يوسا في بيت بورخس.. حوار لم يُنشر!

«لو أُتيح لي أن أسمّي كاتبًا باللغة الإسبانية، من زمننا، ستُخلّد أعماله، وسيترك أثرًا عميقًا في الأدب، سأشير إلى هذا الشاعر والقاص والناقد الأرجنتيني خورخي لويس بورخس. حفنة الكتب التي كتبها، وهي كتب موجزة، دائماً، كاملة مثل خاتم يشعر المرء- دائمًا- أنها منحوتة، كانت ولا تزال ذات أثر كبير على من يكتبون بالإسبانية. قصصه الفانتازية التي تحدث في لا بامبا أو بوينوس آيرس، في الصين أو لندن، في أي مكان في الواقع أو اللا واقع، تعكس الخيال الخصب نفسه، والثقافة الواسعة نفسها الموزَّعة في مقالاته عن الزمن، ولغة الفايكينج… لكن الحكمة عند بورخس ليست كثيفة ولا أكاديمية، وإنما هي- دائمًا- شيء فريد، ولامع، ومسلٍ، مغامرة للروح نخرج منها كقراء مندهشين، وممتلئين». 

هذا ما كتبه الكاتب البيرواني، الحائز على جائزة «نوبل»، ماريو بارجس يوسا عن خورخي لويس بورخس في مقدمة حوار أجراه معه، في العام 1981، في بوينوس آيرس، وظلّ محتفظًا به هذه السنوات كلّها ليظهر، أخيرًا، في كتاب بعنوان «نصف قرن مع بورخس»، صدر هذا الأسبوع عن دار «ألفاجوارا» الإسبانية. دار هذا الحوار في شقة بورخس المتواضعة، في مركز بوينوس آيرس، وفي وجود مساعدته التي كانت تقرأ له، أيضًا، إذ فقد بورخس بصره منذ سنوات، وفي وجود قِط سمّاه بيبو، وقال: «إن هذا اسم قِط أحد الشعراء الإنجليز الذين يقدِّرهم: وهو لورد بايرون».

– يوسا: اندهشت كثيرًا حين لم أرَ في مكتبتك أي كتاب لك، لماذا لا تحتفظ بكتبك في مكتبتك؟

– بورخس: أعتني جدًّا بمكتبتي. فمن أكون، أنا، لأضع كتبي بجانب شوبنهاور.

– ألا تحتفظ بأي كتاب من الكتب التي كتبت عنك، فرغم كثرتها إلّا أنني لا أرى أي واحد منها في مكتبتك!

– قرأتُ- فقط- أولَ كتاب نُشر خلال فترة الديكتاتورية، في مندوثا (الأرجنتين).

– أي ديكتاتورية تقصد يا بورخس؟ لأنه، لسوء الطالع، كانت هناك ديكتاتوريات كثيرة.

– ديكتاتورية ذاك… الذي لا أريد أن أتذكَّر اسمه.

– ولا ذكره.

– ولا ذكره، لا، فمن الخير تجنب بعض الكلمات. المهم، حينها نُشر كتاب بورخس: «اللغز والمفتاح» لـ«رويث دياث»، وهو بروفيسور من مندوثا، وتامايو، بروفيسور من بوليفيا. قرأت هذا الكتاب لأعثر على المفتاح لأني كنت أعرف اللغز، ثم لم أقرأ أي كتاب آخر. كتبت أليثيا خورادو كتابًا عني. شكرتها، وقلت لها: «أعرف أنه كتاب جيّد، لكن الموضوع لا يهمني أو ربّما يهمني أكثر من اللازم، وبالتالي لن أقرأه».

– ألم تقرأ، كذلك، كتاب السيرة الهائل الذي نشره رودريجيث مونجال عنك؟

– ما رأيك فيه، هل تراه ممتازًا؟

– على الأقلّ الكتاب توثيقي، ومصنوع بتمجيد، وبحب كبيرَين لك، وبمعرفة عميقة بأعمالك، كما أظنّ.

– نعم، نحن أصدقاء. هو من ميلو، أليس كذلك؟ من الجمهورية الشرقية.

– نعم، وبالإضافة إلى ذلك يظهر في واحدة من قصصك كشخصية.

– أتذكّر بعض الأشعار الجميلة لـ«إميليو أوريبي» من ميلو؛ أشعار تبدأ بطريقة تافهة، ثم تغدو عظيمة، وتتمدد: «أنا ولدتُ في ميلو، مدينة المستعمرات البيوت»… المهم، ليس هناك اختلاف كبير بين «مستعمرات البيوت» و«البيوت الاستعمارية». يقول: «أنا ولدتُ في ميلو، مدينة المستعمرات البيوت، في وسط سهل الرعب اللا منتهي»، ثم يتوسَّع «في وسط سهل الرعب اللا منتهي وبالقرب من البرازيل». كيف تتوسَّع القصيدة، ها؟ كيف تتوسَّع.

– والأهمّ كيف تقرأها أنت.

– لا، لكن «أنا ولدت في ميلو، مدنية المستعمرات البيوت» لا تعني شيئًا؛ «في وسط سهل الرعب اللا منتهي وبالقرب من البرازيل»، هل ترى «المشهد الأخير». إنه شديد الجمال، إميليو أوريبي.

– نعم إنه شديد الجمال. قل لي يا بورخس، ثمّة شيء أريد أن أسألك عنه منذ سنوات طويلة. أنا أكتب روايات، وشعرت، دومًا، بغصة بسبب عبارة جميلة جدًّا لك، لكنها مهينة جدًّا لروائي، عبارة تقول تقريبًا: «هذيان فقير هذه الرغبة في كتابة رواية، الرغبة في التوسع حتى خمسمئة صفحة في شيء يمكن أن يصاغ في عبارة واحدة». 

– نعم إنه خطأ، خطأ ابتكرته أنا، أو كسل، أليس كذلك؟ أو تجنب للمنافسة.

– لكنك كنت قارئ روايات عظيم ومترجم روايات مُبهر.

– لا، لا. لقد قرأت روايات قليلة.

– مع ذلك، تظهر الروايات في أعمالك، تشير إليها، بل وتخترعها.

– نعم، لكن ثاكري هزمني، وديكينز يروق لي جدًّا.

– هل بدت لك رواية «سوق الضلالات» مملة جدًّا؟

– استطعت قراءة «بيندينيس» بمجهود، لكني لم أستطع قراءة «سوق الضلالات»، لم أستطع.

– كونراد، على سبيل المثال، أحد الكتَّاب الذين تقدرهم، ألا تهمّك روايات كونراد؟

– بالطبع، جدًّا، لذلك أقول إن هناك استثناءات قليلة. مثلًا، حالة هنري جيمس، وهو قاصّ كبير، وروائي من عيار آخر.

– لكن أليس من بين كتابك المهمّين أي روائي؟

– …

– اذكرْ أيَّ روائي من بين المؤلّفين أو الشعراء أو النقَّاد الذين تعتبرهم مهمّين؟

– وقاصين.

– وقاصين.

– لأنّي لا أظنّ أنّ «ألف ليلة وليلة» رواية، أليس كذلك؟ هي أنطولوجيا لا نهائية.

– ميزة الرواية أن كلّ شيء يمكن أن يكون رواية. إنها نوع آكل للبشر، يبتلع الأنواع كلّها.

– بمناسبة «آكل البشر»، هل تعرف أصل كلمة «caníbal»؟

– لا، لا أعرفه. ما هو؟

– كلمة جميلة، مشتقة من كاريبي «Caribe»، ثمّ «caribal»، ثمّ «caníbal». 

– ما يعني أنّ أصلها أميركي لاتيني.

– نعم، إنّ أصلها أميركي، وليس لاتيني. كان الكاريبيون قبيلة من الهنود الحمر، ومن هنا اشتقت كلمتا كانيبال، وكاليبان عند شكسبير.

– إضافة أميركية لافتة للمفردات العالمية.

– هناك كلمات كثيرة، شوكولاتة، مثلًا، من كلمة «تشوكوتل» على ما أظن، أليس كذلك؟ ثمّ فقدت الـ«تل» لسوء الحظ، وكلمة «بابا» كذلك. 

– ما هو برأيك أفضل مساهمة في حقل الأدب الأميركي؟ من كلّ أميركا: الإسبانية والبرتغالية… مؤلّف، كتاب، موضوع؟

– رأيي أنّها الحداثة بشكل عام. لقد كانت من أعمال الأدب في اللغة الإسبانية، وذلك يظهر في هذا الجانب، كما يشير لذلك، ماكس إنريكيث أورينيا. تحدثتُ مع خوان رامون خيمينيث، وحدثني عن العاطفة التي تلقى بها نسخة من كتاب «جبال الذهب»، العام 1897، وعن تأثيره في الشعراء الكبار بإسبانيا، لذلك يظهر، من هذا الجانب، واللافت، أننا هنا- ليس جغرافيًا- أكثر قربًا لفرنسا منا لإسبانيا. لقد لاحظت في إسبانيا أن بوسعي مدح إنجلترا، أو إيطاليا، أو ألمانيا، أو حتى أميركا الشمالية، لكن إذا مدحت فرنسا يقلبون وجوههم.

– القومية مرض عضال في أي مكان في العالم.

– إحدى شرور زمننا الكبيرة.

– أحب أن أكلمك في ذلك يا بورخس، يمكنني أن أحدثك بكلّ صراحة على ما أظن.

– بالطبع، إضافة إلى ذلك، أريد أن أقول إنه شر، يناسب اليمين واليسار بالتساوي.

– بعض تصريحاتك السياسية تحيرني، لكن ثمةّ موضوع حين تتحدث فيه تستحق تقديري واحترامي كليهما، وهو موضوع القومية. أعتقد أنك تكلمت – دائمًا – ببصيرة حول هذا الموضوع، أو الأفضل أن أقول ضد القومية. 

– ومع ذلك تورطت فيه.

– لكن الآن، في السنوات الأخيرة…

– حدث الكلام على ضفاف بوينوس آيرس، وتمّ التعرّف على مغنيّ البايا، وحاملي السكاكين، واستخدامهم في الأدب. أنا كتبت عن موسيقى الميلونجاس… كلّ شيء جدير بالأدب، لماذا لا نكتب – أيضًا – عن موضوعات تخصّ العادات والتقاليد؟

– أنا أقصد القومية السياسية.

– وهذا خطأ، لأن المرء لو أحب شيئًا ضدّ شيء آخر، فهذا لأنه لا يحبه فعلاً. على سبيل المثال، إذا أحببتُ إنجلترا ضد فرنسا فهذا خطأ، إذ يجب أن أحب البلدين، في حدود إمكانياتي.

– لقد أدليت بتصريحات كثيرة ضد قطيعة الكراهية بين الأرجنتين وتشيلي.

– وما زلت. أنا حاليًا، ورغم أنني حفيد، وابن حفيد لعسكريين غزاة من بعيد، إلّا أنهم لا يعنون لي شيئًا، أنا رجل مسالم. أعتقد بأن كلّ حرب جريمة. بالإضافة، لو أمكن قبول حروب عادلة، ولابد أنها موجودة – حرب الأيام الستة، مثلًا- لو قبلنا حربًا عادلة، حربًا واحدة، سيفتح ذاك الباب لأي حرب، ولن تغيب الأسباب التي تبررها، خاصّة لو أمكن اختراعها والقبض، بتهمة الخيانة، على من يفكِّر بطريقة أخرى. قبلها، لم أكن قد لاحظت أن برتراند راسل، وغاندي، وألبيردي، ورومان رولاند كانوا محقين عند تصديهم للحرب، وربّما القيمة اليوم للتصدي للحرب أكبر من الدفاع عنها أو الخوض فيها.

– هنا أختلف معك، فأنا أعتقد أنك دقيق فيما تقول، لكن: ما هو النظام السياسي المثالي بالنسبة لك يا بورخس؟ ما الذي تتمنّاه لبلدك ولأميركا اللاتينية؟ أي نظام يبدو لك الأكثر ملاءمة لنا؟

– أنا عجوز أناركي من أنصار سبنسر، وأعتقد أن الدولة شر، لكنه حتّى هذه اللحظة شر لابدّ منه. لو كنت، أنا، ديكتاتوريًا لتنازلت عن منصبي، ولعدت إلى أدبي المتواضع، لأني لا أمتلك حلًا لأقدمه، فأنا شخص حائر، وخائب الأمل، مثل كلّ أبناء بلدي.

– لكنك تعتبر نفسك أناركيًا، بالأساس لأنك رجل يدافع عن سيادته الفردية في مقابل الدولة. 

– مع ذلك لا أعرف إن كنت جديرًا بذلك. على أي حال، لا أعتقد أن هذا البلد جدير بالديموقراطية ولا بالأناركية. ربّما في بلدان أخرى يمكن تطبيق ذلك، في اليابان، مثلاً، أو في البلاد الإسكندنافية. هنا الانتخابات مزيفة بشكلٍ واضح، ولا تأتي لنا إلّا بـفرونديثي آخر أو بآخرين وما إلى ذلك. 

– هذه الارتيابية لا تتسق مع بعض تصريحاتك المتفائلة حول السلام، والمناهضة للحرب بالتحديد، ومؤخَّرًا، المناهضة للتعذيب، ولكلّ أشكال القمع.

– نعم أعرف، لكني لا أعرف إن كان ذلك مفيدًا. لقد أدليت بهذه التصريحات لأسباب أخلاقية، لكني لا أعتقد أنها مفيدة، ولا أعتقد أن بوسعها أن تساعد أحدًا. ربّما تساعدني، أنا، لأريح ضميري، لو كنت حكومة، لا أعرف كيف أتصرف، فنحن في حارة مسدودة.

– لقد أجريت معك مقابلة منذ ما يقرب ربع قرن في باريس، وأحد الأشياء التي سألتك عنها…

– منذ ربع قرن! اسكت. ما أحزن أن نتحدَّث عن شيء منذ ربع قرن…

– أحد الأشياء التي سألتك عنها كان رأيك في السياسة، هل تتذكَّر بماذا أجبتني؟ قلت: «إنها إحدى أشكال الضجر».

– آه، لو كان كذلك، فنحن متفقان.

– كانت إجابة جميلة، لكني لا أعرف إن كنت ستكررها الآن. ألا تزال تعتقد أنها أحد أشكال الضجر؟

– حسنًا، سأقول إن كلمة ضجر كلمة أكثر نعومة، سأقول إنها استياء، فكلمة «ضجر» مؤدبة جدًّا.

– هل ثمّة سياسي معاصر يثير إعجابك، تحترمه؟

– لا أعرف إن كان بوسع المرء أن يُعجب بالسّاسة، فهم أشخاص يميلون للاتفاق، للفساد، للابتسام لرسم صورتهم، واعذروني، يميلون للشهرة، أيضًا.

– من الذين يحظون بتقديرك يا بورخس؟ المغامرون؟

– نعم، لقد حظوا، كثيرًا، بتقديري لكني لا أعرف موقفي منهم الآن. يجب أن يكونوا مغامرين فرادى.

– من، على سبيل المثال؟ هل تذكر أي مغامر كنت تتمنى أن تكونه؟

– لا، لا أتمنى أن أكون شخصًا آخر. 

– هل أنت سعيد بمصير بورخس؟

– لا، لست سعيدًا، لكني أعرف أنني عند مصير أحد غيره؛ سأكون شخصًا آخر. وكما يقول سبيوزا: «كلّ شيء يريد عزلة كينونته». وأنا مُصر على أن أكون بورخس، لا أعرف لماذا. 

– أتذكّر جملة لك: «قرأت أشياءً كثيرةً، وعشت أشياءً قليلةً»، عبارة جميلة من ناحية، وتبدو نوستالجية من ناحية أخرى.

– حزينة جدًّا.

– يبدو أنك متأسف عليها.

– كتبتها حين كنت في الثلاثين من عمري، ولم أنتبه، حينها، إلى أن القراءة شكلٌ من أشكال الحياة، أيضًا.

– لكن، ألا تشعر بنوستالجيا لأشياء لم تفعلها، لأنك كرّست وقتك لحياة فكرية صافية؟

– أعتقد لا. أعتقد أنه على المدى الطويل يعيش المرء، بشكل أساسي، كلّ الأشياء، والمهم ليست الخبرات، وإنما ما يفعله المرء بها.

– أظن أن ذلك منحك تخليًا كبيرًا عن الأشياء المادية. المرء يكتشف ذلك عند الوصول إلى البيت. تعيش بالفعل كراهب، بيتك محض تقشف كبير، تبدو غرفة نومك كزنزانة راهب، هي بالفعل متواضعة بشكل لافت.

– الرفاهية بالنسبة لي وقاحة. 

– ماذا يعني المال في الحياة بالنسبة لك يا بورخس؟

– إمكانية شراء الكتب والسفر وتطوير كلّ منهما.

– لكن ألم تهتم، أبدًا، بالمال؟ ألم تعمل، أبدًا، من أجل جنيه؟

– حسنًا، حتى لو فعلت ذلك، فيبدو أنني لم أنجح. الأفضل بالطبع أن تتمتع بالرفاهية، أن تعلو فوق الحاجة، خاصّة لو كنت في منطقة فقيرة، وكنت مضطرًا إلى التفكير في المال طوال الوقت. شخص ثري بوسعه أن يفكّر في شيء آخر، أما أنا فلم أكن ثريًا أبدًا. أجدادي كانوا أثرياء، كانت لدينا بيوت، وخسرنا كلّ شيء، صادروها، لكن حسنًا، لا أظن أن ذلك مهم.

– أنت تعرف أن جزءاً كبيراً من بلدان هذه الأرض تعتمد، اليوم، على الأموال في معيشتها، والرفاهية المادية استحقاق لك.

– الطبيعي أن يكون كذلك خاصّة مع وجود الفقر. ففي ماذا سيفكّر المتسوّل إلّا في المال والطعام. لو كنت فقيراً جدًّا، ليس أمامك إلّا التفكير في المال، فالشخص الثري يمكن أن يفكّر في شيء آخر، لكن الفقير لا، مثل المريض لا يفكّر إلّا في الصحَّة. الإنسان لا يفكّر إلّا في ما ينقصه، لا ما يمتلكه. حين كنت مبصرًا لم أكن أفكّر أن البصر ميزة، والآن في المقابل، أدفع أي شيء لأسترد بصري، ولن أخرج من البيت.

– يا بورخس، ثمّة شيء أدهشني في هذا البيت المتواضع الذي تعيش فيه، خاصّة في غرفة النوم شديدة التقشف، هو رؤية «نيشان الشمس» الذي منحته الحكومة البيروانية لك من بين أشياء قليلة بالغرفة.

– هذا النيشان يعود إلى العائلة قبل أربعة أجيال.

– وكيف ذلك يا بورخس؟

– حصل عليه أبو جدي، الكولونيل سواريث؛ لأنه قاد حملة فروسية بيروانية في خونين. حصل على النيشان، ورقّاه بوليفار من رائد إلى كولونيل، ثم ضاع النيشان في الحرب الأهلية. ورغم أننا عائلة متماسكة إلّا أني قريب بعيد في روساس، حسنًا، كلنا أقرباء في هذا البلد شبه المهجور، وبعد أربعة أجيال عاد إلينا لأسباب أدبية، وكنت مع أمي في ليما، وقد بكت لأنها كانت قد شاهدت النيشان من قبل في صور أبي وجدي، والآن غدا بين يديها، ومن أجل ابنها. كانت متأثِّرة جدًّا.

– معنى ذلك أن علاقتك بالبيرو ترجع لأجيال عديدة.

– نعم، لأربعة أجيال. لا، بل أقدم من ذلك، سأقول لك، أنا كنت… لا لا، انتظر. نعم، أنا كنت في الكوثكو، ورأيت بيتًا له درع برأس مِعزة، ومن هناك خرج خيرونيمو لويس دي كابريرا قبل أربعمئة سنة، ليؤسس مدينة تسمّى إيكا، لا أعرف مكانها، ومدينة قرطبة، بالجمهورية الأرجنتينية. بمعنى أنها علاقة قديمة.

– هكذا أنت بيرواني بطريقة ما.

– نعم، بالطبع نعم.

– ماذا كانت فكرتك عن البيرو قبل أن تعرف ليما؟

– كانت فكرة كسولة جدًّا، اعتقدت أنها مبنية على رأي بريسكوت.

– على ذكر كتاب «تاريخ غزو البيرو» لـ«بريسكوت»، متى قرأت هذا الكتاب؟

– ربّما كنت في السابعة أو الثامنة، وهو أول كتاب تاريخ أقرأه في حياتي، بعدها قرأت كتاب «تاريخ جمهورية الأرجنتين» لـ«بيثنتي فيدل لوبيث»، وكتاب «التاريخ الروماني والإغريقي»، لكن أول كتاب أقرأه من أوله لأخره كان كتاب بريسكوت.

– وأي فكرة كانت لديك عن البيرو؟ البلد الأسطوري ربّما؟

– أسطوري قليلًا، نعم، ثم صرت صديقًا مقربًا لكاتب منسي بينكم بلا شك، البيرواني ألبيرتو إيدالجو، من أريكيبا. 

– الذي عاش فترة طويلة في الأرجنتين، أليس كذلك؟

– نعم، وهو من كشف لي عن شاعر كنت أحفظ له أشعارًا كثيرة من الذاكرة.

– أي شاعر يا بورخس؟

– إيجورين.

– خوسيه ماريا إيجورين.

– نعم، هو بالضبط، وعنوان كتابه «الطفلة ذات اللمبة الزرقاء» أليس كذلك؟

– هذه القصيدة، إحدى أشهر قصائد إيجورين.

– نعم. وهناك قصيدة أخرى… لديّ صورة غامضة عن مركب وقبطان ميّت، يتجول بالمركب، لكني لا أتذكر أبياتها.

– هو شاعر رمزي يمتاز بسذاجة ورِقّة كبيرتين.

– رقة كبيرة نعم، ولا أعرف إن كانت سذاجة، أعتقد أنه كان ساذجًا متعمدًا.

– لا أقول سذاجة بالمعنى التحقيري.

– لا .. لا، السذاجة جدارة، بالطبع.

– لم يخرج، قط، من البيرو، وأعتقد أنه لم يخرج من ليما، أبدًا، وكتب جزءًا كبيرًا من أعماله عن العالم الشمالي، عن الحوريات الإسكندنافيات، وعن موضوعات غريبة بالنسبة له.

– النوستالجيا مهمّة جدًّا.

– ربّما ذلك ما يخلق تشابهًا بينكما: أنت وإيجورين.

– نعم، الحقيقة أنني أفكر في بلاد لم أزرها، أو عرفتها بعد ذلك بكثير. أتمنى زيارة الهند والصين…، رغم أنني أعرفهما أدبيًا.

– أي بلد عرفته حرّك مشاعرك أكثر يا بورخس؟

– لا أعرف، ربّما اليابان وإنجلترا و…

– أيسلندا، مثلًا؟

– أيسلندا، بالطبع، لأني أدرس الإسكندنافية، وهي اللّغة الأمّ للسويدية والنرويجية والدنماركية وبشكل جزئي للإنجليزية.

– لكنها لغة مهجورة، منذ عدة قرون؟

– لا لا، يتحدَّثون بها في أيسلندا. لديّ طبعات لكتب كلاسيكية، وأعمال من القرن الثامن عشر، هذه الطبعات اشتريتها وتلقيتها كهدايا من ريكيافيك، لا يوجد فيها قاموس ولا مقدمات ولا هوامش. 

– معنى ذلك أنها لغة لم تتطور، ظلّت كما هي على مدار ثمانية قرون.

– أشكّ في أن النطق قد تغير. هم بوسعهم قراءة الكلاسيكيين، كما يستطيع الإنجليزي قراءة دنبار وتشوسر، وكما نستطيع، نحن، قراءة، لا أعرف، نشيد السيد، والفرنسيون قراءة نشيد رولان.

– واليونانيون قراءة هوميروس.

– نعم بالطبع، فبوسعهم قراءة كلاسيكيهم في طبعات بدون هوامش ولا قواميس، ونطقهم بطريقة مختلفة بالطبع، لكن، على سبيل المثال، النطق الإنجليزي تغيّر كثيرًا. نحن نقول: «to be or not to be»، لكن يبدو أن شكسبير، في القرن السابع عشر، كان يقول: «tou be or not tou be»، بالحروف المتحرّكة مفتوحة أكثر، وهذا يجعلها رنانة أكثر، ومختلفة كليًا، وتبدو مضحكة، الآن. 

– أنت فضولي جدًّا، أو مفتون، بالأدب الغريب.

– لا أعرف إن كان غريبًا.

– أشير إلى اهتمامك بأدب شمال أوروبا والأنجلوساكسوني.

– حسناً، الأنجلوساكسوني هو الأدب الإنجليزي القديم.

– هل تعتقد أن له علاقة بـ …

– بالنوستالجيا؟

– بالأرجنتين، حيث إنّ الأرجنتين بلد حديث كليةً، بلا ماضٍ، تقريبًا.

– أعتقد أنه نعم، وربّما يكون أحد ثرائنا هو النوستالجيا، نوستالجيا أوروبا، خاصّة التي لا يستطيع الأوروبي أن يشعر بها لأنه أوروبي لا يشعر أنه أوروبي، وإنما يشعر أنه إنجليزي، فرنسي، ألماني، إسباني، إيطالي، روسي.


المصدر: من كتاب «نصف قرن مع بورخس»، ماريو بارجس يوسا، دار ألفاجورارا، يونيو 2020.

محمد حلمي الريشة: ترجمتُ قصائد، اشتهيتُ لَو أَنِّي مبدعُها

تُرجمتْ نصوص الشاعر والمترجم الفلسطينيّ محمد حلمي الريشة (مواليد نابلس) إِلى اللُّغاتِ: الإِنجليزيَّةِ والفرنسيَّةِ والبلغاريَّةِ والإِيطاليَّةِ والإِسبانيَّةِ والفارسيَّةِ والأَلمانيَّةِ. حصل على عدّة جوائز وتكريمات رفيعة المستوى. له العديد من الإبداعات؛ شعرًا وترجمةً. من أعماله الشعرية: الخيل والأنثى، ثلاثية القلق، كتاب المنادَى، كأعمى تقودني قصبة النأي. ومن ترجماته: «لماذا همس العشب ثانيةً؟» (مختارات شعرية لكريستوفر ميريل)، «مرآة تمضغ أزرار ثوبي» (مختارات شعرية لشاعرات من العالم)، «الخريف كمانٌ ينتحب» (شعريّات مختارة من العالم)، «شعر الحب الصيني»، «أنت الأكثر جمالًا لأنك تنظر إليّ» (شعريّات نسوية مختارة من العالم)، وغيرها. في هذا الحوار، يتحدّث الريشة عن رحلته مع الشعر والترجمة والحياة.

ليس كلّ من عرف لغتَيْن يستطيع أن يُترجم من إحداهما إلى الأخرى.. ثمّة إحساس باللغة؛ وهو ما يُحْدث الفارق بين ترجمة وأخرى.. ما رأيك؟

– اللُّغةُ مِن أَساساتِ الثَّقافةِ العامَّةِ، والشِّعريَّةِ بخاصَّةٍ؛ لِهذا أَقولُ دائمًا: اللُّغةُ هيَ بطلةُ النَّصِّ الأَدبيِّ، والنَّصِّ الشِّعريِّ بالذَّات. فالنَّصُّ المترجَمُ يَستقي وينهلُ جماليَّةً مضافةً إِلى جماليَّتهِ الأَصليَّةِ المتأَصِّلةِ فيهِ مِن تفاصيلِ اللُّغتَيْنِ معًا، ومِن مخيّلتِهما، فمتَى كانَ المترجمُ متمكِّنًا لغويًّا وثقافيًّا، ومدرِكًا بكلِّ وعيٍ، ومستحضِرًا مَا يستجدُّ، لغويًّا وشعريًّا، تكُنِ التَّرجمةُ بجرعةٍ زائدةٍ منَ الدَّهشةِ المتولَّدةِ. 

نعمْ؛ الإِحساسُ باللُّغتَيْنِ فِي التَّرجمةِ، وليسَ بلغةٍ واحدةٍ، ضرورةٌ استثنائيَّةٌ فِي هذهِ الحالةِ الإِبداعيَّةِ أَيْضًا. 

لك باع طويل في ترجمة الشعر. هل كونك شاعرًا، بالأساس، هو ما قوّى قلبك، ودفعك إلى هذا؟

– لمْ أَسأَلْ ذَاتي الشَّاعرةَ هذَا السُّؤالَ، بلْ لمْ أُفكِّرْ بهِ. كنتُ قرأْتُ فِي العامِ (1978) قصيدةَ «الأَرضُ اليبابُ» للشَّاعرِ (ت. س. إِليوت) مترجَمةً فِي مجلَّةِ « شِعر». شدَّتني إِلى البحثِ عنْ قصائدَ لِهذا الشَّاعرِ، وحينَ قرأْتُ قصيدتَهُ «الرِّجالُ المجوَّفونَ» باللُّغةِ الإِنجليزيَّةِ، جرَّبتُ ترجمتَها إِلى اللُّغةِ العربيَّةِ، ولمْ أَكنْ قرأْتُها مترجَمةً آنذاكَ. كانتْ هذهِ أَوَّلَ تجربةٍ فِي ترجمةِ الشِّعرِ، وتمَّ نشرُها فِي إحدى الصُّحفِ المحليَّةِ. 

ربَّما كانتْ هذهِ التَّرجمةُ دافعًا لترجمةِ نصوصٍ شعريَّةٍ أُخرى كثيرةٍ، فالشَّغفُ بولادةٍ ثانيةٍ للقصيدةِ، بلغةٍ أُخرى، بعامَّةٍ، ولُغتي العربيَّةِ، بخاصَّةٍ، دَفعني إِلى التَّماهي الإِيجابيِّ معْ كلِّ مَا يشدُّ انتباهةَ ذائقتِي وبَصيرتي الشِّعريَّةِ إِلى الاطِّلاعِ علَى إِبداعِ الآخرِ، شعريًّا. كلُّ النُّصوصِ التَّي ترجمتُها، بتنوُّعِ مشاربِها الكينونيَّةِ، مَا هيَ إِلَّا امتدادٌ لإِنسانيَّتي؛ قارئًا نهمًا، أَوَّلًا، وذاتًا شاعرةً، ثانيًّا، فِي مَدًى شاسعٍ غيرِ مغلقٍ ولَا مقيَّدٍ فكريًّا، وتخيُّلًا. 

مَن يتصدّى لترجمة الشعر يجد صعوبات، على الرغم من المتعة التي قد يعيشها في أثناء الترجمة.. حّدثني عن صعوبات ترجمة الشعر، ولذّتها.

– مَا مِن صعوباتٍ تذكَرُ، بخاصَّةٍ فِي التَّرجمةِ إِلى اللُّغةِ العربيَّةِ؛ فهيَ لغةٌ ثريَّةٌ جدًّا معجميًّا. وحينَ أُترجمُ، أَنتقِي الأفعالَ والكلماتِ الأَقربَ كثيرًا إِلى اللُّغةِ الشِّعريَّةِ. 

حينَ يكونُ النَّصُّ الشِّعريُّ أَخَّاذًا بملامحِهِ اللُّغويَّةِ، وآسرًا بصورهِ المتخيَّلةِ، وناطقًا بِما يضجُّ بهِ، فإِنَّ شاعرَهُ يشاركُكَ فيهِ مِن بلدٍ آخرَ، ربَّما، بأَبعدَ نقطةٍ عنكَ، ويتقاسمُ معكَ الهمومَ الكينونيَّةَ والإِنسانيَّةَ، وهمومَكَ الإِبداعيَّةَ والثَّقافيَّةَ، ليقولَ، بشعرِهِ، مَا تودُّ قولَهُ، كأَنَّهُ مرآتُكَ، وانعكاسٌ لفكرِكَ بطريقةٍ لغويَّةٍ أُخرى جذَّابةٍ بشغفٍ، فهيَ تظلُّ إِنسانيَّةُ بالدَّرجةِ الأُولى والأَوْلى.

تمنَّيتُ: لوْ أَنَّ للشِّعرِ لغةً واحدةً لَما احتجْنا إلى ترجمتهِ!.

هل أثّر انشغالك بترجمة الشعر سلبًا أم إيجابًا في إبداعك؟

– التَّرجمةُ لَا تقلُّ أَثرًا عنِ الكتابةِ والقراءَةِ؛ فحينَ لَا يشغلُني نصٌّ شعريٌّ، وهوَ يأْخذُ منِّي وقتًا كثيرًا، أَعيشُ حالةَ القراءَةِ الإِبداعيَّةِ، وحالةَ التَّرجمةِ الإِبداعيَّةِ، وإِذا جذبَني نصٌّ شعريٌّ مدهشٌ يُشعرني، بعدَ ترجمتهِ، بأَنِّي مَن أَنجبَهُ، حينَ تتراءَى لِي كلماتُهُ باللُّغةِ العربيَّةِ.

ليستِ التَّرجمةُ، فقط، ما يأْخذُ من جهدِي ووقتِي، بلِ العملُ الأَدبيُّ أَيضًا؛ الذي كان (ولَا يزالُ) لَا يشبعُ مِنهما. أَضفْ إِلى هذَا العملَ فِي الصَّحافةِ الأَدبيَّةِ؛ كنتُ رئستُ تحريرَ عدَّةِ مجلَّاتٍ أَدبيَّةٍ وثقافيَّةٍ، وأَرأَسُ، الآنَ، تحريرَ «ديوان الآنَ- مجلَّة الأَدب الحديث».

لَا أَخفي أَنَّ كثيرًا منَ القصائدَ، حينَ أَتتني، وهيَ تأْتِي بِلا موعدٍ، زمانًا ومكانًا وحالةً، لَمْ تجدْني جاهزًا لاستقبالِها؛ لأَنِّي أَكونُ مشغولًا بشيءٍ مَا، لَا يمكنُني تركُهُ، وهيَ لَا تنتظرُ، فتترُكنِي مِن دونِ أَنْ تحتمِلَني، وليتَ أَنِّي أَدري كيفَ تشعرُ هيَ بعدَ هذَا. 

لكنْ، بكلِّ الإِيجابيَّةِ الجديدةِ، والأَثرِ الثَّريِّ، والصَّدى العميقِ بداخلِي، كانتْ التَّرجمةُ لِي (ولَا تزالُ) تمنحُني أَنفاسًا إِضافيَّةً لأُحقِّقَ ذاتِي؛ قارئًا وشاعرًا، للتَّعاملِ معَ اللُّغةِ، والقراءَةِ، والثَّقافةِ، والكتابةِ. صحيحٌ أَنَّ التَّرجمةَ أَخذتْ منِّي سنين عديدةً منَ الممارسةِ والتَّمرُّسِ، إِلَّا أَنَّها، بالمقابلِ، منحتَنْي شساعةَ اطِّلاعٍ، وأدخلَتْني عالمَ الشِّعرِ الإِبداعيِّ العالميِّ مِن أَبوابهِ الكثيرةِ، والمختلفةِ، والمتنوِّعةِ.

هناك رأي يقول إنه من الأفضل ألّا يُترجم الشعرَ غيرُ الشعراء.. هل تروق لك هذه الرؤية، أم أنت ضدّها؟

– أُؤَيِّدُ هذَا الرَّأْيَ، وأُساندُهُ، بشرطِ القدرةِ علَى فعلِ التَّرجمةِ، إِبداعيًّا، مِن قِبَلِ الشَّاعرِ؛ لغةً وإِحساسًا وتماهيًا وتمثُّلًا معَ النَّصِّ الشّعريِّ. 

أُسلوبي القرائيُّ، المتجلِّيةُ ملامحُهُ بأُسلوبي الشِّعريِّ، مِن حيثُ قوَّةِ اللُّغةِ، مدينٌ لهُ لاطِّلاعي المبكَّرِ جدًّا علَى الشِّعرِ. ولَوْلا سَعيي الحثيثُ لشحنِ مخيَّلتي وذاكِرتي لمَا كنتُ شاعرًا؛ فإِضافةٍ إِلى الموهبةِ، لَا بدَّ مِن ركائزَ قويمةٍ ورصينةٍ يرتكزُ علَيْها الشَّاعرُ، أَوَّلًا، لنهجِ طريقٍ لهُ على دربِ الشَّعرِ الطَّويلِ والصَّعبِ؛ هوَ الثَّقافةُ. 

كثيرةٌ هيَ التَّرجماتُ، ولكنْ، هلْ ذاعَ صيتُ مَن ادَّعوا التَّرجمةَ، بلْ أَبعدَ مِن ذلكَ أَقولُ: هلْ لَا يزالُ لصيتِ ترجماتِهم مَا يسمعُ لهُ، الآنَ، ذِكرٌ؟

– لَا يمكنُ أَنْ يفهمَ النَّصَّ الشِّعريَّ مَن لَا يكونُ قادرًا علَى ولوجِ عالمِ التَّخيُّلِ والمخيّلةِ.

هل رأيت ذاتك الشاعرة في أشعار مَن ترجمتَ لهم؟

– النَّصُّ الجيِّدُ، حينَ يقنعُ المترجمَ، يدفعُهُ إِلى محاورتِهِ بلغتهِ محاورةً بلاغيَّةً شعريَّةً إِنسانيَّةً، معْ ملحوظةٍ مهمَّةٍ، أَرغبُ في البوح بِها: مهمَا بلغَ النَّصُّ الآخرُ مِن جماليَّةٍ شعريَّةٍ، فإِنِّي، حينَ أتَرجم، أُحافظُ علَى خصوصيَّةِ لُغتي الشَّاعريَّةِ، والشِّعريَّةِ، وعلَى خصوصيَّةِ مخيّلةِ شاعرِ النَّصِّ الأَصليِّ كلوحةٍ تسرُّ بَصري وبَص يرتي، لكني أُميِّزها، ترجمةً، بتلكَ البصمةِ اللُّغويَّةِ الَّتي أُضيفُها إلى اللَّوحةِ ليكتملَ رونقُها وبهاؤُها، هذَا لَا يَعني أَنَّ النَّصَّ الأَصليَّ ينقصُهُ شيءٌ؛ بلِ القصدُ مِن قَولي هوَ أَنِّي أُضفِي عليهِ جماليَّةً أَقتنصُها مِن نور اللُّغةِ العربيَّةِ وبهائها، مِن خصائصِ الإِبداع.

لِذا، أَنْ أَرى نَفْسِي فِي أَشعارِ مَن ترجمتُ لهُم؛ هذهِ مسأَلةٌ نسبيَّةٌ، ربَّما يُضيئها ناقدٌ شعرٍ مقارَنٍ متمكِّنٍ؛ شعرًا ونقدَ شعرٍ. 

ثَمَّ قصائدُ ترجمتُها، واشتهيتُ لَو أَنِّي مبدعُها!

دعني أعِدْ صياغة السؤال السابق هكذا: هل صادفك شاعر ممّن ترجمت لهم، وقلت في نفسك إنه النسخة المُترجَمة منك؟

– لَا أَستطيعُ تقديرَ هذَا، ولكنْ لضرورةِ الإِجابةِ أَقولُ: إِلَى حدٍّ مَا «أُكتافيو باثْ»؛ هذَا المبدعُ الَّذي أَسرَ ذائقَتي الشِّعريَّةِ منذُ العامِ (1990م)، وهوَ العامُ الَّذي حصلَ فيه علَى «جائزةِ نوبل»، وكنتُ، فِي أَوائلِ العامِ ذاتِهِ، قدْ قرأْتُ- وهذهِ المرَّةُ الأُولى الَّتي أَقرأُ لهُ- فِي مجلَّةِ «كتاباتٌ معاصرةٌ» ترجمةً لمقالتِهِ «عملُ الشَّاعرِ»، فقلتُ فِي نَفْسي، آنذاكَ: إِذا كان هذَا هوَ نثرُهُ، فكيفَ هو شعرُهُ!؟ 

ترجمتُ لهُ نصوصًا شعريَّةً جذبَتْني، وكنتُ كتبتُ مقالةً بعدَ رحيلهِ الجسديِّ، بعنوانِ: «أُوكتافيو باثْ.. كانَ جديرًا بِما حلمُ بهِ»، لأَنَّهُ القائلُ: «كنْ جديرًا بِما تحلمُ بهِ».

لقدْ كانَ (ولَا يزالُ) مِن أَكثر الشُّعراءِ إِدهاشًا لِي حدَّ الشَّغفِ الشِّعريِّ بلغتهِ المتحرِّرةِ والواعيةِ باستشرافهِ للغةٍ متخيَّلةٍ رهيبةٍ، وهوَ الشَّاعرُ (والكاتبُ والباحثُ) الجديرُ بأَنْ يُقرأَ بكلِّ قراءَةٍ واثقةٍ من أَنْ هكذَا هوَ الشِّعرُ الخالدُ.

تقول في إحدى قصائدك: «أنا الثمرة التي ظلّت معلّقة / بعد أن هوت الشجرة / بفعل الحطاب الوطني». حدّثني عن عذاباتك وآلامك؛ شاعرًا، وإنسانًا فلسطينيًّا.

– لَا تصالُح معَ الماضِي، ولَا قبول لهُ. وهذَا الحاضرُ هوَ امتدادٌ لهُ، بكلِّ الهزائمِ والنَّكساتِ والنَّكباتِ الَّتي توالدتْ منْها جبنًا / ضعفًا / نفاقًا / تطبيعًا / خيانةً…، ولَا نزالُ نجرُّ أَذيالَها جيلًا بعدَ جيلٍ. 

عَذاباتي؛ إِنسانًا فلسطينيًّا، هيَ عَذاباتُ أَيِّ فلسطينيٍّ حرٍّ، فهيَ نتيجةُ اتِّكائِهِ واتِّكالِهِ علَى الآخرِ، بلْ علَى الآخرِ النِّقيضِ! 

هلْ تَرى فِي أُفقِنا مَا يدلُّ علَى / يشيرُ إِلَى انتصارٍ قادمٍ لنَا بعدَ كلِّ هذَا وذاكَ وقدْ أَتتْ علَى كلِّ جميلٍ أَرضًا وبشرًا وإِنسانيَّةً أَيْضًا؟! 

– عَذاباتي؛ شاعرًا، سبَّبتْها خياناتٌ ودماراتٌ وأَنانيَّاتٌ ونرجسيَّاتٌ ثقافيَّةٌ؛ هدمتْ (وماتزال تهدمُ) كلَّ إِبداعٍ أَدبيٍّ، بخاصَّةٍ، وأَعمالٍ ثقافيَّةٍ، بعامَّةٍ، بأَفعالِ وإِيحاءَاتِ رموزٍ أَدبيَّةٍ وثقافيَّةٍ يَراها العالمُ غيرَ مَا نَراها فِي عالمِنا الَّذي أُصيبَ بالمحتلِّ الإحلاليِّ! أَكثرَ مِن مشروعٍ أَدبيٍّ تمَّ محوهُ أَو هدمُهُ مِن قِبَلهم، وأَكثرَ مِن إِصدارٍ ناجحٍ منتشرٍ تمَّ وأْدهُ بقطعِ الدَّعمِ أَوِ بخضوعِ لُعابِ شخوصهِ لأَلاعيبِهم الوضيعة! حتَّى الجوائزُ الأَدبيَّةُ والثَّقافيَّةُ، هُنا، ينطبقُ علَيْها: «جحا أحضره.. جحا أكله»!.

كثيرٌ مِن قصائدِي، لَا أَزالُ أُحاولُ بِها أَنْ أصلَ الَّذي كانَ بِما هوَ كائنٌ، بلغةٍ حديثةٍ ورؤيَّةٍ شعريَّةٍ، قدْ يَراها البعضُ نشيدًا خياليًّا، مع أَنَّها صرخاتٌ هادئةٌ فِي وجهِ العتوِّ والجورِ وغيرِ الَّإِنسانيِّ.

ما هي طموحاتك وآمالك؛ شعريًّا وإنسانيًّا؟

– بعدَ هذهِ الخطواتِ / الرِّحلةِ الشّعريَّةِ الكثيرة / الطَّويلة، لمْ أَعدْ أُفكِّرُ بطموحاتٍ؛ لقدْ تعبتُ حتَّى ضاقَ التَّعبُ بِي، ولقدْ نزفتُ عرقًا، لِي ولآخرينَ، حتَّى خِلتُني غارقًا فِي بحيرةٍ! حينَ رأَيتُ أَنَّ صورةَ الشَّيءِ أَبقَى منَ الشَّيءِ / صورةَ الميِّتِ أَبقَى منَ الميَّتِ! حِينها، مبكِّرًا، اشتغلتُ علَى موهبتِي الشِّعريَّةِ ومواهبِي الأُخرى، ليسَ للشُّهرةِ الَّتي لمْ أَنزلْ إِليها (الفضيحةُ تشِهرُ أَيضًا)، بلْ لأَترُكَ أَثرًا، قدْ ينفعُ النَّاسَ، قبلَ أَنْ أَختفي مِن ظلِّ / مِن تحتِ شجرةِ الحياةِ، لأَنِّي لمْ أَقبلْ، وقدْ جِيءَ بِي إِلى هذهِ الدُّنيا، أَنْ كأَنِّي مَا جِئتُ! 

ترجمت قصيدة للشاعرة اليابانية «ماسايو كويكي»، عنوانها «بحماسة أنتظر شيئًا يعْبر من خلالي».. ماذا عن انتظارك الخاصّ؟

– انتظرتُ أَشياءَ كثيرةً؛ قليلٌ مِنها أَتَى بأَسنانِ إِصراري، وقليلٌ آخرُ ذهبتُ إِليهِ حافيَ الذَّاتِ مِن أَجلِهِ، والأَقلُّ حينَ عرفتُ أَنْ مَا مِن قطارٍ سيأْتي، ومَا مِن محطَّةٍ أَصلًا؛ اكتشفتُ – ويَا للمفاجأَةِ المُرَّةِ، فِي هذَا الأَقلِّ! – أَنِّي كنتُ الانتظار.

اسمح لي أن أنهي حواري معك بسؤال، كان عليّ أن أبدأ به: إن طلبت منك أن تحدّثني عنك، فماذا تقول، شرط أن يكون ما تقوله، هنا، مقولًا للمرّة الأولى؟

– لوْ كانَ هذَا السُّؤالُ فِي بدايةِ هذَا الحوارِ لأَجَّلتُهُ إِلى نهايتِهِ. لقدْ نظرتُ فيهِ مطوَّلًا وأَنا أُحاولُ أَنْ أَفِي بشرطِكَ. بالتَّأْكيدِ، ثَمَّ أَشياءُ لمْ أَستطعْ، شخصًا، أَنْ أَقولَها لأَسبابٍ عقديَّةٍ أَوِ اجتماعيَّةٍ أَو سياسيَّةٍ أَو شخصيَّةٍ تتعلَّقُ بِي أَو بالغيرِ، لكنِّي استطعتُها شاعرًا، إِذْ تمنحُكَ لغةُ الشِّعرِ الخاصَّةُ بهِ شيئَيْن: أَنْ تبوحَ بِما تريدُ – الآخرونَ لَا يقرؤونَ أَصلًا، وأَنْ يكونَ شعرًا إِبداعيًّا فِي آن معًا.

مَا أَرغبُ في قولهِ، للمرَّةِ الأُولى، وهذَا متعلِّقٌ بما جاءَ فِي الفقرةِ السَّابقةِ: كمْ تمنَّيتُ/ تشهَّيتُ أَنْ لوْ كنتُ مقيمًا فِي مكانٍ مَا، يُحترَمُ فيهِ الإِنسانُ، ويُقدَّرُ المبدعُ، لكنتُ كتبتُ شعرًا آخرَ غيرَ الَّذي كتبتُهُ فِي سبعَ عشرةَ مجموعةً شعريَّةً.

سيزا قاسم: تمرّ شهور طويلة دون أن نقرأ عملاً نقديّاً واحداً

في هذا اللقاء الخاص، ترى صاحبة ”بناء الرواية.. دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ“ الدكتورة والناقدة الكبيرة سيزا قاسم، بأن وسائل التواصل الاجتماعي تتحكَّم في المشهد الثقافي؛ لذلك تجد روايات منعدمة القيمة تتصدَّر أعلى الكتب مبيعاً، وهذا الأمر، في نظرها، مؤسف للغاية، لأنه يشير إلى ضعف الثقافة. 

أهديت، كتاب «بناء الرواية»، بالتعبير الآتي: «إلى أستاذتي الدكتورة سهير القلماوي، التي ندين لها، أنا وهذه الدراسة بكثير من الفضل». ما رأيك أن نستعيد معك أكاديمياً وثقافياً بعضاً من تفاصيل هذه المرحلة التي تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وتأثيرها في مسارك العلمي، فيما بعد؟

– بالطبع، لأستاذتي المبدعة سهير القلماوي الكثير من الفضل في ما وصلت إليه الآن؛ فقد كانت ملهمتي التي أستمدّ منها طاقتي، وكانت قدوتي التي أفتخر بها دائماً، وكانت النور الذي أستدلّ به عندما أتعثَّر، فأعود لأقف من جديد أقوى من السابق. لا أنسى أنها كانت صاحبة الفضل في التحاقي بجامعة القاهرة، إذ أقنعت والدي بذلك. ولم يقف مشوارها معي عند هذا الحدّ، فقد أقنعتني، بعد تخرجي، بدراسة الماجستير في الدرس المقارن، وكنت- حينها- قد اخترت الأدب الفرنسي، وهي رفضت ذلك بشدّة، وحذرتني من ذلك؛ معلِّلة أن هذا القسم سيعزلني عن الواقع والأدب المصري، ولم تتركني حتى حصلت على الدكتوراه. ظلَّت خلفي، دائماً، تدفعني نحو الأمام. لقد أحببتها، بل أحببتها كثيراً، وأحببت شخصيَّتها. كانت جميلة ورائعة في كلّ نواحي الحياة.

في كتاب «بناء الرواية»، أيضاً، تساءلت: هل يمكن لكاتب أن يكتب، في منتصف القرن العشرين، «رواية واقعية»، يمكن أن نساويها بأعمال منتصف القرن التاسع عشر؟. على ضوء متابعاتك للأعمال الأدبيّة العربيّة في زمننا المعاصر، ماذا عن مشروعية هذا السؤال، وقابليَّته لتحليل نصوص زمن الحداثة والعولمة والثورة المعلوماتية؟

– في ظلّ العولمة والثورة المعلوماتية، أصبح من الصعب مواكبة الزمن الحالي برواية تستطيع منافسة أعمال منتصف القرن التاسع عشر والأعمال الأدبية والروائية التي صدرت حينها. وسائل التواصل الاجتماعي اجتاحت حياتنا، كما أنها تتحكَّم في المشهد الثقافي؛ لذلك تجد روايات منعدمة القيمة تتصدَّر أعلى الكتب مبيعاً، وهذا الأمر مؤسف للغاية، لأنه يشير إلى ضعف الثقافة، وأن هذه الأخيرة تسير في منحنى صعب وخطير.

برأيك، ما الذي تبقّى من نجيب محفوظ، الآن؟

– لا يمكننا حصر ما تبقّى لنا من نجيب محفوظ، الذي استطاع أن يحفر اسمه في تاريخ الأدب، بحروف من ذهب، وسيظلّ لآلاف السنوات؛ فهو مبدع استثنائي ترك بصمة في تاريخ الأدب والثقافة العربيَّيْن، ومن الصعب أن يتكرَّر. كان يملك جينات إبداعية.

كيف يمكن قراءته من جديد؟

– كان نجيب محفوظ قد وهب حياته للكتابة، فخصَّص، للمقال الفلسفي والقضايا الكبرى في حياة الإنسان، جزءاً كبيراً من كتاباته، دمج بين الفلسفة والأدب العربي وتاريخه، فاستطاع أن يحتلّ مكانة كبيرة بين أدباء جيله والأجيال اللاحقة. سيبقى إبداعه لفترات في المستقبل، ويمكننا قراءة أدبه، باستمرار.

فَتَنكِ ابن حزم منذ اللحظة الأولى التي قرأت فيها (الطوق) في السبعينات. وفي دراستك للكتاب، خلصت إلى إمكانية استحضار هذا الأثر في زمننا المعاصر. نملك تراثاً غنيّاً، لكن السؤال المطروح: ما الذي سنفعله بهذا التراث؟

– تعتبر رؤية ابن حزم الفلسفية من أساسيات قراءة التراث العربي؛ فقد كان أوَّل وأفضل من قدَّم منهجاً نقديّاً للعهد القديم. كانت رؤيته الفلسفية عميقة، ومنهجه نبذ التقليد، وتحرير الاتِّباع؛ وهذا ما يجعلنا نصنِّف تراثه في دائرة الأدب، الذي يمكننا استحضاره والاستفادة به في أيّ زمان، وأيّ مكان. 

شاركت بمقالة مترجمة عن لـ«يوري لوتمان» ضمن الكتاب الجماعي «جماليّات المكان». نقرأ في المقالة: «هناك أماكن جاذبة تساعدنا على الاستقرار، وأماكن طاردة تلفظنا» بين حالتَيّ الاستقرار والطرد، كيف ترى سيزا قاسم حالة المكان العربي؟ 

– مع الأسف، حالة المكان العربي والمنطقة، بأكملها، تدفعنا- بشكل كبير وغريب- إلى الطرد. لا يشعر الكثيرون بالاستقرار في ظلّ ما تعيشه المنطقة العربية. وعلى الرغم من التراث الحضاري الذي يتمتَّع به العالم العربي، لم تعد المنطقة العربية منطقة جاذبة أو مستقرّة.

كيف تستشرفين مستقبل الإنسان في مكانه، ومن خلال انتقاله؟

– في ظلّ الطفرات الحديثة للتكنولوجيا، لابدّ أن نشعر بالقلق على مستقبل الإنسان؛ فعلى الرغم من أهمِّية التطوُّر التقني والعلمي، لكلّ شيء إيجابيّات وسلبيات، وأهمّ هذه السلبيات تهميش الأدباء والشعراء. التطوُّر يأخذ الإنسان إلى منعطف مجهول يجعل من الصعب استشراف مستقبله في ظلّ السباق التكنولوجي، والطفرة التي تطرأ على العالم.

القضية المركزية، في علاقتنا الثقافية بالغرب، أصبحت أكثر من أيّ وقت مضى، مرتبطة بالهجرة، وتداعياتها السياسية تؤثِّر في مضمون قراءة المجتمع الغربي لنا. كيف يمكن، في نظرك، أن تكون الهجرة مرآة إيجابية؟، وما الدور الذي يمكن أن يقوم به المثقَّف العربي في هذا المجال؟

– يعتمد ذلك، بشكل كبير، على الثقافة الفردية لكلّ مهاجر. يمثِّل الوعي، هنا، عاملاً مهمّاً وفعّالاً للغاية. فتأثير المجتمع الغربي في شخص ذي ثقافة ووعي محدودَيْن يكون غير تأثيره في شخص مثقَّف وواعٍ. يشكِّل المثقَّفون، في هذا الصدد، أداة نقل للثقافة إلى الغرب، ونستطيع القول، أيضاً، إن الهجرة مرآة إيجابية تنقل للشرق ما هو بحاجة إليه.

آراء عديدة تذهب إلى أن الجامعات، في عالمنا العربي، منفصلة عن المجتمع. هل أنت متَّفقة مع هذا الرأي؟ وكيف يمكن للجامعة أن تتَّصل بقضايا المجتمع، بشكلٍ مصيريّ؟

– بالطبع، أتفق- تماماً- مع هذا الرأي، فالجامعات في عالمنا العربي منفصلة كثيراً عن المجتمع، ولا تستطيع مواكبة مشكلاته وإيجاد حلول لقضاياه. أتمنّى أن تتطوَّر الجامعات في يوم من الأيّام، وتجد طريقاً ونهجاً للتطوير والتطوُّر.

في حوار مع القاصّ أحمد الخميسي، نُشِر، مؤخَّراً، بمجلّة «الدوحة»: قال الخميسي: ليس لدينا حركة نقدية، وإنما لدينا علاقات نقديّة. ما تعليقك على هذا الحكم؟

– هذا صحيح، فالحركة النقدية تحتاج، كما ذكرت من قبل، إلى متابعة دائمة للأعمال الأدبية، وهذا ما لم يحدث بشكل منظَّم ومنتظم. يحتاج كلٌّ من الإبداع والنقد إلى الآخر، لكن معظم الكتّاب لا يدركون أو لا يقدرون ذلك. والحركة النقدية في عالمنا العربي تحتاج إلى كثير من التطوير والدعم.

ما تقييمك للحركة النقدية الأدبية؟

– الحركة النقدية الأدبية تشه د تراجعاً كبيراً، إذ تمرّ شهور طويلة دون أن نقرأ عملاً نقديّاً واحداً. الناقد مثل المبدع، لابدّ أن يكون في حالة مزاجية معيَّنة لكي يقدِّم نقداً بنّاءً مكتمل الأركان، وهذه المزاجية تجعله يختار عملاً ما، ويتجاهل الآخر؛ نحن لا نملك حركة نقدية متواصلة .

ما تقييمك لجوائز الأدب العربية؟ 

– عندما تُمنح جائزة لعمل ما، فإن ذلك يدعم الكاتب، ويشجّّعه. ولكن، هناك تساؤل يُطرح دائماً: هل يستحقّ الفائز تلك الجائزة؟ يبقى الجانب الإيجابي، في الجائزة، هو المساهمة في انتشار الأدب بين الجمهور.

هل يمكن اعتبار الأعمال المتوَّجة بجائزة ما أنموذجاً للنصّ الجيِّد؟

– بالطبع، لا! وليست الجائزة مقياساً، خاصّة في عالمنا العربي؛ فمن الممكن أن تتوَّج أعمال أدبية وروايات بجوائز، دون أن تكون بالقدر الكافي من الاستحقاق. 

إذن، ما جدوى منح الجائزة لرواية ما؟

– هناك أعمال تستحقّ الجائزة. ولكن، في النهاية، ليست الجوائز المعيار الذي يقاس به النجاح، كما أن هناك تجارب نمجّدها، ونقوم بتكريمها دون أن تستحقّ ذلك.

تُمنَح جوائز للدراسات النقدية، كذلك. ما تعليقك دكتورة سيزا؟

– تكون الجوائز جيِّدة عندما تُمنح لمن يستحقُّها، وللأعمال الجيِّدة التي تستحقّ القراءة. في هذه الحالة، تقوم الجوائز، بدورها، في تشجيع مؤلّفيها، ومنحهم ما يستحقّونه من تقدير، كما تعطي العمل الأدبي الجيِّد الفرصة الكافية للوصول إلى القارئ.

تمّ حجب «جائزة نوبل للأدب»، في دورتها ما قبل الأخيرة، لأسباب أخلاقية. كيف تلقَّيت هذا الخبر؟ وما تأثيره، بالنسبة إلى الجائزة الأعرق في الأدب العالمي؟

– لقد تمّ حجب «جائزة نوبل» سبع مرَّات، من قبل، ولم أندهش كثيراً، لكنه- بالطبع- شيء مخزٍ، للغاية، سبب الحجب هذه المرّة. كان لابدَّ من أن يقوم القائمون والمسؤولون، داخل الأكاديمية السويدية، بحلّ أزماتهم بشكلٍ يعيد الثقة، وحينها سيكون في مقدرتهم الاستمرار في منح الجائزة، وتخطّي تلك الأزمة.

هل ستنشرين سيرتك الذاتية؟ وما الذي ستحمله من أسرار ومفاجآت؟!

– لم أتخذ، حتى الآن، قراراً نهائياً بهذا الشأن. وبالمناسبة، لا تحمل سيرتي الذاتية أسراراً، بالكلمة المتعارف عليها. عند اتِّخاذي قراراً بشأن سيرتي الذاتية، سأعلنه على الفور.

نجيب العوفي: ليست غاية الأدب أن يتنبّأ

منذ بدء أزمة كورونا تم التفكير في الأدب من جهتين؛ الأولى بحثاً عن آثار لهذه الجائحة فيه حيث بدا لكثيرين أن هناك أعمالاً روائية أو فنّيّة تنبأت من قبل بما يحدث للعالم اليوم، ومن جهة أخرى تم اللجوء للأدب لأنه صديق العزلة وخير مؤنس في الحجر الصحي الذي دخله العالم كُرهاً ودون سابق إعداد. في هذا الحوار نحمل أسئلة العزلة والأدب؛ للأديب والناقد المغربي نجيب العوفي (1948)، الذي يُعتبر من المؤسّسين الأوائل للثقافة النقدية الحديثة بالمغرب، اشتغل أستاذاً للأدب في كلّ من جامعة «فاس» و«الرباط»، وواكب صنوف التجارب الإبداعية المغربية والعربية منذ السبعينيات بأجيالها المختلفة. أصدر العوفي مؤلَّفات منها: «متخيل القصة والرواية بين المغرب والمشرق»، و«درجة الوعي في الكتابة»، و«جدل القراءة»، و«مساءلة الحداثـة».

لنبدأ بسؤال شخصي.. كيف تعيش حالة الحجر الصحي التي فرضتها هذه الأزمة؟

– أعيش هذه الحالة كما يعيشها الملايين من إخوتنا في الإنسانية على امتداد كوكبنا الأرضي، مع فارق في الأجناس والبيئات والعادات والاهتمامات. و«المصيبة إذا عمّت هانت» كما يقال. وقد أصبحنا- الآن- سواسية أمام فيروس كورونا الجائح – الجامح، لا فرق بين سيد ومسُود، ورئيس ومرؤوس، وغني وفقير، ومتعلِّم وجاهل، وأبيض وأسود.. وحّدتنا كورونا ووحّدنا الحجْر الصحي في معتقل واحد حتى لا أقول في منزل واحد، لأن هناك مراتب و«منازل» في المنازل. أصبحنا بعبارة أخرى، أمام «اشتراكية وبائية»، حيث عزّت واستعْصت كلّ اشتراكياتنا الطوباوية. فنحن- إذن- في معتقل جماعي عالمي، نقدّم الدليل الساطع الفاجع على «العوْلمة» والآثار الوخيمة التي نتجت عنها، ونحن نستقبل هذا الرقم النّكد 2020 من حياة البشرية.

كيف أعيش حالة حَجْري؟ أعترف أن العزلة ليست غريبة عليّ، ولستُ غريباً عليها. فهي شيء ألفته في حياتي، ونُجْعة ألوذ بها باستمرار، بحكم هذا الهمّ الذي ابتُليت به كما ابتلي به غيري ممن أدركتهم حرفة الأدب، وهو القراءة والكتابة. وهذا الهم رفيق جيّد في هذا الحجر. إضافة إلى الحضور الموازي الكثيف لمحطات وقنوات الإذاعة والتلفزة وشبكات التواصل الاجتماعي/الإنترنت. وبين هذا وذاك، إطلالات من شرفة منزلي بتطوان على سفوح جبل «غُرْغيز»، لاقْتناص نسمة هواء ولمْسة شمس.

ربَّما الزمن هو أوّل ما ينتبه له المرء في تجربة الحجر، الأمر يشبه كثيراً ما قاله أحدهم عن الزنزانة حيث يعاني المسجون قلّة في المكان وفائضاً في الزمان. ما رأيك؟

– صحيح، يشكِّل الزمن الفائض المُراوح في المكان، مشكلة ثقيلة بالنسبة للمواطن المأسُور بيْن جدران هذا الحجر الصحي المفروض عليه، حيث تغدو المعادلة غير متكافئة.

تماماً في المعتقل المنزلي بين المكان والزمان. بين محدودية المكان التي قد لا تتجاوز أمتاراً معدودات في الغالب الأعمّ، وسيولة الزمان ونهْريته التي لا تنتهي إلّا بمجيء النوم، «العدم المؤقت» بتعبير سارتر. وهذا يُقَرِّبُ جدران المنازل من جدران السجون والمعتقلات، كما يساوي بين المأسورين داخل المنازل والمأسورين داخل السجون.

ومعلوم أن «الوقت» هو العدو اللدود للمواطن العادي الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، لا يدري ما يفعل به، ولا كيف يتصرَّف فيه، وبخاصّة بعد اتساع رقعة العاطلين

والبطاليين وأبناء السبيل في العقود الأخيرة. ومن ثَمَّ راجت على ألسن الناس وعبر قاموسنا الشعبي المقولة المأثورة «قتل الوقت» و«هيا لنقتل الوقت»، وكانت المقاهي، والنوادي، والحانات، وأماكن الترفيه مراتع ومُنتجعات خصبة للتنفيس الاجتماعي و«قتل الوقت» في الصفقات والنّمائم والمؤامرات والمناقشات.. انعكست الآية الآن تماماً في منازل الحجْر الصحي. إذ بدل أن يقتل المواطن الوقت، أصبح الوقت هو الذي يقتل المواطن.

في سياق هذه المعادلة غير المتكافئة بين محدودية المكان وسُيولة الزمان؛ يصبح الإبداع الإنساني خير وسيلة لمواجهة رتابة وروتين هذا الاعتقال وخير مؤنس للعليل، سواء أكان هذا الإبداع كتاباً أو فيلماً أو أغنية وموسيقى أو لوحة وتشكيلاً أو رقصاً.. كما تصبح وسائل ووسائط التواصل الاجتماعي التقليدية والحديثة كالإذاعة والتلفزة والإنترنت؛ هي الميادين والنوادي والمقاهي الأثيرية – والافتراضية التي يلتقي فيها الناس ويتواصلون ويستعيدون بعض الدفء الاجتماعي المفقود. وأنا أفتح وأتصفّح في هذه الظروف الاستثنائية العصيبة؛ شبكات التواصل الاجتماعي التي ارتفعت درجة حرارتها؛ تبدو لي جَلِيَّة وبهيّة أهمِّية هذه الشبكات التواصلية في تقريب الشُّقّة، وتجْسير الفجوة، وتخفيف الكُرْبة، وتبادل الرأي والمشورة، بين معتقلي كورونا. وقد كانت هذه الشبكات التواصلية في أحايين كثيرة عرضة للنقد. هذه هي المفارقة التراجيكوميدية للعولمة / أن تأتينا بخير حضاري عميم، وأن تأتينا- أيضاً- بِشَرٍّ حضاري وخيم.

منذ بدء الأزمة؛ تم النبش في الروايات والأعمال الإبداعية على اختلافها.. وفي كلّ يوم نجد من يقول إن العمل الفلاني تنبأ بما يحدث الآن. هل صحيح أن الأديب أو الإبداع يمكن أن يتنبأ فعلاً بشيء ضخم قد يغير مسار الإنسانية ؟

– ليست غاية الأدب ووظيفته أن يتنبّأ ويتكهّن بالغيب ويَشُقَّ حُجب المستقبل، مع إقرارنا بوجود أدب تخييلي قائم بذاته، وهو أدب الخيال العلمي، وهو ضرب من الفِراسة

الإبداعية. الأدب لا يَقْرَأُ الكفّ أو الفنجان، ولا يَرْصُدُ أحوال الطقس الآتية. الأدب يتحسّس نبض الإنسان والمجتمع والتاريخ، ويزرع حُدوسه في مجاري النصوص بشاعرية وجمالية، وبلا جلبة تحليلية – ومفهومية. هو حسب الشاعر الفرنسي «رينيه شار»، كشف عن عالم يظل في حاجة مستمرة إلى الكشف. 

وبما أن الإبداع الأصيل هو الذي يلتحم بشرطه الإنساني، ويُصيخ السمع جيّداً لإيقاع مرحلته التاريخية، فقد تأتي أعمال إبداعية – روائية بخاصّة، مُرْهصة بالآتي. أو يأتي هذا الآتي مُوَافِقاً أو مطابقاً لبعض الأعمال. ولعلّ المثال الشهير المستحضر هنا، هو رواية «1984» للكاتب الإنجليزي «جورج أوريل»، التي صَوَّرَ فيها استقواء النظام الرأسمالي الشمولي بعد الحرب العالمية الثانية تحت إمرة وسيطرة «الأخ الأكبر». وإذا احتسبنا الفارق الزمني القليل بين زمن الرواية «1984» وزمن الكتابة (1949)، تأكّد لنا بأن «جورج أوريل» لم يكن يقوم بكهانة روائية، بقدر ما كان يتحسّس نبض وإيقاع لحظته التاريخية الرأسمالية – الصاعدة. جاعلاً الديستوبيا (المستقبل الفاجع) في مقابل اليوتوبيا (المستقبل الفاضل). وكثير من الأحداث التاريخية التي زعم بعض روائيينا أنهم تنبّؤوا بها كانت أقرب إليهم من أرْنبات أنوفهم. إن الأديب بعبارة أخرى هو ضمير أمّته وعينها الرائية التي ترى إلى الأبعد، وهي تتفرَّس في الأقرب، متطلّعة دوماً إلى غد أفضل، والكاتب الذي يزعم أن روايته كانت تتنبأ- حصْراً- بهذا الحدث أو ذاك، هو كاتب يضع الكَهانة في مقابل الإبداع. 

التواصل الإنساني ومعرفة الآخر كان هو غاية الأدب والفنّ عموماً.. ماذا يعني أن تصير القطيعة والعزلة هي الإمكانية الوحيدة للمرحلة؟

– القطيعة والعزلة هما قدر الإنسان المعاصر من قبل هُبوب وباء كورونا، بل هما ناجمتان أساساً مع هبوب رياح العولمة العاتية – الناعمة التي زجّت بالإنسان المعاصر في قوْقعته الفردية، وجعلته ذا بعد واحد. كما انتبه إلى ذلك مفكِّرون كـ«هربرت ماركوز» في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد». ثمّة- باستمرار- مُفارقات عدة مُنْزرعة في مجرى العولمة، ولنأخذ أقربها؛ فبواسطة الهواتف المحمولة وشبكات التواصل، صَرمت العولمة حبْل التواصل الأسري الحميم، وتحت طائلة فيروس كورونا، وهو ثمرة سامّة للعولمة، تستعيد العلاقات الأسرية دفأها وحضورها. هذه هي مفارقة الوقت التراجيكوميدية. إذ طالما اشتكى الناس من تفكك الأواصر والوشائج الأسرية في غمرة العولمة والليبرالية المتوحشة، وها هي جائحة كورونا تلمّ شمل الأسر المفكَّكة، وتجمعها تحت سقف المنازل التي أضحت معتقلات أسرية تحت الحجر، مع ما يترتَّب عن هذا الحجر من عواقب وآثار وخيمة، نتيجة القطيعة الجديدة والجبرية مع المجتمع والحياة الاجتماعية اليومية، وهكذا دواليك من قطيعة لأخرى. الآداب والفنون- على الدوام- هي التي ترتق فُتوق هذه القطائع المختلفة على مدار التاريخ. الأدب بخاصّة، هو الشفرة الروحية والرمزية التي يتفاهم ويتواصل بها الناس مهما تباعدت واختلفت الأمكنة والأزمنة، واشتدت الكوارث والأوبئة. هناك عبارة جميلة للكاتب والروائي ماريو فارغاس يوسا «إن الأدب هو أفضل ما تم اختراعه للوقاية من التعاسة». وما أحوجنا في هذه الظروف العصيبة التعيسة إلى هذا الواقي- الراقي الجميل. وفي إمكان وسائط التواصل الحديثة والمتطورة أن تصبح حاملاً جيّداً سريعاً وناجعاً للأدب. وقد سرّنا كثيراً في هذه الظروف الحجرية العصيبة، هذا التواصل الأدبي الرائع على شبكة الإنترنت. إنها عبقرية الإنسان الذي يجد له من الضيق- دائماً- مخرجاً.

طالما كانت العزلة هي ورشة المفكِّر والمبدع التي يُخرج منها تجربته للناس.. ما الذي يمكن للإنسانية أن تتعلَّمه من تجربة العزلة التي دخلتها قسراً؟

– هناك أدبيات كثيرة في مديح العزلة والتغنّي بأفضالها ومنافعها، قديماً وحديثاً، لما تتيحه من سكينة نفس وصفاء ذهن وخاصّة في حياتنا المعاصرة اللاهثة التي لا تترك للمرء فرصة لينصت لنفسه، ويخلو لعظامه، كما نقول. أستعين هنا قول صفي الدين الحلي:

وأطيب أوقاتي من الدهر خلوة // يَقِرّ بها قلبي ويصْفو بها ذهني

العزلة بالنسبة للمبدع والمفكِّر حديقة خلفية أساسية، يفيء إليها لفترات قد تطول أو تقصر، ليتأمَّل ذاته، ويتأمَّل العالم من حوله، ويعْكف على قراءاته وكتاباته.

ولذلك للعزلة زمن خاص وضروري للأديب يقتطعه من زمنه العام ليتفرغ لزمنه الإبداعي الأثير. ومن ثَمَّ راجت على الألسن والأقلام مقولة (البرج العاجي) بالنسبة للأديب المختلي لعزلته الأدبية. وكثيراً ما استعمل النقَّاد هذه المقولة للتفرقة بين الأدب الخالص والأدب الملتزم. لكن في جميع الحالات، تبقى العزلة قاسماً مشتركاً بين الأدباء.

أستحضر في هذا السياق كلمة معبِّرة لميخائيل نعيمة، يقول فيها: «ولا بدّ لي من ساعات أعتزل فيها الناس، لأهضم الساعات التي صرفتُها في مخالطة الناس». لذلك فالعزلة هي الفرصة التي تسمح بالخروج من الغابة البشرية لتأمُلها عن بعد وبهدوء.

وأظن أن كلّ واحد منّا في حاجة إلى هامش من العزلة ليهضم الساعات التي صرفها في مخالطة الناس. وقد صرف كثير من الأدباء والمفكِّرين حيواتهم أو أشطاراً من حيواتهم في العزلة الخلاّقة. ولعلّ رهين المحبَسَيْن، أبا العلاء المعري، أحد الرموز الكبيرة لهذه العزلة الخلاقة. وثمّة أدباء كبار كانت العزلة هي مملكتهم الإبداعية الصاخبة. وصدق الشاعر الإسباني رفائيل ألبرتي حين قال «أنت في وحدتك بلد مزدحم».

ومن جدران السجون والمعتقلات- أيضاً- خرج أدب بهيّ، وأيْنعت كتب ومؤلَّفات مضيئة.

فالأدب إذن، مقاومة للفراغ والرتابة والفناء وقبح العالم. وقراءة الأدب هي إحدى وسائلنا الراقية للتحرّر من أسْر المكان والزمان.

في نظرك ما هي المسلّمات التي قد تطرحها هذه الأزمة للمساءلة؟

– بكلّ تأكيد، فإن زمن الكورونا سيترك نُدوبه العميقة على الأزمنة القادمة. وبكلّ تأكيد أيضاً، فإن هناك ثلاثة أزمنة متقاطعة، زمن ما قبل كورونا، وزمن كورونا، وزمن ما بعد كورونا. هذه الأزمنة الثلاثة ستكون موضوعاً للمساءلة والمراجعة والتفكير بشكلٍ جديد منقح ومزيد، من طرف علماء البيولوجيا والطب والاجتماع والنفس والاقتصاد والحضارة والسياسة وغيرهم لغربلة ما كان، واستشراف ما سيكون.

زمن الكورونا سيزيد، لا محالة، من وتائر التفكير النقدي – العقلاني، وسيطيح بكثير من المسلّمات والثوابت والعوائد البالية. وربَّما سيحفّز الخُطى نحو عصر تنويري جديد. وهذا الحراك الفكري العالمي لن يمرّ بسهولة، ولكنه سَيَلْقَى في الطريق- دائماً- أباطرة العالم الرأسمالي وكهنة المعبد القديم، يستميتون في الدفاع عن حصونهم المتداعية.

مازن أكثم سليمان: الشِّعر السُّوريّ في زمن الحرب

الصندوق - يوسف عبدلكي (سورية)

في العام (2015) أطلَقَ الشاعر والناقد السوري مازن أكثم سليمان (بَياناً شِعريّاً) بعُنوان (الإعلانُ التَّخارُجيُّ)، كما أطلَقَ بَياناً (شِعريّاً/ نقديّاً) بعُنوان (الجدَل النِّسْيَاقيّ المُضاعَف – الانتصاليّة/ البينشِعريّة) في العام (2018). ويُعدّ النّاقد الوحيد (حتّى الآن) الذي كَتَبَ سلسلة دراسات نقديَّة (نظَريَّة وتطبيقيَّة) عن مَوضوعة الثَّورة والحرب في الشِّعر السُّوريّ، فضلاً عن قصائِدِهِ ونُصوصِهِ ومَقالاتِهِ ودراساتِهِ الفكريّة المُتنوِّعة في هذا المِضمار.

مازن أكثم سليمان حائز على دكتوراه في الدِّراسات الأدبيّة من جامعة دمشق (2015). بدأ بنشرِ الشِّعر والدِّراسات النَّقديّة منذُ العام (1999)، وله ديوانُ شِعرٍ صادِر عن «دار الفاضِل» بدمشق، في العام (2006) بعُنوان (قبلَ غزالة النَّوم)، وكتاب في الدِّراسات النَّقديّة صادر عن «دار موزاييك» للدِّراسات والنَّشر في اسطنبول، بعنوان (حركيّة الشّاغِلات الكيانيّة). نال جائِزة الطَّيِّب صالح العالَميّة للإبداع الكتابيّ، في دورتِها التّاسِعة (2019)، في (مَجال الدِّراسات النَّقديّة) عن مَخطوط كتابه المُعَنْوَن بِـ (انزياح أساليب الوجود في الكتابة الإبداعيّة بينَ مُطابَقات العولمة واختلافاتِها). نشَرَ عشرات القصائِد والنُّصوص والمَقالات والدِّراسات النَّقديّة والفِكريّة..

نبدأ من كتابكَ النَّقديّ الجديد «حركيّة الشّاغلات الكيانيّة- مهيمنات شِعريّة في زمن الثَّورة والحرب في سوريّة (2011 – 2018)»، الذي صدر، حديثاً، عن «دار موزاييك» في إسطنبول، ويُعَدّ أوَّل كتاب نقديّ يعالج قضايا تتعلَّق بشعر الثَّورة والحرب. ما الأسس التي أسَّست عليها البحث؟

  تُمثِّلُ دراسات هذا الكتاب، التي كتبتُها في دمشق، ونشرْتُها خلالَ الأعوام المُمتدّة بينَ 2015 و2018، مَساراً من المَسارات الثَّقافيّة المُتعدِّدة التي عملْتُ عليها، والتي يتشابَكُ فيها مُستوى مُواكَبة أحداث الثَّورة السُّوريّة، والرَّبيع العربيّ، وتفحُّصِها، وتحليلِها، والتَّنظير لها، من جانبٍ أوَّل، معَ مُستوى مَشاريعي العامّة الإبداعيّة/ الفنِّيّة، والنَّقديّة، والفكريّة، بما هيَ خُطوط مُتراكِبة، مَعرفيّاً، من جانبٍ ثانٍ، إذ كانَ لابُدَّ لي من التَّصدِّي لمُغامَرة قراءة المُنجَز الثَّقافيّ السُّوريّ في حِقبة الثَّورة، لا سيّما ما يتعلَّقُ بالمُنجَز الشِّعريّ، على نحْوٍ خاصّ، وهيَ المَسألة التي نهَضَتْ لديَّ على بُعْدٍ تجريبيّ، على مُستوى النَّقد، تنظيراً وتطبيقاً، بما يتوازى ويتقاطَعُ -في آنٍ معاً- مع المُنتَج الشِّعريّ الذي كانَ ينتشِرُ ويَتنامى، مُواكِباً أحداث الثَّورة السُّورية، وتداعياتِها المُختلِفة، ومنها الحَرب طبعاً؛ لذلكَ، تبدو دراساتي لهذِهِ النُّصوص أشبه بمُحاوَلة إضاءة (بانوراميّة)، واكبَتِ اللَّحظةَ الشِّعريّة كما انفتحَتْ في تلكَ الحِقبة الثَّوريّة، إذ تكمن أهمِّيّة قراءة الشِّعر السُّوريّ في هذِهِ الحِقبة -كما أعتقدُ- في التَّأسيس النَّقديّ الضَّروريّ تأريخيّاً؛ أي: ترتبِطُ بأهمِّيّة تلمُّس الأبعاد (الفنِّيّة/ المَدرسيّة) لهذِهِ التَّجارِب الغزيرة جدّاً، بلا مُبالَغة، ومُحاوَلة وضْعِها في أُطُر مَفهوميّة قابِلة للانتظام المَعرفيّ، نقديّاً، وقد سعيْتُ، في هذِهِ القِراءات، إلى مُحاوَلة القيام بعمليّة سَبر نصِّيّ واسِع، وتأصيليّ، لـِ «حَرَكيّة الشّاغِلات الكَيانيّة» في هذا الشِّعر، وإلى أنْ أُصنِّفَ التَّيّارات السّائدة فيه، وأؤرِّخَ -فنِّيّاً- لاتّجاهاتها، مُفكِّكاً -قدْرَ المُستطاع- جُملة المَسارات، والمَرجعيات (المُهيمِنة) عليه، ومُقارِباً سِماتِهِ الرَّئيسة، بوصفِهِ حِقبةً قابلةً- من حيثُ المبدأ- للإحاطة المَنهجيّة، نقديّاً، والتَّبويب النَّظَري، فنِّيّاً وجَماليّاً، فضْلاً عن تلمُّس بعض المَلامِح التَّجريبيّة المُتشكِّلة فيه، بما يفتحُ الطَّريق عريضاً لمُحاوَلة استقراء آفاقِهِ المُستقبَليّة. 

كيف يُقيِّم مازن أكثم سليمان المرحلة الشِّعريّة السُّوريّة في زمن الثَّورة والحرب؟

– تُمثِّلُ مُعاصَرةُ الشُّعراء للتَّحوُّلات التّاريخيّة الكُبرى، وفي مُقدِّمتها الثَّورات والحُروب، فرصةً نادرةً؛ كي يُقدِّموا شهاداتهم الشِّعريّة على عصرهم. فالشِّعرُ -في أحدِ مَفاهيمِهِ الحَداثيّة- هوَ تعبيرٌ عن روح كُلِّ عصرٍ جديدٍ، بلُغةٍ مُغايِرة، وهُوِيّةٍ فريدة، وجَمالٍ مُختلِف؛ لذلكَ، بقدر ما تبدو مُعاصَرةُ الشُّعراء للثَّورة السُّوريّة، وتحوُّلاتها المفصليّة الكبيرة، حدَثاً شِعريّاً عظيماً، على نحْوٍ خاصّ، تُشكِّلُ هذه المُعاصَرة مَأزقاً جَماليّاً، وفَخّاً فنِّيّاً بالِغَ الوُعورة، قد يُوقِعُ تخارُجَهُم الشِّعريّ فريسةَ المُباشَرة، أو الاستسهال، لا سيّما في ضَوء الإغواء العارِم، والطُّغيان الشَّديد الذي تُمارسُهُ اللّحظةُ الرّاهنةُ، بوَقائِعها الضّاغِطة على النُّصوص؛ لهذا، يحتاجُ الشّاعرُ السُّوريّ (الحقيقيّ/ الأصيل) إلى جُملة من الشُّروط المَعرفيّة، والفنِّيّة، والتَّجريبيّة، كي يُنجِزَ حُضورَهُ الجَماليَّ، شِعريّاً، ومن ذلكَ أنْ يَمتلِئَ امتلاءً حيويّاً برُوح المَرحلة العابِرة، من ناحيةٍ أولى، وبالزَّمن الكُلِّيّ، من ناحيةٍ ثانية، وأنْ يتزوَّدَ تزوُّداً جمّاً بمَعرفةٍ نظَريّة مُعمَّقة بالبُعد (التأريخيّ- الفنّيّ) للشِّعر السُّوريّ، والشعر العالميّ، وتيّاراتِهِما المُختلِفة في العُقود الأخيرة، على أقلّ تقدير؛ ليكونَ كلُّ ذلكَ أساساً صلباً للانطلاق نحْوَ مُجاوَزةٍ، يُبذَلُ من أجلها كُلُّ غالٍ ونفيس، وهيَ الأُمور التي تضَعُ الشّعراءَ (الحقيقيِّينَ/ الأصيلينَ) في تحدٍّ عميق، بوصفِهِم مُطالَبينَ بأنْ ينفخوا الرُّوحَ (الوجوديّة/ اللُّغويّة) الأصيلة في الشِّعر، وأنْ يَبعثوهُ صافِياً حُرَّاً، وأنْ يَستنطِقوا -جَماليّاً- أيَّ جديدٍ، وغائبٍ، ومَجهولٍ. وأظنُّ أنَّ الشُّعراء الذين حقَّقوا هذه المُجاوَزة، في مرحلة شعر الثَّورة والحرب، ما زالوا قليلي العدد، والأفضلُ أنْ أقولَ إنَّ هذه المُجاوَزة قد تحقَّقتْ في قصائد أو نصوص أو مقاطع بعينِها، لا في تجارب كاملة؛ لذلكَ ركَّزتُ، في دراساتي، على النُّصوص التي وجدتُها مُقنِعةً، نسبيّاً؛ سعياً منِّي إلى وضع معالم (حدسيّة/ كُلِّيّة) لتيّار مُستقبليّ قابل للتَّشكُّل؛ فإذا كانَ من المُمكن الحديث عن وجود إرهاصات وتجارب تُبشِّر بحقبة شِعريّة جديدة قادمة، فإنَّ المُهمّ الإشارة إلى أنَّها لم تنضجْ حتّى الآن، ولم تتكشَّفْ سماتُها المُستقرّة، بعد. 

ما الإشكاليّات الإبداعيّة التي ظهرت في شعر الثَّورة والحرب في سوريّة، كما تعتقد؟

مازن أكثم سليمان

– تبدو لي أنَّ أيّة مُقارَبةٍ تحقيبيّةٍ لشِعر الثَّورة والحَرب، في سُوريّة، مُطالَبةٌ، في العُمْق، بالحَذَر والتَّحذير، في آنٍ معاً، من التَّعامُل مع مَوضوع هذا الشِّعر على أنهُ (غرَضٌ شِعريّ سِحريّ)، يُدخِلُ القصيدةَ، تلقائيّاً، ما إنْ تكونَ مَكتوبةً تحتَ عُنوان الثَّورة والحَرب، إلى جنّة الشِّعريّة، والجَمال، والمُجاوَزة. وأعتقد أنَّ مَوضوعة الثَّورة والحَرب قد باتَتْ -عندَ جيلٍ كامِلٍ مِنَ الشُّعراء- تُشبِهُ المُوضة الشِّعريّة، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ لا اعتراضَ عليهِ، من حيثُ المَبدأ، غير أنَّ المَسألة أكثَر تعقيداً ممّا نظنُّ؛ ذلكَ أنَّ تحوُّلَ هذِهِ المَوضوعة، عندَ كثير من الشُّعراء، إلى ما يُشبِهُ (القِناعَ الشِّعريَّ)، قد غيَّبَ عدداً من القَضايا المَسكوت عنها، أو -رُبَّما- غيرِ المُفكَّر فيها، على أقلّ تقدير! ليسَ من المُبالَغة القول: إنَّ عدداً من شُعراء لحظتِنا الرّاهِنة قد وجدوا، في مَوضوع الحَرب، طوْقَ نَجاةٍ، يرأبونَ بهِ -كما يَعتقدونَ- صُدوعَ ضعفِ ذخيرتِهِم المَعرفيّة، والنَّظَريّة، ويُعوِّضونَ عن غِيابِ مَشاريعِهِم ذات الخُصوصيّة والتَّفرُّد، لا سيّما أنَّ بعضاً من هؤلاء لم يكونوا -أصلاً- قد خرَجوا، قبْلَ الثَّورة، من عباءاتِ الآباءِ الشِّعريّينَ. يُضافُ إلى حُضور هذا الجانب، أنَّ بعض الشُّعراء أضْحوا يَتهرَّبونَ من اتّخاذِ مَوقِفٍ سِياسيٍّ واضِح، بإغراقِ قَصائِدِهِم بمُفردات الحَرب اليوميّة، مُتفنِّنينَ في توجيهِ أبلَغِ اللَّعنات نحْوَ قسوتِها الأليمة، بما لا يُضِيفُ -إلى حدٍّ كبير- فَرْقاً (نوعيّاً- فنِّيّاً) على أيِّ كلامٍ اعتياديٍّ مُتداوَلٍ قد يذمُّ قُبْحَ الحَرب. لعلَّ أمثال هؤلاء يُسوِّغونَ غِيابَ المَوقِفِ السِّياسيِّ، بالحَديث عن شُموليّة المَوقِفِ الإنسانيِّ العامّ، وتَجنُّبهم مقتلَ أنْ تسقُطَ قصائدُهُم في المُباشَرَةِ السِّياسيّةِ، إلّا أنَّ أيّةَ مَعرِفةٍ بسيطةٍ بالاختلافِ الفنِّيِّ بينَ الشِّعر السِّياسيّ، وسِياسة الشِّعر، تُعرِّي دُفوعَهم المُتهافِتة هذِهِ، وتكشفُ انتقالَهُم من تَحاشي الوُقوع في مُباشَرَةٍ ما، كما يدَّعُونَ، إلى الوُقوع في نمَطٍ آخَر من المُباشَرَةِ المُحاصَرَةِ بضغطِ الرّاهِنِ، حيثُ يتحوَّلُ مُعْجَمُهُم الحَربيّ إلى عدّة قصديّة مُسَبَّقة، ومَجموعة مُنتقاة من الآليّات التِّقنيّة التِّكراريّة، التي يُحضِرُ بها هؤلاء الشُّعراء الحَرْبَ -وصْفِيّاً- من الخارِج، مُتمركزينَ عليها، في مُطابَقةٍ تَخلو من بُلوغِ أيِّ كشْفٍ يوميّ، أو رُؤيويّ مُغايِر، وفي ظلِّ غِيابٍ فادِحٍ للوُجود الجَماليّ، بما هوَ بُؤرة الدَّهشة، والتَّباعُد، والاختلاف، كما يُفترَضُ أنْ يكونَ. 

كيفَ يُمكن تحقيق التَّوازن الشِّعريّ بين الموقف السِّياسيّ والموقف الفنِّيّ؟ 

– تحدَّثتُ، في غير مُناسَبة، عن إيجاد دلالات جديدة لمفهوم «الالتزامِ الشِّعريِّ» الذي لا يعني في -رأيي، بتاتاً- تقديم خِطابٍ مُباشَر في القصيدة؛ فهذا وعيٌ تبسيطيٌّ يَنفي -حتْماً- شِعريَّتَها، وقد قالتِ العرب -قديماً- إنَّ أعذبَ الشِّعرِ أكذَبُهُ؛ لذلكَ، لابُدَّ من الإشارَةِ إلى أنَّ نسبةً لا يُستهانُ بها ممّا يُكتَبُ -الآنَ- تحتَ عُنوان شِعر الثَّورة والحَرب، يغلبُ عليه، من حيثُ المَبدأ، الجانبُ التَّسجيليُّ الانطباعيُّ، الذي يَبقى -إلى حدٍّ بعيد- حبيسَ درجةِ الصِّفر في الكتابةِ، أو أسيرَ (صوت/ ضَجيج) التَّعبِئَةِ الخِطابيَّةِ القاصِر فنِّيّاً، فضْلاً عن عجزِ نسبةٍ لا بأسَ بها من القَصائِدِ، عن تحقيقِ الانتقالِ المُجدي من التَّجرِبةِ الذّاتيَّةِ الخاصّة، إلى التَّجرِبةِ الإنسانيَّةِ العامّة. صحيحٌ أنَّ الثَّورات والحُروب تَجارِب عالميّة مُشترَكة. لكنْ، ما الذي تُضيفُهُ قصيدةٌ لا تخرجُ عن مُحاكاةِ السَّطحِ الخارِجيِّ للحدَث، من دونِ أنْ تتمكَّنَ من تحويلِ مادّةِ الحَرب الأوَّليّة، بوصفِها إقامَةً في الحُضور، إلى فائِضِ مَعنًى، بوصفِهِ اختراقاً للغِياب؟!؛ وهوَ الأمرُ الذي يَتحقَّقُ بالتَّضافُر الوُجوديّ بينَ التَّجرِبة والتَّجريب، عبرَ مُكابَدَةٍ عميقةٍ، بُؤرتُها جدَليّة الذّات والمَوضوع، ائتلافاً أو تنافُراً، وهدفها بلوغ الخُصوصيّة الجَماليّة نصِّيّاً؛ إذ من المُفترَضِ -نظَرِيّاً، وفعْلِيّاً- أنْ يَتَولَّدَ الحيِّزُ الفنِّيُّ، وأن ينموَ داخِلَ النَّصّ، لا أنْ يكونَ سجيناً لما هو مُسَبَّق في العالَم الوقائعيّ، ذلكَ أنَّ إحدى قَواعِدي النَّقديّة الأساسيّة -في اعتقادي- تقولُ: ليسَ المُهمّ -نسبيّاً- مَوضوع القصيدة؛ إنَّما الكيفيّة (الوُجوديّة/ التَّخييليّة) التي تنبسِطُ بها أساليب وجود هذا المَوضوع في عالَم القصيدة التَّخارُجيّ، وكيفَ يَنبغي لهُ أنْ يَفتتِحَ أُفُقاً جَديداً، يَدعوهُ جادامير: «الزِّيادة في الوُجود»، ويَدعوهُ «ريكور» «شيءُ النَّصِّ غير المَحدود». إنَّ هذا العالَم الشِّعريّ الجَديد هوَ: ما يَسْمَحُ لمَفهوم «الالتزام» في الشِّعر ببلوغِ غاياتِهِ الفنِّيّة المُثلى، عبرَ الوَفاء للمَوقِف الفكريّ والسِّياسيّ، من ناحية، وللمُستويات (الوُجوديّة- الجَماليّة)، من ناحية ثانية؛ لتصبحَ القصيدةُ الرّاهِنة -على هذا النَّحو- قصيدةً مُعاصِرةً للثَّورة والحَرب، بقدْرِ ما هيَ قصيدة تَحتفي بأصالَتِها؛ تِبْعاً للجدَل الخَلّاق بينَ الزَّمن الخَطِّيّ الأُفُقيّ، وزَمانيّة تِكرار الاختلاف؛ ليكشفَ هذا التَّوتُّر الحُرّ، وتلكَ المُغامَرة الجَمّة، الانبثاقَ الجَديدَ لعالَم الاختلاف، والغِياب، والمُجاوَزة الدّائِمة نحْوَ المَجهول؛ لذلكَ، لا أعني بمَفهومُ (الالتزام الفنِّيّ)، نهائيّاً، تكراراً لمَفهوم (الالتزام) التَّقليديّ، لا سيّما في النَّظَريّات الأيديولوجيّة، الواقعيّة والماركسيّة، وغيرِها؛ إنَّما أعني تحقيقَ التَّوازنِ (الفَنِّيّ/ الجَماليّ)، الذي تكونُ الأولويّة فيه لشِعريّة الوُجود في مُنفتَحِ عالَمٍ شِعريٍّ مُغايِرٍ، من دون أنْ يمنعَ ذلكَ إمكان بثِّ المَوقِف الفكريّ، والسِّياسيّ، فَنِّيّاً وجَماليّاً؛ أي بوصفِهِ عُنصُراً يُبطِّنُ الأبعادَ الإبداعيّةَ، ولا يُوقِعُ النَّصَّ في الخِطابيَّةِ، أو في التَّقريريَّةِ، أو في المُباشَرَةِ المَذمُومَةِ. 

هل نستطيع أن نستنتج، من إجاباتُكَ السّابقة، أنَّكَ تنفي ظُهور حساسيّة شِعريّة جديدة في الشِّعر السُّوريّ في زمن الثَّورة والحرب، أو ولادة تجارب شِعريّة مُؤسِّسة وكبيرة؟ 

– لعلَّ مَسألةَ وِلادَةِ حَساسيَّةٍ شِعريَّةٍ جَديدة، في شِعر الثَّورة والحَرب في سُوريّة، مَسألة مَفهوميّة مُركَّبة كما أظنُّ؛ ذلكَ أنَّ هذِهِ الحَساسيّة الجَديدة المُنتظَرة، والمَرغوب فيها، لا تتولَّدُ -فقط- بحُضور مُفردات الثَّورة والحَرب، وتَراكيبِها، ومَجازاتِها، وسَرديّاتِها في عَوالِمِ النُّصوص، كما يذهبُ بعضُهُم؛ بل في مَدى قُدرة هذِهِ العَوالِم الشِّعريّة على مُجاوَزةِ المُطابَقاتِ الوقائعيّةِ المُسَبَّقةِ، بتحقيقِ (تناصّاتٍ) وُجوديَّةٍ/ فَنِّيَّةٍ نوعيَّةٍ، تُنتِجُ انزياحاتِها الجَديدة التي تُغنِي الحَدَث، وتُضيفُ إليهِ فائِضاً (وُجوديّاً- جَماليّاً) خاصّاً، ولا تكونُ عِبئاً عليهِ؛ أي: بوصفِ هذِهِ العَوالِم الشِّعريّة تمتَصُّ الحَدَثَ، ثُمَّ تَقترِحُ أساليبَ وُجودٍ مُغايِرةٍ، لَمْ تنبسِطْ شاغِلاتُها الكَيانيّة -من قبْلُ- على هذا النَّحْوِ، كما هوَ مُفترَضٌ. وهيَ المَسألةُ التي يُمكِنُ تتبُّعها بحذَرٍ في بعضِ التَّجارِبِ، لا سيّما إذا أسَّسنا اعتقادَنا المَبدئيَّ بحتميَّةِ وِلادَةِ الجَديدِ والمُغايِرِ على أدبيّاتِ فكرِ الاختلافِ الوُجوديِّ اللُّغويِّ؛ لذلكَ يُمكِنُ القولُ: إذا كانَتْ هذِهِ الحِقبة تُشيرُ إلى انبثاقٍ واضِحٍ ومَلموسٍ لظاهِرَةٍ شِعريَّةٍ عَريضَةٍ، ذات تَيّارات ومَرجعيّات مُتعدِّدة، وإذا كانَ لا مناص من الكلام -بالمَعنى التّاريخيّ- عن جيلٍ شِعريٍّ، يُوصَفُ بأنّهُ جيلُ الثَّورة والحَرب، فإنَّ مَسألةَ التَّحقيب الفَنِّيّ، وتعيين الإضافات النَّوعيّة التَّراكُميّة، أو المُؤسَّسة على قطيعةٍ ما، لا تزالُ بحاجةٍ إلى مَزيدٍ من الجُهد النَّقديّ النَّصِّيّ الأصيل، لا سيّما في ظلِّ الكمِّ الهائِلِ الذي يُضَخُّ مِنَ الشِّعر، ويصعبُ حصرُهُ، ففي سُوريّة تُوجَدُ -إلى جانِبِ الجُيوش المُتصارِعة- جُيوشٌ مِنَ الشُّعراء، والشّاعرُ الواحِد نفسه، قد تُصَنَّفُ نُصوصهُ ضمنَ أكثَر من اتّجاه أو تَيّار، فضْلاً عن أنَّ المَسألة -في أحدِ  – هيَ مَسألة وثيقة الصِّلة بنظَريّة النَّقد، فأيُّ بحْثٍ يَحتفي بالبُعد (الجينيالوجيّ) لشِعر هذِهِ المَرحلة، عليهِ أنْ يتذكَّرَ، دائِماً، أنَّ الحقيقة -وُفْقَ نيتشه- تُخفِي خِداعَها بإظهارِهِ في المَجاز؛ فالوُجودُ أساليب وكيفيّات لخِداعٍ مَجازِيٍّ، تُخلَقُ فيهِ القيَمُ، وتَتولَّدُ في فضاءٍ تفاضُليّ، تَتصارَعُ فيهِ القِراءاتُ والتَّأويلاتُ؛ لذلكَ، نجِدُ هيدجر يعتقدُ أنَّ أيَّ تفسيرٍ للنَّصِّ، سيكونُ -بالضَّرورةِ- تفسيراً مُخالِفاً حتّى لفَهْمِ مُؤلِّفِهِ؛ الأمرُ الذي يَعني -في مُستوىً مِنْ مُستوياتِهِ- ضرورةَ أنْ تقبضَ المُقارَبةُ النَّقديَّةُ مِنْ جِهَتِها -أيضاً- على المَجهولِ والمَسكوتِ عنهُ وغيرِ المُفكَّرِ فيهِ في العَوالِمِ النَّصِّيّةِ. إنَّ أيَّ حديثٍ أصيلٍ عن وِلادةِ شِعرٍ مُغايِرٍ، يَنبغي أنْ يَلتفِتَ إلى عامليْن مَوضوعييْن، لا يُمكِنُ إغفالُهُما: أوّلهُما عامِلٌ زَمانيٌّ يَتعلَّقُ بحاجةِ الشِّعرِ إلى «مَسافَةٍ زَمَنيَّةٍ»، تُبعِدُهُ عن الانفعاليّة المُباشَرة بالحَدَث؛ كيْ يَستطيعَ تمثُّلَهُ فَنِّيّاً، ولا تعني المَسافَةُ الزَّمَنيَّةُ -هُنا- مُرورَ وقتٍ طويل، فحسب؛ بل تَعني -أيضاً- قُدرة الشُّعراء الخَلّاقة على توليدِ مِثْلِ هذِهِ المَسافة، تأويليّاً، وهُمْ ضمنَ الحَدَثِ نفسِهِ، وهذا ما يتطلَّبُ نمَطاً من الدِّرْبَةِ الاستثنائيَّةِ النّادِرَةِ. والعاملُ الثّاني يَتعلَّقُ بالجانِبِ المَكانيِّ؛ ذلكَ أنَّ نسبةً كبيرةً مِنَ الشُّعراءِ السُّوريِّينَ قدِ انتشَروا، خلالَ السَّنواتِ الماضية، في أصقاعِ العالَم، وباتُوا يُقارِبونَ الحَدَثَ السُّوريَّ مِنْ بُعْدٍ، فضْلاً عن اختراق تَجرِبة الغُربة، والبيئات الجَديدة عَوالِمَ قصائِدِهِم، وهذا ما يفتَحُ البابَ واسِعاً أمامَ بَحْثٍ مُطَوَّلٍ عن التَّحوُّلاتِ الهُوِيّاتيَّةِ في أشعارِهِم. ثمَّةَ -أيضاً- مَسألة لابُدَّ مِنَ الإشارةِ إليها، وخَوضِها، بكُلِّ عنايةٍ وشَغَفٍ، عندَ أيَّةِ مُحاوَلةٍ لتلمُّسِ مَلامِح ظُهور حَساسيّة شِعريّة جَديدة في شِعر الثَّورة والحَرب في سُوريّة، وهذِهِ المَسألة تكمنُ في ضَرورة أنْ يتتبَّعَ النّاقدُ المُتمعِّنُ، مَدى الانزياح المُتحقِّق في عَوالِم النُّصوص، مَوضوعيّاً، وفَنِّيّاً؛ بفعلِ انتقالِ عددٍ كبيرٍ مِنَ الشُّعراء من سَطوة القُيود الكابِحة، التي كانَتْ تُهيمِنُ بها سُلطة الخَوف على مُناخات نُصوصِهِم سابقاً، إلى تَحسُّسِ تَجرِبةِ الحُرِّيَّةِ الغَنيَّةِ والجامِحَةِ، ووُلوجِ فَضاءاتِها الجَديدة على ذَواتِهِم؛ فبعدَ أنْ تمكَّنَ الحَدَث السُّوريّ من تَمزيقِ الاستعصاءِ التّاريخيِّ السِّياسيِّ، والاستعصاء الاجتماعيِّ، استطاعَ عددٌ مِنَ الشُّعراء أنْ يُحطِّموا حاجِزَ الخَوف، مُندفعينَ بخُطواتٍ جَماليَّةٍ (نسبيَّةٍ) نحْوَ استنطاقِ ماهيَّةِ التَّغييرِ الحاصِلِ، واكتناهِ رُؤى المُستقبَلِ القادِمِ، على اختلافِ دَلالاتِ هذِهِ الرُّؤى. وفي ضَوْءِ بدْءِ تَسلُّلِ تأثيراتِ هذا التَّحوُّلِ الحاسِمِ إلى النُّصوص، أقولُ، من حيثُ المَبدأ، إنَّ ما يهمُّ في هذِهِ المَرحلة الزّائِغة، هوَ أنْ تتجذّرَ تَجارِبُ شِعْرِ الثَّورةِ والحَربِ في سُوريّة، وأنْ تتنقّى، وتَنضجَ -جَماليّاً- بمُرورِ الزَّمَنِ، وتَراكُمِ خِبْراتِ الدِّرْبَةِ، ومُكابَداتِ الفعلِ الفَنِّيِّ. ومِنَ المُفيد أنْ أتذكَّرَ، في هذا السِّياق «أندريه جيد» الذي لم يكُنْ يهتَمُّ -كما كانَ يُردِّدُ- بأنْ يكونَ الشّاعرُ كبيراً، بقدْرِ ما يهمُّهُ أنْ يكونَ صافِياً..!. 

حصل كتابكَ «انزياح أساليب الوجود في الكتابة الإبداعيّة بين مطابقات العولمة واختلافاتها» على جائزة الطَّيّب صالح العالميّة للإبداع الكتابيّ، وذلكَ في مجال الدِّراسات النَّقديّة في العام (2019). ماذا تعني لكَ هذه الجائزة؟ وكيفَ تنظر إلى واقع الجوائز العربيّة؟ 

– تُسعِدُ الجوائز النّاس كثيراً، وتُمثِّلُ نوعاً من المُكافآت الجميلة على جهودهم في المجالات كافّة، ويظهرُ هذا الأمرُ، بجلاء، في الجوائز الأدبيّة والفكريّة، فبغضّ النَّظَر عن الانتقادات التي تُشكِّكُ في مصداقيّة نسبة كبيرة من الجوائز، وفي خلفيّاتِها السِّياسيّة أو الثَّقافيّة (ومن هذهِ الاتِّهامات ما هو وجيه)، تبقى الجوائزُ تقاليد حضاريّة محمودة؛ لانطوائِها على إشادة مَعنويّة وإشادة مادِّيّة بالمُبدعين؛ فهيَ تُمثِّل دافعاً حقيقيّاً لهُم، وحافِزاً كبيراً كي يستمرُّوا في بذل المَزيد من الجُهود؛ سعياً إلى التَّقدُّم والتَّطوُّر نحو الأفضل. من جهتي، أنا سعيدٌ بفوزي بجائزة الطَّيِّب صالح العالَميّة للإبداع الكتابيّ؛ لمَا تتمتَّعُ بهِ من سُمعة حسَنة، وصدقيّة رفيعة، ورمزيّة اعترافٍ لهُ وزنُهُ الحقيقيّ، لا سيّما أنَّها جائزة تُحاوِلُ أن ترتقي إلى المُستوى الذي يستحقُّهُ اسم كاتب عالَميّ كبير، شرَّفَ العرب جميعاً، كالطَّيِّب صالح. وأرى -في هذا المنحى -أيضاً- أنَّ هذه الجائزة تُساهِمُ (وبعض الجَوائِز العربيّة القليلة الأُخرى)، يوماً بعدَ يوم، في تشييد أصيل للفضاء الثَّقافيّ العربيّ، مُعمِّقةً تقاليد التَّفاعُل العربيّ البنّاء، والمُنفتِح، في الوقت نفسِهِ، على العصر والعالَم. وفضلاً عن ذلكَ، قلتُ، في حوارٍ سابق، أنَّ وجود جَوائِزَ تختصُّ بالدِّراسات النَّقديّة، هوَ عمل خلاّق يخدمُ الطُّموح التَّكامُليّ بينَ الفعل الإبداعيّ والفعل النَّقديّ، وهي المسألة التي تساعد النَّقدَ على مُواكَبة الإبداع، ورأب الثَّغرات العربيّة المُعاصِرة في هذا الإطار. وأُشيرُ، في السِّياق نفسه -أيضاً- إلى الحاجة الماسّة -عربيّاً- إلى تقاليد أصيلة تُرسِّخُ اهتمام رأس المال بالثَّقافة والمُثقَّفين، ورعايتِهِم، من دون أنْ يكونَ ذلكَ على حساب استقلاليّة المُثقَّف، وحُرِّيّة كلمتِهِ ورأيِهِ. 

هل استطاعَ النَّقد العربيّ أن يرتقي إلى المستوى المطلوب، في ظلّ الزَّخم الكبير من الإصدارات الإبداعيّة؟ 

– ما زالَ النَّقد العربيّ فئويّاً، للأسف، وتتعدَّدُ دلالة الفئويّة في هذا السِّياق، لكنَّ جميع الدَّلالات تلتقي في فكرة كبح إمكانات النَّقد، وتقليص حُضوره الفعّال والأصيل. وأعتقدُ أنَّ هذهِ القضيّة شديدة التَّراكُب والتَّعقيد، وتعودُ جذورُها إلى جدليّات النَّهضة العربيّة والصِّراع العنيف بين طرفَيْ ثُنائيّة (الأصالة/ التُّراث) و(المُعاصَرة/ الغرب)؛ إذ لا أظنُّ أنَّ هذه الجدَليّة المُمزَّقة والمُمزِّقة، في آنٍ معاً، قد انتهتْ آثارُها بعدُ، إنْ لم أقلْ إنها ازدادتْ تأثيراً بأقنعةٍ جديدةٍ بعدَ ثورات الرَّبيع العربيّ!. وأستطيعُ، في هذا السِّياق، أنْ أقترِحَ فكرةَ تأصيل تخلُّف النَّقد العربيّ عبرَ تفكيكِهِ، انطلاقاً من تخلُّف الجامعات العربيّة وبيروقراطَيّتِها، وفقدانِها الاستقلاليّةَ، وإهمالِها البحثَ العلميّ، ولعلَّ الذِّهنيّة المُحافِظة الحاكِمة سياسات الجامعات، وعقليّة كوادرها، تُمثِّلُ صورةً جليّة عن الجذور الخطِرة لمُكابَدات النَّقد العربيّ، إنْ كانَ ذلكَ مُرتبطاً ببنيةِ الجامعةِ نفسِها، أو كانَ ذلكَ مُرتبطاً، على نحْوٍ أعمَق وأشمَل، بصراع الثُّنائيّات بينَ الماضي والحاضر. وقد قلتُ، من قبل، إنَّ هُناك إشكاليّة مَنهجيّة في المسألة، وأقولُ الآن: رُبَّما هيَ إشكاليّة وجوديّة، أيضاً؛ فمن أهمّ عَوامِل عدم صياغة حركة نقديّة واضحة المَعالِم -عربيّاً- تنعكسُ أصداؤها على الجامعة، أو تخرجُ من الجامعة نفسِها، يعودُ -أيضاً- إلى صراع المَرجعيّات المَعرفيّة بين المُثقَّفين والنُّقّاد والأكاديميِّين، وهو صراعٌ لهُ بُعد تقنيّ بحت، وبُعد أيديولوجيّ عنيف، ويُؤدِّي -تلقائيّاً- إلى عدم العمَل إلى حدٍّ مُؤثِّر؛ لا في توظيف نشاط كُلّ مجموعة ذات مرجعيّة واحدة (أو الاستفادة)؛ كي تُواكِب أسئلة العصر العربيّ الرّاهن المُلحّة والمُباشَرة، ولا في مدّ جُسور التَّفاعُل مع المجموعات المرجعيّة المُتنوِّعة، بدلاً من التَّناحُر والإقصاء المُتمركزَيْن على وَحدة الأُحاديّة والنَّرجسيّة والشَّخصنة؛ إذ أعتقدُ أنَّنا ما زلنا نفتقدُ إلى ثقافة العمَل الجَماعيّ إلى حدٍّ كبير، للأسف، وأكثر ما يُظهِرُ هذا العيبَ (الذي يكادُ أنْ يُصبِحَ عيباً بنيويّاً، إنْ لم يُواجَه مُواجهةً عاجلة وشاملة) هو أنْ يبدأ كُلّ مُثقَّف أو ناقد أو مُفكِّر مشروعَهُ من الصِّفر، مُتجاهِلاً، (إنْ لم أقُلْ مُستهتراً ومُقلِّلاً) من قيمة المشروعات العربيّة التي سبقتهُ، أو التي تُعاصِرُهُ. وهكذا، ما نزالُ ندور في حلقةٍ مفرغة، حيثُ يُقيمُ كُلّ مُثقَّف في جزيرتِهِ الخاصّة، ولا ينهضُ، عندنا، مُنجَزٌ معرفيّ تراكُميّ أصيل، وقابل للبناء عليه نحْوَ المُجاوَزة المُستمرّة. 

تتنقَّلُ بينَ الشِّعر والنَّقد. أين تجد نفسكَ أكثر؟ 

– ليسَ عندي حُكم قيمة تفضيليّة (بالمَعنى المعرفيّ العامّ) لمصلحة حقل أو جنس، على حساب الحقل أو الجنس الآخَر؛ فإلى جانب وَحدة موقفي (الكيانيّ/ الكُلِّيّ) في أيِّ نصّ أكتبُهُ، أُصرُّ -من الوجهة العمَلانيّة- على الخُصوصيّة التَّعدُّديّة لكُلّ حقل أخوضُ غماره، نظَريّاً وإجرائيّاً. وفي جميع الأحوال، يبقى لديَّ -أيّاً كانَ عمَلي الكتابيّ- همٌّ ثقافيّ، وهَمّ وجوديّ جامعَيْن، فضلاً عن أنَّ تقاطُع مَسارات العمَل يُفيد توالُد الأفكار والرُّؤى، وتفاعلها بينَ جميع الحقول، عبرَ عمَلٍ مُتوازٍ، نوعيّاً، يتقدَّم هُنا أو يتأخَّر هُناك. إنَّ جمعي الكتابةَ في حقلَيّ الشِّعر والنَّقد يرتبطُ -مبدئيّاً- بآليّة العمَل نفسه، والتي تفرضُ -تجربةً وتجريباً- أدواتِها ومُناخاتِها، في كُلّ مرّة تنفتِحُ فيها كينونة النَّصّ، فأنا أنظرُ إلى النَّصَّ -أيّاً كانَ جنسه- بوصفِهِ عالَماً أبسطُ أساليبَ وجودي في فَجوتِهِ، بكُلّ ما ينطوي عليه مُصطلَح (العالَم) من معانٍ ودلالات، وبقدر ما تتوازى، عبرَ خُصوصيّة النَّواحي الجدَليّة والإجرائيّة، في فعل الكتابة، الأجناسُ والحقولُ، تتَّصلُ، في الوقت نفسه، بأنماطٍ مُتراكِبَةٍ من التَّفاعُل والتَّقاطُع، حيثُ يُؤثِّرُ كُلّ من الشِّعر والنَّقد بالآخَر، ويتأثَّرُ بهِ، ويُشكِّلُ رافِداً خلفيّاً أو بطانة تراكُميّة -معرفيّاً- في عمَليّة التَّخليق؛ وهي المسألة التي تؤدّي إلى بسط أساليب الوجود، بما تنطوي عليه من أفكار ودلالات، والتي قد تتقدَّم -نوعيّاً، هُنا- لتتأخَّر هُناك، ثُمَّ بالعكس.. وهكذا دواليك، ما دامَ سُؤالا الشِّعر والنَّقد (وغيرِهما) سُؤالَيْن مُتكامِلَيْن في مَشروعي؛ لذلكَ لا أستطيعُ أنْ أُقدِّمَ الشّاعر عندي على النّاقد أو العكس، ويبقى الحُكم بخصوص الأفضل بينَهُما منوطاً بآراء المُتلقّين، ومَفتوحاً على خبرة الزَّمن، ورهانات المُستقبَل. 

لمن تقرأ، حالياً؟، وهل من مشاريع جديدة لديك؟ 

– يفرضُ عليَّ -الآن- عمَلي النَّقديّ على كتابَيْن؛ أحدُهُما في الشِّعر الجاهليّ، والثّاني في الشِّعر الحديث، قراءةَ مَصادِر ومَراجِع مُحدَّدة في هذهِ المجالات، فضلاً عن القراءات التي يفرضُها عليَّ تحضيرُ موادِّي الصّحافيّة، ومقالاتي. 

لديَّ مشاريع ثقافيّة، حاليّاً، عدَّة، فضلاً عن مجموعة مشاريع مُستقبليّة، وهيَ تتعلَّقُ بالشِّعر والنَّقد ونظَريَّتِهما، فأنا أُعِدُّ أكثر من ديوان شِعريّ، وكتاب نقديّ وتنظيريّ ضمن خطوط عامّة أسيرُ عليها، كما أُتابعُ إنضاج مشروع البَيانات (الشِّعريّة/ النَّقديّة) الذي بدأتُ فيه في العام (2015) عبرَ أكثر من مسار وأكثر من فكرة أدرسُها، وأعمَلُ على بعضِها، ولا أستطيعُ ضبطَ الأمور بدقّة تامّة، زمنيّاً، فالأمرُ منوطٌ بحجم الإنجاز والتَّوفيق والمُواظَبة، مع أمَلي بأنْ أصلَ إلى ما وضعتُهُ نصبَ عينيَّ. 

عبد العزيز آل محمود: الوصول إلى الجوائز العالمية يحتاج إلى بنًى تحتيّة، لا نملكها

حينما انطلق الروائي القطري عبد العزيز آل محمود، مبحراً في فضاءات السرد، بروايته «القرصان»، 2011، لم يكن يتخيَّل الكثيرُ من متابعيه، أنه سوف يعود إلى الإبحار، مرّة أخرى، في المياه المتلاطمة الأمواج ذاتها، بـروايته «الشراع المقدَّس»، 2014، لكن الرجل العاشق للتاريخ أدهش الجميع، وأعاد الكَرّة مرَّتَيْن، ثم اختفى عن الأنظار فجأةً، دون أيّة مقدِّمات، إلى أن جاء موعد الإعلان عن اسمه، ضمن الفائزين بجائزة الدولة التقديرية والتشجيعية في مجال الراوية، فانتهزنا المناسبة لملاحقته وإقناعه بإجراء هذا الحوار، بعدما طال غيابه عن الصحافة، بحجّة أنه ليس لديه ما يقوله.

بدأ اهتمام عبد العزيز آل محمود بالتاريخ البحري للخليج العربي، والتداعيات السياسية للقرصنة، في عام 1996م، عندما اكتشف في مكتبة، بالمملكة المتَّحدة، مخطوطاً يرجع إلى القرن التاسع عشر، حول ساحل القراصنة، دفعه إلى البحث عن تاريخ الخليج العربي، وألهمه كتابة رواية «القرصان». تدور أحداث الرواية حول السياسة البريطانية والقرصنة في منطقة الخليج العربي، خلال القرن التاسع عشر، وكانت الشخصية المركزية شخصية القرصان العربي «رحمة بن جابر الجلهمي»، وقد أصبح الكتاب واحداً من الكتب القطرية الأكثر مبيعاً. وجاءت روايته التاريخية الثانية بعنوان «الشراع المقدَّس». وهي رواية رومانسية تنتصر للإنصاف والحرِّيّة، من خلال أحداث مؤامرة تتعلَّق بامرأة شابّة تقع في حبّ زعيم قبيلة عربيّة.

ما سرّ اهتمامك بالرواية التاريخية؟ 

أحبّ التاريخ، وجلّ قراءتي في التاريخ. أجده آسراً، يحمل الكثير من العبر والأسرار، ونحن مبنيّون على التاريخ؛ عقولنا، وكلّ تصرفاتنا مبنيّة على تاريخنا. هكذا هي كلّ الشعوب، لكن الفرق هو مدى تأثُّر الشعوب بتاريخها؛ فهناك شعوب تعيش التاريخ، وهناك شعوب تستفيد من التاريخ، وشتّان بينهما.

هل تصنِّف أعمالك التاريخية بأنها تنتمي إلى أدب البحر؟

لا، هي ليست أدب البحر، لكن البحر هو الطريق الذي شكَّل حياة الناس على سواحله، فالبحر هو مصدر الرزق، وهو خطّ التجارة، وهو الطريق الذي جاءنا، من خلاله، المحتلّ. كتابة أيّ تاريخ عن جغرافيا تقع على البحر مرتبط بالبحر، فهل نستطيع أن نكتب عن تاريخ بريطانيا بدون ذكر البحر، ودوره؟ أو هل نكتب عن أميركا مع تجاهل البحر؟ هي دول قامت على البحر، بسبب البحر. 

لماذا لم يشغل البحر الواسع، الذي يحيط بالعالم العربي، بالَ الروائيِّين العرب؟

الكتابة عن أحداث البحر تحتاج إلـى معرفة بالحضارات المحيطة، وتحتاج إلى معرفة بالمصطلحات البحرية، وإلى قراءة القليل عن أنواع السفن وأساليب صناعتها وأسمائها، وهي مسألة فيها بعض التعقيد، يحاول بعض الروائيِّيْن عدم الخوض فيها، لكن البحر عالم آخر، فهو خطوط المواصلات لكلّ شيء، بدءاً بالتجارة وانتهاءً بالغزو، ومثله يجب ألَّا يهمل.

هل أَثَّر العمل الصحافي، الذي أخذ جزءاً كبير من حياتك، بشكل أو بآخر، على مشروعك الروائي؟

لا أظنّ أن العمل الصحافي يمكن أن يصنع روائيّاً، لكن كثرة القراءة قد تعبِّد الطريق للكاتب ليكون روائيّاً. أمّا العمل الصحافي اليومي فهو عبارة عن طاحونه، لا يوقفها الزمن، ولا أظنّها ستصنع روائياً. إن الصحافة، في رأيي الشخصي (وأرجو ألّا يحاسبني أحد عليه) الصحافة مهنة مؤقَّتة في حياة الشخص، وليست مهنة دائمة، فالصحافيعادةلا يجد الوقت حتى للجلوس مع أطفاله، فما بالك بالكتابة الروائية؟.

ماذا يعني حصولك على جائزة الدولة التشجيعية؟

الجائزة لها قيمة معنوية كبيرة، فهي تعني أن هناك من قرأ إنتاجك، وقَيَّمه، ووجده يستحقّ التكريم، وهذهبحدِّ ذاتهادفعة معنوية عالية. وأنا أشكر كلّ من ساهم في ترشيحي لهذه الجائزة .

كتَّاب الخليج حصدوا جوائز مهمّة، خلال السنوات الأخيرة. هل نحن أمام إعادة تشكيل خريطة القراءة العربيّة؟

هذا السؤال يحمل، في طيّاته، الكثير من التفاؤل، مع أني لست متفائلاً في هذه المرحلة؛ فما زال الإنتاج الأدبي، عندنا، شحيحاً مقارنةً بالآخرين، ومازال القارئ، عندنا، نادراً، ومازالت أغلب الدول العربيّة تعاني من أزمات اقتصادية تمنع المواطن من شراء الكتاب الذي يُعتَبر ترفاً.

هل ترى أن الجوائز الأدبية تضيف للكاتب، أم يمكن اختزال قيمتها في المردود المادّي، فقط؟

قيمة الجائزة هي بما تضيفه معنويّاً لصاحبها، والقيمة المادِّيّة، مهما ارتفعت فلن تغيِّر كثيراً من الوضع المادّي لصاحبها .

هل تتوقَّع أن يفوز كاتب عربي بجائزة نوبل؟

يجب أن نعرف أن أيَّ عمل، لن يكون ناجحاً بمفرده، فحتى يخرج من نجاحه الجغرافي يجب أن تتضافر عدّة عوامل ليصبح ناجحاً عالمياً. دعني أضرب لك مثالاً: لو كان مبتكر تطبيق (فيسبوك) يعيش في أحد دول أميركا اللاتينية، فهل سينجح كما نجح، الآن؟ ولو كان صاحب فكرة (ماكدونالد) في الهند، فهل سينجح المشروع كما هو ناجح، الآن؟ 

يجب أن ينجح المنتج في موطنه، قبل أن يخرج إلى العالم، وهذا الموطن يجب أن يكون مؤثِّراً في العالم حتى يوصل نجاحاته إلى الآخرين. نحنمع الأسفشعوب على هامش الثقافة، وقد يكون لدينا منتج يُعَتدّ به، لكننابالمجمللا نؤثِّر في الآخرين، وليس لدينا وسائل العرض؛ فمن سيهتمّ بكتاب صدر في أحد الدول العربيّة، إن لم تكن لدينا وسيلة تسويق معتبرة؟

برأيك، لماذا انخفضت معدَّلات القراءة في العالم العربي، رغم الإنتاج الادبي؟

أغلب الدول العربيّة تعاني من أزمات سياسية، واقتصادية مؤلمة، حتى أصبحت الحياة ذاتها صراعاً يوميّاً، فمن سيجد المال لشراء كتاب أو الوقت لقراءته؟ أوضاعنا لا تسرّ، فقد حضرت معرض الكتاب الأخير الذي أقيم في إسطنبول، وكان الباعة يشتكون من قلّة الشراء، وهذا طبيعي؛ فمعظم الذين كانوا في ذلك المعرض من اللاجئين الذين يرون أن هناك أموراً أهمّ تستحقّ مالهم .

هل انخفاض معدَّلات القراءة، في عالمنا العربي، وراء ترجمة روايتك «الشراع المقدَّس» إلى البرتغالية؟

لا، طبعاً؛ إن رواية «الشراع المقدَّس» اشترت حقوقها دار نشر في البرتغال، خلال معرض كتاب فرانكفورت، فمعارض الكتب الغربية، سواء في لندن أو في فرانكفورت، تعمل بشكلٍ مختلف عمّا اعتدنا عليه في عالمنا العربي، فهي دور لشراء الحقوق، لا لبيع الكتاب للقارئ.

الرواية القطرية سجَّلت ربع قرن من مسيرتها الإبداعية، فما هو تقييمك لها؟

أستطيع أن أقيِّم رواية بعينها، حين يُطلب مني ذلك، لكني لا أستطيع أن أبدي رأيي في الرواية القطرية؛ لأني لم أقرأ كلّ الإنتاج ألقطري، ولكن لي رأي خاصّ في أيّ منتج روائي، فأنا أقيّم الرواية بحسب الجهد المبذول في كتابتها، ولا أقصد ناحية تنطُّع اللّغة، بل من ناحية الخلفية التاريخية التي يجب أن يطَّلع عليها الكاتب قبل الشروع في الكتابة. وأنا أرفض الكتابة باللهجة العامّية، ولا استطيع إكمال أيّ كتاب مكتوب بها، لكن لابأس، بذلك، في مجال التراث .

لماذا لم تُتَوَّج الرواية القطرية، على مدى هذه السنوات، بجوائز عربية أو دولية؟

هناك أسباب عدّة لذلك، فالجوائز العربيّة غير شفّافة في آليّة التقييم والاختيار، ويغلب عليها التدخُّلات السياسية والمناطقية وحتى العائلية. أمّا الجوائز العالمية فالوصول إليها يحتاج إلى بنًى تحتيّة، لا نملكها نحن، فليس لدينا دور نشر تستطيع تسويق الكتاب بطريقة محترفة، وليس لدينا قاعدة قرّاء مؤثِّرة، وليس لدينا وسائل سهلة وسريعة لتوزيع الكتاب، ودفعه لينافس عالمياً.

ماذا تكتب الآن؟، وهل لديك عمل روائي جديد؟ 

كتبت مقدِّمة لكتاب، منذ حوالي سنتَيْن، ثمّ توقَّفت لأسباب كثيرة. وقد عدت، من جديد، إلى هذه المقدِّمة حتى أعيد لذاكرتي حيويَّتها، وبدأت في جمع المصادر التي أهملتها، ولعلي أعود إلى الكتابة من جديد، قريباً. أمّا ماذا أكتب، الآن، فلن أستطيع أن أقول حتى أقطع فيه شوطاً، لأن الكاتب كالمسافر، لا يعلم متى سيغيِّر طريقه.

أحمد الصفريوي.. في مواجهة عبد الكبير الخطيبي وكاتب ياسين

ثاني اثنَيْن، إذ هما يبذران بذور «الأدب المغاربي المكتوب باللُّغة الفرنسية» في المغرب الأقصى. كتب عبد القادر الشطّ روايته المتواضعة «فسيفساء بلا لمعان»، ونشرها سنة (1932)، ونشر الصفريوي «سبحة العنبر» سنة (1949)، ثم نشر (النسر الطائر) إدريس الشرايبي، روايته الصاعقة «الماضي البسيط» سنة (1954) التي صعقت الأوساط الأدبية، والأوساط السياسية، وأذهلتها في كلٍّ من المغرب وفرنسا.. وساد الاعتقاد أن الصفريوي كاتب محافظ، لكن قراءة كتابات الرجل، بمعزل عن هذا الحكم السائد بلا سند، تكشف الجمر تحت الرماد. كان الصفريوي قليل الحديث، ونادراً ما يُجري حوارات. التقيت به ثلاث مرَّات: مرَّتَيْن في طنجة، وثالثة في الرباط، بدعوة منه.

فيما يلي، جزء من الحوار الذي دار بيننا، والذي تنفرد مجلّة «الدوحة» بنشره، لأوَّل مرّة:

قلت لي، ذات مرة، إنك كنت فرانكوفونيا قبل أن يصبح الفرنسيون فرانكوفونيين..

– كنت فرانكوفونيّاً لأنني حالما التحقت بالمدرسة رغبت في أن أقلّد، على الفور، معلِّمي. وأتذكَّر، وأنا صغير جدّاً، قبل التحاقي بالمدرسة أني ذهبت إلى حديقة عمومية رفقة أمّي، حديقة يوجد فيها حوض به سمك، وكان حارس الحديقة فرنسيّاً، فأردت أن أدهشه لمّا سمعته يتحدَّث، ورأيته يعبِّر بحركات، ولم أكن في ذلك الوقت أعرف أيّ كلمة باللُّغة الفرنسية. قمت واقتربت منه، وألقيت خطاباً عجيباً.

باللُّغة الفرنسية أم بالعربية؟

– أحاكي أصوات اللُّغة الفرنسية (ضاحكاً)، وقد تساءل: أليس هذا الطفل الذي يقلّد كلامه وحركاته مجنوناً؟، ثمّ طبطب على كتفي وأعطاني قطعة نقدية، فبدا لي، منذ ذلك الحين، أن معرفة لغة أجنبية، يدرّ دخلاً (ضاحكاً)، ولم أكن أعرف يومها أيّ شيء عن اللُّغة الفرنسية.. وهكذا، أوليت اهتماماً كبيراً باللغة الفرنسية، وقلت، بيني وبين نفسي، إنها باب الخلاص؛ فقد كنت أنتمي إلى أسرة فقيرة جدّاً، وكنت شرعت أفكِّر في وضع الأسرة، فقلت إن والدي أرسلني إلى الكُتّاب، وقد بلغت الثانية عشرة من عمري، وقد ألتحق بالقرويين، ثمّ ماذا بعد ذلك؟ هل سأصبح بائعاً صغيراً للطحين، أم أحفظ ما يتيسَّر من القرآن لقراءة آيات منه، على القبور؟. لن يكون والدي قادراً على إطعامي، يجب علي أن أتعلَّم لغة أجنبية… 

رهانك على لغة المستعمر كان رهان المقامر الرابح، فقد مكَّنتك من الرقي الاجتماعي، ومن دخول حقل الكتابة، وترسيخ قدمك بين المبدعين. لماذا تكتب؟

– أكتب لأوجد، ولأخلِّص نفسي من الجهل، والفقر. كتبت لأقول للفرنسيين من نحن، وأصحِّح أكاذيبهم على أنفسهم، وعلينا، وعلى الغير من القرّاء، في حال ترجمة نصوصي.

كيف تقيِّم تجربة «الأدب المغاربي المكتوب باللُّغة الفرنسية»؟

– إنه قضيّة، يصعب الحديث فيها جدّاً. لقد قلت، دائماً، إنه يجب أن يكون هناك كُتّاب، وأن يكونوا أكثرية. لكن، هناك صنفان من الكُتّاب (سواء أولئك الذين يكتبون باللُّغة العربية، والذين يكتبون بالفرنسية)، كُتّاب لديهم ما يقولون، لكنهم يقولونه بشكل رديء، وهناك كُتّاب يكتبون جيّداً، لكن ليس لديهم ما يقولونه. ويمكن أن أذكّرك بأحسن تعريف للأدب؛ ما يعني أنه يجب أن تكون هناك أشياء يجب قولها، ويجب أن نقولها بشكلٍ جيّد. ويجب أن ألحّ كثيراً على طريقة الكتابة، وليس على ما نكتبه… بالأمس، قال لي أحدهم: «قرأ تلامذتي قصّة «الـحمّام» الواردة في «صندوق العجائب»، وقالوا: ماذا تقدِّم هذا القصّة؟ إنها لا تقدِّم شيئاً». فقلت له: اسمع. إنها مكتوبة بطريقة جيّدة، لأنني أعرف أنها مكتوبة بطريقة جيّدة، إنها تضيف شيئاً على المستوى الجمالي. ثمّ إنه، فيما يُستَقبّل من أيّام، سيختفي الحمّام، ثمّ إن الحمّام- كما رآه أحمد الصفريوي- ليس كالحمّام الذي رآه شخص آخر، وهذا ما يجب أن تفسِّره لتلامذتك. يمكن للكاتب أن يسترجع أيّ مضمون تمَّت معالجته من قبل، وإذا ما كان يتمتَّع بموهبة حقيقية فسوف يكون قادراً على تشبيع ذلك المضمون، وإغنائه، والإضافة إليه.

هل يمكن الحديث عن إعادة الاعتبار للصفريوي؟

– بالطبع، بالطبع. فمن الأكيد أن الوضع قد انقلب على عكس ما كان عليه في السابق؛ وهذا أمر جيّد، وإشارة طيِّبة. في الجزائر، لمّا نشرت رواية «بيت العبودية»، والتي لم تُنشَر هنا، في المغرب، طلبت الجامعة أعداداً كثيرة من الكِتاب، لكنها لم تتوصَّل بها، طبعاً، لأن شكل طبع الجزائريين للكتاب كان يدعو للرثاء، فقد صدر في طبعة رديئة، ومن دون استشارتي، ومن دون تصحيح النسخة. وقد كان في نيَّتي تغذية هذا الكتاب بإضافة جزء ثالث. في البداية، قرَّرت أن يشتمل الكتاب على ثلاثة أجزاء، لكن صدر منه جزءان، فقط، ولكنني سأعيد نشره في ثلاثة أجزاء، وسيكون حال الكتاب، في المرّة القادمة، أحسن من الطبعة الحاليّة. وكان هناك عقد جيّد يربطني بالجزائريِّين، لكنهم لم يحترموا عهدهم، ولم أحصل على أيّ (سنتيم) بعد نشر هذا الكتاب، وسأعيد نشر هذا الكتاب في مطبعة «لارماتان» (الفرنسية)، أيضاً، على غرار الحكايات التي بعثتها لهم، أيضاً.

وقد كان الناقد «مارك كونطار» أوَّل مَنْ نَدَّد بالصمت المضروب حولي، أو بهذا الكفن الذي لفَّني به كثير من الكتّاب والنقَّاد. إنه الوحيد الذي تجرَّأ وصدح بذلك الرأي، لأوَّل مرة، ثمّ كان هناك لحْسَن موزوني وفريق آخر من النقَّاد. بعد ذلك، شرع الطلبة يهتمّون بأدبي. كلٌّ كان يهتمّ بالجانب الذي يعنيه أكثر، وبما يناسب مستوى ثقافته، فهناك من عُنِي بالغوص وراء ما يوجد في أعماق الكتاب، وهناك مَن اكتفى بالعناية بالشكل، والوصف.

ما ظروف كتابتك لنصَّيْك الرئيسيَّيْن؛ أقصد كتابَيْك: سيرتك الذاتية «صندوق العجائب»، ومجموعتك القصصية الأولى «سبحة العنبر»؟

– بالنسبة إلى «سبحة العنبر»، كتبتها لأن الحرب كانت على أشدّها، سنة (1941)، وكانت كتب وجرائد ومنشورات كلّ النخبة الفرنسية، الموجودة- خاصّة- في الجزائر، قد بحثت عن ملاذ هناك، وأحاطت بالناشر الذي سيشغل مدير المركز الثقافي الفرنسي في طنجة، فيما بعد (متذكّراً الاسم).

تقصد «إدمون شارلو»؟

– (مقاطعاً) نعم، أحاطت بمطابع «شارلو»، وكانت هناك جريدة عنوانها «TAM»، أي تونس، والجزائر، والمغرب لتغطية أخبار المغرب العربي. شرعت أكتب، في البداية، مقالات في هذه الجريدة، ثمّ أنشر فيها حكاية كلّ شهر. وعندما تطلب مني مجلّة أو غيرها نصّاً، كنت أكتبه لها. وقد تجمَّع لي خمس أو ستّ قصص نُشِرت في مجلّات وجرائد مختلفة، عدا القصص التي سيشملها الكتاب أو المجموعة، ثمّ جمعت كلّ تلك الحكايات، عندما تَمَّ الإعلان عن جائزة المغرب، وبعثت بالمُسَوَّدة، مُسَوَّدتي. وقد أثار الأمر استغراب الفرنسيِّين، فلم يحدث، إطلاقاً، أن حصل مغربيّ على جائزة المغرب (تنظّمها سلطات الحماية الفرنسية، يومها). لابدّ أنه كان للأمر وقع الصدمة الأولى عليهم.

(مقاطعاً، لاستقصاء رأيه في الأمر) قد يكون للأمر، أيضاً، ما يبيح التفكير في ضرب آخر من المقاومة.

– (غير راغب في التعليق، ومسترسلاً في سرد الوقائع) قد يكون ذلك.. بالطبع، بدأت أحصل على التهاني من جهات مختلفة، وتوصَّلت- خاصّةً- برسائل من الناشرين يطلبون فيها مني أن أبعث إليهم بمُسَوَّدتي «لتصفُّحها، ولقراءتها». وهكذا، طلب مني الناشر «جيليار – Julliard»، ولم ألتمس منه ذلك إطلاقاً، نشرَ الكتاب، فصدرت الطبعة الأولى منه سنة (1949)، وقد حاز كتاب «سبحة العنبر» نجاحاً منقطع النظير، إذ كتبت عنه أكثر من أربعمئة مقالة، ثمّ حصل، فجأةً، على جائزة هي «جائزة رئيس الجمهورية». الرئيس هو «أوريول» الذي كان أسَّس هذه الجائزة. وفجأةً، أصيب رجال «الشؤون الأهلية» بالذعر والجنون، فاتَّصلوا بي، ليلاً، ليقولوا لي: «يجب أن تجيء إلى باريس لتحصل على جائزتك، ويسلِّمها لك رئيس الجمهورية شخصياً». لم يكن عندي جواز سفر (ضاحكاً)، فأخبرتهم بالأمر، فقالوا لي: «تحصل عليه في رمشة عين». حصلت عليه يوم الغد، ثم سُلِّمت إليَّ تذكرتا الذهاب والإياب، وهأنذا أمتطي الطائرة في اتِّجاه «باريس» للقاء المسيو «أوريول»، رئيس جمهورية فرنسا، الذي دعاني إلى شرب القهوة معه. وعندما وصلت إلى قصر «الإليزيه»، كان كلّ أعضاء اللجنة الذين منحوني الجائزة حاضرين. كان معظم الأعضاء من الأكاديميِّين، ومن بينهم الماريشال «جوان» (مقيم عام في المغرب، 1947 – 1951) لأنه أكاديمي، أيضاً. لقد كانت تلك اللحظة تاريخية. وأنا أنزل من قصر الإليزيه عشت الشهرة الحقيقية: كان هناك صحافيّون، وأصحاب كاميرات، ومصوِّرون، وجنود.. وقد أحسست بالخوف من كلّ ذلك. نسيت أن أقول لك إنني لمّا وصلت إلى باريس وجدت سيّارة خاصّة بي، في انتظاري مع ممثّل فرنسي.. حدث حقيقي يثير الخوف في قلب أيّ إنسان، وقد أعقب كلّ ذلك حوارات يومية للإذاعة وللتلفزة، ثم نداءات عبر الهاتف. كلّ ذلك أرعبني، ولم أقدر على تحمُّله، ولست رجلاً من تلك الطينة التي يعجبها كلّ ذلك. ولمّا عدت إلى البلد، إلى المغرب.. قضيت سنتَيْن من دون أن أكتب أيّ شيء؛ خوفاً من أن تكون هناك عواقب أو تبعات.

عواقب سياسية؟

– لا أقصد الإزعاج. تعلم أنني شخص هادئ، وأحبّ أن أبقى في بيتي. لا أحبّ أن أعرِّض نفسي لألاعيب الحياة الاجتماعية القائمة على البهرجة. هذا أمر غير ممكن لأنه لا يتوافق مع طريقة عيشي، مع حياتي. باختصار: لم أكن أرغب في الشهرة، وانقطعت عن الكتابة مدّة طويلة، ثم قلت لزوجتي، ذات يوم: «سأعود إلى الكتابة.» وكتبت «صندوق العجائب». عانيت صعوبة كبيرة قبل الشروع في كتابة «صندوق العجائب»، لكني ما إن بدأت كتابته حتى استعدت عافيتي؛ فقد كتبَ إليَّ صديقي «إيمانويل روبلس» (الروائي الفرنسي)، قائلاً إنني أنشأت سلسلة تدعى «كتابات متوسِّطية»، وكنت على علم بوجودها، تابعة لدار نشر «السوي»، وما تكتبه يوافق ما أقوم بنشره ضمن السلسلة. فبعثت إليه بـ«صندوق العجائب» فنشرها. وبعد سنة- تقريباً- كتب إليَّ قائلاً: «ألا ترغب في إعادة نشر «سبحة العنبر»؟ لأن دار «جيليار» لم تقم بأيّ جهد إشهاري لدعم الكتاب.. فقبلت، مقترِحاً إضافة قصص أخرى، وحذف مقدِّمة «فرانسوا بونجان». وقد كان الأمر صعباً جدّاً لفسخ العقدة الخاصّة بـ«سبحة العنبر» بيني وبين دار «جيليار»، وتطلَّبَ الأمر وقتاً طويلاً. فسخت العقدة، وذهبت إلى دار «السوي»، لكنهم هناك غضبوا مني، حيث خاب ظنُّهم فيَّ؛ لأنني لم أنشر عندهم أيّ نصّ آخر، ولم أكتب أيّ شيء آخر يمكن أن يوافق السلسلة التي تشرف عليها الدار. بعثت إليهم بكتابي «بيت العبودية»، فتوصَّلت برسالة متحمّسة جدّاً من «إيمانويل روبليس»، يقول فيها: «هذا كتاب رائع».. وغير ذلك.. فاعتقدت أن الأمر انتهى، وأن الكتاب سيرى النور هناك. لكني، بعد أيّام تلقَّيت رسالة، من مصدر آخر، ممّا جاء فيها «إن لجنة القراءة تطلب منك أن تغيِّر كذا وكذا، وتضيف شخصيّات من النوع الفلاني»، فقلت بيني وبين نفسي: «هذا الصنف من لجنة القراءة أستصغره، ولا يهمّني التعامل معه»، فطلبت منهم إعادة المُسَوَّدة، ثم قطعت علاقتي مع دار «السوي». وضعت المُسَوَّدة في درج من مكتبي، قائلاً في نفسي: سأنشرها ذات يوم. في تلك الفترة كنت منشغلاً جدّاً بالندوات واللقاءات الخاصّة بعملي حول المباني التاريخية، وإذا بي أجد نفسي في الجزائر العاصمة. هناك، التقيت بمالك حداد سنة (1963)، فيما أعتقد، فعاتبني قائلاً: «لماذا لم تعد تكتب؟». فقلت له إنني منشغل جدّاً بالمجال الذي هو موضوع زيارتي، ولكنني أتوفَّر على مُسَوَّدة. حكيت له قصَّتها، ثمّ قلت له إذا كان الأمر يهمّك فسأبعثها لك لقراءتها ومعرفة رأيك فيها، ثمّ- فيما بعد- قد نفكِّر في النشر. بعثت إليه بمُسَوَّدة «بيت العبودية»، ولم أتلقَّ خبراً مدَّة ستّة أشهر، وهي مدّة كافية لكي يلقي نظرة على النصّ، ثمّ كتبت إليه رسالة أقول فيها: «قل لي رأيك في الكتاب، وابعث إليَّ بالمُسَوَّدة». فكتب إليّ: «إنها توجد في الـ(S N E D)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، فقد سلَّمتها لها، مباشرةً». كتبت إلى الشركة قائلاً: «إن مالك حداد قد سَلَّمكم مُسَوَّدة لي. هل قرَّرتم نشرها؟».. توصَّلت بالرسالة، وكان الجواب: «لقد تَمَّ طبع الكتاب». قلت لهم: «مستحيل! والشروط؟». كتبوا لي: سنرسل لك عقدة. بعثوا لي عقدة، بعد شهر، وكانت رائعة حقّاً (نظرياً)، لكن.. لم يبعثوا لي المُسَوَّدات لتصحيحها، ولم يناقشوا معي شكل الكتاب ولا ألوانه ولا حجمه.. وبعد أيّام توصَّلت بعدد من النسخ. لم يعجبني الأمر طبعاً، فكتبت إليهم، وكان ردُّهم: «سنعنى بكلّ هذه الأشياء في الطبعة الثانية، لكننا قد بعثنا لك (شيكاً) مقداره كذا»، ولم أتوصَّل بأيّ (شيك)، وقد اختفت دار النشر تلك (ضاحكاً)، ويجب عليَّ أن أقوم بنشر كتاب «بيت العبودية». حتى الآن، لم ينشر الكتاب، فقد صحَّحت ما نشروه من أخطاء، وأضفت بعض الأشياء، وأنتظر صدور الحكايات لأتبعها بكتاب «بيت العبودية»، بعد أن أعدت فيه النظر، وصحَّحته. 

البعض يتحدَّثون، في كتاباتك، عن الغرائبية، ويبدو لي أنك عندما تستعمل الدارجة المغربية، وتشرح معناها للقارئ الأجنبي، كأنك تريد أن تفرض هويَّتنا على الآخر، وتجعله يعترف بها/بنا كما نحن.. ومنه المستعمر.

– تماماً، بالضبط. وقد سألني كثير من المغاربة: لماذا يبقى وجود الأجنبي منعدماً في نصوصك؟. أولاً، يتعلَّق الأمر بنفي أو رفض أو إنكار لوجود الأجنبي، و- ثانياً- من الوجهة الجمالية الصرف، نرى الكتاب مثل اللوحة يجب أن يكون له أسلوب، ثم إنه لا يمكنني أن أرى، فجأةً، داخل مسجد، شخصاً غربياً. يجب أن يكون هناك صفاء في الأسلوب. كتاباتي تدور داخل المدينة القديمة، داخل البيوت.. فلماذا نتساءل: آه، لماذا لا يوجد الفرنسيون، هناك؟ لايمكن أن نراهم! لأننا نحن- المغاربة- لم نكن نراهم. 

يتمّ الحديث، بصدد كتاباتك، عن الطابع الغرائبي، ويراد به نقد كتاباتك لا التعبير عن الحضور البريء والإيجابي لهذا الطابع، وهناك، اليوم، عودة أو استعادة لتيمة الغرائبي في الرواية الأميركية اللاتينية، مثلاً، وفي النقد.

– طبعاً، تماماً. وقد سمّوا ذلك بالخيال، لكن الأمر- بالنسبة إلينا- لا يتعلَّق بالخيال، بل يتعلَّق بالحياة اليومية، والطابع العجائبي جزء من هذه الحياة، وإلّا كانت الحياة صعبة وموحشة ومتموِّجة، ولن تعرف تلك النعومة والطابع المخملي اللذين يضفيهما العجائبي عليها. ثم إن للعجائبي دلالاتٍ كثيرة؛ فعبر توظيف العجائبي يمكن أن ترسل رسائل عدّة أكثر ممّا يمكنك نقل الحياة اليومية من إرسالها.

قد تكون هذه الأشياء هي التي سمحت لي بأن أسألك: هل يمكن الحديث عن إعادة الاعتبار للصفريوي؛ ذلك أن معطيات جديدة تَمَّ اكتشافها، عند آخرين، في الآداب العالمية، وكان لها حضور في أدبك، وكان حضورها في كتاباتك موضوع انتقاد؟

– بالضبط، تماماً. مثلاً، عندما أتحدَّث عن الحياة اليومية يقال إن الأمر يتعلَّق بالإثنوغرافيا وبالفلكلور، وعندما يتحدَّث كاتب ياسين عن الحياة اليومية في «نجمة»، وهذا يحدث في روايته هذه، يقال إن ذلك شيء مبتكر وعبقري.

قد يعود الأمر، في حالة كاتب ياسين، إلى الحضور السياسي في كتاباته وإلى الالتزام، أيضاً.

– (مقاطعاً) بالتأكيد، بالتأكيد. ثم إنه عثر على ناقد يسانده، ويدعمه هو «جان ديجو»، هذا القسّ المزيَّف، لأنه قسّ مزيَّف، حقيقة، وليس قسّاً حقيقيّاً. إنه كان يساند الكتّاب الجزائريين قبل أن يساند الكتّاب المغاربة، مبدئيّاً؛ لأنه كان يقيم في الجزائر، ويعيش فيها، ثم تمّ تمجيد كتابات كاتب ياسين وصحبه. قبل قليل، كنت أودّ أن أشير إلى رشيد بوجدرة، وهو أكثر رزانةً وجدِّيّةً، ولو أنه بدأ يتراجع عن ذلك، مؤخّراً، عندما شرع يكتب أو يقوم بتجارب تخصّ الكتابة باللُّغة الدارجة، ولم يتابع مشواره الجدّي والرزين في الكتابة، بالطريقة التي يكتب بها. 

كيف تبدو لك هذه التجربة التي أقدم عليها بوجدرة؟

– يبدو لي أن الأمر مثير للرثاء. إن لبوجدرة أشياء قويّة ليقولها، فليقلها بالطريقة التي دأب على قولها بها؛ فبين يديه وسيلة هي التي تبلِّغ ما يريد قوله.

لكن، يبدو أن هناك مبرّراً لإقدامه على ما أقدم عليه؛ وهو أن معظم مواطنيه لا يعرفون تلك اللُّغة، وهو يشعر، في أحضانها، أنه منفي.. ألا ترى أن هذا الأمر جدِّي؟

– لا أراه جدِّيّاً، البتة. تعلم أن لكلّ واحد مهنته؛ المدّاحون، الشعراء الشعبيون الذين يبدعون بالعامِّيّة، لا يعرفون لغتنا. إنهم يقومون بتطويرها وتعميق البحث فيها لأنهم يعبِّرون بها. فكلّ شخص يكتب قصيدة، باللُّغة العامّية، يكون أرقى تعبيراً من شخص آخر يريد أن يتميَّز فيفعل مثله، بشكلٍ إرادي. هذا غير ممكن، لأوضِّح الأمر أقول: هناك كتاب باللُّغة العامّيّة، وهناك كتاب باللُّغة الفرنسية مثل بوجدرة، وآخرين. لكلّ واحد مهنته.. طريقة تعبيره.

كأني بك معجب بأعمال بوجدرة، ومقدِّر لها!

– بوجدرة.. نعم، أقدّر أعماله لأنه يكتب أعمالاً جيّدة، لا يمكن إنكار ذلك.

وكاتب ياسين؟ كلّ النقَّاد الكبار والقرّاء الحقيقيين يقدِّرون روايته «نجمة»، ويعتبرونها عملاً رائعاً.

– لا، لا..

أعتقد أنها عمل رائع، حقّاً.

– لا أحد منّا كتب عملاً يمكن تصنيفه بكونه رائعاً. كن مرتاح البال.

تحدَّثت، قبل قليل، عن الجانب الشكلي، وكلّ الذين درسوا- بجدِّيّة- «نجمة» لاحظوا فرادة شكلها الذي استفاد كثيراً من تقنية الرائد «وليام فولكنر».

– لكن هذا الأمر ليس تلقائياً،  وهو ما أشرت إليه، من قبل، التلقائية، وكتابة الذات، لا التقليد، واقتفاء أثر الآخر. 

عندما نقارن بين كتابة جيلك، أي كتابتك لأنك- بمعنى من المعاني- مؤسِّس أو رائد، («هذا صحيح» يعلِّق الصفريوي) وجيل الخطيبي، نلاحظ أنك تبقى حِرفيّاً، صانعاً.

– بالتأكيد، بالضبط.. وابن حِرفيّ، وكتبت عن مجتمع الحِرفيِّين..

الآخرون يبقون تقنيِّين لأنهم يعنون عناية قويّة بالجانب الشكلي؛ لذلك قد تخلو كتابتهم من القبض على عناصر من روح بلدهم.

– من حظّي أنني لم أكن جامعياً، مثلما هناك كتّاب فرنسيّون كبار غير جامعيِّين، منهم «برنادوت»، بينما الآخرون متأثِّرون جدّاً بالنقد الذي يُكتب عنهم، أو عن زملائهم، يأخذون به، ويتبعون تعاليمه، ثم إنهم يقرأون، ويريدون أن يعكسوا، في كتاباتهم، قراءاتهم. أنا أقرأ كثيراً، باستمرار، لكنني أقرأ كفنّان؛ ومعنى ذلك أنني أقرأ بوعي، وأعنى بالشكل وطريقته، لكنني لا أقرأ كتقني، أو لأتبع صرعة أدبية أو أنقلها.. كلّ ما في الأمر أن لي أشياء، أريد قولها، وأقولها بطريقتي الخاصّة، وأختار لها الشكل المناسب، وأعتقد أن هذا المعنى هو الذي ذهبت إليه في ملاحظتك. لن أذهب مذهب «جورج سيمونون» الذي قال: «لا ينبغي أن يتمتَّع الكاتب بأيّة ثقافة ليقدر على الكتابة»، وقد كانت ثقافته متواضعة، لكنه أبدع عدّة شخصيات، وخلق عدّة أجواء ومناخات.

(مقاطعاً) وكتب كمّاً هائلاً من الروايات، عدد منها كان ساحراً..

– (مقاطعاً) بالفعل، وقد تقاعد الآن، لأنه تجاوز الثمانين حولاً، ولم يعد يكتب. هو، الآن، شيخ يتنقَّل على متن كرسيّ متحرِّك، وهو وضع يثير الشفقة بالنسبة إلى كاتب من عيار «سيمونون». وقد أخذ المشعل بعده، في فرنسا، الآن، «فريديريك دار» (سان أنطونيو)، الذي ينشر كتباً بإيقاع غير مألوف، تماماً، وثقافته متواضعة جدّاً.

لو عدنا إلى الانتقادات التي وُجِّهت إلى كتاباتك، يقال إن كتاباتك تُشيع مناخاً من الخضوع.. ألاحظ أن ما سمِّيَ عندك (بنزعة الخضوع) قد غطّى على شعرية سرودك، بينما غياب الخضوع وسيادة خطاب الغضب، في نصوص إدريس الشرايبي، وضعاه في موقع متقدِّم، وجعلاه يستقطب الاهتمام؛ الأمر الذي جعل نصوصكما تمثِّلان عالمَيْن متناقضَيْن.

– جعل ذلك الوضع، من الشرايبي، نجماً، بالتأكيد، في الغالب الأعم. ردّ الفعل ذلك، المتميِّز بالشوفينية هو مصطنع، يتبعه الإنسان لأنه يجاري صرعة معيَّنة أو يظهر مزاياه أو ليدَّعي لنفسه مزايا لا يملكها، ولا يسلم الكُتّاب المعاصرون من ذلك، لا يسلمون ممّا يحيط بهم، ولا من المضيّ في طريق تحقيق ما صمَّموا عليه. فالكاتب سرحان عبد الحقّ الذي حكى- مثل مولود فرعون- قصّة قريته، يعمد إلى إضافة مشاهد جنسية، عن قصد، للَفْت انتباه القرّاء؛ ليُقبِلوا على النصّ، فيصبح الأمر مفتعلاً، وفي غير محلِّه. وقد قلت له إن هذا الابتذال لا يضيف أيّة قيمة إلى النصّ، بل قد ينتقص من قيمته. 

يمكن النظر إلى كتابات الصفريوي، وكتابات الشرايبي من زاوية تكاملهما في تقديم صورة عن المغرب، لا النظر إليهما على أنهما يمثِّلان عالمَيْن متناقضَيْن.

– بالفعل، هما عالمان متكاملان. وهناك وجوه مختلفة للمجتمع، وكلّ واحد منا يقدِّم وجهاً معيَّناً ومختلفاً للمجتمع ذاته، وللحياة ذاتها.

هل يمكن أن نقول إن كتاباتك هي ردّ فعل على الصورة التي يقدِّمها الأدب الفرنسي عن المغربي أو العربي، وقد يمكن اعتبار تمجيد المغرب التقليدي، في نصوصك، تمجيداً للأصالة، والخصوصية، والروح الجماعية والتضامن، وعبق التاريخ، تلك التي حاربها المحتلّ؟

– نعم، فهناك ذلك الفرنسي الذي اشتمَّ شيئاً عميقاً جدّاً في المجتمع المغربي، وخاف منه.

(مقاطعاً) مِمَّ خاف؟

– خاف من تلك القيم التقليدية، الثابتة، الراسخة رسوخ الجبل. وهكذا، أحسّ الفرنسيون بأنفسهم أجانب في بلدنا. وقد حاول كُتّابهم أن يطمئنوهم قائلين إن تلك القيم ليست شيئاً ذا بال. كلّ ما هنالك هو المواقع الرائعة، والجمال الغرائبي.. وعندما نتعمَّق في الأمر لا نجد شيئاً. وأنا أقول العكس، تماماً؛ قد تكون هناك المواقع الرائعة، وعندما ننقّب ونتعمَّق في الأمر، نجد أشياء عميقة جدّاً، ومتعدِّدة؛ وهذا ما كان يهمُّني جدّاً، لا أحبّ أن تكون الشخصيات بسيطة وساذجة، لكنها شخصيات مهمّة جدّاً وأصيلة. نعم، أصيلة. عندما أقدِّم شخصية نسَّاج، فلأنه إنسان ذو قيمة، على المستوى البشري وعلى المستوى الروحي. إنه يمثّل شيئاً مهمّاً، الحقيقة يمكن أن يجسِّدها رجل بسيط يصنع النعال، أو أيّ إنسان مهما كان مظهره الخارجي بسيطاً، ولا يعكس المظهر الخارجي شيئاً عن حقيقة هذا الرجل الذي هو حكيم حقيقي.

تنعت كتاباتك بالإثنوغرافية والغرائبية، للانتقاص من قيمتها!

– أعتقد أن الأدب الغرائبي هو الأدب الذي كتبه فرنسيون، أولئك الذين يكتبون عن بلد لايعرفونه، ولا يعرفون ما يموج في داخله. وهم غرباء عن الإنسان الذي يكتبون عنه، وعن الأرض، والتاريخ، والدين… جميعاً. والغرائبية تعني- بكلّ بساطة- البعد الخارجي، والمواقع الرائعة والمثيرة، والشخصيات الشاذّة أو الغريبة كالگرّابَة (مفرد: گَرَّابْ وهو بائع الماء الذي يحمل قربة) والسُّقاة في الساحات العمومية.. وقد قدَّمت شخصيات مثل هذه: گرّابة، ورواة قصص في الساحات العمومية لكن من الداخل، وبطريقة مختلفة تماماً؛ معنى ذلك أننا نتعرَّض، بنوع من العمق، لنفسية هذه الشخصيات، ونشير إلى دلالاتها ورموزها. لعلّ وجود كُتّاب من أبناء البلد، باللُّغة الفرنسية، يعود- أساساً- إلى مقاومة هذا الأدب الغرائبي. في البداية، كنّا نقرأ ما يكتبه هؤلاء الأجانب عنّا، وكنّا نلاحظ أن تلك الكتابات تشوِّه واقعنا، وأن واقعنا يختلف عن مضمون تلك الكتابات، وأن هؤلاء الكتاب لم يفهمونا، واستبدَّت بنا الرغبة في أن يعرفونا جيّداً، وأن يفهمونا جيّداً، لأننا لسنا، فقط، كما يقدّمنا هؤلاء الكُتّاب الأجانب (حتى الذين سَلمَ قَصْدهم). أمّا الذين ساءت نيَّتهم فلا نتحدَّث عنهم.. وبدأنا نكتب، لنعرِّف الفرنسيين: من هو المغربي، وما معنى المسلم، وما الحكمة التي تلفّ حياة الكائن المغربي، وما أبعاده الروحية التي لا يدركها كاتب الامبراطورية الاستعمارية.. وكان هناك، أيضاً، كُتّاب متميِّزون، (من الفرنسيِّيْن)، موهبتهم لا جدال فيها، كالإخوة «طارو» الذين كتبوا عن المغرب كتباً عدّة.. لكن، تبقى هناك مسافة بيننا وبينهم: هم ينظرون إلينا كأننا حيوانات، يدرسوننا كأننا حشرات، وحتى عندما يدركون بعض الحقائق الخاصّة بنا، فإنهم يؤوِّلونها تأويلاً غير صحيح. لقد أردنا مقاومة هذه النزعة، وهذا الواقع، وهذا في رأيي يوضِّح من نحن، لذلك فإن كتب الكتّاب المغاربة، باللُّغة الفرنسية (كما درج على تسمية ذلك التيّار)، هي كتب تتَّخذ شكل شهادات، وهي موجَّهة إلى قرّاء الخارج، إلى الفرنسيين خاصّة، وعبر الترجمة إلى قرّاء دول أخرى. إن كتابتنا ليست بحثاً عن هويَّتنا، فهويَّتنا ثابتة؛ ذلك أننا مغاربة، ونحن مَنْ نحن، وليس هناك شيء تغيَّر في هويّتنا. لكن، مادام الآخر لا يرانا بشكل موضوعي، فقد حاولنا- بلغته- أن نفسِّر له من نحن، هذا من جهة، و- من جهة ثانية- دفعنا إلى الكتابة أمر آخر: هؤلاء الفرنسيون، الذين كانوا يتجاهلوننا، وقد تملَّكوا، وعرفوا- عبر الإعلام- من نحن، أو ما يعتقدون أنه نحن. وقد رغبنا أن نؤكِّد لهم، ونجعلهم يدركون أننا نحن- أيضاً- نعرفهم، لأننا نعرف لغتهم، ونعرف أدبهم، ونعرف عقليَّتهم، و- بالنتيجة- يجب عليهم أن يتعاملوا معنا، بطريقة مغايرة تدرك الإنسان فينا، وهذه خطوة أولى في طريق الاعتراف بوجودنا، وهذه خطوة تقول لهم: حذارِ.. فقد كنتم، حتى الآن، تتعاملون معنا ومع عقليَّتنا بنوع من الفضول، وتصرَّفتم، نتيجة ذلك، بنوعٍ من الأبوية، وقلتم في أنفسكم: «نعم، إننا نعرف أبناء البلد، الآن». لكنكم لا تعرفوننا بما فيه الكفاية، لأنكم وضعتم بين أيدينا- بالرغم منكم- أداة خطيرة، هي لغتكم الخاصّة، وعبر لغتكم يمكن أن نزعم أننا نعرفكم- أيضاً- جيّداً.

وهذا نوع من التناقض الداخلي الذي يقع فيه المستعمر..

– (مقاطعاً) بالطبع؛ لذلك لمّا شرع عبد الكبير الخطيبي وصحبه يتحدَّثون عن كتاباتي قائلين إنها مجرَّد إثنوغرافيا، كتابة سطحية وإلى غير ذلك من هذا الكلام.. لم يدركوا أن المعنى الحقيقي للأدب هو أنه أدب يتمتَّع بمستويات عدّة، فهناك جانب يمكن أن يدركه معظم الناس، بمن فيهم الأطفال الذين لا ينبغي أن يُحرموا من أيّ صنف من الأدب، وهناك جانب عميق، الجانب الذي يدرس الروح المغربية، والروح المغربية موجَّهة- بشكل نهائي، ومنذ عهد بعيد- نحو البعد الروحاني، الديني، وهذا هو البعد الذي أردت أن أعكسه في «صندوق العجائب»، وفي «سبحة العنبر»؛ لأن كلّ حركة في حياتنا هي حركة روحانية، مقدَّسة: تصوُّرنا لبيئتنا ولمحيطنا، مثلاً؛ لذلك نقول إن مدينة فاس مدينة مقدَّسة، ومعنى ذلك أنها روحانية مع دلالة واضحة ترى أن جزءاً منها هو مركز العالم، وهو جامعة القرويين؛ أقدم جامعة في العالم. كلّ شيء في حياتنا روحي، موجَّه نحو الداخل، تصورنا لبيوتنا يقوم على أنها ليست لها واجهة؛ لسنا في حاجة إلى رؤية الآخر لنا، وكلّ واحد منا في بيته الخاصّ به، وكلّ واحد منّا لم ينسَ أن يُوجِد لنفسه جزءاً أو قطعة من السماء، يظلّ على اتِّصال به، لكلّ منا (سماؤه) الخاصّ (يقصد بَهْوَ الدور التقليدية المطلّ على السماء)، لا ينبغي أن ننساه أبداً، أو ننسى علاقتنا به. بينما يقوم التصوُّر الغربي للبيت على حماية النفس من البرودة، ثم الواجهة التي تعكس بعض ما يوجد في الداخل. في حين أن أدوات التزيين، عندنا، نحن- المغاربة والعرب والمسلمين- توجد في الداخل، ولا تنعكس في الخارج.. (موجِّهاً أصابعه نحو الزليج الذي يزيّن جدران القاعة التي كنّا نجلس بها). انظر- مثلاً- إلى هذا الزليج الذي أمامنا، إن له دلالة تجريدية، لكنه- في الآن ذاته- يمثِّل نوعاً من التكرار كنوع من الذكر، يحيل على عالمنا الروحي الذي لا تدركه عين الأوروبي. كلّ شيء له دلالة، كلّ شيء له صدى؛ رجع خاصّ، على المستوى الروحي.

إليف شافاق: عندما تصوَّفت فُتِحَتْ لي نافذةٌ جديدة

استطاعت أن تغزو العالم العربي بمؤلَّفاتها ورواياتها المتحرِّرة من كلّ القيود. الكاتبة التركية «إليف شافاق» التي تُترجم أعمالها باستمرار إلى عدّة لغات، تحلِّق فوق مدن العالم، بشهرة كبيرة؛ تخرج من وطنها وتعود إليه في كل رواية…التقينا بها لتفتح لنا صندوق حكايتها، حصرياً عبر هذا الحوار الخاصّ بمجلّة «الدوحة».

في البداية، نحبّ أن نرحِّب بك، ونعود، بالزمن، إلى الوراء، حينما كنتِ طفلة، وكانت والدتك تعمل في الحقل الدبلوماسي، وتتنقَّلون كثيراً من بلد إلى آخر. أخبرينا: كيف أثَّر ذلك في طفولتك، وفي انتمائك إلى بلدك؟

– لقد نشأت طفلة وحيدة لوالدي ووالدتي، ولم يكن لي أشقّاء، ولم أكن، آنذاك، أحبّ الألعاب العاديّة. كانت نشأتي، إلى جانب والدتي، وبحكم عملها الدبلوماسي، غريبة إلى حَدّ كبير، فكنت أميل إلى الكتابة كثيراً، ونظراً لتنقُّلها المستمرّ، من بلد إلى آخر، وجدت صعوبات عديدة بسبب اللّغة، فلم أكن أفهم لغة الشارع والنكات والأمثلة؛ فمثلاً عندما ذهبت إلى أسبانيا، وكان عمري  أحد عشر عاماً، وجدت -رغم صغر سنّي- أنني لابدّ أن أتعلَّم العديد من اللّغات، و-على الرغم من بعدي عن تركيا، في تلك الفترة- أردت تعلُّم اللّغة التركية، فأتقنتها، في ذلك الحين، قراءةً وكتابةً، وقد ساعدتني أميّ -بالطبع، على ذلك، وأتذكَّر جيِّداً أن أولى العبارات والكلمات التي عرفتها كانت كلمات الترحيب بالآخر، ولم يؤثِّر بعدي عن تركيا في عشقي لها، وقد تأثَّرت كتاباتي بالحياة هناك، دائماً.

قبل أن نستمرّ في طرح الأسئلة، نودّ معرفة شيء خاصّ؛ ما هو آخر خبر جميل تلقَّيتِه، أو تنتظرينه، عمّا قريب؟

– آخر خبر جيِّد لي هو الأصداء الجيِّدة والناجحة التي حقَّقَتها روايتي الجديدة «بنات حوّاء الثلاث» ، فأنا أعتبر أن مؤلَّفاتي هم أبنائي، وأكون سعيدة، للغاية، بعد ميلاد كلّ رواية، وخروجها إلى النور والقرّاء، وخاصّةً عندما تحقِّق نجاحاً بترجمات ولغات عديدة.

لا شك في أن الاحتكاك بتعدُّد الثقافات، وتشابكها، هو نتيجة حتمية لهذا التنقَّل، وهو ما يغني -أيضاً- المعرفة والخبرة الإنسانية في الحياة. كيف تواجهين كلّ هذا، في أثناء البحث عن أسلوبك الخاصّ في الكتابة، سواء على مستوى اللّغة والمضامين الثّقافيّة؛ ففي المقابل، هناك خطر الوقوع في فقدان الخصوصية المحلِّية التي هي الأدب الحقيقي، في النهاية؟ أليس كذلك؟

– لقد عشت في عدّة بلدان، وعشت في إسبانيا أربع سنوات، قبل أن أعود إلى أنقرة. وحينها، كنت أتعلَّم التركية، ولم يكن لي أصدقاء أتراك هناك، وقد اكتسبت -بالطبع- خبرة في الحياة من الناس، من هنا وهناك، و-بالفعل- دخلت إلى ثقافات مختلفة، تماماً، عن المجتمع التركي، لكنني استطعت أن أحافظ على هويَّتي التركية، وكان لوالدتي دور كبير في ذلك، ويتَّضح ذلك في مؤلَّفاتي. ربَّما كان الأمر صعباً قليلاً إلّا أنني فخورة بأنني نجحت في ذلك، لكنني لا أنكر أن الفترة التي عشتها في أسبانيا، قد أثَّرت فيَّ؛ بأن أصبحت أكثر حدّة، مع القليل من القسوة، على عكس ما كنت عليه، عندما انتقلنا للعيش هناك.

يتعامل القرّاء مع روايتك «حليب أسود»، باعتبارها سيرتك الشخصية الحقيقية. لكن، لنفترض أن مساحات الخيال لا مفرَّ منها، فهل تكفي قراءة هذا العمل لنتعرَّف إلى سيرة «إليف شافاق»، كما وقعت، أم أن مساحات الخيال، في الرواية، هي أهمّ الوقائع التي عايشتها، بالفعل؟

– الوقائع، في تلك الرواية، أكبر من مساحة الخيال، وتمثِّل شطراً كبيراً من حياتي التي تغيَّرت -فجأًة- بعد أن وقعت في الحبّ، وتزوَّجت، ثم أنجبت ابنتي «زيلدا»، والاكتئاب الذي تملَّكني بعد ذلك، أنا التي كنت أرفض فكرة الزواج، وكنت أرى أن مؤلَّفاتي هي أبنائي، وحبيبي هو القلم، لكن المرأة لا تدري متى ستقع في الحبّ، ولا تدري -أيضاً- ما الذي يمكن أن يفعله هذا الحبّ في حياتها.

تسرد رواية «حليب أسود» فترة ما قبل ولادتي لابنتي، وما بعدها، وهي فرصة جيِّدة لكل من يريد أن يبحث عن ذاته، ويكتشف نفسه، بشكل جيِّد، وغالباً ما تبحث المرأة عن عدّة شخصيات بداخلها، إلى أن تكتشف ذاتها الحقيقية التي تمثِّلها فعليّاً. وأريد أن أضيف أنني بحثت، يوماً، عن الاستقلال الذاتي، ثمَّ عن تكوين أسرة، ولاغنى للمرأة عن الأمرين سويّاً؛ لكي تشعر بقيمة ذاتها، على هذين المستويين، وتظلّ المرأة -بفطرتها- تبحث عن الأمومة.

ثمّة سؤال، تبدو الإجابة عنه صعبة، على المستوى العملي، يتعلَّق بروايتَيْن، هما «لقيطة إسطنبول»، و«شرف»؛ ففي الروايتين، هناك عودة إلى الذاكرة الجريحة، الماضي الذي لم يتمّ تصفيته والمصالحة معه. إذا كنّا نتَّفق على أن الجمال والقيم النبيلة من بين ما يبرز، بشكل عظيم، في مرآة الأدب، فهل يمكن للأدب -في رأيك- أن يسهم في تحقيق المصالحة مع الماضي، والصفح والنسيان؟ وإذا أمكنه ذلك، فكيف؟

– مع الأسف، لا يوجد مصالحة مع الماضي، فالماضي حزين وكئيب ومؤلم. لكن، لابدّ أن نعرف الكثير والمزيد عن الماضي، خاصّةً أن الأمَّهات والجدَّات هنّ مَنْ ينقلن الماضي إلى الأجيال الحديثة، وكُلّ بحسب هواه.. وأنا أردت أن أصل الماضي بالحاضر، للقرّاء، وأرى أن دور الأدب الرئيسي يتجلّى عندما يكون حرّاً، ويعطي دروساً، ويبرز حقائق للقرّاء وللعالم.

يتَّضح المنحى الصوفي في أكثر من روايةً؛ بدايةً من «الصوفي» مروراً بـ«مرايا المدينة»، وصولاً إلى «قواعد العشق الأربعون»؛ الرواية الأشهر عند القارئ العربي… إلى حدٍّ ما، يمكن طرح سؤال مركَّب، في هذا الصدد، الشقّ الأوَّل منه: ما جدوى انحيازك إلى الثّقافة الصوفية، في عصر، تهيمن عليه ثقافة المادِّيّات و(البريستيج) وكلّ أمراض الاستهلاك: المنطقية، وغير المنطقية. والشقّ الثاني فيرتبط بالاغتراب الذي يعيشه شباب اليوم، والذي مردُّه -كما يرى علماء الاجتماع والنفس- إلى العولمة وأنماط التواصل القائمة على التقنيات الحديثة.. بالنسبة إليك، ألا تُعتَبر العودة إلى عالم التصوُّف نوعاً من الهروب من الواقع ومواجهته، مثلما كان يفعل أنصار الهيبيزم، في السبعينات؟

– الصوفية مصدر إلهامي، منذ روايتي الأولى «بينهان». والقرّاء الذين تابعوني، منذ بدايتي، يعرفون ذلك جيِّداً. أنا قرأت كثيراً، ودرست التصوُّف جيِّداً، وعندما تصوَّفت وجدت أن هناك نافذة جديدة، تماماً، قد فُتحت في عقلي وقلبي، ورأيت الحياة بمنظور مختلف، ولم أنحَزْ إلى الصوفية، بل صارت جزءاً من قلبي وروحي. ليتنا جميعاً نهرب من الواقع إلى التصوُّف؛ فهذا مذاق خاصّ، لا يعرفه إلا المتصوِّفون.

هناك سؤال بديهي، في هذا السياق: هل من الضروري أن يكون للكاتب، اليوم، حياتان: الأولى شخصية متحفّظة، والثانية شخصية أدبيّة مُزَوَّقة بعناية، خاصّةً أننا في عصر الحياة الإلكترونية؟

– لابدَّ أن يعيش الكاتب الحياة التي اختارها لنفسه كأيّ إنسان عاديّ وإيجابي، وينشر الوعي الثقافي، والفكري بين القرّاء. وأؤكِّد أنني ضدّ أن يكون للكاتب (خاصّة) وللإنسان (عامّة) حياتان، وأنا ضدّ التحفُّظ، بشكل كبير؛ فلماذا لا يعرف القرّاء كاتبهم المفضَّل، بشخصيَّته الحقيقية؟.

«إليف شافاق»، لا تكتفي بالكتابة، بل تنخرط في أكثر من مجال: أنت عضو مؤسَّس في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، وعضو في مجلس الأجندة العالمية في المنتدى الاقتصادي العالمي المعنيّ بدور الفنون في المجتمع، وعضو في لجنة التحكيم لجائزة القصّة القصيرة في صحيفة «سنداي تايمز» عام (2014)، وسفيرة العمل الثّقافي في أوروبا عام (2010)، والمبعوثة الخاصّة لبرنامج «الجسور الثّقافيّة» التركي-الأوروبي عام (2010)، كما مُنِحت فخريّة «Chevalier» للفنون والآداب، في العام نفسه، كما كنتِ عضواً في لجنة جائزة «الإنديبندنت» لأدب الخيال الأجنبي، عام (2013)، وأنت -أيضاً- شخصية نشِطة في مواقع التواصل الاجتماعي، ولديك متابعون كثُر على «تويتر»، علاوةً على أنك متحدِّثة في موقع (Ted).

– نعم. وإنه من دواعي سروري أن أساهم في تلك الأنشطة، وأنضمَّ إلى تلك المنصّات. وأنا أعتقد أن الكاتب أو الشخصية العامّة لابدّ أن يكون لها حضور في الأنشطة العامّة، ومشاركة في كلّ المجالات المتاحة، وأن يكون ذلك الكاتب ملكاً لجمهوره، ويتواصل معهم، على أوسع نطاق.

لديك جمهور واسع من القرّاء العرب، من خلال الترجمة. كيف تصلك أصداء ترجمات رواياتك إلى اللّغة العربيّة؟

– بالطبع، كان لترجمة مؤلَّفاتي إلى اللّغة العربيّة الفضلُ في الانتشار والنجاح الذي حقَّقته في الوطن العربي، وكنت سعيدة، للغاية، لوصول مؤلَّفاتي إلى القرّاء العرب. على الرغم من أنني لا أجيد اللّغة العربيّة، أعرف أصداء نجاح مؤلَّفاتي، بواسطة دور النشر المسؤولة عن الترجمة والمبيعات في الوطن العربي، وأتمنّى أن أظلّ عند حُسْن ظنّ جمهوري وقرّائي، دائماً.

إذا كنت مشرفة على ورشة للكتابة الأدبيّة، ما الجملة التي ستتكرَّر كثيراً، على لسانك، كنصيحة أو توجيه للكُتّاب الشباب؟

– طالما أعجبني الكُتّاب الشباب، وأحبّ حماسهم كثيراً. لكن، لديَّ عدة نصائح لهم؛ أهمّها أن يحترموا عقل القارئ، ولابدَّ أن يعرفوا، تماماً، أن الكتاب الجيِّد ينجح، ويتبادله الأصدقاء، ويمكن الترويج أو التسويق له تلقائياً، من خلال العمل الجيِّد، وقد أصبح تداول الكتب أسهل بسبب (الإنترنت)، ولاأطيق الكاتب الذي يستخفّ بعقل القارئ، ويستصغره، بالإضافة إلى أنني أجد العديد من الكُتّاب الشباب أكثر تحفُّظاً، وأكثر انغلاقاً، وهذا ضدّ الإبداع؛ لذلك لا تجد أعمالهم الصدى المنتظَر.

قتيبة الجنابي: أفلامي ذاكرة مشتركة للمنفيين

قتيبة الجنابي

قتيبة الجنابي مُخرج عراقي. درس التصوير الفوتوغرافي والسينمائي في أكاديمية الفنون الهنغارية وحصل على دكتوراه في موضوع رحلة السينما العربيّة. عمل في التليفزيون الهنغاري لسنواتٍ عدّة ويعيش متنقِّلاً بين بغداد ولندن وبودابست. كما صوَّر مجموعة من الأفلام التسجيلية لدار الأوبرا البريطانية. عمل مدير تصوير لسبعة أفلام روائية طويلة بين لندن وباريس. كما أنتج وأخرج مجموعة من الأفلام التسجيلية القصيرة والمستقلّة نال بعضها جوائز في مهرجانات وتليفزيونات حول العالم. في الغضون أقام معارض فوتوغرافية، وله كتابان فوتوغرافيان – بعيداً عن بغداد وأضواء أجنبية. حصل عمله الروائي الأوّل «الرحيل من بغداد» على الجائزة الأولى في مهرجان الخليج السينمائي وجائزة مهرجان مونتي كارلو، ورُشِّح لجائزة السلام في برلين، كذلك اُختير كأفضل فيلمٍ بريطاني مستقلّ لعام 2011. أنجز فيلمه الروائي التسجيلي الثاني (قصص العابرين)، والذي صوَّره طوال 30 عاماً. 

– المتابع لأفلامك السينمائية يرى أن الغربة والرحيل القسري عن الوطن، وكذا الحنين إليه، تُعَدُّ ثيمات مهيمنة على معظم أفلامك القصيرة والطويلة، الوثائقية أو الروائية؟

الغربة والابتعاد عن المكان الأوَّل ليسا خياراً شخصياً، لم أكنْ أهوى المنافي والأماكن البعيدة الغريبة، ولكن سنوات القمع والديكتاتورية بما حملت من أوجاع ومحن دفعتني قسراً إلى مغادرة مدينتي التي أحبّ (بغداد) في عمرٍ مبكِّر من حياتي، وجعلتني على موعد دائم مع المجهول. رغم ذلك كنت أتوقَّع أن سنوات اغترابي ستكون قليلة أو محدودة، لكن الواقع الذي عشته كان غير ذلك، فما كان أمامي للخلاص من تلك المحنة إلّا التفكير جديّاً بتدوين وتوثيق تجربة المنافي والرحلات التي مررت بها أسوةً بجيلٍ من العراقيين المُعارضين سياسياً، على أمل انتهاء المحنة والرجوع إلى بغداد يوماً ما. لكن بمرور الوقت أيقنت أن المنفى سيكون رحلة طويلة محفوفة بالأسى والصعاب، فاخترت أن تكون صوري وأفلامي شهادات حيّة عن تجربة جيلي في بلدان المنافي حول العالم. في سنواتٍ لاحقة أخذت الأمور منحى آخر بالنسبة إليّ، حلم العودة بات قصيّاً جدّاً، وتجربة المنفى أصبحت خياراً أوحد لمواصلة الحياة.

حينذاك تناسلت الحروب وطال المنفى. لذا بدأت أتعمَّق أكثر فأكثر في تجارب الغربة، وأصبح هذا الموضوع هاجسي الأكبر. وطوال سنوات دراستي وعملي أدركت أنني أقترب شيئاً فشيئاً من مفهوم الاغتراب بمعناه الفكري. هكذا أتت أفلامي القصيرة والتسجيلية التي تناولت بها شخصيات إبداعية عراقية تعاني من وطأة حياة المنفى، كشهادةٍ حيّة وصادقة عن معنى الرحيل عن الوطن، أذكر منها فيلم «أرض الخراب» بين بغداد ولندن، والذي تناولت فيه تجربة الفَنَّانة المسرحية الراحلة ناهدة الرماح، وكذلك الفيلم الوثائقي «الرجل الذي لا يعرف السكون» عن تجربة الفَنَّان المسرحي الرائد «خليل شوقي» ثمّ استمرّت رحلتي على خطٍ موازٍ لتسجيل غربة الفَنَّان التشكيلي الراحل «محمود صبري»، الذي يحيا بين لوحاته في شقّة صغيرة بلندن وهو الفَنَّان الاستثنائي الذي شكَّل علامة فارقة بين فنَّاني جيله. 

هكذا تداخلت الأحاسيس، وتوالت صور الأوجاع، وبدأت بوصلتي الإبداعية تقترب أكثر من حكايات المنافي والرحيل والعابرين، ربَّما لأنها الحياة الوحيدة التي أعرفها. 

– هل نستطيع القول إن أفلامك لاسيّما فيلمي (الرحيل من بغداد، وقصص العابرين) تحمل نوعاً من الناستولوجيا المشفوعة التي ترتكز غالباً على وقائع سنواتٍ مضت، جعلتك كمُخرج تستعين بمحمولات الذاكرة في رسم الشخصيات والأحداث الدرامية (معظمها سياسيّ)، لتغدو الصورة السينمائية عندك نزوعاً ذاتيّاً للتطهر من أعباء ماضٍ مسكون بالخوف والرعب والحروب؟

في فيلمي الروائي الطويل (الرحيل من بغداد) تناولت ما يمكن أن أسميه الكابوس العراقي وهو حالة عامّة تلبَّست أهلنا في العراق في ظلّ حكم نظام البعث. إحساس المرء بالخوف والمراقبة والذنب (أسوة بأبطال كافكا) ظلّ الهاجس الأشد مرارة في تجربتي الشخصية التي انعكست على صور أفلامي. ربَّما في سياق أوسع يعلِّمنا التاريخ أن الشعوب التي اكتوت بنار الديكتاتورية تعرف -على نحوٍ لا ينافسها فيه أحد- معنى الشعور بالرقابة الدائمة وتكميم الأفواه وانعدام الثِّقة، ولكن ما لا يعقل في عراق البعث هو أن تصل الأمور إلى حَدِّ وشاية الأب بابنه لكسب ود السُّلطة، أليس هذا ضرباً من اللامعقول؟ 

هذه المعضلة الواقعية ستتحوَّل إلى أزمة أخلاقية حقيقية في فيلم (الرحيل من بغداد)، والذي دونت فيه الكثير من صفحات حياتي الشخصية طوال أكثر من ثلاثين عاماً مثّلت بمجملها سنوات ابتعادي عن بغداد. لا يعني ذلك أن أفلامي صُنعت لكي تكون هروباً من وطأة الماضي والتخلُّص من أعبائه، لأنها تعريةٌ لذلك الماضي وكشفٌ لخباياه. يمكنني القول إن أفلامي (حتى القصيرة منها) هي بوجهٍ من الوجوه محاكاة صميمية لحيوات المنفيين، عراقيين كانوا أو غير عراقيين ممّن مرّوا بتجارب مريرة مماثلة. من هنا فهذه الأفلام هي ذاكرة مشتركة لكلّ من هوت حياتهم على نحوٍ مخيف في الربع الأخير من القرن الماضي، واستذكار إنساني لكلّ أولئك المُؤبَّدين في محطَّات القطارات ومخيمات الاحتجاز والفنادق الرخيصة، لأصدقاء كثر بقيت عيونهم مفتوحة في أثناء النوم، وآذانهم مصوَّبة على ما يحمله المذياع من أخبار الوطن البعيد.

– معظم أفلامك القصيرة جاءت مكتفية بالصورة دون الحوار وتراجعت أهمِّية الحكاية لصالح الاشتغال الملحوظ على بنية الفيلم السينمائي، شكله ولغته الفَنّيّة التي تخفي تأثيرات أدبيّة من نوعٍ ما؟

فيما يتعلَّق بكون معظم أفلامي القصيرة من دون حوار أو لنقل بحوارٍ مقتصد، أقول وبشكلٍ مختصر بأنني كنت ولا أزال أعتقد أن السينما في نهاية الأمر هي مشروع بصري جمالي، والحكاية هي أمر ثانوي، ولذا على المُخرج الذي يعي هذه الحقيقة العناية بشكل أساسي بالصورة التي تتكلَّم أكثر من غيرها، والاهتمام بشكلها وتأثيراتها المرجوة خلال صناعة فيلمه السينمائي. لك أن تتخيَّل أن فيلمي الروائي الجديد الموسوم «رجل الخشب»، والذي يناهز زمنه الساعة ونصف الساعة لا يتجاوز الشريط الصوتي فيه نحو عشر دقائق. أنا من هواة الصورة القادرة على نقل الحكاية والأحاسيس بلغة معبِّرة، بليغة وغير ثرثارة.

وفي البحث عن أسباب تلك الخيارات أظن أن الواقع الذي واجهته هو الذي حتَّم عليَّ العمل بحس الفيلم المستقل، الاكتفاء ببراهين الصورة وليس بإبهارها الإنتاجي الفخم، فيلم فقير كما يصفه البعض لكنه غني بعمقه الإبداعي والإنساني… هكذا كان عليَّ أن أسلك هذا الطريق للوصول إلى فيلم عراقي على مستوى الهويّة، عالمي على مستوى اللُّغة. إنها سينما جادة شديدة الخصوصية، وضعتني حالياً أمام مُهمَّة إتمام «ثلاثية أفلامي المستقلّة»، والتي كان أوّلها فيلم «الرحيل من بغداد»، ومن ثَمَّ فيلمي الروائي- التسجيلي (قصص العابرين)، وخاتمة الثلاثية (رجل الخشب)، الذي أُصور مشاهده حالياً. وتعقيباً على إشارتك الواردة في نهاية السؤال، أعترف بتأثيرات الأدب على مخيلتي وأفكاري، فبوصلتي كانت وما تزال كامنة في حكايات الكاتب العراقي محمد خضير بسحر عوالمه القصصيّة وشخصيّاته ولغته الثَّرة التي اعتبرها الملهم الروحي لي في ساعات الاختناق ومشقّة البحث عن جديد.

– ثمّة شاعرية بيِّنة في مشاهدك السينمائية تثري المعنى وتعزِّز دلالات الصورة، تذكّرنا إلى حَدٍّ ما بأجواء تاركوفسكي وترنس مالك، لقطات تحكي بالصوت واللون والصورة أكثر من أي شيءٍ آخر، (نوافذ مشرعة في منازل مهجورة، قطارات متروكة وسكك حديد موحشة، أرجوحة فارغة وصفير ريح، كومة مفاتيح صدئة، صور أشخاص مغيبين ورجال مسنين بوجوه يائسة…)، كيف تتراءى لك هذه الصور وما الذي يمثِّله أسلوب وصل اللقطات /اللوحات خارج خطّ السرد الدرامي أو عبر تدميره؟

لا أعرف إجابة نموذجية عن سؤالك. لكن أستطيع القول إنني لا أفتعل هذه الأشياء، ولا أصطنع الصور، كلّ اللقطات والمشاهد تأتي في لحظات نفسية معيَّنة لا أعرف بالضبط من أين، لكنها تداهمني وتدفعني لحمل كاميرتي وتجسيد ما أراه، أسوة بالشاعر الذي يطارد القصيدة. أحياناً تتدفَّق الأحاسيس من لوعة الانتظار ومن البحث عن طريق آمن للعودة إلى المكان الأوّل. ويمكن لها أن تأتي من مخزوننا التراجيدي العراقي من حقب الأحزان والأوجاع التي مررنا بها. إن تراجيديا الحسين، ومأساة كلكامش، وخيبات الآباء والأبناء في متاهة السنوات العجاف والسواد الدائم الذي تتدثَّر به أمهاتنا كلّها صور حيَّة تسكن مخيلتي بشكلٍ أبدي. وليس بدرجة أَقلّ تركت سنوات الحروب والاستبداد بصماتها الغائرة في وجدان جيلنا وذاكرته. هروبنا من العراق لم يكن اختيارياً. كان حلاً قاسياً علينا جميعاً. الثلج والمحطَّات المُوحشة والقطارات وغرف الفنادق الوضيعة وشرطة الحدود ووثائق التنقُّل غير الرسمية بين البلدان وشحة أخبار الوطن، حفَّزتني للبحث عن عزاءٍ روحي، عن ضرورة مشاركة همومنا مع الآخر. في هذه المناخات وُلِدَتْ مفردات أفلامي السينمائية التي أفادت كثيراً من خبرتي في مجال التصوير الفوتوغرافي. أحد النقَّاد الأوروبيين واسمه «بيتر بال» وهو رئيس تحرير مجلّة «فوتوغراف الهنغارية» كتب يوماً ما في دليل معرضي الفوتوغرافي الأوّل «أنت مثل شاعر فوتوغرافي يبحث عن زوايا مدينته بغداد في بلدنا» .

أمّا بخصوص تأثري بإنجازات العظيم تلركوفسكي والشاعر السينمائي ترنس مالك فليس لي أن أقول سوى إنني تعلَّمت الكثير منهم وتفاعلت مع تجاربهم الإبداعية، وأظن أن قيمة الفَنّ الحقّة هي في أنه عابر للحدود ومنفتح على تجارب الآخرين أينما كانوا.

– كيف تصف علاقتك بالسينما العراقية منذ انطلاقها وحتى العام 2003، هل تركت أثرها على أفلامك؟ وما هي أبرز التجارب التي أثّرت بك؟

في السنوات الأولى التي شهدت نضج وعينا وشغفنا بالسينما كان هنالك نوعٌ من التداخل بين المحلِّيّ والعربيّ والعالميّ، فنحن منحازون للجودة وخاضعين لتأثير الأفلام المُميَّزة بغض النظر عن هويّتها. فلا أحد ينكر حجم تأثير السينما المصريّة علينا كشبابٍ سينمائي طموح، وذلك لقربها من نمط حياتنا وهمومنا وأحلامنا، رغم ذلك كان للفيلم العراقي نكهته الخاصّة التي جعلته أقرب لذائقتنا ووجداننا، وإن كان شحيحاً في الإنتاج مقارنةً بسينمات أخرى. أتذكَّر جيّداً الدعايات الأولى في التليفزيون والسينما لفيلم «الظامئون» بهاء الصورة وجمالية اللون الأبيض والأسود لا تزال قابعة في ذاكرتي، فضلاً عن تميّز أداء ممثِّليه والموقع الجغرافي الساحر للتصوير. لقد كانت تجربة فريدة بالنسبة لي، لاسيّما حينما شاهدته في إحدى سينمات بغداد. في ذاك الزمن كانت هناك أفلامٌ واقعية حقَّاً وأخرى طليعية سبّاقة في معالجاتها لقضايا حسّاسة، منها فيلم (سعيد أفندي، الحارس، من المسؤول، وفيلم المنعطف عن رواية خمسة أصوات للروائي غائب طعمة فرمان).. أستطيع القول إنني تأثَّرت مع العديد من أبناء جيلي بهذه الأفلام وبمُخرجيها بقدر تأثُّري بأفلام الواقعية الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى نحوٍ أكثر تحديداً بخواصها وآلية عملها، حيث الاكتفاء بميزانيات بسيطة والتصوير في مواقع الحدث، والاعتماد على ممثِّلين غير محترفين، وكوادر محلّيّة تمتلك نوعاً من العشق الشديد للإنجاز والمغامرة الإبداعية. بالتأكيد هنالك أفلام عراقية أخرى تمتلك خصوصيتها وتميُّزها كان لها دورٌ حاسم في توجيه اهتمامنا وصقل ذائقتنا السينمائية. 

– بعد سنوات من الدراسة الأكاديمية داخل العراق وخارجه، أيّ التجارب السينمائية العربيّة والعالميّة التي تجدها أقرب إلى رؤيتك وأسلوبك السينمائي؟

طوال 40 سنة من الدراسة والعمل والمحاولة في عالم الصورة والفيلم أستطيع القول إنني تأثَّرت في مراحل مختلفة بأساليب وتجارب عديدة من العالم العربي، فقد كانت أفلام المُخرج الراحل يوسف شاهين ملهمةً لي بدرجةٍ كبيرة، ولا يمكن تخطّي تأثيرها (باب الحديد، الأرض، العصفور، وعودة الابن الضّال)، لأنها تمثِّل سينما الوعي المُحفِّزة للتفكير بجماليات السينما وقضاياها. على صعيد مقارب أعجبت بأفلام المُخرج توفيق صالح (يوميات نائب في الأرياف، والمخدوعون)، ولاحقاً هيمنت على ذائقتنا تجارب جماعة السينما الجديدة التي خرجت عن التقاليد السائدة للفيلم العربي، أتذكَّر هنا فيلم («أغنية على الممر» لعلي عبد الخالق، و«زائر الفجر» لممدوح شكري وكذلك فيلم «الظلال» في الجانب الآخر للمُخرج غالب شعث) كما تأثَّرت بخصوصية تجربة السينمائي العراقي الموسوعي «قيس الزبيدي» صاحب الفيلم الروائي المُتجدِّد «اليازرلي»، الذي أُنتج في دمشق. ثمّ تابعت تطوُّرات السينما الجزائرية في نتاجاتها المتنوِّعة التي نالت التقدير والجوائز كفيلم (وقائع سنوات الجمر) للمُخرج محمد الأخضر حامينا، وأفلام مرزوق علوش والقائمة تطول. كما لا يمكن إغفال تأثير فيلم «بس يا بحر» للمُخرج الكويتي خالد الصديق، فقد كان على المستوى الشخصي فيلماً صادماً ومبهراً في حينها. 

وفي سنواتٍ لاحقة أخذتنا التقلُّبات السياسيّة وسنوات الحروب والديكتاتورية بعيداً عن واقعنا العربيّ، حيث ذهبت لدراسة فنّ الفوتوغراف والسينما في بودابست-هنغاريا وجرفتني الحياة والتأثيرات الجديدة إلى مساحة سينمائية ومعرفية أخرى أغنت معرفتي ووسَّعت تطلّعاتي. حينها عشقت الفيلم الهنغاري طوال سنوات إقامتي هناك، وشيئاً فشيئاً، أصبحت مساهماً ومتدرِّباً مع مُخرجين هنغاريين معروفين، ومن خلالهم اقتربت أكثر من تجارب السينما السوفياتية آنذاك، إلّا أن التأثير الأعمق كان على يد المُخرج الألماني «فيم فيندرز» الصانع الأمهر لأفلام الطريق، لاسيّما تحفته السينمائية «باريس تكساس». ولكي نكون منصفين مَنْ منّا لم يتأثَّر بأفلام الواقعية الإيطالية، والموجة الجديدة في فرنسا، وإبداعات السينما الإيرانية، والفيلم الأميركي المستقل؟. في الغضون دفعني عشقي لأدب ماركيز إلى الاستغراق بمتابعة إنجازات سينما أميركا اللاتينية، التي عالجت قضايا سياسية واجتماعية شديدة القرب من قضايانا العربيّة. كما أحببت بذات الشغف أفلام المُخرج الهندي «ساتياجيت راي» لخصوصيتها الشديدة وصدقها وقوة شاعريتها. وفي أوروبا ثمّة أفلام رائعة لسينمائيين مهاجرين أو متحدِّرين من أعراقٍ مختلطة لها خصوصيتها وجمالها الآخاذ. إجمالاً مسلسل التأثيرات والتفاعل مع الآخر لا يمكن أن يتوقَّف. 

شيءٌ آخر يمكن أن أكون قد عملت به في أفلامي هو أني خاطبت الوجدان الأوروبي بلغة أريد لها أن تكون متفرِّدة وعالمية في نقل أحاسيسنا وقصصنا. كلّ هذا قادني لأن أبحث عن التميُّز بصوري وأفلامي. كنت أفكر أحياناً بكيفية الوصول بالمتلقي الذي يشاهد صوري وأفلامي إلى معرفة هويّة صاحب هذا العمل الفَنّيّ. إنه برهان الروح العراقية في تخليق الموضوع والشكل وسيل الأحاسيس التي تشبه نظيراتها في أيما بقعة من هذا العالم. لن تكون صوري ولقطاتي معبِّرة ما لم يخفق قلبي لها في تلك اللحظة.

خالدة سعيد: لا أعرف كيف يكون النقد نسويّاً أو ذكوريّاً!

تُعرِّف الناقدة والكاتبة خالدة سعيد بنفسها لبنانية من أصلٍ سوري. وصلت إلى بيروت أواخر عام 1956، جاهزةً لبدء سيرتها النقديّة في الشعر، على صفحات مجلّة «شعر»، إذ كانت الناقدة الوحيدة التي رافقت صدور مجلّة «شعر» منذ العام 1957، وكانت توقّع مقالاتها باسم خزامى صبري. بدءاً من عام 1963 دخلت فضاء الدراسات الأكاديمية، لكن هذا الفضاء الذي خبرت فيه المعايير، لم يجعل نقدها، فيما بعد، تنظيرياً محضاً، كما هو السائد، وإنما اتَّصف أسلوبها بالتطبيق وفحص النصوص من الداخل؛ وهذا مَكّنها من الكتابة عن تجارب مختلفة، في الآن نفسه، فقد كتبت عن عن معظم شعراء مجلّة «شعر»: أدونيس، أنسي الحاج، محمد الماغوط، شوقي أبي شقرا، وسواهم. وعلى الرغم من أنها كانت في معمعة معركة القصيدة الحديثة إلّا أنها رفضت إثارة الغبار بين المتخاصمين المختلفين حول كتابة الشعر: عموداً أو تفعيلة أو نثراً، كما لم تُدِخْل نفسها في خانة النقد النسوي أو الـ«feminism»، على خِلاف ناقدات كثيرات.

واليوم ترى صاحبة: «فيض المعنى، في البدء كان المثنى، حركيّة الإبداع، البحث عن الجذور…» أن سؤال الحداثة وقصيدة النثر قد انتهى عهده. وهي، الآن، بصدد اللمسات الأخيرة على الجزء الثاني من كتابها «يوتوبيا المدينة المثقَّفة». وفي هذا الحوار الشامل والمثير تقول خالدة سعيد إنها -إذا سمح العمر- ستضع جزءاً ثالثاً، كما ستكتب سيرتها الذاتية.

– كنت الناقدة الوحيدة التي رافقت صدور مجلّة «شعر» منذ العام 1957، وكتبتِ عن شعرائها، وشاركتِ في ثورتها، وعشتِ في صميم حركتها، وكنتِ توقّعين دراساتك باسم خزامى صبري، وكأنك كنت تخشين إعلان هويّتك واسمك. كيف تستعيدين الناقدة التي كنتها، في تلك الفترة الذهبية؟ ماذا عن خزامى صبري المتحمِّسة لثورة الحداثة وقصيدة النثر؟

– كنتُ الناقدة الوحيدة، لكنني لم أكن الناقد الوحيد. كان هناك نقّاد محترَمون وبعضهم اشتُهر من خلال مقالاته النقدية في مجلّة «شعر»، أقدر أن أذكر لك ناقداً كبيراً هو- في الوقت نفسه- شاعر كبير. وقد عرّفنا نحن- المشرقيين- بشعراء عرب أفارقة كبار، وكان بالغ الكرم، لا يغفِل اسماً محتَرَماً، ويمكنك أن تراجعي أعداد مجلّة «شعر». إنه الشاعر أنسي الحاج. وبالطبع، لن أنسى الناقد الكبير والروائي والمترجم والشاعر جبرا إبراهيم جبرا، الذي أفدتُ منه كثيراً. كما أقدر أن أذكر لك الدكتور أسعد رزوق، في دراسته الشهيرة حول الشعراء التمّوزيّين، وأذكر- بكثير من الاعتزاز- الدكتور عادل ضاهر في دراسة شهيرة عن أدونيس، تتجاوز ما كتبتُه عنه. ولا يمكن أن أستقصي الآن جميع الأسماء. ربما يُذكَر اسمي، في بعض الأحيان، لأنني امرأة، وهو ما كان قليلاً أو نادراً،كما أنّ حكايتي وتغيير اسمي إلى خزامى صبري أحدث بعض الغموض.

صحيح أنني كنت حاضرة ومتابعة، وكانت مقالاتي جديدة في مقارباتها، مقروءة وذات تأثير، إذ ينبغي ألاّ تنسي أننا كنّا في معركة القصيدة الحديثة، وكنت أعتزّ عندما يقول قارىء مثقّف إنه اقتنع، تماماً، برؤيتي لقصيدة النثر، ولم يعُد معادياً لها. أريد أن أقول إنّ لي تاريخاً خاصّاً مع القراءة، بمعنى التأمُّل في النصّ وإعادة قراءته مرّات، ومساءلته، وهذا جزء من مسيرة حياتي الخاصّة.

لكنني لم أكن- رسميّاً- من جماعة «شعر». كانوا خمسة، ولم يكن مناسباً أن يكون بين هذا العدد القليل زوجان، علاوة على أن اسمي لم يكن يعني شيئاً قبل أن أكتب في المجلّة، وتُحدِث مقالاتي تأثيرها. وفي الحقيقة، لم تكن لي يومها أيّة ألقاب علمية أو أدبية. كنت قد حصلت على البكالوريا منذ وقت قصير، وأنهيت السنة الجامعية الأولى في دمشق، ثم تزوّجت وجئت إلى بيروت. 

اسم خزامى صبري ساعدني على التنكُّر في البداية، ثمّ جاءت قراءة القارىء وحكمه لدعمي.

في سؤالك الأوّل هذا مجموعة أسئلة. بدأت كتابة النقد مباشرة وبلا سابق تجربة. سمعني يوسف الخال في مناقشات مجلّة «شعر»، واقترح عليّ الكتابة. 

أريد القول، هنا، إنني في تلك المرحلة كنت أقرأ للشيخ عبدالله العلايلي، وهو- بالمناسبة- أكبر محلّل للنصّ الأدبي والنصّ اللّغوي، وأعدّه أستاذي الأوّل، قبل رولان بارت وقبل دريدا وغيرهما. إذا قرأ أو شرح نصّاً أضاءه من جهات لا تُحصَر، واكتشف فيه أبعاداً وأعماقاً، بل أقول إنه حين يكتب عن شاعر، يعيد اكتشافه؛ وهذا ما حصل في قراءته للمعرّي، مثلاً. ويصحّ هذا على ما يُعَدّ معجمه، وهو ليس بمعجم، بل موسوعة دلالية أنثروبولوجية، تعود بالمفردة إلى جذورها القديمة، من سريانية أو غيرها، وتتقصّى ما تلقّته من مؤثِّرات وما ترسَّب فيها من دلالات التعبير. ولهذا سمّى المعجم «موسوعة لغوية علمية فَنّية». وقد  أعادت نشره- مشكورةً- «منشورات دار الجديد». كلّ ما قرأته في النقد الفرنسي، خاصّة، وفي النقد الأميركي وفي النقد الإنجليزي، جاء بعد ذلك.

أمّا سؤالك عن حماستي لثورة الحداثة وقصيدة النثر، فهو سؤال ذهب عهده. اليوم، يعرف الجميع أن الشعريّة لا تقوم في الوزن أو أيّ شكل محدّد آخر؛ إنها تقوم في سحرية حركة اللّغة والمجاز، دون انفصال عمّا يُسمّى المضمون أو المعنى، بل لا وجود للمضمون قبل التعبير أو بدون التعبير؛ المضمون هو التعبير، والتعبير هو المضمون.

– مروحتك النقدية كانت واسعة حقّاً، فأنت كتبت عن معظم شعراء مجلّة «شعر» الذين بدوا مختلفين، بعضهم عن بعض: أدونيس، أنسي الحاج، محمد الماغوط، شوقي أبي شقرا، وسواهم. ما سرّ هذه الرؤية النقدية المنفتحة والمتعدِّدة المقاربات؟ كيف يمكن- مثلاً- الكتابة، بحماسة ووعي، عن شاعرين يختلفان كل  الاختلاف: أدونيس، وأنسي الحاج، لا سيّما في ديوان الأخير «لن»، حتى لتبدو دراستك عنه بين أهمّ ما كُتِب حتى الآن؟

– الآن، إذ أجيب عن أسئلتك، نتكلّم عن زمن مجلّة «شعر» وبدايات كتابتي للنقد. لم أكتب عمّا لا يعجبني أو يؤثّر فيّ. وما كان يؤثّر فيّ أو يدهشني لم يكن ينحصر في أسلوب. لا أعرف إن كانت مقالتي، أو مقالاتي، أهمّ ما كُتِب عن أنسي الحاج. لقد كُتِبَتْ حوله أطروحات لمثقَّفين، لهم قيمة أدبية كبيرة. 

نجاحي في النقد يعود إلى أنني كنت قارئة، أساساً، ومنذ صغري؛ ليس بمعنى أنني قرأت كتباً جميعها مهمّة أو تحليلية، فيمكنني أن أقول إنني قرأت المهمّ وغير المهمّ. عمليّة القراءة تمتلك- في حدّ ذاتها- سحراً. وأنا، بين الثامنة والحادية والعشرين، عشت، دائماً، في مدارس داخلية بعيدة عن بلدة الأسرة، فكانت القراءة نافذتي وطريقي للسفر والحياة.  

في مدرسة داخلية دمشقية قديمة جدّاً (مكتب عنبر)، مثلاً، جدرانها شديدة الارتفاع؛ بحيث لم نكن نرى من السماء إلّا رقعة محدودة، عشت بين عمر الثانية عشرة والسابعة عشرة (1944 ـ 1949). لم أكن أعبر الباب الموصل إلى الشارع والمدينة إلّا مرّتين في السنة، ولم يختلف الأمر كثيراً بين 1949 و 1952، في مدرسة لاحقة.

في ذلك الإطار، وذلك العمر، وماضيّ الغريب، كانت القراءة ملاذي، كانت وسيلتي لثقب الجدران. لكنّ الكتب التي حرص أبي على تزويدي بها بقيت، على تنوّعها وكثرتها وأهمّيّة عدد كبير منها- دون الكفاية. هكذا، كنت أقرأ الكتاب قراءة أولى سريعة للتنفّس وملء الوقت، ولا ألبث أن أواجه الفراغ، فأعود إلى كتاب مقروء، المرّة بعد المرّة. مع توالي القراءات، كان يتراجع بُعْد التشويق وجاذبية الموضوع، ويبدأ التأمّل واكتشاف النصّ اللّغوي وأسراره، حتى أصبحت هذه الإعادات والمساءلات نوعاً من اللعب، أو الإدمان. عام (1955 ـ 1956) جاءت مرحلة تالية صعبة، وكنت في الثالثة والعشرين. فاستعنت بذخيرتي من الكتب، واستأنفت دفاعاتي القديمة.

سحر القراءات المتكرّرة  وضعني أمام نصوص تضيئني، نصوص تتوالد، وتتفتّح، وتفتتح الآفاق، وتلتقي بخفايا المنابع الشخصية والمنابع الثّقافية للكاتب والقارئة. 

هكذا، وصلت إلى بيروت في أواخر ديسمبر/كانون الأول، 1956، جاهزةً لبدء مقالاتي في نقد الشعر. في محيط مجلّة «شعر» وجماعتها واجتماعاتها اكتشفت أضواء جديدة وآفاقاً للإبداع الشعريّ والتأمّل النقديّ، ثم جاءت دراساتي الجامعية بدءاً من عام 1963.

– كتبت الكثير عن أدونيس، الشاعر، والزوج، والرفيق. هل تشعرين بإحراج في الكتابة عن شخص هو شديد القرب منك؟ هل يمكن التفرقة بين الشاعر والشخص الذي هو القرين، قرين الحياة والروح؟

ـ حين أكتب لا أخاطب صاحب النصّ، ولا أتوجّه إليه؛ تدور العملية بيني وبين النّصّ. الكتابة عن نصّ نوعٌ من التملّك والتبنّي. ولا معنى لكتابتي النقدية إذا خنتُ نصّ المبدع؛ أي خنت نصّي النقديّ الخاصّ. نصّي هو خصوصيّتي وكلمة الشرف الموجّهة لنفسي وللقارىء في وقت واحد. نصّي هو كلمة الذّات الكاتبة وكلمة الشراكة بيني وبين الكاتب والقارىء. فأنا- أيضاً- قارئة مثله، والذي يقرأ النقد لا يفعل ذلك ليتسلّى أو يطرب؛ يقرأ من منطلق المعرفة والتجاوب والمساءلة والإضاءة، وحتى الهيام. 

ثم إننا (أنا وأيّ ناقد) لا نكتب لقارىء جاهل، بل لقارىء عارف، ما يحمِّل الناقد المسؤولية عن المعرفة التي يقدّمها. وهذا النوع من الغشّ، (أعني المُحاباة أو التَّحامُل) يخون الأطراف الثلاثة: القارئ، والكاتب، والشاعر، أو- على الأقلّ- الشعر. 

ثمّ، إذا كان أدونيس سيتدخّل أو يبدي أيّ ملاحظة على نقدي لفلان أو فلان، معنى ذلك أنني أفقد صدقيَّتي، بل أفقد صوتي ورؤيتي واستقلاليّتي ومبرّر كتابتي، ويكون الأفضل أن أكتب الدراسات النظرية حول الشعر، ولا محلّ، هنا، للكلام على أمر بديهيّ، هو عزّة نفس أدونيس وترفّعه. فنحن، هنا، في ميدان المعرفة والإبداع، واحترام هذا الإبداع وصاحبه، وصيانة صدقية العلاقة بين الناقد والمبدع، هما من الأولويّات. 

وبالمناسبة، أدونيس كتب عن شعراء، مثل يوسف الخال وأنسي الحاج وجورج شحادة والسياب وغيرهم، ولم يسأله أحد إن كنت أتدخّل فيما يكتب. هذا السؤال الاتّهامي يتضمّن حكماً مسبقاً بخضوع المرأة (حتى على المستوى الأدبي) للزوج، كما أنه حكم مسبق على الزوج بأنه لا يحتمل حتى الحرّيّة الفكرية لزوجته. ولستِ أوّل من طرح عليّ هذا السؤال. إنه سؤال مرفوض قطعاً، ويمسّ روعة العلاقة الإبداعية وتبادل الإضاءة بين الناقد والنصّ، كما يمسّ شخصية النّاقد.

– هل أخذت على شعر أدونيس الشاعر المكرّس عالمياً بضعة مآخذ نقدية؟ هل تناقشينه في هذه المآخذ؛ هو الذي يثق بك كلّ الثقة، ويعدّك سابقة إيّاه- كما أعرف- مراراً؟

– إنه «يعدّني سابقة»؛ تهذيباً، فهو رفيع التهذيب واللباقة.

أمّا عن المآخذ النقدية، فربّما أبديت ملاحظة كما يبديها أيّ صديق مخلص. ولكنني لا أمارس دوري كناقدة إلا كتابةً، كما أمارسه مع أيّ نصّ آخر؛ فكتابتي تحليلية وليست انتقادية. أنا لا أعلّم أحداً.

عندما ألقى أدونيس محاضرته الشهيرة، بعنوان «بيروت… هل هي مدينة حقّاً، أم أنّها مجرّد اسم تاريخي؟» في ملتقى «أشكال ألوان»، وأثارت جدلاً إعلامياً وآخر ثقافياً، ما كان رأيك بذلك؟ وهل وافقتهِ الرأي حينها، خصوصاً أنك تبدين مولعة ببيروت؟

ـ أدونيس- أيضاً- عاشق لبيروت، ولن أزايد عليه. وكان كلّما زار بيروت حزن للأوضاع التي ظلّت تتراجع منذ الحرب الأهلية التي لم تنتهِ عمقيّاً. أمّا تلك العبارة فكانت سوء تعبير عن الألم الشديد، لا قلّة محبّة وتقديس، بل كانت فرط محبّة. مع ذلك، حذّرتُه من أنّها لن تُحمَل على المقصود منها حقّاً، ولا يمكن أن تُفهَم بحسب غايته منها. هو أرادها صدمةً؛ فصدَمَت؛ كأنّما كان يقول: ماذا فعلتم ببيروت؟ لكن، بحسب صيغتها تلك، فُِهمت هجاءً لبيروت. وكان هناك من استغلّها وزاد في التّهويل، وبدل العتاب والتصحيح أُعلِنَت الحرب. لم يكن الزمن، يومذاك، كما هو اليوم. ربّما لو كانت قيلت اليوم (لكن ليس للكتّاب، بل للسياسيّين) لَما صدَمَت.

– يتميّز نقدك  بخصائص عدّة: علميّته، وطابعه الأكاديمي، وخلفيّته الثّقافية، و- أيضاً- لغته التي تبدو أقرب إلى اللّغة الإبداعية؛ وهذا ممّا يضفي على نصوصك النقدية متعة القراءة، التي نادراً ما نجدها لدى النقّاد العرب الأكاديميّين. ماذا عن سرّ الوجه الإبداعي لنقدك؟ هل تعتقدين أنك تخفين في ذاتك مبدعة شاعرة أم روائية لم تخرج إلى العلن؟

– في عائلتي شعراء. في عائلتي حبّ للشعر وللشعراء: أختي سنيّة صالح كانت شاعرة مُجيدة، وتزوّجت شاعراً مجيداً، وخالي كان شاعراً تقليديّاً، وابنة خالي أمل الشريف شاعرة كلاسيكية. والشعراء- أيضاً- عديدون بين إخوة أدونيس وأبناء إخوته و- أيضاً- والده وأخواله. والآن، هناك شاعرة مجيدة صاعدة هي ابنة أخيه، واسمها فرات إسبر، لكنني لا أرث هذه العائلة، وإن أحببتها. 

حبّي للشعر معروف؛ قرأت الشعر بانتظام منذ طفولتي، بل حاولت كتابة الشعر في عمر مبكّر جدّاً. ثم وجدت رسائلي وموضوعاتي في الإنشاء أجمل بكثير من تلك المحاولات، فتوقّفت. لعلّ ذلك الشوق أطلّ عبر النقد الذي أكتب، ثمّ إنّ حبّي للشعر وامتداد قراءته، على مدى خمسة وسبعين عاماً، وقراءة الدراسات حوله، قد ترك أثره، بلا ريب. ولا تنسي أنني لا أكتب عن شعر لا أحبّه.

– هل تفكِّرين في كتابة سيرتك الذاتية التي ستكون- إذا ما كتبتِها- سيرة شاملة لمرحلة ولمكان وزمن، لشخص ولجماعة؟ لماذا لا تكتبين هذه السيرة الذاتية؟

– ربّما أكتبها، إذا سمح الزمن بذلك.

– في كتابك «يوتوبيا المدينة» بدوتِ كأنك تكتبين سيرة لبيروت، مدينة الحداثة والثّقافة، مدينة التحرُّر والحرّيّة، مدينة التحوّلات والانفتاح… وبدت بيروت هي مدينتك بامتياز، وكتبت عنها أفضل ممّا كَتب عنها لبنانيون كثر. ما سرّ علاقتك ببيروت؟ هل يزعجك أن أقول عنك إنك لبنانية اكثر ممّا أنت سوريّة؟

– كيف يزعجني؟ بل هذا يشرّفني. أعرّف عن نفسي بأنني لبنانية من أصل سوري. ولا أنكر أصلي، بل أعتزّ به. وفي النهاية: مَن وضع هذه الحدود؟ ولأيّة اعتبارات وأهداف؟ وبمناسبة هذا السؤال أخبرك بأنني أضع، الآن، جزءاً ثانياً من كتاب «يوتوبيا المدينة المثقَّفة»، وإذا سمح العمر سأضع جزءاً ثالثاً.

– حتى كتابك القيّم عن المسرح اللبناني يكاد يكون الوحيد في تأريخ المسرح اللبناني الحديث، ونقده، وتحليله، وبدوت فيه قريبة كلّ القرب من الحركة المسرحية. لماذا اخترت المسرح اللبناني؟ هل تعتقدين أنه كان في طليعة الحركة المسرحية العربية؟

– كنت، منذ ستينيات القرن العشرين، أتابع المرحلة الحديثة في المسرح اللبناني. وفي السبعينيات بدأت أكتب عن أقطاب فيها، بل كنت أُعدّ كتاباً حول المسرح، عندما كلّفتني لجنة مهرجانات بعلبك الدوليّة، بشخص السيدة الراحلة سعاد نجار، كتابة بحث حول المسرح الذي رَعَتْه، وما كان يمكن أن أقصر البحث حول مسرح المهرجانات وحده. هكذا، شملت الدراسة كل ما عُرِف بالمسرح الحديث. وصدر الكتاب الآخر، بعد ذلك، عن دار الآداب، بعنوان «الاستعارة الكبرى»، ليتناول مراحل سابقة.

– خالدة السعيد من النقّاد القلائل الذين رافقوا أجيال الشعر العربي الجديد والراهن، وكتبت عن شعراء شباب، غالباً ما يقصّر النقد الشعري عن مرافقتهم. كيف ترين، الآن، المشهد الشعري العربي الراهن في ابتعاده عن منابر الشعر الريادي وبنائه أفقاً متفرّداً بلغته وأدواته الشعرية؟

– لا أحبّ أن أتكلّم حول موضوع بالغ الأهمّيّة، بينما أنا عاجزة عن متابعته. إنني، الآن، متفرِّغة، تماماً، لإصدار ما تجمّع من كتاباتي. لكن الشعر يبقى ما بقي الإنسان. ولا بدّ من أن نثق بالشبّان، ولا تنسي أفواج الشاعرات الشابّات اللواتي سيحملن إلى عالم الشعر أنفاساً جديدة وذروات جديدة، كما أرجو.

– فضلتِ- بوصفك ناقدة- ألّا تدخلي في سياق النقد النسوي أو الـ «feminism»،  على خلاف ناقدات كثيرات. كيف تنظرين إلى المدرسة النسوية في النقد؟ ولماذا لم تكتبي في هذا الميدان؟

– اعذريني لأنني لا أعرف شيئاً اسمه (المدرسة النّسوية في النقد)، ولا أعرف كيف يكون النقد نسويّاً أو ذكوريّاً. كبيرات النّاقدات العربيات، و- الأحرى- كبيرات النقد العربي عالمات في النقد وقراءة النصّ، وهنّ حاضرات: من لبنان وسورية ومصر والعراق وفلسطين والأردن وبلدان المغرب العربي. 

– في كتابك «في البدء كان المثنّى» تقدِّمين مقاربة فريدة، عمادها فكرة «المثنّى» في الأدب والثّقافة. ما كان الحافز الذي دفعك إلى معالجة هذه القضية؟

– «المثنّى» ليس فكرة، بل طبيعة وواقع. وبكلمة المثنّى قصدت التوحيد بين الرجال والنساء. إنه الإنسان الواحد، بجنسَيْه، كما خلقه الله: بلطفٍ واحد، وحكمة واحدة، في لحظة واحدة، كنوع واحد وتكوين متكامل، وليس كائناً بمستويَيْن أو رتبتَيْن أو درجتَيْن أو فصيلتَيْن.

– لو سألتك لأي شاعر تقرئين باستمرار؟ فهل يكون أدونيس؟

– قرأت لكثيرين، طبعاً: قرأت لأدونيس، وهناك مَن قرأت لهم ولم يُتِح لي الزمن أن أكتب عنهم، والبركة في الناقدات والنقّاد الحاليّين والقادمين. الآن، أتفرغ لإنهاء كتاباتي قبل أن يفاجئني الحَين.