البطيئون في مواجهة الحداثة

البطء ليس نقصاً في السرعة، بل هو أعلى درجات المُقاومة ضدّ عالَم محموم يسعى إلى حشد الرجال في سباق لا نهاية له من أجل التسارُع. كتاب «الرجال البطيئون: في مواجهة الحداثة»، Flammarion ،2020 ، يكمل بشكلٍ جيِّد العملَ الذي ركَّز على التسارُع أو السرعة، وينقل تركيزنا من أوروبا إلى المُحيط الأطلسيّ، كما يحيلنا بشكلٍ مبسَّط على تاريخٍ طويل من الصراع الاجتماعيّ في حدود مئتي صفحة فقط. كما يكشف أخيراً براعة «الرجال البطيئون» في التصدِّي للتمييز الزمنيّ للحداثة.

تلخِّص لوحة «المطر، والبخار والسرعة» التي رسمها «تيرنر» عام 1844 موضوع الكتاب الأخير لـ«لوران فيدال»، المُؤرِّخ المُتخصّص في حركة المرور عبر المُحيط الأطلسيّ والمدن البرازيليّة. الصورة معبِّرة: على جسر يمتدُّ عبر نهر، تتقدَّم قاطرة قويّة وسط خلفيّة ضبابية لتفرض حركتها على المشاهد. على الجانبين في الأسفل، بالكاد يبرز بعض الأفراد، وكأن سرعة الآلة قذفت بهم جانباً، على قارب صغير، يرقصون أو ينقلون الحيوانات إلى الشاطئ. عندها يلاحظ المُؤلِّف التناقض: «فوق جسر السكك الحديديّة، المُهيمن والرائع، ينتصر العصر الجديد بالفعل، متجاهلاً أولئك الذين لا يستطيعون التكيُّف مع الإيقاع الذي يفرضه».

هؤلاء المُهملون أو المُتخلِّفون عن الإيقاع الحديث للحياة هُم الرجال البطيئون الذين يستعرض تاريخهم «لوران فيدال» بشكلٍ مبسَّط في هذا الكتاب. باعتماد اللوحات والأعمال الفلسفيّة والقصائد، يقودنا إلى فهم ظاهرة البطء عبر التاريخ وكيف تحوَّلت إلى صفةٍ اجتماعيّة مميَّزة، تُنسب إلى شخصيّات مختلفة من العصور الوسطى حتى يومنا هذا: «الهندي الكسول» والأسود «المُتراخي»، والعامل «الباهت»، و«الكسول» أو «الغافل»، المنفيّ المُعاصِر، إلخ. ويشرح المُؤلِّف التطوُّرات الدلاليّة لهذه الصفات المُتعدِّدة التي تحوم حول المُصطلح المركزيّ للبطء. واختار كلماته بعناية ووضوح بعيداً عن العبارات الطنانة، لكنها لا تخلو من بُعدٍ سياسيّ واضح («في مواجهة الخطاب السائد؛ خطاب تمجيد الكفاءة والسرعة»). وبالتالي، جاء العمل امتداداً لحركة هؤلاء الرجال البطيئين الذين تصدّوا لوتيرة الأزمنة المُعاصِرة التي لا ترحم من خلال تغيير الإيقاع، وإبطاء وتيرة العمل بالمصنع، أو تجربة موسيقى جديدة، أو شغل الوقت الميِّت في «مناطق الانتظار»، وهي عادةً أرصفة المدن الساحليّة الأطلسيّة.

تاريخ من التمييز ضدّ البطيئين

في مقدِّمة كتابه، استلهم «لوران فيدال» أفكاره من الجغرافيّ البرازيليّ «ميلتون سانتوس» والشاعر «إيمي سيزير» لكشف مغالطات فكرة «عدم التناسق البديهيّ بين البطيئين والعَالَم الحديث». وقد خصَّص الفصل الأوّل لاستعراض أوجه هذا الاختلال، بدءاً من بيان أصل المُصطلح اللاتينيّ «lentus»: في الأصل يعني شكلاً ناعماً ومرناً، في عالَم النبات، ثمَّ انطلاقاً من القرن السادس عشر اقتصر معناه على الإشارة لقيمة زمنيّة. ومنذ القرن الثالث عشر، ربط اللاهوتيّون أمثال الدومينيكانيّ «غيوم بيرود»، خطيئة التلاشي بالكسل والبطء. وإلى جانب محاربة الدين للكسالى الآثمين يضاف الهاجس التجاريّ في علاقته بالسرعة ضمن المجال الاقتصاديّ.

وهكذا ظهرت أوّل شخصيّة اجتماعيّة «للرجل البطيء»، وقد تجسَّدت بشكلٍ مثالي، لدى الأوروبيّين في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، في هذا «الهنديّ الكسول» في العَالَم الجديد. لكن الرجل البطيء يمكن أن يكون أيضاً من الأوروبيّين والبيض، على غرار «رجال لندن البطيئين»، الأبطال غير السعداء في أغنية إنجليزيّة شهيرة تسخر من عدم استيعاب الوافدين الجدد لقوانين العاصمة. وفي كلّ الحالات، بدءاً من القرن الثامن عشر وما بعده، اكتملت كلّ العوامل التي شكَّلت فكرة اجتماعيّة ترى بأن «البطء في جميع أشكاله عقبة أمام تطوُّر المُجتمع».

وفي الفصل الثاني من الكتاب عودة على السرعة غير المسبوقة للبخار وتطبيقاته الصناعيّة التي تغذِّي «حرباً على البطء». فرضت الآلات وتكاثر السّاعات بجميع أنواعها نظاماً زمنيّاً جديداً على العُمَّال. منذ نهاية القرن الثامن عشر، كان مصطلح «بطيء» و«بطيئة» وصماً للعُمَّال البطيئين للغاية. وبعد قرن من الزمان، أصبحت عبارة «الرجل الغافل» ملتصقة بالرجال غير المُناسبين للعمل الصناعيّ. الهنود الأميركيّون والسود المُستعمرون متهمّون أيضاً بـ «التراخي»، ولذلك استبعدوا إلى أسفل التسلسل الهرميّ الاجتماعيّ والعرقيّ الذي يعتمد بشكلٍ خاصّ على السرعة التي مجَّدها «جورج سيميل» و«فيليبو مارينيتي» و«مارسيل بروست». وفي فرضيّة جريئة تستحق التوضيح بشكلٍ أفضل، يرى «لوران فيدال» أن وضع عدد معيَّن من غير المرغوب فيهم اجتماعيّاً من قِبل النظام النازيّ «رهن الاعتقال» يعتبر «تتويجاً لهذا الحبس المجازيّ والتمييزيّ الذي يحشر فيه كلُّ مَنْ كانت حركاته في العمل ونمط حياته غير متكيِّفة مع المعايير الإيقاعيّة الجديدة للمُجتمع».

القوة التخريبيّة لتغييرات الإيقاع

الفصل الثالث اختار له الكاتِب، بشكلٍ متناسق، عنوان «الارتجال». هذا الإيجاز يعكس بشكلٍ مباشر الانقطاعات في إيقاع «الرجال البطيئين»، انقطاعات «يمكن أن يصبح استخدامها غير المُتوقَّع وغير المُخطَّط له أداةً لمُعارضة استبعاد البطيئين». وفي الفصل الرابع، تتخذ هذه التمزُّقات والانقطاعات أشكالاً مختلفة. من القرن الثامن عشر فصاعداً، على سبيل المثال، عمد العبيد إلى تخفيض وتيرة العمل في المزارع في كلٍّ من الولايات المُتحدة والبرازيل. وقام العُمَّال الأسكتلنديّون بالشيء نفسه في نهاية القرن التاسع عشر للحصول على زيادة في أجورهم. كذلك أطلقوا حركة الـ«Go Canny» («تحرك ببطء»). لكن في بعض الأحيان هناك تحويل متعمَّد لمعنى بعض المُصطلحات التحقيريّة، على غرار كتاب «بول لافارج» «الحق في الكسل» (1880) أو «روبرت لويس ستيفنسون» «اعتذار الخاملين» (1877).

لكن المُدن الساحليّة في المُحيط الأطلسيّ و«ريو دي جانيرو» و«نيو أورليانز» في المُقدِّمة، وسكّانها من العُمَّال ذوي المهارات المُتدنيّة، الحمَّالون، هو ما يُثير اهتمام «لوران فيدال» بالأساس. يتكوَّن هؤلاء السكّان من نازحين سود وأوروبيّين وعبيد سابقين ومهاجرين، وهم يتناوبون بين النشاط المحموم وأوقات الراحة. كما أنهم يتردَّدون على «هونكي تونكس»، حيث يتمُّ اختراع موسيقى الراغتايم والكريوليوس والمُوسيقى الكريهة، والعديد من الأشكال الثقافيّة، الماديّة والحسيّة، التي تتصوَّر «فرضيّة لعلاقة أخرى بالزمن، ليس الزمن السّائد، بل الزمن المُحرِّر».

ولئن سعى المُؤلِّف إلى التمييز بين شخصيّات مختلفة من «الرجال البطيئين» في التاريخ، فقد طرح، قبل صياغة استنتاجه، سؤالاً أساسيّاً: «ماذا لو كانت فئة الرجال البطيئين هي التي تشكِّل هياكل المُجتمعات البشريّة بحدِّ ذاتها بدل أن تكون نتاج سياقات معيَّنة؟».. إن الأمثلة العديدة على التصنيف الاجتماعيّ بين السريعين والبطيئين، خاصّة بين قبائل السكّان الأصليّين الأستراليّين التي درسها عالِم الأنثروبولوجيا كارل جورج فون برودينشتاين، تشير إلى هذه الفكرة. ومع ذلك، يسارع «لوران فيدال» إلى تجاوز المُواجهة بين الظرفيّة والهيكليّة: «إذا بدا وصف أفراد معينين بالبطيئين عادة ثابتة (نجدها في ثقافاتٍ مختلفة وفي أوقاتٍ مختلفة) ، فقد تحوَّلت (في العَالَم الغربيّ على الأَقلّ) لتصبح من خلال تطوُّرها الزمنيّ […] شكلاً من أشكال التمييز الاجتماعيّ».

ماذا عن المرأة البطيئة؟

يرسم «لوران فيدال» ملامح الشخصيّات المُعاصِرة للرجال البطيئين، والمنفيّين وأصحاب السترات الصفراء، من الرجال والنساء. لكن لماذا لم نتحدَّث عن النساء من قبل؟ بالنسبة للمُؤلِّف، «الخطابات المُتعلِّقة بالعمل موجَّهة للرجال بشكلٍ أساسيّ». ولكن المُفارقة أن المرأة لم تكن غائبة عن العمل بأجر، حتى في الصناعة. وبتركيزه على العمل بأجر في المناطق الحضريّة، يتجاهل المُؤلِّف جميع الفروق الدقيقة للعمل في العصر الحديث، حيث تحتلُّ المرأة مكانةً مركزية في الحقول أو في الورش المنزليّة. ورغم استبعادها من معظم الشركات، تمارس المرأة التجارة بحرّيّة إلى حدٍّ ما، لا سيما في الأنشطة التجاريّة الصغيرة والكبيرة، وحتى في الأعمال التجاريّة الخاصّة في بعض الأحيان. لذلك، لا نرى أنه كان من المُمكن أن تفلت المرأة من أوامر السرعة أو وصمهن بالبطيئات على غرار الرجال. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الاتهام بالكسل، الذي يظهره «لوران فيدال» بوضوح في التسلسل الهرميّ الاجتماعيّ والعرقيّ، يغذِّي أيضاً التسلسلات الهرميّة الجنسانيّة في الأماكن العامّة والمنزليّة. في عام 1531، حصل رجل قتل زوجته على عفوٍ ملكيّ بعد إدانته لحالة الخمول والكسل التي كانت عليها في المنزل! باختصار، كان هناك تمييزٌ وهميٌّ حول النساء البطيئات، الضعيفات، الكسولات… وقد خصّص له حيّزاً في هذا الكتاب.

تشبيه أدبيّ أم علاقة سببيّة؟

أخيراً، هناك مسألة أثارها استخدام القياس في الكتابة، ولا نعرف دائماً ما إذا كانت استحضاراً أدبيّاً أو عرضاً علميّاً. يعتقد «لوران فيدال»، على سبيل المثال، أن الإغماء المُوسيقيّ، الذي يُعرَّف على أنه تحوُّل سريع من الإيقاعات الضعيفة إلى إيقاعات قويّة، يميِّز جزئياً المُوسيقى التي تمَّ اختراعها في «هونكي تونكس» لمدن الموانئ الأطلسيّة: «هناك تشابه واضح بين وضع الرجال البطيئين في مجتمع «نيو أورليانز» أو «ريو دي جانيرو»: هؤلاء المُستبعَدون والمُهمَّشون يمنحون أنفسهم، من خلال الاستخدام الخفي للإغماء المُوسيقيّ، قوة تسمح لهم بإحباط الزمنيّة الجديدة التي تدَّعي التحكُّم فيهم، جسديّاً وروحيّاً».

ماذا نفعل بهذا التشابه بين السيرورة المُوسيقيّة للإغماء ومواقف الحمَّالين فيما يتعلَّق بالأزمنة المُهيمنة، وخاصّة لعُمَّال الموانئ؟ هل نستنتج أن الخصائص الزمنيّة لهذه المُوسيقى يجب أن تفسَّر على أنها علامات مقاومة لهذه الفترات الزمنيّة؟ فرضية غير مستبعدَة، لكن الدليل غير كافٍ. ربّما نكون هنا ضمن الحدود المُتأصِّلة لمُمارسة المقالة في التاريخ، حيث تترك الكتابة، التي تبتعد قليلاً عن الشكُّل الرسميّ مقارنة مع المقالة العلميّة، مساحة أكبر للتفسير.

لكن هذا التحفُّظ لا يجعلنا نشكّك في الفائدة العلميّة لكتاب «الرجال البطيئون: في مواجهة الحداثة». إنه يكمل بشكلٍ جيِّد العمل الذي ركَّز على التسارع أو السرعة، وينقل تركيزنا من أوروبا إلى المُحيط الأطلسيّ، كما يحيلنا بشكلٍ مبسَّط على تاريخ طويل من الصراع الاجتماعيّ في حدود مئتي صفحة فقط. وبعيداً عن الحدود المُوضَّحة أعلاه، كشفت كتابات «لوران فيدال» عن براعة «الرجال البطيئون» في التصدِّي للتمييز الزمنيّ للحداثة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كوم سوشيير

المصدر:

https://laviedesidees.fr/Vidal-Les-hommes-lents.html

نقَّاد يوتيوب.. «صديق الأفلام» المُتهم بإفساد النقد السينمائيّ

منذ أيام ظهر المُخرج «مارتن سكورسيزي» بمقالٍ يتناول أوضاع السينما في عصر المنصَّات الإلكترونيّة، أبدى فيه استياءه من عبارة «محتوى» التي صارت تتردَّد بكثرة في وصف الأفلام والمُسلسلات التي تبثها المنصَّات، بكلِّ ما تحمله الكلمة من هلاميّة.

والحقيقة أن استخدام العبارة تجاوز ما يغضب «سكورسيزي»، فباتت تشمل أي منتج ترفيهي صوت-مرئي، شركات الإنتاج تبحث عن محتوى للبث، والجمهور يبحث عن محتوى لملء ساعات الفراغ، ومواقع التواصل تكافئ صُنَّاع «المُحتوى»، ومن ضمنهم مدوِّنو الفيديو ونقَّاد (اليوتيوب) أصحاب المُراجعات النقديّة المُصوّرة للأفلام. المُحتوى هو عملة العصر إذن، لدرجة أنه باتت هناك مهنةٌ تسمَّى «صانع محتوى».

أحياناً أفكِّر فيما كنَّا نقدِّمه ونستهلكه قبل ظهور مفهوم المُحتوى، وأخرج بأنه على الأرجح كان «محتوى» أيضاً مع الفارق أنه لم يكن بغرض الملء!

كلُّ شيءٍ يتغيَّر في عالَم الأفلام والترفيه المرئي، شكل السوق، أقطاب الإنتاج، وسائط المُشاهدة. الجمهور نفسه يتغيَّر. فلا عجب من تغيُّر شكل النقد الفنّيّ والسينمائيّ.

«نقَّاد يوتيوب»: شبَّان من نفس عُمر الجمهور يقفون أمام كاميراتهم المنزليّة ليتحدَّثوا عن آخر ما شاهدوه أو قرأوه أو سمعوه ويشاركوا تلك المقاطع على موقع «YouTube»، يفعلونها بطبيعيّة، الناجح منهم يتمتَّع بحدٍّ أدنى من القبول وخفَّة الظلّ والطلاقة. سلاحهم الجرأة والتحرُّر من الحواجز القديمة بين الكاتِب والقارئ، فلا رقابة، ولا محرِّرين ومدقِّقين، ولا توازنات، ولا نحو ولا صرف، ولا معيار .. وفي أحيانٍ لا نَصّ.

أعطت مواقع التواصل الاجتماعيّ صوتاً حُراً للجميع، ديموقراطيّة في التعبير وديموقراطيّة في جني المكاسب الماديّة عن طريق الإعلانات التجاريّة التي تتخلَّل مقاطعهم، فصانع المُحتوى/ناقد «اليوتيوب» لا يربح بمرتَّب مضمون ينفقه ربّ العمل، بل يربح مباشرةً عبر مستهلكي محتواه، ضغطة منك على مقطع بعينه بمثابة توجيه من المُعلنين أو الرعاة للدفع لصاحب المقطع.

عملية تبدو أكثر عدالة وشفافية في توزيع العوائد، وقد تكون حافزاً لصانع المُحتوى بالاجتهاد، لأنه لن يأكل إلّا من حصيلة إنتاجه الفعليّة. لكن الخطورة تكمن في أن الحصيلة التي يبحث عنها صانع المُحتوى تتمثَّل في أرقام مشاهدات، أرقام معبِّرة عن حجم تأثيره والطلب عليه. إغواء الأرقام لن ينال من قِلّة تؤمن بما تفعله، لكن الغالبية ستدفعها الأرقام للسعي وراء زيادتها، وبالتالي سيكون عليهم تقديم مزيد من المُحتوى، حتى لو انتهى أحدهم من مراجعة كلّ الأفلام تجده يبدأ في مراجعة إعلانات الأفلام ثمَّ ملصقاتها الدعائيّة، كلّ ذلك بغرض جذب مزيد من المُتابعين وهو حقٌّ مشروع، لكن التجميع اللاانتقائيّ للمتابعين يزيد من الضغوطات عليه لإرضاء الجميع، فتتآكل الحرّيّة شيئاً فشيئاً ويفقد صانع المُحتوى أهمّ مزاياه.

كثير من نقَّاد «اليوتيوب» اعترفوا بأنهم جرَّبوا ممارسة النقد المكتوب، لكن اتَّجهوا بعدها للنقد المُصوَّر، لأنهم لم يجدوا أصواتهم في الكتابة، ولم تلقَ كتاباتهم رواجاً. ولا ننسى أن المساحات النقديّة التي تمنحها الصحف والمجلّات المطبوعة أصبحت في نقصانٍ مستمر، مع قِلّة مَنْ يفضِّلون القراءة على المُشاهَدة بصفةٍ عامّة، وهي من أسباب تشكّل تلك الظاهرة.

من ناحيةٍ أخرى، فلا شكّ أن طريقة الإلقاء عبر اللُّغات العامّية أسهل، وتدعمها وسائل مساعدة مثل التمثيل والانفعالات والإيماءات ولغة الجسد. أي أنها موهبة خاصّة بمعزل عن موهبة الكتابة وثقل الثقافة السينمائيّة.

من حينٍ لآخر، يحاول بعض النُقَّاد التقليديّين ركوب حافلة الحداثة وتأسيس قنواتهم الخاصّة على «يوتيوب»، لكن رغم خبراتهم وتفوُّقهم الثقافيّ لم يستطيعوا مجاراة السكّان الأصليّين لـ«اليوتيوب»، أبرز مثال على ذلك ناقد صحيفة الغارديان اللامع «بيتر برادشو» مؤلِّف كتاب «الأفلام التي صنعتني»، والذي اتّجه مؤخَّراً لتقديم بعض مراجعاته بالطريقة المُصوَّرة، لكنها لم تلقَ الإقبال المُناسب، مراجعته للجزء الثاني من فيلم «Wonder Woman» حقَّقت حوالي 500 مشاهدة، أما ما حقَّقته مراجعة «كريس ستاكمان»، أحد نجوم النقد على «يوتيوب»، لنفس الفيلم فتجاوزت المليون و800 ألف مشاهدة. رغم تفاوت القيمة والخبرة بين النَّاقِدَيْن.

جزءٌ كبيرٌ من نقَّاد «اليوتيوب» لهم خلفيّات مع مهن العروض والإلقاء، ممثِّلون وكوميديانات لم يجدوا الفرصة، مدرِّسون أو إعلاميّون ناشئون …إلخ، وهو ما يمنحهم التفوُّق كمُقدِّمي عروض مرئية قبل أن يكونوا محلِّلين جادين للأفلام.

ولنعطيه حقَّه، وسيط الفيديو أكثر صلةً بفَنّ السينما مقارنةً بالتدوين النثريّ، حيث يُمكِّن صانعه من الاستعانة بمواد صوتيّة وبصريّة ملائِمة للموضوع ومصاحِبة له بشكلٍ يجعل المُراجعة النقديّة أكثر تكاملاً.

لكن عدد محدود من نقَّاد «اليوتيوب» مَنْ أحسنوا استغلال تلك الإمكانيات، على رأسهم قناة بعنوان «Every Frame A Painting»، كانت تقدِّم النموذج الأمثل للمقالة المُصوَّرة، وتعمَّقت في تفاصيل وتاريخ فنّ السينما فاهتمَّت بإبراز لغة الصورة وشرح وظيفة كلّ حرفة سينمائيّة من المُونتاج للتكوين للصوت، وقدَّمت مراجعات لعددٍ من الأفلام بطرحٍ متعمِّق، لكنها توقَّفت عن العمل منذ سنوات مصيرها مثل القنوات التي تسلك الطريقة الجادة في استغلال هذا الوسيط النقديّ، فالجهدُ الذي تتطلَّبه صناعة مقطع واحد بالمعايير الصحيحة أكبر ممّا يظن كثيرون، المادة تحتاج لإنتاج وتجميع ومونتاج وتعليق وهندسة صوتيّة وتفكير بمرجعيّة بصريّة، وقبل كلّ ذلك تسويات مع شركات الأفلام المالِكة لحقوق المواد المعروضة.

عملية شاقة أكبر من قدرات المُتطوِّعين مهما كان العائد، لدرجة تدفع بالآخرين لطريق الاستسهال، فتصير مع الوقت مراجعاتهم مجرَّد وصلة من الكلام، انطباعات عن الأفلام أغلبها سطحي، كثير من النعوت على طريقة «… القصّة جيّدة لكن التمثيل سيئ..»، خوف من التعمُّق في أي تفاصيل فكريّة أو حرفيّة عن موضوع العمل، لأن هذا قد يعرِّض أحداث القصّة للحرق، أو لأن الناقد لا يتمتَّع بحصيلة ثقافيّة ومعرفيّة كافية تسمح له بتقديم مزيد من الإضاءات.

من هنا يصبح الهدف الأول للمُراجعة هو ترشيح الفيلم للمُشاهدة أو عدم ترشيحه، تلك واحدة من الوظائف الكلاسيكيّة للناقد، لكنها ليست الوظيفة الأهمّ أو الوحيدة.

 

روجر ايبرت وجين سيسكل

الراحل «روجر إيبرت»، وهو أحد نقَّاد السينما المُخضرمين، سبق أن كتب: «وظيفة الناقد أن يشجِّع الحاسة النقديّة لدى قرَّائه، يعرِّفهم بأحدث تطوُّرات الفَنّ، يهتمُّ بالمشهد المحليّ، يتجاوز اهتمامات المُعجبين بفنَّانين وأفلام بعينها، يستشعر الظواهر الاجتماعيّة، يستحضر السياقات الأشمل للأعمال الفنِّيّة، يُعلِّم، يُخبر، يُسلِّي، ويُلهم».

المُفارقة أن معظم مَنْ نتحدَّث عنهم ليسوا لاهثين خلف رتبة «الناقد» التي يمنحها «إيبرت»، على العكس، يتنصَّلون من الكلمة في كلِّ مناسبة، وهي وسيلة ماكرة للتحرُّر من أي إلزامات يفرضها حرَّاس المهنة القدامى، لذا تنوَّعت إجاباتهم عن سؤال: هل تعتبر نفسك ناقداً؟ يقول «كريس ستاكمان»: «على الورق أُعتبر ناقداً، لأنني أتحدَّث بشكلٍ نقديّ عن الأفلام، لكن حلمي أن أُقدِّم نفسي كعاشق للأفلام». وتقول «هايزل هايز»: «لا أعرف إنْ كنت سأطلق على نفسي ناقدة، لكنني بالأحرى متفرِّجة نشطة». وتقول «أليشيا كوين»: «لم أدَّعِ يوماً أنني خبيرة سينمائيّة، أو محلِّلة للأفلام. التقييمات التي أعطيها مبنيَّة على شعوري تجاه الأفلام».

النقدُ المُصوَّر له إرهاصات وتاريخ قبل «اليوتيوب»، ويرجع تأسيسه في الأغلب لـ«روجر إيبرت» نفسه، فبالتوازي مع كتاباته لصحيفة «شيكاغو صن تايمز» منذ ستينيّات القرن الماضي، بدأ ظهوره في منتصف السبعينيّات على القنوات التليفزيونيّة مع زميله «جين سيسكل»، حيث قدَّما برامج تناقش وتحلِّل الأفلام مثل «Sneak Previews» على قناة «PBS»، وبرنامج «At The Movies» على شبكة قنوات «ABC».

ورغم الشعبيّة الكبيرة التي حقَّقتها تلك البرامج، تظلّ كتابات «إيبرت» الصحافيّة وما نُشر في كتبه هو المرجع الذي يذهب له دارسو السينما والسينيفيل وصُنَّاع الأفلام. شئنا أو أبينا لازالت الكلمة المطبوعة أسهل في الأرشفة وأنسب لمرجعيّة الأبحاث، مقارنة بساعاتٍ متلفزة أكثر تعرُّضاً للتلف عبر الزمن وأصعب في التنقيب بداخلها بالنسبة للباحثين.

نفس الظاهرة موجودة بالنقد السينمائيّ العربيّ، فحين ترغب في معرفة ما كُتب عن فيلم منذ ثلاثة عقود، الأرجح أنك ستراجع كتابات سامي السلاموني أو إبراهيم العريس أو سمير فريد، لكن من الصعب أن تعرف ما قاله يوسف شريف رزق الله مثلاً، رغم كونه الناقد المصريّ الأكثر شهرة ونجوميّة بين أقرانه لظهوره المُكثَّف على القنوات التليفزيونيّة وصناعتها وإعدادها، لا أحد يعرف مصير تلك الساعات التي سجَّلها أو يستطيع الاطلاع عليها بسهولة.

ليس الزمن وحده ما يقف في صف النقد المكتوب، شركات الإنتاج أيضاً مازالت لا تعترف إلّا بالنقد المكتوب، والدليل أنها تستعين بجُمل وفقرات مأثورة من المُراجعات المكتوبة لتعيد طبعها على ملصقات الأفلام الدعائيّة. ببساطة الجملة المنثورة بتركيب بلاغي وتنظيم لغويّ لازالت الوسيلة المُفضَّلة للتواتر، مقارنةً بالإيماءة ولغة الجسد!

الحديث عن الأفلام له ألف شكل وغاية، وهو في العادة مُسلٍ ومثير للفضول. من الجميل معرفة مَنْ يشاركون تفضيلاتك حتى لو لم يضيفوا شيئاً لثقافتك السينمائيّة. ربَّما التوصيف الأقرب لنُقَّاد «اليوتيوب» هو توصيف «أصدقاء الأفلام»، أولئك الذين تفضِّل الذهاب للسينمات بصحبتهم تحديداً، وما أن تُضاء الأنوار بعد نهاية الفيلم يبدأ النقاش الحماسيّ حول ما شاهدتموه، والفرحة الصبيانيّة بأنّ ملاحظاتكم واحدة، وتفضيلاتكم واحدة. لنتجاهل فقط أنهم صاروا الآن أصدقاء بالأجر وتتخلَّل مناقشاتكم بعض إعلانات الرعاة.

ديفيد فينشر.. الأفلام على طريقة بيكاسو

منذ فيلمه «Gone Girl»، غاب، «ديفيد فينشر» عن السينما لمدّة ستّ سنوات، بدت كالدهر. ستّ سنوات، صنع خلالها «فينشر» عدّة مسلسلات، لكنه توقَّف، عمليّاً، عن كونه صانع أفلام. وحتى عودته، مؤخَّراً، بفيلم «Mank»، كانت بفضل «نتفليكس»، مع عرض الفيلم، بالتوازي، في دور السينما، وبذلك عاد «فينشر» لصناعة الأفلام، بموضوع يمنحه فرصة جديدة ليتناول علاقته بصناعة السينما، والصراع الأزلي فيها بين ما يُكتَب في نصوص السيناريو وما يتمّ تصويره فعلاً.

إنها محاورة شاملة مع عملاق الإخراج، ومُخرج التحدِّيات، وسكّين الجيش السويسري في «هوليوود»، وسبّاك الطوارئ، والخطّ الساخن على مدار (24) ساعة، والدواء الشافي لجميع الوعكات. إنه مخرج كبير، لكنه، أيضاً، وقبل كلّ شيء، أكبر محترف في السينما الأميركية اليوم، ليس اليوم، فقط، بل الأمس، وحتى قبل ذلك.

اختفى «فينشر» من الشاشة (الكبيرة) بعد «Gone Girl» عام (2014)، بعد أن أطلق «House of Cards»، المسلسل الذي وضع «نتفليكس» على خريطة منصّات البثّ، ثم وجدناه مخرجاً ومشرفاً فنِّيّاً لعدة حلقات من «Mindhunter»، ومنتجاً تنفيذيّاً لسلسلة الرسوم المتحركة والخيال العلمي «Love, Death & Robots». قال عنه صديقه المخرج «ستيفن سودربيرغ» في أحد أعمدة هذه المجلّة، قبل عامين: «ديفيد لم يعمل بجدّ، أبداً، في السابق. لقد اعتاد أن يأخذ فترات راحة طويلة بين مشاريعه، لكنه الآن يعمل بجد أكثر، ففي «Mindhunter» أعطى %2000 من طاقته، على جميع مستويات الإنتاج، وانغمس، تماماً، في العمل»، وهو محقّ بشأن الانغماس، لكنه كان انغماساً في جزيرة المسلسلات، بعيداً عن شواطئ السينما. منفى طوعيّ يكشف عن توعُّك وخيبة أمل في نظام الاستوديو، بطفرته الحديثة.

لا يمكن فصل فيلم «مانك» عن هذا السياق، تحديداً، بل لا ينبغي ذلك، وهو الفيلم المبني على كواليس صناعة الفيلم الكلاسيكي «المواطن كين» (1941)، للمخرج «أورسون ويلز»، الذي ظلّ، لوقت طويل، يصنَّف باعتباره «فيلم الأفلام»، وبالاستناد إلى سيناريو بتوقيع والده الراحل «جاك فينشر»، الصحافي السابق وعاشق الأفلام، حيث يقدِّم «مانك» إعادة نظر حول «هوليوود الماضي» بدقّة، وبطريقة مفتونة مثلما فعلها «كوينتن تارانتينو» في فيلمه الأخير حول المشهد السينمائي في عام (1969)، أو مثلما فعلها «ألفونسو كوارون» مع أحياء المكسيك، حيث نشأ.

في «مانك»، يضع «فينشر» نفسه في خطر، حيث تجرَّأ على خوض مغامرة نفسية تخصّه، ففي الطبقة الثانية من قصّة «مانك»، يواجه «فينشر» طموحاته الخاصّة، بوصفه فنّاناً، والطريقة التي يمارس بها حرفته، وذكريات طفولته، وشغفه، وأقرانه، ومُلهميه، وكذلك والده نفسه. لم يعد هناك «حِرفيّون خارقون» يصمدون عبر الزمن. لا مكان للتراجع أو التردُّد، لا زال موقف «فينشر» المطبق هو نفسه، كما كان سابقاً مع سيناريو بواسطة «آرون سوركين» (الشبكة الاجتماعية)، أو «إريك روث» (الحالة الغريبة لبنجامين باتون)، أو «ستيفن زيليان» (الفتاة ذات وشم التنين).

«مانك» هو مشروع شخصي، مشروع عائلي، علاج نفسي، وغوص عميق في دماغ الصانع، حيث تتحدّ كلّ العدسات معاً، علاقته بالأفلام، علاقته بالآخرين، الحقيقي منها والزائف، وعلاقته بالكلمات، وتلك الخاصة بأبيه، وتلك الخاصة بكُتابه، وتلك المكتوبة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وما لن يكتبه أحد، بعد، الآن، لأن الكتابة لم تعد مسموحة.

المحاور: بين الفيديو الموسيقي لـ«مادونا» «يا أبي» وحصون العزلة التي نجدها في جميع أفلامك تقريباً، يبدو أنك مرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ «المواطن كين»

– ديفيد فينشر: نعم، يرجع الأمر لسنوات بعيدة. صناعة هذا الفيلم في الواقع تمت بفضل تقاعد والدي «جاك فينشر». كان لديه مسيرة مهنية جيِّدة في الصحافة (كان رئيس تحرير مجلّة لايف). في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي جرب كتابة السيناريو، لكن الأمر لم ينجح. ومع تقاعده، فجأةً، وجد لديه الكثير من الوقت، وليس هناك الكثير للقيام به للاعتناء بنفسه، وسألني إذا كان هناك أيّ مواضيع يمكنه اختبارها بنفسه.

متى كان ذلك؟

– بين (1990) و(1991)، شيء من هذا القبيل. بعد أن انتهيت من تصوير فيلم «Alien 3» مباشرةً، عدت إلى التفكير في مقالة كتبتها «بولين كايل» بعنوان «نشأة كين» والتي كنت ناقشتها مع والدي كثيراً، وأنا صغير. يجب أن تعلم أن والدي كان مجنوناً بالسينما. عندما كنت طفلاً، كنت دائماً أشعر بالفضول لمعرفة من يعتبره أفضل ممثِّل أو أفضل مخرج أو أفضل مهندس صوت أو أفضل مخرج للتصوير الفوتوغرافي. بالنسبة إليه، كان أفضل فيلم أميركي، على الإطلاق، هو فيلم «المواطن كين»، دون أدنى شك. عندما كنت في التاسعة أو العاشرة من عمري، لم يكن لديَّ أيّة فكرة عمّا تعنيه عبارة «المواطن كين»!. لقد لاحظت، مؤخَّراً، أن الأمر يتعلّق بقصّة صحافي، مثل جميع أفلام والدي المفضَّلة طوال حياته: مساعدته، كلّ رجال الرئيس، الصفحة الأولى. وقتها، بين عامَيْ (1970) و(1971)، كي أتمكَّن من مشاهدة فيلم عمره ثلاثين عاماً، كان لابدّ من عرضه على التلفزيون أو في سينما خاصّة. والفرصة أتت، أخيراً، في المدرسة، عندما كنت في الصف السابع، وكانت هناك رحلة مدرسية لمشاهدة نسخة (16 ملم) من «المواطن كين». كان والدي متحمّساً جدّاً. في ذلك العمر، كنت قد شاهدت -بالفعل- أفلام «سبارتاكوس» (2001)، و«لوليتا»، و«الدكتور سترينجلوف». بالنسبة إليَّ، كانت «الأفلام القديمة» تعني الأشياء من عام (1962) إلى العام الذي ولدت فيه؛ لذلك بدا لي فيلم يعود إلى أكثر من ثلاثين عاماً مثل الكتابة الهيروغليفية أو الجدّاريات في الكهوف. لم يكن لديَّ أيّة فكرة عمّا سأختبره.

ثمَّ..؟

– لقد كان عيداً حقيقياً، وصدمة مدمّرة. شعرت بكلّ من حداثة الفيلم، وكلاسيكيَّته، وحدَّته، ودقَّته. وكانت هناك هذه الجمل: «لو لم أكن بهذا الثراء، لكان بإمكاني أن أصبح رجلاً عظيماً». حتى في سنّ الثانية عشرة، قلت لنفسي: «ربّاه، هذا جيّد!».

من المؤكَّد المؤكَّد أن والدك كان سعيداً.

– عندما وصلت إلى المنزل، تحدَّثنا عنه طويلاً. لقد شرح لي طبيعة (الكلاسيكية) ذاتها، ولماذا ظلَّت تلك التيمات صالحة لعصرنا، ولماذا أدهشتني، وهي لم تُصنع، نظريّاً، لمراهق في شمال كاليفورنيا، في حقبة السبعينيات. باختصار، كان هذا الفيلم جسراً للتحدُّث، بشكل أعمق، عن السينما. بعد مدّة، قرأت كتاب «بولين كايل» عبر الميكروفيلم، في المكتبة. حتى ذلك الحين، لم أكن قد سمعت عن «هيرمان مانكويتس»، ولم أتخيَّل أن إسهام كاتب السيناريو يمكن أن يكون له مثل هذا التأثير في أسلوب الفيلم. لم أكن أدرك، ببساطة، حقيقة أن الكتابة والإخراج هما تخصُّصان منفصلان، لكنهما متساويان (وحاسمان، أيضاً) في نجاح العمل السينمائي.

من هنا بدأ والدك في كتابة النصّ؟

– نعم. في وقت لاحق، جعلني أقرأ مسوَّدته الأولى. من الصعب وصف ذلك. لقد كان ذلك مثل قراءة عريضة من نقابة الكُتّاب الأميركية للتنديد بالظلم الذي عانى منه كُتّاب السيناريو، الذين تعرَّضوا لسوء المعاملة، دائماً، من قِبَل المخرجين الذين لم يتردَّدوا في استغلال مناصبهم للحصول على الملكية من عمل الكُتّاب. حسناً، حسناً… كنت عائداً، للتوّ، من تصوير «Alien 3»، وكانت لديَّ تجربة شخصية مناقضة، تماماً، مع مجموعة من الكتّاب المرتزقة، مرَّ الواحد منهم تلو الآخر دون أن يأخذ أيّ كاتب منهم الأمور على محمل الجدّ، بما يكفي لجعل الفيلم متماسكاً. أمّا النصّ الذي كتبه والدي فكان عن شخص مغرور، يمسح حذاءه على كاتب سيناريو مسكين. أمر مفرط في التبسيط بالنسبة إليَّ.

هل تلقّى ملاحظاتك بطريقة خاطئة؟

– لا. كان يعلم أنه لم يخترع الذرَّة.

 

 

إذاً، أنت من أحدثت التغييرات، خاصّة الخلفية السياسية للفيلم، فيما يتعلَّق بقصّة الناشط «أبتون سنكلير» وانتخابات «كاليفورنيا» لمنصب حاكم الولاية، في عام (1934)؟

– لا. بعد عامين من مسوَّدته الأولى، صادف «جاك» فيلماً وثائقياً يتحدَّث عن مشاركة المنتجِيْن «لويس بي»، و«ماير»، و«إيرفينغ ثالبرج» في هذه الحملة الدعائية، بتسخير موارد استوديو «MGM» في خدمة آرائهم السياسية. تخيَّل صدمة والدي المتحمِّس للسينما، والذي كان، حتى ذلك الحين، يوقِّر «MGM»، ويضعها في مكانة «روزل رويس» الستوديوهات. لقد افتتن بقصّة «سنكلير» وحركته الاجتماعية «EPIC» (إنهاء الفقر في كاليفورنيا)، وكيف فبركت «MGM» الأكاذيب من أجل تشويه سمعته. كان ذلك نوعاً من الأخبار المزيَّفة. ومن خلال تطعيم ذلك في قصّة، بالتوازي مع صناعة «المواطن كين»، توصَّل إلى مسوَّدة جديدة امتدت قليلاً، في كلّ مكان، لكنها فتحت منظوراً شائقاً حول ما يمكن أن يحدث في العلاقة بين رجل الأعمال «William Randolph Hearst» (واحد من أقوى الرجال)، وبين السيناريست «هيرمان مانكويتس»، أحد أذكى العقول في ذلك الوقت، رجل اتَّفق على براعته «ببن هيكت» وجميع رجال مائدة «ألجونكوين» المستديرة في «هوليوود» (مجموعة مؤثِّرة من الكتّاب وكتّاب السيناريو). بصراحة، إذا كان «بين هيكت» يعتقد أنك عبقريّ، فعليك أن تكون واحداً. أليس كذلك؟ لم أكن متأكِّداً تماماً من كيفية ترجمة هذا من وجهة نظر درامية حتى تلك اللحظة، لكنني أحببت فكرة هذا الرجل الذي كانت مساهمته الوحيدة في كتابة فيلم «ساحر أوز» اقتراحه بأن تكون «كانساس» بالأبيض والأسود، و«مونشكينلاند» بالألوان. وهو أحد أكثر تأثيرات الأفلام التي لا تُنسى. إنه مثل القنّاص المحترف الذي هبط على مشروع متأزم، فألقى بفكرة رائعة ثم غادر، بهدوء، لتناول مشروبه، مقتنعاً أنه أفضل بكثير من ذلك؛ من هنا، وضعنا الملامح الرئيسية للشخصية.

لكن المشروع لم يؤتِ ثماره.

– لقد أجرينا الكثير من التصحيحات، ورمينا بالأشياء، ذهاباً وإياباً. وبعد ذلك، في بين عامَيْ (1997)، و(1998)، بعد انتهائي من فيلم «The Game» مباشرةً، كدنا أن ننفِّذ المشروع بالتعاون مع «بوليجرام»، وهي شركة إنتاج مستقلّة، لكنهم انسحبوا في اللحظة الأخيرة، قائلين: «لمن توجِّهون هذا الفيلم؟» حسناً. لا يمكننا أن نلومهم تماماً، أيضاً. وها نحن نوقف المشروع. وضعنا العمل على الرفّ، ليجمع الغبار، منذ ذلك الحين. توفِّي «جاك» عام (2003)، بعد عامَيْن من محاربة المرض. فقدت الأمل، وقلت: ربَّما ستقرؤه ابنتي يوماً ما. بعد ذلك، في نهاية الموسم الثاني من «Mindhunter»، ذهبت لرؤية «تيد ساراندوس»، و«سيندي هولاند»، مديرَيْ برامج نتفليكس، وقلت لهما: «انظرا. لا أرى نفسي أعود، مرّة أخرى، لمدّة عامين، في موسم ثالث، أفضِّل قضاء عام في مشروع أكثر تواضعاً، مع رفاهية قضاء ستّة أشهر من مرحلة ما قبل الإنتاج؛ بهدف تصميم ساعتين، فقط، من المحتوى بدلاً من عشر ساعات، فقالوا: «حسناً. ماذا لديك؟، فمرَّرت لهم نصّ «Mank»، دون الكثير من الأمل، لكنهم كانوا متحمِّسين لذلك، فأجبتهم: «متى نبدأ؟».

لقد اعتدنا على اعتبار المخرج «أورسون ويلز» رجلاً خارقاً، فرقةً مختصرة في رجل واحد، عبقريّاً، قوّةً من قوى الطبيعة…

– هل ذلك حقيقي؟ لا، لم يعد كذلك. مع مرور الوقت، أدركنا أنه كان، قبل كلّ شيء، رجل استعراض يتمتَّع بموهبة غير متكافئة، استغلَّ فرصته، ولكن…

المعذرةً لقد قاطعتك.

نعم، لكنني، الآن، أريد أن أعرف ما كنت ستقوله…

– حسناً… أعتقد أن مأساة «أورسون ويلز» تكمن في مزيج من الموهبة الهائلة وعدم النضج البائس. بالطبع، هناك عبقريّة في «المواطن كين»، فمن يمكنه أن يجادل في ذلك؟ ولكن، عندما يقول «ويلز»: «لا يستغرق الأمر سوى فترة ما بعد الظهيرة لتتعلَّم كلّ ما تحتاج معرفته حول إخراج الصورة»،… يمكنك القول إن التعليق يأتي من شخص محظوظ بما يكفي لجعل مدير التصوير «جريج تولاند» على بُعد ياردة منه، مستعدّاً لتصوير اللقطة التالية… «جريج تولاند»! يا إلهي! إنه عبقري لا يُصدَّق! أقول هذا دون تعمُّد التقليل من «ويلز». أعرف ما أدين له به، كما أعرف ما أدين به لكلٍّ من: ألفريد هيتشكوك، وريدلي سكوت، وستيفن سبيلبرغ، وجورج لوكاس، وهال آشبي. ولكن في الخامسة والعشرين من عمرك، أنت لا تعرف ما لا تعرفه. سواء أكنت «ويلز» أم أيّ شخص آخر. لا أسلبه من شيء، ولا سيّما مكانته بين عمالقة السينما الذين أثَّروا في أجيال كاملة من صانعي الأفلام. لكن الادِّعاء بأن «أورسون ويلز» جاء، مباشرةً، من الخلاء، ليصنع «المواطن كين»، وأن بقية أفلامه قد أفسدتها تدخُّلات من أشخاص لديهم نوايا خاطئة، ليس أمراً معقولاً. إنه نوع من التوهُّم والغطرسة.

 

 

لديك طرح متوازن، للغاية، بالنسبة إلى كونك مخرجاً، لم يكن -أبداً- كاتباً لنصوصه الخاصّة.

– أنا ابن رجل كان يكتب من أجل لقمة العيش. أعلم ما يعنيه ذلك. طوال طفولتي وأنا أراه ينقر، بأصابعه الكبيرة، على آلته الكاتبة، ليخرج بعشر صفحات أو اثنتي عشرة صفحة في اليوم، في عزلة شديدة، ليستطيع دفع الفواتير. هذا ليس مفهومي عن الرفاهية… مهما كرهت الإخراج ومشقَّته الإجرائية، حيث يتعيَّن عليك اتِّخاذ قرارات «فنّيّة» في أربع دقائق؛ لأن هناك استراحة غداء. أعرف حقيقة أنه لا شيء يقارن بكونك عالقاً في مكتبك طوال اليوم، في محاولة للخروج بشيء قيّم من جعبتك.

هل تعرف مكانتك عند النقّاد، والمهووسين بالسينما، اليوم؛ الأشخاص المستمرِّين في اعتناق «نظريّة سينما المخرج المؤلِّف»، الذين يبقى الإخراج -بالنسبة إليهم- هو القيمة الأساسية للسينما؟

– لا تنسَ، أبداً، أن هذه النظرية قد صنعها النقّاد الذين حلموا بأن يصبحوا مخرجين! بالمناسبة، أحبّ قراءة «بولين كايل»، وأنا أقدِّر مساهمتها في السينما الأميركية، لكن يمكننا ملء عدّة مجلَّدات بما لم تكن تعرفه عن حرفة صناعة الأفلام، وهذا أفضل بكثير، لأنه ليس من المفترض أن يعرف النقّاد، فقط، لأن ذلك سيضرّ، بشكل كبير، بالغموض الذي يحيط بهذه الحرفة.

لكنك تصنع فيلما يتعارض، كلِّيّاً، مع هذا اللغز.

– السينما هي مشروع إنساني، بدرجة فائقة، بكلّ ما تدلّ عليه الكلمة من الهشاشة والفوضى والشفقة. لطالما حاولنا عسكرة هذا النشاط الفنّي، لكن مع الاعتذار لاستوديوهات الماضي والحاضر، فهذان مفهومان لا يمكن أن يحضرا معاً. هذا هو الخطأ الأساسي في كلّ ما يتعلَّق بنظرتنا للسينما – يمكنك التعامل معها كعملية شبه عسكرية، كما يمكنك اعتبارها خطّ إنتاج تجميعي، لكن هذا لن يمنع، أبداً، وجود ذلك الشخص الواحد المسؤول عن التحكُّم، الشخص الذي يتحمَّل مسؤولية اختيار الزوايا وتسجيل المواد، ويكون جاهزاً بالحلول مع الظروف غير المتوقَّعة. أستطيع أن أخبرك أن لا أحد يملك فيلمه، بالكامل، في رأسه.. لا أحد، وإلا سيكون هذا فيلماً خفيفاً للغاية… لا تصدِّق مخرجاً يقول: «هذا ما أريده»، فبعدها ستسقط قطع الدومينو، تماماً، في الأماكن المخطَّط لها.. هذا هراء. كما تعلم، إني أعقد اجتماعات مع ستّة وعشرين شخصاً، حيث ندرس النصّ صفحةً بصفحة، «حسناً، هناك هذا المشهد، من المفترض أن يعبِّر عن هذا -سنحتاج ذلك- سيتعيَّن على الفتاة أن يكون شعرها في حالة من الفوضى، وسنحتاج التجهيز لملابس إضافية بسبب التعرُّق… «بالطبع، هذه الأشياء ستحتاج، وقتها، إلى تدبير من نوع آخر، ولكن علينا أن نضعها في حسباننا. نحن لسنا وكالة «ناسا». وعلى الرغم من أنني قويّ جدّاً ومستعدّ للغاية، إلّا أنني لن أتمكَّن من تحديد مرادي في كلّ لحظة صغيرة من الفيلم.

هل كان لحقيقة أنه سيناريو والدك، أيّ تأثير في طريقتك في التعامل مع المشروع؟ تشير بعض الأقاويل إلى أنك تعاملت مع النصّ باحترام أكثر من المعتاد.

– أشعر بأنني تعاملت مع كُتّابي، دائماً، باحترام كبير. لكني أحتفظ بحقّي في التساؤل عن اختياراتهم، عندما يعرضون عملهم عليّ، سواء أكان الكاتب أبي أم غيره. أتخيَّل أنه لم يكن من السهل، حينها، على «جاك» سماع ملاحظات ابنه، الذي لم يكن قد أخرج، بعد، سوى «Alien 3» وبعض الأغنيات المصوَّرة والإعلانات. هذا صحيح، كانت هناك، أيضاً، مناسبات قليلة في أثناء التصوير، حيث تمسَّكت بما كان على الورق، بينما، في الأوقات العاديّة، كنت سأستجوب كاتب السيناريو. لكن، لسوء الحظّ، لم يكن ذلك متاحاً…؛ لذا، لن أكذب عليك، ولا أوصي المخرجين الآخرين بعمل أفلام كتبها والدوهم!.

هل تحلم أن يفوز بجائزة الأوسكار، بعد وفاته؟

– أوه.. لا. بصراحة، لا أحبّ التفكير بهذه الطريقة، على الإطلاق. أعتقد أن الهدف الحقيقي كان إخراج المشروع من الدرج، وجعله موجوداً. هذا كلّ ما أحتاجه.

هل أنت مرتبط مع «نتفليكس» بنسبة %100، الآن؟

– نعم، لديَّ عقد حصريّ معهم لمدّة أربع سنوات أخرى. واعتماداً على الطريقة التي سيتمّ بها استقبال «مانك»، سأذهب وأسألهم، بخجل، عمّا يمكنني فعله لإثبات نفسي، أو أقدِّم نفسي على أنني أحمق متعجرف يطالب بصنع المزيد من الأفلام، بالأبيض والأسود. (يضحك). لا. أنا هنا لتقديم «محتوى» (مهما كانت تعنيه هذه الكلمة) يجلب لهم مزيداً من المتفرِّجين، في مجال تأثيري الصغير.

في النهاية، لا يزال هناك عدد قليل من الأفلام بتوقيع «ديفيد فينشر».

– أنا بطيء. فقط، عندما ينتابني شعور بأن شيئاً ما جاهز للتصوير، يمكن أن يتمّ تصويره بسرعة كبيرة. هذا حدث في فيلم «الشبكة الاجتماعية»، إذ كان كلّ شيء في مكانه، وكان علينا، فقط، اختيار الممثِّلين. لكن هذه الشروط نادرة التحقُّق، والحالات التي تقرأ فيها نصّاً وتقول: «حسناً، يا رفاق، خذوا أماكنكم، ولنبدأ»، تراوحت بين عامَيْ (2007) و (2008)، ثمَّ في عامَيْ (2010) و(2011)، كان إيقاعي في العمل أسرع نسبيّاً، على الأقلّ، وفقاً لمعاييري المعتادة، فمن «زودياك» إلى «بنجامين باتون» إلى الشبكة الاجتماعية للفتاة ذات وشم التنّين، لكنني لست متأكّداً من أن ذلك كان شيئاً جيّداً في حينها. على أيّ حال، كنت بحاجة لإعادة شحن بطّارياتي. الآن، وقَّعت صفقة «Netflix» هذه، لأنني أردت العمل بالطريقة التي رسم بها «بيكاسو»، لتجربة أشياء مختلفة جدّاً، لمحاولة كسر الأنموذج أو تغيير طريقة العمل. أحبّ فكرة الحصول على «عمل». نعم. أعترف أن سؤالك جعلني مرتبكاً: بعد أربعين عاماً في هذه المهنة، لديّ فقط عشرة أفلام في رصيدي. حسناً. أحد عشر فيلماً، لكنّ عشرةً منها، فقط، يمكنني القول أنها تعبِّر عني من الناحية الموضوعية. إنها ملاحظة مرعبة إلى حَدٍّ ما.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: ليونارد حداد

المصدر:

https://bit.ly/37KbSjn

المُجتمع المفتوح في السياق الإسلاميّ

هل يمكن الحديث عن ثقافة الحوار والاختلاف والمُصالحة في العَالَم العربيّ الإسلاميّ في الوعاء الزمنيّ المُعاصِر؟ أين نحن من كبار النظار في العصر الكلاسيكيّ الذين أسَّسوا للحوار والاختلاف والتعدُّد؟  أين نحن من موائد الحوار والاختلاف والتسامح الدسمة في هذا العصر الكلاسيكيّ التي قدَّمها بعض جهابذة مؤرِّخيّ الفرق والمذاهب كابن حزم في كتابه العمدة «الفصل في الملل والأهواء والنحل»، الذي تعرَّض فيه للاتجاهات الدينيّة والمذاهب النصرانيّة واليهوديّة، حيث يبدأ كتابه بالذين نختلف معهم أكثر، وينهيه بالذين خلافنا معهم أَقلّ، والأشعري في كتابه العمدة «مقالات الإسلاميّين» الذي لم يبدِّع ويكفِّر ويخاصِم فيه المُخالفين، دون أن ننسى أو نتناسى الشهرستاني في كتابه العمدة «الملل والنحل»، وابن النديم والبيروني، ناهيك عن «الرجال العظام» وصناديد الفلاسفة الأدباء في القرن الرابع الهجريّ، ولاسيما الجاحظ والكندي والتوحيدي والمعري، وغيرهم من الأسماء اللامعة في سماء «الحكمة الخالدة»؟! ويحضرني في هذا الصدد المرحوم محمد أركون الذي يقول: «لا ريب في أنّ النصوص الكبرى للفكر العربيّ – الإسلاميّ كانت تحتوي على البذور الأولى لفكرة التسامح، وتؤدِّي إلى الطريق المُؤدِّي إلى التسامح بالمعنى الحديث للكلمة»(1).

صحيح أن كثيراً من المياه قد جرت بين غروب «الإبيستيمي الوسطويّ» وبزوغ شمس «الإبيستيمي الحديث»، ومع ذلك فإن ما يعجُّ به العَالَم العربيّ اليوم من محاولات الحصار والإقصاء وتكميم الأفواه، وإحصاء الأنفاس، وشبح الحروب التي يمتزج فيها الدينيّ بالسياسيّ، والإثني العرقيّ باللُّغويّ يجعل التاريخ معكوساً، والأمس يبدو وكأنه أفضل من اليوم. ومن هنا يمكن القول بأن ثقافة الحوار والاختلاف والتسامح والمُصالحة وُجدت قديماً في السياق الإسلاميّ ممارسةً وغابت مفهوماً، بينما وُجدت اليوم مفهوماً وغابت ممارسةً، حيث يضيق العَالَم العربيّ بطرائق أبنائه في التفكير، وأساليب حياتهم، وأنماط عيشهم، واختياراتهم السياسيّة ومعتقداتهم الدينيّة وحقّهم في الاختلاف. فالأنظمة الدينيّة والسياسيّة ما زالت تتنفس بخياشم الفضاء العقليّ للقرون الوسطى، ولا تنتمي إلى الفضاء العقليّ للحداثة. وتمارس الاستبداد وتربأ بالديموقراطيّة. و«الانحطاط هو الابن الشرعيّ للاستبداد»(2) الذي وضعه الكواكبي في قفص الاتهام في كتابه العمدة «طبائع الاستبداد». أمّا حقوق الإنسان فمازالت تمثِّل الغائب الأكبر في خريطة العَالَم العربيّ، بينما لم يعد التسامح فضيلة، بل أضحى رذيلة. ناهيك عن الخلاف السنيّ – الشيعيّ المُزمن الذي لم يفضِ بعد إلى ما أفضى إليه شبيهه الخلاف الكاثوليكيّ والبروتستانتيّ من ثمرات التسامح والتعايش والاختلاف والمُصالحة بالمعنى الدينيّ والسياسيّ معاً، رغم استئناف جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده وبعض الروّاد المسيحيّين لجهودهم في الدفاع عن هذه القيم الحواريّة والتعدُّديّة في عصر النهضة. «على أن النظر الموضوعيّ المُنصف إلى الثقافة العربيّة في الزمن الموسوم بعصر النهضة يكشف لنا أن الموقف الحواريّ من الثقافة الغربيّة كان هو الغالب على آراء مفكِّرينا»(3). والخلاصة الرزينة التي ينبغي الخلوص إليها يصوغها سعيد بنسعيد العلوي بقوله: «وصفوة القول: إن «عصر النهضة» في كتابات أهله من المدارس المتباينة … برهان على إدراك المغزى الإيجابيّ لمُحاورة الثقافة العربيّة الإسلاميّة للثقافات الأخرى المُجاورة»(4).

د. محمد أيت حمو

إنّ رفض التسامح والحوار والاختلاف والمُصالحة حديثاً هو انقلاب على التاريخ الإسلاميّ القديم، إنْ شئنا استعارة إحدى العبارات الرائجة عند بروديل زعيم مدرسة الحوليات (Les Annales)، ونكرانٌ لما تحقَّق بالأمس في عصر النهضة، إنْ شئنا استخدام مفهوم «المدة القصيرة» بدل «المدة الطويلة»، قبل أن يكون إذاية لمكاسب الحداثة وإساءة لقيم العصر الحديث. ذلك أن المُجتمع الإسلاميّ في الماضي كان مجتمعاً مفتوحاً، بينما أصبح اليوم مجتمعاً ينحو منحى انغلاقيّاً. «ولذلك فالمُجتمع الإسلاميّ، بحكم هذا كلّه، يدخل في عِداد «المُجتمع المفتوح» (Open Society)، وكلّ محاولات الحَجْر عليه أو تضييق الخناق حوله، بإقفال النوافذ والمنافذ ورفض «الآخر» والامتناع عن محاورته، إنما هي محاولات تسيء إلى هذا المُجتمع وتبعده عن مغزاه وطبيعته»(5). فقد انتصر المُجتمع الإسلاميّ في العصر الكلاسيكي لقيم الحوار والاختلاف والتعايش والتفاهم بين الثقافات المُتعدِّدة والمُتغايرة التي ترجم لها، فضلاً عن المُتماثلة. «القضية التي نصدر عنها، في الحوار بين الثقافة العربيّة الإسلاميّة والثقافات الأخرى، تقضي بأن الحوار، وإنْ كان اليوم متعثِّراً ومضطرباً، وكانت تقوم في وجهه عوائق وإشكالات، فإنه في الغد القريب يكتسي صفة الاستلزام، فهو شرط وجود في المُستقبل. وهو اليوم، عكس ما قد يعتقده البعض مناخٌ حيويٌّ حتميّ لا تملك الثقافة العربيّة الإسلاميّة اليوم أن تحيا وتتنفَّس خارجاً عنه»(6). وهذا ما أصاب المُجتمعات العربيّة الإسلاميّة الحديثة في مقتل، فأصبحت متخلّفة -أو تكاد- كيفما قلبتها مشرقاً أو مغرباً رغم غِنى ثرواتها الماديّة والبشريّة غير المُقسَّمة بشكلٍ عادل، وهو ما يستدعي عمليّة جراحية للتخلُّص من ورم «نظريّة المُؤامرة»، و«خطاب الضحية»، و«الحكاية الكبرى – Grand narrative» التي تحوَّلت إلى حكاية صغرى ولم تحقِّق الغاية المرجوة منها، بعد أن تناسل «المُعذَّبون في الأرض»، وارتفع «هتاف الصامتين»، وتعالى «أنين المقهورين». «واستحقار الخصم كاستحقار يسير من النار، فإنه ينتشر من يسيرها ما يحترق به كثير من الدنيا»(7).

إنّ العَالَم العربيّ الإسلاميّ اليوم مدعو إلى الاستفادة من ماضيه قبل الاستفادة من مكاسب الحداثة وروح العصر، والتحلي بالانفتاح والمرونة لتجاوز أدواء التخلُّف والانحطاط والتبعية، فنحن نحتاج إلى مراجعة أنفسنا والتحاور بين أسرتنا النووية التي نتشارك فيها كمُتماثلين وأسرتنا النووية التي نتشارك فيها كمُتغايرين. ولعَلّ من سيئاتنا أننا حرمنا من متعة الاتِّصال المُباشِر بالأصول والنصوص التأسيسيّة الدينيّة والفلسفيّة الكبرى التي لم نحقِّق معها الوصال، خاصّة النصّ التأسيسيّ الأول (القرآن) الذي هو من ألفه إلى يائه عبارة عن حوار وتحاجُج مع المُخالفين والمُغايرين، وفي مقدِّمتهم غير المُؤمنين به كالدهريّين والطبيعيّين أو الكفار والمُشركين، وبالتالي، فإنّ ترسيخ التسامح يقتضي في كلِّ مكان توافر شرطين أساسيّين: الأول هو إرادة الفرد في التسامح، والثاني هو ارتباط هذه الإرادة الفرديّة بالإرادة السياسيّة الجماعيّة على مستوى الدولة. وبهذا الصدد يمكننا القول بأن هاتين الإرادتين كانتا معدومتين في الغالب وحتى الآن في عددٍ كبير من البلدان الإسلاميّة (بما فيها العربيّة بالطبع). ولكن انعدام التسامح هذا يعود إلى أسبابٍ تاريخيّة واجتماعيّة وأنثروبولوجيّة. ويمكننا أن نستشهد بأمثلة عديدة للبرهنة على أن هذه المزدوجة الثنائيّة مترابطة لا تنفصم. أقصد مزدوجة التسامح / اللاتسامح. كما ويمكنني البرهنة على أنه يتمُّ التلاعب بها من قِبل الأنظمة القائمة، أي «الدولة – الوطن – الحزب». فهي تتلاعب بفكرة التسامح أو تدعيها وتلوِّح بها في الوقت الذي تجد فيه أن الثقافة الفلسفيّة والتاريخيّة والأنثروبولوجيّة اللازمة لأيّة ممارسة حقيقيّة وغير مشروطة للتسامح الفعَّال لا تزال معدومة في كلّ البيئات الإسلاميّة (أفرِّق هنا بين التسامح الفاعل أو الفعَّال وبين تسامح اللامبالاة الذي لا نعتبره تسامحاً)»(8).

ونحن نعتقد بأن منزلة الحوار والاختلاف والمُصالحة والتسامح ما زالت لم تجد موطأ قدم لها في جغرافية العَالَم العربيّ، حتى كاد أن يصبح الهلاك هو المآل والمرجع، وحتى كاد أن يصبح تعاملنا مع هذه القيم كتعامل المُتطبّب مع صناعة الطب التي يصيب فيها مرّة ويخطئ فها مئة مرّة، إن شئنا استعارة إحدى الصيغ اللُّغويّة لجالينوس، أو الجاهل في الرماية الذي يخطئ الغرض في الأكثر والأغلب ولا يقترب منه إلّا في النادر الأَقلّ، ممّا يجعل صوابه مهجوراً. إذ نصبح أمام الخطأ الأكثري من أجل تحقيق الخير أو الصواب الأقلي إنْ شئنا استعارة إحدى الصيغ اللُّغويّة للشارح الأعظم ابن رشد الذي يعلمنا شكر الآخرين من غير ملة الإسلام في ما أصابوا فيه وعذرهم في ما زلوا فيه «فبيَّن أنه يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدُّمنا في ذلك. وسواء كان ذلك الغير مشاركاً لنا أو غير مشارك في الملة، […] وأعني بغير المُشارك: مَنْ نظر في هذه الأشياء من القدماء قبل ملة الإسلام. […] ينبغي أن نضرب بأيدينا إلى كتبهم، فننظر فيما قالوه من ذلك، فإنْ كان كلّه صواباً قبلناه منهم، وإنْ كان فيه ما ليس بصواب نبّهنا عليه»(9). ويردف فيلسوف قرطبة ومراكش في سياق موقفه الإيجابيّ حيال علوم الأوائل لدى المُخالفين، وتحديداً لدى الإغريق قائلاً: «فما كان منها موافقاً للحقّ قبلناه منهم، وسررنا به، وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحقّ نبهنا عليه، وحذَّرنا منه، وعذرناهم»(10). وهذا القول الرائع في شكر الآخرين وعذرهم لآخر فلاسفة الإسلام في الحضارة العربيّة الإسلاميّة، يذكِّرنا بنصّ لأول فلاسفة الإسلام، وهو الكندي الذي يُلقَّب بفيلسوف العرب، وهو النصّ الذي يقول فيه: «ومن أوجب الحقّ أن لا نذم من كان أحد أسباب منافعنا الصغار الهزلية، فكيف بالذين هم أكثر أسباب منافعنا العظام الحقيقيّة الجدية، فإنهم وإنْ قصَّروا عن بعض الحقّ، فقد كانوا لنا أنساباً وشركاء في ما أفادونا من ثمار فكرهم والتي صارت لنا سبلاً وآلات مؤدِّية إلى علم كثير ممّا قصَّروا ومن نيل حقيقته. وسيما إذ هو بين عندنا وعند المُبرزين من المُتفلسفين قبلنا من غير أهل لساننا إنه لم ينل الحقّ بما يستأهل أحد من الناس بجهد طلبه ولا أحاط به جميعه. بل كلّ واحد منهم إمّا لم ينل منه شيئاً، وإمّا نال منه شيئاً يسيراً، بالإضافة إلى ما يستأهل الحقّ. فإذا جمع يسير ما نال كلّ واحد من النائلين الحقّ منهم، اجتمع من ذلك شيء له قدر جليل. فينبغي أن يعظّم شكرنا للآتين بيسير الحقّ، فضلاً عمَّنْ أتى بكثير من الحقّ، إذ شركونا في ثمار فكرهم وسهَّلوا لنا المطالب الخفيّة الحقيّة بما أفادونا من المُقدِّمات المُسهّلة لنا سبل الحقّ، فإنهم لو لم يكونوا ولم يجتمع لنا مع شدّة البحث في مدننا كلّها، هذه الأوائل الحقيّة التي بها خرجنا إلى الأواخر من مطلوباتنا الحقيّة. فإن ذلك اجتمع في الأعصار السالفة عصراً بعد عصر إلى زمننا هذا مع شدّة البحث ولزوم الدأب وإيثار التعب في ذلك […] وينبغي لنا ألّا نستحيي من استحسان الحقّ واقتناء الحقّ من أين أتى، وإنْ أتى من الأجناس القصية عنّا والأمم المباينة، فإنه لا شيء أولى بطالب الحقّ من الحقّ، وليس يبخس الحقّ ولا يصغر بقائله ولا بالآتي به، بل كلّ يشرفه الحقّ»(11). وهكذا يطلب منّا فلاسفتنا القدماء أن لا نقتصر في شكرنا للآخرين فقط على الذين استفدنا منهم الكثير، بل يجب أن نشكر وبالمثل الذين استفدنا منهم القليل، جنباً إلى جنب مع التساهل مع المُخطئين وعذرهم.

وقد قِيل قديماً: أفسد العَالِم نصف المُتفقّه ونصف المُتطبّب، نصف المُتفقّه أفسد الأديان، ونصف المُتطبّب أفسد الأبدان. وفي هذا الصدد يجب التمييز بين الطبيب والمُتطبّب، والفقيه والمُتفقّه، والتساؤل عن مدى جودة فطرة وسلامة «ولاة الجور والتغلّب» و«أنصاف الفقهاء»، حتى صار العجب اليوم من صوابهم لا من خطئهم، فصوابهم على الأَقلّ وبالعرض وخطؤهم على الأكثر وبالذات. وكأني بهم قد جعلوا الخطأ هو القاعدة أو الغالب الأكثري والصواب هو الاستثناء والنادر أو الشاذ الوقوع، وهذا ما جعل العيب فينا وليس في غيرنا. ونستطرد مع أبو العتاهية، فنقول بلسانه الحكيم:

تَرجُو النّجاةَ ولَم تَسلُكْ مَسالِكَها       إنّ السفينةَ لا تَجري عَلى اليَبَسِ

خاتمة

إنّ قيم الحوار والاختلاف والتسامح والمُصالحة هي فيصل التفرقة بين «المُجتمع المُنغلق» و«المُجتمع المُنفتح»، فالحوار والاختلاف والمُصالحة مواقف إيجابيّة تقرّ بحقوق الآخرين، وليست مواقف سلبيّة تنمُّ عن الضعف والخذلان والنفاق. وهي معيار يُقاس به تقدُّم الأمم وتخلُّفها. وإذا كانت هذه المفاهيم والقيم والمكاسب قد تعرَّضت للتطوُّر في السياق الغربيّ، وتعرَّضت لمُقاربات نقديّة، فإننا ما زلنا في العَالَم العربيّ الإسلاميّ لم نستمتع بثمارها الحلوة، لا في صورتها الكلاسيكيّة، ولا في صورتها الأنواريّة الجديدة، ولا في صورتها التطوُّرية النقديّة الساعية نحو تحقيق النضج والكمال والمثال. «كلّ أفكار القطيعة مع العَالَم من حولنا، وكلّ دعوات التصادم، لا تسلم إلّا إلى الإفقار النظريّ من وجهٍ أول، ولا تترتَّب عنها إلّا العُزلة السياسيّة والتضعضع الاقتصاديّ من وجهٍ ثانٍ… ثمّ إنها لا تؤدِّي، أخيراً، إلّا إلى المزيد من التخلُّف والضعف اللذين يصيبان الدولة والمُجتمع»(12). وهذا ما يفسِّر حال الشتات والتشرذم والتيه في المكان والزمان في المُجتمعات الإسلاميّة التي تتضايق من الحوار والاختلاف والتفاهم، وتعاني من تدني التربيّة الديموقراطيّة وضعف قبول الحوار والاختلاف والتغاير والتواصل الحضاريّ، وتمارس «حروب الإلغاء الرمزيّة على الساحات السياسيّة»، وسياسة الغرور والأنانيّة واللاحوار أو اللااعتراف، بينما يعلمنا الشارح الأعظم أنه «من العدل […] أن يأتي الرجل من الحُجج لخصومه بمثل ما يأتي لنفسه»(13). ذلك أنني «أتحاور مع الآخر، لا لكي يصبح مثلي أو أصير مثله، بل لكي أفيد منه وأغتني به عبر الانخراط في أعمال ومشاريع مشتركة نساهم فيها بتغيير بعضنا بعضاً بصورةٍ متبادلة»(14). دون أن نطالب بأن نصبح نسخاً متشابهة ومشوِّهة لبعضنا البعض. وكما قال المرحوم محمد عابد الجابري: «إنّ الرأي لا يعيش إلّا إذا كان هناك رأيٌ آخر يخالفه، أمّا إذا قال الجميع «آمين»، فتلك علامة من علامات انتهاء الدعاء على الميت»(15).

وكأني بالحاملين على الحوار والاختلاف والمُصالحة والماقتين لهذه القيم، وما يدور في فلكها في المُجتمعات الإسلاميّة، يفضلون «حاء» الحصار على «حاء» الحوار! بينما يعلمنا كوجيتو مناخ الوقت المقولة التالية: «أنا أتحاور إذن أنا موجود». فالحوار هو الحلّ الأمثل والمخرَج المعقول من الأمواج المُتلاطمة في يمِّ المُجتمعات العربيّة الإسلاميّة. ونحن نعتقد جازمين بأنّ الخلاف في هذه المُجتمعات، هو «اختباط إخوة تفرَّقت بهم الطرق في السير إلى مقصدٍ واحد»(16)، ولا يرقى إلى «ما بين الثريا والثرى»(17).

 

الهوامش:

1 – محمد أركون، أين هو الفكر الإسلاميّ المُعاصِر، ترجمة وتعليق هاشم صالح، دار الساقي، الطبعة الثالثة 2006، ص 113.

2 – سعيد بنسعيد العلوي، الإسلام والديموقراطيّة، (المعرفة للجميع)، سلسلة شهرية، العدد 26 أكتوبر – نوفمبر 2002، ص 16.

3 – سعيد بنسعيد العلوي، المرجع نفسه، ص 134.

4 – المرجع نفسه، ص 135.

5 – سعيد بنسعيد العلوي، الإسلام وأسئلة الحاضر، (كتاب الجيب)، منشورات الزمن، العدد 22 يناير 2001، ص 10.

6  – سعيد بنسعيد العلوي، الإسلام والديموقراطية، سبق ذكره ، ص 121.

7 – أبو المعالي الجويني، الكافية في الجدل، تقديم وتحقيق وتعليق فوقية حسين محمود، 1979/1399، ص 511.

8 – محمد أركون، أين هو الفكر الإسلاميّ المُعاصِر، سبق ذكره، ص 113.

9 – أبو الوليد ابن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتِّصال، دراسة وتحقيق محمد عمارة، الطبعة الثالثة 1986م، ص 26.

10 – أبو الوليد ابن رشد، المصدر نفسه، ص 28.

11 – أبو يعقوب الكندي، رسائل الكندي الفلسفيّة، تحقيق وتقديم وتعليق محمد عبد الهادي أبو ريدة، القسم الأول، الطبعة الثانية، مطبعة حسان، مصر – القاهرة، ص 32 – 33.

12 – سعيد بنسعيد العلوي، الإسلام وأسئلة الحاضر، سبق ذكره، ص 111.

13 – أبو الوليد بن رشد، تهافت التهافت، (القسم الأول)، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، الطبعة الثالثة، ص 373.

14 – علي حرب، «حوار الثقافات والخروج من المأزق: تمرُّس في سياسة معرفيّة جديدة»، مجلّة المُنطلق الجديد، العدد الثالث، صيف خريف 2001 م، ص 106.

15 – محمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب: نحو إعادة بناء الفكر القوميّ العربيّ، تأليف حسن حنفي ومحمد عابد الجابري، المؤسَّسة العربيّة للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1990، ص 141.

16 – هكذا شبَّه الشيخ محمد عبده خبط المُتكلِّمين أثناء حديثه عن أفعال الله تعالى في كتاب رسالة التوحيد، قدَّم لها وعرَّف عنها وعن مؤلِّفها فضيلة الشيخ حسين يوسف الغزال، دار إحياء العلوم، الطبعة السادسة، 1406هـ- 1986م، ص 70.

17 –  أورد هذه العبارة متكلّمنا الأعظم إمام الحرمين في سياق درئه لتهمة مساواة الأشاعرة للمُعتزلة في اختياراتهم. انظر: العقيدة النظاميّة في الأركان الإسلاميّة، تحقيق وتعليق محمد زاهد الكوثري، الناشر: المكتبة الأزهريّة للتراث، 1412هـ- 1992م، ص 59.

سياسات الطوارئ الثقافيّة في أوربا أماطت اللثام عن واقع مخيف

الفَنَّانون في جميع أنحاء أوروبا يطالبون في الوقت الراهن، شأنهم في ذلك شأن أرباب المطاعم، بتراخيص تتيح لهم العودة إلى العمل مع احترام البروتوكولات الصحّية. لن يُعاد فتح دور السينما ولا المسارح ولا المتاحف تزامناً مع أعياد الميلاد في فرنسا. والأمر نفسه ينطبق على باقي البلدان المجاورة لنا في القارة الأوروبيّة. يكشف الوباء إذن عن نقص في المعرفة بقطاع الثقافة الذي لا يطالب بمُعاملة تفضيليّة، وإنما بمعاملة لا تغفل عن قيمته الحقيقيّة.

لن يكون هناك استثناء للحقل الثقافيّ في فرنسا، ففي ظلّ الأزمة الصحّية الراهنة ستبقى المسارح ودور السينما والمتاحف مغلقة إلى حدود السابع من يناير/كانون الثاني على الأَقلّ. ولذلك فقد بادر الآلاف من المهنيين والفَنَّانين الغاضبين برفع طلب مراجعة مستعجلة ضدّ قرار الحكومة هذا. فكيف يجري إذن تطوُّر الوضع الثقافيّ في باقي الدول الأوروبيّة؟ هذه بعض الأمثلة من إسبانيا وبريطانيا العُظمى وألمانيا وإيطاليا.

فنَّانو الفلامنكو الإسبان يشعرون بالمرارة لأنهم خارج الحسابات

منذ الثالث عشر من مارس/آذار 2020، لم تتَّخذ الحكومة المركزيّة لمدريد أيّة بادرة لفائدة «التابلاوس Tablaos»، وهي مسارح للفرجة على موسيقى ورقصة الفلامنكو تشتهر بصخبها وأجوائها المحمومة صنِّفت كتراثٍ ثقافيّ لا ماديّ للإنسانيّة في عام 2012. لا شيء أو تقريباً لا شيء. المُبادرة الوحيدة التي تبنَّتها مدريد كانت هي «خطة التأثير لفائدة الثقافة» التي تهدف إلى تعزيز برامج الفلامنكو على شاشة التليفزيون، ومصاحبة جمعيات الفلامنكو في عروضها عبر الإنترنت. ولكن بخلاف ذلك، لا توجد مساعدات مالية. والدعم الوحيد الذي حصل عليه هذا القطاع دفعته مجموعاتٌ مستقلّة لضمان دفع الإيجارات وتلافي أن يتمَّ طرد مستأجري «التابلاوس» إلى الشارع. وذكرت صحيفة «لوموند» مؤخَّراً «أن ست قاعات تابلاوس من أصل إحدى وعشرين الموجودة في مدريد قد أغلقت منذ بداية الوباء».

ولما كانت 90 % من جماهير الفلامنكو تأتي من الخارج فإنّ إغلاق الحدود وانخفاض الحضور السياحيّ في فصل الصيف قد هوى بهذه الواجهة المُهمَّة للثقافة الإسبانيّة. وقد كشف تحقيق جدّ مفصَّل أنجزته نقابة اتحاد فلامنكا، بتاريخ 18 نوفمبر/تشرين الثاني، أن 42 % من المُوسيقيّين والمُطربين والراقصين الذين يعيشون من هذا الفَنّ ينوون ترك المهنة ما لم يعثروا على عمل بعد وقتٍ وجيز. هذا مع العلم أن الغالبية العُظمى من المهنيين، وفقاً للمصدر نفسه، لا يتلقَّون أيّة مساعدة (62.7 %). وقال فيديريكو إسكودير، رئيس الجمعية الوطنيّة لفلامنكو التابلاوس، مؤخَّراً للصحيفة الإلكترونيّة «فوز دي أميركا» إذا توقَّفنا عن العمل فإن جزءاً من الفلامنكو سيموت معنا».

وفي 28 أكتوبر/تشرين الأول في إشبيلية، نظَّم أعضاء حركة «لونار أوف» عرضاً لأزياء الفلامنكا وهم في حالة حداد من أجل لفت انتباه الحكومة إلى موضة الفلامنكا. وفي مواجهة الوضع الحرج، يطلب هذا القطاع الاقتصاديّ والثقافيّ المُساعدة، كما يُطالب بالاعتراف به ضمن التراث العالميّ للإنسانيّة، كما حدث مع الفلامنكو (المُوسيقى والرقص والغناء) في عام 2016.

بريطانيا العُظمى: «نحن بحاجة إلى الفنون لكي نسمو بأنفسنا»

وإذا اتجهنا نحو الشمال من أوروبا، وجدنا فنَّانيّ صناعة المُوسيقى البريطانيّة في حالة من الغضب المُستمر، فلقد تُركوا، منذ فترة الحَجْرِ الأولى، بدون عمل وبدون أيّة موارد وبدون مساعدات. وبعد بضعة أشهر، أُجبر 30 % من المُوسيقيّين على تغيير مهنتهم في بريطانيا العُظمى. وفي بداية شهر ديسمبر/كانون الأول، ندَّد المُوسيقيّ والمُنتج «ديمون ألبارن» في مقالٍ نشره في جريدة «الجارديان» بـكون «الحكومة لا تضع في اعتبارها مجال الفنون ولا تتعاطف مطلقاً مع المُشتغلين به».

وجهة النظر نفسها يعبِّر عنها «ألكسندر رايت»، مُخرج مسرحية «غاتسبي العظيم»، أحد العروض القليلة التي ما زالت تقاوم الأزمة، حيث يقول: «السلطات لا تفعل ما يكفي، بل يمكنني أن أقول إن القطاع الثقافيّ ككلّ لا يحظى بأي دعمٍ على الإطلاق من قِبل حكومتنا».

بيد أنه فى أوائل يوليو/تموز، وبعد أسابيع من الضغط الذي مارسه صنَّاع الترفيه في بريطانيا، أعلن وزير الثقافة «أوليفر دودن» عن خطة إنعاش اقتصاديّ قيمتها 1.57 مليار جنيه إسترليني. وقبل ذلك ببضعة أيام، كتبت 1500 شخصيّة بريطانيّة تضمُّ فنَّانين، من «بول ماك كارتني» إلى «رولينج ستونز» مروراً بمجموعة كولدبلاي أو ديبيتشي، رسالة مفتوحة إلى الحكومة يطلبون فيها إنجاز خطة طوارئ لصالح صناعة المُوسيقى.

ورغم أن مسارح لندن لا تزال في مأمن من القيود التي فرضت على نظيراتها في باقي البلدان الأوروبيّة إلّا أن من المُحتمل أن تغلق أبوابها مرّةً أخرى عمّا قريب، لأن العاصمة البريطانيّة تُعَدُّ الآن واحدةً من أكبر بؤر العدوى.

نتائج الخيارات السياسيّة

شهدت ألمانيا صدور قرارٍ سياسيٍّ حاسم بالفعل. إذ ستظل الأماكن الثقافيّة مغلقة هناك إلى حدود منتصف شهر يناير/كانون الثاني. لكن خطاب أنجيلا ميركل، التي كانت على وشك أن تجهش بالبكاء يوم السبت الخامس من ديسمبر/كانون الأول، وهي تتحدَّث عن حرمان مواطنيها من الأنشطة الثقافيّة يظهر كلّ التعاطف (الفريد من نوعه في أوروبا) الذي تشعر به المُستشارة تجاه القطاع الثقافيّ. حيث قالت: «نحن نفتقر إلى ما يمنحنا إياه الفَنَّانون، وإلى ما يمكنهم وحدهم أن يقدِّموه لنا»، ولم تكن تلك قطعاً مجرَّد أقوال…

فبُعيد خطاب أنجيلا ميركل، أعلنت مونيكا غروترز وزيرة الثقافة عن مساعدة مالية جديدة للمُنتجين، عبارة عن تعويض، بحدٍّ أقصى قدره 300000 يورو، سيستفيد منه كلُّ منتجي المُوسيقى أو المسرح الذين لم يعد لهم أي مدخول. هؤلاء المُنتجون وصفتهم الوزيرة بـ«العمود الفقري لحياتنا المُوسيقيّة وثقافتنا المسرحيّة». وهذه التدابير الجديدة ما هي إلّا جزءٌ من خطة «نيوستارت كولتور Neustart Kultur»، والتي هي مساهمة قدرها مليار يورو سنَّتها الدولة بسرعة خلال الربيع الماضي، تأتي كتكملةٍ للدعم الواسع الذي تقدِّمه اللاندات (التقسيمات الإداريّة الجهويّة في ألمانيا).

ويبدو أن إيطاليا لا تُولي المسألة الثقافيّة القدر نفسه من الاهتمام، حيث ما زال الجميع هناك ينتظرون بفارغ الصبر الحصول على منحة المُساعدات الأوروبيّة والتي يصل مبلغها إلى 200 مليار يورو. ولكن المسؤولين هناك يعتقدون بأنّ الثقافة لا تستحق سوى الفتات، إذ لن تخصّص سوى نسبة 1.5 % من هذا المبلغ إلى المجال الثقافيّ الإيطاليّ، الذي يتهاوى أيضاً على غرار باقي البلدان الأوروبيّة. إنّ وعود الحكومة بدعم هذا القطاع، الذي تصفه بأنه «ضروري»، ظلّت إلى الآن محصورة في إنشاء «صندوق تشاركيّ للثقافة» تغذيه الموارد الخاصّة، في شكلِ تمويلات صغرى، وإبرام عقود للرعاية…

ازدراء أم جهل؟

هناك إذن اتجاه ظهر بشكلٍ واضح تماماً في ضوء هذا الوباء، وهو أن الثقافة لا تدخل ضمن الأولويات. في ظلّ هذه الأزمة، يبدو أن ألمانيا هي البلد الوحيد الذي تعامل بشكلٍ مختلف مع المجال من خلال تفاعله ودعمه للفاعلين في القطاع الثقافيّ وما أبداه من حلولٍ إبداعيّة أيضاً، كما يشير إلى ذلك جان ماكس كولار، الناقِد الفنّي والمسؤول في مركز بومبيدو الوطنيّ للفَنّ والثقافة: «تمَّ توجيه بعض الأعضاء في مجموعات الرقص المدعومة إلى المُستشفيات لمُرافقة المرضى». حلٌّ مبدع دون شكّ، ولكن ذلك لا يكفي لإنقاذ عالَم الثقافة في أوروبا من الغرق. إن سياسات الطوارئ الثقافيّة السلبيّة أو غير الفعَّالة التي تمَّ تبنِّيها منذ بداية الوباء قد أماطت اللثام عن واقع مخيف.

هل يؤدِّي نقص المعرفة بعَالَم الثقافة اليوم إلى تهميش هذا القطاع؟ مع أنه قطاع ذو قيمة كبرى فيما يتعلَّق بالسياسة الخارجيّة… والاقتصاديّة. هل يتمُّ تقدير الدور الحقيقيّ الذي تلعبه الثقافة في المجال الاقتصاديّ؟ و«هل الثقافة مجال للإنفاق أم قطاع اقتصاديّ قائم الذات أم أنه ضرورة من ضرورات العيش؟» كما يتساءل عن ذلك «ماكس كولار» قبل أن يضيف: «لقد فهم بعض الفاعلين في الحقل الثقافيّ أنه لا ينبغي لهم أن يضيعوا الوقت في التسوُّل من أجل الحصول على إعانات…».

إن الفَنَّانين في جميع أنحاء أوروبا يطالبون في الوقت الراهن، شأنهم في ذلك شأن أرباب المطاعم، بتراخيص تتيح لهم العودة إلى العمل مع احترام البروتوكولات الصحّية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوليفيي بوجاد

العنوان الأصلي والمصدر:

La culture, une des victimes de l’épidémie.

https://www.franceculture.fr/societe/la-culture-une-des-victimes-de-la-pandemie-en-europe.

لين فنغمين: المستعربون الصينيّون ضدّ المركزيّة الغربيّة

ينتمي «لين فنغمين» إلى الجيل الجديد من المستشرقين الصينيين الذين يهتمّون بالثّقافة وباللّغة العربيتَين. يشغل منصب عميد معهد الدراسات العربيّة الإسلامية في جامعة بكين، ونائب رئيس مركز الدراسات الشرق الأوسطية، ونائب رئيس مركز الدراسات الإفريقية في الجامعة نفسها، ورئيس جمعية الصين لدراسات الأدب العربي. ترجم «لين فنغمين» عدداً من الأعمال العربيّة إلى الصينية، من بينها «برقيّات عاجلة إلى وطني»، و«امرأة بلا سواحل» و«آخر السيوف» لسعاد الصباح، و«جسر بنات يعقوب» لحسن حميد، و«كتاب الأمير» لواسيني الأعرج، و«دومة ود حامد» للطيِّب صالح، كما نشر عدداً من الدراسات، من بينها «الأدب العربي الحديث في التحوُّل الثّقافي»، و«الدراسات المقارنة بين أدبَي الصين والعرب».

  ما الأسباب التي كانت وراء اختيارك للُّغة العربيّة لغةً للترجمة والبحث ؟

– يبدو أن اللّغة العربيّة هي التي اختارتني، أو يمكن القول إن القدر اختارني لدراسة اللّغة العربيّة. إذ لم تكن لديَّ أيّة رغبة في دراستها في مرحلة الدراسة الثانوية، وذلك بحكم كوني لم أكن أعرف، حينها، أين يقع العالم العربي. وسيكون أحد أساتذة كلّيّة اللّغات الشرقية وراء تغيير مساري، حين أقنعني باختيار دراسة هذه اللّغة ضدّاً على رغبتي في دراسة الإنجليزية أو الإدارة أو الاقتصاد، أمّا الأمر الذي حفَّزني، أيضاً، على تغيير مساري فهو بحثي عن مقعد في جامعة بكين، باعتبارها أفضل الجامعات في الصين، وأقدمها، وهي الجامعة التي تحتضن كلِّيّة اللّغات الشرقية، حيث يتمّ تدريس اللّغة العربيّة.

وبعد التحاقي بجامعة بكين؛ قصدَ تعلُّم اللّغة العربيّة، بدأتُ اكتشف جمال هذه اللّغة، بالرغم من الصعوبات التي تطرحها أمام كثير من الصينيين. وبفضل علاقتي باللّغة العربيّة، ستتاح لي فرص زيارة كثير من البلدان العربيّة، واكتشاف جانب من جغرافيا هذا العالم المذهل، والإحساس بعواطف المجتمعات العربيّة. ولا شكّ في أن اللّغة العربيّة فتحت لي باباً مشرعاً على عالم مختلف جدّاً، يمنحني إمكانية الاستمتاع بمعالم الثّقافة العربيّة والإسلامية المذهلة.

ترجمتَ عدداً من النصوص الأدبيّة العربيّة إلى الصينية، من بينها «برقيّات عاجلة إلى وطني» لسعاد الصباح، و«جسر بنات يعقوب» لحسن حميد، و«كتاب الأمير» لواسيني الأعرج، و«دومة ود حامد» للطيّب صالح. ما الذي قد تحمله ترجمة الأعمال الأدبيّة العربيّة للقارئ الصيني ؟

– أشير، أوّلاً، إلى كون عدد الأعمال الأدبيّة العربيّة المترجمة إلى اللّغة الصينية قد جاوز، بشكل عامّ، المئتي عنوان. أمّا بالنسبة إلى الأعمال المذكورة التي ترجمُتها، فتعكس أبعاداً مختلفة من الثقافات العربيّة الإسلامية، ويخصّ ذلك مجموعة «برقيّات عاجلة إلى وطني» لسعاد الصباح، التي تحمل الأفكار الوطنيّة والقومية العربيّة. بينما يمنح نصّ «جسر بنات يعقوب» لحسن حميد، للقرّاء الصينين، إمكانيةَ التعرُّف إلى معالم التسامح والتعدُّد الثّقافي، والتعدُّد الديني في العالم العربي، خصوصاً مع وجود الثّقافة المسيحية في منطقة الشرق الأوسط، بشكل لا يمسّ حضور الثّقافة الإسلامية. أمّا رواية «دومة ود حامد»، للطيب صالح، فتقرِّب القارئ الصيني من موضوع الحداثة كما تعيشها المجتمعات العربيّة، حيث يمكن أن تتعايش التقاليد العربيّة، والثّقافة الغربية، في السودان، وفي أيّة دولة من الدول العربيّة، وذلك اعتباراً لأهمِّيّة الأفكار الحديثة كأساس للتحديث، دون التضحية بالتقاليد. بخصوص نصّ «الأمير» للروائي الجزائري واسيني الأعرج، هو يُظهر للقرّاء الصينيين مقاومةَ العرب للاستعمار الفرنسي، وشجاعةَ المسلمين ضد المستعمرين، وكذلك مظاهرَ الحوار الثّقافي بين الثّقافة العربيّة والإسلامية، والثّقافة المسيحية، وبين الثّقافة الشرقية والثّقافة الغربية.

كيف ترى، من موقعك، اهتمام المثقّفين والقرّاء الصينيين بترجمة الأعمال الأدبيّة العربيّة؟

– أظن أن اهتمام المثقّفين والقرّاء الصينيين بأعمال ترجمة هذه الأعمال، هو أقلّ من اهتمامهم بالأعمال الغربية والروسية المترجمة إلى اللّغة الصينية. وإن كانت بعض الحوادث تغيِّر، أحياناً، مستوى هذا الاهتمام؛ فمثلاً: فتح فوز نجيب محفوظ بجائزة «نوبل» للأدب، البابَ أمام اهتمام المثقّفين والقرّاء الصينيين ليس بأعمال نجيب محفوظ فحسب، بل بعدد مهمّ من الأدباء والشعراء العرب الآخرين. وبعد حادث (11) سبتمبر (2001)، تزايدت رغبةُ المثقّفين الصينيين في التعرُّف إلى الثّقافة العربيّة الإسلامية، وكذلك الأمر بعد حرب الأميركان على العراق، وتغيُّرات «ربيع العرب»، وغيرها من الحوادث المهمّة التي تجعل المثقّفين يهتمّون بالعالم العربي، من خلال قراءة الأعمال الأدبيّة العربيّة المترجمة.

ما هي، بنظرك أهمّ العقبات التي يمكن أن تواجه المترجم الذي يشتغل على النصوص الأدبيّة العربيّة ؟

– أظن أن أهمّ العقبات التي يواجهها المترجم الذي يشتغل على النصوص العربيّة، تتعلَّق، بشكل خاصّ، بترجمة القصائد. لقد قال أدونيس، في محاضرة ألقاها في جامعة بكين، إن ترجمة الشعر خيانة. وأفهم من كلام أدونيس أن ترجمة القصائد، دائماً، تخالف قصد الشاعر؛ بسبب اختلاف دلالات الكلمات؛ إذ لا يمكن أن ننقل كلّ معاني القصيدة إلى لغة ثانية. ولعلَّ هذا الرأي قريب من تصوُّر الشاعر الصيني «سيتشوان» الذي يرى أن قضايا ترجمة الشعر لا تخصّ مشكلة اللّغة، فقط، بل تهمّ، أيضاً، قضيّة الثّقافة، وقضيّة تيّار الفكر الأدبي، وقضيّة مفاهيم الإبداع، وكذلك قضيّة عادات القرّاء. وإذا كان من الممكن ترجمة معاني الكلمة، فمن الصعب ترجمة القوافي والعروض إلى لغة أخرى، بل قد لا نستطيع نقل كلمات القصيدة إلى لغة أخرى، إذا كان لها أكثر من معنى.

كيف ترى مسارات الترجمة بين اللّغتين: العربيّة، والصينية، على مستوى الاتِّجاهَيْن؟

– أعتقد أن وضعيّة الترجمة بين اللّغتين: العربيّة، والصينيّة، على مستوى الاتِّجاهَيْن، ظلَّت -خصوصاً، خلال القرن الماضي- غير متوازنة، وكانت الغلبة، على الأقلّ، على المستوى الكمّي، لصالح الترجمة من اللّغة العربيّة إلى الصينية. بينما شهد القرن الحالي تطوُّراً كبيراً على مستوى تعليم اللّغة الصينية، سواء في الدول العربيّة، أو في الصين؛ إذ ارتفع عددُ أقسام اللّغة العربيّة، في الجامعات الصينية، من ثمانية أقسام إلى ثمانية وأربعين قسماً. وهو ما يشكِّل أساساً ومحفِّزاً لتطوُّر الترجمة في المستقبل.

من جهة أخرى، أنشأت الحكومة الصينية عدداً من البرامج الثّقافية لتشجيع الترجمة، ودعمها، من بينها برنامج «الترجمة المتبادلة بين الصينية والعربيّة»، الذي تمَّ إطلاقه في إطار التعاون بين الحكومة الصينية وجامعة الدول العربيّة، وبرنامج «الترجمة المتبادلة بين الصين والكويت»، وغيرها من البرامج الكثيرة، كان من نتائج ذلك ازدياد أعداد الكتب الصينية المترجمة إلى اللّغة العربيّة في السوق الثّقافية العربيّة. على العموم، تظلّ وضعية أعمال الترجمة بين اللّغتَيْن: الصينيّة، والعربيّة، محدودة، برغم الجهود المبذولة من الجانبَيْن في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع وجود كثير من الكنوز التي تزخر بها كلٌّ من الثّقافة العربيّة الإسلامية والثّقافة الصينية، والتي تحتاج إلى الاكتشاف.

تتَّسم المدرسة الاستشراقية الصينية بخروجها عن سلطة التصوُّرات الغربية التي لم تستطع التخلُّص من التصوُّرات الاستعمارية. كيف تتصوَّر، من موقعك، دواعي هذا الاختيار الذي يطبع الاستشراق الصيني؟

– قبل أن أجيب عن هذا السؤال، يجب عليَّ أن أبيِّن لكم طبيعة تمثُّل الصينيين لمصطلح «المدرسة الاستشراقية الصينية». فمن المعروف أن علم الاستشراق، بمفهومه الاصطلاحي الضيِّق، يحيل على اهتمام العلماء الغربيين بالدراسات الإسلامية، والدراسات العربيّة. في مقابل ذلك، يوسِّع الصينيون مجال المصطلح ليشمل، ليس الدراسات الإسلامية والعربيّة، فحسب، بل الدراسات التي تهمُّ الصين والهند واليابان وكوريا وغيرها من الدول الآسيوية، أيضاً؛ لذلك، أُفضِّل أن أستخدم مصطلح (الاستعراب) أو علم الاستعراب. وبالفعل، إن معظم الأساتذة والباحثين الصينيين المتخصِّصين في علم الاستعراب هم ضدّ هيمنة التصوُّرات الغربية، وضدّ المركزية الغربية، إذ لا يتبعون وسائل الاعلام، لأنهم يعرفون اللّغة العربيّة، ويقرأون الصحف والمجلّات والكتب العربيّة؛ وهو ما يتيح لهم إمكانية التعرُّف إلى الأوضاع الحقيقية في الشرق الأوسط، بدون وضع ثقتهم العمياء في الميديا الغربية.

ما الذي تكشفه أطروحات المؤامرة خلال وباء «كوفيد – 19»؟

يحلّل «أوليفييه كلاين»، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة بروكسل الحرّة، أسباب انفجار نظريّات المؤامرة منذ بداية الوباء، ونتائجها.

يعتبر نجاح الفيلم (الوثائقي) التآمري، Hold-up، الذي يدّعي كشفه مؤامرة وراء أزمة فيروس كورونا، أحدث أعراض هذا الفكر. منذ بدايته، اقترن وباء «كوفيد 19» بـ «وباء المعلومات»: وباء المعلومات الكاذبة، وخاصّة نظريّات المؤامرة.

وفقاً لهذه الأطروحات التآمرية، تمَّ صنع الفيروس في المختبر، وحظي حتى ببراءة اختراع، وسيحتوي اللقاح على تقنيات النانو، وستعمل الحكومات على تعميمه بهدف التحكّم في السكان…

لفهم أسباب وعواقب هذا الانتشار الواسع في نظريّات المؤامرة، أجرى موقع franceinfo مقابلة مع «أوليفييه كلاين»، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة بروكسل الحرّة، والمتخصّص في المؤامرة.

هل يفاجئك هذا «الوباء المعلوماتي» الذي ندّد به المدير العامّ لمنظَّمة الصحّة العالمية في مارس المنصرم؟

– لا، ليس مفاجئاً. في أوقات الأزمات، تنتشر المعتقدات ذات الطبيعة التآمرية؛ فتستجيب نظريّات المؤامرة إلى ثلاث حاجات نفسية رئيسية؛ أوّلها معرفي، حين يسعى الناس لفهم ما يجري. وتعمل نظرية المؤامرة كشبكة بسيطة لتحليل واقع معقّد. إنها تقدِّم تفسيراً في خضمّ حالة من عدم اليقين. أما الثاني فهو الشعور بالرضا، أيّ أن تكتسب نظرة إيجابية لذاتك. فالأزمة تسبّب حالة من الوهن النفسي. تسمح لنا نظرية المؤامرة باستعادة التحكّم؛ عندها يمكننا التحرّك، كما يمكننا المقاومة. قد نقرّر عدم ارتداء القناع. لم نعد قطيعاً يكتفي باتِّباع تعليمات سلطة، لم نعد نثق بها كثيراً. أمّا الدافع الثالث فهو التواصل مع الآخرين، إذ يجب أن تكون قريباً من أشخاص آخرين. إنها فطرة إنسانية أساسية. مع الحجر المنزلي، يكون الناس أكثر عزلة، وتصبح شبكاتهم الاجتماعية محدودة أو مهدّدة. تسمح لنا المؤامرة بأن نصبح أعضاء في المجتمع. إن مشاركة نظريّات المؤامرة، التي تشكّك في الخطاب السائد، تمكّن من تكوين هويّة قيّمة. ففي كلّ مرّة تشارك فيها غيرك مقطع فيديو جديداً، يستجيب أصدقاؤك وأعضاء المجموعات، وهذا يزيد من شأنك.

فيروسات، لقاحات، 5G، عملة مشفَّرة.. ألا نشهد، مع هذا الوباء، «تشابك نضالات» تآمرية؟

– غالباً ما يؤمن الأشخاص الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة، بالآخرين، لكن ما أذهلني، مع هذا الوباء، هو تقارب المجموعات رغم تباين أصولها كلِّيّاً، وإعلانها، بشكل جماعي، عن نظرية المؤامرة نفسها.

فمن ناحية، نجد مجموعات من اليمين الأميركي، وأقصى اليمين، شعبوية، ترامبية؛ ومن ناحية أخرى، نجد كلّ هذا الفضاء، الذي لا علاقة له بالطبّ البديل والذي يغذّي، بشكل خاصّ، الحركة المضادّة للّقاحات، وهذا ما تطرّق له، بشكل خاصّ، فيلم Hold-up.

طريقة تعامل السياسيين مع الأزمة الصحِّيّة واجهت انتقادات على نطاق واسع. إلى أيِّ مدى يغذّي مناخ عدم الثقة في الحكّام الفكرَ التآمري؟

– فقدان الثقّة في الحكومات تفاقم بسبب هذه الأخطاء الإدارية. لكن هذه المؤامرة قسّمت المجتمع إلى فئتَيْن رئيستين؛ الأولى أناس عاديّون، وأناس بسطاء، وآخرون فضلاء، من ناحية، والنخب الجشعة التي تحاول التحكّم والاستغلال، من ناحية ثانية.

في Hold-up، هناك معارضة شديدة الوضوح. هذه النخب تضمّ السياسيين، كما تضمّ الصحافيين والعلماء والمؤسَّسات أيضاً، وكلّهم من أتباع السلطة.

يشعر المتآمرون أن صحافيِّي وسائل الإعلام التقليدية يوالون الحكومات؛ لذلك هناك فقدان كامل لشرعية الخطاب الصحافي، وهذا -بدوره- يسمح بإضفاء الشرعية على خطاب المؤامرة، لأنه محلّ شكوك الصحافيين.

هناك، أيضاً، في فرنسا، فقدان مقلق للثقّة في العلم والخبراء. والحقيقة أن شخصيات مثل البروفيسور «ديدييه راولت»، و«كريستيان بيرون» (من مؤيِّدي استخدام هيدروكسي كلوروكين كعلاج لفيروس كوفيد – 19) أو صاحب جائزة نوبل للطبّ، «لوك مونتانييه»، (الذي دافع عن أطروحة الفيروس المصنّع في المختبر، انطلاقاً من فيروس الإيدز)، يقدِّمون أنفسهم، أو يتمّ تقديمهم كضحايا للنظام، الذي شجّع على انتقال الخيال التآمري إلى المجال العلمي.

هل هناك صورة اجتماعية أو سياسية نموذجية للمتآمر؟

– من وجهة نظر علم الاجتماع، غالباً ما تنتشر نظريّات المؤامرة لدى الأشخاص الذين لديهم إحساس بالضعف. إنهم ليسوا، بالضرورة، أفقر الناس، بل هم أولئك الذين يشعرون بالهشاشة، الذين لديهم انطباع بأن شيئاً ما قد سُلب منهم أو أُعطِي للآخرين؛ لذلك ليس مستبعَداً أن يتبنّى أصحاب «السترات الصفراء» نظريّات مؤامرة تتوافق مع هذا النوع من البروفايلات. كتب «جوزيف أوسينسكي»، أحد أعظم المتخصّصين في المؤامرة الأميركية، في كتابه: «نظريّات المؤامرة تُصنع للخاسرين»، وهذه العبارة مناسبة للغاية.

من وجهة نظر سياسية، تكون معتقدات المؤامرة أكثر وضوحاً على اليمين منها على اليسار، وأكثر لدى أقصى اليمين منها لدى أقصى اليسار. تتحدّى نظريّات المؤامرة الخطاب السائد؛ لذلك من المنطقي أن يميلوا إلى الأقصى. يحمل اليمين المتطرِّف، أيضاً، أيديولوجية تحرُّرية للغاية، تتوافق مع نظريّات المؤامرة التي ترى أن الدولة ترغب في التحكّم في الأفراد.

متى ننتقل من التساؤل إلى الشكّ، ثم إلى المؤامرة؟

– هناك العديد من المسارات الفردية، لكن يمكننا وصف مسار نموذجي إلى حَدّ ما: نجد أنفسنا في لحظة شكّ، وعدم يقين، فيما يتعلَّق بتجربة شخصية أو وضع اجتماعي، ونسعى للحصول على إجابات. وضع يؤدّي إلى وضع آخر، ولا نتعلّق بالخطابات، فحسب، بل بأصحاب الخطابات، أيضاً.

سوف ننخرط في هذه المجتمعات حين نعمل على مشاركة تلك الخطابات، ويمكن أن يكون مجتمعاً افتراضياً. نرتبط عاطفياً بشبكة من الأشخاص الذين نتفاعل معهم، ونثق بهم، وستسمح لنا هذه الهويّة الجماعية بالشعور بالانتماء. هذا الاعتقاد ينظّم حياتنا الاجتماعية، ويصبح جزءًا من هويَّتنا الاجتماعية.

التنشئة الاجتماعية، في تلك المجتمعات، تعني أننا سننتقل من وضعية الشّك وعدم اليقين إلى التماهي مع تلك الخطابات. ما إن تدخل إلى المجتمعات المذكورة، حتى تجد نفسك في نظام إعلامي معارض كلّيّاً، من شأنه أن يروّج لسلسلة كاملة من المعتقدات، وسيحدّد طبيعة المعلومات التي سنتقبّلها.

هل يمكن إقناع المتآمر بخطاب معقول؟

– إن الدعوة «للإقناع بخطاب معقول» تفترض أننا على صواب، وأنهم مخطئون. الأمل يكمن في تحريك المؤشِّر. ما يمكنك أن تأمل فيه هو أنه، بعد مناقشتهم، يتراجع اعتقادهم بنسختهم بعض الشيء، وتصبح النسخة المقبولة، عموماً، منطقية، في نظرهم، أكثر من ذي قبل. إنه هدف يجب أن نكون قادرين على تحقيقه.

بقولنا: «أنتم متآمرون»، أنت تقول في الوقت نفسه: «أنا لست متآمراً»، وأنت تبني العلاقة كما تَمَّ التعبير عنها في هاتَيْن الهويَّتَيْن المتعارضتَيْن. ابتداءً من اللحظة التي تبدأ فيها نقاشاً قائماً على ما يميّزكما، لن يعتبر ذلك نقاشاً.

للتحدّث مع الأشخاص الذين يتبنّون نظريات المؤامرة يجب، أوَّلاً، إيجاد أرضية مشتركة، ومشاركة ما يوحّدنا عوض ما يفرقنا، في هذه الحالة، يمكننا اعتباره نقاشاً، و- من ثَمَّ- يبدو لي أنه من المهمّ، بشكل خاصّ، تحديد مصدر للانسجام والاتِّفاق، أو، على سبيل المثال تساؤل، أو حتى شعور بعدم الرضا فيما يتعلَّق بطريقة إدارة الوباء. في بعض الأحيان، هذا لا يعمل. هناك أشخاص يتمسَّكون بهويَّاتهم حتى أنهم لا يريدون تعريفاً مختلفاً للعلاقة مع الآخر.

في هذه الحالة، من الصعب، للغاية، تغيير آراء هؤلاء، لأننا لا نشكّك في المعتقدات فحسب، بل في ما يشكّل وجودهم، وينظّمه. يصبح ذلك تشكيكاً في وجودهم كلّه، بدلاً من التشكيك في مثل هذه القناعات. الخطاب العقلاني يجد أمامه سدّاً منيعاً. وهذا يشبه -إلى حَدٍّ ما- محاولات التخلّص من الأفكار المتطرِّفة، التي لا تنجح دائماً.

الآن، إذا ناقشنا الحقائق بحدِّ ذاتها، فإني أنصح بذلك؛ لا على أساس نظرية المؤامرة برمَّتها، بل انطلاقاً من عنصر أو حقيقة تبدو مقنعة بشكل خاصّ، للشخص، وتفكيكها بعمق وبأكبر قدر ممكن من الانفتاح، وهذا يريحنا من عناء الجدال الذي لا ينتهي. إذا حاولنا التحقّق من صحّة كلّ الحجج، فلن نخرج من المتاهة.

هل يعني ذلك أن تدقيق الحقائق، والتحقّق من الوقائع من قِبَل الصحافيين غير مجدٍ؟

– هذا ما كنّا نؤمن به لوقت طويل، لكنه ليس صحيحاً. قبل بضع سنوات، كشفت أبحاث في علم النفس عن وجود تأثير ارتدادي لعملية التحقّق من الحقائق، حيث يتمسّك الناس بأفكارهم أكثر، كلَّما كشفنا تناقضاتها. لكنّ هناك اعتراضاً على هذه الفكرة.

تدقيق الحقائق جهد ضروري. إنه ضروري وعمل جيّد، لكنها واحدة من بين عدّة أدوات أخرى، يجب استخدامها بحذر. مثلاً، عندما ينقل شخص ما خطاباً تآمرياً، قد نقابله بمقال «ندقّق فيه الحقائق» يعمل على تفكيك معتقداته، مصحوباً بتعليق مقتضب، فهذا هو أسوأ طريق للقيام بذلك. من الأفضل إرسال المقال دون اعتباره شكلاً من أشكال الحقيقة المطلقة، بل كمعلومات للنقاش، يمكن، من خلالها، بدء النقاش.

التحقّق من صحّة الحقائق مفيد حقّاً، خاصّةً مع الأشخاص المهمَّشين قليلاً، وغير المقتنعين تماماً. لكن مع المتآمرين الأقوياء، هذا لا يكفي، لأنهم سيعمدون إلى تشويه المصدر نفسه.

ألا تخشون من تعزيز المؤامرة بالرغبة في محاربتها؟

– منذ اللحظة التي تسعى فيها جميع وسائل الإعلام التقليدية إلى الذهاب بعيداً، بقولها إن «هذا الفيلم الذي تحبّونه كثيراً مجرَّد هراء»، يتعزّز شعورنا بأن هذه الوسائط لا تتحدّث عنا.

عندما نسمع جوقة تقوم بتشويه خطاب حقيقي في نظرنا، حتى لو كان مشكوكاً فيه من الناحية الواقعية، فإن ذلك يمكن أن يعزّز شعورنا بالانتماء إلى مجتمعنا.

ولمّا كان الصحافيون يفكّكون الخطاب الذي ينقله المتآمرون، فمن السهل عليهم التشكيك في أيّة محاولة للتحقّق من خطابهم، بالقول إن الصحافيين ووسائل الإعلام في خدمة السلطة والمصالح الخاصّة.

ما الذي يجعل نظريّات المؤامرة جذّابة للبعض؟

– هناك العديد من العناصر التي تجعلها جذّابة؛ فهي تتضمَّن جانباً من القصص الخيالية. نحن نَصفُ عالماً ثنائيّاً، في الغالب، من السهل فهمه أيضاً. من الجيّد أن نشعر بالضياع قليلاً. تستند نظريات المؤامرة، كالتي تضمَّنَها فيلم Hold-up، إلى عناصر غريبة، ومصادفات، بهذه «البيانات المنحرفة»، نبني قصّة تبدو لنا مقنعة جدّاً.

في هذا الصدد، تختلف نظريّات المؤامرة عن كشف المؤامرات الحقيقية، على غرار فضيحة «ووترغيت». هذه الأخيرة تستند، بشكل عامّ إلى تحقيق شامل – صحفي أو قضائي – يفضي إلى اعترافات. البيت الورقي ينهار كليّاً ما إن نسحب ورقة واحدة.

أوليفييه كلاين

كيف تفسّر نجاح بعض الشخصيات التي تنقل هذه الخطابات التآمرية؟

– «جان جاك كريفكور» (متحدِّث بلجيكي، يعارض التطعيم ومؤيِّد للأدوية البديلة، له مقاطع فيديو بلهجات تآمرية على (كوفيد – 19)، وحقّق نجاحاً كبيراً على «يوتيوب») من أكثر الشخصيات التي درستها. إنه يشبه المسيح إلى حَدّ ما. أسلوبه في نشر «خيرِ الكلام» يجعل خطابه مقنعاً بشكل خاصّ. مثل هذه الشخصية تعمل على تعزيز مصداقيَّتها بدايةً، وتؤسّس لجسور من الثقة مع المشاهد ثم تقدّم تأكيدات غير مدعومة، فيتأثر المتلقّي بالخطاب.

إنهم أصحاب بلاغة عالية. يضعون أنفسهم في الموقف الديكارتي. يقولون لك: أنت، رأيك أنت، أنا لا أفرض عليك أيّ شيء. لكن هذا مضلِّل تماماً، لأنهم، في الواقع، لا يملكون الحجج لتوجيه الاتِّهام. إنه التلاعب بعينه. سيقولون لك، أيضاً: «أنا أتحدَّث وفق مستوى فهمك، وبلغتك أنت». غالباً ما تكون مقاطع الفيديو، أيضاً، سيِّئة جدّاً في طريقة إخراجها؛ ما يعزّز الانطباع بأننا أمام أشخاص يشبهوننا.

يستخدم فيلم «Hold-up» تقنية تلاعب معروفة: اقتحم وصعّد الاشتباك.. نقدِّم لك حقيقة، ثم أخرى، وأخرى، الحجّة الجدلية الشهيرة. هذه الحجج ضعيفة، لكنك ما إن تنضمّ إلى الفيلم الوثائقي، وتنخرط فيه لأكثر من ساعتين، حتى تصبح على استعداد لسماع بعض النظريّات الرائعة، تماماً، التي لو قُدِّمت إلينا، منذ البداية، لوضعت حدّاً لرغبتنا في المشاهدة.

جمع فيلم«Hold-up» أكثر من (280) ألف يورو، على منصَّات التمويل الجماعي. ألا يسلّط ذلك الضوء، أيضاً، على المخاطر الاقتصادية للتآمر؟

– الأشخاص الذين أنتجوا Hold-up يشبهون، إلى حَدّ ما، المبلّغين عن المخالفات، ويعملون للمنفعة العامّة، لكن من الواضح أن مشاريعهم مادِّيّة. في البداية، يجب أن تدفع مقابل مشاهدة الفيلم. إذا كان الهدف هو منح الجميع حقّ الوصول إلى نتيجة عملهم، فمن الأجدر وضعه في متناول الجميع، بشكل مباشر، منذ البداية.

هناك جانب مادّي، غالباً ما يتمّ تجاهله عندما نتحدَّث عن المؤامرة. «جان جاك كريفكور» هو مثال جيِّد آخر. بالتوازي مع نشر أفكاره، هو يروّج، أيضاً، لتدريبات مكلفة جدّاً، ضمن مقاطع الفيديو التي يبثّها. يكفي أن يشترك %1، فقط، من الأشخاص الذين يشاهدون أحد أكثر مقاطع الفيديو شعبيّةً، في برامج التدريبات التي يشرف عليها، حتى يكسب مليون يورو على مدار العام.

بشكل عامّ، يقول خطاب المؤامرة إن المنافع المادِّيّة تؤدّي إلى تمويه الحقيقة. نحن نكذب عليك لأننا نريد أن نبيع لك الأدوية. لماذا لا يكون الأمر نفسه بالنسبة إلى مروِّجي نظريّات المؤامرة؟ إن وضع الناس، وجهاً لوجه، مع تناقضاتهم، أسلوب آخر للحدِّ من سيطرة هذا الخطاب.

مجهودات الشبكات الاجتماعية للتصدّي «للأخبار الكاذبة»، من خلال الإبلاغ عن المنشورات المضلّلة، أو حتى من خلال إغلاق الحسابات أو مجموعات الحوار، ألا تنتج، أيضاً، تأثيراً معاكساً؟

– يعتبر حظر البثّ رقابة على المحتوى، بوضوح. التبليغ عن أن المحتوى الذي يشاركونه لأنه يتضمَّن معلومات خاطئة أو مضلّلة، يمكن أن يمنحهم شعوراً بعدم الانتماء إلى هذه الشبكة الاجتماعية، ويدفعهم للبحث عن مكان آخر.

لكن الهدف ليس الوصول إلى المتآمرين أنفسهم بقدر ما هو وصول إلى الأشخاص الذين يشاركون هذا النوع من المحتوى، دون أن يكونوا -بالضرورة- متآمرين. يساعد هذا النهج، بشكل خاصّ، الأشخاص الذين لم يتمّ تحديد انتماءاتهم، بشكل كامل، مع مجموعات تآمرية، على توخّي مزيد من اليقظة، وقد يحدّ ذلك من رغبة الأشخاص المتشكّكين والمتردّدين في نشر هذا النوع من المعلومات.

لكن من الواضح أن الأشخاص المقتنعين، للغاية، بحقيقة هذه المعتقدات التآمرية، سيجدون سبباً للتنديد برقابة «فيسبوك» أو «تويتر» عليهم. التحوّل إلى ضحيّة جزء من الترسانة البلاغية للمتآمرين.

ما الخطر الذي تمثّله نظريّات المؤامرة في مجتمعنا؟

– لدينا شكل جديد ومقلق من المؤامرة، لم يعد قائماً على الحقائق، ونرى ذلك مع «كيو أنون – Q Anon». لا نحتاج حتى لإثبات التآمر، بالطبع، إذ يصبح منيعاً ضدّ عملية «التدقيق في الحقائق». هذا هو النهج الذي يستخدمه «دونالد ترامب» عندما يقول إن الانتخابات مزوَّرة في يوم الانتخابات، في غياب أيّ دليل. داخل شبكته، سيشارك الجميع هذه الرسالة التي ستصبح حقيقة لسلسلة كاملة من الأفراد. هذا يسمّى الفاعلية والشرعية الاجتماعية. الأشخاص الذين أحبُّهم، والمنتمون إلى مجموعتي، يردّدون ذلك، فيصبح، من ثَمَّ، خبراً صحيحاً، لم نعد بحاجة إلى حقائق لتدعيمه.

للمؤامرة عواقب سياسية، والعمل في ديموقراطية مثل ديموقراطيتنا، يفترض أن نؤسّس لواقع مشترك، يجب أن نتفَّق على مجموعة من المبادئ والمعتقدات الأساسية. عندما يندّد «دونالد ترامب» بالانتخابات المزوّرة، فهذا أمر خطير للغاية، لأنه يدعو إلى التشكيك في إمكان وجود أساس من القيم المشتركة، التي تمكِّننا من إرساء نقاش ديموقراطي. ومع تقسيم الفضاء الإعلامي، الذي زادته الشبكات الاجتماعية حدّةً، برز خطر حقيقي في غياب أيّ مرجع مشترك، وفي هذه الحالة، لن يكون هناك أيّ مجال للنقاش.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: لويس سان، وبينوا زغدون

المصدر:

https://bit.ly/37zssCK

«الفاكنيوز».. وباء مُضاعف

حسب التعريف المُتداول تتمثَّل الأخبار الزائفة في «إنشاء معلومات كاذبة أو تمَّ التلاعب بها ومشاركتها لخداع الجمهور وتضليله إمّا بهدف دفعهم للوقوع في الخطأ واتخاذ قرارات خاطئة أو لتحقيق مكاسب سياسيّة أو شخصيّة أو ماليّة». وهي بذلك تؤثِّر بشكلٍ سيئ على قرارات الدول والأفراد على السواء، وقد تساهم في اضطرابات سياسيّة واقتصاديّة، وفي حروبٍ أحياناً.

عندما يجلس أحدهم خلف شاشة الحاسوب، ويفكِّر في نشر خبر يعرف أنه غير حقيقيّ، فهو في الغالب لا يكون على وعي بكلّ الآثار التي ستترتَّب عنه، وأحياناً ينشره فقط ليرفِّه عن نفسه أو يمزح مع أصدقائه. ما يحدثُ أن هذا النوع من الأخبار الزائفة تنتشر بسرعة أكبر ممّا يتخيَّله صانعوها، سواء كان الخبر يهم فرداً أو جماعة صغيرة، أو كان يضع علامات استفهام بخصوص قضايا تهمّ الدولة أو قضايا حيويّة في السياسة الدوليّة.

قبل بسط بعض الآثار المُترتِّبة عن الأخبار الزائفة في علاقاتها بالاقتصاد في العالم، لابدّ من الإشارة إلى أن صناعتها ليست دائماً من اختصاص أفراد «أشرار» أو عابثين وفكهين أو متهورين، بل إن الدول تصنع أخبارها الزائفة أيضاً للتأثير في مجرى الأحداث أو تحقيق مكاسب سياسيّة أو اقتصاديّة، أو توجيه الرأي العام داخلياً نحو قضايا بعينها. ويمكن، في هذا السياق، العودة إلى فيلم روبرت دي نيرو «ذيل الكلب» (1997) لمُشاهدة نموذج فنّي لهذه الظاهرة، ذي دلالة بشأن كيف يمكن تحويل اتجاهات الرأي العام وتضليلهُ لتحقيق أهداف شخصيّة مثل الفوز في الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة. كما يمكن، للاستزادة، العثور على عناصر وافية في كتاب «لماذا يكذب القادة؟، حقيقة الكذب في السياسة الدوليّة» لجون جي ميرشمير الصادر في ترجمة عربيّة ضمن سلسلة عالم المعرفة.

إن ظاهرة الأخبار الزائفة تنتشر أكثر في الحالات التي تسود فيها الحيرةُ والقلقُ، خاصّة إذا كان ذلك مقروناً بتدفُّق لا محدود للمعلومات التي تنهمر من كلِّ حدبٍ وليس فقط من الجهاتِ ذات التخصُّص كما حدث طيلة سنة 2020. فما من شكّ في أنّ جائِحة كورونا رافقتها جائِحة لا تقل خطراً تمثَّلت في الكمّ الهائل من الأخبار غير المُؤسَّسة والإشاعات بخلفيات وأهداف مختلفة مع التعتيم على المعلومات الحقيقيّة أو التلاعب فيها. لقد غذَّت الأخبار الزائفة حجم الذعر الذي عاشه العَالَم خلال سنة 2020، ولكنها بالمُقابل ربّما تكون ساهمت في التراخي الذي تعامل به بعض الناس مع الوباء نتيجة تضارب المعلومات ونتائج الدراسات التي تنتجها هيئات يفترض أنها تشتغل بشكلٍ علميّ صرف، من قبيل منظَّمة الصحّة العالميّة، ممّا ساعد على زيادة انتشاره وفتكه.

بيد أن آثار الأخبار الزائفة تتعدَّى هذه الصورة، على قتامتها، إلى ما هو أكثر خطورة خاصّة على الاقتصاد الوطنيّ لكلّ دولة وأيضاً على الاقتصاد العالميّ. آثار قد تؤثِّر على توجُّهات المُستهلكين والمُستثمرين على السواء، وعلى حركة رؤوس الأموال والأسواق الماليّة مع ما لكلّ ذلك من انعكاسات بالتبعية على المُستويين الاجتماعيّ والسياسيّ. وتزداد حدة هذه الانعكاسات السلبيّة مع سرعة الانتشار والتداول التي تغذّيها شبكات التواصل الاجتماعيّ.

ويصنِّف المُنتدى الاقتصاديّ العالميّ الأخبار الزائفة ضمن المخاطر الكبرى التي تواجه الاقتصاد العالميّ، إلى جانب ارتفاع معدَّلات البطالة وضعف الاستثمارات وهشاشة البنيات التحتية وانهيار الأنظمة المالية وغيرها. إن هذا التصنيف مؤشِّر في غاية الأهمِّية للوقوف على تأثير هذا النوع من الأخبار على الاقتصاد، بل إنها قد تشكِّل أحد الأسباب الرئيسيّة في تفاقم المخاطر الأخرى المذكورة بالنظر لارتباطها ببعضها أحياناً. فمثلاً قد يتسبَّب خبر زائف حول وجود تهديدات إرهابية في بلد معيَّن وهشاشة أجهزته الأمنيّة في تذبذب ثقة المُستثمرين والامتناع عن إنشاء مشروعات استثماريّة في هذا البلد، أو سحب استثمارات قائمة، ممّا يؤدِّي إلى تفاقم البطالة على سبيل المثال، وأيضاً قد يتسبَّب الخبر ذاته في تراجع أعداد السياح وتأثُّر سلسلة المهن المُرتبطة بهذا القطاع، وكذلك الشأن بالنسبة للأخبار المُتعلِّقة بالكوارث الطبيعيّة أو عدم الاستقرار السياسيّ أو الاستعدادات العسكريّة وغير ذلك.

في دراسة لجامعة بالتيمور الأميركيّة تمَّ نشرها في أواخر سنة 2019، قُدِّرت الخسائر المُباشرة للاقتصاد العالميّ، نتيجة هذا النزع من الأخبار، بنحو 78 مليار دولار سنويّاً (و100 مليار إذا أضيفت الخسائر غير المُباشرة)، موزَّعة على عدّة قطاعات مثل البورصة والصحّة والنفقات السياسيّة وحماية السمعة (الأشخاص والماركات التجاريّة) على الإنترنت وغيرها. فعلى سبيل المثال تسبَّبت الأخبار الزائفة في خسائر للقطاع الصحّي قُدِّرت بنحو تسعة ملايير دولار. وهذه التقديرات قد تكون صالحة فقط إلى غاية نهاية 2019، حيث كان وباء كورونا مجرَّد فيروس في مدينة ووهان الصينيّة.

بيد أن انتشاره بعد ذلك والضبابية التي كان سبباً فيها والشكوك المُثارة بشأنه على مستويات عدّة غذّت أكثر فأكثر الشائعات وأنتج كمَّاً هائلاً من الأخبار المُتضاربة الصادرة ليس فقط عن مؤسَّسات دوليّة ووطنيّة وعن خبراء في الصحّة والاقتصاد وعن سياسيّين، بل كذلك من تلك الأخبار التي صنعها أفراد عابثون وآخرون بأهداف تخريبيّة كما يحتمل أن تكون شاركت في إنتاجها وحدات صناعة الأدوية منذ ظهور الوباء. كلّ ذلك من المُحتمل أن تكون له بالإضافة إلى الانعكاسات الصحّية بسبب التشكيك في فعالية اللقاحات التي تمَّ إنتاجها، مثلاً، وأيضاً في «نوايا» صنَّاعها بما في ذلك فكرة «المُؤامرة»، انعكاساتٌ اقتصاديّة، حيث سيكون على الدول إنفاق مزيد من الأموال على الحملات التواصلية لإقناع الناس بأهمِّية اللقاحات وكذلك على حملات مطاردة الأخبار الزائفة ومروّجيها التي تتطلَّب موارد مالية وبشريّة إضافية، دون الحديث عن تراجع مردوديّة العاملين والمُوظَّفين بسبب الخوف والقلق.

لذلك إذا كانت الأزمة الصحّية قد خرَّبت بقدرٍ كبير مقوِّمات الاقتصاد العالميّ، خلال سنة 2020 بأكملها، وألقت بشكوك عالية حول إمكانيات تعافيه على المدى القصير فإن الأخبار الزائفة من شأنها أن تعمِّق أمد هذا الخراب، خاصّة أنها تنتشر أسرعَ من كلّ التوقُّعات ومن جهود الدول لمكافحتها، وذلك بمُساعدة الإنترنت عموماً ومواقع التواصل الاجتماعيّ بشكلٍ خاص. إنها تنتشر بشكلٍ مضاعف مقارنةً مع الأخبار الصحيحة، بسبب اتساع هوة عدم ثقة المُواطنين في مؤسَّساتهم، وميلهم بالتالي إلى تصديق وتبنّي أي خطاب أو أخبار تضع ما تقوله هذه المُؤسَّسات موضع شكّ، حتى إن هذه الأخيرة لا يمكن لبياناتها وتصريحاتها أن تصحح المعلومات الزائفة المُنتشرة إلّا في نطاقٍ محدود للغاية. ففي مقال نشرته جريدة «ليزيكو» الفرنسيّة سنة 2018 اعتماداً على دراسة في هذا الشأن، أشارت إلى أن الخبر الزائف يصل إلى عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعيّ أكبر بمئة مرّة من العدد الذي يصل إليه الخبر الصحيح (100000 مقابل 1000)، مع احتمال لتقاسم الأوّل من طرف المُستخدمين بشكلٍ أوسع مقارنةً مع الثاني، والتأكيد على أن هذا التقاسم يقوم به أشخاص طبيعيّون وليس روبوتات (برامج) مُعدَّة لذلك، وهو ما يعني أن للأخبار الزائفة حظاً أوفر لتترسَّخ كحقائق لا يرقى إليها الشكّ مادام تداولها واسعاً إلى هذا الحَدّ، وما دامت مواقع التواصل الاجتماعيّ تحوَّلت إلى مصادر رئيسيّة للأخبار تستعين بها، للمُفارقة، الكثير من وسائل الإعلام التقليديّة!

وإذا كان ثمَّة من حقيقة تجب الإشارة إليها في النهاية فهي أنّ الدولَ فقدت احتكارها للتضليل الإعلاميّ مع تنامي الشبكات الاجتماعيّة على الإنترنت، وبالتالي تحوَّلت من منتج «للأكاذيب» والأخبار الزائفة، كما قدَّمها بتفصيل كتاب «لماذا يكذب القادة؟» إلى رهينة أحياناً لهذه المُمارسات التي ينفِّذها في الغالب أفرادٌ ساخطونَ أو جماعاتٌ مناوئة للتوجُّهات الحكوميّة القائمة. وفي الحالينِ، تدفع الدول ثمناً باهظاً، جزءٌ كبيرٌ منه مخصَّص لمُلاحقة هؤلاء والحدّ من انتشار ما يدوِّنونه، وهي عمليّاتٌ لا تحقّق إلّا نتائج ضعيفة، وعادةً ما تُواجَه باستنكار الرأي العام الذي يعتبرها تضييقاً على حرّيّة التعبير. لذلك وأمام عجز الإجراءات القانونيّة والإداريّة التي يمكن للدول أن تتبنَّاها في مواجهة الأخبار الزائفة (قانون ديسمبر 2018 لمُكافحة الأخبار الزائفة في فرنسا مثلاً)، من المُحتمل أن تجد هذه الدولُ نفسها مجبرةً على التعامل بحَدٍّ أقصى من الشفافية سواء مع مواطنيها أو مع شركائها، والشركاتُ مع مستهلكي منتوجاتها وعموم زبائنها ومموليها. وقد يكون ذلك حلاً أنسبَ للتقليص من حجم الأخبار الزائفة، وبالتالي من الخسائر المُترتِّبة عنها.

ليونورا ميانو: «لا بدَّ لإفريقيا من أن تستعيد اعتبارها أمام نفسها»

من أين يتأتَّى احترام الآخرين لنا؟ من استقامتنا دون تصلُّب، ومن قوّة صوتنا دون ارتفاعه، كما أن احترام الناس لنا لا يتأتَّى من خلال احترامنا لأنفسنا، أوَّلاً؛ هذا ما توحي لنا به الكاتبة «ليونورا ميانو» من خلال حضورها، ومن خلال مقالتها التي صدرت هذا الخريف تحت عنوان «أفروبيا. يوتوبيا ما بعد غربية وما بعد عنصرية» (منشورات غراسيه). وللحديث عن ذلك، التقينا بها في أحد المطاعم الباريسية، وقد خلعت كمامتها، وطلبت شاياً أخضر. وعلى الجدران، صور زيتية لأعيان أوروبيين من زمن آخر، يراقبونها من داخل إطاراتهم المذهَّبة.

لمَنْ كنتِ تنوين التوجُّه بكتابك «أفروبيا»، عندما كنت بصدد تصميم مشروع كتابته؟

–  بعد أن عشت، لفترة طويلة، في فرنسا، حيث أنجبت طفلة فرنسية وقمت بتربيتها، كان من الطبيعي أن أنشغل بهموم الأَقلّيّة الأفرو أوروبية. أردت أن أرى ابنتي تكبر وتتفتَّق شخصيتها داخل مجتمع يقدِّم الممكنات نفسها للجميع؛ ذلك يتوجَّه الكتاب إلى مجتمع أصبح، الآن، مجتمعي نظراً لوجود آصرة الأمومة تلك، كما يتوجَّه، بشكلٍ خاصّ، للشباب المنحدر من مجموعات ينظر إليها على أنها أقلّيّة. إن قلَّة الصبر والغضب اللذيْن نلمحهما لدى هؤلاء، أمر مفهوم.

ما سبب هذا الغضب؟

–  سببه هو غياب الإنصات في مجتمع، يريد الجميع فيه أن يُسمِع صوته للجميع، دون أن يبذل هو أيّ جهد لفهم الآخرين. مع ذلك، يمكن أن يفضي الغضب إلى أمور غير محمودة. على المرء أن يفرض وجوده وشرعيَّته، ولكن ذلك يحتاج، أيضاً، لشيء من الحبّ. إذا كنت تكره مَنْ حولك، وإذا كنت لا ترى فيهم جزءأ منك، فلن يكون بمقدورك أن تغيّر فيهم شيئاً. وإذا لم تتمكَّن من اعتبار الآخر شبيهاً لك فلن يكون بوسعك أن تطالبه بأيّ شيء.

ماذا تقصدين بعبارة «أفروبيا»؟

–  أقصد بها تلك الشبكة البشرية التي تتكوَّن من الأشخاص الأوروبيين المنحدرين من إفريقيا جنوب الصحراء، وأيضاً، جميع الأقلّيّات الموجودة في المجتمعات الغربية والتي لا تجد لها مكاناً داخلها، وهي أقلِّيّات تعود أصولها، أساساً، للتاريخ الاستعماري. جزء كبير من هؤلاء السكّان يعيشون، هنا، نظراً لأن أوروبا الغربية كانت قد بدأت تغزو العالم منذ نهاية القرن الخامس عشر. ورغبةً منها في الاستيلاء على العالم، أسلمت نفسها له؛ ولذلك هي مضطرّة، الآن، إلى قبول مختلف أشكال الاختلاط الناتجة عن الغزوات الاستعمارية.

ليونورا ميانو

حسناً، لكن كيف يمكننا أن «ننصهر في مجتمع واحد» في ظلّ وجود هذا الماضي؟

–  التحدّي هو بناء شكل جديد من الارتباط بين الأنا والآخر، لا يحاكي ارتباط الفرس مع الحصان. إلغاء الهيمنة هو اختيار. ليس عليك أن تسحق الآخرين، وأن تجرِّدهم ممّا يملكون لكي تحقِّق لنفسك الرخاء. يمكنك اختيار المشاركة والاختلاط بالآخرين. وبالنسبة إلى المجتمعات الأوروبية، لن تتسنّى إعادة التوازن هذه للعلاقات إلّا عبر اختيار الطريقة التي تتحمَّل، من خلالها، مسؤولية تدبير النتائج الداخلية للتاريخ الاستعماري، وأعني بذلك، على وجه الخصوص، وجود سكّان من أصول إفريقية في المجتمع الأوروبي.

كيف تنظرين إلى حراك ربيع 2020، الذي رفع شعار «حياة السود مهمّة»؟

–  من السهل قياس مدى أهمِّيّة حياة «السود» بالنسبة إلى الغربيين الذين روَّعتهم جريمة فظيعة، ولكن أسلوب حياتهم ما زال يعتمد على السرقة المؤسَّسية؛ لأن هؤلاء الناس الذين احتشدوا ضدّ العنصرية يصوّتون، بانتظام، لصالح الأنظمة السياسية التي تهدف إلى تجريد شعوب النصف الجنوبي للكرة الأرضية ممّا يملكون، وتحويل بلدانهم إلى مكبّ للنفايات. وفيما يتعلَّق بالأفراد المنحدرين من إفريقيا والذين هم مواطنون لبلدان غربية ما زالت تهمِّشهم وتقابلهم بالعنف، في كثير من الأحيان، أنا أفهم زخم الاحتجاج هذا، و- من ناحية أخرى- أنا لا أحبّ هذا الشعار. ويمكنني أن أقبل به كشهادة على ممارسات حبّ الذات التي لا بدَّ من ترسيخها في المجتمعات المضطهدة التي تواجه مجتمعات معادية. وخارج إطار الجماعة، هذه الكلمات تنبئ باستمرار الهزيمة: إذ في اليوم الذي ستكون فيه حياتنا مهمّة، في نظرنا نحن، أوَّلاً، أؤكِّد لكم أنه لن نحتاج إلى رفع الصوت عالياً بهذا الشعار. فحينئذ سنكون قد ضمنا وجود قوّة تقف وراء أضعف ضعفائنا. إذن، لن يسمح أحد لنفسه بقتلنا في وضح النهار مثل الكلاب؛ لذلك هناك حاجة ملحّة إلى أن نستعيد قوَّتنا نحن. وبالنسبة إليَّ، إن الجزء الأهمّ من هذه القوّة يجب أن ينبثق من إفريقيا. إن النبذ والإقصاء الذي يعانيه الأفراد المنحدرون من أصل إفريقي، له ارتباط بمكانة قارَّتنا في مخيال العالم وعلى الرقعة الجيوسياسية.

كيف يُمكّن تلقين تاريخ أكثر صحَّةً من معالجة الوضع؟

–  حين يتعلَّق الأمر بجريمة ضدّ الإنسانية، من عيار جريمة الترحيل عبر المحيطات وأمام حجم الجروح التي لم تندمل بعد، سيكون شرفاً للدول الأوروبية أن تتشاور فيما بينها لتحدِّد ما يجب القيام به من أجل تصحيح التاريخ، وتلقينه على أفضل وجه ممكن. ومن المهمّ تسليط الضوء على آراء المضطهدين، وكذا مختلف ردود الفعل التي قاموا بها للحفاظ على كرامتهم الإنسانية وتحرير أنفسهم. يجب أن نعبِّر عن مدى الفظاعة، أيضاً، وعن مدى المرونة والإبداع والنبل الذي أبان عنه أولئك، الذين اعتقد الأوروبيون أنهم قد أفلحوا في تجريدهم من الإنسانية. إن تكوين المعلّمين يبقى أمراً ضرورياً حتى لا يتمّ اختزال البعض في وضع الجلّاد، والبعض الآخر في وضع الضحيّة.

وكيف يمكن للأدب أن يساعدنا؟

– يمكنه أن يشكِّل أحد «الأسلحة الخارقة» التي تحدَّث عنها «إيمي سيزير»، شرط أن يكون قد تمَّ الاشتغال، بجدِّيّة، على مسألة تمثِّل الآخر. في رواياتي، أعمل كثيراً على أفكار الشخصيات، وحميميَّتها، وبعدها الكوني. لكن مجرَّد حقيقة أن القصّة تدور في إفريقيا يشكِّل، بالنسبة إلى العديد من القرّاء، عائقاً أمام تماهيهم مع الشخوص. يتعيَّن على الأوروبيين أن يتعلَّموا، من جديد، كيف يعيشون بوصفهم جنساً بشرياً ضمن أجناس أخرى.

ألم تخلِّف روايتك «Rouge impératrice» صدًى طيِّباً، ورشِّحت لجائزة «غونكور»، وهي الرواية التي تجري أحداثها في إفريقيا فيدرالية تتمتَّع بالرخاء وبالسيادة؟

– نعم، ولم أكن أتوقَّع ذلك، على الإطلاق. هذا يعني أننا يجب ألّا نفقد الأمل، تماماً، في أوروبا، وفي قدرتنا على خلق عالم مختلف. علينا، فقط، أن نطرح سبلاً للوصول إلى ذلك. كثيرون يرغبون في التغيير، لكنهم يجهلون الطريقة. وعلى الرغم من كلّ ما شهده التاريخ من عنف، نحن ما زلنا هنا. يمكننا أن نقرِّر خلق واقع مختلف، ثم إن الظروف تجبرنا على القيام بذلك. فنحن نعلم أن المناخ يتَّجه نحو مزيد من الاحترار، وأن الموارد محدودة. وسيتعيَّن على المناطق الأكثر اعتدالاً أن تستقبل الشعوب التي ستهاجر إليها. الناس لن يسلّموا أنفسهم للموت، دون أن يجرِّبوا حظَّهم في مكان آخر.

كثير من الناس يريدون عالماً مختلفاً، أيضاً، في مجال التسامح، وعلاقات هادئة بين الرجال والنساء، ويريدون الابتعاد عن إصدار الأحكام والأفكار النمطية. هل لدى شخصيّاتك ما تقدِّمه في هذا الشأن، أيضاً؟

–  نعم. يمكن لأيّ شخص الشعور بهذا النوع من الغموض في داخله. نحن جميعاً مزدوجون بعض الشيء، كلّنا متعدِّدون. في ثقافة دول جنوب الصحراء الإفريقية، أو لنقل لدى قبائل (البانتو)، على الأَقلّ، يُعتَقد أن في داخل كلّ إنسان طاقات أنثوية وأخرى ذكورية. وأنا أسمع، اليوم، أن بعض الناس لا يريدون إلغاء الفئات المتعلِّقة بالنوع، فحسب، بل الفئات الجنسانية، أيضاً. شخصيّاً، لم أصل إلى هذا الحَدّ، ولكنني مهتمّة بفكرة تعدّدية الأنواع.

يمكننا، إذن، قراءة كتاب «أفروبيا» على أنه بيان سياسي. هل يغريك عالم السياسة؟

–  لا. أنا أعرّف هذه المقالة بأنها تأمُّل سياسي. إن كتابة بيان أفروأوروبي ليست مسؤوليتي أنا، ولم يعد عمري يسمح بذلك… أنا شغوفة بالسياسة، لكنني لن أتمكَّن من الارتباط بفضاء وحيد. لديَّ انتماءات متعدِّدة، وأفضّل أن أُوجَدَ في مكان، أستطيع فيه العمل لصالح مواطنين قادمين من عدّة قارات.

في روايتك «Crépuscule du tourment»، تسأل إحدى الشخصيّات، وهي معالجة اسمها «سيسكو»، الشابّة «تيكي»: «ماذا تنتظرين من الحياة؟ ماذا تقدّمين للحياة؟». ماذا لو طرحنا عليك السؤالين كليهما؟

–  ما أنتظره من الحياة هو أن تستعيد إفريقيا اعتبارها أمام نفسها؛ هذا ما أعمل عليه. فما إن تعيد اكتشاف طريقة أكثر إيجابيّةً للنظر إلى نفسها، فستتمكَّن من استعادة سلطتها، وستجد الطريقة التي تمارس، من خلالها، هذه السلطة. ماذا أقدِّم للحياة؟ الكثير من الفرح! أنا سعيدة جدّاً لوجودي هنا، وأتطلَّع بنفاد صبر إلى عيد ميلادي الخمسين.

حوار: سيليا هيرون، ترجمة: إلهام إد عبد الله أومبارك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العنوان الأصلي والمصدر:

«Léonora Miano L’Afrique doit se réhabiliter à ses propres yeux».

https://www.letemps.ch/societe/leonora-miano-lafrique-se-rehabiliter-propres-yeux

مالكوم فردناند: منعتنا المركزية الغربية من رؤية وجهات نظر أخرى عن العالم

لا ينفصل تدمير البيئة عن علاقات الهيمنة العرقية والاستعمارية، إنه ينبع من طريقة استيطاننا للأرض، ومن حقِّنا في الاستيلاء على الكوكب؛ وهو ما يعني، في مجمله، أن علينا إعادة صياغة الماضي. حول هذه الصياغة، كان حوارنا مع «مالكوم فرديناند» صاحب كتاب «إيكولوجيا تفكيك الاستعمار – Une écologie décoloniale»، الذي فاز بجائزة مؤسَّسة أدب البيئة السياسية، عام 2019.

لويس روبلين، وأورور شايلو: غالباً ما نلقي اللوم، نتيجة التدمير البيئي الحالي، على الأنشطة البشرية في العصر الصناعي. لكنك تسلِّط الضوء على طريقة إخفاء هذا التأطير لعلاقات الهيمنة التي كانت موجودة منذ قرون. هل يزيل الخيال الغربي حول الأزمة البيئية دلائل الاستعمار؟

–  مالكوم فرديناند: لست، بأيّ حال، أوَّل من أشار إلى العلاقة بين عدم المساواة الاجتماعية والتدمير البيئي؛ بل يدخل هذا في صميم الإيكولوجيا الاجتماعية، والإيكولوجيا السياسية، والنسوية الإيكولوجية. لكن ما يهمّني هو ربط هذه الأسئلة بإرث العنصرية والاستعمار، والذي ما يزال قليل الاستكشاف (باستثناء حركات العدالة البيئية). لطالما كان التدمير البيئي والقمع الاجتماعي يسيران جنباً إلى جنب. مع ذلك، بما أننا مطالبون بمعالجة حالة الطوارئ المناخية، لا نزال نرى شعارات خالية من الفكر الاجتماعي، وهو ما يسمح للآخرين باستغلال الضرورة البيئية والدعوة إلى استجابة تكنوقراطية، مثل مكافحة التلوُّث وندرة الموارد عبر الهندسة الجيولوجية أو أسواق الكربون.

لقد تتبَّعتَ أصول الأزمة البيئية، بالعودة إلى القرن الخامس عشر وعصر الاستعمار.

–  لقد شهدنا تحوُّلات سريعة في تدمير البيئة، بخاصة في القرنَيْن: التاسع عشر، والعشرين، لكن الأزمة البيئية بدأت قبل ذلك. لقد انبثقت من طريقة معيَّنة لاستيطان الأرض، ومن اعتقاد البعض بأحقّيّة قلَّة قليلة في تخصيص الأرض لصالحها. يعود تاريخ «الاستيطان الاستعماري» هذا إلى نهاية القرن الخامس عشر (ابتداءً من منطقة البحر الكاريبي) عندما وصل «كريستوفر كولومبوس» إلى أميركا…

أنت تقارن «الأنثروبوسين»بـ«النيغروسين»(1)، على أساس «الاستيطان الاستعماري». هل يختلف هذا عن الاستغلال الرأسمالي؟

– لم يكن الأشخاص الذين تمَّ استغلالهم في أثناء وجود الاستعمار عدميِّين: على الرغم من أن الفلّاحين الفرنسيِّين كانوا، أيضاً، ضحايا للعنف الاجتماعي، إلّا أنهم كانوا، دائماً، يعتبرون أنفسهم متفوِّقين على السود. مسألة العنصرية، غالباً ما تكون غائبة عن السياسة البيئية الفرنسية. أختلف، حول هذه المسألة، مع بعض الماركسيين الإيكولوجيين الذين يعتمدون على الرأسمالية في شرح كلّ شيء أو الذين يزعمون أن عدم المساواة الاجتماعية والعنصرية البنيوية شيء واحد و أوحد. في حين أن الاستعمار والعبودية كانا مدفوعَيْن، أيضاً، بالمنطق الرأسمالي. استندت هذه العمليات، قبل كلّ شيء، إلى وجهة نظر استعمارية للعالم اخترعت التسلسل الهرمي بين الأجناس والأراضي المختلفة في العالم.

كانت أراضي الأميركتَيْن في الحقبة الاستعمارية، تابعة لأراضي أوروبا، وكان يُنظر إليها بوصفها وسيلة لإسعاد المساهمين، وهو ما أضفى الشرعية على أيّة ممارسة. وحتى التدابير المتَّخذة لحماية خصوبة الأرض، كانت تهدف، في النهاية، إلى الحفاظ على استغلالها. كان يُعتقد أن هذه الأراضي مختلفة عن تلك الموجودة في فرنسا. لقد كانت عملية عنيفة وكارهة للنساء، وطريقة مروِّعة للعيش على الأرض التي ساهم في تطويرها المستعمِر؛ من أجل هذا الأخير تمَّ تجريد البشر الآخرين من إنسانيَّتهم، ومن أجله كان للأراضي المستعمرة وغير البشر الذين يسكنونها أهمِّية أَقلّ من رغباته؛ هذا ما أسمِّيه «الاستيطان الاستعماري»، الذي يُعَدّ طريقة عنيفة لسكن الأرض وإخضاع الأراضي والبشر وغير البشر لرغبات المستعمر.

ثم يتمّ نسج مجموعة من الروايات والممارسات التبريرية، بالاعتماد على الدين والميتافيزيقا والقانون والثقافة، وما إلى ذلك. في عام 1848، على سبيل المثال، كان الإلغاء الثاني للعبودية، في فرنسا ومستعمراتها، بلا شكّ، معلماً سياسياً وقانونياً رئيسياً. ومع ذلك، تمَّ استخدام العديد من القصص الخيالية للإبقاء على العبيد السابقين في المزارع والحدّ من تطوُّر الفلّاحين. إن مُلّاك الأراضي، الذين اضطروا إلى زراعة نوع واحد من المحاصيل على أراضيهم، في ظلّ الأنموذج الاستعماري، قد حافظوا على موطن استعماري بعد عام 1848؛ ومنه ظلَّت عقليّة الاستيلاء والتسلسل الهرمي دون تغيير.

إن هذه الطريقة في الاستيطان، التي يمكن تصوّرها، الآن، بدون عبودية، تنشر ممارساتها إلى أماكن أخرى. نمت حقول الموز، والعمل في مزارع الحرير، وكذلك التعدين، في جميع أنحاء الإمبراطورية الفرنسية. وفيما يخصّ قضيّة التلوُّث بالكلورديكون الشائن في جزر المارتينيك وجوادلوب الفرنسية، أدَّت هذه الممارسات، في غضون 20 عاماً، فقط، إلى تلويث الأراضي لعدّة قرون، وتسمُّم آلاف الأشخاص من أجل ملء صناديق عدد قليل منهم. أظهر عملي أننا يمكن أن ننشغل بقراءة تكنوقراطية للمشاكل البيئية. إذا ما كنّا نعاني من مادّة كيميائية سامّة فلنخرجها من السوق، وإذا ما كنّا نعاني من الكثير من التلوُّث، فلنقم بتنظيم حلّ تقني أو تنفيذه. لكن «التابعين» لا يريدون، فقط، أن يتمّ تطهيرهم من التلوُّث أو حتى إحلال العدالة لجريمة بهذا الحجم، وبدلاً من ذلك، ومع عدم وجود لائحة اتِّهام حتى الآن، بعد خمسة قرون، فإن الأمر يتعلَّق، فقط، بتغيير الطريقة التي نستوطن بها الأراضي.

عندما تتحدَّث عن «التابعين»، من تقصد؟ أتقصد الناس المضطهدين، بشكلٍ عامّ، أم الطبقة العاملة، أم النساء، أم الأقلّيّات؟

–  أستخدم كلمة «زنجي»، بحرِّيّة، إلى حدّ ما (في كلمة «نيغروسين»، على سبيل المثال). التابعون هم الزنوج «المزارعون» الحاليّون، بغضّ النظر عن جنسهم أو لون بشرتهم. لقد أوسمنا الزنجي، بشكل أساسي، بصفة (أسود)؛ وأتت الكلمة من اللغة الإسبانية، فالكلمتان متماثلتان. لكن ليس السود وحدهم مَنْ عانوا في المزارع، وما زالوا يعانون هناك. تمَّ تجريد هذه الكلمة من معناها، أوّلاً، من قِبَل الكتاب. «الزنجي» هو من يقوم بعمل شخص آخر، دون أن يتمَّ الاعتراف به.

يلفت مصطلح «النيغروسين» الانتباه إلى كلّ تلك الكائنات التي تمّ استخدام قوّة حياتها لإشباع الرغبات الأنانية للآخرين. لطالما تمَّ تجاهل تاريخ استعباد السود في فرنسا؛ وما يزال يُنظر إليه، بشكل أساسي، من حيث العلاقات الاجتماعية أو العلاقات بين الجنسَيْن. لكننا نتغاضى عن كيفيّة ارتباطه بالتاريخ البيئي. نحن بحاجة إلى ربط استغلال الجثث باستغلال الأراضي. إذا بدأنا من المبدأ غير الحديث، القائل بوجود استمرارية بين الأجسام والنظم البيئية، فإننا ندرك أن إيذاء أحدهما هو إيذاء الآخر. يساعدنا هذا «الانعكاس» على فهم الثورات ضدّ العبودية أيضاً كمقاومة لهذا الاستيطان الاستعماري. هروب العبيد من المزارع هو أمر أساسي لعملي، لأنه طريقة أخرى للسكن. يتجاوز العبيد الفارّون مقاومة العبودية إلى تبنّي علاقة مختلفة مع الأرض ومع غير البشر.

ما هي عواقب هذا «الصمت الاستعماري»، اليوم؟

– أرى مشكلتَيْن؛ فمن ناحية لم نبدأ في التفكير في الاعتراف بما حدث إلّا بعد مرور 150 عاماً على إلغاء العبودية… من ناحية أخرى، يتمّ بناء فكر الحماية البيئية بشكل مختلف عن العنصرية، وصحيح، أيضاً، أن النشطاء البيئيين هم- في الغالب- من البيض (كما يعترفون بذلك).

أودّ أن أقول، إذن، إن الصمت الاستعماري يسهم في «الانقسام المزدوج» (الذي يفصل بين التفكير البيئي والتفكير الاستعماري)، ويستبعد شريحة كاملة من الناس الذين يستوطنون الأرض. ومع ذلك، يمكن للأشخاص الذين تَمَّ استعمارهم أن يسهموا، أيضاً، في التفكير في حماية البيئة. إننا، من خلال الاستمرار في الاعتقاد بأن الأشخاص الذين يتعرَّضون للعنصرية ليسوا مهتمِّين بالبيئة، نواصل إقصاءهم وإقصاء الطريقة التي يتصوُّرون بها المجالات والساحات الطبيعية للتفكير في حماية البيئة، ومنه يتولَّد لديهم عدم الثقة بسبب هذا الإقصاء. عملَ الخيال المبنيّ حول حماية البيئة، منذ البداية، على محو أدوار الآخرين، وكلماتهم.

علاوة على ذلك، يعني الانقسام الاستعماري التقليل من أهمِّيّة القضايا البيئية. يحاول كتابي، «إيكولوجيا تفكيك الاستعمار»، ربط الجسر بين حماية البيئة وإنهاء الاستعمار، لأنه يضرّ بكليهما. أحاول، على عكس روايات علم الانهيار، إظهار أنه منذ عام 1492، كانت هناك، بالفعل، انهيارات، وقد اقترحت العديد من المجتمعات علاقات بديلة مع العالم، لكن لم يُسمع صوتها، وبخاصّة في حركة حماة البيئة. مع ذلك، من خلال الاستمرار في نشر مختارات من نصوص حماة البيئة التي لا يظهر فيها أيّ مؤلّف أسود واحد، نحن نكرِّس أسطورة حماية البيئة التي يقودها البيض من الشمال العالمي، وأسطورة غياب التفكير البيئي عند الشعوب التي كانت مستعمَرة و مستعبَدة.

كيف يجب أن نفكر في العدالة الاجتماعية، ومكافحة العنصرية، والحفاظ على النظم البيئية، معاً؟ هل يسمح إعادة تعريف مفهوم الطبيعة بعمل هذا الارتباط؟

–  لقد منعتنا المركزية الأوروبية والمركزية الغربية من رؤية وجهات نظر أخرى عن العالم. وإذا ما أشرنا إليها، فمن باب الرومانسية: «أوه! فقط، لو تمكنّا جميعاً من العيش مثل شعب الغواراني!»، ومع ذلك، لا يمكننا الاحتفال بأسلوب حياتهم دون الاعتراف بتاريخهم وتهميشهم الاجتماعي، والسياسي…؛ لذا، يجب أن نترك وجهات نظرهم عن العالم تتحدّانا، دون أن ننسى تاريخ هذه الشعوب وما يطلبونه. ما هي المصطلحات التي يستخدمها هؤلاء الأشخاص لتأكيد علاقتهم بالعالم. هذه هي الطريقة التي سنعمل بها على سدّ فجوة الانقسام المزدوج للعدالة البيئية. يخلق الحديث عن الإبادة البيئية، على سبيل المثال، نسيجاً بين الأجيال (نربط أفعالنا بحياة أطفالنا، ونتحمَّل مسؤولية إرثنا، ونتفاوض بشأن إرث والدينا)، ولكن ينظر إلى هذا النسيج من منظور حماة البيئة، بدلاً من منظور اجتماعي، ومنظور سياسي. ومع ذلك، فإن فهم حقيقة أن التدمير كان ممكناً بفضل استغلال الشعوب الأصلية، يعني الاعتراف بحاجة هذه الشعوب إلى العدالة، فضلاً عن المطالبة بتعويضات العبودية.

يولي صنّاع القرار السياسي والاقتصادي، اليوم، اهتماماً كبيراً بالاستمرار في إخفاء هذا البعد الاستعماري

–  نحن بحاجة ماسّة إلى جعل فكر الحفاظ على البيئة حول العالم: في أيّ عالم نريد أن نعيش؟ يجب علينا أن ندرك الثقافة واللون، بدلاً من مجرَّد معالجة المشكلة من خلال الإدارة البيئية التقنية. هذا ما أعنيه عندما أتحدَّث «إيكولوجيا تفكيك الاستعمار».

هذا التغيير في الأنموذج يشبه، إلى حَدّ كبير، تغيير في الخيال. كتابك مكتوب بأسلوب أدبي، تقريباً.

–  لقد حصلت على إجازة أدبية من أجل أن أجعل الأمور محسوسة، بدل إظهارها، فحسب. نحتاج- «للتأثير في العالم»- إلى قيم مثل الحبّ والعدالة. إن بناء عالم بعد الاستعمار والعبودية، لن يكون إلّا بتقاربنا. أعرض، في جانب من كتابي، شخصيّات فرُّوا (بسبب العنف الذي تعرَّضوا له)، وفي جانب آخر شخصيّات تنكر نصيب الآخرين من هذا العالم. لكنني أتحدَّث، أيضاً، عن أولئك الذين قرَّروا البقاء على متن السفينة التي تشترك فيها جميع الكائنات. نحن جميعاً، في النهاية، على متن القارب نفسه، بعد كلّ شيء.

حوار: من أورور شايلو، ولويس روبلين، ترجمة: أحمد منصور

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

Why We Need a Decolonial Ecology

هامش:

1 – العصر الجيولوجي الحالي، الذي يُنظر إليه على أنه الفترة التي كان النشاط البشري خلالها، هو التأثير المهيمن على المناخ والبيئة.