أحمد الصفريوي.. في مواجهة عبد الكبير الخطيبي وكاتب ياسين

ثاني اثنَيْن، إذ هما يبذران بذور «الأدب المغاربي المكتوب باللُّغة الفرنسية» في المغرب الأقصى. كتب عبد القادر الشطّ روايته المتواضعة «فسيفساء بلا لمعان»، ونشرها سنة (1932)، ونشر الصفريوي «سبحة العنبر» سنة (1949)، ثم نشر (النسر الطائر) إدريس الشرايبي، روايته الصاعقة «الماضي البسيط» سنة (1954) التي صعقت الأوساط الأدبية، والأوساط السياسية، وأذهلتها في كلٍّ من المغرب وفرنسا.. وساد الاعتقاد أن الصفريوي كاتب محافظ، لكن قراءة كتابات الرجل، بمعزل عن هذا الحكم السائد بلا سند، تكشف الجمر تحت الرماد. كان الصفريوي قليل الحديث، ونادراً ما يُجري حوارات. التقيت به ثلاث مرَّات: مرَّتَيْن في طنجة، وثالثة في الرباط، بدعوة منه.

فيما يلي، جزء من الحوار الذي دار بيننا، والذي تنفرد مجلّة «الدوحة» بنشره، لأوَّل مرّة:

قلت لي، ذات مرة، إنك كنت فرانكوفونيا قبل أن يصبح الفرنسيون فرانكوفونيين..

– كنت فرانكوفونيّاً لأنني حالما التحقت بالمدرسة رغبت في أن أقلّد، على الفور، معلِّمي. وأتذكَّر، وأنا صغير جدّاً، قبل التحاقي بالمدرسة أني ذهبت إلى حديقة عمومية رفقة أمّي، حديقة يوجد فيها حوض به سمك، وكان حارس الحديقة فرنسيّاً، فأردت أن أدهشه لمّا سمعته يتحدَّث، ورأيته يعبِّر بحركات، ولم أكن في ذلك الوقت أعرف أيّ كلمة باللُّغة الفرنسية. قمت واقتربت منه، وألقيت خطاباً عجيباً.

باللُّغة الفرنسية أم بالعربية؟

– أحاكي أصوات اللُّغة الفرنسية (ضاحكاً)، وقد تساءل: أليس هذا الطفل الذي يقلّد كلامه وحركاته مجنوناً؟، ثمّ طبطب على كتفي وأعطاني قطعة نقدية، فبدا لي، منذ ذلك الحين، أن معرفة لغة أجنبية، يدرّ دخلاً (ضاحكاً)، ولم أكن أعرف يومها أيّ شيء عن اللُّغة الفرنسية.. وهكذا، أوليت اهتماماً كبيراً باللغة الفرنسية، وقلت، بيني وبين نفسي، إنها باب الخلاص؛ فقد كنت أنتمي إلى أسرة فقيرة جدّاً، وكنت شرعت أفكِّر في وضع الأسرة، فقلت إن والدي أرسلني إلى الكُتّاب، وقد بلغت الثانية عشرة من عمري، وقد ألتحق بالقرويين، ثمّ ماذا بعد ذلك؟ هل سأصبح بائعاً صغيراً للطحين، أم أحفظ ما يتيسَّر من القرآن لقراءة آيات منه، على القبور؟. لن يكون والدي قادراً على إطعامي، يجب علي أن أتعلَّم لغة أجنبية… 

رهانك على لغة المستعمر كان رهان المقامر الرابح، فقد مكَّنتك من الرقي الاجتماعي، ومن دخول حقل الكتابة، وترسيخ قدمك بين المبدعين. لماذا تكتب؟

– أكتب لأوجد، ولأخلِّص نفسي من الجهل، والفقر. كتبت لأقول للفرنسيين من نحن، وأصحِّح أكاذيبهم على أنفسهم، وعلينا، وعلى الغير من القرّاء، في حال ترجمة نصوصي.

كيف تقيِّم تجربة «الأدب المغاربي المكتوب باللُّغة الفرنسية»؟

– إنه قضيّة، يصعب الحديث فيها جدّاً. لقد قلت، دائماً، إنه يجب أن يكون هناك كُتّاب، وأن يكونوا أكثرية. لكن، هناك صنفان من الكُتّاب (سواء أولئك الذين يكتبون باللُّغة العربية، والذين يكتبون بالفرنسية)، كُتّاب لديهم ما يقولون، لكنهم يقولونه بشكل رديء، وهناك كُتّاب يكتبون جيّداً، لكن ليس لديهم ما يقولونه. ويمكن أن أذكّرك بأحسن تعريف للأدب؛ ما يعني أنه يجب أن تكون هناك أشياء يجب قولها، ويجب أن نقولها بشكلٍ جيّد. ويجب أن ألحّ كثيراً على طريقة الكتابة، وليس على ما نكتبه… بالأمس، قال لي أحدهم: «قرأ تلامذتي قصّة «الـحمّام» الواردة في «صندوق العجائب»، وقالوا: ماذا تقدِّم هذا القصّة؟ إنها لا تقدِّم شيئاً». فقلت له: اسمع. إنها مكتوبة بطريقة جيّدة، لأنني أعرف أنها مكتوبة بطريقة جيّدة، إنها تضيف شيئاً على المستوى الجمالي. ثمّ إنه، فيما يُستَقبّل من أيّام، سيختفي الحمّام، ثمّ إن الحمّام- كما رآه أحمد الصفريوي- ليس كالحمّام الذي رآه شخص آخر، وهذا ما يجب أن تفسِّره لتلامذتك. يمكن للكاتب أن يسترجع أيّ مضمون تمَّت معالجته من قبل، وإذا ما كان يتمتَّع بموهبة حقيقية فسوف يكون قادراً على تشبيع ذلك المضمون، وإغنائه، والإضافة إليه.

هل يمكن الحديث عن إعادة الاعتبار للصفريوي؟

– بالطبع، بالطبع. فمن الأكيد أن الوضع قد انقلب على عكس ما كان عليه في السابق؛ وهذا أمر جيّد، وإشارة طيِّبة. في الجزائر، لمّا نشرت رواية «بيت العبودية»، والتي لم تُنشَر هنا، في المغرب، طلبت الجامعة أعداداً كثيرة من الكِتاب، لكنها لم تتوصَّل بها، طبعاً، لأن شكل طبع الجزائريين للكتاب كان يدعو للرثاء، فقد صدر في طبعة رديئة، ومن دون استشارتي، ومن دون تصحيح النسخة. وقد كان في نيَّتي تغذية هذا الكتاب بإضافة جزء ثالث. في البداية، قرَّرت أن يشتمل الكتاب على ثلاثة أجزاء، لكن صدر منه جزءان، فقط، ولكنني سأعيد نشره في ثلاثة أجزاء، وسيكون حال الكتاب، في المرّة القادمة، أحسن من الطبعة الحاليّة. وكان هناك عقد جيّد يربطني بالجزائريِّين، لكنهم لم يحترموا عهدهم، ولم أحصل على أيّ (سنتيم) بعد نشر هذا الكتاب، وسأعيد نشر هذا الكتاب في مطبعة «لارماتان» (الفرنسية)، أيضاً، على غرار الحكايات التي بعثتها لهم، أيضاً.

وقد كان الناقد «مارك كونطار» أوَّل مَنْ نَدَّد بالصمت المضروب حولي، أو بهذا الكفن الذي لفَّني به كثير من الكتّاب والنقَّاد. إنه الوحيد الذي تجرَّأ وصدح بذلك الرأي، لأوَّل مرة، ثمّ كان هناك لحْسَن موزوني وفريق آخر من النقَّاد. بعد ذلك، شرع الطلبة يهتمّون بأدبي. كلٌّ كان يهتمّ بالجانب الذي يعنيه أكثر، وبما يناسب مستوى ثقافته، فهناك من عُنِي بالغوص وراء ما يوجد في أعماق الكتاب، وهناك مَن اكتفى بالعناية بالشكل، والوصف.

ما ظروف كتابتك لنصَّيْك الرئيسيَّيْن؛ أقصد كتابَيْك: سيرتك الذاتية «صندوق العجائب»، ومجموعتك القصصية الأولى «سبحة العنبر»؟

– بالنسبة إلى «سبحة العنبر»، كتبتها لأن الحرب كانت على أشدّها، سنة (1941)، وكانت كتب وجرائد ومنشورات كلّ النخبة الفرنسية، الموجودة- خاصّة- في الجزائر، قد بحثت عن ملاذ هناك، وأحاطت بالناشر الذي سيشغل مدير المركز الثقافي الفرنسي في طنجة، فيما بعد (متذكّراً الاسم).

تقصد «إدمون شارلو»؟

– (مقاطعاً) نعم، أحاطت بمطابع «شارلو»، وكانت هناك جريدة عنوانها «TAM»، أي تونس، والجزائر، والمغرب لتغطية أخبار المغرب العربي. شرعت أكتب، في البداية، مقالات في هذه الجريدة، ثمّ أنشر فيها حكاية كلّ شهر. وعندما تطلب مني مجلّة أو غيرها نصّاً، كنت أكتبه لها. وقد تجمَّع لي خمس أو ستّ قصص نُشِرت في مجلّات وجرائد مختلفة، عدا القصص التي سيشملها الكتاب أو المجموعة، ثمّ جمعت كلّ تلك الحكايات، عندما تَمَّ الإعلان عن جائزة المغرب، وبعثت بالمُسَوَّدة، مُسَوَّدتي. وقد أثار الأمر استغراب الفرنسيِّين، فلم يحدث، إطلاقاً، أن حصل مغربيّ على جائزة المغرب (تنظّمها سلطات الحماية الفرنسية، يومها). لابدّ أنه كان للأمر وقع الصدمة الأولى عليهم.

(مقاطعاً، لاستقصاء رأيه في الأمر) قد يكون للأمر، أيضاً، ما يبيح التفكير في ضرب آخر من المقاومة.

– (غير راغب في التعليق، ومسترسلاً في سرد الوقائع) قد يكون ذلك.. بالطبع، بدأت أحصل على التهاني من جهات مختلفة، وتوصَّلت- خاصّةً- برسائل من الناشرين يطلبون فيها مني أن أبعث إليهم بمُسَوَّدتي «لتصفُّحها، ولقراءتها». وهكذا، طلب مني الناشر «جيليار – Julliard»، ولم ألتمس منه ذلك إطلاقاً، نشرَ الكتاب، فصدرت الطبعة الأولى منه سنة (1949)، وقد حاز كتاب «سبحة العنبر» نجاحاً منقطع النظير، إذ كتبت عنه أكثر من أربعمئة مقالة، ثمّ حصل، فجأةً، على جائزة هي «جائزة رئيس الجمهورية». الرئيس هو «أوريول» الذي كان أسَّس هذه الجائزة. وفجأةً، أصيب رجال «الشؤون الأهلية» بالذعر والجنون، فاتَّصلوا بي، ليلاً، ليقولوا لي: «يجب أن تجيء إلى باريس لتحصل على جائزتك، ويسلِّمها لك رئيس الجمهورية شخصياً». لم يكن عندي جواز سفر (ضاحكاً)، فأخبرتهم بالأمر، فقالوا لي: «تحصل عليه في رمشة عين». حصلت عليه يوم الغد، ثم سُلِّمت إليَّ تذكرتا الذهاب والإياب، وهأنذا أمتطي الطائرة في اتِّجاه «باريس» للقاء المسيو «أوريول»، رئيس جمهورية فرنسا، الذي دعاني إلى شرب القهوة معه. وعندما وصلت إلى قصر «الإليزيه»، كان كلّ أعضاء اللجنة الذين منحوني الجائزة حاضرين. كان معظم الأعضاء من الأكاديميِّين، ومن بينهم الماريشال «جوان» (مقيم عام في المغرب، 1947 – 1951) لأنه أكاديمي، أيضاً. لقد كانت تلك اللحظة تاريخية. وأنا أنزل من قصر الإليزيه عشت الشهرة الحقيقية: كان هناك صحافيّون، وأصحاب كاميرات، ومصوِّرون، وجنود.. وقد أحسست بالخوف من كلّ ذلك. نسيت أن أقول لك إنني لمّا وصلت إلى باريس وجدت سيّارة خاصّة بي، في انتظاري مع ممثّل فرنسي.. حدث حقيقي يثير الخوف في قلب أيّ إنسان، وقد أعقب كلّ ذلك حوارات يومية للإذاعة وللتلفزة، ثم نداءات عبر الهاتف. كلّ ذلك أرعبني، ولم أقدر على تحمُّله، ولست رجلاً من تلك الطينة التي يعجبها كلّ ذلك. ولمّا عدت إلى البلد، إلى المغرب.. قضيت سنتَيْن من دون أن أكتب أيّ شيء؛ خوفاً من أن تكون هناك عواقب أو تبعات.

عواقب سياسية؟

– لا أقصد الإزعاج. تعلم أنني شخص هادئ، وأحبّ أن أبقى في بيتي. لا أحبّ أن أعرِّض نفسي لألاعيب الحياة الاجتماعية القائمة على البهرجة. هذا أمر غير ممكن لأنه لا يتوافق مع طريقة عيشي، مع حياتي. باختصار: لم أكن أرغب في الشهرة، وانقطعت عن الكتابة مدّة طويلة، ثم قلت لزوجتي، ذات يوم: «سأعود إلى الكتابة.» وكتبت «صندوق العجائب». عانيت صعوبة كبيرة قبل الشروع في كتابة «صندوق العجائب»، لكني ما إن بدأت كتابته حتى استعدت عافيتي؛ فقد كتبَ إليَّ صديقي «إيمانويل روبلس» (الروائي الفرنسي)، قائلاً إنني أنشأت سلسلة تدعى «كتابات متوسِّطية»، وكنت على علم بوجودها، تابعة لدار نشر «السوي»، وما تكتبه يوافق ما أقوم بنشره ضمن السلسلة. فبعثت إليه بـ«صندوق العجائب» فنشرها. وبعد سنة- تقريباً- كتب إليَّ قائلاً: «ألا ترغب في إعادة نشر «سبحة العنبر»؟ لأن دار «جيليار» لم تقم بأيّ جهد إشهاري لدعم الكتاب.. فقبلت، مقترِحاً إضافة قصص أخرى، وحذف مقدِّمة «فرانسوا بونجان». وقد كان الأمر صعباً جدّاً لفسخ العقدة الخاصّة بـ«سبحة العنبر» بيني وبين دار «جيليار»، وتطلَّبَ الأمر وقتاً طويلاً. فسخت العقدة، وذهبت إلى دار «السوي»، لكنهم هناك غضبوا مني، حيث خاب ظنُّهم فيَّ؛ لأنني لم أنشر عندهم أيّ نصّ آخر، ولم أكتب أيّ شيء آخر يمكن أن يوافق السلسلة التي تشرف عليها الدار. بعثت إليهم بكتابي «بيت العبودية»، فتوصَّلت برسالة متحمّسة جدّاً من «إيمانويل روبليس»، يقول فيها: «هذا كتاب رائع».. وغير ذلك.. فاعتقدت أن الأمر انتهى، وأن الكتاب سيرى النور هناك. لكني، بعد أيّام تلقَّيت رسالة، من مصدر آخر، ممّا جاء فيها «إن لجنة القراءة تطلب منك أن تغيِّر كذا وكذا، وتضيف شخصيّات من النوع الفلاني»، فقلت بيني وبين نفسي: «هذا الصنف من لجنة القراءة أستصغره، ولا يهمّني التعامل معه»، فطلبت منهم إعادة المُسَوَّدة، ثم قطعت علاقتي مع دار «السوي». وضعت المُسَوَّدة في درج من مكتبي، قائلاً في نفسي: سأنشرها ذات يوم. في تلك الفترة كنت منشغلاً جدّاً بالندوات واللقاءات الخاصّة بعملي حول المباني التاريخية، وإذا بي أجد نفسي في الجزائر العاصمة. هناك، التقيت بمالك حداد سنة (1963)، فيما أعتقد، فعاتبني قائلاً: «لماذا لم تعد تكتب؟». فقلت له إنني منشغل جدّاً بالمجال الذي هو موضوع زيارتي، ولكنني أتوفَّر على مُسَوَّدة. حكيت له قصَّتها، ثمّ قلت له إذا كان الأمر يهمّك فسأبعثها لك لقراءتها ومعرفة رأيك فيها، ثمّ- فيما بعد- قد نفكِّر في النشر. بعثت إليه بمُسَوَّدة «بيت العبودية»، ولم أتلقَّ خبراً مدَّة ستّة أشهر، وهي مدّة كافية لكي يلقي نظرة على النصّ، ثمّ كتبت إليه رسالة أقول فيها: «قل لي رأيك في الكتاب، وابعث إليَّ بالمُسَوَّدة». فكتب إليّ: «إنها توجد في الـ(S N E D)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، فقد سلَّمتها لها، مباشرةً». كتبت إلى الشركة قائلاً: «إن مالك حداد قد سَلَّمكم مُسَوَّدة لي. هل قرَّرتم نشرها؟».. توصَّلت بالرسالة، وكان الجواب: «لقد تَمَّ طبع الكتاب». قلت لهم: «مستحيل! والشروط؟». كتبوا لي: سنرسل لك عقدة. بعثوا لي عقدة، بعد شهر، وكانت رائعة حقّاً (نظرياً)، لكن.. لم يبعثوا لي المُسَوَّدات لتصحيحها، ولم يناقشوا معي شكل الكتاب ولا ألوانه ولا حجمه.. وبعد أيّام توصَّلت بعدد من النسخ. لم يعجبني الأمر طبعاً، فكتبت إليهم، وكان ردُّهم: «سنعنى بكلّ هذه الأشياء في الطبعة الثانية، لكننا قد بعثنا لك (شيكاً) مقداره كذا»، ولم أتوصَّل بأيّ (شيك)، وقد اختفت دار النشر تلك (ضاحكاً)، ويجب عليَّ أن أقوم بنشر كتاب «بيت العبودية». حتى الآن، لم ينشر الكتاب، فقد صحَّحت ما نشروه من أخطاء، وأضفت بعض الأشياء، وأنتظر صدور الحكايات لأتبعها بكتاب «بيت العبودية»، بعد أن أعدت فيه النظر، وصحَّحته. 

البعض يتحدَّثون، في كتاباتك، عن الغرائبية، ويبدو لي أنك عندما تستعمل الدارجة المغربية، وتشرح معناها للقارئ الأجنبي، كأنك تريد أن تفرض هويَّتنا على الآخر، وتجعله يعترف بها/بنا كما نحن.. ومنه المستعمر.

– تماماً، بالضبط. وقد سألني كثير من المغاربة: لماذا يبقى وجود الأجنبي منعدماً في نصوصك؟. أولاً، يتعلَّق الأمر بنفي أو رفض أو إنكار لوجود الأجنبي، و- ثانياً- من الوجهة الجمالية الصرف، نرى الكتاب مثل اللوحة يجب أن يكون له أسلوب، ثم إنه لا يمكنني أن أرى، فجأةً، داخل مسجد، شخصاً غربياً. يجب أن يكون هناك صفاء في الأسلوب. كتاباتي تدور داخل المدينة القديمة، داخل البيوت.. فلماذا نتساءل: آه، لماذا لا يوجد الفرنسيون، هناك؟ لايمكن أن نراهم! لأننا نحن- المغاربة- لم نكن نراهم. 

يتمّ الحديث، بصدد كتاباتك، عن الطابع الغرائبي، ويراد به نقد كتاباتك لا التعبير عن الحضور البريء والإيجابي لهذا الطابع، وهناك، اليوم، عودة أو استعادة لتيمة الغرائبي في الرواية الأميركية اللاتينية، مثلاً، وفي النقد.

– طبعاً، تماماً. وقد سمّوا ذلك بالخيال، لكن الأمر- بالنسبة إلينا- لا يتعلَّق بالخيال، بل يتعلَّق بالحياة اليومية، والطابع العجائبي جزء من هذه الحياة، وإلّا كانت الحياة صعبة وموحشة ومتموِّجة، ولن تعرف تلك النعومة والطابع المخملي اللذين يضفيهما العجائبي عليها. ثم إن للعجائبي دلالاتٍ كثيرة؛ فعبر توظيف العجائبي يمكن أن ترسل رسائل عدّة أكثر ممّا يمكنك نقل الحياة اليومية من إرسالها.

قد تكون هذه الأشياء هي التي سمحت لي بأن أسألك: هل يمكن الحديث عن إعادة الاعتبار للصفريوي؛ ذلك أن معطيات جديدة تَمَّ اكتشافها، عند آخرين، في الآداب العالمية، وكان لها حضور في أدبك، وكان حضورها في كتاباتك موضوع انتقاد؟

– بالضبط، تماماً. مثلاً، عندما أتحدَّث عن الحياة اليومية يقال إن الأمر يتعلَّق بالإثنوغرافيا وبالفلكلور، وعندما يتحدَّث كاتب ياسين عن الحياة اليومية في «نجمة»، وهذا يحدث في روايته هذه، يقال إن ذلك شيء مبتكر وعبقري.

قد يعود الأمر، في حالة كاتب ياسين، إلى الحضور السياسي في كتاباته وإلى الالتزام، أيضاً.

– (مقاطعاً) بالتأكيد، بالتأكيد. ثم إنه عثر على ناقد يسانده، ويدعمه هو «جان ديجو»، هذا القسّ المزيَّف، لأنه قسّ مزيَّف، حقيقة، وليس قسّاً حقيقيّاً. إنه كان يساند الكتّاب الجزائريين قبل أن يساند الكتّاب المغاربة، مبدئيّاً؛ لأنه كان يقيم في الجزائر، ويعيش فيها، ثم تمّ تمجيد كتابات كاتب ياسين وصحبه. قبل قليل، كنت أودّ أن أشير إلى رشيد بوجدرة، وهو أكثر رزانةً وجدِّيّةً، ولو أنه بدأ يتراجع عن ذلك، مؤخّراً، عندما شرع يكتب أو يقوم بتجارب تخصّ الكتابة باللُّغة الدارجة، ولم يتابع مشواره الجدّي والرزين في الكتابة، بالطريقة التي يكتب بها. 

كيف تبدو لك هذه التجربة التي أقدم عليها بوجدرة؟

– يبدو لي أن الأمر مثير للرثاء. إن لبوجدرة أشياء قويّة ليقولها، فليقلها بالطريقة التي دأب على قولها بها؛ فبين يديه وسيلة هي التي تبلِّغ ما يريد قوله.

لكن، يبدو أن هناك مبرّراً لإقدامه على ما أقدم عليه؛ وهو أن معظم مواطنيه لا يعرفون تلك اللُّغة، وهو يشعر، في أحضانها، أنه منفي.. ألا ترى أن هذا الأمر جدِّي؟

– لا أراه جدِّيّاً، البتة. تعلم أن لكلّ واحد مهنته؛ المدّاحون، الشعراء الشعبيون الذين يبدعون بالعامِّيّة، لا يعرفون لغتنا. إنهم يقومون بتطويرها وتعميق البحث فيها لأنهم يعبِّرون بها. فكلّ شخص يكتب قصيدة، باللُّغة العامّية، يكون أرقى تعبيراً من شخص آخر يريد أن يتميَّز فيفعل مثله، بشكلٍ إرادي. هذا غير ممكن، لأوضِّح الأمر أقول: هناك كتاب باللُّغة العامّيّة، وهناك كتاب باللُّغة الفرنسية مثل بوجدرة، وآخرين. لكلّ واحد مهنته.. طريقة تعبيره.

كأني بك معجب بأعمال بوجدرة، ومقدِّر لها!

– بوجدرة.. نعم، أقدّر أعماله لأنه يكتب أعمالاً جيّدة، لا يمكن إنكار ذلك.

وكاتب ياسين؟ كلّ النقَّاد الكبار والقرّاء الحقيقيين يقدِّرون روايته «نجمة»، ويعتبرونها عملاً رائعاً.

– لا، لا..

أعتقد أنها عمل رائع، حقّاً.

– لا أحد منّا كتب عملاً يمكن تصنيفه بكونه رائعاً. كن مرتاح البال.

تحدَّثت، قبل قليل، عن الجانب الشكلي، وكلّ الذين درسوا- بجدِّيّة- «نجمة» لاحظوا فرادة شكلها الذي استفاد كثيراً من تقنية الرائد «وليام فولكنر».

– لكن هذا الأمر ليس تلقائياً،  وهو ما أشرت إليه، من قبل، التلقائية، وكتابة الذات، لا التقليد، واقتفاء أثر الآخر. 

عندما نقارن بين كتابة جيلك، أي كتابتك لأنك- بمعنى من المعاني- مؤسِّس أو رائد، («هذا صحيح» يعلِّق الصفريوي) وجيل الخطيبي، نلاحظ أنك تبقى حِرفيّاً، صانعاً.

– بالتأكيد، بالضبط.. وابن حِرفيّ، وكتبت عن مجتمع الحِرفيِّين..

الآخرون يبقون تقنيِّين لأنهم يعنون عناية قويّة بالجانب الشكلي؛ لذلك قد تخلو كتابتهم من القبض على عناصر من روح بلدهم.

– من حظّي أنني لم أكن جامعياً، مثلما هناك كتّاب فرنسيّون كبار غير جامعيِّين، منهم «برنادوت»، بينما الآخرون متأثِّرون جدّاً بالنقد الذي يُكتب عنهم، أو عن زملائهم، يأخذون به، ويتبعون تعاليمه، ثم إنهم يقرأون، ويريدون أن يعكسوا، في كتاباتهم، قراءاتهم. أنا أقرأ كثيراً، باستمرار، لكنني أقرأ كفنّان؛ ومعنى ذلك أنني أقرأ بوعي، وأعنى بالشكل وطريقته، لكنني لا أقرأ كتقني، أو لأتبع صرعة أدبية أو أنقلها.. كلّ ما في الأمر أن لي أشياء، أريد قولها، وأقولها بطريقتي الخاصّة، وأختار لها الشكل المناسب، وأعتقد أن هذا المعنى هو الذي ذهبت إليه في ملاحظتك. لن أذهب مذهب «جورج سيمونون» الذي قال: «لا ينبغي أن يتمتَّع الكاتب بأيّة ثقافة ليقدر على الكتابة»، وقد كانت ثقافته متواضعة، لكنه أبدع عدّة شخصيات، وخلق عدّة أجواء ومناخات.

(مقاطعاً) وكتب كمّاً هائلاً من الروايات، عدد منها كان ساحراً..

– (مقاطعاً) بالفعل، وقد تقاعد الآن، لأنه تجاوز الثمانين حولاً، ولم يعد يكتب. هو، الآن، شيخ يتنقَّل على متن كرسيّ متحرِّك، وهو وضع يثير الشفقة بالنسبة إلى كاتب من عيار «سيمونون». وقد أخذ المشعل بعده، في فرنسا، الآن، «فريديريك دار» (سان أنطونيو)، الذي ينشر كتباً بإيقاع غير مألوف، تماماً، وثقافته متواضعة جدّاً.

لو عدنا إلى الانتقادات التي وُجِّهت إلى كتاباتك، يقال إن كتاباتك تُشيع مناخاً من الخضوع.. ألاحظ أن ما سمِّيَ عندك (بنزعة الخضوع) قد غطّى على شعرية سرودك، بينما غياب الخضوع وسيادة خطاب الغضب، في نصوص إدريس الشرايبي، وضعاه في موقع متقدِّم، وجعلاه يستقطب الاهتمام؛ الأمر الذي جعل نصوصكما تمثِّلان عالمَيْن متناقضَيْن.

– جعل ذلك الوضع، من الشرايبي، نجماً، بالتأكيد، في الغالب الأعم. ردّ الفعل ذلك، المتميِّز بالشوفينية هو مصطنع، يتبعه الإنسان لأنه يجاري صرعة معيَّنة أو يظهر مزاياه أو ليدَّعي لنفسه مزايا لا يملكها، ولا يسلم الكُتّاب المعاصرون من ذلك، لا يسلمون ممّا يحيط بهم، ولا من المضيّ في طريق تحقيق ما صمَّموا عليه. فالكاتب سرحان عبد الحقّ الذي حكى- مثل مولود فرعون- قصّة قريته، يعمد إلى إضافة مشاهد جنسية، عن قصد، للَفْت انتباه القرّاء؛ ليُقبِلوا على النصّ، فيصبح الأمر مفتعلاً، وفي غير محلِّه. وقد قلت له إن هذا الابتذال لا يضيف أيّة قيمة إلى النصّ، بل قد ينتقص من قيمته. 

يمكن النظر إلى كتابات الصفريوي، وكتابات الشرايبي من زاوية تكاملهما في تقديم صورة عن المغرب، لا النظر إليهما على أنهما يمثِّلان عالمَيْن متناقضَيْن.

– بالفعل، هما عالمان متكاملان. وهناك وجوه مختلفة للمجتمع، وكلّ واحد منا يقدِّم وجهاً معيَّناً ومختلفاً للمجتمع ذاته، وللحياة ذاتها.

هل يمكن أن نقول إن كتاباتك هي ردّ فعل على الصورة التي يقدِّمها الأدب الفرنسي عن المغربي أو العربي، وقد يمكن اعتبار تمجيد المغرب التقليدي، في نصوصك، تمجيداً للأصالة، والخصوصية، والروح الجماعية والتضامن، وعبق التاريخ، تلك التي حاربها المحتلّ؟

– نعم، فهناك ذلك الفرنسي الذي اشتمَّ شيئاً عميقاً جدّاً في المجتمع المغربي، وخاف منه.

(مقاطعاً) مِمَّ خاف؟

– خاف من تلك القيم التقليدية، الثابتة، الراسخة رسوخ الجبل. وهكذا، أحسّ الفرنسيون بأنفسهم أجانب في بلدنا. وقد حاول كُتّابهم أن يطمئنوهم قائلين إن تلك القيم ليست شيئاً ذا بال. كلّ ما هنالك هو المواقع الرائعة، والجمال الغرائبي.. وعندما نتعمَّق في الأمر لا نجد شيئاً. وأنا أقول العكس، تماماً؛ قد تكون هناك المواقع الرائعة، وعندما ننقّب ونتعمَّق في الأمر، نجد أشياء عميقة جدّاً، ومتعدِّدة؛ وهذا ما كان يهمُّني جدّاً، لا أحبّ أن تكون الشخصيات بسيطة وساذجة، لكنها شخصيات مهمّة جدّاً وأصيلة. نعم، أصيلة. عندما أقدِّم شخصية نسَّاج، فلأنه إنسان ذو قيمة، على المستوى البشري وعلى المستوى الروحي. إنه يمثّل شيئاً مهمّاً، الحقيقة يمكن أن يجسِّدها رجل بسيط يصنع النعال، أو أيّ إنسان مهما كان مظهره الخارجي بسيطاً، ولا يعكس المظهر الخارجي شيئاً عن حقيقة هذا الرجل الذي هو حكيم حقيقي.

تنعت كتاباتك بالإثنوغرافية والغرائبية، للانتقاص من قيمتها!

– أعتقد أن الأدب الغرائبي هو الأدب الذي كتبه فرنسيون، أولئك الذين يكتبون عن بلد لايعرفونه، ولا يعرفون ما يموج في داخله. وهم غرباء عن الإنسان الذي يكتبون عنه، وعن الأرض، والتاريخ، والدين… جميعاً. والغرائبية تعني- بكلّ بساطة- البعد الخارجي، والمواقع الرائعة والمثيرة، والشخصيات الشاذّة أو الغريبة كالگرّابَة (مفرد: گَرَّابْ وهو بائع الماء الذي يحمل قربة) والسُّقاة في الساحات العمومية.. وقد قدَّمت شخصيات مثل هذه: گرّابة، ورواة قصص في الساحات العمومية لكن من الداخل، وبطريقة مختلفة تماماً؛ معنى ذلك أننا نتعرَّض، بنوع من العمق، لنفسية هذه الشخصيات، ونشير إلى دلالاتها ورموزها. لعلّ وجود كُتّاب من أبناء البلد، باللُّغة الفرنسية، يعود- أساساً- إلى مقاومة هذا الأدب الغرائبي. في البداية، كنّا نقرأ ما يكتبه هؤلاء الأجانب عنّا، وكنّا نلاحظ أن تلك الكتابات تشوِّه واقعنا، وأن واقعنا يختلف عن مضمون تلك الكتابات، وأن هؤلاء الكتاب لم يفهمونا، واستبدَّت بنا الرغبة في أن يعرفونا جيّداً، وأن يفهمونا جيّداً، لأننا لسنا، فقط، كما يقدّمنا هؤلاء الكُتّاب الأجانب (حتى الذين سَلمَ قَصْدهم). أمّا الذين ساءت نيَّتهم فلا نتحدَّث عنهم.. وبدأنا نكتب، لنعرِّف الفرنسيين: من هو المغربي، وما معنى المسلم، وما الحكمة التي تلفّ حياة الكائن المغربي، وما أبعاده الروحية التي لا يدركها كاتب الامبراطورية الاستعمارية.. وكان هناك، أيضاً، كُتّاب متميِّزون، (من الفرنسيِّيْن)، موهبتهم لا جدال فيها، كالإخوة «طارو» الذين كتبوا عن المغرب كتباً عدّة.. لكن، تبقى هناك مسافة بيننا وبينهم: هم ينظرون إلينا كأننا حيوانات، يدرسوننا كأننا حشرات، وحتى عندما يدركون بعض الحقائق الخاصّة بنا، فإنهم يؤوِّلونها تأويلاً غير صحيح. لقد أردنا مقاومة هذه النزعة، وهذا الواقع، وهذا في رأيي يوضِّح من نحن، لذلك فإن كتب الكتّاب المغاربة، باللُّغة الفرنسية (كما درج على تسمية ذلك التيّار)، هي كتب تتَّخذ شكل شهادات، وهي موجَّهة إلى قرّاء الخارج، إلى الفرنسيين خاصّة، وعبر الترجمة إلى قرّاء دول أخرى. إن كتابتنا ليست بحثاً عن هويَّتنا، فهويَّتنا ثابتة؛ ذلك أننا مغاربة، ونحن مَنْ نحن، وليس هناك شيء تغيَّر في هويّتنا. لكن، مادام الآخر لا يرانا بشكل موضوعي، فقد حاولنا- بلغته- أن نفسِّر له من نحن، هذا من جهة، و- من جهة ثانية- دفعنا إلى الكتابة أمر آخر: هؤلاء الفرنسيون، الذين كانوا يتجاهلوننا، وقد تملَّكوا، وعرفوا- عبر الإعلام- من نحن، أو ما يعتقدون أنه نحن. وقد رغبنا أن نؤكِّد لهم، ونجعلهم يدركون أننا نحن- أيضاً- نعرفهم، لأننا نعرف لغتهم، ونعرف أدبهم، ونعرف عقليَّتهم، و- بالنتيجة- يجب عليهم أن يتعاملوا معنا، بطريقة مغايرة تدرك الإنسان فينا، وهذه خطوة أولى في طريق الاعتراف بوجودنا، وهذه خطوة تقول لهم: حذارِ.. فقد كنتم، حتى الآن، تتعاملون معنا ومع عقليَّتنا بنوع من الفضول، وتصرَّفتم، نتيجة ذلك، بنوعٍ من الأبوية، وقلتم في أنفسكم: «نعم، إننا نعرف أبناء البلد، الآن». لكنكم لا تعرفوننا بما فيه الكفاية، لأنكم وضعتم بين أيدينا- بالرغم منكم- أداة خطيرة، هي لغتكم الخاصّة، وعبر لغتكم يمكن أن نزعم أننا نعرفكم- أيضاً- جيّداً.

وهذا نوع من التناقض الداخلي الذي يقع فيه المستعمر..

– (مقاطعاً) بالطبع؛ لذلك لمّا شرع عبد الكبير الخطيبي وصحبه يتحدَّثون عن كتاباتي قائلين إنها مجرَّد إثنوغرافيا، كتابة سطحية وإلى غير ذلك من هذا الكلام.. لم يدركوا أن المعنى الحقيقي للأدب هو أنه أدب يتمتَّع بمستويات عدّة، فهناك جانب يمكن أن يدركه معظم الناس، بمن فيهم الأطفال الذين لا ينبغي أن يُحرموا من أيّ صنف من الأدب، وهناك جانب عميق، الجانب الذي يدرس الروح المغربية، والروح المغربية موجَّهة- بشكل نهائي، ومنذ عهد بعيد- نحو البعد الروحاني، الديني، وهذا هو البعد الذي أردت أن أعكسه في «صندوق العجائب»، وفي «سبحة العنبر»؛ لأن كلّ حركة في حياتنا هي حركة روحانية، مقدَّسة: تصوُّرنا لبيئتنا ولمحيطنا، مثلاً؛ لذلك نقول إن مدينة فاس مدينة مقدَّسة، ومعنى ذلك أنها روحانية مع دلالة واضحة ترى أن جزءاً منها هو مركز العالم، وهو جامعة القرويين؛ أقدم جامعة في العالم. كلّ شيء في حياتنا روحي، موجَّه نحو الداخل، تصورنا لبيوتنا يقوم على أنها ليست لها واجهة؛ لسنا في حاجة إلى رؤية الآخر لنا، وكلّ واحد منا في بيته الخاصّ به، وكلّ واحد منّا لم ينسَ أن يُوجِد لنفسه جزءاً أو قطعة من السماء، يظلّ على اتِّصال به، لكلّ منا (سماؤه) الخاصّ (يقصد بَهْوَ الدور التقليدية المطلّ على السماء)، لا ينبغي أن ننساه أبداً، أو ننسى علاقتنا به. بينما يقوم التصوُّر الغربي للبيت على حماية النفس من البرودة، ثم الواجهة التي تعكس بعض ما يوجد في الداخل. في حين أن أدوات التزيين، عندنا، نحن- المغاربة والعرب والمسلمين- توجد في الداخل، ولا تنعكس في الخارج.. (موجِّهاً أصابعه نحو الزليج الذي يزيّن جدران القاعة التي كنّا نجلس بها). انظر- مثلاً- إلى هذا الزليج الذي أمامنا، إن له دلالة تجريدية، لكنه- في الآن ذاته- يمثِّل نوعاً من التكرار كنوع من الذكر، يحيل على عالمنا الروحي الذي لا تدركه عين الأوروبي. كلّ شيء له دلالة، كلّ شيء له صدى؛ رجع خاصّ، على المستوى الروحي.

إليف شافاق: عندما تصوَّفت فُتِحَتْ لي نافذةٌ جديدة

استطاعت أن تغزو العالم العربي بمؤلَّفاتها ورواياتها المتحرِّرة من كلّ القيود. الكاتبة التركية «إليف شافاق» التي تُترجم أعمالها باستمرار إلى عدّة لغات، تحلِّق فوق مدن العالم، بشهرة كبيرة؛ تخرج من وطنها وتعود إليه في كل رواية…التقينا بها لتفتح لنا صندوق حكايتها، حصرياً عبر هذا الحوار الخاصّ بمجلّة «الدوحة».

في البداية، نحبّ أن نرحِّب بك، ونعود، بالزمن، إلى الوراء، حينما كنتِ طفلة، وكانت والدتك تعمل في الحقل الدبلوماسي، وتتنقَّلون كثيراً من بلد إلى آخر. أخبرينا: كيف أثَّر ذلك في طفولتك، وفي انتمائك إلى بلدك؟

– لقد نشأت طفلة وحيدة لوالدي ووالدتي، ولم يكن لي أشقّاء، ولم أكن، آنذاك، أحبّ الألعاب العاديّة. كانت نشأتي، إلى جانب والدتي، وبحكم عملها الدبلوماسي، غريبة إلى حَدّ كبير، فكنت أميل إلى الكتابة كثيراً، ونظراً لتنقُّلها المستمرّ، من بلد إلى آخر، وجدت صعوبات عديدة بسبب اللّغة، فلم أكن أفهم لغة الشارع والنكات والأمثلة؛ فمثلاً عندما ذهبت إلى أسبانيا، وكان عمري  أحد عشر عاماً، وجدت -رغم صغر سنّي- أنني لابدّ أن أتعلَّم العديد من اللّغات، و-على الرغم من بعدي عن تركيا، في تلك الفترة- أردت تعلُّم اللّغة التركية، فأتقنتها، في ذلك الحين، قراءةً وكتابةً، وقد ساعدتني أميّ -بالطبع، على ذلك، وأتذكَّر جيِّداً أن أولى العبارات والكلمات التي عرفتها كانت كلمات الترحيب بالآخر، ولم يؤثِّر بعدي عن تركيا في عشقي لها، وقد تأثَّرت كتاباتي بالحياة هناك، دائماً.

قبل أن نستمرّ في طرح الأسئلة، نودّ معرفة شيء خاصّ؛ ما هو آخر خبر جميل تلقَّيتِه، أو تنتظرينه، عمّا قريب؟

– آخر خبر جيِّد لي هو الأصداء الجيِّدة والناجحة التي حقَّقَتها روايتي الجديدة «بنات حوّاء الثلاث» ، فأنا أعتبر أن مؤلَّفاتي هم أبنائي، وأكون سعيدة، للغاية، بعد ميلاد كلّ رواية، وخروجها إلى النور والقرّاء، وخاصّةً عندما تحقِّق نجاحاً بترجمات ولغات عديدة.

لا شك في أن الاحتكاك بتعدُّد الثقافات، وتشابكها، هو نتيجة حتمية لهذا التنقَّل، وهو ما يغني -أيضاً- المعرفة والخبرة الإنسانية في الحياة. كيف تواجهين كلّ هذا، في أثناء البحث عن أسلوبك الخاصّ في الكتابة، سواء على مستوى اللّغة والمضامين الثّقافيّة؛ ففي المقابل، هناك خطر الوقوع في فقدان الخصوصية المحلِّية التي هي الأدب الحقيقي، في النهاية؟ أليس كذلك؟

– لقد عشت في عدّة بلدان، وعشت في إسبانيا أربع سنوات، قبل أن أعود إلى أنقرة. وحينها، كنت أتعلَّم التركية، ولم يكن لي أصدقاء أتراك هناك، وقد اكتسبت -بالطبع- خبرة في الحياة من الناس، من هنا وهناك، و-بالفعل- دخلت إلى ثقافات مختلفة، تماماً، عن المجتمع التركي، لكنني استطعت أن أحافظ على هويَّتي التركية، وكان لوالدتي دور كبير في ذلك، ويتَّضح ذلك في مؤلَّفاتي. ربَّما كان الأمر صعباً قليلاً إلّا أنني فخورة بأنني نجحت في ذلك، لكنني لا أنكر أن الفترة التي عشتها في أسبانيا، قد أثَّرت فيَّ؛ بأن أصبحت أكثر حدّة، مع القليل من القسوة، على عكس ما كنت عليه، عندما انتقلنا للعيش هناك.

يتعامل القرّاء مع روايتك «حليب أسود»، باعتبارها سيرتك الشخصية الحقيقية. لكن، لنفترض أن مساحات الخيال لا مفرَّ منها، فهل تكفي قراءة هذا العمل لنتعرَّف إلى سيرة «إليف شافاق»، كما وقعت، أم أن مساحات الخيال، في الرواية، هي أهمّ الوقائع التي عايشتها، بالفعل؟

– الوقائع، في تلك الرواية، أكبر من مساحة الخيال، وتمثِّل شطراً كبيراً من حياتي التي تغيَّرت -فجأًة- بعد أن وقعت في الحبّ، وتزوَّجت، ثم أنجبت ابنتي «زيلدا»، والاكتئاب الذي تملَّكني بعد ذلك، أنا التي كنت أرفض فكرة الزواج، وكنت أرى أن مؤلَّفاتي هي أبنائي، وحبيبي هو القلم، لكن المرأة لا تدري متى ستقع في الحبّ، ولا تدري -أيضاً- ما الذي يمكن أن يفعله هذا الحبّ في حياتها.

تسرد رواية «حليب أسود» فترة ما قبل ولادتي لابنتي، وما بعدها، وهي فرصة جيِّدة لكل من يريد أن يبحث عن ذاته، ويكتشف نفسه، بشكل جيِّد، وغالباً ما تبحث المرأة عن عدّة شخصيات بداخلها، إلى أن تكتشف ذاتها الحقيقية التي تمثِّلها فعليّاً. وأريد أن أضيف أنني بحثت، يوماً، عن الاستقلال الذاتي، ثمَّ عن تكوين أسرة، ولاغنى للمرأة عن الأمرين سويّاً؛ لكي تشعر بقيمة ذاتها، على هذين المستويين، وتظلّ المرأة -بفطرتها- تبحث عن الأمومة.

ثمّة سؤال، تبدو الإجابة عنه صعبة، على المستوى العملي، يتعلَّق بروايتَيْن، هما «لقيطة إسطنبول»، و«شرف»؛ ففي الروايتين، هناك عودة إلى الذاكرة الجريحة، الماضي الذي لم يتمّ تصفيته والمصالحة معه. إذا كنّا نتَّفق على أن الجمال والقيم النبيلة من بين ما يبرز، بشكل عظيم، في مرآة الأدب، فهل يمكن للأدب -في رأيك- أن يسهم في تحقيق المصالحة مع الماضي، والصفح والنسيان؟ وإذا أمكنه ذلك، فكيف؟

– مع الأسف، لا يوجد مصالحة مع الماضي، فالماضي حزين وكئيب ومؤلم. لكن، لابدّ أن نعرف الكثير والمزيد عن الماضي، خاصّةً أن الأمَّهات والجدَّات هنّ مَنْ ينقلن الماضي إلى الأجيال الحديثة، وكُلّ بحسب هواه.. وأنا أردت أن أصل الماضي بالحاضر، للقرّاء، وأرى أن دور الأدب الرئيسي يتجلّى عندما يكون حرّاً، ويعطي دروساً، ويبرز حقائق للقرّاء وللعالم.

يتَّضح المنحى الصوفي في أكثر من روايةً؛ بدايةً من «الصوفي» مروراً بـ«مرايا المدينة»، وصولاً إلى «قواعد العشق الأربعون»؛ الرواية الأشهر عند القارئ العربي… إلى حدٍّ ما، يمكن طرح سؤال مركَّب، في هذا الصدد، الشقّ الأوَّل منه: ما جدوى انحيازك إلى الثّقافة الصوفية، في عصر، تهيمن عليه ثقافة المادِّيّات و(البريستيج) وكلّ أمراض الاستهلاك: المنطقية، وغير المنطقية. والشقّ الثاني فيرتبط بالاغتراب الذي يعيشه شباب اليوم، والذي مردُّه -كما يرى علماء الاجتماع والنفس- إلى العولمة وأنماط التواصل القائمة على التقنيات الحديثة.. بالنسبة إليك، ألا تُعتَبر العودة إلى عالم التصوُّف نوعاً من الهروب من الواقع ومواجهته، مثلما كان يفعل أنصار الهيبيزم، في السبعينات؟

– الصوفية مصدر إلهامي، منذ روايتي الأولى «بينهان». والقرّاء الذين تابعوني، منذ بدايتي، يعرفون ذلك جيِّداً. أنا قرأت كثيراً، ودرست التصوُّف جيِّداً، وعندما تصوَّفت وجدت أن هناك نافذة جديدة، تماماً، قد فُتحت في عقلي وقلبي، ورأيت الحياة بمنظور مختلف، ولم أنحَزْ إلى الصوفية، بل صارت جزءاً من قلبي وروحي. ليتنا جميعاً نهرب من الواقع إلى التصوُّف؛ فهذا مذاق خاصّ، لا يعرفه إلا المتصوِّفون.

هناك سؤال بديهي، في هذا السياق: هل من الضروري أن يكون للكاتب، اليوم، حياتان: الأولى شخصية متحفّظة، والثانية شخصية أدبيّة مُزَوَّقة بعناية، خاصّةً أننا في عصر الحياة الإلكترونية؟

– لابدَّ أن يعيش الكاتب الحياة التي اختارها لنفسه كأيّ إنسان عاديّ وإيجابي، وينشر الوعي الثقافي، والفكري بين القرّاء. وأؤكِّد أنني ضدّ أن يكون للكاتب (خاصّة) وللإنسان (عامّة) حياتان، وأنا ضدّ التحفُّظ، بشكل كبير؛ فلماذا لا يعرف القرّاء كاتبهم المفضَّل، بشخصيَّته الحقيقية؟.

«إليف شافاق»، لا تكتفي بالكتابة، بل تنخرط في أكثر من مجال: أنت عضو مؤسَّس في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، وعضو في مجلس الأجندة العالمية في المنتدى الاقتصادي العالمي المعنيّ بدور الفنون في المجتمع، وعضو في لجنة التحكيم لجائزة القصّة القصيرة في صحيفة «سنداي تايمز» عام (2014)، وسفيرة العمل الثّقافي في أوروبا عام (2010)، والمبعوثة الخاصّة لبرنامج «الجسور الثّقافيّة» التركي-الأوروبي عام (2010)، كما مُنِحت فخريّة «Chevalier» للفنون والآداب، في العام نفسه، كما كنتِ عضواً في لجنة جائزة «الإنديبندنت» لأدب الخيال الأجنبي، عام (2013)، وأنت -أيضاً- شخصية نشِطة في مواقع التواصل الاجتماعي، ولديك متابعون كثُر على «تويتر»، علاوةً على أنك متحدِّثة في موقع (Ted).

– نعم. وإنه من دواعي سروري أن أساهم في تلك الأنشطة، وأنضمَّ إلى تلك المنصّات. وأنا أعتقد أن الكاتب أو الشخصية العامّة لابدّ أن يكون لها حضور في الأنشطة العامّة، ومشاركة في كلّ المجالات المتاحة، وأن يكون ذلك الكاتب ملكاً لجمهوره، ويتواصل معهم، على أوسع نطاق.

لديك جمهور واسع من القرّاء العرب، من خلال الترجمة. كيف تصلك أصداء ترجمات رواياتك إلى اللّغة العربيّة؟

– بالطبع، كان لترجمة مؤلَّفاتي إلى اللّغة العربيّة الفضلُ في الانتشار والنجاح الذي حقَّقته في الوطن العربي، وكنت سعيدة، للغاية، لوصول مؤلَّفاتي إلى القرّاء العرب. على الرغم من أنني لا أجيد اللّغة العربيّة، أعرف أصداء نجاح مؤلَّفاتي، بواسطة دور النشر المسؤولة عن الترجمة والمبيعات في الوطن العربي، وأتمنّى أن أظلّ عند حُسْن ظنّ جمهوري وقرّائي، دائماً.

إذا كنت مشرفة على ورشة للكتابة الأدبيّة، ما الجملة التي ستتكرَّر كثيراً، على لسانك، كنصيحة أو توجيه للكُتّاب الشباب؟

– طالما أعجبني الكُتّاب الشباب، وأحبّ حماسهم كثيراً. لكن، لديَّ عدة نصائح لهم؛ أهمّها أن يحترموا عقل القارئ، ولابدَّ أن يعرفوا، تماماً، أن الكتاب الجيِّد ينجح، ويتبادله الأصدقاء، ويمكن الترويج أو التسويق له تلقائياً، من خلال العمل الجيِّد، وقد أصبح تداول الكتب أسهل بسبب (الإنترنت)، ولاأطيق الكاتب الذي يستخفّ بعقل القارئ، ويستصغره، بالإضافة إلى أنني أجد العديد من الكُتّاب الشباب أكثر تحفُّظاً، وأكثر انغلاقاً، وهذا ضدّ الإبداع؛ لذلك لا تجد أعمالهم الصدى المنتظَر.

قتيبة الجنابي: أفلامي ذاكرة مشتركة للمنفيين

قتيبة الجنابي

قتيبة الجنابي مُخرج عراقي. درس التصوير الفوتوغرافي والسينمائي في أكاديمية الفنون الهنغارية وحصل على دكتوراه في موضوع رحلة السينما العربيّة. عمل في التليفزيون الهنغاري لسنواتٍ عدّة ويعيش متنقِّلاً بين بغداد ولندن وبودابست. كما صوَّر مجموعة من الأفلام التسجيلية لدار الأوبرا البريطانية. عمل مدير تصوير لسبعة أفلام روائية طويلة بين لندن وباريس. كما أنتج وأخرج مجموعة من الأفلام التسجيلية القصيرة والمستقلّة نال بعضها جوائز في مهرجانات وتليفزيونات حول العالم. في الغضون أقام معارض فوتوغرافية، وله كتابان فوتوغرافيان – بعيداً عن بغداد وأضواء أجنبية. حصل عمله الروائي الأوّل «الرحيل من بغداد» على الجائزة الأولى في مهرجان الخليج السينمائي وجائزة مهرجان مونتي كارلو، ورُشِّح لجائزة السلام في برلين، كذلك اُختير كأفضل فيلمٍ بريطاني مستقلّ لعام 2011. أنجز فيلمه الروائي التسجيلي الثاني (قصص العابرين)، والذي صوَّره طوال 30 عاماً. 

– المتابع لأفلامك السينمائية يرى أن الغربة والرحيل القسري عن الوطن، وكذا الحنين إليه، تُعَدُّ ثيمات مهيمنة على معظم أفلامك القصيرة والطويلة، الوثائقية أو الروائية؟

الغربة والابتعاد عن المكان الأوَّل ليسا خياراً شخصياً، لم أكنْ أهوى المنافي والأماكن البعيدة الغريبة، ولكن سنوات القمع والديكتاتورية بما حملت من أوجاع ومحن دفعتني قسراً إلى مغادرة مدينتي التي أحبّ (بغداد) في عمرٍ مبكِّر من حياتي، وجعلتني على موعد دائم مع المجهول. رغم ذلك كنت أتوقَّع أن سنوات اغترابي ستكون قليلة أو محدودة، لكن الواقع الذي عشته كان غير ذلك، فما كان أمامي للخلاص من تلك المحنة إلّا التفكير جديّاً بتدوين وتوثيق تجربة المنافي والرحلات التي مررت بها أسوةً بجيلٍ من العراقيين المُعارضين سياسياً، على أمل انتهاء المحنة والرجوع إلى بغداد يوماً ما. لكن بمرور الوقت أيقنت أن المنفى سيكون رحلة طويلة محفوفة بالأسى والصعاب، فاخترت أن تكون صوري وأفلامي شهادات حيّة عن تجربة جيلي في بلدان المنافي حول العالم. في سنواتٍ لاحقة أخذت الأمور منحى آخر بالنسبة إليّ، حلم العودة بات قصيّاً جدّاً، وتجربة المنفى أصبحت خياراً أوحد لمواصلة الحياة.

حينذاك تناسلت الحروب وطال المنفى. لذا بدأت أتعمَّق أكثر فأكثر في تجارب الغربة، وأصبح هذا الموضوع هاجسي الأكبر. وطوال سنوات دراستي وعملي أدركت أنني أقترب شيئاً فشيئاً من مفهوم الاغتراب بمعناه الفكري. هكذا أتت أفلامي القصيرة والتسجيلية التي تناولت بها شخصيات إبداعية عراقية تعاني من وطأة حياة المنفى، كشهادةٍ حيّة وصادقة عن معنى الرحيل عن الوطن، أذكر منها فيلم «أرض الخراب» بين بغداد ولندن، والذي تناولت فيه تجربة الفَنَّانة المسرحية الراحلة ناهدة الرماح، وكذلك الفيلم الوثائقي «الرجل الذي لا يعرف السكون» عن تجربة الفَنَّان المسرحي الرائد «خليل شوقي» ثمّ استمرّت رحلتي على خطٍ موازٍ لتسجيل غربة الفَنَّان التشكيلي الراحل «محمود صبري»، الذي يحيا بين لوحاته في شقّة صغيرة بلندن وهو الفَنَّان الاستثنائي الذي شكَّل علامة فارقة بين فنَّاني جيله. 

هكذا تداخلت الأحاسيس، وتوالت صور الأوجاع، وبدأت بوصلتي الإبداعية تقترب أكثر من حكايات المنافي والرحيل والعابرين، ربَّما لأنها الحياة الوحيدة التي أعرفها. 

– هل نستطيع القول إن أفلامك لاسيّما فيلمي (الرحيل من بغداد، وقصص العابرين) تحمل نوعاً من الناستولوجيا المشفوعة التي ترتكز غالباً على وقائع سنواتٍ مضت، جعلتك كمُخرج تستعين بمحمولات الذاكرة في رسم الشخصيات والأحداث الدرامية (معظمها سياسيّ)، لتغدو الصورة السينمائية عندك نزوعاً ذاتيّاً للتطهر من أعباء ماضٍ مسكون بالخوف والرعب والحروب؟

في فيلمي الروائي الطويل (الرحيل من بغداد) تناولت ما يمكن أن أسميه الكابوس العراقي وهو حالة عامّة تلبَّست أهلنا في العراق في ظلّ حكم نظام البعث. إحساس المرء بالخوف والمراقبة والذنب (أسوة بأبطال كافكا) ظلّ الهاجس الأشد مرارة في تجربتي الشخصية التي انعكست على صور أفلامي. ربَّما في سياق أوسع يعلِّمنا التاريخ أن الشعوب التي اكتوت بنار الديكتاتورية تعرف -على نحوٍ لا ينافسها فيه أحد- معنى الشعور بالرقابة الدائمة وتكميم الأفواه وانعدام الثِّقة، ولكن ما لا يعقل في عراق البعث هو أن تصل الأمور إلى حَدِّ وشاية الأب بابنه لكسب ود السُّلطة، أليس هذا ضرباً من اللامعقول؟ 

هذه المعضلة الواقعية ستتحوَّل إلى أزمة أخلاقية حقيقية في فيلم (الرحيل من بغداد)، والذي دونت فيه الكثير من صفحات حياتي الشخصية طوال أكثر من ثلاثين عاماً مثّلت بمجملها سنوات ابتعادي عن بغداد. لا يعني ذلك أن أفلامي صُنعت لكي تكون هروباً من وطأة الماضي والتخلُّص من أعبائه، لأنها تعريةٌ لذلك الماضي وكشفٌ لخباياه. يمكنني القول إن أفلامي (حتى القصيرة منها) هي بوجهٍ من الوجوه محاكاة صميمية لحيوات المنفيين، عراقيين كانوا أو غير عراقيين ممّن مرّوا بتجارب مريرة مماثلة. من هنا فهذه الأفلام هي ذاكرة مشتركة لكلّ من هوت حياتهم على نحوٍ مخيف في الربع الأخير من القرن الماضي، واستذكار إنساني لكلّ أولئك المُؤبَّدين في محطَّات القطارات ومخيمات الاحتجاز والفنادق الرخيصة، لأصدقاء كثر بقيت عيونهم مفتوحة في أثناء النوم، وآذانهم مصوَّبة على ما يحمله المذياع من أخبار الوطن البعيد.

– معظم أفلامك القصيرة جاءت مكتفية بالصورة دون الحوار وتراجعت أهمِّية الحكاية لصالح الاشتغال الملحوظ على بنية الفيلم السينمائي، شكله ولغته الفَنّيّة التي تخفي تأثيرات أدبيّة من نوعٍ ما؟

فيما يتعلَّق بكون معظم أفلامي القصيرة من دون حوار أو لنقل بحوارٍ مقتصد، أقول وبشكلٍ مختصر بأنني كنت ولا أزال أعتقد أن السينما في نهاية الأمر هي مشروع بصري جمالي، والحكاية هي أمر ثانوي، ولذا على المُخرج الذي يعي هذه الحقيقة العناية بشكل أساسي بالصورة التي تتكلَّم أكثر من غيرها، والاهتمام بشكلها وتأثيراتها المرجوة خلال صناعة فيلمه السينمائي. لك أن تتخيَّل أن فيلمي الروائي الجديد الموسوم «رجل الخشب»، والذي يناهز زمنه الساعة ونصف الساعة لا يتجاوز الشريط الصوتي فيه نحو عشر دقائق. أنا من هواة الصورة القادرة على نقل الحكاية والأحاسيس بلغة معبِّرة، بليغة وغير ثرثارة.

وفي البحث عن أسباب تلك الخيارات أظن أن الواقع الذي واجهته هو الذي حتَّم عليَّ العمل بحس الفيلم المستقل، الاكتفاء ببراهين الصورة وليس بإبهارها الإنتاجي الفخم، فيلم فقير كما يصفه البعض لكنه غني بعمقه الإبداعي والإنساني… هكذا كان عليَّ أن أسلك هذا الطريق للوصول إلى فيلم عراقي على مستوى الهويّة، عالمي على مستوى اللُّغة. إنها سينما جادة شديدة الخصوصية، وضعتني حالياً أمام مُهمَّة إتمام «ثلاثية أفلامي المستقلّة»، والتي كان أوّلها فيلم «الرحيل من بغداد»، ومن ثَمَّ فيلمي الروائي- التسجيلي (قصص العابرين)، وخاتمة الثلاثية (رجل الخشب)، الذي أُصور مشاهده حالياً. وتعقيباً على إشارتك الواردة في نهاية السؤال، أعترف بتأثيرات الأدب على مخيلتي وأفكاري، فبوصلتي كانت وما تزال كامنة في حكايات الكاتب العراقي محمد خضير بسحر عوالمه القصصيّة وشخصيّاته ولغته الثَّرة التي اعتبرها الملهم الروحي لي في ساعات الاختناق ومشقّة البحث عن جديد.

– ثمّة شاعرية بيِّنة في مشاهدك السينمائية تثري المعنى وتعزِّز دلالات الصورة، تذكّرنا إلى حَدٍّ ما بأجواء تاركوفسكي وترنس مالك، لقطات تحكي بالصوت واللون والصورة أكثر من أي شيءٍ آخر، (نوافذ مشرعة في منازل مهجورة، قطارات متروكة وسكك حديد موحشة، أرجوحة فارغة وصفير ريح، كومة مفاتيح صدئة، صور أشخاص مغيبين ورجال مسنين بوجوه يائسة…)، كيف تتراءى لك هذه الصور وما الذي يمثِّله أسلوب وصل اللقطات /اللوحات خارج خطّ السرد الدرامي أو عبر تدميره؟

لا أعرف إجابة نموذجية عن سؤالك. لكن أستطيع القول إنني لا أفتعل هذه الأشياء، ولا أصطنع الصور، كلّ اللقطات والمشاهد تأتي في لحظات نفسية معيَّنة لا أعرف بالضبط من أين، لكنها تداهمني وتدفعني لحمل كاميرتي وتجسيد ما أراه، أسوة بالشاعر الذي يطارد القصيدة. أحياناً تتدفَّق الأحاسيس من لوعة الانتظار ومن البحث عن طريق آمن للعودة إلى المكان الأوّل. ويمكن لها أن تأتي من مخزوننا التراجيدي العراقي من حقب الأحزان والأوجاع التي مررنا بها. إن تراجيديا الحسين، ومأساة كلكامش، وخيبات الآباء والأبناء في متاهة السنوات العجاف والسواد الدائم الذي تتدثَّر به أمهاتنا كلّها صور حيَّة تسكن مخيلتي بشكلٍ أبدي. وليس بدرجة أَقلّ تركت سنوات الحروب والاستبداد بصماتها الغائرة في وجدان جيلنا وذاكرته. هروبنا من العراق لم يكن اختيارياً. كان حلاً قاسياً علينا جميعاً. الثلج والمحطَّات المُوحشة والقطارات وغرف الفنادق الوضيعة وشرطة الحدود ووثائق التنقُّل غير الرسمية بين البلدان وشحة أخبار الوطن، حفَّزتني للبحث عن عزاءٍ روحي، عن ضرورة مشاركة همومنا مع الآخر. في هذه المناخات وُلِدَتْ مفردات أفلامي السينمائية التي أفادت كثيراً من خبرتي في مجال التصوير الفوتوغرافي. أحد النقَّاد الأوروبيين واسمه «بيتر بال» وهو رئيس تحرير مجلّة «فوتوغراف الهنغارية» كتب يوماً ما في دليل معرضي الفوتوغرافي الأوّل «أنت مثل شاعر فوتوغرافي يبحث عن زوايا مدينته بغداد في بلدنا» .

أمّا بخصوص تأثري بإنجازات العظيم تلركوفسكي والشاعر السينمائي ترنس مالك فليس لي أن أقول سوى إنني تعلَّمت الكثير منهم وتفاعلت مع تجاربهم الإبداعية، وأظن أن قيمة الفَنّ الحقّة هي في أنه عابر للحدود ومنفتح على تجارب الآخرين أينما كانوا.

– كيف تصف علاقتك بالسينما العراقية منذ انطلاقها وحتى العام 2003، هل تركت أثرها على أفلامك؟ وما هي أبرز التجارب التي أثّرت بك؟

في السنوات الأولى التي شهدت نضج وعينا وشغفنا بالسينما كان هنالك نوعٌ من التداخل بين المحلِّيّ والعربيّ والعالميّ، فنحن منحازون للجودة وخاضعين لتأثير الأفلام المُميَّزة بغض النظر عن هويّتها. فلا أحد ينكر حجم تأثير السينما المصريّة علينا كشبابٍ سينمائي طموح، وذلك لقربها من نمط حياتنا وهمومنا وأحلامنا، رغم ذلك كان للفيلم العراقي نكهته الخاصّة التي جعلته أقرب لذائقتنا ووجداننا، وإن كان شحيحاً في الإنتاج مقارنةً بسينمات أخرى. أتذكَّر جيّداً الدعايات الأولى في التليفزيون والسينما لفيلم «الظامئون» بهاء الصورة وجمالية اللون الأبيض والأسود لا تزال قابعة في ذاكرتي، فضلاً عن تميّز أداء ممثِّليه والموقع الجغرافي الساحر للتصوير. لقد كانت تجربة فريدة بالنسبة لي، لاسيّما حينما شاهدته في إحدى سينمات بغداد. في ذاك الزمن كانت هناك أفلامٌ واقعية حقَّاً وأخرى طليعية سبّاقة في معالجاتها لقضايا حسّاسة، منها فيلم (سعيد أفندي، الحارس، من المسؤول، وفيلم المنعطف عن رواية خمسة أصوات للروائي غائب طعمة فرمان).. أستطيع القول إنني تأثَّرت مع العديد من أبناء جيلي بهذه الأفلام وبمُخرجيها بقدر تأثُّري بأفلام الواقعية الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى نحوٍ أكثر تحديداً بخواصها وآلية عملها، حيث الاكتفاء بميزانيات بسيطة والتصوير في مواقع الحدث، والاعتماد على ممثِّلين غير محترفين، وكوادر محلّيّة تمتلك نوعاً من العشق الشديد للإنجاز والمغامرة الإبداعية. بالتأكيد هنالك أفلام عراقية أخرى تمتلك خصوصيتها وتميُّزها كان لها دورٌ حاسم في توجيه اهتمامنا وصقل ذائقتنا السينمائية. 

– بعد سنوات من الدراسة الأكاديمية داخل العراق وخارجه، أيّ التجارب السينمائية العربيّة والعالميّة التي تجدها أقرب إلى رؤيتك وأسلوبك السينمائي؟

طوال 40 سنة من الدراسة والعمل والمحاولة في عالم الصورة والفيلم أستطيع القول إنني تأثَّرت في مراحل مختلفة بأساليب وتجارب عديدة من العالم العربي، فقد كانت أفلام المُخرج الراحل يوسف شاهين ملهمةً لي بدرجةٍ كبيرة، ولا يمكن تخطّي تأثيرها (باب الحديد، الأرض، العصفور، وعودة الابن الضّال)، لأنها تمثِّل سينما الوعي المُحفِّزة للتفكير بجماليات السينما وقضاياها. على صعيد مقارب أعجبت بأفلام المُخرج توفيق صالح (يوميات نائب في الأرياف، والمخدوعون)، ولاحقاً هيمنت على ذائقتنا تجارب جماعة السينما الجديدة التي خرجت عن التقاليد السائدة للفيلم العربي، أتذكَّر هنا فيلم («أغنية على الممر» لعلي عبد الخالق، و«زائر الفجر» لممدوح شكري وكذلك فيلم «الظلال» في الجانب الآخر للمُخرج غالب شعث) كما تأثَّرت بخصوصية تجربة السينمائي العراقي الموسوعي «قيس الزبيدي» صاحب الفيلم الروائي المُتجدِّد «اليازرلي»، الذي أُنتج في دمشق. ثمّ تابعت تطوُّرات السينما الجزائرية في نتاجاتها المتنوِّعة التي نالت التقدير والجوائز كفيلم (وقائع سنوات الجمر) للمُخرج محمد الأخضر حامينا، وأفلام مرزوق علوش والقائمة تطول. كما لا يمكن إغفال تأثير فيلم «بس يا بحر» للمُخرج الكويتي خالد الصديق، فقد كان على المستوى الشخصي فيلماً صادماً ومبهراً في حينها. 

وفي سنواتٍ لاحقة أخذتنا التقلُّبات السياسيّة وسنوات الحروب والديكتاتورية بعيداً عن واقعنا العربيّ، حيث ذهبت لدراسة فنّ الفوتوغراف والسينما في بودابست-هنغاريا وجرفتني الحياة والتأثيرات الجديدة إلى مساحة سينمائية ومعرفية أخرى أغنت معرفتي ووسَّعت تطلّعاتي. حينها عشقت الفيلم الهنغاري طوال سنوات إقامتي هناك، وشيئاً فشيئاً، أصبحت مساهماً ومتدرِّباً مع مُخرجين هنغاريين معروفين، ومن خلالهم اقتربت أكثر من تجارب السينما السوفياتية آنذاك، إلّا أن التأثير الأعمق كان على يد المُخرج الألماني «فيم فيندرز» الصانع الأمهر لأفلام الطريق، لاسيّما تحفته السينمائية «باريس تكساس». ولكي نكون منصفين مَنْ منّا لم يتأثَّر بأفلام الواقعية الإيطالية، والموجة الجديدة في فرنسا، وإبداعات السينما الإيرانية، والفيلم الأميركي المستقل؟. في الغضون دفعني عشقي لأدب ماركيز إلى الاستغراق بمتابعة إنجازات سينما أميركا اللاتينية، التي عالجت قضايا سياسية واجتماعية شديدة القرب من قضايانا العربيّة. كما أحببت بذات الشغف أفلام المُخرج الهندي «ساتياجيت راي» لخصوصيتها الشديدة وصدقها وقوة شاعريتها. وفي أوروبا ثمّة أفلام رائعة لسينمائيين مهاجرين أو متحدِّرين من أعراقٍ مختلطة لها خصوصيتها وجمالها الآخاذ. إجمالاً مسلسل التأثيرات والتفاعل مع الآخر لا يمكن أن يتوقَّف. 

شيءٌ آخر يمكن أن أكون قد عملت به في أفلامي هو أني خاطبت الوجدان الأوروبي بلغة أريد لها أن تكون متفرِّدة وعالمية في نقل أحاسيسنا وقصصنا. كلّ هذا قادني لأن أبحث عن التميُّز بصوري وأفلامي. كنت أفكر أحياناً بكيفية الوصول بالمتلقي الذي يشاهد صوري وأفلامي إلى معرفة هويّة صاحب هذا العمل الفَنّيّ. إنه برهان الروح العراقية في تخليق الموضوع والشكل وسيل الأحاسيس التي تشبه نظيراتها في أيما بقعة من هذا العالم. لن تكون صوري ولقطاتي معبِّرة ما لم يخفق قلبي لها في تلك اللحظة.

خالدة سعيد: لا أعرف كيف يكون النقد نسويّاً أو ذكوريّاً!

تُعرِّف الناقدة والكاتبة خالدة سعيد بنفسها لبنانية من أصلٍ سوري. وصلت إلى بيروت أواخر عام 1956، جاهزةً لبدء سيرتها النقديّة في الشعر، على صفحات مجلّة «شعر»، إذ كانت الناقدة الوحيدة التي رافقت صدور مجلّة «شعر» منذ العام 1957، وكانت توقّع مقالاتها باسم خزامى صبري. بدءاً من عام 1963 دخلت فضاء الدراسات الأكاديمية، لكن هذا الفضاء الذي خبرت فيه المعايير، لم يجعل نقدها، فيما بعد، تنظيرياً محضاً، كما هو السائد، وإنما اتَّصف أسلوبها بالتطبيق وفحص النصوص من الداخل؛ وهذا مَكّنها من الكتابة عن تجارب مختلفة، في الآن نفسه، فقد كتبت عن عن معظم شعراء مجلّة «شعر»: أدونيس، أنسي الحاج، محمد الماغوط، شوقي أبي شقرا، وسواهم. وعلى الرغم من أنها كانت في معمعة معركة القصيدة الحديثة إلّا أنها رفضت إثارة الغبار بين المتخاصمين المختلفين حول كتابة الشعر: عموداً أو تفعيلة أو نثراً، كما لم تُدِخْل نفسها في خانة النقد النسوي أو الـ«feminism»، على خِلاف ناقدات كثيرات.

واليوم ترى صاحبة: «فيض المعنى، في البدء كان المثنى، حركيّة الإبداع، البحث عن الجذور…» أن سؤال الحداثة وقصيدة النثر قد انتهى عهده. وهي، الآن، بصدد اللمسات الأخيرة على الجزء الثاني من كتابها «يوتوبيا المدينة المثقَّفة». وفي هذا الحوار الشامل والمثير تقول خالدة سعيد إنها -إذا سمح العمر- ستضع جزءاً ثالثاً، كما ستكتب سيرتها الذاتية.

– كنت الناقدة الوحيدة التي رافقت صدور مجلّة «شعر» منذ العام 1957، وكتبتِ عن شعرائها، وشاركتِ في ثورتها، وعشتِ في صميم حركتها، وكنتِ توقّعين دراساتك باسم خزامى صبري، وكأنك كنت تخشين إعلان هويّتك واسمك. كيف تستعيدين الناقدة التي كنتها، في تلك الفترة الذهبية؟ ماذا عن خزامى صبري المتحمِّسة لثورة الحداثة وقصيدة النثر؟

– كنتُ الناقدة الوحيدة، لكنني لم أكن الناقد الوحيد. كان هناك نقّاد محترَمون وبعضهم اشتُهر من خلال مقالاته النقدية في مجلّة «شعر»، أقدر أن أذكر لك ناقداً كبيراً هو- في الوقت نفسه- شاعر كبير. وقد عرّفنا نحن- المشرقيين- بشعراء عرب أفارقة كبار، وكان بالغ الكرم، لا يغفِل اسماً محتَرَماً، ويمكنك أن تراجعي أعداد مجلّة «شعر». إنه الشاعر أنسي الحاج. وبالطبع، لن أنسى الناقد الكبير والروائي والمترجم والشاعر جبرا إبراهيم جبرا، الذي أفدتُ منه كثيراً. كما أقدر أن أذكر لك الدكتور أسعد رزوق، في دراسته الشهيرة حول الشعراء التمّوزيّين، وأذكر- بكثير من الاعتزاز- الدكتور عادل ضاهر في دراسة شهيرة عن أدونيس، تتجاوز ما كتبتُه عنه. ولا يمكن أن أستقصي الآن جميع الأسماء. ربما يُذكَر اسمي، في بعض الأحيان، لأنني امرأة، وهو ما كان قليلاً أو نادراً،كما أنّ حكايتي وتغيير اسمي إلى خزامى صبري أحدث بعض الغموض.

صحيح أنني كنت حاضرة ومتابعة، وكانت مقالاتي جديدة في مقارباتها، مقروءة وذات تأثير، إذ ينبغي ألاّ تنسي أننا كنّا في معركة القصيدة الحديثة، وكنت أعتزّ عندما يقول قارىء مثقّف إنه اقتنع، تماماً، برؤيتي لقصيدة النثر، ولم يعُد معادياً لها. أريد أن أقول إنّ لي تاريخاً خاصّاً مع القراءة، بمعنى التأمُّل في النصّ وإعادة قراءته مرّات، ومساءلته، وهذا جزء من مسيرة حياتي الخاصّة.

لكنني لم أكن- رسميّاً- من جماعة «شعر». كانوا خمسة، ولم يكن مناسباً أن يكون بين هذا العدد القليل زوجان، علاوة على أن اسمي لم يكن يعني شيئاً قبل أن أكتب في المجلّة، وتُحدِث مقالاتي تأثيرها. وفي الحقيقة، لم تكن لي يومها أيّة ألقاب علمية أو أدبية. كنت قد حصلت على البكالوريا منذ وقت قصير، وأنهيت السنة الجامعية الأولى في دمشق، ثم تزوّجت وجئت إلى بيروت. 

اسم خزامى صبري ساعدني على التنكُّر في البداية، ثمّ جاءت قراءة القارىء وحكمه لدعمي.

في سؤالك الأوّل هذا مجموعة أسئلة. بدأت كتابة النقد مباشرة وبلا سابق تجربة. سمعني يوسف الخال في مناقشات مجلّة «شعر»، واقترح عليّ الكتابة. 

أريد القول، هنا، إنني في تلك المرحلة كنت أقرأ للشيخ عبدالله العلايلي، وهو- بالمناسبة- أكبر محلّل للنصّ الأدبي والنصّ اللّغوي، وأعدّه أستاذي الأوّل، قبل رولان بارت وقبل دريدا وغيرهما. إذا قرأ أو شرح نصّاً أضاءه من جهات لا تُحصَر، واكتشف فيه أبعاداً وأعماقاً، بل أقول إنه حين يكتب عن شاعر، يعيد اكتشافه؛ وهذا ما حصل في قراءته للمعرّي، مثلاً. ويصحّ هذا على ما يُعَدّ معجمه، وهو ليس بمعجم، بل موسوعة دلالية أنثروبولوجية، تعود بالمفردة إلى جذورها القديمة، من سريانية أو غيرها، وتتقصّى ما تلقّته من مؤثِّرات وما ترسَّب فيها من دلالات التعبير. ولهذا سمّى المعجم «موسوعة لغوية علمية فَنّية». وقد  أعادت نشره- مشكورةً- «منشورات دار الجديد». كلّ ما قرأته في النقد الفرنسي، خاصّة، وفي النقد الأميركي وفي النقد الإنجليزي، جاء بعد ذلك.

أمّا سؤالك عن حماستي لثورة الحداثة وقصيدة النثر، فهو سؤال ذهب عهده. اليوم، يعرف الجميع أن الشعريّة لا تقوم في الوزن أو أيّ شكل محدّد آخر؛ إنها تقوم في سحرية حركة اللّغة والمجاز، دون انفصال عمّا يُسمّى المضمون أو المعنى، بل لا وجود للمضمون قبل التعبير أو بدون التعبير؛ المضمون هو التعبير، والتعبير هو المضمون.

– مروحتك النقدية كانت واسعة حقّاً، فأنت كتبت عن معظم شعراء مجلّة «شعر» الذين بدوا مختلفين، بعضهم عن بعض: أدونيس، أنسي الحاج، محمد الماغوط، شوقي أبي شقرا، وسواهم. ما سرّ هذه الرؤية النقدية المنفتحة والمتعدِّدة المقاربات؟ كيف يمكن- مثلاً- الكتابة، بحماسة ووعي، عن شاعرين يختلفان كل  الاختلاف: أدونيس، وأنسي الحاج، لا سيّما في ديوان الأخير «لن»، حتى لتبدو دراستك عنه بين أهمّ ما كُتِب حتى الآن؟

– الآن، إذ أجيب عن أسئلتك، نتكلّم عن زمن مجلّة «شعر» وبدايات كتابتي للنقد. لم أكتب عمّا لا يعجبني أو يؤثّر فيّ. وما كان يؤثّر فيّ أو يدهشني لم يكن ينحصر في أسلوب. لا أعرف إن كانت مقالتي، أو مقالاتي، أهمّ ما كُتِب عن أنسي الحاج. لقد كُتِبَتْ حوله أطروحات لمثقَّفين، لهم قيمة أدبية كبيرة. 

نجاحي في النقد يعود إلى أنني كنت قارئة، أساساً، ومنذ صغري؛ ليس بمعنى أنني قرأت كتباً جميعها مهمّة أو تحليلية، فيمكنني أن أقول إنني قرأت المهمّ وغير المهمّ. عمليّة القراءة تمتلك- في حدّ ذاتها- سحراً. وأنا، بين الثامنة والحادية والعشرين، عشت، دائماً، في مدارس داخلية بعيدة عن بلدة الأسرة، فكانت القراءة نافذتي وطريقي للسفر والحياة.  

في مدرسة داخلية دمشقية قديمة جدّاً (مكتب عنبر)، مثلاً، جدرانها شديدة الارتفاع؛ بحيث لم نكن نرى من السماء إلّا رقعة محدودة، عشت بين عمر الثانية عشرة والسابعة عشرة (1944 ـ 1949). لم أكن أعبر الباب الموصل إلى الشارع والمدينة إلّا مرّتين في السنة، ولم يختلف الأمر كثيراً بين 1949 و 1952، في مدرسة لاحقة.

في ذلك الإطار، وذلك العمر، وماضيّ الغريب، كانت القراءة ملاذي، كانت وسيلتي لثقب الجدران. لكنّ الكتب التي حرص أبي على تزويدي بها بقيت، على تنوّعها وكثرتها وأهمّيّة عدد كبير منها- دون الكفاية. هكذا، كنت أقرأ الكتاب قراءة أولى سريعة للتنفّس وملء الوقت، ولا ألبث أن أواجه الفراغ، فأعود إلى كتاب مقروء، المرّة بعد المرّة. مع توالي القراءات، كان يتراجع بُعْد التشويق وجاذبية الموضوع، ويبدأ التأمّل واكتشاف النصّ اللّغوي وأسراره، حتى أصبحت هذه الإعادات والمساءلات نوعاً من اللعب، أو الإدمان. عام (1955 ـ 1956) جاءت مرحلة تالية صعبة، وكنت في الثالثة والعشرين. فاستعنت بذخيرتي من الكتب، واستأنفت دفاعاتي القديمة.

سحر القراءات المتكرّرة  وضعني أمام نصوص تضيئني، نصوص تتوالد، وتتفتّح، وتفتتح الآفاق، وتلتقي بخفايا المنابع الشخصية والمنابع الثّقافية للكاتب والقارئة. 

هكذا، وصلت إلى بيروت في أواخر ديسمبر/كانون الأول، 1956، جاهزةً لبدء مقالاتي في نقد الشعر. في محيط مجلّة «شعر» وجماعتها واجتماعاتها اكتشفت أضواء جديدة وآفاقاً للإبداع الشعريّ والتأمّل النقديّ، ثم جاءت دراساتي الجامعية بدءاً من عام 1963.

– كتبت الكثير عن أدونيس، الشاعر، والزوج، والرفيق. هل تشعرين بإحراج في الكتابة عن شخص هو شديد القرب منك؟ هل يمكن التفرقة بين الشاعر والشخص الذي هو القرين، قرين الحياة والروح؟

ـ حين أكتب لا أخاطب صاحب النصّ، ولا أتوجّه إليه؛ تدور العملية بيني وبين النّصّ. الكتابة عن نصّ نوعٌ من التملّك والتبنّي. ولا معنى لكتابتي النقدية إذا خنتُ نصّ المبدع؛ أي خنت نصّي النقديّ الخاصّ. نصّي هو خصوصيّتي وكلمة الشرف الموجّهة لنفسي وللقارىء في وقت واحد. نصّي هو كلمة الذّات الكاتبة وكلمة الشراكة بيني وبين الكاتب والقارىء. فأنا- أيضاً- قارئة مثله، والذي يقرأ النقد لا يفعل ذلك ليتسلّى أو يطرب؛ يقرأ من منطلق المعرفة والتجاوب والمساءلة والإضاءة، وحتى الهيام. 

ثم إننا (أنا وأيّ ناقد) لا نكتب لقارىء جاهل، بل لقارىء عارف، ما يحمِّل الناقد المسؤولية عن المعرفة التي يقدّمها. وهذا النوع من الغشّ، (أعني المُحاباة أو التَّحامُل) يخون الأطراف الثلاثة: القارئ، والكاتب، والشاعر، أو- على الأقلّ- الشعر. 

ثمّ، إذا كان أدونيس سيتدخّل أو يبدي أيّ ملاحظة على نقدي لفلان أو فلان، معنى ذلك أنني أفقد صدقيَّتي، بل أفقد صوتي ورؤيتي واستقلاليّتي ومبرّر كتابتي، ويكون الأفضل أن أكتب الدراسات النظرية حول الشعر، ولا محلّ، هنا، للكلام على أمر بديهيّ، هو عزّة نفس أدونيس وترفّعه. فنحن، هنا، في ميدان المعرفة والإبداع، واحترام هذا الإبداع وصاحبه، وصيانة صدقية العلاقة بين الناقد والمبدع، هما من الأولويّات. 

وبالمناسبة، أدونيس كتب عن شعراء، مثل يوسف الخال وأنسي الحاج وجورج شحادة والسياب وغيرهم، ولم يسأله أحد إن كنت أتدخّل فيما يكتب. هذا السؤال الاتّهامي يتضمّن حكماً مسبقاً بخضوع المرأة (حتى على المستوى الأدبي) للزوج، كما أنه حكم مسبق على الزوج بأنه لا يحتمل حتى الحرّيّة الفكرية لزوجته. ولستِ أوّل من طرح عليّ هذا السؤال. إنه سؤال مرفوض قطعاً، ويمسّ روعة العلاقة الإبداعية وتبادل الإضاءة بين الناقد والنصّ، كما يمسّ شخصية النّاقد.

– هل أخذت على شعر أدونيس الشاعر المكرّس عالمياً بضعة مآخذ نقدية؟ هل تناقشينه في هذه المآخذ؛ هو الذي يثق بك كلّ الثقة، ويعدّك سابقة إيّاه- كما أعرف- مراراً؟

– إنه «يعدّني سابقة»؛ تهذيباً، فهو رفيع التهذيب واللباقة.

أمّا عن المآخذ النقدية، فربّما أبديت ملاحظة كما يبديها أيّ صديق مخلص. ولكنني لا أمارس دوري كناقدة إلا كتابةً، كما أمارسه مع أيّ نصّ آخر؛ فكتابتي تحليلية وليست انتقادية. أنا لا أعلّم أحداً.

عندما ألقى أدونيس محاضرته الشهيرة، بعنوان «بيروت… هل هي مدينة حقّاً، أم أنّها مجرّد اسم تاريخي؟» في ملتقى «أشكال ألوان»، وأثارت جدلاً إعلامياً وآخر ثقافياً، ما كان رأيك بذلك؟ وهل وافقتهِ الرأي حينها، خصوصاً أنك تبدين مولعة ببيروت؟

ـ أدونيس- أيضاً- عاشق لبيروت، ولن أزايد عليه. وكان كلّما زار بيروت حزن للأوضاع التي ظلّت تتراجع منذ الحرب الأهلية التي لم تنتهِ عمقيّاً. أمّا تلك العبارة فكانت سوء تعبير عن الألم الشديد، لا قلّة محبّة وتقديس، بل كانت فرط محبّة. مع ذلك، حذّرتُه من أنّها لن تُحمَل على المقصود منها حقّاً، ولا يمكن أن تُفهَم بحسب غايته منها. هو أرادها صدمةً؛ فصدَمَت؛ كأنّما كان يقول: ماذا فعلتم ببيروت؟ لكن، بحسب صيغتها تلك، فُِهمت هجاءً لبيروت. وكان هناك من استغلّها وزاد في التّهويل، وبدل العتاب والتصحيح أُعلِنَت الحرب. لم يكن الزمن، يومذاك، كما هو اليوم. ربّما لو كانت قيلت اليوم (لكن ليس للكتّاب، بل للسياسيّين) لَما صدَمَت.

– يتميّز نقدك  بخصائص عدّة: علميّته، وطابعه الأكاديمي، وخلفيّته الثّقافية، و- أيضاً- لغته التي تبدو أقرب إلى اللّغة الإبداعية؛ وهذا ممّا يضفي على نصوصك النقدية متعة القراءة، التي نادراً ما نجدها لدى النقّاد العرب الأكاديميّين. ماذا عن سرّ الوجه الإبداعي لنقدك؟ هل تعتقدين أنك تخفين في ذاتك مبدعة شاعرة أم روائية لم تخرج إلى العلن؟

– في عائلتي شعراء. في عائلتي حبّ للشعر وللشعراء: أختي سنيّة صالح كانت شاعرة مُجيدة، وتزوّجت شاعراً مجيداً، وخالي كان شاعراً تقليديّاً، وابنة خالي أمل الشريف شاعرة كلاسيكية. والشعراء- أيضاً- عديدون بين إخوة أدونيس وأبناء إخوته و- أيضاً- والده وأخواله. والآن، هناك شاعرة مجيدة صاعدة هي ابنة أخيه، واسمها فرات إسبر، لكنني لا أرث هذه العائلة، وإن أحببتها. 

حبّي للشعر معروف؛ قرأت الشعر بانتظام منذ طفولتي، بل حاولت كتابة الشعر في عمر مبكّر جدّاً. ثم وجدت رسائلي وموضوعاتي في الإنشاء أجمل بكثير من تلك المحاولات، فتوقّفت. لعلّ ذلك الشوق أطلّ عبر النقد الذي أكتب، ثمّ إنّ حبّي للشعر وامتداد قراءته، على مدى خمسة وسبعين عاماً، وقراءة الدراسات حوله، قد ترك أثره، بلا ريب. ولا تنسي أنني لا أكتب عن شعر لا أحبّه.

– هل تفكِّرين في كتابة سيرتك الذاتية التي ستكون- إذا ما كتبتِها- سيرة شاملة لمرحلة ولمكان وزمن، لشخص ولجماعة؟ لماذا لا تكتبين هذه السيرة الذاتية؟

– ربّما أكتبها، إذا سمح الزمن بذلك.

– في كتابك «يوتوبيا المدينة» بدوتِ كأنك تكتبين سيرة لبيروت، مدينة الحداثة والثّقافة، مدينة التحرُّر والحرّيّة، مدينة التحوّلات والانفتاح… وبدت بيروت هي مدينتك بامتياز، وكتبت عنها أفضل ممّا كَتب عنها لبنانيون كثر. ما سرّ علاقتك ببيروت؟ هل يزعجك أن أقول عنك إنك لبنانية اكثر ممّا أنت سوريّة؟

– كيف يزعجني؟ بل هذا يشرّفني. أعرّف عن نفسي بأنني لبنانية من أصل سوري. ولا أنكر أصلي، بل أعتزّ به. وفي النهاية: مَن وضع هذه الحدود؟ ولأيّة اعتبارات وأهداف؟ وبمناسبة هذا السؤال أخبرك بأنني أضع، الآن، جزءاً ثانياً من كتاب «يوتوبيا المدينة المثقَّفة»، وإذا سمح العمر سأضع جزءاً ثالثاً.

– حتى كتابك القيّم عن المسرح اللبناني يكاد يكون الوحيد في تأريخ المسرح اللبناني الحديث، ونقده، وتحليله، وبدوت فيه قريبة كلّ القرب من الحركة المسرحية. لماذا اخترت المسرح اللبناني؟ هل تعتقدين أنه كان في طليعة الحركة المسرحية العربية؟

– كنت، منذ ستينيات القرن العشرين، أتابع المرحلة الحديثة في المسرح اللبناني. وفي السبعينيات بدأت أكتب عن أقطاب فيها، بل كنت أُعدّ كتاباً حول المسرح، عندما كلّفتني لجنة مهرجانات بعلبك الدوليّة، بشخص السيدة الراحلة سعاد نجار، كتابة بحث حول المسرح الذي رَعَتْه، وما كان يمكن أن أقصر البحث حول مسرح المهرجانات وحده. هكذا، شملت الدراسة كل ما عُرِف بالمسرح الحديث. وصدر الكتاب الآخر، بعد ذلك، عن دار الآداب، بعنوان «الاستعارة الكبرى»، ليتناول مراحل سابقة.

– خالدة السعيد من النقّاد القلائل الذين رافقوا أجيال الشعر العربي الجديد والراهن، وكتبت عن شعراء شباب، غالباً ما يقصّر النقد الشعري عن مرافقتهم. كيف ترين، الآن، المشهد الشعري العربي الراهن في ابتعاده عن منابر الشعر الريادي وبنائه أفقاً متفرّداً بلغته وأدواته الشعرية؟

– لا أحبّ أن أتكلّم حول موضوع بالغ الأهمّيّة، بينما أنا عاجزة عن متابعته. إنني، الآن، متفرِّغة، تماماً، لإصدار ما تجمّع من كتاباتي. لكن الشعر يبقى ما بقي الإنسان. ولا بدّ من أن نثق بالشبّان، ولا تنسي أفواج الشاعرات الشابّات اللواتي سيحملن إلى عالم الشعر أنفاساً جديدة وذروات جديدة، كما أرجو.

– فضلتِ- بوصفك ناقدة- ألّا تدخلي في سياق النقد النسوي أو الـ «feminism»،  على خلاف ناقدات كثيرات. كيف تنظرين إلى المدرسة النسوية في النقد؟ ولماذا لم تكتبي في هذا الميدان؟

– اعذريني لأنني لا أعرف شيئاً اسمه (المدرسة النّسوية في النقد)، ولا أعرف كيف يكون النقد نسويّاً أو ذكوريّاً. كبيرات النّاقدات العربيات، و- الأحرى- كبيرات النقد العربي عالمات في النقد وقراءة النصّ، وهنّ حاضرات: من لبنان وسورية ومصر والعراق وفلسطين والأردن وبلدان المغرب العربي. 

– في كتابك «في البدء كان المثنّى» تقدِّمين مقاربة فريدة، عمادها فكرة «المثنّى» في الأدب والثّقافة. ما كان الحافز الذي دفعك إلى معالجة هذه القضية؟

– «المثنّى» ليس فكرة، بل طبيعة وواقع. وبكلمة المثنّى قصدت التوحيد بين الرجال والنساء. إنه الإنسان الواحد، بجنسَيْه، كما خلقه الله: بلطفٍ واحد، وحكمة واحدة، في لحظة واحدة، كنوع واحد وتكوين متكامل، وليس كائناً بمستويَيْن أو رتبتَيْن أو درجتَيْن أو فصيلتَيْن.

– لو سألتك لأي شاعر تقرئين باستمرار؟ فهل يكون أدونيس؟

– قرأت لكثيرين، طبعاً: قرأت لأدونيس، وهناك مَن قرأت لهم ولم يُتِح لي الزمن أن أكتب عنهم، والبركة في الناقدات والنقّاد الحاليّين والقادمين. الآن، أتفرغ لإنهاء كتاباتي قبل أن يفاجئني الحَين.