إدغار موران: ليس لدينا وعي تام بأننا نسير نحو الهاوية

إدغار موران، عَالِم اجتماع وفيلسوف ومدير أبحاث فخري في المركز الوطنيّ للبحث العلميّ (CNRS)، وهو كذلك مفكِّر إنسانيّ، وأحد أبرز منظِّري الفكر المُعقَّد. احتفل بعيد ميلاده الـ 100 يوم 8 يوليو/تموز الماضي. في المُقابلة التي أجراها مع «franceinfo»، تطرَّق إلى «دروس قرن من الحياة»، مستحضراً انضمامه إلى المُقاومة وهو في الـ 20 من عمره، عام 1941. لا يخفي إدغار موران قلقه من تنامي نزعات الأنانيّة والقوميّة والانغلاق. لكنه يظلّ متفائلاً، داعياً الشباب إلى «الوقوف إلى جانب كلِّ القوى الإيجابيّة ومحارَبة قوى الدمار».

إدغار موران، أنت عالِم اجتماع وفيلسوف. لكنك أيضاً مدير أبحاث فخري في (CNRS)، ومقاوم سابقاً. يمكن تقديمك بعِدّة طرق مختلفة. المُفكِّر والإنسانيّ هي المُصطلحات التي تناسبك أكثر؟

– لا أرغب في أن يتمَّ اختزالي في تعريفٍ واحد. لذلك، إذا وضعت خمسة أو ستة، فلا بأس بذلك!

على أي حال، بلغت المئة في الثامن من يوليو/ تموز الماضي. هل احتفلت بعيد ميلادك؟ خاصّة وقد تمَّ استقبالك في الإليزيه.

– نعم. كما أقيمت بالفعل مراسم في اليونسكو. وكان هناك احتفال في دار البلدية في باريس. لقد احتفلت بميلادي مع عائلتي وأطفالي، وسيكون هناك احتفال في «أفينيون». هناك سيل من الاحتفالات إلى حدٍّ ما، لكن هذا يحدث فقط كلّ مئة عام!

مئة عام هي على أي حال فرصة للتقييم بطريقةٍ ما. هذا ما قمت به في كتابك «دروس قرن من الحياة». هل هو سيرة ذاتية، أو مقال؟

– لا، ليست سيرة ذاتية. الكتاب فيه عناصر سيرة ذاتية لتنوير القارئ، حول الدروس التي تعلَّمتها في حياتي، في مجالاتٍ مختلفة. لنفترض أنها تجربة.

تجربتك في الحياة ثريّة لكنها بدأت بشكلٍ سيئ. حاولت والدتك إجهاضك. ثمَّ وُلدت والحبل السري حول رقبتك. وعانيت من صدمة وفاة والدتك عندما كنت في العاشرة. كلّ هذه الأحداث الصادمة هل جعلتك قويّاً لتعيش طويلاً؟

– ربّما هي المُقاومة التي منحتني إياها الحياة، عندما كنت جنيناً وأرادوا إجهاضي. قد يكون الأمر كذلك بعد وفاة والدتي، كنت أعاني من مرض غريب. مرّة أخرى تعرَّضت للمرض الشديد، وقاوم جسدي. ربّما كلها لعبت دوراً. ولكن أيضاً كنت الطفل الوحيد. تعرَّضت والدتي لمرض في القلب ولم تستطع إنجاب طفلٍ آخر. لذلك كانت هناك علاقة عشق متبادَلة ومتكامِلة.

هذا الهروب من ألمي جعلني أكتشف الواقع عبر الخيال. شاهدت أفلاماً عن حرب عام 1914 التي كشفت لي عن وجه الحروب. شاهدت أفلاماً عن المُجتمع. علَّمتني الروايات والسينما أكثر حتى من المدرسة.

لقد استخدمت كلمة «مقاومة». كان عمرك 21 عاماً عندما انضممت إلى المُقاومة… هل ترى بأنها فترة صعبة، وقد عايشت الحرب العالمية الثانية؟

– هناك حالة من عدم الاستقرار ليست هي نفسها على الإطلاق. لكنني أعتقد أن الشدائد أيضاً هي التي يجب أن تحفِّزنا. كانت المُقاومة في الأساس من الشباب: تراوحت أعمار قادتنا بين 24 و 28 سنة. كانت حركة عبَّر فيها الشباب عن تطلّعاتهم وتمرُّدهم. أعتقد أنه على الشباب التعبير عن تطلّعاتهم وثوراتهم في نفس الوقت، كما فعلنا. اليوم، الدافع مختلف. كنا ندافع عن الوطن، وحتى على نطاقٍ أوسع، كانت الإنسانيّة معرَّضة للخطر من قِبل القوى الاستبداديّة. لكن الكوكب اليوم مهدَّد. إنه ليس عالَم الحيوان والنبات فقط. نحن أنفسنا، مع التلوُّث، والزراعة الصناعيّة. لدينا ألف تهديد بالصراعات والتعصُّب والانغلاق على أنفسنا. هناك أسبابٌ وجيهة تماماً للشباب، الدفاع عن الأرض، الدفاع عن الإنسانيّة، الإنسانيّة جمعاء. هناك غريتا ثونبرج الصغيرة، وكذلك الشباب الآخرون الذين يشعرون بذلك. أعتقد أننا نحتاج دائماً إلى التعبئة من أجل شيء مشترك، من أجل مجتمع. لا يمكنك إثبات نفسك من خلال التقوقع في أنانيتك، في حياتك المهنية. يجب علينا أيضاً المُشاركة في الإنسانيّة وهذا أحد الأسباب، على ما أعتقد، الذي جعلني متأهباً حتى في عُمري هذا.

غالباً ما نقارن بين فرنسا اليوم وفرنسا في الثلاثينيات، مع ارتفاع منسوب العنف، والانغلاق على الذات. هل تجد هذا التشابه أيضاً؟

– إنه تشابه أرسمه على مستوى معيَّن. لقد كانت فترة المخاطر المُتزايدة التي عشناها تقريباً مثل السائر أثناء النوم، دون أن ندرك ذلك. لكن الخطر اليوم ليس هو نفسه على الإطلاق. في ذلك الوقت، كانت ألمانيا أسيرة هتلر ومفهوم التفوُّق الآري الذي خطّط للسيطرة على كامل أوروبا بمساحتها الحيويّة واستعباد العَالَم السلافي. كان التهديد من ألمانيا النازية هو الخطر الرئيسيّ. اليوم هناك المزيد من المخاطر. هناك الكثير. لديك خطرٌ نوويّ. لديك الخطر الاقتصاديّ، خطر السيطرة على المال في كلِّ مكان. لديكم أزماتُ الديموقراطيّة، كما كانت في ذلك الوقت، والتي هي اليوم بنفس الدرجة من الخطورة. إذن، هناك سمات متشابهة، لكن هناك أيضاً سمات مختلفة جدّاً. وفوق كلّ شيء، هناك غيابٌ للوعي الواضح عندما يسير المرءُ نحو الهاوية. ما أقوله ليس قدراً محتوماً. كثيراً ما أقتبس كلمات الشاعر هولدرلين الذي يقول: «حيث يوجد الخطر يوجد أيضاً ما ينقذك». لذلك، أعتقد أن الأمل لا يزال قائماً.

كتبت في إحدى مقالاتك الصحافيّة: «يجب أن نفهم أن أي شيء يحرِّرنا تقنياً ومادياً يمكن في نفس الوقت أن يستعبدنا». أنت تتحدَّث عن الأداة الأولى التي تحوَّلت إلى سلاح على الفور. أنت تتحدَّث عن مخاطر التكنولوجيا الحديثة، وخاصّة المُراقبة بالفيديو والخوارزميّات. هل هي مخاطر فورية؟

– إنها أحد المخاطر في هذا المُجتمع، دعونا نسمها الشموليّة الجديدة، التي يمكن أن تترسَّخَ. لكن يجب ألّا ننسى المُحيط الحيويّ الذي سيزيد كلّ هذا سوءاً إذا استمرّت أزمة المناخ. يجب ألّا ننسى أن التعصُّب منتشر في كلّ مكان. ما يذهلني كثيراً هو أننا في هذه اللحظة -والوباء دليل على ذلك- جميع البشر، مجتمع المصير، نعيش جميعاً نفس الشيء من نيوزيلندا إلى الصين وأوروبا. لقد عانينا من نفس المخاطر الجسديّة والشخصيّة والاجتماعيّة والسياسيّة.

كيف جرَّبت، على المُستوى الفكريّ، الحَجْرَ الصّحيّ، أو هذه الفكرة لحبس الأفراد؟ هل ترون بأن الصحّة أهمّ من الاقتصاد؟ أم بالعكس كان الحَجْرُ على حساب الحرّيّات؟

– التعقيد هو أن ترى تناقض الأشياء. هناك رغبة واضحة في فرض سياسة صحيّة، لكنها ربّما لم تكن مناسبة تماماً للوضع. الحَجْرُ كانت له نتائج مفيدة لدى البعض، وكذلك المآسي عند البعض الآخر. إنه متناقض للغاية. لكني أعتقد أن هذا الفيروس لم يتم التفكير فيه جيّداً. ما زلنا في مغامرة غير معروفة وخطيرة وأعتقد أنه يجب إعادة التفكير سياسيًا وصحّيّاً بشكلٍ جذري اليوم.

الآن وقد بلغت المئة. من الواضح، في هذا العُمر، نفكِّر في النهاية. أكسل كان، الذي وافته المنية يوم الثلاثاء 6 يوليو/تموز، كان قد أرَّخ تقريباً لنهاية حياته. هل أعددت لذلك أيضاً؟

– هناك فرقٌ كبير مع أكسل كان، الذي كان يعلم أنه مصاب بسرطان قاتل. حتى الآن، ليس لديّ أي مشكل، ولا يمكن أن يكون لدي نفس موقف أكسل كان. مازلت أتمتع، على الأَقلّ من الناحية العقليّة، بقوى الحياة التي تمنحني الرغبات والمشاريع والملذَّات. بالطبع، أنا أعيش بطريقةٍ أكثر تقييداً بكثير ممّا كُنت عليه في الماضي. ضعف سمعي. عيني لا تقرأ الأشياء المجهرية بعد الآن. لم يعد بإمكاني الركض. لذا، أعرف أن الموت يمكن أن يأتي في أيِّ وقت، وأعلم أني قد أنام ذات ليلة ولا أستيقظ، لكن هذا قدر الإنسان.

ناضل أكسل كان كثيراً من أجل أن ينهي حياته بكرامة. هل المعركة تهمّك أيضاً؟

– إنني أتفهم جيّداً هذه الحاجة إلى تجنُّب المُعاناة الأكثر رعباً للأشخاص الذين يعيشون التجربة. لكن الأطباء يواجهون تناقضاً أخلاقيّاً. من ناحيةٍ، قَسَمُ أبقراط، الذي يأمرهم بإطالة العمر قدر الإمكان، ومن ناحيةٍ أخرى، جزءٌ من الإنسانيّة يقول لهم: دعونا نوقف معاناة هذا المسكين. أنا أؤيد وجهة النظر هذه، لكنني أعلم أن هناك حالاتٍ نادرة لأشخاصٍ في غيبوبة يئس الأطباء من علاجهم، لكنهم يستيقظون فجأة بعد بضع سنوات.

هل نحن بحاجة إلى تغيير قانون أخلاقيّات البيولوجيا؟

– يجب أن نفكِّر في تناقضات أخلاقيّات علم الأحياء. نحن نرى أن علم الوراثة يسمح بالتلاعب الذي يمكن أن يكون خطيراً، وفي نفس الوقت التدخلات التي يمكن أن تكون مفيدة للغاية. يجب أن نتذكَّر أننا في هذا المجال غالباً ما نتعامل مع واجبات متناقضة. لذلك، قبل كلّ شيء، يجب أن نضع قانوناً وفقاً لتعقيد الأشياء، وليس بطريقة مبسّطة.

دائماً هذا التناقض و«التفكير المُعقَّد». يمكننا أن نرى ذلك أيضاً في قضية ميلا المُتعلِّقة بحرّيّة التعبير هذه المرّة. أظن أنك مع الدفاع عن حرّيّة التعبير.

– إنها ليست اتفاقية، إنها قضية دائمة يجب الدفاع عنها!

لكن إلى أي مدى؟ هل يمكن لفتاة في المدرسة الثانوية إهانة دين عبر الإنترنت؟ ورداً على ذلك هل يمكن أن يدعو الناس لقتلها؟ هل كانت هناك عدالة في الحكم على المُتحرشين بالفتاة ميلا بالسجن 4 إلى 6 أشهر؟

– أعتقد أننا هنا أيضاً نتعامل مع تناقض أخلاقيّ. أنا أؤيد حرّيّة التعبير الكاملة، لكنني بالطبع أعتقد أيضاً أنه في التاريخ الشهير للرسوم الكاريكاتوريّة، فهي ليست قذرة في نظر الجهاديّين فحسب، بل يمكن أن تسيء إلى المُسلمين الأتقياء. لذلك لا أشجِّع على الرقابة، لكن من واجب الصحافيّين التحلّي بشعور التعقيد والمسؤوليّة. هذا ما يجب أخذه بعين الاعتبار. الأمر متروك للصحافيّين لمعرفة متى يتجنَّبون موضوعاً مسيئاً. على سبيل المثال، لتجنُّب أي مقارنة مع المسائل الحالية، الإسلام أو المسيحيّة. عندما يذهب البيض في أميركا إلى الغابات المُقدَّسة للهنود، وهذه الغابات بالنسبة لهم أكثر من مقدَّسة لأنها مرقد أسلافهم، أعتقد أنه يجب علينا إدانة ما هو انتهاك لمُقدَّسات الهنود. من الضروري التفكير في كلِّ حالة، وليس الحصول على أفكارٍ مجرَّدة عامة.

ذكرنا أشياء كثيرة سوداويّة سواء في الحاضر أو الماضي. هل من إشارة أمل بمُناسبة عيد ميلادك المئة؟ هل ترى مستقبلاً مشرقاً محتملاً؟

– أولاً، أعلم أنه لا يوجد شيء غير قابل للإصلاح. لسوء الحظ، لا يمكن عكس الديموقراطيّة، لكن الديكتاتوريّة يمكن أن تكون عكس ذلك. عشنا أزمنة مظلمة مثل الاحتلال، حيث لم يكن هناك أملٌ لسنوات، حتى وصلت معجزة الدفاع عن موسكو ودخول الولايات المُتحدة للحرب. لذلك، فإنَّ ما هو غير محتمَل يحدث في التاريخ. تحدث أحداث سعيدة. أحياناً يكون لها معنى محدود فقط، لكنها تظلّ مهمَّة. خذ البابا فرانسيس، على سبيل المثال، إنه أول بابا منذ قرون يعود إلى مبادئ الإنجيل، وأصبح مدركاً للمخاطر التي تهدِّد الأرض والفقر والبؤس البشريّ. لم يكن متوقَّعا أن يخلف هذا البابا بابا آخر كان منغلقاً جدّاً ورجعياً للغاية.

في الأساس، هناك دائماً صراع بين ما يمكن أن نسمِّيه قوى الاتحاد والتجميع والصداقة، إيروس، والقوى المُضادة للدمار والموت، ثاناتوس. إنه الصراع الأزلي منذ نشأة الكون، حيث تلتقي الذرات، وحيث تدمِّر النجومُ بعضها البعض، وتبلعها الثقوب السوداء. هناك اتحاد وموت في كلِّ مكان. في الطبيعة المادية، وفي العَالَم البشريّ. أقول للناس وللشباب: اصطفوا إلى جانب قوى الخير، قوى الاتحاد والتجميع والمحبة، وناضلوا ضد كلّ قوى الدمار والكراهية والازدراء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: لورين سينشال

رابط مُختصر للمصدر:

https://bit.ly/3xYcSvo

واسيني الأعرج: «ليليّات رمادة» محاولة لتجاوز الواقع

هناك عقول تغرس نطفة الحياة في رحم الموت كي تتحدَّى الفناء، وتبارز الرحيل. هؤلاء هُم مَن يكتبون تراتيل النجاة بأحبار الأمل.. هكذا، اتَّكأت رواية «ليليّات رمادة»، للكاتب والروائي الجزائري الكبير «واسيني الأعرج»، على بريق أمل وسط ظلمة الواقع، حيث تُعَدّ الرواية من بواكير الأعمال الأدبية التي كُتبَت عن جائحة «كورونا»، وقد صدرت عن دار «الأداب» اللبنانية في يناير (2021)، وتُوَزَّع حالياً في الأسواق العربيّة، بجزأيها؛ «تراتيل ملائكة كوفيلاند»، و«رقصة شياطين كوفيلاند».

«ليليّات رمادة».. رواية لمن أراد التأمُّل في زمن الوباء، وأبى أن تنقضي التجربة دون بصمة وجدانية عميقة توثِّق رؤى البشرية فيما ألَمَّ بالأرض في صُحبة «طاعون» القرن الواحد والعشرين. يدور السؤال الأهمّ، في الرواية، حول كيفية القبض على الغاية من الحياة ذاتها، وإدراك كمّ المفارقات التي تمتلىء بها، وسط حالة من التأمُّل وإعادة قراءة العديد من التفاصيل والأمور، وفهم المسألة الوجودية ذاتها.. في هذا الحوار، يتحدَّث «واسيني الأعرج» عن كواليس كتابة الرواية، والأطوار التي مرَّت بها منذ بداية نشرها، افتراضياً، وحتى صدور نسختها الورقية، وكذلك الرسائل التي ساقها للقرّاء؛ وكيف يمكن للأمل أن يُزهِر بين الشقوق.

«ليليّات رمادة»، هي العمل الأدبي الأوَّل المستوحى من أزمة الجائحة، حيث تنتمي إلى ما يُعرف بـ«أدب الأزمات».. ما الكواليس التي أحاطت بميلاد الرواية؟ وفي رأيك، هل يجنح الأدب إلى ما يشبه محاولات التعافي، سواء بالتصالح مع الواقع أو رفضه؟

– كُتبَت هذه الرواية في ظرفٍ خاصّ، حيث راودتني الفكرة وأنا في حالة حَجْر؛ مثلي مثل ملايين من البشر المحاصرين في ظلّ الموجة الأولى من الجائحة. في بداية فترة الحَجْر، فكَّرت في إنهاء روايتي التي سبقت «ليليّات رمادة»، وكانت عن قصّة حبّ عاشتها شخصية تاريخية حقيقية تسمّى «حيزية» تحوَّلت، فيما بعد، إلى أسطورة غنّاها الفنّانون والكثير من الغنائيين بأشكال مختلفة. كنت قد بدأت، بالفعل، في كتابة الرواية، وجمعت عنها الكثير من الوثائق. لكنني، رغم اتِّساع الوقت مع ظروف الحَجْر، لم أستطع إكمالها.. فكرة «الموت» كانت تهيمن على عقلي، وتأسر كلّ حواسي. رحت أفكِّر في شيء أخر، بعد أن توقَّفت كلّ الممارسات الحياتية المعتادة. لا أعرف كيف جاءتني فكرة «ليليّات رمادة»، لكنها جاءتني كمن يختار رفيقه الأنسب في رحلة مجهولة. قلت لنفسي: «لماذا لا أكتب شيئاً عن هذه الأحاسيس المضطربة؟»، وبدأ يتشكَّل في رأسي الإطار العامّ للرواية. السؤال الذي داهمني: «ماذا يساوي الإنسان، الذي يعتبر نفسه قويّاً، أمام فيروس مجهريّ يدمِّر البشرية بمنتهي الأريحيّة؟». لأوَّل مرّة – على الأقلّ، في وعيي الشخصي- تتساوى البشرية، بشكل مطلق، أمام الآلام والموت والأحزان،وغيرها من المشاعر الصعبة.ولكن، تُرى هل نتعلَّم ممّا يحدث؟

بدأت بالبحث في الجائحات السابقة التي ضربت البشرية، على مرّ التاريخ، التي تفشَّت -تحديداً- في العالم العربي. كانت هناك جائحة الطاعون التي حلَّت ببلاد الشام في عهد عمر بن الخطاب، وسُمِّيت بـ «عام الرمادة». من هنا، جاءتني فكرة تسمية الرواية بـ «ليليّات رمادة» واستيحاء اسم البطلة، كأحد أشكال الإحالة إلى الجائحة. وبدأت في نشر فصول الرواية عبر صفحتي على (فيسبوك)، حيث وجدت تفاعلاً، لم أكن أتصوَّره، من القرّاء، وكأننا نبحث معاً عن صيغة مشتركة للبوح ذاته؛ فالأدب يُعَدّ أحد الأدوات شديدة الحساسية للتعاطي مع الواقع، هو بمنزلة خيار داخلي مرتبط بحالة وجدانية تفرض نفسها، بقوّة، على المبدع.. ومع بداية الجائحة، خالجتني مشاعر، كان عليّ أن أواجهها، وأن يكون لي رأي بها، بنبش الواقع الجاثي على صدورنا. لقد اكتسبت الجائحة طابع العموم الذي يمسّ كلّ الناس، ويدفع الجميع للتفكير في كيفية المقاومة عبر وسائطه الخاصّة. في مثل هذه اللحظة، وجدت العالم من حولي وكأنه قد انتقل إلى داخلي، وأصبح جزءاً مني، أكتب من معينه، لا عنه. أكتب عن عالم يسكنني، لا عن عالم أراقبه. راودتني، أيضاً، فكرة «الشراكة» مع القرّاء، والسكينة التي يمكن أن يولِّدها وجودنا المشترك داخل خندق شعوري واحد. والواقع أن «ليليّات رمادة» لم تكن تجربة روائية تحمل الكثير من الخصوصية، بالنسبة إليَّ، بقدر ما اعتبرتها تجربة في «تَعلُّم الحياة» من جديد، كطفل يحبو على قارعة الطريق الطويل، حيث أفقدتنا الجائحة كلّ مبادرة.

قُمت بنشر الرواية في نسخة افتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم جرت طباعتها في نسختها الورقية في يناير، هذا العام.. هل كان صدور النسخة الورقية قراراً لم يكن في الحسبان؛ نظراً لظروف الجائحة؟

– هناك لحظتان في هذه الرواية؛ اللحظة الأولى عندما قرَّرت نشرها، افتراضياً، على (فيسبوك)، في حلقات استمرَّت قرابة أربعة أشهر، وهو قرار به الكثير من المغامرة، لكنه حمل، أيضاً، الكثير من الصدق، لأنه وثَّق مشاعر حقيقية عن أزمة واقعية لاافتراضية، تحصد الأرواح وتنفث الموت في وجه الآلاف، يوميّاً. كان من الصعب التفكير في شيء آخر سوى الموت، و-من ثَمَّ- كانت الوسيلة الأقرب والأسرع للتواصل مع القرّاء عبر النشر الإلكتروني. ردّ الفعل القويّ للقرّاء، والسجال اليومي الذي أحدثته الفصول الأولى للرواية، دفعاني إلى مواصلة النشر. كنت بصدد كتابة فصول الرواية، ونشرها في الوقت نفسه؛ لذلك لم أكن أعلم إلى أيّ شيء يمكن أن ينتهي إليه النصّ أو حتى تفاصيل الأحداث والوقائع. كان الإطار العامّ للرواية حاضراً في ذهني، أنسج داخله ما يتولَّد في عقلي لحظة بلحظة، وأضعه بين يديّ القرّاء..حاولت أن ألتزم بهذا الإطار، لكنه كثيراً ما كان ينكسر بسبب ديناميكية السرد التي تفرض، أحياناً، نمطاً آخر وأحداثاً أخرى. الرواية، كانت أشبه بـ «لحظة توالد فكري» يصعب محاصرتها، لأن الجمهور شاركني ميلاد الأحداث، أوَّلاً بأوَّل.

أمّا اللحظة الثانية؛ فجاءت بعد أن صارت الرواية واقعاً رقمياً، لكنه غير ملموس، حيث اعتبرت النشر الإلكتروني بمقام الصورة الأوَّليّة للرواية، والتي توجب عليَّ الانتقال منها إلى المرحلة الثانية؛ وهي التفكير في إصدار نسخة ورقية، لأن الذي يبقى، في النهاية، هو «الورق». بدأت أدقّق العمل، وأعيد قراءته وترتيب أحداثه، حيث استغرق ذلك قرابة ثمانية أشهر.. إذن، نحن بين أولويَّتَيْن؛ أهمِّيّة النصّ الورقي بوصفه «ضرورة» حضارية وثقافية، لكي يتمّ تداول الكتاب، ويدخل البيوت، ويصبح بين الأيدي، وأهمِّيّة اللقاء السريع مع الجماهير، من خلال نصّ روائي سَرَّع وتيرتَه الخوفُ من الموت، وثقل الجائحة في ذلك الوقت؛ لذلك تأتيني اللحظة التي أقول فيها بقناعة : «شكراً للجائحة، لأنها منحتنا الفرصة كي نكتب في مرحلة أولى، برغبة إنجاز نصّ يُحرِّرنا من الخوف داخليّاً، ويحاول، في الوقت نفسه، أن يؤرِّخ لهذه اللحظة التاريخية في نفوس البشر».

«ليليّات رمادة»، رواية تفاعلية، كان للقرّاء دور في نسج أحداثها ونسيجها الدرامي؛ نظراً لمشاركتك أجزاءها عبر «فيسبوك» خلال الأشهر الأولى من الجائحة.. ترى، ما هو الخطّ الفاصل بين ما يولد في عقل الكاتب، وما ينتظره القرّاء ويعبِّرون عنه، مسبقاً، في تعليقاتهم؟

– عندما قرَّرت أن أشرك القرّاء معي في أجزاء الرواية، أخذت أنشر فصلَيْن من الرواية، يومَيّ الخميس والأحد من كلّ أسبوع، على صفحتي على (فيسبوك). ومع نشر الفصل الأوَّل ومشاركته مع القرّاء، وجدت في المساء تفاعلاً لم أتصوَّره. رَّدة الفعل هذه أعطتني إحساساً بأنني لست الوحيد؛ وهو ما فتَّت داخلي مشاعر الوحدة. لم تكن فصول الرواية منجَزة بعد، فقد كان زمن كتابتها هو زمن نشرها؛ الأمر الذي كان يشبة «اللعبة». لكنها «لعبة جادّة»، وليست سهلة، بها كثير من الالتزام الأخلاقي تجاة القرّاء، ومزيد من الإثارة في أثناء ممارسة الكتابة تحت الضغط. نصحني بعض الأصدقاء والروائيِّين بألّا أضحّي بالرواية بنشرها على (فيسبوك)، لكنني كنت بحاجة ماسّة إلى هذه الشراكة الشعورية؛ بحاجة إلى أن أسمع أراءهم، وأشعر بأن هذا المرض غير موجود، وبأننا نتكلَّم على شيء وُلِد في الماضي، وبأننا في لحظة سلام آنيّة.

بدأت أفكّر في أن يتحوَّل الأمر إلى ورشة كتابة، حيث سبق لي أن دشَّنت العديد من ورش الكتابة في العالم العربي. وبالفعل، استمرَّت هذه الورشة طوال فترة نشري لأجزاء الرواية. والواقع أنها كانت واحدة من أفضل الورشات التي دشَّنتها، لأنها شملت الآلاف من الناس بدون قيد أو شرط، حيث وضعت على عاتقي التزاماً بأن أردّ على كافّة التعليقات، دون استثناء. وعندما اقتربت من نهاية الرواية، طلبت من الجمهور أن يشترك معي فيها، حيث أنجزت، أنا -أيضاً- نهايتي، لكنني لم أنشرها. أخذت أتجوَّل بين الألوان والتشكيلات التي أتى بها القرّاء كاقتراحات لنهاية الرواية. والواقع أنها كانت تجربة كتابية من أجمل ما يكون. طبعاً، تقاطعت نهايتي مع بعض النهايات، لأن مسار الرواية هو الذي حدَّد، بالنسبة إليَّ، هذه النهاية؛ فأنا صاحب النصّ وهذا خياري، لكنني أشركت معي القرّاء في التعبير عن وجهات النظر. وكلَّما كانت تصلني «نهاية» مقترحة، أضعها على صفحتي، ونتناقش حولها، حتى تحوَّلت المسألة إلى «ديناميكية» سردية. والواقع أننا صنعنا، خلال هذه القراءات الأسبوعية، عالماً من المودّة والمحبّة والتجاوز للواقع، وهو الشيء الذي بحثت عنه، بالأساس، من وراء النشر الافتراضي.

طرحت الرواية تساؤلاً حول وضعية المبدع داخل دائرة الأحداث الآنيّة، والأزمات على أرض الواقع، وإذا ما كان عليه أن يكتب بعين المعايشة اللحظية، أم ينتظر ليأخذ مسافته من الأحداث لفهم الملابسات؛ فهل تراود المبدع فكرة إعادة ما كتبه بغرض الإضافة أو الحذف، في ظلّ حدث معيش، لا تتوقَّف تطوُّراته بين عشيَّة وضحاها؟

– المبدع هو العين الكاشفة، التي تتجلّى تحت وهجها الحقائق، ولا تتقيد بزمن مثالي لالتقاط هذه الحقائق. كما أنه لا ينبغي الجمع بين الكتابة الآنيّة والكتابة بعد أخد مسافة من الحدث؛ فهناك من يكتب مع اللحظة المعيشة رغم تحوُّلها الزمني، وهناك من يأخذ مسافته لفهم الصراعات والتفاصيل؛ وهما مستويان مختلفان من الكتابة، خاصّةً أن النظام التاريخي له منطقه وفلسفته بما لا يتعارض مع المساحة الإبداعية الخاصّة بكلّ مبدع، لأن المبدع هو سيِّد هذه المساحة، لا الحدث أو الزمن. فها هي الجائحة شكَّلت لحظة مشتركة بين الجميع، ولكن كلّ منّا يعيش مساحته من الخوف والقلق، وما دون ذلك من مشاعر، على طريقته.

لا تتعجَّبي إذا ما قلت لكِ إن المبدع إذا أعاد قراءة نصوصه، بعد كتابتها، فسيشعر أنه بحاجة إلى إعادة صياغتها من جديد، خاصّة أن ظاهرة «الإغواء» كثيراً ما تلازم المبدعين، وتجعلهم يتدلّون بطرف فكرة جديدة أو زاوية جديدة أو معالجة مثيرة، وهو أمر يفرض عليهم الكثير من عمليّات التنقيح والتطوير للنصّ المكتوب، ولكن هذا نعتبره، في الأدب، أثراً جانبيّاً لفعل الكتابة لا تأكيداً على وجود رغبة حقيقية في إعادة كتابة النصّ أو تعديله.. إنه فعل «الإغواء» الأدبي، فحسب.

مع «ليليّات رمادة»، حوّلت مشاعري وأحاسيسي الشخصية بالخطر إلى حالة قابلة للتفاوض الشعوري، خاصّة أن الكتابة مسؤولية فردية، وجماعية، أيضاً، تجاه المجتمع. كلتا المسؤوليتَيْن تحتِّمان على معشر الكُتّاب القيام بعمل بحثي عميق. ففي النهاية، سيختفي الوباء، ويظهر غيره بعد عقود، ولكن لابدّ، هنا، من رصد الأوبئة المجتمعية اللصيقة بالأزمة. مثل هذه الثنائية بين الحقيقة وما وراءها، تخلق مساحة من التوازن في النصّ الإبداعي، بصرف النظر عن عنصر الزمن.

لقد كانت لك عبارة نافذة تقول: «الفيروسات رحيمة، والأوبئة فرصة لتأمُّل الذات والحياة».. كيف كانت تجربتك الشخصية في ظلّ الوباء؟ وهل كانت «ليليّات رمادة» جولة تأمُّلية شخصية لـ «واسيني الأعرج»؟

– الوباء، بالفعل، منحنا فرصة لتأمُّل الذات؛ ففي الأوضاع الخطيرة جدّاً، يواجه الإنسان المصائر القدرية الكبرى التي تتجاوز إرادته.. ومهما كانت إرادته الشخصية، فهو إمّا أن يسقط في حالة هيستريا غير مسبوقة، أو حالة «رُهاب» كلِّيّة، وإمّا أن يتعامل مع الأزمة بشيء من التعقُّل، مؤمناً، من داخله، بأن المسألة الوجودية لا يتحكَّم هو فيها، وأن الموت والحياة أكبر منه.. فالحياة حالة مؤقَّتة، وليست دائمة، وعلينا أن نملأ هذا الفراغ الزمني المتاح لنا بقوّة وجمال وكثافة أيضاً. بالنسبة إلى تجربتي الشخصية مع الجائحة، هي لا تختلف كثيراً عمّا عاشه الجميع.. كنت أخضع لقوانين العزل والحَجْر الصحّي، والتزمت بالبيت كالملايين. ولكن، في الوقت نفسه، كان الأمر قاسياً بالنسبة إلى شخص مثلي اعتاد السفر الدائم، فكنت أسافر، تقريباً، بشكل أسبوعي، لإلقاء المحاضرات، وكانت تنقُّلاتي كثيرة جدّاً، لكنّ «كوفيد» وقيوده كسَرا الكثير من عاداتي الحياتية، غير أنه يوجد، دائماً، ما يُعرف بـ «الحلول القصوى». فكَّرت أن أكتب يوميّاتي، لكني وجدت أنني، في اليومية الثانية أو الثالثة، على الأكثر، سأكرِّر ما كتبته. فالجميع عايش الحياة، خلال هذه الفترة، مثل «يوم طويل» لا ينتهي؛ من هنا شعرت أنه لا جدوى من كتابة اليوميّات. قرَّرت أن أختبر شيئاُ آخر، فبدأت أخطِّط لرواية «ليليّات رمادة».. واكتشفت أنه، في كنف العزلة، تتوهَّج الكثير من الحقائق، فالحديث، مع الأخرين، حول الأزمات والانشغالات المشتركة يمنحنا الفرصة لفهم ذواتنا والقدرة على الاستمرار. والواقع أن ما نكتبه، أحياناً، في الحالات السلميّة، يمكن إنجازه، في الظروف الاضطرارية، في وقت أقلّ بكثير.. ووفقاً لهذا المرتكز، تحوَّلت الرواية إلى محاورة موسَّعة وكثيفة.

«ليليّات رمادة».. هي تعشيق بين أدب الرسائل والسرد القصصي.. الرسائل الثلاثون، كانت بمقام استهلال روحي، تصوغه البطلة في كلّ نوبة بوح، وكأنها تدثِّر، بذلك البوح، غياب المرسَل إليه.. من أين جاءتك فكرة هذا الدمج الأدبي؟

– فكرة الرسائل ودخولها في البناء السردي للرواية، ليست أمراً جديداً بالنسبة إليَّ، وإنما ممارسة تقليدية في أغلب ما كتبت من روايات؛ وذلك من باب قناعتي بأن «الرسالة» هي لحظة تعبيرية صادقة؛ بمعنى أن المنتظَر من وراء هذه الرسالة الموجودة داخل النصّ الروائي، هو التعبير عن لحظة وجدانية إنسانية في مواجهة مخاطر الموت التي كانت متسيّدة (وما تزال) بسبب الجائحة، حيث تأتي الرسالة بغرض كسر النمطية السردية، التي كثيراً ما تكون جافّة، وهي -في الوقت نفسه- كاشفة عن أعماق الإنسان وما يعتمل في داخله. هذه التوليفة مهمّة جداً، بالنسبة إليّ، في هذه الرواية، تحديداً. كما أن الرسالة تتوازى مع مكوّن أخر لا يقلّ أهمِّيّةً في الرواية، هو الموسيقى الكلاسيكية، ومقطوعات تُسمّى، باللّغة الفرنسية، «ليليّات». «الليليّات»، هي مقطوعات للموسيقي الفرنسي الشهير «فريدريك شوبان»، تحتوي على ثلاث حركات موسيقية داخلية؛ الحركة الأولى «خفيفة» تمثِّل المقدِّمة، والحركة الثانية «قويّة» تمثِّل الذروة والصعود الشعوري. أمّا الحركة الثالثة فتمثِّل الهبوط والسكينة. وجدت، في مثل هذه الحركات الموسيقية الثلاث علاقة متماهية مع حركة الزمن داخل نسيج الرواية؛ حيث الزمن الافتتاحي الذي يمثِّل خلفية الأحداث، ثم زمن الخوف والعنف ورفض الواقع، ثم زمن السكينة والاستسلام للأمر الواقع، وعدم طرح مزيد من الأسئلة.

كان «رهاني»، في الرواية، أن تصبح هذه الليليّات «متعابدة» بين اللحظة السردية واللحظة الرسالية الغنائية، فالموسيقى هي المعبر الذي نصل معه إلى هدأة الروح والسكينة. كذلك كانت بطلة الرواية، «امرأة» عانت قسوة الأب وظلم الزوج وجفوة الحياة، لكنها -مع ذلك- تشبَّثت بـ «نبتة» الحبّ، ورفضت الاستسلام للموت. كلّ هذه العناصر، التي تضافرت في نسيج الرواية، جسَّدت أبواباً وفجوات لغرس الأمل داخل كتلة سردية تعجّ بالموت والخوف؛ من هنا لم تكن البطلة تستعيد أنفاسها، وتأخذ فسحة من ضغوطات الواقع إلّا عندما تستمع إلى الليليّات، فتعطيها فرصة للخروج من الضائقة اليوميّة وقهر مشاعر الفقد والبعد والاشتياق والحنين.. هذه العناصر -مُجتمِعةً- تكاتفت، لتجعل النصّ الروائي نصّاً ثلاثيّ الأبعاد، من حيث البنية اللّغوية، والتكوينية. ومثل هذه الخيارات الرسالية والموسيقية، لم تكن عبثية، بل صمَّمتها برغبة أكيدة لتقزيم مشاعرنا السلبية، قدرَ المستطاع.

«رمادة».. «راما».. «أفين». لكلّ اسم دلالته، وهو مُتَكأ في ماضي بطلتك، وحاضرها، ومستقبلها.. كلّ اسم، على حدة، يُفجِّر قصّة مختلفة ومعاني راسخة في ذاكرة الطفولة المكبَّلة والحبّ الذي أبى البقاء، والأمنيّات التي ظلَّت في قواريرها بانتظار انفراجة.. الأسماء الثلاثة عكست ظلالاً نفسية، وانطباعية متباينة للبطلة.. هل كان هناك ترميز أدبي مقصود خلف الأسماء الثلاثة؟

– بالطبع، كان هناك رمزية مُسبَّبة خلف الأسماء الثلاثة، يمكن اختبارها من خلال مجريات النصّ: «رمادة»، هو الاسم الى الذي اختاره لها والدها، حيث كان ينتمي، في مرحلة مبكّرة من حياته، للتيّارت الإسلاموية، إذ تعاملت هذه التيّارات مع كلّ الرموز التاريخية، وأعادت بعثها في الحياة العامّة؛ سواء مع أسماء الشوارع والأسواق والمحلّات، وكذلك أسماء الأشخاص.. كانوا يستخدمون كلّ ما يحيل إلى العنصر الديني في سبيل مكافحة ما سمّوه بـ «التغريب».. من هنا، اختار الأب لابنته اسم «رمادة» تبرُّكاً بعام «الرمادة» الذي جاء في عهد سيِّدنا عمر بن الخطاب، لكنه كان عام الأوبئة، حيث انتشر الطاعون، وحصد آلاف الأرواح، وعندما وضعت زوجته فتاةً، لا صبيّاً، سمّاها باسم هذا العام «الرمادي» القاحل. والواقع أنه لم يكرمها بهذا الاسم، بل دمَّرها؛ لرمزيَّته السلبية.

على النقيض، تماماً، كان اسم «أفين» الذي اختارته لها والدتها، وهو يعني، في اللّغة التركية، «الربيع والجمال»، حيث كانت الأمّ مرتبطة بالثّقافة التركية لأصول أجدادها التركية. كما أن الحبّ الأوَّل في حياتها كان لشابّ تركيّ، لكن علاقتهما لم تتطوَّر بصورة حاسمة، ثم تزوَّجت «والد رمادة» الذي لم تكن تحبّه بالدرجة الكافية. جاء اختيار الأمّ اسم «أفين» كدليل على المقاومة الأنثوية في وجهة الغطرسة الذكورية، وتعبيراً عن رفضها اسم «رمادة» الذي فرضه عليها زوجها فرضاً، دون مناقشة.

أمّا «راما»، فهو -في الحقيقة- تصغير اسم «رمادة» كما أن إيقاعه أكثر سلاسة وموسيقية، وكان اسم التدليل الذي اعتاد حبيبها «شادي» مناداتها به، وكذلك أخوها الذي كان يحبُّها حبّاً جماً. الاسم يشبه، أيضاً، في إيقاعه الصوتي كلمة «رحمة»، وهي -بالفعل- كانت شخصية رحيمة، ودودة، ومحبّة للآخرين. إذاً، نجد أن بطلة الرواية قد جمعت بين الاسم المرفوض «رمادة» والاسم المحبَّب «أفين»، واسم التدليل المختزل الذي يحيل إلى الرحمة، وهي -بالفعل- الصورة الثلاثية المتكاملة التي تعطينا جوهر شخصية البطلة، فهي متقاطبة بين حالة الرماد التي كانت تعيشها، يوميّاً، في بلد يواجه الموت والوباء، لكنها -في الوقت نفسه- حالمة بالحبّ، متشبّثة به كرشفة النجاة الأخيرة، ثم إن كلّ ما فيها هو «رحمة»، فهي محبّة للناس ومتسامحة، حتى مع زوجها أبيها التي ألحقت الضرر البالغ بالعائلة.

(رسائل رمادة)، كانت أشبه بخيط حريري شفّاف يتراكم عليه رماد الواقع وعوادم الصراعات الكائنة في ظلّ الأزمة، داخل أحداث الرواية.. لماذا اخترت «الحبّ» مسرحاً يدور، على خشبته، هذا الزخم من الصراعات؟ هل أردت إعطاء مسكِّن للألام يمنح القارىء القدرة على استقبال الفواجع؟ وكيف للحبّ أن يهزم مشاعر الفقد والرهبة، من وجهة نظرك الأدبية، والإنسانية ؟

– «الحبّ»، «الرسائل»، «الموسيقى».. هي الأعمدة الثلاثة التي تأسَّس عليها بنيان الرواية، حيث إن ديناميكية الكتابة وصيرورة النصّ، أحياناً، تفرضان على الكاتب أشكالاً معيَّنة، وهي -بالطبع- جزء من الفعل الكتابي، لأن «رمادة»، عندما كتبت رسائلها، كانت تنطلق من معطيات، مخطَّط لها سلفاً.. نجد -مثلاً- أن الرسائل شكَّلت جزءاً مهمّاً من البنية العامّة للنصّ، فهي بمنزلة «أيقونة تواصُل» بين «رمادة» وحبيبها «شادي» الموجود خارج البلاد، في حالة مرضية قاسية. ففي اللحظة التي انفتحت الأبواب أمام هذا الحبّ المعلَّق، انغلقت، في اللحظة ذاتها، بفعل الوباء؛ لهذا لم يكن هذا الحبّ مجرَّد «لحظة عابرة» في حياة رمادة، إنما كان «حقيقة و«لحظة حياتية» اختبرها عامل الوقت والظروف القاسية؛ لذلك كان من الصعب لهذا الحبّ أن ينطفئ. لقد جسَّدت هذه الرسائل طرف الأمل الذي تشبَّثت به البطلة، حتى وإن لم تتلقَّ ردوداً على مكنوناتها المفرَّغة عبر السطور.

في رأيي، لقد خسر الإنسان الكثير عندما تراجع هذا اللون من التواصل الخطّي بين البشر؛ ذلك حاولت أن أعيد إحياء هذا الشكل من التواصل في كثير من رواياتي. ولكن، في «ليليّات رمادة»، اكتسبت «الرسائل» زخماً شعورياً أكثر تكثيفاً، لكونها حافظت على جذوة العاطفة متَّقدة بين البطلَيْن الرئيسيَّيْن، ولعبت دوراً روائياً ليس ثانوياً، بل جوهرياً. وعندما انتقيت «الرسائل» لتصبح خلفية أدبية، واستهلالاً مشحوناً لبداية كلّ فصل من فصول الرواية، كنت أعرف أن هذا العنصر سيكون مهمّاً في بناء الرواية، وسيخلق التعبئة النفسية، والشعورية المرجوّة لدى القرّاء؛ من هنا، عبَّرت بداية كلّ رسالة عن أمل وليد يفتح ذراعيه لاحتضان الحياة من جديد، ليقول للبشرية العالقة بين الموت والحياة: «يجب ألّا نعيش موتى قبل الموت».

مجرَّد مواصلة البطلة فعلَ الكتابة (رغم كلّ الصعاب التي تعترضها)، وإنصاتها لأنينها الداخلي، أعطى الرواية روحاً داخلية تتعلَّق بالحبّ، لتجعل منه «رشفة النجاة» المنتظَرة.. صحيح أننا لا نستطيع أن نخوض حروب القسوة والظلم بالحبّ، فقط، لكن إذا خسر الإنسان هذه القيمة الشعورية المتعاظمة، فسيصبح حيواناً شرساً، لا لجام له. وليس هناك قوّة تهذِّبه إلّا ما يحيكه من قِيَم ثقافية وحضارية. لذلك، أقول أن الحبّ لا يتنَزَّل كـ «الوحي»، إنما يُربّى داخل الإنسان، لكونه استعداداً فطريّاً يحتاج إلى رعاية، وفي الوقت نفسه، الحبّ هو الذي يقودنا إلى التضحية والتسامح والاعتراف بالآخر، ولا يمكن اختزاله في الجانب العاطفي البسيط بين الرجل والمراة، بل يتعدّاه إلى الجوهر الوجودي للإنسان، فلا وجود للإنسانية دون حبّ. كلمات الحبّ، يمكنها أن تعيد اتِّقاد الحياة من جديد؛ لذا لم يكن «الحبّ» مجرَّد مكمِّلات روائية، بل جوهر الرواية ذاتها.

«رمادة».. هي صوت البوح الذي يجترّ ذكريات الماضي، ويناجي الأمل الوليد في عتمة المستقبل المجهول.. أهي رمز تتوحَّد معه البشرية قاطبةً، في زمن «الانكفاء» كما سمَّيْته في روايتك؟

– شخصية «رمادة» لها امتدادات رمزية عديدة، لكنها -مبدئيّاً- شخصية أدبية، بُنِيَ النصّ حولها لتصوير حالة مجتمعية شديدة القسوة. لقد كانت مركزاً لشبكة العلاقات الموجودة داخل الرواية، بأكملها؛ ما أعطاها حظوة التسيُّد في نصّ الرواية. لم تكن الرواية تتحدَّث عن المرض والوباء المستشري، فحسب، بل رصدت الأوبئة الاجتماعية التي تنتعش، أيضاً، في ظلّ هذه الأزمات. صحيح أن شخصية «رمادة» عبَّرت عن اللحظة الشخصية الواقعية، لكن يوجد، أيضاً، في الخلفية الكبرى للأحداث، أوبئة اجتماعية لا تقلّ ضراوةً عن الجائحة؛ من هنا، أصبحت «رمادة» أداةً للتعبير عن لحظة جماعية، فكانت تعيش وسط ألوان شتّى من الأمراض الاجتماعية، حيث تدنَّت قيمة الإنسان تحت وطأة الوباء في المجتمعات الفقيرة والمنهكة، ومن هنا كان هناك دلالة سردية تجسِّدها شخصية «البطلة» من خلال التعبير الأدبي، والفنّي عن مشكلات اجتماعية نعيشها، بالفعل.

يمكن، أيضاً، فهم مدلول الشخصية من خلال الترميز، إذ تتحوَّل «رمادة» إلى أداة للكشف عن هذه الآفات الاجتماعية. فكانت مثل «النصل» الذي ينبش الواقع، ويَّتكىء عليه القارىء لتتبُّع المنحنى المجتمعي المتهاوي تحت وطأة الأزمة. كذلك لم تكن «رمادة» شخصية فاضحة لآليّة هذه الآفات، بقدر ما كانت شخصية تستبطن الأمل؛ فعلى الرغم من كلّ الويلات التي ألمَّت بها، كانت تذهب إلى عملها، وتُحاضِر طُلّابها، وتُطالِع اللوحات الفنِّيّة وتتذوَّق الجمال حولها مهما بلغ تواضعه. هذا العالم الروائي الترميزي، كان يكرِّس لمزيد من القوّة في طعن الواقع، ومبارزته بسيف الإرادة والأمل لا الاستسلام والانكسار.

كان هناك ربط شعورىّ بين «ليليّات رمادة» و«ليليّات شوبان» وكأنه الإيقاع الخفي الذي تهتدي به البطلة إلى الحياة والحبّ والنجاة.. تلك الخلفية الموسيقية للرسائل، خلقت تعبئة شعورية لدى القرّاء.. من أين جاءك هذا الربط؟

– شكَّلت الليليّات لحظة فارقة في الرواية كـ «بنية» و«مدلول».. أشرح كثيراً لأصدقائي من أين جاءت ترجمة كلمة «ليليّات» لا «ليالي»: الليليّات، هي الأمسيّات الموسيقية التي تتضمَّن مقطوعات موسيقية قصيرة تتناغم مع البناء الهرمي للموسيقى، متضمِّنة ثلاث فواصل موسيقية، تجمعها هرمونيا واحدة.. وعلى الرغم من قصر هذه المقطوعات، هي قويّة من ناحية البناء، ومن لديه ثقافة موسيقية، ولو خفيفة، يستطيع معرفة ذلك.. لقد قمت باختيارها، لكونها تناسب البعد الدرامي للرواية وللشخصيات، ولأنها، أيضاً، مقطوعات تضفي السكينة، وتنفذ إلى الأعماق. وما إن تنتهي، حتى تدفع المستمع إلى لحظات تأمُّلية عميقة، وكأنها تفتح شهيّة الروح. والواقع أننا وسط مشاعر الحزن والخوف والانكسار التي احاطتنا بها الجائحة، نحتاج إلى سند روحي يمكننا الاتِّكاء عليه، لكي يستقيم الوضع، ولو قليلاً، ولهذا جاءت هذه المقطوعات الموسيقية متناغمة، تماماً، مع رسائل البطلة وكأنها «تتمّة» لهذه اللحظة التي ترتفع بها عالياً، وتهبط بها ما بين قطبَيّ اليأس والتفاؤل، لتولد، بين قطبَيّ التساؤل، تلك الأسئلة التعجيزية : ما قيمة الوجود؟ ماذا يساوي الإنسان الذي نصَّب نفسه الأقوى؟ فعلى الرغم من امتلاك الإنسان لكلّ وسائل التدمير التي دمَّر بها الطبيعة، إلا أنه عجز عن تدمير هذا الكائن المجهريّ الضئيل.. حتى ظهور مثل هذه الفيروسات والأوبئة ناجم عن تلاعب الإنسان بالطبيعة، وإخلاله بنظامها. لو تصوَّرنا، ونحن نتابع أنباء الصاروخ الصيني الشارد، أن هذا الصاروخ نوويّ، وربَّما سقط على الأرض في أيّة لحظة، فأيّة كارثة يمكن أن تلحق بالبشر وقتها؟.. إذاً، تصنع البشرية، أحياناً، أشياء خارج نطاق السيطرة، ومن بين هذه الأشياء «الفيروسات»؛ إمّا عن طريق مباشر أو عن طريق غير مباشر..

وسط هذا الصخب الطاعن، جاءت «الليليّات» في بداية كلّ فصل، كـ «مستراح» لالتقاط الأنفاس، حتى نستطيع رؤية العالم بصورة أقلّ بؤساً ممّا هو عليه، إذ جسَّدت المقطوعات الموسيقية- داخل البناء الروائي- سنداً عميقاً لاستعادة إنسانية الإنسان التي تغيب داخل الرواية، باستثناء أبطالها الإيجابيّين. فالرواية تريد أن تقول، من خلال بنيتها اللّغوية، واستخدام الوسائط الايجابية المختلفة؛ مثل الرسائل والموسيقى، أنه ما يزال في الإنسان قوّة جميلة يمكنه الاتِّكاء عليها؛ كي لا يفقد الأمل في النجاة.

– نهاية الرواية جاءت صادمة لبعض القرّاء.. لأيّ شيء انتصرت هذه النهاية؛ لـ«مَنطَقة الواقع» أم لـ«ضبابية المستقبل»، أم لـ «جمود الحاضر» الذي لا يمنحنا ما نريد في الوقت الصحيح..؟!

ربَّما كانت النهاية صادمة للأغلبية؛ لكونها مغايرة لإيقاع الأحداث، وسيمترية السرد في الرواية، حيث تفقد «رمادة» جنينها الذي جسَّد رمزية الأمل طوال الأحداث، لكنني صمَّمت النهاية بغرض الانتصار إلى صيرورة الواقع الروائي. إن المجتمع الذي تدور على أرضه أحداث الرواية، لا يقودني إلّا إلى مثل هذه اللحظة التي مثَّلت مفترق طرق بين البطلَيْن.. لكنني حرصت على أن أبقيها نهاية مفتوحة غير جازمة، رغم هالة الحزن التي خيَّمت عليها. حرصت على أن يبقى الحلم مُعلَّقاً، يقبل البعث في أيّة لحظة. ففي نهاية المطاف، يمكن للقارىء أن يضع النهاية التي يشتهيها إدراكه بصفته «متلقِّياً» بعد التشبُّع برسائل الرواية.. ربَّما كانت هناك نهايات أكثر تفاؤلاً، ولكن الأهمّ- بالنسبة إليّ- أن تُمنطِق النهاية ما سبَقها من أحداث. ما صدم القرّاء، أيضاً، «كسر الحالة» التي اعتادوا عليها، فقد تعوَّدوا على مسار معيَّن للرواية، أنساهم حالة المرض التي هيمنت عليهم. لم يكن سهلاً أن يفقدوا ذلك المسار الحالم الذي كانت تعيشه البطلة انتظاراً للقاء، هو كلّ ما تبقّى لها. وبعد كلّ هذه الفترة الزمنية التي اعتصرت طاقتها، ولم تنل من يقينها، لم تحصد سوى الخيبات، وذلك لأنها أحبَّت بصدق.. مَن يحبّون بصدق، تكون ردّة فعلهم، أحياناً، أكثر قسوة، ليس تجاة الأخرين، فحسب، بل تجاه أنفسهم أيضاً، كأحد أشكال العقوبة وجَلْد الذات. ولكن تظلّ الدلالة الإنسانية، بانتصاراتها وخيباتها، على حَدّ سواء، نتاجاً لوضعية المجتمع الذي يصعب فصله عن الأفراد.. ففي النهاية، للواقع منطقه الذي يجب وضعه في الحسبان، دون وأد الأمل أو عملقته.

إسكندر حبش.. حياة أخرى متكاملة!

إسكندر حبش، شاعر وصحافي ومترجم لبناني، من مواليد مدينة بيروت، العام (1963). ساهم في إصدار مجلّات شِعرية في الثمانينات، وأشرف على الصفحة الثّقافيّة في جريدة «السفير»، قبل أن تتوقَّف عن الصدور في 31 ديسمبر، (2016). صدرت له مجموعات شعرية، من بينها: «بورتريه رجل من معدن» (1988)  – «نصف تفاحة» (1993) – «تلك المُدن» (1997) – «أشكو الخريف»، و«لا أمل لي بهذا الصمت» (2009) – «لا شيء أكثر من هذا الثلج» (2013) – «إقامة في غبار» (2020).

كما صدرت له ترجمات في الشِّعر والرواية والفلسفة، من أبرزها رواية «ألف منزل للحلم والرعب» للروائي الأفغاني عتيق رحيمي، و«لست ذا شأن» هي شذرات للكاتب «فرناندو بيسوا»، و«أجمع الذكريات كي أموت: 32 شاعراً برتغاليّاً معاصراً»، و«هكذا تكلَّم أمبرتو إيكو»، و«نجهل الوجه الّذي سيختتمه الموت: من الشِّعر الإيطالي المعاصر»، و«مروفين» رواية لميخائيل بولغاكوف، و«حرير» رواية ألساندو باربكو، و«العاشرة والنصف ليلاً في الصيف» وهي رواية للفرنسية مارغريت دوراس. كما أعد وقدّم «ديوان الشِّعر العربي في الربع الأخير من القرن العشرين–لبنان»، وكِتاب «حكاية الحكايات: قراءات في روايات معاصرة».

في هذا الحوار، نتعرَّف إلى مرجعيّة الشاعر والمترجم إسكندر حبش، في الحياة والكتابة، والترجمة، والنقد..

كنتَ شاهداً على الكثير من حقب المحن والأزمات التي عصفت بلبنان بما فيها سنوات الحرب الأهليّة، ولنقل، أيضاً، إنّك كنت ابن مراحل متعاقبة متأزِّمة ومأزومة في لبنان، لماذا لم تفعل مثلما فعل الكثير من كُتّاب لبنان وأدبائها، الذين لاذوا بالهجرة كحلٍّ أخير يمكن القيام به في خضمّ الأزمات الدامية والمربكة؟ ألم تفكِّر، حقّاً، في الخروج من لبنان، أيّام الحرب الأهليّة؟

– إسكندر حبش: فعلاً، لم أعرف في لبنان، منذ أن وُلِدت العام (1963)، إلاّ المحن والأزمات والحروب المتعاقبة، لدرجة أنني أتساءل عن معنى هذا «القدر» الّذي لَفَّني، و-بالتأكيد- لستُ الوحيد في ذلك، بل ثمّة شعب بأسره، ثمّة بلد بأكمله. كنتُ أمام خيارين؛ إمّا البقاء وعيش كلّ ما جرى، وإمّا الهجرة والاِبتعاد عن هذا المناخ. كان القرار أن نبقى، عائلتي وأنا. ربّما، سياقنا «التاريخي» الّذي جئنا منه، كان وراء هذا القرار في البقاء، في هذا المكان. سأحاول أن أشرح: أنتمي إلى عائلة، من جهة الوالد، كانت غادرت فلسطين أيّام النكبة، في (1948)، فجاءت إلى لبنان. أيضاً، من جهة والدتي، هناك جدَّتي التي هاجرت مع عائلتها من أرمينيا الغربية، أي وقت المذابح التي ارتُكبت بحقّ الأرمن، فجاءت عائلتها، بدورها، إلى لبنان؛ بهذا المعنى، وُلِدت من هجرتَيْن؛ لذا –ربّما– أعتقد أنّه كان، من الصعب، البحث عن هجرة ثالثة.

أعتقد أنه من الصعب على المرء أن يبقى مهاجراً إلى الأبد. إنّه بحاجة إلى مكان يشعر فيه بأنّ الأرض صلبة تحت أقدامه، بالرغم مِمّا تعرفه (هذه الحرب) من حروب وأحداث. حتى بعد أن أنهيت مرحلة الدراسة الثانوية، رفضت أن أغادر للدراسة، خارج لبنان، برغم المنحة الدراسية التي «أُهديَتْ» إليَّ، مفضِّلاً أن أبقى، رافضاً أن أفوّت عليّ أيَّة جولة من جولات الحرب. صحيح أنّ هذه الحرب ليست فيلماً سينمائياً ممتعاً، لكني، في قرارة نفسي، كنتُ أرفض هذا التقسيم بين المناطق، كنتُ أرفض منطق الحرب، كنتُ أشعر بأنّ بقائي يشكِّل رفضاً لكلّ ذلك؛ لذا قرَّرتُ عدم «الهروب»، و-استدراكاً- لا تشكِّل كلمتي هذه (الهروب) أيّ اِنتقاص من قيمة أيّ شخص قرَّر مغادرة البلد. لكلّ منّا خياراته. حتى المرّة الوحيدة التي قرَّرت فيها أن أعمل خارج لبنان، وذهبت يومها إلى إيطاليا، جاءت بعد أن انتهت الحرب الأهليّة. حدث الأمر بين (1995) و(1996). عدت إلى بيروت لأسباب كثيرة: لن أقول بسبب الحنين، لكني شعرتُ بأنّ التجربة هناك استنفذت. وبعد أيّام قليلة من عودتي، العام (1996)، اندلعت «مجزرة قانا»، فلم تَفُتْني هذه الجولة الجديدة من حروبنا الدائمة، حروب العدوّ على أرضنا.

لا أعرف، الآن، فعلاً، إن كانت خياراتي صائبة. لكني أشعر براحة ما، وبخاصّة بعد أن غادرت بيروت وإيقاعها، لأعيش في إحدى القُرى التي تقف على كتفها. أشعر بأن لديّ وقت أكثر للقراءة والكتابة. بالطبع، كان يمكن أن أقوم بذلك لو غادرت باكراً. ولكني أضطلع بخياراتي. ولست – في العمق – نادماً عليها.

هذا يعني أنّك ابن هجرات، وابن ثقافات؛ ما يفسِّر -لاحقاً- ولعك بالثقافات الغربية، واختصاصك في ترجمة بعض آثارها الأدبية، والفكرية، والنقدية.

– ألا يمكن القول إنّ القراءة هي، أيضاً، «هجرة» من حيث إنها تجعلنا نبتعد عن لحظتنا الحالية، لنسافر معها إلى أماكن قصيّة؟ بعيداً عن الثقافات التي أتيتُ منها، كانت قراءاتي تبعدني عن لحظة الحرب التي كنتُ أعيشها. كانت سفراً وتجوالاً في بلدان أخرى، كانت عوالم أكتشفها، وقد نجحت في إحداث قطيعة ما (ولو واهية، في العُمق) مع كلّ هذا الأرق الذي نعيشه، ولا أعرف! ربّما، أصبحت هي الأرق بحدّ ذاته، لاحقاً.

القراءة أصبحت هي الولع، ولا أعتقد أنّ الميل إلى الثّقافة الغربية كان مقصوداً. هي الصدفة التي أخذتني إليها، أظنّ أني كنتُ بحاجة إلى مناخات بعيدة، إلى عوالم مختلفة، لا تمت بصلة إلى ما أعرفه. لا أدري إن كان ذلك محاولة هروب، من شيء ما؛ كلّ ما أعرفه أنّها كانت حاجة دفينة.

أمّا ترجمة بعض كُتب هذه الثّقافة، فقد جاء هذا الأمر لاحقاً. الترجمة، أيضاً، وبمعنًى من المعاني، كانت محاولة للإطلالة على خطاب آخر، قد يقف على تضادّ مع خطابنا، محاولة لاِكتشاف طريقة تفكير مختلفة مع طريقة تفكيرنا، لكن هذا لايعني أنني سقطت في عملية تقديس لهذا الخطاب. علينا أن نقرأ، أيضاً، بنوع من النقدية، علينا أن نقرأ لنكتشف كيف هي صورتنا في خطاب هذا الآخر.

 

 

ترجمتَ كثيراً من كُتب الشِّعر والفكر والأدب والنقد. تُؤمن،  دائماً، بأنّ الترجمة، بالنسبة إليك، إبداع على إبداع. ألم يحدث، مثلاً، أن كانت، يوماً، لحاجة من حاجات العمل، فحسب؟

– والفلسفة. أقصد ترجمت، أيضاً، كتباً فلسفية بالإضافة إلى الأنواع التي ذكرتِها. بصراحة، حين بدأتُ الترجمة كانت أمراً خاصّاً جدّاً؛ أي لم أُترجم سوى ما كان يعجبني، أو ما كنت أشعر أنّه يضيف إليّ ثقافة أخرى، أو تعبيراً آخر، أو حياة أخرى؛ لذا كنتُ حرّاً، دائماً، في خياراتي، ولم أبحث عن الكسب المادّي، فقط؛ أي أترجم ما يُطلب مني. لكن هذا الأمر، تغيَّر قبل أربع سنوات، إذ وجدتُ نفسي مضطرّاً لقبول بعض الترجمات المعروضة، لأسباب اِقتصادية بحتة. لكن، لحسن الحظّ، لم يستمرّ هذا الأمر طويلاً، إذ أعمل، الآن، مع دار نشر، تركتْ خياراتي مفتوحة، أي أُترجم لها ما يروق لي، وصاحب الدار موافق على اقتراحاتي؛ لذا عدتُ إلى طبيعتي.

قلتُ مراراً، في أحاديث سابقة، إنّ الترجمة، بالنسبة إليّ، هي نوعٌ من الكتابة. وكما لا يمكن لأحدنا أن يكتب ما يُطلب منه، لأنّه لا يستطيع أن يرتدي جلداً غير جلده، كذلك أنا في الترجمة (على الأقلّ، بالنسبة إلى ما أراه)، لا أريد أن أُترجم إلاّ الأشياء التي أحبُّها.

ما هو أكثر كِتاب ترجمته، وأثَّر فيك على المستوى الشخصي أو الفنّي، والمعنوي، والرمزي. كتاب ترك أثره فيك، حتّى الآن؟

– فعلاً، حتى الآن، مثلما تقولين، لأنّني لا أعرف ماذا سأترجم لاحقاً. أعتقد أنّني ترجمتُ ما كنتُ أحبّه، في أيّ حال. قرأتُ قبل فترة أعمال فيلسوفَيْن روسيَّيْن ينتميان إلى القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ترجمت بعض أعمالهما، هما: «نيقولاي برديائيف»، و«ليون شيستوف». لقد فتحا لي أبواباً واسعة، وجعلاني أكتشف كم أخذت منهما الفلسفة المعاصرة، وكم غيَّبتهما. ترجمتُ، مؤخَّراً، كتاباً لمفكِّر ومؤرِّخ فرنسي هو «فيكتور دوروي»، بعنوان «صراع الديني والفلسفي زمن سقراط». سحرني هذا النصّ. لم يتغيَّر الأمر منذ ذلك الزمن، فلا تزال الآليّات البشرية تعمل بالشروط عينها، فيما يخصّ المقدَّس، وغير المقدَّس.

بالتأكيد، هناك ترجمات شعرية. هناك «ريفردي»، وهناك شعراء عديدون غيره. ومثلما قلت، لا أحد يأتي من فراغ. نكتب لأنّنا قرأنا. لقد اِستمرَّت رحلتي مع «ريفردي» إلى الآن. أعود إلى قراءته، دوماً، وقد ترجمتُ له العديد من النصوص، أتمنّى أن أنشرها يوماً.

أنت وفيّ للشِّعر. لماذا لم تجرب كتابة الرّواية؟

– ولماذا عليّ أن أكتب رواية؟ صحيح أن هناك شعراء كثيرين يكتبون الرواية اليوم، لكن هذا خيارهم. وبالطبع، هذا لا يلزمني بشيء. في أيّ حال، بدأت مثلي مثل كلّ المراهقين، الذين يخطّون بعض الكلمات العاديّة على دفاترهم المدرسية، ويقولون إنها (شعر). بدأ ذلك في نهاية، العام (1975)، وأذكر جيِّداً، بسبب الحرب الأهليّة في لبنان: كنتُ في الحادية عشرة من عمري، وكان لصوت الرصاص والقذائف التي تتهاوى في كلّ المناطق، الأثر الكبير في جعلي أرتجف من الخوف. لم أكن أعرف ماذا أفعل، لأمنع عني هذا الرعب. أحياناً، أختبئ تحت السرير، ومرّات في الحمّام، إلى أن اِكتشفت هذه الرغبة في نقل خوفي إلى الورق. أعترف أنّ هذه المحاولة، سبَّبت لي الكثير من التوازن. لن أقول إنّني لم أعد أشعر بالخوف، لكني أصبحت، مع الورقة، أكثر قدرةً على الاِحتمال. لو حاولتُ التفكير، اليوم، وبعد ما يقلّ قليلاً عن ثلاثين سنة، لوجدتُ أنّ الكتابة شكَّلت علاجاً ما، شكَّلت هروباً من الواقع. اِستمرَّت هذه اللعبة -إذا جاز القول- فلم أغادرها، وربّما هي التي لم تغادرني. الأمر واحد بالنسبة إليّ. خَطَطْتُ كلمات كثيرة على دفاتر، كنت أصنعها بنفسي، حيث آتي بأوراق، وأصنع لها أغلفة. كانت الدفاتر هذه ملجئي الحقيقي.

لم أبقَ وفيّاً للشِّعر، بصراحة. كتبتُ المقالة الصحافية، كتبتُ النقد والبحث، نشرتُ كتبَ حوارات، وكتباً سردية تتعلَّق بالرحلة، وترجمتُ الكثير. كلّها أنواع كتابية مخالفة للشِّعر. أمّا – ولأعد إلى بداية كلامي– لِمَ لَمْ أكتب الرواية؟ فلأقل بشيء من السهولة: لم أشعر بالرغبة، بتاتاً، في القيام بذلك. في أيّ حال، ترجمتُ الكثير من الروايات، والترجمة عندي هي نوع من الكتابة؛ لذا سأدَّعي أنّ ترجماتي هذه هي رواياتي.  أعتقد أنّني أخلصتُ للكتابة، بحدّ ذاتها. لم تعد بديلاً من حياة، كما قلتُ قبل قليل، بل هي حياة أخرى متكاملة، أجمل، إن أردت. ولا أستطيع إلاّ أن أقول ذلك عنها، بعد أن أمضيتُ عمري في ملاحقتها، وإلاّ سأكون، عندها، خائناً لكلّ ما فعلت، وارتكبت من كتابات. وبصراحة، لو خُيِّرتُ لي أن أعيد حياتي من البداية، لعدتُ وكتبتُ، برغم كلّ المتاعب. لا أحسن القيام بأيّ أمر آخر سواه.

هذا الاِدِّعاء بأنّ ترجماتك هي رواياتك.. هل يشفي شغف السرد عندك؟ هل تكفي روايات آخرين لتكون رواياتك بالترجمة؟

– كتبتُ العديد من سرد الرحلات؛ أي -إذا أردتِ- ثمّة شغف سرديّ أخذني إليه. ولكن لا أشعر بأيّة رغبة حقيقية في كتابة الرواية. بالتأكيد، في إجابتي السابقة عن كتابتي لروايات الآخرين، محاولة للهرب من السؤال، عبر إيجاد تسويغ ما، إذا جاز القول. لكن، في العُمق، وبرغم إدماني على قراءة الروايات (وقد أصدرت ثلاث كُتب نقدية عنها)، لا يشكِّل الأمر لي أيّة حاجة فعلية. ما أريد قوله أقوله بطُرق تعبير أخرى. حتى الآن، لم أشعر بالحاجة إلى قول ما أريد عبر سردية الرواية.

هل يمكن أن القول بوجود رواية، قرأتَها وشعرتَ بأنّك بطلها؟

– صعب أن أختار رواية واحدة، أو كاتباً واحداً؛ لا لشيء إلاّ لأنّني لم أقرأ كلّ كُتّاب العالم. ما أريد قوله إنني، في كلّ مرحلة، أكتشف اسماً، وأجدني منساقاً إليه، وأعتبره بأنّه يمثِّلني. لكني، بعد فترة، أعود لأجد أنّ اسماً آخر يحتلّ المشهد. في أيِّ حال، ولكيلا أبدو أنّني أتهرَّب من الجواب، سأذكر لك بعض الأسماء التي لا تزال ترافقني إلى اليوم؛ بمعنى أنّني أستعيد قراءتها، ولا أملّ منها: عبد الحكيم قاسم (مصر)، غالب هلسا (الأردن)، ويوسف حبشي الأشقر (لبنان)، محمود شقير (فلسطين)، ورشيد بوجدرة (الجزائر)…. ميلان كونديرا (تشيكيا / فرنسا)، إميل زولا، رومان رولان (فرنسا)، دانيلو كيش (يوغوسلافيا السابقة)، تولستوي، ودوستويفسكي (روسيا)… ولن أكمل. فاللائحة تطول. دائماً، أخذتني القراءة إلى أماكن أحلم فيها، وبها، و-ربّما- أكثر من الكتابة.

لنعد إلى الشّعر وعوالمه. ماذا أعطاك الشِّعر؟ ماذا أضاف إلى مسيرة حياتك؟ ألم يحدث أن لعنته مرّة، أو اعتبرته مُعرقلاً لأحلام أخرى؟

– أن أضع اللعنة مقابل الشِّعر، فهذا يعطيها قيمة أكبر مِمّا هي عليه في الواقع. تماماً، مثلما قال الشاعر الألماني الكبير نوفاليس: «أن تضع الشرّ مقابل الفضيلة، فإنك تشرِّفه كثيراً بذلك». حين بدأت الكتابة لم أفكِّر، مرّةً، بأني أنتظر شيئاً من الشِّعر. كتبت، بدايةً، كما قلت لك قبل قليل، من دون أن أعرف لماذا. كان الشِّعر، في البداية، والكتابة، بشكلٍ عام، نوعاً من التعبير. وصار نوعاً من توازن. بالتأكيد، لم أبحث عن التوازن حين كتبت، لكنّه طرح نفسه عليّ بهذا الشكل، أو -ربّما- هكذا أحسست. الشِّعر حياة بكلّ تفاصيلها. الآن، وبعد أكثر من (35) سنة من الكتابة؛ الشِّعرية وغير الشِّعرية، أجد أنّه «صوت الأخوّة الإنسانية» كما عبَّر عن ذلك الشاعر الروسي الكبير «غينادي أغييف». الكتابة نوع من التنازل عن تفاصيل حياة يومية، للبحث عن ميتافيزيقيا متعالية، ربّما. لكنني، أيضاً، لا أحمِّله كلّ شيء.

أحد الأمور التي أعتقد أنّها تشكِّل أزمة ما في ثقافتنا، أنّنا أفردنا للشِّعر والشعراء حيّزاً أكبر من الفلسفة مثلاً. أعتقد، اليوم، أنّه كان علينا أن نغذّي الفكر أكثر مِمَّا غذَّينا البلاغة والصور الجميلة. لا أبالغ لو قلت إن الإنسان العربي، اليوم، يعاني من هذه الأزمة: إنّه غير عقلاني، ولا تزال صورة بيانية، تطربه وتُدخله في حالة من النشوة، بينما لا يريد أن يفكِّر بأيّة قضية، أو -بالأحرى- ترعبه قضايا التفكير.

العربي -ربّما- أسير هشاشته؛ لهذا تُطربه الصور، ولا تُؤثر فيه قضايا مصيرية، كما لا يُفكر بأيّة قضية. لكن، برأيك، ما الأسباب الحقيقية وراء رعبه من قضايا التفكير؟

– نحن أمّة استقالت من التفكير؛  ربّما لهذا «خرجنا من التاريخ»، ويبدو، حاليّاً، أننا سنخرج حتى من الجغرافيا. فما يحدث من حروب متنقّلة، في بلداننا، سيوصلنا إلى هذا الأمر. نحن أمّة (اقرأ، لا تقرأ). نريد من يقرأ عنّا، ومن يقدِّم لنا قوانين للحياة. نحن ظاهرة صوتية (القسم الأكبر منّا) فيما لو استعرنا عبارة عبد الله القصيمي. ولا تنسي، بالطبع، ذاك العجز الشعري «والأذن تعشق قبل العين أحياناً». نتناقل الإشاعة، بدون رؤية، وبدون رؤيا. نعتمد على السماع: «وكفى الله المؤمنين القتال». نريد كلّ شيء أن يكون جاهزاً، وعلى قياسنا، لكي نحمله معنا.

من غير الصحيح، مطلقاً، أننا نخشى التفكير مخافةً الديني؛ لأنّنا لو قرأنا النصّ القرآني جيِّداً، لعرفنا أن علينا أن نفكّر، وأن نُعْمِل العقل. استسلمنا لبعض المشعوذين، وأقصد أولئك الدعاة، الذين يفسِّرون النصّ الديني على هواهم. كيف نقبل هذه التفاسير التي لا تحمل أيّ منطق، في كثير من الأحيان (ثمّة أمثلة صادمة حول ذلك)، ونرفض تفاسير أخرى، تريد أن تُعلي شأن العقل؟ جاء الدين، كما أعتقد، لكي يخرجنا من الخوف. ولم نفعل شيئاً سوى جعل هذا الدين أداةً للخوف المطلق. وكما أقول لتلاميذي، دائماً: لا علاقة للإيمان الحقيقي بكلّ الأديان؛ هما أمران مختلفان. علينا أن نُعْمِل العقل لكي نفهم هذا النصّ.

عمرٌ طويل في الصحافة الثّقافيّة. هل علَّمتك هذه الأخيرة الكتابة، حقّاً؟ ألم تأتِ إليها من شغفك الأوّل بالأدب والشِّعر؟

– صحيح أنّني جئتُ إليها من القراءة والشِّعر، من شغفي الأوّل، لكنّها، فعلاً، علَّمتني الكتابة. لم أعد أخاف من الورقة البيضاء، التي تحدَّث، عنها العديد من الكُتّاب، ومايزالون يتحدثون. الكتابة اليومية، تأخذك إلى الأساسي مباشرة من دون لفّ أو دوران، من دون محسِّنات بديعية ولفظية، تعلّمك إيصال الفكرة. ثمّة عالم واسع وفسيح في الصحافة، وبعيداً عن كونها مهنة، هي مختبر للكتابة حقّاً.

كأنّ الكتابة دائماً هي الملاذ وطوق نجاة، حتى في خضم الحرب كانت حياة أخرى بديلة. هل نقول: ما أكثر نِعم الكتابة؟

– لولا نعمها لما كنّا نتحدّث ونتحاور الآن… مهمّة أي كاتب أن يكتب، وهذه الكتابة اِستغرقت عمره بأسره. لقد صرف حياته عليها. على الأقلّ، عليها أن تبادله شيئاً على هذا الإخلاص لها. من هذه الأمور نعمها.

ليس أمام الكاتب إلاّ أن يكتب. أن يزيد حصّة الجمال في هذا العالم القبيح، إن جاز لي قول هذا. عليه أن يخلص لمشروعه الكتابي، أن يجعله هو الأساس، الّذي يتصرف وفقه. لا أقصد أنّ عليه أن يدمِّر الآخرين المحيطين به، أبداً. عليه أن ينسى كلّ شيء حوله، وأن يصرف وقته للكتابة. أن يكتب شيئاً جيِّداً. ولا بدّ، هنا، أن تنصفه الكتابة. أن تبقيه في الذاكرة الجمعية لفترة أطول. ربّما، هو رهان قد لا يتحقّق، لكن علينا القيام بشرف هذه المحاولة.

كازوو إيشيغورو: أنا كاتب منهك، ومن جيل منهك فكريّا

في هذا الحوار، الذي أجريناه عبر منصّة (زوم)، يحكي «كازوو إيشيغورو» الروائي، عن روايته «كلارا والشمس» الصادرة في مارس/آذار الماضي. وللمرّة الأولى، بدأ الحائز على جائزة «نوبل» للآداب، يخشى على المستقبل، ليس من عواقب تغيُّر المناخ فحسب، بل من القضايا الأخرى التي أثيرت في رواية «كلارا والشمس»: الذكاء الاصطناعي، وتعديل الجينات، والبيانات الضخمة وآثارها على المساواة والديموقراطية. «طبيعة الرأسمالية، في حدِّ ذاتها، هي الآن آخذة في تغيير نموذجها» كما يقول. «أخشى أننا فقدنا السيطرة على هذه الأشياء». ومع ذلك، يأمل أن تُقرأ «كلارا والشمس» على أنّها «رواية مبهجة ومتفائلة». ولكن، كما هو الحال دائماً مع «إيشيغورو»، يجب أن يكون كلّ عزاء شيئاً مستحقّاً؛ «فمن خلال تقديم عالم صعب للغاية، يمكنك إظهار السطوع، يمكنك إظهار أشعّة الشمس».

تحكي الرواية، التي تدور أحداثها في مكان غير محدَّد في أميركا، وفي زمن غير محدَّد في المستقبل (ظاهرياً، على الأَقلّ)، عن العلاقة بين «صديقة» اصطناعية اسمها «كلارا»، ومالكتها/المكلفة بها المراهقة جوزي. في زمن الرواية، أصبح وجود الروبوتات شائعاً شيوع المكانس الكهربائية، وصار التعديل الجيني هو القاعدة كما أن تقدُّم البيوتكنولوجيا يكاد يمكن من إعادة خلق كائنات بشرية فريدة من نوعها. «إنها ليست مجرَّد أشياء متخيَّلة غريبة»، كما يقول الكاتب قبل أن يضيف: «كلّ ما هناك أننا لم نستشعر، بعد، ما هو ممكن، بالفعل، في الوقت الحالي». إذ لا يمثِّل خيار «أمازون توصي» سوى مجرَّد بداية». ويتابع: «في عصر البيانات الضخمة، قد يكون بالإمكان البدء في إعادة بناء شخصية شخص ما؛ لكي تستمرّ هذه الشخصية بعد وفاته، مع تحديد ما سيشتريه بعد ذلك، عبر الإنترنت، ونوعية الحفلات الموسيقية التي سيرغب بالذهاب إليها، وما يمكن أن يبديه من آراء إذا قرأت له أحدث العناوين الرئيسية في الصحف، وهو يتناول وجبة الإفطار».

لقد تعمَّد «إيشيغورو» ألّا يقرأ رواية «إيان ماكيوان» الأخيرة «آلات تشبهني»، ولا رواية «جانيت وينترسون» «فرانكيستاين»، اللتين تتناولان، أيضاً، موضوع الذكاء الاصطناعي، ولكن من زوايا مختلفة جدّاً. «كلارا»، هي نوع من الأمّ الروبوتية، «فهي تشبه ترميناتور في تصميمها على الاعتناء بـ«جوزي»»، لكنها، أيضاً، طفل بديل محتمل: عندما تمرض «جوزي»، تتمّ برمجة «كلارا» لتأخذ مكانها. يتساءل «إيشيغورو»: «ترى، أيّ مصير ستؤول له بعض الأشياء مثل الحبّ، في وقت أصبحنا نغيِّر فيه نظرتنا للفرد البشري وتفرُّده؟»…

يعيد كتاب «إيشيغورو» النظر في العديد من الأفكار التي شكَّلت مصدر إلهام لروايته «لا تسمح لي أبداً بالرحيل»، الصادرة عام (2005)، عن ثلاثة مستنسخين في سنّ المراهقة، ستتمّ إزالة أعضائهم، ممّا سيقودهم إلى وفاة حتمية قبل سنّ الثلاثين: «إنها مبالغة بسيطة في تجسيد الشرط الإنساني، فعلينا جميعاً أن نمرض، ونموت في مرحلة ما»، كما يقول المؤلِّف. وتتناول كلتا الروايتَيْن مسألة التغلُّب على الموت بالحبّ الحقيقي، الذي يجب أن يتمّ اختباره وإثباته بطريقة أو بأخرى؛ الأمنية نفسها تتجسَّد، أيضاً، صريحة في تحدِّي البحار لـ«أكسل» و«بياتريس»، في روايته السابقة «العملاق المدفون». فهذا الأمل، حتى بالنسبة لأولئك الذين لا يؤمنون بالحياة بعد الموت، «هو واحد من الأشياء التي تجعلنا بشراً»، كما يقول…

لا يتحرَّج «إيشيغورو» من التكرار، ويستشهد في ذلك بـ«الاستمرارية» التي يلاحظها لدى عظماء المخرجين (هو عاشق كبير للسينما)، ويحلو له أن يؤكِّد أن كلّ كتاب من كتبه الثلاثة الأولى كان، في الأساس، إعادة كتابة لسابقه. يرى «إيشيغورو» أن «الروائيين والأدباء، غالباً ما يتَّخذون موقفاً دفاعياً بعض الشيء، عندما يتعلَّق الأمر بالتكرار». ويضيف: «أعتقد أن لذلك ما يبرِّره تماماً: فأنت تستمرّ في الكتابة حتى تقترب أكثر وأكثر ممّا تريد قوله في كلّ مرة». ولكي يفلت من مأزق التكرار ذاك- كما يقول- يغيِّر المكان أو يغيِّر الجنس الأدبي: «الناس حَرفِيّون لدرجة أنهم يعتقدون أنني أنتقل من شيء إلى شيء مختلف عنه». بالنسبة إليه، الجنس الأدبيّ شبيه بالسفر، وصحيح أنه لطالما أحبَّ التنقُّل بين الأجناس: «عندما كنّا أيتاماً» (رواية بوليسية)، و«بقايا النهار» (دراما تاريخية)، و«من لا عزاء لهم» (خرافة كافكاوية)، و«لا تسمح لي، أبداً، بالرحيل» (خيال علمي ما بعد الكارثة) و«العملاق المدفون» (فانتازيا على نسق تولكيان). أمّا مع هذه الرواية، وكما يوحي بذلك عنوانها «كلارا والشمس»، فإن «إيشيغورو» يزور ما يسمِّيه «بلاد الأطفال». لكن يجبّ الانتباه؛ لأننا، مع هذه الرحلات كلّها، لم نراوح أبداً «إيشيغورو لاند».

الرواية تستند إلى حكاية اخترعها من أجل ابنته، عندما كانت ما تزال طفلة صغيرة، وكانت، في الأصل، محاولة منه لاقتحام أدب الطفل. يقول: «كانت لديّ قصّة في منتهى النعومة. اعتقدت أنها ستكون مناسبة جدّاً في أحد هذه الكتب المصوّرة الجميلة. عرضتها على ابنتي «نعومي»، التي نظرت إليَّ نظرة شديدة، وقالت: «لا يمكنك أن تقدِّم للأطفال الصغار قصّة كهذه. سيصابون بصدمة». لذا قرَّر كتابتها للبالغين بدلاً من ذلك. إنه يشعر، دائماً، بشيء من الاندهاش حينما يرى ردّة فعل الناس إزاء أعماله، يقول: «في الواقع لقد كانت مفاجأتي جدّ كبيرة؛ لأن الناس وجدوا أن رواية «لا تسمح لي أبداً بالرحيل» رواية كئيبة». تلقّى بطاقة بريدية من الكاتب «هارولد بينتر»، كتب عليها: «أجدها مرعبة جدّاً…دموية!. هارولد». «وأنا الذي كنت أظنّها أكثر رواياتي بهجة».

غالباً ما كانت زوجته هي أولى قرّائه، وفي كثير من الأحيان، كما هو الشأن بالنسبة إلى هذه الرواية، كانت تمارس «تأثيراً كبيراً يقصم ظهري، بعد ما أكون اعتقدت أن الرواية قد اكتملت». واليوم، هناك، أيضاً، ابنته «نعومي» التي أصبحت مكلّفة بنشر أعماله. ويقول إنه بمجرَّد وصول الكاتب إلى مكانة كالتي بلغها، لا يجرؤ الناشرون على إبداء ملاحظاتهم فيما يخصّ منجزه، خوفاً من أن يتوجَّه «غاضباً» إلى ناشر آخر؛ لذلك «أنا ممتن جدّاً لوجود أفراد عائلتي الذين يقومون بذلك من أجلي، وهم يفعلونه بصرامة شديدة». ويقول إن الجوائز التي فاز بها، والتي حصل منها على عدد «عبثي»، «تنتمي إلى عالم موازٍ»، بما فيها جائزة «نوبل»: «عندما أجلس في مكتبي، وأحاول أن أجد الكيفية المناسبة لكتابة شيء ما، فهذا لا يمتّ بصلة إلى الجوائز. لديَّ فكرتي الخاصّة عن اللحظة التي أحقّق فيها النجاح، وكذا عن تلك التي أحصد فيها الفشل».

تتطلَّب منه كتابة كلّ رواية حوالي خمس سنوات: عمل طويل من البحث والتفكير، تليه مسوَّدة أولى سريعة، وهي عملية يشبهها بمعركة سيوف الساموراي: «ينظر كلا المصارعين إلى الآخر في صمت طيلة سنوات، عادةً في وجود أعشاب طويلة ومتطايرة وتحت سماء متقلِّبة. يفكِّران طوال الوقت، ثم في جزء من الثانية يحدث الأمر. تُستَلّ السيوف: طاخ! طاخ! طاخ، فيسقط أحدهما»، كما يقول «إيشيغورو»، وهو يلوِّح بسيف وهميّ أمام شاشة الحاسوب. «يجب أن يكون لديك العقل السليم تماماً، وبعد ذلك عندما تستلّ هذا السيف: يجب أن يكون القطع مثالياً، أن يبلغ ذروة الكمال». عندما كان طفلاً، وقد وصل، لتوّه، إلى المملكة المتَّحدة، كان يشاهد أفلام «ايرول فلين»، التي تقوم فيها معارك السيف على اصطدام السيوف، بعضها ببعض: «تشينغ، تشينغ، تشينغ، تشينغ، لمدّة 20 دقيقة يتحدِّث المتصارعان، خلالها، فيما بينهم»، كما يقول. «قد تكون هناك طريقة لكتابة مشهد خيالي من هذا النوع، حيث يتمّ الاشتغال على الفعل، لكنني أصبو إلى مقاربة مختلفة: (لا تفعل أيّ شيء، لأن كلّ شيء يجري داخليّاً)».

كانت والدة «إيشيغورو» راوية قصص موهوبة، أيضاً، تسرد حكايات عن الحرب (أصيبت بحجر سقط عليها من السقف في قصف ناغازاكي)، وكانت تجسِّد مشاهد لـ«شكسبير» على مائدة الطعام. تناول نسخة متهالكة من رواية «الجريمة والعقاب لدوستويفسكي»، وهي هديّة من والدته عندما كان عمره حوالي (16) عاماً. «لأنني كنت في طريقي لأصبح هيبيّاً، فقد قالت لي شيئاً من قبيل: «يجب أن تقرأ هذا الكتاب. ستشعر وكأنك مجنون. لذلك قرأته، وافتُتنت به كلِّيّاً، منذ البداية». ظلّ «دوستويفسكي» أحد أكبر مصادر إلهامه. ودفعته والدته إلى اكتشاف العديد من الأعمال الكلاسيكية: «كان لها دور مهمّ جدّاً في إقناع صبيّ، لم يكن مهتمّاً بالقراءة، ولم يكن يريد سوى الاستماع للألبومات طوال الوقت، بأنه يمكن أن يجد أشياء تهمّه في بعض من هذه الكتب».

انتقلت الأسرة من اليابان، عام (1959)، إلى مدينة «غيلدفورد» عندما كان «إيشيغورو» في الخامسة من عمره. وكان والده «شيزو»، عالم المحيطات الشهير، قد أبرم عقد أبحاث مدَّته عامان، مع الحكومة البريطانية. يصف «إيشيغورو» والده بأنه كان عبارة عن مزيج غريب من العبقرية العلمية والجهل الطفولي بأشياء أخرى، وقد استلهم من طباعه الكثير، عند بناء شخصية «كلارا». بعد تقاعد والده، أمضت آلة التنبُّؤ بالموج، التي قام بصنعها، سنوات عديدة في مستودع بالجزء الخلفي من حديقة البيت، حتى عام (2016)، عندما طلب منه متحف العلوم في لندن أن تصبح هذه الآلة جزءاً من معرض رياضيات، تَمَّ إحداثه وقتها. «شكَّلت تلك اللحظة، واللحظة التي نُشِر فيها أوَّل كتاب لابنتي «نعومي»، مصدرَ فخرٍ كبير بالنسبة إليَّ».

اشترى له والداه أوَّل آلة كاتبة محمولة، وهو في سنّ السادسة عشرة، ولكن كانت لديه «مشاريع جادّة ليصبح نجم «روك» في سنّ العشرين». على وجه الخصوص، أراد أن يصبح مغنِّياً وكاتب أغانٍ، مثل بطله العظيم «بوب ديلان»، حيث كتب أكثر من 100 أغنية في غرفته. ولا يزال، إلى الآن، يكتب كلمات الأغاني، ويتعاون مع مغنِّية الجاز الأميركية «ستايسي كينت»، ولديه، حاليّاً، ما لا يقلّ عن تسع قيثارات.

قَبِل شهادة فخرية من جامعة «سانت أندروز» في عام (2003)، فقط للحصول على فرصة للقاء بطله، الذي تلقّى الشهادة نفسها أيضاً: «سأكون في غرفة خضراء، أبدّل ملابسي مع بوب ديلان!». لكن الموسيقار أرجأ لقاءه إلى العام التالي. ووسط الاضطرابات التي خلَّفها حصول «ديلان» على جائزة «نوبل» للآداب في العام السابق، كان «إيشيغورو» مسروراً، وقد أضاف: «كان يجب أن يحصل على الجائزة. أعتقد أن أشخاصاً مثل «ديلان»، و«ليونارد كوهين»، و«جوني ميتشل» هم، بمعنى ما، فنَّانون أدباء مثلما هم فنَّانو استعراض، وأعتقد أنه من الجيّد أن تعترف جائزة «نوبل» بذلك».

وفي ختام محاضرته عن جائزة «نوبل»، دعا «إيشيغورو» إلى العمل على تذويب الحدود بين الأجناس الفنِّيّة، والحثّ على المزيد من التنوُّع الأدبي بشكل عامّ، ووضَّح لنا ذلك بقوله: «لا يكفي أن نركِّز على مسألة العرق. هناك نكتة قديمة تقول إن قناة (بي بي سي) مفتوحة للناس جميعاً- مهما كانت معتقداتهم الدينية أو أعراقهم أو توجهاتهم- ما داموا قد درسوا في أكسفورد، أو كامبريدج». وفيما يتعلَّق بوضعه الخاصّ بوصفه «رمزاً أدبيّاً لبريطانيا متعدِّدة الثقافات»، كما تَمَّ تصويره في مقابلة تليفزيونية عام (2016)، لا يزال يجد صعوبة في توضيح موقفه من ذلك، فهو يشعر بنفسه «شيئاً ما خارج النقاش» حول التجربة الاستعمارية الإنجليزية، كما يتمّ وصفها في روايات سلمان رشدي أو فيديادر سوراجبراساد نيبول. يقول: «الحقيقة أن ملامح وجهي تبدو مختلفة بعض الشيء، لذلك يتمّ وضعي في الخانة نفسها مع مثل هؤلاء الكتَّاب الآخرين». يودّ «إيشيغورو» أن يرى المزيد من التنوُّع، ليس على مستوى الأعراق، فحسب، بل على مستوى الفئات الاجتماعية، أيضاً. ويقول إن من النادر أن نجد بين معاصريه من الأدباء من كان يتابع دراسته في مدرسة ثانوية حكومية، أو في إحدى الجامعات غير العريقة.

وعلى الرغم من أنه حريص على ألّا يقبل دعوات الصحافة، ويردّ عليها دائماً بعبارات رفض لبقة، هو حريص، كذلك، على عدم الوقوع في «متلازمة نوبل» بالتعالي على العالم. ويصف نفسه بأنه «كاتب منهك، ومن جيل منهك فكريّاً». تتَّهمه ابنته وأقرانه الليبراليون بعدم الانخراط في مواجهة حالة الطوارئ المناخية. يقول: «أنا اعترف بأنني مذنب». «أقول لها، دائماً، إن الأمر يتعلَّق، جزئياً، بمسألة التقدُّم في العمر، وأن من هم في سنّي قضوا الكثير من الوقت وهم قلقون بشأن الوضع بعد الحرب، والمعركة بين الشيوعية والرأسمالية، والشمولية، والعنصرية، والحركة النسائية، ومن شدّة تعبنا تخلَّفنا عن ذلك».

«كلارا والشمس»، هي أول رواية يتناول فيها الأزمة، لكنه يعترف بأن سياق أدب الطفل قد أتاح له تجنُّب الانخراط، بعمق، في هذه المعركة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: ليزا آلردايس

المصدر:

https://www.theguardian.com/books/2021/feb/20/kazuo-ishiguro-klara-and-the-sun-interview

أبو بكر العيادي: الأكاديميّون يُسقِطون على النصوص مفاهيم ليست من بيئتها

أبو بكر العيادي؛ روائي، قاصّ، ومترجم تونسي مقيم في باريس. عمل بالتدريس، والصحافة الثّقافيّة، والترجمة. نشر ستّ روايات، منها: رواية «الرجل العاري» التي حصلت علي «جائزة الكومار»، و«آخر الرعية»، «زمن الدنوس»، و«لابس الليل»، «مسارب التيه»، ورواية «ورقات من دفتر الخوف». له سبع مجموعات قصصية، منها: «جمر كانون»، و«حقائب الترحال»، و«الضفة الأخرى»، و«لعنة الكراسي». وفي الفكر والثّقافة نشر ثلاثة كتب هي: «العتق والرقّ.. مقالات في ثورات الربيع العربي، وما تلاها»، و«رسائل باريس.. مقالات في الفكر والسياسة»، و«معارج الفكر.. إطلالة على الثّقافة الأجنبية». كما له ترجمات روائية عديدة، منها ثلاث لـ«ستيفان زفايغ»، هي: «الخوف»، و«مانديل بائع الكتب القديمة»، و«رسالة من مجهول»، كما ترجم: «انتقام الغفران» لـ«ايريك ايمانويل شميت»، و«عدوّ» لـ«جان إشنوز»، و«بوذا في العالم السفلي» لـ«جولي أنوتوسكا»، و«ذهول رعد» لـ«إميلي نوتومب»، «ليلة مع صابرينا» لـ«بيدرو ميرال»، وأخيراً «مذكِّرات شيهم» لـ«آلان مابانكو»…

البحث عن الذات في مرحلة التكوين، تجعل البدايات مبهجة، ولكلّ منّا بداية تجعله يسلك الطريق بقوّة. ما العوامل، والمؤثِّرات التي جعلت منك روائيّاً، وقاصّاً؟، ومن ساعدك؟

– وجدت السند لدى بعض رموز التأسيس عندنا، أخصّ بالذكر منهم الروائي والباحث محمد صالح الجابري، أوَّل من اطَّلع على محاولاتي الأولى، والأديب محمَّد العروسي المطوي مدير نادي القصّة ورئيس تحرير مجلّة «قصص»، أوَّل من نشر لي قصصي، والناقد أبو زيان السعدي الذي احتضن نصوصي في القصّة والمقالة والنقد والترجمة في جريدة «الأدباء»، ملحق جريدة «الصباح»، قبل أن أتولّى الإشراف عليه في مطلع الثمانينات. بدأت بالقصّة، حينما ألفيت نفسي في عزلة، مطلع السبعينات، أبعدتني عن الكرة التي كنت أمارسها في فريق النادي الإفريقي، ثم انتقلت إلى الرواية، ولو أن روايتي الأولى لم تظهر إلّا حينما بلغت الخمسين، لظروف النشر العسيرة التي كانت سائدة حتى وقت قريب.

أنت في المنفى الذي اخترته، ورغم ذلك تسحبك الذاكرة لكتابة ما مضى من حياتك في تونس. لم تستطع، إذاً، الفرار من الذكريات؟

– هجرتي كانت أشبه باختيار اضطراري، أي أني قصدت المنفى طوعاً عندما زالت، في بلدي، أسباب العيش الكريم، أواخر الثمانينات؛ اجتماعياً وثقافيّاً وسياسياً. في ترحالي، حملت معي هويَّتي، ولغتي، وذكرياتي. ورغم أن إقامتي في باريس تجاوزت الثلاثين عاماً، لا أزال أكتب بلغة قومي، ولا تزال الذكريات البعيدة حاضرة في ذهني، بل إني ما زلت أستحضر ما عشته في أرياف بلدتي التي هجرتها في أواخر الخمسينات، بتفاصيله وروائحه. الذكريات جزء مني، تسكنني، فأوظِّفها؛ ليس لإطفاء قلق وجودي، بل لرغبة ملحّة لديَّ في تسجيل تاريخ منسيّ، من حياتي وحياة أهلي وعشيرتي وأترابي، عندما نزحنا إلى تونس العاصمة. تونس التي اتَّخذتها مسرحاً لأحداث رواياتي الأولى، وفاجأت سكّانها بتفاصيل يجهلونها، عن أزقّة وحارات وممارسات يسمعون بها، ولا يرونها. كتبت ذلك وأنا في باريس، مثلما كتبت عن تجربتي في ديار الغربة، وتعرَّضت فيها إلى ما يعانيه العرب المهاجرون.

ما نصيب السيرة الذاتية في رواياتك؟

– أنا مبثوث في تلافيف أعمالي، أظهر حيناً، وأختفي حيناً آخر، لكن حضوري قد يكتسي دور شاهد على مرحلة، أو أحداث عشتها أو عايشتها أو سمعت عنها، وقد يتجلّى في عمل تخييلي صرف يستلهم من سيرتي بعض تفاصيلها. أوظِّف كلّ ذلك لأجلو منه رؤية للعالم، وموقفاً من الذات والآخر، لأن الاتِّكاء على السيرة الذاتية وحدها قد يحصر العمل في مسائل خاصّة بصاحبها، وتجارب قد لا تكتسي أهمِّيّة إلّا لديه، فيما الرواية فعل تخييلي، بالأساس، ينهل من الواقع، لا محالة، لكنه يسمو به ليجعل من التجربة الخاصّة لحظة إنسانية تلامس، بمعانيها ومراميها، كلّ قارئ في هذا العالم الرحب، كما هي الحال في أعمال «تولستوي»؛ إذ إن كلّ ما ألّفه لا ينفصل عمّا عاشه، فكتابته كلّها تنطق بتجاربه المعيشة المعقَّدة، ويمكن التعرُّف، في طياتها، بسهولة إلى الأنا التولستوية. يقول «توماس مان»، الذي استفاد كثيراً هو، أيضاً، من سيرته الذاتية: «إن آثار «تولستوي» الأدبية ليست، في الواقع، سوى أجزاء من دفتر يوميّات ضخم، عُني بتدوينه طيلة خمسين عاماً في شكل اعترافات مفصَّلة، لا نهاية لها».

أغلب شخصياتك الروائية متخيَّلة، لكنها تحاكي الواقع، وتمثِّله. لماذا لا توجد حدود منطقية بين الواقعي، والخيالي في رواياتك؟

– الرواية تنطلق من الواقع، وتعود إليه، وما تقدِّمه هو وهم الواقع، لأنها عمل تخييلي، بالأساس، وإن بدا للقارئ أنه استنساخ للواقع. في روايتي الأولى «لابس الليل»، وكذلك في الثانية «زمن الدنّوس»، انطلقت من أحياء المدينة، التي سمَّيت منها ما بقي وما دثر، ولكن الأحداث والشخصيات كلّها من وحي الخيال، وإن بدا، لبعض القرّاء وحتى النقّاد، أن البطل «الكامل كنتولة» شخص معروف بشحمه ولحمه. كانت غايتي أن أنفض الغبار عن جانب من ذاكرة المدينة؛ حتى لا يطوي النسيان خبره، وأصوِّر مكابدات شريحة تجترح قوانينها الخاصّة، لمواجهة التهميش والعنف والإقصاء المخطَّط. وفي اعتقادي ألّا وجود لمنطق غير منطق الرواية ذاته، أي أن تعبِّر عمّا سمّاه «لويس أراغون» «الكذب الصادق»؛ بمعنى عمل تخييلي، أحداثه مقنعة بشكل يوهم القارئ بأنها حكاية واقعية حصلت بالفعل. في تقديمه للترجمة الفرنسية لرواية «شتاينبك» «رجال وفئران»، يقول «جوزيف كيسيل» إن ما يمتاز به الكتّاب الأميركان من «دوس باسوس» إلى «فوكنر»، مروراً بـ«همنغواي»، أنهم يبدعون أعمالاً غاية في العمق والدقّة والجدّة، دون ادِّعاء أيديولوجي، وكأنهم يريدون القول إن ما نرويه حدثَ في مكان ما، وزمان ما، على هذا النحو الذي ذكرنا، وليس لنا فيه غير النقل بأمانة.

هل الرمز في رواية «آخر الرعية» مقصود؟ وهل يمكن كتابة التاريخ بأسلوب رمزي، دون الإفصاح عن المسمَّيات كما هي معروفة في التاريخ المدوَّن؟

– غالباً ما يستقي الأدب مادّته من التاريخ، بوصفه منهلاً من المناهل المهمّة الزاخرة بالشخصيات والوقائع والصراعات، خصوصاً في الحقب التي شهدت هزّات وتارات وتحوُّلات عميقة، لكنه لا يغترف تلك المادّة بعلّاتها، بل يعيد تشكيلها وفق رؤية مخصوصة. ذلك أن الأديب يتناول التجربة التاريخية بطريقة تُبايِن ما يقوم به المؤرِّخ، وبأسلوب يخالف المناهج العلمية الصارمة، ولغتها الجافّة. فإذا كان المؤرّخ يحرص على تبيُّن الحقائق التاريخية، ويدقِّق تواريخها وأعلامها، ويتقصّى أسبابها ونتائجها، فإن الأديب، برغم إحاطته بالظرف، مكاناً وزماناً، يهتمّ، أكثر ما يهتم، بالأشخاص الذين عاشوا تلك الأحداث الرئيسية أو الحافّة، ليصوِّر الواقع الذي كان، ويغوص في أعماق النفس البشرية يتعقَّب انفعالاتها، ويسبر أفكارها، ويجلو، من مواقفها، معاني إنسانية، وقيماً حضارية نبيلة، وقد يتَّخذها مطية لمساءلة الحاضر. لقد اختار «شكسبير»، مثلاً، مُعظم شخصيّاته المسرحية من فترات حرجة أو حاسمة في التاريخ الرومانيّ القديم والإنجليزيّ الوسيط، لكنّ أحداث التاريخ لم تسترعِ اهتمامه إلّا في القليل النادر؛ إذ إن اهتمامه الأساس كان منصبّاً على المشاعر الإنسانية التي تبلغ أعلى درجات التوتُّر في تلك الفترات التاريخية الدقيقة، التي قد يتقرَّر، في أثنائها، مصير أمّة بحالها، وربَّما مصير البشرية جمعاء. كذلك كان شأن «تولستوي» في روايته الشهيرة «الحرب والسلم»، حيث لم يستوقفه «نابليون»، القائد العسكريّ، بل «نابليون» الإنسان، بكلّ ما يعتمل في صدره منِ انفعالات، في لحظات قوّته ولحظات ضعفه، وفي حالات انتصاره وحالات انكساره. بل إن موضوع الرواية، بالأساس، لم يكن حول حقائق الحرب الفرنسية الروسيّة، بقدر ما كان تناوُلَ قضيّةً بالغة الأهميّة؛ هي الإنسان والحرب، أو الإنسان في مواجهة الحرب. أي أن الكاتب يستهدي بوقائع التاريخ القريب والبعيد، ويستحضر أعلامه لأغراض فنّيّة صرف، لا يهمّه من سِيَر الكبار غير المعاني التي قد يستخلصها منها لخدمة نصّه. يقول غوته: «لا توجد شخصية تاريخية في نظر الشاعر، فهو لا يريد إلّا تصوير عالمه الفنّي، لذلك فإنه لَشَرَف عظيم ينال بعض الشخصياتِ التاريخية، إذا أدرج الشاعرُ أو الأديب أسماءها في مؤلّفاته». في «آخر الرعيّة»، التي كتبتها ما بين (1995) و(2001)، أي قبل غزو العراق، لم يكن يهمّني الاسم الذي يتخفّى وراءه (الكبير)، فما هو، في نظري، إلّا رمز لطاغية، أحكم قبضة حديدية على شعبه، فآل به أمره إلى التيه والضياع، وعاد عليه استبداده بالرأي بالوبال.

كانت أعمالك (وماتزال) مثار جدل ثقافي، ونقدي؛ نظراً لاختلاف كتاباتك عن السائد، وبحثك الدائم عن المُغاير، فهل استطاع النقد أن يضع تجربتك الإبداعية في مكانها اللائق كما يجب؟ وهل، بالفعل، لدينا أزمة نقديّة؟

– النصّ ملك لي ما لم أنشره، فإذا نشرته حقّ للناس أن يقولوا رأيهم فيه، بحرِّيّة، ولا يضيرني أن يستحسنوه أو يستهجنوه، لأني الناقد الأوَّل لنصوصي، عسير في التعامل معها، ولا أنشرها إلّا إذا نالت مني رضى تامّاً. بالنسبة إلى القارئ العادي، تصلني، في الغالب، ردود طيِّبة، أمّا بالنسبة إلى النقد فهو مستويان؛ صحافي عارض يتابع ويبدي الرأي في ما يُعرض عليه، وقد أنصفني حينما كنت في تونس، وتغاضى عني بعد الهجرة. والثاني أكاديمي، اهتمَّ بنصوصي، تحليلاً وتدريساً وبحثاً جامعياً لنيل شهادة. النقد الأوَّل (الصحافي) مطروح على القارئ العادي، وإن ظلّ مرتبطاً بقيمة مَنْ يكتب، فقد كُتِبت عني مقالات جيِّدة، وأخرى هزيلة، تمنَّيت لو أن صاحبها لم يرهق نفسه في ما لا ينفع. أما النقد الأكاديمي فهو علّة النقد عندنا، فقد درج الأكاديميون على تلقُّف المناهج النقدية الغربية، وعرّبوا مصطلحاتها تعريباً زاد معانيها عسراً، وأمعنوا في التوسُّل بها حتى بعد أن ملّها الغرب، وأقبل على سواها، فتعلَّقوا بالبنيوية والألسنية والشكلانية والإنشائية والتداولية والسيميائية والنصّانية والتأويلية والتفكيكية، وما زالوا يلوكون مفاهيم عصيّة على الفهم، ويسقطونها على نصوص ليست من بيئتها، بدعوى أنها تسهم في استجلاء غوامض النصّ المدروس وفضّ مغالقه، والكشف عمّا استتر من معانيه، وما أشكل من رموزه. ولكنها تكاد تطبّق بصورة آليّة، وتسوّي بين الغثّ والسمين، فلا تدري، حين تنتهي من قراءتها، إذ كان النصّ المنقود جيّداً أم رديئاً. هم يعيبون على النقد الكلاسيكي انطباعيَّته، لكن، على الأقلّ، له الفضل في خلق ذائقة أدبية تميِّز بالسليقة، بين السليم والمعتلّ.

ماذا أضاف الربيع العربي لنصّك السردي؟ وهل أوحت الثورة لك برواية ما، أو قصّة؟

– أوّلاً، أنا من الذين يصرّون على أنها ثورات، والذين أنكروا عليها تلك الصفة، مثل «أدونيس»، بدعوى أنها تفتقر إلى برنامج فكري ثوري يمهّد لقيامها، ينسون الثورة الفرنسية التي صارت رمزاً لكلّ الثورات في العالم، ولم يكن مفكِّرو الأنوار طرفاً فيها إطلاقاً، كما علَّمونا خطأً في المدارس، فالذين قاموا بها هم نفر من أهل الصنائع والحِرَف ممَّن ضاقت بهم سبل العيش، ولا يحسنون حتى القراءة، فما البال بفهم فلسفة «روسو»، و«مونتسكيو»، و«فولتير»؟. والذين التحقوا بهم من المفكِّرين والخطباء لم يكونوا يرغبون في إزاحة الملك بل في تلطيف حكمه المطلق، وتخفيف سطوة الإقطاعيِّين والنبلاء. استلهمت من الثورة التونسية رواية «ورقات من دفتر الخوف»، ومجموعة قصص «جمر كانون»، وكتاباً في الفكر السياسي بعنوان «العتق والرقّ» عن ثورات الربيع العربي، وما تلاها. الثورة في تونس غيَّرت كلّ شيء؛ في الرسم والموسيقى والمسرح والأعمال الدرامية التلفزيونية والكتابة الأدبية، ولكن ليس دائماً نحو الأفضل، فقد ظهرت عندنا، مثلاً، روايات، وحتى ترجمات، باللهجة المحلِّيّة. الإضافة هي الحرّيّة التي منحت الجميع حقّ التعبير عمّا يشاؤون؛ هذا الحقّ مارستُه منذ مطلع التسعينات، فأعددت قصصاً لم تُنشَر إلّا بعد سقوط النظام البائد، بعنوان «لعنة الكرسي»، ورواية «آخر الرعيّة» التي نشرتها في «باريس»، وظلَّت محظورة لتناولها موضوع الاستبداد؛ أي أني لم أنتظر الثورة حتى أبادر بانتهاك المحظورات الثّقافيّة، إذ قرَّرتُ، منذ ذلك التاريخ، (مطلع التسعينيات) أن أكتب دون الخضوع للرقابة الذاتية، حتى وإن بقيت تلك النصوص في أدراجي.

أصبحت الرواية، اليوم، شديدة التكيّف مع راهن الواقع العربي، ومشتبكة معه في متغيِّراته، وتكتسب، كلّ يوم، المزيد من التقنيات والأساليب الجديدة، حتى تؤسّس خصوصيَّتها العربيّة، كيف ترى ذلك؟

– هي متكيِّفة منذ زمان بعيد، منذ «سارة»، و«يوميات نائب في الأرياف»، و«الدقلة في عراجيبنها»، و«ثلاثيّة» محفوظ، ملتحمة بواقعها تعالج أدواء المجتمع، وتصوِّر ما يعتريه من تحوُّلات لا تسير دائماً في الاتِّجاه المنشود، وما تغيَّرت إلّا الأساليب والأدوات الفنّيّة. ولكن اللافت، في هذا التغيير، نزوع أغلبية النقّاد، الأكاديميين بخاصّة، إلى الاحتفاء بمبحثَيْن أساسيَّيْن هما؛ ترهين التراث، والتجريب. الأوَّل بدعوى تأسيس رواية ذات خصوصية عربيّة، ولا ندري ما هي هذه الخصوصية، فهل نعود إلى مقامات الهمذاني، أم نحتذي بـ«كليلة ودمنة»، أم نتمثَّل كتب الأخبار القديمة «حدَّث فلان قال» على غرار محمود المسعدي في تونس؟ صحيح أن لنا تراثاً سردياً زاخراً، لكن فنّ الرواية فنّ غربي، بالأساس، حتى وإن أخذه «ثربانتس» عن حكايات «ألف ليلة وليلة»، كما أخذه «دانيال ديفو» عن ابن طفيل. والثاني هو التجريب، الذي يخطئ ويصيب، ولكن دون بلوغ برّ الأمان، والحال أن الشرط في مَنْ يجرِّب أن يحصل على نتيجة ترضيه. من حقّنا أن نطوِّر هذا الفنّ، بعد أن اكتسبنا شروطه، ولكن التطوير أمر فردي، فلا يوجد دليل استعمال ولا وصفة سحرية، إنما الأمر موكول لموهبة كلّ كاتب، فقد يفاجئنا كاتب عربيّ بنصّ على غير مثال، تتوافر فيه ما يمكن تسميته رواية عربيّة خالصة، ولكن دون أن يصبح أنموذجاً يسير على هديه الآخرون.

هل استطاعت الرواية أن تفكِّك التهميش الاجتماعي، والسياسي، والثقافي؟ هل أصبح المتن هامشاً، والهامش متناً، و- من ثَمَّ- لا وجود لمركزية غير مركزية الذات؟

– التهميش، بأنواعه، حاضر في شتّى الأعمال الروائية العربيّة، الكلاسيكية منها والحديثة. كذلك الذات، وإن اتَّخذت، في الأعوام الأخيرة، حجماً أكبر، لأسباب تخصّ أصحابها. ولكن ليست كلّ سيرة ذاتية جديرة بأن تُروى كما أسلفنا، فالتركيز على الذات دون تجربة عميقة في الحياة، ودون إلمام بعلم النفس وتحليله، يفقد العمل أهمِّيَّته. ومثل هذه الأعمال قد تبهر في البداية، لكنها تغدو مذمومة إذا استشرت، كما هي الحال في الروايات النسائية الفرنسية التي تركِّز على تجارب ذاتية من جهة الحياة المتحرِّرة، حتى في بعض الكتابات الذكورية التي تجعل ذاتها سُرّة العالم، ما دفع رئيس تحرير المجلّة الأدبية «مغازين ليتيرير»، في إحدى افتتاحياتها، إلى انتقاد هذه الظاهرة في الأدب الفرنسي، والتساؤل عن تجنُّبها الخوضَ في القضايا الكبرى على غرار الرواية الإسبانية، والأميركية، واللاتينية الأميركية.

حدّثنا عن رؤيتك للرواية التفاعلية، ومستقبل الأدب، في ضوء ما أصبحنا عليه بعد أن تَمَّ- بالفعل- كسر حواجز الواقع، والافتراضي، وامتزاجهما معاً في دواخلنا.

– هذا النوع من الكتابات لا يستهويني. حتى في الغرب، يظلّ محصوراً في بؤر ضيِّقة تبحث عن التميُّز والتفرُّد، لكننا نتلقَّفها بسرعة، ونحاول تعميمها واعتبارها الأنموذج الأمثل. ويحضرنا، في هذا الباب، مثالان؛ الأوَّل كتاب «خُلبٌ عامّ» للفرنسية «إمانويل بيرير»، يجمع بين مختلف أشكال الخطاب الحديثة، ويحمل قارئه على التنقُّل من فصل إلى فصل كما يتنقَّل على الشبكة، حيث تتجاور الرسائل الإلكترونية والرسائل الهاتفية القصيرة والحكايات والتحاليل وأغاني الراب والعامِّيّة، وتختلط الشخصيات الحقيقية من مثل: نيتشه، وتولستوي، وليفي ستراوس، ولويس دو فونيس، وجيمس براون، بشخصيات روائية وتلفزيونية معروفة لدى الفرنسيين، من مثل الكوميسار مولان، والمفتِّش ميغري، وشخصيات مبتكرة أو نكرات لا تحفل بها غير الجرائد، عند اقتراف جنحة أو جناية. وهو شكل جديد تقترح، من خلاله، الكاتبة «تصويراً بالإشعاع السيني للوعي الأوروبي في مطلع الألفية الثالثة» كما تقول. ورغم تتويج الكتاب بجائزة، لم يجد صدًى لدى القرّاء. والثاني رأس من رؤوس التجريب في الأدب العالمي، ونعني به الأميركي «دفيد فوستر والاس» الذي نشر رواية تجريبية من ألف صفحة، عنوانها «حذلقة لا متناهية»، وكان يؤمن بأن الأعمال التجريبية والطلائعية قادرة على الإمساك بالكيفية التي يلامس فيها العالم دقائق أعصابنا، فقد اعترف، في حديث طويل نُشِر في كتاب بعد انتحاره: «في الآونة الأخيرة، عدت إلى قراءة الأعمال الأكثر واقعيّةً، لأن أغلب «البدع» التجريبية عسيرة بشكل مقرف… والجهد الذي تتطلَّبه من القارئ يفوق بكثير ما تقدِّمه. حتى الأعمال التجريبية الكبرى، التي كنت مضطرّاً لقراءتها؛ لكوني أمارس اللون نفسه، كان ينتابني إحساس بأني أشبَهُ بطفل صغير، يتحدَّث الكبار فوق رأسه، وأن الكتاب الذي أقرؤه وُضِع للآخرين؛ كتّاباً ونقّاداً ومنظِّرين».

لماذا هاجمت، أكثر من مرة، الجوائز العربيّة؟، وما تقييمك للروايات الفائزة؟، وهل تستحقّ الاحتفاء بها، وترجمتها؟، وهل وصل الأدب العربي إلي اللّغات الأخرى، وأصبح جديراً بالاهتمام مثل الأدب الفرنسي، أو الإسباني؟

– هو ليس هجوماً بقدر ما هو استنكار لما آل إليه وضع الجوائز في أقطارنا. هذه الجوائز التي جُعِلت، في الأصل لتشجيع الكتاب وتحفيزهم على الإنتاج، فإذا هي، في عمومها تنقلب إلى أداة خلط وفوضى، تغمط التجارب الجيّدة، وتكرِّم كتّاباً متواضعين، منهم من لم يجرِّب السرد إطلاقاً، لاعتبارات بعيدة عن الأدب. في تونس، مثلاً، سُحِبت الجائزة ممَّن حازها، بعد إعلامه بالفوز، لتسند إلى كاتب مغمور تنازل عن الشيك لرئيس اللجنة، وأسندت إلى كتّاب من عمل أوَّل أكثر من مرّة. المصيبة أن هذه الممارسات لا تخصّ الجوائز العربيّة وحدها، بل تتعدّاها إلى الجوائز العالمية، كمنح لجنة «غونكور» جائزتها لكاتب مبتدئ، اختارته من أسفل الترتيب، حسماً لجدل حامٍ حول مرشّحَيْن آخرين، أو منح «نوبل» لفنّان الروك «بوب ديلان»، ما دفع «فرغاس يوسا» إلى القول في سخرية: «لا نستغرب إن منحت، في الأعوام القادمة، إلى لاعب كرة قدم».

ولعلّ خير موقف من الجوائز، ما قاله الإسباني «غويتسولو»، عندما مُنح جائزة «ثربانتس»، نوبل الآداب الناطقة بالإسبانية: «أن أكون محلّ تبجيل من المؤسَّسة الأدبية يدفعني إلى الشكّ في نفسي، ولكن أن أكون، في نظرها، شخصاً غير مرغوب فيه، فهذا يؤكِّد وجاهة موقفي، من حيث السيرة والعمل. من علياء شيخوختي، أحسّ أن قبول هذا التكريم كضربة سيف في الماء، كاحتفال لا فائدة من ورائه».

نبيل سليمان: الجوائز العربية لا تقيس تحوُّلات الكتابة الروائيّة

يواظب الروائي والناقد السوري نبيل سليمان على الإقامة في عالم الرواية، وتخصيب هذه الإقامة بالحفر عميقاً في ضروب المعرفة الإنسانية. مؤسّس «دار الحوار» السورية للنشر، ناقد متابع لتحوّلات التاريخ وانهيار أحلام الإنسان ومصائره في مشهد مكرور شرع في تشخيصه منذ صدور روايته الأولى «ينداح الطوفان» 1970، وصولاً إلى عمله الروائي الأخير «تاريخ العيون المطفأة» 2019، مروراً بإنتاج سردي متجدِّد وتجريبي أغنى مدوّنة السرد العربيّة…

في روايتك الأخيرة «تاريخ العيون المطفأة»، التي يمتزج فيها الحبّ بالسياسة ونقد السلطة، ويحضر فضاء المدينة كفضاء متخيَّل. ما الذي يميِّز خصوصية هذا الفضاء؟ وهل هذه الرواية تشخيص سردي مضاعف لأزمة واقعنا العربي؟

– تنوَّعت مدن رواياتي، فتنوَّعت فضاءاتها، وإن يكن الريف حضر، بقوّة، في روايتي الأولى «ينداح الطوفان»، وفي رباعية «مدارات الشرق»، بخاصّة. في هذه الرباعية، كان تطوُّر المدينة شاغلاً كبيراً خلال النصف الأوّل من القرن العشرين، وبخاصّة في دمشق، وبدرجة أدنى في حلب، وحمص، واللاذقية، والسويداء، بل من المدن ما عُنِيَت «مدارات الشرق» بنشأته، مثل القامشلي. وإلى خارج سورية، انداح فضاء الرباعية إلى حيفا وبغداد والقاهرة وباريس… ولعلّ ما ميَّز هذا الفضاء المترامي، وما جعل للمدينة خصوصيَّتها في هذه الرباعية، هو أن عنايتي لم تنصرف إلى الجغرافيا أو الأكزوتيكا أو- على الأقلّ- لم تنصرف إليهما، فقط، بل انصرفت- أوّلاً وآخراً- إلى روح المدينة العمرانية، والتاريخية، والبشرية. وهذا ما حرصت على أن يتوفَّر، دوماً، للمدينة في مختلف رواياتي. فمن اللاذقية، التي عشت فيها مراهقتي، هأنذا أتكلَّم كأن هذه المراهقة انتهت (والعياذ بالله من مراهقة السبعين)، ثم أقمت فيها منذ 1978، وكما جاءت في رواية «ينداح الطوفان» أو في رواية «مدائن الأرجوان»، إلى تلمسان الجزائرية في رواية «دلعون» والتي عرفتها فقط في يوم واحد بِلَيْله ونهاره، أقول: في اللاذقية كما في تلمسان، في العيش المديد كما في اللحظات/ الساعات/ الأيّام الخاطفة، ما همّني إلّا روائح المدينة، إلّا العاشقات والعاشقين فيها، بل قل: إلّا العشق، إلّا الغناء، إلّا أطفال الشوارع، إلّا القمع السافر أو الموارب، إلّا المقابر التليدة والمقابر الطريفة، إلّا مثل هذا الذي أحسب أنه يميِّز مدينة عن مدينة، أو يجعل لمدينة خصوصيَّتها.

أمّا التحدي الأكبر، فلعلَّه كان في أن أوفِّر هذا التميُّز وهذه الخصوصية للمدينة المتخيَّلة التي لا تعيّنها الرواية، كما هو الأمر في رواية «السجن» ورواية «سمر الليالي» ورواية «تاريخ العيون المطفأة». هنا، مضت الكتابة الروائية إلى جبلّة جغرافية وبشرية وتاريخية أخرى، كانت وما كانت، كائنة وليست بكائنة، و- ربَّما- ستكون، بل لن تكون. وفي كلّ ذلك، يلعب التخييل كما يشاء، فإذا بالمدينة الروائية تلّوح لبيروت أو للرقّة، لهانوفر أو للحسكة، ودوماً تلوّح لأكثر من مدينة، تمتح من أكثر من مدينة، فتغدو مدينة كثيرة وهي واحدة، مدينةً جمعاً وهي مفرد.

أمّا تتمّة السؤال عمّا إن كانت «تاريخ العيون المطفأة» تشخيصاً سردياً مضاعفاً لأزمة واقعنا العربي، فغاية ما أدَّعيه أن هذه الرواية حاولت أن تساهم في هذا التشخيص، حاولت أن يكون لها اقتراحها الخاصّ لهذا التشخيص.

أين تقع هذه الرواية ضمن إحداثيات المشروع الروائي لنبيل سليمان؟

– ربّما، تكون لحظةً جديدة في هذا المشروع، أو مفصلاً؟ منعطفاً؟ لاأستطيع أن أحدِّد الآن، ولا أرغب في ذلك، فالتحديد متروك لما آمل أن أستطيع كتابته بعد هذه الرواية. الأمر متروك للمستقبل.

يتميَّز واقع المجتمعات العربية بعنف أحداثه وحركيَّتها، فهل ترى أن العمل الروائي يكتسب فرادته من هذا المرجع الحيّ، أم من عناصر وسجلّات أخرى؟

– لا يمكن للمرجع أن يوفِّر الفرادة الروائية تلقائياً؛ يتعلَّق الأمر بمقدار ما يسع الكاتب(ة) أن يوفّر من هذه الفرادة، وهذا لا يقلِّل من أهمِّية المرجع، أو من ضرورته.

في العقد الماضي، بلغت انفجارات المجتمعات العربية ما لم يكن يخطر في بال أكثر الناس تشاؤماً. في هذا العقد الثاني من القرن العشرين، بلغ عهر الأنظمة وفسادها وتغوّلها مدًى أقصى، ومثله بلغ العنف الأعمى، سواء أكان متجلبباً بمرجعية دينية معيَّنة أم كان مرتبطاً صريحاً، وبدرجة عميل بامتياز، بالأسياد الإقليميِّين والدوليِّين. ورغم أزمة النشر وأزمة التوزيع وأزمة القراءة، صدرت، في هذه الفترة، آلاف الروايات والمجموعات الشعرية، لكن ما توفّرت له الفرادة، حتى بدرجة وسط، لا يبلغ عشر الإصدارات، في أحسن الأحوال؛ فلماذا؟ كما هو السؤال مركّب، أو معقَّد، الجواب أكثر تركيباً وأكبر تعقيداً، ومنه أن الفرادة تقتضي، فيما تقتضي، أن يساهم النصّ في تفكيك المرجع الحيّ، الواقع الأغرب من الخيال. والفرادة تقتضي، بالقدر نفسه، وفي الآن نفسه، المغامرة في إبداع أشكال جديدة، أو الإبداع في الأشكال المتداولة. وبما أنني لا أملك (وصفة) طبيِّة للفرادة، فسأكتفي بهذا القليل/ الكثير الذي تعنيه الفرادة، وأترك الباقي لجذوة الإبداع، ولذوي الخبرة.

سبق لـ«هومي بابا» أن شدَّد على أن المقاومة تُدخل الجِدّة إلى العالم. إلى أي حدّ استطاعت الرواية العربية أن تلعب دور المقاومة، وأن تساعد على التخفيف من تمهزل جماليّات عالمنا الجديد؟

– هذا العالم، الذي تُدخل المقاومةُ إليه الجِدّة، هو عالمنا، العالم ما بعد الكولونيالي، كما حدَّد «هومي بابا»، وكذلك إدوار سعيد، وجاياتري سبيفاك، في تنظيراتهم لما بعد الكولونيالية. ثمّة من يذهب إلى أن المقاومة، بإطلاق، ما كانت يوماً إلّا قرينة الجدّة، لكن الأهمّ هو: (كيف) تُدخل المقاومة الجِدّةَ إلى العالم؟ ألا تُدخل بعض أنماط المقاومة السائدة القدامةَ إلى العالم؟ والأهمّ- ما دمنا بصدد «هومي بابا»- هو كيفية تطوير المقاومة في الفرجات التي تكون فيها على السلطة أن تمحو إمكانية المقاومة، وهذا ما عُنِي به «هومي بابا» عنايته بالهجنة على حساب الثقافة الوطنية.

أين الرواية العربية من هذا كلّه؟ أليس هذا بجوهر السؤال؟

– لقد أقبلت الرواية العربية، وبخاصّة في غُررها، سواء في العقد المنصرم أو في عقودها الطويلة، على (فرجات) الصراع بين السلطة فيما قبل الاستقلالات، وبخاصّة فيما بعدها، فأضاءت عتمات الفرجات، وحفرت فيها. وشهدت الحداثة الروائية العربية، بخاصّة، كيف يكون التفاعل المخصّب بين الهجنة والثقافة الوطنية، دون تقديم الأولى على التالية، وهذا ما يشير إليه الحضور المطَّرد للهامش الاجتماعي، والهامش الثقافي في الرواية العربية، مثله مثل التهجين اللغوي، وتعدُّد (الرطانات) والألسن.

نعت النقَّاد الرواية بنعوت عدّة، منها (النوع الحاجب)، و(ديوان العصر)، وحظيت بمكانة خاصّة عالمياً، ومنها ما حقّقت انتشاراً عالمياً. هل هناك أفق تلامسه الروايات العالمية، ولا تلامسه الروايات المشدودة إلى الخصوصيّات المحلّيّة؟

– كلّما نادى المنادي بعالمية الرواية، أسرعت إلى السؤال عمّا يعنيه. هل العالمية هي الرواية الأوروبية أم الأميركية اللاتينية أم اليابانية؟ هل العالمية هي الرواية التي تُترجم إلى لغة عالمية، كالإنجليزية أو الألمانية؟، ولماذا لا أقول: كالعبرية، ما دام للترجمة إلى لغة بعينها، من الحمولة السياسية مالها؟

ربَّما يبدِّد السؤال، أو يميّع السؤال، مثل هذا الذي أتحوَّط به لمناداة المنادي بالعالمية. وأرجو ألّا أضاعف التمييع والتبديد إن قلت: لماذا لا نعكس سؤالك، فيصير: هل هناك أفق تلامسه الروايات المشدودة إلى المحلّيّة، ولا تلامسه الروايات العالمية؟ ألا يعني لعالمية الرواية شيئاً، أن تُكتَب رواية غير عالمية عن مدينة الرقّة السورية، عندما كانت، بالأمس القريب، عاصمة للخلافة الإسلامية، كما فعلت روايات لشهلا العجيلي أو لمحمود حسن جاسم أو نبيل سليمان، حتى لو لم تترجم إلى لغة، ولم يحكم لها أو عليها (الآخر) العالمي بالعالمية؟

بين ما يوصف بالرواية العالمية، تجد ما لم تلامسه الرواية العربية إلّا عابراً، وعلى هَوْن، مثل روايات الجريمة أو الديستوبيا أو الخيال العلمي، فهل هذا قصور ينضاف إلى ما للرواية العربية من قصور عن العالمية؟

وبعد كلّ ما تقدَّم، أصدح، دوماً، بالدعوة إلى ترجمة ما تزخر به خزانة الرواية العربية من بدائع، ليس، فقط، لكي نزهو بالعالمية التي كثيراً ما تكون جوفاء، بل لكي ترفد روايتنا خزانة الرواية في العالم.

ما رأيكم في بعض الشعراء الذين تحوّلوا من كتابة الشعر إلى كتابة الرواية؟ بماذا تفسِّرون هذا الانتقال؟

– قلّة قليلة من الشعراء، أولئك الذين وقعوا في غواية السرد، فأبدعوا في الرواية، مثل الذي تحقَّق لهم في الشعر، أو أفضل منه ومن هؤلاء: عباس بيضون، وعبده وازن، وحسن نجمي، وسليم بركات، ومحمد الأشعري، وأمجد ناصر، وميسون صقر…

من جهتي، أغبط الذين تتعدَّد مواهبهم، و- من ثَمَّ- حقول إبداعهم. ميسون صقر، مثلاً، فنَّانة تشكيلية بامتياز. جبرا إبراهيم جبرا شاعر وناقد وروائي، أسعد محمَّد علي موسيقار وروائي وناقد. وفي تاريخ الرواية، كما في تاريخ غيرها من الإبداعات، كانت لكاتبتها أو لكاتبها منجزات أخرى في السيناريو أو المسرح أو الإخراج السينمائي أو النقد الأدبي أو القصّة القصيرة… وسرّ ذلك الأكبر في تعدُّد الإمكانات، وفي الطاقة الإبداعية الخلّاقة. أمّا الغثّ- وهو كثير- فسرُّه في ركوب موجة الرواية، و/ أو الاستسهال والغرور والعجز عن التميّز في حقل معيَّن.

إلى أين تسير الرواية أمام الوسائط الجديدة، وانتشار تسميات كالرواية المترابطة، والرواية الرقمية والرواية التفاعلية…؟

– في الحمأة الإلكترونية، وعُقَد الانبهار التكنولوجي، أخذ ينتشر الحديث الذي جلّه لغط وأقلّه جِدّ، حول نهاية الرواية الورقية (الكتاب الورقي)، وقيامة أفنان من الرواية بمشيئة التكنولوجيا، فلا تعود كتابتها مفردة، ولا قراءتها.

كلّ مصادرة ضلالة، ولذلك أرفضها، ومن هنا، في الساحة متَّسع لكلّ لون وكلّ تجربة، ومن ذلك الرواية التفاعلية، والوصلات التي يتولّاها القرّاء/ الكتَّاب، ونشوة اللعب الكومبيوتري الذي يتهدَّده انقطاع الكهرباء في بلاد مثل بلادنا (سورية ولبنان واليمن والعراق وليبيا وفلسطين… ألا يكفي؟)، و- من ثَمَّ- توقَّف أو اختلاط الرواية الرقمية أو الرواية الترابطية…

وأكرّر السؤال للذين تطيشهم الحمأة الإكترونية، ويجزمون بأن مستقبل الرواية هو، فقط، برقمنتها وتفاعليَّتها وترابطيَّتها، سألت مراراً، وأكرر السؤال: كم بلغ، خلال ربع قرن، عدد الكتّاب الذين يحاولون (صنع) هذه الرواية في الولايات المتَّحدة أو في اليابان أو في أوروبا؟

من المؤكد أن هذا الواقع الجديد، عالمياً، قبل أن يكون عربياً، له فعله الروائي الذي تحدّه وتبخّسه الحمأة الإلكترونية التي تنضاف إلى ما يعوّق مستقبل الرواية العربية، ويعقّده، كما يفعل ما هو رائج من الغثاثة والجهالة والاستسهال وأشراك الجوائز والفوضى…

هل يمكن قياس سقف تحوّلات الكتابة الروائية بما يتوَّج من أعمال في الجوائز المكرّسة لهذا الفنّ؟

– لا، لا يمكن قياس تحوّلات الكتابة الروائية، لا في سقفها ولا في أرضها، بما تتوجَّه جائزة «بوكر» العربية، أو «كاتارا»، أو «الشيخ زايد»… مثلاً. وها هي الجوائز العالمية أمامنا، ليس ابتداءً بـ«نوبل» ولا انتهاءً بـ«غونكور»، لم تكرّس مقياساً للتحوّلات، وإن كانت ضرب أمثولات، وندر أن توفَّر مثل جدّيَّتها لجائزة عربية.