لماذا تمثّل «الشعبويّة الفكريّة» لميشيل أونفراي إشكاليّة حقيقيّة؟

عندما صادفت نصّاً للفيلسوف «كورنيليوس كاستورياديس» ذات يوم، قرأته فأدركت، على ضوء المُؤلّف، أن انزعاجي كان كبيراً، بل وكان مصدر قلق سياسي عميق. وبصفتي فيلسوفاً وأستاذاً للفلسفة في التعليم العالي، فإنّ «عمل» «ميشيل أونفراي» لم يثر اهتمامي أبداً، وذلك لثلاثة أسباب فلسفيّة، هي:
أولاً؛ لطالما أراد «أونفراي» (الذي أستخدم اسمه لتيسير الحديث عن العمل) اختزال الفلسفة إلى مجرَّد مدرسةٍ للحكمة. لكن إنْ كانت الحكمة هي تشكيل حياة تدّعي أنها نموذجيّة، فإن الفلسفة حينها ستكون شيئاً آخر غير ما هي عليه الآن. إنّه في مواجهة اللّغز الراديكاليّ للعالَم، يسعى الفيلسوف إلى الإجابة عنه من خلال الإعداد اللامُتناهي للعمل المفاهيميّ. لكن بالنسبة لفيلسوفنا المزعوم، فإنّ الحياة لا تكون مستنيرة بمساعدة المفاهيم: أي إنّها في حدِّ ذاتها ستكون مفيدة لأولئك الذين يريدون رؤيتها. أمّا المظهر الفلسفيّ المزعوم الذي يعتقد أنه يمكن أن يتبنّى عبره حقيقة يمكن أن يعتمد عليها، فإنه مشكوك فيه.
ثانياً؛ يدّعي «أونفراي» دائماً أنّه يفضح «التاريخ المُضاد» للفلسفة؛ لكنّه مع ذلك يفترض هذا «التاريخ المُضاد» مسبقاً، بحكم تعريفه، التاريخ الذي يدّعي رفضه: أي ما يُسمَّى بالتاريخ «الرسمي» للفلسفة الذي يدرسه الأكاديميّون. بعبارةٍ أخرى، منذ البداية، يروي «أونفراي» (بنفسه) القصص، ملفِّقاً من الصفر خطاباً مهيمناً، والذي يمكن أن يؤكِّد موقف «المُتمردين».
هكذا، أمكن لـ«أونفراي» تصفية حساباته مع الظواهر الثقافيّة المعروضة له في بضع دقائق فقط، وذلك بتناولها على أنها ذات «أبعادٍ مفهومية» فقط (أو هكذا يعتقد). إنّها نوعٌ من المعرفة الشعبويّة لديه، رغم كلّ ما يزعمه من كونها حكمةً شعبيّة.
ثالثاً؛ باعتبار ذلك طريقته المُفضّلة، يتخيَّل «أونفراي» بأنّ الفكر يعكس بالضرورة حياة مؤلّفه. إلّا أنّه، وحسب هذا الأمر، أصبح على «أونفراي» التفكير، على سبيل المثال، في أنّه كان من الممكن كتابة عملٍ فكريٍّ رائع حتى في ظلّ وضعية وجوديّة مزرية. لذلك، ولضمان المُلاءمة، دون خلط بين عمل وحياة المُؤلّف الذي يسعى «أونفراي» إلى تشكيل سيرته، راكم هذا الأخير الأخطاء الكثيرة على عدّة أصعدة: اختصارات، اقتباسات خارج السياق، تفسيرات خاطئة، إهمال المصادر، ملاحظات لا أساس لها، إلخ. وكلّ ذلك تمَّ لديه باعتماد أسلوب قائم على مبدأ ثنائي يتعلَّق: إمّا بالثناء، أو باللوم المُفرط.
لقد أدركت في عام 2008 عندما نشر «أونفراي» «حلم أيخمان» تماماً هذا الاحتيال. ونظراً لكون المُدَان في القدس أثناء المُحاكمة قد أعلن، في دفاعه، أنّه قام فقط «بواجبه بالمعنى الكانطي»، فإنّ الفيلسوف المُتمرِّد لم يحتج إلى المزيد للهجوم على الفيلسوف «إمانويل كانط» وإظهار أن فكره هو الذي أدّى في الواقع إلى ظهور النازية. وأيضاً في سنة 2017، في كتابه «الانحطاط – Décadence»، ذهب «أونفراي» إلى حدِّ تحميل مسؤولية الإبادة الجماعية للقديس بولس.
تعهّد «كلود أباديا» بأدبٍ شديد بإثبات، بطريقةٍ دقيقة، حدود هذا التحامُل المجنون على «كانط». لكن، المُشكلة في هذه الحالة لا تكمن فقط في أنّ «أونفراي» ينشر كثيراً، بل في كون كثير ممّا يكتبه مجرَّد هراء، وهي مع ذلك تترجَم إلى عشرات اللّغات حول العالَم، وتباع منها مئات الآلاف من النسخ. لذلك، هناك أكثر من سببٍ للذعر بهذا الخصوص.
إن التظاهر النرجسي للفيلسوف الزائف، الذي تأسره دائماً تخيُّلاته الفكريّة الخاصّة، يشكِّل عرضاً لشر يتجاوز شخصه، ويؤثِّر، كما سنرى، على الوجود المُشترك.
من «برنارد هنري ليفي» إلى «أونفراي»
إذا كان «أونفراي» يهنئ نفسه، بطريقةٍ ما، على كونه منبوذاً من العالم الأكاديمي والمؤسّسي، في عام 2019، جنباً إلى جنب مع «بلانشو»، و«هايدجر»، و«ليفيناس»، و«فرويد»، و«فوكو»، و«ريكور»، وما إلى ذلك، فإنّه، وهو فيلسوف زائف حقيقة، قد تقوَّى بدخول كتب المئة التي تمَّ نشرها بالفعل في المجموعة المرموقة للغاية من «دفاتر ليرن» (Cahiers de L’Herne).
إن التكريم الممنوح للمُؤلّف يعني بالنسبة لنا شيئاً يتجاوز الذعر في اتجاه الخراب: هكذا قد ولّى الفكر الذي كانت ترمز إليه كراسات ليرن، وهجر بالفعل. لكن، ثم يساعدنا الفيلسوف «كورنيليوس كاستورياديس» (1922 – 1997) في فهم ما يبدو في حدِّ ذاته غير مفهوم.
في عام 1979، في مجلّة «الملاحظ الجديد – Nouvel Observateur»، ردّ «كاستورياديس» على «برنارد هنري ليفي» الذي هاجم للتو «بيير فيدال ناكيه». لقد انتقد المُؤرِّخ بشدّة بالفعل عهد الله، وأبلغ عن التقريبات والأخطاء والاختصارات الأخرى لمُمثِّل «الفلسفة الجديدة» المزعوم. وجد «كاستورياديس» أن استجابة «برنارد هنري ليفي» كانت سيئة السمعة مثل كتابه.
من اللافت للنظر لنا أن انعكاسات «كاستورياديس» يمكن نقلها اليوم إلى قضية «أونفراي». هذا لأن الفيلسوف اليوناني يدرك الروح، أو بالأحرى نقص الروح، في عصر – عصرنا.
الديموقراطيّة تحت المُساءلة
تتمثَّل إحدى الأفكار الرئيسيّة لنصّ «كاستورياديس» في تذكيرنا بأنه لا يوجد أمام فكر غير قابل للتغيير أيّ غطاء يبرّر خلوده؛ كما لا يمكن أن يكون وجود الفكر في المجتمع إلّا نتيجة السلوك النشط. بعبارةٍ أخرى، فإنّ الفكر هو مسألة مسؤولية بعضنا على البعض؛ لكن، هذا يعني أيضاً أنّه بسبب نقص المسؤوليات، يمكن تخريب الفكر حقّاً.
عندما يرتبط الفكر ارتباطاً وثيقاً بالفضاء العام، عندها يتمُّ إجراء حوارات بشكلٍ مشترك للمُناقشة والنقد، وهذا ما يطلق عليه بالفكر الديموقراطيّ.
ولئن لم تكن الفلسفة هي الطريق إلى الحكمة -سؤالها ظلّ دوماً يتعلَّق بمعنى المعنى- بما يتماشى مع عبقرية اليونان الكلاسيكيّة، فإنّه يجب عليها مع ذلك إظهار الفضائل. وبما أنّ «كاستورياديس» يصرّ بشكلٍ خاصّ على التواضع، إدراكاً منه أن الفكر يشارك في نشر الفضاء العام، فإن المُؤلِّف الجدير بهذا الاسم يمارس الانضباط الذاتي، وذلك حتى لا يسمح لنفسه بالذهاب ليقول أي شيء. خلافاً لذلك، وتحت طائلة ازدراء جمهوره، وفي ظلّ ديموقراطيّة تحترم نفسها، فإنّه عند ذلك يخضع إنتاج المُؤلِّف للنقد، بل ولنقد معيَّن، وذلك مثل المُحرِّرين الذين تتمثَّل وظيفتهم في ضمان الصرامة التي تشكل مهنة المُفكِّر.
وهكذا، فعندما يتمُّ امتصاص الفضاء العام في كثيرٍ من الأحيان من قِبَل أولئك المُدافعين المأذون لهم من طرف الأشخاص الذين لا ينبغي الترويج لهم، وذلك بقصد التخلص من نفاياتهم بكثرة؛ فإن ذلك يعدُّ محواً للديموقراطيّة نفسها.
استبداد البضاعة
إنّ آلية المحو لصالح ما يُسمَّى «الدمقرطة»، هي، في الواقع، تسليع «الفكر»، وهذا ما تديره حصرياً الحالات الحسّاسة للسلطة، وذلك للإيقاع واحتلال مساحات خاضعة لأخبار مفبركة قبلياً، بهدف توسيع رأسمالها الرمزيّ والاقتصاديّ.
يحذِّر «كاستورياديس» بأنّ الرقابة هنا لا تنفع؛ وهذه، أوّلاً وقبل كلّ شيء، هي حقيقة التسليع المذكورة التي تمنع عملياً أي مؤلِّف من تأكيد الطابع المُتأنّي للفكر عبر وسائل الإعلام ذات الطابع التقني والتجاريّ. ذلك أنّه، وكما قال «دولوز»، فإن «المفهوم» هنا يصبح من اختصاص المُعْلِنين.
دعونا نترك الأرضية لـ«كاستورياديس»: في عمله «جمهورية الآداب»، حيث كانت هناك -قبل ظهور المُحتالين- أخلاقٌ وقواعد ومعايير. فإذا لم يحترمها أحدٌ، يكون الأمر عندها متروكاً للآخرين لاستدعائه وتحذير الجمهور منه، أمّا إذا لم يتم ذلك، فإنّه من المعروف منذ فترةٍ طويلة أن الديماغوجيّة غير المُنضبطة هي التي تؤدِّي إلى الاستبداد، فتولِّد الدمار وتجعله يتسيَّد المشهد. لذلك، من المُفيد التأكيد على أنّ الأعراف والسلوكيات الفعَّالة والعامّة والاجتماعيّة هي أهمّ ما يفترضه البحث المُشترك عن الحقيقة.
لا يفوّت «أونفراي» أيّة فرصة، في الفضاء العام وعبر المنابر المُختلفة، دون أن يتحدَّث ويدعو عبر أسطوانته المشروخة إلى تشكيل «جبهة شعبيّة – Front Populaire». إنّها الدعاية الأيديولوجيّة التي تعبِّر عن العنوان السياسيّ لفكره.


كاتب المقال:
جان سيباستيان فيليبارت Jean-Sébastien Philippart حائز على شهادة DEA في الفلسفة وشريك (UCLouvain)، باحث مستقل، ومساهم، من بين آخرين، في مجلات ومراكز بحث، منها: عوالم فرانكوفونيّة MondesFrancophones.com وتداعيات فلسفيّة Implications-philosophiques.org.
المصدر:
https://www.lalibre.be
الرابط المختصر:
https://bit.ly/3l44ioK
13-08-2020

أمين معلوف: «أنقذوا لبنان من الموت»

وُلِد في بيروت عام 1949، تحصَّل على جائزة «غونكور» عن رواية «صخرة تانيوس»، عام 1993، انتُخِب للأكاديمية الفرنسية عام 2011، في كرسي «كلود ليفي شتراوس – Claude Lévi-Strauss».
أمين معلوف، روائي وكاتب دراساتٍ تتميَّز بملاحظة واضحة للعالم وآليّاته. حذّر في كتابه «الهويّات القاتلة» (1998)، بناءً على تجاربه مع الحرب الأهلية في لبنان، من خطر الادِّعاء الهويّاتي الذي يؤدِّي إلى إلغاء الآخر. في كتابه الأخير «غرق الحضارات» الحائز على جائزة «توداي – Today» لعام 2019، حلّل معلوف، بوضوح، الأزمة في العالمَيْن: العربي، والغربي. ما الذي تُلهمه المأساة الجديدة التي أصابت بلده الأمّ؟ هل مازال الوعد بحلم جديد أكثر انفتاحاً، نقلته أرض الأرز من خلال وجودها ذاته، كما لاحظ الجنرال «ديغول»، مناسباً، اليوم؟ الكاتب الكبير وافق على الاعتراف لـ«لوبوان».
لوبوان: كيف كان شعورك أمام هذه الصورة الرهيبة لبيروت، والتي تبدو كأنها تغرق، من جديد، في مشاهد الحرب؟
– أمين معلوف: تطلَّب مني الأمر يوماً كاملاً، أمام الشاشات، لفهم أنّ الذي حدث في بيروت ليس صفحة إضافية في النزاع اللامنتهي الذي يصيب بلدي الأمّ. الأمر لا يتعلَّق بانفجار نووي كما هو واضح، بل لا يتعلَّق، كذلك، بانفجار «غير تقليدي». لتوضيح ما قلت، أقدِّم مقارنة: تفجير «أوكلاهوما سيتي»، عام 1995، وهو الهجوم الأكثر دمويّةً الذي تَمَّ ارتكابه على أراضي الولايات المتَّحدة، قبل أحداث 11 سبتمبر/أيلول، كان سببه قنبلة محلّية الصُنع تحتوي، هي الأخرى، على نترات الأمونيوم، كانت تزن ثلاثة أطنان. «القنبلة»، في مرفأ بيروت، تزن ألف مرّة أكثر منها! لابدّ من أخذ هذه الأرقام بعين الاعتبار لفهم معنى الصور التي انكشفت أمامنا. كيف يمكن تفسير أن هذا المستودع بقي مليئاً بالمواد المتفجّرة لفترة طويلة؟ إهمال؟ إشارة لدولة لاتزال قابلة للانفجار؟ حتى وإن كان يمكن أن تنفجر «القنبلة»، عرضيّاً، فما حدث ليس «كارثة طبيعية»، بالتأكيد. الصدفة والحظّ السيِّئ لا علاقة لهما بهذه المأساة، إلّا لتحديد أنّها حدثت هذا العام، لا العام الماضي أو الذي سبقه. ما تسبَّب في هذه الدراما هو الفساد، هو الإهمال. إن وجود هذه الشحنة من النترات، في هذا المكان، أصلاً، ولعدّة سنوات، لا يمكن تفسيره إلّا بإرادة بعض المافيا المحلّية بيعَ هذا المنتج، عندما تصبح الفرصة سانحة. وإذا لم تتدخَّل السلطات، بالرغم من التحذيرات التي وُجِّهت إليها، فلأن البلاد مليئة بالمناطق الخارجة عن القانون، حيث تنخرط الفصائل المختلفة في التهريب المربح. لا شيء من هذا عَرضيّ، طبيعيّ، أو يُعزى إلى سوء الحظّ…
كيف لأرض الأرز، التي كانت تمثِّل وعداً اقتصاديّاً وطائفيّاً، وعداً للحرّية وتقارباً بين الشرق والغرب، أن تصل إلى هنا، مع أن نصف سكّانها تحت عتبة الفقر، والفوضى تزداد تفاقماً؟
– ليس من السهل تفسير الانحراف، لكنّه ليس عصيّاً على التفسير. من بين عديد العوامل التي لعبت دوراً سلبياً، غالباً ما يُلقى اللوم على البيئة الإقليمية، التي هي كارثية، فعلاً. لكن، إن اضطررت إلى الإشارة، بإصبعي، إلى العامل الأكثر تحديداً، الذي يفسِّر أكثر من غيره، لماذا لم تتمكَّن لبنان من مواجهة التحدِّيات العديدة التي واجهتها منذ ولادتها، فسأشير- دون تردُّد- إلى الطائفية. ما يشكِّل مشكلة ليس وجود أقلّيّات عديدة وغير متشابهة؛ فهذا أمر واقع، وهو سبب وجود البلد، وكان ميّزة أساسية لنجاح النموذج اللبناني وإشعاعه. المشكلة، في نظري، هي المشروع الوطني…الذي يرتكز على تجاوز مختلف الانتماءات للأقلّيّات نحو انتماء وطني مشترك، والذي لم تتمّ متابعته بالطاقة والوضوح اللازمَيْن، بالشكل الذي جعل المواطنين يصبحون ملزمين، وأحياناً رهائن للزعماء السياسيين والدينيين لأقلّياتهم، الذين هم- بدورهم- أصبحوا ملزمين ورهائن للأجانب الذين يحمونهم. بالإضافة إلى ذلك، هناك ظرف مشدّد: الاقتصاد الليبرالي القائم على الخدمات، والذي يضمن- بلا شكّ- ازدهار البلاد خلال سنوات عديدة، لكن لم تصاحبه دولة قويّة تحاول فرض تشريعات ملزمة وممارسة جبائية كبيرة، من أجل التمكُّن من أداء دورها بالكامل. في لبنان، دفعنا، لفترة طويلة من الزمن، قدراً قليلاً من الضرائب، بالشكل الذي جعل السلطات العامّة لا تمتلك، إطلاقاً، الموارد لتزويد البلد بنظام تعليمي حديث، وصحّة عامّة أو حماية اجتماعية. مع التراجع، من الواضح أنّ وجود دولة قويّة وحاضرة، فقط، هو ما يمكنه أن يوحِّد الشعب اللبناني، يقويّ الروابط بين المواطنين والسلطات العامّة، ويقلِّص من شكل اعتماد اللبنانيين على زعماء أقلّيّاتهم. وقد أدّى انعدام الثقة في دور الدولة، إلى تقويض هذا التطوُّر الذي يُعَدّ ضرورياً.
الكلمات التي قالها «ديغول» سنة 1965، حول لبنان: «هي أمّة مستقلّة، مزدهرة ومثقَّفة» ترنّ، بمرارة، اليوم. هل يمكن للبنان أن يدّعي أيّاً من كلماته، اليوم؟
– أنتم محقّون في القول إن تلك الكلمات ترنّ، بمرارة، هذه الأيّام. عندما قالها، كان يبدو أنّ البلد يقترب من هذا المثل الأعلى. لكن هذه الكلمات المنطقية ترسم، في نظري، المستقبل الذي يمكن أن يأمله اللبنانيون وأصدقاء لبنان.
ما رأيك في أن نبدأ بـ«أمّة»؟
– من ناحيتي، لا يمكنني أن أستسلم لهذه الفكرة المنتشرة، اليوم، في كلّ القارات، وهي أنّ الأمّة يجب أن تقوم على انتماء ديني مشترك. تأسيس أمّة على أساس انتماء ديني، أو عرقي أو عنصري، هو فكرة جدّ خاطئة، سبَّبت الكثير من المآسي عبر التاريخ، وستكون- بالتأكيد- غير متوافقة مع روح بلدي الأمّ. الفكرة التي سادت تأسيس لبنان، هي فكرة جعل الناس من جميع الطوائف، وكلّ الأصول، يعيشون معاً، بتنظيم علاقاتهم بالشكل الذي يجعل من كلّ شخص من بينهم يحسّ بأنّ البلد، بأكمله، يعود إليه. لا أدّعي، بالتأكيد، أنّ التجربة نجحت أبعد من ذلك، لكنّي لم أستسلم، أبداً، للحكمة المتواضعة والكسولة التي تقوم إن مثل هذا التعايش مستحيل.
العالم كلّه عبارة عن فسيفساء من الأقلّيّات: أوروبا فسيفساء، أميركا وآسيا، أيضاً. وإذا أخضعناهم لمنطق التجزئة، فسيأتي وعد الألف نزاع. السؤال ليس معرفة ما إن كان الأفراد المختلفون، من حيث اللون أو من خلال الاعتقاد، يمكنهم العيش معاً، أو أن يطلق عليهم (مواطنون). السؤال يتعلّق بمعرفة كيفية جعلهم يعيشون معاً، وكيف نجعلهم يحسّون بأنهم جزء من أمّة واحدة. وفي هذه المسألة، التجربة اللبنانية (حتى وإن لم تنجح حتى الآن) يجب أن تبدأ، من جديد، في لبنان وفي أماكن أخرى، حتى تبلغ النجاح.
ما معنى «مستقلّ»؟ هل تعني أن البلد يبدو، على الدوام، لعبة للقوى الخارجية التي تعمل داخله، ربّما، منذ إنشائه، مثل إيران التي يعتمد عليها حزب الله القوي مباشرة؟
– أن تكون مستقلّاً، اليوم، بالنسبة إلى بلد مثل لبنان، يعني أن تكون قادراً على قول «لا»، عندما يكون هناك سعي لإقحامها، بالقوّة أو بالتهديد، في نزاعات ليس لها الرغبة في خوضها، وليس لها، بوضوح، مصلحة في المشاركة فيها. هذا الاستقلال فقدته لبنان منذ سنوات، ومن الواجب أن تستعيده. ولقول الأشياء بصراحة، بلدي الأمّ ليس له ميل ليكون مركزاً عسكرياً متقدِّماً في الصراع الإسرائيلي العربي. ليست له أيّ مصلحة في أن يتمّ استغلاله، لا من قِبَل القادة الإيرانيين، ولا من قِبَل أولئك الذين يعملون على خنقهم. ولم تكن له أيّ مصلحة، أمس، في التدخُّل في الحرب الأهلية السورية؛ لا من أجل مساعدة نظام الأسد، ولا لمساعدة الثوّار. كلّ هذه الأخطاء ناتجة عن فقدان لبنان القدرة على اتّخاذ قراره بنفسه باعتباره راشداً.
دعنا نواصل العَدّ: «تزدهر» وهي متضرّرة اقتصادياً، اليوم؟ مثقَّفة؟
– أنتم محقّون في الإشارة إلى أنّ كلّ هذه الكلمات ترنّ، بشكل مخزٍ، إلى جانب صور الدمار المادّي والدمار المعنوي اللذين نراهما بأعيننا، اليوم. لكن، لنأخذ قسطاً من الراحة، وندع أرواحنا تتجوَّل، للحظات، خارج المسار المحطَّم. ألا تستطيع هذه المأساة الهائلة أن تجلب التقدُّم للبنانيِّين، لكلّ الأقلّيّات مجتمعةً، ولباقي العالم؟
لتحقيق هذا التقدُّم، لا بدّ من مبادرة عالمية، يشارك فيها الأعضاء الخمسة الدائمون لدى مجلس الأمن في الأمم المتَّحدة: فرنسا، والولايات المتَّحدة، وروسيا، والصين والمملكة المتَّحدة. أصرّ: الخمسة جميعهم، معاً، وفي البداية، لا أحد سواهم، باستثناء الاتِّحاد الأوروبي، ربَّما، معاً يؤسّسون إدارة مؤقَّتة مكلَّفة بإعادة بناء البلد المنكوب في كلّ القطاعات التي لم تعد تعمل. البدء بإصلاح البنى التحتية، وشبكة الكهرباء، وتسيير النفايات، وإصلاحات الطرقات، والموانئ والمطارات.. إعادة إحياء الاقتصاد ليصبح مزدهراً، والذي هو متوقّف، اليوم، من خلال إعادة إقامة البنى التحتية الاجتماعية، والصحّية، والتعليمية، ثم عصرنة المؤسَّسات السياسية للبلد، من خلال تنظيم انتخابات حرّة، عندما يحين الوقت…كلّ دولة من الدول الخمسة «الكبار» سترسل إلى الموقع مجموعة تقنّيين ومديرين ذوي مستوى عالٍ، بالإضافة إلى وحدة عسكرية من أجل الحفاظ على السلم المدني. وستحظى هذه الإدارة الدولية المؤقَّتة، بتمويل كبير، ستستمرّ لسنوات، وستكون، في المقام الأوّل، تحت مسؤولية السلطات الدولية مجتمعةً.
لكن الجميع سيصرخون من أجل التدخُّل، وقد سبق لـ«ماكرون» أن تعرَّض لذلك، خلال زيارته لبيروت، لأنّه تجرُّأ على الخروج إلى الشوارع، والتحدُّث عن «محاربة الفساد»، ورأى البعض، في موقفة، ذكرى الانتداب الفرنسي على لبنان.
– لا مكان لمفاهيم مثل «تدخُّل» أو «انتداب» في الرؤية التي أقترح. يجب ألّا نخطئ في القرن! الأمم المتَّحدة مهمَّتها المجيء لمساعدة البلدان التي تكون في حاجة إليها. لبنان، التي هي عضو مؤسِّس، والتي كانت أحد مصمّمي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، هي اليوم في ضائقة، ولها الحقّ في كلّ المساعدة اللازمة لتقف على قدمها، ثانيةً. يجب مساعدة لبنان في احترام سيادته وكرامة كلّ مواطنيه.
إنّ وجود قوى أساسية في العالم، اليوم، سيضمن أنّه لن تكون أيّة تصفية حسابات مع الفصائل المحلِّيّة، ولا مع مختلف القوى الإقليمية، ولا حاجة إلى اللجوء إلى القوّة المسلحة…ربّما هذا مجرَّد حلم، لكنني مقتنع بأنّ جميع الأطراف، دون إستثناء، في لبنان وفي المنطقة وفي العالم، سيكسبون كثيراً بوضع آليّة مماثلة. ويبدو لي أنّ فرنسا، التي أبدت تعاطفاً كبيراً مع لبنان، بعد هذه المحنة الأخيرة، خاصّة مع زيارة الرئيس «ماكرون»، يمكن أن تكون حجر الزاوية لمثل هذه المبادرة العالمية التوافقية. عملية الإنقاذ هذه لن تكون الطريق الوحيد الممكن لإنقاذ لبنان من الموت، ستشكَّل، أيضاً، خطوة حاسمة نحو إعادة بناء نظام دولي جدير بهذا الاسم، وغيابه مؤلم جدّاً، اليوم، تحت كلّ السماوات.
ما معنى أن تكون لبنانياً؟
– أن تكون لبنانياً معناه أن تؤمن، بعمق، بالحاجة الملحّة إلى تعايش مشترك منسجم، و- ربَّما- حتى اندماجي، بين مختلف مكوِّنات الإنسانية… وفي هذا، أنا لبناني، وسأبقى كذلك إلى آخر نَفَس.


المصدر:
Christophe ONO-DIT-BIOT, Amin Maalouf «Empêcher le Liban de mourir.» Le Point, N°2503 (13 Aout 2020), pp.93-96

بيروت أو جروح الضوء!

كانت الهزّات التي عرفَها لبنان وعرفتْها، بوَجه خاصّ، مدينة بيروت، مُنذ الحرب الأهليّة مُنتصَف سبعينيّات القرن الماضي وما تلاها من اجتياحات إسرائيليّة سافرة، تُضاعفُ جُروحَ ذاكرة المدينة، وتُضاعفُ، في الآن ذاته، الحاجة الدائمة إلى ضَوء الثقافة الحُرّ والمُقاوم، الذي إليه انتسبَت بيروت في الزّمن الحديث، وأسْهمَت، بقوّة، في إشعاعه باعتبار ما اضطلعَت به المدينة، على هذا المستوى، عربيّاً. إنّه الضّوء الذي به تمكّنَت بيروت، لعواملَ عديدة، من أنْ تصيرَ، في خمسينيّات وستينيّات القرن الماضي، مدينةً ذات سُلطة ثقافيّة في مُحيطها العربيّ، أي أن تصيرَ مدينةً لإنتاج الأفكار والرُّؤى والتصوّرات الحداثية، وتأمين امتداد هذا الإنتاج وترسيخ تأثيره خارج لبنان. بهذا الضوء، أيضاً، تمكّنَت بيروت، لا من أنْ تُمدِّدَ إشعاعَها في المُحيط العربيّ وحسب، بل من أنْ تضطلعَ كذلك بمسؤوليّة الضيافة الثقافيّة، التي لم تتسنّ تاريخيّاً إلاّ لمُدُن مَحدودة في العالَم، أي أنْ تصيرَ فضاءً حرّاً، ووِجهةً للمُبدعين والكتّاب والمفكّرين العرب، بما جعلَ بيروت مدينةَ لقاء فكريٍّ وأدبيٍّ. إنّه لقاءُ الضيافة الذي أغنَى الأفكارَ والرؤى، واتّسعَ للاختلاف، ورَسّخَه في أفُق يَنشدُ الحُرّية، وساهمَ في تقويّة تنوُّع المدينة الثقافيّ وفي اكتسابها وَضعاً اعتباريّاً ظلَّ غيرَ مُنفصل عن كلِّ ما هَيّأها لاستحقاق ريادتها الثقافيّة. إلى جانب هذه الضيافة، التي تحتاجُ كلُّ مدينة مُهيَّأةٍ للاضطلاع بها إلى بنية ثقافيّة ومناخ حُرّ، نَهضَت بيروت، أيضاً، انطلاقاً من انتصارها لفكرة التصدّي والمُمانعة، بضيافةِ أصوات المُقاوَمة، وذلك باحتضانها للمنفيّين، وللفدائيّين الفلسطينيّين. وقد شكّلَ هذا الوجهُ الثاني للضيافة جانباً من وَجه المدينة المُشرق، الذي ترتّبت عليه، هو كذلك، تبعاتُ الانتصار للحرّيّة في مُحيط مشحون بالصّراعات.
لا يتحقّقُ الاضطلاع بالضيافة الثقافيّة، الذي تسنّى لبيروت، إلاّ للمُدن التي يَقترنُ اسمُها بما هو ثقافيّ، بل تكونُ الحياةُ في هذه المُدن قائمةً، أساساً، على البُعد الثقافيّ، بوَصفه حاجةً وُجوديّة تَسري في تفاصيل الفضاء اليَوميّ، وبوَصفه، أيضاً، حصانةَ العيش المُشترك، ودِعامةَ مفهوم الاجتماع الحُرّ والحداثيّ الذي ظلّت لبنان، دَوماً، تَنشده. إنّه المفهوم الذي استوعَبتْه بيروت بوُعُود الحُرّيّة التي كانت تترسّخ فيها، وبشرارات الضّوء الثقافي المُستقبليّة التي كانت تشعّ من فَضائها، وإنْ بقيَ مفهومُ الاجتماع الحُرّ، وصيَغُ تحقُّقه وترسُّخه في الحياة اليوميّة، مُحاصَراً، دوماً، في هذه المدينة، وفي لبنان، على نحو عامّ، بعتمة السياسة. ظلّ الاجتماع، الذي كانت بيروت ترسمُهُ لحياة حُرّة هَشّاً أمام صلابة السياسة، لأنّه بقيَ دوماً مُهَدَّداً بمُوجِّهات المُحدِّد الطائفي الذي تسلّل إلى النظام السياسيّ للبلد، ومُعطَّلاً بضيق الحسابات السياسيّة، وبالعوائق التي تعترضُ تأسيسَ مُواطَنة حداثيّة مُتحرِّرة من المُحدِّد الديني أو الطائفيّ؛ مواطَنة قائمة على مبادئ حُقوق الإنسان الكونيّة التي لا تتقيّدُ، لا بالعرقيّ ولا بالطائفيّ ولا بالدينيّ. إنّ جانباً من تاريخ بيروت الحديث يُمكنُ أنْ يُقرأَ انطلاقاً من مَسار عوائق السياسة لوُعُود الثقافة. كثيراً ما تأتّى لعَمَى السياسة وعتمتها أنْ يَحجُبا ضوءَ الآفاق التي تنشدُها الثقافة، وأنْ يُطفِئا شرارةَ الوُعود التي يرسُمها الفكرُ الحُرّ. لذلك لم يَتمكّن الضّوء الثقافي، الذي أشعّ في بيروت في خمسينيّات وستينيّات القرن الماضي، مِن أنْ يَمنعَ حُدوثَ الحرب الأهليّة التي أنْهكَت البلدَ في السبعينيّات لمدّةِ عَقد ونصف. كانت هذه الحَربُ شاهدةً على الإخفاق في إرساء المفهوم الحداثيّ للمُواطنة الذي كان مُضمَراً في الديناميّة الثقافيّة للعَقدَيْن السابقَيْن؛ أي المفهوم الذي يُحقّقُ العيشَ المُشترك القائمَ على استيعاب الاختلاف، بوصفه قوّةً وإغناءً لهذا العيش، لا بوصفه تأجيجاً للإقصاء وللصراعات الدمويَّة. فرغم أنّ الضّوءَ الثقافيّ يبقى، دوماً، أكثر شسوعاً من ضيق السياسة، بما تُتيحُه رَحابةُ الفنّ وسعةُ الخيال الأدبيّ وأسئلةُ الفكر، لهذا الضّوء، من إشعاع، فإنّ ضَيقها كثيراً ما حاصرَ هذا الشسوع، وقلّصَهُ، وعرقلَ امتداداته في الاجتماع، أي في الحياة اليَوميّة وتفاصيلها.
نادرةٌ هي المُدُن التي تَهيّأ لها، تاريخيّاً، أن تكونَ مَركزاً ثقافيّاً، وأن تكون فضاءً للضيافة الثقافيّة، أي فضاءً حُرّاً يَستقبلُ المفكّرين والكتّاب والمُبدعين من بُلدان مُختلفة، ويُهيِّئ لهُم المناخ الفكريَّ والاجتماعيَّ والسياسيّ المُحفِّز على الكتابة والإنتاج، ويُتيحُ لهُم الحرّيّة التي بها تحيَا الكتابة. فلبنان الذي عُرفَ، مُنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بهجرة مُثقّفيه إلى بقاع العالَم، وبإسْهامهم التاريخيّ في تأسيس ما عُرف بأدَب المهجر الذي أنتجَ مُبدعاً من قيمةِ جبران خليل جبران، هو عينُه لبنان الذي هيّأ بيروت، بناءً على ما تسنّى لها مِن عوامل، كي تكونَ فضاءً لاستقبال المُثقّفين من العالم العربيّ، ومكّنَها من الاضطلاع بمسؤوليّة الضيافة الثقافيّة الحُرّة. فكانت بيروت بمَوقعها المتوسّطي، وباحتضانها للثقافة المتوسّطيّة القائمة على أسُس العيش المُشترك، مُؤهَّلة حتى جغرافيّاً لأنْ تنفتحَ على الضفّتيْن، وأن تُهيِّئَ من هذا الانفتاح ما صنعَ وَضْعها الاعتباريّ، الذي تحقّق، من جهة، استناداً إلى تجاوُبها، ثقافيّاً، مع الزمن المعرفيّ للضّفة الأخرى، واستناداً إلى إسهامها، من جهة أخرى، في إرساءِ ثقافةِ التحديث في ضفّتها، أي داخل لبنان وفي البلدان العربيّة، بوَجه عامّ.
لا يَستقيمُ التفكير في مُحاولات النهوض الثقافيّ الحداثيّ في العالم العربيّ، مُنذ النصف الثاني مِن القرن التاسع عشر إلى ستينيّات القرن العشرين، دون استحضار الدور الرياديّ لمدينة القاهرة، ولمدينة بيروت بَعدها، على نحو غدا معه التاريخُ الحديث لبيروت غيرَ مُنفصل، بجُروحه وآلامه، عن دَورها الثقافيّ. فقد اضطلعَت بيروت، في الزمن الحديث، بدَور رياديّ بيِّن على المُستوى الثقافيّ، إذ شكّلت، إلى جانب القاهرة، مَصدراً ثقافيّاً امتدّ أثرُه إلى مُختلف بلدان العالم العربيّ. وهي، بذلك، من المُدُن التي اضطلعَت تاريخيّاً بمهمّة التأثير الثقافيّ الذي لا يَستقيم إلاّ بتوفّر عوامل إحداثه، وفي مُقدِّمتها التوفّر على مُؤسَّسات ثقافيّة. تجسّدَت هذه المؤسَّسات، من بَين ما تجسَّدت فيه، في تطوّر صناعة الكتاب، وفي التوفّر على نخبة مثّقفة مؤهَّلة لإنتاج خطاب فكريّ وأدبيّ مُتجاوب مع زَمن المعرفة، على النّحو الذي أهّلَ المدينة، كما تقدّمَت الإشارة إلى ذلك، لأن تُشكّلَ فضاءَ لقاء فكريٍّ وأدبيٍّ، وأهّلها لأن تُشكّل، في الآن ذاته، منارةً ثقافيّة تمتدُّ خارجَ حُدودها. تبدَّت هذه القدرة على التأثير، الذي اضطلعَت به بيروت، من ديناميّة دُور النّشر في صناعة الكتاب، ومن احتضان هذه الدُّور لأسماء فكريّة وأدبيّة وازنة من داخل لبنان ومِن مُختلف الأقطار العربيّة، حتى لقد تحوّلَ نشرُ المؤلّفين لكتُبهم في لبنان، إلى تزكيّة معرفيّةً، بحُكم السلطة الثقافيّة التي اكتسبَتْها مدينة بيروت، وبحُكم السّمعة العلميّة التي حظيَت بها مُؤسَّساتُ دُور النشر فيها. بهذه المُؤسّسات التي اهتمّت بالطّبع والنشر، غدَت بيروت مصدراً للكتاب الثقافيّ المُنحاز للرّؤى الحداثيّة ورافداً للتصوّرات النازعة إلى التغيير، إذ اضطلعَت العديدُ من المؤلّفات، التي تكفّلت دُور النشر في بيروت بطبْعها وتوزيعها في بلدان العالم العربيّ، بإنجاز دالٍّ في تاريخ الثقافة العربيّة الحديثة، وبعَمل حَيويّ في التثقيف وإرساءِ فِعل القراءة، وفي ترسيخ رُؤى حداثية وتصوُّرات جديدة. عرَفت المؤلّفات المنشورة في بيروت، التي أنتجَها مفكّرون وأدباء من داخل لبنان وخارجه، امتدادَها الفكريّ والأدبيّ بتوزيعها في العالم العربيّ، وهو ما ترتّب عليه أثرٌ تثقيفيّ مُتشعِّب. فبقدر ما تسنّى لهذه المؤلّفات أنْ تخلقَ قُرّاء في مُختلف بلدان العالم العربيّ، تأتّى لها، أيضاً، أن تُحدثَ، في هذه البلدان، تفاعُلاً ثقافيّاً مع قضايا التحديث والتجديد، ومع أسئلة الفنّ والإبداع، وأسئلةِ الأجناس الأدبيّة والنقد الفكريّ والأدبيّ، فكان امتدادُ بيروت خارج لبنان ضَوءاً ثقافيّاً، وكرَماً فكريّاً أفادَت منه القراءةُ في مُختلف البلدان العربيّة، فكثيرٌ منَ المثقّفين، اليوم، يَعترفون بما تعلّموه مِنْ كرَم بيروت المعرفيّ وبما تحصّلَ لهُم مِن ضَوئها الثقافيّ.
إلى جانب ما اضطلعَت به دورُ النشر البيروتيّة في التثقيف والتحديث، أسهمَت، أيضاً،المؤسَّسات الصِّحافيّة التي شهدَتها هذه المدينة في إغناء البُعد الثقافيّ وتقويّة حيَويّته. وهي الحيَويّة التي كان لها دَورُها، أيضاً، في إكساب المدينة وَضْعَها الاعتباريّ، إذ شكّلت التجربة الصِّحافيّة، في بيروت، لحظةً رئيسَة في تاريخ الصِّحافة العربيّة، حتّى ليتعذّرُ الحديث عن الصِّحافة في الزّمن الحديث بالعالم العربيّ، وبوَجه خاصّ الصِّحافة الثقافيّة، دُون استحضار مُنجَزَها وديناميّتها في مدينة القاهرة، أوّلاً، وفي مدينة بيروت بَعدها، التي تميّزَ نشاطُها الصِّحافيّ بإسهام المُثقفين وبحرصهم النقديّ على إغناء هذا النشاط وجَعْل الصّوت الإعلاميّ مُحَصَّناً بالمَعرفة. إنّهُ ملمحٌ آخَر من مَلامح الضّوء الثقافيّ في بيروت، الذي اخترقَ التجربةَ الصِّحافيّة وحصّنَ الإعلامَ، في فترة تاريخيّة، من آفةِ تحويل الكلام إلى كتابة، ومن كارثةِ الاستخفاف بالمَعرفة، ذلك أنّ الانحدار الذي عرفَته، فيما بَعد، الصِّحافةُ المكتوبة، بوَجه خاصّ، والإعلام، بوَجه عامّ، في كلّ الأقطار العربيّة، راجعٌ، إلى جانب عواملَ أخرى، إلى تَحَلُّل الإعلام من الثقافة ومن المعرفة، وإلى التجرُّؤ، في الآن ذاته، على الحديث باسْمهما، بما أتاحَ ظهورَ نَمط من الصّحافيّين لا ثقافةَ لهُم، بل ما يُوجِّههم، أساساً، هو مُمارَسة الإعلام بمُعاداةِ الثقافة. كما لو أنّ المسارَ التاريخيّ للصِّحافة العربيّة كان يَتحقّق، متى استحْضَرنا ضَوءَ القاهرة وضَوء بيروت المُشعَّيْن، وهو يَرسمُ مَنحى انحداريّاً بالانفصال التدريجيّ عن الثقافة. فبانقضاء كلِّ عَقد زَمنيّ، كان يتعمّقُ الانحدارُ أكثر، بإصرار غريب على الابتعاد، تدريجيّاً، عن الثقافة، حتى غدا الإعلامُ المكتوب والإعلام المَرئيّ مُضادّيْن للثقافة، وحَريصَيْن على تَسفيهها وهَدمها باسْم الثقافة نفسِها.
مِن تجلّيات الديناميّة الثقافيّة المُتعدِّدة في بيروت، ما شهدَتهُ هذه المدينة، أيضاً، من تجمُّعات وحركات فكريّة وأدبيّة راهنَت على التحديث في الفكر والأدب، وشكّلَ تأسيسُها، وامتداداتُها عبر منشوراتها، لحظات رَئيسة في بناءِ ذاكرة الثقافة العربيّة الحديثة، إذ يتعذّرُ التأريخُ للأفكار الحديثة، في العالم العربيّ، دون استحضار هذه الحركات والتجمّعات، وما اضطلعَت به من أدوار. من النماذج القويّة لهذه الحركات، يُمْكن استحضار مجلّة «الآداب» التي أسّسها سهيل إدريس في النصف الأوّل من خمسينيّات القرن الماضي، ومجلّة «شعر» التي أسّسَها يوسف الخال بمعيّة أدونيس في النصف الثاني من هذا العَقد نفسه. وقد نهضَت المجلّتان بدور تحديثيّ في إذكاء ضَوء بيروت الثقافيّ؛ ارتبطَت الأولى منهُما بالأدب، بوَجه عامّ، فيما توَجّهت المجلّة الثانية إلى الشعر، وظلّتا معاً، من داخل الاختلاف الذي تولّدَ بينهما فيما بعد، مُنشغلتيْن بقضايا تحديث الرّؤية إلى الإنسان والاجتماع، ومُنشغلتيْن بقضايا اللغة والأدَب والشعر، بل يُمكنُ النظر حتى إلى السّجال الذي حكمَ العلاقة بين المجلّتيْن بوصفه مظهراً من مظاهر الاختلاف الثقافيّ. كان تأسيسُ مجلة الآداب، زَمَنئذ، مُستجيباً للزمن المعرفي الذي به تأثرَ سُهيل إدريس في أثناء إقامته بباريس، ولا سيَّما تأثره بمجلّة «الأزمنة الحديثة» التي كان يُصدرُها «سارتر». هكذا، كانت حمولة المذهب الوُجوديّ واضحة في مفهوم المجلّة، عن «الالتزام» في الكتابة كما كانت حمولة المفهوم مشدودة، أيضاً، إلى التَوجُّه القَوميّ الذي ارتضتْه المجلّة ودافعَت عنه. أمّا مجلّة «شعر» فقد جسَّدَت تفاعُلاً قويّاً مع زَمنها المعرفيّ، وفتحَت لتحديث القصيدة، الذي انطلقَ من العراق، مسالكَ حاسمة في ما عرَفتْه الكتابة الشعريّة، لا في لبنان وحسب، بل في العالم العربيّ بصورة عامّة.
إنّ ضوء بيروت الثقافي، الذي تمّ الإلماح إلى بَعض المظاهر التي جسّدَتْه في القرن الماضي، كان مُهيَّأً، بحُكم التنوّع والتعدّد اللذيْن يُميّزان تركيبة لبنان، لأنْ يقودَ إلى بناء مُجتمع حداثيّ يَستثمرُ تعدُّدَه في إرساء مُواطَنة قائمة على القيَم الكونيّة لا على اعتبارات دينيّة وطائفيّة، أي أنّ ضوءَ الثقافة والفكر الحُرّ كان مُؤهّلاً لأنْ يُسهمَ في ترسيخ نظام سياسيّ لا يرتهنُ إلى التوازنات الدينيّة والطائفيّة. فكلّما كانت تركيبة مُجتمع من المُجتمعات مُتنوِّعة ومُتعدِّدة، كان أفقه مُشرعاً على احتماليْن؛ إما أنْ يتحوّلَ هذا التعدّد والتنوّع إلى إمكان خَصيب لبناء مجتمع حداثيّ مُستند إلى قيَم العَيش المُشترك الكونيّة، وإمّا أن يغدوَ هذا التعدّد والتنوّع عائقاً أمام كلّ بناء حداثيّ. والحال أنّ جُروح بيروت، مُنذ القرن الماضي، لا تنفكُّ تكشفُ أنّ ضوءَها ظلّ يَصطدمُ، دوماً، بعتمة النظام السياسيّ الذي احتكمَ إلى بنية التوازنات، بما جعلَ بيروت رهينةَ، لا توازُنات سياسيّة داخليّة وحسب، بل رهينةَ حسابات خارجيّة، أيضاً.
عندما تغدو ذاكرةُ المدينة، أيِّ مدينة، مُثقلةً بالجراح أكثر من علامات الضّوء الصادر من صَوتها الحُرّ، فذلك معناه أنّ المدينة تحتاجُ لأنْ تخرُج من نَفسها، وتتحرّرَ ممّا يَحجبُها عن ذاتها. لقد كان مشهدُ بيروت المأسوي، في الرابع من غشت/ أغسطس، 2020 وهي تحترق بَعد الانفجار المُهول، دالّاً، بمعنى من المعاني، على استفحال عوامل تجفيف ضَوئها، الذي كان، دوماً، وَعداً مستقبليّاً. مُفجعٌ أن تقترنَ بيروت، هذه الأيّام، في شاشات العالَم، بالخراب والدمار، هي المدينة التي كان ضوؤُها الثقافيّ ينتصرُ للحياة، ويُنيرُ المسالكَ التي تُقوّي الأملَ في المُستقبل.

فايز صُيّاغ.. رحيل مثقَّف موسوعيّ

ما يحفظ للثقافة العربية حضورَها وحيويَّتها، في الوقت الراهن، ثلَّةٌ قليلةٌ من المبدعين والمثقَّفين، الذين يتوزَعون على حواضر العالم العربية وأطرافه، واصلت، خلال العقود القليلة الماضية، العملَ الثقافي من العيار الثقيل، العميق والسابر، والقادر على وصل ثقافتنا بما تنتجه الثقافات الأخرى في العالم، من إبداع، وفنون، ونظرية، ونقد وتحليل، وعمل بحثيّ. والصديق الراحل، الشاعر والباحث والمترجم الكبير فايز صُيّاغ (1942 – 2020) كان واحداً من هذه الثلَّة التي سيمكث عملها في الأرض، وينفع الناس. وقد خسرت الثقافة العربية، برحيله، واحداً من أعلامها النابهين، النشطين الذين لم يكفّوا عن العمل وإثراء المكتبة العربية بالأعمال الكبيرة ممّا أنتجته الثقافة الإنسانية في حقول الأدب وعلم الاجتماع والفلسفة والفنون.
كان فايز، المولود في مدينة الكرك الأردنية، من النخبة العربية التي تلقَّت تعليماً عالياً رفيع المستوى في أرقى الجامعات العربية، والجامعات الأجنبية، وتكوَّنت، ثقافياً ومعرفياً، في حاضنة قومية تقدمية جعلتها طليعةً ثقافيةً تجدل هذا الوعي القومي العربي بالمعرفة الإنسانية الرفيعة.
تخرَّج (صيّاغ) في الجامعة الأميركية في بيروت، دارساً علم الاجتماع، والأدبَيْن: العربي، والإنجليزي، كما نال درجة الدكتوراه في علم الاجتماع الصناعي من جامعة «تورنتو»، في كندا. كلُّ ذلك أهَّلَه ليكون واحداً من الطليعة الثقافية في الأردن والعالم العربي، إذ كان شاعراً متميِّزاً في ستّينيات القرن الماضي، وناشطاً ثقافياً، وشريكاً في تأسيس مشاريع ومجلّات ثقافية، كانت جزءاً أساسياً من تطوُّر الحركَتْين: الأدبية، والثقافية، في الأردن والعالم العربي.
لقد بدأ فايز نشر قصائده في مجلّة «الأفق الجديد» المقدسية، التي تأسَّست في بداية ستينيّات القرن الماضي (1961 – 1966)، وتشكَّلت، على صفحاتها، الحركة الثقافية الأردنية، وكذلك الفلسطينية، بعد أن أصبحت الضفّة الغربية من نهر الأردن جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية. وكان الكاتب الراحل واحداً من الأسماء التي أثرت تلك الحركة الأدبية والثقافية التي مثَّلها كتابٌ وأدباء من أبناء الضفَّتَيْن: الغربية، والشرقية لنهر الأردن. وعندما بدأ مشروع مجلّة «الأفق الجديد» يترنَّح؛ لمصاعب مالية في الأساس، ساهم (صيّاغ) في تأسيس مجلّة «أفكار» الأردنية، عام 1966. وما زالت هذه المجلّة الشهرية تصدر حتى هذه اللحظة، عن وزارة الثقافة الأردنية. وقد أصدر فايز مجموعته الشعرية الأولى «كلمات على الرمل» (1975)، وأتبعها بمجموعة «الحبّ، مثلاً، وقصائد أخرى» (1988)؛ وهما تضمّان قصائده التي نشرها على صفحات مجلّتَيْ «شعر»، و«الآداب» اللبنانيَّتَيْن، ومجلّتَيْ «الأفق الجديد» و«أفكار» الأردنيَّتَيْن.
ما أودّ التشديد عليه، في سياق الحديث عن بدايات فايز صيّاغ، وتكوينه التعليمي وتكوينه الثقافي، واهتماماته الأدبية، والثقافية، والمعرفية المتعدِّدة، والطابع الموسوعي لعمله، هو أن الرجل قد تشكَّل، معرفيّاً وثقافياً وأيديولوجياً، في فترة صعود المشروع القومي العربي الذي رافقته تيّارات وميول صاخبة متعطِّشة للمعرفة، في الثقافة العربية. وقد كانت الحدود بين المعارف والتخصُّصات، في هذه المرحلة، مفتوحة، ومتواشجة، يؤثِّر بعضها في بعض، بحيث تغني الترجمة التجاربَ الشعرية، كما تفتح دراسةُ علم الاجتماع الوعيَ على العلاقات المركَّبة التي تتطوَّر فيها المجتمعات العربية بعد رحيل الاستعمار ونشوء الدولة الوطنية. ولا شكَّ في أن فايز صيّاغ كان جزءاً من النخب الثقافية العربية التي تشكَّلت خبراتها في الدراسة والعمل والكتابة والحراك الثقافي، في سياق عربي واسع وممتّد، فهو درس في الأردن ولبنان، كما عمل في الأردن وقطر، وأسهم في تأسيس مجلّة «الدوحة» في نسختها الأولى، قبل أن تصبح واحدة من المجلّات العربية الكبيرة في سبعينيات القرن الماضي. كما أنه واصل الاهتمام بأحوال العالم العربي، من خلال البحث السوسيولوجي، وكتابة وتحرير تقارير «التنمية الإنسانية» و«المعرفة العربية» التي تصدرها الأمم المتَّحدة، على مدار سنوات.
لكن الإسهام الأكبر لفايز صيّاغ يتمثَّل في ما قام به من جهد جبّار في حقل الترجمة، فإلى جانب عدد من الأعمال التي ترجمها، خلال السنوات القليلة الماضية، لكُتّاب عالمِّيين كبار، منهم الكينيّ «نغوغي واثيونغو»، والبريطانيّ اليابانيّ، حائز «نوبل» للآداب، سنة 2017، وكازو إيشيغورو. قام بترجمة أعمال موسوعية كبرى في علم الاجتماع والتاريخ، مثرياً المعرفة العربية في المجالَيْن؛ ما يخلِّد اسمه واحداً من كبار المترجمين العرب في القرنين العشرين، والحادي والعشرين. وإذا كان الكتابان الأخيران، اللذان صدرا عن دار نشر جامعة «حمد بن خليفة»، في قطر؛ «مولد حائك الأحلام» لواثيونغو، و«لا تدعني أرحل أبداً» لإيشيغورو، يعيدان فايز صيّاع إلى اهتماماته الأدبية الأولى، فإن الكتب التي ترجمها لأنتوني غِدِنز (مواليد 1938)، وإريك هوبزباوم (1917 – 2012)، وإيمانويل فالِرشتاين (1930 – 2019)، تمثِّل أوج عطائه الترجمي، وإسهامه في علمَي الاجتماع والتاريخ. وهو، في ترجمته لكتاب عالم الاجتماع البريطاني الشهير أنتوني غيدنز «علم الاجتماع»، الذي يُعدُّ واحداً من المراجع النظرية الأساسية في علم الاجتماع الحديث، لم يكتفِ بالترجمة وصكِّ المصطلحات وتوليدها ممّا هو غير متداول في العربية، بل أضاف صفحات شارحة وأمثلة عربية تساعد القارئ والراغب في التبحُّر في هذا العلم، بحالات عربية تشبك المعرفة التي يقدِّمها «غيدنز» بمعارف أخرى، عربية وغير عربية، وهذا عمل ينتمي إلى ميراث الترجمة العريق وشروحات الفلاسفة والعلماء العرب القدماء على العلوم والفلسفة الإغريقيّين، حيث لا يكتفي المترجم بالنقل، بل يقوم بتوسيع الفكرة وضرب الأمثلة وتقريب المعرفة من القارئ العربي. إنه عمل إنسيكلوبيدي، بامتياز، لمثقَّف كبير يتمتَّع بالأمانة العلمية والمعرفة الواسعة، والخابرة، في الوقت نفسه.
يضاف إلى المرجع السابق، في علم الاجتماع، الموسوعةُ التاريخية الضخمة التي وضعها المؤرّخ الماركسي البريطاني الشهير «إريك هوبزباوم» حول العالم الحديث، فهو في «عصر الثورة» يعرض للتحوُّلات الأوروبية بين عامَيْ 1798 و 1848، أمّا في «عصر رأس المال 1848 – 1875»، فيواصل تحليله الثاقب لصعود الرأسسمالية الصناعية، وترسُّخ الثقافة البرجوازية، وفي «عصر الإمبراطورية 1875 – 1914» يحلِّل «هوبزباوم» صعود الهيمنة الإمبريالية الغربية، وتعاظمها، واكتساحها جميع بقاع المعمورة. أمّا في «عصر التطرُّفات»، الذي أنهى به فايز صيّاغ ترجمته لعمل «هوبزباوم» الموسوعي، فإن المؤرِّخ البريطاني يضع له عنواناً فرعيّاً «القرن العشرون الوجيز 1914 – 1991»، ويحلِّل فيه أحداث العالم بين نشوب الحرب العالمية الأولى، وينهيه بانهيار الاتِّحاد السوفييتي عام 1991. واللافت، في ترجمة صيّاغ لهذه الموسوعة الضخمة، أنه طلب من «هوبزباوم» كتابة تصدير خاصّ للطبعة العربية، للجزء الخاصّ بــ«عصر الإمبراطورية»، وكذلك بــ«عصر التطرُّفات»، حيث كتب المؤرِّخ البريطاني مقدِّمة ضافية، تناول فيها تداعيات القرن العشرين وتأثيراتها في العالمَيْن: العربي، والإسلامي، فضلاً عن مقابلة مطوَّلة، أجرتها معه مجلّة «New Left Review»، تتناول أحداث العقد الأوَّل من القرن الحادي والعشرين. ويمثِّل هذا الجهد الضخم، في الترجمة والشرح والإضافة وابتكار المصطلحات، درساً عمليّاً لكلّ من يريد احتراف الترجمة في العالم العربي، حيث تتحوّل الترجمة إلى عمل إبداعي ومعرفي، وإضافة معرفية إلى العمل الأصل. وهذا ما فعله مترجم كبير مثل فايز صيّاغ، خسرنا، برحيله، الكثير الكثير، لأن رغبته في مراكمة إنجازه الترجمي، والثقافي، ظلَّت حارّة فوّارة إلى آخر لحظة في حياته.

أزمةُ سوقِ الكِتاب أمْ أزمةُ تضخُّمِ إنتاجِ الكُتب؟

سُلِّطتْ الأضواء، منذ اجتياح فيروس كورونا للعَالَم، على أزمة الكِتاب والمنشورات الورقيّة، وعلى معاناة سوق وسائط التثقيف ومنتوجات الإبداع المُختلفة. والواقع أنّ أزمة سوق الكِتاب بخاصّة، مطروحة منذ سنواتٍ بسبب عوامل تعود إلى منافسة الوسائط الرقميّة والإلكترونيّة التي تتفوَّقُ في جذبِ المُستهلكين أكثر ممّا تستطيعه الكُتب. وجاءت مناسبة كورونا لتؤكِّد تفوُّق المساحات الرقميّة الشاسعة على بقية وسائط التثقيف الأخرى. تأكَّد ذلك، خاصّةً، من خلال فتح تلك المساحات الرقميّة مجاناً أمام طُلاب الثقافة والتسلية، بلْ ونقلها إلى داخل البيوت والمكَاتِب.

مثلُ هذه الأحداث والتحوُّلات في وسائط الثقافة تفرض، ولا شكّ، إعادة التحليل واستقصاء المُتحوِّل والثابت، وانعكاس ذلك على مجال جوهريّ يتمثَّل في تنشيط الحقل الثقافيّ وتفعيل مسالكه. يمكن، إذن، أن ننطلق من التحليل الذكيّ الذي أنجزته الروائيّة البريطانيّة فيرجينيا وولف (1882 – 1941) في كِتابها «غرفةٌ تخصّ المرء»، حيث اشترطتْ عنصريْن اثنيْن لتتمكَّن المُبدعة أو المُبدع من الكِتابة؛ وهُما: امتلاكُ غرفةٍ خاصّة تتيح الاختلاء بالنفس والإنصات إلى الذات، ثمّ التوفُّر على مبلغ مالي شهري، يكفلُ العيش اللائق لِمَنْ أراد أن يتفرَّغ للإبداع. بعبارةٍ ثانية، هي تؤكِّد على الشروط الماديّة الضروريّة التي لا مناص منها لمَنْ يريد أن يُغامِر في فضاء الكِتابة والإبداع. لكنها لا تتوقَّف في كتابها عند هذا الجانب، بل تلامس أيضاً الحالة النفسيّة المُتيحة لانبثاق النصوص الجديرة بأن تُعتَبَر حاملةً لإضافةٍ فنّيّة أو فكريّة… غير أن هذا الجانب يبتعدُ بنا عن الموضوع الذي نعالجه الآن. لنقُلْ بأن كلَّ كاتِب، مهما كان وضعه الاجتماعيّ، مطالبٌ بأن يُؤمِّن تلك الغرفة الخاصّة مع موردٍ ماليّ ثابت يسمح له بالتفرُّغ للكتابة. وهذه ليست مسألةً سهلة، وكثيراً ما كان غيابُها يؤول إلى وأدِ مواهب واعدة، وتعطيل إبداعاتٍ لم تكتمل الشروط الماديّة لولادتها…

مهما يكنْ، استطاع الكِتابُ خلال عِدّة قرون، أن يضطلع بدورٍ أساس في نقلِ وحفظِ العلوم والنظريّات، وتوصيل الإبداعات على اختلاف أجناسها التعبيريّة، وأن يكون وسيلةً لا مناص منها في تشييدِ ثقافاتِ الأمم ومَدّ حِبالِ الوصل بينها. لكنْ، منذ الرّبْع الأخير من القرن العشرين، ومع الإنجازات المُذهلة، المُتواصلة في مجال الإنترنتْ والرقمنة واختراع وسائط للقراءة والكِتابة بعيداً عن الورق والقلم، أصبح الكِتَابُ في مهبِّ التنافُس والمُزاحَمة والإبدال، وبات مُهدَّدا بأن يُحال على مخازن حفظ الأشياء القديمة التي لم تَعُدْ صالحةً للاستعمال. إلّا أن الكِتاب استطاع أن يُقاوم وأن يصمد في وجهِ الوسائط الإلكترونيّة والرقميّة، مُحتفظاً بتلك الخصوصيّة التي تجعل منه تميمةً حميمة يختلي بها القارئ ليُمارس جزءاً من حرّيّته المُصادَرة، وذلك عبْر القراءة وتقليب الصفحات، والتعليق على ما يستثيرُ حاسّته النقديّة والعودة إلى فقراتٍ ظلّتْ تلاحق فكره وخياله… لِنَقُلْ إنّ قراءةَ الكُتب متعةٌ استثنائيّة تُوهِمُ القارئ أنه يُحقِّق ما لا يستطيع أن يفعله من خلال وسائط القراءة غير الورقيّة التي أصبحتْ مشاعاً بين الجميع. ولعَلّ هذا من أهمّ الأسباب التي جعلت الكِتاب لا يزال حيّاً يُرزَق ويُرزِق، حريصاً على تطوير الإخراج وأناقة الطبْع.

محمد برادة

مع ذلك، أخذتْ أزمة سوق الكِتاب تعبِّر عن نفسها في مجالٍ حيويّ وحساس، يتعلَّق بانخفاض المبيعات، وتقلّص مساحة تخزين الكُتب، وتقلّص عدد الكُتَّاب الذين يتعيّشون من إنتاجهم، خاصّة في مجال الإبداع الأدبيّ. وطبعاً حديثنا هنا، هو عن الأقطار التي تغلّبتْ على الأُميّة ولها تقاليد عريقة في تشييدِ الحقلِ الأدبيّ وترسيخ عادة القراءة وعادة شراء الكُتب. في مثل هذه الأقطار، أعلنت الأزمة عن نفسها من خلال ظاهرة تضخُّم إنتاج كميّة الكُتب السنويّة، بخاصّة في حقل الإبداع الروائيّ. وإذا كان للكُتب العلميّة والأكاديميّة جمهورها المُتخصِّص، فإن كُتب الإبداع الأدبيّ ليس لها جمهور مُحدَّد، وقرَّاء مواظبون على اقتنائها، لأن مُنتجيها يتجدَّدون كلّ سنة، ولأن الحاجةَ إلى متابعة الإبداع لا تخضعُ لقانون الطلب؛ ومن ثمَّ فإن العرضَ لا يُلبِّي طلباً محدَّداً كما الحال في بقية مجالات الاقتصاد. بعبارةٍ ثانية، كُتَّابُ الأدب يكتبون وفق تجربتهم وذوقهم الجماليّ ومستواهم الثقافيّ، والقُرَّاء الذين يشترون الكُتب يختارون ما يُلائم ذوقهم وتكوينهم المعرفيّ. وتتجلّى أهمِّية هذا العنصر المُتحكِّم في سوق الكُتب، وبخاصّةٍ الإبداعيّة منها، من خلال ما تسجله المبيعات التي دأبتْ منذ عقودٍ، على تأكيد تفوُّق الرواية على غيرها من الأجناسِ الأدبيّة والفكريّة. ونجد ذلك واضحاً ومُتواتراً في سوقِ الكُتب بفرنسا، حيث بلغ عدد الروايات المعروضة كلّ سنة ما يفوقُ خمسمئة رواية، علاوة على النصوص المُترجَمَة. أمام هذا الإنتاج السنويّ، يحارُ القارئ وتصبح طاقته الشرائيّة قاصرة عن اقتناء ما يستحق القراءة والاعتبار. نتيجة لذلك لم يَعُدْ عدد لا بأس به من الروائيّين، بخاصّةٍ الجدُد منهم، يحظون بالبيع والرّواج. وفي حوارات واستطلاعات نشرتها الصحف الفرنسيّة، منذ أشهر، أعربَ الناشرون والكُتَّاب وأصحاب المكتبات عن هذه الأزمة، موضحين أنها تعود أساساً إلى ظاهرتيْن: الأولى تتمثَّل في الكساد النسبيّ الذي أضحتْ سوق الرواية تعرفه نتيجة لتضخُّم العرض وصعوبة الاختيار، خاصّة أن وسائط التعريف والنقد لم تَعُدْ قادرةً على ملاحقة كلّ ما تلفظه المطابعُ سنوياً. والظاهرة الثانية تتمثَّل في تقلّص عدد الكُتَّاب الذين يتعيّشون من أقلامهم، إذ قلَّ عددُ الذين يبيعون ما بين خمسين ألفاً ومئة ألف نسخة. لكنْ، في الآن نفسه تستمرّ ظاهرةُ الإقبال على الرواية «الأكثر مبيعاً» (البيستْ سيلر)، وإنْ كان عددُ المُستفيدين منها لا يُجاوز أصابع اليد. والمحظوظون من هؤلاء الروائيين يبيعون ما بين خمسمئة ألف ومليون ونصف المليون نسخة. ومعروف أن هذا النوع من الروايات يتوخَّى التسلية، واعتماد الحبكة المُشوِّقة، واللّغة السهلة المسكوكة…

أمام هذه الأزمة التي تواجهُ الكُتبَ الجيّدة، انقسم مَنْ يعملون ويُنتجون في هذا المجال إلى فريقيْن: الفريق الأول يرى أنّ من الضروري أن تستمرّ دُورُ النشر في طبع ما تجدُه مُستحقاً للقراءة، خاصّة من إنتاج الشباب، لكيْ يظلّ الأدب والفكر مرآةً للتحوُّلات المُتبلورة في أعماقِ المُبدعين، والتي لا تجد متنفّساً إلّا في كتابة النصوص الجيّدة…

والفريق الثاني، يدعو الناشرين إلى أن يُمارسوا المزيد من التدقيق والغربَلة عند اختيار ما يستحق النشر، لكيْ لا يؤدِّي تضخُّم عدد الكُتب المنشورة إلى تناقص عدد القُرَّاء وإلى الحيلولة دون تواجد كُتَّابٍ مُحترفين يُراهنون على الإبداع لكسْب قوتِهم والاستمرار في بلورة رؤاهم الفنّيّة والفكريّة…

نحن أمام مأزقٍ دقيق لا يمكن الخروج منه بالاختيار بين الاستمرار في نشر النصوص الجيّدة أو تقليص عددها لحماية دُور النشر وصناعة الكِتاب. ذلك أن «مهنة الكتابة والشعر» هي ذاتُ طبيعة خاصّة تعلو بها على مستوى العرض والطلب، لأنها تلامس المشاعر والأفكار والمُعتقدات، وتنحو صوْبَ: «تكسير بحر الجليد الرابض بأعماقنا»، على حَدِّ تعبير كافكا. إنّ الكِتابة التي تستحق الاعتبار، تعانق بذور الرفض وتدعو إلى تخطي الحدود المُصطنعة الرامية إلى مصادرة الحرّيّة. من ثمَّ، فهي لا يمكن أن تصادف القبول لدى أغلبيّة المُجتمع الملهوفة على مُعانقَة وَهْمِ «السعادة» في الدنيا قَبل الآخرة. لكنْ، لحُسنِ الحظ، أن النصوص الجيّدة تلاقي، في نهاية المطاف، الاعتراف والتقدير والإقبال على قراءتها، غالباً بعد موت مُبدعيها، حين يلتفت النُقَّادُ والحقلُ الثقافيّ إلى أهمِّيّتها. من هذا المنظور، جازَ القولُ بأنّ الكِتابة ليست مهنة مثل باقي المِهَن، بل هي مغامرة واستكشاف ومُجابَهة، يخوض المرءُ غمارَها إذا أراد أن يجهر بمشاعر وحقائق تُحرِّر النفوس والعقول، لا أن يتخذها مهنةً تضمن العيش الرغيد. وإذا أصبحت الكِتابةُ مُطابقةً للمُراوغة، حريصةً على تملُّق جُمهورٍ يبحث عن السهولة والسعادة الوهميّة، فإنها تُصنَّفُ حينئذٍ ضمن المِهَن العَضَليّة!!!

إنيو موريكوني.. الأغزر إنتاجاً والأكثر تنوُّعاً

بمجرَّد المرور على اسم «إنيو موريكوني» Ennio Morricone تحضر في المسامع التيمة الموسيقيّة من فيلم «الطيب والشرس والقبيح» (1966)، وتحديداً ذلك الصوت المُميَّز لذئبٍ يعوي مع الصرخات والهمهمات البشريّة وأصوات الكورال الصاخبة التي تنظمها إيقاعات لطبول تحاكي صوت الخيول الراكضة مدعومة بنغمات الجيتار العنيفة. موسيقى يمكنك أن تسمعها ويمكنك أن تراها، تلك كانت نظرة موريكوني للمُوسيقى التصويريّة الجيِّدة: حين تتحوَّل لخطٍ بصريٍّ موازٍ للصور التي يعرضها الفيلم.

لكن تلك التيمة بقدر ما صعدت بهذا الموسيقار الإيطاليّ لمصاف عرَّابي المُوسيقى التصويرية وأهمهم على الإطلاق في تاريخ السينما، بقدر ما اختزلت تاريخاً طويلاً لموسيقار كان الأغزر إنتاجاً والأكثر تنوُّعاً في القرن العشرين. اللافت أن موريكوني كان يعلن بشكلٍ دائم أنه يكره تلخيصه في هذه المقطوعة، أو في نوعيّة أفلام الغرب الإيطاليّة التي ينتمي لها هذا الفيلم، أو أفلام أخرى من نفس النوعيّة اشتهر بها موريكوني ويراها لا تمثل أكثر من 8 % من الأعمال التي قدَّمها، فمشواره يحتوي على أكثر من 500 موسيقى تصويريّة لفيلم، بجانب عشرات المقطوعات من المُوسيقى الصافية، ومئات الألحان والتوزيعات الغنائيّة.

الجدير بالذكر أن أفلام الغرب الإيطاليّة كانت الهجين السينمائيّ للجونرا التي بدعها الأميركيّون وجسَّدوا فيها ملاحم الأربعينيّات والخمسينيّات في سينماهم، ليُسحر بها الإيطاليّون ويقومون باستيراد سماتها في أفلامهم لاحقاً، مع بعض التحوير والتطوير، فضلاً عن اللغة الإيطاليّة التي نطقت بها تلك الأفلام بالتوازي مع الدبلجة الإنجليزيّة العالميّة. وكان المُنتجون قد اتفقوا على تسميتها بأفلام «سباغيتي الغرب»، تلك التسمية كانت تزعج بعض الفنّانين الذين عملوا في هذه الأفلام، ومنهم إنيو موريكوني نفسه، فكان يرى أن ربط الفنّ بوجبة شعبيّة من المطبخ الإيطاليّ يُعَدُّ نوعاً من التحقير لهذه الأفلام التي كانت في نظر صنَّاعها تمثل ثورةً على السينما التقليديّة، وها نحن بعد عقودٍ نصنِّف بعض عناوينها ضمن الروائع فعلاً.

إنيو موريكوني من مواليد عام 1928 في مدينة روما الإيطاليّة ورحل عن عالمنا في الشهر الماضي. تربَّى إنيو في بيت أسرة من الطبقة العاملة، وتعلَّم المُوسيقى منذ بدايات طفولته بفضل والده الذي كان يعزف آلة الترومبوت بشكلٍ احترافي، ويكسب رزقه من العزف في الملاهي الليليّة، موريكوني الصغير تأثر بوالده، فاحترف العزف على نفس الآلة المُوسيقيّة، وحاول تأليف ألحانه الأولى وهو في السادسة من عمره، متأثراً بالمُوسيقى الكلاسيكيّة التي كان يعرضها الراديو آنذاك، ويمكننا تخيُّل طبيعة هذه المقطوعات التي انطبعت على آذانه البكر بوضعها في إطار المناخ السياسيّ لصعود الفاشيّة في إيطاليا في ذلك التوقيت، فكانت معظمها مقطوعات حماسيّة وثوريّة، أثّرت لاحقاً على طبيعة القطع التي ألَّفها موريكوني في أفلامه وكونشيرتاته، والتي اتسمت دوماً بطابع ملحميّ وحركيّ، وإنْ لم تخلُ من الرهافة والعاطفة المُتدفِّقة بشكلٍ ظاهر أو باطن في كلِّ أعماله، تلك كانت التوليفة التي ميَّزته عن الجميع.

عندما مرض والده، اضطر «إنيو» للنزول للعمل وهو في سنِّ المُراهَقة، وعزف في نفس الأماكن التي كان يعزف فيها والده، لكن ذلك لم يكن سقف الطموح، فبالتوازي كان يدرس المُوسيقى بشكلٍ أكاديميّ في المعهد المُوسيقيّ الإيطاليّ. وفي بداية شبابه انتقل مشواره نقلةً نوعيّة من العزف إلى التوزيع المُوسيقيّ، حيث قام بإثراء صناعة الأغاني الإيطاليّة والجنوب أوروبيّة عموماً في الفترة من مطلع الخمسينيّات وحتى نهاية الستينيّات، كما عمل في التليفزيون والراديو والإعلانات.

إنيو موريكوني
إنيو موريكوني

مع مطلع الثمانينيّات، كبح موريكوني إنتاجه للمُوسيقى التصويريّة، وقرَّر التركيز على التأليف المُوسيقيّ وعرض مقطوعاته في الحفلات، حيث قاد الأوركسترا في عزف أشهر أعماله. وكان يرفض لفترة العمل في هوليوود…

لم يكن فخوراً بعمله كمُوزِّع لألحان غيره، لدرجة أنه طمح لو بقي عمله في التوزيع حينها سراً، رغم ذلك كان مسؤولاً عن ثورةٍ أخرى في هذا المجال، فهو أول موزِّع موسيقيّ يستخدم الأصوات الطبيعيّة والغريبة في توزيعاته، ولم يعتمد على الآلات الموسيقيّة والكلاسيكيّة فقط، كان يستخدم علب الصفيح وأزرار الآلة الكاتِبة مثلاً في توليف الإيقاعات بدلاً من الطبول التقليديّة، واستخدم أصوات الحيوانات والطيور والمُحرِّكات الميكانيكيّة وغيرها من التحويرات على الأصوات التقليديّة، كما انضمَّ لتيارٍ موسيقيّ عُرِفَ وقتها بتيار «التناغُم الجديد»، وهم مجموعة من المُوسيقيّين قادوا حركة طليعيّة في صناعة المُوسيقى، تخلوا فيها عن البناءِ التقليديّ للتوزيعات وصنعوا محاولات للارتجال والتقويض أو ما عُرِفَ وقتها بالمُوسيقى المُضادة. كانت الأغاني المُوزَّعة بتوقيعه دائماً مميَّزة، تجعل نجوم الغناء يقصدونه بالاسم لتوزيع أغنياتهم، وهو ما فتح الباب له أمام تحقيق حلمه الرئيسيّ لاحقا بأن يقدِّم ألحانه الخاصّة.

بعد كلّ التراكمات السابقة، كان دخوله عالَم السينما والمُوسيقى التصويريّة للأفلام مسألة حتميّة. لم تكن خطواته الأولى في هذا المجال مميَّزة، حتى التقى بالمُخرج «سيرجيو ليوني»، الذي كان يجهِّز لفيلمه «من أجل حفنة دولارات» (1964)، ليوني كان زميل دراسة لموريكوني في المدرسة الابتدائيّة وتجمعهما عدّة صور من الطفولة، لكن ذلك لم يكن السبب في تعاونهما المهني، بل ترشيح من أحد المُنتجين، بارك ليوني هذا الترشيح بعدما سمع توزيع موريكوني لواحدة من أغنياته للمُطرب «بيتر تيفيس»، ورأى أنها المُوسيقى المُلائمة لأحداث فيلمه في حال تمَّ حذف المقاطع الغنائيّة منها واستبدالها بعزفٍ موسيقيٍّ منفرد. نجح الفيلم نجاحاً عالميّاً ملحوظاً، وكان البداية لثلاثية سينمائيّة ستكون المُعرِّف الأبرز لنوعيّة أفلام الغرب الإيطاليّ، الفيلم الثاني «من أجل المزيد من الدولارات»، وتنتهي الثلاثية بفيلم «الطيب والشرس والقبيح».

موسيقى موريكوني في تلك الأفلام خير شاهد على النقلة التي أحدثها بفنّ المُوسيقى التصويريّة، والتي لم تقل في تمرُّدها على الثورة التي أحدثها سابقاً في صناعة الغناء. المُوسيقى التي قدَّمها في هذه الأفلام كانت مختلفة اختلافاً نوعيّاً، طبَّق فيها موريكوني نظريّاته عن المُوسيقى المُضادة. لم تكن المُوسيقى ذاتها الشيء المُختلف الوحيد، ولكن طريقة تحضيرها وتوليفها مع المادة البصريّة، حيث كان المُخرج يفضِّل العمل بطريقة تأليف المُوسيقى قبل تصوير المَشاهِد، وكانت تلك المقطوعات تُلعَب في موقع التصوير، بحيث يسمعها طاقم العمل فيتأهل للمزاج الفنّيّ لتنفيذ تلك المَشاهِد، وبأسلوبٍ يتناغم مع المُوسيقى لا العكس.

باختصار ما كان يفعله الثنائي ليوني وموريكوني هو نوع من إضفاء طابع أوبراليّ على صناعة السينما، بحيث تكون المُوسيقى بوصلة رئيسيّة للإعداد المسرحي (Mise-en-scène) وللتوليف، مثلها مثل الدراما المكتوبة في السيناريو. وظلَّ هذا الثنائي يطبقان نفس المنهج في كلّ تعاون بينهما، حتى الأفلام التي ابتعدت عن تصنيف الغرب الإيطاليّ وأبرزها «حدث ذات مرة في أميركا» (1984).

في نفس العام الذي قدَّم فيه موريكوني موسيقى «الطيب والشرس والقبيح»، شارك في وضع المُوسيقى للفيلم الملحميّ التاريخيّ «معركة الجزائر» مع المُخرج جيلو بونتكورفو، كما وضع المُوسيقى التصويريّة لفيلم الغرب الإيطاليّ «نافاجو جوي» مع المُخرج سيرجيو كوبريتشي، وهي المُوسيقى التي أعاد المُخرج الأميركيّ «كوينتن تارانتينو» استخدامها لاحقاً في فيلمه «Kill Bill 2».

ومع عقد السبعينيّات نفض موريكوني عباءة أفلام الغرب، وصنع بموسيقاه روائع السينما ذات الطابع التاريخيّ، في أفلام «دراما الأغنياء» (1974)، والفيلم المُثير للجدل «سالو» للمُخرج بيير باولو باسوليني، و»1900» للمُخرج برناردو بيرتلوتشي. وفي السينما الأميركيّة قدَّم أهمّ أعماله مع المُخرج تيرينس مالك في فيلمه «Days of Heaven» 1978، والذي رشح موريكوني لأوّل جائزة أوسكار عن موسيقاه للفيلم. في تلك الحقبة كان موريكوني غزير الإنتاج بدرجةٍ لا تُصدَّق، وصل لمعدلات 20 فيلماً في السنة، البعض شبَّهه بالمُوسيقار الألمانيّ باخ في غزارته الإنتاجيّة، لكن موريكوني اعتاد التهكُّم على تلك المُقارنة: «باخ كان يؤلِّف قطعة أسبوعيّاً، أنا أؤلِّف قطعة شهريّاً!» لكن برغم هذه الغزارة لم تكن موسيقاه كلها على نفس النمط، لكن متنوِّعة في آلاتها وأفكارها وأمزجتها، فهو موسيقار ذو ألف وجه، وقلب واحد.

مع مطلع الثمانينيّات، كبح موريكوني إنتاجه للمُوسيقى التصويريّة، وقرَّر التركيز على التأليف المُوسيقيّ وعرض مقطوعاته في الحفلات، حيث قاد الأوركسترا في عزف أشهر أعماله. وكان يرفض لفترة العمل في هوليوود تحديداً، لأن أجره عن الفيلم كان أقل من أقل المُوسيقيّين العاملين بهوليوود وأشعره هذا بالظلم، حتى تبدَّلت الأحوال بفيلم «The Mission» (1986)، الذي شكَّلت موسيقاه ظاهرةً في ذلك الوقت، ورشّحت موريكوني لجائزة الأوسكار لثاني مرَّة في مشواره، لكنه لم يفز بالجائزة، وقد صرَّح بعدها بأعوام أنه كان الأحق بها في تلك السنة، خاصّة وأن منافسه الذي فاز في نفس الفئة لم يقدِّم موسيقى أصيلة، وقال موريكوني «شعرت يومها أنني سُرقت». لكن العزاء أن معهد الفيلم الأميركيّ صنَّف موسيقى موريكوني في هذا الفيلم ضمن قائمة بأفضل 25 قطعة موسيقيّة أصيلة في تاريخ السينما الأميركيّة.

وفي عام 1988 قدّم موريكوني واحدةً من أهم إسهاماته المُوسيقيّة بالفيلم الإيطاليّ «سينما باراديسو مع المُخرج جوسيبي تورناتوري، حيث شارك إنيو مع نجله أندريا في وضع المُوسيقى لهذا الفيلم، وفاز عنه موريكوني بجائزة (البافتا)، كما فاز الفيلم بأوسكار أفضل فيلم أجنبيّ وبجائزة لجنة التحكيم الكبرى من مهرجان (كان). وكرَّر موريكوني التعاون مع نفس المُخرج في أفلامه اللاحقة، وأبرزها الميلودراما الإيروسية «مالينا» التي صنعت نجوميّة المُمثلة مونيكا بيلوتشي. 

لم يكن موريكوني مقتنعاً بأن للموسيقى معنى أدبيّاً تستطيع الكلمات شرحه، لكنه كان على يقين بكون المُلحن يعي ما بداخله، السبب الذي يجعله يبدأ جملته المُوسيقيّة وينهيها بهذه النغمة أو تلك. يقول: «كلُّ مؤلِّفي المُوسيقى يملكون نفس الآلات والنغمات، لكن التحدِّي في كيفية الخروج بقطعة أصيلة بأدوات ليست أصيلة». وهو التحدِّي الذي فاز به على مرّ مشواره، لم يصنع موريكوني قطعاً موسيقيّة أصيلة وحسب، بل صنع من الأفلام أفلاماً موازية بموسيقاه.

ورغم ذلك لم يفز موريكوني بأيٍّ من جوائز الأوسكار الخمس التي ترشَّح لها، الأمر الذي وضع الأكاديميّة في حرجٍ أمام تأثيره الضخم في صناعة هذا الفنّ، لتمنحه في عام 2007 جائزة أوسكار شرفيّة عن مُجمَل أعماله. لكن في عام 2016 اقتنص موريكوني أول جائزة أوسكار تنافسيّة بترشيحه السادس عن موسيقاه لفيلم «الثمانية البغيضون» للمُخرج كوينتن تارانتينو، والذي قاده يداً بيد لمنصة التتويج وعُمر موريكوني وقتها سبعة وثمانون عاماً. تارانتينو شعر بأنه كان سبباً في إعادة التقدير الضائع لموريكوني، وقد كان المُخرج الأميركيّ واحداً من معجبيه المُخلصين وطالما استخدم مقطوعاته في أفلامه وطلب منه التعاون مهنيّاً في أكثر من مناسبة، لكن جدول موريكوني لم يكن يسمح لسنين طويلة. صرّح تارانتينو لاحقاً بأنه يرى موريكوني بين عظماء العظماء من مؤلِّفي المُوسيقى، وتابع: «لا أقصد فئة المُوسيقى التصويريّة، بل فئة موتزارت وبيتهوفن».

مهن «الباك أوفيس».. الشرف المُستعاد!

لطاما تغنَّت النزعة الفرديّة الليبراليّة بوهم غياب المُجتمع. ولكن ماذا لو كان من بين الدروس المُستفادة من جَائِحة كورونا إعادة الاعتبار للمهن المُستهجنة (مهن الباك أوفيس back office)، ووضعها تحت دائرةِ الضوء؟ تلك هي فرضيّة عَالِم الاجتماع «دوني مايار Denis Maillard»، الذي يدعو إلى إعادة التفكير في الصراع الطبقيّ وفق أسسٍ جديدة. 

نص المقال:

في كتابه «رصيف ويغان – Le quai de Wigan» والصادر سنة 1937، يتحدَّث جورج أورويل عن عُمَّال المناجم العميقة في شمال إنجلترا، إذ يشبههم بتماثيل «كارتيد قذرة»، لأنّ حياة المجتمع بكامله تتوقَّف على نتيجة كدحهم تحت الأرض. إنّ عملهم القائم على استخراج الفحم هو في الواقع «عَالَم بعيد ومختلف، من الوارد جداً للمرءِ ألّا يراه ولو مرّةً واحدةً طيلة حياته، بل من المُحتمل أن معظم الناس يفضلون ألّا يسمعوا عنه شيئاً. مع أنه يشكِّل في حقيقة الأمر النظير الإلزاميّ لعَالَمنا الفوقيّ». وبالتالي، فإننا نعتمدُ عليه في «جميع الأنشطة التي نمارسها تقريباً، سواء أتعلَّق الأمر بتناول الآيس كريم، أو عبور المحيط الأطلسيّ، أو طهي الخبز، أو كتابة رواية». 

وفي فرنسا، لم يعد هناك وجود لعُمَّال المناجم، ولكن ظهرت فئةٌ أخرى شغلت موقعهم في المُجتمع، وهي فئة المُشتغلين بمهن «الباك أوفيس»، أي صغار العُمَّال، وَقّادو الاقتصاد- من عُمَّال التوصيل إلى أُمناء الصندوق- الذين خاطروا بحياتهم، إلى جانب مُقدِّمي الرعاية الصحيّة، للحفاظ على الخدمات الأساسيّة، وذلك منذ شهر مارس/آذار وإلى الآن. فالحَجْرُ قد سلَّط الضوءَ على دورهم الحيويّ داخل المُجتمع، كما سلّط الضوءَ أيضاً على البنية التحتيّة التي يقوم عليها النظامُ الاقتصاديّ والمُجتمع ككلّ.

إن عبارة «الباك أوفيس» (وتعني حرفيّاً: المكتب الخلفيّ) يمكن أن تخلق بعض الالتباس: ففي المقاولات، تستعمل عبارة «الفرونت أوفيس» (وتعني حرفيّاً: المكتب الأماميّ) لتسمية المُوظفين الذين هم على اتصالٍ مباشر مع العملاء أو الزبائن أو المرضى. و«الباك أوفيس» يشير إلى أولئك الذين ينتجون البضائع، وينقلونها، ويقومون بتوصيلها. ولسوء الحظ، فإنّ هذا التمييز، الذي هو وصفيٌّ بحتٌ، لا يعكس المكانة التي يشغلها كلّ فرد، بشكلٍ ذاتيّ، في عملية الإنتاج، فضلاً عن أنه لا يترجم التجربة الحيّة للعمل الذي يستمده منها.

دعائم المُجتمع غير المرئيّة

ومع ذلك، يمكننا أن نتحدَّث عن «المكتب الخلفيّ للمُجتمع»، لأن هذه المهن الأساسيّة تمثل البنية التحتيّة الضروريّة لنا من أجل الحصول على الطعام والرعاية الصحيّة والأمن والتعليم. والواقع أن مجتمع الخدمات، الذي بتنا نعيش فيه الآن، قد عمل بشكلٍ مضمر على إعادة توزيع أساسيّة للأدوار الاجتماعيّة، حيث رسم مع مرور الزمن معالم مجتمع منقسم بين أولئك الذين يقفون على الجانب غير المرئي من العمل، المُجبرين على خدمة الغير- الباك أوفيس- وأولئك الذين يتمتَّعون بالوقوف على الجانب المرئيّ من العمل والمُعترف بقيمته، حيث تتنامى قدراتهم وتزداد – الفرونت أوفيس. ويضم الباك أوفيس عدداً لا يُحصى من المهن المُسخَّرة لدعم وخدمة الأشخاص الذين يشغلون مناصب تحظى بأكبر قدرٍ من الاحترام ومن القيمة، إِنْ على المستوى المالي أو الرمزي.

وتندرج هذه المهن ضمن فئاتٍ ثلاث: أولاً البنية التحتيّة اللوجستيّة، المُتكوِّنة في الغالب من الذكور (جامعو النفايات، عمال الشحن والتفريغ، سائقو الرافعات، وعمال النقل والسائقون على اختلاف أنواعهم، وأمناء التخزين وعُمَّال التوصيل… إلخ)؛ تأتي بعدها البنية التحتيّة التجاريّة، وتضم 70 % من الإناث (المُكلفات باستخلاص الأثمنة، البائعات، ولكن أيضاً حراس الأمن، وغاسلو الصحون، والنوادل، والمضيفات، ومُقدِّمو الخدمات عن بُعد… إلخ). وأخيراً، البنية التحتيّة الصحيّة والمنزليّة المعروفة أيضاً باسم مهن الرعاية «Care» وتضم 75 % من الإناث، حسب مركز الدراسات Ifop، (عاملات الحضانة، والمُربيّات، والمُشتغلات بالبيوت ،وعُمَّال الصيانة، وفنيّو البستنة، والمُتعهِّدون برعاية كبار السنِّ، ومساعدو التمريض والمُمرضات، ولكن أيضاً المُعلِّمون). ولا يملك هؤلاء العُمَّال، الذين يعاني معظمهم من الفقر، حرّيّة اختيار مكان العمل أو توقيته أو ظروفه أو الشروط المُنظِّمة له. فتكون النتيجة مزيداً من التشدُّد والتكثيف في العمل مما يُعرِّضهم لمشقةٍ كبيرة.

بيد أن الفترةَ الاستثنائيّة التي نعيشها سلَّطت عليهم الضوءَ بشكلٍ غير متوقَّع، إذ إنهم حصلوا على اعترافٍ لم يكن أحد يُبديه لهم من قَبل. ينضاف إلى ذلك اكتشافٌ فلسفيّ: إذ إنّ مفهوم الباك أوفيس بقدر ما هو اجتماعيّ فهو ظاهراتيّ، بل أنثروبولوجيّ أيضاً. إنّ الضوءَ الذي سلّطته الأزمة على هذه المهن يتيح لنا الغوصَ مباشرةً في قلب البناء الاجتماعيّ لفهم الكيفيّة التي يشتغل وفقها، سواء على المستوى الواقعيّ أو على المستوى الرمزيّ.

يمكن القول بأن وجود الباك أوفيس جاء ليمثِّل تجسيداً اجتماعيّاً واقتصاديّاً للديموقراطيّة الليبراليّة كمشروعٍ فلسفيّ. وكما تنبَّأ بذلك كلٌّ من «ألكسي دو توكفيل  Alexis de Tocqueville» أو «بنجامين كونستان Benjamin Constant» في القرن التاسع عشر، فإنّ المجتمع تمَّ تنظيمه بحيث يمكن لأفراده أن يعيشوا ويضمنوا لأنفسهم فرص النماء الذاتيّ دون أن يهتموا لشأن المجتمع نفسه، ولا للكيفيّة التي تجعله قائماً، بل دون أن يهتموا لوجوده أصلاً. وهذا ما وصفه كونستان بـ«حرّيّة العصر الحديث». وبفضل الدولة والحقوق الفرديّة التي تضمنها، يمكننا أن نعيش «منفصلين – معاً». فمن وجهةِ نظرٍ فلسفيّة، يعتمد الجميع على حقوقهم الفرديّة لشق طريقهم وتحقيق نمائهم الذاتيّ دونما الاهتمام بالآخرين. أمّا من وجهة نظر ماديّة، فالجميع يعتمد على مهن الباك أوفيس لتحقيق هذا النماء الذاتيّ. ومع أن الباك أوفيس يمثل العنصر الماديّ الملموس الذي يتيح لنا العيش في المجتمع إلّا أنه يظلّ غير مرئي. ولا تنكشف هذه الحقيقة الاجتماعيّة إلّا خلال الأزمات. ومنذ 15 مارس/آذار، قفز الباك أوفيس إلى دائرة الضوء وأصبح مرئيّاً وأساسيّاً في نظر الكلّ. ورأينا الجميع يقف ليشكرهم ويصفق لهم ويعترف بدورهم. ولكن هل يعني ذلك أنهم سيأخذون حقوقهم؟ وهل يكون لهم وزنٌ في «عالم الما بعد»؟ هل تكون الحفلة قد انتهت فور بدايتها؟

هناك عِدّة أخطار تتهدَّد مهن الباك أوفيس: ومن عجيب المُفارقات أن تأتي في مقدِّمة هذه الأخطار «المُكافأة» التي وُعِدَ بها مَنْ يعملون بالمستشفيات باعتبارهم كانوا على الخطوط الأماميّة في مواجهةِ الوباء. إذ يمكن لهذه المُكافأة أن تصم الآذان عن مطالب قطاعات الباك أوفيس الأخرى التي لا تقلّ أهمِّيّة ولا مشروعيّة عن مهن الرعاية الصحيّة، خاصّة وأن من المُنتظر أن نشهد وضعاً يغلب عليه الكثير من التناقض: فمن ناحيةٍ، سيتم تسريح عددٍ هائل من العاملين في القطاعات التي لن تستطيع العودة بسهولة إلى سابق عهدها قبل الوباء؛ ومن ناحيةٍ أخرى، ستعرف ظروف العمل تشديداً بالنسبة لجميع مَنْ سيحافظون على وظائفهم في أقسام مُعيَّنة من ميدان الخدمات اللوجستيّة وميدان الرعاية. وفي ظلّ هذه الظروف، لا يتوقَّع حدوث زيادة في المُرتبات.

وعلاوةً على ذلك، فإنّ الفترةَ القادمة ستكون فرصةً مواتية لبروز ظاهرةٍ أخرى، وهي تعويض الإنسان بالآلة في هذه المهن. إذ سيهم ذلك بالخصوص جزءاً من موظفي الباك أوفيس العاملين في الخدمات اللوجستيّة أو المُكلّفين بالبيع. فعالم «اللا تلامس» الذي فرضه الحَجْرُ من المُنتظر أن يمتدَّ بسرعة ليُغيِّر شكل المهن الروتينيّة التي يمكن فيها للآلة أن تعوِّضَ الإنسان. ولما أصبح الحفاظ على الصحة يقتضي التباعُد فهذا يعني إعادة هيكلة كاملة لسوق العمل في اتجاه الحَدِّ من الاتصال البشريّ؛ وهناك صلة وطيدة بين التشغيل الآليّ ومكافحة الوباء. وهذا الأمر يهمُّ مثلاً موظفات استخلاص الأثمنة اللائي يتحدَّث الجميع حالياً عن جدارتهن، وعن شجاعتهن. ولكن الحظر الصحيّ الذي يجعلهن مفيدات اليوم قد يكون هو نفسه السبب في تسريع اختفائهن في المستقبل؛ وينطبق الأمر نفسه على أمناء المخازن والمُعِدِّين الذين أصبح متاحاً اليوم تسييرهم عن طريق التحكُّم الصوتيّ. يبدو أن الظروف كلّها تتضافر في اتجاه نشأة عالم يكون فيه الشرف المُستعاد لمهن الباك أوفيس قصير العمر. والمجهود السياسيّ الرامي إلى توحيد هذه المهن وحمايتها والدفاع عنها سيشكّل أكثر من أي وقتٍ مضى الرهان الأقوى خلال «مرحلة الما بعد».


دوني مايار 

المصدر:

Philosophie Magazine, يونيو 2020

صناعة النشر بعد الوباء

في وقتٍ مُبكِّر من تفشّي جَائِحة كورونا، تمَّ تداول سؤال في مجتمع الكِتابة مفاده أنّ شكسبير ألَّفَ «الملك لير» أثناء الحَجْر الصحيّ زمن الطاعون الدبلي. ما لم يتطرَّق له السؤال، والذي يمكن أن يكون أكثر فائدةً للكُتَّاب، كيف تغيَّر مجتمع المسرح بينما كان شكسبير في الحَجْر الصحيّ؟ هل خرج رواد المسرح من الحَجْر المنزليّ في القرن السابع عشر متعطشين للترفيه؟ هل أقبلوا على الأعمال الترفيهيّة أم الجادة بعد أشهر من التحديق في جدران منازلهم؟ وهل ابتعدوا عن مسرحيّات الطاعون؟

بينما تستعد الشعوبُ للخروج مرةً أخرى من الحَجْر الصحيّ، سيواجه مجتمع النشر أسئلةً كثيرةً من هذا النوع، رغم تكيُّفها تماشياً مع مقتضيات عصرنا. سيترك الوباء تأثيراتٍ دائمة على المُؤلِّفين والمُحرِّرين، والوكلاء والقُرَّاء. بأي شكلٍ سيظهرون؟ 

… بعد التحدُّث مع أشخاصٍ من جميع الجهاتِ في هذه المسألة، أمكن لنا معرفة بعض التوقُّعات.

رواية الوباء العظيم غير مطروحة

هناك حقيقةٌ معلومة في عَالَم النشر: تزدهر مبيعات الرومانسيّة خلال الأوقاتِ الصعبة. عندما يكون البقاءُ غير مؤكَّد، يلجأ معظم الناس إلى أي شيء يمكن أن يصرف انتباههم عن الكارثة، ويبعد عنهم ذكراها السيئة في حياتهم. والسؤال هو كَمّ من الوقت يحتاج الناس للبقاء بعيداً عن الواقع؟ هل يمكن أن تزدهر الكُتب الوبائيّة على المدى القريب؟ أم أننا على بُعد عقدٍ من ظهور كتابات أدبيّة عن الجَائِحة الراهنة؟

لكن التاريخ يرجِّح هذا الاحتمال الأخير. أفضل الكُتب عن حرب العراق، وإعصار كاترينا، وأحداث 9/11 – وجميع الأحداث الثقافيّة التي ميَّزت العشرين سنة الماضية- قد ظهرت بعد سنواتٍ من تلك الأحداث. يحتاج الناس إلى مساحةٍ للفهم، ووقتٍ للمُعالجة، ولا يقتصر هذا الحدث على يومٍ أو أسبوع. تستمر عواقب الوباء في الظهور بعد أشهرٍ من اكتشاف الفيروس. وغالبية الناس لا يفضلون في الوقت الحالي قراءة القصص الخياليّة أو الواقعيّة التي تُركِّز على (كوفيد – 19).

وهناك أدلةٌ قصصيّة تؤكِّد ذلك. تقول آن بوغل، التي تستضيف بودكاست الكُتَّاب بعنوان «ما يجب أن أقرأه لاحقاً؟» إنّ معظم القُرَّاء الذين تحدَّثت معهم يريدون الترفيه المُمتع. «يرغب مجتمعنا في قراءة الكُتب التي تبعدنا عن الواقع، والمُناسِبة لفتراتِ اهتمامنا الجماعيّ، سواء القصيرة أو الآنية. نحن نريد كُتباً لا تتطلَّب الكثير من الجهد الذهنيّ».

ربَّما لا يرغب الأشخاصُ الذين يواجهون الموتَ، والصعوباتِ الماليّة، وانعدام الأمن الوظيفيّ على أرض الواقع في قراءة تلك المواضيع في الروايات. تقول سيندي هوانج، نائبة رئيس مجموعة بيركلي للنشر ومديرة التحرير: «معظم الأشخاص يرغبون في قراءة مواضيع تنسيهم تفاصيل الحياة من حولهم». «الكثير من الناس يبحثون عن شيءٍ ما، ولو لبضع ساعات، يخفِّف عنهم وطأة ظروفهم الصعبة».

الكاتِبة مورجان بادن ليست استثناءً. «في الوقت الحالي أفضّل أن لا أكتب أو أقرأ (أو أشاهد أو أسمع) أي شيءٍ عن الأوبئة ووضعيّات الإغلاق والتباعد الاجتماعيّ. «أريد أن أهرب»، تقول بادن، بعد أن أجبرت على الحَجْر الصحيّ مع ابنتها البالغة من العمر 5 سنوات، وابنها البالغ من العمر 3 سنوات، وزوجها، عندما كانت بصدد الانتهاء من تأليف كتاب مدرسي. «أستمتع بشيء خفيف وسحري مع كتاباتي الآن، وحتى خياراتي في القراءة بدأت تميل نحو القراءات الشاطئيّة والسَّحرة. أظن أن العديد من القُرَّاء يعيشون التجربة نفسها، لذلك لن أتفاجأ بالإصدارات العديدة في السنتين أو الثلاث سنوات القادمة التي تميل كثيراً للفكاهة والمرح».

لدى بعض الكُتَّاب رغبةٌ للكِتابة عن الوباء

الكُتَّاب جزءٌ من هذه البشريّة. هم في الغالب يريدون تناول الكربوهيدرات، والإفراط في مشاهدة (نتفليكس)، وتطهير البقالة أثناء الحَجْر الصحيّ، لكنهم في النهاية، شعروا بهذا الميل. والكُتَّاب يعالجون القضايا باستخدام كلماتنا.

تساعدنا الرمزيّة والقياس والاستعارة على فهم ما يربكنا. في ذاكرتنا الحديثة، لم تظهر مشكلة وطنيّة محيّرة وأكثر إلحاحاً أو إحباطاً من الوباء.

تُفكِّر أدريانا هيريرا في الكتابة عن مشاكل الحياة الواقعيّة الضرورية للتحضير لمسلسلها الرومانسيّ Dreamers. وتقول إنها ستتطرَّق على الأرجح للفيروس التاجيّ في إحدى كتاباتها المستقبليّة: «أعيش في مدينة نيويورك، وكان تأثير (كوفيد – 19) هنا عميقاً جدّاً، وقد يُجبرني على الكِتابة عن بعض جوانب الجَائِحة في مرحلةٍ ما». «أميل إلى استكشاف مواضيع مثل العدالة الاجتماعيّة وتأثير أنظمة القمع على المُهمَّشين، والتأثير المُدمِّر وواسع النطاق الذي أحدثه هذا الفيروس على الأسر ذات الدخل المُنخفض».

الكُتَّاب الذين يكتبون حكايات وتجارب تتعلَّق صراحةً بالعام 2020 يجب أن يقرِّروا ما إذا كانوا سيتطرَّقون لتفشِّي المرض في مواضيعهم. تعمل ميريديث تالوسان، التي أصدرت مذكراتها مؤخَّراً في مايو/أيار، على رواية تدور أحداثها في صيف عام 2021. أدركت أثناء الحَجْر الصحيّ أنه يجب أن تعيد صياغة أجزاء من الكِتاب: «الفصل الأول يدور حول حفل عشاء يُقام في يونيو 2021». «لقد بدأت بالفعل في إجراء بعض المُراجعات، مع تدوين المُلاحظات لنفسي حول ما قد يكون مختلفاً في ذلك الوقت».

كيفين بيغلي، مؤلِّف رواية «كومافيل» Comaville، يُراوح بين سنوات 1850 إلى 1980 و2020 في روايته الثانية، التي هي الآن قيد التنفيذ. قبل بضعة أشهر، بدأ في كتابة قسم 2020، لكنه يشعر بعدم التأكُّد من كيفيّة المُتابعة. «إذا بدأت بكتابة القصّة الآن، فمَنْ سيقول بأن القصّة ستستمر حتى يوليو؟». «أعمل إلى حَدٍّ ما على تأجيل قراري لبعض الوقت للتريُّث وتوضيح الرؤية. أو ربَّما سأقوم بإعادة الأحداث إلى 2019 بدلاً من ذلك. أنا أوازن بين جميع هذه الخيارات».

ويتوقّع المُحرِّرون أن يؤثّر الوضعُ الحالي على التقديمات المُتوقَّعة. تقول ديان موغي، نائبة رئيس التحرير في «Harlequin»: «في الرومانسيّة، على سبيل المثال، أتوقَّع أننا سنشهد زيادةً في مقترحات المخطوطات التي ستتضمَّن عناصر من أدب المدينة الفاسدة، وأخرى تنطوي على القُرب القسري. أن تكون محاطاً بالثلوج في مقصورة، كمثال، كان دائماً مُغامَرة رومانسيّة شعبيّة». «أنا متأكّدة من أن العديد من المُؤلِّفين يعملون الآن على قصصٍ عن بطلة يتمُّ عزلها مع رجل – عدوها اللدود. أتوقَّع أننا سنرى أيضاً المزيد من الأبطال والبطلات الواقعيّين- العاملين في مجال الرعاية الصحيّة والشرطة، وما إلى ذلك- يصبحون رواداً في الرومانسيّة مستقبلاً». 

تسويق الكتب سوف يكون على أكتاف المُؤلِّفين بالأساس

حتى قبل الوباء، يقوم معظم المُؤلِّفين بتسويق كتبهم بأنفسهم. لقد مرَّت سنوات وسنوات منذ أن عرض الناشرون خدماتهم على أي شخصٍ باستثناء كبار الكُتَّاب أصحاب أعلى المبيعات.

كان لدى بوغل مواعيد لجولة مقرَّرة في جميع أنحاء البلاد خلال فصل الربيع للترويج لكتابها الثالث الذي تمَّ إصداره مؤخَّراً، (لا تفكِّر فيه كثيراً). بعد أن وصلت إلى كونيتيكت ونيويورك في أوائل مارس، اضطرت لإلغاء الجولة.

ثم جاءت فكرة الانطلاق: تواصلت مع مؤلِّفين آخرين عبر مجموعة من الأعمال بهدف الترويج لجولة كتاب بعنوان «ألزموا منازلكم»، سلسلة من الأحداث التي استضافتها في أواخر مارس/آذار وأوائل أبريل/نيسان عن طريق مؤتمرات الفيديو، تسمح للقُرَّاء والمُعجبين بتسجيل دخولهم للمنصة في وقتٍ محدَّد والاستماع للمُؤلِّفين بصدد مناقشة أعمالهم.

تقول بوغل، التي روَّجت للجولة في مدونة أسلوب حياتها الثرية بالكتب، Modern MrsDarcy.com: «ما كنا نحاول القيام به من خلال جولة الكِتاب «ألزموا منازلكم» كان استنساخاً قدر الإمكان لتجربة الذهاب إلى حدثٍ مجانيّ في المكتبة المحليّة المُستقلّة». «أعتقد أنه قد يكون من المُحبط حقّاً أن يتمَّ سحب وسيلة رئيسيّة للترويج من بين يديك. إنها طريقة سهلة للتواصل مع القُرَّاء وفي غاية الأهمّيّة للمبيعات، وللمعنويّات أيضاً».

لقد سارت الأمور بشكلٍ جيّد لدرجة أن بوغل تنوي القيام بجولات كُتبٍ افتراضيّة إضافيّة في المستقبل. قد يشعر الناشرون أن مثل هذه الخيارات (التي لا تتطلَّب جهداً أو مالاً) قد تكون مناسبةً، ويمكن اعتمادُها بعد الوباء أيضاً.

التقديمات الإجماليّة يمكن أن ترتفع

بغض النظر عن مزحة «الملك لير»، فإن الوباء منح بعض الكُتَّاب الوقت الذي سلبته منهم مشاغل الحياة «العادية». على سبيل المثال، أولئك الذين ربما قضوا ليلة الأربعاء، لنَقُلْ، في مشاهدة مباراة كرة قدم للأطفال أو حضور اجتماع في الكنيسة، قد حصلوا من حيث لا يعلمون على ساعاتٍ إضافيّة للكتابة. يتوقّع المُحرِّرون أن يؤدّي ذلك إلى ارتفاع في نسبة التقديمات. تقول ديان موغي: «من المُؤكَّد أننا سنشهد زيادةً في أعداد الطلبات، لأنَّ الكُتَّاب الذين لديهم أوقات فراغٍ أطول سيجدون الوقتَ للانتهاء من الكُتب التي تحدَّثوا عنها طويلاً».

ومع ذلك، لن يستفيد جميع الكُتَّاب من أوقاتِ الحَجْر الصحيّ للكِتابة. الكِتابة ليست وظيفة بدوامٍ كامل لمعظم هؤلاء الكُتَّاب. قد تجعل الظروف الطارئة على غرار تسريحات العُمَّال المُؤقّتة والإجازات وتحديّات رعاية الأطفال من تخصيص أوقاتهم بالكامل للانتهاء من أعمالهم قيد الكتابة أمراً مستحيلاً.

وبطبيعة الحال، لدينا مشاكل صحيّة خطيرة يجب التعامل معها أيضاً. هذا ما حدث مع الكاتِبة والمُحرِّرة المُستقلّة باربرا إيفرز ودفعها لتأجيل روايتها بعد أن التقت هي وحفيداها اللذان تربيهما مع طبيبٍ مُصاب (بكوفيد – 19) في مارس/آذار الماضي. أجبرت على الالتزام بالحَجْر الصحيّ لمدة 14 يوماً. تقول إيفرز: «استنزف هذان الأسبوعان كلّ جهدي وأنا أحاول توعية الطفلين بضرورة الحذر أكثر». «كان ذلك صعباً منذ البداية، لكنه ازداد سوءاً بعد ذلك. خلال تلك الفترة، لم أنجز أي عمل من أي نوعٍ كان، وكنت أخلد إلى الفراش مرهقةً كلّ ليلة».

قد يلجأ بعض المُؤلِّفين للكتابة استجابةً للضغوط الهائلة بسبب الوباء. تقول موغي: «أعلم أنه من الصعب على المُؤلِّفين تجاهل الأحداث التي تدور في العالم من حولهم». «في الواقع، سيحوِّل بعضهم تلك الأحداث إلى مصدر للإلهام، وأنا أعلم أيضاً أن العديد من مؤلِّفينا سيشعرون بالراحة طالما أنهم يُؤلِّفون كُتباً تهدف بالأساس لاستكشاف الرحلة إلى نهاية سعيدة – بكشف الجوانب الإيجابيّة في الحياة».

متاجر الكُتب ستتغيَّر، لكننا لا نعرف كيف؟!

هناك ثلاثة عوامل رئيسيّة أثّرت على بائعي الكُتب خلال جَائِحة كورونا:

1. لم يتمكّن الناس من مغادرة منازلهم للذهاب إلى المكتبات.

2. الحَجْر الصحيّ أجبر المتاجر على الإغلاق لضرورة التباعُد الاجتماعيّ.

3. أدّى الارتفاع الكبير في البطالة إلى انخفاض عدد المُشتريات الاختياريّة، مثل الكُتب.

وقد استجاب باعة الكُتب بطرقٍ ذكيّة لجمع الأموال وجذب العملاء. أطلقت ما لا يقل عن عشرين مكتبة لبيع الكُتب حملاتٍ GoFundMe لجمع الأموال بهدف تغطية نفقات الإيجار، والمرافق، والرواتب. واستخدم باعة كُتب آخرون وسائل التواصل الاجتماعيّ لطلب الدعم بالتشجيع على الشراء عبر الإنترنت. وطوَّر الكثيرون أفكاراً جديدة لبيع الروايات في الوقت الذي نكافح فيه الفيروس المُستجَد. عقدت Midtown Scholar، المكتبة المُستقلّة بهاريسبورغ، بنسلفانيا، سلسلةً من محادثات المُؤلِّف الافتراضيّة بدلاً من المُحادثات الشخصيّة. واستضافت MahoganyBooks في واشنطن العاصمة أندية كُتب افتراضيّة على منصة Facebook Live. «نحن نبذل قصارى جهدنا لدعم باعة الكُتب خلال هذه الفترة، بما في ذلك تذكير القُرَّاء بإمكانية الوصول إلى الكُتب الإلكترونيّة، وسهولة التسليم إلى المنزل»، كما تؤكِّد موغي. وتضيف «إن ما يخبئه المُستقبل لمحلات بيع الكُتب يعتمد إلى حدٍّ كبير على مدى سرعة عودة الحياة إلى (وضعها الطبيعي)».

وتقول هوانج: «بصراحة، نأمل أن تتمكَّن الكثير من المتاجر من العودة بعد أن أغلق جلّها». «إنه فظيع حقّاً. ونأمل أن تستمر الكثير من المكتبات في الحصول على تمويل أيضاً، بمجرَّد إعادة فتح كلّ شيء. أشعر أنه من السابق لأوانه معرفة ذلك، لكنني أرى الكثير من الناس يتجهون إلى الكُتب الإلكترونيّة، لأنهم لا يقلقون بشأن التسليم». وقد يصبح ذلك أيضاً إرثاً دائماً للوباء. 

حالة عدم اليقين، والخوف، والأمل – كلّها أجزاءٌ من قصّةٍ مثيرة، ولكن بالنسبة للنشر الوبائيّ، النهاية لم تكتمل بعد.


توني فيتزجيرالد 

المصدر: The Writer، يونيو 2020

اقتصادُ التنمية الذاتيّة

خلال العقدين الماضيين، هيمنت كُتب «التنمية الذاتيّة» (الورقيّة، الإلكترونيّة، والصوتيّة) على قوائم الكُتب الأكثر مبيعاً، بالأسواق العالميّة كما العربيّة، وأضحت تنافس مبيعات الروايات وكُتب العلوم الإنسانيّة؛ إذ لم تتفوَّق عليها في كثيرٍ من الأحيان. لكننا اليوم، نشهد طفرةً متواصلة في مجال «أدب المُساعدة الذاتيّة» أصبحنا بموجبها أمام «صناعة واقتصاد للتنمية الذاتيّة» قارب رقم معاملته 12 مليار دولار سنة 2019 بالولايات المُتحدة الأميركيّة لوحدها وفقاً لتقرير مركز (Marketdata Enterprises).

لم نعد نتحدَّث عن كُتب ودورات وحلقات تُقدَّم من قِبَل كُتَّاب، باحثين، أشخاص ناجحين أو عوام من أجل تحسين حياة الناس فيما يشبه السرد الأدبيّ الممزوج بإرشادات نفسيّة واجتماعيّة ومقولات فلسفيّة لتشكيل الذات الاجتماعيّة، وإنما عن اقتصاد وصناعة مُرسمَلة تُستثمَر في التفاوتات الاجتماعيّة، اللايقين، حلم النجاح السهل ورهان تحقيق العيش الكريم وتحوُّلات العصر الرقميّ من أجل تقديم كُتب رقميّة وصوتيّة، دورات تكوينيّة، برامج معلوماتيّة، مدربين ومحفِّزين، معاهد ومراكز للتدريب… سمحت للبعض بتقاسم تجاربه ونجاحاته مع العموم وفتحت المجال أمام آخرين للعب على اللاشعور الجمعيّ بهدف تحقيق المكاسب الماديّة. فما هي مقوِّمات اقتصاد التنمية الذاتيّة خلال العصر الرقميّ؟ كيف انتقلنا من أدب للمساعدة الذاتيّة نحو اقتصاد التنمية الذاتيّة قائم على نمط اقتصاد الماد ماكس النفسي (الندرة=اليقين، النجاح، العيش الكريم…)؟ وإلى أي حَدٍّ يمكن القول بأن «اقتصاد التنمية الذاتيّة» يعيش عقده الذهبيّ بالعَالَم العربيّ؟ 

«إذا كنت تبحث عن كتب المساعدة الذاتيّة، فلماذا تقرأ كتاباً كتبه شخصٌ آخر؟ هذه ليست مساعدة ذاتيّة، إنها مساعدة! لا يوجد شيء اسمه مساعدة ذاتيّة. إذا قمت بها بنفسك، فلن تحتاج إلى مساعدة»، بهذه العبارة نبَّه الناقِدُ الاجتماعيّ الأميركيّ «جورج كارلن George Carlin» إلى البُعد الاقتصاديّ والماديّ المُحرِّك لكتب المُساعدة والتنمية الذاتيّة خلال سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي، والتي تبيِّن بوضوح القدرة «العجيبة» للمنظومة الرأسماليّة على إعادة تسليع المآسي التي تنتجها (التفاوتات الاجتماعيّة، اللايقين…) في ثوب وصفات جاهزة للنجاح السهل والنجوميّة الوهميّة. بعد عقودٍ، وبفعل تحوُّلات العصر الرقميّ، تبيَّن بالملموس أن الطابع المُقاولاتي للمنظومة الرأسماليّة وقدرتها على هدم وإعادة تشكيل العالم قد جعلها تنتقل من مستوى أول لتسويق السلع الحقيقيّة (الموارد الطبيعيّة…) إلى مستوى ثانٍ لتسويق السلع غير الحقيقيّة (الأرض، الطبيعة، والإنسان) نحو مستوى ثالث لتسويق الندرة (اقتصاد الماد ماكس)؛ لكن هذه المرّة ليس النفط، السماد أو الماء (كما في سلسلة أفلام (Mad Max))، وإنما النجاح، النجوميّة، الثروة، اليقين، والعيش الكريم، وغيرها من مرتكزات الحياة الإنسانيّة التي فُقِدَتْ بفعل تفضيل نمط المساواة في الحظوظ والفرص الاقتصاديّة على نمط المُساواة في المواقع الاجتماعيّة. 

ظلّت مقولة المُساعدة الذاتيّة ملازمةً لتاريخ الأدب الإنسانيّ، بحيث يُعَدُّ كبار الكُتَّاب والروائيين موجِّهين حقيقيّين فيما يتعلَّق بالمسائل الاجتماعيّة، النفسيّة، الوجدانيّة، والوجوديّة. إننا نقرأ الروايات، على سبيل المثال، من أجل استلهام تجارب الآخرين ضمن نطاق تجربتنا الوجوديّة وعيش تجربة غيرية دون أن نعيشها على أرض الواقع. كما أن اقتران المساعدة الذاتيّة بالعلوم الاجتماعيّة والنفسيّة خلال القرن الماضي جاء في إطار مساعٍ مجتمعيّة واقتصاديّة لخفض نسب القلق، الاضطراب واللايقين المُصاحب للثورات الصناعيّة وتحوُّلات العوالم الحضريّة. مع ذلك، أصبحنا اليوم أمام انفجار كبير في «مهن» المُساعدة والتنمية الذاتيّة، خارج إطارها الأدبيّ أو العلميّ، والتي تدعي تقديم الحلّ السحري لمشاكل التفاوتات الاجتماعيّة والطبقيّة وتحقيق النجاح المهنيّ والاجتماعيّ خارج المسار الكلاسيكيّ المعهود وتستفيد من تحوُّلات الأنفوسفير من أجل تسليع العواطف والوجدانيّات الإنسانيّة.

يمكن أن نميِّز بين مرحلتين اثنتين ضمن مسار تطوُّر اقتصاد التنمية الذاتيّة بالمنطقة العربيّة. أوّلاً، ما قبل الأنفوسفير والثورة الرقميّة. ثانياً، ما بعد الأنفوسفير والثورة الرقميّة. في المرحلة الأولى، انحصرت المساعدة الذاتية في نطاق الرسائل الأخلاقيّة والإنسانيّة التي يقدِّمها الأدب عامّة، والدراسات والأبحاث العلميّة المرتبطة بالعلوم الاجتماعيّة والنفسيّة خاصّة. وقد ظلّت ظاهرة «كتب ودورات التنمية الذاتيّة» محدودة الانتشار ومرتبطة بأسماء ومراكز تدريب معيَّنة. بوجهٍ عام، كان القارئ يتجه مباشرةً نحو عَالَم الإبداع والكُتب والمُؤلَّفات العلميّة ويفضِّل ثقافة العين على ثقافة الأذن. ضمن المرحلة الثانية، انفجرت ثورة العَالَم الرقميّ والتقانة خلال العقد الأخير فاسحةً المجال أمام تطوُّر ثقافة «الترفيه والتسلية» وتزايد حِدَّة اللايقين والفوارق والتفاوتات المحليّة والعالميّة، بالموازاة مع مأسسة حقيقيّة لاقتصاد التنمية الذاتيّة. أضحت دور النشر العريقة تُقبل على ترجمة ونشر مُؤلَّفات التنمية الذاتيّة دون اهتمام حقيقيّ بمصداقيّتها العلميّة والمعرفيّة. تناسلت مراكز التدريب ودورات التنمية الذاتيّة على نطاقٍ إقليميّ واسع، وتزايد التهافت على «انتحال» صفة مدرب أو كوتش لغاياتٍ أيديولوجيّة وربحيّة بعيدة عن منطق المساعدة والتوجيه نفسه. لم يتوقَّف الأمر عند هذا الحَدِّ، بحيث أدرك القائمون على هذه الصناعة مبكِّراً أن العزوف عن القراءة سيطال كُتب التنمية الذاتيّة عما قريب. وتبعاً لذلك، تمَّ الاستثمار في المنصات الرقميّة (يوتيوب، فيسبوك، توتير، انستغرام…)، الكُتب الرقميّة والصوتيّة، التطبيقات والبرمجيّات، البرامج التليفزيونيّة، الكوتشينغ، والتدريب الرقميّ، مراكز التدريب الشبكيّة… وتركيز الاهتمام على المُراهقين والشباب الباحثين عن أسهل طرق للنجاح الفوري خارج مجال المدرسة والعمل. ولا غَرابة في أن كُتب المُساعدة والتنمية الذاتيّة مازالت تهيمن على نسب مبيعات المكتبات والمعارض، ومازال العديد من المُدرِّبين ومراكز التدريب يحظون بملايين المُتابعين والمُعجبين بمختلف دول المنطقة العربيّة (خاصّة في ظلّ جَائِحة كورونا وتزايد حِدّة التباعُد الاجتماعيّ). من أسرار النجاح المدرسي، قوة الشخصيّة، القضاء على التوتر وصولاً إلى عقليّة المليونير… يتمُّ فردنة الفشل من جهةٍ، وتقديم نماذج نجاح استثنائيّة تخلق نوعاً من الإعجاب لدى المُراهقين والشباب إلّا أنها تعمِّق مشاعر الخوف، والقلق، والإحساس بالنقص لديهم من جهةٍ أخرى، كما يؤكِّد «مارشل سنكلير Marshall Sinclair». 

منذ أول كتاب مكرس لموضوع «المساعدة الذاتيّة» (كتاب (Self-help) لـ«سامويل سميل – Samuel Smiles» (1859) إلى اليوم، لا يبدو أننا أمام مُؤلَّفات وبرامج تدريبيّة لمُناشدة «الإنسان الأعلى» (نيتشويا) بقدر ما نحن أمام صناعة رأسماليّة جاءت استجابةً لتطوُّر المُجتمع الاستهلاكيّ، حيث لا يتمُّ تقديم «مفاتيح النجاح» المُروِّج لها، وإنما فقط نصائح لمكافحة روتين العمل والحياة الاجتماعيّة، يضيف «مارشل سنكلير»، وتضبيط النفس مع اللامعنى الذي يصاحب تطوُّر تقسيم العمل والضجر المرافق لتحوُّلات «مجتمع المخاطر المُنعدمة». مع ذلك، مازلنا أمام اقتصاد أكثر تماسكاً يحقِّق رقم معاملات كبيراً جدّاً بدول الشمال، ويسير في اتجاه المأسسة الشاملة والشرعيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة الشعبويّة بالمنطقة العربيّة.

بالولايات المتحدة الأميركيّة لوحدها، قارب رقم معاملات قطاع التنمية الذاتيّة 12 مليار دولار سنة 2019 وفقاً لتقرير مركز (Marketdata Enterprises). ينفق حوالي 100 مليون أميركيّ ما يقرب من مليار ونصف المليار دولار على مختلف الأجهزة والمنتجات المُرتبطة بالمُساعدة الذاتيّة (الأدوات الرياضيّة، الوصفات الغذائيّة…)، تُقدَّر مبيعات كُتب المُساعدة الذاتيّة (خاصّة الإلكترونيّة والصوتيّة) بحوالي ملياريّ دولار سنويّاً، تجني تطبيقات المُساعدة الذاتية مئات الملايين سنويّاً من عائدات الإعلانات والباقات المدفوعة، يتجاوز رقم معاملات سوق الكوتشينغ المليار دولار (قد يجني الكوتش أو المُدرِّب في التنمية الذاتيّة حوالي 100 ألف دولار سنويّاً، ويمكن أن يتجاوز المُحفِّزون والمُؤثِّرون على التليفزيون والوسائط الرقميّة هذا الرقم بأضعاف)، يُقبل مئات الآلاف على مراكز وبرامج التدريب التي يصل سعر الحصة الواحدة فيها إلى أزيد من ثلاثة آلاف دولار… قد لا تبدو هذه الأرقام كبيرةً مقارنةً بصناعة المُوسيقى، الأفلام والمحتويات الترفيهيّة عموماً، إلّا أنها تبيِّن إلى أي حَدٍّ أصبح تسليع «الندرة» واللّغة الناعمة أساس تطوُّر منظور جديد لاقتصاد الماد ماكس المُستثمَر في قيمٍ وغاياتٍ إنسانيّة مفقودة اليوم (الثقة بالنفس، النجاح…).

لا يختلف وضع قطاع التنمية الذاتيّة بالمنطقة العربيّة عن باقي بلدان العالم، خاصّة وأننا أمام اقتصاد مُسوقَن ومُسلعَن على نحوٍ كونيّ. في ظلّ غياب إحصاءات ودراسات حقيقيّة في المجال، لابد من الإشارة إلى نقطتين اثنتين. أولاً، استثمار دور النشر الكبرى بالمنطقة، خلال السنوات الخمس الأخيرة، في ترجمة ونشر كتب ومُؤلَّفات التنمية الذاتيّة على نطاقٍ واسع، عبر استغلال الظرفيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي يعيشها المُراهقون والشباب العربيّ بعد حركات الربيع العربيّ، والترويج للمُؤلَّفات والأفكار الحاملة لحلولٍ سحريّة للفقر والبطالة والفوارق الاجتماعيّة في ثوب لغةٍ ناعمة وسورياليّة أقرب إلى التخدير الاجتماعيّ منها إلى العلم والمعرفة؛ وكأن تغيير أسماء وتوصيفات الظروف الاجتماعيّة والنفسيّة سيُغيِّر هذه الظروف بلغة جورج كارلن. ثانياً، تناسل مراكز التدريب والتطوير الذاتيّ التي تقدِّم محاضرات ودورات التنمية الذاتيّة-تتراوح بين عشرات إلى آلاف الدولارات- بالقدر نفسه الذي تنتج فيه مزيداً من المُدرِّبين والمُحفِّزين؛ وكأن الهدف الرئيسي هو إضفاء الشرعيّة المُؤسّساتيّة على صفات الكوتش والمُدرِّب والمُحفِّز أكثر من رهان المُساعدة والتنمية الذاتيّة للمُستفيدين. الشهادات، الدبلومات، حقائب التدريب، الاعتماد… هي المُحرِّك الأساسي لهذه الصناعة الجديدة التي أضحت تركِّز أكثر على المُراهقين والشباب، وتُمارَس في الغالب من قِبَل فاعلين خارج الدوائر العلميّة لمجال المُساعدة والتنمية الذاتيّة. 

أسهمت ثورة الأنفوسفير والعوالم الرقميّة في تطوير العديد من مرتكزات اقتصاد التنمية الذاتيّة بالمنطقة العربيّة. بما أن المُستهلِك العربيّ يُقبِل بشكلٍ رئيسيّ على الكُتب المُترجَمة في المجال، الدورات التكوينيّة الأجنبيّة وحتى المحاضرات الرقميّة، فقد أضحى المُدرِّبون والمُحفِّزون يستثمرون أكثر في المنصات الرقميّة والتطبيقات والبرمجيّات لاستمالة المزيد من المُستهلكين. أصبح عدد المُتابعين، الإعجابات، التعليقات… المُحدِّد الجديد لـ«نجوميّة التنمية الذاتيّة» والمُتحكِّم الرئيسيّ في الأسعار والمداخيل والإشعاع القُطريّ والإقليميّ. بالإضافة إلى ذلك، لا ننسى أننا أمام صناعة اقتصاديّة قائمة على علاقات قوى شبكيّة بين فاعلين من مجالات مختلفة تروم الترويج لمنتوجٍ خدماتيّ يقدِّمه مدرِّبون «مصنوعون» وفقاً لشروط تسويقيّة لا تختلف كثيراً عن ثقافة نجوميّة الكلاوت ضمن عَالَم المُوسيقى المُعاصِرة (قد يصل دخل المُدرِّب إلى عشرات الآلاف من الدولارات، ورقم معاملات بعض مراكز التدريب إلى مئات الآلاف من الدولارات سنويّاً). تجدر الإشارة كذلك إلى أن اشتغال مراكز التنمية الذاتيّة يندرج تحت غطاء مراكز البحوث والدراسات العلميّة، الأمر الذي يفتح المجال أمام انتحال العديد من الصفات باسم التخصُّصات المُرتبطة بمجال التنمية الذاتيّة والعلوم الاجتماعيّة والنفسيّة. 

ختاماً، إننا أمام صناعة واقتصاد حقيقيّ يتوافق وقواعد السوق المفتوح. سواء أكانت الأهداف والرهانات حسنة أم لا، فإن الأمر يتجاوز مجرَّد التنمية الذاتيّة ومساعدة الأفراد في تشكيل ذاتيّتهم الاجتماعيّة فقط. قد نتفق على أننا نعيش في قرن الوفرة والرفاهية (الموارد الاقتصاديّة والثروات الطبيعيّة)، لكننا أصبحنا نفتقر إلى الصِّحةِ النفسيّة المُتوازنة والسليمة. وسواء أتعلَّق الأمر بعدم قدرة أدمغتنا على معالجة الكمّ الهائل من المعلومات والمُعطيات اليوميّة أو تزايد حِدّة الفوارق والتفاوتات التي ينتجها «السوق المفتوح»، فإنّ قيماً وأهدافاً حياتيّة مثل النجاح، العيش الكريم، الثقة في النفس، السعادة… أصبحت سلعاً نادرة بالشكل الذي يدفعنا إلى إنفاق آلاف الدولارات سنويّاً على الكُتب، الدورات التدريبيّة، والنصائح العامة، المُقدَّمة بلغةٍ ناعمة وسلسة، التي تدَّعي تقديم وصفاتٍ سريعة للنجاح والسعادة في حين أنها تعمل على جعل هذه القيم أندر وأندر ضمن سياق عصرٍ رأسماليّ – رقميّ فَقَدَ فيه الإنسانُ معنى سلوكاته وأفعاله الوجوديّة الأساس… تلك هي الصورة الجديدة لاقتصاد ماد ماكس من نوعٍ جديد.

أديلا كورتينا: من فضلكم، يُرجى البحث عمّا أسماه أرسطو «الصداقة المدنية»

إن الأزمات الكبرى لا تستدعي فقط الإتيقا المدنيّة والمسؤوليّة الفرديّة والجماعيّة. إنها تفيد في تمييز المتعالي عن الطارئ الملحق، والأساسيّ عن السطحيّ. في هذه المُقابلة، تحذِّر الفيلسوفة أديلا كورتينا من الدوغمائيّات الأيديولوجيّة والقوميّات التي تبني الجدران الحائلة بين المُواطنين: «حان وقتُ التحالفات. الآن وأكثر من أي وقتٍ مضى، يجب علينا ممارسة الضيافة العالميّة».

من أقوال أرسطو «غاية الإنسان هي السعادة». هل من وصفةٍ لهذه الأيام الصعبة وللأيام القادمة؟

– يذكِّرنا أرسطو أيضاً، مثله كمثل جميع الكلاسيكيّين، أن صوغ الشخصيّة هو أهمّ شيء لتحقيق السعادة. من الواضح أن الصدفة والحظ السعيد وما ليس بأيدينا، يتدخّلون أيضاً. ولم يكن الفيروس التاجي بين أيدينا، ولم نتوقَّعه على الإطلاق. ولكن من الصحيح أنه عندما يتم تشكيل شخصيّة الأفراد والشعوب بشكلٍ جيّد، فإن التعامل مع هذه الوضعيات يكون بشكلٍ أفضل، والتي هي حقّاً وضعيات دراماتيكية. لذلك سأبدأ بالتذكير بأن بناء الشخصيّة أمرٌ أساسيٌ. وفي إطار هذا البناء، لا بدّ من استحضار الفضائل الشهيرة، وخاصّة الأكثر تقليديّة منها: الحصافة والعدالة والقوة والاعتدال. القوة مهمّة جدّاً؛ ولقد نسيناها كثيراً في هذه الأوقات. يجب تربية القوة. ولابدّ من القيام بذلك في التعليم، وفي المدرسة، ومنذ الطفولة. يجب على كلّ واحدٍ أن يحاول أن يكون قوياً في مواجهة هذا النوع من الشدائد، لكي نكون مسؤولين تجاه الآخرين وقادرين على مساعدتهم. يجب أن نحاول معالجة هذا الوضع الذي نحن فيه، بالاعتماد على قوتنا وتضامننا واعتدالنا. في هذا الوقت لا يمكننا الخروج، ولا يمكننا القيام بالعديد من الأشياء التي نرغب في القيام بها، لهذا السبب، فإن الاعتدال ضروري أيضاً. أعتقد أن الرسالة الرئيسيّة في الوقت الحالي هي أنه يتعيَّن علينا تشكيل شخصيّة الأفراد والشعوب من أجل مواجهة المحن. لقد ترك لنا الكلاسيكيّون نصيحة جيّدة جدّاً، وهم يحدّثوننا عن العدالة والقوة والحصافة والاعتدال. ولأن المحادثة ستستمر، سنتحدّث لاحقاً عن الأمل والحب، كجزءٍ لا يتجزأ من كلّ هذا.

أنتج المجتمع ردتي فعل: دافع الإنسانيّة والتضامن، ومن ناحيةٍ أخرى، خطاب الانقسام والكراهية والمواجهة المستمرة.

– ما يجب أن نبحث عنه الآن، في إسبانيا وفي العالم أجمع، هو ما يوحّدنا وليس ما يفصل بيننا. إن الأشخاص الذين يؤجّجون الصراع والاستقطاب يصنعون أضراراً هائلة وجسيمة، ليس فقط لأننا جميعاً في نفس القارب، وأولئك الذين يؤجّجون الصراع ينتهي بهم الأمر إلى إيذاء الجميع، ولكن لأن تعايشنا هشٌ للغاية، إضافة إلى كوننا بصدد تحويله إلى صراع للجميع ضد الجميع. الدرس الآخر الذي علينا أن نتعلّمه، هذا إذا كنا نتعلَّم- لأنه في بعض الأحيان يبدو أننا لا نتعلَّم أي شيء من المصائب- هو كفى من النزاعات، كفى من الاستقطاب، ومن التفوُّق، ومن الصراعات الطائفية والأيديولوجيّة. من فضلكم، فلنبحث عمّا يوحّدنا، وهو كثير جدّاً، لأنني أعتقد أننا جميعاً نقدِّر الحرّيّة والمساواة والتضامن والحوار وبناء المستقبل. من فضلكم، يُرجى البحث عمّا أسماه أرسطو «الصداقة المدنية».

في الوقت نفسه، من المهمّ التأكيد في هذه اللحظات، على أن رؤية مسؤولة وناقدة للسلطة، تبقى أساسيّة لمواجهة هذه الحالة الطارئة وكذا لبناء الديموقراطية والمستقبل.

– أوافق تماماً. بما أننا نبحث عن ما يوحّدنا، فالأمر يعني على وجه التحديد أن نحاول أن نكون نقديين. وهو ما معناه أن نتسم بالتمييز. ممّا يوحدنا، يجب علينا أن نذكر كلّ فئة بتعهداتها وبواجباتها. أعتقد أن السياسيين نسوا ذلك بشكلٍ مفرط. لا يجب على السياسيين أن يكونوا أبطال الحياة الاجتماعيّة على الإطلاق، كما لا يجب عليهم أن يعطونا وصفات للسعادة. ما يجب عليهم فعله هو أن يكونوا مدبرين للحياة اليومية حتى يتمكّن الناس والمواطنون من تنفيذ خطط الحياة. ليس عليهم أن يأخذوا دورنا في الحياة. الديموقراطيّة هي بطولة المواطنين. بهذا المعنى، أعتقد أن على السياسيين أن يتعلموا. وبالفعل، علينا تذكُّر ذلك كلما استطعنا. أنا فعلت ذلك كلما كان بوسعي، ويجب علينا الاستمرار في القيام به. إنهم ليسوا أصحاب الأدوار البطولية، إنهم مجرَّد مدبّرين يتوجَّب عليهم إرساء أسس العدالة حتى يتمكَّن الناس من تنفيذ ما لديهم من خطط السعادة والحياة الجيّدة. النقد هو التمييز.

في هذا المجتمع المرتبط بالخاصية الوضعية، هل لرهاب الفقراء -أبوروفوبيا (aporofobia)- انعكاس أيضاً على رفض المريض والمصاب بالعدوى؟

– حالياً في إسبانيا، يتَّسم هذا الوضع بالكثير من الغموض. يعاني الأشخاص المتضامنون من عدم القدرة على الخروج، لمساعدة أولئك الذين تُركوا بمفردهم، والذين يموتون بمفردهم في الإقامات السكنية وفي المستشفيات. لكن الموجودين في الوضع الأسوأ، هم أولئك الذين يعانون من الأسوأ، كما هو الحال دائماً، لأننا نظمنا المجتمع ليس للضعفاء، ولكن للذين يعيشون وضعاً جيّداً. يستمر رهاب الفقراء في هذه اللا مساواة، التي نرى فيها أن البعض يعاني أكثر بكثير من البعض الآخر، لأنه موجود في الموضع الأكثر سوءاً. لكني قلقة للغاية في هذه الحالة الطارئة، من حقيقة كوننا نشعر بالعجز عن مساعدة أولئك الذين يعانون، تحديداً لأن أفضل مساعدة يمكننا تقديمها، هي تلك التي تقرِّبنا من بعضنا البعض. نحن على صلة وفي علاقة. إننا نتطلَّع إلى ربط علاقات بالآخرين. 

تسبَّبت الأزمة المالية في موجةٍ كبيرة من السخط: شعر المواطنون بأن النخب تخلّت عنهم، وتسبَّب ذلك في صعود الحركات الشعبويّة. هل تخشين أن يعود هذا التخلي- في سياقٍ عالميّ لتوطيد الشعبويّة- ليحدث مرّة أخرى؟ كيف يمكننا تجنُّب ذلك؟

– هذه نقطة مهمّة للغاية. سوف يتأثَّر عالم الأعمال بشدّة. من ناحية، بسبب إغلاق عددٍ كبيرٍ من الشركات الصغيرة والمتوسطة، ليس بسبب سوء النية، ولكن ببساطة لعدم وجود زبناء، ولأنها لا تستطيع البقاء على قيد الحياة. سيكون ذلك مقلقاً. وبعد ذلك، سيكون هناك أولئك الذين يستفيدون من الموقف لتحويل إجراء التنظيم المؤقَّت للشغل إلى إجراء تنظيم دائم ويجعلونه ضرورياً بشكلٍ متواصل. سيكون الوضع دراماتيكياً وعلينا أن نطالب تلك الشركات التي لديها قوة، ألّا تقوم بفصل المستخدمين إذا لم يكن ذلك ضرورياً، ولا تستغل الموقف. تكمن مسؤوليّة هذه الشركات الآن في محاولة الحفاظ على جميع الوظائف. حان الوقت لتذكُّر أخلاقيات الشركة والمسؤوليّة الاجتماعيّة للشركات بشكلٍ جيّد. في الأزمة السابقة، بقي الناس محبطين للغاية بسبب الشركات والبنوك، ولكن لم نستخلص أي درس من ذلك على الإطلاق، سوى الاستمرار في العمل بنفس الطريقة تماماً. في هذا الوقت، يجب تحمّل مسؤولية وأخلاقيات الشركة وليس إغلاق الشركات أكثر ممّا هو ضروري. لهذا، من اللازم الدفاع عن أهداف التنمية المُستدامة: لقد حان وقت التحالفات. إذا لم تضع السلط السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة اليد في اليد، فلن ننجح.

لقد تسبَّبت حالة الطوارئ (كوفيد – 19) في إطلاق جميع الإنذارات، وقد كنّا بالفعل نشهد حالة طوارئ مناخية يمكن أن تكون عواقبها مدمرة أيضاً. هل نحن بصدد وضع النظام تحت ضغط لا يمكن تحمله؟

– ذلك أمرٌ واضح. لقد كشفت حالة الطوارئ الأخيرة عن شيء بدا أننا نسيناه: يتم استثمار القليل جدّاً من المال في البحث العلميّ. يحتاج البحث العلميّ إلى تعزيز ودعم كبيرين. من فضلكم، دعونا لا نستثمر الكثير من المال العام في المعارك الأيديولوجيّة. دعونا نضع الموارد في خدمة البحث العلميّ والتعليم. هو ما يمكن أن يساعدنا في حالات الطوارئ هذه وما يمكن أن يجعلنا أقوياء. لا بدّ من الدعوة للاستثمار في البحث والتعليم.

إن التفكير في الهشاشة التي أصابت وضع الأطباء والعاملين الصحيّين في العقود الماضية، يدمي القلب.

– كان موقف الأطباء والممرضات وجميع العاملين في مجال الصحّة مثيراً للإعجاب ومثالياً تماماً. نأمل أن تعمل جميع الهيئات المهنية بنفس الاجتهاد. الحقيقة هي أنهم كانوا مثيرين بالنسبة لي- وهم كذلك- إذ بفضلهم أنقذ عدد كبير من الأرواح وتعافى أناس، ويشعر آخرون بالارتياح لأنهم يتلقَّون العلاج. لقد كان استثنائياً على وجه التحديد، وقد أسيئت معاملة هذه الهيئة، من وجهة نظر اقتصاديّة بموارد غير ضعيفة. ومن وجهة نظر المواطنين، العدوانية ضد العاملين الصحيّين، ورد فعلهم على المرض، كما لو كان هذا الأخير خطأ الأطباء والممرضات وأولئك الذين يعالجون الناس. يبدو لي أنه يجب تعويض هذا الوضع العدواني وهذه المعاملة السيئة بالكامل، ويجب أن يكون مفهوماً أنهم جسم مهني رائع. أتمنى أن يكون لدى جميع المهنيين هذا الشعور القوي بالمهنة. ودعونا أيضاً لا ننسى المزارعين ومربي الماشية الذين تركوا بيد الله، ومع ذلك وبفضلهم، ما زلنا على قيد الحياة.

جادل عالم الاجتماع الألمانيّ «أولريش بيك Ulrich Beck» قائلاً بأن نظام إنتاج الثروة يقودنا إلى مجتمع المخاطر. ماذا يجب أن نغيِّر؟

– بالنظر إلى مجتمع المخاطر الذي كان أولريش بيك يتحدَّث عنه، أنا جدّ متفقة بخصوص ضرورة توفرنا على نظرة عالميّة. فالخطر لا يوجد في مجتمع واحد فقط، وعندما يتعلَّق الأمر بالتعامل مع المشكلات، لا يمكننا القيام بذلك فقط من وجهة نظر مجتمعنا المستقل أو أمتنا أو بلدنا، ولكن يجب علينا مقاربتها من وجهة نظر عالميّة. نحن كون، كلنا متشابكون ومتحدون. نحن- وهذا في ما يبدو لي تعلّم أساسيّ- مترابطون. نحن نعتمد على بعضنا البعض، وعندما سندرك ذلك في هذه الحالات الطارئة سيكون علينا اتخاذ تلك النظرة العالميّة التي أسميتها تبعاً لكانط، والتي ذهبت إليها قبل قليل، الضيافة العالميّة، وهي الآن أكثر ضرورة من أي وقتٍ مضى. ماذا حدث مع عدد المهاجرين الذين لقوا حتفهم في البحر الأبيض المتوسط؟ إن ما يظهره لنا مجتمع المخاطر بشكلٍ فعّال، هو إمّا أن نتحمَّل مسؤوليّة المخاطر في جميع أنحاء العالم، وإمّا أننا سنتركها دون مساس. إن النزعات الاستقلاليّة والقوميّة التي قطعت العلاقات مع بعضها البعض هي حقّاً حركات بائسة.


حوار: بابلو بلازكيز 

المصدر:

https://ethic.es/2020/03/coronavirus-adela-cortina