ماراثون

ذكّرتني هذه الأرقام لأعداد الموتى والمصابين التي تشرد على نحو مسطح، برواية (غرارغنتوا وبنترغويل) لرابليه. فعلى نحوٍ اعتباطيّ ساخر تمتلئ الرواية بأرقام الموتى، وكلّ ما يتعلَّق بهم هو مجرَّد رقم. لكن بدا من العجيب أن نكون في القرن الحادي والعشرين ومرض من فصيلة الأنفلونزا يفتك بهذا العالم من حولنا. لقد كان من السهل الخروج للحصول على ما أشاء من الكيت كات، بينما الآن ثمّة أهوال ومخاطر دون شراء الكيت كات، ومعقمات وأقنعة وقفازات، وقلق لا ينتهي، حيث لا أمان من الخوف.

بدأ الحجر المنزلي بالنسبة لي عندما أُعلن عن تعليق الدراسة، وعن تعليق الحضانات. أحضرت طفلي من الحضانة، وبعدها لم أخرج حتى لحظة كتابة هذا المقال إلّا مرّتين، مرّة إلى حديقة المتحف الإسلاميّ بعدما أغلقت مناطق لعب الأطفال وقبل أن تغلق الحدائق، ومرّة إلى الممشى القريب من بيتنا.

أظنني من أولئك الذين لم يطرأ على حياتهم تغييرٌ كثير، لأنني لست مَنْ أسيطر على حياتي حالياً، ولست مَنْ أقول تفاصيل يومي، بل طفلي الذي يبلغ من العمر سنتين إلّا قليلاً. فالوقت ينقضي في ملاحقته، ومعنى ذلك أن لا وقت لديَّ لملاحقة ما عداه. 

لكن ما حدث أنّ عليَّ أنْ ألاحق مسؤوليات الجامعة، وذهني قال لي إن عليَّ انتهاز هذه الفرصة- التي ليست فرصة كبيرة في مثل وضعي- لإنجاز البحث الذي أعمل عليه.

الوقت الذي أستطيع اقتطاعه لنفسي هو ساعة إلى ساعتين قبل النوم، بعد أن ينام طفلي، فهذا الوقت عليَّ أن أختار إمّا أن يكون للجامعة، أو لإنجاز بحث أيضاً للجامعة، أو لرفاهيتي، وهذا خيار صعب حالياً، فلا أستطيع الاستمتاع وأنا أشعر بأن ثمّة كومةً على رأسي تثقل عليَّ.

كان عليَّ أولاً أن أتعلَّم كيف أعطي محاضرات (أون لاين)، ومع أنني حضرت ورشة فيها إلّا أن التطبيق أمرٌ آخر غير التعلُّم على سبيل الإضافة من غير حاجة، ثم عليَّ أن أجهّز لهذه المحاضرات. ثمَّ كان عليَّ أن أتعلَّم كيفية إعداد الاختبارات الإلكترونية، وبعدها كان عليَّ أن أعدَّ واحداً على الورق، ثم أنقله إلى الشاشة، وبعدها كان عليَّ أن أعدَّ سلسلةً من الاختبارات، للدرجات الباقية، وهي أكثر من النصف، وللاختبار النهائي الذي تمَّ تقسيمه، يعني ازدادت الأعمال التي تعوِّض درجة هذا الاختبار، عدا عن التحدّي الأكبر، وهو الحرص على عدم وجود منافذ ما للغش.

وهكذا مرّت الليالي الأول، أحضّر اختبارات الساعة 12 ليلاً، بعيونٍ نصف مفتوحة.

بعدها صرت أعمل على بحثي، وبعد الانتهاء من الحصة اليوميّة أحاول أن أقرأ ولو صفحتين أو ثلاثاً. كنت أحاول البحث عن رواية رومانسيّة غارقة في الأحلام الوردية، لكن ما حصلت عليه أولاً، رواية عن حرب البوسنة تملأ القلب حزناً، ولم أكملها، لأن هذه الحال لا تنقصني بالتأكيد. الرواية الأخرى فرنسيّة، حسيّة باردة من زمن الحرب والتجريب، لم أجد فيها ما يشد، على الرغم من الجوائز التي حازت عليها والغموض الذي شاب اسم مؤلّفتها. الرواية الثالثة عن القراصنة، توقَّعت شيئاً ما جميلاً ومثيراً مثل شخصيّة جون سيلفر، وكنت قد شاهدت قبل سنة مسلسل (الأشرعة السوداء)، الذي تدور أحداثه قبل أحدث رواية جزيرة الكنز بعشرين سنة، وراقني المسلسل كثيراً على الرغم من العنف المفرط فيه. لكن هذه الرواية كانت قرصاناً ينط من بناءٍ إلى بناء، على نحوٍ يشبه الرجل العنكبوت أكثر من تلك الصورة المتخيَّلة لقرصان عتيد. تركت أيضاً هذه الرواية، وقرّرت الذهاب إلى خيار بدا أكثر وثوقية، إيزابيل الليندي، في رواية ما بعد الشتاء، حيث حصلت على رواية شدّتني، على الرغم من سخافة الحبكة ولا منطقيتها، لكنها غمرتني كعادة إيزابيل الليندي.

بعدها بحثت عن خيار أكثر كلاسيكيّة وأكثر تهذيباً، جين أوستن، رواية كبرياء وهوى، أجد الترجمة سيئة قد نزعت ثلاثة أرباع الأحاسيس، لكنني اكتفيت بالسرد البارد، واعتمدت على مخيلتي لتكمل الباقي.

كنت أودُّ أن أكون ممنْ يغطسون في (نتفلكس)، لكنني أكره الشاشات قبل النوم، لأنها تقلق نومي القلق أصلاً، وأنا بحاجة إلى ما يريح ذهني، لا ما يحفِّزه أثناء النوم، ليستدعي الأفكار والأحلام المختلطة من كلّ حدبٍ وصوب.

من جهةٍ أخرى، امتلأ الجوال بالأشياء التي أفكِّر أنني قد أشتريها حين الخروج من الحَجْر المنزلي، وحين يعود إلى الدنيا رونقها، أو رتابتها المعهودة. مواقع التسوُّق اتخذت كلّ منها خطة، بعضها أغلق محلّاته، وأغلق موقعه أيضاً حتى حين. مواقع أخرى أغلقت المحلّات، وقالت نرسل لكم ما تريدون حتى البيت. ومواقع أخرى استمرَّت، وقالت إن توصيلنا آمن. مواقع أخرى تجاهلت الموضوع تماماً، وأبقت على واجهاتها السعيدة المبتهجة، وألوانها الصيفية الرائقة، وتموضعات عارضاتها الراقصة والمتحدية.

وأنا أعيد التعرُّف على حوش منزلنا كنت أفكِّر في حلول لأزمة الاحتياجات بعد أن صار الذهاب إلى كارفور رحلةً ملغّمة، بعد أن كان تمشيةً آمنة.

قرأت عبارة على تويتر، أن العمل عن بُعد يعني عند الأهل أنك في إجازة، ويعني عند الدوام أنك متاح 24 ساعة! وهذا قولٌ حق فعلاً. فالظاهر أنك في إجازة، لكن الإيميلات الطويلة ذات التوجيهات والتبليغات والأوامر والتساؤلات لا تنقطع، بينما ليس ثمّة وقتٌ لقراءتها، أو للتفكير بها، أو للتعاطي معها، فتعمل ضمن الحدود القصوى، وبالسرعة القصوى أيضاً. نفِّذ فقط، لأن لا وقت للتفكير.

يقولون إما أن تقوم بالأمر بسرعة، أو أن تقوم بالأمر على نحوٍ صحيح.

لا أدري إنْ كان هذا النحو الصحيح يمكنه أن يأتي أبداً.

هذه الأرقام لأعداد الموتى والمصابين التي تشرد على نحوٍ مسطح، قد ذكّرتني برواية لرابليه، لم تتوفَّر لي، لكنني قرأت مقاطع منها، رواية غرارغنتوا وبنترغويل، إذ تمتلئ الرواية بأرقام الموتى على نحوٍ اعتباطيّ ساخر، حين يتحوَّل البشر إلى مجرَّد أرقام، وكل ما يتعلَّق بهم هو مجرَّد رقم، مثلما كان الأمر في الجائحات السابقات التي عرفها العالم، لولا أنْ اختلفت آلية العدّ. لكن بدا من العجيب أن نكون في القرن الحادي والعشرين ومرض من فصيلة الأنفلونزا يفتك بهذا العالم من حولنا.

يذكّرني في كل لحظة، كَمْ كان من السهل الذهاب للحصول على ما أشاء من الكيت كات، بينما الآن ثمّة أهوال ومخاطر دون شراء الكيت كات، ومعقمات وأقنعة وقفازات، وقلق لا ينتهي، حيث لا أمان من الخوف.

يقتلنا الخوف مِنَّا

العُزلة لا ترعبني، أتعامل معها كرفقةٍ آمنة مشحونة بالضجيج. الموتُ لا يخيفني، كانت لنا صولات وجولات وخرجت منها منتصراً، بل أستطيع أن أقول إنني قتلتُ الموتَ في عِدّة معارك، ولم يستطع أن ينتصر عليَّ سوى مرّة أو مرّتين. ترعبني الكورونا: كلّما قرأت عنها ازددت جهلاً، وكلما ازداد جهلي، ازداد خوفي، وكلّما ازداد خوفي انفجرت عُزلتي بالضجيج الصاخب. بالتأكيد، لا يمكن أن تُفسّر عزلة الكورونا، بأي شيء آخر سوى أنها سجن اختياري، سجن منزلي مفتوح على الشخص، شاسعاً ممتداً مثل أوقيانوس مسحور، لا بداية له ولا نهاية، وسجن مغلق يسع العالم كلّه ويضيق بك أنت بالذات.

أنا بين السجنين، أصنع سجني الخاصّ، وهو سجن معتاد ويومي: جزء أساسي من طبيعتي هو أنني أحب العُزلة، أحب أن أكون في مكانٍ ما آمن من الآخرين، أقرأ وأكتب وأتتبع أخبار السودان، ثم أخبار العالم، أحب أن أكتب لأصدقائي وصديقاتي في كلّ أنحاء المعمورة، ولا يعني أنني أكتب إليهم مستخدماً اللّغة، قد أرسل لهم خطابات وأردُّ عليها بنفسي في عملية ذهنية بحتة، فالكتابة ترميز لعمل عقليّ عاطفيّ إنسانيّ لئيم. مغلقٌ أنا في مدينة دبرماركوس الإثيوبية، مغلقٌ على نصوصٍ مفتوحة، أكتشف لنفسي أوّلاً الأدب الإثيوبي المكتوب باللّغات المحلّية في فترةٍ تمتد لمئة عام، أدب لم يُترجم إطلاقاً لأية لغةٍ في العالم، كتبه أدباء عظماء بالأمهرا والتجرنة والأرمو، كتبوه بـ 85 لغة حيَّة في إثيوبيا، وأغلقت العُزلة عليه أبوابها: الجبال العالية، واللّغات، والتقويم الخاصّ، والخوف من الغُزاة، والحروب الداخلية.

أحاول فتح تلك الأبواب وتكسير مغلاق العُزلة، قريباً ستقرؤنه بالعربيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة، ولمَنْ أراد- لعشاق الهضاب العالية- بالأمهرية أيضاً: أنطولوجيا الأدب الإثيوبي لمئة عام. وهي أوّل أنطولوجيا للأدب الإثيوبي المكتوب باللّغات المحلّية في تاريخ هذا البلد الشاسع. أليس غريباً أن أعمل على أدب في عُزلة، وأنا في عُزلةٍ واقعيّة وفعليّة، عُزلة شبح الكورونا: أقبع الآن في غُرفة في فندق عجوز، عندما حضرت إليه قبل جائحة الكورونا كان يضج بالحياة: عمّال وعاملات، مسافرون عابرون، موظفو منظَّمات عالمية، موظفو وموظفات حكومة عابرو الولايات والأقاليم، تجار وسماسرة، أساتذة جامعات وما لا يعلمون. استيقظت ذات صباح على جلبة رحيل الجميع، حيث تم إعلان إغلاق حدود الولايات في إثيوبيا، بعد يومين من تأريخه. وما كان عندي خيار، أنا غريب في بلادٍ غريبة في فندق غريب، تتساوى عندي كلّ الأمكنة، وقد جئت إلى إثيوبيا من النمسا، وهي أيضاً ليست بلدي، بالتالي أن أكون محتجزاً في دبروماركوس لا فرق من أكون محتجزاً في أديس أبابا العاصمة، أو في فيينا، فالغرفة التي تحدها أربعة جدران هي ذاتها أينما كان موقعها من العالم، والخوف من الكورونا هو خوف من فيروس مجهول لا يعرف أحدٌ عنه معلومة صحيحة، الذين يعرفون المعلومات الصِّحية لا أحد يصدقهم في عاصفة الأكاذيب والشائعات التي تحمل منطقاً أقوى من منطق مَنْ يعرف الحقيقة، وهل الذين يعرفون الحقيقة راغبون في إطلاقها؟! فالشائعة أقوى وأجمل من كلّ حقائق العالم، لأنها نتيجة الظنّ العام والجهل العام، والرغبة في تصديقها رغبة عميقة في الإنسان المرعوب بما لا يعرف، لأنها نتيجة الحالة التي يعيشها: إنها رغبة جماليّة بحتة. 

أقيم الآن وحدي في الفندق العجوز، ولأن تدفئة المياه تكلّف كثيراً، فأوقفت إدارة الفندق جهاز التدفئة، ولأنني لا يمكن أن آكل كلّ الأصناف التي ينتجها مطبخ الفندق العجوز، فتقلّصت القائمة إلى ثلاثة أصناف، منها صنفان لا أحب تذوقهما مطلقاً، إذن لا أطعم سوى من صنفٍ واحد، وهو «شيروا بالانجيرا»، وإذا كنت صادقاً، فإن ذلك لا يمثِّل عندي مشكلة، يمكنني أن أطعم على صنفٍ واحد لشهور عددا، فأنا ابن العُزلة: لا أتشهى شيئاً، ولا أرغب فيما لا أملك، ولا أحزن، لأنني لم أجد ما أرغب فيه. العُزلة هي بيتي المأهول بي. ولكن عُزلة الكورونا عُزلة مأهولة بالمخاوف والرُعب: الخوف من الآخرين، خوف الآخرين منك، خوفك على الآخرين، خوف الآخرين عليك، خوفكما معاً على هذا العالم الهش من الانهيار!! وأنت في عُزلتك تحيط بك الكورونا من كلِّ صوبٍ وحدبٍ، في المذياع: تحتل أذنيك. في التليفزيون: تخاطب عينيك التائهتين وترعبهما. في الشبكة العنكبوتية: تخاطب كلَّ حواسك ومشاعرك ولغتك وجنونك. في الطريق الذي لا تخرج إليها إلّا مضطراً: خوف المارة، وخوفك من المارة، يحتلان وعيك الهش، وعيك المحتلّ مسبقاً بكلّ مصائب العلم، بالشهداء والثوار والقتلة، بالجنجويد والعسكر ورجال الأمن، بالمجاعات وصراخ الأطفال والضحايا، بالبرد والجليد، بالصحراء والرمال، بالطين والليمون والزنجبيل، بالسفر الشاسع المُرعب، بهدير السيارات ونُعاس الحافلات، وزئير محرِّكات الطائرات الضخمة، عابرة القارات، وعيك المحتلّ بك، بالفراغ. العُزلة لا تعزلك من الكورونا:  

في البيت: الكتب والنصوص التي تنتظرك، وتطلب منك غسل يديك قبل أن تلامسها.

في البيت: الفراش والمرآة وجهاز الكمبيوتر، الأكواب الفارغة، الأحذية المُرتبكة من السكون والإهمال، التي يحرقها الشوق والحنين.

في البيت: الستائر التي لا تسترك من شيء غير ضوء الشمس والهواء النقي الطازج.

عقلك: ذاك المرعوب، يحاصرك بالأسئلة، فيعقد عزلتك وتحيط بك الأشياء وأنت تحيط بالعالم يفتك بك وتفتك به،… كورونا لا تقتلنا، يقتلنا الخوف مِنَّا.

العُزلة التي تحبها التي هي بيتك المأهول بك، هي الآن عدوك اللدود الذي يتربَّص بك، يغمز لك من النافذة، ويكح كلّما عبر تحت الشرفة، يعطس وهو يدعي مغازلتك في قبلة شيطانية تتبعثر في الهواء المُكهرب بالظنون. كورونا تكسر عزلتها في جنون وتسأل جان بول سارتر: هل الآخرون هم الجحيم؟!

الحَجْر، والعُزلة، والأمَل

الحَجْر أن تجلس بمفردك، وكأنما أصبح للكون قلبٌ واحدٌ، وتنهيدةٌ أقرب إلى التضرُّع، وأنت تنصتُ شارداً إلى خفوتها. تتراءى لك نفسك كأنها طيفٌ في حلم. تلمح خوفك طافياً سابِحاً في خوف الملايين. خوف من عدو صغير جدّاً، غير مرئي، يحوم طول الوقت ليغرز أسنانه في صدر الحياة. تجلس وتأكل لقمة. تدخن سيجارة. ترقد على السرير ويطاردك السؤال ذاته: هل تنتهي حياتي الشخصيّة؟ حياة الأحباء؟ حياة الإنسانيّة؟. 

أحاول النومَ بجرعةِ دواءٍ منوِّم. أصحو ورأسي ثقيل لأجدني عند نفس النقطة: أهي مجرَّد عطسة فيروس عابرة نمسحها عن وجوهنا ونستأنف الحياة؟ أم أن علينا أن نتأهب لرحيلٍ جماعي؟ وأن نلملم أوراق الإنسان، وتاريخه، وملاحمه، وكلمات الحب التي اخترعها؟. أجلس إلى المكتب لأنهي مقالاً عن ضرورة التفاؤل، عن أهمِّية الأمل، عن الإنسانيّة التي لم تُهزَم قط. أكتب سطرين وينحدر بصري بدون وعي ناحية الموت الرابض في ركن الحجرة. كتلة سوداء تفح في الهواء. وأنا مقيَّد، عاجز، لا أدري متى يختطف الفيروس حياتي. أنهض لأعدَّ فنجان قهوة. أرجع. أجري اتصالاً هاتفياً لأطمئن على صديق. يدور الحديث بيننا عن أي شيء، لكن في طيّات الكلام سؤالاً غير منطوق: هل أنت بخير؟. أقرأ قليلاً. يخطر لي أنني فوَّت فرصة الاستمتاع بالكثير من الكُتب الجميلة، ولم أعد أعلم هل ألحق قراءتها أم أن الوقت قد نفد. أسجل فكرة قصّة عن فتاة عصبيّة، سيئة الحظ، لكن الكلمات تظهر لي شاحبة لا تتوهج من حرارة. ما الذي يحدث؟ هل هذا هو الحَجْر؟ أن تقع في قبضة المخاوف والهواجس؟ أن يهزمك فيروس حقير حتى أنه غير مرئي…

أهذا هو الحَجْر؟ الخوف؟ حتى الجيران في الشقة المقابلة صاروا يتجنَّبون الحديث. يحنون رأسهم كأنما لم نرَ بعضنا البعض، ويغلقون بابهم بسرعة. 

آكل لقمة. يتأرجح عقلي مثل بندول بين نقطتين. نقطة تكوَّمت فيها كلّ الأفكار والذكريات والانفعالات، ونقطة في الناحية الأخرى، حيث يطل الخوف من الموت. ثمَّة قاسم مشترك بيننا جميعاً في تجربة الحَجْر. ثمَّة علامات عامّة. لكن التجربة تتخذ كلّ مرّة وجودها الخاصّ بحكم اختلاف تفاصيل حياة كلّ شخص. لم أفزع من الحَجْر بمعناه العام، أي بصفته قيداً على الحركة والتواصل مع الآخرين، فقد قضيت نحو نصف عام معتقلاً في حبسٍ انفراديّ، من دون كِتاب، من دون رسالة، من دون صوتٍ بشريّ، وكانت الحركة الوحيدة المتاحة أن أقطع إسفلت الزنزانة الصغيرة ذهاباً وإياباً. أروح وأجيء في الصمت ويداي معقودتان خلف ظهري ما بين الباب المُصفَّح والجدار الأصم، أدوس بقدمي أيامي. أمرغ ساعات العمر، مجبراً على سحق حياتي بنفسي، مرغماً أن أكون القاتل والقتيل. لكنك في السجن لا تهلك حياة أحد ما عدا حياتك، أما في حَجْر الوباء فإنك بغير إرادتك تمسي أداة إبادة الآخرين، إذا صافحتهم، إذا عانقتهم، إذا تنفَّست بالقرب منهم، واليدان اللتان كانتا تقدِّمان الزهور للأحباء تصبحان مثوى للموت. 

أهرب إلى الأغاني والموسيقى. أقول لنفسي لا ينبغي للإنسان أن ينشر الخوف. لابد للإنسان أن يذيع الأمل والنور في عزِّ الظلمة. أتذكَّر «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، لكن ما الذي بيدي الآن؟ الكتابة؟ أهذا كلّ جهدي؟ وما جدواها؟ أكان لها أو أن لها الآن نفعاً؟ أم أنني احترفتها من دون تخطيط، كما تحترف الزهور إطلاق العطر، ليس عن وعي، لكن بحكم التكوين والفطرة. أتساءل: ألم يكنْ من الأفضل لو أنني قضيت سنواتي مستمتعاً بالحياة دقيقة؟ بالبحر، بالشمس؟ بخفق الهواء؟ بالقبض على الكفوف الناعمة، بالضحك من أعماق القلب؟ ما جدوى الأدب؟ أن نعيش قصائد لا نكتبها أفضل من كتابة قصائد لم نعشها. تظل الحياة القضيّة الأولى والأخيرة. 

أتساءل: إذا نجونا من الجائحة، ما الذي ينبغي أن نستخلصه منها؟ على الأقلّ أن نعي أن الإنسان لن ينجو بمفرده، وعليه لكي ينجو بنفسه أن ينقذ عدوه معه! ينتشر الوباء ولا يُميِّز بين الناس، فأصبح علينا أن ننقذ أعداءنا وإلّا هلكنا من عدواهم، وأمسى على أعدائنا أن ينقذونا لكي لا يهلكوا بسببنا. 

أنقذ عدوك لكي تعيش! يا له من درس! 

ذات يوم كتب الأديب الروسي أنطون تشيخوف: «هكذا هي الحياة، إنها أشبه بوردة تزهر بفرح في أرض خضراء، وتأتي ماعز تأكلها فينتهي كلّ شيء»، فإذا التهم الفيروس زهرة الحياة، فإن الإنسانية ستصعد إلى أعلى كما بنفس الكبرياء التي عاشت بها، فليس لدى الإنسانية ما تخجل منه. 

يقولون إن العالم بعد فيروس كورونا سيتغيَّر ليحقِّق أحلامه بالحرّيّة والعدالة والحياة الكريمة. لكن التاريخ يشهد بأن الأوبئة والكوارث الطبيعيّة لم تبدِّل النظم السياسيّة والاقتصاديّة الجائرة، بدَّلها فقط الوعي والعمل الاجتماعيّ. في يومٍ ما أبادت الأنفلونزا الإسبانيّة نحو خمسين مليون نسمة عام 1918، ولم يغيِّر ذلك شيئاً من النظام العالميّ، وإنْ كان قد حرَّك الضمير الإنسانيّ. 

الوباء الحالي أيضاً قد يهز الضمائر، لكنه لن يغيِّر النظام العالميّ السائد، وعلينا حتى نحقِّق أحلامنا أن نتشبَّث بالأمل، الأمل في استمرار الحياة أولاً، لأنه ليس أمامنا خيارٌ آخر، لذا علينا أن نكرِّر لأنفسنا كلّ دقيقة أن أيام الكابوس معدودة، وأن الإنسان سيخرج منها منتصراً، وهو الذي صارع الوحوش، والظلمات، والفيضانات، والرعود، وخرج من الكهوف الأولى إلى الحضارة، ومن الكرة الأرضيّة إلى الفضاء الشاسع، ورجع بمشاعل الأمل في التقدُّم والعلم والتطوُّر. وسوف يأتي من بعدنا أناسٌ لن يتذكَّروا وجوهنا أو أصواتنا، لكنهم سيقولون عنا: «لقد تمسَّكوا بالأمل»، حتى عندما لم يكن هناك أمل. وحين يتَّجه البندول إلى الناحيةِ الأخرى من خواطري، حيث الخوف من الموت، وحين أسمع طنينه في الجو، أنهض. أفتح النافذة. أرفع رأسي عالياً نحو الشمس. أقول بقوة: «ستبقى على الأرض الأغاني والقصائد والألوان والإنسان الذي اخترع الرقة، والعذوبة، والوحدة، والكتابة، والأمل».

لم أجد أفضل من القراءة

إنّ العُزلة كما أوضح المتصوِّفة، هي الجلوس مع النفس، أي إنّها ضرب من الوحدة لكنّها الوحدة المأهولة، وهذا الجلوس مع النفس عند (نيتشه) ضرورةٌ لاتساع الذات وامتلائها، وسببٌ مباشر في إيقاظ الإحساس بالحرّيّة، «فالذي لا يبتهج في العُزلة لا يحب الحرّيّة».. يقول شوبنهاور.

والواقع أنّي لم أجد أفضل من القراءة تنقلني من حالٍ إلى حالٍ، أي من حالِ الضرورة إلى حالِ الحرّيّة. لكنّ القراءة التي اخترتها، في هذا الظرف المخصوص، هي القراءة التي تُضيء وتكشف: تُضيء اللحظة الراهنة، وتكشف لي عن أسرارها وخفاياها.. القراءة التي «تفضح» وتدين، وربَّما تحاكم الإنسان المُعاصِر الذي ما فتئ يمضي إلى حتفه مفتوح العينين..

في اللحظة التي دخلت فيها البشريّة الحَجْر المنزليّ تذكّرتُ قولة كالفينو: «أعتقد أنّ عليَّ أن أطير في فضاءٍ مختلف كلّما بدت الإنسانيّة محكوماً عليها بالثّقل، ولا أعني بهذا أنّ عليَّ أن أهربَ في الأحلام، أو فيما هو لا عقلانيّ، بل أعني أن عليَّ أنْ أغيّر مقاربتي للعالم، أن أنظر إليه من زاوية مختلفة، ومنطقٍ مختلف».

أن أغيّر مقاربتي للعالم، أن أنظر إليه من زاويّة مختلفة، ومنطقٍ مختلف، هذا ما كنت أرجوه بعدما باتت كلّ المُقاربات القديمة للعالم والأشياء غير واضحة، وربّما غير صائبة..

هكذا وجدتُني أعود إلى قراءة أعمال مخصوصة، خلال الحَجْر، وهي الأعمال التي أدانت الإنسان المُعاصِر، بل حذّرت من صلفه وعنجهيته وسيره الأعمى نحو المجهول: مثل أعمال كافكا / كامو/ ناتالي سروت / بيكيت / إليوت… كلّ هؤلاء رفعوا أصواتهم بالصراخ، حاولوا أن يلفتوا الانتباه، أن يعلنوا عن الكارثة قبل حلولها، لكن لا أحد أصغى إليهم، لا أحد أولى «مواقفهم» أيّة أهمّية، بل عُدَّت، هذه المواقف، لدى فريق أول، مجرَّد احتجاجات رومانسيّة لا ينهض لها سبب قويّ يسندها ويدعمها، وعُدَّت، لدى فريقٍ ثانٍ، مجرَّد مواقف أيديولوجيّة ذات طابع يساري تعادي الليبراليّة المُنتصرة..

هكذا ظلّ الإنسان متوّجاً بكلّ إنجازاته وكشوفاته يسير قدُماً.. غير عابئ بأيّ تحذير حتى كان الربيع الأسود عام 2020.

في هذ الحَجْر قرأت أعمالاً كثيرة وكبيرة كانت كلّها دون استثناء قد آخذت الإنسان المُعاصِر على خياراته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة والأيديولوجيّة الخاطئة، وتوقعت أن يمرّ هذا الكائن الممتلئ بذاته بمنعرجات تراجيديّة خطيرة.. كلّ كاتب اختار لهذه «المنعرجات» معادلاً موضوعيّاً، أي صورة استعاريّة… لكنّ الكُتَّاب جميعاً اتفقوا على أنّ الإنسان يسير في الطريق الخطأ، وأنّ كل منجزاته مهدَّدة بالاندثار..

ذكرني هؤلاء الكُتَّاب بـ«العرّافات» في المسرح اليوناني، حيث كنّ «يتنبّأن» بالمأساة قبل حدوثها، لكنّ الأبطال لا يعيرون اهتماماً لنبوءاتهنّ، فيواصلون خوض الصِّراع، بكلِّ حماسة، دون أن يتوقَّعوا أنّ نهايتهم وشيكة.

أدب (كافكا) كان نعياً طويلاً وحزيناً للإنسان الذي فقد «آدميّته»، وكلّ حضوره الإنساني البهيج، أدب (بيكيت) كان صيحة في وجه نظامٍ اقتصاديّ واجتماعيّ ظالم قضى على كلّ القيم الإنسانية الكبرى.. قصائد (إليوت) كانت تصويراً للإنسان يسير بعينين مفتوحتين نحو خرابه الروحي…

في هذا السياق، أحبّ أن أتوقَّف عند عمل صغير الحجم، ربَّما كتبه صاحبه لليافعين، لكنّه كان، على بساطته ووضوحه، من أعمق الأعمال التي أدانت الإنسان المُعاصِر إدانةً شديدةً، وحذّرته من الفاجعة.. وهذا العمل هو كتاب «الأمير الصغير» للكاتب الفرنسي «سانت اكزوبري». 

شخصيّتان اثنتان تتقاسمان في هذه القصّة غنائم البطولة: الشخصيّة الأولى هي شخصيّة أمير صغير لا يسكنُ الأرض، وإنما يسكنُ المدى يلفّعه الغمامُ. مملكته ليست من هذا العالم، وإنّما من عالم آخر بعيد. فقد جاء من الكوكب 612، وهو الكوكب الذي يكاد حجمه لا يتجاوز حجم بيتٍ من البيوت، لينزل ضيفاً على الأرض، أمّا الشخصيّة الثانية فهي شخصيّة طيار متمرِّس آثر السباحة بين الغيوم على البقاء بين البشر.

ينطلق الحديث بين هاتين الشخصيّتين، أي بين الأمير الصغير الذي ينظر إلى العالم بعفويّة ساحرة، وبين الطيار الذي ينتسب إلى العصور الحديثة يحمل ثقافتها.. ومن خلال هذا الحوار نقف على محاكمة الأمير الصغير للإنسان المُعاصِر، فيدين جشعه وأنانيّته وفقدانه القدرة على الحلم… هذا «الإنسان الأجوف»، على حدِّ تعبير (إليوت)، فقد الإحساس بالدهشة، وبات يرى العالم بعينين باردتين فقدتا نار الفضول من زمنٍ بعيد.

لكن الأمر الذي صدم الأمير الصغير هو: خلع الإنسان المُعاصِر على المال قيمة كبرى، بحيث بات في العصور الحديثة قيمة القيم، منه تتحدَّر القيم الأخرى انحدار الوليد من الوالدة.. هكذا يلاحظ الأمير الصغير أنّ الأشياء لم تعد تكتسب قيمتها من ذاتها، وإنّما من السوق. السوق هو الذي يقيِّم البشر، والأشياء، والبضائع، والآداب، والفنون، والعلوم.

يقول الأمير: 

وإذا قلت للكبار: «رأيت بيتاً جميلاً مبنياً بالقرميد الأحمر، وعلى نوافذه الرياحين، وعلى سطحه الحمائم…» عجزوا عن تمثّل ذلك البيت، فإذا أردت الإيضاح وجب عليك أن تقول «رأيت بيتاً قيمته ألف دينار» فيصيحون قائلين: «ما أجمل هذا البيت!».

فالبيت، ليس «جميلاً»، لأنّ على نوافذه الرياحين، وفوق سطحه الحمائم.. وإنما هو جميل، لأنّ قيمته ألف دينار. الأمير الصغير، هذا الكائن السماوي لم يفهم هذا المنطق الأرضي الغريب.. لم يستوعب قوانينه وآلياته. لهذا ما فتئ الأمير يردِّد «هؤلاء غريبو الأطوار حقّاً»..

لكنّ أهمّ إدانة وجّهها الأمير الصغير إلى الإنسان المُعاصِر تعويله على «العقل» وتهوينه من شأن القلب… فالعصور الحديثة قامت على الإشادة بسلطان العقل، وتحقير بقيّة الملكات الأخرى التي يتميَّز بها الإنسان عن بقيّة الكائنات الأخرى: مثل الوجدان والحدس والرؤيا مع أنّ هذه الملكات مثَّلت قوى هائلة توسَّل بها الإنسان لحلّ ألغاز الوجود… لهذا ما فتئ الأمير الصغير ينقد ثقافة العين ويدعو إلى إحياء ثقافة القلب / أي ما فتئ ينقد ثقافة الرؤية ويدعو إلى ثقافة الرؤيا.. ومن أقواله التي تكرّرت داخل القصّة: 

«– لا نبصر جيّداً إلّا بالقلب.. والشيء المُهمّ لا تراه الأعين.

—- ينبغي البحث بالقلب». 

ومن أهمّ الدروس التي يقدّمها هذ الأمير الصغير هو الدعوة إلى التسامح وتجنُّب التعصُّب:… فالحقيقة حقائق، والواقع ليس واحداً، وإنما هو كثير.

«للناس نجوم يختلف بعضها عن البعض الآخر، فمن الناس مَنْ يسافر فتكون النجوم مرشداتٍ له، ومن الناس مَنْ لا يرى في النجوم إلّا أضواء ضئيلة… ومنهم مَنْ يكون عالماً فتكون النجوم قضايا رياضيّة يحاول حلّها، ومنهم مَنْ يحسب النجوم ذهباً، وهذه النجوم على اختلافها تبقى صامتة، أمّا أنت فيكون لك نجوم لم تكن لأحد من الناس».

هكذا تكلَّم الأمير. فكلٌّ له نجمه: نجم الملّاح يختلف عن نجم العالم، ونجم العالم يختلف عن نجم الرياضيّ، ونجم الرياضيّ يختلف عن نجم التاجر… فالنجم واحد في الأصل لكنّه يتعدَّد بتعدُّد الناظرين إليه..

تلك هي بعض مآخذ الأمير على الإنسان المُعاصِر… لكن هل هناك مَنْ سمعها؟ هل هناك مَنْ سيسمعها؟!

عولمة الفزع

ربَّما‭ ‬ساهمت‭ ‬العولمة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الانتشار‭ ‬المُثير‭ ‬للرعب‭ ‬والفزع،‮ ‬وربَّما‭ ‬ساهمت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬حدَّة‭ ‬هذا‭ ‬الفزع‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬قريةٍ‭ ‬صغيرة‭.‬‮ ‬الدول‭ ‬والحكومات‭ ‬والساسة‭ ‬يفكِّرون‭ ‬عادةً‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬والتدابير‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬قصد‭ ‬تقليص‭ ‬الخسائر‭ ‬إلى‭ ‬حدِّها‭ ‬الأدنى،‮ ‬مستعينين‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬بالمؤسَّسات‭ ‬الرَّسميّة‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭.‬‮ ‬أمّا‭ ‬المُفكِّرون‭ ‬والمُثقَّفون‭ ‬فإن‭ ‬اهتمامهم‭ ‬ينصرف‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬الأسباب‭ ‬وتقييم‭ ‬النتائج‭ ‬البعيدة‭ ‬المدى‭ ‬وتأثيرها‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬البشريّ‭ ‬في‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭.‬‮ ‬

في‭ ‬أواخر‭ ‬سنة‭ ‬2019‭ ‬ظهر‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬المُستجَد‭ ‬الذي‭ ‬أصبحت‭ ‬تسميته‭ ‬العلمية‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬،‮ ‬وانتشر‭ ‬بسرعة‭ ‬ليتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬وباء‭ ‬ضرب‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الإقليمية،‮ ‬ثم‭ ‬تحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬جائحةٍ‭ ‬مُعلَنة‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬منظَّمة‭ ‬الصحَّة‭ ‬العالميّة،‮ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬غزا‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭ ‬والمناطق‭ ‬في‭ ‬العالم مطلع‭ ‬سنة‭ ‬2020‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬البشريّة‭ ‬عاشت‭ ‬أهوال‭ ‬الأوبئة‭ ‬والجوائح‭ ‬غيرما‭ ‬مرّة،‮ ‬من‭ ‬قبيل‮ «‬الطاعون‭ ‬الأسود‮» ‬و«الأنفلونزا الإسبانية‮» ‬وغيرهما،‮ ‬إلّا‭ ‬أن‭ ‬المُقلق‭ ‬والمخيف‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفيروس‭ ‬الجديد‭ ‬هو‭ ‬سرعة‭ ‬انتشاره‭ ‬وقوة‭ ‬فتكه‭ ‬بالأجساد‭ ‬الضعيفة‭ ‬المنخورة‭ ‬بالأمراض‭ ‬المزمنة‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬تنقصها‭ ‬المناعة‭ ‬الكافية‭.‬‮  ‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الإحاطة‭ ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬يروَّج‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الفكر‭ ‬اليوم‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة،‮ ‬فإن‭ ‬بعض‭ ‬النماذج‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقدِّم‭ ‬لنا‭ ‬صورة‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬اليوم‭ ‬وسيناريوهات‭ ‬المستقبل‭.‬‮ ‬لذلك‭ ‬انفتحنا‭ ‬على‭ ‬مفكِّرين‭ ‬لهم‭ ‬علاقة‭ ‬وثيقة‭ ‬بعلم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والفلسفة‭ ‬وعلم النفس،‮ ‬وهي‭ ‬المجالات‭ ‬المعنية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ ‬الآن‭ ‬بهذه‭ ‬الجائحة‭ ‬العابرة‭ ‬للقارات،‮ ‬فلعلّها‭ ‬تمدّنا‭ ‬بإشارات‭ ‬إلى‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نسلكه‭ ‬مستقبلاً‭.‬‮ ‬

تبدو‭ ‬حالتنا‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬حالة‭ ‬فزع‭ ‬الكلّ‭ ‬من‭ ‬الكلّ،‮ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الشك‭ ‬والريبة‭ ‬وانعدام‭ ‬اليقين‭ ‬إزاء‭ ‬المجهول؛ والسبب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬‭.‬‮ ‬إننا‭ ‬أمام‭ ‬فزع‭ ‬مُعولَم‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬تعصف‭ ‬بصحّة‭ ‬البشر‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬الخير‭ ‬الأعظم‭ ‬على‭ ‬حدِّ‭ ‬تعبير ديكارت‭.‬‮ ‬ومن‭ ‬أهمّ‭ ‬دروس‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬نظر السوسيولوجي‭ ‬الفرنسي‮ «‬إدغار‭ ‬موران‮ ‬Edgar Morin‮» ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬الانفلات‭ ‬من‭ ‬الريبة‭ ‬واللايقين‭:‬‮ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬زلنا‭ ‬دائماً‭ ‬مرتابين‭ ‬بصدد‭ ‬إيجاد‭ ‬علاج‭ ‬لهذا‭ ‬الفيروس،‮ ‬وكذلك‭ ‬إزاء‭ ‬تطوُّرات‭ ‬ونتائج‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭.‬‮ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‮ ‬يحدِّد موران مهمَّة‭ ‬أساسيّة‭ ‬للتربية،‮ ‬تتمثَّل‭ ‬في‭ ‬تدريس‭ ‬الريبة‭ ‬واللايقين‭.‬‮ ‬إلّا‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬مفارقات‭ ‬هذه‭ ‬الريبة‭ ‬أنها‭ ‬تتضمَّن‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬الخطر‭ ‬والأمل‭.‬‮ ‬نعتقد‭ ‬أننا‭ ‬نعيش‭ ‬تطوُّراً،‮ ‬بل‭ ‬تحوُّلاً‭ ‬جذرياً،‮ ‬لكن‭ ‬الفيروس‭ ‬يذكّرنا‭ ‬بأننا‭ ‬نعيش‭ ‬المغامرة؛ المغامرة‭ ‬أمام‭ ‬المجهول‭ ‬وداخله،‮ ‬المغامرة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬نسمع‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بالنسبة‭ ‬للجنس‭ ‬البشريّ‭.‬‮ ‬ويبدو،‮ ‬في‭ ‬نظره،‮ ‬أن‭ ‬الفيروس‭ ‬يقتل‭ ‬النيوليبرالية‭ ‬ويقتلنا‭ ‬معها في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت؛ ولذلك‭ ‬فإنه‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬المحزن‭ ‬جدّاً‭ ‬ألّا‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬فكرٌ‭ ‬سياسيٌّ‭ ‬يرسم‭ ‬طريقاً‭ ‬جديداً‭.‬‮ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة،‮ ‬أي‭ ‬ضرورة‭ ‬فكر‭ ‬سياسيّ‭ ‬جديد،‮ ‬ينطلق‭ ‬الفيلسوف‭ ‬والمُؤرِّخ‭ ‬الفرنسي‮ «‬مارسيل‭ ‬غوشيه‮ ‬Marcel Gaucher‮»‬،‮ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬نمرّ‭ ‬بها‭ ‬هي‭ ‬فرصة‭ ‬للحظة‭ ‬الحقيقة،‮ ‬الرهان‭ ‬فيها‭ ‬يتركز‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬كلّ‭ ‬مواطن‭ ‬بالجماعة‭ ‬السياسيّة‭.‬‮ ‬وينتقد‮ ‬غوشيه عبارة‭ ‬‮«‬إننا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حرب‮»‬،‮ ‬لأنها‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬الواقع،‮ ‬وربَّما‭ ‬مجرَّد‭ ‬وصف‭ ‬مجازي‭ ‬لهول‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة،‮ ‬مؤكّداً‭ ‬ذلك‭ ‬بقوله‮ «‬لسنا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حرب،‮ ‬أو‭ ‬إن‭ ‬الأمر‭ ‬يشبه‭ ‬الحرب‭ ‬الزائفة‭…‬‮ ‬تذكرون‭ ‬أنه‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬1914‭ – ‬1918‭ ‬سقط‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬ألف‭ ‬قتيل‭ ‬في‭ ‬يومها‭ ‬الأوّل‭.‬‮ ‬نحن،‮ ‬لحسن‭ ‬الحظ،‮ ‬بعيدون‭ ‬جدّاً‭ ‬عن‭ ‬ذلك‮»‬‭.‬‮  ‬

إن‭ ‬أهمّ‭ ‬ما‭ ‬كشفت‭ ‬عنه‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬هو‭ ‬عودة‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬سياسي‭(‬le politique‭) ‬،‬ أي‮ ‬ما‭ ‬يضمن‭ ‬بقاء‭ ‬ودوام‭ ‬جماعة‭ ‬ما،‭ ‬وقاعدة مشتركة‭ ‬تلزم‭ ‬الجميع‭ ‬لأنها‭ ‬تهم‭ ‬حياة‭ ‬وموت‭ ‬كلّ‭ ‬عضو‭ ‬من‭ ‬الجماعة‭.‬‮ ‬ففي‭ ‬نظر‮ ‬غوشيه أن‭ ‬الدلالة‭ ‬العميقة‭ ‬لهذا‭ ‬الحدث‭ ‬تتمثَّل‭ ‬في‭ ‬صحوة‭ ‬البعد‭ ‬المُتعلِّق‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬سياسي‭ ‬والذي‭ ‬نسيناه‭ ‬واعتقدنا‭ ‬أنه‭ ‬يمكننا‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنه‭.‬‮ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬سياسيّ‭ ‬يرتبط‭ ‬بحياة‭ ‬الجماعة،‭ ‬وهو الأهم‭ ‬حالياً؛ أمّا‭ ‬الانتخابات البلدية،‮ ‬فهي‭ ‬ترتبط‭ ‬بالسياسة‮ ‬‭(‬la politique‭)‬،‮ ‬وهي‭ ‬تهتم‭ ‬بمَنْ‭ ‬نجح‭ ‬أو‭ ‬خسر‭ ‬فيها،‮ ‬وهي‭ ‬تافهة‭ ‬حالياً،‮ ‬بل‭ ‬ومدعاة‭ ‬للسخرية‭ ‬والتهكم‭.‬‮  ‬

في‭ ‬تقدير‮ ‬غوشيه،‮ ‬أن‭ ‬‮«‬كوفيد‮ ‬19‮»‬،‮ ‬رغم‭ ‬كونه‭ ‬يتطوَّر‭ ‬بشكلٍ‭ ‬تصاعدي،‮ ‬إلّا‭ ‬أنه‭ ‬لحد‭ ‬الآن،‮ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬هول‭ ‬الطاعون‭ ‬الأسود‭ ‬أو‭ ‬الأنفلونزا‭ ‬الإسبانيّة،‭ ‬وفي‭ ‬توقّعه‭ ‬وتساؤله‭ ‬معاً‭: ‬أننا سنعرف‭ ‬في‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬الأيام،‮ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬ستتقلص‭ ‬أو‭ ‬تتمدَّد‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والجماعة‭.‬‮ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬أننا‭ ‬نعيش‭ ‬اليوم‭ ‬اختباراً‭ ‬سياسيّاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬وعلى‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى؛ فهل‭ ‬البعد‭ ‬الفرداني‭ ‬الليبرالي‭ ‬والخاصّ‭ ‬هو‭ ‬المُهيمن‭ ‬كلّيةً‭ ‬على‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬الغربية؟ سنكتشف‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يهم،‮ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬على‭ ‬حدِّ‭ ‬تعبير‮ ‬غوشيه‭.‬‮ ‬

وعلى‭ ‬غرار إدغار‭ ‬موران،‮ ‬يرى‮ ‬غوشيه أن‭ ‬العولمة‭ ‬الليبرالية‭ ‬قد‭ ‬ماتت،‮ ‬وأن‭ ‬المبدأ‭ ‬القائل‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬التجارة‭ ‬الناعمة‮» ‬ستحلّ‮ ‬جميع‭ ‬المشاكل‭ ‬أصبح‭ ‬بائداً‭.‬‮ ‬وفي‭ ‬معرض‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مناعة‭ ‬الجسم‭ ‬السياسيّ،‮ ‬يقول‭ ‬بأنه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬البساطة‭ ‬والبداهة،‮ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬يتكوَّن‭ ‬من‭ ‬أفراد،‮ ‬أن‭ ‬يضمن‭ ‬مناعته‭ ‬السياسيّة‭.‬‮ ‬ذلك‭ ‬أننا‭ ‬نطلب‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬أن‭ ‬يبتعدوا‭ ‬عن‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان‮ ‬‭(‬الحجر‭ ‬الصحي‭)‬،‮ ‬لكننا‭ ‬نقول‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‮ «‬فكّروا‭ ‬في‭ ‬الآخرين‭ ‬فقد‭ ‬تكونوا‭ ‬خطراً‭ ‬عليهم‮»‬‭. ‬هكذا‭ ‬يجد‭ ‬الأفراد‭ ‬أنفسهم‭ ‬بين‭ ‬شدٍّ‭ ‬وجذب،‮ ‬أي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬توتر‭ ‬بين‭ ‬المسافة‭ ‬الفردانية‭ ‬والالتزام‭ ‬الغيري‭.‬‮ ‬في‭ ‬الأخير،‮ ‬يؤكِّد‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬رجّة‭ ‬فكرية‭ ‬وخلخلة‭ ‬أيديولوجية‭ ‬كبيرة‭ ‬وقويّة،‮ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يمكنه‭ ‬التنبؤ‭ ‬بخطورة‭ ‬الحدث وما‭ ‬سيترتب‭ ‬عنه،‮ ‬إلّا‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬حاجةٍ‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬برنامج‭ ‬سياسيّ‭ ‬جديد‭.‬‮ ‬

وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬فرادة‭ ‬التجربة‭ ‬البريطانيّة‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬أزمة‭ ‬‮«‬كوفيد‭ ‬19‮»‬،‮ ‬ارتأينا‭ ‬أن‭ ‬ننفتح‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬فلاسفتها‭ ‬الأكثر‭ ‬حضوراً‭ ‬إعلاميّاً،‮ ‬خاصّة‭ ‬على صفحات‮ «‬الغارديان‮ ‬Guardian‮» ‬وقناة‭ ‬الـ‮«‬BBC‮»‬،‮ ‬يتعلَّق‭ ‬الأمر‭ ‬بالفيلسوف‭ ‬الإنجليزي‮ «‬جوليان‭ ‬باجيني‮ ‬Julian Baggini‮» ‬الذي‭ ‬يتماثل‭ ‬للشفاء‭ ‬حالياً‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬التهاب‭ ‬رئوي‭.‬‮ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬غريباً‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬جميعاً،‮ ‬هو‭ ‬تأكيد‭ ‬الوزير‭ ‬الأوّل‮ «‬بوريس جونسون‮ ‬Boris Johnson‮» ‬أن‭ ‬المملكة‭ ‬المتَّحدة‭ ‬لن‭ ‬تتخذ‭ ‬أي‭ ‬إجراء‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬إغلاق‭ ‬المدارس‭ ‬وفرض‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي،‮ ‬إلخ‭.‬‮ ‬لكن‭ ‬بالنسبة‭ ‬لهذا‭ ‬الفيلسوف،‮ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬بسهولة‭ ‬ووضوح‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمَنْ‭ ‬يعرف‭ ‬طريقة‭ ‬تفكير‭ ‬الإنجليز‭.‬‮ ‬فقد‭ ‬حاول جاهداً‭ ‬في‭ ‬كتابه‮ «‬كيف‭ ‬يفكّر العالم‮ ‬How The World‮ ‬Think‮» ‬توضيح‭ ‬التشابهات‭ ‬القوية‭ ‬بين‭ ‬الخصائص‭ ‬المهيمنة‭ ‬على‭ ‬ثقافةٍ‭ ‬ما‭ ‬والنموذج‭ ‬الفلسفيّ‭ ‬الذي‭ ‬تجسده‭.‬‮ ‬ولعلّ‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية‭ ‬تجسيد‭ ‬واضح‭ ‬لهذه‭ ‬الفكرة‭.‬‮ ‬فهو‭ ‬يرى‭ ‬أن جونسون قدَّم‭ ‬استراتيجيته‭ ‬باعتبارها‭ ‬‮«‬أمبريقية‮ ‬empirique‮»‬‭ ‬في‭ ‬تعارض‭ ‬مع‭ ‬المثالية،‮ ‬إذ‭ ‬أوضح‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬اتّخذه‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬استشارة‭ ‬العلماء‭ ‬المرموقين حول‭ ‬الموضوع؛ وهؤلاء‭ ‬أقنعوه‭ ‬بأنه‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬الشعب‭ ‬أن‭ ‬يطوِّر‭ ‬قدراته‭ ‬ودفاعاته‭ ‬المناعية‮ ‬‭(‬مناعة‭ ‬القطيع‭)‬،‮ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬يعني‭ ‬تكبُّد‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الخسائر‭ ‬في‭ ‬البداية‭.‬‮ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‮ ‬إنها‭ ‬مقاربة‭ ‬ذرائعية‭.‬‮ ‬ومعلوم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬مذهب‭ ‬فلسفيّ‭ ‬سياسيّ‮ ‬وأخلاقيّ،‮ ‬تبلور‭ ‬مع‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬‮«‬جيريمي‮ ‬بنثهام‮ ‬Jeremy Bentham‮»‬‭ (‬1748-1832‭)‬‮ ‬و«جون‭ ‬ستيوارت‭ ‬ميل‭ ‬John Stuart Mill‮»‬‭ (‬1806-1873‭)‬،‮ ‬ويقوم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬عام‭ ‬هو‭ ‬تجويد‭ ‬الوجود‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬حدٍّ‭ ‬لفائدة‭ ‬الأغلبية،‮ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬ترتَّب‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬إجحاف‭ ‬أو‭ ‬ظلم‭ ‬في‭ ‬حقّ‭ ‬بعض‭ ‬الأفراد،‮ ‬أي‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلَّق‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬الوفيات‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬نتحدَّث‭ ‬عنها‭ ‬وهي‭ ‬الجائحة‭.‬‮ ‬يسعى باجيني‮ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬توضيح‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬ليست‭ ‬عاطفيّة،‮ ‬إنها‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تكون،‮ ‬عكس‭ ‬ذلك،‮ ‬هادئة‭ ‬وعقلانية،‮ ‬على‭ ‬حدِّ‭ ‬تعبيره‭.‬‮ ‬فالذرائعي‭ ‬الصارم‭ ‬والمُتشدِّد،‮ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬عليه‭ ‬فقط‭ ‬التقليص‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬الوفيات،‮ ‬وإنما‭ ‬التساؤل‭ ‬أساساً‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬الذين‭ ‬سينعمون‭ ‬بإمكانية‭ ‬العيش‭ ‬المديد‭ ‬وبصحة‭ ‬جيّدة‭.‬‮ ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‮ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الأشخاص‭ ‬المُسنّون‭ ‬في‭ ‬البلد،‮ ‬هم‭ ‬مَنْ‭ ‬سيموت‭ ‬توّاً،‮ ‬فيما‭ ‬سيطوِّر‭ ‬الشباب‭ ‬مناعة‭ ‬ضد‭ ‬‮«‬كوفيد‮ ‬19‮»‬،‮ ‬فالحساب‭ ‬جيّد؛ ولعلّ‭ ‬هذا‭ ‬الاستثناء‭ ‬يبدو‭ ‬إنجليزيّاً‭ ‬محضاً‭.‬‮ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬التقليد‭ ‬الليبرالي‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المتَّحدة،‮ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬اعتماد‭ ‬مبدأ‭ ‬المسؤوليّة‭ ‬الفرديّة‭ ‬وكأن‭ ‬الحكومة‭ ‬تخاطب‭ ‬الأفراد‭ ‬قائلة‭:‬‮ ‬ابقَ‭ ‬هادئاً‭ ‬وتابع‭ ‬طريقك‭. ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الطريقة الإنجليزيّة‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬مواجهة‭ ‬الشدائد‭.‬‮ ‬وقد‭ ‬لاحظ باجيني‮ ‬أن‭ ‬تغيير‭ ‬نبرة‭ ‬خطاب‭ ‬الوزير‭ ‬الأوّل‭ ‬وبعض‭ ‬السياسيّين‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬الشكّ‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬العلمي‭ ‬المعتمد‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬هذا‭ ‬القرار،‮ ‬والتخوُّف‭ ‬من‭ ‬عرض‭ ‬جثث‭ ‬الموتى‭ ‬بالآلاف‭ ‬في‭ ‬المستشفيات‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬والتواصل‭.‬‮ ‬هذا‭ ‬التغيير‭ ‬يحرِّكه،‮ ‬في‭ ‬نظره‭ ‬طموحٌ‭ ‬سياسيٌّ‭ ‬شخصيّ‭ ‬وليس‭ ‬بدافع‭ ‬الغيرية‭.‬‮ ‬لكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬المملكة‭ ‬المتَّحدة‭ ‬رضخت‭ ‬أخيراً‭ ‬لتتخذ‭ ‬نفس‭ ‬التدابير‭ ‬والإجراءات‭ ‬التي‭ ‬اتخذتها‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭.‬‮ ‬وفي‭ ‬علاقة‭ ‬مع‭ ‬الأزمة‭ ‬الصحّية‭ ‬التي‭ ‬مرّ‭ ‬بها‮ ‬‭(‬التهاب‭ ‬رئوي‭)‬‮ ‬ودور‭ ‬الفلسفة‭ ‬فيها،‮ ‬انتقد‭ ‬الاعتقاد‭ ‬السائد‭ ‬عند‭ ‬الكثيرين‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬تجعلنا‭ ‬سعداء وتساعدنا‭ ‬على‭ ‬تخطي‭ ‬المصاعب،‮ ‬إلّا‭ ‬أنه‭ ‬يؤكّد‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬أهمِّيتها‭:‬‮ ‬إنها‭ ‬تمنحنا‭ ‬فهماً‭ ‬أوضح‭ ‬لما‭ ‬نعيشه،‮ ‬وتحول‭ ‬دون‭ ‬انجرافنا‭ ‬مع‭ ‬الأهواء‭ ‬واللامعقول‭.‬‮ ‬وفي‭ ‬كلمةٍ‭ ‬أخيرة‭:‬‮ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أساسي،‮ ‬بالنسبة‭ ‬إليه،‮ ‬هو‭ ‬تقبل‭ ‬الجواز‭ ‬الذي‭ ‬يطبع‭ ‬الوضع‭ ‬البشريّ‭ ‬وكذا‭ ‬طبيعة‭ ‬الحياة‭ ‬العابرة‭.‬‮ ‬

ومن‭ ‬منظور‭ ‬يمتزج‭ ‬فيه‭ ‬التحليل‭ ‬النفسيّ‭ ‬بالنقد‭ ‬السياسيّ،‮ ‬خصص‭ ‬الفيلسوف‭ ‬السلوفيني‮ «‬سلافوي‭ ‬جيجيك‮ ‬Slavoj‮ ‬Zizek‮» ‬مقالاته‭ ‬الأخيرة‭ ‬لتقديم‭ ‬آرائه‭ ‬حول‭ ‬جائحة‭ (‬كوفيد‭ ‬19‭).‬‮ ‬وقد‭ ‬ركّز‭ ‬بداية‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬ردود‭ ‬أفعالنا‭ ‬إزاء‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة،‮ ‬معتمداً‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬خطاطة‭ ‬الطبيبة‭ ‬النفسانية‮ «‬إليزابيث‭ ‬كوبلر‭-‬روس‮ ‬Elisabeth Kübler-Ross‮» ‬والتي‭ ‬عرضتها‭ ‬في‭ ‬كتابها‮ «‬اللحظات‭ ‬الأخيرة‭ ‬للحياة‮»‬‭.‬‮ ‬تتكوّن‭ ‬هذه‭ ‬الخطاطة‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬مراحل‭ ‬هي‭:‬‮ ‬الإنكار،‮ ‬الغضب،‮ ‬المساومة،‮ ‬الإحباط‭ ‬والتقبل‭.‬‮ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬كان‭ ‬الإنكار‮ ‬‭(‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الدرجة‭ ‬من‭ ‬الخطورة‭)‬،‮ ‬ثم‭ ‬الغضب‮ «‬بنبرات‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬عنصرية‭ ‬أو‭ ‬عداء‭ ‬للدول‮»‬‭:‬‮ ‬‭(‬مرّة‭ ‬أخرى‭ ‬الخطأ‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الصينيين‭)‬،‮ ‬‭(‬حكومتنا‭ ‬ضعيفة‭ ‬وغير‭ ‬فعّالة‭)‬،‮ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬جاء‭ ‬دور‭ ‬المساومة‮ ‬‭(‬هناك‭ ‬طبعاً‭ ‬ضحايا،‮ ‬لكن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬الحدِّ‭ ‬من‭ ‬الخسائر‭)‬،‮ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تسر‭ ‬الأمور‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتِّجاه‭ ‬سيظهر‭ ‬الإحباط‮ ‬‭(‬يجب‭ ‬ألّا نخدع‭ ‬أنفسنا،‮ ‬نحن‭ ‬جميعاً‭ ‬مدانون‭)‬؛ أمّا‭ ‬مرحلة التقبُّل‭ ‬فقد‭ ‬عبَّر‭ ‬عنها جيجيك بقوله‮ ‬‭(‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬تقبُّل‭ ‬واقع‭ ‬أن‭ ‬الوباء‭ ‬سيأخذ‭ ‬حتماً‭ ‬بعداً‭ ‬عالميّاً،‮ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬احتواؤه‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الحجر والعزل‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬أي‭ ‬تدبير‭ ‬وحشي‭ ‬ناجم‭ ‬عن‭ ‬الذعر‭ ‬والفزع‭.‬‮ ‬يتعلَّق‭ ‬الأمر‭ ‬إذن‭ ‬بتقبُّله،‮ ‬مع‭ ‬الوعي‭ ‬بأن‭ ‬معدل‭ ‬الوفيات‭ ‬منخفض‭ ‬نسبياً،‮ ‬وبشيء‭ ‬من‭ ‬الحكمة‭ ‬ستكون‭ ‬لنا‭ ‬فرصة‭ ‬للنجاة‭…).‬‮ ‬إلّا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬ذلك،‮ ‬وما‭ ‬يجب‭ ‬تقبُّله،‮ ‬وما‭ ‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬التوافُق‭ ‬معه،‮ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬كانت‭ ‬دائماً‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الانتشار‭ ‬الغبي‭ ‬والمُتكرِّر‭ ‬للفيروسات‭ ‬التي،‮ ‬مثل‭ ‬أموات‭ ‬أحياء،‮ ‬تلقي‭ ‬بظلالها‭ ‬علينا،‮ ‬مُهدّدة‭ ‬بقاءنا‭.‬‮ ‬هكذا‭ ‬تذكّرنا‭ ‬الفيروسات‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬بجواز‭ ‬وعدم‭ ‬أهمِّية‭ ‬وجودنا‭: ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬حجم‭ ‬الآثار‭ ‬العقلية‭ ‬الروحية‭ ‬التي‭ ‬أقامتها‭ ‬البشريّة،‮ ‬فإن‭ ‬طارئاً‭ ‬طبيعياً‭ ‬غبياً‭ ‬مثل‭ ‬فيروس‭ ‬أو‭ ‬كويكب‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يدمِّر‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭.‬‮ ‬هذا‭ ‬دون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬درس‭ ‬الإيكولوجيا‭ ‬الذي‭ ‬يمكننا‭ ‬استخلاصه‭ ‬من‭ ‬هذا‭:‬‮ ‬إن‭ ‬الإنسانيّة،‮ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قصد،‮ ‬تخاطر‭ ‬بتعجيل‭ ‬نهايتها‭.‬‮ ‬كما‭ ‬يؤكِّد‭ ‬بأن‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬نحو‭ ‬التقبُّل،‮ ‬تفترض‭ ‬حدّاً‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬سلطات‭ ‬الدول‭ ‬وشعوبها‭.‬‮ ‬لذلك‭ ‬ينتقد جيجيك الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تعاملت‭ ‬بها‭ ‬الصين‭ ‬مع‭ ‬الدكتور‮ «‬لي‭ ‬وينليانغ‮ ‬Li Wenliang‮» ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬أوّل‭ ‬من‭ ‬اكتشف‭ ‬الوباء‭ ‬المُنتشر،‮ ‬وتمَّ‭ ‬منعه‭ ‬وإخضاعه‭ ‬للرقابة‭ ‬بدعوى‭ ‬محاربة‭ ‬الشائعات‭ ‬والحدّ‭ ‬منها‭ ‬لتفادي‭ ‬الذعر‭ ‬والفزع‭.‬‮ ‬من‭ ‬جهةٍ‭ ‬أخرى،‮ ‬يرى‭ ‬جيجيك‭ ‬ضرورة‭ ‬اتخاذ‭ ‬تدابير‭ ‬يعتبر‭ ‬أغلبنا‭ ‬بأنها‭ ‬شيوعية،‮ ‬مثل‭ ‬التنسيق‭ ‬والمُواءمة‭ ‬بين‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتوزيع‭ ‬خارج‭ ‬معايير‭ ‬السوق‭ ‬وبمعزل‭ ‬عنها‭.‬‮ ‬والواقع‭ ‬أن‭ ‬المهمَّة‭ ‬التي‭ ‬تنتظرنا‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الصعوبة‭ ‬والتعقيد‭:‬‮ ‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬التخلّص‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬حنين‭ ‬إلى‭ ‬شيوعيّة‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬البائدة،‮ ‬وإبداع‭ ‬أشكال‭ ‬جديدة‭ ‬متمركزة‭ ‬حول‭ ‬المشترك‭ ‬الإنساني؛ وإنه‭ ‬لمن‭ ‬اليوتوبيا‭ ‬المُجنَّحة‭ ‬الاعتقاد‭ ‬في‭ ‬طريقةٍ‭ ‬أخرى‭ ‬للخلاص‭.‬‮ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬هذا‭ ‬الحديث،‮ ‬أشار جيجيك إلى‭ ‬أن‭ ‬الوزير‭ ‬الأوّل‭ ‬الإسرائيليّ،‮ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬الحدِّ‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬الفيروس،‮ ‬اقترح‭ ‬على‭ ‬السُّلطات‭ ‬الفلسطينيّة المساعدة‭ ‬والتنسيق،‮ ‬معلِّقاً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بقوله،‮ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الاقتراح‭ ‬ليس‭ ‬بدافع‭ ‬الخير‭ ‬أو‭ ‬الإنسانيّة،‮ ‬وإنما‭ ‬بكلّ‭ ‬بساطة،‮ ‬لأن‭ ‬الفيروس‭ ‬لا‭ ‬يميِّز‭ ‬بين‭ ‬اليهود‭ ‬والفلسطينيّين‭.‬‮ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬هذا،‮ ‬فشعار‮ «‬أميركا‮ ‬‭(‬أو‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭)‬‮ ‬أوّلاً‮»‬‭ ‬انتهت‭ ‬صلاحيته‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬عولمة‭ ‬الفزع‭.‬‮ ‬وفي‭ ‬الأخير‭ ‬يذكّرنا‭ ‬بما‭ ‬قاله‭ ‬مارتن‭ ‬لوثر‭ ‬كينغ‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭:‬‮ «‬لقد‭ ‬قدمنا‭ ‬على‭ ‬مراكب‭ ‬مختلفة،‮ ‬لكننا‭ ‬اليوم‭ ‬جميعاً‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬السفينة‮»‬‭.‬‮ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬نترجم‭ ‬هذه‭ ‬الأقوال‭ ‬إلى‭ ‬أفعال،‮ ‬فإننا‭ ‬نجازف‭ ‬بأن‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬على‭ ‬متن‮ «‬أميرة‭ ‬الماس‮»‬،‮ ‬وهو‭ ‬اسم‭ ‬السفينة‭ ‬التي‭ ‬اجتاحها‭ ‬الوباء‭.‬

في زمن الجائحة

في مُقابل العَولمة، التي قامَت على إلغاء الحُدود وتمْكين خَصيصة العبور من التحكّم في نظام الحياة العامّ، فرضَ وباءُ كورونا المُستجدّ إقامةَ الحدود لا بَين البلدان وحسب، بل بين مُدُن البَلد الواحد، وحتى بين مكان المُصابين والمدينة التي فيها يُوجَدون، وبين سكّان الحيّ الواحد أو العمارة الواحدة، وَفق ما يقتضيه العزْل الإراديّ أو الحَجْر الطّبيّ. أبْعد من ذلك، فرَض الفيروس حُدودًا بين الفرد وذاته، مُلزِمًا إيّاه بتغيير عاداته، وقلْب سُلوكه اليَوميّ، وتقوية شعوره بجَسده، على نحو ما يُفصحُ عنهُ الخطابُ الطبّيّ وهو يُواصلُ تنبيهاته عبْر سلسلةٍ من الأوامر والنواهي: «اِعتزل التجمّعات»، «لا تُصافح»، «لا تُعانق»، «لا تلمس الأشياء إلّا وأنت مُرْتدٍ قفّازات واقية».. كما لو أنّ الحياة غدَت هي الانفصال والانغلاق. إنّ الحُدودَ التي رَسمَها الفيروس شديدةُ الصّرامة، وهي تتطلّبُ عُزلةً لا تَستثني أحدًا. لقد أعاد الفيروس للعُزلة وَضْعَها الاعتباريّ المَنسيّ وألزمَ بإدماجها في نَمط الحياة، ولكن على نحو مَمزُوج بالإكراه والتوَجُّس والهَلع وتعليقِ مَكاسب حُقوق الإنسان، لأنّ دلالةَ الحقّ في الحياة شهدَ إبدالًا دلاليًّا، على غرار الإبدالات التي مسَّت كلَّ شيء. إلى جانب هذه العُزلة الضروريّة، مكّنَ الفيروسُ الفراغَ من حُضور قويٍّ في كلّ الفضاءات العامّة، التي صارَت شبيهةً بالخَلاء، فغدا الفراغُ والإغْلاق والحَجْر أمورًا دالّة لا على رفْض الآخَر، بل على احترام حقِّه في الحياة. 

رغم هذا المَنحى الذي يُلزمُ بالحُدود ويَفرض نظامًا وَفقها، يَحتفظُ الفيروس بخصائصَ مشدودةٍ إلى نتائج العولمة، ولا سيما في نظام تكاثُره الرّهيب وانتشاره الذي يَمتلكُ سِمة اللانهائيّ، انطلاقًا من صُعوبةِ تطويقه التي لا تستبعدُ احتمالَ الاستحالة المُرعب، إذ تبدَّى سُلوكُ الفيروس، بناءً على رحلته وعلى الخريطة التي رَسمَها انتشارُه، مُنسجمًا مع تحوُّل العالم إلى قريةٍ صغيرة. تحرَّكَ الفيروس، قادمًا من أقصى مكان قبْل أن يتوَزَّع في مُختلف بقاع العالم، بسُرعةٍ تَحملُ خصائصَ الإيقاع الذي أرْساهُ الزمنُ الرقميُّ والافتراضيّ. إيقاعٌ يبدو كما لو أنّ تناميه المَحمومَ يُنافسُ الزمنَ الضَّوئيَّ، في عَصْر غدَت فيه الأسلحةُ / الصواريخُ تُنافسُ سُرعةَ الصَّوت وتتفوّقُ عليها. فالرُّعبُ المُلازمُ، اليَوم، للجائحة مُترتّبٌ على كون الفيروس يَنتشرُ مِن كُلّ شيء، وفي كلّ شيء، وعبْر كلّ شيء، بإيقاع مُخيف. كما أنّ إبطاءَ الانتشار، الذي هو المُمكنُ المُتاح، لحدِّ الآن، في التصدِّي للفيروس، مُتطلّبٌ بصُورةٍ قريبة من الإعجاز، لِما يترتّبُ على هذا الإبطاء اقتصاديًّا واجتماعيًّا، ولِما يَقتضيه مِن تجهيزات طبّيّة، وتعليقٍ لمَكاسب حُقوق الإنسان، وقلبٍ في نظامِ الحياة ذاتها، مادام الفردُ قد غدا، في زَمن كورونا، مُرتابًا في أعضائه، ومَلابسه، وحذائه، واحتكاكاته، وفي الهواء الذي يَستنشقهُ، وهو يَتهجّى، إلى جانب ذلك كلّه، أبجديّةَ العُزلة ويتعلَّمُ ضَوابطَها وقواعدها. لقد التبسَ الأمرُ فجأةً على الإنسان حتى صارَ يشعرُ كما لو أنّهُ يُؤدّي، دون إرادته ودون استعداد قبْليٍّ، دَورَ شخصيّةٍ في رواية من روايات الرّعب، أو في فيلمٍ من أفلام الخيال العلميّ.

 في زمن كورونا المُستجدّ، كلُّ شيء صارَ موضوعَ شُبهة. لقد توسّعَ هاجسُ الارتياب على نحو لم يَعُد يَستثني أيَّ شيء، بما في ذلك علاقة الفرد بذاته. لم يعُد مَوضوعُ الاشتباه خارجيًّا، بل غدا الاشتباهُ إحساسًا تُجاه الذات. صارَ المرءُ مُرتابًا لا من الأشياء وحسب، بل حتى من ذاته وهو يُجابهُ عدوًّا لا مَرئيًّا، شاعرًا، في الآن ذاته، أنّ هذا العدوَّ يترصّدُه في أدقّ تفاصيل حياته. تَرَصُّدٌ ألزمَ الفردَ بأنْ يُفكّر، على امتداد يَومه، بالفيروس، وأن يفكّرَ فيه وانطلاقًا منه؛ فأيُّ عرَض مَرضيّ يَستشْعِرهُ الفردُ، في زمن كورونا المُستجدّ، إلّا ويُفسّرُهُ بتَوجيهٍ من احتمالِ الإصابة بالفيروس. إنّها استيهاماتُ هذا الزّمن، الذي فرضَ لا نمطَ حياةٍ جديدة وحسب، بل استنبتَ أيضًا خيالًا وتوقّعات وأوهامًا وهلوسات وهلعًا. كما بدأ يفرضُ تعوُّدًا على جعْل الهلع جُزءًا من الحياة، بالتعايُش مع خطاب الرّعب وصُوَره ومشاهده. ذلك أنّ احتمالَ الإصابة بالفيروس ليس مُرتبطًا، في هذه الجائحة، بالغَير، بل بالذات نفْسها. لا يتعلَّقُ الأمرُ بخَطر العدوى من الغَير، بل من أنْ يكون الفردُ ذاتهُ حاملًا للفيروس، أي مصدرًا للعدوى وليس فقط مُعرَّضًا لها. كلُّ شَخص، بل كلُّ شيء، في زَمن كورونا المُستجدّ، مُصابٌ بالفيروس إلى أن تَثبُتَ صحّتُهُ وسلامتُه، لكنّ هذا الإثباتَ ذاتَهُ يَبقى هشًّا، غيرَ قادر على أنْ يَصمُدَ أمام الرّعب من الآتي، ومن المَجهول الذي يتّسعُ باتّساع انتشار الفيروس، كما لو أنّ النجاةَ مِن فتْك هذا الوباء ليْست سوى تأجيلٍ لقدَر حتميّ، وهذا أحدُ عوامل الرّعب الذي توَلَّد لدى الإنسان، بَعْد أنْ تأكّد العالَمُ من أنّ الأمْرَ يتعلّقُ بجائحةٍ غريبة أصابَت كوكب الأرض، وجَعلَت حاضرَ البلدان الأكثر تضرُّرًا في العالَم مُجسِّدًا لمُستقبَل البلدان التي مازال الوباءُ يَزحفُ فيها بإيقاع أبطأ. فالمراحل التي بها رَسمَتْ البلدانُ درجَةَ انتشار الفيروس كشفَت أنّ الزمنَ صارَ خاضعًا لنُمو هذا الفيروس، الذي غدا مُتحكِّما في تقسيمِ الزّمن. إنّ كورونا المُستجدّ لا يَصوغ زَمنًا جديدًا وحسب، بل يَفرضُ علاقةً جديدةً بالمكان، أي أنّ لكورونا المُستجدّ أثرًا حاسمًا في تصوُّر الزّمن والمكان، وفي إعادة ترتيب العلاقة معهما، أي أنّ له أثرًا على ما يُعَدُّ مُرتكزَ الحياة، ومُرتكزَ التاريخ بوَجهٍ عامّ.

لقد أعاد الفيروس، بَعد أن كشفَ هشاشةَ الإنسان ووَهْمَ طُغيانه، ترتيبَ علاقةِ الفرد بالأشياء وباليَوميّ، وغدا نمطَ حياة، لأنّه لم يَبق مُجرّد هاجس مقصور على أمْر بعَيْنه، بل صارَ مُوجِّهًا لكلّ السلوكات اليَوميّة وأسَّ الانشغال في كلِّ بقاع العالَم؛ به يُفكّرُ المَرءُ في كلّ ما يُقْبل عليه في يَومه، وبه تُفكّرُ المُؤسّساتُ والدول في الحاضر والآتي، بعْد أن أحْدثَ تحوُّلا في نَمط الحياة وفي نَمط التعامل مع الزّمن والمكان. ضمن هذا التحوُّل الذي طالَ نمط الحياة، أعادَ الفيروس الاعتبارَ لمفهوم البُعد، الذي كان قد تغيّرَ مُنذ القلْب الذي أحدَثهُ المفهومُ الافتراضيّ للمكان والزمن. في المسعى الشاقّ إلى إبطاءِ انتشار الوَباء، لم يَعُد القربُ الفعليُّ أمرًا مقبولًا ولا مُستساغًا، وهو، لِلْمُفارَقة، ما كان الإنسانُ يُفكّكُ خطورةَ التقنية في ضَوئه عندما نبّهَ على أنّها جعلَت القُربَ بين الناس مُفتقِدًا للقُرب. صارَ التواصلُ وتدبيرُ الحياة والتصدّي للجائحة أمورًا تتمُّ، في زمن كورونا، من بُعد، على نحو كشفَ الحاجة إلى التقنية، وأبرزَ الوَجهَ الآخَرَ للآلة، أي وَجْهها الإنسانيّ، لِما تُتيحُهُ مِنْ إمكانٍ في إنجاز الإبْطاء؛ إبطاءِ هذا الوباء المُتكاثر بإيقاعٍ يُضاهي إيقاعَ الزّمن الرَّقميّ. فالآلة، بهذا المَعنى، تعملُ على تأمين البُعْد المُحقِّق للإبطاء، كما لو أنّ الآلة تشتغلُ ضدّ مَنطقها، وضدَّ عالَمها الذي هو عالمُ السّرعة، ممّا كشفَ عن وَجهٍ مُغاير لحَقيقتها. فالآلة المهووسة بالسّرعة هي ما صارَ يُسْهمُ في الإبطاء. إنّه أحدُ مظاهر القلْب الذي أحْدَثهُ الفيروس لا في العديد من السلوكات والوقائع، بل أيضًا في تصوُّر العديد من الأشياء.

بانتشار الفيروس، تبدَّت الحاجةُ إلى التقنية، وهي حاجةٌ تَنطَوي على مَلمَحيْن؛ أوّلهما أنّها تُعيدُ ترتيبَ العلاقة بين العُزلة والتقنية، إذ أخذَت هذه العلاقة توَجُّهًا آخَرَ غيْرَ الذي تكرّسَ مع غزو التقنية للحياة الحديثة وتحوُّلِها إلى نمط وُجود. خلقَ فيروس كورونا المُستجدّ نمطَ حياةٍ آخَر، مُستفيدًا من الإمكانات التي أتاحتْها التقنيّة في تأمين الاتّصال مِن بُعد، وفي الحفاظ على الدِّفء الإنسانيّ، كما لو أنّ البُعْدَ المكانيّ المفروض، في زمن كورونا، مكّنَ بُرودَ الآلة من دِفءٍ اضطراريٍّ لم يَكُن من انشغالاتها. المَلمحُ الثاني هو أنّ النقد الفكريّ، المُوَجَّه إلى التقنية وإلى مظهر إجهازها على الإنسانيّ، لا يُمْكنُ أنْ يَنسى الدَّورَ الذي تضطلِعُ به في تأمين التصدّي لكورونا، وهو ما تبدَّى من تأمين تدبير مَرافق الحياة مِن بُعد، ومن الدور الذي يُمْكن أن يُؤدّيَه الذَّكاءُ الاصطناعيّ في الاستشفاء من فيروس ينتقلُ من الإنسان إلى الإنسان، لكنّه لا يَنتقلُ على كلّ حال بين الإنسان وداخل الآلة/ الروبو، التي يَظلّ ذكاؤُها الاصطناعيّ مَصونًا متى تمَّت بَرمَجتُها على تعقيمِ خارجِها.

زَمنُ جائحةِ «كورونا» غيرُ الزمن الذي كان قبْلها، ولا هو الزمن الذي سيكونُ بَعدَها، لا فقط لأنّ انتشارَ الفيروس صنعَ حدثًا كونيًّا وَضَعَ كلَّ شَيء مَوْضعَ مُساءلة ومُراجعةٍ إلى حدّ الشروع في الحديث عن تحوُّلٍ لاحق في النظام الاقتصاديّ العالميّ وفي النظام الاجتماعيّ للبُلدان، ولكن أيضًا لأنّ هذا الزمنَ أعاد النظرَ في مفهوم الحياة بوَجْهٍ عامّ، مُجسِّدًا رجّةً معرفيّة مَكينة، وليس رجّةً واقعيّة فحسب. إنّ ما ترتّب على ظهور الفيروس وانتشاره يُشكِّلُ إعادةَ نظرَ جذريّة في مفهوم الحياة، بما مَنَحَهُ من فسحةٍ، غيرِ مُنفصلة عن التوَجُّس والقلق والارتياب، للتأمُّل في هذا المفهوم وإعادة صَوغه بالحِرْص على رفْع الحُجُب عن الحياة، أي رفْعِها عمَّا لا ينفكّ ينأى في الحياة، ويُحْجَبُ فيها ويَختفي. لقد كانت الحياةُ حتى قبل كورونا تكشفُ عن أنّها تُسْرعُ في الابتعادِ عن نفْسها باسْم التطوُّر والتقدُّم، أي باسْم وجْهٍ آخَر للحياة يَبنيه تحوُّلُ البلاهة والتفاهة والجشع إلى أمورٍ بدَهيّة. وقد لَبسَ نأيُ الحياةِ عن نَفْسها صُورةَ بداهةٍ لا تكُفُّ عن تسويغِ توَحُّش الإنسان بسُبُلٍ عديدة، قبل أن تُلحّ الجائحة على إعادة ترتيب علاقة الإنسان مع الطبيعة بَعد أن تكشّفَ طغيانُهُ عليها، بما حجبَ عنهُ حقيقةَ هشاشته تُجاهَها، وعلى إعادة ترتيب علاقة الإنسان بنَفسه، وعلاقةِ الإنسان بالإنسان. 

 لقد كشفَ زَمن كورونا، على الأقلّ من مظاهره الأولى، أنّ غريزةَ البقاء لدى الإنسان لمْ تخترقها القيَمُ التي يُمْكنُ أنْ تنتقلَ بها من الوَضْع الغريزيّ إلى الأفق الرّحْب لمَحبّة الحياة. ذلك أنّ غريزةَ البقاء غيرُ محبّة الحياة، لأنّ محبّة الحياة قيمةٌ ترتكزُ على تقدير الذات للغَير، وعلى خروج الذات من الغريزيِّ نحو الثقافيّ. فالأوضاعُ التي شهدَتها المحلّات التجاريّة في مُختلف بقاع العالم، والتسابُق المحموم للظفَر بالموادّ الغذائيّة وغيرها، وظهور تُجّار الحروب والأوبئة والأزمات، أي تُجّار المَوت، أتاحتْ للإنسان أن يَتفرَّجَ، على حقيقةِ الذات البَشريّة التي لم تستطع أنْ ترقى بالبَقاء إلى فعلٍ قيميّ، بإبْعاده عن الغريزيِّ، وأتاحتْ له أن يشهدَ على انهيار فادح للقيَم. اِنهيارٌ تكشّفَت فداحتُهُ، التي كانت ملامحُها ترتسمُ بصُورة مُخيفة حتى قبْل كورونا، مع أوّل امتحان تُجاه الموت. والحال أنّ زمن الجائحة، أيًّا كان اسمُها وخطرُها، هو لحظة لإعادة ترتيب العلاقة مع القيَم. لابدّ من تعقيمٍ مُضاعَفٍ يَمتدّ من جَسد الإنسان إلى رُوحه. كلّما اهترأت الرّوح وأُصيبَت في جَوهرها الإنسانيّ وصارت خرابًا، يبقى كلُّ تعقيم وتطهير عاجزيْن عن صَون المعنى الآخَر للحياة من الوباء، المعنى الذي لا يُقابل المَوت بالضّرورة. إنّ الانهيارَ الاجتماعيّ الذي يُمْكنُ أن يُهدِّدَ، اليوم، مفهومَ المجتمع ويُهدّدَ الأسُسَ التي عليها يقومُ المجتمعُ واقعيًّا قادمٌ من خُطورة انهيار القيَم في زَمن الجائحة، بوَصفه زَمن قيَم، وزمنَ حاجةٍ مُلحّة إلى القيَم. وبما هو كذلك، فهو زمن مَحبّةِ الحياة، على نحو ما تبدَّى، في مَشاهدَ عديدة من بقاع العالَم، مِن رُوح المَرح والأمل، ومن روح السخريّة التي تُعدُّ قوّةً وانتصارًا على الهشاشة ما لمْ تتحوَّل إلى تهوُّر أو استخفاف بالجائحة أو قذفٍ بها في متاهة الخرافة والهلوسات. لا يتعلَّقُ الأمرُ إطلاقًا، في هذا السياق، بخطاب أخلاقيّ، بل برُؤية للحياة تجعلُ مَحبّتَها وتمجيدَها والفرحَ بها مُتوَقّفًا على نُبْل العلاقة بالآخَر. فالانفصال، الذي فرَضتْهُ الجائحة، وامتدّ إلى العلاقة بين الناس ليس سوى إعادةِ تأمّل لمفهوم العلاقة ولمفهوم الحياة، مادامت الحياة، في عُمقها، علاقةً مُتشعّبةَ الخُيوط.

رغم أنّ المجهولَ كان دومًا نُسغَ الحياة وأسُّها الحامي لأسرارها ودَهشتها وتجدُّدها، يبدو مجهولُ جائحةِ «كورونا» قاتمًا، ومُحتفظًا للمَوت بصُورةِ القتل. لربّما المُضيء في هذا المجهول هو أنّه كشفَ، من بين ما كشفَ عنه، عن الحاجةِ إلى العِلم الإنسانيّ وإلى العُلماء، وإلى نظام صحّيٍّ متطوِّر، في زَمن غدا فيه التسابُق على التفاهة وتطويرها قيمَةَ القيَم، حتى تحوَّلَ التنافُس على إنتاج التفاهة علامةَ الزمن الحديث، بما أفْضَى إلى إنتاج فائض من التفاهة. فائضٌ لا يبدو، في زمن كورونا، مُعيقًا وحسب، بل عاملًا من عوامل الإحساس بحدّةِ الهشاشة.

أدب الأوْبِئة.. فواجع الاستشراف!

يَحبْل‭ ‬الأدب‭ ‬الأميركي‭ ‬بروايات‭ ‬اتخذت‭ ‬من‭ ‬الأوبئة‭ ‬والجوائح‭ ‬موضوعاً‭ ‬لها؛‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬رواية الطاعون‭ ‬القرمزي‮ ‬‭(‬الصادرة سنة‭ ‬1912‭)‬‮ ‬للكاتب‭ ‬‮«‬جاك‭ ‬لندن‮ ‬Jack London‮» ‬تجري‮ ‬أحداث‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬الاستشرافية‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬2073؛‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬حمّى‭ ‬نزفية‭ ‬عالمية‭ ‬قد‭ ‬انتشرت‭ ‬كالنار‭ ‬في‭ ‬الهشيم‭ ‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬2013،‭ ‬حتى‭ ‬إنها‭ ‬قضت‭ ‬على‭ ‬أغلب‭ ‬سكّان‭ ‬المعمور‭. ‬لذلك‭ ‬سيصبح‭ ‬هذا‭ ‬الطاعون‭ ‬بمثابة واقعة‭ ‬تاريخية‭ ‬فارقة،‭ ‬يتخذها‭ ‬من‭ ‬نجى‭ ‬منه‭ ‬كفاصل‭ ‬بين‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الطاعون؛‭ ‬العالم‭ ‬المتمدّن‭ ‬والمتحضّر،‭ ‬وعالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الطاعون،‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬تكاد‭ ‬فيه‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬والتقدُّم‭ ‬المعرفي،‭ ‬والتطوّر‭ ‬المجتمعي‭ ‬أن‭ ‬يندثر؛‭ ‬فيحاول‭ ‬من‭ ‬تبقّى‭ ‬إنقاذ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬إنقاذه،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬يتذكَّرونه‭ ‬عن‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الطاعون‭ ‬يبدو‭ ‬لهم‭ ‬وكأنه‭ ‬مجرَّد‭ ‬وَهَم‭ (‬فالطاعون‭ ‬حسب‭ ‬الرواية‭ ‬انتشر‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬لحوالي‭ ‬ستين‭ ‬سنة‭). ‬يأخذ‭ ‬أستاذ‭ ‬عجوز‭ ‬على‭ ‬عاتقه‭ ‬مهمّة‭ ‬ضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬وإحياء‭ ‬ثقافتها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬كان‮ ‬يحكيه من‭ ‬ذاكرته للأطفال‭ ‬الصغار؛‭ ‬علَّ‭ ‬الإنسانية‭ ‬تنبعث‭ ‬من‭ ‬رمادها‭.‬‮  ‬

ولم‭ ‬تنفك‭ ‬روايات‭ ‬مواطنه‮ «‬ستيفن‭ ‬كينغ‮ ‬Stephen King‮» ‬تُبهر‭ ‬العالم‭ ‬بتنبؤاتها‭ ‬التي‭ ‬تمحورت‭ ‬في‭ ‬مرَّات‭ ‬عدّة‭ ‬حول‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬سيشهد‭ ‬لا‭ ‬محالة‭ ‬وباء‭ ‬مدمِّراً‭ ‬يأتي‭ ‬على‭ ‬الأخضر‭ ‬واليابس‭. ‬ويميل‮ «‬كينغ‮» ‬على‭ ‬العموم‭ ‬إلى‭ ‬نظريات‭ ‬المؤامرة،‮ ‬وعمليّات‭ ‬التصنيع‭ ‬المخبري‭ ‬للفيروسات،‭ ‬والتجارب‭ ‬المحرّمة‭. ‬وتمثِّل‭ ‬روايته‭ ‬الشهيرة الآفة‭ ‬أو‭ ‬المواجهة‭ ‬ـــ‮ ‬‭(‬الصادرة سنة‮ ‬1978‭)‬‮ ‬أبرز‭ ‬نموذج‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال؛‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬أن نهاية‭ ‬العالم ستكون‭ ‬بسبب‭ ‬فيروس‭ ‬إنفلونزا‭ ‬خضع‭ ‬لعمليّات‭ ‬تعديل‭ ‬داخل‭ ‬المختبرات‭ ‬العسكرية‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬سلاحاً‭ ‬بيولوجياً‭ ‬يوظّف‭ ‬في‭ ‬الحروب،‭ ‬وبسبب‭ ‬خطأ‭ ‬تقني‮ ‬سيتفشّى‭ ‬هذا‭ ‬الفيروس‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬حتى‭ ‬إنه‭ ‬سيقضي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يفوق‭ ‬99‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬سكّانه،‭ ‬رغم‭ ‬كلّ‭ ‬إجراءات‭ ‬العزل‭ ‬والحجر‭ ‬الصحي‭ ‬وتقييد‭ ‬الحركة‭ ‬والاعتقالات‭.‬‮ ‬يصوّر‭ ‬‮«‬كينغ‮»‬‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬فناء‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬نعرفه‭ ‬ليحلّ‭ ‬معه‭ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬جديد‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬البقاء‭ ‬للأقوى؛‭ ‬والأقوى‭ ‬هنا‭ ‬همّ‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬حباهم‭ ‬الله‭ ‬بمناعة‭ ‬طبيعية‭ ‬تجاه‭ ‬هذا‭ ‬الوباء‭. ‬ولعلّ‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬تحاول‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬أن‭ ‬تعبِّر‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬قضايا‭ ‬عدّة‭ ‬أخرى‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬الأنانية‭ ‬التي‭ ‬جُبِل‭ ‬الإنسان عليها؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يفكِّر‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬الشدة‭ ‬إلّا‭ ‬في‭ ‬نفسه،‭ ‬وفي‭ ‬نفسه‭ ‬فقط،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬دمار‭ ‬البشرية‭ ‬جمعاء‭. ‬رواية تصور ضعف‭ ‬النفس‭ ‬البشرية،‭ ‬وهشاشة‭ ‬الإنسان‭ ‬إزاء‭ ‬الكوارث،‭ ‬وأنانية‭ ‬بعض‭ ‬الأنظمة،‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬التجارب‭ ‬المحرّمة‭ ‬من‭ ‬سيناريوهات‭ ‬مرعبة‭.‬‮  ‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لمن‭ ‬يباشر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬الأدب‭ ‬بالأوبئة‭ ‬والتنبؤ‭ ‬بوقوعها،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تفشى‭ ‬فيه‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬بلدان‭ ‬العالم،‭ ‬ألا‭ ‬يستحضر‭ ‬رواية عيون‭ ‬الظلام للروائي‮ «‬دين‭ ‬راي‮ ‬كونتز‮ ‬Dean Ray‮ ‬Koontz‮» ‬‭(‬الصادرة سنة‮ ‬1981‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬أصبحت‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬نار‭ ‬على‭ ‬علم‭. ‬لا‭ ‬يهمنا‭ ‬هنا‭ ‬هل‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬هو‭ ‬نبوءة‭ ‬أم‭ ‬مصادفة،‭ ‬أم‭ ‬معلومات‭ ‬سرية‭ ‬عرفها‭ ‬الكاتب‭ ‬بطريقة‭ ‬ما،‭ ‬لا‭ ‬يهمنا‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬قد‭ ‬أوحى‭ ‬لأحدهم‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬بتصنيع‭ ‬فيروس‭ ‬ونسبه‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭… ‬كلّ‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭ ‬لا‭ ‬تهمنا؛‭ ‬لأن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الأدبية‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬وضعت‭ ‬تصوّراً‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬فكَّر‭ ‬أحدهم‭ ‬في‭ ‬تصنيع‭ ‬فيروس‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬التحضير‭ ‬لحرب‭ ‬بيولوجية‭ ‬مرتقبة‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ ‬تشير‭ ‬صراحة‭ ‬بأصابع‭ ‬الاتهام‭ ‬للصين،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جعل‭ ‬مدينة ووهان الصينية‭ ‬مسرحاً‭ ‬لأهمّ‭ ‬أحداثها،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الفيروس‭ ‬المصنَّع‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته كان‮ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬ووهان‮ ‬400‮»‬،‮ ‬إلّا‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬تبقى‭ ‬ضائعة‭. ‬لقد‭ ‬أثارت‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكلام،‭ ‬وملأت‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وشغلت‭ ‬خيال‭ ‬المهتمين‭ ‬بنظريات‭ ‬المؤامرة؛‭ ‬كيف‭ ‬لا‭ ‬وقد‭ ‬تنبأت‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬سنة‭ ‬بما‭ ‬نعيشه‭ ‬نحن‭ ‬الآن‭ ‬بسبب‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬الاختلافات‭ ‬بالطبع،‭ ‬إن‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬مدة‭ ‬حضانة‭ ‬الفيروس،‭ ‬أو‭ ‬درجة‭ ‬شراسته،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الحيثيات‭ ‬التي‭ ‬أحاطت‭ ‬بظهوره‭ ‬وتفشيه‭.‬‮ ‬

وعلى‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى،‭ ‬عرف‭ ‬الإنتاج‭ ‬الروائي‭ ‬الأوروبي‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬التاريخ‭ ‬اهتماماً‭ ‬كبيراً‭ ‬بالأوبئة‭ ‬والجوائح؛‭ ‬ولعلّ‭ ‬أولى‭ ‬المحاولات‭ ‬الخالدة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬مجموعة الديكاميرون للإيطالي‮ «‬جيوفاني‮ ‬بوكاتشيو‮ ‬Giovanni‮ ‬Boccaccio‮» ‬‭(‬ألَّفها‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬1349‭ ‬إلى‭ ‬سنة‭ ‬1353‭). ‬فعلى‭ ‬غرار‭ ‬‮«‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‮»‬،‭ ‬تتكوَّن‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬من‭ ‬حكاية‭ ‬إطار‭ ‬وحكايات مؤطرة عددها‭ ‬مئة‭ ‬حكاية،‭ ‬يتكفَّل‭ ‬عشرة‭ ‬أفراد‭ ‬برواية‭ ‬عشر‭ ‬حكايات‭ ‬لكلّ‭ ‬واحد‭ ‬منهم،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تزجية‭ ‬الوقت؛‭ ‬ذلك‭ ‬أنهم‭ ‬فضَّلوا‭ ‬الانعزال‭ ‬فراراً‭ ‬من‭ ‬الطاعون‭ ‬الذي‭ ‬حلّ‭ ‬بمدينة‭ ‬فلورانسا‭. ‬أمّا‭ ‬الحكاية‭ ‬الإطار،‭ ‬فتحكي‭ ‬عن‭ ‬الطاعون،‭ ‬أو‭ ‬الموت‭ ‬الأسود،‭ ‬الذي‭ ‬فجع‭ ‬المدينة‭ ‬الإيطالية،‭ ‬وما‭ ‬خلَّفه‭ ‬من‭ ‬ضحايا‭ ‬يفوقون‭ ‬الوصف‭. ‬لقد‭ ‬اتخذ‭ ‬‮«‬بوكاتشيو‮»‬‭ ‬من‭ ‬الوباء‭ ‬ذريعة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحكي،‭ ‬وكأن‭ ‬الانعزال،‭ ‬أو‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي،‭ ‬مناسبة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الغوص‭ ‬في‭ ‬الذات‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬أيضاً؛‭ ‬مناسبة‭ ‬للتعرُّف‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬مرآة‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬الأنا‭ ‬والآخر،‭ ‬ومناسبة‭ ‬كذلك‭ ‬للتعرُّف‭ ‬على‭ ‬المختلف‭ ‬والاستفادة‭ ‬منه‭. ‬الجائحة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬واقعاً،‭ ‬فهي‭ ‬تفرض‭ ‬المواجهة؛‭ ‬وأولى‭ ‬خطوات‭ ‬المواجهة‭ ‬تقتضي‭ ‬التعرُّف‭ ‬على‭ ‬الذات،‭ ‬فالآخر،‭ ‬ثم‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬مسلسل‭ ‬البناء‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬العاصفة‭.‬‮   ‬

وفي‭ ‬روايته‮ «‬الحجر‭ ‬الصحي‮» ‬‭(‬الصادرة‭ ‬سنة‭ ‬1995‭) ‬أبدع الروائي‭ ‬الفرنسي‮ «‬جون‭ ‬ماري‮ ‬لوكليزيو‮ ‬Jean-Marie Le‮ ‬Clézio‮» ‬الحاصل‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للآداب،‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬ما‭ ‬يعانيه‭ ‬من‭ ‬يكون‭ ‬بداخله‭. ‬تحكي‭ ‬الرواية قصّة‭ ‬أخوين‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬سفينة‭ ‬في‭ ‬اتِّجاه‭ ‬موطنهما،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬توقّف‭ ‬مؤقَّت‭ ‬للسفينة‭ ‬في‭ ‬ميناء‭ ‬زنجبار،‮ ‬تُكتشف‭ ‬إصابة‭ ‬فردين‭ ‬من‭ ‬مسافريها‭ ‬بالجدري؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬السلطات‭ ‬المحلّية‭ ‬تفرض‭ ‬عليهم‭ ‬حجراً‭ ‬صحيا‭ ‬إلى‭ ‬أجل‭ ‬غير‭ ‬مسمّى‭. ‬يحاول‭ ‬الروائي‭ ‬أن‭ ‬ينقل‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الآن‭ ‬معاناة‭ ‬المصابين‭ ‬بالوباء،‭ ‬وخوف‭ ‬المعزولين‭ ‬بالقوة‭: ‬من‭ ‬الوباء،‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬المحتجزين‭ ‬فيه،‭ ‬ومن‭ ‬المستقبل‭ ‬المظلم‭ ‬والغامض‭. ‬ولكن‭ ‬رغم‭ ‬ذلك،‭ ‬حاول‭ ‬أحد‭ ‬الأبطال‭ ‬أن‭ ‬يوجد‭ ‬لنفسه‭ ‬وسط‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬الكارثي‭ ‬الباعث‭ ‬على‭ ‬التشاؤم‭ ‬فسحة‭ ‬أمل‭ ‬وفرجة تفاؤل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انغماسه‭ ‬في‭ ‬التمتّع‭ ‬بالمناظر‭ ‬الطبيعية‭ ‬المبهرة‭ ‬المحيطة‭ ‬به،‭ ‬وأيضاً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تذكّره‭ ‬السعيد‭ ‬لقصّة‭ ‬علاقته‭ ‬مع‭ ‬محبوبته‭.‬

في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‮ ‬

لم‭ ‬يخل‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬إشارات‭ ‬إلى‭ ‬الأوبئة،‭ ‬إمّا‭ ‬بطريقة‭ ‬عابرة‭ ‬مثلما‭ ‬نجد‭ ‬مثلاً‭ ‬في‭ ‬ملحمة الحرافيش‮ ‬‭(‬الصادرة‭ ‬سنة‭ ‬1977‭)‬‮ ‬لـ‮ «‬نجيب‭ ‬محفوظ‮» ‬‭(‬حيث‭ ‬استشرى‭ ‬وباء‭ ‬فتك‭ ‬بالمصريين‭ ‬وأمعن‭ ‬فيهم‭ ‬قتلاً‭ ‬وتنكيلاً‮ ‬باستثناء‭ ‬البطل‭ ‬‮«‬عاشور‭ ‬الناجي‮»‬،‭ ‬لتبدأ‭ ‬الأحداث‭ ‬الفعلية‭ ‬للرواية‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬ثلاثية الأيام‮ ‬‭(‬الصادرة‭ ‬سنة‮ ‬1929‭) ‬لـ‮ «‬طه‭ ‬حسين‮» ‬‭(‬التي‮ ‬أشار‭ ‬في‭ ‬جزئها‭ ‬الأوّل‭ ‬إلى‭ ‬انتصار‭ ‬وباء‭ ‬الكوليرا‭ ‬في‭ ‬مسقط‭ ‬رأسه،‭ ‬وكيف‭ ‬أنه‭ ‬فجعهم‭ ‬في‭ ‬أخيه‭)… ‬وإما‭ ‬بجعل‭ ‬الوباء‭ ‬أساس‭ ‬الحكي‭ ‬الروائي،‭ ‬مثلما‭ ‬نجد على‭ ‬سبيل‭ ‬التمثيل في‭ ‬رواية‮ «‬إيبولا‮ ‬76‮» ‬‭(‬الصادرة‭ ‬سنة‮ ‬2012‭)‬‮ ‬لـ«أمير‭ ‬تاج‭ ‬السر‮»‬‭.‬تحكي‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تحكيه‭ ‬فظاعة‭ ‬وشراسة‭ ‬وباء‭ ‬إفريقي‭ ‬بامتياز‭: ‬‮«‬إيبولا‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬حصد‭ ‬آلاف‭ ‬الأرواح‭ ‬وشتَّت‭ ‬شمل‭ ‬مئات‭ ‬الأسر‭.‬‮ ‬وتبقى‭ ‬من‭ ‬أهمّ‭ ‬المحاولات‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الباب،‭ ‬سلسلة‭ ‬‮«‬سفاري‮»‬‭ (‬ابتداءً‮ ‬من‭ ‬1996‭) ‬للمرحوم‮ «‬أحمد‭ ‬خالد‭ ‬توفيق‮»‬،‮ ‬التي‭ ‬خصّص‭ ‬رواياتها‭ ‬بالكامل‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬المشكلات‭ ‬الطبية‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬السمراء‭.‬‮ ‬بيْد‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬تضاعيف‭ ‬حبكاته‭ ‬الروائية‭ ‬المتعدِّدة،‭ ‬يفاجئنا‭ ‬أحياناً‮ ‬بقدرته‭ ‬الغريبة‭ ‬على‭ ‬التنبؤ‭ ‬والتوقُّع‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬ظهور‭ ‬الأوبئة‭ ‬والجوائح؛ لذلك‭ ‬ذُكِر‭ ‬اسمه‭ ‬بقوة‭ ‬بعد‭ ‬انتشار‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬خاصّة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭.‬‮ ‬يقول في‮ ‬أحد أعداد‭ ‬سلسلته‭:‬‮ «‬الكابوس‭ ‬الذي‭ ‬يطارد‭ ‬علماء‭ ‬الفيروسات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬كلّه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يعود وباء إنفلونزا‭ ‬عام‭ ‬1918‮ ‬الذي‭ ‬أطلقوا‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ (‬الوباء‭ ‬الإسباني‭)‬‭ ‬إلى‭ ‬الظهور‭. ‬لقد‭ ‬فتك‭ ‬هذا‭ ‬الوباء‭ ‬بثلاثين‭ ‬مليوناً‭ ‬من‭ ‬البشر؛‭ ‬أي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ضحايا‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‮»‬‭.‬‮ ‬ولعلّ‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نقف‭ ‬مبهوتين أمام هذا‭ ‬الاستشراف،‭ ‬هو‭ ‬إشارته الغريبة‭ ‬هذه‭:‬‮ «‬لهذا‭ ‬لا‭ ‬نسمع‭ ‬عن‭ ‬أوبئة‭ ‬الإنفلونزا‭ ‬المُريعة‭ ‬إلّا‭ ‬من‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬للفظة‭ (‬إنفلونزا‭ ‬آسيوية‭)‬‮ ‬رنين‭ ‬يذكرنا‭ ‬بلفظة‭ (‬طاعون‭)‬‮ ‬‭[…]‬‮ ‬الوباء‭ ‬الحقيقي‭ ‬المرعب‭ ‬قادم‭ ‬لا‭ ‬شكّ‭ ‬فيه،‭ ‬سيبدأ من‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الصين أو‭ ‬هونج‭ ‬كونج‭… ‬ساعتها‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬لنا‭ ‬أمل‭ ‬إلّا‭ ‬في‭ ‬رحمة‭ ‬الله،‭ ‬ثم‭ ‬البيولوجية‭ ‬الجزيئية‭ ‬وسرعة‭ ‬تركيب‭ ‬اللقاح‮»‬‭. ‬

الكاتب: ‬نبيل موميد‭


روايات‭ ‬الأوبئة،‭ ‬مثل‭ ‬الأوبئة،‭ ‬تزدهر‭ ‬ثم‭ ‬تختفي‭ ‬ضمن‭ ‬موجات‭ ‬متعاقبة‭. ‬في‭ ‬الستِّينات،‭ ‬ظهر‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬سلالة‭ ‬أندروميدا‭ – ‬The Andromeda Strain‮»‬،‭ ‬لمايكل‭ ‬كريشتون‭. ‬وشهدت‭ ‬فترة‭ ‬السبعينيات‭ ‬نجاحاً‭ ‬لافتاً‭ ‬لفيلم‭ ‬‮«‬الموقف‮»‬‭ ‬لستيفن‭ ‬كينج‭. ‬وقدّم‭ ‬روبن‭ ‬كوك‭   ‬فيلم‭ ‬‮«‬التفشّي‮»‬‭ ‬في‭ ‬الثمانينات‭. ‬وبحلول‭ ‬سنوات‭ ‬2000،‭ ‬‮«‬الحرب‭ ‬العالمية‮»‬‭ ‬لماكس‭ ‬بروكس،‭ ‬و«دليل‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬الزومبي‮»‬‭. ‬في‭ ‬2014،‭ ‬هيمنت‭ ‬إميلي‭ ‬سانت‭ ‬جون‭ ‬ماندل،‭ ‬بفيلمها‭ ‬‮«‬المحطّة‭ ‬الحادية‭ ‬عشر‮»‬‭ ‬حول‭ ‬طاعون‭ ‬مميت‭ ‬يسمّى‭ ‬‮«‬أنفلونزا‭ ‬جورجيا‮»‬،‭ ‬على‭ ‬قوائم‭ ‬الجوائز،‭ ‬وحصلت‭ ‬على‭ ‬اعتراف‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭.‬

مع‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا،‭ ‬في‭ ‬الأذهان،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قراءة‭ ‬الكتب‭ ‬حول‭ ‬الأوبئة،‭ ‬إمّا‭ ‬تجربة‭ ‬مخيفة،‭ ‬أو‭ ‬تجربة‭ ‬رائعة‭ ‬فكريّاً‭. ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬القرّاء‭ ‬في‭ ‬الفئة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تقول‭ ‬سيلفيا‭ ‬مورينو‭ ‬غارسيا،‭ ‬مؤلّفة‭ ‬روايات‭ ‬‮«‬آلهة‭ ‬اليشم‭ ‬والظلّ‮»‬،‭ ‬و«إشارة‭ ‬إلى‭ ‬الضوضاء‮»‬،‭ ‬‮«‬شاطئ‭ ‬بلا‭ ‬ترويض‮»‬‭: ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الزومبي‭ ‬أصبح‭ ‬مرادفاً‭ ‬للوباء،‭ ‬هناك‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬تتجنَّب‭ ‬هذه‭ ‬العدوى‭ ‬الشائعة‭. ‬نفدت‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬أغنية‭ ‬الناجين‮»‬‭ ‬لبول‭ ‬ترمبلاي،‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬يوليو‭ ‬الماضي،‭ ‬وهي‭ ‬تتعلّق‭ ‬بفيروس‭ ‬يشبه‭ ‬داء‭ ‬الكلَب،‭ ‬مع‭ ‬فترة‭ ‬حضانة‭ ‬قصيرة‭. ‬وعندما‭ ‬تحدَّثت‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬بوسكون،‭ ‬أخبرني‭ ‬أن‭ ‬أخته،‭ ‬الممرّضة،‭ ‬ساعدته‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬أفكاره‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬تعامل‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحِّيّة‭ ‬في‭ ‬ماساتشوستس،‭ ‬مع‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو،‭ ‬كما‭ ‬تُوِّج‭ ‬عمل‭ ‬بول‭ ‬بوصفه‭ ‬‮«‬أفضل‭ ‬عمل‭ ‬رعب‭ ‬جديد‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬تقول‭ ‬لافي‭ ‬تيدهار،‭ ‬مؤلّفة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الروايات،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬القرن‭ ‬العنيف‮»‬،‭ ‬و«المحطّة‭ ‬المركزية‮»‬،‭ ‬و«الأرض‭ ‬غير‭ ‬المقدَّسة‮»‬‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬أحببت‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬بونتيبول‮»‬،‭ ‬المقتبس‭ ‬من‭ ‬الرواية‭. ‬ظهر‭ ‬فيروس‭ ‬اللّغة،‭ ‬بالطبع،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سابق،‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬تحطُّم‭ ‬الثلج‮»‬‭ ‬لنيل‭ ‬ستيفنسون،‭ ‬وهو‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬ينهي‭ ‬حقبة‭ ‬عصر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬لكن‭ ‬الروايتَيْن‭ ‬لا‭ ‬تختلفان‭. ‬إحدى‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬ذكرتها‭ ‬هي‭ ‬ملحمة‭ ‬كيم‭ ‬ستانلي‭ ‬روبنسون‭ ‬‮«‬سنوات‭ ‬الأرز‭ ‬والملح‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬رجعت‭ ‬إلى‭ ‬الوراء،‭ ‬إلى‭ ‬أحداث‭ ‬‮«‬الموت‭ ‬الأسود‮»‬‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬عشر،‭ ‬كنقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬لروايتها،‭ ‬لكنها‭ ‬تتخيّل‭ ‬أنه‭ ‬سيقتل‭ ‬الجميع،‭ ‬تقريباً،‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭. ‬وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬أثارت‭ ‬الروائية‭ ‬نقطة‭ ‬مهمّة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬مستقبل‭ ‬البشرية‭: ‬مع‭ ‬تكرار‭ ‬لغة‭ ‬الفيروسات‭ ‬والإصابات‭ ‬والانتقال‭ ‬السريع‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬في‭ ‬أنظمتنا‭ ‬الرقمية،‭ ‬هل‭ ‬أصبحنا‭ ‬عرضة‭ ‬لشكل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الوباء؟‭ ‬وبما‭ ‬أننا‭ ‬أصبحنا‭ ‬أكثر‭ ‬تكاملاً‭ ‬مع‭ ‬أجهزتنا‭ ‬الرقمية،‭ ‬هل‭ ‬أصبحنا‭ ‬عرضة‭ ‬للخطر،‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬أصبحت،‭ ‬حتى‭ ‬المنازل‭ ‬والسيارات‭ ‬وحتى‭ ‬المفاعلات‭ ‬النووية،‭ ‬تسقط‭ ‬فريسة‭ ‬للعدوى‭ ‬الخبيثة؟

أمّا‭ ‬‮«‬ديكاميرون‭ – ‬The Decameron‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬مجموعة‭ ‬قصص‭ ‬للإيطالي‭ ‬جيوفاني‭ ‬بوكاتشيو،‭ ‬فقد‭ ‬‮«‬كانت‭ ‬بمثابة‭ ‬الترياق‭ ‬للطاعون‭ ‬الذي‭ ‬أهلك‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬بحكاياتها‭ ‬عن‭ ‬الحبّ‭ ‬والفكاهة‭ ‬والإثارة‭. ‬يغادر‭ ‬عشرة‭ ‬صغار‭ ( ‬سبعة‭ ‬منهم‭ ‬نساء،‭ ‬وثلاثة‭ ‬رجال‭) ‬مدينة‭ ‬فلورنسا،‭ ‬حوالي‭ ‬عام‭ ‬1350،‭ ‬وسلاحهم‭ ‬القصص‭ ‬بوصفها‭ ‬ملاذاً‭ ‬للموت‭ ‬المتربِّص‭. ‬أمّا‭ ‬‮«‬مجلّة‭ ‬عام‭ ‬الطاعون‮»‬،‭ ‬لدانييل‭ ‬ديفو،‭ ‬أو‭ ‬اليوميّات‭ ‬الوهمية‭ ‬التي‭ ‬كتبها‭ ‬أحد‭ ‬صانعي‭ ‬السروج،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قرَّر‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬التي‭ ‬مزَّقها‭ ‬الطاعون‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1665،‭ ‬فقد‭ ‬كُتِبت‭ ‬بمنهجية‭ ‬ودقّة‭ ‬عالية،‭ ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إنها‭ ‬رواية‭ ‬صحافية‭ ‬عن‭ ‬الطاعون‭ ‬الدبلي‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬الإنجليزية‭. ‬وفي‭ ‬جميع‭ ‬الأوبئة،‭ ‬بشكل‭ ‬عامّ،‭ ‬الأغنياء‭ ‬هم‭ ‬أوَّل‭ ‬من‭ ‬يغادر‭ ‬المدينة‭. ‬يلاحظ‭ ‬ديفو‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مذكِّراته،‭ ‬واصفاً‭ ‬الخدم‭ ‬الذين‭ ‬يساعدون‭ ‬النبلاء‭ ‬وعبيدهم‭ ‬للخروج،‭ ‬بسرعة،‭ ‬إلى‭ ‬الريف،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬آلام‭ ‬الوباء‭. ‬

وفي‭ ‬الفصل‭ (‬28‭) ‬من‭ ‬‮«‬المخطوبون‮»‬،‭ ‬الرواية‭ ‬التاريخية،‭ ‬للإيطالي‭ ‬ألساندرو‭ ‬مانزوني،‭ ‬يصف‭ ‬الأخير‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬سكّان‭ ‬ميلانو‭ ‬تجاه‭ ‬الطاعون،‭ ‬عام‭ ‬1648‭. ‬يتمّ‭ ‬احتجاز‭ ‬المصابين‭ ‬في‭ ‬جناح‭ ‬الجذام،‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬بهدف‭ ‬كبح‭ ‬العدوى‭. ‬ويُقبَض‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬آلاف‭ (‬بين‭ ‬رجل‭ ‬وامرأة‭ ‬وطفل‭) ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬المدينة،‭ ‬ويتمّ‭ ‬عزلهم‭ ‬في‭ (‬288‭) ‬غرفة،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬المستغرب‭ ‬أن‭ ‬يُقضى‭ ‬عليهم‭ ‬هناك‭. ‬أُغلقت‭ ‬المتاجر،‭ ‬وأفرغت‭ ‬المصانع،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يموت‭ ‬فيه‭ ‬100‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬الطاعون،‭ ‬يوميّاً‭.‬

ومن‭ ‬أشهر‭ ‬الروايات،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الباب،‭ ‬نذكر‭ ‬‮«‬الطاعون‭ – ‬La Peste‮»‬،‭ ‬لألبرت‭ ‬كامو،‭ ‬وهي‭ ‬قصّة‭ ‬أكثر‭ ‬حداثةً‭ ‬من‭ ‬الخيال‭ ‬الوبائي،‭ ‬بطلاها‭ ‬هما‭: ‬الطبيب‭ ‬برنارد‭ ‬ريو،‭ ‬والشابّ‭ ‬جان‭ ‬تارو‭ ‬الذي‭ ‬يحتفظ‭ ‬بسجلّ‭ ‬دقيق،‭ ‬للأحداث،‭ ‬زمن‭ ‬انتشار‭ ‬المرض‭. ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الحكومة‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬ووهان،‭ ‬حاليّاً،‭ ‬أمرت‭ ‬السلطات‭ ‬الفرنسية،‭ ‬آنذاك،‭ ‬بتطويق‭ ‬مدينة‭ ‬وهران‭ ‬الموبوءة،‭ ‬وأجبرت‭ ‬السكّان‭ ‬على‭ ‬ملازمة‭ ‬منازلهم‭ ‬لمنع‭ ‬انتشار‭ ‬الطاعون‭.‬

وفي‭ ‬الرواية،‭ ‬أيضاً،‭ ‬نجد‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬فصل‭ ‬البطل‭ ‬ريو‭ ‬عن‭ ‬زوجته،‭ ‬ظلّ‭ ‬يحارب‭ ‬الموت‭ ‬بجانب‭ ‬تارو،‭ ‬وهذا‭ ‬يحيلنا‭ ‬على‭ ‬الأخبار‭ ‬التي‭ ‬تصلنا،‭ ‬اليوم،‭ ‬عن‭ ‬إصابة‭ ‬المئات‭ ‬من‭ ‬الأطبّاء‭ ‬والممرِّضين‭ ‬الصينيين‭ ‬بالعدوى،‭ ‬وموتهم‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬مكافحتهم‭ ‬الوباء‭. ‬في‭ ‬رواية‭ ‬كامو،‭ ‬كذلك،‭ ‬الطاعون‭ ‬ليس‭ ‬مجرَّد‭ ‬حدث‭ ‬مادّي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬رمز‭ ‬لأفكار‭ ‬الفاشية‭ ‬والنازية‭ ‬التي‭ ‬هُزمت،‭ ‬حديثاً،‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭. ‬وخلصت‭ ‬الرواية‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬مع‭ ‬تفشّي‭ ‬الأوبئة،‭ ‬وما‭ ‬يرافق‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تصرُّفات‭ ‬سلبية،‭ ‬يظهر‭ ‬الأبطال‭ ‬‮«‬أشياء‭ ‬تستحقّ‭ ‬الإعجاب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الاحتقار‮»‬‭. ‬قبل‭ ‬كلّ‭ ‬شيء،‭ ‬يلاحظ‭ ‬الروائي‭ ‬أن‭ ‬النصر‭ ‬ضدّ‭ ‬الطاعون‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬نهائياً،‭ ‬أبداً‭: ‬لمنع‭ ‬انتصار‭ ‬الموت،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تستمرّ‭ ‬المعركة‭ ‬ضدّ‭ ‬الخوف‭.‬

أمّا‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬حجر‭ ‬القمر‭: ‬الفتى‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أبداً‮»‬،‭ ‬للكاتب‭ ‬الأيسلندي‭ ‬‮«‬سيجون‭ – ‬Sjón‮»‬،‭ ‬فتقوم‭ -‬إلى‭ ‬حَدّ‭ ‬كبير‭- ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬ريكيافيك،‭ ‬للعام‭ ‬1918،‭ ‬عندما‭ ‬تسبَّبت‭ ‬الأنفلونزا‭ ‬الإسبانية‭ ‬في‭ ‬هلاك‭ ‬معظم‭ ‬السكّان‭. ‬ورغم‭ ‬طابعها‭ ‬الغنائي،‭ ‬كانت‭ ‬تنقل‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬حَدّ‭ ‬كبير،‭ ‬وجوانبها‭ ‬الأكثر‭ ‬شبهاً‭ ‬بالحلم‭ ‬تظهر‭ -‬في‭ ‬الغالب‭- ‬في‭ ‬سياق‭ ‬المرض‭ ‬أو‭ ‬الهذيان‭. ‬بطل‭ ‬الرواية‭ ‬هو‭ ‬ماني‭ ‬ستين‭ (‬من‭ ‬هنا‭ ‬جاء‭ ‬عنوان‭ ‬الرواية‭) ‬شابّ‭ ‬مثلي‭ ‬مولع‭ ‬بالأفلام،‭ ‬ويحمل‭ ‬وعياً‭ ‬مفرطاً‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬شيئاً‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬من‭ ‬حوله‭.‬

معظم‭ ‬أحداث‭ ‬الرواية‭ ‬تتجلّى،‭ ‬للقارئ،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نافذة‭ ‬زيارات‭ ‬ماني‭ ‬للسينما‭  (‬كانت‭ ‬الأفلام‭ ‬صامتة‭ ‬ومصحوبة‭ ‬بالموسيقى‭)‬،‭ ‬ثم‭ ‬تتطوّر‭ ‬إلى‭ ‬صور‭ ‬حيّة‭ ‬حيث‭ ‬تبدأ‭ ‬الأنفلونزا‭ ‬في‭ ‬التفشّي‭ ‬بين‭ ‬السكّان‭ ‬المحليِّين‭. ‬يكتب‭ ‬سيجون‭ ‬‮«‬هنا،‭ ‬أصبحت‭ ‬دور‭ ‬السينما‭ ‬أكثر‭ ‬هدوءًا‮»‬،‭ ‬واصفاً‭ ‬خطورة‭ ‬الوباء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقلُّص‭ ‬أعداد‭ ‬الموسيقيين‭ ‬الذين‭ ‬يعزفون‭ ‬موسيقى‭ ‬الأفلام‭ ‬الصامتة‭. ‬إنها‭ ‬نافذة‭ ‬خاصّة‭ ‬على‭ ‬المدينة،‭ ‬نافذة‭ ‬تكشف‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬داخل‭ ‬الأسوار‭. ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬انتشر‭ ‬هذا‭ ‬الصمت‭ ‬خارج‭ ‬المسرح‭ ‬ليخيّم‭ ‬على‭ ‬المدينة،‭ ‬بأكملها‭.‬

يجثم‭ ‬الصمت‭ ‬المشؤوم‭ ‬على‭ ‬الجزء‭ ‬الأكثر‭ ‬ازدحاماً،‭ ‬والأكثر‭ ‬نشاطاً‭ ‬في‭ ‬المدينة؛‭ ‬فلا‭ ‬أثر‭ ‬للحوافر،‭ ‬أو‭ ‬قعقعة‭ ‬عجلات‭ ‬العربات‭ ‬أو‭ ‬هدير‭ ‬السيّارات،‭ ‬أو‭ ‬أزيز‭ ‬الدرّاجات‭ ‬النارية،‭ ‬أو‭ ‬رنين‭ ‬أجراس‭ ‬الدرّاجات‭. ‬لا‭ ‬تسمع‭ ‬ضجيج‭ ‬ورش‭ ‬النجّارين،‭ ‬أو‭ ‬دويّ‭ ‬دكاكين‭ ‬الحدادة،‭ ‬أو‭ ‬صرير‭ ‬أبواب‭ ‬المستودعات‭.‬

قدّمت‭ ‬عدّة‭ ‬تفسيرات‭ ‬لوباء‭ ‬Dragonscale‭ ‬الخيالي،‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬الكتاب‭. ‬البعض‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬مخلَّفات‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬أو‭ ‬ربّما‭ ‬مادّة‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬الشرّيرة‭. ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يهمس‭ ‬بتفسيرات‭ ‬دينية،‭ ‬والبعض‭ ‬الآخر‭ ‬يحاولون‭ ‬الغوص‭ ‬عميقاً‭ ‬في‭ ‬تأويلاتهم‭. ‬لكنّ‭ ‬هيل،‭ ‬بحكمته،‭ ‬يصرّ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬بالغموض‭. ‬ورغم‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬التفسيرات‭ ‬المنطقية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها،‭ ‬لم‭ ‬يتمّ‭ ‬التحقُّق‭ ‬من‭ ‬أيٍّ‭ ‬منها،‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭. ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬سردية،‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬منطقيّاً‭: ‬فالكتاب‭ ‬لا‭ ‬يتحدَّث‭ ‬عن‭ ‬الطاعون‭ ‬بحدّ‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬تغيير‭ ‬المجتمع‭.‬

في‭ ‬‮«‬رجل‭ ‬الإطفاء‮»‬،‭ ‬و«حجر‭ ‬القمر‮»‬،‭ ‬و«ديكاميرون‮»‬،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬روايات‭ ‬الأوبئة،‭ ‬يظهر‭ ‬المرض‭ ‬كخطر‭ ‬داهم‭ ‬على‭ ‬المجتمع،‭ ‬لكنه‭ ‬يؤثّر‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬المصابين‭. ‬ومن‭ ‬الصعب‭ ‬قراءة‭ ‬أيٍّ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الروايات،‭ ‬دون‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬عالمنا‭ ‬المعاصر‭: ‬المخاوف‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬شخصيّاتها‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬المخاوف‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬الكثيرون‭ ‬في‭ ‬وقتنا‭ ‬الحاضر‭. ‬إن‭ ‬إضافة‭ ‬عنصر‭ ‬الأوبئة‭ ‬إلى‭ ‬الرواية‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬حدّة‭ ‬التوتُّر،‭ ‬وصعوبة‭ ‬الرهانات،‭ ‬ويذكّر‭ ‬القرّاء‭ ‬بضعف‭ ‬قدراتهم‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬المخطَّط‭ ‬الكبير‭ ‬للأشياء‭.‬

الكاتب: ‬توبياس‭ ‬كارول

‭‬ترجمة‭: ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬محمد

المصدر‭:‬

Literary Hub.com


في‭ ‬عام‭ ‬1978،‭ ‬أصدر‭ ‬الأميركي‭ ‬‮«‬ستيفين‭ ‬كينغ‭ ‬Stephen King‮»‬‭ ‬روايته‭ ‬‮«‬The stand‮»‬‭ (‬الموقف‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬انهيار‭ ‬المجتمع‭ ‬بفعل‭ ‬نشر‭ ‬سلالة‭ ‬معدَّلة‭ ‬من‭ ‬فيروس‭ ‬الإنفلونزا،‭ ‬وكجزءٍ،‭ ‬وفق‭ ‬الحبكة‭ ‬السردية،‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬بيولوجية‭ ‬تأتي‭ ‬على‭ ‬النسبة‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬سكّان‭ ‬الكون‭. ‬يندرج‭ ‬العمل‭ ‬ضمن‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭ ‬وأدب‭ ‬الرعب،‭ ‬ويصنَّف‭ ‬تحت‭ ‬أدب‭ ‬نهاية‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬راج‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬ترجمة‭ ‬العنوان‭ ‬إلى‭ ‬الإسبانية،‭ ‬سواء‭ ‬بـ‮«‬Apocalipsis‮»‬‭ (‬في‭ ‬إسبانيا‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬رقصة‭ ‬الموت‮»‬‭ ‬La danza de la muerte‭ (‬في‭ ‬أميركا‭ ‬اللاتينية‭)‬،‭ ‬يستجيب‭ ‬لمخزون‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجمعيّة‭ ‬الكونيّة‭ ‬عامّة،‭ ‬والغربيّة‭ ‬خاصّة‭ ‬حول‭ ‬فكرة‭ ‬نهاية‭ ‬الزمان‭.‬

قبل‭ ‬انقضاء‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬تحديداً‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1995،‭ ‬أصدر‭ ‬البرتغالي‭ ‬خوسيه‭ ‬ساراماغو‭ ‬روايته‭ ‬‮«‬العمى‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬وباء‭ ‬يجتاح‭ ‬المدينة‭ ‬المعاصرة‭. ‬وفيها‭ ‬يأتي‭ ‬على‭ ‬سرد‭ ‬تداعيات‭ ‬تفاقم‭ ‬الأوضاع‭ ‬وفقدان‭ ‬البصيرة‭ ‬الإنسانوية‭ ‬أمام‭ ‬فردانيّة‭ ‬العدميّة‭ ‬الفوضوية،‭ ‬وتأثير‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الأخلاقي‭ ‬وتفكك‭ ‬المجتمع‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1947،‭ ‬كان‭ ‬ألبير‭ ‬كامي‭ ‬قد‭ ‬أصدر‭ ‬روايته‭ ‬الشهيرة‭ ‬‮«‬الطاعون‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬أحداثها‭ ‬أثناء‭ ‬طاعون‭ ‬مدينة‭ ‬وهران،‭ ‬وفيها‭ ‬يحبك‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬نسيجها‭ ‬السردي‭ ‬القلق‭ ‬الوجودي،‭ ‬وسؤال‭ ‬الكينونة‭. ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1912،‭ ‬نشر‭ ‬توماس‭ ‬مان‭ ‬روايته‭ ‬‮«‬موت‭ ‬في‭ ‬البندقية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تقدَّم‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تطوّر‭ ‬حكائيتها،‭ ‬توصيفاً‭ ‬ينزّ‭ ‬منه‭ ‬فكر‭ ‬نيتشه،‭ ‬ويوجز‭ ‬سيمياء‭ ‬الانحلال‭ ‬أمام‭ ‬تهديد‭ ‬الموت‭ ‬بوباء‭ ‬الكوليرا‭ ‬الذي‭ ‬يلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق‭.‬

يُعثَر‭ ‬على‭ ‬نصوصٍ‭ ‬ثقافية‭ ‬حول‭ ‬الأوبئة‭ ‬في‭ ‬عصور‭ ‬مختلفة،‭ ‬يكفي‭ ‬تذكّر‭ ‬رائعة‭ ‬سوفوكلس‭ ‬‮«‬أوديب‭ ‬ملكاً‮»‬‭ (‬429‭.‬ق‭.‬م‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬يشكِّل‭ ‬الوباء،‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬مدينة‭ ‬طيبة،‭ ‬مكوناً‭ ‬جوهرياً‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬التراجيدية‭. ‬كذلك‭ ‬معاناة‭ ‬القوات‭ ‬الإغريقية‭ ‬في‭ ‬‮«‬إلياذة‮»‬‭ ‬هوميروس‭ ‬الملحميّة،‭ ‬من‭ ‬وباء‭ ‬يأتي‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الجنود،‭ ‬بسب‭ ‬تجرؤ‭ ‬آغاممنون‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬ابنة‭ ‬كاهن‭ ‬أبولو‭ ‬محظيّة‭ ‬له‭. ‬وفي‭ ‬‮«‬العهد‭ ‬القديم‮»‬‭ ‬شكَّلت‭ ‬سيرورة‭ ‬الطامات‭ ‬الكبرى،‭ ‬والجوائح‭ ‬عاملاً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬مصير‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬النصّ‭ ‬السردي،‭ ‬إضافة‭ ‬لدورها‭ ‬في‭ ‬تعددية‭ ‬التأويل‭ ‬النصي‭ ‬والتفسير‭. ‬ولم‭ ‬يتوقَّف‭ ‬الوباء‭ ‬عن‭ ‬الظهور‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬الأدبية،‭ ‬بل‭ ‬شكل‭ ‬عتبة‭ ‬‮«‬الديكاميرون‮»‬‭ ‬لبوكاتشيو‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬عشر،‭ ‬حيث‭ ‬ينزوي‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشبان‭ ‬خارج‭ ‬فلورنسا‭ ‬هرباً‭ ‬من‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬الموت‭ ‬الأسود‮»‬‭ (‬الطاعون‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬عام‭ ‬1348،‭ ‬ويأخذون‭ ‬بسرد‭ ‬الأقاصيص‭ ‬لقتل‭ ‬الوقت،‭ ‬وربَّما‭ ‬لمحض‭ ‬تحدّيه‭. ‬وفي‭ ‬معرض‭ ‬الحديث‭ ‬هنا‭ ‬لابدّ‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬للرواية‭ ‬المعنونة‭ ‬‮«‬يوميّات‭ ‬سنة‭ ‬الطاعون‮»‬‭ ‬للإنكليزي‭ ‬دانييل‭ ‬ديفو،‭ ‬والتي‭ ‬رأت‭ ‬النور‭ ‬عام‭ ‬1722،‭ ‬وتدور‭ ‬حول‭ ‬محنة‭ ‬أحد‭ ‬الأفراد‭ ‬خلال‭ ‬الوباء‭ ‬الرهيب‭ ‬الذي‭ ‬اجتاح‭ ‬لندن‭ ‬سنة‭ ‬1665‭. ‬كما‭ ‬تندرج‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬السردي‭ ‬نفسه‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الخطيبان‮»‬‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬1827،‭ ‬لأليساندرو‭ ‬مانزوني،‭ ‬وفيها‭ ‬سرد‭ ‬لمشهدية‭ ‬الرعب‭ ‬وتأثيره‭ ‬المجتمعي،‭ ‬وفضح‭ ‬النفاق‭ ‬الديني‭ ‬والدنيوي‭ ‬المتفشّي‭ ‬أثناء‭ ‬تفشّي‭ ‬الطاعون‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر.

الكاتب: ‬أثير‭ ‬محمد‭ ‬علي

عمّ تدور روايات العدوى؟

إدوارد مونش (1863 - 1944)

أصاب‭ ‬الجنون‭ ‬سُكّان‭ ‬لندن‭ ‬حين‭ ‬اجتاح‭ ‬المدينة‭ ‬وباء‭ ‬الطاعون‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1665‭. ‬طلبوا‭ ‬المشورة‭ ‬من‭ ‬المُنجمين‭ ‬والمُشعوذين‭ ‬والكتاب‭ ‬المُقدَّس‭. ‬فتَّشوا‭ ‬أجسادهم‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬علامات‭ ‬أو‭ ‬إرهاصات‭ ‬الإصابة‭ ‬بالمرض‭: ‬انتفاخات‭ ‬أو‭ ‬بثور‭ ‬أو‭ ‬بقع‭ ‬سوداء‭. ‬استجدوا‭ ‬نبوءات‭ ‬واشتروا‭ ‬تنبؤات‭. ‬صلوا‭ ‬وعولوا‭ ‬وأغمضوا‭ ‬عيونهم‭ ‬وسدّوا‭ ‬آذانهم‭. ‬انفجروا‭ ‬بالدموع‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬وقرأوا‭ ‬تقاويم‭ ‬مفزعة‭: ‬‮«‬لا‭ ‬ريب‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الكُتب‭ ‬أفزعتهم»؛‭ ‬لهذا‭ ‬سعت‭ ‬الحكومة‭ ‬التي‭ ‬حرصت‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬حالة‭ ‬الذعر،‭ ‬إلى‭: ‬‮«‬حظر‭ ‬طباعة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الكُتب‭ ‬لأنّها‭ ‬تفزع‭ ‬الناس‮»‬‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬المُؤلِّف‭ ‬الإنجليزي‭ ‬‮«‬دانييل‭ ‬ديفو‮»‬‭ ‬Daniel Defoe‭ ‬الّذي‭ ‬حمل‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬يوميات‭ ‬عام‭ ‬الطاعون»؛‭ ‬وهو‭ ‬تأريخ‭ ‬كتبه‭ ‬‮«‬ديفو‮»‬‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬كُتيِّب‭ ‬نصائح‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬التحضيرات‭ ‬اللازمة‭ ‬للطاعون‮»‬‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1722؛‭ ‬وهو‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬إصابة‭ ‬الناس‭ ‬بالخوف‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬يعبر‭ ‬المرض‭ ‬القناة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬مرّةً‭ ‬أخرى،‭ ‬إذْ‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انتقل‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬إلى‭ ‬مارسيليا‭ ‬قد‭ ‬يتجه‭ ‬شمالاً‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬سفينة‭ ‬تجارية‭. ‬كان‭ ‬‮«‬ديفو‮»‬‭ ‬يأمل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كتاباه‭ ‬ذا‭ ‬نفع‭: ‬‮«‬لنا‭ ‬وللأجيال‭ ‬القادمة،‭ ‬رغم‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬ننجو‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحصة‭ ‬من‭ ‬الكأس‭ ‬المريرة‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الكأس‭ ‬المريرة‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬صوانها‭. ‬

في‭ ‬العام‭ ‬1665،‭ ‬فرّ‭ ‬مَنْ‭ ‬أصابهم‭ ‬الفزع‭ ‬إلى‭ ‬الريف؛‭ ‬والحكماء‭ ‬أيضاً،‭ ‬أمّا‭ ‬المتلكئون‭ ‬فأصابهم‭ ‬الندم؛‭ ‬ذلك‭ ‬أنّهم‭ ‬حين‭ ‬قرّروا‭ ‬المغادرة‭: ‬‮«‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يوجد‭ ‬جواد‭ ‬واحد‭ ‬يُمكن‭ ‬شراؤه‭ ‬أو‭ ‬استئجاره‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭ ‬كلّها‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬يروي‭ ‬‮«‬ديفو‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬أُغلقت‭ ‬البوابات‭ ‬وباتوا‭ ‬محتجزين‭ ‬جميعاً‭. ‬الجميع‭ ‬أساءوا‭ ‬التصرُّف،‭ ‬لكن‭ ‬الأثرياء‭ ‬كانوا‭ ‬الأسوأ‭. ‬إذْ‭ ‬كانوا‭ ‬يرسلون‭ ‬خادماتهم‭ ‬الفقيرات‭ ‬لشراء‭ ‬المؤن‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فاتهم‭ ‬تخزين‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭. ‬كتب‭ ‬‮«‬ديفو‮»‬‭: ‬‮«‬جرّت‭ ‬حتمية‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬بيوتنا‭ ‬لشراء‭ ‬ما‭ ‬يلزم‭ ‬الخراب‭ ‬على‭ ‬المدينة‭ ‬بكاملها‮»‬‭. ‬لقي‭ ‬عشرون‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬سكّان‭ ‬لندن‭ ‬حتفهم‭ ‬برغم‭ ‬الاحتياطات‭ ‬التي‭ ‬اتّخذها‭ ‬التجار؛‭ ‬إذْ‭ ‬كان‭ ‬القصّاب‭ ‬يرفض‭ ‬تسليم‭ ‬قطعة‭ ‬اللحم‭ ‬للطباخة‭ ‬في‭ ‬يدها،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تنتزعها‭ ‬من‭ ‬الخطّاف‭ ‬بنفسها،‭ ‬وكان‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬القطع‭ ‬النقدية‭ ‬داخل‭ ‬دلو‭ ‬يمتلئ‭ ‬بالخلّ‭. ‬

يكتب‭ ‬‮«‬ديفو‮»‬‭: ‬‮«‬استقرّ‭ ‬الأسى‭ ‬والحزن‭ ‬فوق‭ ‬الوجوه‮»‬‭. ‬وأثبت‭ ‬تضييق‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬الكُتب‭ ‬التي‭ ‬تثير‭ ‬فزع‭ ‬الناس‭ ‬أنّه‭ ‬بلا‭ ‬طائل؛‭ ‬إذْ‭ ‬كانت‭ ‬الشوارع‭ ‬تمتلئ‭ ‬بما‭ ‬تثير‭ ‬قراءته‭ ‬الفزع‭. ‬ستقرأ‭ ‬ملصقات‭ ‬أسبوعية‭ ‬تُعلن‭ ‬أعداد‭ ‬المتوفين،‭ ‬أو‭ ‬تعدّ‭ ‬الجثث‭ ‬أثناء‭ ‬تكويمها‭ ‬في‭ ‬الأزقة،‭ ‬أو‭ ‬تقرأ‭ ‬الأوامر‭ ‬التي‭ ‬ينشرها‭ ‬عمدة‭ ‬المدينة‭: ‬‮«‬سنُغلق‭ ‬المنزل‭ ‬الّذي‭ ‬يسكنه‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬يزور‭ ‬شخصاً‭ ‬آخر‭ ‬عُرف‭ ‬عنه‭ ‬إصابته‭ ‬بعدوى‭ ‬الطّاعون،‭ ‬أو‭ ‬يدخل‭ ‬عن‭ ‬طيب‭ ‬خاطر‭ ‬أي‭ ‬منزل‭ ‬مُصاب‭ ‬بالعدوى‭ ‬وغير‭ ‬مسموح‭ ‬بدخوله‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬ستقرأ‭ ‬اللافتات‭ ‬فوق‭ ‬أبواب‭ ‬البيوت‭ ‬المصابة‭ ‬بالعدوى‭ ‬التي‭ ‬يحرسها‭ ‬خفراء،‭ ‬وعلى‭ ‬كلّ‭ ‬باب‭ ‬علامة‭ ‬صليب‭ ‬أحمر‭ ‬يبلغ‭ ‬طوله‭ ‬قدم‭ ‬كاملة،‭ ‬تعلوه‭ ‬عبارة‭ ‬مطبوعة‭ ‬بحروف‭ ‬كبيرة‭ ‬يُمكن‭ ‬قراءتها‭ ‬من‭ ‬مسافة‭ ‬بعيدة‭ ‬تقول‭: ‬‮«‬ارحمنا‭ ‬يا‭ ‬الله‭!‬‮»‬‭. ‬

القراءة‭ ‬عدوى؛‭ ‬تنقيب‭ ‬داخل‭ ‬الدماغ‭: ‬فالكُتب‭ ‬تلوِّث‭ ‬مجازيّاً‭ ‬وميكروبيولوجيّاً‭ ‬أيضاً‭. ‬كان‭ ‬قباطنة‭ ‬السفن‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬يقسمون‭ ‬على‭ ‬الكتاب‭ ‬المُقدَّس‭ ‬عند‭ ‬وصولهم‭ ‬إلى‭ ‬المرافئ‭ ‬أنّهم‭ ‬طهّروا‭ ‬سفنهم‭ ‬وغمروها‭ ‬بماء‭ ‬البحر‭. ‬وأثناء‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬مرض‭ ‬السلّ،‭ ‬كانت‭ ‬المكتبات‭ ‬العامّة‭ ‬تبخّر‭ ‬الكتب‭ ‬بوضعها‭ ‬داخل‭ ‬أحواض‭ ‬من‭ ‬الصلب‭ ‬مُحكَمة‭ ‬الإغلاق‭ ‬وغمرها‭ ‬بغاز‭ ‬‮«‬الفورمالديهايد‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬الكتب‭ ‬تلعب‭ ‬أيضاً‭ ‬دور‭ ‬الدهان‭ ‬الملطِّف‭ ‬والسلوى‭. ‬فخلال‭ ‬القرون‭ ‬الطويلة‭ ‬التي‭ ‬اجتاح‭ ‬خلالها‭ ‬وباء‭ ‬الطاعون‭ ‬أوروبا،‭ ‬كان‭ ‬الخاضعون‭ ‬للعزل‭ ‬الصِّحي‭ ‬يقرأون‭ ‬الكتب‭ ‬إذا‭ ‬حالفهم‭ ‬الحظّ‭ ‬وتوافرت‭ ‬لهم‭. ‬أمّا‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تتح‭ ‬لهم،‭ ‬ولم‭ ‬يكونوا‭ ‬أصحاء‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬الكفاية،‭ ‬فكانوا‭ ‬يروون‭ ‬القصص‭. ‬هكذا‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الديكاميرون‮»‬‭ ‬للمُؤلِّف‭ ‬الإيطاليّ‭ ‬‮«‬جيوفاني‭ ‬بوكاتشيو‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬للقرن‭ ‬الرابع‭ ‬عشر،‭ ‬سبع‭ ‬نساء‭ ‬وثلاثة‭ ‬رجال‭ ‬يتناوبون‭ ‬فيما‭ ‬بينهم‭ ‬رواية‭ ‬القصص‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬أثناء‭ ‬اختباءهم‭ ‬من‭ ‬الطاعون‭ ‬الأسود‭. ‬

تتراوح‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬الأوبئة‭ ‬بين‭ ‬‮«‬أوديب‭ ‬ملكاً‮»‬،‭ ‬وبين‭ ‬‮«‬ملائكة‭ ‬في‭ ‬أميركا‮»‬،‭ ‬وبين‭ ‬‮«‬أنت‭ ‬الطاعون‮»‬،‭ ‬و«أعمى‭ ‬يحكي‭ ‬لأوديب‮»‬‭. ‬تقول‭ ‬إحدى‭ ‬شخصيّات‭ ‬كاتب‭ ‬المسرح‭ ‬الأميركيّ‭ ‬‮«‬توني‭ ‬كوشنر‮»‬‭: ‬‮«‬ها‭ ‬نحنُ‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1986‭ ‬وثمّة‭ ‬وباء‭ ‬يجتاحنا‭. ‬أصدقاء‭ ‬أصغر‭ ‬مني‭ ‬سقطوا‭ ‬موتى،‭ ‬ولم‭ ‬أبلغ‭ ‬الثلاثين‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬عمري‮»‬‭. ‬ثمّة‭ ‬أوبئة‭ ‬هنا،‭ ‬وأوبئة‭ ‬هناك،‭ ‬من‭ ‬طيبة‭ ‬إلى‭ ‬نيويورك،‭ ‬أوبئة‭ ‬فظيعة‭ ‬ومروِّعة،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬وباء‭ ‬واحد‭ ‬نزل‭ ‬بالجميع‭ ‬حتى‭ ‬قرَّرت‭ ‬الكاتبة‭ ‬الإنجليزيّة‭ ‬‮«‬ماري‭ ‬شيلي‮»‬‭ ‬أن‭ ‬تكتب‭ ‬تتمّة‭ ‬لروايتها‭ ‬‮«‬فرانكنشتاين‮»‬‭. ‬

‮«‬الرجل‭ ‬الأخير‭ ‬The Last Man‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬أحداثها‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬هي‭ ‬أوّل‭ ‬رواية‭ ‬كُبرى‭ ‬تتخيَّل‭ ‬انقراض‭ ‬الجنس‭ ‬البشريّ‭ ‬بسبب‭ ‬وباءٍ‭ ‬عالمي‭. ‬نشرت‭ ‬‮«‬شيلي‮»‬‭ ‬الرواية‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬التاسعة‭ ‬والعشرين،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬مات‭ ‬كلّ‭ ‬مَنْ‭ ‬تحبهم‭ ‬تقريباً،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬تركوها‭ ‬حسبما‭ ‬تقول‭: ‬‮«‬كرفات‭ ‬أخيرة‭ ‬من‭ ‬عرق‭ ‬محبوب؛‭ ‬إذْ‭ ‬يسبقني‭ ‬رفاقي‭ ‬إلى‭ ‬الانقراض‮»‬‭. ‬نرى‭ ‬الرّاوي‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الكتاب‭ ‬راعياً‭ ‬إنجليزيّاً‭ ‬فقيراً‭ ‬وغير‭ ‬متعلِّم‭: ‬رجل‭ ‬بدائي‭ ‬عنيف‭ ‬متمرِّد‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬ومتوحِّش‭ ‬أيضاً‭. ‬يهذبه‭ ‬ويعلّمه‭ ‬أحد‭ ‬النبلاء،‭ ‬فيترقَّى‭ ‬بسبب‭ ‬عصر‭ ‬التنوير‭ ‬ويُصبح‭ ‬مثقَّفاً‭ ‬مدافعاً‭ ‬عن‭ ‬الحريّة‭ ‬وجمهوريّاً‭ ‬ومواطناً‭ ‬عالميّاً‭.‬

ثم‭ ‬يأتي‭ ‬الطاعون‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2092،‭ ‬ويجتاح‭ ‬القسطنطينية‭ ‬أوّلاً‭. ‬وسنة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى‭ ‬يغيب‭ ‬الوباء‭ ‬كلّ‭ ‬شتاء،‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬في‭ ‬الربيع‭ ‬أشدّ‭ ‬خبثاً‭ ‬وأوسع‭ ‬انتشاراً،‭ ‬وتشرق‭ ‬الشمس‭ ‬بلون‭ ‬أسود‭ ‬علامة‭ ‬الموت‭. ‬تكتب«شيلي‮»‬‭: ‬‮«‬ثار‭ ‬ذعر‭ ‬مفاجئ‭ ‬عبر‭ ‬آسيا،‭ ‬من‭ ‬ضفاف‭ ‬النيل‭ ‬إلى‭ ‬شواطئ‭ ‬بحر‭ ‬قزوين،‭ ‬ومن‭ ‬الدردنيل‭ ‬إلى‭ ‬خليج‭ ‬عمان‮»‬‭. ‬وتظلّ‭ ‬طبيعة‭ ‬الوباء‭ ‬غامضة‭: ‬‮«‬أطلقوا‭ ‬عليه‭ ‬وصف‭ ‬الوباء،‭ ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الأكبر‭ ‬ظلّ‭ ‬دون‭ ‬جواب‭ ‬بشأن‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬نشأ‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬الوباء‭ ‬وكيف‭ ‬تفاقم‮»‬‭. ‬ويتردَّد‭ ‬المشرعون‭ ‬في‭ ‬التصرُّف‭: ‬فمن‭ ‬جهةٍ‭ ‬هم‭ ‬لا‭ ‬يفهمون‭ ‬طريقة‭ ‬سريانه،‭ ‬ومن‭ ‬جهةٍ‭ ‬أخرى‭ ‬تملؤهم‭ ‬ثقة‭ ‬زائفة‭: ‬‮«‬لا‭ ‬تزال‭ ‬إنجلترا‭ ‬آمنة،‭ ‬ففرنسا‭ ‬وألمانيا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬وإسبانيا‭ ‬يحولون‭ ‬بيننا‭ ‬وبينه‭. ‬الجدران‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬بيننا‭ ‬وبينه‭ ‬لم‭ ‬تُخترق‭ ‬بعد‮»‬‭. ‬ثم‭ ‬ترد‭ ‬تقارير‭ ‬أنّ‭ ‬أمماً‭ ‬بأكملها‭ ‬سقطت،‭ ‬ولقي‭ ‬مواطنوها‭ ‬حتفهم،‭ ‬ويلجأ‭ ‬الخائفون‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان،‭ ‬ويجدون‭ ‬في‭ ‬صفحاته،‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬صفحات‭ ‬‮«‬الديكاميرون‮»‬‭ ‬أيضاً،‭ ‬الدرس‭ ‬الخاطئ‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬تذكّرنا‭ ‬طاعون‭ ‬العام‭ ‬1348‭ ‬الذي‭ ‬حصد‭ ‬ثلث‭ ‬البشريّة‭. ‬ولحدّ‭ ‬الآن‭ ‬لا‭ ‬زال‭ ‬غرب‭ ‬أوروبا‭ ‬لم‭ ‬تصبه‭ ‬العدوى،‭ ‬فهل‭ ‬سيظل‭ ‬الحال‭ ‬هكذا‭ ‬دائماً؟‮»‬‭ ‬لكن‭ ‬الحال‭ ‬لا‭ ‬يظل‭ ‬هكذا‭ ‬دائماً؛‭ ‬إذْ‭ ‬يحل‭ ‬الوباء‭ ‬بإنجلترا‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬لكن‭ ‬آنئذٍ‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬أمام‭ ‬الأصحاء‭ ‬جهةٌ‭ ‬يقصدونها،‭ ‬حيثُ‭ ‬‮«‬لا‭ ‬ملجأ‭ ‬فوق‭ ‬الأرض‮»‬‭: ‬لقد‭ ‬أصاب‭ ‬الوباء‭ ‬العالم‭ ‬بأكمله‭!‬

كان‭ ‬الحلم‭ ‬الكبير‭ ‬لعصر‭ ‬التنوير‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتقدَّم،‭ ‬والفزع‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬اندلاع‭ ‬وباءٍ‭ ‬ما‭ ‬يتراجع‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الأميركيّ‭ ‬يحلُّ‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الخراب‭ ‬مصحوباً‭ ‬بمنعطف‭ ‬ديموقراطي‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭ ‬تغدو‭ ‬فيه‭ ‬العدوى‭ ‬أداة‭ ‬المساواة‭ ‬الأخيرة‭. ‬تدور‭ ‬الحكاية‭ ‬التي‭ ‬كتبها‭ ‬‮«‬إدجار‭ ‬ألان‭ ‬بو‮»‬‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1842‭ ‬بعنوان‭: ‬‮«‬حفل‭ ‬الموت‭ ‬الأحمر‭ ‬التنكري‭ ‬The Masque of the Red Death‮»‬‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬قروسطي‭ ‬موبوء‭ ‬بمرضٍ‭ ‬مُعدٍ‭ ‬يقتل‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬تقريباً‭. ‬يكتب‭ ‬‮«‬بو‮»‬‭: ‬‮«‬كانت‭ ‬البقع‭ ‬القرمزية‭ ‬التي‭ ‬تنتشر‭ ‬بالجسد،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬بوجه‭ ‬الضحية،‭ ‬هي‭ ‬علامة‭ ‬الإصابة‭ ‬بالعدوى‭ ‬التي‭ ‬تمنع‭ ‬عنه‭ ‬النجدة،‭ ‬بل‭ ‬وتعاطف‭ ‬رفاقه‭ ‬من‭ ‬البشر‮»‬‭. ‬وبشكلٍ‭ ‬خاص،‭ ‬لا‭ ‬يتعاطف‭ ‬الأثرياء‭ ‬مع‭ ‬الفقراء،‭ ‬فنرى‭ ‬أميراً‭ ‬متغطرساً‭ ‬يلجأ‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬حاشيته‭ ‬من‭ ‬النبلاء‭ ‬والنساء‭ ‬للاعتزال‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬إحدى‭ ‬قلاع‭ ‬الأمير‭ ‬المشيدة،‭ ‬وهناك‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬ترفٍ‭ ‬فاسد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الأمسيات‭ ‬التي‭ ‬يُقام‭ ‬فيها‭ ‬حفلٌ‭ ‬تنكري،‭ ‬شخصيّة‭ ‬تلبس‭ ‬قناعاً‭: ‬‮«‬مصنوع‭ ‬كي‭ ‬يُشبه‭ ‬لحدٍّ‭ ‬كبير‭ ‬ملامح‭ ‬جثة‭ ‬متيبسة،‭ ‬يعجز‭ ‬مَنْ‭ ‬يدقق‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬كثب‭ ‬عن‭ ‬اكتشاف‭ ‬الخداع‮»‬‭. ‬الزائر‭ ‬هو‭ ‬الموت‭ ‬الأحمر‭ ‬بنفسه،‭ ‬ويلقى‭ ‬كلّ‭ ‬مَنْ‭ ‬في‭ ‬القلعة‭ ‬موتهم‭ ‬تلك‭ ‬الليلة،‭ ‬حيثُ‭ ‬تخفق‭ ‬طبقة‭ ‬النبلاء‭ ‬في‭ ‬الإفلات‭ ‬مما‭ ‬يضطر‭ ‬الفقراء‭ ‬إلى‭ ‬ملاقاته‭. ‬

يتحوَّل‭ ‬موت‭ ‬‮«‬بو‮»‬‭ ‬الأحمر‭ ‬إلى‭ ‬وباءٍ‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬جاك‭ ‬لندن‮»‬‭ ‬‮«‬الطاعون‭ ‬القرمزي‭ ‬The Scarlet Plague‮»‬‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬مسلسلة‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1912‭. (‬نفس‭ ‬المرض‭ ‬حيثُ‭ ‬يتحوَّل‭ ‬كامل‭ ‬الوجه‭ ‬والجسد‭ ‬إلى‭ ‬اللون‭ ‬القرمزي‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬ساعة‭). ‬حلّ‭ ‬الوباء‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2013،‭ ‬وانمحت‭ ‬كلّ‭ ‬البشرية‭ ‬تقريباً؛‭ ‬الثري‭ ‬والفقير،‭ ‬الأمم‭ ‬القويّة‭ ‬والضعيفة‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬أرجاء‭ ‬العالم،‭ ‬وتُرك‭ ‬الناجون‭ ‬يقتسمون‭ ‬بؤسهم‭ ‬وتشرُّدهم‭ ‬بالتساوي‭. ‬من‭ ‬بين‭ ‬الفئات‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬نجت‭ ‬من‭ ‬الوباء‭ ‬عالمٌ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬بمدينة‭ ‬بيركلي،‭ ‬حيثُ‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬أستاذاً‭ ‬للأدب‭ ‬الإنجليزيّ،‭ ‬اختبأ‭ ‬داخل‭ ‬مبنى‭ ‬الكيمياء‭ ‬حين‭ ‬عصف‭ ‬الوباء‭ ‬بالأرض،‭ ‬وتبيّن‭ ‬أنّ‭ ‬لديه‭ ‬مناعة‭ ‬ضد‭ ‬المرض‭. ‬وهكذا‭ ‬يعيش‭ ‬وحيداً‭ ‬داخل‭ ‬فندق‭ ‬قديم‭ ‬في‭ ‬‮«‬يوسميتي‮»‬‭ ‬مستفيداً‭ ‬من‭ ‬متاجرها‭ ‬الممتلئة‭ ‬بالطعام‭ ‬المُعلَّب،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ينضم‭ ‬إلى‭ ‬فريق‭ ‬صغير‭ ‬ويعثر‭ ‬بينهم‭ ‬على‭ ‬زوجة‭. ‬نرى‭ ‬الأستاذ‭ ‬في‭ ‬مستهل‭ ‬الرواية‭ ‬التي‭ ‬تبدأ‭ ‬أحداثها‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2073،‭ ‬وقد‭ ‬أصبح‭ ‬رجلاً‭ ‬عجوزاً‭ ‬يعمل‭ ‬راعياً‭ ‬يلبس‭ ‬ويعيش‭ ‬كأنه‭ ‬حيوان‭. ‬يروي‭ ‬قصة‭ ‬الطاعون‭ ‬القرمزي‭ ‬لأحفاده‭ ‬وأبنائه‭ ‬الذين‭: ‬‮«‬كانوا‭ ‬يردِّدون‭ ‬كلمات‭ ‬تتألَّف‭ ‬من‭ ‬مقطع‭ ‬واحد‭ ‬وعبارات‭ ‬متشنجة‭ ‬قصيرة‭ ‬أغرب‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لغة‮»‬،‭ ‬لكنهم‭ ‬بارعون‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الأقواس‭ ‬والسهام‭. ‬تُصيب‭ ‬بدائيتهم‭ ‬الأستاذ‭ ‬الجامعي‭ ‬بالغمّ،‭ ‬فيتنهّد‭ ‬ويلقي‭ ‬بنظره‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬مدينة‭ ‬سان‭ ‬فرانسيسكو‭. ‬

كان‭ ‬‮«‬ألبير‭ ‬كامو‮»‬‭ ‬قد‭ ‬عرّف‭ ‬الرواية‭ ‬يوماً‭ ‬بأنّها‭ ‬المكان‭ ‬الّذي‭ ‬نتخلّى‭ ‬فيه‭ ‬عن‭ ‬البشر‭ ‬لصالح‭ ‬بشرٍ‭ ‬آخرين،‭ ‬أمّا‭ ‬روايات‭ ‬الأوبئة‭ ‬فهي‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يتخلّي‭ ‬فيه‭ ‬البشر‭ ‬عن‭ ‬كلّ‭ ‬البشر،‭ ‬فعلى‭ ‬خلاف‭ ‬أنواع‭ ‬روايات‭ ‬نهاية‭ ‬العالم‭ ‬الأخرى،‭ ‬حيثُ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬العدو‭ ‬مادةً‭ ‬ما‭ ‬كيميائية‭ ‬أو‭ ‬بركاناً‭ ‬أو‭ ‬زلزالاً‭ ‬أو‭ ‬غازياً‭ ‬من‭ ‬كوكب‭ ‬آخر،‭ ‬فإنّ‭ ‬العدو‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬إنسانٌ‭ ‬آخر‭: ‬لمسات‭ ‬أو‭ ‬أنفاس‭ ‬بشرٍ‭ ‬آخرين،‭ ‬وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭- ‬في‭ ‬معرض‭ ‬التنافس‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬المتناقصة‭- ‬مُجرَّد‭ ‬وجود‭ ‬بشر‭ ‬آخرين‭.

الكاتب‭:‬ جيل‭ ‬ليبور

ترجمة‭:‬‭‬ مجدي‭ ‬عبد‭ ‬المجيد‭ ‬خاطر


المصدر‭: ‬

مجلّة‭ ‬The New Yorker‭ ‬عدد‭ ‬30‭ ‬مارس ‭ ‬2020‬

‭* ‬‮«‬جيل‭ ‬ليبور‭ ‬Jill Lepore‮» ‬‭ ‬‬أستاذ‭ ‬التاريخ‭ ‬الأميركي‭ ‬بجامعة‭ ‬هارفارد‭. ‬حصدت‭ ‬كتبها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجوائز،‭ ‬وتصدر‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬كتابها‭ ‬الرابع‭ ‬عشر‭ ‬بعنوان:

‭‬If Then‭: ‬How the Simulmatics Corporation Invented the Future‭‬

في الحاجة إلى لقاح ضد الخوف!

على مرّ التاريخ، شكَّلت الأوبئة أبرز تحدٍّ أمام استمرار النوع البشريّ. بين تفكيك الهرم السكّاني، إضعاف الموارد الطبيعيّة، التمرُّدات السياسيّة والاجتماعيّّة وخطر الانقراض، ظلّت الأمراض والفيروسات واسعة الانتشار عائقاً حقيقياًّ أمام تطوير شروط العيش الكريم بالعديد من المجتمعات الإنسانيّة. كان علينا انتظار بدايات الثورة الصناعية الأولى خلال القرن الثامن عشر من أجل القضاء على العديد من الأمراض والأوبئة التي روعت البشريّة لقرونٍ وقرون، بفضل تطوُّر قطاع الطب والأدوية من جهةٍ، وحاجة المصانع والشركات إلى اليد العاملة من جهةٍ أخرى. اليوم، لا يختلف الأمر كثيراً عن الماضي فيما يتعلَّق بالانتشار الموسمي للأوبئة والفيروسات، حيث لازال الهلع الجماعي، تسليع الأزمات والخوف من خطر الانقراض سيد الموقف. المُستجَد في هذا السياق هو تطوُّر إمكانات الذَّكاء الصناعي والثورة الصناعيّة الرابعة لصالح قوى الاقتصاد والشركات الكبرى على حساب الصحَّة العامّة. فكيف يتفاعل المجتمع الفرنسيّ مع «وباء كورونا COVID-19) «Coronavirus Disease) خلال العصر الرَّقميّ؟ وما هي ردود أفعال المُثقَّفين والمُفكِّرين إزاء الوباء وتداعياته الاجتماعيّّة والاقتصاديّة المختلفة؟  

«يرتبط الذعر الجماعيّ المرافق لانتشار فيروس كورونا بالخوف من المجهول». بهذه العبارة يعلق الفيلسوف الفرنسي «كريستوف الصالح Christophe Al-Saleh» على التعاطي الجماعي مع الفيروس منذ ظهوره وإلى حدود انتشاره العالمي الراهن. بالنسبة له، يمكن التمييز بين مرحلتين اثنتين ضمن التعاطي الاجتماعيّ مع فيروس كورونا: أوّلاً، مرحلة اللامبالاة. في هذا السياق، تمّ تمثّل المرض على أنه خطر بعيد (مجاليّاً وثقافيّاً)، مرتبط بالآخر (الصيني بالضرورة)، مع محاولات لإحياء المركزية الغربية تنبع بالضرورة من خوف تاريخيّ دفين من الأوبئة. ثانياً، مرحلة الذعر. في هذه المرحلة أصبح الخطر قريباً، خاصّة بفرنسا وباقي الدول الأوروبيّة، ومازلنا لا نعرف جوهره، في ظلّ غياب أي علاج أو لقاح للمرض. وبالتالي، يتزاوج الشعور باللايقين في الحياة المُعاصِرة مع الخوف من المجهول في إنتاج حالة من الهستيريا والذعر الجماعي التي تعمينا عن حقيقة المرض وتجعلنا قلقين من شيء غير معروف أكثر من خوفنا من شيء معروف في حدِّ ذاته بلغة هايدغر.

لقد عايشت البشريّة أوبئة وأمراضاً فتاكة (الطاعون، الجدري…)، لكنها ما عادت تثير اهتمامنا اليوم رغم أنها مازالت موجودة، ليس لأننا اخترعنا علاجات لها، وإنما لأنها لم تعد بعد مصدر قلق أو خوف من خطر الموت والانقراض. وإلى اليوم، لازالت العديد من الأمراض والأوبئة (بما فيها باقي أنواع الأنفلونزا، أمراض سوء التغذية، السرطان…) تحصد أرواح مئات الملايين سنوياً دون أن نعير الأمر كثيراً من الاهتمام. صحيح أنّ الإعلام والأنفوسفير قد ضخَّما من حجم فيروس كورونا، إلّا أن الفضول الإنساني والخوف واللايقين إزاء المجهول والمستقبل و«الذعر العاطفي المنفلت من شروط العقلنة» هو ما يفسِّر الهلع العام واستنزاف المحلّات التجارية من الأطعمة والمستلزمات الطبية بفرنسا كما بباقي الدول والمجتمعات، يضيف كريستوف الصالح.

لقد فرضت الحياة الحضرية المُعاصِرة الانخراط في نمط حياة مستقرة إلى حدٍّ كبير قائمة على الاستهلاك، الحرّيّة والاستلاب الرَّقميّ. لذلك، أضحينا نعيش فيما يصطلح عليه عالم الاجتماع الفرنسي «باسكال لاردييه Pascal Lardellier» «مجتمع المخاطر المنعدمة – La société du risque zéro»، حيث يمكن لأقلّ اضطراب أن يُتمثل ككارثة مطلقة. وعلى هذا، فتحت أزمة كورونا حقبةً جديدة من اللايقين والتشكيك والهلع العام يضيف لاردييه. والواقع أن هذا النمط من الاستكانة الاجتماعيّة قد ربط الأمراض والأوبئة دائماً بالآخر البعيد والمختلف، وكلَّما اقتربت هذه الأمراض وانتشرت على نطاقٍ أوسع أعادت إلى الأذهان أحداث التاريخ والماضي وأسهمت في سيادة القلق العام من جديد.

يعود عالم الاجتماع «جيرارد ميرميه  Gérard Mermet»، مؤلف كتاب (1 )«Francoscopie 2030»، إلى الأزمة الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تعيشها فرنسا منذ بدايات حركات السترات الصفراء من أجل تبيان إسهامها الكبير في بناء الخوف والهلع الاجتماعيّ لدى الفرنسيين. «فإذا اضطررنا إلى ابتكار لقاح، فيجب أن يكون لقاحاً ضدّ الخوف وليس ضدّ مرض كورونا»، يؤكِّد ميرميه. لقد أسهم الخوف العام في انتقالنا من مرحلة البحث عن العيش إلى الصِّراع من أجل البقاء على قيد الحياة وما يترتَّب عن ذلك من انسدادٍ في أفق التفكير والنظر إلى المستقبل. ونتيجة لذلك، من المرجح أن تنشط من جديد حركات اليمين المتطرِّف ومعاداة الأجانب والمسلمين في المستقبل القريب نظراً لانتشار مظاهر الانهزامية والانسحابين بين عموم الفرنسيين، وكأن الأمر يتعلَّق بأزمة نهاية العالم مصدرها الأساس هو الآخر.

في تحقيق نشرته جريدة «لو باريزيان» (Le Parisien) الفرنسيّة، تبيَّن أن ما يقرب من ثلثي الفرنسيين قلقون إزاء انتشار فيروس كورونا، وهي نسبة أعلى مرَّتين من القلق العام الذي رافق انتشار فيروس أنفلونزا الخنازير سنة 2009. يربط التقرير طردياً بين انتشار حدّة المرض على نطاقٍ عالمي وتزايد الخوف والهلع الجماعيّ الذي يتجاوز المرض نفسه. في الواقع، يمكن القول بأن الأمراض والأوبئة بناءات اجتماعيّة، كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي «جيرالد برونر  Gérald Bronner»، مرتبطة بطبيعة التمثّلات الاجتماعيّة والثقافيّة التي قد تتجاوز حدود العقل والمنطق لتسهم في نشر المرض على نطاقٍ أوسع انطلاقاً من سلوكات جمعية عفوية وغير مؤطّرة علميّاً وطبيّاً. لهذا، يمكن للتشكيل الجمعي لفكرة المرض وفكرة الخوف منه أن يفتح المجال أمام انتشار الخرافة، الشائعات والقلق الاجتماعيّ على حساب سلوكيات الوقاية الطبيّة.

يعتبر جيرالد برونر أن التعاطي الفرنسي مع انتشار الفيروس قد اتخذ طابع «الفضيلة والمهادنة»، عكس الصين وإيطاليا، حيث الإكراه والإجبار والحجر الصِّحيّ منطلقات أساس لمنع انتشار المرض، إلّا أنه لم يمنع من خلق سوق اجتماعيّ من القلق والسذاجة العامّة الذي يخرج عن النسق العام للعقلنة الغربية ويسقط في فخ فكر المُؤامرة بفعل تأثير الأخبار والمعلومات الزائفة التي تفجرت بشكلٍ كبير ضمن العصر الرَّقميّ. نتيجة لذلك، وبالإضافة إلى ضرورة محاربة الخوف والهلع العام، لابدّ أيضاً من التفكير في مواجهة التدفُّق الكبير وغير المُنظّم للمعلومات، يضيف برونر. لقد أثبت فيروس كورونا ضعفاً كبيراً في التعاطي الجماهيري مع المعطيات العلمية والطبية بالموازاة مع الرغبة في أسطرة الهلع والقلق من المجهول ضمن عصر رقميّ يفترض أن يقرّب المعارف العلميّة من العموم بدل تعميم الجهل المُركَّب.

لابدّ من الإشارة إلى أن التعاطي السياسيّ والاقتصاديّ مع فيروس كورونا قد أسهم بدوره في تعزيز نسق الهلع والقلق الجماهيريّ. إن انتهاج تدابير احتواء وعزل صحيّ غير مسبوقة بأوروبا، بلغة «أنطونيو ماتورو Antonio Maturo»، رغم الطبيعة الاعتيادية للأنفلونزا عموماً، هو بالضرورة تجسيد لمخرجات رأسماليّة المُراقبة الهادفة إلى تقييد الحرّيّة والسلوكات الإنسانيّة وتوجيه الهلع العام نحو الاستهلاك بالدرجة الأولى. لا يجب التغاضي عن كون تدابير احتواء المرض قد أضحت تحد من الحرّيّة الفردية للمواطنين وتستبيح انتهاك خصوصياتهم، في الحياة الواقعية كما الرَّقميّة، كما أن الهلع العام يترافق مع ندرة واحتكار المنتجات الطبيّة والأساس. وعلى هذا، يصبح تسليع المرض والقلق العام سبيلاً لتوجيه الرأي العام والتحكُّم في السلوك الإنسانيّ في وضعية الأزمات بفضل إمكانات العصر الرَّقميّ.

قصارى القول، إن انتشار الأوبئة والأمراض تُبيِّن إلى أي حدٍّ لازال الإنسان كائناً هشّاً وضعيفاً في مواجهة الطبيعة وطفراتها المستمرة. فرغم عيشنا بمجتمع التقنيات العالية، إلّا أننا نشعر بالتهديد من فيروس غير دقيق وغير محسوس، كما تقول «كلودين بورتون جانجروس Claudine Burton-Jeangros»، يدفعنا إلى إعادة إنتاج الهلع الجماعيّ الذي ميَّز نظر أجدادنا إلى مختلف الأوبئة والأمراض التي عرفتها البشرية خلال مئات الآلاف من السنين. في ظلّ هذا الوضع المركَّب والمستقبل المجهول، تبيَّن بالملموس الدور الكبير للعلوم الاجتماعيّة في التعاطي مع وباء كورونا، أكثر من الطب والعلوم الدقيقة نفسها، ضمن سياق المجال التداولي الفرنسيّ. لقد عمل علماء الاجتماع والفلاسفة على تحليل حالات الهلع الجماهيري والخوف والقلق العام من المرض في أفق مجاوزة الأزمة، والدفاع عن تدابير الحماية دون المس بالحرّيّات الفردية للمواطنين، والتشديد على ضرورة الوعي بالبناء الاجتماعيّ والثقافيّ للأمراض… مع ذلك، لازالت العلوم الاجتماعيّة بوطننا العربيّ تصارع من أجل شرعية اجتماعيّة واقتصاديّة، قد تأتي أو لا تأتي، ولازالت غير مواكبة لمثل هذه القضايا والمستجدات الصِّحيّة والبيئيّة الآنية. لهذا، يبدأ البحث عن علاج لفيروس كورونا بالبحث عن علاج لتمثُّلاتنا، مخاوفنا وتصوُّراتنا العامّة حول الأمراض عامّة.


الهامش:

1- Gérard Mermet, Francoscopie 2030 : nous, aujourd’hui et demain, Larousse, 2018.

«كورونا» الذي يُعيد «تربية» العالم 

لربَّما من السابق لأوانه، الدخول في محاولة لاستخلاص الدروس والعبر من رعب كورونا «السائل»، لربَّما من غير المنطقي، الحسم في مآلات الوضع المربك والمخيف الذي نختبره آناً، ومع ذلك لا بأس أن نجرِّب القراءة ونهفو إلى تلّمس الخلاص. الأمر جلل والموقف عصي على الفهم والتأويل، فالعالم الذي كان مطمئنا إلى يقينياته واعتقاداته المتصلّبة، بات غائصاً في حيرة كبرى، وكأنه يجرب دهشة البدايات وقلق النهايات كما في العود الأبدي، فلا حقيقة تصمد ولا معنى يُؤَوِّل ويُؤَوَّل، فقط هو «اللايقين» ما يشمخ عالياً في كلّ المسالك والمتاهات، فقط هو الضعف والخوف والمرض والموت، ما يعيدنا إلى الصفر ويدفعنا نحو المجهول.

لا الحكومات التي أدمنت طويلاً «البلطجة الدولية» والاستبداد السياسي، في الشمال أو الجنوب، استطاعت أن تتغلَّب على هذا العدو اللامرئي، الذي ينتشر سريعاً ولا يبقي ولا يذر. ولا الحكومات التي أدمنت «التبعية» أو «الأنفة وعزة النفس» استطاعت بدورها أن تتحرَّر من لعنة كورونا، وتبقى في حِلٍّ من «رعبه» و«ترعيبه»، فالفقراء كما الأغنياء، المشاهير والمغمورون، آل الشمال وآل الجنوب، الكلّ بات خائفاً من الجائحة، ومُوقِناً بأن رساميله الرمزية والمادية لن تمنع عنه «الوباء السائل».

فجأة توارت عن قصاصات وكالات الأنباء ومسائيات الإذاعة والتلفزة أخبار داعش وقفشات ترامب وتداعيات بريكسيت وثورات الربيع، تراجع كلّ ذلك إلى الوراء، ليصير خبزنا اليومي هو فيروس كورونا القاتل، نداعب شاشات الهاتف وأزرار الريموت كونترول، بحثاً عن أعداد القتلى والمصابين في الهنا والهناك، ونتطلَّع إلى أخبار تُبشّر باكتشاف اللقاح، نَتَنَدَّرُ حيناً بِنُكَتٍ للضحك والتهوين من الواقعة، أو ننخرط خطأ في مسارات التهويل والرفع من منسوب الذعر جراء تقاسم بعض الأخبار الزائفة أو الصادقة.

يبدو أنه «وباء مُعَلِّمٌ» جاء ليضع الإنسانية أمام ضعفها المتأصّل، ليذكّرها بألا شيء يمكن التحكّم فيه، وأن للطبيعة منطقاً آخر، و«رياضيات» أخرى، لا تخضع لقوانين السوق ومتاهات الحداثة المفرطة، جاء لِيُعْلِيَ من فرضية «سردية الرعب المعمم»، حيث قلق الموت ينتصر على قلق المعنى، وحيث غريزة البقاء تحاور غريزة الموت، وتفاوض بشأن التجاوز والانتصار على فيروس، يعبث بالأبدان والأرواح والاقتصاديات ويقودها قسراً نحو أحلك الاحتمالات.

لقد تحوّل العالم إلى محجر صحي كبير، وانسجن الأفراد تحت ضغط الجائحة في منازلهم، وتوقَّفت دورة الإنتاج في كثير من المصانع والإدارات، وباتت البِيَّعُ والكنائس والمساجد، توصد أبوابها في وجه المصلين، فمن كان يعتقد يوماً أن يصير الحرم المكي فارغاً؟ وأن تنتهي السعودية من منح تأشيرات العمرة؟ من كان يعتقد، يوماً، أن تصير المطارات والفنادق والمزارات السياحية بلا مسافرين وزائرين؟ من كان يتخيّل أن تصير فينيسيا «البندقية»، مدينة الحبّ والجمال، خاوية على عروشها؟

إن سردية الرعب المعمم نابعة أساساً من خطاب التهوين أو التهويل الذي رافق الفيروس منذ ظهوره الأول في إقليم ووهان الصيني، فلم تَنْتَهِ الآلة الإعلامية، ولو من غير قصدية مباشرة، من بث القلق والذعر في نفوس المواطنين في أكثر من سياق، مثلما لم تنته قنوات التواصل الشعبية من إنتاج النكت والشائعات والأخبار الزائفة بصدد الفيروس، ليتدخَّل «تجار الحروب وأثرياء الأزمات»، لصب مزيد من الزيت على النار، باحتكار السلع وتوجيه المستهلك نحو سُعار الشراء والتخزين استعداداً للأسوأ، كلّ ذلك كان سبباً رئيساً في تعميم الرعب والهلع وفتح علبة شرور العالم من جديد.

الفيروس فعلها، وأعاد كلّ شيء إلى الصفر، أعاد الإنسان إلى سردية الرعب الممتدة عبر الأزمنة، والتي دعته في حالة «حرب الجميع ضد الجميع» إلى الاحتماء بالسحر والمعتقد والخيال لمواجهة ظلام الجهل والمرض وباقي الشرور. كورونا فعلها وأعاد الإنسان إلى ضعفه وعجزه، فلا يجد بدّاً من الاختباء والامتناع عن اللقاء بالآخر. إنه الفيروس الذي يعيد بناء المسافة الاجتماعية ويعمل في الآن ذاته على تحيين أو تهجين الرابط الاجتماعي. ففي لحظات الخطر تلوح الحاجة إلى الشبيه، لمواجهة عنف المتوقّع واللامتوقّع، فكيف يستقيم الأمر في ظل فيروس يقتضي التباعد لا التقارب؟ هنا يشتغل الرمزي بدرجة أعلى وتصير المسافة «صحية/احترازية»، مع عودة دالة إلى الذات والآخر، في أشكال تضامنية وحدوية لمواجهة الخطر، بل وحتى في مستوى أشكال عدوانية تعلن انتصار الأنانية والجشع والاحتكار. وهو ما لاح بقوة في التسابق نحو إدخار الطعام وإعادة ترتيب الأولويات.

لقد تنازل الفرد، مكرهاً، عن طقوسه اليومية، وانسجن، ضداً على رغباته، في بيته، مذعوراً من خطر محدق، قادم من لمس زر مصعد أو فتح باب أو مصافحة مريض، لم يعد ذات الفرد منشغلاً بالبحث عن الأسفار والرحلات الأَقلّ سعراً، أو مهووساً بالتمشهد الرقمي لحصد اللايكات وتسويق الذات، ما يهمه في سردية الرعب المعمّم هو البقاء وتلافي ممكنات العدوى والاعتلال.

لقد بات الهمّ الوجودي للأفراد والجماعات هو تخزين الطعام والتسابق نحو تأمين أكبر قدر من الدواء، وهو ما فتح الباب لظهور الأنانيات المستحكمة والفردانيات المعطوبة والهويّات القاتلة، وكأن الأمر يتعلَّق بهندسة اجتماعية جديدة أساسها التباعد الاجتماعي والإعلاء من شرط البقاء. فكلّ التعليمات الاحترازية توصي بضرورة الانتهاء من طقوس التحية والتقبيل والعناق، لصالح أشكال جديدة من «اليومي التواصلي»، تنبني على التباعد لا التقارب، وعلى الانفصال لا الاتّصال. وهو ما تعضده خيارات منع التجمعات العامّة وإغلاق دور العبادة والمطارات والمقاهي والمطاعم.

إنها مجتمعات الخطر والمخاطرة التي أهدتنا إياها النيوليبرالية المتوحشة، وقادتنا إليها التفكيكات والتذريرات المتواصلة للرابط الاجتماعي ولكافة أشكال وبنيات التضامن والتعاضد الجمعي، إنها ذات المجتمعات، التي تعرَّضت، ولأسباب تاريخية وسياسية واقتصادية صرفة، للمزيد من التهجين والمسخ والاحتباس القيمي، وأنتجت في النهاية «مسخاً إنسانياً» هشّاً، لا يصمد طويلاً أمام اختبارات الجوائح والأوبئة، بل يكشف سريعاً عن الجانب المخفق والبائس المتأصّل في أعماقه، يستيقظ فيه الوحش، ويموت فيه الإنسان.

رسائل/دروس الجائحة لا تنتهي، إنها تتجاوز المحلي إلى الكوني، وتتفوّق على كلّ السرديات الدائرة بغير انقطاع، لتعلن للجميع، وفي عتبة العتبات، أن الجائحة ديموقراطية، في استهدافها للدول الغنية كما الفقيرة، وللفئات المهيمن عليها، كما الأخرى التي تهيمن وتمتلك وسائل الإنتاج والإكراه، فهو فيروس لا يختار ضحاياه بسبب اللون أو الدين أو الانتماء المراتبي، مثلما هو الحال بالنسبة لمرض السل الذي يصيب آل القاع الاجتماعي من الذين يقيمون في سكن حاط بالكرامة، أو فيروس الإيبولا الذي استهدف مواطنين من إفريقيا الوسطى بالتحديد. هنا الجائحة تعلن أنها جاءت لتقول للجميع، بألّا واحدة من الدول الكبرى أو الصغرى بمقدورها التحصّن ضد الفيروس.

في عتبة ثانية يعلن الفيروس للجميع أن العلم هو مفتاح الفرج، وأن المراهنة على التفاهة ونجوم الكرة والغناء والبلاهة، لن تنقذ العالم من مصير الهاوية، فقط هو البحث العلمي ما قد يقود إلى اكتشاف اللقاح وتأمين المستقبل، وهو ما يكون قبلاً بالاستثمار في بنيات التربية والتعليم والصحّة. فالفيروس وضع الإنسانية مرّة أخرى أمام حقيقة القطاعات الحيوية التي أُهْمِلت بسبب توصيات المؤسَّسات المانحة والمُقرِضة، والتي توصي دوماً بوجوب تخلي الدولة عن الإنفاق العمومي لصالح الصحّة والتعليم وباقي القطاعات الاجتماعية.

ثمّة عتبة أخرى للفهم والسؤال المستفز، تنكشف من خلال تداعيات «حرب كورونا»، وهي بالضبط عتبة المصير المشترك، فالإنسانية تختبر اليوم، عبر سردية الرعب المعمّم التي أفرزتها وعززتها جائحة كورونا، تختبر أن الألم مشترك والمعاناة واحدة، وأن الخوف من المجهول يتسيّد الوضع، ويلقي بثقله على كلّ الديناميات والفعاليات الإنسانية، فالكلّ بات منشغلاً بعدد المصابين والمتعافين والراحلين تباعاً، في الصين وإيطاليا والمدينة الفلانية والحي الأقرب، لم تعد أهداف ميسي ولا مؤخرة كارديشيان تغري بالمتابعة على اليوتيوب، وتحقّق بالتالي أعلى أرقام «الطوندونس»، فقط هو الخوف من الاعتلال ما يشكل أُسَّ الانهمام ومَكْمَنَ الرهاب.

لقد أحدث كورونا، فينا ومن حولنا، فائق الارتباك وعميق الصدمة، لقد عَرَّانا من الداخل قبل الخارج، وكشف جروحنا النرجسية العميقة، وأعطابنا الاجتماعية والسياسية الثقيلة، وكشف، وهذا هو الأهمّ، خسائرنا القيمية الكبرى، في إنتاج «إنسانية جمعية» أو حتى «فردانية عقلانية» تدبر الأزمات العصيبة بمزيد من الحكمة والتبصّر والإيثار. لهذا يتوجَّب علينا الاعتراف بأن الإنسانية رسبت في هذا الامتحان العسير، وأن ما بشّرت به العولمة والحداثة وحوار الحضارات، وما إلى ذلك من «مفاهيم مسكوكة  وترحالية»، لم نجد له من أثر في قلب الإعصار، وتحديداً في الدول التي لم يُبْنَ فيها الإنسان، وتُرِكَ فيها منذوراً لأدوات «التضبيع» والتتفيه.

في الختام لا بدَّ من التأكيد على أن درس الدرس الذي يتوجَّب الخلوص إليه، من هذي الجائحة، هو البناء الحضاري للأمم والشعوب، عبر بناء الإنسان وجعله محور كلّ الاستهدافات التنموية، مع ما يوجبه هذا البناء من تعاقدات مجتمعية جديدة، ومصالحات ذكية بين الطبيعة والإنسان، وبين الإنسان والإنسان. فهذا الوباء المُعَوْلِمُ للألم والفزع والشر، سيغرس في ذاكرة الشعوب خبرات مؤلمة عن سوء التدبير والتعاطي مع الأزمات، وسيذكرها بأن ما حقّقته البشرية من انتصارات مزعومة على الطبيعة، وما بلغته من شأوٍ في باب المستحدثات التقنية، وأن ما كرّسته من قيم الاستهلاك واحتمالات الضبط والتوجيه، بات بلا معنى، أمام فيروس مجهري أصاب العالم في مقتل، وعمق من جرحه النرجسي.

ستدرك البشرية، ولو بعد حين، أن الحياة تستمر بالضروري من أساسيات حفظ النفس والحياة، وألا حاجة إلى العلامات الفاخرة لتأكيد التمايز الاجتماعي، وألا حاجة إلى «المؤثرين» من صنَّاع التفاهة والبلاهة، لصناعة الرأي العام، وأن ما يمكث وينفع الناس هو العلم/مفتاح الفرج.

إن الحجر الصحي الذي يختبره العالم اليوم، هو أشبه ما يكون بعودة مفروضة إلى الذات، في شكل خلوة تفكير وتغيير وتنوير، لإعادة اكتشاف الأنا والآخر، وإزالة السحر عن الوقائع والأشياء، فالمطلوب أن تصير هذه «الخلوة القسرية» عتبة تأسيساتية فارقة ومائزة لإعادة قراءة وتأويل الحال والمآل، عبر اكتشاف الذات في محدوديتها القصوى، بعيداً عن وهم التضخّم الهويّاتي.

لربَّما كان من الضروري، أن تصفع الجوائح، الإنسان من حين لآخر، علّه يستفيق وينتهي من «رأسمالية الكوارث»، فعالم ما قبل سردية الرعب الكوروني، كان غائصاً في بلطجة دولية فجّة، لم يكن معها يعير أدنى انتباه لِأُمِّنَا الأرض، ولا إلى تلوثها ونهبها وتدميرها الذي فاق كلّ المعدَّلات، كان منشغلاً فقط بالتحريض على الاستهلاك وتوطين قيم السوق والتفاهة. وها هو الفيروس يصفع الجميع، ويعيد الإنسان إلى عُريه وضعفه ودهشة البدء، فهل سيستوعب الواقعة والدرس؟ والتي تتلخّص في هكذا عبارة «ألا ما أضعفك أيها الإنسان».