نبيل سليمان: الجوائز العربية لا تقيس تحوُّلات الكتابة الروائيّة

يواظب الروائي والناقد السوري نبيل سليمان على الإقامة في عالم الرواية، وتخصيب هذه الإقامة بالحفر عميقاً في ضروب المعرفة الإنسانية. مؤسّس «دار الحوار» السورية للنشر، ناقد متابع لتحوّلات التاريخ وانهيار أحلام الإنسان ومصائره في مشهد مكرور شرع في تشخيصه منذ صدور روايته الأولى «ينداح الطوفان» 1970، وصولاً إلى عمله الروائي الأخير «تاريخ العيون المطفأة» 2019، مروراً بإنتاج سردي متجدِّد وتجريبي أغنى مدوّنة السرد العربيّة…

في روايتك الأخيرة «تاريخ العيون المطفأة»، التي يمتزج فيها الحبّ بالسياسة ونقد السلطة، ويحضر فضاء المدينة كفضاء متخيَّل. ما الذي يميِّز خصوصية هذا الفضاء؟ وهل هذه الرواية تشخيص سردي مضاعف لأزمة واقعنا العربي؟

– تنوَّعت مدن رواياتي، فتنوَّعت فضاءاتها، وإن يكن الريف حضر، بقوّة، في روايتي الأولى «ينداح الطوفان»، وفي رباعية «مدارات الشرق»، بخاصّة. في هذه الرباعية، كان تطوُّر المدينة شاغلاً كبيراً خلال النصف الأوّل من القرن العشرين، وبخاصّة في دمشق، وبدرجة أدنى في حلب، وحمص، واللاذقية، والسويداء، بل من المدن ما عُنِيَت «مدارات الشرق» بنشأته، مثل القامشلي. وإلى خارج سورية، انداح فضاء الرباعية إلى حيفا وبغداد والقاهرة وباريس… ولعلّ ما ميَّز هذا الفضاء المترامي، وما جعل للمدينة خصوصيَّتها في هذه الرباعية، هو أن عنايتي لم تنصرف إلى الجغرافيا أو الأكزوتيكا أو- على الأقلّ- لم تنصرف إليهما، فقط، بل انصرفت- أوّلاً وآخراً- إلى روح المدينة العمرانية، والتاريخية، والبشرية. وهذا ما حرصت على أن يتوفَّر، دوماً، للمدينة في مختلف رواياتي. فمن اللاذقية، التي عشت فيها مراهقتي، هأنذا أتكلَّم كأن هذه المراهقة انتهت (والعياذ بالله من مراهقة السبعين)، ثم أقمت فيها منذ 1978، وكما جاءت في رواية «ينداح الطوفان» أو في رواية «مدائن الأرجوان»، إلى تلمسان الجزائرية في رواية «دلعون» والتي عرفتها فقط في يوم واحد بِلَيْله ونهاره، أقول: في اللاذقية كما في تلمسان، في العيش المديد كما في اللحظات/ الساعات/ الأيّام الخاطفة، ما همّني إلّا روائح المدينة، إلّا العاشقات والعاشقين فيها، بل قل: إلّا العشق، إلّا الغناء، إلّا أطفال الشوارع، إلّا القمع السافر أو الموارب، إلّا المقابر التليدة والمقابر الطريفة، إلّا مثل هذا الذي أحسب أنه يميِّز مدينة عن مدينة، أو يجعل لمدينة خصوصيَّتها.

أمّا التحدي الأكبر، فلعلَّه كان في أن أوفِّر هذا التميُّز وهذه الخصوصية للمدينة المتخيَّلة التي لا تعيّنها الرواية، كما هو الأمر في رواية «السجن» ورواية «سمر الليالي» ورواية «تاريخ العيون المطفأة». هنا، مضت الكتابة الروائية إلى جبلّة جغرافية وبشرية وتاريخية أخرى، كانت وما كانت، كائنة وليست بكائنة، و- ربَّما- ستكون، بل لن تكون. وفي كلّ ذلك، يلعب التخييل كما يشاء، فإذا بالمدينة الروائية تلّوح لبيروت أو للرقّة، لهانوفر أو للحسكة، ودوماً تلوّح لأكثر من مدينة، تمتح من أكثر من مدينة، فتغدو مدينة كثيرة وهي واحدة، مدينةً جمعاً وهي مفرد.

أمّا تتمّة السؤال عمّا إن كانت «تاريخ العيون المطفأة» تشخيصاً سردياً مضاعفاً لأزمة واقعنا العربي، فغاية ما أدَّعيه أن هذه الرواية حاولت أن تساهم في هذا التشخيص، حاولت أن يكون لها اقتراحها الخاصّ لهذا التشخيص.

أين تقع هذه الرواية ضمن إحداثيات المشروع الروائي لنبيل سليمان؟

– ربّما، تكون لحظةً جديدة في هذا المشروع، أو مفصلاً؟ منعطفاً؟ لاأستطيع أن أحدِّد الآن، ولا أرغب في ذلك، فالتحديد متروك لما آمل أن أستطيع كتابته بعد هذه الرواية. الأمر متروك للمستقبل.

يتميَّز واقع المجتمعات العربية بعنف أحداثه وحركيَّتها، فهل ترى أن العمل الروائي يكتسب فرادته من هذا المرجع الحيّ، أم من عناصر وسجلّات أخرى؟

– لا يمكن للمرجع أن يوفِّر الفرادة الروائية تلقائياً؛ يتعلَّق الأمر بمقدار ما يسع الكاتب(ة) أن يوفّر من هذه الفرادة، وهذا لا يقلِّل من أهمِّية المرجع، أو من ضرورته.

في العقد الماضي، بلغت انفجارات المجتمعات العربية ما لم يكن يخطر في بال أكثر الناس تشاؤماً. في هذا العقد الثاني من القرن العشرين، بلغ عهر الأنظمة وفسادها وتغوّلها مدًى أقصى، ومثله بلغ العنف الأعمى، سواء أكان متجلبباً بمرجعية دينية معيَّنة أم كان مرتبطاً صريحاً، وبدرجة عميل بامتياز، بالأسياد الإقليميِّين والدوليِّين. ورغم أزمة النشر وأزمة التوزيع وأزمة القراءة، صدرت، في هذه الفترة، آلاف الروايات والمجموعات الشعرية، لكن ما توفّرت له الفرادة، حتى بدرجة وسط، لا يبلغ عشر الإصدارات، في أحسن الأحوال؛ فلماذا؟ كما هو السؤال مركّب، أو معقَّد، الجواب أكثر تركيباً وأكبر تعقيداً، ومنه أن الفرادة تقتضي، فيما تقتضي، أن يساهم النصّ في تفكيك المرجع الحيّ، الواقع الأغرب من الخيال. والفرادة تقتضي، بالقدر نفسه، وفي الآن نفسه، المغامرة في إبداع أشكال جديدة، أو الإبداع في الأشكال المتداولة. وبما أنني لا أملك (وصفة) طبيِّة للفرادة، فسأكتفي بهذا القليل/ الكثير الذي تعنيه الفرادة، وأترك الباقي لجذوة الإبداع، ولذوي الخبرة.

سبق لـ«هومي بابا» أن شدَّد على أن المقاومة تُدخل الجِدّة إلى العالم. إلى أي حدّ استطاعت الرواية العربية أن تلعب دور المقاومة، وأن تساعد على التخفيف من تمهزل جماليّات عالمنا الجديد؟

– هذا العالم، الذي تُدخل المقاومةُ إليه الجِدّة، هو عالمنا، العالم ما بعد الكولونيالي، كما حدَّد «هومي بابا»، وكذلك إدوار سعيد، وجاياتري سبيفاك، في تنظيراتهم لما بعد الكولونيالية. ثمّة من يذهب إلى أن المقاومة، بإطلاق، ما كانت يوماً إلّا قرينة الجدّة، لكن الأهمّ هو: (كيف) تُدخل المقاومة الجِدّةَ إلى العالم؟ ألا تُدخل بعض أنماط المقاومة السائدة القدامةَ إلى العالم؟ والأهمّ- ما دمنا بصدد «هومي بابا»- هو كيفية تطوير المقاومة في الفرجات التي تكون فيها على السلطة أن تمحو إمكانية المقاومة، وهذا ما عُنِي به «هومي بابا» عنايته بالهجنة على حساب الثقافة الوطنية.

أين الرواية العربية من هذا كلّه؟ أليس هذا بجوهر السؤال؟

– لقد أقبلت الرواية العربية، وبخاصّة في غُررها، سواء في العقد المنصرم أو في عقودها الطويلة، على (فرجات) الصراع بين السلطة فيما قبل الاستقلالات، وبخاصّة فيما بعدها، فأضاءت عتمات الفرجات، وحفرت فيها. وشهدت الحداثة الروائية العربية، بخاصّة، كيف يكون التفاعل المخصّب بين الهجنة والثقافة الوطنية، دون تقديم الأولى على التالية، وهذا ما يشير إليه الحضور المطَّرد للهامش الاجتماعي، والهامش الثقافي في الرواية العربية، مثله مثل التهجين اللغوي، وتعدُّد (الرطانات) والألسن.

نعت النقَّاد الرواية بنعوت عدّة، منها (النوع الحاجب)، و(ديوان العصر)، وحظيت بمكانة خاصّة عالمياً، ومنها ما حقّقت انتشاراً عالمياً. هل هناك أفق تلامسه الروايات العالمية، ولا تلامسه الروايات المشدودة إلى الخصوصيّات المحلّيّة؟

– كلّما نادى المنادي بعالمية الرواية، أسرعت إلى السؤال عمّا يعنيه. هل العالمية هي الرواية الأوروبية أم الأميركية اللاتينية أم اليابانية؟ هل العالمية هي الرواية التي تُترجم إلى لغة عالمية، كالإنجليزية أو الألمانية؟، ولماذا لا أقول: كالعبرية، ما دام للترجمة إلى لغة بعينها، من الحمولة السياسية مالها؟

ربَّما يبدِّد السؤال، أو يميّع السؤال، مثل هذا الذي أتحوَّط به لمناداة المنادي بالعالمية. وأرجو ألّا أضاعف التمييع والتبديد إن قلت: لماذا لا نعكس سؤالك، فيصير: هل هناك أفق تلامسه الروايات المشدودة إلى المحلّيّة، ولا تلامسه الروايات العالمية؟ ألا يعني لعالمية الرواية شيئاً، أن تُكتَب رواية غير عالمية عن مدينة الرقّة السورية، عندما كانت، بالأمس القريب، عاصمة للخلافة الإسلامية، كما فعلت روايات لشهلا العجيلي أو لمحمود حسن جاسم أو نبيل سليمان، حتى لو لم تترجم إلى لغة، ولم يحكم لها أو عليها (الآخر) العالمي بالعالمية؟

بين ما يوصف بالرواية العالمية، تجد ما لم تلامسه الرواية العربية إلّا عابراً، وعلى هَوْن، مثل روايات الجريمة أو الديستوبيا أو الخيال العلمي، فهل هذا قصور ينضاف إلى ما للرواية العربية من قصور عن العالمية؟

وبعد كلّ ما تقدَّم، أصدح، دوماً، بالدعوة إلى ترجمة ما تزخر به خزانة الرواية العربية من بدائع، ليس، فقط، لكي نزهو بالعالمية التي كثيراً ما تكون جوفاء، بل لكي ترفد روايتنا خزانة الرواية في العالم.

ما رأيكم في بعض الشعراء الذين تحوّلوا من كتابة الشعر إلى كتابة الرواية؟ بماذا تفسِّرون هذا الانتقال؟

– قلّة قليلة من الشعراء، أولئك الذين وقعوا في غواية السرد، فأبدعوا في الرواية، مثل الذي تحقَّق لهم في الشعر، أو أفضل منه ومن هؤلاء: عباس بيضون، وعبده وازن، وحسن نجمي، وسليم بركات، ومحمد الأشعري، وأمجد ناصر، وميسون صقر…

من جهتي، أغبط الذين تتعدَّد مواهبهم، و- من ثَمَّ- حقول إبداعهم. ميسون صقر، مثلاً، فنَّانة تشكيلية بامتياز. جبرا إبراهيم جبرا شاعر وناقد وروائي، أسعد محمَّد علي موسيقار وروائي وناقد. وفي تاريخ الرواية، كما في تاريخ غيرها من الإبداعات، كانت لكاتبتها أو لكاتبها منجزات أخرى في السيناريو أو المسرح أو الإخراج السينمائي أو النقد الأدبي أو القصّة القصيرة… وسرّ ذلك الأكبر في تعدُّد الإمكانات، وفي الطاقة الإبداعية الخلّاقة. أمّا الغثّ- وهو كثير- فسرُّه في ركوب موجة الرواية، و/ أو الاستسهال والغرور والعجز عن التميّز في حقل معيَّن.

إلى أين تسير الرواية أمام الوسائط الجديدة، وانتشار تسميات كالرواية المترابطة، والرواية الرقمية والرواية التفاعلية…؟

– في الحمأة الإلكترونية، وعُقَد الانبهار التكنولوجي، أخذ ينتشر الحديث الذي جلّه لغط وأقلّه جِدّ، حول نهاية الرواية الورقية (الكتاب الورقي)، وقيامة أفنان من الرواية بمشيئة التكنولوجيا، فلا تعود كتابتها مفردة، ولا قراءتها.

كلّ مصادرة ضلالة، ولذلك أرفضها، ومن هنا، في الساحة متَّسع لكلّ لون وكلّ تجربة، ومن ذلك الرواية التفاعلية، والوصلات التي يتولّاها القرّاء/ الكتَّاب، ونشوة اللعب الكومبيوتري الذي يتهدَّده انقطاع الكهرباء في بلاد مثل بلادنا (سورية ولبنان واليمن والعراق وليبيا وفلسطين… ألا يكفي؟)، و- من ثَمَّ- توقَّف أو اختلاط الرواية الرقمية أو الرواية الترابطية…

وأكرّر السؤال للذين تطيشهم الحمأة الإكترونية، ويجزمون بأن مستقبل الرواية هو، فقط، برقمنتها وتفاعليَّتها وترابطيَّتها، سألت مراراً، وأكرر السؤال: كم بلغ، خلال ربع قرن، عدد الكتّاب الذين يحاولون (صنع) هذه الرواية في الولايات المتَّحدة أو في اليابان أو في أوروبا؟

من المؤكد أن هذا الواقع الجديد، عالمياً، قبل أن يكون عربياً، له فعله الروائي الذي تحدّه وتبخّسه الحمأة الإلكترونية التي تنضاف إلى ما يعوّق مستقبل الرواية العربية، ويعقّده، كما يفعل ما هو رائج من الغثاثة والجهالة والاستسهال وأشراك الجوائز والفوضى…

هل يمكن قياس سقف تحوّلات الكتابة الروائية بما يتوَّج من أعمال في الجوائز المكرّسة لهذا الفنّ؟

– لا، لا يمكن قياس تحوّلات الكتابة الروائية، لا في سقفها ولا في أرضها، بما تتوجَّه جائزة «بوكر» العربية، أو «كاتارا»، أو «الشيخ زايد»… مثلاً. وها هي الجوائز العالمية أمامنا، ليس ابتداءً بـ«نوبل» ولا انتهاءً بـ«غونكور»، لم تكرّس مقياساً للتحوّلات، وإن كانت ضرب أمثولات، وندر أن توفَّر مثل جدّيَّتها لجائزة عربية.