عبد الرّحمن بدوي.. وجه الرّوائي

حقَّق عبد الرّحمن بدوي شهرته في عالَم الفلسفة: تأريخاً، وترجمةً، وتحقيقاً، باسطاً نفوذه الكبير على حقبة مهمَّة من تاريخ الفكر العربيّ المُعاصِر، غير أن الكثيرين لا يُركِّزون على وجهه الأدبيّ الذي أثار نقَّاداً معاصِرين له؛ فقد ألّفَ في الرواية التي بثّ فيها رؤاه السّياسيّة الثورية المُوجّهة للشباب المصريّ بُغية التغيير، لتنضاف إلى كتابه عن «نيتشه» الذي كان شديد التأثير على جماعة الضباط الأحرار، ليُلخص أحد تلامذة بدوي القول عن أحد أهم روايته وهي «هموم الشّباب»: «في رواية «هموم الشّباب» وضع بدوي منشوراً للشباب في مصر. واستوحى من الماضي برنامجاً للعمل في المُستقبل. ولم يقرأ أحد هذه الرّواية، والذين قرأوها نسوها أو تناسوها، فكأنه لم يقل لنا، وإنما لأجيالٍ من بعدنا!»(1).

يذهب «فتغنيشتاين» إلى أنه حينما يعجز أهل الفكر عادةً عن التّنظير للأشياء أكاديمياً، يلجأون إلى خدعة سردها روايةً وحَكْياً، من هنا قد يكون لجوء عبد الرّحمن بدوي إلى الرّواية التي لم يُترجم إلى العربية أهم ما كُتب فيها عالمياً(2)، وإنما أَبدع روايات تُرجم بعضها إلى أكثر من لغة(3)، بحيث صار يتمنَّى لبقية أعماله مصيراً يشبه مصير رواياته(4)، ليكون جُهده في صنف الرّواية موازياً لبقية جهوده على مستوى باقي الجبهات الفكرية من التأليف في الفلسفة، وتاريخ الأفكار، والأدب؛ إبداعاً وترجمةً وتحقيقاً، وكل ذلك تبعاً لنصيحة أستاذه ألكسندر كوارييه وهو يلخص له سبب علاقته المُتشنجة بزملائه في الجامعة المصرية: «إنّ كل كتاب تصدره هو بمثابة خنجر تطعن به الزّملاء العاجزين الحاقدين مهما بلغت مرتبتهم في الوظيفة!»(5).

ما نعرفه عن عبد الرّحمن بدوي هو نقله للعربية لأول سرديات العالم: «الدّون كيخوطي»، غير أنه كَتب الرّواية قبل ترجمتها، مزاوجاً بين الأكاديمي والإبداعي، فاتحاً بذلك تجربة جديدة لعلاقة الفيلسوف بالرّواية في العالَم العربيّ(6)، خاصة وهو يعترف أنه وُلد من صُلب روائي كبير هو مصطفى لُطفي المنفلوطي الذي كان بدوي معجباً بأسلوبه. فلم يتوقَّف عند التهام روايته «ماجدولين»، كما يقول، بل واستظهر الكثير من صفحاتها، خاصة ذات النفحة الشّعرية، واستعاد قراءته عدّة مرات وهو في سن العاشرة(7). ويمكننا أن نتصوَّر كم عدد الرّوايات التي سيقرأ بدوي بين سن العاشرة وما بعدها.

عبد الرّحمن بدوي أديباً

حقَّق بدوي موسوعية لا يكبحها شيء، ساعده على ذلك سعة ذاكرته، وقدرةٌ أكبر على التّكديس والتّخزين(8)، لتبقى الرّواية بالتالي الميدان الوحيد الذي يمكن أن يوظّف فيه الموسوعيُّ موسوعيته، خاصة والميزة التي لطالما ميَّزت كبار الرّوائيين أنهم كلهم ذوو ثقافة موسوعيّة، ف«بلزاك» كانت قصصه كأنها بحثٌ جامعي. و«سرفانتيس» كان يظهر أنه صاحب تجربة ذهنية وتاريخيّة وعسكريّة خارقة، وروائيو ألمانيا كانت لهم معرفة غير محدودة بالفلسفة والعلم من «غوته» وانتهاء ب«طوماس مان»(9).

بدوي كان بموسوعية مذهلة تتواشج فيه المرجعيات والرّؤى الفلسفية حدّ الغرابة، فهو كاتب دساتير الثورة(10) ومؤرِّخ الفلسفة والمذاهب الكلامية، وصاحب الرّؤية للدّواوين الشّعرية والتجارب الحياتية التي خبر فيها مكائد السّياسة ونوازع العاطفة والأهواء، فإلى جانب كونه قضى شطراً صالحاً من عمره بين الانتماء لأحزابٍ سياسيّة مختلفة وبين بلدان كثيرة، فإنه عاش تجارب عاطفية غير معروفة وغير واضحة نبّه على بعضها بشيء من التفصيل، ومرّ على بعضها الآخر مرور الكرام تماماً كما كان يمر على علاقاته الغرامية التي كان يكسر بها تعب التحقيق والتدقيق بين النّسخ وعناء مجهوده الجبار في ترجمة النّصوص من شتى اللغات، «فالرّوائي، فضلاً عن كونه فناناً، يُعنى بجماليات عمله، يلتقي فيه المُؤرِّخ بالفيلسوف. لأن حوادث قصصه، وإن تكن من صنع الخيال، ما هي إلّا انعكاسات أو رموز لحقيقة عصره التي يمحصها، أو تركيزات لمعانيها، مع شرح وتعليق يغدقان عليه صفة الفيلسوف»(11).

رغم أن عبد الرّحمن بدوي صام عن الكتابة الإبداعية في شكلها الرّوائي وقطع مع كتابة الشّعر والرّواية بعد رواية هموم الشّباب وبعد ديوان مرآة نفسي، فقد اكتفى عنها بترجمة أهم الرّوايات والدواوين الشّعرية والمسرحيات من لغاتٍ عالمية إلى العربية. ورغم أن بداياته الأولى كانت مع الرّواية والشعر، والتي «لم يحقق في أيهما أي نجاح»(12)  وفقط، بل مُني فيها بفشل وإخفاق ذريع، حتى أنها كانت مثار تهكم لا ينتهي من بدوي وأسلوبه في صناعة الشّعر وحبك الرّواية، ف«سيد قطب» الذي يحسب له تقديمه ل«نجيب محفوظ» والتنبيه إلى موهبته الرّوائية من خلال تقديمه لروايته «كفاح طيبة»، يشطب على كل تجربة بدوي الإبداعية، ويبالغ في السّخرية منها(13).

يعترف بدوي، نفسه، بما جرَّه شعره عليه من انتقاداتٍ ينعتها بدوي بالعنيفة، غير أنه يتعلّل بأن سبب تلك الحملة هو انحيازه للمرأة والجمال، على نحو ما لم تتحمّله العقلية العربيّة الذّكورية السّائدة(14). وليتملص أكثر من موجة الانتقادات يؤكَّد أن ديوانه الأول «مرآة نفسي» هو مجموع لقصائد كتبها وهو في سن ما بين الرّابعة عشرة والتّاسعة عشرة(15)، أي ليس شعراً لأيام ما بعد حصوله على الدّكتوراه. وفي حوار له يذكر أن له ستة دواوين شعرية تقع في قرابة ثلاثمئة صفحة. ليصف إنتاجه الشّعري، بأنه يفوق ما كتبه أيٌّ من الشّعراء العرب الحاليين، وفي مقابل ذلك فكلّ الشّعراء العرب، عنده، يلزمهم أن يرموا في البحر فآخر شاعر بالنّسبة له هو أحمد شوقي وجبران خليل جبران، ليبقى شاعر ك«بَدر شاكر السّياب» شاعراً بدون قيمة(16).

السّيرة ورواية «هموم الشّباب»

يلجأ عبد الرّحمن بدوي، منذ بداية روايته: هموم الشّباب(17)، إلى تخصيص صفحة كاملة للتأكيد على عدم وجود اتصال بين مجريات الرّواية وحياة مؤلّفها، دون أن يلجأ إلى وضعها باسمٍ مستعار أو بصفة أخرى تخفي حقيقة مؤلّفها، كما فعل القريب منه زمنياً محمد حسين هيكل(18). وكأن هناك خوفاً ما تملَّك بدوي خشية تأويل البعض لروايته باعتبارها سيرة، خوفاً يفسره تنبيهه الحاد اللّهجة للقارئ كي لا يعدَّها عملاً «أوطوبيوغرافيا» ليبقى الحفاظ على السّر إحدى معاني الكتابة لديه.

تدور أحداث رواية هموم الشّباب ضمن الزّمن الذي يشكِّل زمن سيرة بدوي نفسه، أي إلى الجيل المخضرم الذي خبر التّحوُّلات التّاريخيّة الحاصلة في العالَم وفي مصر، جيل تكوَّن في ظل الاستعمار الإنجليزي والحكم الملكي وإرهاصات ثورة الضباط الأحرار، وعاصر انعطافات الفكر والفلسفة وانحرافات السّياسة والثقافة في مصر، وانخرط فيها بالتّمجيد مرّة وبالاستخفاف مرّة، وتعرَّف على رموز التّحرُّر الوطنيّ سياسيّاً وفكريّاً، وتعرَّف على نماذج الخيانة، الشّيء الذي يجعل الكثير من عناصر سيرة بدوي تظهر متناثرة ومشتتة في الرّواية، وكذا مواقفه وتوجُّهاته السّياسيّة لتشارك رواية هموم الشّباب في رسم الملامح العامة لحياة وطباع عبد الرّحمن بدوي.

خلف حياة بطل رواية هموم الشّباب، هناك سيرة متوارية للمُؤلِّف، فبطل الرّواية كان يعيش بإزاء الكتب أكثر مما يعيش في أتون العالم، ليخرج عنها فجأة إلى عالم اللّيل وعالم النّشاط السّياسي السّري، في تعبير عن نموذج الإنسان المصري المُعبِّر عن هموم مرحلة تاريخيّة، وعن قيمِ جيل، وأبعاد مآسي اجتماعيّة يمثلها سجناء النّشاطات السّياسيّة ويمثلها عالم بنات اللّيل. ورغم أن بدوي يتحاشى أن يربط سيرته بسيرة البطل غير أنه كشخص يحتفل دوماً باسمه، ومهووس بالتّرجمة لنفسه، والتّعريف بشخصه وبإظهار مكارمه، فبالتّأكيد لن يجد أحداً يكتب عنه غير نفسه، ولن يجد من يؤدي دور البطولة في رواية أحداً غيره، ولهذا نجده يمجد ذاته قبل موته دون انتظار لخطاب يخلد اسمه، ويحتفي بذكراه، ولهذا كما أرخ لنفسه في موسوعته الفلسفية مع فلاسفة العرب القدامى ضمن مادة «بدوي». ليكون هذا الاعتداد بالذّات دافعاً له ليؤلف رواية عن ذاته في رغبة مفضوحة في المجد والخلود.

تبقى رواية هموم الشّباب شبيهة برواية أستاذه المنفلوطي «النّظرات»، من جهة تركيزها على عيوب المجتمع، ونقدها للحياة غير الأخلاقية التي يعيشها أهل المدينة مثل المجون والقمار والرّقص والخمر وعوالم الرّذيلة. وشبيهة برواية المنفلوطي «الشّاعر» من جهة دعوتها الوطنية. وسيظل التّأثير قائماً على صعيد روح وطريقة الكتابة ففي رواية عبد الرحمن بدوي شيء من أسلوب المنفلوطي(19) المُتوزِّع بين الفصاحة السّهلة وحسن الصّياغة والميل إلى التّرسل والانزياح المُتكرِّر، ثم إلى الإيغال مرة مرة في السّجع وما يتخلل ذلك من التّكرار والإطناب في الوصف.

أكيد لم تكن رواية هموم الشّباب بالبعيدة عن حكم النّقاد من حكمهم على الدّيوان الشّعري، فهي أصلاً لم تكن بالرّواية السّاخنة والحركية التي تحبس الأنفاس، وإنما على العكس، لما تخللها من فقرات طويلة من البرود والبطء لكثرة التّوصيفات، ولاسترسال بدوي في شرح المواقف وتفسيرها، وذلك إما عند حديثه عن حياة أحد أفراد الرّواية أو أحد أحداثها التاريخية، حتى لَينسى نفسه في الحكي المُتواصل، فيبتعد عن أحداث الرّواية، فينزاح وبشكلٍ متكرِّر لتقديم تفسيرات غير متوازنة القدر، فتصير الرّواية للحظات دروساً، لا تكاد تنتهي إلّا لتبدأ؛ في التّاريخ مرّة أو في السّياسة مرّات، ولتصير لمرّات أخرى محاضرات في الفلسفة وتاريخها، أو لتصير مجرد تعقيبات عالِم اجتماع عن ظواهر مجتمعية ما(20)، بشكل يجعل الأحداث، وللحظات كثيرة، بطيئة حدَّ القرف، وبشكلٍ لم يؤهل الرّواية إلى المستوى الذي يمكن أن تحجب فيه اسم صاحبها، كما هو حال محمد حسين هيكل مع روايته «زينب»، أو «مارغريت ميتشل» مع روايتها «ذهب مع الرّيح».

للحظات يحس القارئ، أن بدوي لم يكن يكتب رواية، وإنما سطّر هوامش لفلسفته في الحياة، ودوّن نتائج تأملاته عن المُجتمع المصريّ، ثم يتذكَّر فجأة فيرجع مرّة للأحداث التي يراها مقيمة لأركان الرّواية، مع استعراض فلكلوري لقدراته اللّغويّة، وكأن هناك رغبة للإيحاء بعلو قريحته في التّعبير والوصف عن مواضيع تتعلَّق بالحياة والفلسفة والمعرفة والمُوسيقى، وعن أسلوب العيش في الشّرق والغرب خلال الفترة أواخر الثّلاثينيات، في طرح طويل ومتصل لقضايا كثيرة يناقشها الرّاوي مع نفسه معظم الوقت، ومع الآخرين أحياناً، ولا يتردَّد في أن يجعل شخصيات أخرى غير الرّاوي تطرحها(21).

الرّواية تصير فرصة فنية للترجمة لا للذات انطلاقاً من سيكولوجية الأديب، ومظاهر المُحاكاة التي سرعان ما تلفت انتباهنا، لغياب الفوارق الكبيرة بين حياة الكاتب وحياة بطله؛ حياة النموذج والنسخة السّردية عنه، بداية بالطفولة وما يتخللها من رغبات جموحة، فيكتب بدوي عن طفولة بطله التي تبقى متناسقة تماماً مع أبعاد طفولته: «وكنت أنا الولد المتلاف من بين أبناء هذا الجيل: كنت أبغض التّوسُّط في كل شيء، ولا أقف إلّا عند الأطراف البعيدة؛ وكنت حريصاً على أن أنال القسط الأوفر من التّجارب الحيّة الحادة في كل ناحية، أطرقها من نواحي الحياة: المادية والرّوحية؛ وما عرفت يوماً السّكون إلى عاطفة أو الاستقرار عند مذهب أو التّعلُّق برأي واحد»(22)، إنه تعبير وجداني لا يليق إلّا بطفولة بدوي نفسها، وتسجيل سردي لعواطفه وانفعالاته تجاه العالَم والناس والمذاهب والأفكار.

رواية هموم الشّباب تبقى أيضاً سيرة تستجمع الأسئلة والهواجس والمشاكل التي يفترض أنها طُرحت على جيل عبد الرحمن بدوي، ابتداء من الدّين إلى العلاقة بالمُوسيقى، بل وإلى العلاقات الحميمية، ناهيك عن العلاقة بالعائلة وبالوطن والحب والخيانة، لتكون الرّواية ضرباً من أدب الاعتراف، ما دام الأمر يتعلَّق بحياة تشبه حياة عبد الرحمن بدوي في كثير من جوانبها فالرّوائي كما يؤكِّد الميلودي شغموم: «لا يمكنه أن يكتب إلّا عن نفسه. بمعنى أن ذاته بكل ما تجيش به من ماضٍ وأحداث وتوترات واستيهامات ومخاوف، هي المكوِّن الأساسيّ لعالمه المُفضَّل الذي يتكرَّر في أعماله. وهذا العالَم حاضر في نسج الشّخوص وتحريكها ورصد انكساراتها، التي لا تعدو أن تكون غير انكسارات المُبدع»(23). ولنكون إذن أمام نوع من المُماهاة بين البطل والمُؤلِّف، وهذا ما حاول الأخير التّخلص منه، ربما لخوفه من تحديد نقاط التّشابه المُمكنة الحصول لدى القارئ العارف ببدوي، إنها في الحقيقة رغبة في تفادي إحراجٍ ما، مع جرأة غير معهودة في معالجة موضوع بطلته بنت هوى وبطله معشوقها.

عرفنا جميعاً، عبد الرّحمن بدوي من خلال كتبه الفكريّة، غير أننا لم نعرف وجهه الرّوائي، من أنه وهب الخزانة الرّوائية، لا ترجماته لأمهات الأعمال الرّوائية فقط، بل وهبها روايات من إبداعه الشّخصيّ، كتبها لوعيه بأهمية الشّكل الرّوائي، وبقيمة دور الرواية في التوجيه والتحريض، لا ليضفي تشويشاً مقصوداً على هوية عبد الرّحمن بدوي الأكاديمية، ولكن لمحاولة تمرير فكره وموقفه السياسيّ عبر تغطية فنيّة مراوغة، وبالتالي توصيل قناعاته من خلال الكتابة السّردية القائمة على الانسياب وجنوح التخييل.

القصّة القصيرة فـي قطـر

بدا أمر الذاكرة الفنّيّة للقصّة القصيرة القطَريّة مهدَّداً بالتشويه الحقيقي الذي قد يسهم في تضليل الحكم النقدي على الإبداع الأدبي ذاته، وهو ما حرصنا على التقليل منه، وتفادي الوقوع في الأحكام الوثوقية الخاصّة برصد إنتاج القصّة القصيرة في قطر، الأمر الذي توخينا فيه الحرص والدقّة، ونزعم أننا، في ببليوغرافيا القصة القصيرة في قطر، قد حافظنا على ذاكرة الإبداع الأدبي القطري في مجال (القصّة القصيرة)، وبصورة تحقِّق نسبة عالية من الرضا بمصداقيَّتها وقيمتها التاريخية، وقيمتها الفنّيّة. وما كان هذا ليتمّ لولا الانضباط المنهجي الدقيق الذي غرسه أ.د.صبري حافظ في أداء الفريق البحثي، وكذلك لولا الجهد الـكبير الذي أنفقه د.إكرامي فتحي في عمليَّتَي الجمع والتدوين.

 

الريادة في القصّة القصيرة القطَريّة

يسود اتّفاق واضح بين الدارسين على أن القصّة القصيرة القطريّة تأخَّرت في الظهور، وشأنها في ذلك شأن وضعية الجنس الأدبي نفسه في دول مجلس التعاون الخليجي، الـتي ظلَّت فترة طويلة بعيدةً عن مظاهر المجتمع المدني الكامل، وتكاد لا تخلو دراسة نقدية متعلّقة بالقصّة القصيرة الخليجية من تأكيد أن المجتمع الخليجي تأخَّر في الأخذ بأسباب النهضة الثّقافيّة والتعليم والصحافة الـتي لم تُعرف إلّا مع ظهور النفط، الذي أدخل الواقع الخليجي كلّه في حراك مجتمعي مدني، لعب فيه التعليم دوراً بارزاً في تنمية الوعي، وأدَّت الصحافة الدور الأكبر في بروز القصّة القصيرة القطريّة؛ ليستوعب تداعيات هذا الحراك على المستويَيْن؛ الإنساني، والاجتماعي، وخاصّة بعد أن واجه الإنسان حالةً تشبه فقدان الذات، حين رُصد ما يشبه انتقال المجتمع، شيئاً فشيئاً، من المفهوم القبلي إلى المفهوم الأسري، وهو ما أسهم في تصدُّع قيم كبيرة، وظهور قيم حديثة واكبت المرحلة.

وكان للمصادر الصحفية الأولى الثمانية: «أخبار شركة نفط قطر» التي أصبح اسمها في ما بعد «المشعل»، و«الدوحة»، و«العروبة»، و«الخليج الجديد»، و«العهد»، و«الجوهرة»، و«العرب»، و«الراية»، فضل المثاقفة بين كتّاب القصّة في قطر؛ قطريِّيْن وغير قطريِّيْن، والقرّاء، والمعنيِّين بالثّقافة، بوصفها منابر ثقافية، من جهة، ثم احتضان التجارب والبدايات الأولى للقصّة القطريّة، من جهة ثانية. غير أن الدارسين والنقّاد وقفوا منها مواقف متباينة إزاء تحديد الجنس الأبي، ولاسيّما مع تحديد البداية الفنّيّة الحقيقية لجنس أدبي، هو وليد في قطر(1).

غير أننا نواجه خلافاً شديداً بين النقّاد حول احتساب الريادة الفنّيّة الناضجة للقصّة القصيرة المفردة، وكانت البداية ممثَّلةً في ما تناوله محمَّد كافود، الذي عَدَّ قصّة «الحنين» (18 فبراير، 1971) لإبراهيم صقر المريخي، أوَّل قصّة قصيرة ناضجة فنِّيّاً، إذ يقول: «ولعلّ أوَّل قصّة ظهرت، وكانت بقلم كاتب قطري، تقترب -إلى حَدّ ما- من القصّة القصيرة بمعناها الفنّي الحديث، هي قصّة «الحنين» الـتي كتبها الأستاذ إبراهيم صقر المريخي، ونشرتها مجلّة «العروبة» في العدد الخامس والخمسين، وهي تصوِّر بعض التناقضات التي تدور في المجتمع في فترة الانتقال، فهي تصوِّر الصراع بين جيل محافظ يريد التمسُّك بكلّ ماضيه، وجيل الشباب المثقّف الواعي الذي يسعى للتغيير والانطلاق»(2)، واستبعد ما كتبه يوسف النعمة، في مجموعاته القصصية الثلاث، الـتي تسبق -زمنيّاً- ما كتبه إبراهيم المريخي، وعَدَّها مجرَّد محاولات، تفتقر، في كثير منها، إلى البيئة القطريّة، والمناخ القطري؛ لأنه كان ينقل الأحداث إلى مجتمعات خارجية، مثل بيروت والقاهرة.

غير أن محمَّد عبدالباقي، عاد بالريادة الـتي أسهمت في تقديم أدب قصصي قطَريّ إلى يوسف النعمة، بالتحديد، عام (1962)، مع صدور مجموعته الأولى «بنت الخليج» الـتي نحتفظ منها بطبعة (1970) الموجودة في دار الـكتب، ثم تلاها – بحسب تعبير محمَّد عبدالباقي الذي سار فيه على ما ذكره محمَّد كافود- بمجموعتَيْن، هما: «لقاء في بيروت» عام (1970)م، و(الولد الهايت) عام (1971)م.

والحقيقةُ أن الرجل لم يكتب سوى مجموعتَيْن؛ لأن «الولد الهايت» مسرحية، وليست مجموعة قصصية أو قصّة طويلة، وله مجموعات، أو نصوص قصصية أخرى، تكاد تكون حكايات عامّة تصلح للسمر؛ لذا يبدو فيها البناء الفني للقصّة القصيرة ضعيفاً جدّاً لترهُّله، وربُّما أدّى افتقارها إلى السمات الفنّيّة المعروفة في القصّة القصيرة، إلى أن يحجم كاتبها عن إعادة نشرها، فهي، حتى الآن، مطبوعة طبعة خاصّة، وللكاتب، أيضاً، أعمال أخرى أشار إليها، لـكنها غير موجودة تماماً، منها: «بقايا حبّي» [طبع في بيروت]، و«عمالقة الفنّ العربي» [طبع في القاهرة]، و«اذهب إلى زوجتك»، و«القاهرة لا تنام»، و«الأمل يتحقَّق»، و«لا نوم في بيروت».

وبعيداً عن هذا، نستغرب اعتماد هذه الأعمال على أساس فنّي ناضج، لدى محمَّد عبدالباقي، وحسن رشيد، ومراد عبدالرحمن مبروك، وقد أقرَّ الأوَّل؛ تأثُّراً بما أورده محمَّد كافود، بأن المجموعات يطغى عليها أسلوب الخطابية والإخبارية والحكاية، ويركِّز فيها الكاتب على وصف الشباب ومغامراتهم السياحية في العواصم العربية، بالإضافة إلى ما يتخلَّلها من الآراء والمناقشات السياسية، وهذه المجموعات تفتقر إلى البناء الفنّي والوحدة، فضلاً على أنه يبقى فيها استلهام مناخات يوسف السباعي وغيره واضحاً لا خفاء فيه(3).

وقد عاد كل من محمَّد عبدالباقي ونضال الصالح إلى اعتماد قصّة «اليتيم» (فبراير، 1960) لعيسى منصور على أنها البداية، وإن كانت القصّة مجرَّد نصّ خطابي وعظي يفتقر إلى أجواء السرد القصصي المتناغم في تقديم حدث، أو حالة فنّيّة جيِّدة؛ فهي مجرَّد محاولة. ولعلَّ ما كان يتبعه مؤلِّفا كتاب «جدليّة العجز والفعل في القصّة القصيرة في قطر: دراسة ومختارات، 1999)، حسن رشيد، ومراد مبروك، من اعتماد جملة (الجيل الأول) و(جيل الروّاد) و(كوكبة الرعيل الأوَّل)(4) يُعَدّ تخلُّصاً علمياً لطيفاً ينأى عن إطلاق أحكام عامّة، قد تستنطق في النصوص فنّيّات ليست فيها، وخاصّةً مع أعمال يوسف النعمة وغيره، وهو الذي نقرّ بأنه أوَّل من قدَّم مجموعة قصصية، حرص فيها على أن تكون نبراساً للشباب بعده؛ كي يستضيء بها في ما يكتب أو يفعل.

وإذا كنّا -بالمعنى التاريخي الحرفي والسبق الزمني- نذكر، عام (1960)، عيسى منصور بنشر أوَّل نصّ قريب من القصّة «اليتيم»، وعام (1962) يوسف النعمة، بنشر أوَّل مجموعة قصصية «بنت الخليج»، فإننا نودّ -بالمفهوم الفني والاصطلاحي للقصّة القصيرة- أن نعدّ قصّة «ذكرى لن تموت» (مجلّة العروبة، ع23، 9 يوليو، 1970) لأحمد عبدالملك هي أوَّل قصّة فنّيّة في القصّة القصيرة القطريّة، إذا ما قارنّاها بقصّة «الحنين» (مجلّة العروبة، ع 52، 18 فبراير 1971) لإبراهيم صقر المريخي، أو قصّة «اليتيم» (فبراير، 1960) لعيسى منصور؛ لما تتحلّى به من طاقة سردية جيِّدة، تلعب فيها اللّغة على دفع إيقاع السرد للنموّ بالإحساس والشعور، والاحتفاء بالتداعيات الـتي تتعلَّق بذكرى طالب غريب، اقتحم عالم أستاذه بتصرُّفاته الباعثة على التأمُّل، وقد طالعتنا الفقرات السردية على رواسب الحياة وتداعياتها الـتي أسبغت هالة الدهشة على تصرُّفات ذلك الطالب، الذي يتقدَّم وعيه بالحياة مع تقَدُّم انكساره فيها. والأمر الذي يتشبَّث به الشيخ عبدالله في قصّة إبراهيم المريخي «الحنين» يتمثَّل في الحنين إلى داره القديم الذي هجره، في استجابةٍ مُكرهة لتطوُّرات الحياة، وتغيُّر وعي الأجيال؛ فظل هائماً بحنينه إلى التفاصيل المسكوبة في دهاليز داره المعتَّق بالأحبّة والماضي، فبدا كأنه ماثل في براثن الحنين، باستسلام، ولم تتعزَّز تداعياته بلمحات حدثية تعمِّق فيه تداعيات البعد عن هذا المكان، أو ذلك البيت الضارب بجذوره في قلبه، أو يتخلَّق لحظة تنوير تضيء تلك التداعيات برؤية جديدة، وهو الأمر الذي حقَّقته قصّة أحمد عبد الملك، إلى حَدّ كبير.

 

قضايا فنّيّة في متواليات الإبداع

أفضت الببليوغرافيا، في حَدّها الوصفي، إلى جملة من القضايا الفنّيّة المتعدِّدة، التي أمكن استنباطها وتوضيحها، تفسيرياً، من واقع البحث الإجرائي في عملية الرصد والوصف الخاصَّيْن بالنصوص القصصية القطريّة، نسوق منها:

* للكاتب محمَّد عبدالعزيز الباكر جملة من الأعمال المسمّاة (مجموعات قصصية)، بحسب ما أورده في طباعته ونشره لما يكتب، أثبتنا منها أربع مجموعات قصصية فقط، وتوجد للكاتب إصدارات أخرى، لـكن من الصعب تصنيفها ضمن مجال القصّة القصيرة؛ وذلك لـكونها أقرب إلى المقال السياسي السردي، وهي: «إنني أعلم الحقيقة»، و«إنني أودِّع الأرض»، و«سفر النهاية»، و«نعم لمحمَّد، لا لميكافيلي». ويوجد إصداران للكاتب نفسه، مكتوب على كلٍّ منهما (مجموعة قصصية)، وكلّ إصدار منهما يشكّل قصّة واحدة مطوَّلة، لا تتحقَّق فيها شروط القصّة القصيرة، هما: «البداية»، و«الوهم»، وإن امتلك الكاتب طاقة سردية جيِّدة، لـكنها غير مؤطَّرة فنِّيّاً بما هو معروف في كتابة القصّة القصيرة الفنّيّة، ولعلَّ أبرز السلبيات الفنّيّة الـتي يمكن رصدها، عند محمَّد الباكر، تتمثَّل في وجود إطار حكائي ممتدّ، ينشغل بالتفاصيل؛ ما يرهِّل البنية القصصية القصيرة القائمة على التكثيف والاختزال، بالإضافة إلى وجود إطار وعظي شديد العمق؛ إذ يحرص، في نهاية كلّ كتاب (يسمّيها مجموعة قصصية على ضفاف الخليج، أو حكايات على ضفاف الخليج)، على أن يدرج خاتمة بعد نهاية القصّة، يقول فيها: «أخيراً، أجد من الواجب والأمانة أن ….». ويأتي، أحياناً، بختام يكون مجالاًلإيراد آراء فقهية مستقاة من القرآن والسنّة.

والأمر كذلك مع مجموعتَيْ «بريق الأمل»، و«نسيم الفجر» لعائشة القاضي؛ فهما مجموعتان قصصيَّتان من واقع الحياة، كما ُكتب على غلافَيْهما، والقصص الواردة فيهما مليئة بالتفاصيل الـتي تجعل البناء القصصي مترهِّلاً، ويخلو من الإحكام البنائي؛ لأن الغاية هي تقديم موعظة من خلال أحاديث ووقائع حياتية مألوفة.

* وجود حالة تبدو مثيرة للتأمُّل، تلك الـتي تتعلَّق بالاستمرار في النشر تحت اسم مستعار (سارة) و(أم أكثم)، وهما اسمان لكاتبة واحدة، نشرت في بداية علاقتها بالقصّة القصيرة القطريّة في مجلّة «الدوحة» منذ العدد (30)، يونيو (1978) إلى العدد (81)، سبتمبر (1982)، ووصل عدد ما نشرته إلى (15) قصّة، وقد صدر تنويه من إدارة المجلّة عنها في العدد (31) يوليو (1978)، ذُكِر فيه: «السيِّدة الفاضلة (أم أكثم)، كاتبة قصصية موهوبة، تُعَدّ الآن مجموعتها الأولى للنشر، وهي إحدى العناصر الخليجية الشابة الـتي انضمَّت إلى مجلّة «الدوحة» مسهمةً بقلمها المبدع… وقد قرأ القرّاء قصَّتها «شتاء الإسكيمو» في عدد يونيو الماضي، …..». وقد نشرت، تحت اسم (سارة)، في مجلّة «الدوحة»، (4) قصص؛ بدايةً من العدد (115)، أبريل «1985» حتى العدد (122)، يوليو، «1985»، ولوحظ أنه لم يجتمع الاسمان: (أم أكثم)، و(سارة) في عدد واحد؛ ما يؤكِّد ما أورده حسن رشيد، ونورة آل سعد من أنهما اسمان لشخصية واحدة، فضلاً على أن (سارة) شاركت ضمن أعمال أخرى غير قصصية، مثل إجراء حوارات أو تحقيقات مع بعض الكتّاب، والأمر كذلك مع راشد الشيب الذي كان يلقب نفسه بـ«خيال الأبجر».

* ظاهرة إبداعية دأب على تعزيزها أدباء قطر يون، وتمثَّلت في ما يمكن تحديده بــ (القصص المتسلسلة)، شارك فيها كتّاب كثيرون، من بينهم يوسف النعمة «سعادة المدير، أبو حمدان الهزار»، ومريم آل سعد «شاهد يا بحر»، وكلثم جبر «وداعاً أيها الحبّ». مع ملاحظة تنوُّع وضعيّة الكتّاب الثلاثة ما بين جيل الروَّاد (يوسف النعمة)، والمتوقِّفين، وإن اشتهروا بدورهم في الرواية (مريم آل سعد)، والبارزين في مجال القصّة القصيرة على مستوى فنّي (كلثم جبر).

* وقفت الببليوغرافيا على نصوص، ارتأت انتماءها إلى جنس القصّة القصيرة، وهي للكاتب جاسم صفر في كتابه «الإبحار وجسور العطش» (1988)، حيث تضمَّن الكتاب نصوصاً قصصية ذات مستوى سردي عالٍ، ربَّما لم يسعَ كاتبُها إلى تصنيفها الأدبي بقدر ما كان مشغولاً بأن يقدِّم كتابة أدبية في استطاعتها أن تستوعب قضايا ذاتية أو عامّة، ولـكن تحلَّي هذه النصوص بطاقاتٍ سرديّة مفعمة بالوصف، والاستبطان الذاتي للشخصيات بتتبُّع ما تتركه الأحداث فيها من تأثير وظلال، فضلاًعلى إحكام اللّغة السردية وكثافتها، حيناً، ورهافتها، حيناً آخر، قَرَّبها إلى جنس القصّة، وخلَّصها من َأسْر الخاطرة، إلى درجة أنه يكاد يصدق على كتابتها بأنها تمزج -في بعض نصوصها- بين القصّة (الحكاية ذات الإطار العامّ) والخطاب (طرائق سرد القصّة)؛ الأمر الذي جعلنا نقف على (28 نصّاً) تنتمي، فنِّيّاً، إلى القصّة القصيرة، وإن جاء في ختام بعضها ما يشبه التعليق الدلالي المحلِّق بأفكار وصور خيالية مكثَّفة، مُعَنْوَنة بـ (قطرات).

* تتبلور ظاهرة فنّيّة أخرى، يشكِّل فيها ناصر عبدالله المالـكي حالة خاصّة، يوقف لها كلّ أعماله: «ناصر ورابح» (2008)، و«لعنة البحر»، (ج1، 2008) و«لعنة البحر»، (ج2، 2008)، وهي ما يمكن تسميتها بالمتوالية القصصية؛ فالأولى تدور أحداثها، بشكل رمزي، حول طائرين، هما: ناصح، ورابح، من خلال (24) نصّاً سردّياً تجسِّد مواقف مختلفة، وأحداثاً متباينة مَرَّ بها الطائران. ولـكن الأمر يبدو مختلفاً في «لعنة البحر» (2008) بجزأيها؛ لأنها تدور حول شخصية واحدة، هي «عبدالله»، وإن بدا كلّ جزء منهما متواليةً قصصيةً، فإنهما يشكِّلان معاً متوالية واحدة، قوامها (21) نصّاً سردياً، وكلّها لم تغادر عالم «عبد الله» وسيرته التاريخية، وكأنها عمل روائي؛ لهذا أدرجت في هذه الببليوغرافيا الخاصّة بالقصّة القصيرة، على أساس التعامل مع نصوص الجزأين تعاملاً مؤطَّراً بمنهجية القصّة القصيرة، ويمكنك، في الوقت نفسه، عَدَّها عملاً روائيّاً؛ فجلّ نصوصيهما تدور حول فرد «عبدالله»، من أجل تعميد سيرته الرجولية وبطولته الفذّة، فإذا كانت متوالية الجزء الأوَّل مبنيّة على (ثمانية) نصوص، ومتوالية الجزء الثاني مبنيّة على (ثلاثة عشر) نصّاً، فإنك لا تشعر بأيّة حاجة فنّيّة أو كمِّيّة للفصل بين الجزأين؛ فالتنقُّل من نصٍّ إلى نصٍّ داخل المتوالية الواحدة، أو عبـر المتواليتَيْن، هو تنقُّل تاريخي محكوم بمنطق القصّة ذات المخيِّلة الشعبية، والسيرة الحياتية المتوالية في تصاعد تاريخي يفتقر، في غالبيَّته، إلى الخيال الروائي الفنّي، إلّا ذاك الفضاء الأنثروبولوجي السخي حول عالم البحر، وما يكتنفه من غموض ومخاطر وأدوات ذات اتِّصالٍ حميٍم بالسفن والغوص ومتطلبَّاتهما، الـتي أتقن ناصر المالـكي إدغامها في نسيج الحكي؛ لتعكس شيفرة ثقافية مضمرة، هي ثقافة التراث العميق للإنسان القطري، والإنسان الخليجي في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، فضلاً على ما صاحَبَ النصوص الحكائية المكتوبة من موروث شعبي خاصّ؛ أظهرته وصفيّاته للملبس والمأكل والطقوس اليومية العتيقة، من جهة، ثم عبـَّرت عنه، بوجعٍ، من جهة أخرى، الأغنيات الشعبية الـتي تردَّدت في فضاء الاحتفال بمواسم الغوص، أو تلك الـتي صاحبت الغوّاصين من حنجرة (النهّام) في رحلة الغوص، وفي كُلٍّ ثمّة أناس ألفوا ثقافة العيش مع البحر وللبحر؛ حبّاً فيه، وكرهاً له؛ حين يعيد الرجال إلى أُسَرِهم بالخير وبهجة الحياة، وحين يتخطَّف أرواحهم في غضبة الموت(5).

* ثمّة قصص قصيرة قطَريّة شديدة التجريب، تمثَّلت في نصوص كلٍّ من صيتة العذبة (النوافذ السبع: أقاصيص لاهثة) الـتي وظَّفت فيها تقنية الهايبرتكست، وجمال فايز «الرحيل والميلاد»، ومجموعات نورة محمَّد فرج، وغيرهم. ولبشرى ناصر عدد من النصوص القصصية الـتي تقف ما بين القصّة القصيرة والقصّة القصيرة جدّاً، تمثِّل لقطات حيّة من واقع الشعور النفسي والعالم الداخلي لذاتٍ ممزَّقة، وهذه النصوص منشورة في جرائد يومية من دون أن تحمل مسمَّى قصّة أو قصّة قصيرة أو أقصوصة. ولا يدخل في هذا الإطار ما رصدناه من قصص فردية للكاتب عبد الرحمن المناعي، تلك الـتي جاءت تحت سلسلة «أوراق من البحر»، فهي إذ حملت طابعاً تجريبيّاً مبكِّراً، فإنه جاء وليد التأثُّر الشديد من قِبَل هذا الكاتب المسرحي بعالم مسرح النوخذة وتفاصيله؛ إذ تضمَّنت نصوصه عَنْوَنة جانبية فرعية، مع سمة غريبة هي إلحاقه القصّة بمعجم خاصّ يشرح مفردات عالم الغوص والبحر والنوخذة، الـتي اشتملت عليها القصّة.

* لجمال فايز مجموعة مكتوبة باللّغة الإنجليزية، هي «العابرون إلى الداخل» (الدوحة، وزارة الثّقافة والفنون والتراث، 2013)، تضمّ (33) قصّة، في (125) صفحة، وهي عبارة عن مختارات من أعمال الكاتب القصصية السابقة، نُشرت مترجمة.

مجموعتا «أنين الورد» و«لأني لك» منشورتان في كتاب واحد لأمينة العمادي، بعنوان «أنين الورد، ولأني لك»، ومع ذلك تُدرج المجموعتان على نحو مستقلّ في كثير من الببليوغرافيات السالفة الذكر.

* تُعَدّ مجموعتا «أوراق نسائية» (1 و 2) لأحمد عبدالملك من قبيل الخواطر، الـتي قُدّمت في إطار سردي يحتفي بالواقعة، من دون أن تكون هناك عناية كبيرة بالبناء الفنّي، وإن تحلَّت ببعض العناصر السردية المميّزة، الـتي تضفي على النصوص المكتوبة طابعاً مشوّقاً يقرِّبها من مجال القصّة؛ حيث كان هناك التزام بعناصر ثلاثة، شكلَّت جسراً من التواصل الدافئ بين الكاتب والقارئ، هي:

– توظيف ضمير المتكلِّم في النصوص السردية للجزأين، وقوامها (244) نصّاً.

– لغة السرد لغة مجازية عالية تتَّضح فيها كثافة الصور.

– يأتي ختام القصّة بسؤال يتكرَّر كثيراً، هو: «هل، يا ترى..؟»، وهذا الالتزام نتيجة منطقية لما يتطلَّبه العمل الصحافي الدوري.

 

ببليوغرافيا القصة القصيرة في قطر

يبقى قول أخير، ُتحتِّمه طبيعة العمل الببليوغرافي الذي يسلك هذا الدرب، وما يمكن أن يشكِّل له بعض الصعوبات على مستوى المصادر، من جهة، ثم على مستوى إتاحتها كاملةً، من جهة أخرى. وأمّا بيان الحال على المستوى الأوَّل فنحدِّده على النحو الآتي:

– بنيت الببليوغرافيا على مصادر متنوِّعة، كان في مقدِّمتها الحصاد الحقيقي من القوائم الببليوغرافية السابقة، وقد أشرنا إليها، موضِّحين ما بها من بعض المسالب الـتي تُرَدّ، في جملتها، إلى كون هذه الجهود لم تكن تستهدف تقديم عملٍ ببليوغرافي ذي منهجية واضحة؛ فالأمر في مجمله، لا يعدو كونه اجتهاداً فرديّاً أو غير فردي يتبنّى عملاً إحصائيّاً عامّاً، قد يخدم دراسة أدبية معيَّنة مثلما حدث مع محمَّد كافود، ونضال الصالح، وغيرهما، أو يلبِّي هدفاً إقليمّياً يتقصَّد الحفاظ على ذاكرة المبدعين الخليجيين، مثلما كان الأمر في شأن ببليوغرافيا أدباء الخليج سالفة الذكر، الـتي كانت صدى قرار من قرارات مجلس التعاون.

– وكان من بين المصادر، أيضاً، التعامل مع أوعية المعلومات الإحصائية الموجودة في المكتبات؛ العامّة والخاصّة؛ أي في دار الـكتب، ومكتبة جامعة قطر، ثم مكتبات الأفراد المهتمّين بالشأن الثّقافي القطري، وفي مقدِّمتهم علي الفياض الذي لم يبخل على الفريق بما لديه، في مكتبته الخاصّة التي سدَّت فجوات كبيرة، بما أتاحته من العثور على ما كان في عداد الببليوغرافيا من المفقود الذي لا سبيل إلى تأمينه للتعرُّف إلى توصيفه ببليوغرافيا، سواء أكان ذلك ممثَّلاً في دوريات أم كان ممثَّلاً في أعمال مجموعات قصصية فُقِدت نسخها من المكتبات، ومن عند مؤلِّفيها.

– مثَّلت الإصدارات المتاحة في المكتبات ودور النشر، والتواصل المباشر مع الكتّاب والمبدعين في مجال القصّة القصيرة، والاطِّلاع على المدوَّنات الشخصية (مدوَّنة القصّة القطريّة)، والصفحات الشخصية لبعض الكتّاب، وكذلك مواقع: القصّة العربية، وأدباء الخليج في شبكة الإنترنت… وغيرها، رافداً مهمّاً، أيضاً، في استكمال بيانات المجموعات القصصية، وضبط معلوماتها وبياناتها. وعلى صلة بهذا، ينبغي التنويه إلى أنه قُبَيل مثول مادّة الكتاب إلى المطبعة، وقع الفر يق البحثي على ثلاثةٍ من كتّاب القصّة القطر ية، هما:

– جواهر آل ثاني، التي نشرت ثلاث قصص قصيرة تتمتَّع فيها بلغة سردية جيِّدة، وبنية قصصية محكمة، وقصصها هي: «قيثارة»، و«جراح ليل»، و«الخيال».

– محمَّد مأمون، وتتَّسم قصصه بضعف فنّي واضح، وقصصه هي: «ليتني تكلمت». و«عشر دقائق من الرعب»، و«مأساة كتاب».(6).

– ندى الشهراني، وصدرت لها مجموعة في ديسمبر (2015)، عنوانها «ثمن الخطيئة .. وقصص أخرى»، عن (الدار العربية للعلوم، بيروت).

وأمّا على المستوى الثاني؛ مستوى الصعوبات الـتي واجهت الببليوغرافيا، فإنها كانت محصورة في الآتي:

– فقدان الأعداد الأولى من الدوريّات والمجلّات الـتي كانت مهتمة بشأن الإبداع القصصي في قطر، مثل فقدان (22) عدداً من مجلّة «العهد»، وكذلك (19) عدداً من مجلّة «العروبة»، ولم نعثر على أيِّ عدد في دار الـكتب أو في مكتبة جامعة قطر، أو لدى الشخصيات المهتمّة بالقصص الفردية.

– التخبُّط الشديد في المعلومات الموجودة لدى المؤسَّسات الثّقافيّة حول كتاب القصّة القصيرة القطَريّة، إذ يسودها الخلط على مستوى الإنتاج، وكذلك على مستوى المجال الإبداعي نفسه … وغير ذلك.

– فقدان بعض الإنتاج القصصي على مستوى المجموعات، الـتي من الممكن أن تعطي مؤشِّراً تاريخًّيّا وفنًّيّا على مسار القصّة القصيرة القطَريّة، وهو ما حدث مع بشرى ناصر وغيرها من الكتّاب والكاتبات.

وبناءً على ذلك، بدا أمر الذاكرة الفنّيّة للقصّة القصيرة القطَريّة مهدَّداً بالتشويه الحقيقي الذي قد يسهم في تضليل الحكم النقدي على الإبداع الأدبي ذاته، وهو ما حرصنا على التقليل منه، وتفادي الوقوع في الأحكام الوثوقية الخاصّة برصد إنتاج القصّة القصيرة في قطر، الأمر الذي توخينا فيه الحرص والدقّة، ونزعم أننا، في ببليوغرافيا القصة القصيرة في قطر، قد حافظنا على ذاكرة الإبداع الأدبي القطري في مجال (القصّة القصيرة)، وبصورة تحقِّق نسبة عالية من الرضا بمصداقيَّتها وقيمتها التاريخية، وقيمتها الفنّيّة. وما كان هذا ليتمّ لولا الانضباط المنهجي الدقيق الذي غرسه أ.د.صبري حافظ في أداء الفريق البحثي، وكذلك لولا الجهد الـكبير الذي أنفقه د.إكرامي فتحي في عمليَّتَي الجمع والتدوين.

 

———————————————————————————————-

(الهوامش)

1 – لمّا شرع د.كافود في كتابه «القصّة القصيرة في قطر: النشأة والتطوُّر»، (دار قطري بن الفجاءة، الدوحة، 1985) في اعتماد مجلّة «العروبة» (1969) بداية أولى لنشر القصص الناضجة فنِّيّاً، سار وراءه النقّاد، على أساس أن المصادر الـتي قبلها، وهي بمقام نشرات مصاحبة لبعض شركات النفط، لم تقدِّم النصوص الفنّيّة الـتي تعكس المستوى الفنّي المطلوب، حيث نشرت فيها بعض القصص المتواضعة من حيث مستواها الفنّي، وهي أقرب إلى فنّ الحكاية، وتهتمّ بالوعظ والحثّ على القيم والأخلاق، فالهدف الأخلاقي أو الديني يطغى على الجانب الفنّي فيها، ويستثنى من ذلك بعض النقّاد الذين رجعوا بالمدّة الزمنية إلى (1960) على سبيل الرصد فقط، وهم:

-محمَّد عبدالباقي، «القصّة القصيرة في قطر : نشأتها، وأعلامها، وملامحها الفنّيّة»، طبعة خاصّة، (1992).

– نضال الصالح، «تحوُّلات الرمل الحكائي والجمالي في القصّة القصيرة في قطر»، (منشورات دائرة الثّقافة والإعلام-الشارقة، 1999).

– حسن رشيد، ومراد مبروك، «جدليّة العجز والفعل في القصّة القصيرة في قطر: دراسة ومختارات»، (الدوحة، المجلس الوطني للثّقافة والفنون والتراث، 1999).

2 – محمَّد عبد الرحيم كافود : «الأدب القطري الحديث»، (الدوحة، دار قطري بن الفجاءة، الطبعة الثانية، 1982، ص: 119 و120). وراجع ما ذكره حول استبعاد أعمال يوسف النعمة من الريادة في المرجع نفسه، ص:118 و119، وكتابه «القصّة القصيرة في قطر: النشأة والتطوُّر»، (دار قطري بن الفجاءة، 1985)، ص: 9 و10.

3 – حسن عبد الله رشيد، ومراد عبد الرحمن مبروك: (جدليّة العجز والفعل في القصّة القصيرة في قطر: دراسة ومختارات» (الدوحة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، 1999، ص28).

4 – محمد عبد الرحيم كافود: (الأدب القطري الحديث)،كما جاءت الإشارة في كتاب «نماذج من الإبداع الشبابي في قطر: دراسة ومختارات من القصص الـتي نوقشت في فاعليّات ورش القصّة القصيرة والصالون الأدبي (1995/9/7 – 1997/1/8)، إلى «أن الكاتب راشد الشيب كان يلقِّب نفسه بـ«خيّال الأبجر»، ولذلك ظلّ يناقش أعماله وينشرها في الفترة الأولى حتى 13/ 1/ 1996، باسم «خيّال الأبجر»، ثم، عدل بعد ذلك إلى كتابة اسمه الحقيقي «راشد الشيب». ص62.

5 – راجع دراسة لنا حول الرواية القطريّة، ستُنشَر ضمن كتاب: THE [OXFORD] HANDBOOK OF THE .2015 ,ARABIC NOVEL، وحول إشكالية التجنيس والمتعة المزدوجة بين القصّة والرواية، وراجع لصبري حافظ «الرواية والحلقات القصصية وإشكاليات التجنيس»، (مجلّة فصول، مج12، جـ2، ع1، ربيع 1993م)، وراجع كتابنا «القصّة وجدل النوع»، ص: 69 و 70.

6 – يمكنك الاطّلاع على هذين النموذجين في موقع القصّة العربية:

http://www.arabicstory.net/index.php?p=author&aid=375

(المصدر):

القصة القصيرة في قطر، بييليوجرافيا شاملة ودليل وصفي تحليلي، إعداد: أ.د. صبري حافظ، د. محمد مصطفى سليم، د. إكرامي فتحي حسين، الطبعة الأولى، 2016 وزارة الثقافة والرياضة، قطر

فرج دهام.. فنَّان اللامرئيّ

مع مُنادَاة مارسيل دوشامب (1968-1887) «العمل الفَنّي ينبغي أن يكون حقيقةً ذهنيّة» بدا كأنَّ الرسمَ قد وصل إلى غايته القصوى(1)، إذ في سنة 1961 سينحت هنري فلينت مصطلح (الفَنّ المفاهيميّ)، وبذلك سيعرف الفكر الجماليّ ثورةً نقديّة نقلت مجال البحث من الجانب الفيزيائيّ والحسيّ للعمل الفَنّي إلى فكرة الفَنّ نفسه.

فباستحضار منطلقات ما اُصطلح عليه بـ«الفَنّ المفاهيميّ» تختزل تجربة الفَنَّان القطريّ فرج دهام (1956) الظاهرة الفَنِّيّة في الخطاب المُتعلِّق بها، فهو من التشكيليّين الدؤوبين في البحث عن هذا الخطاب بين ثنايا المصادر الاجتماعيّة والأنثروبولوجيّة والإثنوجرافيّة، ليؤصِّل به حالةَ وعيٍّ مخفيّة خلف الشكل الخارجيّ للظواهر. إنه في هذا المسعى مستعد لتنفيذ عمله الفَنّي وفق هذا الخطاب دون قواعد نهائيّة، ممّا يجعل أعماله ورشةً للأسئلة الإشكاليّة المُرتبطة بالإنسان باعتباره جوهر الفَنّ المُعاصِر؛ منه تعريف الفَنّ ومآله إليه.

بداية، إذا سلَّمنا بأنه: «غالباً ما يظهر الإبداع الفَنّي المُعاصِر محيِّراً في نظر الجمهور المُختصّ أو غير المُختصّ»(2)، فإن التجربة التشكيليّة التي أمامنا، من النماذج التي يمكن وضعها ضمن هذا الحكم. فلطالما كانت رسوم فرج دهام تسترعي، اهتمام الجمهور العام وتجذبه بمضامين من بيئة أمس، وهي الرسوم التي يُنظر إليها، عادةً، بكونها ليست محيِّرة، ولا مخالِفة للمعايير المألوفة. لكنه بعد مرحلة رشده الفَنّي التي انشغل فيها بعناصر التراث الماديّة واللاماديّة، سيوقف هذا الانشغال في صورته التطابقيّة. ويمكننا الافتراض، على منوال مَنْ اتخذَّ هذا الطريق، بأنه في هذه الآونة كان قد فطن للحلقة المُفرغة التي عليه تجنُّبها إذا أراد لعمله الفَنّي تجربةً متجدِّدة مع الجمهور، وغير مبتورة من وظيفتها الجماليّة. وهكذا سيشرع، في تأسيس مدوَّنة تشكيليّة ملتزمة ومنخرطة في الوقائع والمُتغيِّرات، مدوَّنة يبدو أنها لم تكن لتقف عند هذا التأسيس، وإنما في المضي نحو تجاوزه، وإعادة تعريف المفاهيم بما في ذلك مفهوم الالتزام نفسه.

ولكي يكون لهذه الطفرةِ موقفٌ فنّيٌّ أيضاً، كان على فرج دهام، منذ 1975، أن يمهِّد إلى توقيف زمن لوحته، أو بعبارةٍ أخرى، أن يضع فيها زمناً جديداً. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه كان يمكن لأي منشغل بسؤال وظيفة الفَنّ حينها، وحتى الآن، وربّما مستقبلاً، أنْ ينتصر إلى هذا المنحى، إمّا «تفاديا لاختزال الفَنّ إلى مجرَّد دور للمُواساة أو التعويض»، أو باعتباره استجابةً طبيعيّة للبيانات الجماليّة والفكريّة الطلائعيّة السائدة في المجال التشكيليّ العربيّ عبر التجارب العراقيّة الرائدة، منذ منتصف الستينيّات، مروراً بالسبعينيّات وحتى الثمانينيّات من القرن الماضي.

لقياس درجة الاستجابة والتوافق مع هذه الأدبيّات والمرجعيّات الوافدة عبر البوابة العراقيّة، نقتبس ما كتبه فرج دهام: «حسبي اليوم كما كنت في الأمس أُعيد قراءة الصور والمواضيع العارضة التي أصادفها، فهي حقيقة وجود لها موضع قدم على الأرض وحقائق يصعب تجاهلها»(3). كما صرَّح في لقاءٍ خاصّ: «التعبيريّة غير موجودة عندي»(4). وإذ يكشف المقتبسُ عن موقف ملتزم، مرجعيّته: «استحالة بقاء الإبداع الفَنّي والثقافيّ منزوياً في نطاق يكون فيه بمنأى عن التقلُّبات الجارية في العَالَم»(5). فإنّ التصريح يحدِّد تموقع الفَنَّان نظريّاً وجماليّاً انطلاقاً من موقف رافض للتعبيريّة بصيغة ضمنيّة، بحيث يكون طرح السؤال: إذا كانت التعبيريّة غير موجودة عند فرج دهام، فما الموجود عنده في المُقابل؟ من باب الاستنتاجات البديهيّة.

لتطوير هذا السؤال البديهيّ، نستعين مرّةً أخرى، بإحالتين تدلان على المناخ العام الذي ساهم في تشكيل مرجعية جيل المُقاومة الثقافيّة الذي عاصره الفَنَّان وتأثَّر بأدبيّاته. الإحالة الأولى، نعثر عليها ضمن العدد الأول من مجلّة «الكرمل» يناير/كانون الثاني 1981، وفيه وقَّع محمود درويش، مؤسِّس المجلّة ورئيس تحريرها إلى حين رحيله، بياناً شهيراً، مُفتتحه: «في هذا الانفجار المفتوح على الاحتمالات، الذي يهزُّ المُجتمعات العربيّة يرتفع السؤال عن ثقافة الأزمة. الأزمة أيضاً تصوغ ثقافتها، وثقافة الأزمة هي محصلة تاريخيّة لمُعاناة مرحلة كاملة تختلط فيها الحروب بالحروب الأهليّة، والحداثة بالاغتراب». بعد عام، وتحديداً في صيف 1982، وقَع حصار بيروت لتنفيذ ما سُمِّي بمُخطط «اقتلاع البنية التحتية لمُنظَّمة التحرير».

أمّا الإحالة الثانية، فمُرتبطة باجتياح بيروت زماناً ومكاناً، أي لمَّا أصبحت المسافة «بين الكلمة والدانات، بين المُثقَّف والفدائيّ، بين الخطاب الإبداعيّ والخطاب العسكريّ»، مسافة مُنتفية. وقد كانت الثنائيّات من هذا القبيل، توضع في مسعى «الوعي بالذات»، كما أشار إلى ذلك، على سبيل الذكر، الشاعر المصريّ حلمي سالم، في تقديمه لملف نُشر بمجلّة (أدب ونقد، ديسمبر 1984) بعنوان: «نصوص من حصار بيروت»، متسائلاً فيه: «هل كان ما كان لمحةً خاطفة، برقت وزالت؟».

على نهج هذا الخطاب الثقافيّ وتداعياته المُتلاحِقة، كانت تجربة فرج دهام التشكيليّة، تشق طريقها على مراحل جماليّة تُعيد في كلِّ مرّة النظر في مدى ملاءمة المفاهيم الفَنِّيّة للوقائع والمُتغيِّرات، بما في ذلك نسبية عناصر المادة الفَنِّيّة نفسها، وهكذا سيقطع تلك المراحل بداية من مُنطلقِها المحليّ/ الانطباعيّ؛ المُصرَّح به في الأعمال التي سبقت سلسلة (طيور 1992)، إلى امتدادها العربيّ/ القوميّ؛ في الأعمال التي وثَّقت الانتفاضتين الفلسطينيّتين الأولى والثانية، ثم انفتاحها الكونيّ/ الحداثيّ، كما سنرى لاحقاً في أعمال (إحداثيات) وما تلاها.

ويمكن القول بأنه من بين علامات الانتقال المُؤسّس والمُنسجم مع القضايا العربيّة الطارئة، ما سينتجه الفَنَّان سنة 1997 من أعمال بعنوان «مشاهدات» و«أجسام ساكنة، وحركة أجسام» التي وثَّقت الانتفاضة الأولى (1987 – 1993)، كما سجَّلت، حسب تصريح فرج دهام، موقفاً فنّيّاً «مبنياً على الالتزام مع الحالة والموضوع»، مستطرداً في هذا السياق: «بعد اتفاقية كامب ديفيد 1978 دخلنا في حالة ركود.. لكن حرب تشرين التي حدثت في جنوب بيروت كان لها دورٌ في إحياءِ الذات مجدَّداً.. كانت حياة أخرى للمُقاومة بطريقةٍ أو بأخرى».

لكن من طبائع الوقائع التحوُّل من حالٍ إلى حال؛ ففي كلّ يوم طلوع يوم جديد لم يكن معروفاً، كما قال أحد الحكماء. مرّة أخرى يقول فرج دهام: «انتقلنا من الاندفاع إلى الخيبة، وإلى انكماش الذات، وصولاً إلى الاستسلام الى ما هو موجود». كان تفكيره الفَنّي في هذه الآونة يؤسِّس لما عبَّر عنه بـ: «البحث عن نقطة معيَّنة في الفراغ»، ولأنَّ أي تحوُّل فنّي مُنطلقه المادة ومآلهُ إليها في الغالب، وكذلك لأنَّ المشهد الذي تراءى أمامه كان خالياً وبواراً، فقد سلك اتجاهين مؤقَّتين، كان الأول باطنيّاً؛ يحفر في الصخر والخشب، والثاني ظاهريّاً؛ يتأمَّل في الطبيعة الجغرافيّة، وفي الاتجاهين معاً كان اختيار المسلك، الذي عبَّرت عنه أعمال أنجزها (من 1996، حتى 2005)، بحثاً اضطراريّاً عن لوحةٍ بديلة تستريح من إطارها القوميّ المُثقل بالخيبة والهزيمة، أو بمعنى من المعاني؛ تتخلَّص من «التزامها» بمسلَّمات الوقائع الآنية، وذريعته في ذلك أنه لم يعد بالمُستطاع: الفصل بين حدثٍ وحدث، بين واقعٍ وواقع، وبين أن يكون ملتزماً بما هو موجود، أو أن يكون مُشاهِداً. وقد استمرَّ هذا البحث في المفاهيم إلى أن جاءت المرحلة التي أنجز فيها أعماله المُعنوَنة بـ«الإحداثيات»، والتي عُرضت أوّل مرّة سنة 2008.

ذاتيّاً وموضوعيّاً، كان بحث فرج دهام «عن نقطة معيَّنة في الفراغ» بمثابة عنوان مرحلة جديدة ستعرفها ورشته. مرحلة يمكن تمييزها بالنزوع نحو أشكالٍ مجرَّدة، حملت في هندستها تفاعلاً راهنياً، لم يكن غرضه الأساسيّ تجاوز تراكمات الخيبة، بعدما أصبحت الأيديولوجيا العربيّة مفتقدةً للقوة النقديّة والعمليّة وعاجزةً عن وضع يدها على موطن الداء، وإنما كان غرضه هذه المرة، نقد الحداثة العمياء للتقنية التي شيّأت الإنسان وسلَّعته، من خلال إيجاد أسلوب يحفظ للتجربة الفَنِّيّة انسجامها مع الذات، ما دام باستطاعة الفَنّ تعرية الأعطاب و«إنقاذ الجميل من مخالب العقلنة الأداتيّة»، كما كان يتردَّد ضمن أدبيّات الفَنّ المُعاصِر. وفي هذا السياق تندرج «الإحداثيات» كأعمالٍ غير تعبيريّة، أعلنت بشكلٍ واضح اعترافها بكون «التفكير ملازم بالضرورة للإبداع الفَنّي». وبالنسبة لفَنَّان يعلن الآن، نظريّاً وعمليّاً، انشغاله بـ«المخفي وراء الشكل الخارجيّ»، بعد تخلّيه، منذ الثمانينيّات، عن ما يصفه بالاستعارات المعنويّة أو الصدى الحسيّ للعمل الفَنّي، نجده في أعماله التي تلت «الإحداثيات» يمضي في هذا التخليّ، منكبَّاً على تجاوز أسلوبه وخاماته، بما تقتضيه المُتغيِّرات والظواهر، بل إن المادة الفَنِّيّة نفسها تتبدَّل وظيفتها، وبالتالي تُعيد تعريف الفَنّ نفسه بلغةٍ تكاد تعطي للمفهوم مرتبةً عليا على الباقي، فكلُّ ما من شأنه أن يعكس السلطة البصريّة ضمن المُتغيِّرات المجاليّة للمدينة، كما في أعمال (لغة الشارع)، أو مسألة التسليع والاستهلاك في (فترينة)، أو صحوة الذات في (زهور الربيع)، أو الهويّة والذاكرة في (أن ترى ما لا يُرى)… هو أسلوب عابر للخامات ومنفلت من قبضتها في آنٍ، أسلوب منشغل بالصدمات ومنخرط في تجميع المُتناثر في صيغة التناثر ذاته. وكون لوحته الحالية مفتوحة على اللامرئيّ، وعلى القراءة الأنثروبولوجيّة، فإنّ فرج دهام الذي صرَّح بإلغاء «الصناعة الجماليّة للوحة»، لم يتردَّد في إلغاء فكرة الفَنّ ذاتها، لصالح المفاهيم التي تمكِّنه من القدرة على استعادة المُندثر، سواء من اللحظة الظاهرة أمامه، أو من الهويّة والذاكرة، ومن ثمَّ وضعه في حالة الوعي، باعتبار هذا الأخير شرطاً جماليّاً يجب المُضي قدماً في تكريسه وتوسيع حدوده، بما في ذلك، حسب فرج دهام: اعتبار الهويّة مكملةً لحالة الوعي، وليست معطى مادياً أو شفاهيّاً فحسب.

غير أنّ إيجاد هذا الأسلوب لم يكن طفرةً غير متوقَّعة؛ فطالِب الثانويّة الصناعيّة، الذي تخصَّص في الزخرفة وتشكيل المعادن، ثم طالِب المدرسة التقنيّة العليا بالدوحة(6)، سيجد بأن تكوينه ليس خارجاً عن نواياه الفَنِّيّة، بل إنه مُتموقع في صلب الانشغال الجماليّ الذي كان بصدد تعميقه نظريّاً وتطبيقيّاً، وقد صرَّح دهام بأن مساره العلميّ: ترك أثراً دائماً في حياته العَمليّة، وساعده على دمج المنهج العلميّ بالمنهجيّة الفَنِّيّة..

هكذا، وبالعودة، مرّةً أخرى، إلى أعمال «الإحداثيات»، نخلص إلى أن فرج دهام قد عمل على حشد جماليّات الحداثة الفَنِّيّة ضدّ الجانب المُظلم من الحداثة، التي أخضعت بسلطتها الأداتيّة «الجميل إلى وظائف التسلية والترفيه، وإلى مقتضيات الصناعة الثقافيّة…». وليس بعيداً عن هذا الإخضاع، صرَّح دهام: «بأن التحوُّل البراغماتيّ والرأسماليّ، ومن ثَمَّ الطبقيّ وتعالي الإثنيات، تحوُّلات أنتجت عالماً أصبح الإنسان فيه آلةً من الداخل…»، ومن هذا المُنطلَق كان اشتغاله على «الإحداثيات» مَعنِيّاً بتفكيك التغيُّر الحداثيّ في جوانبه الاستعماليّة التي مسَّت جوهر الإنسان واقتحمته من الداخل، لتضيف إلى هشاشته وعذاباته الذاتيّة، تحدّيات أشمل وأوسع مدى في سياقٍ مكانيّ وزمانيّ محكوم بماكينة الحداثة والحروب الثقافيّة وعولمة كلّ شيء. وكشأن أي عمليّة تفكيك ميكانيكيّة تتطلَّب إعادة التلحيم والتوليف، فإنّ «الإحداثيات» من منظور فرج دهام، تبدو: «كمحاولة لتجميع شتات الكتلة البشريّة، التي حرَّكت نفسها طوعاً بحثاً عن مساراتٍ أخرى». وهي المُحاولة التي لن تقف عند أعمال «الإحداثيات»، وإنما سنجدها مستمرةً، بشكلٍ مختلف في أعماله اللاحقة، فإذا كان موضوع الإحداثيات: «فك الالتباس الداخلي بين الكتلة ومحرِّك هذه الكتلة الذي هو الآلة»، كما يقول، فهو في سلسلة أعماله المُتتالية: «الحاجز» 2009، «هدم الجدار» 2010، «لغة الشارع» 2011، «بطاقة بريدية» 2012، «فترينة» و«زهور الربيع» 2014، «أن ترى ما لا يُرى» 2019… لا يبحث عن لوحةٍ شاهدة ومتماسكة تسرد قصتها وكفى، وإنما عن لوحةٍ تفعل وظيفتها المُجتمعيّة والثقافيّة، وترتكز على قاعدة معرفيّة يكون الإنسان فيها قصّة محكيّة بلغة المُتغيِّر، وليس الثابت والساكن.

لكن حتى المُتغيِّرات المرغوب فيها، لها طعم الحزن، كما قال أناتول فرانس. كانت أحداث «الربيع العربيّ» (2011)، صحوةً جديدة للذات العربيّة، انخرط فيها فرج دهام مشاهِداً ومتفاعِلاً، بصورة تعيد الأذهان إلى مرحلته الفَنِّيّة الثانية التي شكَّلت حرب بيروت والانتفاضة الفلسطينيّة موضوعاً لها. فبعد قرابة ثلاث سنوات من التأمُّل والمُشاهَدة، وتحديداً في سنة 2014، ظهرت أعماله المُعنوَنة بـ«زهور الربيع» في سياقٍ أعاده إلى ما يشبه (إحداثيات) جديدة حاول فيها قياس الكتلة البشريّة، وهي تحرِّك نفسها بحثاً عن تحقيق أحلامها. للوهلة الأولى كانت لوحة فرج دهام، في خضم هذا المُتغيِّر الجديد، تعكس حالة فرح وبهجة شكَّلها من زهور ياسمين وحناء، لكنها سرعان ما تحوَّلت إلى مفارقة دراميّة تجمع، بتعبيره: «بين القوة الهائلة لهذه الزهور وبين هشاشتها، إلى أن أصبحت، كتلاً صغيرة من الفحم فوق أرض محروقة بالليل». لقد كانت هذه الأحداث أكثر من أي متغيِّر سابق، «شواهد مطروحة أمامه قسريّاً»، وبالحتمية التراجيديّة نفسها وُلِدَتْ أعمال «زهور الربيع»، ليس كما يرى ويشعر فحسب، وإنما بمفاهيم جماليّة تعيد تعريف المُمارسة الفَنِّيّة؛ ففي هذه الأعمال، أخذت الخامة تعريفاً يتحدَّد بانتفاء الخامة وقابليتها، ليس للزوال والتلاشي، كما نجدها عند مدرسة «الفَنّ الفقير» (Art Éphémère)، بل قابليتها للانتقال من المنفعةِ العامّة، إلى الاستعادةِ الفَنِّيّة. بتعبير فرج دهام: أصبحت الخامة حقيقة فنِّيّة، كونها كانت في الاستهلاك العام، ثمَّ خرجت منه باستعادةٍ ثانية ضمن عملٍ فنّي. هكذا، واستناداً إلى استحالة التحكُّم في النار والجمر، تحاكي أعمال «زهور الربيع» الأحداث في مآلاتها الخارجة عن التحكُّم، بطريقةٍ ما جعلت العمل الفَنّي يشكِّل نفسه بنفسه، تاركاً للجمر سلطة اختراق (الكامفس)، الذي مآله الفزيائيّ؛ إلى الهشاشة والنتوءات، والرمزيّ؛ إلى تحوُّل المرئيّ إلى لامرئيّ.

وإنَّ المرئيّ يفتح أعيننا على الخفيّ، كما قال الفيلسوف الإغريقيّ أناكساغوراس. وكما سبقت الإشارة، فخطابُ فرج دهام معنيٌّ بما وراء الشكل الخارجيّ. وينبغي التذكير هنا، بأنه قبل ظهور أعمال «أن ترى ما لا يُرى» 2019، لم يكن اشتغاله على هذا اللامرئيّ أسلوباً مصرَّحاً به علناً، لكنه، بدايةً من زيارته إلى مومباي (في إطار إقامة فنِّيّة نظَّمتها مؤسَّسة «ماذا عن الفَنّ؟» بمُناسبة العام الثقافيّ قطر-الهند 2019)، نجده يعلن ذلك تدريجيّاً، سواء من خلال أعمال «أن ترى ما لا يُرى»، التي هي حصيلة بحث واستقصاء في المخفيّ من المخطوطات، أو من خلال البيولوجيا، ثمَّ الأسطورة لاحقاً. فمن خلال هذا البحث يبدو كأن فرج دهام يفتح ورشته على بداية مرحلةٍ أخرى تضعنا أمام لوحة مختبريّة ملزمة بتكبير مجال المُشاهدة الدقيقة لكشف المجهريّ والمخفيّ، إذ لم تعد، المُتغيِّرات والظواهر والمُشاهَدات الخارجيّة ضمن اهتماماته، كما كانت سابقاً.

من أعمال «طيور» 1992
من أعمال 1998
من أعمال «فترينة» 2014
من مجموعة أعمال «لغة الشارع» 2011

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 – جماليّة الحداثة، أدورنو ومدرسة فرانكفورت، عبد العالي معزوز (2011، عن منتدى المعارف).

2 – مارك جيمنيز: الجماليّة المُعاصِرة.. الاتجاهات والرهانات. ترجمة كمال بومنير.

3 – كتيب معرض زهور الربيع 2014.

4 – يستند المقال إلى لقاءٍ خاصّ جمع كاتِب المقال بالفَنَّان في مقرّ ورشته الفَنِّيّة بـ(مطافئ: مقرّ الفَنَّانين) الدوحة.

5 – مارك جيمنيز: الجماليّة المُعاصِرة.. الاتجاهات والرهانات. ترجمة كمال بومنير.

6 – حاصل على بكالوريوس المعهد العالي للفنون المسرحية عام (1984) ثم ماجستير الفنون الجميلة من جامعة بول ستيت، أنديانا أميركا (1988).

فرج دهام.. على مِحَكِّ المُعاصَرة

إنّ الحديث عن الفَنّ الحديث والمُعاصِر في قطر، لا بدّ وأن يحيلنا بدايةً على عددٍ من الأسماء المرجعيّة التي تمثِّل الريادة بالنظر إلى تجاربها البحثيّة الناجِعة في توطيد العمل التشكيليّ كمتنٍ تعبيريّ يندمج في صيرورة الإنتاج الثقافيّ المحليّ والعربيّ والدوليّ أيضاً، من أمثال جاسم زيني، وفيقة سلطان العيسى، يوسف أحمد الحميد، سلمان المالك، حسن الملا، وفرج دهام الذي نقف عنده، في اتجاه استرجاع مُنْجَزِه باقتضابٍ عبر عددٍ من المحطَّات المُعيَّنة، وتسليط الضوء على أعماله الحديثة بخاصّة، وهي الأعمال التي تشكِّل منعطفاً  ضمن توالي تجاربه السابقة.

عُرِفَ فرج دهام بألوانه الصِّباغيّة النّاصِعة، كما في ألوان كولاجاته (Collages) الشّفيفَة والصريحة، بدرجة الصفاء الذي نلْحَظُه بشكلٍ واضح في أعمال سلسلة معارضه التي أطلق عليها «إحداثيات» (2008)، وذلك ضمن تكوينات مَحْسوبَة ومَحْسومَة بِتَضافُر العقل والقلب معاً. هناك باستمرار تحويلات تركيبيّة منسجمة مع إيقاع التلوين ومُحدِّداته الشَّكْلِية التي ترسم بنية اللوحات ذات المَيْل التجريديّ الهندسيّ بعامة. بينما الخطوط الفاصِلَة والدقيقة (السوداء والبيضاء) تَبْعَث على ديناميّة مرئيّة، فيما تعمل على استنبات مقاطع التشبيك، والتمديد المُستقيم، والتقويس الممهور بالأسهم التي تُوَجِّه وتخترق المساحات الكروماتيكيّة التي تحتكر صَدارة الإبصار، ما يجعل من فرج دهام مُلَوِّناً (Coloriste).

ضمن هذه المجموعة الثُّنائِيَّة نفسها المخصوصة لـ«إحداثيات»، تلتئم الخطوط بدورها في مجموعة من اللوحات التي تحتفظ بِبَياض أسنادها الورقية المطبوعة بألقِ التسويد والتسطير، حيث تنطفئ الألوان، في الحين الذي يستعير فيه الفَنَّان خبرة المُهندس والمُصمِّم باعتباره غرافيكيّاً (Graphiste)، ليضعنا أمام توليفات خطيّة شديدة التركيب، ترسم لنا مَقاطع شبه مدينِيَّة، حُلْمِيَّة ومُتَخيَّلَة، تتداخل عبرها أشكالٌ دالة تتناسل من خلالها إشاراتٌ ورموز وأيقونات وأرقام، تقحمنا في عوالم تكنولوجيّة وميكانيكيّة مُفْعَمَة بالحركة المبثوثَة في مشاهد حيويّة وخلويّة في ذات الحين، قابلة لتعدُّد القراءة لما تمنحه للمُتلقّي من هياكل وتكوينات جذَّابة  تفتح النظر على شساعة التأمُّل والتأويل.

في مجموعة «إحداثيات»، كأنّ الفَنَّان «يضع الإنسان على مِحَك القياس في زمنه وفضائه، ما بين الماضي والحاضر، ما بين الموجب والسالب مروراً بالجسد، ومنه إلى حالة التشظي» التي ينعتها الفَنَّان بـ«عدم الاستقرار»، ما جعل أعماله في موقع تَقابُل تشكيليّ يتراوح بين الملء والإفراغ، بين التلوين (المساحة) والتسويد (الغرافيزم)، هي صيغة لمفهوم القياس الذي يقوم عليه جوهر التَّصَوُّر والتعبير المُتجانس.

العلامة: من التَّشْوير إلى التَّصْوير

في مجموعة أعماله المُسَمَّاة «الحاجز» (سوق واقف بالدوحة، 2010)، أوضح فرج دهام أن «الحاجز شريط عازل رُسِم على الأرض بمقياس التقسيم، له القدرة على تغيير المسار ولَفْت الأنظار كونه الحَدَّ الفاصل بين ضِفَّتَيْن، وللتعامل مع فكرة الحاجز يستوجب الوقوف عند المَعْبَر على امتداد خطوطه الأفقية، ما أن يؤذن بالعبور بمؤشر رفع الحاجز حتى يتَّضح التَّبايُن بين حالتَيْ السكون والحركة، وفجأة نشعر أن تقاسيم الجسد تَحْبو بعد طوال انتظار». وبناءً على هذا المعنى، يُؤكِّد على أن تجربة «الحاجز» تعيده إلى التعاطي مع صورة المكان، باستدعاء أنموذج استعاري أفقي يناقش فكرة تحفيز الرؤية، كونها إشارة في المعنى تنم عن فكرة الحدِّ الفاصل بكلّ تداعياته، بنقل موضوع الحاجز من البحث والتأمُّل النظريّ إلى المرئيّ. فإذا كانت غاية البحث في هذا المعرض تشير إلى منحى ثقافيّ بترسيم الفَنّ عبر معطيات آنية عصريّة كما يُقر الفَنَّان، فإنّ هدف البحث في معرضه «لغة الشارع» (2012) اتجه نحو العلامات البصريّة في الحاضِرَة المُعاصِرة «الدوحة»، لتوطين الفَنّ عبر معطيات راهنة وإخضاعها إلى الترجمة التطبيقيّة، عن طريق تحويلها من لغة التَّشْوير (Signalisation) إلى لغة التَّصْوير (Peinture).

في «لغة الشارع» إذن، استلهم فرج دهام عناصره التشكيليّة من أجواء مدينته، مُسْتنِداً إلى رَصْد العلامات (Signes) التي تَنْتصِب وتنطبِع على امتداد الممرَّات والطرق والساحات والأوراش وخلفيّات الشاحنات والرافعات والآليّات وغيرها، باعتبارها لغةً مقروءة تتوخَّى الإرشاد والانتباه، فيما تُنذِر بالحَذر والمَنْع والخطر، كما تُوَجِّه أولويات المرور وغيرها. هي مُتَوالية الإشارات والتوجيهات التي تحمل في طَيّاتِها إيقاع المدينة المُعاصِرة وحياتها، كما اختزلها فرج دهام في تكويناته الباذخة، حيث تَتَآلف العلاماتُ بأنواعها وتتلاحم، تتقاطع ضمن عملية تحليل وتفكيك، لتتقارب وتتناسق من جديد عن طريق تركيبات دينامية تعمل على إعادة بناء الحاضرة، ليس كتصميم كُتْلي ومعماريّ، بل كانعكاس تصويريّ لروح المدينة وساكنتها، وخاصّة ما يتعلَّق بالتوتر وضغوط الحركة والتنقل السَّيار، حيث تتحوَّل العلامة إلى مؤشِّر بلاغي للمُجادلة والمُكاشفة والتجليّ، وقد أفرغها الفَنَّان من سلطتها البصريّة الآمِرة والناهية، ليمنحها تشفيراً بصريّاً مُضاعَفاً يقوم على الترميز، بعيداً عن التشخيص بالمعنى الحِكائي الصرف.

بطبيعة الحال، تتبَدَّل مَرْئِيَّة المدينة في الليل، إذ تتخذ علامات التَّشْوير الطُّرُقية وغيرها صفتها الضَّوئيّة الموسومة بِسيطرة الأحمر، بينما تتصاعد مرئيّة الأصفر التي تُمَيِّز الصَّدْريّات الواقية (Les gilets jaunes) الخاصّة بشرطة المرور وعمَّال الأوراش (المُصطفين بخوذاتهم على طول اللوحة الأفقيّة)، ناهيك عن الخطوط والإشارات الصفراء الموصولة بأرضية الشوارع والطرق السوداء وغيرها من الممرَّات، باعتبار الأحمر والأصفر اللَّونَيْن الأكثر بروزاً في الرؤية، الشيء الذي انتبه إليه الفَنَّان في انتقائه الكروماتيكيّ. ومن ثمّة، نقترب من دوافعه في اختيار الأصباغ الصفراء والفوسفوريّة المُهَيْمِنَة في تشكيلاته المطبوعَة بالتشكيلات الإشارية الحمراء والسوداء التي أسقطها من دورها الوظيفيّ ليمنحها بُعداً تعبيريّاً، تتحوَّل معه العلامات النفعيّة، إلى «علامات واصفة» (Méta signes) تروم إحداث مُصالحة جماليّة مفتوحة على المُجتمع، كما تقترحها رؤية الفَنَّان القاطِعَة.

في خضم هذا التَّوَغُّل الواعي في الشوارع، سينظم الفَنَّان معرضاً بعنوان «مدينة» في 2014، يتمحور بدوره حول مسقط رأسه «الدوحة»، ضمن مُعالجات فنِّيّة لصورة المدينة وتحوُّلاتها الطارئة والسريعة على مختلف الأصعدة. ويتعلَّق الأمر هنا بتكثيف حس نوستالجي موشوم بقلقه وطموحاته وأحلامه، استحضر من خلاله بعض التذكارات البسيطة التي تمَّ إرسالها من الدوحة إلى كثير المدن عبر العُمَّال الذين ساهموا في بنائها لتظلَّ مَوصولةً بأحلام وتطلعات أخرى، وذلك ما يُعلِّل استثماره لفكرة البطاقة البريديّة كبديل موضوعيّ في نشر سيرة المدينة الحديثة وإنتاج المعنى حولها. ومن ثمّة، يستلهم أسئلة الألفة والاغتراب، ويستدعي ما سواها من قيم الجوار والتعايُش والتبادُل في إطار العولَمة وتبعاتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي وسمت عالمنا المُعاصِر.

المونوكروم: مُقارَبة المرئيّ والحقيقيّ

يندرج معرضه الأخير الموسوم بـ«أن ترى ما لا يُرى» (مطافئ مقر الفَنَّانين بالدوحة،  2019) في سياق تقديم أعماله التي أنجزها طيلة شهرٍ كامل، ضمن إقامته الفنِّيّة بمُؤسَّسة «ماذا عن الفَنّ؟» في مدينة مومباي الهِنديّة، ضمن فعاليات برنامج التبادُل الثقافيّ المُسَطَّر  في إطار العام الثقافيّ الذي جمع بين قطر والهند 2019.

في هذه التجربة، يتخطَّى فرج دهام التقنيات والأدوات والمواد المُصَنَّعَة المُتَعارَف عليها في صِياغة اللوحة، باعتماد مختلف المُكوِّنات الماديّة والمعنويّة المحليّة، ومنها شِباك الصيد الصينيّة المُتداولة إلى اليوم في صيد الأسماك بمدينة كوتشي الهِنديّة، كوسيلة لإخفاء ما هو معنويّ، بالشاكلة التي عمل بها على إخفاء «المخطوط الحافظ للتاريخ» الذي صنعه باستعمال مختلف الخامات البيئيّة بِمومباي، في اتجاه معالَجة مفهوم الإخفاء والإقصاء التاريخيّ، بناءً على «مقارَبة نوعية بين ما هو مرئيّ (المُرَاد له أن يُشاهَد)، وما هو حقيقيّ (المُرَاد له أن يُخْفَى)»، وذلك ما يُبرِّر عنوان المعرض «أن ترى ما لا يُرى» كصيغة استعاريّة لمُقارَبة المُفارَقة المُتراكِبَة بين «المرئيّ والحقيقيّ». وفي هذا الصدد، أشار فرج دهام إلى أن مفهوم: أن ترى ما لا يُرى، هو «مفهوم مبني على ازدواجيّة الرؤية وتقاطعها بين الصورة الواضحة، والحقيقة المَخفية في الفكرة، فالمفاهيم والرؤى تقوم على ما هو موجود، وباختلالها يختل تقديرنا لهذا الوجود».

تمثِّل أعماله المُعَلَّقَة على الجدار صِنف اللوحات المَعْمولة بمختلف المواد العضويّة واللَّيْفِيَّة، تتخذ طبيعتها البصريّة من المونوكروم بدرجاته اللونيّة المُستمَدة من المكان وجوهر الفكرة، أي اللون الأُحادي المُختزل في التُّرابيّ (البُنيّ) كانتصارٍ للتمسُّك بأديم الأرض، لتتمثَّل اللوحة من لَيْفِيَّات ونُتوءات وحروق، مُستدرِكَة قَتامَة الأكْحَل، وكذا انفتاح اللون الترابيّ، كمادة ونسيج، على مَرْئيّته النّورانيّة الآتية برِفْق نحو الأبيض، نحو الضوء، بحيث تُمسي الطبيعة التشكيليّة هنا اشتغالاً على المادة وما تَكشِفه من بَهاء حِياكتها ومَلْمَسها (Texture) المُتداخل والمُتَماسك بالدرجة الأولى، بينما تتفاعل المادة في صُلبها لتَرْتَكِز على التَّدَرُّجات الضوئيّة المُتلاشية والمُتقطعة التي تُحدِث مساحات وأشكالاً بسيطة (مربعات، مستطيلات) مُضاءَة ومُنطفِئة ضمن تَبادُلات وتَجاوُرات تَسْتَنْبِت ديناميّة بصريّة بتَوْليف التَّضادّات (Contrastes) المُتناغِمة والرشيقة. نحن بإزاء تَلْخيص دقيق لعمليّة الكَشْف والحَجب، وما يسري بينهما ومن داخلهما من تمازُج يُلقي بظلاله على ما يسري على المرئيّ والحقيقيّ.

في سياق المُعالجة الماديّة ذاتها، تتحوَّل الأسناد إلى أوراق سميكة تُؤلِّف تلك المُتون والمخطوطات «التاريخيّة»، تلك الكتب الكبيرة المَقاس، المُجلَّدات الرمزيّة التي تبعث على التساؤل والرَّهْبَة، المفتوحة والمَصْفوفَة بعناية، كأنها تدعونا إلى تشفير وقراءة هذه الأنسِجَة والألياف الطّرسية (Palimpseste)، من أجل استدراك المعنى والقول: أنْ تقول ما لا يُقال.

لم يكن فرج دهام تشكيليّاً ماديّاً (Matièriste) فقط في هذه التجربة الغنيّة، بل فنَّاناً معاصِراً شاملاً يستثمر الفيديو والأنماط التقديميّة في الفضاء، عبر تطويع مفاهيمه في قالب مُنْجَزات حجْمِيَّة وتنصيبات (Installations)، إذ يَنْتقي عديد الجُذوع والتَّفَرُّعات الخَشَبيّة التي شَذَّبَها وعالج طبيعتها الشَّكْلِية دون المَساس بطبيعتها البَيْئيّة، ليجعلها شبيهة بهياكل مُكْتَمِلَة لكائناتٍ غريبة، مَعروضَة بشكلٍ طوليّ- أفقيّ يستدعي صورة الأموات، مَحْزومة ومَلْفوفة بشِباك الصيادين، ما يجعل هذه «الكائنات» الهيكليّة خاضعةً لتَكْفين مُحْكَم وشَفَّاف، يُظْهر أكثر ممّا يُخفي، لَعلّه ضرب من التَّحْنيط الذي يروم كشف الحقيقة، الحقيقة الماديّة للأشياء والكائنات الموصولة بالفَناء!

حول هذه التجربة، أشار فرج دهام إلى أن مدينة كوتشي الساحليّة في الهند، منحته فُرصةً للقيام بنوعٍ من المُعايَنَة لهذا الساحل المُمتد على المُحيط الهِنديّ، لكي يرى طريق الحرير في انسيابه من الصين إلى الهند، إلى أوروبا وبيزنطة، مع استحضار تجربة الإسبان والأتراك، لصياغة ما هو موجود في صناعة التاريخ الذي يضعه في موقع مُساءَلة: مَنْ يكتب التاريخ؟. في ذات السياق، أكَّد على أن المعرض «يستلهم هذه الأسئلة لتأويل المسارات البريّة والبحريّة بوصفها امتداداً في صناعة المدن والثقافات والمُعتقدات والعادات، على اعتبار الثقافة جزءاً أساسيّاً في تلازم هذه الفكرة». ولأنه مَعْني بالفنون البصريّة، يوضح الفَنَّان، يستحضر علوم السياسة والمُجتمع والأنثروبولوجيا لتأويل هذا الوجود، بحيث «يستلهم المعرض سيرة طريق الحرير، لكنه لا يكتب التاريخ، بل يُشير إلى بقايا هذا الإرث الثقافيّ من الترحال، من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، موظِّفاً رمزيّة هذا الاشتباك بين الحرير كنسيج ودودة القز والمراكب، لكشف أغوار هذا التبادُل».

على هذا النحو، يحيط فرج دهام بأفكاره وتصوُّراته التي يدرسها ويتأمَّلها عميقاً، كي يجعلها جَليّةً وفاعلةً في عمله الفَنّي، وهو المُبدع الذي سجَّل عديد المُساهمات الفكريّة والنظريّة من منطلق قناعته بالعلاقة العضويّة التي تربط الفَنّ بثقافته وعلومه، وإيمانه بكون القطعة التشكيليّة لن تكون عملاً فنّيّاً ما لم تكن قائمةً على بنية فكريّة ثريّة، بحيث  ظلّ يشحذ رُؤاه وثقافته موازاةً مع تطوير مهاراته الحِرفيّة والتقنيّة المُواكِبة لمُستجدات الفنون البصريّة برمتها. من ثمّة، نَلْحظ سَلاسة انتقاله من تجربة إلى أخرى بتوليف أطروحات بصريّة مُبتَدَعَة، بالعَقْل والحِسّ المُلازمَيْن لتسجيل الوقوف عند أهمّ المفاهيم المعنيّة بفنون الحداثة وما بعد الحداثة، طبقاً لما تُمليه التحوُّلات التي يشهدها العَالَم، ومدى تأثيرها على المُجتمع المحليّ الذي صار يعرف ظواهر جديدة ومتغيِّرات سريعة في الراهن.

معرض «أن ترى ما لا يُرى» (مطافئ مقر الفَنَّانين بالدوحة، 2019)

 

من مجموعة أعمال «بطاقة بريدية» 2021

 

من مجموعة أعمال «لغة الشارع» 2011

 

من أعمال «أن ترى ما لا يُرى» (2019)

 

 

 

 

سعيد الكفراوي.. ختام مرحلة

رحل الصديق سعيد الكفراوي وسط انشغالي بالبحث والكتابة عن طه حسين، فكشف لي هذا الرحيل عن البون الشاسع بين مرحلتَيْن في تاريخنا الأدبي الحديث، من ناحية، وعن ختام مرحلة، كان فيها للثّقافة دور وسحر ونفوذ، من ناحية أخرى. ذلك أن انشغالي بالفترة الباكرة من حياة طه حسين، وحتى وصوله إلى سمت النضج والكهولة، أعادني إلى سنوات خصبة في تاريخ الثّقافة المصريّة، أرسى فيها طه حسين وجيله – وبثمن فادح، في كثير من الأحيان – مجموعة من القيم الثّقافيّة والوطنيّة، على حَدّ سواء؛ قيم الحقّ والخير والعدل والحرّيّة التي خلقت الكثير من فرص التقدُّم والنموّ العقلي أمام الأجيال التالية. وذكَّرني بسحر الثّقافة الذي بَلْوَرته إنجازات الأجيال المتلاحقة قبل وصول جيلي (سعيد الكفراوي من أعلام هذا الجيل) إلى الساحة الثّقافيّة، وجذبه إليها. بدأ من جيل طه حسين المؤسّس، حقّاً، لأبرز وأفضل ما فيها من قيم، وحتى الجيل السابق على وفود جيلنا إلى الساحة الثّقافيّة مع مطالع الستينيات.

فقد استطاع طه حسين -بصفته واحداً من أبرز أعلام جيله- أن يفتح أعلى مستويات المعرفة، التي يتمّ تحصيلها في الجامعة المصريّة، وأرقى الجامعات الأوروبية من بعدها، على الواقع الثّقافي العامّ، بالكتابة في الصحف والمجلّات، والارتقاء بوعي المصريِّين، وذائقتهم. وحرص، في عمله الجبّار، في المجالَيْن، على إرساء مجموعة من قيم النزاهة العقلية التي تتيح لأفضل الشباب المصري -مهما كانت الخلفية الاجتماعية التي جاؤوا منها- التقدُّم والازدهار. فقد كان هو نفسه خير مثال على ذلك، حيث قاده ذكاؤه الحادّ، وتفوُّقه المعرفي وحدهما ليس إلى قهر الظلام فحسب، وإنما إلى أن تبعث به الجامعة الوليدة إلى فرنسا، كي يواصل التحصيل والتقدُّم المعرفي. كما ألزمته القيم الوطنيّة، والضميرية، أن يشعر بالواجب والمسؤولية تجاه وطنه، حتى في أحلك الظروف التي ألمَّت به، وجعلته يعاني هو وأسرته من القهر والظلم والفقر.

فعندما فصلته حكومة إسماعيل صدقي – لرفضه استخدامها للجامعة لأغراض سياسية لا تحقِّق مصلحة الوطن – من الجامعة، عام (1932)، وحرمته بذلك من مرتَّبه ودخله الوحيد، وعرضت عليه إحدى الجامعات الأميركية وظيفة مغرية، بمرتَّب كبير، وبحرّيّة مطلقة في اختيار الموضوعات التي يحاضر فيها، رفض. يقول طه حسين في تبريره لهذا الرفض: «إنني أستاذ معزول وعالم ممنوع عن العمل، ومن واجبي ألّا أشتغل في السياسة، وإنما أن أؤلف الكتب، وأسعى وراء الرزق. أمّا في أميركا، فإنني سأكون أجنبيًّا، وسأنظر إلى حياة البلد دون أن أشارك فيها، ولن يكون عليَّ أن أقوم فيها إلّا بواجب محدود. ولكن، من ذا الذي أذن لي بالتخلّي عن مسؤوليَّتي إزاء بلدي، هذا البلد الذي منحني كلّ شيء؟»(1). وما لم يضفه طه حسين في رسالته تلك، كان في أمسّ الحاجة إلى عقله وشجاعته ونزاهة مواقفه.

فإحساس المثقّف بالمسؤولية إزاء مجتمعه، وإزاء بلده الذي منحه كلّ شيء، حينما كان البلد عادلاً، هو الذي جعل للثّقافة هذا السحر الذي لا يقاوم، وهو الذي دفع جيلاً بعد جيل – من الأجيال الذين علَّمهم طه حسين ونظرائه في المعرفة والنزاهة – إلى الاستجابة لغوايتها، والالتزام بمعاييرها الأخلاقية، والضميرية التي ساهم جيله في إرسائها، وواصلها مَنْ لحقوا به مباشرةً، مثل يحيى حقي، وتوفيق الحكيم. وما نموذج نجيب محفوظ، الذي كان من طلّابه حينما وقعت أزمة فصله من الجامعة، ببعيد؛ فقد استطاع محفوظ وجيله – من أمثال محمد مندور، ولويس عوض، ومحمود البدوي، وعبدالحميد السحّار، ويوسف جوهر – أن يستفيدوا ممّا رسَّخه العميد في الواقع من قيم، وما فتحته الحياة الثّقافيّة، بتيّاراتها المختلفة، من آفاق.

والواقع أن سحر الثّقافة، ونزاهة الحياة الجامعية، التي دفع طه حسين ثمناً باهظاً لتأسيسها، هو ما جعل القاهرة عاصمة للإبداع الأدبي، والثّقافي. يغمر إشعاعها العالم العربي كلّه، ويلعب فيها المثقّف دوراً بارزاً في حياة مجتمعه، ويحظى مثقّفوها برأسمال رمزيّ كبير في عالمهم العربي الكبير. وكان آخر جيل عاش بعض حراك تلك المرحلة، هم مثقّفو جيل الأربعينيات والخمسينيات، من يوسف إدريس، وعبدالرحمن الشرقاوي، وسعد مكاوي، ومحمود أمين العالم، وحتى عبدالفتاح الجمل، وصلاح عبد الصبور، وأحمد عبدالمعطي حجازي، إلى جانب مَنْ بَقِي فاعلاً من أجيال سابقة عليهم.

ثم أخذت هذه المرحلة الثّقافيّة المؤتلقة تعاني من الأفول، وخاصّةً بعد تنظيرات محمد حسنين هيكل الفجّة في كتابه «أزمة المثقّفين»، بالتبرير لتقديم أهل الثقّة على أهل الخبرة والمعرفة(2)- حتى قاد منطق هذه المرحلة المقلوب ذاك إلى هزيمة يونيو (1967) المزلزلة، وإلى تكريس الفساد والمحسوبية في العقود التي تلتها. في هذا المناخ الصعب الذي ساد فيه القهر والخوف، وتَبَلْورت فيه آليّات الفساد الذي قاد إلى تلك الهزيمة المدويّة، تكوَّنَ وعي الجيل الذي عُرِف، لاحقاً، باسم جيل الستينيات. وما إن بدأ يعبِّر عن نفسه في مواصلة منه لتقاليد الثّقافة التي أسَّسها طه حسين، ورعت جذوتها الأجيال التي تتالت من بعده، حتى تلقّى، في بواكير وفوده إلى الساحة الأدبية، ضربة الهزيمة المصمية، برغم أنه، وقد أرهفت وعيه تقاليد الثّقافة المصريّة ومقاومتها للاستبداد، قد استشرف، في كتاباته، وقوعها، وبكى كثيراً على ما انتاب واقعه بين يدي «زرقاء اليمامة» كما يقول عنوان الديوان الأوَّل لأبرز شعرائه. والغريب في الأمر أن بدايات تَبَلْوُر ملامح هذا الجيل كانت نوعاً من ردّ الفعل على تلك الهزيمة(3)،كما يؤكد عنوان مجلَّته «مجلّة 68» أوَّل مجلّة مستقلَّة بعدها.

صبري حافظ

فقد استشرف هذا الجيل، وصاغ في كتاباته السابقة على وقوعها، أجنَّتها وهي تتخلَّق في رحم واقع يعاني من سطوة القهر والاستبداد. وقد حاول أعلام هذا الجيل – كلّ بطريقته – أن يحافظوا على جذوة الأدب حيّة ومتوهِّجة، وأن يردّوا بالكتابة في مختلف مجالاتها؛ الإبداعية منها والنقدية، على ما يدور في الواقع حولهم من تردٍّ وفساد. أقول كلّ بطريقته؛ إذ نجد إن كلاً شيخ منهم طريقة خاصّة به في الإبداع والكتابة. وربَّما تكون هذه أفضل طريقة لوصف إنجازهم الأدبي، برغم أن الكثيرين يضعونهم في سلّة واحدة باسم (جيل الستينيات). فشعر أمل دنقل، يشقّ طريقاً مغايراً لذلك الذي حفره شعر محمَّد عفيفي مطر، وسَرْد عبدالحكيم قاسم يتميَّز بلغته الآسرة، واستراتيجياته النصِّيّة المغايرة لتلك التي يتَّسم بها سرد يحيى الطاهر عبدالله أو بهاء طاهر، وطريقة صنع الله إبراهيم في الكتابة تختلف كلِّيّةً عن تلك التي يكتب بها إبراهيم أصلان أو محمَّد البساطي أو خيري شلبي، ونقد فاروق عبدالقادر يختلف، منهجيّاً وإجرائيّاً، عن نقد سامي خشبة أو جابر عصفور، أمّا كتابة صلاح عيسى فإنها توشك أن تكون نوعاً فريداً، ونسيج وحدها.

ولم يكن ردُّهم بالكتابة مباشراً، ولا حتى إشكالياً، لأنهم حرصوا على استقلال الكتابة وتلبية شروطها الإبداعية، والفكرية الصعبة، وعلى تنمية الميراث الأدبي؛ المصري، والعربي في أبهى إنجازاته، ومواصلة مسيرته إلى آفاق جديدة؛ وهذا -ربَّما- هو السرّ في اختلافهم، وإن وحَّدتهم حساسية أعرض تتعلَّق بمضمرات الكتابة، وقواعد إحالتها المختلفة لما يدور خارجها.

في هذا السياق العريض لتجربة هذا الجيل الثريّة قدَّمَ سعيد الكفراوي، ضمن مجموعة أوسع ممَّن يعرفون بكُتّاب «المحلّة»(4) (نسبة إلى مدينة المحلّة الكبرى، أكبر المدن الصناعية في دلتا مصر، وإن جاؤوا في حقيقة الأمر، من مختلف القرى المحيطة بها) إسهامه المتميّز في كتابة القصّة القصيرة التي أخلص لها طوال مسيرته الإبداعية. وشارك كُتّاب المحلّة، فيما يمكن دعوته بالقاسم المشترك بينهم، سواء في الشعر أو في مختلف فنون السرد القصصي، وهو إثراء تجربة الكتابة عن القرية المصريّة بحقّ؛ حيث تشكِّل رواية عبدالحكيم قاسم «أيّام الإنسان السبعة» نقلة سردية في الكتابة الروائية عن القرية المصريّة(5)،وأضيف إليها، هنا، روايتَيْه القصيرتَيْن «المهدي»، و«طرف من خبر الآخرة».

كما تشكِّل قصص سعيد الكفراوي عنها نقلة مماثلة في مجال القصّة القصيرة، التي أخلص لها طوال مسيرته القصصية الممتدّة لأكثر من نصف قرن من الكتابة الإبداعية؛ فلا يستطيع أحد أن يقرأ قصصه دون أن تنهض، من بين سطورها، حياة القرية المصريّة، حيّةً، متألِّقة، تضجّ فيها الشخصيات الإنسانية متوِّهجة بالحياة والمشاعر والصبوات، تسبح في ملكوت ريفيّ من نوع خاصّ يمتدّ تيّار ثقافته التحتية الثريّة بالروافد المتعدِّدة من زمن الفراعنة حتى الآن، وقد تضافرت فيه التواريخ والقيم والأساطير، وترسَّخت؛ ملكوت ينأى عن كلّ ما وفد على القرية المصريّة، وينفضه عنه كما ينفض الفلّاح، بحركة عفوية، عن ثوبه الغبار والأدران، مكتفياً بإيمانه العميق الذي هضم كلّ ما مَرَّ عليه من أديان وعقائد، وصاغ منها جوهر الدين، وسماحته.

إن أجمل ما نجحت قصص سعيد الكفراوي في اقتناصه، إلى جانب إنسان القرية المترع بالحياة والقادر على استخلاص رحيقها كالنحل، من كلّ ما يتيحه عالمها المتقشِّف من رغبات، هو زمنها السرمدي الذي يقاس فيه الوقت بالشهور القبطية التي تحدِّد مواعيد الزرع والحصاد، وبدورة الحياة حينما تطلب البهايم العُشر، أو تُدرّ الضروع اللبن، أو بخيالات المقادير المبهمة حينما تضرب الغجرية الرمل، وتشوف الودع، وتبيِّن الزين والشين جميعاً، وإلى جانب هذا كلّه علاقة إنسان القرية الحميمة بحيواناتها. ففي قصّة «الجمل يا عبدالمولى الجمل» يتخلَّق الجدل فيها بين مخاوف الصبيّ من جرم الجمل الضخم، وكيفية تعامُل نسوة القرية، وأطفالها، مع تلك المخاوف، ودفع أبيه له إلى أن يقبض على الخزام، وأن يثبت مكانه في مواجهة الجمل حتى يسيطر عليه، وفي ذروة المواجهة ينجح في أن ينخّخه، فيبرك الجمل ثم يقوم، أكثر من مرّة، وفقاً لأوامره، فينفض عبدالمولى عن نفسه كلّ المخاوف في لحظة المواجهة الحاسمة. أما في «زبيدة والوحش» فإن الكفراوي ينسج، برهافة وحساسية، تفاصيل العلاقة الغنيّة والمعقَّدة بين الفحل «الطلوقة» الذي لا تخلو منه أي قرية مصريّة، وزبيدة المطلَّقة التي عادت إلى بيت أخيها. ينسح لنا النصّ تفاصيل الحياة الحسِّيّة للبهايم والبشر، وكأن كلاًّ منهم يكمّل الآخر، في وحدة سرمدية، منذ زمن القرية الفرعوني القديم. إننا، هنا، بإزاء واقعية سحرية مصريّة خالصة؛ يتناغم فيها النصّ الأوَّل، برهافة وإيقاع فريدَيْن مع النصّ الثاني في القصّة، والذي تتدفَّق فيه اللغة جملةَ واحدة لا تقطّعها الفواصل.

وإذا كان كلّ من عرف سعيد الكفراوي يصفه بأنه يخترع الحكايات، أو يدرك كم كانت حياته امتداداً لحكاياته أو -بالأحرى- لكتاباته، فإن ذلك بسبب قدرته على أن يعيد خلق عالم القرية الغافي فينا، فينهض من قلب التجارب المتراكمة والمنسيّة حيّاً متوهِّجاً، وقد نفض عنه الغبار، ويعيش في وجدان قارئه. لقد استيقظت علاقتي بجدّي في داخلي – مثلاً – وأنا أقرأ «تلة الملائكة»، وكأنه كان معنا يجمع، بلمسات حكايته المكثَّفة وضربات قلمه الماهرة، كلّ تفاصيلها، دون أن يجهز على غيرها من التفاصيل التي لم يتركها، بل يترك لها أن تتوالد، وأن تتواشح مع ما يرويه من حكايات. وقد امتزجت تفاصيل علاقة الصبيّ بالجدّ، في تشابكاتها وعذوبتها المغايرة لعلاقته بأبيه، مع عالم الغجر الذي كان، دائماً، يحوّم حول القرى المصريّة كخطر، وغواية لا فكاك منهما في آن معاً.

وإذا كان جلّ كُتّاب جيل الستينات الذين حافظوا على استقلالهم، وعلى جذوة الكتابة الحرّة الجسورة الأبيّة قد عانوا كثيراً من التهميش، ولم يتبوَّأوا ما كانوا جديرين به من مكانة، فإن معاناة سعيد الكفراوي من الأمر نفسه كانت أكبر؛ بسبب سفره المبكِّر، وقد دفعه المناخ الطارد للعمل في السعودية؛ وهو الأمر الذي أخَّر نشر مجموعته الأولى «مدينة الموت الجميل» حتى عام (1985)، مع أنه بدأ نشر قصصه في الستينيات، على صفحات «المجلّة»، قبل أن يتركها يحيى حقي عام 1970، ثم تتابعت مجموعاته القصصية: «زبيدة والوحش» (1988)، و«سدرة المنتهى» (1989)، و«بيت للعابرين» (1993)، و«مجرى العيون» (1994)، و«دوائر الحنين» (1997)، و«البغدادية» (2004). وهي المجموعات التي تركت بصمته الباقية على فنّ القصّة القصيرة في مصر.

لكني أعود، هنا، فأختم بما بدأت به، فالبون الشاسع بين زمن طه حسين وزمن جيل الستينيات قد ازداد اتِّساعاً، لأن الأجيال التالية لجيل الستينيات قد عانت من وطأة انتصار الهزيمة -بحسب تعبير محمد عفيفي مطر- بصلح السادات المنفرد، وبتهميش دور مصر في عالمها العربي، والإفريقي من ورائه.

وها هو سعيد الكفراوي يرحل بعد أن تفشّي انتصار الهزيمة في أرجاء الوطن العربي، وأخذت الحياة الثّقافيّة في مصر نفسها، بالذبول، وإن لازال هناك أمل في وحدة الثّقافة العربيّة؛ إذ نعى اتِّحاد كُتّاب المغرب الفقيد العزيز، قبل أن ينعيه اتِّحاد كُتّاب مصر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 – محمَّد حسن الزيات، «مابعد الأيام»، ص (82).

2 – نُشِر هذا الكتاب عام (1961)، أوَّلاً، على شكل مقالات في «الأهرام»، وقبل أن يظهر بصفته كتاباً، وكتب موقف الدولة الناصرية من المثقّفين، ورغبتها في احتوائهم، وعدم ثقتها فيمن لا ينضوون تحت سلطتها منهم، بطريقة فجّة إلى حَدّ ما، وهو وثيقة دامغة تكشف عن عداء النظام، حتى في أفضل مراحله وطنيّةً، وهي مرحلة عبدالناصر، للحرّيّة وللمثقّفين بشكل عام.

3 – كان منبرها، الذي تَبَلْوَرت فيه هو «مجلّة 68».

4 – مثل الشاعرين محمَّد صالح وفريد أبوسعدة والقصّاصين؛ عبدالحكيم قاسم، ومحمد المنسي قنديل، وجار النبي الحلو، وسعيد الكفراوي، والنقّادين؛ نصر حامد أبوزيد، وجابر عصفور، وغيرهم.

5 – راجع، في هذا المجال، كتاب عبدالمحسن طه بدر «الروائي والأرض»، القاهرة، دار المعارف، (1971)، الذي يعتبرها ذروة تطوُّر الكتابة الروائية عن القرية المصريّة.

سعيد الكفراوي: في نفس المشهد كنت قد بكيت!

فُوجِئ المشهدُ الأدبيّ العربيّ برحيل القاص المصريّ سعيد الكفراوي بعد مرضٍ استمرَّ شهوراً أقعده عن الحركة، وهو الذي كان لا يهدأ ولا ينام إلّا بلقاء أصدقائه في زهرة البستان أو في الندوات الأسبوعية. جرى هذا الحوار في وقتٍ سابق على مرضه في بيته بالقاهرة، وفيه باح الراحل سعيد الكفراوي بتفاصيل دقيقة تضيء مشواره الأدبيّ وسياقات نشأته.

ينتمي سعيد الكفراوي (1939 – 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2020) لجيل الستينيّات. أصدر 14 مجموعة قصصية، منها: (بيت للعابرين، ستر العورة، سدرة المُنتهى، مجرى العيون، مدينة الموت الجميل، دوائر من حنين، كشك المُوسيقى، البغدادية، يا قلب مين يشتريك؟، شفق، رجل عجوز وصبي، حكايات عن ناس طيبين…).

صنَّفَ سعيد الكفراوي أبطاله ضمن دائرة: الفقراء، أهل الهامش الذين يلوذون بالستر ويعيشون على تخوم القرى، فلّاحين منكسري الجناح، مضحوك عليهم، أصحاب حلم، يحبّون العمل ويحبّون التعاون، عايشين الخرافة بكلّ أبعادها والأساطير بكلّ أبعادها، أهل الموالد والمجاذيب..

في نهاية عقد الستينيّات أمضى ستة أشهر في المُعتقل، وبعد الإفراج عنه فُوجِئ بالروائي الكبير نجيب محفوظ يقول له، قوم ياكفراوي، واحكي لي الحكاية من أولها..

يقول الكفراوي: نظر إليَّ ورأى في عينيّ حزناً وانكساراً، فقال لي: عملوا فيك إيه؟.. فكان ردّه: حكيت له من أول ما تمَّ القبض عليَّ، حتى خروجي من المُعتقل، حكيت له ما جرى للشباب، وللكُتَّاب أصحاب الرأي…؟

وما أن مرَّت ستة شهور حتى صدرت رواية «الكرنك»، وفي لقاء الجمعة المُعتاد، جاء محفوظ ووضع يده على كتفي، وقال لي يا كفراوي: أنت في الرواية إسماعيل الشيخ…!

تنتسب فكريّاً لجيل الستينيّات، وهناك مقولة مشهورة تصفه بأنه جيلٌ بلا أساتذة، ما صحّة هذه المقولة؟

– تعمَّقت ثقافتي من خلال جيل الستينيّات الذي تربَّيت في مناخه، وإنني أنظر لهذا الجيل باعتباره جيلاً استثنائيّاً، يمثِّل وثبةً مضادة في الثقافة المصريّة، وعكس ما أنتج قبله، فهذا الجيل ضرب بينه وبين ما سبقه من أجيال قطيعة أدبيّة، جيل اهتم بأن يكتب نصّاً مصريّاً منشغلاً بالواقع، لذلك استطاع أن يحوِّل هذا الواقع إلى فنّ. فهو جيل لا يرتبط بالحقبة الليبراليّة على الإطلاق، ولكنه ابن الثورة، جيل عرف الحرّيّة والاستبداد والتجاوز والقمع مع ثورة يوليو/تموز.

وهو الجيل الذي تنبَّأ في نصوصه بهزيمة 67 قبل وقوعها، عندما تقرأ «تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم، تعرف أن كارثةً ما ستقع، وعندما تقرأ «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» لأمل دنقل، تعرف أن شيئاً ما في الأفق، وعندما تقرأ «النهر يلبس الأقنعة» لمحمد عفيفي مطر تشعر بأن خراباً سيقع، تعرف أن الأسوأ لم يأتِ بعد، كذلك عندما تقرأ «أيام الإنسان السبعة» لعبدالحكيم قاسم، كلّ هذه الأعمال صدرت قبل الهزيمة، ومنها تعرف مدى نبوغه وإخلاصه.

وهو جيلٌ تربَّى في زمن يوليو، تكوَّنت ثقافته من التعليم المجانيّ، جيلٌ رأى في الأجيال السابقة أنها لم تسقه الماء يوم عطشه، وعلى الرغم من صرخة الأديب محمد حافظ رجب بقولته المشهورة «نحن جيل بلا أساتذة» فقد بقيت هذه المقولة شعار المرحلة، مع أنها ليست صحيحةً تماماً.

لكن تأثير نجيب محفوظ ويوسف إدريس فينا لم يكن عميقاً، في المُقابل أثَّر فينا جيلٌ آخر عبرنا من خلاله إلى الحداثة، إنه جيل: علاء الديب، غالب هلسا، سليمان فياض، فاروق منيب، عبدالله الطوخي، وأخونا صبري موسى، هذا الجيل المنسي الذي ظلمه ظلّ يوسف إدريس الثقيل.

كما اكتشف جيلنا مبكِّراً الترجمات من الآداب الأجنبيّة القادمة من بيروت، فعرف رواد الأدب الروسيّ والفرنسيّ، وعرفنا كافكا، وماكرين مانسفيلد، وجوجول، وبك، وهيمنغواي، وعرفنا من خلال أسرار هذه الترجمات ومعرفة حرفيتها أن نكتب النصّ المصريّ عند يحيى الطاهر عبدالله ومحمد مستجاب أهمّ الأصوات التي كتبت عن الصعيد، ومحمد البساطي الذي كتب عن منطقة الدلتا. وقبل هؤلاء كان من لهم تأثير طاغٍ على هذا الجيل، ومكان للقول والتعبير، أولهم عبدالفتاح الجمل في «المساء»، والذي نسي نفسه ككاتب كبير وتذكَّر هذا الجيل فكان يجمعنا ونحن صبيان وينشر لنا، وهو سبب شهرتنا، والثاني: عمنا يحيى حقي، الذي أخرج عددين عن القصّة القصيرة في ذلك الوقت في مجلة «المجلة»، والثالث: رجاء النقاش الذي أخرج عددين عنَّا في «الهلال»، وكانوا البداية الأولى ليعرف القارئ المصريّ: (يعني إيه جيل الستينيّات).

لك موقفٌ قاسٍ من ثورة يوليو .. لماذا؟

– أريد أن أوضِّح نقطةً في غاية الأهمِّية، وهي أن الحقبة الليبراليّة التي سبقت الثورة هي التي أثمرت وأينعت نتاج مرحلة الستينيّات من مسرح وسينما وأدب، وأن المرحلة الليبراليّة هي الأب الشرعيّ والحقيقيّ لنتاج الخمسينيّات والستينيّات وما بعدهما من مسارات امتدَّت مع أبطالها المُبدعين في المسرح: عبد الرحمن الشرقاوي، نعمان عاشور، ألفريد فرج، توفيق الحكيم، محمود دياب، وهؤلاء هم مَنْ تثقَّفوا وقرأوا وتعلَّموا في ظلال الدولة المدنية..

وفي الرواية كان نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وعبد الحميد جودة السحار، وإحسان عبد القدوس، كلّ هؤلاء تشكَّل وعيهم في الثلاثينيّات والأربعينيّات من القرن الماضي، ولا أنسى المُؤسِّسين الكبار: حسين فوزي، ويحيى حقي، وطاهر لاشين، كلّهم كانوا جميعاً نتاج الدولة المدنيّة وما تبقَّى من أصدائها في الواقع وفي وعي الناس ومعرفتهم.

هناك حلقة ناقصة في مسيرة الثقافة العربيّة من المحلّيّة إلى العالميّة.. أو بصيغة أكثر تبسيطاً مَنْ حمل مهمَّة تعريف العالم بالفكر والأدب العربيّ الحديث ليفوز في النهاية بأرقى جائزة في العَالم للآداب؟

– كان الأدب المصريّ والعربيّ حتى أواخر الثلاثينيّات حالات منفردة، ولما جاء شخص اسمه دينيس جونسون ديفيز، الذي وقع في حب مصر من أول زيارة، واستقرَّ فيها مشتغلاً في التدريس بجامعة فؤاد الأول، ساهم في إنشاء عدد من الإذاعات العربيّة، حتى أتقن العربيّة، فاشتغل في الـ«بي. بي. سي» مذيعاً، وزامله في العمل الطيب صالح، فترجم له «موسم الهجرة إلى الشمال»، وفي مصر تعرَّف على محمود تيمور وترجم له مجموعة من أعماله، وتعرَّف على يحيى حقي وتوفيق الحكيم وترجم عدداً من قصصهما وعِدّة مسرحيات للحكيم..

مع الرواد بدأ دينيس ثم انتبه لنجيب محفوظ، فعرف أن الثقل عنده، إذ بالتجربة، والرؤية العريضة للواقع المصريّ، تعرَّف على مراحل تطوُّر الواقع من المرحلة الاجتماعيّة لمرحلة بدايات الثورة ومتغيِّراتها، لآخر عمل في إنتاج محفوظ، بل وحتى المرحلة الصوفيّة في «أصداء السيرة الذاتية» و«أحلام فترة النقاهة» و«الحرافيش»، أفضل أعمال الرجل..

اشتغل دينيس بترجمة القصّة القصيرة، وكانت عمود ترجماته المصريّة، لكنه أضاف إلى هذا المتن قصصاً من العَالم العربيّ كترجمته لمحمد زفزاف ومحمد برادة من المغرب…

سنوات طويلة وهو لا يجد ناشراً لأعماله، وقد تعذَّب في سبيل الوصول لنشر ترجماته ولا أحد يمدُّ له يد المُساعدة، إلى أن تبنَّت نشر أعماله الجامعة الأميركيّة، فكانت ترجماته المعبر الأول لمعرفة الآخر بنجيب محفوظ والأدب العربيّ، وكانت تمهيداً لحصول الرجل على جائزة نوبل، وكتب نجيب محفوظ شهادة يعترف فيها بفضل دينيس ديفيز عليه من خلال ترجماته، وأنه كان القنطرة التي عبر منها الأدب العربيّ للعالميّة…

مع تقدُّم السن هل تحدث تحوُّلات في الكتابة لدى الكُتَّاب بشكلٍ عام، ولسعيد الكفراوي بشكلٍ خاص؟، وأنت الذي قلت من قبل: صارت الكتابة الآن أكثر صعوبة عن الكتابة في عهد الشباب؟

– الكاتِب مع تغيُّر الأحوال وتقدُّم السن يصبح أكثر خوفاً وأقلّ جسارة، لأن خبرته أصبحت من خلفه، ولأن لديه حلماً بمشروع، والمخاوف ليست بسبب السن أو الإحساس بالشيخوخة، أنما المخاوف بسبب علاقة الكاتِب بالتجدُّد والحلم بالإضافة والبحث عن رؤى جديدة وانشغاله بشكلٍ خاص عن رؤى تصارعه، نحن نكتب ما كتبه الآخرون، ولكن بشكلٍ مختلف..

وفي الكتابة الجديدة يكون هو الكاتب نفسه، فأنت تكتب التجربة بخبرة الزمن وبخبرتك الثقافيّة، وبشعور التقاطع للحدث الذي تريد أن تكتبه، والزمن هو دليلك للإتقان ومن هنا تأتي المخاوف، وهذا ما يحدث لي الآن، حيث أصبحت الكتابة قليلة جدّاً، بل نادرة، أكتب الآن من أربع سنوات نصّاً اسمه «عشرون قمر في حجر غلام» ولم ينتهِ، بسبب السن تبقى الكتابة قليلة، وعلى مدار السنين تبقى الكتابة بما يرضى عنه الفنَّان وما يقتنع به.

كانت القرية ومازالت في ذاكرتك وذاكرة جيلك نبعاً للحكايات والأحداث، لكن هذه القرية لم يعد لها وجود الآن، إلّا في الذاكرة والأساطير، فالقرية تغيَّرت وتبدَّلت وتمدَّنت، ولم تعد هي القرية التي مازلت تكتب عنها، فعن أي قرية تكتب؟

– أنا ومحمد البساطي ومحمد مستجاب وعبد الحكيم قاسم نكتب عن قريتنا، القرية القديمة التي لم تعد موجودة، ودورنا هو الحفاظ على هذا الأثر وحمايته من التبدُّد والضياع بشخوص القرية وأماكنها وزمانها وعاداتها وتقاليدها، ومضمون ما كانت تعيش به، قريتي التي كتبت عنها 11 مجموعة، وقرية خيري شلبي الذي كتب عنها 20 رواية، لم تعد موجودة في الواقع تماماً، لكننا حفظناها كذاكرة في كتبنا.

حتى الذاكرة هنا لم تعد موجودة، وحتى الهم لم يعد موجوداً، هذا الهم الذي عشنا به وكتبنا به قصصنا حفاظاً على الروح السائدة في زماننا، جدلية الحياة والموت، وجدلية الواقع والحلم، وجدلية الأسطورة والواقع، جدلية المكان والزمان، وهذا يتجسَّد في المياتم والأفراح، ومراسم الدفن للموتى، والإحساس بالموت. مرّة نزلت البلد سألت عن شقيقي، قالوا في المدافن يبني جبانة جديدة، وهناك وجدت أجولة من العظام كلّ رفات شخص في جوال، وسألني أخي: هل تعرف رفات مَنْ هذه؟ قلت له أمي. ورفات مَنْ تلك؟ قلت له جدتي.. وكيف عرفت أمي وجدتي بعد موتهما بسنوات فتلك حكاية كتبتها في قصّة «شرف الدم» قصّة لا يمكن لأي خيال أن يأتي بها، وهنا عرفت أن الواقع قد يكون أشد غرائبيّة من الخيال..

والقرية الآن، والحياة اليومية، والمعايش اختلفت تماماً عن شكل القرية التي كنّا نكتب عنها، ولا يمكن لجيلنا أن يعبِّر عنها، فلها كاتب آخر وزبون آخر، عبد الحكيم قاسم لو كان موجوداً الآن ما كتب «أيام الإنسان السبعة»، وحتى لو كتبها فلن يجد مَنْ يقرأها أو يتفاعل معها، نحن جيل نحافظ على ذاكرة زماننا وزمان جيلنا..

مَنْ هم أبطالك؟ هل هم الفقراء والمُهمَّشون؟، الفلّاحون التعساء؟ أم طوائف معيَّنة استطعت أن تخلِّصها من واقع الهم اليوميّ؟

– لديَّ إيمانٌ بأن كلَّ كاتب له جماعته التي يكتب عنها، تشيكوف كان يكتب عن المصدورين والأطباء الغلّابة وخدم البيوت والحوذيين، والمُهمَّشين جدّاً.. وأرنست هيمنغواي له جماعته التي كتب عنها مثل الصيادين وركّاب البحر والمُغامرين ورواد الحرب والمُلاكمين.. أما وليم فوكنر فكان يكتب عن السود والأَقلّيّات المُهدرة الكرامة والكبرياء..

وأنا لي جماعتي.. هؤلاء الفقراء أهل الهامش الذين يلوذون بالستر ويعيشون على تخوم القرى، فلّاحين منكسري الجناح، مضحوك عليهم، أصحاب حلم.. يحبّون العمل والتعاون، يعيشون الخرافة بكلّ أبعادها والأساطير بكلّ زخمها، أهل الموالد والمجاذيب، من كلّ هذا تولَّدت عندي جدلية القرية والمدينة، وكتبت 14 مجموعة منها 11 مجموعة عن القرية.

الإحساس بالموت يتكرَّر كثيراً في قصصك.. ما سبب ذلك؟

– الإحساسُ بالموت، هو إحساسٌ وحياةٌ وهمٌّ يوميٌّ لأهل القرى، ومسألة الخاتمة والستر سمة أساسيّة في إحساس القروي بالموت، والموت في كلّ كتاباتي ليست هناك خاتمة للحياة، بل استمرار لحياة أخرى، وإلّا ما بنى أجدادنا المقابر إلّا لاستقبال حياة أخرى، فالموت ليس بدداً ولا فناءً، ولكنه استمرار لحياةٍ أخرى مجهولة، والموت تعبير عن القضاء..

وللتعبير عن الأحزان القديمة التي تسكن المصريّ، كتبت قصّة «عزاء» ونحيتها جانباً، وبعد خمسة أيام أتيت بها وقرأتها، وفي لحظة دخول البنت المقبرة، بكيت بشدة وعنف..

وأتذكَّر أنه بعد سنوات دعينا لاحتفالية بالدنمارك، وترجمت قصّة «عزاء» ضمن القصص التي ستقرأ، وكانت كلّ قصّة يقرأها فنَّان أو ممثِّلة من الفنَّانين الدنماركيين المعروفين، وقرأت القصّة (فاتن حمامة الدنمارك)، يعني أهم فنَّانة دنماركية، وبدأت في القراءة على المسرح وكلما توغلت في القراءة بدأ صوتها يتهدَّج، وفي لحظة انفجرت في البكاء بصوتٍ عالٍ، وأنا لا أفهم لغتهم فسألت المُترجم في أي مكان تقرأ وتبكي، فقال عندما دخلت البنت المقبرة، وتذكَّرت أنني في نفس المشهد كنت قد بكيت..

وهنا أدركت أن للألم معنى واحداً، وبالمعنى نفسه نقابل حياة أخرى.

وأذكر في هذا الصدد جدتي، وكان لديها إحساس عالٍ وعلاقة حميمية بالحيوانات، وكانت لنا بهيمة لا يقربها أحد ولا يحلبها أحد إلّا جدتي.. ولسببٍ ما سافرت جدتي إلى قرية أخرى لعِدّة أيام، فامتنعت البهيمة عن الحليب، ومعروف في القرية أن الحيوان إذا امتنع عن الحليب تضربه ضربة لبن ويموت، وجلس أبي بالسكين تحت أقدام الجاموسة، ومن عادة الريفيين في هذه الملمات أن يجتمعوا لمواساة صاحب البهيمة، فكان زحام شديد في داخل الدار وخارجها وكلّ أهل البلد في الانتظار خوفاً من أن تموت الجاموسة..

وبعد ثلاثة أيام عادت جدتي، وفوجئت بالزحام وهي على باب الدار، وارتجت خوفاً بداخلها، فقالت بصوت عالٍ: (جرى إيه.. إيه اللي حصل.. الجاموسة فيها إيه..؟)

وفي هذه اللحظة (راح نازل اللبن على صوتها!)

وفي مؤتمر عن البنيوية والكتابة في معهد العَالم العربيّ بباريس، قلت لهم خلال المُناقشة أنا فلّاح مصري أكتب بطريقتي، وحكيت لهم قصّة الجدة مع الجاموسة، وقلت لهم في خلاصة: «الكتابة عندي هي من خروج الصوت إلى انهمار اللبن» قام الفرنساويين واقفين وصفقوا خمس دقائق، وقال إدوارد الخراط، بل هي قصّة ألَّفها الكفراوي حالاً في التو واللحظة، فقلت له، بل حقيقة عشتها يا عم إدوارد، وهم صفقوا لأنك أدهشتهم بتراثك ومخيِّلتك.

استعادة غالب هلسا، بعد ثلاثين عاماً من الغياب

عقود ثلاثة انقضت منذ رحيل الكاتب والروائي الأردني الكبير غالب هلسا الذي ولد ومات في اليوم نفسه (18 ديسمبر/كانون أول 1932 – 18 ديسمبر/كانون أول 1989)، وقد غادر بلده عام 1956، مُلاحقاً لكونه عضواً في الحزب الشيوعي الأردني، وعاد إليه في كفن بعد وفاته بأزمة قلبية في العاصمة السورية دمشق. وما بين ذلك الخروج، وتلك العودة المأساوية تنقَّل غالب بين عواصم عربية عديدة، بين بيروت وبغداد والقاهرة ودمشق، حيث كان، على الدوام، جزءاً من الحركة الثقافية والجدل المحتدم في حياة كلّ عاصمة عاش فيها، بغض النظر عن طول الإقامة أو قصرها، لكن إقامته في القاهرة كانت الأطول، والأكثر تأثيراً في تجربته الإبداعية وتكوينه الثقافي، وكذلك في الموضوعات التي شكَّلت محور انشغالاته الأدبية والفلسفية والسياسية. 

لم يكن غالب هلسا روائياً أو كاتب قصّة قصيرة فقط، بل كان من ذلك النوع من المثقَّفين العرب العضويين، المنشغلين بالسياسة والثقافة والفكر، يساجلُ في تلك الصيغ المختلفة من رؤية العالم، طامحاً إلى تحديث المجتمعات العربيّة، لا إلى تحديث الثقافة، أو تطوير الأشكال الإبداعية فقط، بل إلى تطوير الرؤى النظرية التي نفسِّر بها حركة المجتمعات، والثقافة، والسياسة، والفكر في الآن نفسه. انطلاقاً من هذه الرؤية، أنجز غالب في العمر القصير، نسبياً، الذي عاشه، أعمالاً في الرواية، والقصّة القصيرة، والنقد الأدبي، والفلسفة والفكر، والترجمة، ومقالات كثيرة في السجال السياسي، جاعلاً من الأشكال المتعدّدة للكتابة طُرقاً مختلفة للنظر إلى الوجود الإنساني، مُقلّباً هذا الوجود على وجوهه المتعدّدة من خلال السرد، والفكر، وقراءة التجارب الثقافية والفكرية للشعوب والمجتمعات الأخرى، ساعياً إلى فهم الإنسان العربي، والمجتمعات العربيّة. فإلى جانب رواياته ومجموعتيه القصصيتين، كتب غالب عن «العالم مادة وحركة» (في محاولة ماركسية مادية لفهم بعض مفكِّري المعتزلة)، و«الجهل في معركة الحضارة» (في رد على كتاب للمفكّر الإسلامي الفلسطيني منير شفيق)، و«قراءات في أعمال: يوسف الصايغ، يوسف إدريس، جبرا إبراهيم جبرا، حنّا مينه»، كما ترجم «الحروب الصليبية» للروائي الإسرائيلي عاموس عوز، و«الحارس في حقل الشوفان» للروائي الأميركي جي. دي. سالينجر، و«جماليات المكان» للفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار. وهو ما يدلُّ على تعدد انشغالاته وطاقته الفكرية والإبداعية التي جعلته واحداً من الكُتَّاب المؤثِّرين في الثقافة العربيّة في النصف الثاني من القرن العشرين، الذين يستحقون مواصلة النظر في منجزهم الإبداعي والنقدي والفكري. 

لكن الملمح الأساسي في تجربة غالب هو أن عالمه الروائي ينتسب إلى مصر أكثر مما ينتسب إلى وطنه الأردن؛ لأسباب تتصل بشخصياته الروائية والجغرافيا التخيلية التي تتحرَّك في فضائها تلك الشخصيات، فهو في معظم أعماله الروائية يتحرَّك ضمن الفضاء السياسي والاجتماعي المصري لقاهرة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. لا يشذ عن ذلك من أعماله القصصية والروائية إلا مجموعتاه القصصيتان «وديع والقديسة ميلادة وآخرون» (1968، وبعض قصص هذه المجموعة تتخذ من القاهرة فضاءً لأحداثها) و«زنوج وبدو وفلاحون» (1976) وروايته «سلطانة» (1987). أمّا في باقي أعماله الروائية فإنه يكتب عن القاهرة، ويبني من أحيائها الشعبية، وشخوصها المهمَّشين في معظم الأحيان، ومن نقاشات اليسار المصري وانشقاقاته، عالمه السردي، مازجاً ذلك كلّه بتذكرات شخصية «غالب»، أو «خالد»، الذي عادة ما يأخذ دور الراوي في الروايات، وتتصفى، من خلاله، الرؤى التي تحملها الشخصيات؛ كما أن هذه الشخصية تُذكرنا، من حين لآخر، بماضيها أو طفولتها البعيدة في مسقط رأس غالب هلسا، وبلدته مَعِين، أو مكان دراسته الإعدادية والثانوية في مدينة مَأدَبا، ومدرسة المطران بعمّان.

من هنا يبدو غالب مسكوناً بالحياة الثقافية والسياسية المصرية، في فترة مُعقَّدة من تاريخ العلاقة بين اليسار المصري والحكم الناصري، في خمسينيات القرن الماضي وستينياته. وتتصل الجغرافيا التخيلية لرواياته وقصصه بتلك الحقبة الزمنية التي عمل خلالها في كلّ من وكالة أنباء الصين الجديدة، ثم وكالة أنباء ألمانيا الديموقراطية لفترة تتجاوز الستة عشر عاماً، مشاركاً بفاعلية في الحياة الثقافية المصرية إلى أن أُبعد من القاهرة بأمر من السادات، عام 1978، مغادراً إلى بغداد، ثم إلى بيروت، عام 1979، ومن ثمَّ إلى دمشق بعد الحصار الإسرائيلي لبيروت عام 1982. ولعلّ اتصاله الحميميَّ بالبيئة المصرية، وصعود اسمه كروائي وناقد على صفحات مجلات اليسار المصري وصحفه، جعل هويّته الجغرافية ملتبسة بالنسبة للعديد من النُقَّاد والباحثين. فهو كان مصريَّ اللهجة، ظلّ يتحدَّث بها أينما ذهب بعد إبعاده من مصر مازجاً تلك اللهجة من حين لآخر بلهجات العواصم التي سكنها. كما ظلّ يختزن العوالم القاهرية ليعيد إنتاجها في رواياته التي كتبها، لاحقاً، غيرَ قادر على التخلص من مخزون السنوات الاثنتين والعشرين التي عاشها في القاهرة. ويمكن أن نلحظ ذلك في أعماله الروائية الأولى التي كتبها في القاهرة: «الضحك» (1970)، و«الخماسين» (1975) و«السؤال» (1979)، و«البكاء على الأطلال» (1980)، وحتى في عملين أخيرين «ثلاثة وجوه لبغداد» (1984)، و«الروائيون» (1988) التي ينتحر فيها بطله غالب ممروراً، معتزلاً العالم، وشاعراً بالخراب الذي يسكن التاريخ. 

لكن الحنين الجارف إلى مسقط الرأس تجلَّى في بعض أعمال هلسا الروائية على هيئة تذكر جانبي، أحياناً، أو من خلال إفراد رواية كاملة «سلطانة»، التي يستعيد الكاتب فيها ذكريات الطفولة البعيدة، معيداً تتبع خطى بطله في طفولته وصباه، ما يجعل «سلطانة» قريبة من روايات التكوين والتعلّم، ويجعلنا نعيد النظر إلى أعماله الروائية الأولى على ضوء هذه الرواية المميّزة لغة وشخصيات وطرائق حكي، واصلين عالم «سلطانة» بتلك التذكرات الجانبية التي نعثر عليها في قصصه ورواياته الأخرى.

من هنا يبدو من الصعب انتزاع غالب من حنينه الطفولي إلى مسقط رأسه، وتغليب مرحلة الشباب والنضج على خلفية نموه الثقافي والأدبي. وقد برزت مرحلة الطفولة والصبا في أعماله الأخيرة كنوع من الاستعادة الحميمية لذكريات الطفولة التي غيّبها النسيان. ومن ثمَّ فقد فتح خزائن ذاكرته، وأعاد عجن هذه الذكريات مع أحلامه واستيهاماته وطريقة نظرته إلى مسقط رأسه وسنوات تكونه. 

ولعل كتابة غالب لـ«سلطانة»، بوصفها الرواية الوحيدة المكتوبة ضمن جغرافيا أردنية، هو ما أعاده إلى مسقط رأسه إبداعياً، إلى حد أنها ذكّرتنا بـ«زنوج وبدو وفلاحون» التي كانت عملاً قصصياً روائياً، نهل من بيئة سياسية واجتماعية غير البيئة القاهرية، لكن رحيل غالب، في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، جعل من «سلطانة» رواية وحيدة منقطعة السياق، تقريباً، عن أعماله الروائية الأخرى، وهي الرواية التي شكّلت مع «زنوج وبدو وفلاحون» نوعاً من الثنائية السردية الضدية حيث تُعيد «سلطانة» تأمّل الطفولة البكر، والعالم الفردوسي، فيما تصور «زنوج وبدو وفلاحون» قسوة العلاقات الاجتماعية التي تربط البدو بأهالي القرى، وتقيم تراتبية معقّدة بين المكونات السياسية والاجتماعية والديموغرافية للدولة الأردنية الحديثة.

يمكن النظر إلى أعمال غالب الروائية، استناداً إلى هذه الخلفية، بوصفها توتراً بين الفضاء المديني الصاخب المعقّد، والمكان الريفي البسيط الذي يرتبط بالحلم الفردوسي، وحضن الأم، والشعور بالحماية الذي افتقده الراوي في أعمال غالب، التي تتخذ من المدينة فضاء لحركة شخصياتها. ويتجلّى هذا التوتر، الذي يتخذ هيئة قوس مشدود على مدار السّرد في معظم روايات الكاتب، في الحضور الوافر للأحلام، وأحلام اليقظة بصورة أساسية، التي تقطع سياق السرد، وتعيد الرواية في العادة إلى الطفولة وفردوسها الريفي المفقود. بهذا المعنى تُمثّل المدينة، في عالم هلسا، كياناً مهدّداً باعثاً على الرعب، وعدم الاستقرار، وافتقاد الطمأنينة، أياً كانت هذه المدينة: القاهرة، أو عمّان أو بغداد. وهذا ما يفسّر وفرة الأحلام وأحلام اليقظة التي تعيد الراوي، في العديد من روايات هلسا، إلى مسقط الرأس، وفردوس الأمومة المفقود. 

لتوضيح الرؤية السابقة سآخذ عملين روائيين لغالب هلسا هما، «الضحك»، وهي أولى رواياته، و«البكاء على الأطلال»، وهي من بين أعماله التي نشرها في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وإن كانت مكتوبة في القاهرة في فترة سابقة عام 1975، لنرى صيغة التوتر في كلّ من الروايتين بين فضاء القاهرة، وأحلام الراوي، وتذكُّراته لطفولته، ومطلع شبابه. 

يبدأ الفصل الأول من «الضحك»، وعنوانه «جنة اليقين» الذي يوحي بمفارقة ضدية، بوصف لحالة الراوي بعد أن أقام علاقة مع بغيّ. كلّ ما في هذا الفصل من الرواية يوحي بالشعور بالدنس والقذارة، وامتزاج الروائح العطرية بروائح العرق والجسد الآثم، بالحنين إلى النظافة وبراءة الطبيعة، يختلط ذلك كله بالإحساس بوجود خطر قريب يتربّص بالراوي دون أن يكون واعياً له، وبحلم يعيد تركيب الخطر والإحساس به. 

ومع أننا لا نستطيع تحديد مكان الحلم، إذ إن الراوي يشاهد فيه منظراً من قريتِه مسقطِ رأسه، حيث يتحدّث عن أكوام من الحجارة التي تتكدّس كتلال صغيرة، ويحلم أنه يسير في شوارع مسقوفة تشبه الأنفاق، إلّا أننا نتبين، في نهاية الفصل، أنه «كان يركض في شوارع القاهرة»، التي «كانت خالية واسعة»، و«عماراتها كتلاً صماء كبيرة قد ملأ الظلام فجواتها»، لينتهي إلى غرفة تحقيق، يُحاكَم فيها بارتكاب جريمة لم يقترفها. 

يبدو هذا الفصل إرهاصاً وتكثيفاً لما سيحدث في باقي فصول الرواية. إن الراوي، وهو عضوٌ في حزب يساري، يشعر بالخطيئة والدنس والقذارة في المدينة، مطلق مدينة، التي تمثّل الرذيلة، وانحدار القيم، والتحلل والتلاشي، والإحساس بالبرد بمعناه الفيزيقي والرمزي. لا تُخَفف، من ذلك الإحساس، الآمالُ الكبيرة التي يتشبث بها المثقَّفون الذين يظهرون في خلفية الرواية، أو علاقةُ الحب العميقة التي تقوم بين الراوي ونادية، أو الروحُ الرفاقية التي تنشأ بين المشاركين في معسكر تدريب المتطوعين الذين يرغبون بالدفاع عن المدينة؛ إذا ما هاجمتها إسرائيل. إن المدينة، التي يتنقَّل الراوي في شوارعها، وبين مقاهيها وفنادقها، تظل كياناً مهدّداً بارداً مصمتاً، يتراءى للراوي في أحلامه الهذيانيَّة المتكررة على مدار فصول الرواية. 

في مقابل مدينة القاهرة، تبدو مدينة مسقط الرأس مثالاً لمدينة المنفى، مدينة البوليس والبغاء والزيف، حيث المال سيد الموقف، والرجال والنساء يبيعون أنفسهم من أجل النفوذ والمال. إنّ الراوي، الغريب عن البلدة، يحاول كتابة تاريخها، والكشف عن «أكاذيب مثقّفيها وادعائهم، ورعب نسائها، وجشع تجارها بكروشهم الكبيرة، وقاماتهم القزمة، ووجوههم المترهلة البيضاء، وأصواتهم النسائية… والحقد الذي يملأ قلوب صغار موظفيها». ويحكي الراوي أنه أتى إلى البلدة مقيّد اليدين، في إحدى عربات البوليس؛ ليُنفَّذ به حكم الإقامة الجبرية بعيداً عن قريته، بتهمة الإخلال بالأمن حيث يجد نفسه شاهداً على وحشة المدينة، وقبحها، وموت البراءة فيها، واهتراء نسيجها الاجتماعي الذي يتشكَّل من قادمين من القرى والمدن المجاورة، ومن شخصيات إنجليزية، لا منتمية، آتية لتجرب حظها في هذه المدينة الطالعة على أطراف الصحراء الشامية. 

القرية مسقط الرأس هي المكان الذي يعادل الإحساس بالبراءة واليقين حيث يستعيد الراوي، في مواضع قليلة من الرواية، حنينه إلى «البلدة الصغيرة التائهة بين الجبال»، و«الشوق إلى الإحساس القديم بمحدودية العالم وباليقين.. إلى خلود الإنسان الذي لا يعرف الخوف من الموت، ولا يعرف القلق»، وكذلك عندما يستعيد صور الأرض المشمسة، ومشهد الحصّادين الذين يتناولون طعامهم وقت الظهيرة، والنساء وهن يتحلّقن حول أباريق القهوة المُرَّة… 

وإذا انتقلنا إلى «البكاء على الأطلال» فسنجد أنها تعتمد أسلوب المعارضة Pastiche، وهي تقنية أساسية، تنبني فصول العمل الروائي حولها، وتبدو المادة التاريخية المقتبسة من كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، موضوعاً للمعارضة في موضع معيّن من الرواية، وللمحاكاة الساخرة كذلك، ولتأمّل الحالة الشخصية للراوي في ضوء تلك الحكايات التاريخية المقتبسة في مواضع أخرى. 

وبغضِّ النظر عن درجة معقوليَّة استخدام هذه التقنية الأسلوبية في بناء العمل الروائي، ومدى إسهامها في توضيح معنى العمل وتكثيف الدلالة، فإن «البكاء على الأطلال» هي محاولةٌ لإضاءة نصّ روائي حداثي، يعتمد، بصورة أساسية، الحلمَ، وحلمَ اليقظة بصورة لا تخطئها العين، عبر معارضته حلمَ اليقظة وهلوسات الراوي الحسيَّة الشهوانيَّة التي يجتمع فيها الهلعُ الشديد من فكرة الموت مع الإحساس ببرد العالم والحنين إلى الطفولة، بمادة تراثية تدور حول الشهوة العارمة، والمثال الحسيِّ التراثي المُجسد في حكاية عائشة بنت طلحة مع من أحبوها وتزوجوها، حسب ما يروي أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني». 

لكن هذه المعارضة لا تكتمل إلّا في إطار بعث حلم يقظة يتكوَّن من زمن الطفولة، وتذكر الراوي مشهداً مستلاً من ماضيه في القرية، ليشكِّلَ هذا المشهد فعلَ تحفيزٍ للعمل الروائي، ويُعيد الراوي، بالاستناد إليه، تركيبَ المادة السردية ويتمكّن، من ثمَّ، من تأويل حاضره، وسقوطه في يأس شامل، وعلاقات جسدية متعثّرة، وفقدانه القدرةَ على الاحتفاظ بمن يحب، ويمثّل له الشفاء من السقوط في العدميَّة الحسية والروحية، في آن معاً، في جو مدينة كبيرة لا تبالي بسكّانها.

غالب هلسا.. الثورة والأنموذج ومرثية العمر الجميل

كان غالب هلسا، عند لقائي الأخير به في ملتقى القصّة الخليجي، في الكويت، عام 1988، وقبل عام من رحيله، مشتاقاً إلى العودة إلى قاهرته، مليئاً بذكرياته الحلوة فيها، وبإحساسه بالتحقق في قلب حركتها الأدبية. كان لقاؤنا هذا بعد غياب سنوات من التشريد فرّقت أبناء رحلة العمر والتجربة الواحدة، حيث كان التشتيت واحداً من سبل الإجهاز العديدة على قوة هذا الجيل…

هذه آخر الأرض، لم يبقَ إلا الفراق

سأسوي هنا لك قبراً،

وأجعل شاهده مزقة من لوائك،

ثم أقول سلاما

زمن الغزوات مضى، والرفاق

ذهبوا، ورجعنا يتامى.

كانت هذه الأبيات من قصيدة أحمد حجازي «مرثية للعمر الجميل» تتردّد في داخلي كلّما أمسكت القلم للكتابة عن غالب هلسا منذ أن بلغني نبأ رحيله المباغت، ذات صباح شتوي قاسٍ، فاستعصت علي الكلمات. فمرثية حجازي، التي كتبها عقب موت عبدالناصر، هي مرثية هذا الحلم الشعبي الكبير الذي لما اغتالته يد الغدر اغتالت معه روح جيل بأكمله، وحكمت عليه بالغم والهم والتشتت والضياع. كانت تلك الأبيات تجيئني كلّما استعصت علي الكلمات، وأحسست، حقّاً، بمرارة اليتم، كلما تناقص عدد رفاق الرحلة الأماجد وأبناء الجيل الذي ظلّت كوكبة منه قابضة على الجمر برغم كلّ الظروف. فمن أين يُنتِج القلم، والأمر لا يتعلق هنا برثاء كاتب كغيره من الكتاب، أو حتى بنعي صديق عزيز يؤلمني رحيله، فقد علمني تساقط أعلام جيلنا غيلة الصبر على الشدائد منذ أن ساخت في الصمت أقدام محي الدين محمد، والتهمت حياةَ يحى الطاهر عبدالله سيارةٌ طائشة، وفتَّ المرض العضال في جسد وحيد النقاش ثم أمل دنقل، ومات عبدالجليل حسن في أرض غريبة بعد أن ألجمت السبعينيات قلمه الحاد الجسور. 

وإنما يتصل الأمر، هنا، برثاء الذات، لأن غالب هلسا جزء عزيز من رحلة مرحلة التكوين وجسارة التجربة مع الوعي ومع الحلم بالتغيير، وبنعي مرحلة كاملة من العمر كان غالب هلسا يمثِّل أجمل وأنبل ما فيها. ويجسد بالقول وبالفعل معاً كلّ طموحاتها الزاهية التي تألَّقت في فورة الحلم في الستينيات، ثم تحوّلت إلى معاناة مقبضة عندما تكسرت قوادم الأحلام على وقع الهزيمة المزلزلة التي لم تكتمل فصولها إلّا بارتفاع أعلام العدو في أهم حاضرتين عربيتين، تشكلان مركز الثقل الثقافي العربي برمته: في القاهرة بالتطبيع، وفي بيروت بالاجتياح الدامي الذي كرّس فصول المهانة العربيّة، وبلغ بالتقوض غايته. وقد ظلّت المعاناة مستقرة في قلب كلّ من عاش أحلام الستينيات المترعة بالأمل كدملة خبيثة تنزّ ألماً وصديداً، وتسمم الجسد والروح حتى عصفت بالقلب المفعم بالحياة وهو لم يعرف بعد:

من تُرى يحمل الآن عبء الهزيمة فينا

المغني الذي طاف يبحث للحلم عن جسد يرتديه

أم هو الملك المدّعي أن حلم المغني تجسد فيه

هل خدعتُ بملكك حتى حسبتُك صاحبي المنتظر

أم خدعتَ بأغنيتي، وانتظرتَ الذي وعدتك به ثم لم تنتصر

أم خدعنا معاً بسراب الزمان الجميل.

كان غالب هلسا بحقّ رمزاً من رموز هذا الحلم الستيني بالثورة والمستقبل الجديد، وتجسيداً لمسيرته التي مرّت بالسجون العربيّة في عمّان، وبغداد، والقاهرة دون أن يفقد صلابته أو يتخلّى عن رغبته في الوصول إلى الوطن الحر، والشعب السعيد. وعبّر عن نفسه بالشعر والنثر على السواء على صفحات مجلّة (الآداب) منذ مطلع الستينيات؛ حيث كانت تلتقي فيها الأقلام العربيّة مجتاحة الحدود المفتعلة بين أجزاء الأمة الواحدة؛ ضاربة عرض الحائط بكلّ المخططات التي شاءت لهذه الأمة أن تتمزَّق أو تظلّ أسيرة للتخلف. كانت شخصية غالب هلسا هي المعادل العصري لشخصية جمال الدين الأفغاني الذي قرأنا أنه وفد على قاهرة في القرن الماضي فألهم جيلاً بأكمله، وأنه كان يوزع السعوط بيمناه والثورة بيسراه في مقهى «ماتاتيا» في النصف الثاني من القرن الماضي، ولكن بعد أن استوعبت تلك الشخصية النادرة مسيرة قرن كامل من التنوير والتثوير، تغير فيه الخطاب السياسي والفكري، وتبدَّلت فيه طبيعة الرؤى والاستقطابات الطبقية والاجتماعية، وتخلقت فيه خريطة جديدة للتكتلات والتحالفات، وبعد أن تخطت حاجز العمر وحاجز الزمن. 

لكن الفرق بين غالب هلسا وجمال الدين الأفغاني ليس فارق مرحلة فحسب، ولكنه فارق في المنهج كذلك. فقد كان غالب هلسا متعدّد المواهب، كان مفكِّراً (كتب العالم مادة وحركة) وناقداً (له مجموعة كبيرة متناثرة من الدراسات النقدية اللامعة)، ومترجماً (ترجم جماليات المكان، ورواية سالينجر الشهيرة)، ومبدعاً ألَّف العديد من القصّ والروايات، وقبل هذا وبعده صانعاً للرؤى، ومؤسّساً للمنطلقات الجديدة. فقد تحوّلت شقته الصغيرة، بشارع التحرير في الدقي، إلى جامعة شهدت العديد من حلقات الدرس والتفكير، قلّ أن تجد نظيراً لها في أي جامعة عربية. وتحوّل شخصه النبيل إلى بؤرة تتجمع حولها مجموعة واسعة من الاتجاهات الفكرية والأدبية من (أبو المعاطي أبو النجا)، وفاروق شوشة، ووحيد النقاش، وبهاء طاهر، وحتى صلاح عيسى، وطارق البشري، وعبدالرحمن الأبنودي، وسيد حجاب، مروراً بما يمكن تسميتهم بالجماعة العربية من حسين الحلاق، وخالد الساكت، وعبدالله المسعود. وبرغم كثرة معارفه وتعدد علاقاته ظلّ هناك عامل واحد مشترك في كلّ تلك العلاقات وهو النقاء، والانحياز للذين يحترمون شرف الكلمة.

كان غالب من جيلنا، ولكنه خاض قبلنا تجربة السجن، وحوّل قبلنا تجربة الحلم العربي المشترك إلى واقع مُمضٍ، لم تنجح شراسته في اجتثاث الحلم أو النيل من تألقه. وسرعان ما أصبح غالب هلسا أحد قسمات قاهرة الستينيات الفوارة بالأحلام، وفد إليها في الخمسينيات طالباً لدراسة الصحافة، وثائراً ضاق به فضاء الأردن الخانق وفضاء العراق الملكي الرجعي، ولم يستوعبه إلّا مناخ القاهرة الرحب؛ عندما كانت تلك المدينة العريقة قاهرة بحق، تياهة بعروبتها، فخورة بقوميتها، معتزة بحلمها واجترائها على كلّ المحرمات السياسية التي فرضتها، آنذاك، السطوة الاستعمارية القديمة على العالم الذي يسمونه ثالثاً. 

كانت قاهرة تلك الأيام واحدة من عواصم التحرر في العالم، تنبض بالثورة على كلّ القيود، وتنفض عنها مواضعات عالم الاستعمار القديم، بل وتقود معركة التحريض الدولية على التخلص منه، وتمد يدها بالعون والمساندة والتأييد لكلّ من يريد أن يطيح به. وتتطلَّع بثقة وعزم إلى مستقبل بدا، وقتها، مفعماً بالأمل الوضيء وقابلاً للتحقق. وعندما يتم التأريخ الحقيقي لتلك المرحلة الهامة في الثقافة العربيّة سندرك حقّاً كم كان تأثير هذا الشاب الهادئ المفعم بالثورة والحياة، والذي لم يعرف دعة الاستقرار الخامل أو الهدوء السقيم، على المشهد الثقافي المصري والعربي برمته.

فلم يتعامل غالب هلسا، من البداية، مع القاهرة كمدينة جاء للدراسة فيها، وإنما كمدينة جاء للحياة فيها كمواطن عربي، يتبنى همومها، وينشغل بهاجس الثورة والتقدم فيها، وينداح في مسارب تيارات ثقافتها التحتية، يتشرب عبيرها، ويستوعب إيقاعاتها حتى أصبح من العسير علينا تصنيفه في زمن التشتت والفرقة والتجزئة هذا. فإذا كان غالب هلسا أردني المولد، فإنه مصري التكوين والثقافة والإسهام الأدبي، كما يشهد، على ذلك، عالمه الروائي والقصصي الذي انفتح على الفضاء العربي الرحب، ولكن ظلّ نبضه مصرياً حتى النخاع، وظلّت ملامح القاهرة منطبعة على تكوين شخصياته وعلى تضاريس أمكنته وعلى خرائط تواريخه. فالصوت القصصي الأساسي والمسيطر على كلّ صغيرة، وكبيرة في عالمه، بل والمحدد لمنظور الرؤية الذي يشمل كلّ التفاصيل هو صوت طالع من قلب تلك المدينة التي اختارها، لأنه يعرف حقيقة دورها وقدرها معاً. هذا الصوت القاهري الذي لا يقل قاهرية عن صوت نجيب محفوظ ابن القاهرة ومؤرِّخها الروائي، ظلّ منطبعاً على كلّ شخصيات عالمه القصصي، حتى تلك الوافدة إليها من خارجها كما هو الحال مع غالب نفسه. تعذبها مسألة الشد والجذب بين قاهرة الحلم والثورة والماضي الجميل، وقاهرة التناقضات الغريبة التي دفعت شاعراً ستينيا آخر، هو الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور الذي اغتالته مواضعات الهزيمة، وقهر الهوان إلى تجسيد هذا كلّه في تغنيه بها:

لقاك يا مدينتي حجي ومبكايا

لقاك يا مدينتي أسايا

وحين رأيت من خلال ظلمة المطار

نورك يا مدينتي، عرفت أنني غللت

إلى الشوارع المسفلتة

إلى الميادين التي تموت في وقدتها خضرة أيامي

أهواك يا مدينتي

أهواك رغم أنني أُنكرتُ في رحابك

وأن طيري الأليف طار عني

وأنني أعود لا مأوى ولا ملتجأ

أعود كي أشرد في أبوابك

أعود كي أشرب من عذابك.

لكن غالب هلسا الذي طرده عسس الغدر والخيانة عن القاهرة التي أحبها، وخلّد الكثير من لحظاتها وتضاريسها وهواجسها في العالم الثري الذي تخلقت ملامحه على مدى سبع روايات، ومجموعتين من القصص القصيرة، لم تخلُ أحدها من عبق أيامها، لم يستطع أن يعود إلى قاهرته التي عشقها، ولو كي يشرد في أبوابها، أو حتى ليشرب من عذابها؛ لأن مواضعات الفرقة والتجزئة فرضت عليه أن يحمل جوازاً لم يختره، وأن يُستخدم هذا الجواز العربي لمرارة المفارقة ضده، فيعود إليها الخونة والأعداء؛ بينما تصدّ عن أبوابها عشاقها الحقيقيين. 

فقد كان غالب هلسا، عند لقائي الأخير به في ملتقى القصّة الخليجي، في الكويت، عام 1988، وقبل عام من رحيله، مشتاقاً إلى العودة إلى قاهرته، مليئاً بذكرياته الحلوة فيها، وبإحساسه بالتحقق في قلب حركتها الأدبية. كان لقاؤنا هذا بعد غياب سنوات من التشريد فرّقت أبناء رحلة العمر والتجربة الواحدة، حيث كان التشتيت واحداً من سبل الإجهاز العديدة على قوة هذا الجيل، والعصف بفعاليته في زمن التراجع والتردي. ولم أكن أعرف أن هذا اللقاء الذي دام لأسبوع من السهر المستمر، هو لقاؤنا الأخير، وأنني سأجلس، هنا، في مدينة غريبة أخرى أتلقى فيها نبأ موته، وأذرف مع الدمع كلمات الرثاء حزناً عليه؛ لأن في أعناقنا جميعاً، هؤلاء الذين عرفوا غالب عن قرب، ديناً للذين لم يسعدهم الحظ بمعرفته. فمن واجبنا أن نتيح للذين وفدوا إلى ساحة الكتابة، ودخلوا خريطة الحياة الأدبية في القاهرة بعد غيابه عنها أن نحفر في ذاكرتهم صورة لهذا الكاتب الكبير الذي عشق تلك المدينة، وجعلها حياته بالرغم من كل الصعاب، والذي تفوق مشاركته في صياغة عقلها الحقيقي إسهام الكثيرين. 

ولقد عرفت غالب هلسا منذ مطلع الستينيات، وعشت معه كل سنواتها العامرة بما في ذلك تجربة سجنه الأولى بالقاهرة في العام 1966، وقرأت كلّ ما كتب في القاهرة، وكثير مما نشره بعد خروجه من القاهرة، كان قد كتبه فيها ومعظم ما كتبه بعد ذلك، وتابعتُ عن كثب أخباره برغم أن السنوات الأخيرة قد فرقت بيننا. ولهذا سأكتفي هنا بتقديم صورة سريعة لغالب حتى يعرفه القرّاء الذين لم تتح لهم الظروف الاقتراب منه، وحتى يدركوا فداحة الخسارة: خسارتنا جميعاً.

ولد غالب هلسا في مدينة مأدبا في الأردن، عام 1932، وتوفي في دمشق في 18 ديسمبر/كانون الأول 1989، وبين التاريخين عاش غالب واحدة من أكثر الحيوات خصوبة واشتباكاً بتاريخ المنطقة الفكري والأدبي. فقد قرر، من البداية، وهو لا يزال طالباً في مدرسة المطران الثانوية في عمّان، ألا يكتفي بالمشاهدة كما يفعل الكثيرون، وعمد إلى المشاركة الفعّالة التي أوقعته في براثن الملاحقة والسجن. ففرّ إلى العراق، لكن اتصاله هناك بثواره ما لبث أن أوقعه في نفس الأنشوطة، فرحل إلى بيروت ثم إلى القاهرة التي أكمل فيها دراسته الجامعية، وتخرج من قسم الصحافة بالجامعة الأميركية فيها، ثم عمل في عدد من وكالات الأنباء. وعندما عرفته، عام 1962، في ندوة الناقد الكبير أنور المعداوي بالدقي، كان يعمل في وكالة أنباء الصين الشعبية، وحتى صاحب الندوة هذا الأبيّ الجسور الذي ترفّع عن الصغائر، واحتمى وراء كبريائه سرعان ما خطفته يد الموت. 

أما نجوم تلك الندوة، من أبناء جيلنا، الذين ملأوا سماء الستينيات بالرؤى الجديدة، والكتابات الجسورة المغيرة، فما أن جاءت السبعينيات حتى انفض شملهم بعد أن عصفت بهم ضرباتها القاصمة: محي الدين محمد كان أول من خاض تجربة المنفى الاختياري الكامل، وكفَّ كلية عن الكتابة، وعبدالجليل حسن مضى هو الآخر بعد أن انقطع كلية عن المشاركة في ساحة الثقافة منذ ضربة السبعينيات، وأمل دنقل سقط تحت كلاكل المرض القاصمة، وكذلك صلاح عبدالصبور الذي كان يأتي لِماما، أما أبوالمعاطي أبو النجا، ومحمد عفيفي مطر فقد لجآ لحضن المنفى العربي، بينما سافر بهاء طاهر، وصبحي شفيق لمنفى أوروبي، وبقي سليمان فياض، وعبدالمحسن بدر، ونفر قليل معهم يخوضون حرباً جسورة بعد أن انفض الجمع.

كنا نلتقي، مساء الخميس، في ندوة المعداوي في الدقي، ويتردّد عدد منّا في ضحى الجمعة على ندوة نجيب محفوظ، ونجتمع في أوقات الظهر الحارة في فيء مقهى إيزافيتش، نسد الأود بسندويتشات فوله الشهيرة، ونواصل الجدل حول الحلم بمستقبل أفضل، وحول أوفق السبل لتحقيق هذا الحلم القريب العصي. وتلتقي كلماتنا واجتهاداتنا جميعاً لبلورة رؤى جديدة في الفكر والأدب، على السواء، على صفحات مجلة (الآداب)، وعلى صفحات (المجلة) التي كان يرأس تحريرها يحيى حقي، ويشارك فيها أنور المعداوي نفسه، وفي صفحة (المساء) الثقافية التي كان يشرف عليها عبدالفتاح الجمل، ويحيلها بحساسيته المرهفة إلى ساحة تعجّ بالحياة والإبداع. 

وكان غالب من أكثرنا تفرداً، ليس، فقط، لأنه كان يجيد الإنجليزية، ويقرأ بها، في وقت لم تتح فيه تلك الإجادة لعدد كبير منا، ولا لأن قراءته المستمرة فيها أتاحت له أن يقدِّم عدداً متميّزاً من الكتب والدراسات، ولكن – أيضاً – لأنه كان قد خاض منذ بواكير حياته تجربة سياسية غنية، وعاش بسبب هذه التجربة كثيراً من الأفكار والحيوات التي كانت لا تزال مجرَّد تصوّرات نظرية بالنسبة للكثيرين منّا؛ لذلك عندما نشر دراسته الهامة «الثورة والأنموذج»، في عددين من مجلة (الآداب)، كانت تلك الدراسة بمثابة البيان الفكري لهذا الجيل، الذي كان في تبنيه لفكر الثورة القومية العربيّة الاشتراكية أكثر وعياً من الداعين لها والمستفيدين من مدّها، وأكثر قدرة على رؤية مهاوي التجربة الناصرية وسلبياتها، وأشدّ حرصاً على إيجابياتها. 

فقد كانت تلك الدراسة، بل وكثير من الكتابات التي نشرها هذا الجيل في (الآداب)، وفي (المجلة) من نوع رؤى زرقاء اليمامة التحذيرية التي بكى الراحل أمل دنقل، بين يديها، حينما تحقَّقت أبشع نبوءاتها، وفات أوان التحذير. وقد أحسّ بعض أبناء هذا الجيل باقتراب الخطر، وارتفعت صرخاتهم التحذيرية حادة، في بعض الوقت، حتى أقلقت حدّتها حادي الثورة نفسها. ووجدنا أنفسنا جميعاً، في صبيحة يوم خريفي من العام 1966، في سجن القلعة، وكان معنا غالب هلسا. لم يسأله أحد عن جواز سفره في تلك الأيام، ولا فكّر النظام الناصري في أنه ليس مصرياً، ولا حاول غالب هلسا نفسه أن يستغل هذا التميز ليخرج وحده من السجن، وأن يغادر بسبب هذا التميز مصر، وإنما فضّل أن يُسجن في مصر مع رفاق الحلم الواحد والمسيرة المشتركة، وأن يتحمل بنبل وشجاعة مرارة التجربة، في الوقت الذي آثر فيه بعض «المصريين»، الذين يتمتعون بصفحات أكبر صحفها، الآن، خيانة الفكر والرفقة والمبدأ، وواصلوا بعدها حتى خيانة الوطن ذاته، ومع ذلك عاد أمثال هؤلاء الخونة إلى مصر لا لسبب إلا لأنهم يحملون جواز سفر يتنكر لهم، وينكرهم لو نطق، بينما امتنعت القاهرة على غالب حتى في أيامه الأخيرة، أليست هذه من آيات الزمن الرديء الذي لم يحتمله قلب هذا المناضل الكبير، فكفّ ذات صباح دمشقي كئيب عن الخفقان.

فقد كان غالب هلسا يؤمن بأنه جزء من الحركة الثقافية العربيّة في مصر، ومن هنا فإن المشاركة في قلب قضاياها والنزول إلى خضم معاركها أمر طبيعي بالنسبة له. وهذا هو ما فعله في العراق الذي قضى فيه عدة أعوام بعدما طُرد من القاهرة في سبتمبر/أيلول 1976، وفي بيروت التي ذهب إليها بعدما ترك العراق، وفي قلب المعركة الفلسطينية التي انخرط فيها منذ أن أُجبر على مغادرة القاهرة عنوة، واُستخدم الجواز ضده تعلّة لعقابه الأفدح بالطرد من الوطن الذي تبنّى معاركه وقضاياه، لكن مشاركة غالب هلسا لم تكن مشاركة مناضل سياسي فحسب، وإنما مشاركة كاتب ومفكّر ومثقَّف بالدرجة الأولى، خاض منذ بدايات حياته الأدبية معركة لا تقل أهمِّية عن الكثير من المعارك السياسية التي انخرط فيها، بل وتتسق كلية معها، لأن إيمانه بطهارة الكتابة لا يقل عن طهرانيته الثورية نقاء وأصالة، وهي معركة تغيير الكتابة العربيّة، وإرساء جماليات أدبية جديدة. فقد كانت مواهب غالب الأدبية المتعدّدة في الكتابة النقدية والقصصية والروائية تتجه كلّها نحو عملية تغيير الحساسية الأدبية، وتغيير مفهوم هذا الجيل لجماليات الإبداع. وعندما ظهرت مجموعة غالب القصصية الأولى (وديع والقديسة ميلادة وآخرون)، عام 1986، تجلّت فيها بوضوح ملامح تلك الحساسية الجديدة. 

ومنذ صفحاتها الأولى، أثارت المجموعة قضية التعبير الأدبي، وقدَّمت حلولاً جديدة، غيّرت طبيعة الخطاب القصصي ذاته، من خلال منهج تعبيري يكتسب قيمته وأهمِّيته إذا ما تمت موضعته في السياق القصصي الأدبي الذي ظهر فيه. فقد كانت القصّة العربيّة في مصر، وفي غير مصر قد وقعت في براثن منهج تعبيري يعتمد على السرد، وينحو إلى تقديم الخلاصات الوعظية للأحداث، دون تجسيدها في حضور قادر على منح مختلف الجزئيات فيضاً من الدلالات والإيحاءات. وكان الحديث عن الشخصية؛ أخلاقها، وطباعها، وصفاتها هو المنهج الأثير في تناولها، دون الكشف عن حقيقتها عبر المواقف والأحداث، وبعيداً عن الاستقصاءات والتهويمات الاستنتاجية. ومن هنا انصب اهتمام معظم كتَّاب القصّة حتى ذلك الوقت على اعتصار مغزى التجربة التي يعبّرون عنها، لا على تقديم تلك التجربة في حضورها الطاغي المؤثّر، أو تجسيد قدرتها على الإفضاء بما تريد أن تقدمه دون تدخل من الكاتب أو تعليق منه. وقد ساهم هذا المنهج التعبيري الخاطئ في حشو القصّة بفيض من التأمُّلات والاسترسالات أو التحليلات النثرية السقيمة حول أسباب الأحداث ودوافع الشخصيات.

من الضيق بآليات هذا المنهج القديم في صياغة البنية القصصية، انطلقت تجربة غالب هلسا الجديدة في مجموعته الأولى، لتؤسس عدداً من القواعد المغايرة للكتابة، في محاولة واعية منه لتحرير القصّة المصرية من عثراتها المزمنة، حتى تتمكن من التحليق في آفاق الفنّ الرحيبة. كان غالب هلسا، الناقد الحساس للأعمال الأدبية، قد نبّه في كثير من مقالاته اللامعة في (الآداب) إلى أهمِّية التخلص من كلّ تلك الأساليب القصصية القديمة، وجاء مع مجموعته الجديدة أوان تقديم النموذج الناصع للأساليب الجديدة التي اعتمد منهج غالب فيها على الاهتمام بالخط المباشر بين العين والموضوع، وبين الموضوع والقارئ، حيث يصبح دور الفنَّان هو دور العين الحساسة الفاهمة الذكية التي تسجل ما تراه، دون أن تُجمّله أو تشوهه، دون أن تضيف إليه من حضورها الثقيل، أو أن تتكهّن بما في داخله، وإنما تقدّمه وحده من خلال أكثر زواياه قدرة على الإفصاح، وأقدرها على أن تضيء في أعماق القارئ إمكانية اكتشاف نفسه وواقعه بصورة أعمق. 

فالخارج في أسلوب غالب هلسا التعبيري هو المفتاح الوحيد للداخل، وهو أوفق الأساليب في الوصول إلى جوهره بعيداً عن التكهنات الضحلة أو الأحاسيس المبهمة. هذا الأسلوب الفنّي هو الذي قدّمت مجموعة غالب الأولى (وديع والقديسة ميلادة وآخرون) ملامحه باقتدار ومهارة، منذ فترة باكرة في تاريخ هذا المنهج الجديد في القصّ. فبالرغم من تأخر صدور هذه المجموعة حتى عام 1968، فإن أحدث قصصها كُتبت عام 1962، وبعضها يرجع إلى العام 1956. وقد أدّى تأخر نشر هذه القصص في مجموعة، إلى ظهور مجموعات قبلها تتضمن قصصاً عديدة، تعتنق هذا المنهج التعبيري في القصّ، وإن كان معظمها قد تأثَّر بشكل أو بآخر بأعمال غالب هلسا وبأفكاره.

وبالإضافة إلى هذا المنهج التعبيري الذي نجد تجلياته في كثير من كتابات أبناء هذا الجيل اللامعة وخاصّة لدى سليمان فياض، وبهاء طاهر، وإبراهيم أصلان، ومحمد البساطي، فإن مجموعة غالب الأولى تلك طرحت منهجاً آخر سرعان ما أثرى القصّة المصرية والعربيّة من بعدها، وهو اللجوء إلى الموروث الشعبي كوسيلة للتعبير عن الشخصيات الأمية. فالقصص الثلاث التي تتناول موضوع المثقَّف المغترب في هذه المجموعة وهي (عيد ميلاد) و(الغريب) و(العودة) لم تستعمل الموروث الشعبي، ولا حتى حومت بالقرب منه. أمّا القصتان اللتان تتحدَّثان عن عالم القرية، وعما يدور فيه، وهما: (البشعة) و(وديع والقديسة ميلادة وآخرون) فقد لجأتا إلى استخدام الشعائر الشعبية للتعبير عمّا يدور في أعماق الشخصية، وصياغة ملامح موقفها المتميّز من العالم. فالموروث الشعبي ليس مجرَّد الشكل الخارجي للشعائر الاجتماعية، ولكنه بالدرجة الأولى محتواها، والمبلور لرؤية ممارسيها ولموقفهم من العالم. 

إنه المخزون الثقافي المتوارث ببساطة وبلا كهنوت عبر الأجيال. فالشعائر العديدة التي تضعها الموروثات الشعبية للكثير من المواقف الاجتماعية والتي يتغلغل معظمها في الوجدان القومي إلى مسافات سحيقة تمتد لعشرات القرون، هي صياغة شفرية لمجموعة من الرؤى والقيم القادرة على بلورة ملامح الشخصية الإنسانية في العمل الفنّي. فهي لا تمنح الشخصية مذاقها الفريد وأصالتها، ولا تمدّ جذورها بعمق في تربة الواقع فحسب، ولكنها تصوغ معها الكثير من التفاصيل الدقيقة الراسمة للوحة المجتمعية العريضة، والناقلة لشتى مكونات الوجدان الاجتماعي ومعتقداته. 

وقد استطاع غالب هلسا منذ مجموعته الأولى تلك أن يستخدم الموروث الشعبي باعتباره مجموعة من الأنساق الشفرية التي تتخلق عبرها لغة بالغة الثراء، يستطيع النصّ القصصي استخدامها ببراعة. ولا يتعارض اللجوء إلى هذه الشفرة الثرية مع منهج غالب هلسا الأثير في التعبير القصصي، لأن أغلب الموروثات الشعبية أشياء متجسّدة، وليست مجرَّدة، أفعال وأشكال إجرائية لا ذهنية، وهي مصاغة من الصور الأقرب إلى الطبيعة الشعرية، منها إلى النثر العادي. وقد وضع غالب هلسا يده على مفاتيح التعامل القصصي مع هذا المخزون المعرفي الهام، مما فتح الباب أمام استقصاءات بارعة في هذا المجال في أعمال عدد كبير من كتاب الستينيات مثل: سليمان فياض، ويحيى الطاهر عبدالله، وعبدالحكيم قاسم، ومحمد البساطي، ومحمد مستجاب وغيرهم.

وعلاوة على هاتين الإضافتين طرحت مجموعة غالب الأولى تلك قضية هامة أخرى، لا شكّ في أهمِّيتها البالغة في تشكيل ملامح الحساسية الأدبية الجديدة، وهي قضية الإيقاع. فقد كشفت قصص هذه المجموعة عن أن إيقاع القصّ هو العنصر الفاعل في تخليق العلاقات التحتية في النصّ القصصي والقادرة على بلورة بنية قصصية مُحكمة. ولذلك اهتمت مجموعة غالب بالإيقاع، وبكلّ العناصر المشاركة في صياغته، من طريقة تركيب الجملة، واختيار الألفاظ ذات الجرس الموحي، والاهتمام بوصف الطبيعة، وهو شيء غير التسخير الساذج لها بالصورة التي أصبح فيها هذا الوصف مقتضباً، وفي صلب الموضوع. ويمكن أن يتضح هذا الإيقاع الذي يهتمّ الكاتب بإبرازه منذ السطور الأولى في أي قصّة من قصصها. فلو أخذنا، مثلاً، قصّة «البشَعَة»، والتي أصبحت من كلاسيكيات القصّة العربيّة القصيرة، سنجد أن سطورها الأولى تخلق ملامح الإيقاع الذي تتماسك به بنية العمل كله. إذ نقرأ :

«أخذت الدار تعتم شيئاً فشيئاً. وتسللت الظلمة من مخازن الحبوب والتبن القصية، ثم تمدّدت على السقف. من كوة في الجدار الغربي كان يمتد حبل من الضوء، ويستقر على ظهر أحد الجالسين مكوناً دائرة مرتعشة، في داخله تتراقص آلاف الذرات. وأصوات الرجال تتزاحم في غمرة من الجُمل القصيرة السريعة. انزلق قرص الشمس وراء التلال، ولم يبقَ منه إلّا جزء صغير ضاحك، ثم سقط، فجأة، وأخذت السماء تفقد زرقتها اللامعة المخلخلة. تكوّنت غيوم وردية جعلت السماء شديدة الاتساع، ثم بدت نجمة الغروب شاحبة مرتجفة. ومن الشرق، من جوف الانحدار الصحراوي، أخذ ظلام رمادي يزحف نحو القرية. انفتح حبل النور الممتد من الكوة، وسقط الظلام على الدار مصمتاً ثقيلاً. ومع انبعاث النور من المصباح المغبش، انتهت تلك الطقوس التي ترافق انقضاء النهار».

في هذه البداية القصصية الجميلة التي توشك أن تكون لوحة متحركة، لا يحدد غالب هلسا طبيعة العالم الذي يتناوله، أو الموضوع الذي يعالجه فحسب، وإنما يرينا، ولا يخبرنا، العالم في تألّقه، ونصاعته، وقد شفّ عن الكثير من المعاني والدلالات الموحية. وأصبح الإيقاع هنا، هذا الإيقاع البطيء الواثق العادي الذي يصوغ قوانينه، هو الخيط الذي يُسلك الكاتب فيه كلّ الجزئيات، ويحمل تنويعات اللون والظلمة، بمجموعة من الرؤى والمعاني التي تتكشف عنها القصّة بالتدريج.

وقد ترسَّخت ملامح هذا المنهج المتميّز في الكتابة القصصية في روايته الأولى (الضحك) في العام 1970، ومجموعته الثانية (زنوج وبدو وفلاحون) في العام 1972، ثم تتابعت، بعد ذلك، رواياته (الخماسين) في العام 1975، و(السؤال) في العام 1979، و(البكاء على الأطلال) في العام 1980، و(ثلاثة وجوه لبغداد) في العام 1984، و(سلطانة) في العام 1987، و(الروائيون) في العام 1988. وباستثناء (سلطانة) التي تنتج من ذاكرة الطفولة في الأردن، وإلى حد ما (ثلاثة وجوه لبغداد) التي يمكن اعتبارها جزءاً من تجربة أدب الخروج المصري الذي يتعامل مع تجربة المصري في المنافي العربيّة، كتب غالب بقية أعماله الأخرى في مصر، وعن مصر، فأصبحت جزءاً من تجربة الكتابة العربيّة الجديدة في مصر، برغم بعده القسري عنها. فعالم غالب هلسا القصصي ينحت قسماته من أديم الواقع المصري، ويسجل بعداً هاماً في التجربة المصرية في الستينيات، قَلَّ أن نجد له نظيراً في أي من الأعمال التي كتبها أبناء جيله.

ففي أعمال غالب القصصية التسعة، يؤسّس هذا الكاتب الكبير ملامح تلك الحساسية الجديدة التي تعيد رسم قسمات العلاقة بين النصّ والواقع على أساس جديد. لا ينهض على المحاكاة المبتذلة للواقع، ولا على النقل عنه، وإنما يعمد إلى إعادة خلق علاقاته، وجوهر تركيبته الاجتماعية والفكرية، وإخضاع هذا كله لأيديولوجية النصّ التي تتسلل في كلّ ثناياه، كاشفة من خلال التجاور بين التفاصيل والجزئيات عن حقيقة البنية الأساسية فيه، ومقدمة من خلال تقنية النصّ، وتشابك العلاقات بين الأحداث والشخصيات، نصّاً مُضمراً، يتميّز بالثراء الدلالي والاستعاري، بينما يبدو وكأن النصّ السطحي يتسم بمضاهاة الواقع، ويعكس شتى تفاصيله. 

هذا الالتباس بين التوازي والمضاهاة نابع من استخدام غالب الحاذق للزمن في النصّ القصصي، فالكتابة عنده ليست كتابة للزمن، ولكنها كتابة في الزمن، والحدث عنده لا يستهدف استحضار الحدث على الورق، وإنما كتابته أثناء حدوثه، بالصورة التي تصبح الكتابة معها حدثاً وفعلاً، لا تسجيلاً لهما. من خلال هذا الحضور الحاد يطرح غالب الكتابة في وجه الموت، وفي وجه القمع، وفي وجه السُّلطة الغاشمة؛ لأن غالب مشغول، منذ اللحظة الأولى، وعلى مدّ آلاف الصفحات التي كتبها، بالعلاقة بين المثقَّف والسُلطة من ناحية، وبين المثقَّف والناس من ناحية ثانية، وبين المثقَّف وهموم الكتابة من ناحية ثالثة. 

هذه المحاور الثلاثة هي التي استأثرت بالاهتمام الرئيسي في عالمه الأدبي، وهي التي جعلت إنتاجه شهادة على مرحلة خصبة في الثقافة العربيّة برمتها، مرحلة تبلور آليات الحساسية الجديدة، لتعميق أواصر العلاقة بين المثقَّف والناس من ناحية، ولطرح الطهارة الثقافية، وأخلاقية الكتابة، وشرف الممارسة في وجه السلطة من ناحية أخرى. فالحساسية الجديدة في الكتابة ليست لها جمالياتها الجديدة، فحسب، ولكنها تنطوي في داخل بنية نصوصها ذاتها على أخلاقياتها الجديدة، كذلك، التي لا تتسامح مع ابتذال الكتابة، ولا تتهاون مع صلابتها البنائية والدلالية على السواء. ومن هنا، حملت كتابات غالب هلسا من الحسّ بالمسؤولية الثورية، ما حملته ممارساته النضالية التي سعَت إلى أن تُرسخ مكانة المثقَّف، وأن تعيد للناس ثقتهم فيه، في زمن تكاثر فيه الزيف، واختلط فيه الحابل بالنابل.

غالب هلسا.. الكتابة بالحُلم

مِنَ الحُلم جاءَ غالب هلسا إلى الكتابة، التي انجذبَ، مُنذ الطفولة، إلى أسرارها. ما دوّنَهُ في هذا الانجذاب الطفوليّ الأوّل، الذي يَحتفظُ، دوماً، بغُموضه في حياةِ كلّ كاتب، كان مُستمَدّاً مِمّا رآه في الحُلم قبْل أنْ يَمزجَهُ، في البدْء، برَغبات الطفولة، وبما أمْلتْهُ، في وقت لاحق، مَرجعيّاتُه ومُنطلقاتُهُ الفكريّة ومُيولاتهُ السياسيّة، التي جعَلت الحُلمَ يَكبرُ ويتشعّبُ، ويأخذُ بُعدَه المعرفيّ والفكريّ والإبداعيّ، ويتلوّنُ بملامح تفاعُله مع تعقيدات الحياة، كما جعلتْ هذا الحُلمَ يُضمرُ خيْباته باعتبارها جُزءاً مِن الحياة العربيّة التي انخرطَ غالب هلسا في قضاياها المصيريّة؛ نضالاً وكتابةً، مُنذ خمسينيّات القرن الماضي إلى نهاية الثمانينيّات التي فيها كانت وفاته. 

لقد ظلّ الحُلم، حتّى وهو يَبتعدُ عن صُورته الطفوليّة الأولى التي قادَت غالب هلسا إلى الكتابة، نواةً صُلبةً في كلِّ أعماله، وفي تصوّره، بوَجه عامّ، للكتابة بوَصفها مُقاوَمةً مِن أجْل الحُلم. لذلك تنطوي صلةُ الكتابة بالحُلم، في مُمارَسة غالب هلسا الأولى للكتابة، على قوّتها التأويليّة، وعلى ما تُهيّئهُ مِن مُصاحبَةٍ لحُلمِ الكتابة، وهو يَتشكّلُ لديه ويَنمو ويتشعّبُ وَفق الأسُس الفكريّة والنقديّة والإبداعيّة والسياسيّة التي صارَت الرّوافدَ الرئيسَة لتجربةِ غالب هلسا الكتابيّة.

في النصّ الأوّل المُعنوَن «الزير سالم»، من كِتاب «أُدباء علّموني.. أُدباء عرفتهم» لغالب هلسا المنشور بَعد مَوته، بمُبادرة مِن ناهض حتر الذي جمعَ الكتابَ وحقّقه، يقول غالب هلسا وهو يُشدِّدُ على مَصدر الانبثاق الأوّل للكتابة: «بدأتُ مُمارَسة الكتابة وأنا صغيرٌ جدّاً. لا أذكرُ السّنّ بالتحديد، قد تكونُ العاشرة. كنتُ أستيقظُ مُبكّراً جدّاً، قبْل استيقاظ التلاميذ في المَدرسة الداخليّة، وأجلسُ لأكتُبَ أحلامي. كانَت أحلاماً جَميلة، ولكنّني وأنا في داخلها، كنتُ أعرفُ أنّني أحلمُ». لم تكُن الكتابةُ في انبثاقها الأوّل، وهي تتّخذُ مِن الحُلم مادّةً لها، سوى تمديدٍ له، لأنّ غالب هلسا الطّفل لم يكُن يَفصلُ الكتابةَ عن الحُلم الذي قادَهُ إليها. إنّه أمرٌ شديدُ الدّلالة أنْ تتحقّقَ الكتابة، مُنذ صُورَتها الأولى في مُمارَسة هذا الكاتب، مِن قلب التداخُل بين الرّؤى والحُروف، وأن تعملَ، في هذا التحقّق، على توسيع الحُلم، الذي غدا لهُ، لاحقاً، معنى آخَر بَعد أنْ صارَ ما يُشكّلهُ مُستمَدّاً، لدى غالب هلسا، مِن الوقائع الملموسة والصراعات المُعقّدة، ومِن انشغال وُجوديّ بالتغيير وبالتصدّي لِما يَعوقُ الحياة الحُرّة. لقد كان الحُلمُ، وهو ينفصلُ عن مَصدره الأوّل، يتلوّنُ بمُوَجِّهات كتابات غالب هلسا وبنضاله من أجل القضيّة الفلسطينيّة التي جعلها أسَّ هذا الحُلم ومدارَه. إنّ ما لهُ اعتبار، في الإمكان القرائيّ الذي تُهيّئُهُ الطفولةُ لتأويل تشعُّبات المَسار الذي شهدَتهُ حياةُ غالب هلسا، هو أنّ الوَشيجة التي تحقّقَت، في البدْء، بين الحُلم والكتابة بنَتْ، بمَعنى ما، جانباً مِنْ تصوّره للكتابة التي مارَسَها، في مُختلف أطوار هذا المَسار، بوَصفها حُلماً وبناءً لحُلمٍ في الآن ذاته، ما جعلَ الحُلمَ، وهو يَتمدَّدُ في الكتابة وبها، يَتوسَّعُ مُنفصِلاً عن صُورته الأولى، ومُتعدِّداً، في الآن ذاته، مِن حيث دلالته.

لم يكُن تَمكينُ الحُلم مِن الامتداد، عبْر ما تُتيحُهُ الكتابةُ، مُنفصلاً عن الوَجه الآخَر للحُلم، أي عن الخيال، الذي هيّأتْهُ القراءةُ لغالب هلسا في سنّ مُبكّرة. لقد كان خيالُ القراءة في هذه السّنّ، وتشعّباتُ هذا الخيال اعتماداً على ما تُغذّيه الطفولةُ، لقاءً بين الكتابة والقراءة مِن مَوقعِ الحُلم، ذلك أنّ القراءةَ مكّنَتْ هي- أيضاً- مِنْ تمديدِ الحُلم، عبْر ما أتاحتْهُ لغالب هلسا الطفل مِن خيالٍ وتمثّلات واستيهامات. فرُؤى المنام، التي تسلّلَت إلى الكتابة الأولى وشكّلَتْ بَذرةَ مُمارَستِها عند غالب هلسا، تشابَكت مع شُخوص مقروءاته الأولى، التي انفتحَ فيها، مِن بَين ما انفتحَ عليه في الوقت ذاته الذي انجذبَ فيه إلى الكتابة، على روايات الكاتب الفرنسيّ «موريس لوبلان – Maurice leblanc» مُبدع شخصيّة «أرسين لوبين – Arsène lupin»، وعلى روايات «روبير لويس ستيفنسن»، وحكايات «ألف ليلة وليلة». هكذا اضطلعَت القراءةُ، التي باشرَها غالب هلسا هي- أيضاً- في سنّ مُبكرة، بتأمين امتدادِ الحُلم وَفق ما تَهَبُهُ القراءةُ في الطفولة مِن أخْيلةٍ شبيهةٍ بما يَحصلُ في المنام، ووفق ما يُتيحُهُ هذا المقروءُ القائمُ أساساً على الخيال والإمكان والاحتمال. ثمّة في لقاء غالب هلسا الأوّل مع الكتابة والقراءة، تشابكٌ دالٌّ بين الحُلم والخَيال، على نحو مكّنَهُ فيما بَعد مِن تحصين رُؤيته للواقع مِن كلِّ تضييق، بل إنّ التشعّبَ الذي شهدَهُ هذا التشابُك مُضيءٌ لقُدرةِ غالب هلسا على الجَمْع بين النضال والكتابة دون أن يُحوِّلَ الثانية إلى مُجرّد أداة، إذ ظلّ، في الغالب العامّ، يُحصِّنها بمُتطلّباتها المعرفيّة، وبما يَستلزمهُ سُؤالُ الشّكل فيها من أساس نظريّ، وبما يَحتاجهُ النقد الذي يُغذّيها مِنْ خلفيّة فكريّة؛ فليس سَهلاً، من الناحية المعرفيّة والإبداعيّة، على أيِّ كاتب أنْ يُؤاخي بين النضال والكتابة ويؤالفَ بينهما، دون أن تتحوّلَ الثانية، في مُنجزه، إلى مُجرّد أداة. 

إنّ ملامحَ التكوين الثقافيّ الأوّل في طفولة غالب هلسا يَسمحُ باستثمار أمرَيْن في تأويل مَساره؛ وهو نفسه كان يُولي طفولةَ الكتّاب أهمّية في القراءات التي أنجزَها عن بَعضهم، ويُولي- أيضاً- طفولتَهُ الشخصيّة اهتماماً بالغاً انطلاقاً مِنْ حرصه على استحضارها في تأمّلاته وفي رواياته. أوّل هذيْن الأمرَيْن، المَجيء إلى الكتابة من الحُلم، أي المَجيء إليها من منطقة لا حَدَّ لاتّساعها، على نحو منذور لأنْ يَجعلَ مَنْ كانَ الحُلمُ نواةَ كتابته طَموحاً ومُتطلِّباً، ويجعلَ، في الآن ذاته، علاقتَهُ بالواقع دائمةَ التوتّر والمُساءلة، ومحكومة، في الآن ذاته، بالرّغبة في الاستشراف والتغيير، وهو ما انطوَت عليه، بوَجه عامّ، حياةُ غالب هلسا وكتاباتُه وسجالاته. ثاني الأمريْن، قراءةُ الخيال الإبداعيّ على أنّه واقعٌ حيّ والتفاعُل معه، في القراءة الطفوليّة، على أنّهُ فعـــلاً كذلك، وقد حكى غالب هلسا، لمّا استحضرَ قراءاتهِ الطفوليّة الأولى، في بداية كتابه «أُدباء علّموني.. أُدباء عرفتهم»، أنّهُ لمْ يَستَوعب إطلاقاً أن تكون شخصيّة «أرسين لوبين» خياليّة، بَعد أنْ تماهَى مع مُغامَراتها. لقد أتاحَت لهُ هذه القراءة الطفوليّة رُؤيةً حيَويّةً كان لها امتدادُها الخفيّ في مُقاربَته للأشياء، وهي الرؤية التي تحقّقَت له مِنْ طريقةِ فَهْمه الأوّل لسيرة «الزير سالم» ولحكايات «ألف ليلة وليلة»، إذ فهمَها انطلاقاً ممّا كان يَعيشهُ في حياته اليوميّة، أي انطلاقاً من واقعه؛ بما هيّأ لهُ التفاعُلَ مع الشخوص بانفصالٍ تامّ عن السياق التاريخيّ، على نحو لا يُمْكنُ إلّا أنْ يقودَ إلى خَلْطِ الأزمنة والأمكنة، ويَمنحَ الخيالَ اتساعاً يجعلُ التاريخَ حاضراً في اليَوميّ.

لعلَّ هذا التشبُّعَ الأوّل بالخيال، والتماهي معه على أنّه واقعٌ حيّ، هو ما احتفظَ بوَجه خاصّ لعلاقةِ الكتابة الإبداعيّة بمَوضوعاتها، في مسار غالب هلسا، بالانفتاح الذي أمّنَ للخيال حصّتَهُ في فهْم الواقع مِن أمكنة مُختلفة، وإلّا لِمَ انشدّ غالب هلسا إلى الكتابة الروائيّة؟. يقولُ عن قراءاته الطفوليّة التي كانت تتمُّ دُون التقيُّد بسياق الأحداث والوقائع: «رُبّما كانت تلك ميزةُ فُقدان السياق التاريخيّ؛ إذ يَنطلقُ الخيالُ دُون حُدود، ونعيش التاريخَ بكلّ تحيّزاته ومآسيه كأنّهُ تحقّقَ «الآن وهُنا»». لابدّ من التشديد على حيَويّة هذه الطريقة الأولى في اللقاء المُبكّر مع القراءة لدى كاتب صارَ السياق التاريخيّ، لاحقاً، مفهوماً مَركزيّاً في قراءاته ودراساته وتآويله، انسجاماً مع مرجعيته التي أمْلَت عليه أنْ يُوليَ اهتماماً منهجيّاً للسياق التاريخيّ والاجتماعيّ، وأن يستندَ إلى مفهوم الصراع الطبقيّ في تفسير الظواهر. لقد كانت القراءةُ من خارج السياق، التي ترتّبَت على خيال الطفولة وعلى نمط النصوص التي تَهيّأ للطفل الاطّلاع عليها، تحصيناً صامتاً للقراءات والدراسات اللاحقة، وهي تتّخذُ من السياق مفهوماً رَئيساً في التحليل والتأويل، مِن كلّ ضيق أو انغلاق. تحصينٌ يَصعبُ تحديدُ تجلّياته في كتابة غالب هلسا، غير أنّ قارئ أعماله باختلاف حُقولها المعرفيّة يلمسُ ظلالَ هذا التحصين سارياً في كتابةٍ لم تتخلّ عن إدماج السؤال في تآويلها وعن الاستناد إلى المعرفة، إدراكاً منها باتّساع الاحتمال وبنسبيّة الأشياء. وقد أشار غالب هلسا نفسهُ إلى أنّ التداخل بين الواقعيّ والخياليّ لازَمَ رُؤيتَهُ للوقائع والأحداث، إذ يقول في سياق حديثه، ضمن نصّ «الزير سالم»، عن هذا التداخل الذي تحقّقَ له في قراءته الطفوليّة: «مُنذ تلك اللحظة وحتّى الآن وأنا أعيش ذلك اللَّبْس بين الواقع وإمكاناته الخياليّة. الواقع يُخفي سرّاً على الدوام، وهو ما يَجعلهُ مُتأهِّباً، في كلّ لحظة، لأنْ يكشفَ عن عالمه السّريّ الغرائبيّ». 

كان الحُلمُ الذي قادَ غالب هلسا إلى الكتابة حيَويّاً، وهو يتغذّى في البَدء بالخيال القرائيّ، لكنّه لم يبْقَ حُلماً طفوليّاً، إذ أخذ، فيما بَعد، مَنحييْن مُتداخليْن. في المَنحى الأوّل، عملَ غالب هلسا على أنْ يجعلَ الحُلمَ خليقاً بالانتساب إلى الكتابة، وحَرصَ، في المَنحى الثاني، على أن يَستنبتَ الوشائجَ التي تَصِلُ الحُلمَ بالرّؤية التي تبنّاها، وَفق قناعاته الفكريّة والسياسيّة، في التحليل والمُساءلة والاستشراف. كان غالب هلسا واعياً أنّ الانتسابَ إلى الكتابة لا ينفصلُ إطلاقاً عن إدمان القراءة، لأنّ بها يتّسِعُ هذا الحُلمُ، وبها يُسائلُ دلالتَه ويُجدِّدُها على مُستوَييْن؛ مُستوى جعْل الحُلم في الكتابة ذا سَنَدٍ معرفيّ، أي مُرتبطاً بما أرْسَتْهُ الكتاباتُ التي راهنَتْ على الحُلم، ومُستوى بناءِ الحُلم اعتماداً على تحليل علميّ للواقع، وعلى مُساءلةٍ مُتجدّدة لسَيرورة الأحداث العالميّة والعربيّة. بشأن المُستوى الأوّل، مثلاً، يقولُ غالب هلسا في سياق حديثه عن تشعُّب عوالمِ حُلمه الأوّل الذي قادَه إلى الكتابة: «حين قرأتُ كافكا، فيما بَعد، انفجرَت عوالمُ الحُلم في داخلي، ولهذا كنتُ أفهمُ جيّداً عبارة ألبير كامو: «كافكا دائماً بإزائي». هكذا صارَ الحُلمُ في الكتابة، مثلما صارَت الكتابةُ بالحُلم، جُزءاً من حُلم أكبر؛ هو السَّعي إلى امتلاك تقنيات الكتابة الأدبيّة، والتمرُّس على عناصر بناء الشكل الكتابيّ، والتمكّن من الصّوغ الجَماليّ. وهو ما أدركهُ غالب هلسا، من داخل انشغاله بالقضايا الاجتماعيّة والسياسيّة، وحرَصَ على تعلّمه وتَطويره. تبدّى هذا الحرص من مقروئه، بوَجه عامّ، وهو ما صرّحَ به لمّا تساءلَ عن الغاية من حديثه عمّن علّمهُ مِنَ الأدباء الأجانب والعرب، إذ أجاب بما يُفيدُ وعيَهُ بمُتطلّبات الكتابة، وبمُتطلّبات الرُّؤية التي تَبْنيها الكتابة، قائلاً: «لقد علّموني كيف أرَى العالمَ مِنْ حولي بشكل جديد، وكيف أضَعهُ في سياق العمل الروائيّ، بمعنى أنّني لولاهم لمَا أصبحتُ كاتباً». بقراءة أعمال هؤلاء الأدباء، تحقّق حُلمُ الكتابة بَعد أنْ كانت الكتابة، في البَدء، مُحاولةً لتمديد حُلمِ المنام. فحُلمُ الكتابة تسنّى لغالب هلسا، كما يُصرِّحُ هو نفسهُ، في حديثه عن الأدباء الأجانب والعَرب في الكتاب المُشار إليه سابقاً، ممّا تعلّمَهُ من «هيمينغواي»، بشأن علاقة الأدب بالواقع، وبشأن مُتطلّبات البناء الروائيّ، وأهمّية تكثيف اللغة عبْر الإيجاز والتركيز، وممّا تعلّمَهُ مِن «دوس باسوس»، على مُستوى الشكل الكتابيّ، ومن «فوكنر» في استعادةِ الحياة الخاصّة، وإعادة صَوغ تجارب الطفولة. غير أنّ هذا المَنحى في الكتابة، الذي يفرضُ الالتزامَ بتقنيات بناء الشكل، لم يكُن ليُشفي، تماماً، حاجة غالب هلسا إلى تصريف مواقفه ورُؤاه المُستمدّة من نضاله العمليّ، ومن انخراطه في الثورة الفلسطينيّة. لذلك ظلّت كتاباتهُ السياسيّة والصحافيّة تُحقِّقُ لهُ ما لا يَتمُّ بالوَتيرة ذاتها في الكتابة الإبداعيّة، التي يَحتفظ زمنُها وعناصرُ بنائها على ما تختلفُ به هذه الكتابة عن المُتابَعة الصحافيّة والسياسيّة.

في كتابة غالب هلسا الصحافيّة والسياسيّة، تبدّى الحُلمُ بوصفه مُقاوَمةً على جبهات عديدة، وبوَصفه- أيضاً- استيعاباً للخَيبات والانكسارات. لعلّ ذلك ما يُستشفُّ من مقالاته عن القضية الفلسطينيّة التي كانت امتداداً لنضاله في المَيدان. مقالاتٌ كان ينشرُها في صُحف ومجلات مُختلفة، وهي التي جمعَ بعضَها- أيضاً- ناهض حتر، بَعد موت غالب هلسا، في كتاب اختارَ لهُ اسماً دالاًّ، استمدَّهُ من عُنوان إحدى المقالات التي سمّاها غالب هلسا «اختيار النهاية الحزينة»، وهو عنوانٌ يَعكسُ نهاية حُلم آمَنَ به. في هذا الكتاب، يَرتسمُ تصوّرُ غالب هلسا للقضية الفلسطينيّة ولتعقّداتها الداخليّة والخارجيّة، ويتكشّفُ وجهُ هلسا المناضل والسياسيّ والصحافيّ. فقد انبنَت مقالات الكتاب على نقد شديد للسياسة الفلسطينيّة، وفي ثنايا هذا النقد وتقويةً له، قاربَ هلسا مفهوم الثورة، والسلطة، والمُثقَّف، وشِبه المُثقَّف، والصراع الطبقيّ، وغيرها من المفاهيم التي كانت موضوع صراع زَمنئذ، كما كشفَ عن إيمانه بمُقاوَمة الكادحين، وبمُقاومة المُخيّمات، وبمُنظمة «فتح – الانتفاضة» التي انتمَى إليها، وراهنَ عليها قبل أنْ يُعلن مَوقفهُ ممّا سمّاهُ «نهايتها الحزينة».

وبالجُملة، لقد مارس غالب هلسا الكتابة، بوصفها مُقاومةً غيرَ منفصلةٍ عن حُلم شاسع، مِن مواقعَ مُختلفة، واحتفظ لتحقّقاتها، حتى في صُورتها الصحافيّة والسياسيّة، بسنَدها المعرفيّ والفكريّ. ذلك أنّ غالب هلسا لم يكُن يتردّد حتى في تناوُله لموضوعاته السياسيّة عن إدماج صَوت الفلسفة والفكر والأدب في استجلاء المعنى وبناء المَوقف. ومن ثمّ، تتطلّبُ قراءةُ أعماله ودراستُها الحفرَ، في تعدّدها وتنوّعها، عن الخيوط التي تُعيدُ بناءَ الحُلم الذي صبَا إليه، انطلاقاً من إضاءةِ ما يَصلُ الكلمة بالفِعل عنده، وما يَصلُ الفكر، والنقد، والإبداع بالحياة في أشدّ تفاصيلها تعقّداً.

غالب هلسا.. من رواية اليقظة إلى رواية الأفول

بعد أن أنجز هلسا أعمالاً روائية متميّزة، احتضنت «الضحك، والخماسين، وثلاثة وجوه لبغداد»، استعاد شبابه الأوّل والزمن الذي سبقه في روايته الأكثر اكتمالاً: «سلطانة»، حيث تحضر الطفولة، والصبا، وأطياف غائمة وأخرى أكثر وضوحاً. كما لو كان ادّخر خبرة كتابية؛ لتنقل مرحلة أثيرة لديه.

تدور «سلطانة» حول امراة أشبه بالحلم، تسير ناظرة إلى السماء، تُلزم الناظر إليها بتجربة عشق فريدة، تلازمه حياته كلّها. جمع الروائي بين زمن البراءة الأولى، الذي يتطيّر من الدنس، والأنثى الأصل ذات الجمال النموذجي، الذي يمسّه الزمن ولا يغيّر فيه شيئاً حال عاشقها الذي يمرّ على مدن عديدة، ويستبقي عشقه بلا تبديل. ومع أن صورة المعشوقة يمكن أن تغفو، فهي تستيقظ بلا نقص، كلما لمح «أسيرها» قامة، وكأنها التبست بموقع الطفولة، والميلاد، والدفء الأمومي، وفضول التعرّف على العالم.

أنتج هلسا في «سلطانة» أنثى ملتبسة، حملت رغبات الطفل الذي كانه، وأحلام الشاب الذي سيكونه، وصور بلدته «معين» التي كانت مفعمة بالنقاء ذات مرّة. أدرج الروائي في «حكايته الكبرى» تصوّراً رومانسياً؛ يمزج الأنثى والأصل بسحر غامض لا يزول، وتصوّراً واقعياً عرفها واستنشق اسمها، وسار وراءها في أكثر من مكان ومدينة. وواقع الأمر أن الأنثى الفريدة تنوس بين الفتاة الرهيفة الأركان، وشخصية الأمّ التي تقبع في اللاوعي أمّاً وأنثى معاً، بل أن «سلطانة»، في وجهيها المتعارضين المتكاملين، هي التي وضعت، في روايات غالب هلسا، حضوراً أنثوياً دائماً، يواجه به المغترب اغترابه، ويتكئ عليه الروائي المغترب؛ ليتحمّل الغربة وشقاء الوجود. يصف السارد المرأة التي أرضعته أثناء مرض أمّه: «آمنة في الذاكرة، صاغت رؤيتي للنساء، وأعادت إنتاجها في كلّ مرحلة من مراحل العمر. هي وسلطانة حلم القرية الشبقي السريّ، الملعون، الفاجع، الممنوح، والمستحيل معاً..».

تعيّن «سلطانة»، في حضورها المهيمن المستمر، ساردَها، أي غالب هلسا، شخصية رومانسية تتوالد منها أنثى متعالية، وفضاءً كثيفاً يجمع بين الذكر والأنثى والسياسة، يتكشف، دائماً، في شخصيات مشتقة منه، كما هو الحال في «نادية» الرهيفة المتمردة في رواية غالب الأولى: الضحك. ومع أن في الإنسان الرومانسي ميلاً إلى «ابتداع شخوصه» كي تكون صورة عنه، فإن «سلطانة» قلبت الصيغة، وعيّنت ذاتها صانعة لغالب إنساناً وروائياً معاً.

ولعلّ العلاقة الغامضة الواضحة بين غالب وأنثاه القروية الجميلة هي التي قرَّرت «الاغتراب» موضوعاً مستمراً في رواياته جميعاً، سواء كان ذلك في «الضحك، وثلاثة وجوه لبغداد»، أو في عمله الصغير الكبير «الخماسين» الذي رجم القهر البوليسي، واستنجد بالسماء سائلاً الرحمة. والاغتراب، نظرياً، أن ينقسم الإنسان وأن يكون نصفه خارجه، وأن ينتظر لحظة لا تناقض فيها، تُعيد إليه طبيعته الأولى. وطبيعة غالب الأولى نقاء الريف، ودفء الأمّ، والكتب المتحاورة التي تحدثت عن العاشقة الخائبة «مدام بوفاري، ومرتفعات وذرنج في حديثها الواسع عن الحب الآسر، والشر، وآلام فيرتر التي تمزج الحب بالعذاب»، كما جاء في رواية «سلطانة».

تتراءى «سلطانة» مجازاً جمالياً دينامياً يخترق الأزمنة، ملبيّاً رغبات فردية توحد بين الأنا والمجموع. لن تكون أنثى غالب، والحالة هذه، إلا ثورة عارمة مشتهاة، تحقق العدل والحرّية، تشتعل وتخبو وتقترب وتبتعد وتظل، دائماً، ماثلة في الأفق. ولن تكون إلّا الرواية التي حلُم بكتابتها، وهو المثقَّف النقي الحالم بعالم لا اغتراب فيه. فكلّ مثقَّف ينزع إلى العدل يحمل في أعماقه رواية، يكبتها وتظل غائبة، أو يُفرج عنها وتُصبح قابلة للقراءة.

إذا كان في المثقَّف الحالم رواية تؤرقه، ففي المثقَّف الذي غادره الحلم رؤية أخرى تشيّع أحلامه. لذا تناول غالب في آخر رواياته: «الروائيون» 1989 أحلاماً أصابها العطب قبل أن تعصف بها الريح. عاد إلى «قاهرة» ما قبل حرب يونيو/حزيران 1967 وبعدها. كان الكاتب، في زمن الكتابة في أواخر كهولته، ورغبات الشباب كساها الرماد. عاد إلى الماضي، وترك الحاضر المكشوف التداعي، وسرد حكاية عن ماضٍ مريض، تأجلّ الإعلان عنه، حتى سقط عارياً.

بعيداً عن «سلطانة» التي جمالها يوقظ الوجود، وضع غالب في «الروائيون» موتاً صريحاً وخطاباً أيديولوجياً، له شكل الحكاية. سرد مآل نخبة «ثورية» مصرية، لم تعرف الفرق بين الشعارات البسيطة وإمكانيات العدالة المعقّدة. بنى فضاءً روائياً قاتماً يُعبّر عن غروب فترة بدت مشرقة، ويُعبّر، أكثر، عن عالم الروائي الذهني في مدينة دمشق، التي لا يعرفها، وتختلف عن مدينة عشقها طيلة حياته هي: القاهرة. ولمّا كانت «سلطانة» مقياس الأزمنة السعيدة، استعاض عنها في «الروائيون» بأنثى تغايرها شكلاً وسلوكاً، فيها خفة تقترب من الانحلال. يغيب، في الفضاء القاتم، حضور «الأم»، ولا تتبقى منها إلّا إشارات سريعة ماضية: «منذ زمن بعيد لم يعد يتذكّرها، فما الذي جاء بها صارمة، تحمل إليه اللوم والإدانة؟». يشهد حضور الأمّ الرحيمة على سوء الأزمنة، ويعلن لومها عن زمن لم يشأ ابنها الوصول إليه. تتراءى في «الروائيون» سيرة ذاتية منقوصة مليئة بالشجن. فبعد البلدة الأردنية البعيدة التي شاهدت طفولته، تحضر مدينة كأنها منفى، وبعد الأنثى التي تغسل الروح تأتي أخرى لا ملامح لها، بقدر ما يغيب زمن الفضول المعرفي الذي يسائل العالم، وتهيمن تساؤلات ذاتية تطرد اليقين، ولا تقول شيئاً عن المستقبل.

في زمن «سلطانة» كان غالب يلغي المسافة بين البطل الروائي ورسالة المثقَّف التي تلازمه، وفي زمن الكهولة المتأخّرة غدا المثقَّف، صاحب الرسالة، كالوجود كلّه، موضوعاً للمساءلة، أخفق الأول في رسالته، وبدا الثاني شاحباً ماسخ الطعم. لا غرابة أن تصيّر روايته الأخيرة شهادة على مساره ومسار جيل أخطأ ما أراده. ولهذا أنتج، متقصداً، شكلاً فنّيّاً مخلخلاً يتراءى فيه ضياع الحقيقة. اكتفى الروائي، وهو يعاين شخصيات يكتسحها التداعي، بوصف الشخصيات من خارجها، عاشت حالمة، وعرفت السجن، ثم سقطت في الهزيمة.

منذ بداياته الروائية جعل هلسا من الحياة اليومية بطلاً روائياً، وصاغ حواراته قريباً من المعيش المباشر بعيداً عن القاموسي الجامد. جمع بين ما عاش وما كتب، وأعفى اسمه، في معظم رواياته، لبطله الروائي مؤكِّداً أنه يكتب عن ذاته، وهو يكتب عن الحياة، ويسرد وجوه الحياة، ويكون حاضراً فيها. ولعل هذا التصوّر، الذي حافظ عليه طويلاً، هو ما يجعل من موت البطل في «الروائيون» إعلاناً واعياً، أو بلا وعي عن العالم الداخلي لغالب في عامه الأخير، ذلك أنه رحل، وبلا مقدِّمات كبيرة، بعد أن أنهى كتابة روايته، المشار إليها، بزمن قصير. تردّد كثيراً، كما يعرف أصدقاؤه في اختيار نهايتها، التي جاءت قاتمة على أية حال، يتوّجها موت لا هروب منه.

لم يتخذّ غالب هلسا من كتابة الرواية مهنةً، أو عملاً منظّماً لا بدّ منه، بقدر ما اختارها نهجاً في الحياة. يطوّرها بثقافته المتطورة، ويتطوّر معها موحداً، بلا انقسام، بين الإنسان العفوي الذي كانه والمحتفظ ببراءة لا تغيب، والمثقَّف المنغمس بالشأن العام والمتابع لحياة البشر، والروائي الذي يجمع مواده السردية من حياته مع آخرين، ويُرسل بها إلى مُتخيّل خصيب، يتحاور فيه المرجعان الداخلي والخارجي. وكان الناقد الأدبي الثقافي المعتمد على معارف راسخة تمتد من الجاحظ، وأبي حيان التوحيدي إلى روايات فوكنر، وكتابات الألماني ثيودور أدورنو الذي بدأ في قراءته في الطور الأخير من حياته.

قاده اتساقه الفكري إلى دراسات نقدية عن نكوص المثقَّفين وزئبقية مواقفهم، بقدر ما دفعه ارتباطه بالمعيش إلى نقد الروائيين: إبراهيم جبرا، وحنّا مينة. لم يكن ينقد كارهاً، وهو البريء الذي لا يعرف الكراهية، إنما كان ينقد مخلصاً للحياة ولأفكاره، ولمعنى الرواية. 


إشارات:

– غالب هلسا: «سلطانة»، الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الثاني، عمّان، دار أزمنة، 2003.

– غالب هلسا: «الروائيون» عمّان، دار أزمنة، 2002.