي تدافع عن نفسها، وتكسب قرّاء جدداً، كلّ يوم، ولغات أجنبية بشكل دائم، وتغري بعض الحاسدين والحاسدات ليتمسَّحوا بها من أجل أن يصيبهم نتف من شهرة.
برأيك، إلى أيّ مدى استطاعت الرواية السورية أن توثّق الألم السوري الراهن؟
– حاولت، وتحاول، وستبقى تحاول. قضيّة الكتابة عن الألم السوري الراهن لن تتوقَّف؛ لذلك هي ليست حكاية واحدة سنكتبها وننتهي منها، سيبقى السوريون، والعالم معهم، يكتبون وينتجون أفلاماً لأكثر من خمسمئة سنة عمّا حدث خلال السنوات العشر الماضية؛ لذلك، إن العمل مستمرّ.
إلى جانب أعمالك الروائية، كتبت عدداً من المسلسلات التلفزيونيّة المهمّة، إلى أي مدى يستفيد الروائي من كتابة السيناريو؟
– الروائي يجب أن يستفيد من كلّ شيء. أفادتني الدراما كثيراً، خاصّة في الموضوع المالي، والتقني. أعتبر ما كتبته للدراما كان تجربة أولى للَّعب وكيفية البناء والتعاطي مع عدد كبير من الشخصيات.
هل هي الرغبة في التنوُّع والانتقال من مجال إبداعي إلى آخر، أم ماذا؟
– الموضوع كان في غاية البساطة. حاجتي للمال هي التي أوصلتني إلى الدراما التي فتحت لي ذراعيها، وجعلتني لاعباً أساسياً في أثناء سنوات الإنتاج، وأقصد: من عام 2000 حتى 2010.
في السنوات الأخيرة من المأساة السورية، أصبح قسم كبير من السوريين خارج بلدهم، حيثُ ظهر ما يسمّى (ظاهرة الأدب السوري في المهجر). هل من الممكن أن يؤدِّي ذلك إلى تشكيل ثقافتين سوريَّتين؛ واحدة في الداخل، وواحدة في المهجر؟
– سيكون لدينا كُتّاب مهاجرون لا أدب سوري في المهجر، ولن يختلف ما سيكتبه هؤلاء الكُتّاب عن أدب الداخل، ما داموا يكتبون باللّغة العربيّة عن مواضيع الحياة السورية.
لمن يقرأ خالد خليفة؟ وهل من مشاريع جديدة لديك؟
– أعيد قراءة الكلاسيكيات، وأقرأ كلّ كتاب أستطيع تجاوز ربعه الأوَّل. نعم، هناك مشاريع أعمل عليها. أنا لا أتوقَّف عن العمل.

عبد الكريم كاصد: ما أكثر الترجمات البليدة في الشعر، حتى عند أمهر المترجمين!

عبد الكريم كاصد، شاعر ومترجم عراقي كبير، وُلِد في مدينة البصرة في العام 1946، يقيم، منذ سنوات طويلة، في لندن.له العديد من الأعمال الشعرية، منها: رقعة شطرنج -ولائم الحداد- حذام، الفصول ليست أربعة. ومن ترجماته: البحث عن سيرة هيجل -كلمات- أناباز- عن الملائكة.
يرى كاصد أن الترجمة إبداع موازٍ للنصّ الأصلي.مؤخَّراً، صدرت له أعماله الكاملة عن مؤسّسة أروقة للنشر والتوزيع)، وفي هذا الحوار نعرف آراءه في الشعر والترجمة، ورؤيته لكلّ من الثقافتَيْن العربيّة، والغربية، والفرق بينهما.

أنت شاعر يعيش في المنفى، منذ سنوات..حدّثني عن آلام هذه الرحلة، وكيف تتحمَّل عذابات المنفى؟
– المنفى هو الحاضر المربك، أبداً، في علاقاته وعاداته ولغته، وقد يظلّ نائياً حتى وأنت تقيم فيه، لكنه سرعان ما يصبح ماضياً، ما إن يكون لك فيه قبر لأعزّ الناس إليك، وأطفال يتكلَّمون لغته، ويجهلون لغتهم، ليكتشفوا بأنفسهم اختلاف ما لم يفطنوا إليه، وقد أخفته اللّغة، وأظهره الواقع.غير أن ما يعمّق المأساة أن الوطن لم يعد هو الحلم، وقد أصبح منفًى آخر، منفًى ليس فيه من سمات الوطن غير ماضيه الذي تحمله معك منفرداً، والذي لم يبقَ منه سوى آثارٍ، من الصعب أن تتبيَّنها، ووجوهٍ حائلة ما زالت تحتفظ بتلك النضارة التي تلوح أطيافاً في مخيِّلتك.إنه الفقدان حقّاً. ومع ذلك، يا للإصرار، ويا للمتعة الغريبة التي يشعرها المنفيّ وهو يعود إلى آثاره المتخفِّية، بحنين الشاعر الجاهليّ المؤرّق، وإن لم يعد يخاطب آثاره بـ«ياخليليّ»، لأن الخليلَيْن لم يكونا غير نفسه المشطورة إلى أكثر من شخص! أتساءل، أحياناً: ما الذي يشدّني للذهاب إلى آثاري، شهرين كلّ عام، لأعذب نفسي بما هو غائب، وحتى بما هو حاضر من تردٍّ للحياة، عموماً؟ أجل. ثمّة ضوء، ولكن أين هو الضوء في هذه الظلمة التي أخوضها بعينَيْن كليلتَيْن؟
في أشعارك، تبدو النافذة بديلاً عن الحرّيّة..أريد أن أعرف منك: هل ينال العربي المهاجر حرِّيَّته في المنفى، أم هي قيود الحرّيّة توجد في كلّ الأماكن؟
– لم تبقَ لي غير هذه النافذة، وها هو «كورونا» يجيبك نيابةً عني. ما الفرق بين نافذة في الوطن، وأخرى في المنفى؟
في قصائدك تحضر ثنائيات كثيرة، منها الأبيض والأسود، الضوء والظلام، الحضور والغياب..هل لابدَّ من وجود الشيء ونقيضه؟
– الديالكتيك هو جوهر كلّ شيء، مادِّيّاً كان أم روحياً.لدى «هيغل» أو «ماركس»، لا فرق في ذلك، على الرغم من الهوّة التي تفصل بينهما.وحين يكون للبعض مأساة، ربِّما تكون ملهاة لدى البعض الآخر.أتذكر كم كان مرهقاً منطق «هيغل» الذي درّسَنا إيّاه في قسم الفلسفة، في جامعة دمشق، الراحل الأستاذ أنطون مقدسي، حتى لدى الطلبة الأذكياء، بتناقضاته وتركيباته!، ولكنه كان لدى شاعر عظيم مثل «بريشت»، ملهاة باعثة على الضحك.إنه الكرنفال حقّاً، ولكنه الكرنفال، الذي نسي «باختين»، وربَّما «بريشت»، أن يذكرَ أن خاتمته لا تنتهي بالفرح دائماً، بل بالعذابات، أيضاً، ففيه تختلط المأساة بالملهاة مثلما تختلط الكرنفالات، في ماضي البلدان الأوروبية، لتنتهي بالشجارات والاعتداءات على كلّ أولئك الذين يعيشون في هامش المجتمع، كما تذكر ذلك مصادر عديدة في الردّ على «باختين». يمكنك البدء معي بثنائيّة الوطن والمنفى، مروراً بثنائيّات الحياة التي لا حصر لها، وقد تنتهي (أو لا تنتهي) بثنائيّات أخرى ساكنة في أغوار النفس واللاوعي، لأختفي عنك، فلا تراني أبداً.أمّا الديالكتيك في أوطاننا، فهو مأساة صرف، حتى وإن تخلَّلتها الملهاة.
في ديوانك «رقعة شطرنج»، تحتفي بالنوافذ..لِمَ هذا الاحتفاء؟
– لعلَّ إجابتي، يلخِّصها هذا البيت الوارد في خاتمة قصيدتي «نوافذ»، الذي ينفي هذا الاحتفاء:
«أنا عبدالكريم كاصد
أتبرَّأ من نافذتي».
عبد الكريم كاصد ليس شاعراً، فحسب، بل هو مترجم أيضاً.. حدِّثني عن هذه الثنائية، وعن دافع الترجمة.
– هذه الثنائية هي جزء في صميم ثنائيّات حياتنا التي تحدَّثنا عنها، فأنا أعيش هذا العالم المترامي الأطراف، أتحسَّس أشياءه وتفاصيله وأفراده، أعراسه ومآتمه، وأتأثَّر بها، وأتمثَّلها صوراً وأخيلةً ليست مفارقة، بل هي جزء من واقع حيّ في هذا العالم المسمّى شعراً.وفي هذا العالم، مثل أيّ عالم آخر، هناك الحقيقيون وهناك الزائفون، وهناك الممثِّلون والمتفرِّجون، ومن تنتسب إليهم وينتسبون إليك، في عزلتك وفي اجتماعك، بلا طقوس أو مواثيق.إنها الرابطة السرِّية المعلنة، لاعبر الاحتفالات المبهرجة، بل عبر ما هو حميميّ من علاقة تعلن عن نفسها، بصورة أخرى؛ تتشكَّل بها روح النصّ الأصلي الذي هو نصُّك ونصّ الشاعر الآخر الذي تترجم له، وتقدِّمه عليك، معلناً عنه، مثلما تعلن عمَّن تحبّه وتؤثره، وتقدّمه، قبلك، للقارئ.هناك من يمحو أيّ أثر للمؤلِّف ليعلن، في لافتة كبيرة، عن نفسه، وهو، في فعله هذا، يمحو نفسه والمؤلِّف والنصّ معاً.الترجمة لا تحتمل «الفهلوة»، مثلها مثل أيّ عمل إبداعيّ آخر، بل تهوى التواضع.لا أقوم بالترجمة عن تصميم، بل عن محبّة ووَجْد، فإن كان ثمّة تصميم فهو لاحق؛ لذلك كثيراً ما أقوم بالترجمة على الكتاب الذي اقرأه، لينتظم، بعد ذلك، في ما يسمّى (كتاباً مترجماً)، هو ليس بمترجم لأنه كتابي أيضاً. ما أكثر الترجمات البليدة في الشعر، حتى عند أمهر المترجمين!
الغربة جعلتك تشعر كما لو أنك وحيدٌ في الصحراء..أخبرني: أيُّهما أفضل: أن تكون وحيداً تتمتَّع بحرِّيتك في مكان بعيد، أم أن تضحّي بحرِّيَّتك لتظلّ في وطنك؟
– الحرّيّة لن يُضحّى بها، أبداً. والعبد لن يكون جديراً بالوطن. كذلك إن المكان البعيد لن يهبك، بالضرورة، الحرّيّة.الحرّيّة لا تعني العزلة التي قد تكون اضطراراً، له دوافعه العديدة، وهي، أي الحرّيّة، قد تكون مع المجموع في منعطفات تاريخية معيَّنة؛ وهذا شكل مَنْ أشكال مفارقات الواقع.ثمّة من يتحدَّث عن المجموع، ويعني نفسه، مثلما هناك من يتحدَّث عن نفسه، ويعني المجموع، وهذا ما كان يردّده «ما ياكوفسكي» الشاعر الروسي، في دفاعه عن شعره، بل إن هناك من يتشدَّق في حديثه عن الأنا المتفردة المتعالية، وهي صورة باهتة للمجموع الشائع.الشعر الحقيقي النابع من تجربة حيّة هو شعر الفرد والمجموع معاً، حتى لو لم يكن لهذا المجموع علاقة بهذا الشعر، كما يطرح «إليوت» ذلك في مقال له، عن شاعر الأمّة.
تقول في إحدى قصائدك: «أنا الطائر في الهواء، أبداً / ولا مستقرّ هناك».. تُرى، متى يجد الشاعر مستقرّه؟ وأين يجده؟
– لا أعتقد أنّ ثمّة مستقرّاً للشاعر وسط هذا العالم المضطرب، بل إن الشاعر لن يستقرّ حتى لوعاش في أعظم أنظمة العالم كمالاً.سيظلّ الرافض، أبداً، إنْ كان شاعراً حقيقياً؛ لأنّ للبشر تاريخاً من الهمجية، لا يدعو للاطمئنان، حتى في أفضل الأنظمة وأكثرها رقيّاً، وهذا ما لم نرَه أو نعثر عليه، حتى في بطون الكتب.ما أكثر المثاليِّين والثوريِّين ومعتنقي السرديّات الكبرى، الذين التقينا بهم لنكتشف أنهم من أسوأ البشر. ولعلَّني أجد نفسي، هنا، أقرب إلى منطق «هيجل» مني إلى ماركس، لأن النقائض فيه لا تنتهي أبداً، فهي تتعانق في أبسط الأشياء وأعقدها: حتى في أرقى النظم التي ستتوصَّل إليها البشرية، لن نعدم وجود اللا نظام، أي أن النظام واللا نظام سيتلازمان أبداً.وما دام الأمر كذلك، فإنّ قَدَر الشاعر هو الرفض والكشف عن اللا نظام المتمثّل في الكثير من بشاعات الواقع التي نراها تتراكم، يوماً بعد آخر.
منذ سنوات، أصدرت كتابك «غبار الترجمة»، تتحدَّث فيه عن قضايا وإشكاليات الترجمة..في رأيك، هل سيتمّ الوصول إلى اتِّفاق ما حول كلّ ما اُختُلف فيه، وحوله، من هذه القضايا؟
– ولماذا الاتِّفاق والبشر مختلفون، ثقافة وذوقاً؟ وكيف يكون الاتِّفاق إن كان الحدس عنصراً أساسيّاً في الترجمة، كما يشير إلى ذلك بعض الباحثين مثل «إمبرتو إيكو» في أحد كتبه. وحتى لو كان هناك اتّفاق، فهو قد يكون في ما هو عامّ من مصطلحات وتعابير، وليس في ما هو جوهريّ في العمل الأدبيّ.وحين أتكلَّم على الشعر يصبح الاتِّفاق محالاً. الترجمة ليست نقلاً، فحسب، بل هي إبداع له من الخصائص، مثلما للعمل الفنّي، في الأصل.أليست الترجمة قراءة؟ إذن، لا بدّ من فسحة للإضافة والإبداع، بديلاً مكافئاً للحَرْفية، وليس الحِرَفية، والفقد.
دعني أسألك: «من أين يأتي غبار الترجمة»؟
– لغبار الترجمة أسبابه العديدة: ثقافة المترجم، ظرفه الخاصّ، زمنه الخاصّ، التطوُّر الحضاريّ الذي يعيشه، ذائقته، حدسه، تجربته الطويلة أو المستجدّة، ثم روحه قبل كلّ شيء.ثمّة ترجمات تكاد تكون أمينة في مظهرها، ولكنها تولد ميِّتة، محنَّطة، لا رواء لها، حتى وإن حافظت على المعنى.
وماذا عن خيانات الترجمة؟
– لست مع هذا التعبير، الذي أراه لا يعكس حقيقة الترجمة.ثمّة ترجمات تضاهي الأصل، وقد تمنح الأصل روحاً، هي ليست بأقلّ حيويًّة من روح الأصل، إن لم تكن تفوقها.إذا كان ثمّة ديالكتيك، حقّاً، في كلّ شيء، فهو يتجسَّد في الترجمة؛ لما تحتويه من تنقاضات شتّى: خسارة وربح، إضافة وفقدان، حدس وتمثّل لما هو مباشر حَيّ، إلى غير ذلك من تناقضات أخرى، يدركها جيِّداً مَنْ خبروا الترجمة ومتاعبها. وحين تكون ثمّة خيانة فهي ليست خيانة، للأصل وحده، بل هي خيانة للغة الهدف، لأن النصّ الذي أترجمه -كما قلت في إجابة سابقة- هو نصّي أيضاً، وحين يكون غير مفهوم أو بلا معنى، كما يحدث في الكثير من الترجمات، فهو خيانة للغتي أنا، أيضاً. إنه لا يسيء إلى النصّ الأصلي الذي يمكن أن يقوم بترجمته آخرون، بقدر ما هو يسيء إلى النصّ مترجَماً، ولي أنا بصفتي مترجماً، وكاتباً.هنا، تفقد الترجمة هويَّتها لتحلّ محلَّها هويّة المترجم التي هي: اللا فهم.بعبارة أخرى أكثر وضوحاً: إننا لسنا هنا، إزاء ترجمة، بل إزاء اقتراف خطأ، لا علاقة له بأصل ولا نسخ؛ لأنه بلا نسق ولا تفاعل مع أجزاء النصّ الأخرى.وحين تكون الترجمة بلا معنى فلا تنطبق عليها حتى لفظة خيانة أو أمانة، أبداً؛ لأن الخيانة مدْرَكَةٌ، وهي هنا غير مدْرِكةٍ للخطأ، وينتفي فيها، أيضاً، الحديث عن التأويل، لأن التأويل لا ينبثق إلّاّ من الفهم، ومن غنى النصّ.
عاش عبد الكريم كاصد في العراق، لسنوات، ويقيم، منذ سنوات طويلة، في أوروبا..لو سألتك عن الفرق بين الإنسان العربي والإنسان الأوروبي، فماذا تقول؟
– لم يعد العرب بعيدين عن الغرب في هجراتهم الكبيرة، في أواخر القرن الماضي وبداية هذا القرن، مثلما لم تعد سلطات الغرب بعيدة عن أغلب سلطات العرب، في خططها وصراعاتها وعودتها،من جديد، بهيئة محتلّ، عبر جيوشها وأساطيلها وقواعدها.ثمّة شعوبٌ هاربة من سلطاتها إلى الغرب، وثمّة سلطات غربية متحالفة مع هذه السلطات التي كانت سبباً في هذه الهجرات الكبيرة، أو متحاربة معها؛ وهي، في كلتا الحالتين، الطرف الأقوى الذي يسهم في تقرير مصير المنطقة المختلفة بتراثها، كليّاً، عن التراث الغربيّ، وهذا ما يتجلَّى، خاصّة، في مجتمعنا العربيّ الذي ما زال محافظاً في تقاليده وممارساته وشعائره التي لا تتعارض مع تراث الغرب وحده؛ بل مع العديد من تقاليد السلطات العربيّة وممارساتها وإعلامها الذي هو نسخة أخرى، مشوَّهة، في الكثير من الأحيان، من الإعلام الغربيّ ذي التأثير الساحق في العالم؛ لما يملكه من كفاءات عالية في تزييف الوقائع والأحداث.هذه التناقضات والتناظرات تجعل العلاقات بين الغرب والعرب الذين يخوضون حروباً في أكثر من منطقةٍ، بالغة التعقيد والتداخل، لا سيّما أنّ للغرب دوره المباشر فيها، ويجعل الافتراق هو العامل الحاسم في العلاقة بين الاثنين. ولعلّ هذا الافتراق سيكون عاملاً آخر، في المستقبل، في توجُّه العرب باتّجاه ما يسمّى بلدان الشرق.
حدثني، أيضاً، عن الاختلاف في التعاطي مع أهمِّيّة الثّقافة والإبداع والفنّ، بيننا، بصفتنا عرباً، وبينهم، بصفتهم غرباً؟
– حين نتحدَّث عن الثّقافة، يصبح الافتراق أشدّ وضوحاً.شتّان ما بين مجتمعات مستقرّة تشهد ثقافتها تطوُّراً، هو -على نقيض ما لدينا- وليد تناقضاتها ذاتها؛ ثقافة تحكمها ثوابتها وأصولها وتسعى مؤسّساتُها للحفاظ على استقلاليَّتها، رغم من كلّ محاولات السلطات في اختراقها، عبر شرائع هذه المؤسّسات نفسها، بينما نشهد أنّ مجتمعاتنا معرضةٌ للتهديد، لا بثقافتها، فحسب، بل بوجودها أيضاً، أو للارتداد إلى مرحلة سابقة قد تمتدّ إلى ألف سنة في التاريخ أو أكثر، عبر العودة إلى شرائع هي متخلِّفة، أصلاً، حتى بالقياس إلى زمنها، وهذا ما شهدناه في أكثر من بلد عربيّ اُحتلَّت نصف أراضيه أو ما يزيد على النصف، من قِبَل ميليشيات وتنظيمات أصولية متطرِّفة، ليس الغرب بعيداً عن نشأتها وتسليحها وبعثها من جديد، في أماكن أخرى، إن اُستنفدت فاعليَّتها في المكان التي نشأت أو أُنشئت فيه. هنا، نجد أن الافتراق لا الاختلاف هو ما يهيمن في علاقتنا بالغرب، وما يعمِّق الهوَّة بين الثقافتَيْن.لكن علينا ألّا نذهب بعيداً في تقييمنا لثقافة الغرب فهي، من جهة أخرى، تعاني، أيضاً، من تشويهات وتناقضات، هي صورة أخرى للأنظمة السائدة هناك، والصراع الدائر بينها وما تحتويه من إثنيات وقوميّات وطوائف، هي -بدورها- تعاني من تناقضاتها وصراعاتها المستمرّة في تلك البلدان.التقيت مرة، عند بداية إقامتي في لندن، بقسّ، وتحدَّثت معه، باعتباره إنجليزياً، فأنكر ذلك وصحَّح لي أنه (ويلزيّ)، وله لغته الويلزيّة، ودعاني لأرى فيلماً ويلزيّاً مترجماً إلى الإنجليزية، لا يتحدث شخوصه إلّا باللّغة الويلزية.الغريب أن الفيلم يحمل في عنوانه اسم «لينين»، ويتحدَّث عن وفد من الحزب الشيوعيّ يضمّ رفاقاً من أعمار مختلفة، يزور «موسكو» في زمن البريسترويكا، ثم يصف لنا ردود أفعالهم المتنوِّعة، وانسحاب بعضهم ساخطين على التجربة، بينما فضّل البعض منهم البقاء هناك، ولاسيّما الشبان منهم؛ ولكن ردّ الفعل الوحيد الجامع بينهم هو احتجاجهم حين يظنّهم الروس إنجليزاً.كان القسّ فخوراً بالفيلم، ولم يضرّه أنه عن شيوعيِّين، أو أن عنوانه يحتوي اسم «لينين»، ولعلّ من المصادفات الغريبة أن من بين كتبي المترجمة عن الإنجليزية، كتاباً لشاعر ويلزيّ هو قسٌّ، أيضاً، كان مرشحاً لجائزة «نوبل»، وحاز جوائز عديدة، يمقت الإنجليز مقتاً شديداً، ولا يجد حرجاً في التصريح عن مقته هذا، في مقابلاته في أهمّ المجلّات والصحف البريطانية مثل «الغارديان».حاز جوائز عديدة كما تقلَّد أوسمة، بعضها بحضور ملكة بريطانيا، لكنه -مع ذلك- يعبِّر عن ندمه لأنه لا يستطيع كتابة الشعر باللّغة الويلزية، لكنه كتب سيرته باللّغة الويلزية التي تعلَّمها أواخر حياته، لأن كتابة النثر -كما يرى- أقلّ صعوبةً.وفي الديوان الذي ترجمته ثمّة قصائد في هجاء الإنجليز، باعتبارهم محتلِّين عاثوا فساداً في بلاده الجميلة.الشاعر هو: «آر. إس. توماس»، والمختارات التي صدرت هي بعنوان: «ربّة الشعر هي الكمبيوتر» ويمكن إيراد الكثير من المشاهد الحياتية من واقع الحياة اليومية بالنسبة إلى الإيرلنديين والإسكتلنديين وإلى آخرين أيضاً. وليس أَدلّ على ما أقول من النُّصُب التي لا تِّزال تزين الساحات، في العديد من المدن، لقادة عنصريين وطغاة وقراصنة، تشير إلى ثقافة هي السائدة وسط ثقافات أخرى، هي ليست في موضع تجاور أو تحاور، إن لم تكن متناحرة، أصلاً، أو مهيّأة للتناحر مستقبلاً.الصراع القائم، الآن، في فرنسا أو في الولايات المتحدة، دليل آخر على هيمنة هذه الثّقافة حتى وقتنا الحاضر، وما رافقها من صراع، هو امتداد -بشكل ما- لحروب أهليّة سابقة.ولعلّ ما رأيته في إنجلترا، وفي لندن، بالذات، من أحداث وتظاهرات، وتعامل شرس مع المتظاهرين، هو وراء كتابتي قصيدتي القصيرة «ما يحدث في المنفى أيضاً»، المنشورة في مجموعتي الأخيرة «من يعرف الأرض؟ من يعرف السماء؟». ما أردت قوله إن الاختلاف ليس مقتصراً على ما بيننا وبينهم من فروقات جمّه، فحسب، بل هو في صميم ثقافتهم التي تعيش، الآن، أزمتها الحقيقية، لأن التناقضات لم يعد معزولاً بعضها عن بعض، في أيّ بقعةٍ في العالم. وقد ينطبق هذا، إلى حدّ ما، على ثقافتنا التي أضحت أو ستضحي ثقافات مختلفة؛ بسبب التناقضات الحادّة في المواقف والصراعات التي رافقت هذه المواقف، إن لم نقل الحروب والكوارث المتتالية التي ألمَّت ببلداننا

يوسا في بيت بورخس.. حوار لم يُنشر!

«لو أُتيح لي أن أسمّي كاتبًا باللغة الإسبانية، من زمننا، ستُخلّد أعماله، وسيترك أثرًا عميقًا في الأدب، سأشير إلى هذا الشاعر والقاص والناقد الأرجنتيني خورخي لويس بورخس. حفنة الكتب التي كتبها، وهي كتب موجزة، دائماً، كاملة مثل خاتم يشعر المرء- دائمًا- أنها منحوتة، كانت ولا تزال ذات أثر كبير على من يكتبون بالإسبانية. قصصه الفانتازية التي تحدث في لا بامبا أو بوينوس آيرس، في الصين أو لندن، في أي مكان في الواقع أو اللا واقع، تعكس الخيال الخصب نفسه، والثقافة الواسعة نفسها الموزَّعة في مقالاته عن الزمن، ولغة الفايكينج… لكن الحكمة عند بورخس ليست كثيفة ولا أكاديمية، وإنما هي- دائمًا- شيء فريد، ولامع، ومسلٍ، مغامرة للروح نخرج منها كقراء مندهشين، وممتلئين». 

هذا ما كتبه الكاتب البيرواني، الحائز على جائزة «نوبل»، ماريو بارجس يوسا عن خورخي لويس بورخس في مقدمة حوار أجراه معه، في العام 1981، في بوينوس آيرس، وظلّ محتفظًا به هذه السنوات كلّها ليظهر، أخيرًا، في كتاب بعنوان «نصف قرن مع بورخس»، صدر هذا الأسبوع عن دار «ألفاجوارا» الإسبانية. دار هذا الحوار في شقة بورخس المتواضعة، في مركز بوينوس آيرس، وفي وجود مساعدته التي كانت تقرأ له، أيضًا، إذ فقد بورخس بصره منذ سنوات، وفي وجود قِط سمّاه بيبو، وقال: «إن هذا اسم قِط أحد الشعراء الإنجليز الذين يقدِّرهم: وهو لورد بايرون».

– يوسا: اندهشت كثيرًا حين لم أرَ في مكتبتك أي كتاب لك، لماذا لا تحتفظ بكتبك في مكتبتك؟

– بورخس: أعتني جدًّا بمكتبتي. فمن أكون، أنا، لأضع كتبي بجانب شوبنهاور.

– ألا تحتفظ بأي كتاب من الكتب التي كتبت عنك، فرغم كثرتها إلّا أنني لا أرى أي واحد منها في مكتبتك!

– قرأتُ- فقط- أولَ كتاب نُشر خلال فترة الديكتاتورية، في مندوثا (الأرجنتين).

– أي ديكتاتورية تقصد يا بورخس؟ لأنه، لسوء الطالع، كانت هناك ديكتاتوريات كثيرة.

– ديكتاتورية ذاك… الذي لا أريد أن أتذكَّر اسمه.

– ولا ذكره.

– ولا ذكره، لا، فمن الخير تجنب بعض الكلمات. المهم، حينها نُشر كتاب بورخس: «اللغز والمفتاح» لـ«رويث دياث»، وهو بروفيسور من مندوثا، وتامايو، بروفيسور من بوليفيا. قرأت هذا الكتاب لأعثر على المفتاح لأني كنت أعرف اللغز، ثم لم أقرأ أي كتاب آخر. كتبت أليثيا خورادو كتابًا عني. شكرتها، وقلت لها: «أعرف أنه كتاب جيّد، لكن الموضوع لا يهمني أو ربّما يهمني أكثر من اللازم، وبالتالي لن أقرأه».

– ألم تقرأ، كذلك، كتاب السيرة الهائل الذي نشره رودريجيث مونجال عنك؟

– ما رأيك فيه، هل تراه ممتازًا؟

– على الأقلّ الكتاب توثيقي، ومصنوع بتمجيد، وبحب كبيرَين لك، وبمعرفة عميقة بأعمالك، كما أظنّ.

– نعم، نحن أصدقاء. هو من ميلو، أليس كذلك؟ من الجمهورية الشرقية.

– نعم، وبالإضافة إلى ذلك يظهر في واحدة من قصصك كشخصية.

– أتذكّر بعض الأشعار الجميلة لـ«إميليو أوريبي» من ميلو؛ أشعار تبدأ بطريقة تافهة، ثم تغدو عظيمة، وتتمدد: «أنا ولدتُ في ميلو، مدينة المستعمرات البيوت»… المهم، ليس هناك اختلاف كبير بين «مستعمرات البيوت» و«البيوت الاستعمارية». يقول: «أنا ولدتُ في ميلو، مدينة المستعمرات البيوت، في وسط سهل الرعب اللا منتهي»، ثم يتوسَّع «في وسط سهل الرعب اللا منتهي وبالقرب من البرازيل». كيف تتوسَّع القصيدة، ها؟ كيف تتوسَّع.

– والأهمّ كيف تقرأها أنت.

– لا، لكن «أنا ولدت في ميلو، مدنية المستعمرات البيوت» لا تعني شيئًا؛ «في وسط سهل الرعب اللا منتهي وبالقرب من البرازيل»، هل ترى «المشهد الأخير». إنه شديد الجمال، إميليو أوريبي.

– نعم إنه شديد الجمال. قل لي يا بورخس، ثمّة شيء أريد أن أسألك عنه منذ سنوات طويلة. أنا أكتب روايات، وشعرت، دومًا، بغصة بسبب عبارة جميلة جدًّا لك، لكنها مهينة جدًّا لروائي، عبارة تقول تقريبًا: «هذيان فقير هذه الرغبة في كتابة رواية، الرغبة في التوسع حتى خمسمئة صفحة في شيء يمكن أن يصاغ في عبارة واحدة». 

– نعم إنه خطأ، خطأ ابتكرته أنا، أو كسل، أليس كذلك؟ أو تجنب للمنافسة.

– لكنك كنت قارئ روايات عظيم ومترجم روايات مُبهر.

– لا، لا. لقد قرأت روايات قليلة.

– مع ذلك، تظهر الروايات في أعمالك، تشير إليها، بل وتخترعها.

– نعم، لكن ثاكري هزمني، وديكينز يروق لي جدًّا.

– هل بدت لك رواية «سوق الضلالات» مملة جدًّا؟

– استطعت قراءة «بيندينيس» بمجهود، لكني لم أستطع قراءة «سوق الضلالات»، لم أستطع.

– كونراد، على سبيل المثال، أحد الكتَّاب الذين تقدرهم، ألا تهمّك روايات كونراد؟

– بالطبع، جدًّا، لذلك أقول إن هناك استثناءات قليلة. مثلًا، حالة هنري جيمس، وهو قاصّ كبير، وروائي من عيار آخر.

– لكن أليس من بين كتابك المهمّين أي روائي؟

– …

– اذكرْ أيَّ روائي من بين المؤلّفين أو الشعراء أو النقَّاد الذين تعتبرهم مهمّين؟

– وقاصين.

– وقاصين.

– لأنّي لا أظنّ أنّ «ألف ليلة وليلة» رواية، أليس كذلك؟ هي أنطولوجيا لا نهائية.

– ميزة الرواية أن كلّ شيء يمكن أن يكون رواية. إنها نوع آكل للبشر، يبتلع الأنواع كلّها.

– بمناسبة «آكل البشر»، هل تعرف أصل كلمة «caníbal»؟

– لا، لا أعرفه. ما هو؟

– كلمة جميلة، مشتقة من كاريبي «Caribe»، ثمّ «caribal»، ثمّ «caníbal». 

– ما يعني أنّ أصلها أميركي لاتيني.

– نعم، إنّ أصلها أميركي، وليس لاتيني. كان الكاريبيون قبيلة من الهنود الحمر، ومن هنا اشتقت كلمتا كانيبال، وكاليبان عند شكسبير.

– إضافة أميركية لافتة للمفردات العالمية.

– هناك كلمات كثيرة، شوكولاتة، مثلًا، من كلمة «تشوكوتل» على ما أظن، أليس كذلك؟ ثمّ فقدت الـ«تل» لسوء الحظ، وكلمة «بابا» كذلك. 

– ما هو برأيك أفضل مساهمة في حقل الأدب الأميركي؟ من كلّ أميركا: الإسبانية والبرتغالية… مؤلّف، كتاب، موضوع؟

– رأيي أنّها الحداثة بشكل عام. لقد كانت من أعمال الأدب في اللغة الإسبانية، وذلك يظهر في هذا الجانب، كما يشير لذلك، ماكس إنريكيث أورينيا. تحدثتُ مع خوان رامون خيمينيث، وحدثني عن العاطفة التي تلقى بها نسخة من كتاب «جبال الذهب»، العام 1897، وعن تأثيره في الشعراء الكبار بإسبانيا، لذلك يظهر، من هذا الجانب، واللافت، أننا هنا- ليس جغرافيًا- أكثر قربًا لفرنسا منا لإسبانيا. لقد لاحظت في إسبانيا أن بوسعي مدح إنجلترا، أو إيطاليا، أو ألمانيا، أو حتى أميركا الشمالية، لكن إذا مدحت فرنسا يقلبون وجوههم.

– القومية مرض عضال في أي مكان في العالم.

– إحدى شرور زمننا الكبيرة.

– أحب أن أكلمك في ذلك يا بورخس، يمكنني أن أحدثك بكلّ صراحة على ما أظن.

– بالطبع، إضافة إلى ذلك، أريد أن أقول إنه شر، يناسب اليمين واليسار بالتساوي.

– بعض تصريحاتك السياسية تحيرني، لكن ثمةّ موضوع حين تتحدث فيه تستحق تقديري واحترامي كليهما، وهو موضوع القومية. أعتقد أنك تكلمت – دائمًا – ببصيرة حول هذا الموضوع، أو الأفضل أن أقول ضد القومية. 

– ومع ذلك تورطت فيه.

– لكن الآن، في السنوات الأخيرة…

– حدث الكلام على ضفاف بوينوس آيرس، وتمّ التعرّف على مغنيّ البايا، وحاملي السكاكين، واستخدامهم في الأدب. أنا كتبت عن موسيقى الميلونجاس… كلّ شيء جدير بالأدب، لماذا لا نكتب – أيضًا – عن موضوعات تخصّ العادات والتقاليد؟

– أنا أقصد القومية السياسية.

– وهذا خطأ، لأن المرء لو أحب شيئًا ضدّ شيء آخر، فهذا لأنه لا يحبه فعلاً. على سبيل المثال، إذا أحببتُ إنجلترا ضد فرنسا فهذا خطأ، إذ يجب أن أحب البلدين، في حدود إمكانياتي.

– لقد أدليت بتصريحات كثيرة ضد قطيعة الكراهية بين الأرجنتين وتشيلي.

– وما زلت. أنا حاليًا، ورغم أنني حفيد، وابن حفيد لعسكريين غزاة من بعيد، إلّا أنهم لا يعنون لي شيئًا، أنا رجل مسالم. أعتقد بأن كلّ حرب جريمة. بالإضافة، لو أمكن قبول حروب عادلة، ولابد أنها موجودة – حرب الأيام الستة، مثلًا- لو قبلنا حربًا عادلة، حربًا واحدة، سيفتح ذاك الباب لأي حرب، ولن تغيب الأسباب التي تبررها، خاصّة لو أمكن اختراعها والقبض، بتهمة الخيانة، على من يفكِّر بطريقة أخرى. قبلها، لم أكن قد لاحظت أن برتراند راسل، وغاندي، وألبيردي، ورومان رولاند كانوا محقين عند تصديهم للحرب، وربّما القيمة اليوم للتصدي للحرب أكبر من الدفاع عنها أو الخوض فيها.

– هنا أختلف معك، فأنا أعتقد أنك دقيق فيما تقول، لكن: ما هو النظام السياسي المثالي بالنسبة لك يا بورخس؟ ما الذي تتمنّاه لبلدك ولأميركا اللاتينية؟ أي نظام يبدو لك الأكثر ملاءمة لنا؟

– أنا عجوز أناركي من أنصار سبنسر، وأعتقد أن الدولة شر، لكنه حتّى هذه اللحظة شر لابدّ منه. لو كنت، أنا، ديكتاتوريًا لتنازلت عن منصبي، ولعدت إلى أدبي المتواضع، لأني لا أمتلك حلًا لأقدمه، فأنا شخص حائر، وخائب الأمل، مثل كلّ أبناء بلدي.

– لكنك تعتبر نفسك أناركيًا، بالأساس لأنك رجل يدافع عن سيادته الفردية في مقابل الدولة. 

– مع ذلك لا أعرف إن كنت جديرًا بذلك. على أي حال، لا أعتقد أن هذا البلد جدير بالديموقراطية ولا بالأناركية. ربّما في بلدان أخرى يمكن تطبيق ذلك، في اليابان، مثلاً، أو في البلاد الإسكندنافية. هنا الانتخابات مزيفة بشكلٍ واضح، ولا تأتي لنا إلّا بـفرونديثي آخر أو بآخرين وما إلى ذلك. 

– هذه الارتيابية لا تتسق مع بعض تصريحاتك المتفائلة حول السلام، والمناهضة للحرب بالتحديد، ومؤخَّرًا، المناهضة للتعذيب، ولكلّ أشكال القمع.

– نعم أعرف، لكني لا أعرف إن كان ذلك مفيدًا. لقد أدليت بهذه التصريحات لأسباب أخلاقية، لكني لا أعتقد أنها مفيدة، ولا أعتقد أن بوسعها أن تساعد أحدًا. ربّما تساعدني، أنا، لأريح ضميري، لو كنت حكومة، لا أعرف كيف أتصرف، فنحن في حارة مسدودة.

– لقد أجريت معك مقابلة منذ ما يقرب ربع قرن في باريس، وأحد الأشياء التي سألتك عنها…

– منذ ربع قرن! اسكت. ما أحزن أن نتحدَّث عن شيء منذ ربع قرن…

– أحد الأشياء التي سألتك عنها كان رأيك في السياسة، هل تتذكَّر بماذا أجبتني؟ قلت: «إنها إحدى أشكال الضجر».

– آه، لو كان كذلك، فنحن متفقان.

– كانت إجابة جميلة، لكني لا أعرف إن كنت ستكررها الآن. ألا تزال تعتقد أنها أحد أشكال الضجر؟

– حسنًا، سأقول إن كلمة ضجر كلمة أكثر نعومة، سأقول إنها استياء، فكلمة «ضجر» مؤدبة جدًّا.

– هل ثمّة سياسي معاصر يثير إعجابك، تحترمه؟

– لا أعرف إن كان بوسع المرء أن يُعجب بالسّاسة، فهم أشخاص يميلون للاتفاق، للفساد، للابتسام لرسم صورتهم، واعذروني، يميلون للشهرة، أيضًا.

– من الذين يحظون بتقديرك يا بورخس؟ المغامرون؟

– نعم، لقد حظوا، كثيرًا، بتقديري لكني لا أعرف موقفي منهم الآن. يجب أن يكونوا مغامرين فرادى.

– من، على سبيل المثال؟ هل تذكر أي مغامر كنت تتمنى أن تكونه؟

– لا، لا أتمنى أن أكون شخصًا آخر. 

– هل أنت سعيد بمصير بورخس؟

– لا، لست سعيدًا، لكني أعرف أنني عند مصير أحد غيره؛ سأكون شخصًا آخر. وكما يقول سبيوزا: «كلّ شيء يريد عزلة كينونته». وأنا مُصر على أن أكون بورخس، لا أعرف لماذا. 

– أتذكّر جملة لك: «قرأت أشياءً كثيرةً، وعشت أشياءً قليلةً»، عبارة جميلة من ناحية، وتبدو نوستالجية من ناحية أخرى.

– حزينة جدًّا.

– يبدو أنك متأسف عليها.

– كتبتها حين كنت في الثلاثين من عمري، ولم أنتبه، حينها، إلى أن القراءة شكلٌ من أشكال الحياة، أيضًا.

– لكن، ألا تشعر بنوستالجيا لأشياء لم تفعلها، لأنك كرّست وقتك لحياة فكرية صافية؟

– أعتقد لا. أعتقد أنه على المدى الطويل يعيش المرء، بشكل أساسي، كلّ الأشياء، والمهم ليست الخبرات، وإنما ما يفعله المرء بها.

– أظن أن ذلك منحك تخليًا كبيرًا عن الأشياء المادية. المرء يكتشف ذلك عند الوصول إلى البيت. تعيش بالفعل كراهب، بيتك محض تقشف كبير، تبدو غرفة نومك كزنزانة راهب، هي بالفعل متواضعة بشكل لافت.

– الرفاهية بالنسبة لي وقاحة. 

– ماذا يعني المال في الحياة بالنسبة لك يا بورخس؟

– إمكانية شراء الكتب والسفر وتطوير كلّ منهما.

– لكن ألم تهتم، أبدًا، بالمال؟ ألم تعمل، أبدًا، من أجل جنيه؟

– حسنًا، حتى لو فعلت ذلك، فيبدو أنني لم أنجح. الأفضل بالطبع أن تتمتع بالرفاهية، أن تعلو فوق الحاجة، خاصّة لو كنت في منطقة فقيرة، وكنت مضطرًا إلى التفكير في المال طوال الوقت. شخص ثري بوسعه أن يفكّر في شيء آخر، أما أنا فلم أكن ثريًا أبدًا. أجدادي كانوا أثرياء، كانت لدينا بيوت، وخسرنا كلّ شيء، صادروها، لكن حسنًا، لا أظن أن ذلك مهم.

– أنت تعرف أن جزءاً كبيراً من بلدان هذه الأرض تعتمد، اليوم، على الأموال في معيشتها، والرفاهية المادية استحقاق لك.

– الطبيعي أن يكون كذلك خاصّة مع وجود الفقر. ففي ماذا سيفكّر المتسوّل إلّا في المال والطعام. لو كنت فقيراً جدًّا، ليس أمامك إلّا التفكير في المال، فالشخص الثري يمكن أن يفكّر في شيء آخر، لكن الفقير لا، مثل المريض لا يفكّر إلّا في الصحَّة. الإنسان لا يفكّر إلّا في ما ينقصه، لا ما يمتلكه. حين كنت مبصرًا لم أكن أفكّر أن البصر ميزة، والآن في المقابل، أدفع أي شيء لأسترد بصري، ولن أخرج من البيت.

– يا بورخس، ثمّة شيء أدهشني في هذا البيت المتواضع الذي تعيش فيه، خاصّة في غرفة النوم شديدة التقشف، هو رؤية «نيشان الشمس» الذي منحته الحكومة البيروانية لك من بين أشياء قليلة بالغرفة.

– هذا النيشان يعود إلى العائلة قبل أربعة أجيال.

– وكيف ذلك يا بورخس؟

– حصل عليه أبو جدي، الكولونيل سواريث؛ لأنه قاد حملة فروسية بيروانية في خونين. حصل على النيشان، ورقّاه بوليفار من رائد إلى كولونيل، ثم ضاع النيشان في الحرب الأهلية. ورغم أننا عائلة متماسكة إلّا أني قريب بعيد في روساس، حسنًا، كلنا أقرباء في هذا البلد شبه المهجور، وبعد أربعة أجيال عاد إلينا لأسباب أدبية، وكنت مع أمي في ليما، وقد بكت لأنها كانت قد شاهدت النيشان من قبل في صور أبي وجدي، والآن غدا بين يديها، ومن أجل ابنها. كانت متأثِّرة جدًّا.

– معنى ذلك أن علاقتك بالبيرو ترجع لأجيال عديدة.

– نعم، لأربعة أجيال. لا، بل أقدم من ذلك، سأقول لك، أنا كنت… لا لا، انتظر. نعم، أنا كنت في الكوثكو، ورأيت بيتًا له درع برأس مِعزة، ومن هناك خرج خيرونيمو لويس دي كابريرا قبل أربعمئة سنة، ليؤسس مدينة تسمّى إيكا، لا أعرف مكانها، ومدينة قرطبة، بالجمهورية الأرجنتينية. بمعنى أنها علاقة قديمة.

– هكذا أنت بيرواني بطريقة ما.

– نعم، بالطبع نعم.

– ماذا كانت فكرتك عن البيرو قبل أن تعرف ليما؟

– كانت فكرة كسولة جدًّا، اعتقدت أنها مبنية على رأي بريسكوت.

– على ذكر كتاب «تاريخ غزو البيرو» لـ«بريسكوت»، متى قرأت هذا الكتاب؟

– ربّما كنت في السابعة أو الثامنة، وهو أول كتاب تاريخ أقرأه في حياتي، بعدها قرأت كتاب «تاريخ جمهورية الأرجنتين» لـ«بيثنتي فيدل لوبيث»، وكتاب «التاريخ الروماني والإغريقي»، لكن أول كتاب أقرأه من أوله لأخره كان كتاب بريسكوت.

– وأي فكرة كانت لديك عن البيرو؟ البلد الأسطوري ربّما؟

– أسطوري قليلًا، نعم، ثم صرت صديقًا مقربًا لكاتب منسي بينكم بلا شك، البيرواني ألبيرتو إيدالجو، من أريكيبا. 

– الذي عاش فترة طويلة في الأرجنتين، أليس كذلك؟

– نعم، وهو من كشف لي عن شاعر كنت أحفظ له أشعارًا كثيرة من الذاكرة.

– أي شاعر يا بورخس؟

– إيجورين.

– خوسيه ماريا إيجورين.

– نعم، هو بالضبط، وعنوان كتابه «الطفلة ذات اللمبة الزرقاء» أليس كذلك؟

– هذه القصيدة، إحدى أشهر قصائد إيجورين.

– نعم. وهناك قصيدة أخرى… لديّ صورة غامضة عن مركب وقبطان ميّت، يتجول بالمركب، لكني لا أتذكر أبياتها.

– هو شاعر رمزي يمتاز بسذاجة ورِقّة كبيرتين.

– رقة كبيرة نعم، ولا أعرف إن كانت سذاجة، أعتقد أنه كان ساذجًا متعمدًا.

– لا أقول سذاجة بالمعنى التحقيري.

– لا .. لا، السذاجة جدارة، بالطبع.

– لم يخرج، قط، من البيرو، وأعتقد أنه لم يخرج من ليما، أبدًا، وكتب جزءًا كبيرًا من أعماله عن العالم الشمالي، عن الحوريات الإسكندنافيات، وعن موضوعات غريبة بالنسبة له.

– النوستالجيا مهمّة جدًّا.

– ربّما ذلك ما يخلق تشابهًا بينكما: أنت وإيجورين.

– نعم، الحقيقة أنني أفكر في بلاد لم أزرها، أو عرفتها بعد ذلك بكثير. أتمنى زيارة الهند والصين…، رغم أنني أعرفهما أدبيًا.

– أي بلد عرفته حرّك مشاعرك أكثر يا بورخس؟

– لا أعرف، ربّما اليابان وإنجلترا و…

– أيسلندا، مثلًا؟

– أيسلندا، بالطبع، لأني أدرس الإسكندنافية، وهي اللّغة الأمّ للسويدية والنرويجية والدنماركية وبشكل جزئي للإنجليزية.

– لكنها لغة مهجورة، منذ عدة قرون؟

– لا لا، يتحدَّثون بها في أيسلندا. لديّ طبعات لكتب كلاسيكية، وأعمال من القرن الثامن عشر، هذه الطبعات اشتريتها وتلقيتها كهدايا من ريكيافيك، لا يوجد فيها قاموس ولا مقدمات ولا هوامش. 

– معنى ذلك أنها لغة لم تتطور، ظلّت كما هي على مدار ثمانية قرون.

– أشكّ في أن النطق قد تغير. هم بوسعهم قراءة الكلاسيكيين، كما يستطيع الإنجليزي قراءة دنبار وتشوسر، وكما نستطيع، نحن، قراءة، لا أعرف، نشيد السيد، والفرنسيون قراءة نشيد رولان.

– واليونانيون قراءة هوميروس.

– نعم بالطبع، فبوسعهم قراءة كلاسيكيهم في طبعات بدون هوامش ولا قواميس، ونطقهم بطريقة مختلفة بالطبع، لكن، على سبيل المثال، النطق الإنجليزي تغيّر كثيرًا. نحن نقول: «to be or not to be»، لكن يبدو أن شكسبير، في القرن السابع عشر، كان يقول: «tou be or not tou be»، بالحروف المتحرّكة مفتوحة أكثر، وهذا يجعلها رنانة أكثر، ومختلفة كليًا، وتبدو مضحكة، الآن. 

– أنت فضولي جدًّا، أو مفتون، بالأدب الغريب.

– لا أعرف إن كان غريبًا.

– أشير إلى اهتمامك بأدب شمال أوروبا والأنجلوساكسوني.

– حسناً، الأنجلوساكسوني هو الأدب الإنجليزي القديم.

– هل تعتقد أن له علاقة بـ …

– بالنوستالجيا؟

– بالأرجنتين، حيث إنّ الأرجنتين بلد حديث كليةً، بلا ماضٍ، تقريبًا.

– أعتقد أنه نعم، وربّما يكون أحد ثرائنا هو النوستالجيا، نوستالجيا أوروبا، خاصّة التي لا يستطيع الأوروبي أن يشعر بها لأنه أوروبي لا يشعر أنه أوروبي، وإنما يشعر أنه إنجليزي، فرنسي، ألماني، إسباني، إيطالي، روسي.


المصدر: من كتاب «نصف قرن مع بورخس»، ماريو بارجس يوسا، دار ألفاجورارا، يونيو 2020.

محمد حلمي الريشة: ترجمتُ قصائد، اشتهيتُ لَو أَنِّي مبدعُها

تُرجمتْ نصوص الشاعر والمترجم الفلسطينيّ محمد حلمي الريشة (مواليد نابلس) إِلى اللُّغاتِ: الإِنجليزيَّةِ والفرنسيَّةِ والبلغاريَّةِ والإِيطاليَّةِ والإِسبانيَّةِ والفارسيَّةِ والأَلمانيَّةِ. حصل على عدّة جوائز وتكريمات رفيعة المستوى. له العديد من الإبداعات؛ شعرًا وترجمةً. من أعماله الشعرية: الخيل والأنثى، ثلاثية القلق، كتاب المنادَى، كأعمى تقودني قصبة النأي. ومن ترجماته: «لماذا همس العشب ثانيةً؟» (مختارات شعرية لكريستوفر ميريل)، «مرآة تمضغ أزرار ثوبي» (مختارات شعرية لشاعرات من العالم)، «الخريف كمانٌ ينتحب» (شعريّات مختارة من العالم)، «شعر الحب الصيني»، «أنت الأكثر جمالًا لأنك تنظر إليّ» (شعريّات نسوية مختارة من العالم)، وغيرها. في هذا الحوار، يتحدّث الريشة عن رحلته مع الشعر والترجمة والحياة.

ليس كلّ من عرف لغتَيْن يستطيع أن يُترجم من إحداهما إلى الأخرى.. ثمّة إحساس باللغة؛ وهو ما يُحْدث الفارق بين ترجمة وأخرى.. ما رأيك؟

– اللُّغةُ مِن أَساساتِ الثَّقافةِ العامَّةِ، والشِّعريَّةِ بخاصَّةٍ؛ لِهذا أَقولُ دائمًا: اللُّغةُ هيَ بطلةُ النَّصِّ الأَدبيِّ، والنَّصِّ الشِّعريِّ بالذَّات. فالنَّصُّ المترجَمُ يَستقي وينهلُ جماليَّةً مضافةً إِلى جماليَّتهِ الأَصليَّةِ المتأَصِّلةِ فيهِ مِن تفاصيلِ اللُّغتَيْنِ معًا، ومِن مخيّلتِهما، فمتَى كانَ المترجمُ متمكِّنًا لغويًّا وثقافيًّا، ومدرِكًا بكلِّ وعيٍ، ومستحضِرًا مَا يستجدُّ، لغويًّا وشعريًّا، تكُنِ التَّرجمةُ بجرعةٍ زائدةٍ منَ الدَّهشةِ المتولَّدةِ. 

نعمْ؛ الإِحساسُ باللُّغتَيْنِ فِي التَّرجمةِ، وليسَ بلغةٍ واحدةٍ، ضرورةٌ استثنائيَّةٌ فِي هذهِ الحالةِ الإِبداعيَّةِ أَيْضًا. 

لك باع طويل في ترجمة الشعر. هل كونك شاعرًا، بالأساس، هو ما قوّى قلبك، ودفعك إلى هذا؟

– لمْ أَسأَلْ ذَاتي الشَّاعرةَ هذَا السُّؤالَ، بلْ لمْ أُفكِّرْ بهِ. كنتُ قرأْتُ فِي العامِ (1978) قصيدةَ «الأَرضُ اليبابُ» للشَّاعرِ (ت. س. إِليوت) مترجَمةً فِي مجلَّةِ « شِعر». شدَّتني إِلى البحثِ عنْ قصائدَ لِهذا الشَّاعرِ، وحينَ قرأْتُ قصيدتَهُ «الرِّجالُ المجوَّفونَ» باللُّغةِ الإِنجليزيَّةِ، جرَّبتُ ترجمتَها إِلى اللُّغةِ العربيَّةِ، ولمْ أَكنْ قرأْتُها مترجَمةً آنذاكَ. كانتْ هذهِ أَوَّلَ تجربةٍ فِي ترجمةِ الشِّعرِ، وتمَّ نشرُها فِي إحدى الصُّحفِ المحليَّةِ. 

ربَّما كانتْ هذهِ التَّرجمةُ دافعًا لترجمةِ نصوصٍ شعريَّةٍ أُخرى كثيرةٍ، فالشَّغفُ بولادةٍ ثانيةٍ للقصيدةِ، بلغةٍ أُخرى، بعامَّةٍ، ولُغتي العربيَّةِ، بخاصَّةٍ، دَفعني إِلى التَّماهي الإِيجابيِّ معْ كلِّ مَا يشدُّ انتباهةَ ذائقتِي وبَصيرتي الشِّعريَّةِ إِلى الاطِّلاعِ علَى إِبداعِ الآخرِ، شعريًّا. كلُّ النُّصوصِ التَّي ترجمتُها، بتنوُّعِ مشاربِها الكينونيَّةِ، مَا هيَ إِلَّا امتدادٌ لإِنسانيَّتي؛ قارئًا نهمًا، أَوَّلًا، وذاتًا شاعرةً، ثانيًّا، فِي مَدًى شاسعٍ غيرِ مغلقٍ ولَا مقيَّدٍ فكريًّا، وتخيُّلًا. 

مَن يتصدّى لترجمة الشعر يجد صعوبات، على الرغم من المتعة التي قد يعيشها في أثناء الترجمة.. حّدثني عن صعوبات ترجمة الشعر، ولذّتها.

– مَا مِن صعوباتٍ تذكَرُ، بخاصَّةٍ فِي التَّرجمةِ إِلى اللُّغةِ العربيَّةِ؛ فهيَ لغةٌ ثريَّةٌ جدًّا معجميًّا. وحينَ أُترجمُ، أَنتقِي الأفعالَ والكلماتِ الأَقربَ كثيرًا إِلى اللُّغةِ الشِّعريَّةِ. 

حينَ يكونُ النَّصُّ الشِّعريُّ أَخَّاذًا بملامحِهِ اللُّغويَّةِ، وآسرًا بصورهِ المتخيَّلةِ، وناطقًا بِما يضجُّ بهِ، فإِنَّ شاعرَهُ يشاركُكَ فيهِ مِن بلدٍ آخرَ، ربَّما، بأَبعدَ نقطةٍ عنكَ، ويتقاسمُ معكَ الهمومَ الكينونيَّةَ والإِنسانيَّةَ، وهمومَكَ الإِبداعيَّةَ والثَّقافيَّةَ، ليقولَ، بشعرِهِ، مَا تودُّ قولَهُ، كأَنَّهُ مرآتُكَ، وانعكاسٌ لفكرِكَ بطريقةٍ لغويَّةٍ أُخرى جذَّابةٍ بشغفٍ، فهيَ تظلُّ إِنسانيَّةُ بالدَّرجةِ الأُولى والأَوْلى.

تمنَّيتُ: لوْ أَنَّ للشِّعرِ لغةً واحدةً لَما احتجْنا إلى ترجمتهِ!.

هل أثّر انشغالك بترجمة الشعر سلبًا أم إيجابًا في إبداعك؟

– التَّرجمةُ لَا تقلُّ أَثرًا عنِ الكتابةِ والقراءَةِ؛ فحينَ لَا يشغلُني نصٌّ شعريٌّ، وهوَ يأْخذُ منِّي وقتًا كثيرًا، أَعيشُ حالةَ القراءَةِ الإِبداعيَّةِ، وحالةَ التَّرجمةِ الإِبداعيَّةِ، وإِذا جذبَني نصٌّ شعريٌّ مدهشٌ يُشعرني، بعدَ ترجمتهِ، بأَنِّي مَن أَنجبَهُ، حينَ تتراءَى لِي كلماتُهُ باللُّغةِ العربيَّةِ.

ليستِ التَّرجمةُ، فقط، ما يأْخذُ من جهدِي ووقتِي، بلِ العملُ الأَدبيُّ أَيضًا؛ الذي كان (ولَا يزالُ) لَا يشبعُ مِنهما. أَضفْ إِلى هذَا العملَ فِي الصَّحافةِ الأَدبيَّةِ؛ كنتُ رئستُ تحريرَ عدَّةِ مجلَّاتٍ أَدبيَّةٍ وثقافيَّةٍ، وأَرأَسُ، الآنَ، تحريرَ «ديوان الآنَ- مجلَّة الأَدب الحديث».

لَا أَخفي أَنَّ كثيرًا منَ القصائدَ، حينَ أَتتني، وهيَ تأْتِي بِلا موعدٍ، زمانًا ومكانًا وحالةً، لَمْ تجدْني جاهزًا لاستقبالِها؛ لأَنِّي أَكونُ مشغولًا بشيءٍ مَا، لَا يمكنُني تركُهُ، وهيَ لَا تنتظرُ، فتترُكنِي مِن دونِ أَنْ تحتمِلَني، وليتَ أَنِّي أَدري كيفَ تشعرُ هيَ بعدَ هذَا. 

لكنْ، بكلِّ الإِيجابيَّةِ الجديدةِ، والأَثرِ الثَّريِّ، والصَّدى العميقِ بداخلِي، كانتْ التَّرجمةُ لِي (ولَا تزالُ) تمنحُني أَنفاسًا إِضافيَّةً لأُحقِّقَ ذاتِي؛ قارئًا وشاعرًا، للتَّعاملِ معَ اللُّغةِ، والقراءَةِ، والثَّقافةِ، والكتابةِ. صحيحٌ أَنَّ التَّرجمةَ أَخذتْ منِّي سنين عديدةً منَ الممارسةِ والتَّمرُّسِ، إِلَّا أَنَّها، بالمقابلِ، منحتَنْي شساعةَ اطِّلاعٍ، وأدخلَتْني عالمَ الشِّعرِ الإِبداعيِّ العالميِّ مِن أَبوابهِ الكثيرةِ، والمختلفةِ، والمتنوِّعةِ.

هناك رأي يقول إنه من الأفضل ألّا يُترجم الشعرَ غيرُ الشعراء.. هل تروق لك هذه الرؤية، أم أنت ضدّها؟

– أُؤَيِّدُ هذَا الرَّأْيَ، وأُساندُهُ، بشرطِ القدرةِ علَى فعلِ التَّرجمةِ، إِبداعيًّا، مِن قِبَلِ الشَّاعرِ؛ لغةً وإِحساسًا وتماهيًا وتمثُّلًا معَ النَّصِّ الشّعريِّ. 

أُسلوبي القرائيُّ، المتجلِّيةُ ملامحُهُ بأُسلوبي الشِّعريِّ، مِن حيثُ قوَّةِ اللُّغةِ، مدينٌ لهُ لاطِّلاعي المبكَّرِ جدًّا علَى الشِّعرِ. ولَوْلا سَعيي الحثيثُ لشحنِ مخيَّلتي وذاكِرتي لمَا كنتُ شاعرًا؛ فإِضافةٍ إِلى الموهبةِ، لَا بدَّ مِن ركائزَ قويمةٍ ورصينةٍ يرتكزُ علَيْها الشَّاعرُ، أَوَّلًا، لنهجِ طريقٍ لهُ على دربِ الشَّعرِ الطَّويلِ والصَّعبِ؛ هوَ الثَّقافةُ. 

كثيرةٌ هيَ التَّرجماتُ، ولكنْ، هلْ ذاعَ صيتُ مَن ادَّعوا التَّرجمةَ، بلْ أَبعدَ مِن ذلكَ أَقولُ: هلْ لَا يزالُ لصيتِ ترجماتِهم مَا يسمعُ لهُ، الآنَ، ذِكرٌ؟

– لَا يمكنُ أَنْ يفهمَ النَّصَّ الشِّعريَّ مَن لَا يكونُ قادرًا علَى ولوجِ عالمِ التَّخيُّلِ والمخيّلةِ.

هل رأيت ذاتك الشاعرة في أشعار مَن ترجمتَ لهم؟

– النَّصُّ الجيِّدُ، حينَ يقنعُ المترجمَ، يدفعُهُ إِلى محاورتِهِ بلغتهِ محاورةً بلاغيَّةً شعريَّةً إِنسانيَّةً، معْ ملحوظةٍ مهمَّةٍ، أَرغبُ في البوح بِها: مهمَا بلغَ النَّصُّ الآخرُ مِن جماليَّةٍ شعريَّةٍ، فإِنِّي، حينَ أتَرجم، أُحافظُ علَى خصوصيَّةِ لُغتي الشَّاعريَّةِ، والشِّعريَّةِ، وعلَى خصوصيَّةِ مخيّلةِ شاعرِ النَّصِّ الأَصليِّ كلوحةٍ تسرُّ بَصري وبَص يرتي، لكني أُميِّزها، ترجمةً، بتلكَ البصمةِ اللُّغويَّةِ الَّتي أُضيفُها إلى اللَّوحةِ ليكتملَ رونقُها وبهاؤُها، هذَا لَا يَعني أَنَّ النَّصَّ الأَصليَّ ينقصُهُ شيءٌ؛ بلِ القصدُ مِن قَولي هوَ أَنِّي أُضفِي عليهِ جماليَّةً أَقتنصُها مِن نور اللُّغةِ العربيَّةِ وبهائها، مِن خصائصِ الإِبداع.

لِذا، أَنْ أَرى نَفْسِي فِي أَشعارِ مَن ترجمتُ لهُم؛ هذهِ مسأَلةٌ نسبيَّةٌ، ربَّما يُضيئها ناقدٌ شعرٍ مقارَنٍ متمكِّنٍ؛ شعرًا ونقدَ شعرٍ. 

ثَمَّ قصائدُ ترجمتُها، واشتهيتُ لَو أَنِّي مبدعُها!

دعني أعِدْ صياغة السؤال السابق هكذا: هل صادفك شاعر ممّن ترجمت لهم، وقلت في نفسك إنه النسخة المُترجَمة منك؟

– لَا أَستطيعُ تقديرَ هذَا، ولكنْ لضرورةِ الإِجابةِ أَقولُ: إِلَى حدٍّ مَا «أُكتافيو باثْ»؛ هذَا المبدعُ الَّذي أَسرَ ذائقَتي الشِّعريَّةِ منذُ العامِ (1990م)، وهوَ العامُ الَّذي حصلَ فيه علَى «جائزةِ نوبل»، وكنتُ، فِي أَوائلِ العامِ ذاتِهِ، قدْ قرأْتُ- وهذهِ المرَّةُ الأُولى الَّتي أَقرأُ لهُ- فِي مجلَّةِ «كتاباتٌ معاصرةٌ» ترجمةً لمقالتِهِ «عملُ الشَّاعرِ»، فقلتُ فِي نَفْسي، آنذاكَ: إِذا كان هذَا هوَ نثرُهُ، فكيفَ هو شعرُهُ!؟ 

ترجمتُ لهُ نصوصًا شعريَّةً جذبَتْني، وكنتُ كتبتُ مقالةً بعدَ رحيلهِ الجسديِّ، بعنوانِ: «أُوكتافيو باثْ.. كانَ جديرًا بِما حلمُ بهِ»، لأَنَّهُ القائلُ: «كنْ جديرًا بِما تحلمُ بهِ».

لقدْ كانَ (ولَا يزالُ) مِن أَكثر الشُّعراءِ إِدهاشًا لِي حدَّ الشَّغفِ الشِّعريِّ بلغتهِ المتحرِّرةِ والواعيةِ باستشرافهِ للغةٍ متخيَّلةٍ رهيبةٍ، وهوَ الشَّاعرُ (والكاتبُ والباحثُ) الجديرُ بأَنْ يُقرأَ بكلِّ قراءَةٍ واثقةٍ من أَنْ هكذَا هوَ الشِّعرُ الخالدُ.

تقول في إحدى قصائدك: «أنا الثمرة التي ظلّت معلّقة / بعد أن هوت الشجرة / بفعل الحطاب الوطني». حدّثني عن عذاباتك وآلامك؛ شاعرًا، وإنسانًا فلسطينيًّا.

– لَا تصالُح معَ الماضِي، ولَا قبول لهُ. وهذَا الحاضرُ هوَ امتدادٌ لهُ، بكلِّ الهزائمِ والنَّكساتِ والنَّكباتِ الَّتي توالدتْ منْها جبنًا / ضعفًا / نفاقًا / تطبيعًا / خيانةً…، ولَا نزالُ نجرُّ أَذيالَها جيلًا بعدَ جيلٍ. 

عَذاباتي؛ إِنسانًا فلسطينيًّا، هيَ عَذاباتُ أَيِّ فلسطينيٍّ حرٍّ، فهيَ نتيجةُ اتِّكائِهِ واتِّكالِهِ علَى الآخرِ، بلْ علَى الآخرِ النِّقيضِ! 

هلْ تَرى فِي أُفقِنا مَا يدلُّ علَى / يشيرُ إِلَى انتصارٍ قادمٍ لنَا بعدَ كلِّ هذَا وذاكَ وقدْ أَتتْ علَى كلِّ جميلٍ أَرضًا وبشرًا وإِنسانيَّةً أَيْضًا؟! 

– عَذاباتي؛ شاعرًا، سبَّبتْها خياناتٌ ودماراتٌ وأَنانيَّاتٌ ونرجسيَّاتٌ ثقافيَّةٌ؛ هدمتْ (وماتزال تهدمُ) كلَّ إِبداعٍ أَدبيٍّ، بخاصَّةٍ، وأَعمالٍ ثقافيَّةٍ، بعامَّةٍ، بأَفعالِ وإِيحاءَاتِ رموزٍ أَدبيَّةٍ وثقافيَّةٍ يَراها العالمُ غيرَ مَا نَراها فِي عالمِنا الَّذي أُصيبَ بالمحتلِّ الإحلاليِّ! أَكثرَ مِن مشروعٍ أَدبيٍّ تمَّ محوهُ أَو هدمُهُ مِن قِبَلهم، وأَكثرَ مِن إِصدارٍ ناجحٍ منتشرٍ تمَّ وأْدهُ بقطعِ الدَّعمِ أَوِ بخضوعِ لُعابِ شخوصهِ لأَلاعيبِهم الوضيعة! حتَّى الجوائزُ الأَدبيَّةُ والثَّقافيَّةُ، هُنا، ينطبقُ علَيْها: «جحا أحضره.. جحا أكله»!.

كثيرٌ مِن قصائدِي، لَا أَزالُ أُحاولُ بِها أَنْ أصلَ الَّذي كانَ بِما هوَ كائنٌ، بلغةٍ حديثةٍ ورؤيَّةٍ شعريَّةٍ، قدْ يَراها البعضُ نشيدًا خياليًّا، مع أَنَّها صرخاتٌ هادئةٌ فِي وجهِ العتوِّ والجورِ وغيرِ الَّإِنسانيِّ.

ما هي طموحاتك وآمالك؛ شعريًّا وإنسانيًّا؟

– بعدَ هذهِ الخطواتِ / الرِّحلةِ الشّعريَّةِ الكثيرة / الطَّويلة، لمْ أَعدْ أُفكِّرُ بطموحاتٍ؛ لقدْ تعبتُ حتَّى ضاقَ التَّعبُ بِي، ولقدْ نزفتُ عرقًا، لِي ولآخرينَ، حتَّى خِلتُني غارقًا فِي بحيرةٍ! حينَ رأَيتُ أَنَّ صورةَ الشَّيءِ أَبقَى منَ الشَّيءِ / صورةَ الميِّتِ أَبقَى منَ الميَّتِ! حِينها، مبكِّرًا، اشتغلتُ علَى موهبتِي الشِّعريَّةِ ومواهبِي الأُخرى، ليسَ للشُّهرةِ الَّتي لمْ أَنزلْ إِليها (الفضيحةُ تشِهرُ أَيضًا)، بلْ لأَترُكَ أَثرًا، قدْ ينفعُ النَّاسَ، قبلَ أَنْ أَختفي مِن ظلِّ / مِن تحتِ شجرةِ الحياةِ، لأَنِّي لمْ أَقبلْ، وقدْ جِيءَ بِي إِلى هذهِ الدُّنيا، أَنْ كأَنِّي مَا جِئتُ! 

ترجمت قصيدة للشاعرة اليابانية «ماسايو كويكي»، عنوانها «بحماسة أنتظر شيئًا يعْبر من خلالي».. ماذا عن انتظارك الخاصّ؟

– انتظرتُ أَشياءَ كثيرةً؛ قليلٌ مِنها أَتَى بأَسنانِ إِصراري، وقليلٌ آخرُ ذهبتُ إِليهِ حافيَ الذَّاتِ مِن أَجلِهِ، والأَقلُّ حينَ عرفتُ أَنْ مَا مِن قطارٍ سيأْتي، ومَا مِن محطَّةٍ أَصلًا؛ اكتشفتُ – ويَا للمفاجأَةِ المُرَّةِ، فِي هذَا الأَقلِّ! – أَنِّي كنتُ الانتظار.

اسمح لي أن أنهي حواري معك بسؤال، كان عليّ أن أبدأ به: إن طلبت منك أن تحدّثني عنك، فماذا تقول، شرط أن يكون ما تقوله، هنا، مقولًا للمرّة الأولى؟

– لوْ كانَ هذَا السُّؤالُ فِي بدايةِ هذَا الحوارِ لأَجَّلتُهُ إِلى نهايتِهِ. لقدْ نظرتُ فيهِ مطوَّلًا وأَنا أُحاولُ أَنْ أَفِي بشرطِكَ. بالتَّأْكيدِ، ثَمَّ أَشياءُ لمْ أَستطعْ، شخصًا، أَنْ أَقولَها لأَسبابٍ عقديَّةٍ أَوِ اجتماعيَّةٍ أَو سياسيَّةٍ أَو شخصيَّةٍ تتعلَّقُ بِي أَو بالغيرِ، لكنِّي استطعتُها شاعرًا، إِذْ تمنحُكَ لغةُ الشِّعرِ الخاصَّةُ بهِ شيئَيْن: أَنْ تبوحَ بِما تريدُ – الآخرونَ لَا يقرؤونَ أَصلًا، وأَنْ يكونَ شعرًا إِبداعيًّا فِي آن معًا.

مَا أَرغبُ في قولهِ، للمرَّةِ الأُولى، وهذَا متعلِّقٌ بما جاءَ فِي الفقرةِ السَّابقةِ: كمْ تمنَّيتُ/ تشهَّيتُ أَنْ لوْ كنتُ مقيمًا فِي مكانٍ مَا، يُحترَمُ فيهِ الإِنسانُ، ويُقدَّرُ المبدعُ، لكنتُ كتبتُ شعرًا آخرَ غيرَ الَّذي كتبتُهُ فِي سبعَ عشرةَ مجموعةً شعريَّةً.

سيزا قاسم: تمرّ شهور طويلة دون أن نقرأ عملاً نقديّاً واحداً

في هذا اللقاء الخاص، ترى صاحبة ”بناء الرواية.. دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ“ الدكتورة والناقدة الكبيرة سيزا قاسم، بأن وسائل التواصل الاجتماعي تتحكَّم في المشهد الثقافي؛ لذلك تجد روايات منعدمة القيمة تتصدَّر أعلى الكتب مبيعاً، وهذا الأمر، في نظرها، مؤسف للغاية، لأنه يشير إلى ضعف الثقافة. 

أهديت، كتاب «بناء الرواية»، بالتعبير الآتي: «إلى أستاذتي الدكتورة سهير القلماوي، التي ندين لها، أنا وهذه الدراسة بكثير من الفضل». ما رأيك أن نستعيد معك أكاديمياً وثقافياً بعضاً من تفاصيل هذه المرحلة التي تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وتأثيرها في مسارك العلمي، فيما بعد؟

– بالطبع، لأستاذتي المبدعة سهير القلماوي الكثير من الفضل في ما وصلت إليه الآن؛ فقد كانت ملهمتي التي أستمدّ منها طاقتي، وكانت قدوتي التي أفتخر بها دائماً، وكانت النور الذي أستدلّ به عندما أتعثَّر، فأعود لأقف من جديد أقوى من السابق. لا أنسى أنها كانت صاحبة الفضل في التحاقي بجامعة القاهرة، إذ أقنعت والدي بذلك. ولم يقف مشوارها معي عند هذا الحدّ، فقد أقنعتني، بعد تخرجي، بدراسة الماجستير في الدرس المقارن، وكنت- حينها- قد اخترت الأدب الفرنسي، وهي رفضت ذلك بشدّة، وحذرتني من ذلك؛ معلِّلة أن هذا القسم سيعزلني عن الواقع والأدب المصري، ولم تتركني حتى حصلت على الدكتوراه. ظلَّت خلفي، دائماً، تدفعني نحو الأمام. لقد أحببتها، بل أحببتها كثيراً، وأحببت شخصيَّتها. كانت جميلة ورائعة في كلّ نواحي الحياة.

في كتاب «بناء الرواية»، أيضاً، تساءلت: هل يمكن لكاتب أن يكتب، في منتصف القرن العشرين، «رواية واقعية»، يمكن أن نساويها بأعمال منتصف القرن التاسع عشر؟. على ضوء متابعاتك للأعمال الأدبيّة العربيّة في زمننا المعاصر، ماذا عن مشروعية هذا السؤال، وقابليَّته لتحليل نصوص زمن الحداثة والعولمة والثورة المعلوماتية؟

– في ظلّ العولمة والثورة المعلوماتية، أصبح من الصعب مواكبة الزمن الحالي برواية تستطيع منافسة أعمال منتصف القرن التاسع عشر والأعمال الأدبية والروائية التي صدرت حينها. وسائل التواصل الاجتماعي اجتاحت حياتنا، كما أنها تتحكَّم في المشهد الثقافي؛ لذلك تجد روايات منعدمة القيمة تتصدَّر أعلى الكتب مبيعاً، وهذا الأمر مؤسف للغاية، لأنه يشير إلى ضعف الثقافة، وأن هذه الأخيرة تسير في منحنى صعب وخطير.

برأيك، ما الذي تبقّى من نجيب محفوظ، الآن؟

– لا يمكننا حصر ما تبقّى لنا من نجيب محفوظ، الذي استطاع أن يحفر اسمه في تاريخ الأدب، بحروف من ذهب، وسيظلّ لآلاف السنوات؛ فهو مبدع استثنائي ترك بصمة في تاريخ الأدب والثقافة العربيَّيْن، ومن الصعب أن يتكرَّر. كان يملك جينات إبداعية.

كيف يمكن قراءته من جديد؟

– كان نجيب محفوظ قد وهب حياته للكتابة، فخصَّص، للمقال الفلسفي والقضايا الكبرى في حياة الإنسان، جزءاً كبيراً من كتاباته، دمج بين الفلسفة والأدب العربي وتاريخه، فاستطاع أن يحتلّ مكانة كبيرة بين أدباء جيله والأجيال اللاحقة. سيبقى إبداعه لفترات في المستقبل، ويمكننا قراءة أدبه، باستمرار.

فَتَنكِ ابن حزم منذ اللحظة الأولى التي قرأت فيها (الطوق) في السبعينات. وفي دراستك للكتاب، خلصت إلى إمكانية استحضار هذا الأثر في زمننا المعاصر. نملك تراثاً غنيّاً، لكن السؤال المطروح: ما الذي سنفعله بهذا التراث؟

– تعتبر رؤية ابن حزم الفلسفية من أساسيات قراءة التراث العربي؛ فقد كان أوَّل وأفضل من قدَّم منهجاً نقديّاً للعهد القديم. كانت رؤيته الفلسفية عميقة، ومنهجه نبذ التقليد، وتحرير الاتِّباع؛ وهذا ما يجعلنا نصنِّف تراثه في دائرة الأدب، الذي يمكننا استحضاره والاستفادة به في أيّ زمان، وأيّ مكان. 

شاركت بمقالة مترجمة عن لـ«يوري لوتمان» ضمن الكتاب الجماعي «جماليّات المكان». نقرأ في المقالة: «هناك أماكن جاذبة تساعدنا على الاستقرار، وأماكن طاردة تلفظنا» بين حالتَيّ الاستقرار والطرد، كيف ترى سيزا قاسم حالة المكان العربي؟ 

– مع الأسف، حالة المكان العربي والمنطقة، بأكملها، تدفعنا- بشكل كبير وغريب- إلى الطرد. لا يشعر الكثيرون بالاستقرار في ظلّ ما تعيشه المنطقة العربية. وعلى الرغم من التراث الحضاري الذي يتمتَّع به العالم العربي، لم تعد المنطقة العربية منطقة جاذبة أو مستقرّة.

كيف تستشرفين مستقبل الإنسان في مكانه، ومن خلال انتقاله؟

– في ظلّ الطفرات الحديثة للتكنولوجيا، لابدّ أن نشعر بالقلق على مستقبل الإنسان؛ فعلى الرغم من أهمِّية التطوُّر التقني والعلمي، لكلّ شيء إيجابيّات وسلبيات، وأهمّ هذه السلبيات تهميش الأدباء والشعراء. التطوُّر يأخذ الإنسان إلى منعطف مجهول يجعل من الصعب استشراف مستقبله في ظلّ السباق التكنولوجي، والطفرة التي تطرأ على العالم.

القضية المركزية، في علاقتنا الثقافية بالغرب، أصبحت أكثر من أيّ وقت مضى، مرتبطة بالهجرة، وتداعياتها السياسية تؤثِّر في مضمون قراءة المجتمع الغربي لنا. كيف يمكن، في نظرك، أن تكون الهجرة مرآة إيجابية؟، وما الدور الذي يمكن أن يقوم به المثقَّف العربي في هذا المجال؟

– يعتمد ذلك، بشكل كبير، على الثقافة الفردية لكلّ مهاجر. يمثِّل الوعي، هنا، عاملاً مهمّاً وفعّالاً للغاية. فتأثير المجتمع الغربي في شخص ذي ثقافة ووعي محدودَيْن يكون غير تأثيره في شخص مثقَّف وواعٍ. يشكِّل المثقَّفون، في هذا الصدد، أداة نقل للثقافة إلى الغرب، ونستطيع القول، أيضاً، إن الهجرة مرآة إيجابية تنقل للشرق ما هو بحاجة إليه.

آراء عديدة تذهب إلى أن الجامعات، في عالمنا العربي، منفصلة عن المجتمع. هل أنت متَّفقة مع هذا الرأي؟ وكيف يمكن للجامعة أن تتَّصل بقضايا المجتمع، بشكلٍ مصيريّ؟

– بالطبع، أتفق- تماماً- مع هذا الرأي، فالجامعات في عالمنا العربي منفصلة كثيراً عن المجتمع، ولا تستطيع مواكبة مشكلاته وإيجاد حلول لقضاياه. أتمنّى أن تتطوَّر الجامعات في يوم من الأيّام، وتجد طريقاً ونهجاً للتطوير والتطوُّر.

في حوار مع القاصّ أحمد الخميسي، نُشِر، مؤخَّراً، بمجلّة «الدوحة»: قال الخميسي: ليس لدينا حركة نقدية، وإنما لدينا علاقات نقديّة. ما تعليقك على هذا الحكم؟

– هذا صحيح، فالحركة النقدية تحتاج، كما ذكرت من قبل، إلى متابعة دائمة للأعمال الأدبية، وهذا ما لم يحدث بشكل منظَّم ومنتظم. يحتاج كلٌّ من الإبداع والنقد إلى الآخر، لكن معظم الكتّاب لا يدركون أو لا يقدرون ذلك. والحركة النقدية في عالمنا العربي تحتاج إلى كثير من التطوير والدعم.

ما تقييمك للحركة النقدية الأدبية؟

– الحركة النقدية الأدبية تشه د تراجعاً كبيراً، إذ تمرّ شهور طويلة دون أن نقرأ عملاً نقديّاً واحداً. الناقد مثل المبدع، لابدّ أن يكون في حالة مزاجية معيَّنة لكي يقدِّم نقداً بنّاءً مكتمل الأركان، وهذه المزاجية تجعله يختار عملاً ما، ويتجاهل الآخر؛ نحن لا نملك حركة نقدية متواصلة .

ما تقييمك لجوائز الأدب العربية؟ 

– عندما تُمنح جائزة لعمل ما، فإن ذلك يدعم الكاتب، ويشجّّعه. ولكن، هناك تساؤل يُطرح دائماً: هل يستحقّ الفائز تلك الجائزة؟ يبقى الجانب الإيجابي، في الجائزة، هو المساهمة في انتشار الأدب بين الجمهور.

هل يمكن اعتبار الأعمال المتوَّجة بجائزة ما أنموذجاً للنصّ الجيِّد؟

– بالطبع، لا! وليست الجائزة مقياساً، خاصّة في عالمنا العربي؛ فمن الممكن أن تتوَّج أعمال أدبية وروايات بجوائز، دون أن تكون بالقدر الكافي من الاستحقاق. 

إذن، ما جدوى منح الجائزة لرواية ما؟

– هناك أعمال تستحقّ الجائزة. ولكن، في النهاية، ليست الجوائز المعيار الذي يقاس به النجاح، كما أن هناك تجارب نمجّدها، ونقوم بتكريمها دون أن تستحقّ ذلك.

تُمنَح جوائز للدراسات النقدية، كذلك. ما تعليقك دكتورة سيزا؟

– تكون الجوائز جيِّدة عندما تُمنح لمن يستحقُّها، وللأعمال الجيِّدة التي تستحقّ القراءة. في هذه الحالة، تقوم الجوائز، بدورها، في تشجيع مؤلّفيها، ومنحهم ما يستحقّونه من تقدير، كما تعطي العمل الأدبي الجيِّد الفرصة الكافية للوصول إلى القارئ.

تمّ حجب «جائزة نوبل للأدب»، في دورتها ما قبل الأخيرة، لأسباب أخلاقية. كيف تلقَّيت هذا الخبر؟ وما تأثيره، بالنسبة إلى الجائزة الأعرق في الأدب العالمي؟

– لقد تمّ حجب «جائزة نوبل» سبع مرَّات، من قبل، ولم أندهش كثيراً، لكنه- بالطبع- شيء مخزٍ، للغاية، سبب الحجب هذه المرّة. كان لابدَّ من أن يقوم القائمون والمسؤولون، داخل الأكاديمية السويدية، بحلّ أزماتهم بشكلٍ يعيد الثقة، وحينها سيكون في مقدرتهم الاستمرار في منح الجائزة، وتخطّي تلك الأزمة.

هل ستنشرين سيرتك الذاتية؟ وما الذي ستحمله من أسرار ومفاجآت؟!

– لم أتخذ، حتى الآن، قراراً نهائياً بهذا الشأن. وبالمناسبة، لا تحمل سيرتي الذاتية أسراراً، بالكلمة المتعارف عليها. عند اتِّخاذي قراراً بشأن سيرتي الذاتية، سأعلنه على الفور.

نجيب العوفي: ليست غاية الأدب أن يتنبّأ

منذ بدء أزمة كورونا تم التفكير في الأدب من جهتين؛ الأولى بحثاً عن آثار لهذه الجائحة فيه حيث بدا لكثيرين أن هناك أعمالاً روائية أو فنّيّة تنبأت من قبل بما يحدث للعالم اليوم، ومن جهة أخرى تم اللجوء للأدب لأنه صديق العزلة وخير مؤنس في الحجر الصحي الذي دخله العالم كُرهاً ودون سابق إعداد. في هذا الحوار نحمل أسئلة العزلة والأدب؛ للأديب والناقد المغربي نجيب العوفي (1948)، الذي يُعتبر من المؤسّسين الأوائل للثقافة النقدية الحديثة بالمغرب، اشتغل أستاذاً للأدب في كلّ من جامعة «فاس» و«الرباط»، وواكب صنوف التجارب الإبداعية المغربية والعربية منذ السبعينيات بأجيالها المختلفة. أصدر العوفي مؤلَّفات منها: «متخيل القصة والرواية بين المغرب والمشرق»، و«درجة الوعي في الكتابة»، و«جدل القراءة»، و«مساءلة الحداثـة».

لنبدأ بسؤال شخصي.. كيف تعيش حالة الحجر الصحي التي فرضتها هذه الأزمة؟

– أعيش هذه الحالة كما يعيشها الملايين من إخوتنا في الإنسانية على امتداد كوكبنا الأرضي، مع فارق في الأجناس والبيئات والعادات والاهتمامات. و«المصيبة إذا عمّت هانت» كما يقال. وقد أصبحنا- الآن- سواسية أمام فيروس كورونا الجائح – الجامح، لا فرق بين سيد ومسُود، ورئيس ومرؤوس، وغني وفقير، ومتعلِّم وجاهل، وأبيض وأسود.. وحّدتنا كورونا ووحّدنا الحجْر الصحي في معتقل واحد حتى لا أقول في منزل واحد، لأن هناك مراتب و«منازل» في المنازل. أصبحنا بعبارة أخرى، أمام «اشتراكية وبائية»، حيث عزّت واستعْصت كلّ اشتراكياتنا الطوباوية. فنحن- إذن- في معتقل جماعي عالمي، نقدّم الدليل الساطع الفاجع على «العوْلمة» والآثار الوخيمة التي نتجت عنها، ونحن نستقبل هذا الرقم النّكد 2020 من حياة البشرية.

كيف أعيش حالة حَجْري؟ أعترف أن العزلة ليست غريبة عليّ، ولستُ غريباً عليها. فهي شيء ألفته في حياتي، ونُجْعة ألوذ بها باستمرار، بحكم هذا الهمّ الذي ابتُليت به كما ابتلي به غيري ممن أدركتهم حرفة الأدب، وهو القراءة والكتابة. وهذا الهم رفيق جيّد في هذا الحجر. إضافة إلى الحضور الموازي الكثيف لمحطات وقنوات الإذاعة والتلفزة وشبكات التواصل الاجتماعي/الإنترنت. وبين هذا وذاك، إطلالات من شرفة منزلي بتطوان على سفوح جبل «غُرْغيز»، لاقْتناص نسمة هواء ولمْسة شمس.

ربَّما الزمن هو أوّل ما ينتبه له المرء في تجربة الحجر، الأمر يشبه كثيراً ما قاله أحدهم عن الزنزانة حيث يعاني المسجون قلّة في المكان وفائضاً في الزمان. ما رأيك؟

– صحيح، يشكِّل الزمن الفائض المُراوح في المكان، مشكلة ثقيلة بالنسبة للمواطن المأسُور بيْن جدران هذا الحجر الصحي المفروض عليه، حيث تغدو المعادلة غير متكافئة.

تماماً في المعتقل المنزلي بين المكان والزمان. بين محدودية المكان التي قد لا تتجاوز أمتاراً معدودات في الغالب الأعمّ، وسيولة الزمان ونهْريته التي لا تنتهي إلّا بمجيء النوم، «العدم المؤقت» بتعبير سارتر. وهذا يُقَرِّبُ جدران المنازل من جدران السجون والمعتقلات، كما يساوي بين المأسورين داخل المنازل والمأسورين داخل السجون.

ومعلوم أن «الوقت» هو العدو اللدود للمواطن العادي الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، لا يدري ما يفعل به، ولا كيف يتصرَّف فيه، وبخاصّة بعد اتساع رقعة العاطلين

والبطاليين وأبناء السبيل في العقود الأخيرة. ومن ثَمَّ راجت على ألسن الناس وعبر قاموسنا الشعبي المقولة المأثورة «قتل الوقت» و«هيا لنقتل الوقت»، وكانت المقاهي، والنوادي، والحانات، وأماكن الترفيه مراتع ومُنتجعات خصبة للتنفيس الاجتماعي و«قتل الوقت» في الصفقات والنّمائم والمؤامرات والمناقشات.. انعكست الآية الآن تماماً في منازل الحجْر الصحي. إذ بدل أن يقتل المواطن الوقت، أصبح الوقت هو الذي يقتل المواطن.

في سياق هذه المعادلة غير المتكافئة بين محدودية المكان وسُيولة الزمان؛ يصبح الإبداع الإنساني خير وسيلة لمواجهة رتابة وروتين هذا الاعتقال وخير مؤنس للعليل، سواء أكان هذا الإبداع كتاباً أو فيلماً أو أغنية وموسيقى أو لوحة وتشكيلاً أو رقصاً.. كما تصبح وسائل ووسائط التواصل الاجتماعي التقليدية والحديثة كالإذاعة والتلفزة والإنترنت؛ هي الميادين والنوادي والمقاهي الأثيرية – والافتراضية التي يلتقي فيها الناس ويتواصلون ويستعيدون بعض الدفء الاجتماعي المفقود. وأنا أفتح وأتصفّح في هذه الظروف الاستثنائية العصيبة؛ شبكات التواصل الاجتماعي التي ارتفعت درجة حرارتها؛ تبدو لي جَلِيَّة وبهيّة أهمِّية هذه الشبكات التواصلية في تقريب الشُّقّة، وتجْسير الفجوة، وتخفيف الكُرْبة، وتبادل الرأي والمشورة، بين معتقلي كورونا. وقد كانت هذه الشبكات التواصلية في أحايين كثيرة عرضة للنقد. هذه هي المفارقة التراجيكوميدية للعولمة / أن تأتينا بخير حضاري عميم، وأن تأتينا- أيضاً- بِشَرٍّ حضاري وخيم.

منذ بدء الأزمة؛ تم النبش في الروايات والأعمال الإبداعية على اختلافها.. وفي كلّ يوم نجد من يقول إن العمل الفلاني تنبأ بما يحدث الآن. هل صحيح أن الأديب أو الإبداع يمكن أن يتنبأ فعلاً بشيء ضخم قد يغير مسار الإنسانية ؟

– ليست غاية الأدب ووظيفته أن يتنبّأ ويتكهّن بالغيب ويَشُقَّ حُجب المستقبل، مع إقرارنا بوجود أدب تخييلي قائم بذاته، وهو أدب الخيال العلمي، وهو ضرب من الفِراسة

الإبداعية. الأدب لا يَقْرَأُ الكفّ أو الفنجان، ولا يَرْصُدُ أحوال الطقس الآتية. الأدب يتحسّس نبض الإنسان والمجتمع والتاريخ، ويزرع حُدوسه في مجاري النصوص بشاعرية وجمالية، وبلا جلبة تحليلية – ومفهومية. هو حسب الشاعر الفرنسي «رينيه شار»، كشف عن عالم يظل في حاجة مستمرة إلى الكشف. 

وبما أن الإبداع الأصيل هو الذي يلتحم بشرطه الإنساني، ويُصيخ السمع جيّداً لإيقاع مرحلته التاريخية، فقد تأتي أعمال إبداعية – روائية بخاصّة، مُرْهصة بالآتي. أو يأتي هذا الآتي مُوَافِقاً أو مطابقاً لبعض الأعمال. ولعلّ المثال الشهير المستحضر هنا، هو رواية «1984» للكاتب الإنجليزي «جورج أوريل»، التي صَوَّرَ فيها استقواء النظام الرأسمالي الشمولي بعد الحرب العالمية الثانية تحت إمرة وسيطرة «الأخ الأكبر». وإذا احتسبنا الفارق الزمني القليل بين زمن الرواية «1984» وزمن الكتابة (1949)، تأكّد لنا بأن «جورج أوريل» لم يكن يقوم بكهانة روائية، بقدر ما كان يتحسّس نبض وإيقاع لحظته التاريخية الرأسمالية – الصاعدة. جاعلاً الديستوبيا (المستقبل الفاجع) في مقابل اليوتوبيا (المستقبل الفاضل). وكثير من الأحداث التاريخية التي زعم بعض روائيينا أنهم تنبّؤوا بها كانت أقرب إليهم من أرْنبات أنوفهم. إن الأديب بعبارة أخرى هو ضمير أمّته وعينها الرائية التي ترى إلى الأبعد، وهي تتفرَّس في الأقرب، متطلّعة دوماً إلى غد أفضل، والكاتب الذي يزعم أن روايته كانت تتنبأ- حصْراً- بهذا الحدث أو ذاك، هو كاتب يضع الكَهانة في مقابل الإبداع. 

التواصل الإنساني ومعرفة الآخر كان هو غاية الأدب والفنّ عموماً.. ماذا يعني أن تصير القطيعة والعزلة هي الإمكانية الوحيدة للمرحلة؟

– القطيعة والعزلة هما قدر الإنسان المعاصر من قبل هُبوب وباء كورونا، بل هما ناجمتان أساساً مع هبوب رياح العولمة العاتية – الناعمة التي زجّت بالإنسان المعاصر في قوْقعته الفردية، وجعلته ذا بعد واحد. كما انتبه إلى ذلك مفكِّرون كـ«هربرت ماركوز» في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد». ثمّة- باستمرار- مُفارقات عدة مُنْزرعة في مجرى العولمة، ولنأخذ أقربها؛ فبواسطة الهواتف المحمولة وشبكات التواصل، صَرمت العولمة حبْل التواصل الأسري الحميم، وتحت طائلة فيروس كورونا، وهو ثمرة سامّة للعولمة، تستعيد العلاقات الأسرية دفأها وحضورها. هذه هي مفارقة الوقت التراجيكوميدية. إذ طالما اشتكى الناس من تفكك الأواصر والوشائج الأسرية في غمرة العولمة والليبرالية المتوحشة، وها هي جائحة كورونا تلمّ شمل الأسر المفكَّكة، وتجمعها تحت سقف المنازل التي أضحت معتقلات أسرية تحت الحجر، مع ما يترتَّب عن هذا الحجر من عواقب وآثار وخيمة، نتيجة القطيعة الجديدة والجبرية مع المجتمع والحياة الاجتماعية اليومية، وهكذا دواليك من قطيعة لأخرى. الآداب والفنون- على الدوام- هي التي ترتق فُتوق هذه القطائع المختلفة على مدار التاريخ. الأدب بخاصّة، هو الشفرة الروحية والرمزية التي يتفاهم ويتواصل بها الناس مهما تباعدت واختلفت الأمكنة والأزمنة، واشتدت الكوارث والأوبئة. هناك عبارة جميلة للكاتب والروائي ماريو فارغاس يوسا «إن الأدب هو أفضل ما تم اختراعه للوقاية من التعاسة». وما أحوجنا في هذه الظروف العصيبة التعيسة إلى هذا الواقي- الراقي الجميل. وفي إمكان وسائط التواصل الحديثة والمتطورة أن تصبح حاملاً جيّداً سريعاً وناجعاً للأدب. وقد سرّنا كثيراً في هذه الظروف الحجرية العصيبة، هذا التواصل الأدبي الرائع على شبكة الإنترنت. إنها عبقرية الإنسان الذي يجد له من الضيق- دائماً- مخرجاً.

طالما كانت العزلة هي ورشة المفكِّر والمبدع التي يُخرج منها تجربته للناس.. ما الذي يمكن للإنسانية أن تتعلَّمه من تجربة العزلة التي دخلتها قسراً؟

– هناك أدبيات كثيرة في مديح العزلة والتغنّي بأفضالها ومنافعها، قديماً وحديثاً، لما تتيحه من سكينة نفس وصفاء ذهن وخاصّة في حياتنا المعاصرة اللاهثة التي لا تترك للمرء فرصة لينصت لنفسه، ويخلو لعظامه، كما نقول. أستعين هنا قول صفي الدين الحلي:

وأطيب أوقاتي من الدهر خلوة // يَقِرّ بها قلبي ويصْفو بها ذهني

العزلة بالنسبة للمبدع والمفكِّر حديقة خلفية أساسية، يفيء إليها لفترات قد تطول أو تقصر، ليتأمَّل ذاته، ويتأمَّل العالم من حوله، ويعْكف على قراءاته وكتاباته.

ولذلك للعزلة زمن خاص وضروري للأديب يقتطعه من زمنه العام ليتفرغ لزمنه الإبداعي الأثير. ومن ثَمَّ راجت على الألسن والأقلام مقولة (البرج العاجي) بالنسبة للأديب المختلي لعزلته الأدبية. وكثيراً ما استعمل النقَّاد هذه المقولة للتفرقة بين الأدب الخالص والأدب الملتزم. لكن في جميع الحالات، تبقى العزلة قاسماً مشتركاً بين الأدباء.

أستحضر في هذا السياق كلمة معبِّرة لميخائيل نعيمة، يقول فيها: «ولا بدّ لي من ساعات أعتزل فيها الناس، لأهضم الساعات التي صرفتُها في مخالطة الناس». لذلك فالعزلة هي الفرصة التي تسمح بالخروج من الغابة البشرية لتأمُلها عن بعد وبهدوء.

وأظن أن كلّ واحد منّا في حاجة إلى هامش من العزلة ليهضم الساعات التي صرفها في مخالطة الناس. وقد صرف كثير من الأدباء والمفكِّرين حيواتهم أو أشطاراً من حيواتهم في العزلة الخلاّقة. ولعلّ رهين المحبَسَيْن، أبا العلاء المعري، أحد الرموز الكبيرة لهذه العزلة الخلاقة. وثمّة أدباء كبار كانت العزلة هي مملكتهم الإبداعية الصاخبة. وصدق الشاعر الإسباني رفائيل ألبرتي حين قال «أنت في وحدتك بلد مزدحم».

ومن جدران السجون والمعتقلات- أيضاً- خرج أدب بهيّ، وأيْنعت كتب ومؤلَّفات مضيئة.

فالأدب إذن، مقاومة للفراغ والرتابة والفناء وقبح العالم. وقراءة الأدب هي إحدى وسائلنا الراقية للتحرّر من أسْر المكان والزمان.

في نظرك ما هي المسلّمات التي قد تطرحها هذه الأزمة للمساءلة؟

– بكلّ تأكيد، فإن زمن الكورونا سيترك نُدوبه العميقة على الأزمنة القادمة. وبكلّ تأكيد أيضاً، فإن هناك ثلاثة أزمنة متقاطعة، زمن ما قبل كورونا، وزمن كورونا، وزمن ما بعد كورونا. هذه الأزمنة الثلاثة ستكون موضوعاً للمساءلة والمراجعة والتفكير بشكلٍ جديد منقح ومزيد، من طرف علماء البيولوجيا والطب والاجتماع والنفس والاقتصاد والحضارة والسياسة وغيرهم لغربلة ما كان، واستشراف ما سيكون.

زمن الكورونا سيزيد، لا محالة، من وتائر التفكير النقدي – العقلاني، وسيطيح بكثير من المسلّمات والثوابت والعوائد البالية. وربَّما سيحفّز الخُطى نحو عصر تنويري جديد. وهذا الحراك الفكري العالمي لن يمرّ بسهولة، ولكنه سَيَلْقَى في الطريق- دائماً- أباطرة العالم الرأسمالي وكهنة المعبد القديم، يستميتون في الدفاع عن حصونهم المتداعية.