كأننا لم نُترجِم إدوارد سعيد

كيف يمكننا ألّا نخضع للقوالب التي اختارها لنا الغرب. إن الاستشراق مستمر، ليس بالمعنى المُتداول اليوم بكونه «استشراقاً جديداً» قد ورث القديم، بل بمعنى أن العبرة من إيصال الوعي باللعبة الاستشراقية لم تتحوَّل إلى معرفة فاعلة. بعبارةٍ أخرى، إننا نرث التأخُّر السابق، ولكننا نحن مَنْ يوفِّر مساحة إنتاج التأخُّر اللاحق.

يُمكن تلخيص محتوى كتاب «الاستشراق» (1978) لإدوارد سعيد في مقولة جامعة: ليس الشرق الذي يدرسه المُستشرقون إلّا إسقاطات جاهزة بحيث تُخفي المعرفةُ نوايا الهيمنة، وبالتالي فالاستشراقُ ليس محاولة في دراسة الآخر، بل محاولة لإخضاعه.

بهذا الاختزال، وبهذه الطمأنينة، كثيراً ما نعتقد في ثقافتنا العربية بأن كتاب «الاستشراق» نال حظّه من التداول والفهم، وما ذلك إلّا كمَنْ يذهب في ظنه أن إلقاء نظرة على الغلاف الخلفي لكتاب أو على فهرسه يُغني عن قراءة المتن، فأهمية كتاب «الاستشراق» لا تقتصر على مقولاته، فهناك ما هو أكثر أهمية، وهو كيف بلغ المُفكِّر الفلسطيني تلك المقولات وبأي أدوات معرفية استطاع تصعيد مضمرات النصوص إلى مستوى الوعي المُشترك.

أكثرُ ما يُورِّطنا في مثل هذا الاعتقاد بحضور كتاب «الاستشراق»، وهو غائب، هو تعدُّد ترجماته. خلال العام المُنقضي، صدرت عن «دار الآداب» رابع ترجمة للكتاب إلى العربية، وقد أنجزها محمد عصفور، وتأتي بعد ترجمات كلٍّ من كمال أبو ديب، ومحمد عناني، ونذير جزماتي. لن نختلف بأنّه من حقّ كتاب «الاستشراق» علينا أن يُترجَم عدّة مرات، ولكن لا ينبغي عليه أن يتحوَّل إلى شجرة تخفي ما وراءها، من ذلك أنه حجب كتباً أخرى من مشروع سعيد بعضها لم يُترجَم بعدُ مثل «بدايات: المقصد والمنهج» (1975) و«مسألة فلسطين» (1992).

لا يعني ذلك أية مؤاخذة على المُترجمين الذين تصدّوا لنصوص سعيد. وإنما يتعلّق الأمر بكون الترجمة ليست سوى شكل وحيد من أشكال عديدة لاستقبال مفكِّر يكتب في لغةٍ أُخرى، ولا ينبغي لهذا الشكل أن يحتكر وحده كل عملية التلقّي، فنحن لا نجد مثلاً محاولات في كتابة السيرة (الغيرية) لسعيد باللسان العربيّ، سيرة بالمعنى المعرفي أو الشخصي، ومرّة أخرى نقف على اكتفاء بترجمة فوّاز طرابلسي للسيرة الذاتية لسعيد والتي حملت عنوان «خارج المكان».

كما أننا لا نجد للمُفكِّر الفلسطيني حضوراً في أشكال تأليفية كثيرة مثل المعاجم ودراسات التلقّي، وهذه الأخيرة باتت حاجة مُلحّة فمع نموذج مثل إدوارد سعيد يمكننا أن نفهم كيف نستعيد المُفكِّرين العرب الذين ينتجون في الغرب، وهؤلاء ليسوا قلّة (سمير أمين، أنور عبد الملك، محمد أركون، مصطفى صفوان، إيهاب حسن…). كما أننا مع سعيد حيال مسائل مخصوصة ومثيرة مثل المركزية التي فرضها لنفسه كتاب «الاستشراق»، ولعلّه من الضروري اليوم التفكير في كتابة التاريخ العربي لكتاب «الاستشراق» مع تعدُّد ترجماته وتضخُّم توظيفاته.

من جانبٍ آخر، لا نعثر على أثرٍ كبير لسعيد خارج بيئة العلوم الإنسانية في حين أن مدوَّنة المُفكِّر الفلسطيني قابلة للاستثمار في حقول شتّى؛ من الأدب إلى الفنون البصرية. مع الإشارة إلى بضعة استثناءات منها دعوة سعيد من قبل المخرج المصري يوسف شاهين للظهور في أحد أفلامه، ناهيك عن اعتماد مقولاته ضمن التصوُّر العام لعدد من مشاريعه السينمائية التي تعالج العلاقة بين الغرب والشرق، كما يمكن لنا أن نذكر حضور المُفكِّر الفلسطيني في جدران شوارع تونس ما بعد الثورة (2011) حين اعتمدته مجموعة «أهل الكهف» كأيقونة في أعمال الغرافيتي التي ضخّتها في الفضاء العمومي ضمن تشكيلة من رموز المقاومة الفكرية (طوني نيغري، جيل دولوز…).

كما يمكن أن نذكر شكلاً طريفاً آخر من أشكال التلقّي وهو إعادة بناء أطروحات صاحب «الثقافة والإمبريالية» في تخصُّصات معرفية أخرى، ونجد مثالاً على ذلك في اللّغة الفرنسية حين استعاد الباحث من أصول جزائرية «آلان مسعودي» أطروحة كتاب «الاستشراق» وأثبتها باعتماد مدوَّنة أرشيفية بدل الاعتماد على مدوَّنة أدبية-مخيالية كما فعل سعيد.

كلُّ هذه أشكال من التلقّي تكاد تغيب في ثقافتنا، وهي تدلّ على بعض أعطابها، وتكشف عمق الفجوة المعرفية بيننا وبين العَالَم، فإذا كان التعامل مع إدوارد سعيد، القريب من الثقافة العربية، بل المُتقرِّب منها في أحيانٍ كثيرة، بهذا الشكل فما بالنا مع مفكِّرين يشتغلون في مسائل وقضايا بعيدة عن متداول الحياة الفكرية العربية.

 

 

إنّ مترجمي سعيد شهودٌ، هم أنفسهم، على إشكاليات تلقّيه، وهؤلاء أوّل مَنْ يعترف بـ«ثغرات مكتبة إدوارد سعيد في اللّغة العربية» والعبارة لفوّاز طربلسي في تقديم ترجمته لكتاب «عن الأسلوب المُتأخِّر»، وفيها يشير إلى أن أحد أسباب وجود هذه الثغرات هو ضمور الثقافة العامة العربية في عدّة اختصاصات تناولها المُفكِّر الفلسطيني ما يضع المُترجم في موقع ضعف أمام بعض نصوصه، فهو مثلاً ينتقل من المعرفة الدقيقة للأدب الإنجليزي أو الفرنسي أو الإيطالي إلى معرفة شمولية بتاريخ المُوسيقى الكلاسيكية، مروراً بالفلسفة والتاريخ السياسي والعلوم الاجتماعية.

يضيف طرابلسي صعوبة أُخرى تتعلَّق بمُستويات مختلفة في مادة سعيد نفسه، بين كتاباته الأولى والأخيرة، فعمل كالذي نقله طرابلسي إلى العربية «ينطوي على صياغة إدوارد سعيد المتأخّر لأدواته المفهومية في حالتها الصقيلة، المسكوبة في أسلوب مميّز بلغ أقصى درجات الصنعة والأناقة»، وفي ظل عدم تعوّد القارئ العربي مع مثل أدوات الكتابة هذه سرعان ما تنشأ قطيعة تذوّقٍ وفهمٍ تجاه سعيد.

يمكن أن نعود أيضاً إلى شهادة نشرها كمال أبو ديب (صاحب أول ترجمة لـ«الاستشراق» كما ترجم كتاب «الثقافة والإمبريالية») بُعيد رحيل المُفكِّر الفلسطيني في «مجلة الثقافة العربية» (العدد 45، 2004) وحاول إضاءة ما يعتبره «ميراث» إدوارد سعيد أو وصيّته الفكرية، فذكر جرأته على التأويل وتعليمه إيانا «كيف تهاجر النظريات» وكيف «نربط التجربة بالثقافة»، وكيف نرى النصوص «كطاقة واحتمال قابل للتكاثر». فلنتساءل -على مسافة عقدين مما كتبه أبو ديب- عمّا تحقّق من كل ذلك: هل يوجد من هذه الأمور ما تحوَّل إلى ذهنية عامة -على الأقل في البيئة البحثية- تُسدي خدماتها للثقافة العربية؟ هل أن مفهوم النص عند سعيد قد أفاد ثقافتنا بشيء خارج دوائر المعرفة التقنية؟ ما نراه من حولنا يؤكِّد فشل ربط ما تُنجزه الثقافة العالمة بفضاءات الثقافة العامة. لو أننا نتعامل مع النصوص برؤية سعيد لانتهينا من جزءٍ غير قليل من إشكالياتنا الكبرى: الديكتاتورية أو التطرُّف مثلاً بوصفهما محاولات عنيفة لاحتكار التأويل.

علينا أن ننتبه أيضاً -ونحن نحاول تبيان الحواجز التي تعيق وصول سعيد إلينا- إلى أن المادة التي يجترح منها المُفكِّر الفلسطيني دراساته غريبة غالباً عن الأرض العربية. يمكن أن نفحص بنظرة سريعة بيبليوغرافيا كتب مثل «الثقافة والإمبريالية» و«فرويد وغير الأوروبيين»، وحتى «الاستشراق»، لنكتشف أن معظم الأسماء والنصوص التي يُعمِل فيها سعيد مِشرط الباحث غير مروَّضة في الغالب من المُثقّفين العرب رغم شهرة أسماء أصحابها: «ألبير كامو» (لعلّه الأكثر حظاً) و«جوزيف كونراد» و«غوستاف فلوبير» و«شاتوبريان» و«جيرار دو نيرفال»، و«دي لامبيدوزا».

يُضاف إلى هؤلاء ونصوصهم شبكة نظرية ينهل سعيد منها نسيجه المفاهيمي فينتقي ما يحتاجه من «فوكو» و«غرامشي» و«أدورنو» و«ألتوسر» و«جامباتستا فيكو» و«هوسرل» وغيرهم. وهذا النسيج المفاهيمي يحتاج إلى خلفيات حيث لا يمكن تفعيله في ذهن القارئ من أول لقاء. كما أن هذا القارئ مدعوّ لفهم فويرقات الدلالة في بعض المُصطلحات مثل الإمبراطورية والإمبريالية أو تصوُّره لمفهوم المنفى. ولا ننسى أنه يُفترض في قارئ كتابات إدوارد سعيد أن يحمل خلفية عن الدوائر التي يتقاطع معها فكره؛ النظرية الأدبية، تيار ما بعد الاستعمار، الدراسات الثقافية…

ربما علينا أن نعترف بأن الحفاوة العربية بسعيد مرّت من الاعتراف الغربي. هكذا نكرّس المركزية الغربية في مقام كتاب يناهض هذه المركزية ويعمل على تفكيكها. ولعلّ في ذلك أحد أسرار سوء تلقيه، أو قلّة الاستفادة منه، وفي الغالب نتلقى كتاب «الاستشراق» من زاوية كونه منعطفاً في الدراسات الأدبية والثقافية، ولا ننتبه إلى الظروف التي تهيّأت في الغرب ليكون هذا المُنعطف ممكناً منها التراكم النقدي حول مفهوم الهيمنة الثقافية (غرامشي، ستيوارت هول، ريموند وليامز، تودوروف…) وللاستشراق ذاته (أنور عبد الملك خلال إقامته في فرنسا). فهل توجد في مدوَّنتنا البحثية مثل هذه التراكمات؟

ينجرّ عن حالة عدم الانتباه هذه التباسٌ في تلقينا لمقولات الكتاب، فهو خطاب موجَّه إلى الغرب، يعمل على نزع أقنعة هذا الأخير ودفعه كي يقف أمام مرآة التحليل. ونحن نقرؤه كذلك، أي كخطاب موجَّه إلى الغرب، وهي قراءة تعفينا من اعتباره خطاباً موجَّهاً إلينا أيضاً، أي أنه يفضح أخطاءنا نحن كذلك، نحن ضحايا الاستشراق، وهذا هو المعنى الأشمل للترجمة بما هي أوسع من الخدمة النصية التي يقدِّمها المُترجِمون. ولنا من هذه الزاوية أن نقف على مأساة المُترجِم العربي الذي يجتهد ويثابر في نقل نص لا يؤدّي بعد ذلك كثير نفع للمُجتمع الثقافي.

كيف نغفل إلى هذا الحدّ عما في كتاب بكل هذا الحضور الطاغي؟ تلك مفارقة قاسية تخترق ثقافتنا العربية. إن من جنايات سوء التلقّي أن تتحوَّل مقولات كتاب «الاستشراق» من كونها فكراً نقدياً إلى أيديولوجيا نفهم من خلالها علاقتنا بالغرب بكثير من التسطيح ونكرِّس بذلك وضعيّتنا كضحايا. أولى بنا ألّا نرى «الاستشراق» كمقولة باتة، كأن نقرأه ككتاب يتحدَّث عن التقنيات الثقافية وهي تتحوَّل إلى أسلحة للإخضاع، فالاستشراقُ الأدبي كان تحقُّقاً سردياً لأيديولوجيا غازية، ولا سبيل لصدّها إلّا بمنجز سرديّ مضاد، ناهيك عن ضرورة بلورة أشكال تحقُّق أخرى؛ بصرية وبحثية وغير ذلك.

ماذا طوَّرت ثقافتنا من هذه الأسلحة؟ ومن هذه التقنيات (أشرنا آنفا إلى فقدان تقنيات التلقّي، فما بالنا بتقنيات الصدّ أو رد الفعل). كيف يمكننا، والوضع كذلك، ألّا نخضع للقوالب التي اختارها لنا الغرب. إنّ الاستشراق مستمر، ليس بالمعنى المُتداول اليوم بكونه «استشراقاً جديداً» قد ورث القديم، بل بمعنى أن العبرة من إيصال الوعي باللعبة الاستشراقية لم تتحوَّل إلى معرفة فاعلة. بعبارةٍ أخرى، إننا نرث التأخُّر السابق، ولكننا نحن مَنْ يوفِّر مساحة إنتاج التأخُّر اللاحق.

باتريك موديانو: يمكن حذف عناوين رواياتي للحصول على كتاب واحد

أصدر باتريك موديانو، الكاتب الذي تحصَّلَ على جائزة «نوبل» للآداب، لعام (2014)، روايته الثلاثين الموسومة بـ «شيفروز – Chevreuse». ونجد فيها الظلال المتداخلة والملتبسة نفسها، والأماكن نفسها، والشابّ نفسه الذي يتطلَّع ليصير كاتباً، وهي العناصر نفسها التي نجدها في العديد من رواياته الأخرى. موديانو، المتحفِّظ الذي نادراً ما يتحدَّث إلى وسائل الإعلام، كان لطيفاً بما فيه الكفاية لإجراء هذه المقابلة معنا.

يستقبل باتريك موديانو زوّاره في بيته الذي هو شقّة مشرقة، ذات سقف عالٍ، بالقرب من حديقة لوكسمبورغ. وقد كانت الموظفة المسؤولة عن لقاءاته مع الصحافة قد حذَّرتنا قائلة: «سأكون حاضرة معكم في البداية، لأنه يفضَّل ذلك». اللقاءات الصحافية ليست بالممارسة الأثيرة لدى كاتبنا، لذلك هو لا يقبل عليها إلّا متردِّداً. ووجود شخص من معارفه يمنحه شيئاً من الطمأنينة. ثم إن الموظَّفة، في الحقيقة، انسحبت فور جلوسنا.

ها نحن، إذن، في مكتب موديانو: جدران مكسوّة بالكتب، وطاولة للكتابة، وأريكة حمراء واسعة؛ للحديث عن روايته الجديدة «شيفروز»، التي نلتقي فيها ببعض الشخصيات التي سبق أن صادفناها في بعض رواياته الأخرى، وبشوارع مألوفة، وبالمنزل الكائن في إحدى ضواحي باريس، المنزل نفسه الذي سبق للكاتب أن عاش فيه لبضع سنوات، عندما كان طفلاً، مع بالغين، تركه والداه عندهم.

عالم أصبح، الآن، معروفاً لدى قرّائه المخلصين. يقول موديانو: «أدركت أنني أكتب الكتاب نفسه في كلّ مرّة، تقريباً». «كلّ رواية من رواياتي تحمل عنواناً مختلفاً، ولكن يمكنك إزالة العناوين لتحصل في النهاية، على كتاب واحد. الأمر يشبه، نوعاً ما، موسيقى تتكرَّر فيها بعض الجمل لتشكِّل كلّاً متكاملاً».

«الماضي كتلة من النسيان تنفلت منها بعض الشظايا»

في رواية «شيفروز»، تتذكَّر الشخصية الرئيسية جان بوسمان، وبعض الأشخاص غير المألوفين، ومجموعة ملغزة من الأسماء (الموديانية) جدّاً (ميشيل دو غاما، مارتين هايوارد، روز ماري كراويل، رينيه ماركو هيريفورد، وغيرهم)، والتي كان يخالطها عندما كان شابّاً في الستِّينات. ما حقيقة هؤلاء الناس؟ لماذا يعطونه انطباعاً بأنهم يعرفون أشياء من ماضيه؟ لماذا يجرّونه، دون أن يدري، إلى الأماكن التي عاش طفولته فيها؟

يوجد لدى موديانو سمت زمني دُفِنت الذاكرة بين ثناياه: «لطالما اعتقدت أن الماضي، أو الزمن الذي يتوارى، هو كتلة من النسيان، تظهر، بين طيّاتها، بعض الشظايا الصغيرة. ما يهيمن على الذاكرة هو سحابة من النسيان. ومن الواضح أنه، من وقت إلى آخر، تظهر شظايا صغيرة، شظايا تطفو على السطح، على أن المادّة الرئيسية تظلّ هي النسيان، دائماً».

يمكن أن تأتي شظايا الذاكرة هذه في شكل أشياء (ساعة، مذكِّرة، بوصلة) أو نبرة اسم معيَّن، أو أماكن محدَّدة. ورغم أن الراوي يقف على حافّة الواقع والحلم، كمن «يسير في نومه»، كما جاء على لسان موديانو في الرواية، إلا أن تحرِّيه للدقّة لا ينقص، مع ذلك: «الأماكن التي أستحضرها، عرفتها كلّها: وادي شيفروز، وهي قرية ليست بعيدة عن باريس، وشقّة كائنة بحيّ بورت دوتويل. ولكن مع مرور السنين، يتحوَّل كلّ ذلك إلى ما يشبه بلداً شاهدته في الأحلام. لطالما اعتقدت أن المرء إذا أراد أن ينقل إلى قرّائه الإحساس بأجواء روائية معيَّنة، تكاد تكون خيالية، لا بدَّ له من الارتكاز على تفاصيل دقيقة جدّاً. كما هو الحال في بعض اللوحات السريالية. نحن نأخذ شارعاً قد يبدو عاديّاً، ومن خلال الإمعان في النظر إليه، يصبح سريالياً، تقريباً».

«أردت أن أترجم ما يعتمل داخل شخص يقوم بالكتابة»

عادةً، تظهر الشخصيات والوضعيات، لدى موديانو، بمظهر مألوف في البداية، ولكنها سرعان ما تصير محاطة بالغموض، بل تتَّخذ صبغة مقلقة. في كثير من الأحيان، هذا الضيق العائم، وهذا الخوف، يعودان بنا إلى سنوات الطفولة: «أردت أن أترجم ما يحدث في نفس شخص يكتب، ويستلهم من شخصيات، ربَّما، خالطها في الماضي، وكلّ الناس الذين تسبَّبوا له في الشعور بالقلق أو الخوف في طفولته، فالكاتب يُحيِّدهم عندما يستخدمهم كشخصيات في رواية، حيث يتحوَّلون إلى مجرَّد أشباح، كما لو أنهم انتقلوا إلى عالم موازٍ».

ولكن، هناك، أيضاً، موديانو مبتهج، يستمتع بالكتابة، وبدأ، منذ بضع سنوات، يسكب في رواياته جرعة سخرية من الذات. فرواية «شيفروز» تأخذ، في بعض الأحيان، طابع روايات الجريمة بحثاً عن ذاكرة من الطفولة تَمَّ نسيانها، إلى درجة أن الكاتب يسترسل في ارتجال سلسلة من العناوين المحتملة للرواية التي يحملها القارئ بين يديه: «مواعيد سان لازار»، «أسرار فندق شاتام»، «الحياة السرِّيّة لرويني-ماركو هيريفورد»… «أحياناً، تسخر من نفسك قليلاً، مثل شخص لديه وجهة نظر ساخرة حول فعل الكتابة».

هل كان سينزلق إلى مصير سيِّئ لو لم يصبح كاتباً؟ يفكِّر، للحظة، قبل أن يجيب: «بما أنني لم أكن أتابع دراسات محدَّدة جدّاً، ولم يكن لديَّ بيئة عائلية محدَّدة، فقد كنت في حالة من عدم اليقين. شعرت بأنني لا بدّ من أن أبدأ شيئاً، وإلا ظلَّت تتقاذفني الأمواج. ولكن، في الوقت نفسه، كان أمراً ساذجاً جدّاً، لأننا نكتب، ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحدّ. إذ من الضروري أن يجد الكتاب الرضا لدى القرّاء، ويجد طريقه للنشر. إنها لعبة حظّ».

في رواية «شيفروز»، كما هو الحال في رواية «حبر ودود»، يُدخِل موديانو القارئ إلى ورشة الكتابة الخاصّة به. ويضع بين صفحاتها -وهذا ليس بالأمر المفاجئ- مديحاً للصمت: «لقد كنت دائما منجذباً إلى حذف أشياء عديدة من كتاباتي، لأترك، بعد ذلك نوعاً من ثقوب الصمت. قد يكون لدى بعض الكتاب أسلوب مزخرف. أمّا أنا فميولي الطبيعي ينحو نحو إزالة الكثير من الأشياء، باعتماد تقنية الحذف. في الأدب، يجب على الكاتب أن يترك فجوات من الصمت؛ فعندما تكون هناك الكثير من الأشياء، قد يشعر القارئ بالاختناق. لا بدَّ من ترك مساحة أمامه؛ لأنه هو من يكمل الكتاب، في الواقع».

حول هؤلاء الذين يسعون إلى ردّ الاعتبار للمارشال بيتان – Pétain، يقول: «إنهم لا يعرفون عن أيّ شيء هم يتحدَّثون»

الوقت يتقدَّم، وقد تحدَّث إلينا لمدّة أربعين دقيقة، وبدأنا نخشى أن نشقّ عليه؛ لذا خطر لنا أن نطرح عليه سؤالاً حول القضايا الراهنة، ننهي به المقابلة: كيف يمكن لمؤلِّف رواية «دورا برودر»، الذي كافأته لجنة تحكيم جائزة «نوبل» عن امتلاكه «لفنّ الذاكرة الذي مكَّنَه من تناول أكثر مصائر الإنسان مراوغةً، وكشف النقاب عن عالم الاحتلال»، أن يتفاعل مع محاولات إعادة الاعتبار لنظام فيشي – Vichy، ولو جزئياً، على الأقلّ؟، ففي رواية «دورا برودر»، أدرج مقتطفات من رسائل بعث بها، إلى السلطات، بعض أقاربه يعبِّرون فيها عن قلقهم بعدما عاينوا أشخاصاً يُعتَقلون لأنهم يهود. «كانت رسائل مفجعة»، يعلِّق موديانو، برصانة.

«بُعثت هذه الرسائل إلى مقاطعة الشرطة، وإلى المارشال بيتان نفسه، ولم يتلقَّ أصحابها أيّ ردّ. لقد أدرجت بعضاً منها، ولكن إذا ضممنا الرسائل كلّها، بعضها إلى بعض، فسنرى…». يصمت، ثم يقول: «إنهم لا يعرفون عن أيّ شيء هم يتحدَّثون. لا بدَّ أنهم لا يعرفون جيّداً تاريخ سنوات الاحتلال، أو أنهم سياسيون، يفعلون ذلك بخلفيّات سياسية، ولكن يكفي أن نقرأ الوثائق، لأن الأرشيف مفتوح الآن. سيرون ما كان عليه الأمر حقّاً، فلم يعد هناك أيّ غموض في هذا الشأن».

قبل إغلاق الميكروفون، أشرنا إليه بملاحظتنا غياب أيّة معطيات حول سيرته على ظهر الغلاف، فلا تاريخ ميلاد، ولا إشارة إلى نيله جائزة «نوبل»؛ كما لو كان يميل، مثل بعض شخصياته، إلى الانمحاء والاختفاء، وكما لو أن كلّ جوائزه، وأوسمته، تشكِّل عبئاً ثقيلاً جدّاً بالنسبة إليه. يضحك. يوافقني الرأي: «هذا صحيح!»، ثم يردّ مبتهجاً: «صحيح ما تقوله! كلَّما كبرت في السنّ، يصبح هذا الأمر أثقل وأثقل. هذا (يشير إلى حذف عناصر السيرة الذاتية) يزوِّد المرء بقليل من الشجاعة، لكي يستمرّ، بشيء من الخفّة».

في حقيقة الأمر، باتريك موديانو ليس هو ذلك الكاتب البالغ من العمر ستَّة وسبعين عاماً، والذي يمتلئ سجلُّه بجوائز تقديرية لا حصر لها، بل هو هذا الشابّ الوسيم في العشرينات من عمره، الذي يهيم في شوارع باريس. وسيبقى كذلك…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: إيلانا ماريوسف

العنوان الأصلي، والمصدر:

Mes romans changent de titres, mais on pourrait les supprimer et cela ferait un seul livre.

https://www.franceinter.fr/livres/patrick-modiano-mes-romans-changent-de-titre-mais-on-pourrait-les-supprimer-et-cela-ferait-un-seul-livre.

منصف الوهايبي: السجال حول «قصيدة النثر» بدأ قبل ظهور «قصيدة التفعيلة»

يُعَدّ الشاعر والأكاديمي التونسي منصف الوهايبي (1949، القيروان) واحداً من شعراء الحداثة في تونس والعالم العربي. هو أستاذ بكلِّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، في سوسة. من أعماله الشعرية: «ألواح» – «من البحر تأتي الجبال» – «مخطوط تمبكتو» – «ميتافيزيقا وردة الرمل تونس» – «فهرست الحيوان» – «كتاب العصا» – «الصيد البحري»، بالإضافة إلى أعماله السردية…

في هذا الحوار، يتحدَّث منصف الوهايبي عن أعماله في الشعر، والسرد، والترجمة، في سياق خلفيَّاته الفكرية، وقناعاته الإبداعية.

أنت شاعر، وروائي، ومترجم. ما المجال الأقرب إليك؟

– كتبت سيناريوهَيْن لفيلمَيْن قصيرَيْن: الأوَّل «يا بلداً يشبهني»، وقد مثّلت فيه، أيضاً، والثاني «في انتظار أرويس/ ابن رشد»، كما نشرت ثلاث محاولات روائيّة هي: «عشيقة آدم»، وقد فازت بالكومار الذهبي (2012)، وأصدرها أستاذنا الراحل توفيق بكّار، في سلسلة «عيون المعاصرة». وقد كتبتها بين (2009) و(2010)، ووظّفت فيها التقنيات الفيسبوكيّة، والثانية هي «هل كان بورقيبة يخشى حقّاً معيوفة بنت الضاوي»، وقد حاولت فيها أن أرسم صورة الزعيم الحبيب بورقيبة، باني دولة الاستقلال، في المخيال الشعبي، لا من منظور تاريخي أو سياسي، والثالثة هي «ليلة الإفك»، وهي تعالج ما حدث في تونس من عام (2010) إلى (2014)، وجلّ شخصيّاتها بأسمائهم الحقيقيّة. ولديّ محاولة رابعة بعنوان «جمهوريّة جربة»، الجزيرة التونسيّة الشهيرة، تخيّلتها وقد انفصلت عن تونس؛ وساحت في البحر؛ وأخذت تقترب من مالطة، وأرجو أن أنهيها هذا العام. للحقّ، أنا لست روائيّاً، ولا أدّعي ذلك. إنّما أنا قارئ للرواية، ولا يكاد يفوتني منها شيء؛ عربيّاً وعالميّاً. لأقلّ إنّي قارئ يكتب الرواية، أو ما يفيض عن الشعر. ولكن بلغة الرواية. فأنا -على ما أظنّ- أعرف، بحكم قراءتي للروائيّين العالميِّين الكبار، وعلى رأسهم جيمس جويس، كيف أكفّ عن كوني شاعراً؛ ما إن أشرع في كتابة هذا النوع من السرد الروائي، وأدرك كيف ينهض القول السردي برواية قصّة أو مغامرة تنتظمها حبكة، يقوم بها شخوص يتحرّكون في فضاء وزمان مخصوصَيْن. وهم يؤدّون القصّة في ضوء الممكنات السرديّة، وما يتعلّق منها بالتغييرات الزمنيّة، وإدارة فنّ الدخول إلى العالم المحكيّ، سواء أقيّدته وجهة نظر داخليّة أم لم تقيّده، وهذا لا يتسنّى في النصّ الشعري، إلاّ نادراً؛ بالرغم من أن لي قصائد مركّبة ذات منحى سرديّ؛ ولكن شتّان بين السرد الشعري المكثّف والسرد الروائي المفصّل.

فزت، في العام الماضي، بجائزة الشيخ زايد للآداب، عن ديوانك «بالكأس ما قبل الأخيرة»، وهي المرّة الأولى التي تمنح فيها هذه الجائزة للشعر .ماذا يعني ذلك لك، وللشعر؟

– هذا يعني لي الكثير؛ من ذلك إعادة الاعتبار إلى الشعر العربي في «جنس» منه، هو ما نصطلح عليه «قصيدة التفعيلة» (على قلق العبارة)، وهو لا يزال الأقدر، فنيّاً وإيقاعيّاً، على تمثّل مختلف تحوّلات القصيدة العربيّة الحديثة؛ فهذا الشكل يمكن، بحكم إيقاعه، وهو إيقاع العربيّة نفسها، ومن كنهها؛ أن يستوعب -إلى جانب شعريّته- شعريّة قصيدة النثر، بل شعريّة «قصيدة البيت» أو ما يسمّى خطأً «القصيدة العموديّة». كما أنّ الجائزة هي تكريم للشعر العربي المغاربي «المهمّش»، عادةً، في دراسات المشارقة أو «المنسيّ»، لما ترسّخ في ذاكرتنا من شدّ وجذب بين «المركز» و«الهامش»؛ لاعتبارات تاريخيّة، بعضها قديم، وبعضها يرجع إلى القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين. في القرن الماضي، كان أبو القاسم الشابي الوحيد الذي حظي بحفاوة المشارقة، وخاصّةً في مصر، مع مجلّة «أبولو». وقد سعدت، شخصيّاً، عام (1996)، عندما شاركت في مهرجان القاهرة الشعري، وقرأت في الأمسيّة الأولى مع شعراء مشهورين، منهم أحمد عبد المعطي حجازي، ومحمود درويش، وسعدي يوسف، وسامي مهدي، وعبد اللطيف اللعبي… وكان لقصيدتي صدًى، فقد كتب عنّي الراحل الكبير فاروق شوشة مقالاً في «الأهرام»، عنوانه «الوهايبي شاعريّة ما بعد الشابي». ونبّه إلى أنّ هناك شعراً في المغرب العربي، يُعتَدّ به.

يحضر المكان، بشكل لافت، في هذا الديوان. هل يمكن أن تحدّثنا أكثر عن نشأة هذه التجربة الشعرية؟

– هو من منشورات «دار مسكيلياني» للنشر والتوزيع، تونس (2019)، بإدارة الأستاذ شوقي العنيزي، الناشر المثقّف حقّاً. و«الكأس ما قبل الأخيرة» عبارة اقتبستها من حوار مع الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، ووظّفتها في سياق الإحالة على نصّ محمود درويش «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي»، ولعلّ رمزيّتها تكمن في أنّ تمام الأشياء أو كمالها هو في نقصها، والنقص هو الأمل في ما يمكن أن يأتي.. يقع هذا الكتاب الشعري في أكثر من (420) صفحة؛ وهو يضمّ قصائد كلّها موزونة (شعر تفعيلة)، وهذه القصائد جلّها قصائد مركّبة «طويلة» تستنطق المكان العربي في الجزيرة العربيّة، واليمن، وعالم الفينيقيّين، من خلال استحضار المحنة السوريّة، والشمال الإفريقي والغربي (شبه الجزيرة الأيبيريّة، وعالم الأندلس والموريسكيّين، وجنوب البرتغال، ولنبدوزا وجنوة في ايطاليا، وسيت، وباريس في فرنسا)؛ أي هو «جغرافيا» شعريّة، حيث المكان يحضر في علاقته الملتبسة بالماضي والحاضر معاً؛ أي «الحال» كما كان يسمّيه نحاة العرب، وليس في سياق الزمنيّة الخطّية التي لا تناسب الزمنيّة الشعريّة، وهي حضور الحاضر.

بعد الدعوات الصارخة بالحداثة والتجريب الشعري، منذ السياب ونازك والبياتي، مروراً بما يسمّى الشعر الستِّيني وحتى الآن… كيف تنظر إلى حضور القصيدة العمودية في المشهد الشعري المعاصر؟

– الحقّ أنني أقرأ هذا السجال في سياق مختلف: في ضوئه، يمكن أن نميّز بين نظامَيْن في الكتابة، يكشفان عن خطّتَيْ تلفُّظ مختلفتَيْن الأول: هو نظام كتابة متجرّدة من كلّ جسمانيّة سواء أكانت أيقونيّة أم كانت قوليّة، كلـّما جرت المسموعات من الأسماع مجرى المرئيّات من البصر، بعبارة حازم القرطاجنّي، وهذا ليس مخصوصاً بالقديم أي «قصيدة البيت» أو«القصيدة العموديّة»، وإنّما يشمل، أيضاً، القصيدة المعاصرة وهو النظام الثاني في الكتابة، التي أستعير لها هذه الكناية اللطيفة «باب بدفّتَيْن»، وقد تلقّفتها من محمود درويش في لقاء بالقاهرة؛ وهو يسألني عن شاعر صديق عاد، بقوّة، إلى قصيدة الشطرَيْن: صدر، وعجز. وأنا، أتبنّى رأي هنري ميشونيك: إذا كان القصيد الذي يُكتب ينظر إلى شعر الماضي، فهو ليس بالقصيد، وإنّما هو «تشعير»؛ وعليه فالقصيد «مغشوش» ونسج على منوال، وليس تجربة.

هناك من يعتبر قصيدة النثر خواطر شخصية، لا غير. في رأيك، ماذا قدَّمت قصيدة النثر للشعر العربي؟

– لا أدري ما إذا كان بعضنا على دراية بأنّ السجال حول «قصيدة النثر» و«الشعر المنثور» بدأ منذ أوائل القرن الماضي؛ أي قبل ظهور «قصيدة التفعيلة» بأكثر من ثلاثة أو أربعة عقود. كان ذلك مع أمين الريحاني عام (1905)، مترسّماً والت ويتمان في «أوراق العشب»، وهو لا ينكر هذا التأثير، ويرى أنّ ويتمان خلّص الشعر من قيود العروض والأوزان. وكتب التونسي زين العابدين السنوسي، عام (1928)، مقالاً وسمه بـ«الشعر المنثور»، نبَّهَ فيه إلى أنّ هذا النمط «يشارك الشعر في خياله، وحذلقته (الحذق والمهارة) الرائعة الرقراقة، وإن كان لا يتقيّد بوزن، ولا يتسلسل على نظام مخصوص». ويؤاخذ بعض كتّاب المشرق الذين يمزجون مزجاً غريباً بين «الشعر المنثور» والسجع العربي المعروف وبين «الأبيات الحرّة»، وهي غير النثر الشعري، إذ أنّها تمتاز عليه بالاتّزان؛ وإن اشترط فيها عدم التقيّد بوزن معيَّن.

تُتَّهَم قصيدة النثر بكونها انقطاعاً عن التراث، وخلعاً للجذور والهويّة.. كيف ترى ذلك؟

– أحبّ أن أنظر إلى المسألة بمنأى عن هذه «التهم»، وهذا النمط من الشعر يقرأ في سياق التحوّل الذي نعيشه، فقد أخذت الصّورة تتحوّل من «مسموع» إلى «مكتوب»، ولم يعد العالم هو نفسه؛ إذ لم يعد له الفضاء نفسه؛ بدأنا نشهد ولادة نوع من الكتابة تُعالج فيها الإشارة بمعزل عن وظيفتها الدّلاليّة التـّواضعيّة أو المرجعيّة أو التـّوصيليّة. فهي دليل لغويّ ينبتّ عن الصّورة، بالمعنى الذي استتبّ لها عند المتقبّلين عامّة، ويخون رابطة العقد بين المنشئ الكاتب والسّامع/ القارئ. على أنّه دليل فاعل في نسيج النصّ المكتوب؛ الأمر الذي يجعله أشبه بـ«الباب الدوّار» أو بـ«الإيديوغرام» (رسم الفكرة)، فالرّمز فيه متحرّك غير ثابت، يصعب أن نحدّه استئناساً بمدلوله كما هو الشّأن في الكلمة التي هي تمثُّل قبل كلّ شيء، وإنّما في ظهوره المباشر الذي يَنشدُ إحداث أثر ما، يمكن أن نسمّيه «أثر الرّمز» كما هو الشّأن في «الأيقونة» التي تتميّز بطابعها الذي يجعل منها داّلاً، حتّى إن كان موضوعه غير موجود؛ أي بالقدرة على استدعاء حقيقة غير متوقّعة. إنّ الكتابة، من حيث هي تسجيل للكلام أو تقييد، «تصلّب» الكلمة، شأنها شأن كلّ كلمة خطِّـّية، وتخصّها بوضع مستقـلّ، وتقـيّد الزّمن في هذا الدّال «شعر» الذي يندّ عن الحدّ، ويستعصي عليه. ويتوضّح ذلك في قصائد غير قليلة، من حيث هي عدول، من جهة، ومن حيث هي تعاقد، من جهة أخرى.

الكتابة لا تعني الخطّ ضرورة، فكلّما كانت مفاضلة بين الكلمات أو موازنة كانت هناك كتابةٌ، إذ يمكن أن تشطب الكلمة، ما إن تُدَوَّن، وتطرح، وتُستَبدل بأخرى. وهذا صنيع لا يتسنّى إلاّ في الكتابة؛ وليس له مقابل في الأداء الشّفهيّ إلاّ إذا دُوِّن. أمّا الكتابة «الخالصة» فهي صناعة. ولا يمكن لمن يكتب إلاّ أن يصنع ويصحّح ويزيل ويمحو… لكن ما يعنينا من قصيدة «الباب الدوّار» أنّ الشّاعر ليس مطلق الحرِّيّة في انتقاء الكلمات، وتخيّرها، وتركيبها، كما يوهم بذلك إدلاله بقدرته، وفرط تدلّهه بنفسه؛ فهذا من مقتضيات الفخر أو «مركزيّة الذات» ونرجسيّتها، وولعها بنفسها، ليس إلاّ.

من هم أهمّ الشعراء؛ العرب والعالميين الذين تأثَّرت بهم؟

– أحبّ القصيدة الجاهليّة، وهي -في تقديري- تراث شعري إنساني عظيم، تتمثّل عالم الأشياء ومفردات البيئة والحياة، وليست نسجاً على منوال. وأحبّ القصيدة الأجنبيّة، وبخاصّة الإنجليزيّة كما هو الشأن عند ت.س. اليوت. باختصار، أنا أحبّ القصيدة لا الشعر. والشعر فنّ لا وجود له؛ إنّما الذي يوجد هو «القصيدة». الشعر مفهوم مجرّد، والقصيدة حدث… تماماً، مثلما لا يوجد مرض، بل مرضى.. ما يوجد هو الفرديّات لا الكلّيّات.

في ظلّ انحسار جمهور الشعر، وتكاثر الشعراء كمّاً لا كيفاً، على ماذا تراهن قصيدتك؟

– راهنت (وما أزال) على القارئ المثقّف أو الخبير بالشعر. وتقديري أنّ الشعر ليس فنّاً جماهيرياً حتى في غابر العصور عندنا؛ وإلاّ كيف نفسّر وفرة شروح الدواوين؟

ما هي طقوس الكتابة التي تتبعها في كتابة قصائدك؟

– أكتب فجراً. وأستعدّ للقصيدة جيّداً، حيث الكتابة عندي قراءة أو أنّ النصّ ينشأ «قرائيّاً»؛ أي وهو يقرأ خاماته وكلّ ما يتردّد فيه من أصداء ومن أصوات. الكتابة، كما أفهمها وأحاولها، استئناف لإنشائيّة الأثر.

كيف تتعامل مع النقد؟ وإلى أيّ مدى ترى أن الساحة النقدية مواكبة للإبداع الشعري، ومنصفة له؟

– أكثرنا لا يفرّق، عادةً، بين البحث والنقد، فالبحث الجامعي ليس نقداً، إذ هو يعدّ بمباشرة أستاذ مشرف، ويُعرَض على لجنة علميّة مخصوصة، وهناك النقد وهو قليل اليوم، ويكاد لا يواكب الإبداع الشعري، وأكثره انطباعيّ أو ارتساميّ أو مجرّد عرض للكتاب.

حصدت العديد من الجوائز الأدبية، فما تأثير الجوائز في إثراء تجربة الشاعر، وتطويرها؟

– هي -لاشكّ- اعتراف وحافز عند كلّ الذين يفوزون بها، أو هكذا يتهيّأ لي.

لكلّ شاعر حلمه، بالتأكيد.. فما حلم الشاعر منصف الوهايبي؟

– أن أتمكّن من إتمام أكثر من عمل إبداعي عالق، مثل محاولتي الروائية «جمهوريّة جربة» حيث تنساح هذه الجزيرة في البحر، وتقترب من مالطا، وهو عمل مضنٍ، أوثّق له منذ بضع سنوات، وأكتبه بتأنٍّ كبير. أحلم، أيضاً، بمجلّة سنوية أو نصف سنويّة للشعر، في أكثر ما يمكن من بقاع العالم.

إدغار موران: أصفُ نفسي باليقظ وحتى بالحَذِر وليس بالمُتشائم

في شهر سبتمبر/أيلول عاد «إدغار موران» للتو من «الدوامة الإعلامية» الخاصة بعيد ميلاده المئة، بعد أن قام بجولة على بلاتوهات التليفزيون والإذاعة مستجيباً دون توقف لزميلاتنا الصحافيات وزملائنا الصحافيين، كان استقباله لنا عبر تقنية التناظر الرّقمي، حيث يخلد إلى الراحة منذ بضعة أسابيع. وآخر كُتبه الصادر في أوائل هذه السنة والذي يحمل عنوان: «دروس قرن من الحياة»(2021). وهو الكتاب الذي سبق له أن أثار الكثير من الدعوات، فَضَّل المُفكِّر وَصْلها بـ«احتفاليات» إتمامه سن المئة سنة، وهو الآن يتفادى كل طلب لإجراء حوار معه، لكنه وافق على استثناء دعوة مجلة «العلوم الإنسانية»؛ لأن الروابط بينه وبين هيئتها قوية جداً، إذْ كانت صورته على غلاف عددها الأول سنة 1990، ليصير فيما بعد «جون فرنسوا دورتييه»، مؤسِّسُ المجلة، صديقاً له، و قد رافقنا «إدغار موران» لأكثر من ثلاثين سنة.

«ليكن مفهوماً بأنني لا أعطي دروساً لأحد» بهذه العبارة يفتتح «موران» الدروس التي استفادها من حياة غطت مساحة قرن من الزمن. وهي بدورها دروسٌ لا وجود لشيء قطعي فيها؛ فهو يعيد في هذا الكتاب رسم الملامح الكبرى لمغامرته الفكرية، مقدِّماً لنا ما استخلصه من وجودٍ بلغ قرناً من الزمان في هذه الدنيا موجزاً آفاق مستقبلية لأجل الإنسانية.

الربط بين المعارف من أجل التفكير في التعقيد الإنساني، ذاك هو البرنامج الذي وضع «إدغار موران» تَحقِيقَهُ نُصب عينيه، وها هو الآن بعد أن بلغ عمرُهُ قرناً من الزمن يحكي لمجلة «علوم إنسانية» مساره ومعاركه وانشغالاته وما يعقده من آمال على المُستقبل.

هوغو ألبنديا: احتفلت ببلوغك مئة سنة من العمر، ونشرت كتباً عددُها بعدد هذه السنوات تقريباً، فما الذي تود أن نحتفظ به منك؟

إدغار موران: لقد كانت هناك الكثير من التسميات التي عُرفت بها طيلة وجودي، أولها كان عالم أنثروبولوجيا، وأنا كذلك فعلاً، لكن ليس بالمعنى الذي حمله هذا اللفظ مؤَخَّراً، حيث صار محصوراً ومقيَّداً؛ إذ كان ينحصر معناه في القرن العشرين في دراسة الشعوب التي لم تعرف الكتابة، والتي نسميها بالشعوب الأصلية، لكن على الرغم من ذلك كان هذا اللفظ يشير في القرن التاسع عشر، خصوصاً في ألمانيا، إلى تخصُّص جامع لمُختلف المعارف حول الكائن الإنساني، وأنا أرى نفسي في هذا الصنف من علماء الأنثروبولوجيا. إن سؤال إنتاج المعارف يحتل القلب من عملي. وحتى أوجز القول، أؤكدُ بأنه يشكِّل حَلقَة تربط بين الإبيستيمولوجيا (دراسة المعرفة) والأنثروبولوجيا؛ أي معرفة الكائنات الإنسانية، فقد كنت أرغب في الإجابة عن سؤال «كانط»: ما الإنسان؟ ومن أجل القيام بذلك كان لزاماً علي الإجابة عن سؤال آخر: ما الذي يمكنني أن أعرف؟ فإصلاح المعرفة والفكر يمثل بالنسبة لي رهاناً أولياً، لأن النقد الذاتي هو نظافة نفسية أساسية؛ وأنا أنحاز إلى التعقيد الذي يطرح السؤال على كل شيء وأفضِّلُهُ في مقابل المذهب أو العقيدة التي تجد جواباً عن كل شيء، تلك هي الفكرة التي أحب أن يتمَّ الاحتفاظ بها مني، وِصياغتُها قُدِّمَت في كتاب «المنهج»، وعلى الخصوص في الجزء الثالث منه، الذي يحمل عنوان «معرفة المعرفة» (1986) وفي جزئه الرابع: الأفكار، موطنها وحياتها، عاداتها وتنظيمها (1991).

لقد حدَّثوني مؤخراً عن وصفي بالسوسيولوجي، وإنه لَأمْرٌ غريب أن يتمَّ الاحتفاظ بهذا الجانب لأعمالي الذي كان هامشياً وتم انتقاده في إبَّانه؛ فهو لا يمثل، بالنسبة لي، النَّواة َلمغامرتي الفكرية التي اكتملت مع تحرير كتاب المنهج (1977 – 2004)، كما أنني لست فيلسوفاً بالمعنى الذي يُفْهَمُ من هذا اللفظ اليوم، فأنا، بمعنى من المعاني، فيلسوف برِّي؛ لأن الفلسفة بالنسبة لي هي الانعكاسية أو التأملية، إنها تلك الرؤية الثانية التي نجدها لدى جميع الفلاسفة الكبار، وقد انخرطتُ، من جهتي، في هذا النهج، باحثاً عن تحقيق عُلُو على المعارف التي ينتجها زملائي، ولذلك فإن فلسفتي ليست بالفلسفة الأكاديمية.

ويتمُّ وصفي أيضاً بصاحب النزعة الإنسانية، وكل تصوُّراتي هي تصورات تنطوي على تركيب وثيق بين البعد الأنثروبولوجي والحيوي والبيئي والسياسي، فهي تنم عن الفكر المُركب ولكنها تكشف أيضاً عمّا أسميه بالنزعة الإنسانية المُتجدِّدة، والتي عرضتها في كتاب «لنُغيِّر السبيل changeons de voie» عام (2002)؛ فأن يكون المرءُ صاحب نزعة إنسانية ليس معناه إقراره بالتشابهات والاختلافات القائمة بين الكائنات الإنسانية فحسب، ولا أن تُحرِّكَهُ إرادة تجنُّب الكوارث والتطلع إلى عالَم أفضل، بل يعني أيضاً الشعور من أعمق أعماق الذات بأن كل واحد من الكائنات الإنسانية يشكل جزءاً من الجماعة الإنسانية ويمكنه أن يكون فاعلاً داخلها.

منذ مدة طويلة وأنتم تدعون إلى الربط بين المعارف حول الكائن الإنساني، فهل تطوَّرت العلوم في هذا الاتجاه بنظركم؟

– سنة (1951) لم يحفل النقد بكتابي الأول المُهم: «الإنسان والموت – l’homme et la mort»، حيث دشَّنت نمطاً للمعرفة عابراً للتخصُّصات، إذ لا أحد كان قد عالج لحدود ذلك التاريخ المواقف الإنسانية قبالة الموت من خلال الربط بين السيكولوجيا والسوسيولوجيا؛ وعند اشتغالي على هذا الكتاب ربطت بتلقائية بين الدين والتحليل النفسي والبيولوجيا… وما أعانني على ذلك بشكلٍ كبير في تلك الحقبة هو إرث الفلسفة الديالكتيكية، الذي أتاح لي مواجهة التناقضات الظاهرية لمُختلف ميادين المعرفة، وذاك هو ما أسميه الفكر المُركَّب. فيما بعد، لمَّا انطلقتُ، بالمُقابل، في تأليف كتاب المنهج، غالباً ما كان يُنْظَرُ إليّ بغير قليل من الارتياح من طرف بعض ممتلكي ميادين المعارف؛ فقد استنكروا ما أقوم به بحجة انعدام كفاءتي أو كوني مُبسِّطاً بصورة مفرطة في التَّعميم، بينما كنت في واقع الأمر أعيدُ تأويل المعارف المُشتَّتة والربط بينها بَانياً منهجاً لأجل دراسة صور التعقيد وأوجه التركيب، وهو ما يُظهِرُهُ الاتجاه الذي تطوَّر فيه إنتاج المعرفة، ومما يُؤْسفُ له هو أننا في الوقت الذي حاولنا فيه تطوير التفاعل بين التخصُّصات، تطوَّر أيضاً الاتجاه نحو المزيد من التخصُّص الفائق، بحيث أنجب كل تخصُّص من رحِمِه تخصُّصاتٍ فرعيةً أخرى، إلى حد صارت معه ميادين البحث العلمي دقيقة جداً، لذلك فإن التفاعل بين التَّخصُّصات يظل اليوم سطحياً، مع انغلاق هذه التخصُّصات على نفسها، لكن كل إجابة عن مشكلة مهمّة، يتعذَّر بلوغُها، بنظري، ما لم يتم الربط بين المعارف المُجزَّأة والمُتشدِّرة، ولأن الظواهر تترابط فيما بينها بما لا عَدَّ له ولا حصْرَ من التفاعلات والإرجاعات، فإنّ تجزئة المعارف تحول دون إدراك هذه الروابط؛ لأن معرفة الكل تعود إلى معرفة أجزائه وعناصره المُكوِّنة، فضلاً عن أن الكائن الحي لا يمكن فصلُهُ عن سياقه، لأنه تابع لبيئته ومتوقف عليها، لذلك فإن معرفة الكائن الإنسان بصورة أفضل تقتضي ضرورةَ ربط العلوم الإنسانية والبيولوجيا، وحتى الكوسمولوجيا ما دمنا نتكوَّنُ من المادة الفيزيائية، فالكائن الإنساني، بنظري، يتَحدَّد ويُعرَّفُ بثلاثة أبعادَ يتعذَّر الفصل بينها: النوع، المُجتمع والفرد، وهي الأبعاد التي يجبُ فهمُها مجتمعةً! أمَّا إخفاء صور التعقيد فلا يمكنه إلّا أن يقود إلى الخطأ رأساً.

ما يميِّز الفكر المُركَّب أيضاً هو خاصية الَّلايقين التي تطبع المعرفة العلمية، وقد وضع وباء (كوفيد) هذا الَّلايقين في قلب المُجتمع، فما هي نظرتكم إلى هذه الأزمة؟

– لقد أدى وباء (كوفيد) إلى أزمة عالمية متعدّدة الأبعاد؛ إذ شكّل عاملاً جديداً للهشاشة والَّلايقين والقلق، بحيث كنا نحصي موتانا كل يوم، وما يسود اليوم من أفكار يحاول وضع مستقبل الإنسانية داخل حدود واضحة، مع إزاحته في نفس الوقت للايقينيات، غير أن أزمة (كوفيد) عملت على كشف تموجات الحياة بصور أكثر وضوحاً، ما جعل استقرارنا يختل ويرتج، فكيف يمكننا العيش مع تنبؤات لا يتعدَّى مداها أسبوعان أو ثلاثة أسابيع؟ كيف نعيش فزعين خائفين من حَجْرٍ صحيّ مفاجئ؟ هل يلزمنا التفكير في حدوث تحسُّن أم على العكس من ذلك في وقوع تراجع وارتكاس في الأمد المنظور؟

لقد كرَّستُ خمسين سنة من عمري لبلورة سبيلٍ في الأجزاء السّتة المُكوِّنة لكتاب المنهج، غير أن ضرورة إحداث التغيير لم تفهمها الغالبية العظمى من السياسيين والاقتصاديين والتقنوقراطيين والمقاولين، فما الذي نجده في مواجهة رأسمالية نَزَّاعة إلى الهيمنة ازدادت قوّتُها حدّةً خلال الوباء؟ إن ما نجده هو أشْكالُ وعي مشتَّتة وصورُ تمرُّدٍ يتمُّ قمعها وجمعيات تضامنية، والقليل من الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لكننا لا نعثر على أي ثورةٍ سياسية متماسكةٍ ممتلكة لفكر مُوجِّه.

إن الفكر المُركَّب يواجه الَّلايَقِين باستمرار، فلمَّا تمَّ سؤالي عن موضوع الوباء، حاولت أن أجيب عن أشكال القلق وصوره، معيداً التأكيد بأن المُغامرة الإنسانية، فردية كانت أو جماعية، هي دائماً مغامرةُ يشوبُها الَّلايقين وتحفُّها المخاطر، وفضلاً عن ذلك نجدُ أن الخاصية العالمية لهذه الأزمة قد قوَّت من فكرة وحدة المصير، التي لا نكون على وعي بها دائماً، لكنها حقيقية بكل تأكيد، كما أن لنا حاجةً هائلةً للأمل، لأنها تشكِّل ثابتاً إنسانياً، لا سيما في تلك الفترات التي يعصف بها عدم الاستقرار؛ فعندما كنت في صفوف المُقاومة، كنا نعتقد بأنّ عالماً جديداً سيُولد لا محالة من جوف كل تلك الأهوال المُخيفة، قد تكون تلك الآمال مجرَّد أوهام، لكنها لا تنفكّ تولد من جديد وتنْبعثُ لدى الكائنات الإنسانية، ومعها يولد أملُنا في مستقبل أفضل.

مقاوم وشيوعي ومعارض للستالينية ومدافع عن القضية الفلسطينية ومن أنصار البيئة…. لقد اقترنت تباعاً بالعديد من القضايا السياسية، فأي نظرة تلقيها استرجاعياً على مسارك السياسي؟

– لقد انبثقت السياسة في فكري وأنا لا زالت في الثالثة عشرة من عمري، عقب المظاهرة المناهضة للبرلمان بتاريخ 6 فبراير/شباط 1934، حيث رأيت زملائي في الصف الدراسي يعارض بعضهم بعضاً بعنف، ولأنني لم أكن أمتلك أي قناعة مسبقة بخصوص هذا الموضوع، فقد تبنَّيْت موقفاً شكّياً وأنا أعايِنُ الانقسامات التي أحدثها الحدث، ثم كوَّنْتُ بعد ذلك ثقافتي الخاصة التي تدمج من جهة الثقافة الفرنسية التقليدية ذات النزعة الإنسانية، «مونتاني» و«رومان رولان Romain Rolland»، ومن جهةٍ أخرى النزعة الإنسانية الروسية لـ«ليون تولستوي»، وعلى الخصوص لـ«فيودور دوستويفسكي»، كما أن حياتي تبقى موسومة بنوعٍ من الاستمرارية، فمرحلتي الشيوعية هي فترة بين قوسين مكوَّنة من سنوات تلت مراهقة منفتحة إلى أقصى حدّ ومأساوية، فقد انخرطت في أيديولوجيا الكفاح وفي ضرب من الإيمان والدين المُتمحور حول الخلاص الأرضي. وعلى إثر غزو الاتحاد السوفياتي من قِبل «فيرماخت Wehrmacht» (القوات المسلحة المُوحَّدَة لألمانيا)، انتقلت من كوني معارضاً لستالين إلى كوني شيوعياً. وبعدما كنت داعية سِلم صرتُ مقاوماً، وقد كان ذلك بمدينة «تولوز». يمكنني القول بأن المُقاومة قد تخطّت الإيمان الشيوعي والحركية الديجولية لتشكِّل فرصة أمامنا كي نعيش بصورة مكثَّفة. ولئن كنتُ قد ندمت تماماً عن ما كان بي من عَمَى بخصوص طبيعة الشيوعية السوفياتية، فلا يمكنني القول بأن المرحلة الشيوعية من تطوُّري قد مثّلت حظاً سيئاً لأنها أتاحت لي فيما بعد فَهم التوتاليتارية، ثمَّ مع صديقين فيلسوفين، هما «كلود لوفور» و«كورنيليوس كاستور ياديس»، اجترحنا مسارنا الخاص فيما وراء الماركسية، وما تعلّمته من ذلك هو أننا عبثاً نؤمن بأننا مسلَّحُون باليقينيات والبرامج، وأنه من الواجب علينا، في المُقابل، أن نتعلَّم بأن كل حياة هي إبحار وسط محيط من الَّلايقينيات، تتخلّلُهُ بعض الجزر والأرخبيلات التي تمثلها اليقينيات، حيث نَتزَود بما يقوِّينا على المزيد من المسير. وأريد في هذا المقام الإشارةَ إلى أن أحد الدروس الكبرى التي استفدْتُها من حياتي هو توقُّفي عن الاعتقاد في ديمومة الحاضر واتصالية الصيرورة وقابلية المُستقبل لأن يكون موضوع تنبؤ.

منذ أن غادرت الحزب الشيوعي صِرتُ مستقلاً عن كلّ منطق حزبي في السياسة؛ فأنا دائم التّلْمذة، أستدمجُ معارف جديدة داخل فكر يزداد تعقيداً وتركيباً، دون أن يفقد تماسكه. إن الفكر المُركَّب فكر تكاملي يضيف الأفكار وفي نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن العشرين، عندما كنت أغوص بصورة مثمرة في عالم الهيبيز بكاليفورنيا، اكتشفت المُشكلة الإيكولوجية، ولم أجد أدنى مشكل في أن أدمجها داخل تصوُّري للكائن الإنساني، فمنذئذ كنت أفكر في نوعنا بوصفه مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً ببيئته، وهي الموضوعة التي صارت تحتل اليوم مركز الانشغالات، بحيث صار مستقبل النوع الإنساني يمثل رهاناً سياسياً أساسياً لحقبتنا، أعتقد أن سبيلاً آخر ممكن فيما وراء الليبرالية الجديدة لكي يتمَّ إدماج البيئة بصورة أفضل. وما يوجد من منظورات، كما هو الحال بالنسبة للنزعة التقنية العلمية والنزعة المابعد إنسانية، ليس كافياً بحدِّ ذاته كي يجيب عن التساؤلات المطروحة، لأن الكائن الإنساني المُزيَّد سيكون دائماً في حاجة إلى ربط علاقات، وإلى المُشاركة الاجتماعية والأخوة.

هل أنت متشائم بخصوص مستقبل الإنسانية؟

– الأحرى أن أصف نفسي باليقظ وحتى بالحذر وليس بالمُتشائم؛ ذلك أن الفكر يذهب إلى ماوراء التعارض بين متشائم ومتفائل، أعتقد أن التيارات السائدة، تلك التي نسمعها في وسائل الإعلام أو نقرأها في آخر ما نُشر من كتب، تجنح نحو النزعة التشاؤمية. فما عاينته هو تلاشي الوُد الذي كان سائداً إبان فترة مراهقتي في السنوات التي سبقت الحرب؛ أقصدُ علاقات الود الحارة بين الجيران، والمحادثات في المقاهي الصغيرة وعلى مَتن الميترو كما أن حشود المُتفرّجين قد تقلّصت إلى أقصى الحدود، إن تدهور جودة العيش يعود إلى أولوية الكمي في تنظيم مجتمعنا وقيادته، حيث صرْنَا نحسب ونقيس كل ما هو إنساني؛ فلكي نَحكُم صرنا نثمِّنُ ونعطي قيمة أكبر للناتج الداخلي الخام (PIB) وللإحصائيات ولاستطلاعات الرأي، مما جَعل بَصرنا ينقلب إلينا خاسئاً وهو حسير حين يرتبط الأمر بكل ما هو فردي، ذاتي وشخصي. إن عقلاً محضاً وبارداً هو في ذات الوقت عقل لا إنساني ولا عقلاني؛ لأن العيش فنٌّ صعب وعسير يجب أن يراقب فيه العقل كل انفعال حتى لا نستسلم للحيرة والضلال ولكن فيه كل عقل تحرِّكُهُ وتُنَشِّطُه العاطفة والشغف، وهو ما يميل عالمنا التقنوقراطي إلى نسيانه، لكن بالرغم من كل شيء تبقى هناك إمكانية لتغيير السبيل. إن الكثير من الاحتجاجات الراهنة كما هو الشأن بالنسبة لحركة السترات الصفراء ينطوي على حاجة ماسة لمَنْ يشاركون فيها إلى أن يتمَّ الاعتراف بهم بكل ما تَسَعُه خاصيَّتهم بوصفهم كائنات إنسانية من معنى. أعتقد في أثر «إيفان إيلتش»، أن الودَّ وحُسن المُعاملة عنصرٌ أساسي في جودة الحياة، وسبيل خصب للإنسانية، لأنه يسمح بالاستجابة يومياً لحاجتنا إلى الاعتراف.

كيف ترى مستقبلك الخاص؟

– لقد عثرت على سبيلي منذ سن الثامنة عشرة، بألّا أنقطع عن البحث في الأسئلة الكبرى التي طرحها «كانط»: ماذا يمكنني أن أعرف؟ ما الذي يجب عليّ فعله؟ ما المتاح لي أن آمله؟ وحتّى الآن سرت في هذه الوجهة، وأنا في عمر المئة عام، مستقبلي هو أن أعيش لأسبوع! حينما يُطلب إليّ إلقاء محاضرة أو إجراء مقابلة، أرفض أن ألتزم مسبقاً لأكثر من أسبوعين أو ثلاثة أسابيع؛ ففي هذه السن لم تعد لي مشاريع كبيرة. اعتباراً لذلك أواصل التفكير والتأمل ومحاولة الإجابة عن أسئلتي الكبرى، آخذاً نقطاً ورؤوس أقلام، كما أكتب شذرات أنشرها أحياناً على حسابي على موقع تويتر، وأنا لا زلت أظن بأنني سأكتب على الورق تأملات قصيرة… ففي هذه اللحظة مثلاً، ألهمتني موضوعة الأمة. إن أنشطتي الفكرية تتواصل بصورة طبيعية، غير أنني ما عدت أخطّط بتاتاً لكتابة كتاب؛ فكتاب «دروس قرن من الحياة» هو آخر كتاب من كتبي الكبيرة الحجم.

احتفلت مجلة العلوم الإنسانية مؤخراً بمرور 30 سنة على تأسيسها وقد رافقْتَها منذ صدور عددها الأول وصُورَتُك على غلافَه، كيف تنظرون إلى هذه المُغامرة الفكرية؟

– ما زلت أغذِّي فكري من مجلة العلوم الإنسانية، التي أجدها مجلة غنية جداً، فأنا أستدمج الكثير مما أقرأه على صفحاتها، فضلاً عن أنني أجد نفسي في مفهوم «علم الإنسانية humanologie» الذي تمَّ تطويره مؤخراً من طرف «جون فرنسوا دورتييه» (مؤسس المجلة)؛ لأنني أقوم بالربط بين المعارف الإنسانية بحثاً عن فهم تعقيد الكائنات الإنسانية.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العنوان الأصلي والمصدر:

EDGAR MORIN. « NOUS DEVONS APPRENDRE À NAVIGUER DANS UN OCÉAN D’INCERTITUDES, propos recueillis par Hugo Albandea ,Sciences humaines (N°342S, décembre 2021).

«أمازون» ابتكرت طرقاً لا حصر لها لتقسيم الرواية

بفضل حصتها المُذهلة في السوق الأميركية التي بلغت 50 % من الكتب المطبوعة وما يزيد على 75 % من الكتب الإلكترونية، غيَّرت «أمازون» الحياة الأدبية كما نعرفها. لكن متجر «كل شيء» لم يغيِّر فقط كيفية شراء الكتب: وفقاً لـ«ماكجورل»، أستاذ الأدب في «جامعة ستانفورد»، فقد غيَّر نظرتنا للكتب التي نقتنيها أو نقرأها أو نكتبها. في كتابه «كل شيء وأقل»، يكشف «ماكجورل» نموذج توزيع «أمازون» وذوبان الحدود بين الأنواع، مجادلاً بأن خوارزمية «أمازون» قد حوَّلت فعليّاً كل الخيال إلى خيال النوع. بأفكاره الواضحة، يستكشف «ماكجورل» الأنواع العديدة التي شكّلها المنطق الاستهلاكي لـ«أمازون».

في كتابه الأخير «كل شيء وأقل»، يناقش «مارك ماكجورل» تحوُّلات الخيال في عصر «أمازون»، من ذوبان الحدود بين الأنواع إلى الدور المُتغيِّر للمُؤلِّف.

خلال مقابلتي مع المُؤرِّخ الأدبي «مارك ماكجورل»، ألقيت نظرة خاطفة من النافذة فوقعت عيناي على شاحنة «أمازون» وقعقعة عجلاتها على الإسفلت أسفل العمارة، حيث أسكن. كانت استعارة مناسبة لمحادثتنا حول كتاب «كل شيء وأقل»، التاريخ الأدبي الجديد المُثير لـ«ماكجورل» حول دور «أمازون» في إعادة تنظيم عالم الخيال. كتب «ماكجورل»: «لقد تسلّلت «أمازون» في كل بُعد من أبعاد التجربة الجماعية للأدب في الولايات المُتحدة. فأصبحت المنصة الجديدة للحياة الأدبية المُعاصِرة بشكلٍ متزايد».

يثير كتاب «كل شيء وأقل» أسئلة منطقية حول ماضي الخيال وحاضره ومستقبله. تحدَّثت مع «ماكجورل» عبر (زووم) لمُناقشة عصر «أمازون» وتبعاته: تفكيك حدود النوع، الدور المُتغيِّر للمُؤلِّف، ودواعي التفاؤل رغم كل ذلك.

أدريان ويستنفيلد: من أين جاءت فكرة هذا الكتاب؟

مارك ماكجورل: في يوم من الأيام، أدركت أنني أصبحت عميلاً راسخاً في «أمازون». ثمَّ، كمُؤرِّخ أدبي، فكَّرت في بعض الحقائق الأساسية عن الشركة. بدأت «أمازون» كمحل لبيع الكتب، وهو أمر رائع بحدِّ ذاته. قبل 25 عاماً، لم تكن «أمازون» موجودة؛ الآن، هي بحكم الواقع قوة مهيمنة في صناعة نشر الكتب. يبدو أن هذا يستدعي بعض التحليل لما يعنيه صعود هذه الشركة. ليس بالمعنى البسيط، مثل أن تقول: ««أمازون» الآن تملي علينا تصوُّرها لشكل الأدب المُفترض». ليس الأمر بهذه البساطة أبداً، لكن «أمازون» تنير عالم القراءة. يتعايش الأدب الآن مع الكثير من الأشياء الأخرى في العالم التي لم تكن موجودة في الماضي؛ أما «أمازون» فهو المصباح الساطع الذي ينير هذه الحقيقة.

كيف تصف خصائص الرواية في عصر «أمازون»؟ ما هو نمط رواية «أمازون»؟

– هناك تنوُّع هائل في الخيال، لذا فإنّ المُهمَّة ليست تبسيط هذا التنوُّع. إنه سيركٌ بالخارج. من منظور «أمازون»، كل الخيال هو خيال النوع. في أوائل القرن العشرين، كان الأدب مقسَّماً بشكلٍ منهجي بين ما يسمَّى بخيال النوع -الخيال الترفيهي، وخيال الهروب، والخيال العلمي، والرومانسية، والغرب، وأفلام الإثارة، وما إلى ذلك- والخيال الأدبي. ما تقوم به «أمازون» هو إلقاء نظرة على المجال الأدبي والقول، «كل هذا يشكِّل نوعاً الآن». النوع هو القاعدة المُهيمنة للأدب في عصرنا.

عندما تقول إن «أمازون» تضع كل الخيال في سلّة خيال النوع، فهل تقصد أن رؤية «أمازون» بهذه الطريقة تقوم على الخوارزميات؟

– نعم فعلاً. أحد الأشياء المُدهشة في «أمازون» هو عدد فئات الأنواع الموجودة في المنصة. إنها بالآلاف حرفياً. هناك قوائم أكثر الكتب مبيعاً من النوع التقليدي، ولكن عندما تنظر إلى أسفل كل قائمة كتب على «أمازون»، سترى أنها مرتّبة في عدد معين ضمن فئات متنوِّعة بشكلٍ كبير، من روايات النساء المُطلقات إلى الخيال السويدي. ابتكرت «أمازون» طرقاً لا حصر لها لتقسيم الرواية لإنتاج شكلٍ جنيس. وهذا بالطبع مستمر مع التسويق. ظاهرة السوق الأوسع التي نتحدَّث عنها هي تمايز المُنتجات وتجزئة السوق. تدرك جميع الأسواق الكبيرة أن بعض المنتجات سوف تروق لجماهير معيَّنة. في الأدب، النوع يقوم على تسويق هذا العالم من الفوارق.

في بداية الكتاب، كتبت عن قصة بعنوان «صُوف» كتبها «هيو هاوي»، والتي بدأت في 58 صفحة قبل أن تصل إلى 1500 صفحة، بناءً على طلب القارئ. يمكنك استخدامها كمثال عن دور القُرَّاء المُتحمسين في تشكيل حياة عمل الخيال بشكلٍ مستمر. في هذا السياق، تذكّرت «شارل ديكنز» الذي ينشر روايات متسلسلة. عندما تدفع «أمازون» لمُؤلِّف ذاتي النشر على منصتها مقابل عدد الصفحات المقروءة، كيف يختلف ذلك كثيراً عن تقليد الدفع للمُؤلِّفين مقابل عدد الكلمات؟

 

– إنه استمرار لنفس التقليد. يمكن القول إن الفجوة الغريبة كانت في أوائل القرن العشرين حتى منتصف القرن العشرين، بالتزامن مع ظهور الحداثة الأدبية والافتراض السائد بأن الأدب يجب أن ينأى بنفسه عن السوق. ولكن على المدى الطويل من تاريخ النشر، كانت الكتابة للسوق هي القاعدة منذ القرن الثامن عشر. قصة «أمازون» في بعض النواحي مرتبطة بذلك، رغم اختلاف الآليات إلى حدٍّ ما. نحن لا نتحدَّث عن النشر المُتسلسل، حيث تنتظر شهراً للحصول على الدفعة التالية، ولكن هذا يعيدنا إلى ذلك الإحساس بالإنتاج التسلسلي. في بعض الجوانب، إنها حقّاً العودة الصاخبة لزمن «ديكنز» في التاريخ الأدبي. إذا كنت تريد أن تصنِّفه كاتباً وناشراً ذاتياً، فإن كتابة عمل واحد لن تفي بالغرض. حتى لو كان كتاباً عظيماً. الرهان يكمن في كسب بعض الجمهور من خلال كتاب جيّد حقّاً، ثمَّ الاستمرار في خدمة ذلك الجمهور. هذا ما حدث مع «هيو هاوي». لقد كتب قصة قصيرة رائعة، نجحت حقّاً. ثمَّ، لخدمة هذا الجمهور، كان عليه أن يستمر في كتابة المزيد من الأجزاء. حتى ألّف هذه الملحمة الضخمة، والتي يتم عرضها الآن على الشاشة. بالتأكيد لقد عادت روح «ديكنز»، برعاية «أمازون».

يبدو أن ذلك يلخّص دورة الحياة الكاملة للكتابة هذه الأيام. من النشر الذاتي، إلى النجاح الجامح، إلى العرض على الشاشة.

– يجب أن نفكِّر في التليفزيون. يمكن تحويل عدد قليل جداً من الروايات إلى سلاسل تليفزيونية، لكنها مع ذلك تكتسب شهرة حقيقية. يمكن أن تكون قناة (HBO) وجهة نهائية محتملة لعملك، والتي ستفجِّر شعبيته. نحن نعيش في عالم تسوده ثقافة الصورة، سواء كان ذلك عبر البث التليفزيوني أو الإنترنت. يجب أن يرتبط الأدب بذلك فقط كلما كان ذلك ممكناً. صحيح، أعتقد أن الكُتَّاب سعداء إلى حدٍّ كبير بهذا الأمر. بصفتك روائياً، يمكنك أن تطمح كثيراً إلى رؤية أو مشاركة عرض جيّد لقصتك.

بالحديث عن كونك مؤلِّفاً اليوم، فإنك تستخدم مصطلحاً جديداً: «مؤلِّف – رائد أعمال». ثمَّ تكتب: «في عصر «أمازون»، للكاتب مهمَّتان، كتابة الروايات وتسويقها». هل يمكنك أن تشرح الطرق التي توسّع بها دور الكاتب، وكيف استوعب المُهمَّة التي كان يقوم به الآخرون تقليدياً؟

– في العقود السابقة، كان من المُفترض أن يكتفي الكاتب بالكتابة، وتتكفل دار النشر بالباقي. يمكنك أن تظلَّ بعيداً عن كل الأعمال الإضافية، إلّا عندما يُطلب منك القيام بالقراءات. لا يتمتّع الكُتَّاب الذين ينشرون ذاتياً بهذه الرفاهية على الإطلاق. الأشخاص الذين يكسبون رزقهم من النشر الذاتي يعرفون الكثير من الأشياء عن تسويق الكتب أكثر من الكُتَّاب المُتميِّزين. بصرف النظر عن تأليف الكتاب، هناك الكثير من الأعمال الإضافية التي يتعيَّن عليهم القيام بها. يجب أن يعرفوا استراتيجيات التسعير، وتحضير قائمة البريد الإلكتروني، وتصميم الغلاف. كل هذه الأعمال مرهقة للغاية، ولهذا السبب يعمل النشر الذاتي مثل نظام المزرعة. الكاتب يستقطب جمهوراً، فيلاحظ محرِّر في دار نشر كبرى ذلك، وبعد ذلك سيقنع الكاتب بالعمل معهم. ما يستفيد منه هذا الكاتب هو التخلّص من أعباء كل الأعمال الإضافية. هذه هي الحُجة التي يتمُّ تقديمها لهؤلاء الأشخاص: «إنك تقضي كل هذه الساعات في تطوير قائمة بريدك الإلكتروني. هل تريد حقّاً القيام بذلك، بدلاً من التفرُّغ للكتابة؟» إن مستوى المعرفة الذي يجب أن يدركه الكاتب الذي ينشر ذاتياً يتجاوز الكاتب التقليدي بكثير.

بالنسبة للكُتَّاب الذين ينشرون بأنفسهم، أزالت «أمازون» الحواجز التقليدية أمام النشر. إذا كنت ناشراً ذاتياً، فأنت لست بحاجة إلى وكيل أو ناشر. ماذا يعني ذلك للعالم الأدبي؟ هل نتحرَّر بذلك من حرَّاس البوابة، أم أن المرور عبْر مرشّح الوكلاء والناشرين مهمٌّ؟

– في مرحلةٍ ما من الكتابة، في منتصف هذا الكتاب، أدركت أنني لن أحلَّ هذا اللّغز. أنا شعبوي بما فيه الكفاية، وديموقراطي بما فيه الكفاية، بحيث لا يسعني إلّا أن أشجّع على تجربة هذه المحاولة. من ناحيةٍ أخرى، لا أحد ينكر أن مراقبة الجودة مشكلة حقيقية. هناك الكثير من الهراء في الأعمال. هل تعيق الأشياء السيئة تقدُّمك نحو الأشياء الجيدة؟ هل تثق بخوارزميات التوصيات والمُراجعات لتوجيهك إلى أشياء جيدة بالفعل؟ توقفت في النهاية عن التفكير في حلِّ هذه المُعضلة. الجودة مهمَّة، ولا يجب أن نكترث لحقيقة أن الكثير من الكتب السيئة تجد طريقها للنشر، رغم تشجيعي لكل مَنْ يحاول الكتابة. الطريقة التي نفكِّر بها في النشر الذاتي الآن تشبه نهاية العالم للزومبي، حيث تأتينا العديد من الكتب في مجموعات زومبي، بما في ذلك العديد من روايات الزومبي! لا يمكنني القضاء على كل الزومبي. أعتقد أنها على قدرٍ كبير من الطاقة الإبداعية، على الرغم من أن الوقت الذي نوليه للأعمال المُتواضعة يكون محدوداً بالتأكيد، أو هكذا يجب أن يكون.

هذا السيل العرم من الكتب هل هو علامة على المزيد من الكتب السيئة في العالم، أم هو ببساطة مؤشِّر على الكمِّ الهائل من الكتب في المجموع، لذلك هناك المزيد من الكتب الجيدة والسيئة؟

– هناك المزيد من الأعمال السيئة والجيدة في العالم. وهناك المزيد من الكتب في العالم، وبعض الكتب الجيدة تأتي من موهبة مغمورة أتيحت لها الآن وسيلة أخرى لإثبات جدارتها. من المُؤكَّد أن تقليص البوابات يشجِّع الكثير من الأشخاص الذين لا يقدِّرون حجم موهبتهم، ولكن ما إذا كان ينبغي علينا القلق بشأن ذلك وإلى أي درجة فهذا سؤال معقَّد. لكن ما الغاية في ذلك؟ دع هؤلاء الناس يحصلون على فرصة. ما زلت أقرأ ما أرغب في قراءته. لديّ فضول لمعرفة ما تعنيه كل هذه الوفرة الأدبية.

يتوق العديد من الكُتَّاب إلى انهيار الحواجز بين الخيال الأدبي وخيال النوع لبعض الوقت. هل لـ«أمازون» فضل في «تراجع مراقبة الحدود»؟

– منح الائتمان ليس بالأمر الهيّن. تركِّز «أمازون» على ضرورات التسويق، وهو ما يعني فعلياً أن الحدود بين خيال النوع والخيال الأدبي أصبحت أكثر مسامية. مثال، «كولسون وايتهيد»، أحد أشهر الكُتَّاب في عصرنا، الذي كتب رواية بوليسية، ورواية زومبي، وأخيراً، رواية سرقة. لن يخطئ أحد في كونه كاتباً لخيال النوع المحض. ومع ذلك، من الواضح أن تقارباً ما قد حدث مع أشكال النوع في عمله. أو «سالي روني»: إنها لا تنكر أن أعمالها هي روايات رومانسية من نوعٍ معيَّن. وتحمل دائماً حكايات رومانسية في جوهرها، لذلك فهي تمتص بعضاً من تلك الطاقة لكن دون أن يتمَّ الخلط بينها وبين رواية «خمسين ظل من غراي». لا أعرف ما إذا كنت سأنسب الفضل لـ«أمازون

مارك ماكجورل

» في تراجع تلك الحدود. من المُؤكَّد أننا أمام ظاهرة أدبية في عصرنا بعد أن تحوَّلت «أمازون» إلى منارة الأدب الخاضع لاختبار قوة السّوق.

تقول بأن الخيال الأدبي هو نوعٌ خاص – أن كل الخيال هو خيال النوع في عصر الأمازون. ما هو الجنيس أو الصيغي بخصوص الخيال الأدبي؟ ما هي ثوابته؟

– من ناحيةٍ، ما نسميه الخيال الأدبي سيكون عموماً عملاً من أعمال الخيال الواقعي. هذا ليس هو الحال دائماً. هناك استثناءات للأعمال السحرية الواقعية، والتي لها صفة أدبية معيَّنة. خذ «جوناثان فرانزين» كمثال مهيمن على ما نسميه الخيال الأدبي اليوم. مهارته الكبيرة ككاتب تكمن في مراقبة أسلوب تصرُّف الناس في الظروف العادية. أعتقد أنها لا تزال ملاحظة رئيسية في ما يُعرف بالخيال الأدبي، رغم بعض الاستثناءات لهذه القاعدة. ختاماً، أعتقد أن الخيال الأدبي أقلّ تحديداً من النوع الأدبي. خيال النوع مؤثث جزئياً. رواية الجريمة سوف تنطوي على جريمة قتل. الرواية الرومانسية ستكون حول زوجين. هذه الأشياء غير قابلة للتفاوض، أو لن تكون ضمن هذا النوع. عندما تسمي شيئاً ما خيالاً أدبياً، فأنت تقول عنه أقلّ مما تقوله عندما تسمي شيئاً ما رواية جريمة. المُفارقة أن الموضوع غير محدَّد نسبياً. الخيال الأدبي هو النوع الذي يحاول ألّا يكون عاماً، حتى لو كان لا يسعه إلّا أن يكون كذلك، في جميع الأحوال. كل ما في الأمر أن الأساليب ليست واضحة مثل، على سبيل المثال، الإثارة الجيوسياسية. ولكن من وجهة نظر «أمازون»، الفكرة هي، «هل تريد شراء رواية بقدر معيَّن من المكانة، تتضمَّن أشخاصاً عاديين يقومون بأشياء عادية؟ سيكون هذا خيالاً أدبياً، وهذا يخدم سوقاً معيَّناً، تماماً كما تروق الأنواع الأخرى لأسواقٍ أخرى».

يمكنك أيضاً طرح بعض النقاط المُثيرة للاهتمام حول الإمكانات العلاجية للكتب في عصر «أمازون». ما الدور الذي لعبته «أمازون» في إيصالنا إلى هذا المكان، حيث غالباً ما يُنظر إلى الكتب كمجالٍ للهرب أو الرعاية الذاتية أو تحسين الذات؟

– كمُؤرِّخ أدبي، لا يسعني إلّا أن ألاحظ مدى اختلاف الخطاب المُحيط بالقراءة اليوم عما كان عليه في القرنين التاسع عشر والثامن عشر، حيث كانت قراءة الروايات محفوفة بالمخاطر. «يا إلهي، هؤلاء الفتيات يقرأن الروايات! إنهن فاجرات!» هذا الشعور، على حدِّ علمي، بالكاد موجود في عالمنا. اليوم، للقراءة فضيلة ضمنية، لأنها تتطلب مجهوداً أكبر بكثير من مشاهدة الترفيه عبر الفيديو. القول بأن الأدب من منظور «أمازون» هو مادة علاجية يعني فقط القول بأنه سلعة من سلع «أمازون» اللانهائية في متجر «أمازون» والتي قد تجعلك تشعر بتحسُّن. وقد تحسِّن علاقتك بالعالم. الخيال تقنية معزّزة تضفي على عالمنا معنى أكبر.

الجزء الأكبر من كتابك يدور حول التغييرات التي شهدتها الرواية من خلال ديناميكيات منصة «أمازون». لكني أريد أن أستكشف كيف تأثّرت الرواية بأسلوب «أمازون» في تجارة الأعمال. لقد حاربت «أمازون» الناشرين وبائعي الكتب، وقللت من أرباحهم، بل ودفعت بعضهم إلى الإفلاس. هذا العام فقط، رفع الناشرون الخمسة الكبار دعوى قضائية بدعوى أن «أمازون» تعمل على تحديد أسعار الكتب الإلكترونية. كيف غيَّرت ممارسات «أمازون» التجارية الرواية والنظام الأدبي؟

– من الجدير بالذكر أن توحيد صناعة النشر، بعيداً عن «أمازون»، تعتبر سمة مهمَّة في التاريخ الأدبي الحديث. أشار العديد من الأشخاص إلى أن إضفاء الطابع المُؤسسي على النشر السائد قد أدخل مجموعة من القيم على قطاع النشر لم تكن موجودة في العقود السابقة. إن التركيز على أفضل الكتب مبيعاً وتراجع القائمة المُتوسطة إلى لا شيء تقريباً، هذا ليس من عمل «أمازون». إنها الرأسمالية المُطبقة على النشر، بغض النظر عن «أمازون». دخلت «أمازون» إلى المشهد كقوة أخرى مؤثرة للغاية ولها قوتها الخاصة. وقد دخلت في صراعٍ مع تكتلات النشر للخمسة الكبار.

الآن، كان هناك وقت لتاريخ معقَّد لهذه العلاقة. تعود الخلافات المُتعلِّقة بتسعير الكتب الإلكترونية إلى الماضي، كل ذلك لأن «جيف بيزوس» اشترط، دون سببٍ واضح، أن تكون تكلفة الكتب الإلكترونية في الغالب 9.99 دولار. وقال الناشرون، «لا يمكننا تحصيل أي فائدة من بيع هذا الكتاب إذا كانت تكلفته 9.99 دولار. أنت تسرق الأعمال من الكتب الورقية». نجمت عن ذلك نزاعات قانونية ضخمة، مما أدى إلى تنازل «أمازون». يُسمح الآن للناشرين بفرض رسوم على ما يريدون من الكتب الإلكترونية. ومع ذلك، هذه ليست نهاية القصة، بسبب قدرة «أمازون» على القيام بكل شيء. «أمازون» تتحمل خسارة المال عندما تريد. من بعض النواحي، قصة «أمازون» بأكملها تتلخص في قصة شركة قادرة على خسارة المال لمدة عشرين عاماً حتى ينهار منافسوها. لتستيقظ بعد بضع سنوات وقد أحكمت قبضتها على السوق، ويمكنها الآن التحكُّم في السوق وجني الأرباح.

يشعر الكثير من الناس باليأس حيال «أمازون» والمخاطر التي تشكّلها. بالنسبة للمُستهلك، قد يشعر أنه أمام مشهد لداوود في مواجهة جالوت. وبالنسبة للذين يشترون الكتب من «أمازون»، هناك تنافر بين فائض الروايات المُتوافرة لهم وتقلص زمن القراءة المُتاح: «إنّ القارئ الإلكتروني المُتخم لـ(كندل) أو (آي باد) يُعَدُّ في نفس الوقت تكثيفاً قوياً للتجربة الأدبية المُحتمَلة، وقبراً صغيراً يتنبأ بدنوّ أجلنا». ما أملنا نحن كقرَّاء عصر «أمازون»؟ ثمَّ أن تكون حيّاً كقارئ، لماذا يُعَدُّ ذلك وقتاً فريداً أو ممتعاً؟

– هناك الكثير من الأسباب للقلق على أسس تقليدية حول مصير الأدب في عالمنا. مساحته التقليدية تتقلص باستمرار. تتضاءل السلطة التي كان يتمتع بها الأدب في المشهد الثقافي الأوسع.. من ناحيةٍ أخرى، حجم الرغبة في القراءة وإنتاج الأدب مذهل للغاية. إن المُقابل لهذا الشعور بالكآبة والعذاب هو مدى قوة الرغبة في القصة، مدى وجود هذه الرغبة في حياة مئات الملايين من الناس. نحن نعلم أن هناك الكثير من الأشخاص الذين لم يقرؤوا كتاباً أبداً، لكن هناك الكثير من محبي القراءة. هناك مئات الملايين من الأشخاص الذين يعتبرون القراءة جزءاً أساسياً لتجربة حياة مُرضية. إنها مكمِّل ضروري للغاية لوجودهم اليومي. ذلك المكان الذي يصنعه عقلك عندما يحوِّل الكلمات إلى قصة. هذا عظيم أيضاً. أعتقد أن الاستمتاع بالوفرة المعروضة أمامك كقارئ هو أكثر الأشياء أملاً التي تستحق الذكر.

إنّ سلطة الأدب في العالم الأوسع تتضاءل بلا شك. هذا مهمٌّ لشخصٍ مثلي، أستاذ اللّغة الإنجليزية – يتعلَّق الأمر بالتسجيل وعدد تخصُّصات اللّغة الإنجليزية وكل هذه الأشياء. كل هذه القضايا تتعلَّق بمسألة ذات معنى أعمق حول سلطة الأدب في عالمنا. لكن إذا لجأت إلى الأدب باعتباره وسيلة الملايين من الناس للحصول على المال، ولجعل حياتهم أفضل قليلاً، فهذا لا يزال عظيماً جداً، وحيوياً للغاية.

دمقرطة الأدب يمكن أن تثلج صدورنا أيضاً. منذ وقتٍ ليس ببعيد في مقياس التاريخ البشري، لم تكن القدرة على القراءة والكتابة والنشر منتشرة.

– كان هناك تقدُّم ديموقراطي في عالم الأدب. مجرد إلقاء نظرة على تكلفة النصوص، من عالم الكتب ذات الطبقات الثلاثية في القرن التاسع عشر إلى الوقت الحاضر، حيث غالباً ما تكون النصوص الإلكترونية مجانية بشكلٍ أساسي. كانت معدلات القراءة والكتابة تتوسع باستمرار من القرن التاسع عشر فصاعداً. عدد الأشخاص المنخرطين في عالم الأدب أكبر بكثير مما كان عليه في الماضي. أجد هذا مثيراً للاهتمام، حتى لو كان يتعلَّق بمسائل الجودة والقيمة الأدبية. ما مصير نموذج الأدب الذي قدَّمه «هنري جيمس» أو «جيمس جويس»؟ الكُتَّاب الذين قالوا: «إذا كنت تريد معرفة ما لدي، أيها القارئ، فسوف يتعيَّن عليك القيام ببعض الأعمال»؟ أعتقد أنه من الصعب جداً العثور على المشاعر في العالم الأدبي اليوم. أشعر بالتناقض حول اختفاء ذلك لأنني، على سبيل المثال، كانت لدي تجارب قيِّمة للغاية في العمل الجاد للحصول على ما يحاول المُؤلِّف تقديمه لي. أعتقد أن نموذج «أمازون» يتحرَّك بعيداً عن مطالبة القارئ بفعل أي شيء. إنه يتجه نحو التفكير في المُؤلِّف كخادم للقُرَّاء، يمنحهم ما يريدون.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

https://www.esquire.com/entertainment/books/a37989860/how-amazon-changed-fiction-mark-mcgurl-everything-and-less/#sidepanel

يورغن هابرماس: على الفلسفة أن تواصل التخصُّص دون توقف

إنّه أحدُ أكثر الفلاسفة الأحياء الذين تخلقُ كلمتُهم صدى وتَجاوباً، لكنه أيضاً أحد أكثرهم استعصاءً على مستوى قراءة أعماله، في سنِّ الثانية والتسعين تحدَّث «يورغن هابرماس» إلى طاقم تحرير المجلة (مجلة فلسفة الفرنسية) باللّغة الألمانية بكيفية مفهومة على نحوٍ استثنائي، مباشرةً بعد صدور الجزء الأول من كتابته لتاريخ الفلسفة، حيث يعيد رسم مسار حياة كرَّسها للمثال الديموقراطي، حياة تشْهَدُ على مشروع فلسفي لا تضاهيه في دقة تحديده إلَّا سَعة طموحِه؛ إنه مشروع إنقاذ الاستخدام العمومي للعقل.

يُلَقّبُ في ألمانيا بـ«هيغل الجمهورية الاتحادية»، وبالفعل فلـ«يورغن هابرماس» من شموخ القامة ما لِإرثٍ تاريخي، فهو من بين أكثر الفلاسفة المُعاصِرين الذين يحظون بدرجة كبيرة من الاحترام، إنْ لم نقل أنه أكثرهم حظاً من المُتابعة والقراءة. وُلِدَ «هابرماس» سنة 1929، وقد مثَّل المُفكِّر لعَمليةِ إعادة البناء التي أعْقبت الحرب العالمية الثانية، ولازال يمثِّل وريثاً لتقليد فكري مزدوج؛ تقليد مدرسة فرانكفورت والتقليد الفكري لنظرية اللّغة، احتفظ من التقليد الأول بـ«النظرية النقدية» للمُجتمع الرأسمالي، التي صاغها بمعهد البحث الاجتماعي بمدينة فرانكفورت مع مُرشديه وبإشراف منهم: «ماكس هوركايمر» و«ثيودور أدورنو» و«هربرت ماركيوز»، وباستلهامه لـ«ماركس» سيدخُل في حوار مع فلسفة الأنوار لاسيما مع الفيلسوف «إيمانويل كانط»، أمَّا التأثير الكبير الثاني في فكره فهو الذي مارسه المُفكِّر الأميركي «جون ديوي» والتيار البراغماتي، الذي يَعتبِرُ الديموقراطيّةَ سيرورةً تشاركيَّةً أكثر من كونها حالةً، ويُعَدُّ الفيلسوف «كارل أتو أبل Karl-Otto Apel» أبرز ممثليه الألمان، وقد التقى به «يورغن هابرماس» في بداية الخمسينيات من القرن العشرين، ليبلْوِرا معاً «أخلاقيات المُناقشة»، التي تتمثل في إرساء الشُّروط الكونية لإمكانات قيام مناقشة وتتيح التأسيس العقلاني للمعايير داخل فهم حواري للأخلاق.

عبْر المزج بين هذه الإسهامات المُختلفة -«كانط»، «ماركس وديوي»- منح «يورغن هابرماس» انعطافةً «تواصلية» للنظرية الاجتماعية لمدرسة فرانكفورت، وهو ما يؤكِّدُه بقوله: «لقد انطلقت من السَّواد المُطلق للنظرية النقدية في بداياتها والتي تعاملت مع تجربة الفاشية وتجربة الشيوعية، وحتى لو كانت الوضعية، التي هي وضعيتنا بعد 1945، مختلِفةً، فقد مثَّلت نظرة مجرَّدة من الأوهام تمَّ إلقاؤها على القوى المُحرِّكَة لدينامية اجتماعية ذاتية الهدم، لتقودني بالدرجة الأولى إلى الانطلاق في البحث عن مصادر تضامن الفرد مع الأفراد الآخرين؛ تضامُنُ لازال لم يتم إطماره بَعْدُ بصورة كلية».

يدافع الفيلسوف «يورغن هابرماس» عن المُواطنة الدستورية باعتبارها تِرْياقاً لما تنطوي عليه النزعة الوطنية من مخاطر؛ فهو ينافح عن التَّعلُّق بالمُؤسسات الديموقراطية بديلاً عن التَّعلُّق بالحيِّز الترابي، كما أنه لازال إلى اليوم مُلتزماً من أجل تجاوز الدولة الأمة ومناصراً متحمساً للبناء الأوروبي. وأن يكون الفيلسوف مؤلِّفاً لعمل ضخم حول المُناقشة الناجحة فهو أمرُ لا يعدمُ صِلَةً مع كونِهِ شخصاً عانى الإعاقة؛ إذ خضع «يورغن هابرماس» وهو في طفولته لعملية جراحية لتجاوز تشوُّه خِلْقي يُعرَف بالشفة الأرنبية، خرج منها بصعوبات على مستوى النطق، كانت كافية لإقناعه بِسُمُوّ الكتابي على الشفهي، فكان أن انتهى به الأمر إلى صياغة أسلوب جزل بقدر ما هو دقيق، إنْ لم يكن أسلوباً جافاً، لكن في بَوْحِه لفريق تحرير «مجلة فلسفة» في ألمانيا، كانت نبرته مشحُونةً بارتياحٍ غير معتاد، وفي الوقت الذي صدر فيه الجزء الأول من آخر عمل كبير له -كتاب ضخم يحمل عنوان «تاريخ الفلسفة – histoire de la philosophie» (عن دار غاليمار)- اختار «هابرماس» أن يُفضي لنا وهو في سن الثانية والتسعين من العُمر بذكرياته وما يحمله من آمال لفئة الشباب، إلى جانب حافز طموحه الفلسفي الذي لم يصبه العياء.

تمَّ مؤخَّرا نشر الجزء الأول من كتابك الضخم «تاريخ الفلسفة»، حيث نجد فيه على الخصوص سؤال دور الفلسفة، فما هو هذا الدور؟

– إنّ العلوم تتقدَّم وتزداد تخصُّصاً أكثر فأكثر، دون أن تفقد خاصيتها العلمية، بل تجِدْها تنحو بالأحرى إلى تقويَّتِها، وهو ما يعني أن على الفلسفة أن تواصل بدورها التخصص دون توقف، باعتبارها تتأمل وتفَكّر في أشكال التقدُّم التي تحققها هذه المعرفة، لكنها ستكُفُّ عن أن تكون فلسفة إنْ هي فقدت «الكُلَّ» من مجال نظرها، وأنا لا أقصد بـ«الكل» هنا «العالم في مجموعه»، بل الخلفية المقدمة بكيفية ضمنية فحسب، أي خلفية عالم العيش، الذي نتساءل في مواجهته عمّا يعنيه التّقدُّم العلمي بالنسبة لنا، وهذه الإحالة إلى أشخاصنا بوصفنا أفراداً معاصِرين وكائنات إنسانية عموماً، تقيم تمييزاً بين الفهم الفلسفي للذات وبين العلوم التي تتجه منهجياً نحو ميادين الموضوعات الخاصة بكل واحد منها، وبكتابي الأخير أردت أيضاً أن أبرز الكيفية التي تشعَّب بها، مع «كانط» وهيوم، خطان فكريَّان صار يبتعد أحدهما عن الآخر مثل قارتين من غير هدى وبلا هدف؛ أحدهما يتصوَّر الفلسفة تخصُّصاً علمياً من بين التخصُّصات العلمية الأخرى التي تزداد تخصصاً -وهو الأمر الذي ليس بالخاطئ في شيء- في عملية إعادة تشكيل عقلانية لـ«تعرّفٍ» محدَّد وحدسي فقط، وتتخصَّصُ في الكيفية التي بها ندرك أو نحس بشيء ما، ونفعل فيه أو نتحدَّث عنه، والكيفية التي بها نمارس العلم أو نقول بها الحق، أما الاتجاه الآخر فيستخدم هذه المعرفة التي أُعيدَ بناؤُها كي يقدم، مع نظرة على المُشكلات الضاغطة للراهن، مساهمةً في الفهم العقلاني للعالم وللذات عيْنِها من قِبل الأجيال المُعاصِرة، وفضلاً عن ذلك يبقى كلا التوجهين المُتعاكسين فيما بينهما عُرضة لخطرين متكاملين، هما خطر النزعة العلموية وخطر السقوط في مجرَّد الهواية.

إنّ نظريتكم حول الفعل التواصلي (1981) تدعو إلى مِثَال المُناقشة العقلانية بين جميع المُواطنات والمُواطنين، فهل لا زالت شروط الحوار الهادئ مُجتمعة؟

– لقد لامستم بسؤالكم هذا موضوعةً عميقة جداً هي المُتمثلة في كون الشبكات الاجتماعية تفكك حتى شروط تنظيم مناقشة سياسية وبأن التواصل العمومي لم يعدْ بتاتاً ذاك الفضاء الذي يقوم فيه التمييز بين «الصحيح» و«الخاطئ»، والواقع أن المُناظرة العمومية من اللازم أن تتمَّ هيكلتها بكيفية تكون فيها الآراء المُتنافسة معبِّرَة عن الأسئلة (والمُشكلات) التي يتمُّ تحديدها وتعيينها من قِبل جميع الأطراف باعتبارها أسئلة ملائمة ومشتركة، لكن ما تقوم به المنصات الرَّقميّة هو تكوين كمٍّ من جزر التواصل تدور حول نفسها وتميل إلى فصل وعزل المُشاركين عن تدفُّقات المعلومات التي تكون موضوعاً للفحص والتحرير، فبحُكم ذلك يكون العالم الرَّقميّ مُقسِّماً للآراء العمومية الوطنية إلى حَدٍّ لا يتواجَهُ فيه المُواطنون إطلاقاً حول نفس الموضوعات، وفي أقصى الحالات هم لا يعيشون بتاتاً حتى في نفس العالم السياسي.

غالباً ما نؤاخذ اليسار على ارتباكه وحيرته داخل خطابات نخبوية حول سياسة الهوية وعن تَحمُّله لجزء من المسؤولية في نجاح اليمين المُتطرِّف، فهل من أساس لذلك بنظركم؟

– بخصوص العلاقة بالمُهاجرين أو، بصورة أعم، العلاقة بالأشخاص من أصل إثني أو ثقافي أجنبي، تبقى المُبادرات الصادرة عن ممثلي الدراسات المابعد كولونيالية مرحَّباً بها؛ فنقد الأحكام المسبقة والجرائم العنصرية يستند دائماً إلى مبدأ ذي نزعة كونية للاحترام المُتماثل الذي يكون واجباً علينا تجاه كل شخص. ذاك هو السبب الذي من أجله يتعيَّن علينا ألّا نزيد في إضفاء الخاصية الطبيعية على الاختلافات الثقافية، فليس صحيحاً أن الآخر الذي ننتَقِدُه هو، بشكلٍ من الأشكال، أسيرُ ثقافته أو سجين داخل السياق الخاص بأصله وتنشئته الاجتماعية، ذلك أن الثقافات المُختلفة لا تشكّل عوالم مقطوعٌ بعضها عن البعض بسدُود لا يمكن عبورها، كما أنها لا تتميَّز أبداً بـ«هويات» جامدة وغير متحرِّكة في علاقة بعضها ببعض.

لقد أظهرت أزمة (كوفيد) للعيان وجود توترات هائلة بين الحرّية الفردية والتنظيم والضبط الذي مارسته الدولة باسم الصحة، ما حُكمكُم على فعل الدولة خلال الجَائِحة؟

– إنّ النقاش حول السبيل الأفضل الذي يتعيَّن اتباعُه في مواجهة الجَائِحة قد هيمن عليه إلى حدود تاريخ قريب الخلاف بين المُدافعين عن الإجراءات الوقائية الصارمة وأنصار خط إزالة العوائق والانفتاح التحرُّري، وفي هذا السياق، لدينا نقطة عمياء مهمَّة مع سؤال خاص بفلسفة الحق هي المُتمثلة في معرفة ما إذا كان بإمكان دولة الحق الديموقراطية اتباع سياسات تَتلاءَم عبْرها مع أرقام انتشار العدوى والوفيات التي يمكننا تفاديها من حيث المبدأ. ففي ظل الأزمة اعتمدت الدولة على تعاون غير عادي من قِبل السكان، وهو ما فرض قيوداً صارمة على جميع المُواطنين، بل وفرض عليهم حتى تقديم خدمات شخصية بارزة، بمَنْ فيهم مختلف المجموعات التي لا تتحمل التكاليف على قدم المُساواة، ولم تكن الدولة مرغمة على فرض المزايا التضامنية عبر الطريق القانوني إلّا لأسبابٍ وظيفية، والإحراج الحاصل بين الإكراه أو القسر القانوني والتضامن إنما هو ناجم عن انفجار توتر إبَّان الجَائِحة، وهو التوتر الذي يبقى داخلياً بالنسبة لدستورنا ذاته وملازماً له، بين مبدأين حاملين، ذاك الذي يوجد من جهة بين السلطة الديموقراطية التي تبسُط ولايتها على المُواطنين بغرض متابعة مجمل الأهداف الجماعية، ومن جهةٍ أخرى، الضمان المُؤكَّد من قِبل الدولة للحرّيات الذاتية، والعنصران معاً يتكاملان فيما بينهما كلما كان الأمر متعلِّقاً في وضعية عادية وبإعادة الانتاج الداخلي للمُجتمع، لكنهما يفتقدان التوازن كلما كان الجهد الجماعي الاستثنائي الهادف إلى صدّ خطر طبيعي يهدِّد «من الخارج» حياة المُواطنين مُسْتَلْزِماً أفعالاً تضامنية منهم تتجاوز المُستوى المُتواضع الذي يطبع التوجُّه نحو الخير المُشترك والذي ننتظره منهم في الحالة العادية. أعتقد بأن هذا الالتماس غير المُتَقَايس لتضامن المُواطنين على حساب حرّياتهم الذاتية المضمونة بدورها، إنما يجد تبريره في ما تطرحهُ على كاهلنا الوضعية الاستثنائية من تحدّيات، لكن الأكيد هو أنها لا تكون لها مشروعية سوى لفترةٍ محدودة.

لقد ظهر بفضل الأزمة الصحية، نوعٌ جديد من الاحتجاج الشعبي يؤكِّد نفسه على المشهد السياسي، فكيف تصفونه؟

– عندما نعكف على حالة وعي هؤلاء الناس، فإننا نصطدم في واقع الأمر بتناقض غريب، فمن جهةٍ هم يستخدمون نظريات المُؤامرة كي يسقطوا ألوان قلقهم المكبوتة حول القوى الظلامية التي يُفْترَض أنها تستعمل سلطة المُؤسسات القائمة؛ فالعنصر أو المُكوِّن السلطوي لهذه التصوُّرات المُنغلقة للعالَم والمُتأثرة في الأغلب بنزعة معاداة السامية تكشف عن جذور اليمين المُتطرِّف لهذا الإمكان، ومن جهةٍ أخرى نجد أن استنكار النظام الذي تمَّ وضعه قد أتاح للمُشككين في كورونا تقديم أنفسهم بلباس النزعة المُضادة للتسلط Anti-autoritarisme؛ بحيث تعطي مواكبهم الاحتجاجية المظهر التحرُّري للحركات الاحتجاجية للشباب، بهذا الشكل أمكن للمُحتجين أن يتظاهروا ويعملوا على تقديم أنفسهم باعتبارهم المُدافعين الديموقراطيين «الحقيقيين» عن الدستور الذي تمَّ انتهاكه من قِبل حكومة يَتَمُّ الزَّعم بأنها متسلطة. والواقع أن الشيء الوحيد الذي يرشح من هذه الوضعية التحرُّرية، هو الدفاع الخالص والمحض عن المصالح الشخصية الذي يتوقع المرءُ أن يجده عادةً عند ممثلي الليبرالية الاقتصادية الجذرية، لكن ما يوجد في هذه الحالة، هو نزعةُ التمركز حول الأنا الخاصة بالضّعفاء والمُهمشين، لا تلك الخاصة بالأقوياء. ولو وَثِقْتُ في انطباعي، لَقُلت بأن إمْكَانَ الاحتجاج هذا لازال سيشغلنا لفترة أطول، وبكيفية مستقلة تماماً عن العامل الذي أطلَقَهُ المُتمثل في الجَائِحة وأفترض أنه يعبِّر عن هذا النوع من عدم الاندماج الاجتماعي ذي الأصل النسقي والذي أجاد الرئيس الأميركي «جو بايدن»، دون أدنى شك، في تشخيص مُسبِّباته بعد الهجوم على الكابيتول الأميركي وهو يحاول لحدود الآن محْوَهُ من خلال محاولته العودة إلى برامج «روزفلت».

ما رأيك في الاستجابة الأوروبية للأزمة الصحية؟

– لا شيء يبعث على الاندهاش في ما أبانت عنه الدول الأمم، أثناء جائِحة «كوفيد – 19»، من قدرة على التصرُّف ككيانات بشكلٍ فعلي وحقيقي، على الرغم من نشاط التنسيق الذي قامت به المُنظمات الدولية لاسيما منظمة الصحة العالمية، ومع ذلك لازالت المفوضية الأوروبية مسؤولة، نيابة عن الدول الأعضاء، عن اقتناء اللقاحات النادرة وتوزيعها، فبذلك استطاعت أن تتجنَّب، في نطاق مجالها التراتبي المُتميِّز عالمياً من زاوية اقتصادية، تفاوتات قوية في التزوُّد بالأدوية الحيوية، كانت ستظهر بين الدول الأعضاء المُتفاوتة في قوتها، لكن تزامن الكارثة التي عصفت بإيطاليا في بداية الجَائِحة مع المُشاورات حول الميزانية هو ما دفع على الخصوص كلا من «ماكرون» و«أنجيلا ميركل» إلى فرض مبادرتهما من أجل برنامج مشترك للمُساعدة على الصعيد الأوروبي وإذا كانت خطة الإنعاش لافتة في تميُّزها، فلأنها أتاحت للمفوضية تحمُّل الدُّيون الأوروبية المُشتركة، حتى وإنْ لم يكن ذلك في لحظة أولى إلّا بهدف التّحكُّم في ما نجم عن الوباء من عواقب، لكن منذ تاريخ توقيع اتفاقية «ماستريخت» إلى الآن، يبقى قرار تحمُّل الدَّين بصورةٍ مشتركة هو الخطوة الجدية الأولى نحو توحيدٍ أكثر تقدُّماً.

تخيَّل لو أنَّ شاباً في غمار طرحه لأسئلة على نفسه بخصوص العَالَم، حَصل أن التقى بك، ما هو المُؤَلَّف الفلسفي الذي ستنصَحُه بقراءته أولاً؟

– لن أوصيه بأي واحدة من تلك الطلقات (وعمليات القصف) الاندفاعية التي نُسْلم أنفسَنا لها عندما يكون الأمر متعلّقاً بتقديم صور تشخيصية للحقبة التاريخية، بل سأنصحه، من باب تحفيزه من أجل الاطلاع على الفلسفة، بقراءة صفحتين ونصف وصَلتَا إلينا من كتابة «هيغل»، تحت عنوانٍ به شيء من الخداع: «أقْدَمُ برنامج نسقي للمثالية الألمانية»، وحتى لو سارع أحدهم إلى القول بأن طالبة شابة في قسم البكالوريا لا يمكنها فهمُ سياق هذه الأسطر، فإن ما ستشعر به هو تلك القوة المُتعالية لفكر شعري فلسفي (péotico-philosophique) التي كان يحملها الأصدقاءُ الثلاثة: «هيغل» و«شلينغ» و«هولدرلين» في تلك الحقبة، أي سنوات بعد الثورة الفرنسية، لأن هذه الأسطر هي التي انحدرت منها أعمال فلسفية وأدبية هزَّت العالَم ولا زالت تُحرِّكُهُ إلى يومنا هذا، وإذا تعلَّمت هذه الشرارة الفلسفية، سأنصحُها عندئذ، هي أو صديقها المهْتم، بقراءة «كتابات الشباب» لـ«هيغل»، نعم هي نصوص محيِّرَةُ، لكنها أيضاً الخُطى تقود على الطريق الصحيح، وفي نهاية المطاف سيكون الاثنان قد اكتشفا معاً مفهوم الحرّية ومفهوم «الحب»، أي سيكونان قد اكتشفا التبادلية التي تطبع العلاقات البينذاتية بوجهٍ عام، وهما مفهومان لن يغيبا عن ذهنهما أبداً، مهما كانت الوجهة التي يأخذهما صوبها فِكرُهما الخاص.

أنت أحد آخر المُفكِّرين الذين عرفوا الفيلسوف «ثيودور لودفيغ فايسنغرند أدورنو» شخصياً، هل تتذكرون هذا اللقاء؟

– عند أول لقاء بيننا في يناير/كانون الثاني 1955 لم يكن «أدورنو» قد صار بعد «أدورنو» كما هو في أعين الجمهور، أتذكره شخصاً بحركات رشيقة، عميقاً في تفهُّمِهِ لكنه يحمي، في ذات الوقت، نفسَه من الخارج، هذا الشخص الذي رأيته فيما بعد، استقبلني بمكتب «هوركايمر» بتودد ملحٍّ بقدر ما هو مستعصٍ على كلِّ اختراقٍ، لقد صارت الذهنية الشفافة، طبيعة ثانية له، فمن لغته وخَطَابَتِه اللاَّذعة ينكشف، ربما عنصر أو مكوِّن مصطنع يسبب اندهاش الزائر غير المُستعد. لم يكن بمقدروي في تلك الحقبة التكهُّن بما الذي كانت ستعنيه بالنسبة لي السنوات الأربع ونصف السنة الموالية من العلاقة شبه اليومية مع هذا الذهن العظيم والهش، الأعزل من كل دفاع والفائق الحساسية تجاه المؤسسات؛ بمعنى ما الذي كانت ستعنيه تلك السنوات في تطوُّري الفلسفي وبصورة أعمّ في تطوُّري الذهني. لقد كان «أدورنو» شخصاً لا يمكنه إلَّا أن يفكِّر، إذْ كان أقربَ ما يكون إلى العيش تحت وطأة التوتر بشكلٍ يومي، وهو ما كان ينطوي تقريباً على شيء من الألم، وفي الأمسيات التي كانت تجتمع فيها حلقة الوُد المُصغَّرة كان يبذُل لنا فيها ما هو أكثر من واجب الضيافة، ولما كان يشعر صاحب البيت بالأمان، كانت تلك الليالي تطول أكثر، لقد كان «أدورنو» يعيش حياة بورجوازية، فعند منتصف النهار يدخل لتناول غدائه في بيته، ثمَّ يعود إلى المعهد عند الساعة الثالثة زوالاً تماماً، من شارع «كيليتنبرغ» القريبة جداً، رفقة زوجته «جريتيل».

عندما تتذكرون هذه الحقبة التاريخية هل تجدون فيها بعضاً من صور التوازي مع حقبتنا نحن؟ أم تُرانا أمام عالَم مختلف تماماً؟

– بكيفية تطبعها المُفارقة سأجيب بنعم عن سؤاليْك معاً؛ فالناس وحاجاتهم وصور قلقهم وآمالهم وتطلعاتهم لا تتغير بشكل سريع جداً، اللهم إلّا إذا كان ذلك بكيفية سطحية جداً على غرار ما تتغير أشكال الموضة. وبالمُقابل نجد أن شروط الحياة والظروف السياسية قد شهدت تحوُّلاً ظاهرياً في أعقاب تسارُع التغيُّر التكنولوجي والاجتماعي. أكيد أن وعي السكان الذين ينتمون إلى نفس الوطن في تلك الحقبة كان غارقاً في الإطار الوطني وكان رجعياً إلى حدٍّ ما، لكنه كان وعياً متّجهاً نحو المُستقل. ومع الدفعة المُواتية التي حملتها الانطلاقة الاقتصادية، وعلى الرغم من صور الاتصال والاستمرارية على صعيد الذهني والشخصي كانت ضاغطة مع حقبة الوطنية الاشتراكية، على الرغم من ذلك كنا نشعر بأن شيئاً ما في طور التحسُّن. أما اليوم فنجد الوعي قد اهتز وارتجَّ من مدة طويلة وسقط في حالة دفاعية، والجَائِحة ما هي، بالأحرى، إلّا عَرَضٌ لذلك؛ إنّ عولمة التهريب والإنتاج وَرقْمَنةَ علاقات العمل والتَّواصُل، والآثار القاسية والمُدمرة للأزمة المناخية تحديداً لا تبعث على الأمل؛ فما أبرزته الإيكولوجيا تحديداً هو أن أشكال المنافذ التحليلية تتغير في ذات الوقت الذي تتغير فيه الظواهر. ومن جانب آخر نجد أن المُشكل القديم هو المُتمثل في معرفة الكيفيّة التي يمكن بها، لضبط وتنظيمٍ تتولّاه الدولة، تدبيرَ المُشكلات التي أفرزتها الرأسمالية، إلى جانب التفاوتات وعدم المُساواة الاجتماعية المُتزايدة التي لم تخْتفِ، بل ازدادت حدَّةً وخطورةً في أعقاب العولمة الاقتصادية والأزمة المناخية، ومع أن هذا المُشكل لم يتم التَّحكُّم فيه دائماً وضبطه، فإنّ إدراكه يتمُّ باعتباره مشكلاً تافهاً ومبتذلاً داخل مجتمع صار أكثر غِنى في المُتوسط، ليتم تركه في ذيل الخطة ووضعه على آخر سلم الأولويات، كما أن السياسة قد تخلَّت عن التوجيه وعن الإرادة الخلّاقة والمُبدعة وعن المنظور أو الأفق المُستقبلي، وصارت تتكيَّف بانتهازية مع التَّعقيد المُتزايد الذي صار يَسمُ الوضعيات المُقلقة، دون أن تمتلك بالبث والمطلق أيَّ إرادة واضحة.

قدَّم «برتراند راسل» نصيحتين للأجيال المُستقبلية؛ إحداهما فكرية والأخرى أخلاقية؛ فأما الإشارة الفكرية فمضمونها وُجُوب التَّركيز على الوقائع وحدها وما تنطوي عليه من حقائق. وأما الإشارة الأخلاقية فتتمثل في أننا نعيش في عالَم يصير أكثر فأكثر تعولماً (globalisé) مما يستوجب تكويناً جماعياً على التعاطف والتسامح، فما النصائح التي تقدِّمها أنت؟

– أوافق «راسل» على كلتا النقطتين، لكنني أَسْند إشارته الأخلاقية بوقائع: الوقائع التاريخية، مثل إلغاء العبودية وتجاوز الهيمنة الاستعمارية وإدانة التعذيب وإلغاء عقوبة الإعدام وضمان التسامح الديني وحرّية الرأي أو المُساواة في الحقوق بين الجنسين، فهذه الوقائع كلُّها تمَّ التّرحيب بها بصورةٍ واضحة باعتبارها صور تقدُّمٍ على طريق مَأْسَسة الحُرّيات، وهو أمرٌ حاصلُ ليس داخل منظورنا الغربي المحدود. وإلى جانب ذلك لا أحد يشكك في ما حقَّق العلم من تقدُّم، كما أننا راكمنا تقدُّماً أيضاً على صعيد استخدام العقل العملي؛ غير أن ذلك لا يمكِّنُنا من ضمانة مؤكَّدةٍ على أننا سنحُلُّ المُشكلات الراهنة، التي تبدو، بصورة خالصة وبكامل البساطة، عقباتٍ يتعذَّر تذليلُها، لكن يمكنها على أقل تقدير تشجيعنا على المضي في اتجاه «تعلم الأمل» (Docta Espoir)، واستخدام عقلنا العملي من أجل تحسين العالَم، ولو كان ذلك بالأقل، واليوم لا زال بإمكان الفلسفة أن تقدِّم أدواتٍ جيدةً لدعم وإسناد هذا الفكر الذي يُفصِح عن نفسه في أعمال «كانط» أكثر من أي فيلسوفٍ آخر.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

Philosophie Magine,N°155, decembre2021 / janvier2022.
حوار: ليزا فرايدريش. تقديم: سيدريك انجالبرت. الترجمة الأصلية: أوليفييه مانوني

ميشيل مافيزولي: الإدارة بواسطة الخوف تؤدِّي إلى ترسيخ الفردانية

«ميشيل مافيزولي» غَنيٌّ عن التعريف، فهو عَالِم اجتماع، فيلسوف، أستاذ فخري بجامعة السوربون وعضو بالمعهد الجامعي الفرنسي. عن سنِّ السادسة والسبعين، لم يفقد هذا الأبيقوري شيئاً من حرّيّته في التعبير، ولم يُصَبْ بعدوى الفكر الواحد. إذ يُقدِّم لنا في مقالته الأخيرة تحليلاً رصيناً لتحوُّل «البراديغما» الذي بتنا نشهده اليوم.

حسب تحليلك، نحن اليوم نعيش نهاية عصر ونشهد بالتالي نقلةً نوعية. ما هي التحوُّلات التي تجري حالياً؟

– ميشيل مافيزولي: إنه واحد من المواضيع التي دأبت على الخوض فيها منذ سنوات عديدة. أنا أبيِّن إجمالاً أنه في كلّ ثلاثة أو أربعة قرون، المُحرِّك الذي ترتكز عليه الحضارة يتوقَّف عن العمل. النظام يبلى ويتآكل. ومن وجهة نظري نحن نعيش حالياً آخر أنفاس العصر الحديث. ما يُسمَّى بالحداثة هو ما بدأ مع «ديكارت» في القرن السابع عشر، وتعزّز طوال القرن الثامن عشر في أوروبا مع فلسفة التنوير، وتم إضفاء الطابع المؤسّسي عليه في القرن التاسع عشر. ثم حَلّ القرن العشرون الذي بدَّد رأس المال، ولم يخلق الكثير وعاش على ما تركته القرون الثلاثة التي سبقته. فمنذ منتصف القرن العشرين، انتهى عصر الحداثة، وبدأ عصر آخر أصفه بـ«ما بعد الحداثة».

ما الذي يميِّز الحداثة عن ما بعد الحداثة؟

– إن الحامل الثلاثي للقيم الحديثة الكبرى يتشكَّل من الفردانية والعقلانية والتقدُّمية. وهذا ما يشكِّل أساس جميع التأويلات والمُؤسَّسات الكبرى والقيم التعليمية والوجدانية والصحية والاجتماعية والسياسية والنقابية… إلخ. كلّ هذه المُؤسَّسات تطوَّرت انطلاقاً من هذا الثلاثي. وفرضيتي، مع الأخذ بعين الاعتبار أصل كلمة «عصر»، هي أن هذا «القوس» يُقفَل الآن. ولكي نفهم الأمر جيّداً، من الواجب علينا معرفة أن العصور المُختلفة تفصل بينها فترات. العصر يدوم لثلاثة أو أربعة قرون، والفترة تستمر لأربعة أو خمسة عقود. يمكننا أن نشبه الفترة بوقت الغروب الذي نستشعر من خلاله ما الذي سيزول، ولكننا لا ندرك جيّداً البديل الذي هو في مرحلة النشأة. وهذا ينطبق بشكلٍ خاص على الأجيال الشابة، التي لم تعد تجد المعنى في القيم التي أشرت إليها للتو، وتطمح في الوقت نفسه إلى أنواعٍ أخرى من القيم.

ما هي قيم ما بعد الحداثة الوليدة؟

– اسمح لي أن أتكلَّم بحذر. في رأيي، ثلاثي ما بعد الحداثة الوليدة لن يكون الفردانية، ولكن سيكون ضمير الجمع المُتكلِّم «نحن»؛ لن يكون ما هو عقلاني، ولكن ما هو عاطفي؛ ولن يكون التقدُّمية من أجل الغد، وإنما فكرة الحاضر. ما يحدث حالياً وما نستشعره جميعاً هو الانزلاق من ثلاثي إلى آخر.

وفي السياق الحالي للأزمة الصحية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، أنت تتحدَّث عن «الإدارة بواسطة الخوف» على مستوى الدولة. هلا وضحت لنا ذلك؟ وهل ينطبق الشيء نفسه على وسائل الإعلام أيضاً؟

– في الوقت الذي يجري فيه هذا التحوُّل، ولفترة محدودة من الزمن، فإن ما أسميه أنا النخب، أي أولئك الذين لديهم القدرة على القول والفعل: السياسيون والصحافيون والخبراء، أولئك الذين نراهم كلّ يوم على القنوات التلفزية، هذه الأوليغاركية الإعلامية والسياسية الصغيرة تظلّ متمسّكة بالقيم المنتهية صلاحيتها. والصحافة، من جانبها، تنقل ما يطلب منها السياسي أن تنقله. وعندما تكون النخبة ماضية في طريق الاندحار، فإنها تعمد إلى ما أسميه «الإدارة بواسطة الخوف». في العصور الوسطى، كان الخوف من الجحيم. أمّا حالياً، فلدينا استراتيجية الخوف من المرض. إذ يجري تسليط الضوء على هذا الوباء، الذي أسميه أنا وباءً نفسياً. يتلخَّص الأمر في خلق نوع من الهلوسة الجماعية، أو نوع من الذهان. في نهاية العصور الوسطى، كان هناك الطاعون الأسود. والغريب أنه كلّما اقتربت في التاريخ نهاية شيء ما، تظهر لنا هلوسة جماعية وينصب الاهتمام على تدبيرها. واليوم، باسم هذه الأزمة الصحية، يجبر الناس على ارتداء الأقنعة، والتزام التدابير الاحترازية. ما هو دورها؟ إنه ببساطة، الحفاظ على الفردانية. نريد أن نحافظ على هذه القيمة الفردية، في حين أن ما ستفرز عنه التحوُّلات الجارية الآن يمتاز ببعده القبلي والجمعي ويتكلَّم بضمير الجمع المُتكلِّم «نحن». وفي كتابي، أنا لا أتحدَّث عن ارتداء القناع، ولكن عن «ارتداء الكمامة»…

أنت تصف في كتابك دولة منفصلة عن الناس وعن العَالَم الحقيقي. ما الذي ينبغي عليها فعله لتكون منسجمة مع المُجتمع والرأي العام؟

– فرضيتي هي أنه عندما تصل النخبة إلى مرحلة التدهور فإنه سيتم استبدالها، وهذا أمرٌ حتمي. لقد تحدَّث عالم اجتماع واقتصادي إيطالي مغمور، اسمه «فيلفريدو باريتو»، عن «تداول النخب». فعندما تصير النخبة عاجزة عن مسايرة الإيقاع العام، يحدث التداول. ولكن الأمر يستغرق منّا بضعة عقود قبل أن نتنبَّه إلى حدوث مثل هذه القطيعة. بالنسبة للأشخاص الذين هم في مثل سني، من اللافت أن نرى بأنه قبل ثلاثين عاماً، تمَّ فقد الثقة بالمُثقَّفين، ثمَّ في وقتٍ لاحق، تمَّ فقد الثقة بشكلٍ متزايد في السياسيين. وفي الوقت الحالي، انعدام الثقة هذا أصبح يتزايد تجاه الصحافيين ووسائل الإعلام بشكلٍ عام. وقد كان «مكيافيلي» يقول بوجود تناقض بين «فكر القصر وفكر الساحة العامة». وهذا ما يحدث الآن. ربما أكون مخطئاً، لكن فرضيتي هي أن المُستقبل سيشهد اندلاع أشكال من الانتفاضات.

ما هو رأيك وتحليلك بشأن كلّ ما نقرؤه ونسمعه عن نظريات المُؤامرة؟

– هذه أمر لا أحبه على الإطلاق! إنها وسيلة مباشرة لمنع التفكير، حيث نسمي «منظري المُؤامرة» أولئك الذين لا يتبنّون الأفكار الرسمية والعلمية التي تحظى بالمقبولية. عادة، في البلدان الديموقراطية، في الفترات المتوازنة، يكون هناك نقاش، أي ما كان يسمّى في الماضي بـ«الديسبوتاسيو – disputatio». أمّا اليوم، وهذه ظاهرة حديثة، فإذا قلنا شيئاً لا يتفق مع الكلام الرسمي، يتمُّ اتهامنا على الفور بأننا نؤمن بنظرية المُؤامرة أو نروِّج لها. لذلك فهذا أمر غير لائق بالنسبة لي، لأنه يقودنا إلى التخلي عن جميع الحُجج المُناقضة لكي نتفادى النقاش الذي أصبح غير محمود العواقب.

ما الذي يمكن للفكر الفرنسي أن يقدِّمه في هذا السياق، وخاصة الفلاسفة وعلماء الاجتماع؟

– بقدر ما كانت فرنسا تعتبر المكان والمُختبر الذي كانت تُصنَع فيه الأفكار حقّاً -في زمن «ميشيل فوكو» و«جيل دولوز» وآخرين ممّن قاموا بتكوين الجيل الذي أنتمي إليه والذين كانت أسماؤهم شامخةً ومعترفاً بها دولياً- بقدر ما شهد العقدان أو الثلاثة عقود الأخيرة، هدراً كبيراً. وأنا أستثني هنا صديقي «إدغار موران» الذي يحتفل هذا العام بعيد ميلاده المئة. هذا فيما يخص الجانب المُتشائم. أمّا الجانب المُتفائل فكما هي العادة دائماً حين يحدث تداول للنخب، يجب أن نراهن على الأجيال القادمة. عندما نرى على شبكة الإنترنت والشبكات الاجتماعية أن هناك مجموعات مناقشة فلسفية واجتماعية واقتصادية حقيقية، نرى أيضاً أبحاثاً حقيقية يجري تطويرها. أعتقد أن هذا هو المكان الذي تتبلور فيه الآن الثقافة الفرنسية الجديدة على مستوى الأفكار. المشكلة الوحيدة هي أن كلّ ذلك يتم تحت غطاء غير رسمي، ولم تضف عليه الرسمية بعد.

ما هو رأيك في انتشار الأخبار الكاذبة والمُزيَّفة، وخاصة على الشبكات الاجتماعية؟

– يمكن في كثير من الأحيان تشبيه وسائل الإعلام الرسمية بالببغاوات، لأنها تكتفي بتكرار ما تطلب منها السلطة قوله. فكأن هاتين السلطتين مرتبطتان، على المُستوى الرمزي، بنوع من زواج الأقارب. إنه مجتمع صغير ومنكفئ على ذاته. وهذا المُجتمع منقطع عن الحياة الحقيقية، عن «النّحن»، عن القرى البعيدة عن العاصمة. إن هناك انفصالاً حقيقياً عن الناس. ففي قريتي الصغيرة في منطقة الهيرو، يحدّثني الناس باستمرار عن تمسرح السياسيين الذين يشاهدونهم في البرامج التليفزيونية. توجد لدينا «مسرحقراطية théâtrocratie» حقيقية. وبديل ذلك هو تعدُّد هذه الشبكات الاجتماعية (تويتر، فيسبوك، انستغرام، لينكد إن…). أعتقد أن من المُبالغ فيه قليلاً الحديث عن الأخبار الكاذبة والأخبار المُزيَّفة… إلخ. لأن هذه الثقافة السيبرانية توجد الآن في حالتها الوليدة، لا بدّ أن نرى ذلك بوضوح. لذلك فهناك الأفضل والأسوأ. ونحن نرى الأسوأ على الدوام، لكننا لا ننتبه جيّداً للأفضل. لا يجب علينا أن نركِّز دائماً على نصف الكأس الفارغ، لأن هناك نصفاً ممتلئاً كذلك. يجب أن نكون حذرين بشأن هذه الثقافة السيبرانية، ولكن سواء أأعجبنا الأمر أم لا، هذا هو البديل. فقد عاشت البشرية نفس المُشكلة مع «غوتنبرغ» والطباعة في القرن العاشر. وذلك لأن الرهبان كانوا يحتكرون الكتابة في ما سبق. ومنذ اللحظة التي تمكَّن فيها الإنسان من الطباعة، ظهر ردّ فعل سيئ للغاية. بطريقةٍ ما، التاريخ يعيد نفسه مرّةً أخرى. هناك نوعٌ من الوصم لما هو غير رسمي، لأنه يُكره النخب على التخلّي عن احتكارها. وأنا أعتقد على العكس من ذلك، بأننا يجب أن ننتبه لهذه الثقافة السيبرانية وأن نتعهدها بالمُصاحبة ونعمل لصالحها كي لا يتحوَّل الحلم إلى كابوس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: فاليري لوكتان

العنوان الأصلي والمصدر:

Michel Maffesoli: le management par la peur pousse à l’individualisme

المجلة الفصلية «Question de philo» العدد (23) (أكتوبر- نوفمبر- ديسمبر 2021).

ميشيل أغلييتا: فرصة أخيرة لإنقاذ المناخ

في مواجهة تغيُّر المناخ، بآثاره الملموسة كلّ يوم، دعا «ميشيل أغلييتا»، مستشار في مركز الدراسات المُستقبلية والمعلومات الدولية (CEPII)، إلى إنشاء بيئة سياسية عاجلة، تتمثَّل في دمج معايير الاستدامة في السياسات المالية والنقدية والتنظيم المالي وحوكمة الشركات. في هذه المُقابلة يقدِّم الباحث تفاصيل هذه الاستراتيجيات من خلال الإجابة عن أسئلة «إيزابيل بن صيدون»، الخبيرة الاقتصادية ومساعدة مدير (CEPII).

إن السيناريوهات التي أصدرتها الهيئة الحكومية الدولية المعنيّة بتغيُّر المناخ (IPCC) هذا الصيف مقلقة للغاية. هل ما زالت هناك طرق للخروج؟ هل أحرز مؤتمر (COP26) الأخير أي تقدُّم؟

– إن الرسالة المُلحة لتقرير الفريق الحكومي الدولي الأخير تقول إن أزمة المناخ قد وصلت إلى عتبة حرجة. لقد فُوجئ العلماء بهذا التسارع مع بداية الأحداث المُتطرِّفة منذ أواخر عام 2019. وهذا هو السبب في أن إمكانية العودة إلى ما قبل هذه الأزمة «الطبيعية» تبدو وهماً خطيراً.

ومع ذلك، لا يزال من المُمكن العمل على احتواء الزيادة في درجة الحرارة، مقارنة بما كان عليه في المُتوسّط بين عامي 1850 و 1900، إلى 1.5 درجة بحلول عام 2050. ولكن يجب أن نتصرَّف بسرعة، حتى نتمكَّن من تقليل صافي انبعاثات غازات الدفيئة (GHG) إلى الصفر بحلول عام 2050.

في هذا الصدد، أحرز مؤتمر (COP26) تقدُّماً، بالاتفاق على التخلُّص من غاز الميثان الكربوني، والذي يجب استبداله بإنتاج الميثان الأخضر عن طريق التحليل الكهربائي، وكذلك بشأن إعادة التحريج والتشجير، وبالتالي الحدّ من «تصنيع التربة»، لكن هذا لن يكون كافياً على الإطلاق.

لتحقيق هدف صافي انبعاثات غازات الدفيئة الصفرية في عام 2050، سيكون من الضروري تحقيق تقدُّم عام في استخدام الكهرباء في استخدامات الطاقة وتعزيز الهيدروجين الأخضر، حيث لا يمكن تحقيق إزالة الكربون من خلال الكهرباء فقط. يجب أيضاً تطوير تقنيات مختلفة لالتقاط الكربون وتخزينه للتعويض عن عملية إزالة الكربون غير الكاملة.

ومن ثَمَّ فإن الأمر يتعلَّق بعمليّات إعادة توجيه جذرية يجب أن تكتمل بتحوُّل في أنماط الاستهلاك نحو الرصانة في البلدان الغنيّة، والخيارات التقنيّة التي تحمي البيئة والموارد، والمُساعدات المالية الكبيرة للبلدان النامية الأكثر هشاشة.

أخيراً وليس آخراً، يجب المُوافقة على الأداة الرئيسية لدفع عملية إزالة الكربون والزيادة التدريجية في سعر الكربون وتطبيقه في جميع الصناعات والمباني والنقل على نطاق كوكبي. بعد ذلك، سيتعيَّن تحويل عائدات الضرائب، التي ستسمح بها ضريبة الكربون، إلى السكّان المُعرَّضين للخطر داخل الدول ومن البلدان الغنيّة إلى البلدان الفقيرة على المُستوى الدولي، لمنع هذه الأخيرة من توقيع عقود في هياكل منتجة ذات كثافة عالية من الكربون، والتي من شأنها أن تمنعهم من الاستجابة لحالة الطوارئ المناخية. فالمناخ، بالأساس، هو مصدر قلق عالمي.

هل هذا يعني تحوُّلاً جذريّاً في مجتمعاتنا؟

– إن زيادة درجة حرارة العالم بمقدار 1.5 درجة مئوية تنطوي على تكلفة انتقالية كبيرة، حيث تتطلَّب تغييراً جوهرياً في موقف الحكومات تجاه لوبي الكربون.

يُقدِّر مقال نُشِر في المجلة العلمية «Nature» في سبتمبر/أيلول 2021، أن 60 % من احتياطيات النفط والغاز، و90 % من احتياطيات الفحم يجب التخلُّص منهما بحلول عام 2050، أي أنه سيتعيَّن عليهما البقاء في الأرض، وإلى الأبد. وهذا يعني أن إنتاج النفط والغاز يجب أن ينخفض بنسبة 3 % كلّ عام، وأن ينخفض إنتاج الفحم بنســبة 7 % حتى عام 2050. ومع ذلك، في غياب تسعير الكربون، لم تعلن أي دولة منتجة للنفط والغاز عن هدفها لخفض الإنتاج.

طالما لم يتم تحديد زيادة كبيرة ودائمة في سعر الكربون، فلن يكون من المُمكن تحقيق بيئة سياسية تقوم على دمج اعتبارات الاستدامة في تنظيم التمويل وفي حوكمة الشركات، ودمج الهدف المناخي المُتمثِّل في صافي الانبعاثات الصفرية في السياسات المالية والنقدية.

يتطلَّب هذا التحوُّل الجذري أيضاً أن تعيد الحكومات اكتشاف معنى التخطيط الاستراتيجي لتقديم مسار طويل الأجل للشركات الخاصة في جميع القطاعات وكسب ثقة المُواطنين، حتى ينخرطوا في تغيير أنماط الحياة.

هل لاحظتم وعياً سياسياً في مواجهة حالة الطوارئ المناخية هذه؟ تبدو أوروبا سبَّاقة في هذا الشأن.

– صادقت الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، على اتفاقية باريس لعام 2015 والتزمت بحياد الكربون في عام 2050، لكن عدم تحرُّكها في تنفيذ النوايا المنصوص عليها في هذه الاتفاقية ظلّ للأسف مؤثِّراً للغاية.

هذا هو السبب الذي جعل المفوضية الأوروبية تأخذ زمام المُبادرة. قدّمت خطّة طموحة في 14 يوليو/تموز، «السقف 55»، والتي تحدِّد الإجراءات المطلوبة بحلول عام 2030 للامتثال لاتفاق باريس. الهدف هو خفض انبعاثات غازات الدفـيئة بنســبة 55 % بحلول عام 2030 مقارنة بعام 1990، أي انخفاض بنسبة 40 % مقارنة بعام 2005، من أجل تحقيق الحياد الكربوني في عام 2050. هذه الأهداف ليست فقط طموحات، ولكنها التزامات سيتم تضمينها في قانون المناخ الأوروبي الأول، الذي من المبرمج أن تصدره رئيسة المفوضية «أورسولا فون دير لاين» في مارس/آذار 2022.

بفضل التوجُّه نحو الطاقة النووية، أصبحت فرنسا دولة خالية من الكربون أكثر بكثير من جيرانها. لذلك من المُمكن أن تحقِّق الحياد الكربوني من خلال مزيج الطاقة النووية / المُتجدِّدة، بشرط تمديد المصانع الحالية وبناء محطَّات الجيل الثالث من المفاعلات (EPR2) لاستبدال المُفاعلات تدريجياً في نهاية عمرها الافتراضي. هذه هي الاستراتيجية التي أعلنها الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون».

ومع ذلك، فإن هذا التحوُّل البيئي ينطوي على مخاطر اجتماعية كبيرة للغاية. هل يؤخذ هذا البُعد في الاعتبار بشكلٍ كافٍ؟

– حتى يكون الانتقال عادلاً، يجب أن يكون التضامن ضرورة قاطعة، سواء على مستوى الدول أو على مستوى الصفقة الخضراء الأوروبية. هذا هو السبب في أن المفوضية تخطط لإنشاء صندوق مناخ اجتماعي جديد، من أجل تقديم الدعم المالي للمواطنين الأكثر تضرُّراً من الارتفاع المُؤقَّت في تكاليف الطاقة والتنقُّل.

سيتم دعم هذا الصندوق من خلال الزيادة في الإيرادات الضريبية المُتوقَّعة من توسيع نظام تداول الانبعاثات إلى المباني والنقل، مع استكمال جزء من الإيرادات من ضريبة الكربون على الحدود. وبالتالي يجب أن يتضمَّن 72.2 مليار يورو بالأسعار الحالية للفترة 2025 – 2032.

يتطلَّب انتقال الطاقة أيضاً تنسيق الإجراءات بين الدول الأوروبية ودعم البلدان ذات المُستوى المعيشي المُنخفض وحصة أكبر من الوقود الأحفوري وكثافة أعلى للطاقة، وذلك بفضل صندوق التحديث.

هل يمكننا التوفيق بين التحوُّل البيئي والنمو الاقتصادي؟ ألا يجب تخفيض النمو؟

– لا، سيكون الانخفاض كارثياً على السكّان. على العكس من ذلك، يجب أن تسير عمليتا إزالة الكربون والنمو جنباً إلى جنب. للقيام بذلك، سيتم إنشاء صندوق تجديد، لإزالة الكربون من القطاعات التي تغطيها آلية تعديل الحدود، لتمويل استثمارات الشركات الصغيرة والمُتوسطة الحجم (SMEs) في الطاقات النظيفة واستخدام هذه الطاقات. تهدف اللجنة إلى توليد 260 مليار يورو من الاستثمارات الإضافية سنوياً في الطاقة النظيفة لتدفئة المباني، أو من خلال بناء مضخَّات حرارية تقضي على تسخين الزيت، أو من خلال المُساعدة في تمويل الانتقال في النقل (الذي يمثِّل 25 % من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في أوروبا والتي تعدُّ السبب الرئيسي لتلوُّث الهواء).

يجب أيضاً القيام باستثمارات ضخمة لتحويل مزيج الطاقة وخفض كثافة الطاقة، نظراً لأن استخدامات الطاقة تمثِّل 75 % من الانبعاثات في أوروبا. ولهذه الغاية، فإن الهدف الذي توقَّعه التوجيه الأوروبي للطاقة المُتجدِّدة هو زيادة حصة مصادر الطاقة المُتجدِّدة في مزيج الطاقة من 20 % في عام 2019 إلى 40 % في عام 2030.

التحوُّل الأخضر يجب أن يقوم أساساً على حلّ أزمات المناخ والتنوُّع البيولوجي معاً لاحترام إمكانيات الكوكب. استعادة التنوُّع البيولوجي تعني تحسين أداء النظم البيئية، وبالتالي إنتاجية رأس المال الطبيعي، وزيادة القدرة على التقاط مصارف الكربون. وهذا هو سبب الحاجة إلى استراتيجية للغابات ومبادرة زراعية لتحقيق ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: إيزابيل بن صيدون

المصدر:

https://theconversation.com/reorienter-leconomie-une-derniere-chance-pour-sauver-le-climat-171634

 

جدل البيو.. حماية للصحة أم انتهازية تجارية؟

دفعت جائِحة كورونا الناس إلى إعادة النظر في مجموعة من العادات اليومية بما في ذلك استهلاكهم من الأغذية. فتوجَّهوا، بحثاً عن تقوية مناعتهم، نحو منتوجات الفلاحة البيولوجية الخالية نظرياً من المواد الكيماوية التي تؤثِّر على الصحة. وساهم الحَجْرُ الذي تمَّ فرضه خلال سنة 2020 على كلِّ سكّان العَالَم تقريباً في تغذية هذا التوجُّه، عبر تخصيص جزء من نفقات التغذية التي كانت تتمُّ في المطاعم لشراء المنتوجات البيولوجية ذات الأسعار المُرتفعة عادةً وإدخالها في وجباتهم.

لماذا تشجّع عدد من الدول التحوُّل الفلاحي إلى المنتوجات البيولوجية التي تخلق نوعاً جديداً من الاستهلاك في الوقت الذي يصارع فيه العَالَم لإنتاج ما يكفي من الغذاء لإطعام الأعداد المُتزايدة من السكّان؟ ففي ظرفية عالمية تشهد تغيُّرات مناخية لا تخفَى، ونمواً ديموغرافياً متسارعاً، يبدو أن هناك حركةً عكسية تسعى إلى تقليص حجم المواد المُستعمَلة في الفلاحة لتضخيم المنتوج الفلاحي من أسمدة ومبيدات، وأيضاً من مكمِّلات غذائية لتسمين الحيوانات. ولقد عمَّقت الأزمة الصحيّة، نتيجة انتشار فيروس كورونا، هذا التوجُّه وأصبح المُستهلكون أكثر ميلاً للمنتوجات البيولوجية، باعتبارها الأفضل صحيّاً. ذلك أنه منذ بداية الجَائِحة لم يتوقَّف الحديث عن أنه في غياب دواء ناجِع تبقى التغذية الصحية وسيلةً لزيادة المناعة الطبيعية للوقاية من الإصابة، إلى جانب الإجراءات الاحترازية المعروفة.

تشير الإحصائيات إلى أن نحو (186) بلداً تشهد ارتفاعاً مطرداً للفلاحة البيولوجية. وضاعف ارتفاعُ عدد البلدان، في هذا السياق، من المساحات المُخصَّصة لهذا النوع من الفلاحة إلى أكثر من (71 مليون هكتار) مخصَّصة بالكامل للمنتوجات الخالية من المواد الكيماوية التي تؤثِّر على النظام البيئي في الأماكن التي تستعمل فيها، وقد تكون لها، على المدى البعيد، آثارٌ سيئة على صحة المُستهلكين وعلى جودة التربة. كما سجّل هذا القطاع النامي بوتيرة متسارعة، في ظلّ الاهتمام الذي يحظى به على مستوى المُواكبة والدعم تشريعياً ومالياً، رقم معاملات يناهز (100 مليار دولار) على مستوى العَالَم في عام 2018 .

لكن، ما المُثير في موضوعٍ كهذا من المُمكن التعامل معه باعتباره تنويعاً في النشاط الفلاحي، يوفِّر موارد غذائية إضافية، ويساهم في امتصاص البطالة ويوسِّع الاستهلاك؟ إن اعتباره كذلك ما هو إلّا ظاهر الأمر فقط، لأن هناك أسئلةً مبعثُها عدد من المُفارقات التي ينطوي عليها. ومن هذه المُفارقات، أن مواطني الدول «الشبعانة» هم الأكثر إقبالاً على استهلاك مواد الفلاحة البيولوجية، سواء في البيوت أو في المطاعم العامة. ففي فرنسا، مثلاً، تشكل هذه المواد (6.5) في المئة من النفقات الغذائية للأسر، وما يقارب (188 يورو) لكلّ فرد في السنة، وحقَّقت تجارة هذا القطاع سنة 2018 أكثر من (9 مليارات دولار) مقابل نحو (11 ملياراً) في ألمانيا، وأكثر من (40 ملياراً) في الولايات المُتحدة. إن هذه الدول تعيش ما يسمِّيه بعض المُهتمّين بالموضوع مرحلة انتقال غذائي أو فلاحي، انطلاقاً من وعيها أولاً بالتغيُّرات المناخية وتأثيرها السيئ على وفرة المياه، وبضرورة الحفاظ على المياه الجوفية من التلوُّث وعلى صحة مواطنيها أيضاً، عبر التقليل من المواد الملوّثة، خاصة المبيدات والأسمدة الكيماوية، أو في حالات أخرى عبر منع المنتوجات الفلاحية المعدَّلة وراثياً درءاً لأضرارها المُحتمَلة.

تكمن المُفارقة هنا في المُقارنة مع الدول الأخرى «الجائِعة»، التي لا تجد المجال للتفكير إلّا في ضرورة توفير الطعام للأعداد المُتزايدة من سكّانها، وبالتالي تخرج حماية الصحة والمُحافظة على البيئة من الأولويات في برامجها الاقتصادية والاجتماعية، والتنموية بشكلٍ عام. فإذا كانت المجموعة الأولى تعتبر الفلاحة البيولوجية أحد العناصر الأساسية للسيادة الغذائية، فإنّ المجموعة الثانية تظلّ بلا سيادة بشكلٍ مطلق نتيجة ارتهانها إلى أساليب الفلاحة التي تستنزف الأرض وتلوِّث المياه، وتلجأ إلى الأسمدة الكيماوية لتكثير المحصول، وإلى المُساعدات التي تجود بها الدول الأخرى الغنية التي تحقِّق فائضاً.

ليس هذا فحسب، بل إن هذه الدول، إذ تعاني الأمرَّين في الاستجابة للحاجيات الغذائية لسكّانها، يعمل بعضها على تسريع وتيرة الفلاحة البيولوجية لتلبية طلبات أسواق الدول الغنية المُستورِدة. ذلك أن هذه الأسواق ما فتئت تتوسَّع وتعبِّر عن نهمها، كما هو الشأن بالنسبة للولايات الأميركية التي تمثِّل هذه المنتوجات نحو (16) في المئة من مجموع وارداتها الفلاحية، وأيضاً بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي التي استوردت أكثر من (3.2 مليون طن) سنة 2018، والصين التي أنفقت أزيد من (52 مليار يورو) على وارداتها من المنتوجات البيولوجية المُوجَّهة في أغلبها للأطفال.

لكن حتى هذا الطموح يواجَه بمُنافسة شرسة من الدول الكبرى المُصدِّرة ممثَّلةً في الدول المُستورِدة نفسها، فالولايات المُتحدة تحتلُّ الصدارة في هذا المجال، وأيضاً دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة، بينما تأتي دول مثل الهند في رتبٍ لاحقة. وهذا يعني أن الفجوة القائمة بين الدول الفقيرة والغنية في مجال التغذية لا يمكنها إلّا أن تتعمَّق أكثر، خاصة مع تداعيات التدابير التي اتُّخذت لمُواجهة جائِحة كورونا التي فاقمت أعداد الفقراء في العالَم بأكثر من (100) مليون شخصٍ إضافي، أغلبهم بالتأكيد في الدول الفقيرة (البنك الدولي يتحدَّث عن جنوب آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء خاصة).

المُفارقة الأخرى المُرتبطة بموضوع الفلاحة البيولوجية، هي أن التوجُّه المُتزايد لاستهلاك منتوجاتها، يطرح سؤالاً بقطبين متنافرين. هل يتعلَّق الأمر بالصحة أم بالتجارة؟ وهو تقريباً السؤال ذاته الذي رافق، في سياقٍ آخر، منتوجات علامة «حلال» التي بدأت باللحوم قبل أن تمتدَّ لتشمل منتوجات فلاحية أخرى لا تطرح أي إشكال، فقد كان النقاش دينياً قبل أن تتحوَّل العلامة إلى ماركة تجارية محض. في ظلّ هذه الثنائية، هناك أصواتٌ تنظر إلى الفلاحة البيولوجية باعتبارها قطاعاً للاستثمار والاستهلاك، وبالتالي تنويعاً في النشاط الاقتصادي قد تكون له تأثيرات إيجابية على الصحة العامة. قد يكون هذا صحيحاً، بيد أن أسعار هذه المنتوجات مرتفعة جدّاً بالمُقارنة مع الفلاحة التقليدية، أي أنها في متناول فئة قليلة من ذوي القدرة الشرائية العالية، لذلك تبقى مسألة المُحافظة على الصحة كهدفٍ فيه نظر، لأنه، عملياً، لا يشمل كلّ السكّان.

تؤكِّد دراسة فرنسية نُشرت سنة 2020، أن أسعار المنتوجات «البيو» أعلى في المُعدّل بـ (75) في المئة مقارنةً مع المنتوجات الأخرى، علماً أن دراسة مماثلة نُشرت سنة 2017 خلصت إلى أن هذا الفارق كان في حدود (64) في المئة. ولَعَلّ هذا التطوُّر يؤشر إلى أن القطاع يتجه أكثر ليشكِّل أحد مظاهر الفوارق الاجتماعية، ويكرِّس الفجوة بين الأغنياء والفقراء داخل المُجتمع الواحد، كما بين الدول. وعندما أثارت إحدى الجمعيات المُهتمَّة بالمُستهلكين الانتباه إلى أن المُوزِّعين الكبار يساهمون في ارتفاع الأسعار بـ(46) في المئة مطالبةً بإعادة النظر في طريقة بناء السعر الذي يؤدِّيه المُستهلك النهائي وواصفةً هذه الطريقة بالانتهازية، لم تقم الوكالة الفرنسية المُكلّفة بمُواكبة القطاع بردِّ فعلٍ إيجابي للبحث في الموضوع، على العكس من ذلك، قالت إن هذا النوع من الفلاحة مكلّف، ومردوده ضعيف ومتطلّباته أكثر في ما يخص اليد العاملة، يُضاف إلى ذلك أن مصاريف المُراقَبة والإشهاد على المنتوجات يؤدِّيها المُنتِج. بشكلٍ ما دافعت الوكالة عن فيدرالية التجار والمُوزِّعين التي اعتبرت الدراسة المذكورة (2017) منحازة وغير موضوعية!

بعيداً عن جدل الفقر والغنى، والصحة والتجارة، هناك جدلٌ من نوعٍ آخر. جدلٌ أخلاقي محوره السؤال التالي: إلى أي حدّ هذه المنتوجات بيولوجية فعلاً؟ هناك حديث عن المنتوجات البيولوجية، والشبه بيولوجية والبيولوجية المُزيَّفة. بمعنى آخر هناك احتمالات واسعة للغش في ما يتمُّ تسويقه تحت علامة «بيو» الخضراء نتيجة صعوبة مراقبة جميع مواقع الإنتاج وجميع المنتوجات. لذلك، تحوم شكوك وشائعات بشأن استعمال موادّ في العناية بالنباتات والماشية تتضمَّن عناصر ضارة كالتي تستعمل في الفلاحة الأخرى. ولهذا فإذا كانت الدول التي انخرطت في التوجُّه نحو الفلاحة البيولوجية تجتهد في إقرار قوانين واعتماد برامج وخلق مؤسَّسات لتحصين القطاع وتقدِّم الدعم للمُنتجين لتشجيعهم، فإنها من جانبٍ آخر، لا تمضي إلى النهاية لحماية المُستهلكين من خلال تشديد المُراقَبة على ما يدخل إلى أجسامهم من جهة، ومن جهةٍ أخرى من خلال إجراءات تروم تأمين وصول الفئات ذات القدرة الشرائية المُتدنية إلى المنتوجات البيولوجية بشكلٍ ينسجم مع الخطاب المُبشِّر بفضائل الفلاحة البيولوجية في ما يتعلَّق بالسلامة الصحية على المدى البعيد.

من جانبٍ آخر، على سبيل الخاتمة، هناك طلبٌ متزايدٌ، وهناك عرض غير كافٍ. ولن يتأتَّى حلّ هذه المُعادلة إلّا بزيادة الأراضي المُخصَّصة للفلاحة البيولوجية، وأيضاً بضخ أموال إضافية لدعم المُنتجين، ولكن أيضاً يبدو التوجُّه نحو البلدان الفقيرة للاستثمار في هذا القطاع ضرورياً، لأسبابٍ كثيرة منها مساعدة هذه الدول على الانخراط في الحفاظ على ثرواتها المائية، وعلى المُساهَمة في المجهود الدولي لمُواجهة التغيُّرات المناخية، وكذلك على توفير موارد إضافية متأتّية من صادرات القطاع، وأيضاً المُساهمة، من خلال نقل الاستثمارات إليها، في تنشيط سوق الشغل وتخفيف وطأة الفقر فيها.

حرب الخوارزميّات بعد سَكتَة الفيسبوك

يوم الاثنين 4 أكتوبر/تشرين الأول 2021 ليلًا «سكتت» منصّةُ فيسبوك عن الكلام المُباح. توقّف نصفُ الفضاء الأنترنوتيّ عن العمل. كَفّت الأرضُ عن الدوران. خُيِّلَ إلى الكثيرين أنّهم يقتربون من نهاية العالَم فازدهرت «نظريّة المُؤامرة». ثمَّ تَمَاهَى متصفِّحُ الفيسبوك مع صفحته فأحسّ بأنّ الهجوم يستهدفه شخصيًّا. كذا تشكَّلت كلّ العناصر المُؤسِّسَة لحدثٍ تراجيديّ بامتياز.

إلّا أنّ التعاطف مع فيسبوك سرعان ما تمخَّض عن نقيضه. يكفي أن نتابع تصريحات فرانساس هوغن «المُوظّفة» السابقة. لقد تغيَّرت «زاويةُ التبئير» في يومين: تمَّ استباقُ محاولةِ فيسبوك تأويلَ الأمر على أنّه اختراقُ معلومات أو اعتداءٌ على الحرّيّات، وتمَّ إظهارهُ في صورة الدفاع عن «الديموقراطيّة الرشيدة»: يمتلك «زوكربرغ» 55 بالمئة من حقّ التصويت في مؤسَّسته. هكذا تمَّ الجزم بأنّه صاحبُ القرار النهائيّ في اختيار «الخوارزميّات» التي تدمّر الصحّة الذهنية للشباب وتخرّب المُجتمع وتفضّل الربح على سلامة العامّة! إنّه يمثّل «منوالاً» اقتصاديًّا واجتماعيًّا غير ديموقراطيّ. وبوصفه «ديكتاتورًا» فإنّه المسؤولُ الأوّل عن خطّ فيسبوك التحريريّ و«مخاطره»!

***

لماذا تمَّ التركيز أميركيًّا على «مخاطر الفيسبوك» بهذا الإجماع تقريبًا وفي هذا التوقيت تحديدًا؟ وهل كانوا غافلين عن هذه «المخاطر» إذا صحّ وجودها؟ أم أنّ «الكلّ يعلم أنّ الكلّ يعلم» والكلّ لديه في «عِلْمِهِ» مآرب أخرى؟!

***

لنتّفق أوّلاً على أنّنا أمام نوعٍ من المُؤسَّسات الربحيّة القائمة على مبدأ «اقتصاد الانتباه» (économie de l’attention).

هذا يعني أنّك كلّما أطلت وقتَ المكوث أمام الشاشة أمكنَ لهذه المنصات أن تحوّلك إلى مصدر ربح من خلال بيع فضاء إعلاني معادل لذلك الوقت. ذاك هو المبدأ الأساسيّ الذي تبني عليه هذه المنصات وفيسبوك تحديدًا «مُودِيلَها» الاقتصاديّ. من ثمَّ أهمّية أن يدور فيها خطاب حاقد أو فضائحي أو مؤامراتيّ، فهذا هو الخطاب المثير للانتباه بامتياز. لقد أثبت التحليل العلميّ اليوم أن الخبر المُزيَّف أو الكاذب يروَّج ستّ مرّات أسرع وأوسع من الخبر الدقيق. وحين نعلم أنّ معدّل الانتباه لا يبلغ عشْرًا من الثواني فإنّنا ندرك كيف يحتدم الصراع بين المنصّات على تلك الثواني العشر. صراع تُستخدَم فيه الخوارزميّات أساسًا. فهي طريقة تحويل الانتباه إلى «مادّة رقميّة». الأمر معروف وثابت ولم يكن في حاجة إلى الوثائق المُسَرَّبة.

تلك هي المسألة إذن! كيف نضع اليد على خوارزميّات هذه المنصّات التي خرج «مُودِيلُها» عن السيطرة؟

ليس من باب الاتّفاق أنّ يحدث هذا بَعْدَ «تسونامي الربيع العربيّ»، و«الثغرات» التي سجّلتها انتخاباتُ أميركا وروسيا وفرنسا، و«صراع الديكة» بين بوتين وترامب. لقد ساهمت كلّ هذه المُعطيات في تغيير «طاولة اللعب» بين الصين وسائر حيتان العالم. كلّ ذلك على خلفيّة فيروس الكورونا وهو يتمخّض عن إنسانه الجديد: «الهُومُو كُوفِيدُوس».

تعاضدت هذه المعطيات لتجعل الديموقراطيّين والجمهوريّين في أميركا يتّفقون بشكلٍ غير مسبوق على مهاجمة فيسبوك وغيرها من المُؤسَّسات الكبرى التي يُطلَق عليها اسم «الغافا»، على الرغم من كونها مؤسَّسات أميركيّة تسيطر على مواطني العالم وتجعلهم بالتالي تحت سيطرة أميركا. وما كان لذلك أن يحصل لولا اشتراك النّخب الحاكمة في المصالح وانتباهها «مُؤَخّرًا» وبعد كلّ ما حدث وفي ضوء ما قد يحدث، إلى أنّ «سياسيّ الهُومُو كُوفِيدُوس» المحكوم بقواعِد التواصل عن بُعد والاقتصاد عن بُعد، إذا أرادَ أن «يَحْكُمَ»، سيكون محتاجًا إلى «التحكُّم» ولو بنسبةٍ معيَّنة في هذه المنصّات.

آدم فتحي (تونس)
آدم فتحي

لقد باتت هذه المنصّات «مطمع» السياسيّين، الأمر الذي جعلهم يتقاتلون للسيطرة عليها ويتعاضدون على عدم تركها تحت تصرُّف «جماعات أو أفراد غير مضمونين» يسيّرونها عن طريق خوارزميّات قد تخرج عن السيطرة. هكذا اتّضح أنّ المسألة هي أوّلاً وأخيرًا مسألة حرب خوارزميّات تُخاض بالخوارزميّات وعلى الخوارزميّات.

***

أدركَ «زوكربرغ» المسألة بحذافيرها ولم يجد دفاعًا أفضل من استراتيجية «النيران المُضادّة» لتسيير الانتباه في اتّجاه آخر. فهو في نهاية الأمر أحد سادة «اقتصاد الانتباه»! هكذا كشف عن مشروع «الميتا فيرس» وعمد إلى إطلاق «تسميته» الجديدة في هذا التوقيت تحديدًا. إنّها حرب الخوارزميّات. و«الميتا فيرس» عالم الخوارزميات بامتياز. ولفيسبوك وغيرها من المنصّات في هذا العالم أسبقيّة المُبادرة في هذا المجال. وكان من الطبيعيّ أن ينقل المعركة إلى هناك. إلى ملعبه، حيث ظلّت السلطات الحاكمة متخلِّفة بعدَّة «نقلات» على «الرقعة التشريعيّة». وهذه السلطات عاجزة حتى الآن عن سدّ جميع الثغرات في الإبّان، غير قادرة على التحكّم في هذه المُؤسَّسات العابرة للقارّات والحدود الفيزيائية، فما بالك بالحدود الرقميّة؟!

***

ظهرت فكرة «الميتا فيرس» في أدب الخيال العلميّ منذ ثمانينيات القرن العشرين لكنّ الفكرة لم تكتسب تسميتها إلّا في التسعينيات. نحن هنا أمام شيء شبيه بعالم الميتافيزيقا لولا أنّه يعني ما وراء العالم الرَّقميّ نفسه، حيث «الديميورج» رقميٌّ والمجرّاتُ سيبرانيّةٌ والحياةُ حسبَ خوارزميّات.

عالَم متعدِّد متشابك تتمُّ «رقمنة» كلّ شيء لتصبح جديرةً به. بما في ذلك الخير والشرّ. عالم لا يعترف بحدود بينه وبين العالم الفيزيائيّ. إنّه عالم التفاعل والتداخل بواسطة فتوحات تقنيّة بعضها لم يخرج من الورشات وبعضها دخل حيِّز الاستخدام، كالطابعات ثلاثيّة الأبعاد وخوذات «الواقع المُعزّز» وتقنية الهولوغرامات، وغير ذلك كثير.

الكلُّ سيتجسّس على الكلّ عن طريق نوع من «القرصنة العفويّة». الكلُّ سيراقب الكلَّ رقميًّا في هذا العالم على جميع المُستويات، بما يعنيه من بُنى تحتية وأيديولوجيات ودوائر معرفية وإيطيقا ممثَّلةٍ في مجموعات متزايدة من «الهاكرز» يسمّون أنفسهم اليوم «القراصنة الأخلاقيّون» ولا أحد يدري كيف سيتسمّون في الغد.

لكن ماذا يعني «الميتا فيرس» في معجم «مارك زوكربرغ» في هذا التوقيت تحديدًا؟

قد لا يخلو الأمر من جوانب نفسانيّة طبعًا. العالمُ الواقعيّ خيَّب ظنّ «زوكربرغ» وفيسبوكِهِ وضيَّق عليهما الخناق. وليس أمامه إلّا الفرار (بمنخرطيه) إلى «العالم الافتراضي». عالم «الميتا». عالم «الما وراء، حيث لا أحد يتحكَّم في الديميورج الأكبر. وفي الخيال، وحيث يمكن حتى الآن على الأَقلّ أن يتمَّ استغلال الصمت القانوني (أكاد أقول الفقهي) الذي يتيح انتشار ديانة جديدة أو صوفيّة مبتكرة، يقوم فيها الإبحار مقام الصلاة ويقوم فيها الانتباه مقام التأمُّل والتفكير!

في هذا العالم لن يأتي مَنْ يزعج «زوكربرغ» (أو هكذا يحلم) ليمنعه من البيع، حيث يحلّ البيع محلّ التقوى في «الميتا فيرس». بيع كلّ شيء وأيّ شيء: الخصوصيات. الأحلام. الآلام. الأحقاد. شهوة الفتك بالآخر من وراء القناع أو «الآفاتار». وبيع الوقت تحديدًا. تبيع أنت وقتك لهذه المنصات، وتبيع هذه المنصات وقتك لحيتان رأس المال. مع فارق أنّك الآن في «الميتا فيرس» أو في «ما وراء» الكون الرَّقميّ أو الديجيتالي أو السيبراني، حيث لا حدود ولا قوانين ولا إكراهات تقوم بتعديل النهم الوحشيّ إلى الربح بشكلٍ لا نهاية له إلّا قيامة العالم.

نحن بصدد الفرجة على ميلاد «ديانة» جديدة. محكومة بنفس نقاط الضوء والعتمة. تبدأ بالظهور في مظهر جنّة من جنان الحرّيّة والتسامح وحريّة الفرد في اعتناق ما يريد، ثمَّ تتحوَّل إلى جحيم عن طريق التنكيل بالآخر وإقصائه وتكفيره. كلّ ذلك عن طريق كهنوت مخصوص، أكثر فأكثر عنفًا، وأكثر فأكثر تحجُّرًا. كهنوت يُملَى أفكاره في الكنيسة الفيزيائيّة عن طريق التعاليم وفي الكنيسة الرقميّة عن طريق الخوارزميّات.

***

ليس من شكٍّ في أنّ لمنصّات التواصل الاجتماعيّ أكثر من مزيّة. وليس من شكٍّ في وجود مزايا لا تُحصى ولا تُعدُّ للتقدُّم التكنولوجيّ والعلميّ ولعالم الديجيتال، لكنّ المشكلة تتمثّل في أنّنا نقتحم كلّ ذلك بمعزل عن ضمانة الإيطيقا التي ترسم لنا ملامح القيم التي تحمي إنسانيّة الإنسان، وتجلس على أصابعنا حين نكتب الخوارزميّات وحين نختارها.

علينا أن ننتبه إلى أنّنا كائنات إيطيقيّة. وليست منصّات التواصل الاجتماعيّ سوى انعكاس لثقافتنا العميقة. الخوارزميّات المبنية على «اقتصاد الانتباه» ستسعى إلى استقطاب الانتباه عن طريق العنف. وإذا صحَّ أنّ العنف بنسبة معيَّنة هو بُعدٌ طبيعيٌّ فينا، فإنّ علينا أن نحرص في تربيتنا وتعليمنا وفي ثقافتنا عمومًا على ألّا يتجاوز ذلك العنف نسبته الطبيعيّة كي لا يتحوَّل إلى حالة باثولوجيّة. والحقّ أنّنا حتى الآن عنيفون باثولوجيًّا. نحبُّ الفرجة على حادثة يسيل فيها الدم وتنتهك الأعراض. يسهل علينا التكالب على كاتبٍ أخطأ أو ارتكب سرقة أدبيّة، لكنّنا نتقاعس عن التعليق على كتاب جيّد أو فيلم جميل. نحن نستعيد غرائزنا الوحشيّة والكانيباليّة بأسرع ممّا ننقر على لوح المفاتيح. وهذه مسألة ذات علاقة بثقافتنا قبل أن تكون على علاقة بمواقع التواصل الاجتماعيّ وخوارزميّتها.

إنّ ما يحدث حتى الآن هو للأسف، تلويث كلّ مساحة علميّة نكتسحها بنفس «الأدواء» التي أفسدت علينا المرحلة السابقة. ضيَّق الإنسان على نفسِه الأرض فلوَّث السماء، وها هو يضيّق على نفسه عالم الديجيتال فيشرع في اقتحام عالم الميتاديجيتال بنفسِ قيم العنف والتوحُّش والفساد.

يهرب إنسان الفكرة والحلم إلى عالم «الإمكان» ظنًّا منه أنّه هناك يتحقّق ويحافظ على شعلة حرّيّته. يهرب إلى ذهنه ومخياله، حيث له حرّيّة الضمير والتفكير والتعبير والإبداع، لكن حرب الخوارزميّات تنذر باللحاق به ومحاصرته في عالم «الما وراء الرَّقميّ» أيضًا.

لقد أفسدَ الإنسان الفيزياء بجغرافيتها وتاريخها، ثمَّ لوَّث الميتافيزيقا بحروبه الكنائسيّة الأيديولوجيّة. وها هو ينذر بتلويث «الميتاديجيتال» أو «الما وراء الرَّقميّ» وتحويله إلى نوعٍ من «الغيتو» المُنتِج لشتَّى ضروب القصوويّات.