استعادة غالب هلسا، بعد ثلاثين عاماً من الغياب

عقود ثلاثة انقضت منذ رحيل الكاتب والروائي الأردني الكبير غالب هلسا الذي ولد ومات في اليوم نفسه (18 ديسمبر/كانون أول 1932 – 18 ديسمبر/كانون أول 1989)، وقد غادر بلده عام 1956، مُلاحقاً لكونه عضواً في الحزب الشيوعي الأردني، وعاد إليه في كفن بعد وفاته بأزمة قلبية في العاصمة السورية دمشق. وما بين ذلك الخروج، وتلك العودة المأساوية تنقَّل غالب بين عواصم عربية عديدة، بين بيروت وبغداد والقاهرة ودمشق، حيث كان، على الدوام، جزءاً من الحركة الثقافية والجدل المحتدم في حياة كلّ عاصمة عاش فيها، بغض النظر عن طول الإقامة أو قصرها، لكن إقامته في القاهرة كانت الأطول، والأكثر تأثيراً في تجربته الإبداعية وتكوينه الثقافي، وكذلك في الموضوعات التي شكَّلت محور انشغالاته الأدبية والفلسفية والسياسية. 

لم يكن غالب هلسا روائياً أو كاتب قصّة قصيرة فقط، بل كان من ذلك النوع من المثقَّفين العرب العضويين، المنشغلين بالسياسة والثقافة والفكر، يساجلُ في تلك الصيغ المختلفة من رؤية العالم، طامحاً إلى تحديث المجتمعات العربيّة، لا إلى تحديث الثقافة، أو تطوير الأشكال الإبداعية فقط، بل إلى تطوير الرؤى النظرية التي نفسِّر بها حركة المجتمعات، والثقافة، والسياسة، والفكر في الآن نفسه. انطلاقاً من هذه الرؤية، أنجز غالب في العمر القصير، نسبياً، الذي عاشه، أعمالاً في الرواية، والقصّة القصيرة، والنقد الأدبي، والفلسفة والفكر، والترجمة، ومقالات كثيرة في السجال السياسي، جاعلاً من الأشكال المتعدّدة للكتابة طُرقاً مختلفة للنظر إلى الوجود الإنساني، مُقلّباً هذا الوجود على وجوهه المتعدّدة من خلال السرد، والفكر، وقراءة التجارب الثقافية والفكرية للشعوب والمجتمعات الأخرى، ساعياً إلى فهم الإنسان العربي، والمجتمعات العربيّة. فإلى جانب رواياته ومجموعتيه القصصيتين، كتب غالب عن «العالم مادة وحركة» (في محاولة ماركسية مادية لفهم بعض مفكِّري المعتزلة)، و«الجهل في معركة الحضارة» (في رد على كتاب للمفكّر الإسلامي الفلسطيني منير شفيق)، و«قراءات في أعمال: يوسف الصايغ، يوسف إدريس، جبرا إبراهيم جبرا، حنّا مينه»، كما ترجم «الحروب الصليبية» للروائي الإسرائيلي عاموس عوز، و«الحارس في حقل الشوفان» للروائي الأميركي جي. دي. سالينجر، و«جماليات المكان» للفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار. وهو ما يدلُّ على تعدد انشغالاته وطاقته الفكرية والإبداعية التي جعلته واحداً من الكُتَّاب المؤثِّرين في الثقافة العربيّة في النصف الثاني من القرن العشرين، الذين يستحقون مواصلة النظر في منجزهم الإبداعي والنقدي والفكري. 

لكن الملمح الأساسي في تجربة غالب هو أن عالمه الروائي ينتسب إلى مصر أكثر مما ينتسب إلى وطنه الأردن؛ لأسباب تتصل بشخصياته الروائية والجغرافيا التخيلية التي تتحرَّك في فضائها تلك الشخصيات، فهو في معظم أعماله الروائية يتحرَّك ضمن الفضاء السياسي والاجتماعي المصري لقاهرة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. لا يشذ عن ذلك من أعماله القصصية والروائية إلا مجموعتاه القصصيتان «وديع والقديسة ميلادة وآخرون» (1968، وبعض قصص هذه المجموعة تتخذ من القاهرة فضاءً لأحداثها) و«زنوج وبدو وفلاحون» (1976) وروايته «سلطانة» (1987). أمّا في باقي أعماله الروائية فإنه يكتب عن القاهرة، ويبني من أحيائها الشعبية، وشخوصها المهمَّشين في معظم الأحيان، ومن نقاشات اليسار المصري وانشقاقاته، عالمه السردي، مازجاً ذلك كلّه بتذكرات شخصية «غالب»، أو «خالد»، الذي عادة ما يأخذ دور الراوي في الروايات، وتتصفى، من خلاله، الرؤى التي تحملها الشخصيات؛ كما أن هذه الشخصية تُذكرنا، من حين لآخر، بماضيها أو طفولتها البعيدة في مسقط رأس غالب هلسا، وبلدته مَعِين، أو مكان دراسته الإعدادية والثانوية في مدينة مَأدَبا، ومدرسة المطران بعمّان.

من هنا يبدو غالب مسكوناً بالحياة الثقافية والسياسية المصرية، في فترة مُعقَّدة من تاريخ العلاقة بين اليسار المصري والحكم الناصري، في خمسينيات القرن الماضي وستينياته. وتتصل الجغرافيا التخيلية لرواياته وقصصه بتلك الحقبة الزمنية التي عمل خلالها في كلّ من وكالة أنباء الصين الجديدة، ثم وكالة أنباء ألمانيا الديموقراطية لفترة تتجاوز الستة عشر عاماً، مشاركاً بفاعلية في الحياة الثقافية المصرية إلى أن أُبعد من القاهرة بأمر من السادات، عام 1978، مغادراً إلى بغداد، ثم إلى بيروت، عام 1979، ومن ثمَّ إلى دمشق بعد الحصار الإسرائيلي لبيروت عام 1982. ولعلّ اتصاله الحميميَّ بالبيئة المصرية، وصعود اسمه كروائي وناقد على صفحات مجلات اليسار المصري وصحفه، جعل هويّته الجغرافية ملتبسة بالنسبة للعديد من النُقَّاد والباحثين. فهو كان مصريَّ اللهجة، ظلّ يتحدَّث بها أينما ذهب بعد إبعاده من مصر مازجاً تلك اللهجة من حين لآخر بلهجات العواصم التي سكنها. كما ظلّ يختزن العوالم القاهرية ليعيد إنتاجها في رواياته التي كتبها، لاحقاً، غيرَ قادر على التخلص من مخزون السنوات الاثنتين والعشرين التي عاشها في القاهرة. ويمكن أن نلحظ ذلك في أعماله الروائية الأولى التي كتبها في القاهرة: «الضحك» (1970)، و«الخماسين» (1975) و«السؤال» (1979)، و«البكاء على الأطلال» (1980)، وحتى في عملين أخيرين «ثلاثة وجوه لبغداد» (1984)، و«الروائيون» (1988) التي ينتحر فيها بطله غالب ممروراً، معتزلاً العالم، وشاعراً بالخراب الذي يسكن التاريخ. 

لكن الحنين الجارف إلى مسقط الرأس تجلَّى في بعض أعمال هلسا الروائية على هيئة تذكر جانبي، أحياناً، أو من خلال إفراد رواية كاملة «سلطانة»، التي يستعيد الكاتب فيها ذكريات الطفولة البعيدة، معيداً تتبع خطى بطله في طفولته وصباه، ما يجعل «سلطانة» قريبة من روايات التكوين والتعلّم، ويجعلنا نعيد النظر إلى أعماله الروائية الأولى على ضوء هذه الرواية المميّزة لغة وشخصيات وطرائق حكي، واصلين عالم «سلطانة» بتلك التذكرات الجانبية التي نعثر عليها في قصصه ورواياته الأخرى.

من هنا يبدو من الصعب انتزاع غالب من حنينه الطفولي إلى مسقط رأسه، وتغليب مرحلة الشباب والنضج على خلفية نموه الثقافي والأدبي. وقد برزت مرحلة الطفولة والصبا في أعماله الأخيرة كنوع من الاستعادة الحميمية لذكريات الطفولة التي غيّبها النسيان. ومن ثمَّ فقد فتح خزائن ذاكرته، وأعاد عجن هذه الذكريات مع أحلامه واستيهاماته وطريقة نظرته إلى مسقط رأسه وسنوات تكونه. 

ولعل كتابة غالب لـ«سلطانة»، بوصفها الرواية الوحيدة المكتوبة ضمن جغرافيا أردنية، هو ما أعاده إلى مسقط رأسه إبداعياً، إلى حد أنها ذكّرتنا بـ«زنوج وبدو وفلاحون» التي كانت عملاً قصصياً روائياً، نهل من بيئة سياسية واجتماعية غير البيئة القاهرية، لكن رحيل غالب، في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، جعل من «سلطانة» رواية وحيدة منقطعة السياق، تقريباً، عن أعماله الروائية الأخرى، وهي الرواية التي شكّلت مع «زنوج وبدو وفلاحون» نوعاً من الثنائية السردية الضدية حيث تُعيد «سلطانة» تأمّل الطفولة البكر، والعالم الفردوسي، فيما تصور «زنوج وبدو وفلاحون» قسوة العلاقات الاجتماعية التي تربط البدو بأهالي القرى، وتقيم تراتبية معقّدة بين المكونات السياسية والاجتماعية والديموغرافية للدولة الأردنية الحديثة.

يمكن النظر إلى أعمال غالب الروائية، استناداً إلى هذه الخلفية، بوصفها توتراً بين الفضاء المديني الصاخب المعقّد، والمكان الريفي البسيط الذي يرتبط بالحلم الفردوسي، وحضن الأم، والشعور بالحماية الذي افتقده الراوي في أعمال غالب، التي تتخذ من المدينة فضاء لحركة شخصياتها. ويتجلّى هذا التوتر، الذي يتخذ هيئة قوس مشدود على مدار السّرد في معظم روايات الكاتب، في الحضور الوافر للأحلام، وأحلام اليقظة بصورة أساسية، التي تقطع سياق السرد، وتعيد الرواية في العادة إلى الطفولة وفردوسها الريفي المفقود. بهذا المعنى تُمثّل المدينة، في عالم هلسا، كياناً مهدّداً باعثاً على الرعب، وعدم الاستقرار، وافتقاد الطمأنينة، أياً كانت هذه المدينة: القاهرة، أو عمّان أو بغداد. وهذا ما يفسّر وفرة الأحلام وأحلام اليقظة التي تعيد الراوي، في العديد من روايات هلسا، إلى مسقط الرأس، وفردوس الأمومة المفقود. 

لتوضيح الرؤية السابقة سآخذ عملين روائيين لغالب هلسا هما، «الضحك»، وهي أولى رواياته، و«البكاء على الأطلال»، وهي من بين أعماله التي نشرها في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وإن كانت مكتوبة في القاهرة في فترة سابقة عام 1975، لنرى صيغة التوتر في كلّ من الروايتين بين فضاء القاهرة، وأحلام الراوي، وتذكُّراته لطفولته، ومطلع شبابه. 

يبدأ الفصل الأول من «الضحك»، وعنوانه «جنة اليقين» الذي يوحي بمفارقة ضدية، بوصف لحالة الراوي بعد أن أقام علاقة مع بغيّ. كلّ ما في هذا الفصل من الرواية يوحي بالشعور بالدنس والقذارة، وامتزاج الروائح العطرية بروائح العرق والجسد الآثم، بالحنين إلى النظافة وبراءة الطبيعة، يختلط ذلك كله بالإحساس بوجود خطر قريب يتربّص بالراوي دون أن يكون واعياً له، وبحلم يعيد تركيب الخطر والإحساس به. 

ومع أننا لا نستطيع تحديد مكان الحلم، إذ إن الراوي يشاهد فيه منظراً من قريتِه مسقطِ رأسه، حيث يتحدّث عن أكوام من الحجارة التي تتكدّس كتلال صغيرة، ويحلم أنه يسير في شوارع مسقوفة تشبه الأنفاق، إلّا أننا نتبين، في نهاية الفصل، أنه «كان يركض في شوارع القاهرة»، التي «كانت خالية واسعة»، و«عماراتها كتلاً صماء كبيرة قد ملأ الظلام فجواتها»، لينتهي إلى غرفة تحقيق، يُحاكَم فيها بارتكاب جريمة لم يقترفها. 

يبدو هذا الفصل إرهاصاً وتكثيفاً لما سيحدث في باقي فصول الرواية. إن الراوي، وهو عضوٌ في حزب يساري، يشعر بالخطيئة والدنس والقذارة في المدينة، مطلق مدينة، التي تمثّل الرذيلة، وانحدار القيم، والتحلل والتلاشي، والإحساس بالبرد بمعناه الفيزيقي والرمزي. لا تُخَفف، من ذلك الإحساس، الآمالُ الكبيرة التي يتشبث بها المثقَّفون الذين يظهرون في خلفية الرواية، أو علاقةُ الحب العميقة التي تقوم بين الراوي ونادية، أو الروحُ الرفاقية التي تنشأ بين المشاركين في معسكر تدريب المتطوعين الذين يرغبون بالدفاع عن المدينة؛ إذا ما هاجمتها إسرائيل. إن المدينة، التي يتنقَّل الراوي في شوارعها، وبين مقاهيها وفنادقها، تظل كياناً مهدّداً بارداً مصمتاً، يتراءى للراوي في أحلامه الهذيانيَّة المتكررة على مدار فصول الرواية. 

في مقابل مدينة القاهرة، تبدو مدينة مسقط الرأس مثالاً لمدينة المنفى، مدينة البوليس والبغاء والزيف، حيث المال سيد الموقف، والرجال والنساء يبيعون أنفسهم من أجل النفوذ والمال. إنّ الراوي، الغريب عن البلدة، يحاول كتابة تاريخها، والكشف عن «أكاذيب مثقّفيها وادعائهم، ورعب نسائها، وجشع تجارها بكروشهم الكبيرة، وقاماتهم القزمة، ووجوههم المترهلة البيضاء، وأصواتهم النسائية… والحقد الذي يملأ قلوب صغار موظفيها». ويحكي الراوي أنه أتى إلى البلدة مقيّد اليدين، في إحدى عربات البوليس؛ ليُنفَّذ به حكم الإقامة الجبرية بعيداً عن قريته، بتهمة الإخلال بالأمن حيث يجد نفسه شاهداً على وحشة المدينة، وقبحها، وموت البراءة فيها، واهتراء نسيجها الاجتماعي الذي يتشكَّل من قادمين من القرى والمدن المجاورة، ومن شخصيات إنجليزية، لا منتمية، آتية لتجرب حظها في هذه المدينة الطالعة على أطراف الصحراء الشامية. 

القرية مسقط الرأس هي المكان الذي يعادل الإحساس بالبراءة واليقين حيث يستعيد الراوي، في مواضع قليلة من الرواية، حنينه إلى «البلدة الصغيرة التائهة بين الجبال»، و«الشوق إلى الإحساس القديم بمحدودية العالم وباليقين.. إلى خلود الإنسان الذي لا يعرف الخوف من الموت، ولا يعرف القلق»، وكذلك عندما يستعيد صور الأرض المشمسة، ومشهد الحصّادين الذين يتناولون طعامهم وقت الظهيرة، والنساء وهن يتحلّقن حول أباريق القهوة المُرَّة… 

وإذا انتقلنا إلى «البكاء على الأطلال» فسنجد أنها تعتمد أسلوب المعارضة Pastiche، وهي تقنية أساسية، تنبني فصول العمل الروائي حولها، وتبدو المادة التاريخية المقتبسة من كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، موضوعاً للمعارضة في موضع معيّن من الرواية، وللمحاكاة الساخرة كذلك، ولتأمّل الحالة الشخصية للراوي في ضوء تلك الحكايات التاريخية المقتبسة في مواضع أخرى. 

وبغضِّ النظر عن درجة معقوليَّة استخدام هذه التقنية الأسلوبية في بناء العمل الروائي، ومدى إسهامها في توضيح معنى العمل وتكثيف الدلالة، فإن «البكاء على الأطلال» هي محاولةٌ لإضاءة نصّ روائي حداثي، يعتمد، بصورة أساسية، الحلمَ، وحلمَ اليقظة بصورة لا تخطئها العين، عبر معارضته حلمَ اليقظة وهلوسات الراوي الحسيَّة الشهوانيَّة التي يجتمع فيها الهلعُ الشديد من فكرة الموت مع الإحساس ببرد العالم والحنين إلى الطفولة، بمادة تراثية تدور حول الشهوة العارمة، والمثال الحسيِّ التراثي المُجسد في حكاية عائشة بنت طلحة مع من أحبوها وتزوجوها، حسب ما يروي أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني». 

لكن هذه المعارضة لا تكتمل إلّا في إطار بعث حلم يقظة يتكوَّن من زمن الطفولة، وتذكر الراوي مشهداً مستلاً من ماضيه في القرية، ليشكِّلَ هذا المشهد فعلَ تحفيزٍ للعمل الروائي، ويُعيد الراوي، بالاستناد إليه، تركيبَ المادة السردية ويتمكّن، من ثمَّ، من تأويل حاضره، وسقوطه في يأس شامل، وعلاقات جسدية متعثّرة، وفقدانه القدرةَ على الاحتفاظ بمن يحب، ويمثّل له الشفاء من السقوط في العدميَّة الحسية والروحية، في آن معاً، في جو مدينة كبيرة لا تبالي بسكّانها.

غالب هلسا.. الثورة والأنموذج ومرثية العمر الجميل

كان غالب هلسا، عند لقائي الأخير به في ملتقى القصّة الخليجي، في الكويت، عام 1988، وقبل عام من رحيله، مشتاقاً إلى العودة إلى قاهرته، مليئاً بذكرياته الحلوة فيها، وبإحساسه بالتحقق في قلب حركتها الأدبية. كان لقاؤنا هذا بعد غياب سنوات من التشريد فرّقت أبناء رحلة العمر والتجربة الواحدة، حيث كان التشتيت واحداً من سبل الإجهاز العديدة على قوة هذا الجيل…

هذه آخر الأرض، لم يبقَ إلا الفراق

سأسوي هنا لك قبراً،

وأجعل شاهده مزقة من لوائك،

ثم أقول سلاما

زمن الغزوات مضى، والرفاق

ذهبوا، ورجعنا يتامى.

كانت هذه الأبيات من قصيدة أحمد حجازي «مرثية للعمر الجميل» تتردّد في داخلي كلّما أمسكت القلم للكتابة عن غالب هلسا منذ أن بلغني نبأ رحيله المباغت، ذات صباح شتوي قاسٍ، فاستعصت علي الكلمات. فمرثية حجازي، التي كتبها عقب موت عبدالناصر، هي مرثية هذا الحلم الشعبي الكبير الذي لما اغتالته يد الغدر اغتالت معه روح جيل بأكمله، وحكمت عليه بالغم والهم والتشتت والضياع. كانت تلك الأبيات تجيئني كلّما استعصت علي الكلمات، وأحسست، حقّاً، بمرارة اليتم، كلما تناقص عدد رفاق الرحلة الأماجد وأبناء الجيل الذي ظلّت كوكبة منه قابضة على الجمر برغم كلّ الظروف. فمن أين يُنتِج القلم، والأمر لا يتعلق هنا برثاء كاتب كغيره من الكتاب، أو حتى بنعي صديق عزيز يؤلمني رحيله، فقد علمني تساقط أعلام جيلنا غيلة الصبر على الشدائد منذ أن ساخت في الصمت أقدام محي الدين محمد، والتهمت حياةَ يحى الطاهر عبدالله سيارةٌ طائشة، وفتَّ المرض العضال في جسد وحيد النقاش ثم أمل دنقل، ومات عبدالجليل حسن في أرض غريبة بعد أن ألجمت السبعينيات قلمه الحاد الجسور. 

وإنما يتصل الأمر، هنا، برثاء الذات، لأن غالب هلسا جزء عزيز من رحلة مرحلة التكوين وجسارة التجربة مع الوعي ومع الحلم بالتغيير، وبنعي مرحلة كاملة من العمر كان غالب هلسا يمثِّل أجمل وأنبل ما فيها. ويجسد بالقول وبالفعل معاً كلّ طموحاتها الزاهية التي تألَّقت في فورة الحلم في الستينيات، ثم تحوّلت إلى معاناة مقبضة عندما تكسرت قوادم الأحلام على وقع الهزيمة المزلزلة التي لم تكتمل فصولها إلّا بارتفاع أعلام العدو في أهم حاضرتين عربيتين، تشكلان مركز الثقل الثقافي العربي برمته: في القاهرة بالتطبيع، وفي بيروت بالاجتياح الدامي الذي كرّس فصول المهانة العربيّة، وبلغ بالتقوض غايته. وقد ظلّت المعاناة مستقرة في قلب كلّ من عاش أحلام الستينيات المترعة بالأمل كدملة خبيثة تنزّ ألماً وصديداً، وتسمم الجسد والروح حتى عصفت بالقلب المفعم بالحياة وهو لم يعرف بعد:

من تُرى يحمل الآن عبء الهزيمة فينا

المغني الذي طاف يبحث للحلم عن جسد يرتديه

أم هو الملك المدّعي أن حلم المغني تجسد فيه

هل خدعتُ بملكك حتى حسبتُك صاحبي المنتظر

أم خدعتَ بأغنيتي، وانتظرتَ الذي وعدتك به ثم لم تنتصر

أم خدعنا معاً بسراب الزمان الجميل.

كان غالب هلسا بحقّ رمزاً من رموز هذا الحلم الستيني بالثورة والمستقبل الجديد، وتجسيداً لمسيرته التي مرّت بالسجون العربيّة في عمّان، وبغداد، والقاهرة دون أن يفقد صلابته أو يتخلّى عن رغبته في الوصول إلى الوطن الحر، والشعب السعيد. وعبّر عن نفسه بالشعر والنثر على السواء على صفحات مجلّة (الآداب) منذ مطلع الستينيات؛ حيث كانت تلتقي فيها الأقلام العربيّة مجتاحة الحدود المفتعلة بين أجزاء الأمة الواحدة؛ ضاربة عرض الحائط بكلّ المخططات التي شاءت لهذه الأمة أن تتمزَّق أو تظلّ أسيرة للتخلف. كانت شخصية غالب هلسا هي المعادل العصري لشخصية جمال الدين الأفغاني الذي قرأنا أنه وفد على قاهرة في القرن الماضي فألهم جيلاً بأكمله، وأنه كان يوزع السعوط بيمناه والثورة بيسراه في مقهى «ماتاتيا» في النصف الثاني من القرن الماضي، ولكن بعد أن استوعبت تلك الشخصية النادرة مسيرة قرن كامل من التنوير والتثوير، تغير فيه الخطاب السياسي والفكري، وتبدَّلت فيه طبيعة الرؤى والاستقطابات الطبقية والاجتماعية، وتخلقت فيه خريطة جديدة للتكتلات والتحالفات، وبعد أن تخطت حاجز العمر وحاجز الزمن. 

لكن الفرق بين غالب هلسا وجمال الدين الأفغاني ليس فارق مرحلة فحسب، ولكنه فارق في المنهج كذلك. فقد كان غالب هلسا متعدّد المواهب، كان مفكِّراً (كتب العالم مادة وحركة) وناقداً (له مجموعة كبيرة متناثرة من الدراسات النقدية اللامعة)، ومترجماً (ترجم جماليات المكان، ورواية سالينجر الشهيرة)، ومبدعاً ألَّف العديد من القصّ والروايات، وقبل هذا وبعده صانعاً للرؤى، ومؤسّساً للمنطلقات الجديدة. فقد تحوّلت شقته الصغيرة، بشارع التحرير في الدقي، إلى جامعة شهدت العديد من حلقات الدرس والتفكير، قلّ أن تجد نظيراً لها في أي جامعة عربية. وتحوّل شخصه النبيل إلى بؤرة تتجمع حولها مجموعة واسعة من الاتجاهات الفكرية والأدبية من (أبو المعاطي أبو النجا)، وفاروق شوشة، ووحيد النقاش، وبهاء طاهر، وحتى صلاح عيسى، وطارق البشري، وعبدالرحمن الأبنودي، وسيد حجاب، مروراً بما يمكن تسميتهم بالجماعة العربية من حسين الحلاق، وخالد الساكت، وعبدالله المسعود. وبرغم كثرة معارفه وتعدد علاقاته ظلّ هناك عامل واحد مشترك في كلّ تلك العلاقات وهو النقاء، والانحياز للذين يحترمون شرف الكلمة.

كان غالب من جيلنا، ولكنه خاض قبلنا تجربة السجن، وحوّل قبلنا تجربة الحلم العربي المشترك إلى واقع مُمضٍ، لم تنجح شراسته في اجتثاث الحلم أو النيل من تألقه. وسرعان ما أصبح غالب هلسا أحد قسمات قاهرة الستينيات الفوارة بالأحلام، وفد إليها في الخمسينيات طالباً لدراسة الصحافة، وثائراً ضاق به فضاء الأردن الخانق وفضاء العراق الملكي الرجعي، ولم يستوعبه إلّا مناخ القاهرة الرحب؛ عندما كانت تلك المدينة العريقة قاهرة بحق، تياهة بعروبتها، فخورة بقوميتها، معتزة بحلمها واجترائها على كلّ المحرمات السياسية التي فرضتها، آنذاك، السطوة الاستعمارية القديمة على العالم الذي يسمونه ثالثاً. 

كانت قاهرة تلك الأيام واحدة من عواصم التحرر في العالم، تنبض بالثورة على كلّ القيود، وتنفض عنها مواضعات عالم الاستعمار القديم، بل وتقود معركة التحريض الدولية على التخلص منه، وتمد يدها بالعون والمساندة والتأييد لكلّ من يريد أن يطيح به. وتتطلَّع بثقة وعزم إلى مستقبل بدا، وقتها، مفعماً بالأمل الوضيء وقابلاً للتحقق. وعندما يتم التأريخ الحقيقي لتلك المرحلة الهامة في الثقافة العربيّة سندرك حقّاً كم كان تأثير هذا الشاب الهادئ المفعم بالثورة والحياة، والذي لم يعرف دعة الاستقرار الخامل أو الهدوء السقيم، على المشهد الثقافي المصري والعربي برمته.

فلم يتعامل غالب هلسا، من البداية، مع القاهرة كمدينة جاء للدراسة فيها، وإنما كمدينة جاء للحياة فيها كمواطن عربي، يتبنى همومها، وينشغل بهاجس الثورة والتقدم فيها، وينداح في مسارب تيارات ثقافتها التحتية، يتشرب عبيرها، ويستوعب إيقاعاتها حتى أصبح من العسير علينا تصنيفه في زمن التشتت والفرقة والتجزئة هذا. فإذا كان غالب هلسا أردني المولد، فإنه مصري التكوين والثقافة والإسهام الأدبي، كما يشهد، على ذلك، عالمه الروائي والقصصي الذي انفتح على الفضاء العربي الرحب، ولكن ظلّ نبضه مصرياً حتى النخاع، وظلّت ملامح القاهرة منطبعة على تكوين شخصياته وعلى تضاريس أمكنته وعلى خرائط تواريخه. فالصوت القصصي الأساسي والمسيطر على كلّ صغيرة، وكبيرة في عالمه، بل والمحدد لمنظور الرؤية الذي يشمل كلّ التفاصيل هو صوت طالع من قلب تلك المدينة التي اختارها، لأنه يعرف حقيقة دورها وقدرها معاً. هذا الصوت القاهري الذي لا يقل قاهرية عن صوت نجيب محفوظ ابن القاهرة ومؤرِّخها الروائي، ظلّ منطبعاً على كلّ شخصيات عالمه القصصي، حتى تلك الوافدة إليها من خارجها كما هو الحال مع غالب نفسه. تعذبها مسألة الشد والجذب بين قاهرة الحلم والثورة والماضي الجميل، وقاهرة التناقضات الغريبة التي دفعت شاعراً ستينيا آخر، هو الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور الذي اغتالته مواضعات الهزيمة، وقهر الهوان إلى تجسيد هذا كلّه في تغنيه بها:

لقاك يا مدينتي حجي ومبكايا

لقاك يا مدينتي أسايا

وحين رأيت من خلال ظلمة المطار

نورك يا مدينتي، عرفت أنني غللت

إلى الشوارع المسفلتة

إلى الميادين التي تموت في وقدتها خضرة أيامي

أهواك يا مدينتي

أهواك رغم أنني أُنكرتُ في رحابك

وأن طيري الأليف طار عني

وأنني أعود لا مأوى ولا ملتجأ

أعود كي أشرد في أبوابك

أعود كي أشرب من عذابك.

لكن غالب هلسا الذي طرده عسس الغدر والخيانة عن القاهرة التي أحبها، وخلّد الكثير من لحظاتها وتضاريسها وهواجسها في العالم الثري الذي تخلقت ملامحه على مدى سبع روايات، ومجموعتين من القصص القصيرة، لم تخلُ أحدها من عبق أيامها، لم يستطع أن يعود إلى قاهرته التي عشقها، ولو كي يشرد في أبوابها، أو حتى ليشرب من عذابها؛ لأن مواضعات الفرقة والتجزئة فرضت عليه أن يحمل جوازاً لم يختره، وأن يُستخدم هذا الجواز العربي لمرارة المفارقة ضده، فيعود إليها الخونة والأعداء؛ بينما تصدّ عن أبوابها عشاقها الحقيقيين. 

فقد كان غالب هلسا، عند لقائي الأخير به في ملتقى القصّة الخليجي، في الكويت، عام 1988، وقبل عام من رحيله، مشتاقاً إلى العودة إلى قاهرته، مليئاً بذكرياته الحلوة فيها، وبإحساسه بالتحقق في قلب حركتها الأدبية. كان لقاؤنا هذا بعد غياب سنوات من التشريد فرّقت أبناء رحلة العمر والتجربة الواحدة، حيث كان التشتيت واحداً من سبل الإجهاز العديدة على قوة هذا الجيل، والعصف بفعاليته في زمن التراجع والتردي. ولم أكن أعرف أن هذا اللقاء الذي دام لأسبوع من السهر المستمر، هو لقاؤنا الأخير، وأنني سأجلس، هنا، في مدينة غريبة أخرى أتلقى فيها نبأ موته، وأذرف مع الدمع كلمات الرثاء حزناً عليه؛ لأن في أعناقنا جميعاً، هؤلاء الذين عرفوا غالب عن قرب، ديناً للذين لم يسعدهم الحظ بمعرفته. فمن واجبنا أن نتيح للذين وفدوا إلى ساحة الكتابة، ودخلوا خريطة الحياة الأدبية في القاهرة بعد غيابه عنها أن نحفر في ذاكرتهم صورة لهذا الكاتب الكبير الذي عشق تلك المدينة، وجعلها حياته بالرغم من كل الصعاب، والذي تفوق مشاركته في صياغة عقلها الحقيقي إسهام الكثيرين. 

ولقد عرفت غالب هلسا منذ مطلع الستينيات، وعشت معه كل سنواتها العامرة بما في ذلك تجربة سجنه الأولى بالقاهرة في العام 1966، وقرأت كلّ ما كتب في القاهرة، وكثير مما نشره بعد خروجه من القاهرة، كان قد كتبه فيها ومعظم ما كتبه بعد ذلك، وتابعتُ عن كثب أخباره برغم أن السنوات الأخيرة قد فرقت بيننا. ولهذا سأكتفي هنا بتقديم صورة سريعة لغالب حتى يعرفه القرّاء الذين لم تتح لهم الظروف الاقتراب منه، وحتى يدركوا فداحة الخسارة: خسارتنا جميعاً.

ولد غالب هلسا في مدينة مأدبا في الأردن، عام 1932، وتوفي في دمشق في 18 ديسمبر/كانون الأول 1989، وبين التاريخين عاش غالب واحدة من أكثر الحيوات خصوبة واشتباكاً بتاريخ المنطقة الفكري والأدبي. فقد قرر، من البداية، وهو لا يزال طالباً في مدرسة المطران الثانوية في عمّان، ألا يكتفي بالمشاهدة كما يفعل الكثيرون، وعمد إلى المشاركة الفعّالة التي أوقعته في براثن الملاحقة والسجن. ففرّ إلى العراق، لكن اتصاله هناك بثواره ما لبث أن أوقعه في نفس الأنشوطة، فرحل إلى بيروت ثم إلى القاهرة التي أكمل فيها دراسته الجامعية، وتخرج من قسم الصحافة بالجامعة الأميركية فيها، ثم عمل في عدد من وكالات الأنباء. وعندما عرفته، عام 1962، في ندوة الناقد الكبير أنور المعداوي بالدقي، كان يعمل في وكالة أنباء الصين الشعبية، وحتى صاحب الندوة هذا الأبيّ الجسور الذي ترفّع عن الصغائر، واحتمى وراء كبريائه سرعان ما خطفته يد الموت. 

أما نجوم تلك الندوة، من أبناء جيلنا، الذين ملأوا سماء الستينيات بالرؤى الجديدة، والكتابات الجسورة المغيرة، فما أن جاءت السبعينيات حتى انفض شملهم بعد أن عصفت بهم ضرباتها القاصمة: محي الدين محمد كان أول من خاض تجربة المنفى الاختياري الكامل، وكفَّ كلية عن الكتابة، وعبدالجليل حسن مضى هو الآخر بعد أن انقطع كلية عن المشاركة في ساحة الثقافة منذ ضربة السبعينيات، وأمل دنقل سقط تحت كلاكل المرض القاصمة، وكذلك صلاح عبدالصبور الذي كان يأتي لِماما، أما أبوالمعاطي أبو النجا، ومحمد عفيفي مطر فقد لجآ لحضن المنفى العربي، بينما سافر بهاء طاهر، وصبحي شفيق لمنفى أوروبي، وبقي سليمان فياض، وعبدالمحسن بدر، ونفر قليل معهم يخوضون حرباً جسورة بعد أن انفض الجمع.

كنا نلتقي، مساء الخميس، في ندوة المعداوي في الدقي، ويتردّد عدد منّا في ضحى الجمعة على ندوة نجيب محفوظ، ونجتمع في أوقات الظهر الحارة في فيء مقهى إيزافيتش، نسد الأود بسندويتشات فوله الشهيرة، ونواصل الجدل حول الحلم بمستقبل أفضل، وحول أوفق السبل لتحقيق هذا الحلم القريب العصي. وتلتقي كلماتنا واجتهاداتنا جميعاً لبلورة رؤى جديدة في الفكر والأدب، على السواء، على صفحات مجلة (الآداب)، وعلى صفحات (المجلة) التي كان يرأس تحريرها يحيى حقي، ويشارك فيها أنور المعداوي نفسه، وفي صفحة (المساء) الثقافية التي كان يشرف عليها عبدالفتاح الجمل، ويحيلها بحساسيته المرهفة إلى ساحة تعجّ بالحياة والإبداع. 

وكان غالب من أكثرنا تفرداً، ليس، فقط، لأنه كان يجيد الإنجليزية، ويقرأ بها، في وقت لم تتح فيه تلك الإجادة لعدد كبير منا، ولا لأن قراءته المستمرة فيها أتاحت له أن يقدِّم عدداً متميّزاً من الكتب والدراسات، ولكن – أيضاً – لأنه كان قد خاض منذ بواكير حياته تجربة سياسية غنية، وعاش بسبب هذه التجربة كثيراً من الأفكار والحيوات التي كانت لا تزال مجرَّد تصوّرات نظرية بالنسبة للكثيرين منّا؛ لذلك عندما نشر دراسته الهامة «الثورة والأنموذج»، في عددين من مجلة (الآداب)، كانت تلك الدراسة بمثابة البيان الفكري لهذا الجيل، الذي كان في تبنيه لفكر الثورة القومية العربيّة الاشتراكية أكثر وعياً من الداعين لها والمستفيدين من مدّها، وأكثر قدرة على رؤية مهاوي التجربة الناصرية وسلبياتها، وأشدّ حرصاً على إيجابياتها. 

فقد كانت تلك الدراسة، بل وكثير من الكتابات التي نشرها هذا الجيل في (الآداب)، وفي (المجلة) من نوع رؤى زرقاء اليمامة التحذيرية التي بكى الراحل أمل دنقل، بين يديها، حينما تحقَّقت أبشع نبوءاتها، وفات أوان التحذير. وقد أحسّ بعض أبناء هذا الجيل باقتراب الخطر، وارتفعت صرخاتهم التحذيرية حادة، في بعض الوقت، حتى أقلقت حدّتها حادي الثورة نفسها. ووجدنا أنفسنا جميعاً، في صبيحة يوم خريفي من العام 1966، في سجن القلعة، وكان معنا غالب هلسا. لم يسأله أحد عن جواز سفره في تلك الأيام، ولا فكّر النظام الناصري في أنه ليس مصرياً، ولا حاول غالب هلسا نفسه أن يستغل هذا التميز ليخرج وحده من السجن، وأن يغادر بسبب هذا التميز مصر، وإنما فضّل أن يُسجن في مصر مع رفاق الحلم الواحد والمسيرة المشتركة، وأن يتحمل بنبل وشجاعة مرارة التجربة، في الوقت الذي آثر فيه بعض «المصريين»، الذين يتمتعون بصفحات أكبر صحفها، الآن، خيانة الفكر والرفقة والمبدأ، وواصلوا بعدها حتى خيانة الوطن ذاته، ومع ذلك عاد أمثال هؤلاء الخونة إلى مصر لا لسبب إلا لأنهم يحملون جواز سفر يتنكر لهم، وينكرهم لو نطق، بينما امتنعت القاهرة على غالب حتى في أيامه الأخيرة، أليست هذه من آيات الزمن الرديء الذي لم يحتمله قلب هذا المناضل الكبير، فكفّ ذات صباح دمشقي كئيب عن الخفقان.

فقد كان غالب هلسا يؤمن بأنه جزء من الحركة الثقافية العربيّة في مصر، ومن هنا فإن المشاركة في قلب قضاياها والنزول إلى خضم معاركها أمر طبيعي بالنسبة له. وهذا هو ما فعله في العراق الذي قضى فيه عدة أعوام بعدما طُرد من القاهرة في سبتمبر/أيلول 1976، وفي بيروت التي ذهب إليها بعدما ترك العراق، وفي قلب المعركة الفلسطينية التي انخرط فيها منذ أن أُجبر على مغادرة القاهرة عنوة، واُستخدم الجواز ضده تعلّة لعقابه الأفدح بالطرد من الوطن الذي تبنّى معاركه وقضاياه، لكن مشاركة غالب هلسا لم تكن مشاركة مناضل سياسي فحسب، وإنما مشاركة كاتب ومفكّر ومثقَّف بالدرجة الأولى، خاض منذ بدايات حياته الأدبية معركة لا تقل أهمِّية عن الكثير من المعارك السياسية التي انخرط فيها، بل وتتسق كلية معها، لأن إيمانه بطهارة الكتابة لا يقل عن طهرانيته الثورية نقاء وأصالة، وهي معركة تغيير الكتابة العربيّة، وإرساء جماليات أدبية جديدة. فقد كانت مواهب غالب الأدبية المتعدّدة في الكتابة النقدية والقصصية والروائية تتجه كلّها نحو عملية تغيير الحساسية الأدبية، وتغيير مفهوم هذا الجيل لجماليات الإبداع. وعندما ظهرت مجموعة غالب القصصية الأولى (وديع والقديسة ميلادة وآخرون)، عام 1986، تجلّت فيها بوضوح ملامح تلك الحساسية الجديدة. 

ومنذ صفحاتها الأولى، أثارت المجموعة قضية التعبير الأدبي، وقدَّمت حلولاً جديدة، غيّرت طبيعة الخطاب القصصي ذاته، من خلال منهج تعبيري يكتسب قيمته وأهمِّيته إذا ما تمت موضعته في السياق القصصي الأدبي الذي ظهر فيه. فقد كانت القصّة العربيّة في مصر، وفي غير مصر قد وقعت في براثن منهج تعبيري يعتمد على السرد، وينحو إلى تقديم الخلاصات الوعظية للأحداث، دون تجسيدها في حضور قادر على منح مختلف الجزئيات فيضاً من الدلالات والإيحاءات. وكان الحديث عن الشخصية؛ أخلاقها، وطباعها، وصفاتها هو المنهج الأثير في تناولها، دون الكشف عن حقيقتها عبر المواقف والأحداث، وبعيداً عن الاستقصاءات والتهويمات الاستنتاجية. ومن هنا انصب اهتمام معظم كتَّاب القصّة حتى ذلك الوقت على اعتصار مغزى التجربة التي يعبّرون عنها، لا على تقديم تلك التجربة في حضورها الطاغي المؤثّر، أو تجسيد قدرتها على الإفضاء بما تريد أن تقدمه دون تدخل من الكاتب أو تعليق منه. وقد ساهم هذا المنهج التعبيري الخاطئ في حشو القصّة بفيض من التأمُّلات والاسترسالات أو التحليلات النثرية السقيمة حول أسباب الأحداث ودوافع الشخصيات.

من الضيق بآليات هذا المنهج القديم في صياغة البنية القصصية، انطلقت تجربة غالب هلسا الجديدة في مجموعته الأولى، لتؤسس عدداً من القواعد المغايرة للكتابة، في محاولة واعية منه لتحرير القصّة المصرية من عثراتها المزمنة، حتى تتمكن من التحليق في آفاق الفنّ الرحيبة. كان غالب هلسا، الناقد الحساس للأعمال الأدبية، قد نبّه في كثير من مقالاته اللامعة في (الآداب) إلى أهمِّية التخلص من كلّ تلك الأساليب القصصية القديمة، وجاء مع مجموعته الجديدة أوان تقديم النموذج الناصع للأساليب الجديدة التي اعتمد منهج غالب فيها على الاهتمام بالخط المباشر بين العين والموضوع، وبين الموضوع والقارئ، حيث يصبح دور الفنَّان هو دور العين الحساسة الفاهمة الذكية التي تسجل ما تراه، دون أن تُجمّله أو تشوهه، دون أن تضيف إليه من حضورها الثقيل، أو أن تتكهّن بما في داخله، وإنما تقدّمه وحده من خلال أكثر زواياه قدرة على الإفصاح، وأقدرها على أن تضيء في أعماق القارئ إمكانية اكتشاف نفسه وواقعه بصورة أعمق. 

فالخارج في أسلوب غالب هلسا التعبيري هو المفتاح الوحيد للداخل، وهو أوفق الأساليب في الوصول إلى جوهره بعيداً عن التكهنات الضحلة أو الأحاسيس المبهمة. هذا الأسلوب الفنّي هو الذي قدّمت مجموعة غالب الأولى (وديع والقديسة ميلادة وآخرون) ملامحه باقتدار ومهارة، منذ فترة باكرة في تاريخ هذا المنهج الجديد في القصّ. فبالرغم من تأخر صدور هذه المجموعة حتى عام 1968، فإن أحدث قصصها كُتبت عام 1962، وبعضها يرجع إلى العام 1956. وقد أدّى تأخر نشر هذه القصص في مجموعة، إلى ظهور مجموعات قبلها تتضمن قصصاً عديدة، تعتنق هذا المنهج التعبيري في القصّ، وإن كان معظمها قد تأثَّر بشكل أو بآخر بأعمال غالب هلسا وبأفكاره.

وبالإضافة إلى هذا المنهج التعبيري الذي نجد تجلياته في كثير من كتابات أبناء هذا الجيل اللامعة وخاصّة لدى سليمان فياض، وبهاء طاهر، وإبراهيم أصلان، ومحمد البساطي، فإن مجموعة غالب الأولى تلك طرحت منهجاً آخر سرعان ما أثرى القصّة المصرية والعربيّة من بعدها، وهو اللجوء إلى الموروث الشعبي كوسيلة للتعبير عن الشخصيات الأمية. فالقصص الثلاث التي تتناول موضوع المثقَّف المغترب في هذه المجموعة وهي (عيد ميلاد) و(الغريب) و(العودة) لم تستعمل الموروث الشعبي، ولا حتى حومت بالقرب منه. أمّا القصتان اللتان تتحدَّثان عن عالم القرية، وعما يدور فيه، وهما: (البشعة) و(وديع والقديسة ميلادة وآخرون) فقد لجأتا إلى استخدام الشعائر الشعبية للتعبير عمّا يدور في أعماق الشخصية، وصياغة ملامح موقفها المتميّز من العالم. فالموروث الشعبي ليس مجرَّد الشكل الخارجي للشعائر الاجتماعية، ولكنه بالدرجة الأولى محتواها، والمبلور لرؤية ممارسيها ولموقفهم من العالم. 

إنه المخزون الثقافي المتوارث ببساطة وبلا كهنوت عبر الأجيال. فالشعائر العديدة التي تضعها الموروثات الشعبية للكثير من المواقف الاجتماعية والتي يتغلغل معظمها في الوجدان القومي إلى مسافات سحيقة تمتد لعشرات القرون، هي صياغة شفرية لمجموعة من الرؤى والقيم القادرة على بلورة ملامح الشخصية الإنسانية في العمل الفنّي. فهي لا تمنح الشخصية مذاقها الفريد وأصالتها، ولا تمدّ جذورها بعمق في تربة الواقع فحسب، ولكنها تصوغ معها الكثير من التفاصيل الدقيقة الراسمة للوحة المجتمعية العريضة، والناقلة لشتى مكونات الوجدان الاجتماعي ومعتقداته. 

وقد استطاع غالب هلسا منذ مجموعته الأولى تلك أن يستخدم الموروث الشعبي باعتباره مجموعة من الأنساق الشفرية التي تتخلق عبرها لغة بالغة الثراء، يستطيع النصّ القصصي استخدامها ببراعة. ولا يتعارض اللجوء إلى هذه الشفرة الثرية مع منهج غالب هلسا الأثير في التعبير القصصي، لأن أغلب الموروثات الشعبية أشياء متجسّدة، وليست مجرَّدة، أفعال وأشكال إجرائية لا ذهنية، وهي مصاغة من الصور الأقرب إلى الطبيعة الشعرية، منها إلى النثر العادي. وقد وضع غالب هلسا يده على مفاتيح التعامل القصصي مع هذا المخزون المعرفي الهام، مما فتح الباب أمام استقصاءات بارعة في هذا المجال في أعمال عدد كبير من كتاب الستينيات مثل: سليمان فياض، ويحيى الطاهر عبدالله، وعبدالحكيم قاسم، ومحمد البساطي، ومحمد مستجاب وغيرهم.

وعلاوة على هاتين الإضافتين طرحت مجموعة غالب الأولى تلك قضية هامة أخرى، لا شكّ في أهمِّيتها البالغة في تشكيل ملامح الحساسية الأدبية الجديدة، وهي قضية الإيقاع. فقد كشفت قصص هذه المجموعة عن أن إيقاع القصّ هو العنصر الفاعل في تخليق العلاقات التحتية في النصّ القصصي والقادرة على بلورة بنية قصصية مُحكمة. ولذلك اهتمت مجموعة غالب بالإيقاع، وبكلّ العناصر المشاركة في صياغته، من طريقة تركيب الجملة، واختيار الألفاظ ذات الجرس الموحي، والاهتمام بوصف الطبيعة، وهو شيء غير التسخير الساذج لها بالصورة التي أصبح فيها هذا الوصف مقتضباً، وفي صلب الموضوع. ويمكن أن يتضح هذا الإيقاع الذي يهتمّ الكاتب بإبرازه منذ السطور الأولى في أي قصّة من قصصها. فلو أخذنا، مثلاً، قصّة «البشَعَة»، والتي أصبحت من كلاسيكيات القصّة العربيّة القصيرة، سنجد أن سطورها الأولى تخلق ملامح الإيقاع الذي تتماسك به بنية العمل كله. إذ نقرأ :

«أخذت الدار تعتم شيئاً فشيئاً. وتسللت الظلمة من مخازن الحبوب والتبن القصية، ثم تمدّدت على السقف. من كوة في الجدار الغربي كان يمتد حبل من الضوء، ويستقر على ظهر أحد الجالسين مكوناً دائرة مرتعشة، في داخله تتراقص آلاف الذرات. وأصوات الرجال تتزاحم في غمرة من الجُمل القصيرة السريعة. انزلق قرص الشمس وراء التلال، ولم يبقَ منه إلّا جزء صغير ضاحك، ثم سقط، فجأة، وأخذت السماء تفقد زرقتها اللامعة المخلخلة. تكوّنت غيوم وردية جعلت السماء شديدة الاتساع، ثم بدت نجمة الغروب شاحبة مرتجفة. ومن الشرق، من جوف الانحدار الصحراوي، أخذ ظلام رمادي يزحف نحو القرية. انفتح حبل النور الممتد من الكوة، وسقط الظلام على الدار مصمتاً ثقيلاً. ومع انبعاث النور من المصباح المغبش، انتهت تلك الطقوس التي ترافق انقضاء النهار».

في هذه البداية القصصية الجميلة التي توشك أن تكون لوحة متحركة، لا يحدد غالب هلسا طبيعة العالم الذي يتناوله، أو الموضوع الذي يعالجه فحسب، وإنما يرينا، ولا يخبرنا، العالم في تألّقه، ونصاعته، وقد شفّ عن الكثير من المعاني والدلالات الموحية. وأصبح الإيقاع هنا، هذا الإيقاع البطيء الواثق العادي الذي يصوغ قوانينه، هو الخيط الذي يُسلك الكاتب فيه كلّ الجزئيات، ويحمل تنويعات اللون والظلمة، بمجموعة من الرؤى والمعاني التي تتكشف عنها القصّة بالتدريج.

وقد ترسَّخت ملامح هذا المنهج المتميّز في الكتابة القصصية في روايته الأولى (الضحك) في العام 1970، ومجموعته الثانية (زنوج وبدو وفلاحون) في العام 1972، ثم تتابعت، بعد ذلك، رواياته (الخماسين) في العام 1975، و(السؤال) في العام 1979، و(البكاء على الأطلال) في العام 1980، و(ثلاثة وجوه لبغداد) في العام 1984، و(سلطانة) في العام 1987، و(الروائيون) في العام 1988. وباستثناء (سلطانة) التي تنتج من ذاكرة الطفولة في الأردن، وإلى حد ما (ثلاثة وجوه لبغداد) التي يمكن اعتبارها جزءاً من تجربة أدب الخروج المصري الذي يتعامل مع تجربة المصري في المنافي العربيّة، كتب غالب بقية أعماله الأخرى في مصر، وعن مصر، فأصبحت جزءاً من تجربة الكتابة العربيّة الجديدة في مصر، برغم بعده القسري عنها. فعالم غالب هلسا القصصي ينحت قسماته من أديم الواقع المصري، ويسجل بعداً هاماً في التجربة المصرية في الستينيات، قَلَّ أن نجد له نظيراً في أي من الأعمال التي كتبها أبناء جيله.

ففي أعمال غالب القصصية التسعة، يؤسّس هذا الكاتب الكبير ملامح تلك الحساسية الجديدة التي تعيد رسم قسمات العلاقة بين النصّ والواقع على أساس جديد. لا ينهض على المحاكاة المبتذلة للواقع، ولا على النقل عنه، وإنما يعمد إلى إعادة خلق علاقاته، وجوهر تركيبته الاجتماعية والفكرية، وإخضاع هذا كله لأيديولوجية النصّ التي تتسلل في كلّ ثناياه، كاشفة من خلال التجاور بين التفاصيل والجزئيات عن حقيقة البنية الأساسية فيه، ومقدمة من خلال تقنية النصّ، وتشابك العلاقات بين الأحداث والشخصيات، نصّاً مُضمراً، يتميّز بالثراء الدلالي والاستعاري، بينما يبدو وكأن النصّ السطحي يتسم بمضاهاة الواقع، ويعكس شتى تفاصيله. 

هذا الالتباس بين التوازي والمضاهاة نابع من استخدام غالب الحاذق للزمن في النصّ القصصي، فالكتابة عنده ليست كتابة للزمن، ولكنها كتابة في الزمن، والحدث عنده لا يستهدف استحضار الحدث على الورق، وإنما كتابته أثناء حدوثه، بالصورة التي تصبح الكتابة معها حدثاً وفعلاً، لا تسجيلاً لهما. من خلال هذا الحضور الحاد يطرح غالب الكتابة في وجه الموت، وفي وجه القمع، وفي وجه السُّلطة الغاشمة؛ لأن غالب مشغول، منذ اللحظة الأولى، وعلى مدّ آلاف الصفحات التي كتبها، بالعلاقة بين المثقَّف والسُلطة من ناحية، وبين المثقَّف والناس من ناحية ثانية، وبين المثقَّف وهموم الكتابة من ناحية ثالثة. 

هذه المحاور الثلاثة هي التي استأثرت بالاهتمام الرئيسي في عالمه الأدبي، وهي التي جعلت إنتاجه شهادة على مرحلة خصبة في الثقافة العربيّة برمتها، مرحلة تبلور آليات الحساسية الجديدة، لتعميق أواصر العلاقة بين المثقَّف والناس من ناحية، ولطرح الطهارة الثقافية، وأخلاقية الكتابة، وشرف الممارسة في وجه السلطة من ناحية أخرى. فالحساسية الجديدة في الكتابة ليست لها جمالياتها الجديدة، فحسب، ولكنها تنطوي في داخل بنية نصوصها ذاتها على أخلاقياتها الجديدة، كذلك، التي لا تتسامح مع ابتذال الكتابة، ولا تتهاون مع صلابتها البنائية والدلالية على السواء. ومن هنا، حملت كتابات غالب هلسا من الحسّ بالمسؤولية الثورية، ما حملته ممارساته النضالية التي سعَت إلى أن تُرسخ مكانة المثقَّف، وأن تعيد للناس ثقتهم فيه، في زمن تكاثر فيه الزيف، واختلط فيه الحابل بالنابل.

غالب هلسا.. الكتابة بالحُلم

مِنَ الحُلم جاءَ غالب هلسا إلى الكتابة، التي انجذبَ، مُنذ الطفولة، إلى أسرارها. ما دوّنَهُ في هذا الانجذاب الطفوليّ الأوّل، الذي يَحتفظُ، دوماً، بغُموضه في حياةِ كلّ كاتب، كان مُستمَدّاً مِمّا رآه في الحُلم قبْل أنْ يَمزجَهُ، في البدْء، برَغبات الطفولة، وبما أمْلتْهُ، في وقت لاحق، مَرجعيّاتُه ومُنطلقاتُهُ الفكريّة ومُيولاتهُ السياسيّة، التي جعَلت الحُلمَ يَكبرُ ويتشعّبُ، ويأخذُ بُعدَه المعرفيّ والفكريّ والإبداعيّ، ويتلوّنُ بملامح تفاعُله مع تعقيدات الحياة، كما جعلتْ هذا الحُلمَ يُضمرُ خيْباته باعتبارها جُزءاً مِن الحياة العربيّة التي انخرطَ غالب هلسا في قضاياها المصيريّة؛ نضالاً وكتابةً، مُنذ خمسينيّات القرن الماضي إلى نهاية الثمانينيّات التي فيها كانت وفاته. 

لقد ظلّ الحُلم، حتّى وهو يَبتعدُ عن صُورته الطفوليّة الأولى التي قادَت غالب هلسا إلى الكتابة، نواةً صُلبةً في كلِّ أعماله، وفي تصوّره، بوَجه عامّ، للكتابة بوَصفها مُقاوَمةً مِن أجْل الحُلم. لذلك تنطوي صلةُ الكتابة بالحُلم، في مُمارَسة غالب هلسا الأولى للكتابة، على قوّتها التأويليّة، وعلى ما تُهيّئهُ مِن مُصاحبَةٍ لحُلمِ الكتابة، وهو يَتشكّلُ لديه ويَنمو ويتشعّبُ وَفق الأسُس الفكريّة والنقديّة والإبداعيّة والسياسيّة التي صارَت الرّوافدَ الرئيسَة لتجربةِ غالب هلسا الكتابيّة.

في النصّ الأوّل المُعنوَن «الزير سالم»، من كِتاب «أُدباء علّموني.. أُدباء عرفتهم» لغالب هلسا المنشور بَعد مَوته، بمُبادرة مِن ناهض حتر الذي جمعَ الكتابَ وحقّقه، يقول غالب هلسا وهو يُشدِّدُ على مَصدر الانبثاق الأوّل للكتابة: «بدأتُ مُمارَسة الكتابة وأنا صغيرٌ جدّاً. لا أذكرُ السّنّ بالتحديد، قد تكونُ العاشرة. كنتُ أستيقظُ مُبكّراً جدّاً، قبْل استيقاظ التلاميذ في المَدرسة الداخليّة، وأجلسُ لأكتُبَ أحلامي. كانَت أحلاماً جَميلة، ولكنّني وأنا في داخلها، كنتُ أعرفُ أنّني أحلمُ». لم تكُن الكتابةُ في انبثاقها الأوّل، وهي تتّخذُ مِن الحُلم مادّةً لها، سوى تمديدٍ له، لأنّ غالب هلسا الطّفل لم يكُن يَفصلُ الكتابةَ عن الحُلم الذي قادَهُ إليها. إنّه أمرٌ شديدُ الدّلالة أنْ تتحقّقَ الكتابة، مُنذ صُورَتها الأولى في مُمارَسة هذا الكاتب، مِن قلب التداخُل بين الرّؤى والحُروف، وأن تعملَ، في هذا التحقّق، على توسيع الحُلم، الذي غدا لهُ، لاحقاً، معنى آخَر بَعد أنْ صارَ ما يُشكّلهُ مُستمَدّاً، لدى غالب هلسا، مِن الوقائع الملموسة والصراعات المُعقّدة، ومِن انشغال وُجوديّ بالتغيير وبالتصدّي لِما يَعوقُ الحياة الحُرّة. لقد كان الحُلمُ، وهو ينفصلُ عن مَصدره الأوّل، يتلوّنُ بمُوَجِّهات كتابات غالب هلسا وبنضاله من أجل القضيّة الفلسطينيّة التي جعلها أسَّ هذا الحُلم ومدارَه. إنّ ما لهُ اعتبار، في الإمكان القرائيّ الذي تُهيّئُهُ الطفولةُ لتأويل تشعُّبات المَسار الذي شهدَتهُ حياةُ غالب هلسا، هو أنّ الوَشيجة التي تحقّقَت، في البدْء، بين الحُلم والكتابة بنَتْ، بمَعنى ما، جانباً مِنْ تصوّره للكتابة التي مارَسَها، في مُختلف أطوار هذا المَسار، بوَصفها حُلماً وبناءً لحُلمٍ في الآن ذاته، ما جعلَ الحُلمَ، وهو يَتمدَّدُ في الكتابة وبها، يَتوسَّعُ مُنفصِلاً عن صُورته الأولى، ومُتعدِّداً، في الآن ذاته، مِن حيث دلالته.

لم يكُن تَمكينُ الحُلم مِن الامتداد، عبْر ما تُتيحُهُ الكتابةُ، مُنفصلاً عن الوَجه الآخَر للحُلم، أي عن الخيال، الذي هيّأتْهُ القراءةُ لغالب هلسا في سنّ مُبكّرة. لقد كان خيالُ القراءة في هذه السّنّ، وتشعّباتُ هذا الخيال اعتماداً على ما تُغذّيه الطفولةُ، لقاءً بين الكتابة والقراءة مِن مَوقعِ الحُلم، ذلك أنّ القراءةَ مكّنَتْ هي- أيضاً- مِنْ تمديدِ الحُلم، عبْر ما أتاحتْهُ لغالب هلسا الطفل مِن خيالٍ وتمثّلات واستيهامات. فرُؤى المنام، التي تسلّلَت إلى الكتابة الأولى وشكّلَتْ بَذرةَ مُمارَستِها عند غالب هلسا، تشابَكت مع شُخوص مقروءاته الأولى، التي انفتحَ فيها، مِن بَين ما انفتحَ عليه في الوقت ذاته الذي انجذبَ فيه إلى الكتابة، على روايات الكاتب الفرنسيّ «موريس لوبلان – Maurice leblanc» مُبدع شخصيّة «أرسين لوبين – Arsène lupin»، وعلى روايات «روبير لويس ستيفنسن»، وحكايات «ألف ليلة وليلة». هكذا اضطلعَت القراءةُ، التي باشرَها غالب هلسا هي- أيضاً- في سنّ مُبكرة، بتأمين امتدادِ الحُلم وَفق ما تَهَبُهُ القراءةُ في الطفولة مِن أخْيلةٍ شبيهةٍ بما يَحصلُ في المنام، ووفق ما يُتيحُهُ هذا المقروءُ القائمُ أساساً على الخيال والإمكان والاحتمال. ثمّة في لقاء غالب هلسا الأوّل مع الكتابة والقراءة، تشابكٌ دالٌّ بين الحُلم والخَيال، على نحو مكّنَهُ فيما بَعد مِن تحصين رُؤيته للواقع مِن كلِّ تضييق، بل إنّ التشعّبَ الذي شهدَهُ هذا التشابُك مُضيءٌ لقُدرةِ غالب هلسا على الجَمْع بين النضال والكتابة دون أن يُحوِّلَ الثانية إلى مُجرّد أداة، إذ ظلّ، في الغالب العامّ، يُحصِّنها بمُتطلّباتها المعرفيّة، وبما يَستلزمهُ سُؤالُ الشّكل فيها من أساس نظريّ، وبما يَحتاجهُ النقد الذي يُغذّيها مِنْ خلفيّة فكريّة؛ فليس سَهلاً، من الناحية المعرفيّة والإبداعيّة، على أيِّ كاتب أنْ يُؤاخي بين النضال والكتابة ويؤالفَ بينهما، دون أن تتحوّلَ الثانية، في مُنجزه، إلى مُجرّد أداة. 

إنّ ملامحَ التكوين الثقافيّ الأوّل في طفولة غالب هلسا يَسمحُ باستثمار أمرَيْن في تأويل مَساره؛ وهو نفسه كان يُولي طفولةَ الكتّاب أهمّية في القراءات التي أنجزَها عن بَعضهم، ويُولي- أيضاً- طفولتَهُ الشخصيّة اهتماماً بالغاً انطلاقاً مِنْ حرصه على استحضارها في تأمّلاته وفي رواياته. أوّل هذيْن الأمرَيْن، المَجيء إلى الكتابة من الحُلم، أي المَجيء إليها من منطقة لا حَدَّ لاتّساعها، على نحو منذور لأنْ يَجعلَ مَنْ كانَ الحُلمُ نواةَ كتابته طَموحاً ومُتطلِّباً، ويجعلَ، في الآن ذاته، علاقتَهُ بالواقع دائمةَ التوتّر والمُساءلة، ومحكومة، في الآن ذاته، بالرّغبة في الاستشراف والتغيير، وهو ما انطوَت عليه، بوَجه عامّ، حياةُ غالب هلسا وكتاباتُه وسجالاته. ثاني الأمريْن، قراءةُ الخيال الإبداعيّ على أنّه واقعٌ حيّ والتفاعُل معه، في القراءة الطفوليّة، على أنّهُ فعـــلاً كذلك، وقد حكى غالب هلسا، لمّا استحضرَ قراءاتهِ الطفوليّة الأولى، في بداية كتابه «أُدباء علّموني.. أُدباء عرفتهم»، أنّهُ لمْ يَستَوعب إطلاقاً أن تكون شخصيّة «أرسين لوبين» خياليّة، بَعد أنْ تماهَى مع مُغامَراتها. لقد أتاحَت لهُ هذه القراءة الطفوليّة رُؤيةً حيَويّةً كان لها امتدادُها الخفيّ في مُقاربَته للأشياء، وهي الرؤية التي تحقّقَت له مِنْ طريقةِ فَهْمه الأوّل لسيرة «الزير سالم» ولحكايات «ألف ليلة وليلة»، إذ فهمَها انطلاقاً ممّا كان يَعيشهُ في حياته اليوميّة، أي انطلاقاً من واقعه؛ بما هيّأ لهُ التفاعُلَ مع الشخوص بانفصالٍ تامّ عن السياق التاريخيّ، على نحو لا يُمْكنُ إلّا أنْ يقودَ إلى خَلْطِ الأزمنة والأمكنة، ويَمنحَ الخيالَ اتساعاً يجعلُ التاريخَ حاضراً في اليَوميّ.

لعلَّ هذا التشبُّعَ الأوّل بالخيال، والتماهي معه على أنّه واقعٌ حيّ، هو ما احتفظَ بوَجه خاصّ لعلاقةِ الكتابة الإبداعيّة بمَوضوعاتها، في مسار غالب هلسا، بالانفتاح الذي أمّنَ للخيال حصّتَهُ في فهْم الواقع مِن أمكنة مُختلفة، وإلّا لِمَ انشدّ غالب هلسا إلى الكتابة الروائيّة؟. يقولُ عن قراءاته الطفوليّة التي كانت تتمُّ دُون التقيُّد بسياق الأحداث والوقائع: «رُبّما كانت تلك ميزةُ فُقدان السياق التاريخيّ؛ إذ يَنطلقُ الخيالُ دُون حُدود، ونعيش التاريخَ بكلّ تحيّزاته ومآسيه كأنّهُ تحقّقَ «الآن وهُنا»». لابدّ من التشديد على حيَويّة هذه الطريقة الأولى في اللقاء المُبكّر مع القراءة لدى كاتب صارَ السياق التاريخيّ، لاحقاً، مفهوماً مَركزيّاً في قراءاته ودراساته وتآويله، انسجاماً مع مرجعيته التي أمْلَت عليه أنْ يُوليَ اهتماماً منهجيّاً للسياق التاريخيّ والاجتماعيّ، وأن يستندَ إلى مفهوم الصراع الطبقيّ في تفسير الظواهر. لقد كانت القراءةُ من خارج السياق، التي ترتّبَت على خيال الطفولة وعلى نمط النصوص التي تَهيّأ للطفل الاطّلاع عليها، تحصيناً صامتاً للقراءات والدراسات اللاحقة، وهي تتّخذُ من السياق مفهوماً رَئيساً في التحليل والتأويل، مِن كلّ ضيق أو انغلاق. تحصينٌ يَصعبُ تحديدُ تجلّياته في كتابة غالب هلسا، غير أنّ قارئ أعماله باختلاف حُقولها المعرفيّة يلمسُ ظلالَ هذا التحصين سارياً في كتابةٍ لم تتخلّ عن إدماج السؤال في تآويلها وعن الاستناد إلى المعرفة، إدراكاً منها باتّساع الاحتمال وبنسبيّة الأشياء. وقد أشار غالب هلسا نفسهُ إلى أنّ التداخل بين الواقعيّ والخياليّ لازَمَ رُؤيتَهُ للوقائع والأحداث، إذ يقول في سياق حديثه، ضمن نصّ «الزير سالم»، عن هذا التداخل الذي تحقّقَ له في قراءته الطفوليّة: «مُنذ تلك اللحظة وحتّى الآن وأنا أعيش ذلك اللَّبْس بين الواقع وإمكاناته الخياليّة. الواقع يُخفي سرّاً على الدوام، وهو ما يَجعلهُ مُتأهِّباً، في كلّ لحظة، لأنْ يكشفَ عن عالمه السّريّ الغرائبيّ». 

كان الحُلمُ الذي قادَ غالب هلسا إلى الكتابة حيَويّاً، وهو يتغذّى في البَدء بالخيال القرائيّ، لكنّه لم يبْقَ حُلماً طفوليّاً، إذ أخذ، فيما بَعد، مَنحييْن مُتداخليْن. في المَنحى الأوّل، عملَ غالب هلسا على أنْ يجعلَ الحُلمَ خليقاً بالانتساب إلى الكتابة، وحَرصَ، في المَنحى الثاني، على أن يَستنبتَ الوشائجَ التي تَصِلُ الحُلمَ بالرّؤية التي تبنّاها، وَفق قناعاته الفكريّة والسياسيّة، في التحليل والمُساءلة والاستشراف. كان غالب هلسا واعياً أنّ الانتسابَ إلى الكتابة لا ينفصلُ إطلاقاً عن إدمان القراءة، لأنّ بها يتّسِعُ هذا الحُلمُ، وبها يُسائلُ دلالتَه ويُجدِّدُها على مُستوَييْن؛ مُستوى جعْل الحُلم في الكتابة ذا سَنَدٍ معرفيّ، أي مُرتبطاً بما أرْسَتْهُ الكتاباتُ التي راهنَتْ على الحُلم، ومُستوى بناءِ الحُلم اعتماداً على تحليل علميّ للواقع، وعلى مُساءلةٍ مُتجدّدة لسَيرورة الأحداث العالميّة والعربيّة. بشأن المُستوى الأوّل، مثلاً، يقولُ غالب هلسا في سياق حديثه عن تشعُّب عوالمِ حُلمه الأوّل الذي قادَه إلى الكتابة: «حين قرأتُ كافكا، فيما بَعد، انفجرَت عوالمُ الحُلم في داخلي، ولهذا كنتُ أفهمُ جيّداً عبارة ألبير كامو: «كافكا دائماً بإزائي». هكذا صارَ الحُلمُ في الكتابة، مثلما صارَت الكتابةُ بالحُلم، جُزءاً من حُلم أكبر؛ هو السَّعي إلى امتلاك تقنيات الكتابة الأدبيّة، والتمرُّس على عناصر بناء الشكل الكتابيّ، والتمكّن من الصّوغ الجَماليّ. وهو ما أدركهُ غالب هلسا، من داخل انشغاله بالقضايا الاجتماعيّة والسياسيّة، وحرَصَ على تعلّمه وتَطويره. تبدّى هذا الحرص من مقروئه، بوَجه عامّ، وهو ما صرّحَ به لمّا تساءلَ عن الغاية من حديثه عمّن علّمهُ مِنَ الأدباء الأجانب والعرب، إذ أجاب بما يُفيدُ وعيَهُ بمُتطلّبات الكتابة، وبمُتطلّبات الرُّؤية التي تَبْنيها الكتابة، قائلاً: «لقد علّموني كيف أرَى العالمَ مِنْ حولي بشكل جديد، وكيف أضَعهُ في سياق العمل الروائيّ، بمعنى أنّني لولاهم لمَا أصبحتُ كاتباً». بقراءة أعمال هؤلاء الأدباء، تحقّق حُلمُ الكتابة بَعد أنْ كانت الكتابة، في البَدء، مُحاولةً لتمديد حُلمِ المنام. فحُلمُ الكتابة تسنّى لغالب هلسا، كما يُصرِّحُ هو نفسهُ، في حديثه عن الأدباء الأجانب والعَرب في الكتاب المُشار إليه سابقاً، ممّا تعلّمَهُ من «هيمينغواي»، بشأن علاقة الأدب بالواقع، وبشأن مُتطلّبات البناء الروائيّ، وأهمّية تكثيف اللغة عبْر الإيجاز والتركيز، وممّا تعلّمَهُ مِن «دوس باسوس»، على مُستوى الشكل الكتابيّ، ومن «فوكنر» في استعادةِ الحياة الخاصّة، وإعادة صَوغ تجارب الطفولة. غير أنّ هذا المَنحى في الكتابة، الذي يفرضُ الالتزامَ بتقنيات بناء الشكل، لم يكُن ليُشفي، تماماً، حاجة غالب هلسا إلى تصريف مواقفه ورُؤاه المُستمدّة من نضاله العمليّ، ومن انخراطه في الثورة الفلسطينيّة. لذلك ظلّت كتاباتهُ السياسيّة والصحافيّة تُحقِّقُ لهُ ما لا يَتمُّ بالوَتيرة ذاتها في الكتابة الإبداعيّة، التي يَحتفظ زمنُها وعناصرُ بنائها على ما تختلفُ به هذه الكتابة عن المُتابَعة الصحافيّة والسياسيّة.

في كتابة غالب هلسا الصحافيّة والسياسيّة، تبدّى الحُلمُ بوصفه مُقاوَمةً على جبهات عديدة، وبوَصفه- أيضاً- استيعاباً للخَيبات والانكسارات. لعلّ ذلك ما يُستشفُّ من مقالاته عن القضية الفلسطينيّة التي كانت امتداداً لنضاله في المَيدان. مقالاتٌ كان ينشرُها في صُحف ومجلات مُختلفة، وهي التي جمعَ بعضَها- أيضاً- ناهض حتر، بَعد موت غالب هلسا، في كتاب اختارَ لهُ اسماً دالاًّ، استمدَّهُ من عُنوان إحدى المقالات التي سمّاها غالب هلسا «اختيار النهاية الحزينة»، وهو عنوانٌ يَعكسُ نهاية حُلم آمَنَ به. في هذا الكتاب، يَرتسمُ تصوّرُ غالب هلسا للقضية الفلسطينيّة ولتعقّداتها الداخليّة والخارجيّة، ويتكشّفُ وجهُ هلسا المناضل والسياسيّ والصحافيّ. فقد انبنَت مقالات الكتاب على نقد شديد للسياسة الفلسطينيّة، وفي ثنايا هذا النقد وتقويةً له، قاربَ هلسا مفهوم الثورة، والسلطة، والمُثقَّف، وشِبه المُثقَّف، والصراع الطبقيّ، وغيرها من المفاهيم التي كانت موضوع صراع زَمنئذ، كما كشفَ عن إيمانه بمُقاوَمة الكادحين، وبمُقاومة المُخيّمات، وبمُنظمة «فتح – الانتفاضة» التي انتمَى إليها، وراهنَ عليها قبل أنْ يُعلن مَوقفهُ ممّا سمّاهُ «نهايتها الحزينة».

وبالجُملة، لقد مارس غالب هلسا الكتابة، بوصفها مُقاومةً غيرَ منفصلةٍ عن حُلم شاسع، مِن مواقعَ مُختلفة، واحتفظ لتحقّقاتها، حتى في صُورتها الصحافيّة والسياسيّة، بسنَدها المعرفيّ والفكريّ. ذلك أنّ غالب هلسا لم يكُن يتردّد حتى في تناوُله لموضوعاته السياسيّة عن إدماج صَوت الفلسفة والفكر والأدب في استجلاء المعنى وبناء المَوقف. ومن ثمّ، تتطلّبُ قراءةُ أعماله ودراستُها الحفرَ، في تعدّدها وتنوّعها، عن الخيوط التي تُعيدُ بناءَ الحُلم الذي صبَا إليه، انطلاقاً من إضاءةِ ما يَصلُ الكلمة بالفِعل عنده، وما يَصلُ الفكر، والنقد، والإبداع بالحياة في أشدّ تفاصيلها تعقّداً.

غالب هلسا.. من رواية اليقظة إلى رواية الأفول

بعد أن أنجز هلسا أعمالاً روائية متميّزة، احتضنت «الضحك، والخماسين، وثلاثة وجوه لبغداد»، استعاد شبابه الأوّل والزمن الذي سبقه في روايته الأكثر اكتمالاً: «سلطانة»، حيث تحضر الطفولة، والصبا، وأطياف غائمة وأخرى أكثر وضوحاً. كما لو كان ادّخر خبرة كتابية؛ لتنقل مرحلة أثيرة لديه.

تدور «سلطانة» حول امراة أشبه بالحلم، تسير ناظرة إلى السماء، تُلزم الناظر إليها بتجربة عشق فريدة، تلازمه حياته كلّها. جمع الروائي بين زمن البراءة الأولى، الذي يتطيّر من الدنس، والأنثى الأصل ذات الجمال النموذجي، الذي يمسّه الزمن ولا يغيّر فيه شيئاً حال عاشقها الذي يمرّ على مدن عديدة، ويستبقي عشقه بلا تبديل. ومع أن صورة المعشوقة يمكن أن تغفو، فهي تستيقظ بلا نقص، كلما لمح «أسيرها» قامة، وكأنها التبست بموقع الطفولة، والميلاد، والدفء الأمومي، وفضول التعرّف على العالم.

أنتج هلسا في «سلطانة» أنثى ملتبسة، حملت رغبات الطفل الذي كانه، وأحلام الشاب الذي سيكونه، وصور بلدته «معين» التي كانت مفعمة بالنقاء ذات مرّة. أدرج الروائي في «حكايته الكبرى» تصوّراً رومانسياً؛ يمزج الأنثى والأصل بسحر غامض لا يزول، وتصوّراً واقعياً عرفها واستنشق اسمها، وسار وراءها في أكثر من مكان ومدينة. وواقع الأمر أن الأنثى الفريدة تنوس بين الفتاة الرهيفة الأركان، وشخصية الأمّ التي تقبع في اللاوعي أمّاً وأنثى معاً، بل أن «سلطانة»، في وجهيها المتعارضين المتكاملين، هي التي وضعت، في روايات غالب هلسا، حضوراً أنثوياً دائماً، يواجه به المغترب اغترابه، ويتكئ عليه الروائي المغترب؛ ليتحمّل الغربة وشقاء الوجود. يصف السارد المرأة التي أرضعته أثناء مرض أمّه: «آمنة في الذاكرة، صاغت رؤيتي للنساء، وأعادت إنتاجها في كلّ مرحلة من مراحل العمر. هي وسلطانة حلم القرية الشبقي السريّ، الملعون، الفاجع، الممنوح، والمستحيل معاً..».

تعيّن «سلطانة»، في حضورها المهيمن المستمر، ساردَها، أي غالب هلسا، شخصية رومانسية تتوالد منها أنثى متعالية، وفضاءً كثيفاً يجمع بين الذكر والأنثى والسياسة، يتكشف، دائماً، في شخصيات مشتقة منه، كما هو الحال في «نادية» الرهيفة المتمردة في رواية غالب الأولى: الضحك. ومع أن في الإنسان الرومانسي ميلاً إلى «ابتداع شخوصه» كي تكون صورة عنه، فإن «سلطانة» قلبت الصيغة، وعيّنت ذاتها صانعة لغالب إنساناً وروائياً معاً.

ولعلّ العلاقة الغامضة الواضحة بين غالب وأنثاه القروية الجميلة هي التي قرَّرت «الاغتراب» موضوعاً مستمراً في رواياته جميعاً، سواء كان ذلك في «الضحك، وثلاثة وجوه لبغداد»، أو في عمله الصغير الكبير «الخماسين» الذي رجم القهر البوليسي، واستنجد بالسماء سائلاً الرحمة. والاغتراب، نظرياً، أن ينقسم الإنسان وأن يكون نصفه خارجه، وأن ينتظر لحظة لا تناقض فيها، تُعيد إليه طبيعته الأولى. وطبيعة غالب الأولى نقاء الريف، ودفء الأمّ، والكتب المتحاورة التي تحدثت عن العاشقة الخائبة «مدام بوفاري، ومرتفعات وذرنج في حديثها الواسع عن الحب الآسر، والشر، وآلام فيرتر التي تمزج الحب بالعذاب»، كما جاء في رواية «سلطانة».

تتراءى «سلطانة» مجازاً جمالياً دينامياً يخترق الأزمنة، ملبيّاً رغبات فردية توحد بين الأنا والمجموع. لن تكون أنثى غالب، والحالة هذه، إلا ثورة عارمة مشتهاة، تحقق العدل والحرّية، تشتعل وتخبو وتقترب وتبتعد وتظل، دائماً، ماثلة في الأفق. ولن تكون إلّا الرواية التي حلُم بكتابتها، وهو المثقَّف النقي الحالم بعالم لا اغتراب فيه. فكلّ مثقَّف ينزع إلى العدل يحمل في أعماقه رواية، يكبتها وتظل غائبة، أو يُفرج عنها وتُصبح قابلة للقراءة.

إذا كان في المثقَّف الحالم رواية تؤرقه، ففي المثقَّف الذي غادره الحلم رؤية أخرى تشيّع أحلامه. لذا تناول غالب في آخر رواياته: «الروائيون» 1989 أحلاماً أصابها العطب قبل أن تعصف بها الريح. عاد إلى «قاهرة» ما قبل حرب يونيو/حزيران 1967 وبعدها. كان الكاتب، في زمن الكتابة في أواخر كهولته، ورغبات الشباب كساها الرماد. عاد إلى الماضي، وترك الحاضر المكشوف التداعي، وسرد حكاية عن ماضٍ مريض، تأجلّ الإعلان عنه، حتى سقط عارياً.

بعيداً عن «سلطانة» التي جمالها يوقظ الوجود، وضع غالب في «الروائيون» موتاً صريحاً وخطاباً أيديولوجياً، له شكل الحكاية. سرد مآل نخبة «ثورية» مصرية، لم تعرف الفرق بين الشعارات البسيطة وإمكانيات العدالة المعقّدة. بنى فضاءً روائياً قاتماً يُعبّر عن غروب فترة بدت مشرقة، ويُعبّر، أكثر، عن عالم الروائي الذهني في مدينة دمشق، التي لا يعرفها، وتختلف عن مدينة عشقها طيلة حياته هي: القاهرة. ولمّا كانت «سلطانة» مقياس الأزمنة السعيدة، استعاض عنها في «الروائيون» بأنثى تغايرها شكلاً وسلوكاً، فيها خفة تقترب من الانحلال. يغيب، في الفضاء القاتم، حضور «الأم»، ولا تتبقى منها إلّا إشارات سريعة ماضية: «منذ زمن بعيد لم يعد يتذكّرها، فما الذي جاء بها صارمة، تحمل إليه اللوم والإدانة؟». يشهد حضور الأمّ الرحيمة على سوء الأزمنة، ويعلن لومها عن زمن لم يشأ ابنها الوصول إليه. تتراءى في «الروائيون» سيرة ذاتية منقوصة مليئة بالشجن. فبعد البلدة الأردنية البعيدة التي شاهدت طفولته، تحضر مدينة كأنها منفى، وبعد الأنثى التي تغسل الروح تأتي أخرى لا ملامح لها، بقدر ما يغيب زمن الفضول المعرفي الذي يسائل العالم، وتهيمن تساؤلات ذاتية تطرد اليقين، ولا تقول شيئاً عن المستقبل.

في زمن «سلطانة» كان غالب يلغي المسافة بين البطل الروائي ورسالة المثقَّف التي تلازمه، وفي زمن الكهولة المتأخّرة غدا المثقَّف، صاحب الرسالة، كالوجود كلّه، موضوعاً للمساءلة، أخفق الأول في رسالته، وبدا الثاني شاحباً ماسخ الطعم. لا غرابة أن تصيّر روايته الأخيرة شهادة على مساره ومسار جيل أخطأ ما أراده. ولهذا أنتج، متقصداً، شكلاً فنّيّاً مخلخلاً يتراءى فيه ضياع الحقيقة. اكتفى الروائي، وهو يعاين شخصيات يكتسحها التداعي، بوصف الشخصيات من خارجها، عاشت حالمة، وعرفت السجن، ثم سقطت في الهزيمة.

منذ بداياته الروائية جعل هلسا من الحياة اليومية بطلاً روائياً، وصاغ حواراته قريباً من المعيش المباشر بعيداً عن القاموسي الجامد. جمع بين ما عاش وما كتب، وأعفى اسمه، في معظم رواياته، لبطله الروائي مؤكِّداً أنه يكتب عن ذاته، وهو يكتب عن الحياة، ويسرد وجوه الحياة، ويكون حاضراً فيها. ولعل هذا التصوّر، الذي حافظ عليه طويلاً، هو ما يجعل من موت البطل في «الروائيون» إعلاناً واعياً، أو بلا وعي عن العالم الداخلي لغالب في عامه الأخير، ذلك أنه رحل، وبلا مقدِّمات كبيرة، بعد أن أنهى كتابة روايته، المشار إليها، بزمن قصير. تردّد كثيراً، كما يعرف أصدقاؤه في اختيار نهايتها، التي جاءت قاتمة على أية حال، يتوّجها موت لا هروب منه.

لم يتخذّ غالب هلسا من كتابة الرواية مهنةً، أو عملاً منظّماً لا بدّ منه، بقدر ما اختارها نهجاً في الحياة. يطوّرها بثقافته المتطورة، ويتطوّر معها موحداً، بلا انقسام، بين الإنسان العفوي الذي كانه والمحتفظ ببراءة لا تغيب، والمثقَّف المنغمس بالشأن العام والمتابع لحياة البشر، والروائي الذي يجمع مواده السردية من حياته مع آخرين، ويُرسل بها إلى مُتخيّل خصيب، يتحاور فيه المرجعان الداخلي والخارجي. وكان الناقد الأدبي الثقافي المعتمد على معارف راسخة تمتد من الجاحظ، وأبي حيان التوحيدي إلى روايات فوكنر، وكتابات الألماني ثيودور أدورنو الذي بدأ في قراءته في الطور الأخير من حياته.

قاده اتساقه الفكري إلى دراسات نقدية عن نكوص المثقَّفين وزئبقية مواقفهم، بقدر ما دفعه ارتباطه بالمعيش إلى نقد الروائيين: إبراهيم جبرا، وحنّا مينة. لم يكن ينقد كارهاً، وهو البريء الذي لا يعرف الكراهية، إنما كان ينقد مخلصاً للحياة ولأفكاره، ولمعنى الرواية. 


إشارات:

– غالب هلسا: «سلطانة»، الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الثاني، عمّان، دار أزمنة، 2003.

– غالب هلسا: «الروائيون» عمّان، دار أزمنة، 2002.

غالب هلسا.. سرديّة المغترب الأبدي

في وسط البلد، في ستّينيّات القاهرة وسبيعينيّاتها، حيث كان العالم أكثر رحابة واستيعاباً للاختلاف والتنوّع الثقافي، التقى غالب هلسا بكلّ من يحيى الطاهر عبد الله، ومحمد البساطي، وعبد الحكيم قاسم، وبهاء طاهر، وعبد الرحمن الأبنودي، وأبو المعاطي أبو النجا، وعلاء الديب، وسليمان فياض، وعبد المحسن طه بدر وغيرهم الكثير من كُتَّاب تلك الحقبة التي كانت محتشدة بروائيين، وشعراء، ونقَّاد، ومفكِّرين، ومترجمين، وصحافيين من طراز متفرّد، كما كانت محتشدة- أيضاً- في الوقت ذاته، بشعارات السرديّات الكبرى والأحلام الثورية التي تترقّب عالماً أكثر عدلاً وأكثر حرية.

– 1 –

عندما أفكّر في غالب هلسا (1932 – 1989)، أو جبرا إبراهيم جبرا، أو عبد الرحمن منيف، أو أهداف سويف، أو ليلى أبو العلا، أو من شابههم، أجدني أتساءل بالضرورة: هل يمكن للكاتب العربيّ، أي كاتب، اختيار الهويّة التي ينطلق من مرجعيّاتها في تأسيس نصوصه وعوالمه الإبداعية؟ أم أنه لا سبيل للكاتب، أي كاتب، لممارسة أي درجة من درجات الاختيار عندما نفكّر في «الهويّة». فالهويّة كما يتصوّرها الكثيرون بعيدة كلّ البعد عن مجرَّد اختيار من بين بدائل مطروحة. الهويّة قدَر لا فكاك منه، يُشبه علاقتنا بأعراقنا التي ننتسب إليها، ولغتنا الأم التي نتحدَّث ونتواصل بها. من زاوية أخرى، ثمّة سؤال سوف تصوغه هذه المقدمة (المنطقية) يتمثَّل في طبيعة المنظور الذي تنظر منه شريحة بعينها من الكُتَّاب والفنَّانين إلى علاقة الأنا بالآخر، وقضايا الهويّة والوجود، وسبل التفاعل بين الثقافات والهويّات. أقصد، على وجه التحديد، مجموعة الكتَّاب المنفيّين أو المغتربين طوعاً أو قسراً (على اختلاف المساحات المفهومية بين المنفى والغربة والاغتراب من ناحية، أو اختلاف المساحة التمثيلية- أيضاً- بين المنفيّين والمغتربين واللاجئين والمنبوذين، أو اختلاف حالات نزوحهم، وقدرة كلّ منهم على التعايش مع الأوطان البديلة التي وضعتهم فيها أنظمة سياسية قمعية، أو ظروف اجتماعية، أو اقتصادية طاردة في أحسن الأحوال وأسوئها). في كتابه (صور المثقَّف: محاضرات ريث سنة 1993) يصف إدوارد سعيد «المَنْفَى» كأحد أكثر الأقدار مدعاةً للكآبة. وفي أزمنة ما قبل العصر الحديث كان الإبعاد عقاباً مرعباً؛ لأنه لم يكن يعني، فقط، أعواماً يعيشها الإنسان تائهاً دون هدف، بعيداً عن الأسرة وعن الأماكن المألوفة، بل يعني- أيضاً- كما يقول سعيد: أن يكون أشبه بمنبوذ دائم، لا يشعر، أبداً، كأنه بين أهله وخلّانه، لا يتفق البتّة مع محيطه، لا يتعزّى عن الماضي، ولا يذيقه الحاضر والمستقبل إلّا طعم المرارة. فالمنْفِيّ يعيش حالة وسطى، لا ينسجم، تماماً، مع المحيط الجديد، ولا يتخلّص كلياً من عبء البيئة الماضية، تضايقه أنصاف الحلول، و«هو نوسْتَلْجِيّ وعاطفي من ناحية، ومقلِّد حاذق أو منبوذ لا يعلم به أحدٌ، من ناحية أخرى». ما يريد إدوارد سعيد التأكيد عليه هنا هو أن تجربة النفي تُلقِي بظلالها على الإنسان المنْفِيّ، من حيث هو كائن منبوذ، دائماً، يحيا في زمان ومكان غريبين عنه، وإلى جوار بشر آخرين يلفظونه ولا يألفهم.

لكنّ الواقع العربي المعيش يقول إن ثمة كُتَّاباً بأعينهم اختاروا أوطاناً أخرى، أو مجتمعات بديلة، اندمجوا فيها دون إحساس بالنفي المباشر، ولم تعبّر مرويّاتهم عن المنفَى بتمثيلاته السياسية المباشرة، بل راحت تقدّم وجوهاً شتّى للاغتراب المكاني أو الوجودي، إلى جوار تمثيلات سردية وثقافية أخرى مثل أغلب نصوص غالب هلسا، وأهداف سويف، مثلاً، في روايتيها «في عين الشمس – In the Eye of the Sun» و«خارطة الحب – The Map of Love»، وغيرهما من الكتّاب والأدباء. لذا، فقد استطاع غالب هلسا أن يخلق ما أطلق عليه فخري صالح اسم «الجغرافيا التخيّلية» لرواياته وقصصه خلال تلك الحقبة الزمنية التي عمل فيها في كلّ من وكالة أنباء الصين الجديدة، ثمَّ وكالة أنباء ألمانيا الديموقراطية لفترة تتجاوز الستة عشر عاماً، مشاركاً بفاعلية في الحياة الثقافية المصرية إلى أن أُبعِد من القاهرة بأمر من السادات في نهاية السبعينيات، مغادراً إلى بغداد ثمَّ إلى بيروت، وبعدها دمشق. ويمكن للباحث أو للناقد المعنِيّ بسردية هلسا الرجوع إلى رواياته وقصصه القصيرة، وفحصها وفق هذا المنظور الذي قد يفسِّر لنا الكيفية التي استطاع بها غالب هلسا تشييد «جغرافيا بديلة»؛ هي مزيج من صور القاهرة، وبغداد، وعمّان، وبيروت وغيرها من المدن العربيّة التي أقام فيها أو تَنَقَّل بينها. 

– 2 –

تتنوّع نصوص غالب هلسا ما بين القصص القصيرة، والروايات، والنصوص الفكرية، والترجمات الأدبية والثقافية، لكن تظلّ بعض قصصه ورواياته مثل «وديع والقديسة ميلادة»، و«الضحك»، و«الخماسين»، و«ثلاثة وجوه لبغداد»، و«سلطانة»، و«الروائيون»، وترجمته لكتاب جاستون باشلار «جماليات المكان»، على وجه التحديد، هي أكثر نصوصه تردّداً بين القرّاء والباحثين العرب، بصفة عامّة، والمصريين، بصفة خاصّة. وأقصد بالمصريين، هنا، مجُايلة غالب هلسا لعدد كبير من المثقَّفين والكتَّاب والصحافيين المصريين في حقبتي الستينيات والسبعينيات ممّن أسهموا بحديثهم الدائم عنه، حتى بعد وفاته بسنوات، سواء في شكل أحاديث ومرويّات شفاهية على المقاهي وأروقة الندوات القاهرية، أو في شكل حوارات صحافية منشورة بالصحافية المصرية والعربيّة، في ذيوع اسمه روائياً كبيراً، ومترجماً، ومثقَّفاً بارزاً. من بين هذه المتابعات النقدية ملف خاص أصدرته مجلّة «فصول» بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيله، ضمن ملفات عدد «زمن الرواية» (المجلد الثاني عشر، العدد الأول، ربيع 1993) ضمّ خمس مقالات نوعية لكلّ من: علاء الديب «شموع من أجل غالب هلسا»، وسليمان فياض «المغترب الأبدي»، ومحمد برادة «غالب هلسا، حضور متجدّد»، وإدوار الخراط «ثلاثة وجوه لغالب هلسا روائياً»، وعلي جعفر العلّاق «الروائي ناقداً: دراسة في نقد غالب هلسا».

في سياق الحديث عن دائرة التلقّي المصري لأدب غالب هلسا وإنتاجه المتنوّع، يمكن القول إنه لم يكن روائياً أو كاتب قصّة قصيرة عابراً، بل كان من ذلك النمط من المثقَّفين المنخرطين في قضايا واقعهم من المحيط إلى الخليج، المنشغلين بعوالم السياسة والثقافة والفكر والاقتصاد والاجتماع، بحيث تُشكِّل رؤيته لقضايا عصره «رؤية للعالم» بمفهوم لوسيان جولدمان، وهي رؤية تطمح إلى تحديث المجتمعات العربيّة ككلّ، لا إلى تحديث الثقافة وحدها، أو تطوير الأشكال والأجناس الإبداعية؛ لذا، فإن غالب هلسا كاتب متعدّد الوجوه والصور، مؤثّر في محيط ثقافته العربيّة في النصف الثاني من القرن العشرين. وتلك شريحة من الكُتَّاب تستحق مواصلة النظر في منجزها الإبداعي والنقدي والفكري مهما تباعدت عنا في الزمان، أو تباعدنا نحن عنها.

ثمّة ملامح متعدّدة يمكن من خلالها النظر إلى تجربة هلسا القصصية، بيد أن الملمح الأكثر بروزاً هو قدرة غالب على «تذويت الكتابة» (بمصطلح محمد برادة) في وقت باكر، ربّما لم يسبقه إليه الكثيرون من الكُتَّاب العرب نظراً لقراءاته المنتظمة في اللغة الإنجليزية في تلك الفترة، جنباً إلى جنب ارتياده الكثير من الموضوعات غير المألوفة والإسهام في تطوير تقنيات السرد والتركيب الفنّي. من ناحية أخرى، يمكن رصد بعض الملامح الأخرى من قبيل شيوع ثيمة «الاغتراب» الأبديّ، وتشابه رواة قصصه ونصوصه، كأنناً بصدد عالم سردي واحد مُمتد في الزمان والمكان. وهذا أمر يمكن أن نلمحه في رواية «ثلاثة وجوه لبغداد»، على وجه التمثيل لا الحصر، حيث نعثر على غالب الروائي والمرويّ والمرويّ عنه، في آن، كما نعثر على بلاغة النصّ «الجروتسكي» المشبّع بمستويات الشبق، وعذابات السجن، وقلق الهويّات الحائرة؛ كما في روايته «الروائيون» التي تنتهي باختيار الموت بديلاً عن حيوات أخرى محتملة. 

– 3 –

ينتسب غالب هلسا، الروائي والقاصّ، والمثقَّف الأردني الجنسية، إلى مرجعية الثقافة المصرية أكثر مما ينتسب إلى وطنه الأول (الأردن)؛ ربما لأسباب عدّة تتصل بأنماط شخصياته الروائية المتخيّلة، وطبيعة الجغرافيا، والمرجعيات الثقافية التي تتحرّك في حدودها، وكلها ملامح وفضاءات سياسية واجتماعية وثقافية قاهرية، على وجه الخصوص، تُحيل إلى زمكان الستّينيات والسبعينيات من القرن العشرين. لقد كان غالب يكتب عن القاهرة، ويبني عوالمه القصصية من أحيائها الشعبية، وشخوصها المهمّشين في معظم الأحيان، لا على طريقة نجيب محفوظ، أو جمال الغيطاني، أو غيرهما، بل من معايشته هو للمكان وللبشر، ومن حوارات كثيرة دارت بينه وبين رفقائه من المنتمين إلى اليسار المصري، مازجاً ذلك كله باسترجاعات شخصية «غالب»، أو «خالد» الذي يظهر، فجأة، ليحتلّ دور الراوي في الروايات بحيث تتصفّى من خلال وعيه المرآوي العاكس رؤى متعدّدة، تنتجها الشخصيات بدلالاتها الرمزية والواقعية في آن. من هنا، يبدو غالب مسكوناً بالحياة الثقافية والسياسية المصرية في فترة معقّدة من تاريخ العلاقة بين اليسار المصري والحكم الناصري في خمسينيات القرن الماضي وستّينياته. وهكذا، تتحرك مدينة السرد لدى غالب- وهي تعادل «مدينة المتاهة»- في المساحة بين الفضاء المديني الصاخب والمكان الريفي البسيط؛ لأن غالب المؤلّف والفنَّان كان يمتاح صوره وتمثيلاته من شخصيات زملائه وأنماط أصدقائه المصريين الذين كانوا يفدون على شقّته في «وسط البلد» يوماً بعد يوم. هكذا يقول عنه علاء الديب:

«في أواخر الخمسينيات، كنتُ في العشرين من عمري، هو يكبرني بسنوات. أكاد أبدأ كلّ شيء. هو قادم من وراء البحر، وحيد في القاهرة بلا عائلة. يُنهي دراسته في الجامعة الأميركية، ويعمل بالترجمة. حياته عريضة، المدينة، والشارع، والمقهى. الكلّ له أصدقاء. سعيد، جميل، ساخر، سياسي، مثقف، كاتب قبل كلّ شيء. رغم «أردنيّته» يسبح هنا في مياه مألوفة، يحبّها، وتحبّه». (مجلة «فصول»، المجلد الثاني عشر، العدد الأول، ربيع 1993).

ضجرٌ لا كالضجر

ليس الضَّجرُ شعوراً مَقيتاً في ذاته، إنّهُ جُزءٌ مِنَ الحياة، إذ يَتمنّعُ تصوّرُها بدُونه، ما دامت حقيقةُ الحياة في تناقُضاتها، وما دامت هذه الحقيقةُ وُجوهاً مُتناقضةً لا وَجْهاً ثابتاً بمَلامحَ جامدة. الضَّجرُ شعورٌ إنسانيّ عامّ، لكنّ صيَغَهُ وحِدّتهُ وعواملَهُ ونتائجَهُ تختلفُ باختلاف انشغالات الذوات، وباختلاف ما يُحدِّدُ رَغباتها ومُيولها، إذ لا حدَّ لتبايُن الصيَغ التي بها يَحصلُ الضجَر. ولا حدّ- أيضاً- لوَشائجِ هذا الشعور بمَشاعرَ أخرى، كفُتور الرّغبة، والخمول، والانعزال، والنفور، والتقزّز، والتبرّم، والضّيق، والقنوط، واليأس، وغيرها، وهي جميعُها جُزءٌ مِنَ الحياة ومِنْ سلسلة المشاعر البَشريّة القائمة، في أساسها الطبيعيّ السليم، على التناقُض، ما دام لكلّ شُعور ضدّه الذي به يَتحدَّدُ، ويتجدَّد.

لربّما الوَعيُ بأنّ الضجَر شُعورٌ مِنْ صُلب الحياة؛ هو ما يُفسِّرُ حِرْصَ الأديان على تأمين صِيَغٍ للتعامُل مَعه وَفقَ تصوُّرها الخاصّ للفَرد وللحياة بوَجْه عامّ، وحِرْصَ الصوفية على مُواجَهته رُوحيّاً لمَنْع تسلُّله إلى القلوب والاستئثار بها، وحِرصَ علم النفس على إدماج هذا الشعور في بناءِ شخصيّةِ الطفل، سَعْياً إلى تمْكين الطفل- لاحقاً- مِن مُواجَهةِ الضّجر، ومَنْع تحوُّله إلى اكتئاب أو إلى نُزوعٍ نحو الانكماش، والانغلاق، ورَفض الحياة. استثمارُ الضجَر والمَلل في بناء شخصيّةِ النّشْء وتقويّتها هو تصدٍّ مُبكّرٌ لِما يُمْكنُ أنْ يقودَ إلى انهيار الفَرد أمام لحظاتِ هشاشته، التي يُعدُّ الضجَرُ أحدَ رَوافدها. فالضَّجرُ، بهذا المعنى، حَيَويّ، لأنّ مُواجَهتَهُ استقواءٌ على الوَجْه الرَّتيب في الحياة، ولأنّ هذه المُواجَهة تُقوّي، فضْلاً عن ذلك، إدراكَ وَجهِ الحياة المُمتع، وأحقّيّتِها بأنْ تُعاشَ بمَحبّة مُتجدِّدَةٍ، بما يتولّدُ عن الضّجَر نَفْسِه. كما أنّ المَوضوعَ، المُثيرَ للضّجر، ذو أهمّية بالغة في تقييم هذا الشّعور، لأنّ الضَّجرَ، مِنَ الرداءة، مثلاً، أمرٌ بنّاء، لأنّه يَغدو، في هذه الحالة، مُنطوياً على حسٍّ نقديّ، بما يُؤكّدُ أنّ التبرُّمَ والضيقَ والمللَ مشاعرٌ تَعْني، مِنْ بين ما تَعنيه في بَعض الحالات، يَقظةَ حواسٍّ، وتحصيناً للرّغبة والمُيول مِنَ الابتذال. فأن يكونَ المَرءُ ضَجوراً مِنَ البلاهة وملولاً من التفاهة؛ يعني أنّهُ مُتفاعلٌ معَ الحياة بحسٍّ رفيع، ومُتمسِّكٌ بما يُؤمِّنُ المَعنى لهذه الحياة.

بالجُملة، يَصعُبُ تصوّرُ الحياة بدُون ضجَر، وإلاّ ستكونُ بلا طعْم. فحتى السعادةُ المُطلقة، إنْ وُجدَتْ، لا يُمْكنُ إلّا أنْ تكون مُضْجرَةً في ذاتها، إذ لابدّ لها أنْ تغتذيَ مِن نقيضها لتحيَا، لأنّ ما لا يَغتذي مِنْ نقيضه مَنذورٌ للمَوت، كما يقول إميل سيوران. فالرّغبة، وَفق هذا المَعنى، تستمدُّ حَيويّتَها حتّى مِن الضّجَر نفسِه، إذ هو ما يُغذّي، مثلاً، الرّغبة في التجدّد، وفي المُغامَرة، واكتشاف المجهول؛ لذلك يُعَدّ الضّجر، متى تمَّ توجيهُه في مَنحى بنّاء، مِن الأحاسيس التي تُعْطي طَعماً للحياة، به يُدْركُ المَرءُ قيمةَ التجدُّد، والسَّفر، وخَرْق العادة، وغيرها مِنَ الأمُور التي تَكشفُ عن اتّساع الحياة وتعدُّد هِبَاتها، مادامتْ (بأضْدادها تُعرَفُ الأشياء).

لكن، عندما يكونُ الضجرُ بلا خَارج، وعندما تضيقُ السُّبُل التي كانت مُتاحة في التصدِّي له، كما هي الحال في زَمن جائحة (كورونا)، فإنّه يَغدو بطَعم آخَر، ويتطلّبُ مُواجهةً مُضاعَفة. عندما يَطولُ الضّجرُ، ويتغذّى مِنْ نَفْسه، وتضيقُ إمكاناتُ تكسيره، يَصيرُ ضاغطاً، ومُهدِّداً للتوازُن النفسيّ ولفاعليّة الفَرد، ومُرْبكاً حتى لمَفهُوم الحياة ذاتِها. لا يتعلّقُ الأمْرُ، إذاً، في ما يَعيشهُ العالُمُ اليَوم تحت سَطوة الفيروس القاتل، بلحَظاتِ ضَجَر تتخلّلُ الحياة، بل بضَجر كاسحٍ مُتحكِّمٍ في تفاصيلِ اليَوميِّ، ومُوجِّهٍ لها، على نحو جعلَ الحياةَ، في حالةِ الحَجْر الصّحيّ، الذي لا تنفكُّ المجتمعاتُ تُمدِّدُ أمَدَه تحت ضَغط انفلاتِ التحكّم في الجائحة، شَبيهةً بسجْن كبير، وهو ما خلقَ تَغيّراً، ليس في علاقةِ الفَرد بالمَكان، الذي غَدا ضيّقاً وتسلّلَ ضيقُهُ إلى النُّفوس، فحسب، بل في علاقةِ الفرد بالزّمن، الذي تغيّرَ مفهومُهُ بَعْد أنْ صارَ رَتيباً، مُنتجاً للضّجَر ومُحمَّلاً به، أيضاً. لقد تسلّلَ الضجرُ إلى اليَوميّ وتحوّلَ إلى شعورٍ طاغٍ، بل أصبحَ مَوضوعاً طاغياً حتى في التواصُل بين الناس وفي حواراتهم، التي صارَت تتِمُّ عن بُعد، كما هي حالُ العَديد من المُمارَسات التي تخلّت عن القُرب، حتى غدا البُعدُ بانياً للاجتماع، على نحو ما يُفهمُ من مُصطلح «التباعُد الاجتماعيّ»، الذي يَنطوي في صيغَته على مُفارَقة غريبة.

للضّجَر، بغضِّ النظر عَن صِلَته بالمَكان، صلةٌ قويّة بالزَّمن، بل هُو، بمَعنى ما، صيغةٌ مِن صيَغ تحقّق الزّمن، الذي ليس، في حقيقته، مُجرّدَ ثوانٍ ودقائقَ وساعاتٍ وأيّام وشهور وغيْرها مِنَ التقسيمات المُعتمَدَة في حسابه. يتحدَّدُ الزّمنُ، مِن بَين ما به يتحدّدُ، بحَمولته الاجتماعيّة والنفسيّة والثقافيّة. ليس الزّمن مُنفصلاً عمَّن يَعيشهُ، إنّهُ، تبعاً لذلك، صيغةُ وُجود. ما به يُمْلأ الزّمنُ هو ما يُحدِّدُهُ، ويُحدِّدُ في الآن ذاته إيقاعَهُ وطرائقَ تفاعُل الفَرد مَعه. ما به يُمْلأ الزَّمنُ هو أحدُ الأمُور الحاسمة في العلاقة التي تُنْسَجُ معهُ. لكن، عندما يَمتلئُ الزّمنُ بالفَراغ، فإنّه يَغدو عِبئاً يَدعو إلى التخلّص منه، وليس ثمّة أقسى ولا أشدّ وطأةً مِنْ أنْ يَسْعَى المَرءُ إلى التخلّص مِن الزّمن باستعجال انقضائه كما لو أنّهُ عَدوّ حقيقيّ. لعلّ جانباً مِنْ هذا المَعنى هو ما تَنطوي عليه الاستعارةُ الدّالة التي تُجسِّدُها عبارةُ «قتْل الوقت»، التي غدَتْ مُوَجِّهاً للتعامُل مع الزّمن في العديد من الأمُور اليوميّة التي إليها يَلجأ الناسُ، راهناً، في عُزلتهم الاضطراريّة المُترتّبة على الجَائحة وعلى فرْض الحَجْر الصحّيّ.

قد يتولّدُ الضجرُ مِن انشغالٍ ضاغط، على نحو ما كان يَفرضهُ إيقاعُ الحياة قبْل الجائحة، لكنّ هذا الضّجرَ، المُترتِّب أساساً على الانشغال المُكثَّف والمُطّرد لا على الفراغ، كان فيما مَضى يَسمحُ بتجاوُزه، أو على الأقلّ التَّخفيفَ مِن وَطأته، مِن زاويتيْن؛ الأولى مُتعلِّقة بإمكان تجاوُزه مِنْ داخله، وذلك بمُزاوَلة ما ينشغلُ به الفردُ بعزيمة ومَحبّة، أي حرْصه على التصالُح مع مَوضوع انشغاله بمَنأى عن التأفّف والنفور، على نحو ما يُمْكنُ أنْ يتحقّقَ في علاقة الفرد بالعَمل الذي يُزاوله، لأنّ هذه المحبّة هي ما يُعطي مَعنى لِما يقومُ به الفرد، وهي ما يُهيّئُ تحويلَ الضّجر إلى رَغبة، أي بنَسْخ الضّجَر مِنْ داخله. الزاوية الثانية مُتعلّقة بتَكسير ضغْط إيقاع العمل، وخلْق فُرَص للسّفر أو غيره مِنْ سُبُلِ الترفيه. لكن، عندما يتولّدُ الضجرُ مِن اكتساح الفراغ وعندما تضيقُ العلاقة بالمكان لأمَدٍ غير مُحدَّد، مثلما هي الحال في اليَوميّ المُرتبط بالجائحة، يكونُ هذا الضَّجرُ أقسى، لأنّ الفردَ لمْ يَسبق أنْ تمرَّسَ عليه ولا أنْ تعوّد على العُزلة بوَجْه عامّ، ناهيك عن العُزلة الطويلة الأمد، خلافاً للفئة التي خبرَتْ تحويلَ العُزلة إلى فضاء لإنتاج الرّغبة وتجديد العزيمة، لمّا جعلتْها جُزءاً مِنَ اليوميّ وبنَتْ عليها تصوُّرها للحياة. صحيحٌ أنّ العُزلة الإراديّة هي غيرُ العُزلة الاضطراريّة في الحَجْر الصحّيّ، لكنّ مَن خَبروا الأولى ووعَوها لا يَبدو أنّ الثانيّة ستُثيرُ فيهم ما ستُثيرُه لدى مَنْ لا يُطيقون العُزلة، أي مَن يتأفّفون منها، وتُسبِّبُ ضَجَرهم. فالعُزلة الإراديّة، بالنسبة إلى مَن خَبرُوها وسَعَوا إليها حتى تحوّلت لديْهم إلى ضرورة حياتيّة، هي عندهُم لقاءٌ، أي أنّها مأهولة، ومُحتشدة بالسّلالة الرّوحيّة التي إليها يَنتمي مُحبّو العزلة، فهي، ليست انفصالاً في منظورهم، إنّها اتّصالٌ مأهولٌ بمَن تَسْتَدعيهم هذه العُزلة مِنَ الأموات ومن الأحياء، على سواء. عُموماً يُمْكنُ التمييز، بناءً على ما يُوَلِّدُ الضجَر، بين نَوعيْن؛ ضَجر الانشغال الضّاغط، وضَجَر الفراغ الضاغط الذي فيه يَصيرُ الفردُ عدُوَّ الزمن.

لقد ولّدَت الجائحة، فَجأة، فائضاً مِن الزّمن، لمْ يكُن الفردُ مُؤهَّلاً لتصريفه، إذ لمْ يَعرف كيْف يَعملُ على مَلْئه، ولا بما يُمْكنُهُ أنْ يَملأه. فجأةً وَجدَ الإنسانُ الحديث، الذي كان يَشكو ضيقَ الوقت وضَغطَ إيقاع الحياة السريع، نفسَهُ أمام وَضْعٍ مُناقض تماماً، لأنه صارَ في مُواجهةِ فائض مِنَ الزمن. فبَعد أنْ خفَّ الشعورُ بالرّعب الذي رافقَ الاجتياحَ الأوّل للجائحة، بحُكم طبيعةِ مُعظم الأحاسيس البَشريّة التي تبدأ قويّةً ثم تأخذُ في الفُتور، وبَعدَ أنْ تحوّلَ المَوتُ إلى مُجرّد أرقام حتى صارَت بعضُ القنوات «تُبشِّرُ» بمَوت أقلّ، كما لو أنّ فداحةَ المَوت لم تعُد في ذاته بل في عدَد المَوتى وحسب، بَعْد هذا كلّه حلَّ محلَّ الرُّعب الأوّل ضَجرٌ مُمتدٌّ، وضَعَ الفردَ وَجهاً لوَجْهٍ مع الزّمن.

إنّ الضجرَ، الذي ولّدَتْهُ حالةُ الحجْر الصّحيّ المُترتّبة على الجائحة، جعلَ الزمنَ مُعلَّقاً بين ماضٍ ولّى، ومُستقبلٍ مُرتقَبٍ بتوَجّسٍ وارتياب، على نحو خلقَ لدى الفَرد رَغبةً في تخطّي الحاضر الذي اختلّت العلاقةُ معهُ؛ وهذا وَجْهٌ مِنْ وُجوه خُطورَةِ هذا الضّجر، الذي يَعملُ على فَصْل الفَرد عَن حاضره؛ إمّا بأنْ يَصيرَ أسيرَ ذاكرته، لا يَنفكّ يَستعيدُ، مُتحسِّراً، تفاصيلَ مِنْ حياته قبْل الجائحة، تفاصيل لمْ تكُن تبدو لهُ بالقيمة التي غدَتْ لها في زَمن الضَّجر، وإمّا بأنْ يترقّبَ ما بَعْد الجائحة، مُستعجِلاً انقضاءَ الوَقت. بَيْن الحنين إلى ما قبْل الجائحة وترقّب ما بَعْدها، يَنجرُّ الفردُ إلى الإجهاز، لا على الحاضر وحسب، بل على الحياة نَفسها، التي تقتضي أنْ تُعاشَ لا بحسٍّ ماضويّ، ولا – أيْضاً – بما لمْ يَأْتِ بَعد، لأنّ الفرد، في الحالتيْن، يبتعدُ عن «الهُنا» و«الآن» اللذيْن عليهما تقومُ الحياة، ويقومُ تدبيرُ العلاقة معها. سُئلَ الصوفيّ أبو علي الدّقاق، قديماً، عن الوَقت، فأجابَ بقوله: «الوقتُ ما أنتَ فيه»، مُشدِّداً على ضرورةِ أنْ يَعيشَ المَرءُ تجربَتَهُ بامتلاء تامّ، أي بانخراطه الكامل في «الآن» بقُوّة باطنيّة. عندما يكونُ «ما نحنُ فيه» مَحدوداً، أي لا يُتيحُ احتمالات عديدة، كما هي الحال في زَمن الجائحة، فإنّه يتطلّبُ مُقاوَمةً تقومُ على بناءِ الرَّغبة وتجديدها ومَنْعِ تآكُلها، وتقومُ، أساساً، على تمْكين الذات مِنَ التعايُش مع ما يُوَجِّهُ حاضرَها، لئلّا يَقضي المَرءُ وقتَهُ في التحسُّر عمّا كان قبْلَ الجائحة، ولا في انتظار ما بَعدها. 

ليس التعايُش مع فائض الزّمن، الذي تولّدَ مع الحجْر الصّحيّ، أمراً مُوَحَّداً ولا هو قابلٌ لأنْ يكون كذلك، لأنّه مُرتبطٌ برُؤيةِ كلِّ واحدٍ لِمَا يَمْنَحُ الحياةَ معنى في نظره. لعلّ ما يتعيّنُ التمسُّك به، في اختلاف صيَغ هذا التعايُش، هو الإصْرار على الاحتفاظ للحياة بالمَعنى، وعلى تجديد العلاقة مع الأشياء، وعلى جَعْل اليوميّ مُنتجاً وقابلاً لأنْ يُعاشَ بمَحبّة، لا بالتأفّف منه واستعجال انقضائه. يتوقّفُ التعايُشُ مع فائض الزّمن، إذاً، على تصوّر الفَرد للرّغبة وعلى مَا يُعطي مَعنى للحياة في نظره، أي يتوَقّفُ على مفهوم الفرد للحياة بوَجْه عامّ. ثمّة، من الناس، مَن يشعُر بالعُزلة وَسط الحُشود، لأنّ هذه الفئة عوّدَت الذاتَ على أنْ تَبنيَ مُتعتَها مِنْ العُزلة الخصيبة، بَعْد أن تمكّنَت مِن تحويلها إلى لقاءٍ مأهول بالأصوات والرّؤى، أي تحويلها لا إلى علاقة مع الذات وحسب، بل إلى علاقة مع الآخَر. لعلّ هذا ما تحقّقَ، مثلاً، إلى ِمَنْ تحوّلت القراءةُ لديْهم إلى ضَرورة حياتيّة، ولِمَنْ جعلوا الكتابة هي الحياة الحقيقيّة، بحيثُ لم يعُد بإمكانهم تصوُّر حياتهم خارجَهما. ولكن هذا الأمر يَبقى محصوراً في فئة مُعيَّنة، فالقراءة المُولِّدة لمُتعةِ هذه الفئة قد تكونُ مَوضوعَ ضَجر بالنسبة لمَنْ استنفدَهُم اليَوميّ قبْل الجائحة، واجتاحَهُم إيقاعُهُ حتى صاروا جُزءاً من هذا اليَوميّ، لذلك قد تكونُ العزلةُ، تبعاً لما اعتاد عليه هؤلاء، ضجراً ضاغطاً.

لقد غدَت الجائحة، اليَوم، واقعاً عالميّاً، لذلك لا يُمْكنُ التعامُل مع هذا الواقع، الذي رَسمَ المَلامحَ الجديدة لليَوميّ، وفرَضَ الحَجْر الصّحيّ بما استَتْبَعهُ مِنْ عُزلة إجباريّة ومِن مُلازمةٍ للبُيوت، برُدُود فِعلٍ قائمةٍ على الضَّجر والمَلل والتبرّم، لأنّ سيادةَ هذه الأحاسيس، على امتداد اليَوم، سيكونُ هو الجائحة ذاتَها. المُمكنُ، راهناً، تُجاه الجائحة، بناءً على التوقّعات بأنّ أمدَها قد يَطول وبأنّ ما بَعدها لن يكون، إطلاقاً، مُماثلاً لما قبْلها، هو التعايُش البنّاء معَها، بإدماجها في اليَوميّ، مَع الحرْص على تغيير السلوكات، وعلى تغذيةِ الرّغبة، وتقوية العزيمة، ومَلء الوقت بما يُولِّدُ التصالُح معه بمَحبّة ومُتعة. وإذا كان مِنْ داعٍ لاستحضار ما قبْل الجائحة، فلْيَكُن مِنْ أجْل تقويّة الشُّعور بالحياة، وبتَمْكين الذات مِن رُؤيةِ ما لمْ تكُن تراهُ مِن معانٍ في التفاصيل الصُّغرى للحياة؛ بغاية استثمار هذه الرؤية في تدبير فائض الزّمن الذي هاجمَ الإنسانَ بغتةً في الجائحة. لن يكونَ هذا الفائضُ نَتوجاً ما لمْ يُستثمَر في إعطاء مَعنى للحياة من داخل الوَضع الجديد الذي باغتَ العالَمَ بأسْره. ومادامت الحياةُ واسعةَ ولا حدّ لتجلّياتها، فإنّ إعطاءَ معنى لها يَفتحُ هو – أيْضاً – أفقاً واسعاً لإمكاناتٍ لا حدَّ لها.

من الحجْر إلى الضجر

لا أدري لماذا تحضرني واقعة سقوط جدار برلين، كلما أمعنت التفكير في جائحة كورونا، فهل من تناصٍ محتمل بين الواقعتين، ولو في مستوى السقوط المادي والرمزي؟ ألا تشكل الجائحة واقعة خراب وانهيار لجدران اليقين والارتياح المبالغ فيه؟ ألم تُفْضِ إلى إحداث هزات ورجات في منظومة القيم والمعتقدات والانتماءات؟ ذلكم ما أحدثه سقوط جدار برلين قبل ثلاثة عقود، وذلك ما تفعله فينا الجائحة، الآن، في ظلّ شموخ اللايقين واللامعنى. فما الذي سقط فينا، وانهدم بسبب هذا الفيروس التاجي؟ وما الذي انهار في أعماقنا واستحال خراباً ويباباً، في زمنية الحجْر الصحي؟ وهل من إمكان لإعادة الترميم أو استئناف البناء في سياق الـ«ما بعد» والـ«عن بعد»؟

حتماً هناك تناصات للمعنى والمبنى بين جدار برلين الذي هدّته الإرادة السياسية، ومؤديات الحرب الباردة، وبين جدار اليقين الذي أهدتنا إياه العولمة السعيدة والحداثة المفرطة، والذي حطّمته جائحة كورونا، مؤكّدةً بأن النبوءات لم تصدق، وأن السقوط، والخراب، واللاجدوى كلّها باتت ممكنات للتفاوض مع واقع قاسٍ ومؤلم، حيث الترقب أفقاً والضجر احتمالاً. طبعاً لا شيء أقسى من الضجر، لا شيء أكثر وخزاً وإيلاماً من الخضوع لسلطان العادة، حيث التكرارية متناً للحضور والامتداد، وتحت مسمى جديد/قديم اسمه «الحجْر الصحي»، حيث يكون على «إنسان الجائحة»، تدوير كلّ مفاهيم الحرّيّة والإرادة والفعل والألم والمعاناة.

في ظلّ هذه «الإقامة الجبرية» التي ترتهن إلى المنع والتضبيط والمراقبة والعقاب، يختبر الإنسان معنى الحرمان من كَثيرِ من الحقوق والطقوس والممارسات، ويتوجب عليه، تحت طائلة الجبر والإكراه، ألا يغادر رقعة جغرافية محدودة، وألا يمارس فعاليات كثيرة، وأن يتخلص من أجندة اليومي الموزعة بين العمل والترفيه وباقي الطقوس الحياتية، ما يقوده في النهاية، إلى الانحشار في زاوية ضيقة، تتكرَّر فيها الوقائع والأفعال، بنمطية وروتينية مثيرة للسأم. ذلك أن أصعب ما نعيشه اليوم، في ظلّ الجائحة، هو الخوف من فقدان شغف الحياة، والانتهاء إلى سجل «اللاَّأين» و«اللاَّمتى»، وفي جحيم مأزق «اللاَّمخرج» من ورطتنا الجماعية الكبرى.

عندما ننسجن في الرف الأرضي للفجيعة، ننتظر خلاصاً أو مهدياً، نحاور أشياءنا المكرورة، ونقترف الوقائع ذاتها، وبنفس تفاصيل الأداء والترتيب، ما نفعله اليوم، نفعله غداً، وتحت السقف ذاته المُحاصر والمُهدّد بالوباء القاتل، حينها نتجرع مرارة الضجر، نُحِسُّهُ جرحاً ينكأ الجرح، في تأشير دال على انتصار العنصر الخامس، أي العدم والفراغ. ذلك أن مفكِّري الإغريق الأوائل كانوا يعتقدون أن أصل العالم موزَّع بين التراب والماء والهواء والنار، وهناك من أضاف العدم كعنصر خامس، نتلظى به آنا، في مواجهة الوباء السائل. فكيف للإنسان أن ينتصر على الفراغ؟ أنّى له أن يتحرَّر من سطوة العدم؟ هناك حيث لا شيء يوحي بالامتلاء، هناك حيث الزمن ينسال بطيئاً، ويندلق مؤلماً نحو اللانهائي، ففي عز الفراغ تصير الدقيقة بألف جرح وجرح، تغدو الحقيقة وهماً، والوهم دمعاً، ينساب مالحاً من القلب قبل العين. 

الفراغ قاسٍ ومبعثر، والضجر الذي يتحدّر منه، أكثر قسوة وإرباكاً، إنه يعيدنا إلى الحيرة الكبرى، حيث اللايقين أفقاً، واللاجدوى موئلاً. ولهذا لم يكن الضجر لينسحب من نقاشات الفلاسفة والأدباء، فقد شكّل على الدوام «مسلكاً» للتفكير والتخييل، باعتباره حالة وجودية مُولّدة للقلق والتوتر. فقد اعتبره «هيدغر» على أنه الضباب الصامت، الذي يغتال الرؤية، ويفتح كلّ الاحتمالات، مثلما وصفه «كيركغارد» بأنه جذر كلّ الشرور، وأنه منتهى اللا طمأنينة برأي الشاعر «بيسوا» الذي عمل على تكثيف دلالة الضجر في هكذا تعبير: «أحس بأني لست أكثر من ظل لشكل، لا أقدر على رؤيته، إنني أعيش في اللا شيء مثل الظلام البارد، حيث لا يوجد هنا إلّا حائط الضجر، الذي تعلوه كسور الغضب الكبيرة».

إن فقدان معنى الأشياء، انتماءً وإرادة وفاعلية، يُدخل الإنسان في دوامة المبتذل والعابر والروتيني، حيث الفراغ المطلق والتدوير المكرور، ولما يغيب الحافز، وترتبك مسارات التجديد والتغيير، تتعطّل دورة الحياة في بعدها الأنطولوجي المشبع بالفعل والتردّد والمغامرة والشغف، فلا تصير الحياة جديرة بالحياة، ما دامت الساعات القادمة مجرَّد نسخ مكرورة لزمن بطيء، عنوانه الانتظار والرعب والقلق. هنا بالضبط، وكما يقول «شوبنهاور»: «تتذبذب الحياة مثل رقاص ساعة، يميناً وشمالاً، من الألم إلى الضجر، باعتبارهما عنصرين مؤسّسين للحياة».

وفي هذا الصدد، أثبتت إحدى الدراسات الحديثة التي أنجزتها المندوبية السامية للتخطيط، بالمغرب، (هيئة حكومية للإحصاء) عن التداعيات النفسية والاجتماعية لجائحة كورونا، أن أَزْيد من 40 بالمئة من الأسر التي شملتها الدراسة، عانت، وبسبب الجائحة، القلق والخوف، ورهاب الأماكن المغلقة، واضطرابات النوم، وفرط الحساسية، والتوتر العصبي، والملل. كما كشفت الدراسة ذاتها أن 70 بالمئة من المبحوثين أبدوا قلقاً، متراوحاً بين المتوسط والشديد، بشأن الخوف من الإصابة بالعدوى، وفقدان العمل، والوفاة بسبب الجائحة، وعدم القدرة على تموين الأسرة، والخوف على المستقبل الدراسي للأبناء، وعدم استثمار وقت الفراغ. وبين هذا وذاك، كان الملل والضجر، من سلطان التكرارية والاعتيادية، يلقيان بظلالهما على المعيش اليومي للمبحوثين، و«يُثْمر» مَزيداً من التوتر والعنف والألم.

لقد أنتجت الجائحة خطابات تتوزَّع بين «التديين» و«التسييس» و«الدولنة» و«التهوين والتهويل»، وفي الآن ذاته، أنتجت خطاباً آخر يمكن توصيفه بـ«الهندسة الأخلاقية للجائحة»، والذي يُعنى بـ«النصائح التدبيرية» للتعاطي مع الحجْر الصحي، ليس فقط في مستوى الاحترازات الصحّية، ولكن في مستوى التفاوض مع فائض الزمن الذي تراكم لدى الأفراد والجماعات بسبب العودة القسرية إلى المساكن، وكذا في مستوى الإرشاد النفسي والاستماع والتوجيه التربوي. وهو خطاب يستعير عُدَّته المصطلحية من علم النفس والتنمية الذاتية، لدفع الناس إلى تقدير الذات، والتفكير الإيجابي، وإدارة الوقت، وتدبير الآثار النفسية للجائحة بفائق الاقتدار والاتزان. 

إلّا أن هذه الهندسة الأخلاقية لتداعيات الجائحة، لم تمنع من بروز فروق فردية في التعاطي مع تبعات الحجْر الصحي، ولم تُلْغِ الاتساع الكمّي والكيفي لمساحات الإحساس بالعجز والملل والضجر، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى ما تُخَلّفه الصدمات من خلخلة للبناء النفسي. فالجوائح والأوبئة والحروب والثورات والانقلابات والزلازل والأعاصير هي صدمات مربكة لمسار الحياة الإنسانية، وإن اختلفت شروط بنائها الأولية، ما بين الصحي والسياسي والمجتمعي والطبيعي، فإنها تشترك جميعها، في إنتاج حالات من الهلع والخوف على الأحوال والمصائر، والتي تربي اليأس والملل اتصالاً بغياب الحلول المُرْضِية، وتراكم الخسائر الفادحة.

يفيدنا علم النفس كثيراً في فهم العلاقة مع الصدمات، ففي البدء يلجأ المرء إلى الإنكار، وهو ما لاحظناه بقوة في الخطابات الأولى التي رافقت الإعلان عن ضحايا هذا الوباء، ما أنتج نظرية المؤامرة بصدد من أنتج الفيروس التاجي ومن يستفيد من شيوعه في ربوع العالم، وأنتج، في الآن ذاته، كثيراً من القراءات والتحليلات المُنكرة لكلّ ما حدث ويحدث. بعدها تأتي مرحلة التفاوض أو المساومة مع الصدمة/الجائحة، وهنا بالضبط ينتعش، خطاب التهوين أو التهويل، وذلك في شكل إبداع نُكت عن الجائحة، أو ترويج للشك والشائعات والأخبار الزائفة، وهي ذات المرحلة التي لم تتحرر من سجل الإنكار الأولي.

بعدئذ تأتي مرحلة الإقبال على الصدمة باستدماجها والإفراط في الانشغال بها، حديثاً ومساءلةً، وهنا سنلاحظ كيف لاحت أساسيات هذه العتبة في مستوى إنعاش الخطابات المشار إليها قبلاً، حيث نلحظ «سعاراً» و«إسهالاً» في الحديث عن الصدمة، في تأكيد لتجاوز عتبات الدهشة والإنكار والمساومة. ليصل المرء في النهاية إلى مرحلة التقبل والالتزام، حيث تصير الواقعة قضيته الوجودية، التي يتفاوض معها ويتقبلها، ويلتزم ببروتوكولات التعايش معها، وهو ما نلاحظه في شأن تقعيد «العادات الصحية الاحترازية» الجديدة، من قبيل وضع الكمامات، واستعمال المطهر، واحترام مسافة التباعد الاجتماعي. 

طبعاً لا يمكن القول بأن كلّ الصدمات التي يختبرها الإنسان، تفترض هذا المسار الانتقالي، من الإنكار إلى التقبُّل، فقد تكون هناك انتكاسات وتراجعات وصدمات أخرى غير متوقَّعة، تعيد كلّ شيء إلى ما قبل الصفر، فقد ينتصر العنصر الخامس في كلّ العتبات، وقد يغدو سيد الموقف، برفقة الضجر، والذي يعتبره «إميل سيوران» بأنه العثور على الذات، لكن بإدراك بطلانها وانتفاء صلاحيتها. يحدث ذلك، تحديداً، عندما تطول الصدمة، وتصير واقعاً يرفض الارتفاع، عندما تصير «خبزاً يومياً» يصبح ويمسي عليه الفرد، ولا حقّ له في تغيير نمط العيش ولا رقعة المعيش. 

إن الضجر، والحالة هذه، هو انحسار للمعنى وانتهاء من إدراك الفارق، إنه انتفاء للإرادة وغرق مباشر في التشابه الفج، فلا اختلاف بين السابق واللاحق، ولا إحساس بالأثر أو الإثارة، ولا انشغال بالأمل أو الفضول، فقط، هي الرتابة التي تحرك بندول الزمن الضائع، بلا ماهية ولا شغف. أليس الموت المقنع بالحياة، ما يحيل عليه كلّ هذا الضجر؟ لنعترف بأن ثمّة جوائح اقتصادية ونفسية واجتماعية تترتب عن جائحة كورونا، فأي لقاح كفيل بمداواة جائحة الضجر، التي تجتاح العالم في صمت، وخلف الأبواب الموصدة، وتُخلّف وراءها عنفاً وقلقاً ويأساً معتقاً؟ وأي ترياق نحتاجه، آنا، لصناعة الحياة ومقاومة اللامعنى؟.

آل الهندسة الأخلاقية للجائحة، يقترحون التداوي بالحرف والسؤال لرتق الرقع وتلافي السقوط، وهناك من يقترح الهجرة إلى السماء ضداً على السأم، فيما آل «التسييس»، يريدونها لحظة للمصالحة مع «السياسي» والوقوع في غرام «التكنوقراط»، فيما الدولة موزَّعة بين دواء «الدولة الحارسة» وترياق «الدولة الرعاية»، في حين ينتصر آل «التهوين والتهويل» والذين يُحتمل أن يكونوا- أيضاً- من أصحاب الخطابات الفائتة، ينتصرون للرعب المعمم أو الوهم المعمم، عبر وسائط الميديا التي تَفَاقَمَ «النزوح الإلكتروني» نحو منتجاتها ومجالاتها التداولية الافتراضية والواقعية، وبين هذا وذاك، يبقى الضجر والتنميط والملل واقعاً يبحث لنفسه عن لقاح آمن، في انتصار، نتمناه مؤقتاً، للعنصر الخامس.

لا بأس أن نكتب ختاماً مع الفيلسوف «سلافوي جيجك»، مديحاً للملل، عَلَّهُ يعيدنا إلى سجل الأمل، فالملل عنده هو مطلع كلّ فعل أصيل، وأنه ما يفسح المجال لانشغالات جديدة، إذ بغياب الملل يغيب الإبداع، وإن لم تشعر بالملل، يقول «سلافوي»: «فإنك مستمتع، وبغباء، بوضعك الراهن». فالملل سؤال يقظ، يدعوك إلى رفض الكسل وبحث آفاق أخرى لكتابة الحيوات..

الملل.. كتلة من ظلام تعاند الحياة

يقود الإنسان العاقل حياته بوسائل عاقلة تقيه الأذى، ويتصرَّف العقل اللامسؤول بطرائق مغايرة تلحق به ما لا يريد. ويغدو استعمال العقل سؤالاً ضرورياً في أوقات الأزمات حال ما نعيشه اليوم، ويأخذ اسم: (كورونا).

يثير هذا المرض الذي يجبر الناس على ملازمة بيوتهم، سؤالاً فردياً وجماعياً واجتماعياً عنوانه: الملل سؤال قديم يمزّق الزمن، وقد يمزّق الإنسان الملول، ويرسل بشظايا قاتلة إلى اتجاهات متعدِّدة. ونقيض الزمن الممزّق زمن مرتّب، يشرف عليه عقل فاعل، يحسن استعمال الوقت، ويستولد منه نتائج بصيرة. 

تعطي حكاية «حي بن يقظان» للأندلسي ابن طفيل، التي تُعتبر من بدايات القصّ العربي، درساً في الاستعمال الحكيم للعقل والزمن معاً. فقد وجد بطل الحكاية ذاته في جزيرة منعزلة، لا بشر فيها، ولا لغة إنسانية إلّا من عالم محدود معمور بالنبات والحيوان. ما جعل من تسرية الوقت سؤالاً باهظاً، يرتدّ على الإنسان المهجور ويمزّقه، أو يتوجه إلى الطبيعة ويسائل أسرارها، ويدرك، تالياً، عظمة الخالق وجمال المخلوق.

برهن «حي بن يقظان» الذي تأمل الطبيعة، وأدرك معنى الخالق بلا كتاب، عن نتائج ثلاث، تقول الأولى: يساوي الإنسان جملة الوقائع النافعة التي أنجزها، الموّحدة بين العقل والزمن ومعرفة متوالدة لا سبيل إلى استكمالها. ولكن قد نسأل: ماذا لو استسلم بطل الحكاية إلى الفراغ، أي الملل الممضْ؟ ينوس الجواب بين طرفين: تدمير الذات، إذ في الوحدة ما يفضي إلى الجنون، أو تدمير الطبيعة المحيطة به، ذلك أن الإنسان المستقيل من الفعل العاقل، ينجز أشياءً فاسدة.

وقد نذهب إلى سؤالنا مباشرة: ما الذي يمكن أن يفعله إنسان فقير المبادرات ألزمه مرض الكورونا بالبقاء في بيته مع آخرين؟ ينطوي الفقر في المبادرة على الاحتفاء بالغريزة، التي لا تستثير العقل ولا تتعامل معه، ذاهبة مباشرة إلى جملة من الأفعال العمياء مرجعها الأول: العنف الذي يلحق الأذى بالآخرين، فإنْ وسّع مجاله غدا عنفاً أسرياً، يقوض أسس الحوار والتكامل الاجتماعييْن. وبداهة فإن العنف الغريزي الذي يطرد الحوار، يفكك الجهود العاقلة التي يحتاجها الناس المحاصرون في زمن يثير الخوف والقلق. ففي زمن الأزمات يلجأ المأزومون إلى الخبرات المتراكمة، التي تتضمَّن الحوار والمسؤولية والتسامح والغفران، وكلّ ما يستعيض عن زمن ضيّق بآخر أكثر دفئاً واتساعاً. وبقدر ما أتاحت الإشارة إلى «حي بن يقظان» التمييز بين العقل الفاعل الذي يطرد الفراغ والعقل المستقيل المسكون بالسأم؛ فإن في العودة إلى اليوناني القديم «أفلاطون» ما يفصل بين أجزاء الروح غير العقلانية التي تُسلّم قيادة الحياة إلى غرائز مدمرة، وتلك المغايرة لها، المحتفية بحياة الإنسان والحفاظ عليها، وبذل الجهود الفردية والجماعية لحماية مجتمع يتهدّده الأذى. وهناك التمسك بالقوانين العقلانية، كما البحث العاقل المتناتج الذي يفصل بين الاستخفاف بالمرض، الذي هو امتهان لحياة الآخرين، ومواجهته بشكل إبداعي، فللإبداع مكان في الفنّ والأدب ومحاربة الأمراض، أيضاً.

تُحيل الملاحظات السابقة إلى فضيلة التضامن، النافية للملل والسأم، ومبدأ: «الواحد الأناني المكتفي بذاته»، ذلك أن الفردية الأخلاقية، في زمن الأزمات، ترى المجموع قبل الأفراد، والفعل قبل اللامبالاة والنجاة قبل الهلاك. فمن لا يرى إلّا ذاته يطلق النار، فعلياً أو مجازياً، على الآخرين، حال بطل «البير كامو» في رواية «الغريب»، الذي بدّده الملل في يوم قائظ، وأراد أن يبدّد الملل، ووجد الحل في إطلاق النار على إنسان عربي بريء، لا يعرفه ولم يلتقِ به.

يستدعي العالم الانفعالي للإنسان المبدأ الأكثر فاعلية في الحياة الإنسانية: التحكم بالذّات، ما يعني طرد الأهواء والمشاعر النافرة والمنفرة، التي تلبي رغبات لا يعترف بها المجموع. تحدث الفيلسوف «سبينوزا»، وهو يهجو الطغيان، عن «التحصين العقلاني للإرادة»، التي تسيطر على الدوافع غير المشروعة، ومنها الملل، مؤكّداً أن «العقل أداة موائمة لصقل الأقوال والأفعال»، فطرد العقل هو طرد حياة الإنسان كما يجب أن تكون. كان أفلاطون في كتابه «الجمهورية» قد ذكر: «أن العواطف الكريمة تخضع إلى العقل، كما تخضع الكلاب إلى الرعاة».

لن يكون الملل، والحال هذه، الذي يقلق الإنسان الملول ومن حوله، إلّا «كلباً ضالاً»، يُلحق الضرر «بالقطيع كلّه»، يبدّد الزمن في مواضيع فاسدة ومفسدة. ذلك أن «الروح العاقلة» تأخذ بزمن متصاعد، ينتقل من خير إلى آخر، بينما زمن الملل تكراري، يومه كأمسه، وغده لا معنى له، ما يرمي بالإنسان إلى حلقة مفرغة جامدة الشكل ميتة المضمون. إن زمن الشدة، إن أُحسن استثماره، يجلو العقل بأسئلة جديدة، ويرتقي بالروح، ويفتح لها أبواباً لتأمل السماء والأرض، بل إن في غرابة وباء «كورونا» ومكره ما يحض على مساءلة أوضاع الإنسان والوجود، و«مواساتها» بالعودة إلى عالم الثقافة والفنون، وتعاليم الأديان.

تحرْض العزلة القسرية التي يفرضها «كورونا» على فعلين، أولهما: أن يمتحن الإنسان ذاته، وأن يستنطق عالمه الداخلي، وأن يروّض ذاته، وأن يوسّع حدود احتماله، وأن يمرّ على أحوال الروح المختلفة: الخوف، القلق، التشاؤم، التفاؤل، العزيمة…. وعلى جميع الأحوال التي لا تقبل «بالملل»، ولا يقبل بها، إذ في الخوف سؤال، وفي القلق هاجس، وفي التشاؤم والتفاؤل حوار مع الإرادة، وفي العزيمة استنهاض للعقل والروح والخبرة معاً. بهذا المعنى، يمكن الحديث عن: ثقافة الأزمة، وثقافة مواجهة الأزمة.

أمّا الفعل الثاني فعنوانه: الصبر، لا بمعنى الاستسلام بل القدرة على تحمّل ظرف صعب قابل للرحيل. نقرأ باللّغة العربيّة: «تجمّل بالصبر»، كما لو كان الصبر فعلاً جميلاً، ينقذ الصابر والصابرين، وهو ما لا يستطيع فعله إنسان ملول مسكون بالنقمة والتطلّب، لا يسأل الآخرين المعونة والصبر، إنما يقتل وقته بمسليّات مبتذلة.

أنتج السوق، كما هو الحال دائماً، بضاعة تعالج الملل، مثل: الأفلام الرديئة، والروايات الهابطة وما يشتق منها، تعيد إنتاج الملل بأكثر من شكل. فالملل لا علاج له، فهو أقرب إلى الموت، على خلاف «ثقافة الحياة» التي أدركت في الأزمنة جميعها، أن الإنسان يذهب إلى نجاته، ولا تأتي نجاته إليه، حتى لو كانت طرق النجاة صعبة وطويلة.

وسواء استقدم الملل ثقافة مبتذلة وعادات أكثر ابتذالاً، فإن معنى الإنسان يقوم في خياره، في التصرّف بكمْ الزمن المعطى له، أكان ذلك بحرية واسعة أو محدودة، ذلك أن القول بخيار حر أو منقوص الحرية؛ يتعيّن ببعد أكثر أهمِّية عنوانه: المسؤولية، فخيار حر رشيد يفضي إلى مصلحة الفرد والمجموع، أما خيار بائس فيعود على الطرفين ببؤس جديد.

من المحقق أن زمن «كورونا» بدّل دلالة التصورات القائمة والموروثة، فقد تغيّر مصدر الخوف، وقواعد العلاج والوقاية، وتراجع اليقين القائل بأن الإنسان يعرف كلّ شيء، وأنه قادر على ترويض ما يؤرق حياته. بيد أن من المحقق -أيضاً- أن «الإيمان» عنصر لازم لقيادة الحياة وتحملها، على اعتبار أن الأمل هو الوجه الآخر للإيمان.

في زمن غير هذا، كانت مقولة الملل، وهي تُحيل إلى مفردة أدبية وفلسفية ونفسية، على خلاف اليوم، حيث تبدو جزءاً، لا يقبل به المجموع المتفائل الذي يواجه الخوف وينشد الأمل.

ما أراه من النافذة

أنظر من النافذة المُطلّة على البحر والمنبسطة فوقها السماء، فلا أرى سوى العصافير والطيور المختلفة. الفضاء في زمن الحَجْر الآن ملك لها، تطير جماعات جماعات بلا حذر ولا خوف. ترفرف وتتلاعب وتغني كما يحلو لها. تقدِّم عروضاً رائعة مبتهجة بحالها.

لم يعد كلّ هذا الفضاء يتّسع لطائرةٍ واحدة. والسماء للمرّة الأولى في حياتي بلا طائرات ولا ارتجاجات عبور فوق شقتي. تفتح رئتيك لهواءٍ نقيٍّ وشفَّاف، لم تتنفّسه منذ زمنٍ بعيد. فلقد انخفض التلوُّث بنسبة كبيرة في بيروت وسائر المدن المكتظة بالأنفاس ومخلَّفات المصانع ودخان البنزين وزحمة السير الخانقة. 

تحاول أن تتنفّس بدون انقطاع، فأنت أنت بلا كمامة تتنشّق هذه النعمة المفقودة. فهذا الجو النقي بسمائه الربيعيّة، منذور الآن لرذاذ الكورونا المجهول الإقامة والهويّة. فلا يسعك إلّا أن تكتفي بصمت الشارع، بهذا القدر انمسح أيضاً على أزقّة مغلقة بواجهات مظلمة وبوابات حديد. 

وحدي في شقتي. وصيامي عن استقبال الضيوف قديم وراسخ. إنه التباعُد الاجتماعيّ أصلاً في البيت فقط. لكن هناك في المقابل، عند السواد الأعظم، حجْر عائلي. تباعد عمومي وتقارب خصوصي. وهذه القاعدة تجدها بين الدول والشعوب. تضامن كبير لمواجهة الكورونا، ولكن في الوقت ذاته، يغلق الجميع الحدود على الجميع. إنه الحظر الملياري غير المسبوق. إنها المرّة الأولى في التاريخ التي يعيش العالم فيها عزلاً كاملاً. ومفارقة المفارقات أن هذا الفيروس لم يوفر الأغنياء ولا الفقراء، ولا بين دولة وأخرى. الكلّ في الكارثة نفسها. إنها تراجيديا بقسماتٍ عبثيّة!

العالم مصاب بحمى الفراغ والتوتُّر والخشية. هل يدفع هذا الفيروس إلى إعادة الإنسان في هذه التناقضات الكونية إلى مخزوناته الإنسانيّة أم أنها مرحلة كغيرها من المراحل التي عرف فيها البشر أوبئة قاسية وشرسة وقاتلة أيضاً؟ لا. ينتابني الإحساس بأن العالم بعد الكورونا سيكون حتماً غير ما قبله.

أتأمّل من النافذة وأفكِّر. أرتعد وأصاب بالحزن. عائلات رمت كلابها وقططها بالآلاف من البيوت إلى الشوارع بعدما شاع خبر أنها تنقل الكورونا للبشر، ولا شكّ أن مصيرها الموت. وما آلمني أكثر أن مجهولين في مناطق عديدة في لبنان دسّوا السم للكلاب ليتخلّصوا منها. أيُّ إجرام أفظع من هذا؟

أفكِّر أن الحَجْر الصِّحيّ في المنازل يتيح فرصةً ثمينة في استرجاع العلاقة شبه المنقطعة بين الأهل والأولاد. من مثل أن يتعرَّف الواحد من الناس، وخاصّةً الآباء على ابنه وابنته اللذين لا يعرف عنهما شيئاً تقريباً. يمكن للأزواج والزوجات أن يستفيدوا من هذا الحَجْر مع بعضهم البعض لتوثيق العلاقة بينهم، وفهم بعضهم بعضاً أكثر، والمشاركة في أمورٍ كثيرة، لكن للأسف تعنيف الزوجات تكاثر إلى حدٍّ مرعب، وهناك حوادث قتل حصلت. فالمرأة «مكسر عصا» أو «كبش محرقة» في الحياة العادية، فكيف في حال الأزمات؟ يا للوجع من كلّ ذلك!

أكاد لا أصدِّق أن أشياءً كثيرة في العالم باتت أشبه بديكور مسرحي خالٍ من الحياة.

الإنسان لم يعد نفسه. صار كائناً مدجَّجاً بقفّازاتٍ من النايلون، وبكمامات تخفي نصف وجهه. إنه الخوف من الآخر. أفكِّر وأفكِّر بأن الشارع حين يخلو من الآخر يصبح أكثر طمأنينة. لكن هذا الخوف يتضاعف حين أتمنى أن أرى أمامي قطة أو كلباً أو أي حيوانٍ آخر. أحتاج وجود الآخر من أي جنسٍ كان. 

يعتريني حين أحدِّق في عمق الأفق ما يشبه صخب المشاعر والانفعالات المُباغتة. أروح وأمشي في البيت. ما أصعب ألّا ترى ما يجب أن يُرى، ألّا تسمع ولا ترى دعساتك وأنت قريبٌ منها. وما أجمل أن تنهض صباحاً وتتأمَّل البحر لتهدهد لروحك وتمسح الغبار عن فوضى أحاسيسك من خوفك من الإصابة بالكورونا. ثمَّة فرق بين العزلة الاختياريّة وبين الحَجْر الطوعي. أفكر أن الأمر ربَّما أشبه بالعبودية الطوعية أو المفروضة. أضيع وأتيه وأنا داخل بيتي، وأشعر أنني محبوسة داخل نفسي. كأني وسط نار في محبس حولي. هذا الحَجْر الطوعي لا بد منه، لكنه الحبس الحقيقي. أستعيد جلساتي في المقهى الذي اعتدت الكتابة فيه خلف النافذة المُطلة على الشارع. أشعر أن الخروج إلى فضاء الشارع قد يشفيني من كلّ هذا الخوف والحزن على البشريّة والغضب الجاثم في صدري. أصل إلى الباب، ثم أنكفئ وأتوارى إلى الداخل، إذ يتراءى لي أن الكورونا ينتظرني ليصيبني، فأشعر بأني سأفقد وعيي.

صعب ألّا يكون لك منفذٌ إلى مكانٍ طلق لا تزنّره جدران ولا سقف. سجين في صندوق يضغط على كلّ جهاتك. أرتعد من الكورونا ومن السجن. ثم أروح أبحث عن قبس ضوء يعيد إليَّ الطمأنينة، على مزاج يعينني على ما يحدث هذه الأيام السود التي يكابدها كلّ مَنْ يعيش على هذه الأرض. زمن الكورونا. أغمض عينيّ في صندوقي الكرتوني وأروح أسير على طريق مفتوح، طريق في واقع الحال لم أعرفه سابقاً: أستعين بمخيلتي لأقاوم خوفي وسجني. فلها ألف جناحٍ وكلّ أجنحتها مرصودة لي. ربَّما كانت تكاد تكون النعمة الأكرم في حياتي. أستعين بها، فأرى خوفي ينكمش مثل فأرٍ ويتراجع. أحاول جاهدة أن أسمع صوت دعساتي في بيتي ثم يغلبني الظنُّ أنها صوت دعسات آخرين فأشعر بالأسى. يُخيّل إليّ أن زمن الكورونا انتهى. أرى الناس قاطبةً على الكرة الأرضية يركضون في الشوارع ويعانقون بعضهم البعض دون خوف من الآخر وأصدِّق ذلك. ألعب بطفولتي وأتخيّل ما يحلو لي على غير ما كانت. أرسم وجهاً بشوشاً لأمي التي لم أرَ ابتسامةً كاملةً عريضة تلمع على شفتيها طوال حياتها قبل أن ترحل. أختلق طفولة سعيدة وأصدِّق أنها كانت زمن الهناء لتكون زاداً لي لأحتمل المُكابدات، رغم أن طفولتي كانت مؤلمة وحزينة. ثم ينتابني الشعور بأنني سرقت أو انتحلت طفولة إحدى شخصيّاتي في رواياتي التي كتبتها، ثم يغلبني الظنُّ أنني أتلبّس طفولة لحياة بطلة سأكتبها. ألحق بمخيّلتي وأتنفس الصعداء، فهي الوحيدة التي تفتح لي الأبواب وتتيح لي عالماً افتراضياً لبرهةٍ أحياناً، وأحياناً أخرى لوقتٍ طويل تُبعد عني الاختناق والخوف لأغطس من جديد في لهاثٍ متسارع. متى ينتهي الكابوس؟ لا أحد يعلم. ليتني أنام ولا أفيق إلّا والبشر بكامل حرّيّتهم، وأنا أيضاً. أستعدُّ للخروج والسباحة في الهواء. ستنبت لي لو حدث ذلك أجنحة ستكون جاهزة للتحليق ليس في الفضاء فحسب، بل أيضاً في فضاء الكتابة.

في غمرة هذا الأبوكاليبس، في غمرة انحلال الحياة إلى درجة الصفر، لا أعثر إلّا على هذا الصراخ: ليتوقَّف الإنسان أن يكون رقماً في عداد القتلى والمصابين بالوباء في وقت تتحوَّل فيه الحياة إلى محرقة، والبشريّة إلى ما يشبه الشلو – فريسة في فمِّ العدم. وما أتمناه انتصار الإنسان على هذا العدو التاجيّ، وأن يستعيد هذا العالم وجهه الجميل، حيث يسود الخير. الحقّ. العدل. الأخوّة والمحبّة أوّلاً. وما أخشاه هو أن يعتاد الناس على هجر بعضهم بعضاً والتباعد الاجتماعيّ والخوف من الآخر. لا، سيكتشف الواحد منّا أنه لن يكون موجوداً بدون الآخر، إنْ كان في وطنه أم في العالم. وهذا ما يطمئنني.

لا تحمِلْ الحياةَ على محمَلِ الجد

«لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم ولا تغييره للأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس. لم تعد ثمّة مقاومة ممكنة سوى ألّا نأخذه على محمل الجد». أتأمَّل ما يقوله كونديرا لنا في كتابه «حفلة التفاهة». إنّه يقول شيئاً مُلهماً لهذه المرحلة التي تعصف بالعالم. إذ في اللحظة التي يعترينا فيها العجز واليأس، تجعلنا هذه الجملة على نحوٍ ما أكثر اطمئناناً وراحة، لأنّ العالم يتغيَّر بتسارع أكبر من قدرتنا على تأمُّله، وبالتالي يغدو عدم حمله على محمل الجد مريحاً بعض الشيء.

لم يحدث طوال العقود الأربعة التي عشتها على وجه هذه البسيطة أن شهدتُ أمراً مماثلاً. لا أتذكّر أنّ المدرسة أغلقت لأكثر من يوم أو يومين لأسبابٍ تتعلّق بالأيام الممطرة، لا أتذكّر أوقاتاً صار فيها لمس وجهي أو حكّ يديّ أمراً ينطوي على مخاطر. لم أعد قادرة على الثقة بجسدي، فقد يصبح عدواً لي خلال أسبوعين وحسب. لم يحصل أن مرّ وقت بهذا الطول دون مصافحة أو أحضان متبادلة مع أحبتنا. لم أعتقد للحظة أنه سيتعذَّر عليَّ الذهاب إلى بيت أهلي لمجرَّد أنني أعيش في مسقط الواقعة تحت الإغلاق، بينما يعيشون في محافظة الباطنة، كما لم أتوقَّع أن تغدو أكياس الطعام التي أحملها لبيتي من الدكان المجاور مفزعة كمسخ كافكا!

من حُسن الحظ أنّ الكُتَّاب كائنات تحبُّ العزلة، ولذا يمكن أن يتحوَّل البقاء في البيت دون توقع زيارات طارئة نعيماً كبيراً. أتذكَّر الآن عزلة بوهوميل هرابال الصاخبة جدّاً، إذ وبرفقة الفئران التي تنهرس تحت أكداس الكتب، كانت تمضي حياة «هانتا» بطل الرواية، ذلك المضي المستمر في حقل السُّلطة المطلقة التي يتوهمها عن جنته، وأعني هنا مستودع الكتب، ذاك الذي أخد عمره كلّه، فهانتا قضى خمسة وثلاثين عاماً من حياته في سحق الكتب بآلة صغيرة، ولكنه قبل أن يفعل ذلك كان يغرق في قراءتها وتأمّلها كما يتأمَّل النجوم المُرصَّعة في السماء، بل إنّه يستدعي جُمَلاً منها ليقولها لحبيبته، أو ليضعها على قبر عمه المُتوفى. عزلة هانتا كانت كافية جدّاً بالنسبة له برفقة أرسطو وأفلاطون وسارتر وكامو وغوته، وغيرهم.

أكتشفُ أنّي وزوجي لدينا قدرة على التأقلم والبقاء برفقة الكتب ومشاهدة الأفلام، ومزاولة أعمالنا العالقة من البيت دون مشقة أو تبرم، إلّا أنّ ذلك لا يغدو سهلاً برفقة الأولاد. عندما سُئل القاص والشاعر الأميركي ريموند كارفر: «لماذا تكتب القصص ولا تكتب الروايات؟» أجاب أن بقاءه برفقة الأولاد في مكانٍ واحد يمنعه من ذلك. لقد تزوّج وهو في الثامنة عشرة من عمره وكانت زوجته حاملاً في السابعة عشرة من عمرها، ولذا لطالما كان يبحث عن عمل كتابي ينهيه في جلسة واحدة إلى المنضدة. الآن أفهمه جيّداً. إذ كنتُ على منضدة العمل أنهي الكثير من المسائل المتعلّقة بالعمل ومسائل أخرى تتعلّق بمشاريعي الشخصيّة، كالقراءة والكتابة، والآن أنا أجلس إلى منضدة البيت، ولا أنجز إلّا النزر اليسير. الأبناء يقاطعون كثيراً. الجلوس لساعة متواصلة بات أمراً شاقاً ويتطلَّب معجزة. 

لا أتذكّر حرفياً ما قالته أليس مونرو، لكني لا أستطيع أن أنزع الصورة التي تركتها كلماتها في رأسي في أحد حواراتها البعيدة، وهي تقول إنها تضع يداً على رأس ابنتها المُتطلبة وأخرى على أزرار الآلة الكاتبة. إننا بطبيعة الحال نهوى العُزلة، ولكن الأبناء يقوِّضونها بطريقتهم. وبالمناسبة لم تكتب مونرو رواية أيضاً، لم تكن تستطيع الكتابة إلّا في قيلولة بناتها.

الأمر بدا سيئاً في الأيام الأولى. الأولاد يأكلون الوقت بمعنى الكلمة. الطلبات لا تهدأ. يريدون الطعام من يد الأمّ. يريدون النوم على قصص الأمّ. يريدون أن يملأوا بواسطة الأم الفراغ الكبير الذي أحدثه تغيُّبهم عن المدرسة، والأمّ تحلم بأن تجلس إلى منضدة الكتابة وحسب.

تتكثف العذابات عندما يرفعُ ابني الصغير، والذي ليس بحوزته كلمات بعد، سبابته مشيراً إلى حذائه، راغباً في المشاوير المعتادة للدكان أو للحديقة المجاورة لبيتنا كما عوَّدته من قبل. يبدو إفهامه أصعب ممّا توقَّعت، لكن باحة البيت وحديقته الصغيرة، كانت تؤمِّنُ لنا مشواراً صغيراً. ما إنْ تخفت درجة الحرارة بعد الخامسة مساء، وبينما نشرب الشاي ونتناول الكعك في الباحة الصغيرة، أفكِّر بحزن بالآخرين الذين يقطنون الشقق الصغيرة وتتضاءل مساحاتهم أكثر فأكثر! 

بمرور الأيام بدأت الأشياء تنتظم. أحدنا بدأ يقدِّر احتياج الآخر. قلتُ في نفسي: على الأمّ الكاتبة أيضاً أن تتحرَّر قليلاً من أنانيتها، وأن تفتح شباكاً صغيراً للعب والضحك ومشاركات المطبخ. أمضينا وقتاً مشتركاً نحضّر أطباقاً لم نكن لنظن أنّ تحضيرها بالبيت ممكن، وقد شكّل الزوج العاشق للطبخ مشاركة لا تقلّ أهمِّية. يمكن لأيدي الجميع أن تُحرك البيض الآن، وأن تعجن الطحين، أو تضع البهارات المنتقاة ليكون طعم اللحم ساحراً بعد الطهو.

كما أنّ انقسام العائلة لفريقين صغيرين، يعيدان اكتشاف لعبة قديمة لعبتها الأمّ والأب في طفولة بعيدة، لم يعد أمراً يمكن استثناؤه من المخطط اليوميّ. فما إنْ تخفت درجة حرارة الشمس حتى نستعيد حرارة لعبة «صيد الحمام»؛ فريق يتكوَّن من الحمام، وآخر يتكوَّن من الصيادين، وتتغيَّر أدوارنا بحسب الربح والخسارة. الأمّ والأب اختارا كلمة «الكتب» للتعريف بفريقهما، واختار الأبناء كلمة «الألعاب» للتعريف بفريقهم. يقول الأبناء إن الألعاب الإلكترونية هي معرفة حديثة تنتصر على الكتب، إلّا أنّ فريق «الكتب» ما يزال متقدِّما بعِدّة انتصارات حتى لحظة الكتابة هذه.    

يتأخر موعد النوم قليلاً لمشاهدة أفلام عائلية. تنشب العديد من الخلافات. إذْ ليس من السهل أن نتفق على فيلم، ثم تجري المفاوضات، ويعقبها قرارات حاسمة. ثمّ يأتي وقت النوم «وفي النوم يتساوى الجميع، تذوب خبراتهم وذواتهم وذكرياتهم وتصبح كلّها مشاعاً بينهم، حتى غيابهم غير القابل للمشاركة يصبح مشتركاً، فالنوم يقترح نوعاً آخر من الجماعية. ليس حاصل حضور أفرادها، وإنما حاصل الغياب المشترك» هذا ما يقوله هيثم الورداني في كتابه الجميل عن «النوم». 

عندما يمر شريط الأخبار بأرقام خيالية لإصابات كورونا نصاب بجرعة إحباط، ونتذكّر نفق ساباتو: «لا شيء له معنى. نولد وسط الآلام، على كوكب صغير، يسير نحو العدم منذ ملايين السنين. ونترعرع ونجاهد ونمرض ونتألم ونسبب الألم للآخرين ونصخب ونموت ويموت أناس، في حين يولد أناس آخرون، ليبدأ تكرار الملهاة من جديد». 

أحاول أن أكون أقلّ سوداوية، إلّا أنني وفي هذه الظروف، أقرأ رواية للكاتب الألماني توماس مان «موت في البندقية»، أقرأ عن الموت الذي يترصَّد مدينة الجمال في رواية كتبت عام 1912، والتي حوَّلها المُخرج لوتشينو فسكونتي إلى فيلم أتوق لمشاهدته حقّاً. المدينة التي تتحوَّل في مشهدٍ عجائبي لعربات نقل موتى الطاعون، تحيلنا الرواية بشكلٍ دراماتيكي لعربات موتى عام 2020 في الصين وإيطاليا وأميركا وإسبانيا وفرنسا. مشهد مرعب بين حدثين يفصل بينهما مئة عام من اختلاف القيم الإنسانية والطب والتقنية، إلّا أنّه لا يمكن لأحد أن يرد الموت الكثيف!  

أفضِّل الآن أن أصغي لنصيحة كونديرا، وألّا أحمل المسألة على محمل الجد. إذ يمكن بعد هذه التجربة الشاقة أن يستيقظ العالم من أدرانه وخيباته، وأن يستعيد بعض سحره اللافت.