لم يكن الأمر ليكون! قـمم يأس إميل سيوران

استغرق موت «سيوران» عدّة سنوات قبل أن يبلغ منتهاه. في البداية، ظهرت عليه بعض العلامات المزعجة فقط: ذات يوم، لم يعرف طريق العودة من المدينة إلى المنزل! طريق كان يعرفها (وهو المشَّاء الماهر) حقّ المعرفة. ثم بدأ يفقد جزءاً من الذاكرة. أحياناً، يبدو كأنه لا يعرف جيّداً من يكون، ويبدو أن آخر شيء فقده هو حسّ الفكاهة الرائع لديه. ذات يوم، سأله أحد المارّة في الشارع: «هل أنت «سيوران»؟» فأجابه: «كنت». لكن علامات الخرف أصبحت كثيرة جدّاً وخطيرة: بدأ «سيوران» ينسى بمعدَّل ينذر بالخطر، فأصبح من اللازم إيداعه المستشفى. في النهاية، خانته الكلمات: لم يعد «سيوران» (أحد أفضل كتّاب عصره) قادراً على تسمية الأشياء الأساسية، ثم جاء الدور على العقل. في النهاية، نسي من يكون، تماماً.. في مرحلة من مراحل معاناته الطويلة والنهائية، في لحظة وجيزة من الصفاء الذهني، همس «سيوران» لنفسه: «إنها الاستقالة الشاملة!». لقد كان ذلك هو الفشل النهائي الكبير، وهو لم يفشل في إدراكه على حقيقته.

يرى البعض أن «سيوران» كان أحد أكثر المفكِّرين تخريباً في عصره – «نيتشه» القرن العشرين، لكنه أكثر سوداويةً ودعابةً. وقد اعتقد الكثيرون، خاصّة إبّان شبابه، أنه مجنون خطير، بينما نظر إليه آخرون على أنه مجرَّد شابّ غير مسؤول، بشكل جذّاب، وأنه لا يشكِّل أيّ خطر على الآخرين، بل على نفسه، فقط. عندما سلَّم كتابه عن التصوّف للمطبعة، رفض الذي يقوم بالطبع -وهو رجل طيب يتَّقي الله – أن يلمسه، بعدما أدرك (التجديف) الذي يتَّسم به محتواه؛ قام الناشر بنفض يده من الموضوع، فاضطر المؤلِّف إلى نشر ذلك (التجديف) في مكان آخر، على نفقته. فمن كان ذلك الرجل؟

«إميل سيوران» (1911 – 1995)، فيلسوف فرنسي، رومانيّ المولد، ومؤلِّف بما يربو على عشرين كتاباً عن الجمال المتوحِّش والمقلق. إنه كاتب مقالات على الطريقة التقليدية الفرنسية الجميلة. ورغم أن الفرنسية لم تكن هي لغته الأمّ فإن الكثيرين يعدّونه من أفضل مَنْ كتبوا بتلك اللّغة. أسلوبه في الكتابة غريب الأطوار، غير منهجي، وشذريّ. لقد تمَّ الاحتفاء به بصفته واحداً من أعظم أرباب الحِكَم. لكن «الشذرة» لم تكن، بالنسبة إلى «سيوران»، مجرد أسلوب كتابة: كانت مهنةً وأسلوبَ حياة، وقد أطلق على نفسه اسم «رجل الشذرة».

غالباً ما يناقض «سيوران» نفسه، لكن هذا آخر شيء يثير قلقه؛ فهو لا يعتبر التناقض الذاتي ضعفاً، بل دليلاً على أن العقل حيّ. فالكتابة ليست، في اعتقاده، أن يتميَّز الكاتب بالثبات، والإقناع، أو الترفيه عن القرّاء، بل إن ذلك لا يمتّ بِصِلة حتى للأدب. للكتابة، عند «سيوران»، تماماً، كما كان لها عند «مونتيني – Montaigne» قبل عدّة قرون خلت، وظيفة أداء تُميّزها عن سواها: لا يكتب الكاتب ليبدع نصّاً، بل ليشتغل على نفسه؛ ليعيد لَمَّ شمله بعد حدوث كارثة شخصية، أو ليُخرج نفسه من حالة اكتئاب سيِّئة؛ ليتعايش مع مرض مميت، أو ليبكي على فقدان صديق حميم. يكتب الكاتب لكي لا يصاب بالجنون، لكي لا يقتل نفسه أو يقتل الآخرين.

في حوار له مع الفيلسوف الإسباني «فرناندو سافاتر – F. Savater»، قال «سيوران» في لحظة من اللحظات: «ربّما كنت سأصبح قاتلاً، لو لم أكتب». الكتابة، عنده مسألة حياة أو موت. الوجود الإنساني، في جوهره، كرب ويأس لانهاية لهما، والكتابة قد تجعل الإنسان يطيق ذلك بشكل أكبر. «الكتابة انتحار مؤجل»، يقول «سيوران».

كتب «سيوران» لينقذ نفسه من الموت مراراً وتكراراً. ألَّف كتابه الأوّل «على قمم اليأس» (1934)، وهو في الثالثة والعشرين، في غضون أسابيع قليلة، وهو يعاني من نوبة أرق مروِّعة. وقد شكَّل هذا الكتاب – والذي يعتبر واحداً من أجمل ما كتبه باللُّغتَيْن؛ الرومانية، والفرنسية – بداية الارتباط القوي والحميم في حياته ما بين الكتابة والأرق: «لم أتمكَّن يوماً من الكتابة إلّا في أتون الاكتئاب الذي أدخلتني فيه ليالي الأرق. ظللت سبع سنوات لا أكاد أنام. أحتاج لهذا الاكتئاب، ولا زلت، إلى اليوم، أستمع، قبل أن أشرع في الكتابة، إلى موسيقى الغجر [الحزينة] من المجر».

وكون «سيوران» مفكِّراً غير منهجيّ، لا يعني أن عمله يفتقر إلى الانسجام، بل -على العكس من ذلك- إنه يجعله منسجماً؛ ليس من خلال أسلوبه الفريد في الكتابة وطريقة تفكيره، فحسب، بل من خلال مجموعة متميّزة من المواضيع الفلسفية، والمواضيع العامّة والخاصيّات، أيضاً. ويحتلّ الفشل، بين هذه المواضيع، مكانة بارزة. كان «سيوران» مهووساً بالفشل: شبحه يخيِّم على أعماله، بدءاً من كتابه الأوَّل باللّغة الرومانية، ثم لم يحِد، بعد ذلك، عن جادّة الفشل طوال حياته: لقد درسه من زوايا متنوّعة، وفي لحظات مختلفة، كما يفعل الخبراء الحقيقيّون، وبحث عنه في الأماكن التي لا نتوقّع وجوده فيها، أبداً. اعتقد «سيوران» أن الفشل قد لا يكون مآل الأفراد، فحسب، بل هو مآل المجتمعات، والشعوب والدول، أيضاً. إنه مآل الدول؛ على الخصوص. […].

يصيب الفشل كلّ شيء. قد تصبح الأفكار العظيمة موصومة بالفشل، وكذلك الكتب، والفلسفات، والمؤسَّسات، والأنظمة السياسية. حتى الوضع الإنساني نفسه، يراه «سيوران» مشروعاً فاشلاً. «لم أعد أرغب في أن أكون رجلاً»، كتب في «معضلة الميلاد» (1973). إنه «يحلم بشكل آخر من الفشل». الكون عبارة عن فشل كبير، وكذلك هي الحياة نفسها. وهو يقول: «الحياة، وقبل أن تكون خطأً جوهرياً، فشل في الذوق، لا ينجح الموت، ولا حتى الشعر في تصحيحه». […].

لأنه كان يعرفه عن كثب، كان بمقدور «سيوران» أن يتحدَّث عن الفشل جيِّداً؛ فقد شارك، في شبابه، في مشاريع سياسية كارثية (وهو أمر ندم عليه طول حياته)، وغيَّر بلدان إقامته ولغاته، واضطرَّ إلى إعادة بناء كلّ شيء من الصفر. كان منفيّاً على الدوام، وعاش حياة هامشية، ولم يحصل على عمل إلّا في حالات نادرة، فعاش على عتبة الفقر. من المؤكَّد أنه قد ألِفَ الفشل ألفةً كبيرة، بل أصبح يميل إليه. كان يعرف كيف يقدّر الحالة الجديرة بالفشل، وكيف يراقب تطوُّرها، ويتذوَّق تعقيدها؛ فالفشل فريد من نوعه: الناجحون يبدون، دائماً، متشابهين. أمّا الفاشلون فيختلفون في طرق فشلهم. كلّ حالة من حالات الفشل تتَّسم بملامح وجمال خاصَّيْن، ويتطلَّب الأمر خبيراً بارعاً مثل «سيوران»، ليميّز ما بين فشل يبدو عادياً، لكنه في الواقع كبير، وبين فشل صاخب، لكنه عاديّ.

كان أوَّل لقاء له مع الفشل، في وطنه، بين مواطنيه الرومانيّين. ولد «سيوران» ونشأ في «ترانسيلفانيا»، وهي إقليم كان، لفترة طويلة، جزءاً من الإمبراطورية النمساوية المجرية، وفي عام (1918)، أصبح جزءاً من المملكة الرومانية. وإلى حدود اليوم لا يزال سكّان «ترانسيلفانيا» يظهرون أخلاقيّات عمل قويّة، ويقدِّرون الجدِّيّة، والانضباط وضبط النفس غاية التقدير. وعندما التحق «سيوران» بالجامعة في «بوخارست»، العاصمة الجنوبية للبلاد، ولج عالماً ثقافياً جديداً عليه، تماماً. هناك، كانت المهارات التي يتطلّبها الفوز مختلفة: فن عدم القيام بأيّ شيء، والسفسطة (من المرح قليلاً إلى السخرية الصريحة) التي تفوق الاستقامة الفكرية، واتِّخاذ التسويف مهنة، واشتغال الطالب بإضاعة حياته. ولمّا كان «سيوران» طالباً جامعياً في شعبة الفلسفة، احتكَّ ببعض أفضل المشتغلين بالفلسفة في «بوخارست»، وقد نال المزيج من التألُّق الفكري، والشعور اللافت بالفشل الشخصي الذي يظهره بعضهم، وإعجابه الدائم وغير المشروط بهم: «التقيت في «بوخارست» بالعديد من الأشخاص، العديد من الأشخاص المهمِّين، والخاسرين، وعلى الخصوص، الذين كانوا يحضرون إلى المقهى ويتحدَّثون بشكل مطوَّل جدّاً، ولا يفعلون أي شيء. يجب أن أقول إن هؤلاء كانوا، بالنسبة إليّ، أكثر الناس المهمِّين هناك. أشخاص لم يفعلوا أي شي طوال حياتهم، لكنهم كانوا متألِّقين».

ظلّ «سيوران» بقيَّة حياته مديناً- سرّاً- لأرض الفشل تلك التي كانت هي بلاده؛ وحقَّ له أن يظلّ كذلك. فالرومانيون تربطهم علاقة فريدة من نوعها بالفشل؛ وكما يمتلك الإسكيمو عدداً لا يحصى من الكلمات الدالّة على الثلج، يبدو أن اللغة الرومانية لها القدر نفسه من الكلمات المرتبطة بالفشل. وإحدى العبارات الشائع استخدامها، في اللغة الرومانية، يعتزّ بها «سيوران»، هي (n-a fost sǎ fie) (تعني: «لم يكن الأمر ليكون»، وتكتسي مسحة جبريّة قويّة). هذا البلد منجم ذهب، بحقّ.

كان «سيوران» معروفاً بكرهه للبشر، وإن كان هناك نوع بشري واحد يتفهَّمه ويتعاطف معه، فهو نوع الإنسان الفاشل. في عام (1941)، وكان وقتها مقيماً في «باريس»، اعترف لصديق روماني قائلاً: «أودّ أن أكتب كتاباً أسمّيه «فلسفة الفشل»، وأضع له عنواناً فرعياً هو: يُستخدَم – حصرياً-  من طرف الشعب الروماني، ولكن لا أظنّ أنني سأستطيع فعل ذلك». كلّما تذكَّر «سيوران» أيّام شبابه، تذكَّر، بمزيج من الانجذاب والحنان والإعجاب، الخاسرين الكبار، ومشهد الفشل اللامتناهي الذي قابله في «بوخارست». لا شكّ في أن المشهد الأدبي للبلاد، قد اجتذبه حين كان كاتباً ناشئاً، ولكن ليس بقدر ما اجتذبه مشهد الفشل: «لم يكن أعز أصدقائي، في رومانيا، من الكتّاب، بل من الفاشلين».

كان أستاذ الفلسفة، في جامعة «بوخارست»، «ناي يونيسكو» (1890 – 1940)، والذي كان له التأثير الحاسم على «سيوران» الشابّ، فاشلاً فشلاً ذريعاً وفق المعايير المعتادة. لم ينشر أيّ كتاب، وغالباً ما كان ينتحل محاضراته أو يرتجلها، على الفور، يتغيَّب، أحياناً، عن الفصول الدراسية لأنه «لم يكن لديه ما يقوله». كان كسله أسطورة. وبغضّ النظر عن هذا، كان «يونيسكو» أحد أكثر نوابغ جيله – كان «عبقريّاً»، بحسب قول العديد من الذين عايشوه، بشكل مباشر، بل إنه طوَّر نظرية صغيرة عن الفشل (فَضَّلَ- وهو أمر صائب- عدم نشرها).

ومع ذلك، لم يكتفِ «سيوران» بمراقبة الفشل عن بعد، فقد شرع في ممارسته في وقت مبكِّر، وفعل ذلك بأسلوب أنيق. في عام (1933)، بعد تخرُّجه في الجامعة، مباشرةً حصل على منحة الدراسات العليا (طالب زائر من جامعة «فريدريش فيلهلم» في «برلين». وما إن وصل إلى ألمانيا، حتى وقع في حبّ النظام النازي الحديث النشأة. في نوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام، كتب إلى صديقه «ميرسيا إلياد»: «أنا مفتون تماماً بالنظام السياسي الذي أقاموه هنا». وجد «سيوران»، في (ألمانيا هتلر)، كلّ ما لم يجده في «رومانيا» التي كانت لا تزال دولة ديموقراطية، نسبيّاً. كانت «ألمانيا» تعيش حالة من الهستيريا السياسية، والتعبئة الجماهيرية، وقد اعتقد «سيوران» أن ذلك أمر جيّد؛ لقد أعطى النظام النازي، للألمان، إحساساً بـأن لهم «رسالة تاريخية»، وهو شيء لن تقوم ديموقراطية «رومانيا»، أبداً، بتقديمه لشعبها. وبينما كان آخرون يرون مقدّمات حدوث كارثة ذات أبعاد تاريخية في «ألمانيا»، في ذلك الوقت، لم يرَ «سيوران» سوى وعد، وعظمة تاريخية. وما الذي جعل «هتلر»- بالتحديد- عظيماً؟ أجاب «سيوران» بأنها قدرته على إثارة «الدوافع اللاعقلانية» للشعب الألماني، محاولاً أن يبدو كأنه مراقب موضوعي. وما كاد يبلغ الثانية والعشرين من العمر حتى كان يمارس الفشل، بكلّ جدية.

بحلول خريف عام (1933)، كان «سيوران»، بالفعل، نجماً صاعداً بسرعة في الأدب الروماني، فقد ساهم، وهو، بعدُ، طالبٌ جامعي، بعدد قليل من المقالات الأصيلة اللافتة للنظر في بعض المنابر الأدبية، في بلاده، وأصبحت الدوريات تريد المزيد من مقالاته. أرادوا منه، بشكل خاصّ، تغطية المشهد السياسي الألماني. في رسالة أرسلها إلى جريدة «ﭬريميا» الأسبوعية في (ديسمبر، 1933) كتب «سيوران»، بكلّ جرأة: «إذا أحببت شيئاً عن الهتلريّة فهو عبادة اللاعقلاني، والابتهاج بالقدرة الخالصة على الحياة، والتعبير الرجولي عن القوّة، دون أيّ روح نقدية، أو كبت، أو تحكُّم». وبإفراطه في استخدام كليشيهات يحبها أعداء الديموقراطية الليبرالية في كلّ مكان، يبدي «سيوران»، هنا، شفقته على أوروبا […] مقابل ألمانيا «الرجولية»، بكلّ فخر، التي تعجّ بالعضلات، والضوضاء، والغضب. «هتلر»، هو الرجل الذي يشغل منصب المسؤولية بشكل بارز، و«سيوران» معجب به. بعد عدّة أشهر (يوليو، 1934)، وفي رسالة أخرى إلى الدورية نفسها، لم يخجل، على الإطلاق، من التعبير عن إعجابه الشديد بذلك الرجل الشجاع: «من بين كلّ السياسيّين، اليوم، «هتلر» هو الذي يحظى بحبّي وإعجابي أكثر». ولكن الأسوأ لم يأتِ بعد.

 

 

[…] يبدو أن فكرة غريبة قد تفتَّقت في ذهن «سيوران»؛ مفادها أنه لا يمكنه فصل قيمته الشخصية عن المزايا التاريخية للمجتمع القومي الذي ينتمي إليه. ثم، عند قياس قيمة هذا المجتمع، وجدها دون المستوى، وبشكل كبير. يعتقد «سيوران» أن «رومانيا» «أمّة فاشلة» تاريخياً، وفشلها هذا سينسحب -ولا شكّ- على جميع الرومانيين. الحقيقة هي (وكأن هذا لم يكن سيِّئاً بما فيه الكفاية) أن الانسحاب ليس خياراً جيّداً، ما دام «انفصال المرء عن أمّته يؤدّي إلى الفشل»، فهو يفشل داخل الأمّة، ولكنه يفشل أكثر خارجها. هكذا، تمكِّن «سيوران»، في سنّ مبكِّرة، نسبيّاً، من حشر نفسه في مأزق وجودي جدِّي. وكونه هو من تسبَّب في هذه الدراما، إلى حدٍّ كبير، فهذا لا يجعلها أَقلّ إيلاماً؛ بل- على العكس من ذلك- هذا الشيء سيجرحه، ويؤثِّر في عمله بشكل كبير. قد تكون ممارسة الفشل عملاً دمويّاً.

هذه الدراما – «دراما التفاهة» كما سيسمِّيها «سيوران»، لاحقاً -هي التي تكمن وراء الكتاب الذي نشره بعد فترة وجيزة من عودته من ألمانيا: «تغيير وجه رومانيا» (1936). […] لكن «سيوران» شديد التناقض مع نفسه، ففي مكان آخر من الكتاب، نجده «يحبّ ماضي رومانيا بكراهيّة شديدة»، وهو يحلم بأن يكون لها مستقبل زاهر. إنه يحلم بأن تكون «رومانيا تضاهي الصين من حيث عدد السكّان، ويكون قدَرُها كقدَر فرنسا». البلد جميل – وكلّ ما يحتاجه، فقط، هو دفعة، هنا، ودفعة هناك؛ وما يحتاجه في المقام الأوَّل هو «دفعة» نحو التاريخ. لا يقول لنا «سيوران» ما يعنيه هذا، بالضبط، لكنه يلمِّح، عندما يؤكِّد أن كلّ ما يستطيع فَعَله هو أن «يحبّ رومانيا وهو في حالة هذيان». ولتحقيق مثل هذه الغايات السامية، تصبح كلّ الوسائل مشروعة، أليس كذلك؟ و«سيوران» نفسه يقول: «كلّ الوسائل مشروعة لشعب يفتح أمام نفسه طريقاً في هذا العالم.[…].

في غضون بضع سنوات، عندما تمكَّنت الحركة الفاشية، في «رومانيا»، الحارسة الحديدية العنيفة لمعاداة الساميّة، من الوصول إلى السلطة التي مكثت فيها بضعة أشهر في أواخر عام (1940)، أيَّدها «سيوران»، وإن كان قد فعل ذلك بطريقته الغامضة. «رومانيا في حالة هذيان»، التي كان يحلم بها، بدأت تتشكَّل أخيراً، وقد كان منظرها قبيحاً: تَمَّ تعقُّب اليهود الرومانيين، وقَتْلهم بدم بارد، وتمَّ نهب ممتلكاتهم وحرق بيوتهم، بينما تعرَّض غير اليهود من السكّان، لغسيل دماغ وحشي، قوامه الأصولية الدينية. في ذلك الوقت، كان «سيوران» قد استقرَّ في «فرنسا»، حيث أعاد اكتشاف نفسه من خلال لغة أخرى، في أثناء عودته في رحلة قصيرة إلى الوطن ألقى كلمة مساهمةً منه في إحياء ذكرى الزعيم المؤسِّس للحركة «كورنيليو زيليا كودريانو -Corneliu Zelea Codreanu»- (المسمّى «الكابتن»: 1899 – 1938) […]. كان هذا «القبطان» يتميَّز، من بين أمور أخرى، بمعاداة مسعورة للساميّة. فقد دعا، علانيةً، إلى الاغتيال السياسي، وكان هو نفسه قاتلاً سياسيّاً. على خلفية ثقافة ديموقراطية هشّة، في رومانيا، ما بين الحربَيْن العالميَّتَيْن، دفع «كودريانو» البلاد، بشكل منفرد، مدعوماً بكاريزما شخصية وانعدام الوازع الأخلاقي، إلى الفوضى في ثلاثينيّات القرن الماضي. وها نحن نرى «سيوران» يمدحه!.

في مجال الفشل لا يمكن لأي مفكِّر – حتى ولو كان معروفاً بكونه غير مسؤول مثل «سيوران» الشابّ – أن ينحدر ​​إلى أدنى من هذا المستوى. هل تتساءلون عمّا أصابه، مثلما تساءل أصدقاؤه الديموقراطيون في ذلك الوقت؟ في السنوات التي تلت ذلك، أصبح ذلك السؤال يطرح نفسه على «سيوران»، بإلحاح يصيبه بالإحباط. عندما وُوجه، لأوَّل مرّة، بفظاعة موقفه السياسي المؤيِّد للفاشيّة، بعد فترة وجيزة من نهاية الحرب، كاد ألّا يتعرَّف إلى نفسه من خلال كتابه «تغيير وجه رومانيا»، وكتاباته الصحافية السياسية. لقد أيقظته، فجأةً، أهوال الحرب، وفظاعة الهولوكوست، الذي هلك فيه بعض أصدقائه اليهود؛ لا شكّ في أن تلك النصوص قد بدت له، حينها، كالكوابيس، ثم فعل فيه الزمن فعله، فجعله يرى الأشياء بشكل أكثر وضوحاً. في عام (1973) كتب في رسالة إلى أخيه: «أحياناً، أسأل نفسي عمّا إذا كنت حقّاً أنا مَنْ كَتَب هذا الهذيان الذي يقتبسونه. الحماس شكل من أشكال الهذيان. لقد أُصبنا بهذا المرض ذات مرّة، لكن لا أحد يريد أن يصدق أننا قد شفينا منه». في نصّ صغير صدر بعد وفاته، تحت عنوان «بلادي» (1996)، يشير «سيوران» إلى محتويات كتاب «تغيير وجه رومانيا» بأنها «هذيان مجنون متوحِّش». هذه (ونقوله ذلك بشكل عابر) هي نتيجة الممارسة المكثَّفة للفشل: تجلب شخصاً آخر إلى العالم قبل أن تدرك ذلك. تبحث عن نفسك أمام المرآة، ذات يوم، فتكتشف هناك شخصاً آخر يحدِّق فيك.

ليس من السهل، أبداً، تحديد مجال اشتغال «سيوران»، وعندما يتعلَّق الأمر بماضيه السياسي يكون الأمر شبه مستحيل. وممّا لا يساعدنا على ذلك، بعيداً عن الإشارات الغامضة إلى «الهذيان» و«حماس» الشباب، رَفْضُ «سيوران»، في مرحلة ما بعد الشباب، أن يتطرَّق إلى «تلك السنوات». وهو يفعل ذلك لسبب وجيه؛ فهو يدرك جيّداً ما تنطوي عليه. فالفشل يكره السفر بمفرده: وهو عادةً ما يفضل أن يرافقه العار. في رسالة أخرى إلى شقيقه، يقول «سيوران»: «الكاتب الذي ارتكب بعض الحماقات في شبابه، في بداياته، يكون أشبه بامرأة لها ماض مشين. لا يُغفَر له ذلك أبداً، ولا يتمّ نسيانه أبداً». وقد ظلّ انخراطه السياسي في «رومانيا»، ما بين الحربَيْن العالميَّتَيْن، أكبر عار، وأخطر فشل مدمّر، يلاحقه إلى آخر أيّامه. وقد فشلت كلّ الأمور الأخرى بالمقارنة مع ذلك.

لنلْقِ لمحة أخرى على طريقة «سيوران» الغريبة في التفكير السياسي، في رسالة أرسلها إلى «ميرسيا إلياد» في عام (1935) يقول فيها: «صيغتي لكلّ الأشياء السياسية هي كالآتي: قاتلْ بكلّ تفانٍ من أجل الأشياء التي لا تؤمن بها». لا يعني هذا أن مثل هذا الاعتراف يسلِّط الكثير من الضوء على انخراط «سيوران»، بل يضع «هذيانه» ضمن منظور نفسي معيَّن. لقد تميَّز «سيوران»، لاحقاً، بهذا الانقسام في الشخصية، وإنه لمن المنطقي، بالنسبة إلى الفيلسوف الذي يرى العالم على أنه فشل كبير الأبعاد، أن يسخر من النظام الكوني (ومن نفسه في إطار هذه العملية) من خلال الادِّعاء بأن هناك معنى حيث لا يوجد أيّ معنى.[…].

عندما عاد «سيوران» من «ألمانيا» عام (1936)، قضى فترة قصيرة يُدَرِّس الفلسفة في مدرسة ثانوية في «براشوف»، وسط رومانيا. كان هذا، أيضاً، فشلاً ذريعاً، وهي آخر محاولة قام بها للاحتفاظ بوظيفة قارّة. في أثناء درس المنطق، مثلاً، كان «سيوران» يقول لطلاب المستوى الثانوي إن كلّ شيء في الكون مريض مرضاً لا يرجى له علاج، بما في ذلك مبدأ الهويّة. عندما سأله أحد التلاميذ، ذات مرّة: «ما الأخلاق، يا أستاذ؟» أجابه «سيوران» بأن طلب منه ألّا يقلق، لأنه لا يوجد شيء اسمه الأخلاق. كان تلاميذ الأقسام التي يدرِّسها في حالة فوضى دائمة، وكان التلاميذ في حيرة من أمر هذا الأستاذ البغيض، مثلهم في ذلك مثل زملائه.

في عام (1937)، قرَّر مغادرة «رومانيا» مرّة أخرى، وقد اعتبر هذا القرار «أذكى قرار» اتَّخذه في حياته. كان أوَّل بلد اختاره هو «إسبانيا»، حيث تقدَّم بطلب للحصول على زمالة في السفارة الإسبانية في «بوخارست»، شهرين، فقط، قبيل اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية، ولم يتوصَّل بأيّ جواب قطّ. ثم قرَّر أن «باريس» هي المكان المناسب لشخص في مستوى تطلُّعاته: «قبل الحرب، كانت باريس هي المكان المثالي لأن يحيا المرء حياة فاشلة، وكان الرومانيون، على وجه الخصوص، معروفين بذلك».

قطع «سيوران» أواصره مع «رومانيا»، وتبنّى وجوداً جديداً، كما أنه أطلق على نفسه اسماً جديداً: «إي إم سيوران»». في وقت ما، أخذ يكتب ويتحدَّث، طول الوقت، تقريباً، باللّغة الفرنسية (كان يستخدم اللغة الرومانية للشتم فقط، وهو يعتبر أن ما يوجد في الفرنسية من عبارات الشتم لا يشفي الغليل). جاء «سيوران» إلى «باريس» بعد حصوله على منحة للدراسات العليا؛ وكان من المفترض أن يحضُر دروساً في جامعة السوربون، وينجز أطروحة دكتوراه حول موضوع فلسفي. وقد كان يعلم جيّداً، عندما تقدَّم بطلب الحصول على المنحة، أنه لن يكتب تلك الأطروحة أبداً. لقد تحقَّق له، أخيراً، ما كان يسعى إليه: أن يعيش كطفيلي! كلّ ما احتاجه ليعيش بأمان، في فرنسا، هو بطاقة الطالب، والتي كانت تمكِّنه من دخول مقاهي الجامعة الرخيصة. كان بوسعه أن يعيش على ذلك النحو، إلى الأبد. وهذا ما فعله لبعض الوقت، على الأَقلّ: «في الأربعين من عمري، كنت لا أزال مسجّلاً في جامعة السوربون، كنت أتناول الطعام في كافتيريا الطلاب، وكنت آمل أن يستمرّ هذا حتى آخر أيّامي. ثم صدر قانون يمنع الطلّاب الذين يتحاوزون السابعة والعشرين عاماً من التسجيل في الجامعة، فتمَّ إخراجي من ذلك النعيم».

بعد إخراجه من نعيم الطفيليّات، كان عليه ممارسة بعض المهن الغريبة. وكان بعض أصدقائه الرومانيِّين الميسورين، (مثل «يونيسكو») يساعدونه، أحياناً، وفي أحيان أخرى، كان يعوّل على لطف الغرباء. وقد أثبت أنه مرن إلى حدٍّ كبير، مبقياً كرهه للبشر تحت السيطرة؛ وهكذا، يصادق أيّ شخص يعرض عليه إمكانية تناول العشاء مجّاناً. وهذا هو ما جعله يتعرَّف، جيّداً، إلى عجائز «باريس». كان التكوين الصارم الذي تلقّاه في الفلسفة مفيداً له؛ إنه يُمْتِعُ من يدعوه للعشاء بمحادثته الرائعة، ويغنّي له. ثم كانت هناك الكنيسة في «باريس»: كلّما سنحت له الفرصة، كان يزور، بكلّ سرور، الكنيسة الأرثوذكسية الرومانية، ويتحيَّن الفرص لتناول الطعام مجّاناً.

قد يقوم «سيوران» بأيّ شيء ما عدا تولّي وظيفة؛ فتولِّيه الوظيفة سيكون أكبر فشل في حياته. يتذكَّر «سيوران»، وقد تقدَّم به العمر، فيقول: « كان الشيء الرئيسي، بالنسبة إليّ، هو حماية حرِّيّتي. ولو قبلت، يوماً، أن أصبح موظّفاً في مكتب، لكسب لقمة العيش، لفشلت». ولكي لا يفشل، اختار مساراً قد يعتبره أغلب الناس هو الفشل بعينه، لكنه كان يعلم أن الفشل يكون أمراً معقَّداً، على الدوام: «لقد تجنَّبت، بأيّ ثمن، ما ينتج عن الوظيفة من إذلال […] فضَّلت أن أعيش كطفيلي [بدل] أن أدمِّر نفسي بالعمل موظَّفاً». وكما يعلم جميع الكسالى الكبار، ففي التقاعس كمال: لم يكن «سيوران» على وعي بذلك، فحسب، بل قام، أيضاً، برعايته طوال حياته. عندما سأله أحد محاوريه عن عمله الروتيني، أجابه: «في معظم الأوقات، لا أفعل أيّ شيء. أنا أَشدّ الناس كسلاً في باريس […].

فلا عجب أن يكون «سيوران»، بصفته شخصاً أقام مثل هذه العلاقة الحميمة مع الفشل، يشكّ في النجاح. يقول: «هناك جانب من الدجال في أيّ شخص ينتصر في أيّ مجال، كيفما كان». وقد رفض كلّ الجوائز التي منحتها له المؤسَّسة الأدبية الفرنسية، ما عدا جائزة «ريـفارول – Rivarol». وعندما حالفه النجاح العامّ، في الأخير، أجرى عدداً قليلاً من المقابلات، ولكنه ظلّ، دائماً، بعيداً عن الأنظار. «أنا عدوّ المجد»؛ تلك كانت عقيدته. وقد قال، ذات مرّة، عن «بورخيس»: «لقد أصابه سوء حظّ الاعتراف به. إنه يستحقّ أفضل من ذلك». في «معضلة الميلاد»، يتحدَّث «سيوران» عن «وجود يتغيَّر باستمرار، بفعل الفشل»، كمشروع حياة يحسد المرء عليه. ومثل هذا الوجود سيكون الصفاء بعينه، والحكمة مُجَسَّدة: عبارة عن «بذخ، وهدوء […].

كان الفشل، إذاً، رفيق «سيوران» المقرَّب، وملهمه المخْلِص، بل مصدره الرئيسي للإلهام. إنه ينظر إلى العالم – إلى الناس والأحداث والمواقف – بعيون الفشل التي لا تُحْجِم. يمكنه، على سبيل المثال، قياس عمق الحياة الداخلية لشخص ما، من خلال طريقة تعامل هذا الشخص مع الفشل: «هذه هي الطريقة التي نتعرَّف بها إلى الرجل الذي لديه ميول نحو استكشاف دواخله: إنه يضع الفشل فوق أيّ نجاح». كيف ذلك؟ لأن الفشل -كما يعتقد «سيوران»- «أساسيّ على الدوام، يكشف حقيقتنا لأنفسنا، ويسمح لنا برؤية أنفسنا […]، بينما النجاح يبعدنا عمّا هو جوهريّ في داخلنا، وفي كلّ شيء في الحقيقة». أَرِني كيف تتعامل مع الفشل، وسأخبرك بالشيء الكثير عن نفسك. «يمكنك معرفة المرء عند فشله، أو تعرُّضه لكارثة كبيرة»، فقط.

مهما يكن النجاح الذي يحقّقه «سيوران»، فإنه ينظر إليه من زاوية «مشروع الفشل» في حياته، وقد طوَّر عادة (رؤية النجاح في الفشل، ورؤية الفشل في النجاح). وأفضل النجاحات التي حقّقها لم تكن هي كتبه، التي تمَّ الاحتفاء بها، وترجمتها في جميع أنحاء العالم، لاحقاً، ولا تأثيره المتزايد بين الأشخاص الميَّالين إلى الفلسفة، ولا حتى وضعه، بصفته متقناً للُّغة الفرنسية. يقول: «النجاح الكبير، في حياتي، هو كوني تمكَّنت من العيش دون أن يكون لي عمل. لقد عشت حياتي بشكل جيّد، في نهاية المطاف. تظاهرت بأنها كانت فاشلة، لكنها لم تكن كذلك». […].

الكون «ساقط»، بالنسبة إلى «سيوران»، وكذلك العالَم الاجتماعي، والعالم السياسي. والحقيقة هي أنه لا شيء ينجو من الفشل بالنسبة إلى غنوصي القرن العشرين هذا. في محاولة منه لتجاوز ما تعرَّض له من إخفاقات سياسية، إبّان شبابه، سعى إلى فهم معانيها العميقة، ودَمْج هذا الفهم في نسيج تفكيره الناضج، وقد كانت نتيجة ذلك فلسفة أكثر دقّةً، ومفكّراً أكثر إنسانيّةً: لقد عملت تجارب «سيوران» الفاشلة على تقريبه من فئة إنسانية، لم يكن ليدخلها لو لم يعشها؛ ألا وهي فئة الخجولين والمتواضعين. إننا نصادف في كتبه المكتوبة بالفرنسية، فقرات عن الفشل، صادرة عن حكيم ملهَم: «في ذروة الفشل، في اللحظة التي يوشك فيها العار على إلحاق الضرر بنا، تجرفنا بعيداً، فجأةً، نوبةُ فخر لا تدوم سوى فترة تكفي لاستنزافنا، وتتركنا بدون طاقة، وتخفض بقوانا حدّة عارنا».

إن ممارسة الفشل مدى الحياة، إلى جانب التفكير فيه بهَوَس، قد غيَّرا «سيوران» في نهاية المطاف، فمع تقدُّمه في السنّ أصبح أكثر تسامحاً وتقبُّلاً لحماقات الآخرين وسلوكهم الغريب. بيد أن ذلك لا يعني أن «سيوران» الفرنسي قد أصبح، بين عشيّة وضحاها، مفكّراً «ديموقراطيّاً». فلم يكن هذا ليحدث أبداً؛ وسيظلّ، حتى النهاية، نَذِير «انحلال الغرب»، وصاحب الأفكار السوداء والمروِّعة. في كتابه «التاريخ والمدينة الفاضلة» (1960)، على سبيل المثال ، يلاحظ: كلّما زرت مدينة، كيفما كان حجمها، أتعجَّب من كون أعمال الشغب لا تندلع كلّ يوم: مذابح، مجازر، وفوضى تفوق الوصف. كيف لهذا العدد الكبير من البشر أن يتعايشوا في مكان ضيِّق للغاية، دون أن يدمِّر بعضهم البعض، دون أن يكره بعضهم البعض كراهيةً شديدة؟ إنهم، في الحقيقة متباغضون، يكره بعضهم بعضاً، لكنهم لا يترجمون تلك الكراهية إلى أفعال. وهذا الضعف وهذا العجز هما ما ينقذ المجتمع، ويضمن استمراره واستقراره.

لا. لم يصبح «سيوران» بطلاً ينافح عن الديموقراطية الليبرالية، ولكنه تعلم- ولا شكّ، بطريقة من الطرق- كيف يستمتع بلمهاة العالم – أي أن يشارك، مبتهجاً، في تشويه الفشل الكوني. يُظهِر تفكير «سيوران» اللاحق ميزة غريبة له، يمكن أن نسمّيها، في غياب مصطلح أفضل، اليأس البهيج (يعتبر «سيوران» نفسَه متشائماً بهيجاً). إنه النمط نفسه يتكرَّر مراراً: لقد تبيَّن أن هناك شيئاً فظيعاً، وشنيعاً، غير أنه، في تلك الشناعة، تكمن بذرة خلاصه، بطريقة ما. يمكن أن تكون الحياة شيئاً لا يطاق، أن يكون الأرق قاتلاً، وتستنزفك الأفكار السوداوية ببطء، بيد أن هذا شيء يمكنك معالجته من خلال الكتابة. يقول «سيوران»: «كلّ ما يتمّ التعبير عنه يصبح مطاقاً أكثر». الكتابة عمل سحري رائع يؤثِّر في ممارسيه، ويجعلهم يطيقون حياتهم أكثر. السلبي لا يأتي خالصاً، أبداً، بل هناك دائماً شيء يشوبه؛ فالكارثة تحمل، في طيّاتها، خلاصَها، في حدود ما يمكن التعبير عنه.

أحد أكثر الأشياء إثارةً للاهتمام، في كتابات «سيوران» المتأخِّرة، هو صوته بصفته ناقداً سياسيّاً. في كتابه «التاريخ والمدينة الفاضلة»، فَصْل بعنوان «رسالة إلى صديق بعيد»، وقد صيغ النصّ، في الواقع، على شكل رسالة، ونُشِر، في الأصل، في المجلّة الفرنسية الجديدة عام (1957). كان ذلك «الصديق البعيد»، الذي يعيش خلف الستار الحديدي، هو الفيلسوف الروماني «كونستانتين نويكا». لقد وجَّه «سيوران»، في رسالته، بشكل لا يدعو للاستغراب، طعنة للنظام السياسي الذي أقامته روسيا السوفياتية في أوروبا الشرقية؛ لكونها سخرت من فكرة فلسفية مهمّة. كتب يقول: «اللوم الكبير الذي يمكن أن نوجِّهه إلى نظامكم، هو كونه دمَّر المدينة الفاضلة؛ مبدأ التجديد لدى المؤسَّسات والشعوب». […].

والأهمّ من ذلك هو كون «سيوران»، في الرسالة نفسها، يوجِّه للغرب نقداً، بالقسوة نفسها، تقريباً، فقد كتب يقول: «نجد أنفسنا نتعامل مع نوعَيْن من المجتمع، كلاهما لا يطاق، وأسوأ ما في الأمر هو كون الإساءات التي تحدث في مجتمعكم تجعل المجتمع الآخر يواظب على إساءاته، ويقدِّم الفظاعات التي يرتكبها لتوازن تلك التي ترعونها في مجتمعكم». لا ينبغي للغرب أن يهنِّئ نفسه على «إنقاذ» الحضارة. فالحضارة قد بلغت درجة متقدِّمة من الانحطاط، يعتقد «سيوران»، بحيث لم يعد من الممكن إنقاذ أيّ شيء بعد الآن، باستثناء المظاهر، ربّما. ليس هناك اختلاف كبير بين «نوعَي المجتمع» هذين، ففي التحليل النهائي نجد أنها مسألة فارق بسيط، فقط. […].

وعلى الرغم من كلّ مزاياها التحليلية، والأسلوبية، اتَّضح أن رسالة «سيوران» زلّة سياسية. فالمرسل إليه، «كونستانتين نويكا»، الذي كان يحاول الابتعاد عن الأضواء في الريف الروماني، كان من عادته أخذ المراسلات على محمل الجدّ، وقد دفعه نصّ «سيوران» للردّ عليه بمقال فلسفي لاذع. كان «نويكا»، أيضاً، رجلاً ساذجاً للغاية. بعد انتهائه من كتابة المقال، وجَّهه إلى صديقه في «باريس»، واضعاً الظرف، كما يجب، في صندوق بريدي في الشارع. وقد تمكَّنت الشرطة السرِّية، من وضع يدها على ذلك الردّ. وبما أن الذوق لتلك الشرطة، كان مختلفاً قليلاً عن ذوق «نويكا»، فقد دفع ثمن مراسلته لـ«سيوران» بقضاء عدّة سنوات سجيناً سياسيّاً. ولا شكّ في أن «سيوران» قد اندهش، عندما علم بنبأ اعتقال صديقه، وسجنه، من كون الفشل لا حدود له. لا يفتأ المرء يفشل، بغضّ النظر عمّا يفعله.

توفّي «إي إم سيوران» في 20 يونيو/ حزيران (1995)، لكنه كان قد غادر، بالفعل، قبل وفاته؛ فقد عانى، طيلة السنوات الأخيرة من عمره، من مرض «الزهايمر»، وتَمّ إيداعه مستشفى «بروكا» في باريس. وبما أنه كان يخشى أن يعيش مثل هذه النهاية، فقد وضع خطّة للانتحار. لقد قرَّر، هو وشريكته التي عاشرته فترة طويلة، «سيمون بوي»، أن ينتحرا معاً مثل «أرثر كوستلر»، وزوجته. لكن المرض كان أسرع، ففشلت خطَّته، وكان عليه أن يموت بطريقة مذلّة، للغاية، ميتة استغرقت عدّة سنوات، قبل أن تبلغ منتهاها. في البداية، ظهرت عليه بعض العلامات المزعجة، فقط: ذات يوم لم يعرف طريق العودة من المدينة إلى المنزل! طريق كان يعرفها (هو المشَّاء الماهر) حقّ المعرفة، ثم بدأ يفقد جزءاً من الذاكرة. أحياناً، يبدو كأنه لا يعرف جيّداً من يكون. ويبدو أن آخر شيء فقده هو حسّ الفكاهة الرائع لديه. ذات يوم، سأله أحد المارّة في الشارع: «هل أنت هو «سيوران»؟» فأجابه: «كنت». لكن علامات الخرف أصبحت كثيرة جدّاً، وخطيرة: بدأ «سيوران» ينسى بمعدَّل ينذر بالخطر، فأصبح من اللازم إيداعه المستشفى. في النهاية خانته الكلمات: لم يعد «سيوران»، وهو أحد أفضل كتّاب عصره، قادراً على تسمية الأشياء الأساسية، ثم جاء الدور على العقل. في النهاية، نسي من يكون، تماماً.

في مرحلة من مراحل معاناته الطويلة والنهائية، في لحظة وجيزة من الصفاء الذهني، همس «سيوران» لنفسه: «إنها الاستقالة الشاملة!». لقد كان ذلك هو الفشل النهائي الكبير، وهو لم يفشل في إدراكه على حقيقته.

كوستيكا براداتان* 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كوستيكا براداتان (Costica Bradatan)، فيلسوف أميركي روماني المولد، يعمل أستاذاً للعلوم الإنسانية في «جامعة تكساس»، وأستاذاً باحث شرفيّاً باحثاً في الفلسفة، في جامعة «كونس لاند» في أستراليا. أصدر أكثر من عشرة كتب، من بينها «الموت من أجل الأفكار: حياة الفلاسفة الخطيرة» و»في مديح الفشل» (الذي تضمَّن هذا المقال المترجم هنا). ويشرف على مراجعة الدراسات الدينية والدراسات المقارنة في «مؤسَّسة لوس أنجلوس لمراجعة الكتب. lareviewofbooks.org».

المصدر:

The Philosopher of Failure: Emil Cioran’s Heights of Despair – Los Angeles Review of Books (lareviewofbooks.org).

كلاوديو ماغريس، وماريو فارغاس يوسا.. مرافعة للدفاع عن الأدب

هناك لقاءات تبلغ الذروة، وتعلق بالأذهان: منها لقاء «فيليب روث – Philippe Roth» بـ«بريمو ليفي – Primo Lévy» و«إسحاق باشفيس سينجر – Isaac Bashevis Singer» (دعونا نتحدَّث عن العمل)، أو لقاء «غراهام غرين – Graham Green» بـ«أنتوني بورجيس – Anthony Burgess» في عام (1980) (الحوار الأخير)، أو مقابلة «بازوليني – Pasolini» على التليفزيون الإيطالي مع المنبوذ «إزرا باوند – Ezra Pound» عام (1967).

وفي «ليما» سنة (2009)، جاء الدور على الفائز بجائزة «نوبل» «ماريو فارغاس يوسا – Mario Vargas Llosa» للتحدُّث مع «كلاوديو ماغريس – Claudio Magris» حول الكاتب والتزامه من أجل الحقيقة. وقد نُشرت نسخة من هذه المقابلة، باللُّغة الفرنسية، تحت عنوان: «الأدب هو انتقامي».

في مواجهة الفوضى التي يشهدها العالم، يؤكِّد كلّ من الكاتبَيْن؛ الإسباني والإيطالي، أن الكاتب لا يزال لديه دور يضطلع به.

نقاط مشتركة عديدة تجمع بين الكاتبين؛ فهما ينتميان إلى الجيل نفسه، (جيل الثلاثينيات) ويمارسان الصحافة، بانتظام، منذ الستينيات، لحساب اثنتَيْن من كبريات الصحف اليومية العالمية؛ صحيفة «الباييس» بالنسبة إلى «يوسا»، وصحيفة «لي كورييري دي لا سيرا» بالنسبة إلى «ماغريس». وقد ذاق كلاهما طعم الممارسة السياسية: «فارغاس يوسا» بصفته مرشَّحاً رئاسيّاً للبيرو، قبل ثلاثين عاماً أو أكثر، و«ماغريس»، المدافع عن مفهوم الميتيليوروبا (أوروبا الوسطى)، بصفته عضواً في مجلس الشيوخ لولاية استمرَّت مدّة عامين، في منتصف التسعينيات. وهما، وإن اختلفا من حيث طبيعة المنجز الأدبي، لهما الحرص نفسه على النظر إلى العالم بعين عميقة وناقدة، وزعزعة يقينيّاتنا، واستنكار أخطائنا، وكشف الرذائل الخفيّة للتاريخ، سواء في ما كتباه من أعمال متخيَّلة، وعلى مستوى المقالات الفكرية التحليلية.

ويعترف كلٌّ من الرجلين اللذين يتكلَّمان الفرنسية واللذين التقيا عدّة مرّات، للآخر، بالاحترام والإعجاب المشتركَيْن. وقد أسرَّ لنا «فارغاس يوسا» بأنه ما فتئ، منذ عشر سنوات، يدعم ترشيح الكاتب الإيطالي لدى الأكاديمية السويدية للفوز بجائزة «نوبل». كما حرص «ماغريس» على أن يعرب، في مقدِّمة هذا الحوار، عن سعادته «باللقاءات والحوارات التي جمعته بفارغاس يوسا، في العديد من البلدان، والتي شكَّلت تجارب عظيمة»، كما أفصح لنا، أيضاً، عن شعوره «بالفخر لهذه الصداقة المشتركة».

لقد قبلا الإجابة عن أسئلتنا قبل بضعة أيّام. تحدَّث «ماريو فارغاس يوسا» بالفرنسية، عبر الهاتف، من مدريد، حيث يقيم. فيما ردَّ «كلاوديو ماغريس» باللّغة الإيطالية، عن طريق البريد الإلكتروني، من مدينة «تريستا»، التي ولد فيها في عام (1939).

بعد مرور اثني عشر عاماً على مثل هذا اللقاء، في المكتبة الوطنية في «ليما»، هل ما زلتما تحتفظان بالرأي نفسه حول الكاتب ودوره في المجتمع، وعلاقته بالعالم؟

– ماريو فارغاس يوسا: المشكلة الرئيسية، اليوم، تتمثَّل في «تتفيه» الأدب، فمع أننا شهدنا عودة الناس، من جديد، إلى القراءة في ظلّ وباء كورونا، اتَّجهوا- للأسف، في غالب الأحيان- إلى أدب سطحي. وقليلون همّ الكتَّاب الذين يعتقدون، اليوم، بأن الرواية قادرة على أن تغيّر مسار التاريخ. لقد تحوَّل الأدب إلى نوع من المتعة، والترفيه، و«الانترتينمنت – Entertainment» على الطريقة الأميركية، في حين أن مهمَّته هي الاشتباك مع المشاكل الحقيقية. يتمّ، اليوم، تنويم القارئ، وهذا خطر، مثلما يتمّ تنويم المشاهدين أيضاً. إننا، هنا، نفقد ما هو أساسي: مخاطبة المواطن الساخط غير الراضي الذي يجب أن نقوم بإزعاجه واستثارته. نحن لم نعد نُبيِّن له الفوضى التي يتخبَّط فيها العالم، والحال أن الأدب هو الذي بسط أمامنا، عبر حكايات متخيَّلة، الأسباب الداعية إلى التمرُّد ضدّ العالم.

– كلاوديو ماغريس: من جهتي، أعتقد أنه يصعب علينا كثيراً، اليوم، أن ننظر، بالطريقة نفسها، إلى العلاقة بين الأدب والعالم. خاصّة في هذا الوقت الذي نعيش فيه اضطراباً معمّماً يدمِّرنا، بسبب الفيروس التاجي والهيمنة الكاسحة والوحشية لاقتصاد السوق، من خلال عولمة كلّ الأشياء، بما فيها تلك المتعلِّقة بالقلب، وبما هو حميميّ. إن ما يحدث، الآن، قد تسبَّب في تغيير وجه العالم أكثر بكثير ممّا تسبّبت فيه كلّ الاضطرابات السابقة، وأكثر من الحروب. ولابدّ من الإشارة، أيضاً، إلى أن العديد من الكُتَّاب اعترفوا، خلال فترات الحجر الأطول، بأن الرغبة في الكتابة قد اختفت لديهم، بل اختفت لديهم، أيضاً، الرغبة في القراءة. مع أن الحجر أتى بتأثير معاكس، من جهة أخرى؛ إذ اعترف مؤلِّفون آخرون بأنهم لم يقرؤوا إلّا قليلاً، لكنهم جميعاً قد شرعوا في الكتابة…

هل يمكن القول إننا دخلنا عصر ما بعد الأدب، بوجود كتَّاب، لم يعد الاشتغال على اللّغة والأسلوب يمثِّل غرضهم الأساسي؟

– «م. ف. ي»: هناك حقيقة واحدة مؤكَّدة: لم يعد هناك، اليوم، وجود لكاتب مثل «فلوبير» الذي كان يعكف، في ما يشبه التعبُّد، لمدّة خمس سنوات، على كتابة رواية أو مقالة. الروايات، الآن، أصبحت تُكَتب وفقاً للطلب، في سوق تهيمن عليها التنافسية الشديدة. من جهة أخرى، إن التزام الكاتب بالحرّيّة بات أمراً حاسماً لأننا نعيش زمناً يسود فيه الخلط بين الحقيقة والأكاذيب، على جميع مستويات المجتمع. في الواقع، السياسة تمطرنا بالأكاذيب وبالتصريحات المنافية للحقيقة. يجب أن نتذكَّر أن مهمّة الأدب هي أن يظهر لنا الحقيقة.

– «ك. م»: أعتقد أن مصطلح «ما بعد الأدب» مصطلح عديم المعنى، إلى حدٍّ ما. ولكن من الواضح أن الالتزام بات ينحدر في جميع المجالات، بما فيها أهمّ قطاعات الأدب. لقد أصبح المنطق التجاري العنيف حقيقة لا مفرّ منها، بل واقعاً لا يرحم، وهو لا يعير أدنى اهتمام لأولئك الذين يعيشون في حالات بالغة الصعوبة. إن النظام السائد قد تمكَّن من تجميد وشَلِّ كلّ شيء، بما في ذلك البدائل الأكثر بداهةً أو تلك التي أثبتت نجاعتها، بالفعل. سوف أكرِّر، اليوم، ما قلته في عام (2009)، بالكلمات نفسها، ولكن مع الإحساس بالحزن.

في عام (2009)، ذكّرتما بأسبقية القيم العالمية على القيم الوطنية أو الطائفية وضرورة التوسُّل بالمتخيَّل لتبنّي موقف نقدي تجاه العالم. هل أصبحت هذه الأولوية مهدّدة في ظل ما بتنا نعيشه اليوم؟

– «م. ف. ي»: المشكلة هي أننا نعيش في مجتمع حيث الهياكل العليا، سواء أكانت سياسية أم كانت اقتصادية أم كانت مالية، وأنا هنا لا أتحدَّث عن «الجافا – GAFA» حتى تتجاوز سلطة وكفاءة الأوطان والدول. والحال أنه، في ظلّ هذه البيئة العدائية، يحمينا الاتِّحاد الأوروبي، وهو الفضاء الذي ولدت فيه الحرّيّة والديموقراطية، في اعتقادي، من خطر القومية الذي يتهدَّدنا على الدوام، ويتيح لنا بأن نحتلّ مكاناً ما على الساحة العالمية، بين الصين والولايات المتَّحدة.

– «ك. م»: بالطبع، تمَّت إعادة إغلاق بعض الحدود في الآونة الأخيرة، وليس في وجه المهاجرين، فحسب. إننا نقف مذهولين وغير مصدِّقين أمام انكماش الشعوب، وعودة العنصرية والقومية، بل حتى القوميات الصغرى. فما الذي يستطيع الأدب فعله أمام هذا الواقع؟ هذا سؤال حقيقيّ في نظري.

من القواسم المشتركة بينكما هناك التأمُّل في العلاقة بين الكتابة التي تبدع والالتزام لصالح الحقيقة، الذي يستحيل تجنُّبه في مواجهتنا مع العالم ومع الحاجة إلى تغييره. ما رأيكما في ذلك؟

– «م. ف. ي»: الأدب لا حدود له، وينبغي ألّا تكون عليه قيود: إمّا أن يكون حرّاً أو لا يكون. ومن الواجب عليه أن يستكشف ما هو مخفيّ وكامن، كما ينبغي له أن يكون مستقّلاً، لا سيَّما مع حالة الارتباك التي نمرّ بها في الوقت الراهن، والتي ازدادت حدّتها بفعل أزمة (كوفيد)، التي منحت لسلطة الدولة، في جميع بلدان العالم، تقريباً، مزيداً من القوّة والسيطرة لتراقب حركاتنا وسكناتنا. يجب أن نقوم بتوجيه النقد لأن الأدب يساهم في صناعة التاريخ، وفي التقدُّم البشري، عبر استخدام الخيال والفانتازيا، ورفع الجمال إلى أعلى مراتب القيم الإنسانية. فالأدب، كما يعلم الجميع، يمثِّل أداة للحرّيّة. والحرّيّة، كما علَّمنا ذلك «عوليس»، تمثِّل القيمة الأساسية.

وأودّ أن أضيف أن الأدب هو إبداع لا يحاكي الواقع بأمانة، ولكنه يمكن أن يجسِّد هذا الواقع من خلال الأكاذيب. عندئذ، يصبح حقيقة متحوّلة، وأكثر عمقاً بكثير.

– «ك. م»: هناك شيء أذهلني بشكلٍ خاصّ، وقد حدث ذلك في أوروبا: قبل عام، شاهدت على شاشة التلفزة الإيطالية شيئاً لم أكن لأعتقد، أبداً، أنني سأراه في يوم من الأيّام. ففي الساحة الرئيسية لمدينة وارسو، التي دمَّرها النازيّون، تظاهر آلاف البولنديين حاملين أعلام «هتلر»، وصلباناً معقوفة.

ما هو الكتاب الذي ألَّفته، وتنصح به قارئاً شابّاً في عام (2021)؟ ولماذا؟

– «م. ف. ي»: بدون تردُّد: «محادثة في الكاتدرائية»، فقد كلَّفتني هذه الرواية أكثر من ثلاث سنوات من العمل الشاقّ، لأنها تؤكِّد كيف يمكن للمرء، من خلال الرواية، أن يبيِّن ويثبت الآليّات والقوى التي تحرِّك المجتمع، كما أن في هذه الرواية، أيضاً، شيئاً غير متناهٍ، وهذا ما حصدته من قراءاتي لـ«فلوبير – Flaubert»، الذي أعود للغوص في كتبه بانتظام، كما أعود، أيضاً، إلى «بلزاك – Balzac»، و«هوغو – Hugo» و«بروست – Proust». الرواية تعبير عن مجتمع؛ ذلك هو تعريفها الصحيح منذ القرن التاسع عشر إلى الآن.

– «ك. م»: إنها روايتي «Tempo curvo a Krems» (حرفيّاً: «زمن مقعَّر في كريمس»)، والتي ستُنشرها في العام المقبل دار النشر «غاليمار» بعد أن يترجمها، كما العادة، كلّ من «جان وماري نويل باستيرو – Jean et Marie-Noëlle Pastureau». وعلاوة على ذلك، يسرني أن روايتي «Croce del Sud» (حرفيّاً: «صليب الجنوب») سيتمّ نشرها في عام (2021) من قِبَل دار النشر «ريفاج – Rivages».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: تييري كليرمون

العنوان الأصلي للحوار:

Claudio Magris-Mario Vargas Lliosa: Plaidoyer pour la littérature

مصدر الترجمة: «لوفيغارو – Le Figaro»، العدد (18)، فبراير، (2021).

فولفغانغ فايراوخ.. “استعدادات لاغتيال الطاغية”

وُلِد الكاتب الألماني «فولفغانغ فايراوخ» عام (1904)، في كونيكسبيرغ، عاصمة بروسيا الشرقية، والتي باتت، بعد الحرب العالمية الثانية، تحت سيطرة روسيا، وتُعرف اليوم بـ«كالينينغراد». بعد فراغه من تعليمه الثانوي، اتَّجه إلى التمثيل، فالتحق بمعهد التمثيل في فرانكفورت لدراسته. درس الأدب الألماني، والآداب الرومانية، والتاريخ. وعندما كشفت الحرب العالمية الثانية عن ساقها، استُدعِي للخدمة، وبقي جنديّاً حتى نهايتها. كان له دور مهمّ في «مجموعة 47» التي أنشِئت بعد الحرب، وكانت مواضيع أعمال أعضائها تدور حول الدمار المادّي والدمار الروحي الذي لحق بألمانيا.

ووضع «فايراوخ» تعبيراً رمزياً معبِّراً عن هذه الفترة، بتسميتها بـ«التعرية»، وقد استخدم هذه التسمية في مجموعته القصصية «ألف غرام» الصادرة عام (1949)، بقوله: «الجمال شيء جميل. أمّا الجمال دون حقيقة فهو الشرّ، لكن الحقيقة دون جمال هي شيء أفضل». ويرى أن الوقوف في وجه التقليديين والعقائديين لا يتحقَّق إلّا من خلال نقد الذات: «إن الذي يريد اقتلاع الشوائب من الجذور، عليه أن يبدأ أوّلاً باللّغة والجوهر والشكل، أي من الأبجدية». ويهدف «فايراوخ»، في أعماله، إلى زيادة محصّلة الخير لتقويض محصِّلة الشرّ، مؤمناً بالحقيقة الكاملة التي لا تتجزّأ ولا تتبدَّل. كما يرى أن دور الأديب هو تحفيز القارئ على التفكير بنفسه، وعلى السعي بنفسه إلى إيجاد الإجابة على الأسئلة والحلول. كما تطغى على قصصه الصور المتداخلة مع الخيالات والاسترجاعات. توفِّي «فولفغانغ فايراوخ» عام (1980)، في مدينة «دارمشتات» الألمانية.

من أعماله: مجلَّد للَّيّل، مجموعة قصصية (1939)- المحبّان، قصّة (1943)- على هذه الأرض المضطربة، قصص (1946)- تقرير إلى الحكومة، قصّة (1953). لم يُترجَم من أعماله سوى قصَّتَيْن قصيرتَيْن: ترجم مصطفى ماهر قصّة «بين شقَّي الرحى» في كتابه «ألوان من الأدب الألماني الحديث»، عن (دار صادر)، بيروت (1974). كما ترجم له علي عودة «في مقصورة القطار» في مجموعة «حمامات إيليا. قصص ألمانية» الصادرة عن (دار الكندي للنشر)، عمان (2002).

 

***

 

حلمت بأنني ذاهب باتِّجاه القصر. للمرّة الأولى، كانت لديَّ خطّة. كانت خطّة جيِّدة، إذ كانت محكمة حتى في أدقّ التفاصيل. ولأنها كانت جيّدة، كان يجب أن تكون ناجحة. حلمت، في البدء، بأنني أغيّر طريقي فجأةً، منعطِفاً، بحدَّة، نحو ضواحي المدينة. غيَّرت ملابسي هنا في غابة صغيرة. لم يرَني أحد. في يوم رأس السنة، لا يتجوَّل سكّان المدينة إلّا في الشوارع فقط. على ضوء المصباح اليدوي، وأمام مرآة صغيرة، ارتديت ملابس كملابس الطاغية، ووضعت الأصباغ على وجهي، كما كان يفعل. سار كلّ شي بصورة سريعة، فلطالما تمرَّنت على هذا. بعد أن دفنت ملابسي والمصباح والمرآة، عدت إلى المدينة. سرت متبختراً كما يفعل الطاغية. أتقنت فعل ذلك جيِّداً. كنت أشبهه، تماماً. لم يساورني شكّ في أن كلّ ساكن في المدينة سيحسبني الطاغية، فقد خلت نفسي، للحظة، أنني الطاغية ذاته. وصلت إلى المدينة. لم يعبأ بي أحد؛ وهذا دليل على أن الجميع كانوا على اعتقاد بأن الطاغية نفسه يسير متبختراً. في ليلة رأس السنة، يتجوَّل الطاغية عبر شوارع المدينة متبختراً وحده، كما يبدو، لكنه كان، في الواقع، محاطاً بالحرس، الذين يتظاهرون بأنهم مسالمون، وكان عليهم أن يكونوا يقظين كي لا يمسّه سوء. لم أخشَ أن يرتابوا في أمري؛ فقد أكون أحد شبهائه، يسير في طريقه. فالطاغية، دائماً، يسير متبختراً في ليلة رأس السنة في شرق المدينة، على سبيل المثال، وفجأةً يظهر في غربها. أمّا نحن العبيد، فكان علينا أن نؤمن بأن الطاغية يمكنه استخدام السحر، لكنه كان يسرع بشكل خفيّ، لم أكتشف كنهه بعد، عبر نظام من الأنفاق. ربَّما أمرَ، سرّاً، ببناء نوع من قطار الأنفاق الخاصّ به. لا أعرف لماذا لم أفكِّر في هذا الأمر من قبل، لكني- مقابل ذلك- كنت أعرف شيئاً آخر؛ فقد كنت أنا الوحيد الذي يعرف الطريق عبر الأنفاق حتى أقصى وأعمق نهاية في هذه الممرّات، تحت الأرض، التي تتخلَّلها المستنقعات. نهاية شبكة الأنفاق هذه، تتكوَّن من غرفة ليس فيها نوافذ؛ فما حاجة القابع في هذه الغرفة إلى النوافذ؟، لكنَّ لهذه الغرفة باباً، وعندما يُغلق لا يبقى هواء في داخلها. لا، بل يبقى القليل ممّا كان موجوداً. القليل من الهواء المنبعث من الممرّات والمتعفِّن بفعل الطحالب، لكنه سرعان ما يُستهلك عندما يكون أحدهم في الغرفة، والباب مغلق. من يُحتجَز في الغرفة يمُتْ مختنقاً، ليس على الفور، بل بعد وقت قصير؛ إذ يختنق، ببطء، لدرجة أنه يستطيع أن يتذكَّر كلّ ما قام به من ذنوب. ويختنق بسرعة إلى درجة أنه يتخلّى عن أيّ أمل في النجاة. كانت هذه الغرفة هي النهاية، وأنا الشخص الوحيد الذي يعرف أن الطريق إلى هذه الغرفة يبدأ تحت قصر الطاغية.

بينما كنت أسير متبختراً هكذا، عبر المدينة، حلمت بما سأفعل للطاغية عندما أعتقله: سآخذه إلى الأعماق، وأحتجزه هناك، لكني سأعود إلى السطح، إليكم يا من تشعرون بالجزع دون طاغيتكم هذا، لأقول لكم: «اتركوه حيث هو، يمكنكم الحياة بدونه. من الأفضل لكم أن ترحلوا حين يختفي. لكن، إلى أين؟ سيجيب البعض منكم على جملتي الأخيرة: أنت مجنون، قد تكون سلبتنا طاغيتنا، لكن انتظر، فحسب. انتظر عاماً أو بضعة أعوام، وسيأتي طاغية جديد، يقوم بشنقك. بل إن بعضكم سيهاجمني بكلّ بساطة، لكني سأكون كما لو أنني خُلقت من حجر مقدَّس. سوف لن تنالوا مني. ليس فيكم من سيشكرني لأنني حرَّرتكم. لكن بعضكم سيسأل، فحسب: أين هو؟؛ إمّا إشباعاً لفضول أو تحايلاً كي يحرِّروه من هناك، حيث احتجزه. وقد يسأل البعض الآخر، أيضاً، لأنهم يريدون أن يعلموا كيف يمكن القضاء على شرور الطغاة، فحسب. سأجيبهم جميعاً بالقول: أَسَرْته في قصره. أمّا الطريقة التي اتبعتها فستبقى سرّاً يخصّني أنا وحدي. كمَّمت فمه، وقيَّدت ذراعيه خلف ظهره، وتركت قدميه طليقتَيْن كي يمكنه أن يسير، للمرَّة الأخيرة في حياته، وإذا ما حاول مقاومتي، فسأقتله. إلّا أن ذلك كان سيجعلني أتأسَّف على أنه سوف لن يتذوَّق كلّ العذاب الذي سقانا إيّاه. لكني كنت على قناعة بأن الأمر لن يبلغ تلك النهاية، إذ كان خائفاً مني، فقد كان طاغية، والطغاة جبناء. لا يمكنه الهرب. في شبكة الأنفاق هذه لا يمكن لأحد أن يهرب. من يهرب هنا، يلقَ حتفه. والطاغية لم يكن يريد الموت، فقد كان يتوقَّع نجاته، ولم أتوقَّع شيئاً، لأني عرفت أن كلّ شيء سيسير وفق ما خطَّطت له مسبقاً. فتحت الكوّة المؤدِّية إلى مدخل شبكة الأنفاق، وجعلته يسير أمامي، وتبعته ممسكاً مصباحاً في يدي اليسرى، ومسدَّساً في اليمنى. أغلقت غطاء الكوّة خلفنا، وانحدرنا نزولاً إلى أعماق شبكة الأنفاق، ثم أصبح الطريق مستوياً. وحتى وصولنا إلى هدفي (أقصى مغارة وأعمقها في شبكة الأنفاق)، كانت تتغيَّر معالم الطريق باستمرار، إذ أصبح منحدراً، ثم وعراً وشاقّاً، لكنه كان، في الحقيقة، ينحدر بنا نحو الأعماق. أحياناً، كان الطريق ينحدر قائماً نحو الأعلى، حتى ظننت أنه يعود بنا إلى سطح الأرض، لولا معرفتي الجيِّدة به. وفي أحيان أخرى، كان ينحدر نحو الأسفل، بشدّة، فننزلق ونتدحرج لأمتار كثيرة، وكنّا أحياناً، ننتهي إلى طريق مسدود؛ إمّا أن يكون طريقاً مسدوداً فعلاً، وأنا ضللت الطريق وعدت إليه من جديد، وإمّا أنه بدا مسدوداً إلى أن أحرِّك صخرة ما، فينفتح الطريق أمامنا، من جديد. من يدخل شبكة الأنفاق هذه دون أن يعرف أن صخرة ما تفتح الطريق، فسيهلك بكلّ تأكيد، لأن الطريق ينغلق خلف من يدخل طُرقاً مسدودة، ولا يعرف صخرة النجاة. حدث لي هذا مرّةً، بُعَيْد عثوري على باب الكوّة المؤدِّية إلى شبكة الأنفاق. وفي أثناء بحثي عن أكثر الأماكن خفاءً وأصعبها وصولاً، تلك التي أريد أن آخذ الطاغية إليها، عندما أعثر عليه، آنذاك تخبَّطت في الظلام عبر شبكة الأنفاق. لم أكن أعلم إذا ما كان أحد غيري يوجد في أعماقها. لا ينبغي أن يُكتَشَف أمري إطلاقاً، أو أن يعرف أحد بوجودي. ينبغي ألا تُحبط استعداداتي الأولى لاغتيال الطاغية. وبالطبع، كان معي، آنذاك، مصباح يدوي، لكنني خطَّطت كي لا أستخدمه إلّا في حالات الضرورة القصوى، فهكذا تصعب عليهم رؤيتي، إذا كان أحدهم في الأسفل. لكني لم أرَ أحدهم أيضاً، إلّا إذا كان يقف خلفي مباشرةً، ولم يكن يُمكن سماعي، ولا أن أسمع أحداً أيضاً. كانت كلّ الطرق في شبكة الأنفاق مليئة بالوحل، وغالباً ما كانت عميقة حتى أنني كنت أخرج منها بمشقّة. خرجت من الوحل، وتأمَّلت كيف تمكَّنت من النجاة بنفسي. لا أعرف ذلك!. حاولت أن أتشبَّث بجدران النفق، ساحباً نفسي إلى أعلى، وكانت هي الأخرى مغطّاة بكمِّيّة كبيرة من الوحل المتيبِّس، حتى أن محيطه لم يكن أكبر من نصف متر. وهكذا، تمكَّنت، في الحال، من التشبُّث بها، حين لم يكن الوحل يغطّي صخوراُ، بل المياه الجوفية. ولأن الجدران والسقف والأرضية كانت متقاربة، كنت أتحرَّك، بصعوبة، لأنقذ نفسي حين أغطس عميقاً. وعلى الرغم من ذلك، كنت أنجو بنفسي دائماً. قد يبدو الأمر كما لو كنت ماهراً أو بطلاً، ربّما! لكني لم أكن بطلاً. إنه الخوف، ولا شيء غير الخوف. أنا رجل بسيط فحسب. سأشعر بالخجل إذا ما دعاني أحدهم بطلاً. أفعل ما باستطاعتي فحسب، بل ربّما أقلّ من ذلك. أفعل ذلك رغم الخوف الذي يعتريني، ومن ذا الذي لا يشعر بالخوف، أيضاً، حين يكون في الوضع الآتي: يتلمَّس طريقه في الوحل، خلفه عتمة حالكة كالليل، وأمامه عتمة حالكة كالليل، وهو يخوض في الوحل، ويغطس فيه، وحينها… حينها، يعتقد أنه سمع شيئاً ما. يشعل مصباحه اليدوي، رغم أنه يعرف أنه يجب ألّا يشعله. ينظر إلى ما سمعه، فيرى جرذاناً، الكثير من الجرذان. كان محاطاً بالجرذان، التي لم تكن تخشاه أو تهرب منه. لم ترَ بشراً من، قبل، مطلقاً، لكنها تشعر أن الشيء الذي تحتها يمكن أن يُؤكَل، فهاجمته، وبدأت تقضم بزَّته، وسرعان ما التهمت القماش لتصل إلى جلده. في الحقيقة، كان عليه، بل عليَّ أنا، أن أطفئ المصباح اليدوي، لكن كيف يتسنّى لي ذلك والجرذان فوقي وتحتي وعلى جانبيَّ، وأنا على وشك الاختناق بفعل الغازات الكبريتية المنبعثة من الوحل؟ حينها، فكَّرت في أنني أخوض في دائرة مغلقة، وأنني لم أصل إلى شيء ما، إلى أيّ شيء، على الإطلاق. حينها، شعرت بأن سقف النفق الجديد الذي وجدته، أخذ ينخفض إلى درجة أنه توجَّب عليَّ أن أزحف مثل سمندر مقطوع الرأس والذيل، لا يمكنه التفكير أو الاستمرار، لكني خرجت من هذا المأزق ومن مآزق أخرى غيره.

أمّا الآن، وأنا أقود الطاغية أمامي، وآمره بالسير يميناً ويساراً، عن طريق لكزه بالمسدَّس بمرفقه الأيمن أو الأيسر، وقد تلمَّست طريقي أو زحفت عبر شبكة الأنفاق، للمرَّة الألف، لم أكن أواجه أيّ مأزق من جديد. وللأسف، لم يكن الطاغية يواجه، هو الآخر، أيّة مصاعب تهدِّد حياته، أو بدت أنها تهدِّدها، على الأقلّ، بل الإرهاق فقط. تمكَّنت من إجباره على أن يبطئ، كي يشعر بالوحل والجرذان والغازات بأكبر قدر ممكن. في هذه اللحظة، لم يكن بوسعي أن أفعل معه الكثير، لكننا وصلنا إلى أقصى وأعمق غرفة. بقي واقفاً أمامها، فدفعته إلى الداخل. لم يكن سقفها يرتفع لأكثر من متر واحد، وطولها متران، وعرضها مثلهما. تمدَّد على الأرض اللزجة، ورفع نظره إلى السقف اللزج. قيَّدت قدميه، أيضاً، وانحنيت فوقه، فنظر إليَّ، لكننا لم نتبادل أيّة كلمة. قلت في نفسي: «هكذا. أنت الآن حيث تنتمي، في نهاية الأرض، وكلّ نَفَس تستهلكه يقرِّبك من الموت. تجرَّع ما سقيتنا. من الأفضل أن نفعل بك ما فعلت بنا، فأنت لست الطاغية الفلاني فقط، بل ممثِّلاً لكلّ الطغاة الآخرين، حتى أصغر طاغية منهم. أنا ذاهب الآن، أيُّها الطاغية. ومن الآن فصاعداً، يجب أن أحترس من أن أصبح طاغية. أنا ذاهب». تبادلنا النظرات. لم أعرف ما كان يفكِّر فيه، لم يهمّني الأمر، أو يهمّ أيّ شخص آخر. لم تعد موجوداً، بعد الآن. نهضت. نظرتي في عينيك القاسيتين كانت، في البدء، شكوى ثم استجواباً، وفي النهاية إدانة. أنا ذاهب إلى باب سجنك، ولا أعرف لماذا ثُبِّت باب هنا؛ ربَّما لك أنت ولأمثالك، فأمثالك موجودون على الدوام. سأغلق الباب وأرمي المفتاح في الوحل، فيعمّ السكون. كلّا. لن يعمّ السكون، فعلاً، فالجرذان قادمة، تريد التهامك، لكنها لا تستطيع الوصول إليك، إذ لا يوجد في كهفك أيّ شقّ صغير. بعد ساعات قليلة، ستكون قد متّ. وقبل أن تموت لن تسمع سوى صوت الجرذان، وهي تقضم بابك الحجري وتضرب الممرّ بأذيالها، وتصرّ بأسنانها غضباً. أنت تعلم، أيُّها الطاغية، أن أسنان الجرذان لا يمكنها الوصول إليك. ورغم أنك تعلم ذلك، ستشعر بالخوف من أنها قد تصل إليك، وأنت وحدك هنا.. أنت وحدك فقط، وما من شيء حولك. قبل أن تموت، أيّها الطاغية، ستصاب بالجنون، والجنون أسوأ ما يمكن أن نُصاب به. المجانين الذي يلاحظون أنهم مجانين، يبكون، أحياناً، لكنك لن تبكي، فالطغاة لا يبكون.

لكني، وقد واصلت حلمي، كنت في طريقي إليه، إلى قصره. تخيَّلت بعض الشيء ما ينتظرني أنا والطاغية. كانت ليلة أرجوانية: سرت متبختراً في الحديقة المحيطة بالقصر، وكان بابها مفتوحاً. في نقطة الحراسة وقف جندي، قام بأداء التحيّة العسكرية أمامي. ظنَّ أنني الطاغية نفسه، فدخلت إلى الحديقة، وسرعان ما رأيت القصر في ضوء القمر الأرجواني. تعجَّبت من الأشكال التي شُذّبت بها شجيرات الحديقة، لكن لا ينبغي أن أظهر دهشتي، فأنا نفسي من أَمَر بأن تُقص على هذا الشكل. كانت جميعها متشابهة، كانت جميعها تشبهني، كلّ شجيرة كانت طاغية. كنت شجرة فحسب. دخلت الغرفة الأولى: كانت الأرضية والسقف والجدران مغطّاة بحرير أرجواني، وكان الحرير مهلهلاً. نعم، فقد تدلَّت مِزَقه إلى الأسفل. وقفت قليلاً ثم سرت من جديد. كانت الغرفة الأولى هي الغرفة الأولى، ولم تكن لها أهمِّيّة أخرى. الغرفة الثانية كانت استمراراً للّغرفة الأولى بعض الشيء. وهكذا اصطفَّت كلّ غرف القصر متجاورةً في خطّ مستقيم. كانت الغرفة الثانية غرفة الاستجواب، وخالية تماماً، وقد امتد حولها جداران. رأيت ذلك لأن الجدار الداخلي لم يكن مرتفعاً تماماً، مقارنةً بالخارجي. وعلى طول الجدار الداخلي لاحت فتحات، ورأيت الفتحات المخصَّصة لرؤوس المستجوَبين وأيديهم وأقدامهم.

ربَّما قورنَتْ، هنا، رؤوس الجناة وأيديهم وأرجلهم، وهم مثبَّتون في المخلعة وملفوفون بالحرير الأرجواني، بالرؤوس والأيدي والأرجل المدوَّنة قياساتها في اللوائح. وفي غرفة الاستعداد للاستجواب أو غرفة الورود (كانت غرفة الاستجواب الحقيقية هي الثالثة)، تدلَّت من السقف لوحات أرجوانية، كُتب عليها: «هنا تجري الحوارات»، أو «كن مؤدَّباً»، أو «العالم جميل». كان الحرير ممزَّقاً أيضاً، كما هو الحال في الغرفة الأولى، إذ توجَّب أن تبدو الثروة بائسة، والأفعال المنكرة مسالمة. حتى الورود في غرفة الورود، كانت أرجوانية اللون. لم أشكّ في أن الورود وحدها هي التي تبعث رائحة حين يسير الاستجواب على غير ما خُطِّط له. وما إن خطوت نحو مكان ما في غرفة الورود، حتى تأرجحت الأرضية من تحتي، فتيقَّنت من الأمر. حين كان ضيوف الطاغية لا يجيبون وفق التوقُّعات المنتظرة، كانت الأبخرة السامّة تنبعث إلى داخل الغرفة، من الكثير من الثقوب الدقيقة في الجدران، تخدِّر المتَّهمين، الذين أُدينوا سلفاً، فيسقطون، وتميل الأرضية، لتصبح منحدرة، فتتدحرج الضحايا إلى الغرفة التالية كي يُعذَّبوا. وحقّاً، كانت الغرفة المجاورة هي غرفة التعذيب، وكانت لها نوافذ، بدت خلفها مناظر طبيعية خلّابة. على طول صف النوافذ الأيسر، امتدَّ -طبعاً- جزء من حديقة القصر. وخلف الصف الأيمن كانت هناك جزيرة وسط بحر. توالت الأمواج وهبَّت الريح، وكانت الجزيرة تعجّ بالناس. تخيَّلت أنني أحلم في الحلم، إذ لا يمكن أن يوجد، داخل بلدنا وفي أي مكان منه، أيّ بحر. لا أعرف لماذا، ولكنني صحت: «أنا بريء»، فاختفى، في اللحظة ذاتها، البحر والجزيرة، وحتى المتنزَّه اختفى هو الآخر، وعمَّ الظلام في الوقت نفسه. حينها، فقط، انتبهت إلى أن غرفة التعذيب كانت مضاءة. أشعلت مصباحي اليدوي، ورأيت أن النوافذ مازالت موجودة، لكن خلف زجاجها لاحت، فقط، جدران مهدَّمة. صحت: «أنا مذنب»، فأُضيء المكان على الفور، ولاح منظر الحديقة والجزيرة في البحر، من جديد. صحت: «أنا بريء»، فعمَّ الظلام واختفت المناظر. كانت منعكسة على السطح الحجري في إطار النوافذ. كلَّما صحت: «بريء»، شممت شيئاً ما. وكلَّما صحت: «مذنب»، اختفت الرائحة. شممتها، فعرفت أنها رائحة أفاعٍ. صحت مرّةً أخرى: «بريء»، وشممت، وسمعت كيف بدأت الأفاعي تزحف في المكان. سمعتها تجلجل. إذاً، كانت أفاعيَ من ذوات الجرس. أشعلت مصباحي فلم أرَ أيّ أفعى، لم تكن موجودة. ربَّما أمر الطاغية بصناعة جهاز يصدر الأصوات، ويبعث الرائحة، يوهم المتهَّمين بوجود أفاعٍ من ذوات الجرَس. بعد غرفة التعذيب، أتت غرفة اللعب مع الأطفال. انتشرت اللُّعَب في كلّ مكان، لكنها لم تكن مبعثرة كما هو الحال في غرف الأطفال، عادةً، بل رُتِّبت في خزانات متجاورة. في الخزانة الأولى دمًى وثّابة، وفي الثانية دمًى متمايلة، وفي الثالثة دمًى فقط، وفي الرابعة ألعاب خشبية، وفي الخامسة كتب مصوَّرة، وفي السادسة صور متمايلة، وفي السابعة سيّارات. كانت جميع اللعب في الخزانات مثل قطع الملابس في خزانات جيشنا، حتى أدقّ التفاصيل. الدمى الوثّابة كانت على هيئة الطاغية، والدمى المتمايلة على هيئة الطاغية، الدمى الأخرى على هيئة الطاغية أيضاً، الكتب المصوّرة والصورة المتمايلة كانت تصوِّر الطاغية، أيضاً، وسائقو السيارات على هيئة الطاغية. وإذا ما رُتِّبت القطع الخشبية أظهرت قصر الطاغية، الذي كنت أتجوَّل عبر ظلمته الأرجوانية، في هذه اللحظات. لم أكفّ عن السير متبختراً، إذ لم أعرف إذا ما كان، في غرفة الموسيقى أم في غرفة الكتب أم في المرسم، جنديٌّ يتربَّص خلف أحد الخزانات أو أحد التماثيل. وإذا ما لاحظ أنني لست الشخص الذي أحاول تقليده، فسيضع الحبل في رقبتي. تعلَّقتْ على جدران غرفة الموسيقى مئات الآلات. أدرت زراً، فانبعثت موسيقى «أتعرف كم عدد النجوم الصغيرة؟»، ثم توقَّفت الآلة في منتصف اللحن، وزمجرت، من جديد، منطلقةً من بداية الجملة الثالثة لسيمفونية «بيتهوفن» الخامسة. بعدها، انقطعت الموسيقى، ثم انبعث مقطع من فالس «فارس الزهور» لـ«ريتشارد شتراوس». وفي النهاية، سمعت فالس «المقدِّمة» لـ«فرانتس ليست»، فأطفأتُ الآلة.

في غرفة الكتب، رأيت أربع خزانات، امتدَّت على طول جدران الغرفة، وارتفعت حتى السقف. سحبت كتاباً، وكان بعنوان «المفتِّش الكبير»(2) لدوستويفسكي. سحبت كتاباً ثانياً، فكان رواية «في عواصف الفولاذ»(3) لإرنست يونغر. أمّا الكتاب الثالث، فكان «مساواة وحرِّيّة» لكليمنس أوسترتاغ. وعندما سحبت الكتاب الرابع، كان «المفتِّش الكبير» لـ«دوستويفسكي»، من جديد، والكتاب الخامس كان لإرنست يونغر، والسادس لكليمنس أوسترتاغ. وهكذا، اصطفَّت هذه الكتب الثلاثة، متكرِّرة باستمرار. في المرسم، عُلِّقت لوحة وحيدة، كانت طويلة وعالية مثل الحائط، من غرفة الكتب إلى غرفة تبديل الملابس. في يسار اللوحة، وقف الطاغية، وفي يمينها ظهر رجل وامرأة وطفل. رفعت المرأة الطفل نحو الطاغية، الذي مَدَّ ذراعيه، أيضاً، نحو الطفل. أمّا الرجل، فقد وقف جانباً، ضَمَّ كعبَيْ حذائه، وتباعد طرفا قدميه بزاوية منفرجة، تقريباً. كان ينظر إلى عينَي الطاغية. اكتشفتُ أزراراً في إطار اللوحة، فضغطت على أحدها. حينها، خرج الطاغية من اللوحة مجدَّداً، وعلى الطرف الآخر تحرَّك الكثير من الرجال إلى داخل اللوحة، وشكَّلوا صفّاً. كانوا جنوداً، ركَّزوا أعينهم نحو اليمين، متطلِّعين إلى الطاغية، الذي كان ينظر إليهم، أيضاً، حاملاً راية كبيرة في يديه، وكانت أرجوانية اللون، على خلفيَّتها حيكت بنفسجة ذهبية. رفرفرت الراية على كتف الطاغية. ضغطت زرّاً آخر، فدخل الطاغية وجنوده إلى الإطار. وبينما حمل الطاغية الراية، من جديد، هجم الجنود، وهم يحملون البنادق والمسدَّسات الآليّة، على عدوّ خارج اللوحة. كانت أفواههم مفتوحة، وبدا أنهم ينشدون أغنية. ضغطت مرّةً أخرى، فتحرَّك الطاغية وجنوده، من جديد، لكن الطاغية عاد في التوّ، إلى مكانه، وعلى الجانب الأيمن تحرَّك رجال ونساء وأطفال إلى داخل اللوحة، فتجمَّعوا في حقل كبير، ورفعوا أنظارهم إلى الطاغية. يبدو أن الطاغية، الذي وضع على شعره إكليلاً من البنفسج الأرجواني، كان يلقي خطاباً، وكان يبتسم. أحد الرجال في الحقل، حمل كتاباً، وآخر مغرفة، وثالث رغيفاً من الخبز، ورابع سنبلة حنطة سوداء، وخامس مطرقة، وسادس عصا إسكليبيوس. وضعت النساء بنفسجات أرجوانية في شعورهنّ، وحملن رضَّعاً، أو مسكنَ أطفالاً.

وعلى حين غرّة، لاحظت أن اللوحة أصبحت غير واضحة المعالم، فقد غطّاها ضباب، لكنه لم ينبعث من اللوحة، إنما من أرضيّة المرسم. أصبت بالرعب، فذهبت مبتعداً. دخلت إلى غرفة تبديل الملابس، كانت مليئة بالضباب أيضاً، لكني رأيت -رغم ذلك- بزّات رسمية، وبدلات سهرة رسمية، وبدلات عمل يومية، وملابس رياضية، ومعاطف شتوية، وسترات صيفية، وأرواب منزلية، وملابس سباحة، كانت كلّ سبعة منها معلَّقة، بالترتيب، أمام السبعة الأخرى في الخزانات المفتوحة. وكلّ بزة منها كانت تشبه الآخرى، وكلّ بدلة سهرة كانت تشبه الأخرى، وهكذا كانت بقية الملابس. سحبت بدلة سهرة رسمية، وكانت على قياسي. وبأسرع ما أستطيع، مضيت متبختراً، من جديد، فقد ازداد الضباب كثافةً.

وحين دخلت غرفة التصوير، كان الضباب أكثر كثافةً، لكني -إلى حَدٍّ ما- رأيت أثاث غرفة التصوير. في وسط الغرفة، كانت هناك آلة تصوير. ذهبت نحوها والتقطت صورة. ماذا صوَّرت؟ صوَّرت ما أمامي ببساطة: صور كثيرة للطاغية، تعلَّقت على الجدران في كلّ مكان. وحين نظرت إلى الصورة التي التقطتها، للتوّ، ومازالت رطبة، رأيت شيئاً لم أصوِّره. رأيت الطاغية نفسه، لا صورته، على الجدار: بدا حيّاً!، وتهيَّأ لي أنه يكمّم فمي، ويقيّدني. التقطت صورة أخرى، فظهر الطاغية فيها، من جديد، لكنه هذه المرّة بدا يأمرني بأن أكمّم فمي، وأقيِّد نفسي بنفسي. صوَّرت صورة ثالثة، وفي كلّ مرة يظهر الطاغية في الصورة. وبدا لي أنني ازحف في الممرّ، على طول شبكة الأنفاق، والطاغية يسير خلفي، ويلكزني بمسدَّسه، مشيراً إلى الاتِّجاه الذي عليَّ أن أزحف إليه. ومن جديد، تخيَّلت أن الطاغية يزحف في الممرّ، وأنا أقوده إلى أقصى وأعمق غرفة في شبكة الأنفاق. ومن جديد، حلمت بأنني أنا الزاحف وحامل المسدَّس، في الوقت ذاته، والطاغية هو الزاحف وحامل المسدَّس. خرجت من غرفة التصوير.

كنت أشعر بالخوف، وأرتجف، واتصبَّب عرقاً. تعرَّقت بغزارة إلى درجة أنني لم أتمكَّن من رؤية شيء، تقريباً. كما أن الضباب بات، الآن، يحجب الرؤية بشكل أكبر. كان معتماً وأرجوانيّاً. لم أسِرْ متبختراً الآن، وكنت أهذي بغير إرادتي. حاولت أن أكفّ عن ذلك، لكني لم أُفلح البتّة. كنت أردِّد الكلمة ذاتها. في البدء، لم أعرف هذه الكلمة، ثم بدا لي أني أكرِّر كلمة «الشرطة». نعم «هذه الكلمة، وأخرى بعدها. لكن، لماذا أقول كلمة «الشرطة»؟ وإذا ما كرَّرتها، حقّاً، فما الذي كرَّرته بعدها؟

حين خطوت عتبة الغرفة التالية راكضاً، سمعت، فجأةً، أصوات رجال كانوا ينادون بشيء ما. بدوا كأنهم ينادون عليَّ، بشيء ما، لكني لم أفهم ماذا يعني. لربَّما، حالَ الضباب دون ذلك، وكان يملأ الغرفة ككتلة صلبة، كالوحل، كالحجر، كجبل من الجرذان، وقد حال دون أن أرى الموجودين في هذه الغرفة. لكن الرجال لم يكفّوا عن مناداتي. لم أشكّ في أنهم كانوا يقصدونني. والآن، بدأ الضباب بالتحرُّك، فأصبح (هنا) معتماً تماماً، واختفى (هناك). وفي النهاية، اختفى من المكان بأكمله، لكنه شكَّل رجالاً، في المناطق التي ثبت فيها. نادوني. كانوا يجلسون إلى طاولة حانة، ويلعبون الورق. كانوا ينتعلون أحذية خفيفة. ولم يرتدوا ستراتهم، فتمكَّنت من رؤية حمّالات البنطلونات، وقمصانهم المشبكة. كلّ واحد منهم كان الطاغية، بدا كلّ واحد منهم شبه الآخر. بدوا مثلي تماماً، وبدوت مثلهم تماماً. كنت الطاغية أو طاغية. قالوا لي: اقترب. فدنوت من طاولتهم. كانوا يلعبون (السَّكات)(4). وبينما لعب ثلاثة منهم، كان الثلاثة الآخرون متفرِّجين. سألتهم: «ماذا عليَّ أن أفعل؟»، فأجابوا بأن عليَّ أن ألعب معهم. سألتهم: «من أنتم؟» فقال الأوَّل: «أنا الطاغية». سألت: «ومن الثاني؟»، فأجابوا بأنه الطاغية، أيضاً. سألتهم: «والثالث؟»، فأجابوا بأنه الطاغية، أيضاً. والرابع والخامس والسادس؟ كانوا جميعهم طغاة. سألتهم: «أين الطاغية؟»، فأجابوني: «هنا». سألتهم، من جديد: «أين؟»، فأجابوا: «نحن الطاغية». عاودت السؤال: «ومن أنا؟»، فأجابوني: «أنت الطاغية أيضاً». جلست إليهم. كانت اللعبة قد انتهت. قالوا لي: «هيّا، جاء دورك». خلطت الورق، ووزَّعته، فلعبنا. قال أحد الرجال: «أنا طاغية القضاء»، وقال الثاني: «أنا طاغية التربية»، وقال الثالث: «أنا طاغية الصناعة والتجارة»، وقال الرابع: «أنا طاغية السياسة»، وقال الخامس: «أنا طاغية شؤون الحرب»، وقال السادس: «أنا طاغية شؤون الأديان». سألتهم: «ومن أنا؟»، فأجابوا جميعاً: «قلنا لك قبل قليل»، «وماذا؟»، سألت مجدَّداً. «أنت طاغية الشرطة»، أجابوني. قلت لهم: «صحيح. أين الهاتف؟». «إنه أمامك». رفعت السمّاعة وطلبت الرقم. «نعم، سيدي!»، تناهي إليَّ صوت من الطرف الآخر للخطّ، فقلت له: «الطاغية يوجد في آخر وأعمق غرفة من شبكة الأنفاق. أسرعوا، وإلّا فسوف يختنق. انتظروا.. سأدلّكم على الطريق إليه. أنا قادم».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 – عنوان القصّة بالألمانية:(Vorbereitungen zu einem Tyrannenmord)

2 – المقصود، هنا، عنوان الفصل الخامس من الباب الخامس لرواية للأديب الروسي فيودور دوستويفسكي (1821 – 1881) «الأخوة كارامازوف». وترجمة العنوان إلى العربية، مأخوذة من ترجمة سامي الدروبي للرواية، والصادرة عن المؤسَّسة المصرية العامّة للتأليف والنشر، القاهرة (1967). (المترجم)

3 – بعد مشاركته ضابطاً في الحرب العالمية الأولى، نشر الكاتب والروائي الألماني المثير للجدل إرنست يونغر (1895 – 1998) أولى رواياته «في عواصف الفولاذ» عام (1920)، وتضمَّنت يوميّات قائد مجموعة اقتحام في هذه الحرب. ولاقت الرواية نجاحاً كبيراً في ألمانيا، فقد عرض يوميّاته في الخنادق الأمامية للجبهة، وبطولات جنوده، بأسلوب تقريري بعيد كلّ البعد عن أيّة لمسة عاطفية. وعنوان الرواية يعبّر عن دفق القنابل الذي انهال على الجنود، طوال أربع سنوات، على الجبهة الغربية مع فرنسا. (المترجم)

4 – لعبة من ألعاب الورق في ألمانيا.

جين كورتيز.. سريالية الهوامش

في كتابه «معذَّبو الأرض» أكَّد «فرانز فانون» على أن «شعراء الزنوجة لن يتوقَّفوا عند حدود القارّة. ستتبنَّى أصوات سوداء من أميركا، الأنشودة بانسجام تامّ، وسيرى «العالم الأسود» النور، ولن يتردَّد «بوسيا» من غانا، و«بيراجو ديوب» من السنغال، و«هبات با» من السودان، و«سانت كلير دريك» من شيكاغو، في التأكيد على وجود روابط مشتركة وقوّة دافعة مماثلة». كان هذا بالضبط نفس الشعور والوعي اللذين تقاسمتهما، وسعت الشاعرة الأميركية «جين كورتيز» إلى نشرهما، من خلال كتاباتها ومشاركاتها الفعَّالة في المشهد الثقافي؛ الأميركي، والدولي. وقد أبت الشاعرة «جين كورتيز» إلّا أن تكون نبراساً، وجديرة بمقولة «بنجامين بيريت» الشهيرة «الشاعر ليس لديه خيار سوى أن يكون ثورياً أو يتوقَّف عن كونه شاعراً»؛ وبلا شكّ، كانت تلك السمة تمثِّل «الطبيعة الثانية لـ«جين كورتيز»؛ واحدة من أقوى الأصوات السريالية، مثال شجاع للشاعر الحقيقي في فترة يسود فيها الجبن والارتباك والنفاق وتزييف الحياة الفكرية»(1).

«جين كورتيز – Jayne Cortez»، شاعرة وناشرة وناشطة أفروأميركية، معروفة بأدائها الشعري المرفوق بموسيقى الجاز، والبلوز، والذي يمكن اعتباره ممارسة ملتزمة لتقريب الفنّ، بشكلٍ مباشر، من المجمتع. ولدت «جين كورتيز» في 10 مايو/أيار (1934) في «فورت هواشوكا» في «أريزونا» حيث كان أبوها يرابط في القاعدة العسكرية. في سن السابعة، انتقل أهلها إلى جوار «واطس» بـ«لوس أنجلوس» حيث ترعرعت وهي تستمتع إلى تسجيلات الجاز والموسيقى اللاتينية التي جمعها والداها. كانت تتوق إلى أن تصبح ممثِّلة؛ ولذلك درست الفنّ والموسيقى والمسرح خلال تعليمها الثانوي، قبل أن تلتحق بكلية «كامبتن» التي سرعان ما غادرتها لأسباب مادّيّة. في عام (1954)، تزوَّجت من عازف الساكسفون المرموق «أورنيت كولمان»، ورُزِقت منه بطفل سمَّته «دناردو كولمان» قبل أن تنهي علاقتها بـ«أورنيت» عام (1964) لتؤسِّس فرقة «واطس» المسرحية، والتي عملت مديرة فنِّيّة لها، إلى حدود عام (1970).

كانت نشيطة جدّاً في نضالات حركة الحقوق المدنية، وساندت العديد من زعماء هذه الحركة، منهم «فاني لو هامر»، واتَّخذت الفنّ وسيلة للدفاع عن القضايا السياسية لحركة الفنون السوداء. جابت العديد من الدول الأوروبية، والإفريقية، وانتقلت للعيش مع زوجها النحَّات «ميلفن إدواردز» في «دكار» عام (1975).

في (1980)، أسَّست «كوريز» فرقتها الموسيقية «فايرسبيترز» كي ترافق أداءها لأشعارها، وسجَّلت ستّ أسطوانات من الشعر المرفق بموسيقى الجاز. تُرجمت أعمالها إلى (28) لغة، وحصلت على جوائز عديدة، منها الجائزة الأميركية للكتاب، وجائزة المهرجان الإفريقي الدولي، كما حصلت على زمالة من صندوق المنَح الوطنية للفنون. من أهمّ أعمالها: «درج ملطخ بالبول وأواني الرجل القرد» (1969)، «مهرجانات وجنائز» (1971)، «احتفالات وعزلات» (1975)، «جلطات: قصائد مختارة وجديدة» (1984)، «طبول في كل مكان» (1990)، «حدود زمن مضطرب» (2003).

شِعر عفوي وموسيقى الجاز

التحقت «كورتيز» بعالم الأدب خلال الاحتدام والتأجّج الثقافي الذي شهدته حركة الحقوق المدنية خلال الستينيات، وكانت الانشغالات السياسية، والاجتماعية التي ميَّزت كتابات تلك الحقبة، وتفكيرها، والأسلوب الجديد للكتابة الشعرية، واضحةً، بشكلٍ جزئي، في أعمال «كورتيز»، إلّا أنها كانت تجسّد، دائماً، أسلوباً فريداً في تعبيرها عن القضايا والمواضيع التي استأثرت بأعمالها. كانت العفوية سمة فريدة ميَّزت أسلوب «كورتيز»، بالرغم من أنها قد تكون مبهمة عندما يظهر عملها على الصفحة. تؤكِّد «كورتيز»، في مقدِّمة كتابها «المغنطة الشعرية» (1991)، أنها تخلق البنية الحقيقية لشعرها في أثناء حصص التسجيل التي تحضر إليها مادّة جاهزة؛ إنها تؤلِّف، بشكلٍ عفوي في أثناء الأداء. وتعتبر «كورتيز» عملها داخل الموسيقى، وسيلة لتعزيز دور الشاعر من خلال توسيع نطاق إمكانات التكنولوجيا، تقول: «أحاول أن أنقل هذا المزيج بين الشعر والموسيقى والتكنولوجيا إلى مستوى شعريّ أعلى. إنه استعمال شعري للموسيقى، استعمال شعري للتكنولوجيا، توزيع متناسق لجميع هذه العناصر». (بويتيقا، ص6).

وفي السياق نفسه، يتذكَّر عازف الترامبيت «دون شيري» الدور المهمّ الذي لعبه اهتمام «جين كورتيز» بجمع التسجيلات الموسيقية، بمختلف أنواعها وأشكالها (والحسّ التاريخي الذي غلب على مجموعتها) في تكوينه الموسيقي، وخاصّة في موسيقى الجاز. كما يشير إلى أن «أورنيت كولمان» (الذي كان حينها متزوِّجاً من «كورتيز») يدين ببعض اهتمامه وإحساسه بهذا الإرث الموسيقي، لـ«كورتيز». وبحسب «دون شيري»، ساعدت «كورتيز»، أيضاً، موسيقيِّي الجاز الطلائعيين في «لوس أنجلوس» على ربط علاقات منسجمة ومتماسكة من خلال صداقاتها مع العديد من الموسيقيِّين الشباب، كما أنها كانت سبب تعرُّف «دون شيري» على «أورنيت كولمان»، على سبيل المثال. ولأن حجوزات النوادي الخاصّة بموسيقيِّي الجاز الناشئين كانت قليلة ومتباعدة في «لوس أنجلوس»، في خمسينيات القرن الماضي، أتاحت هذه الشبكة الشخصية لبعض «الموسيقيِّين ذوي الأفكار المجدّدة، العثور على بعضهم الآخر، كما عزَّزت ممارسة وخبرة «كورتيز» في الموسيقى السوداء الشعور بالانتماء، والشعور بالمسار الثقافي المتجذِّر في الثقافة السوداء بين الشباب الطلائعيين. ففي عام (1963)، على سبيل المثال، قامت «كورتيز» بتطوير عرض فردي للأدب الأسود، وموسيقى الجاز أدَّته، لأوّل مرّة، مع فرقة ضمَّت عازف البيانو «هوريس تابسكوت». كما أدَّت قصائدها، أيضاً، مع «أركيسترا»، بانتظام، بين عامَيْ (1964) و(1966). خلال هذه الفترة، فكَّرت في المزج بين الشعر السريالي الجديد والمسرح والموسيقى والرقص الذي سيميِّز ممارستها الفنِّيّة الناضجة، بالرغم من أنها لم تطوّر تقنية العرض باستخدام وسائط متعدِّدة، بشكل كامل، إلّا بعد انتقالها إلى مدينة نيويورك، عام (1967) (2).

تكتب «كورتيز»- بالأساس- قصائد مدح، يمكن تفسيرها بكونها قصائد تأثَّرت تأثُّراً كبيراً ببنية البلوز وقصائد الاحتجاج ونزعتهما، وتعكس أجندتها السياسية، والاجتماعية حيِّز انشغالاتها بما هو فردي ودنيوي، فهي تكتب حول الفقدان والاستغلال والجشع والفساد والتلاعب والتفاهة التجارية وقتل الأطفال بالمخدِّرات التي يوفِّرها مروّجوها، بالإضافة إلى مواضيع لها علاقة بالحبّ والجنسانية لدى النساء. في الوهلة الأولى، قد يبدو أن اختيار أسلوب القصيدة يناسب محتواها، إلّا أن «كورتيز» لا تستخدم الأشكال المتعارف عليها مثل «سوناتا» أو «فيلانيل» (قصيدة ثنائية القافية). تمتدّ رؤيتها الجغرافية، والثقافية على خريطة واسعة تعكس أسفارها في نطاقات مختلفة في إفريقيا وأميركا اللاتينية، وأوروبا، وكندا، كما تفصح عن ذلك إيحاءاتها وإشاراتها إلى رموز تقافية، خاصّة تلك التي تتعلَّق بالثقافة الإفريقية كما فعلت عندما غيَّرت اسم شركة النشر الخاصّة بها إلى «بولا بريس» والتي تعني في لغة يوروبا (إحدى لغات نيجيريا)، «ناجح».

سريالية أفروأميركية

كانت «كورتيز» على اتِّصال بالسريالية بصفتها تيّاراً منظَّماً، لأوّل مرّة، في منتصف السبعينيات، ومنذ ذلك الحين ، شاركت بانتظام في أنشطة الحركة السريالية في الولايات المتَّحدة، من خلال بيانات مثل «عندما يعوِّض السائحون العرّافين» (احتجاجاً على مرور 500 عام على اكتشاف «كولومبوس» لأميركا عام (1992)، و«دفاعاً عن تيري غايتون» بصفتها محرّرة مساهمة في كتاب «أرواح حرّة: حوليّات الخيال الثائر»، ومشاركة في مؤلَّفات جماعية مثل «ترسانة: عصيان سريالي، حرية خارقة/ حذر الرغبة» (كتالوغ المعرض السريالي العالمي في شيكاغو عام (1976))، وأخيراً، «السريالية ومتواطئيها المشهورين» وبيان «ماذا باستطاعتك أن تفعل بشأن هذا؟»(3).

يربط «جو وودسان» عمل «كورتيز» بالشعراء السرياليين الأميركيين الذين يستخدمون الفنّ الإفريقي وموسيقى البلوز والجاز، وبشعراء حركة الزنوجة، التي تضمّ أعمالاً لـ«يوبولد سيدار سينغور» و«إيمي سيزير» ممَّن أطلقوا حركة أدبية في تلاثينيات القرن العشرين ليستعيدوا مركزية ثقافاتهم الإفريقية المعنيّة والتي همَّشها الاستعمار الأوروبي، ويؤكّدوها. تشير مقارنة «وودسان» لـ«كورتيز» بأعمال شعراء الزنوجة، إلى أنه ميَّز صفات متعدِّدة في عملها، تركِّز على التزامها بالذاكرة الثقافية الإفريقية. مع ذلك، ترسِّخ «كورتيز» نفسها، بقوّة، في الفضاءات المهمّشة للتجربة الأفروأميركية، خاصّة من خلال المحيط ونوعية الحياة المتضمِّنة في عنوان المجلَّد الأوّل «درج ملطَّخ بالبول وأوعية الرجل القرد» (1969)، ويظهر عنوان الديوان في القصيدة المعَنْوَة بـ«ليد» كإشارة إلى مغنّي البلوز «ليدبيلي». القصيدة لا تتعلَّق، تحديداً، بالمغنى المشار إليه، لكنها تشير إلى مكانة البلوز وقيمته في بيئة تتَّسم بالفقر والاستغلال التجاري. لقد قامت «كورتيز» بردّ الاعتبار لهؤلاء المؤرِّخين الموسيقيين في ديوانها الأوّل، باعتبارها لموسيقى البلوز، والجاز بوصفهما شكلَيْن فنِّيَّيْن أرَّخا للتحوُّلات العديدة للتجربة الأفروأميركية وما يميِّزها عن التجربة السائدة، ولذلك تضمَّن ديوانها إشارات عديدة لأسماء مرموقة، منهما «شارلي باركر» و«هادي ليدبيلي» و«دينا واشنغطون» و«أورنيت كولمان» و«بيلي هوليدي» و«جون كولترين» و«فاتس والر».

تبدو «كورتيز» كأنها تمارس ألعاباً بهلوانية بصرية، في بعض القصائد، وهي تقنية تعكس ذوق الشعراء السود لفترة الستينيات الذين كانوا يميلون إلى خرق الأعراف الشعرية: مثلاً، تمّ طبع قصيدة «عودة دينا إلى البلدة» وكأن هامش الصفحة اليمنى هو هامش أعلى الصفحة؛ لهذا كان من اللازم قلبها لقراءته. في قصائد أخرى عديدة، تمّ طبع العنوان بجانب هامش الصفحة اليسرى بدل طبعه أعلى الصفحة. أمّا بالنسبة إلى اللُّغة التي تستخدمها «كورتيز» في هذا الديوان وفي دواوين أخرى، فهي لغة شفهية يتداولها السود بامتياز، وغالباً ماتكون لها حدّة مرتبطة بالمجال الحضري. وعندما تدعو الضرورة إلى ذلك، تصير هذه اللُّغة مباشرة، بدون مراوغة، عندما تتناول مواضيع لها علاقة بالطريقة التي يتمّ بها هدر الحياة البشرية، كما فعلت في قصيدتها «اجتماع سمك مجفَّف بملح، منتظراً أن يهتزّ في شباك الحياة». تحكي هذه القصيدة عن فتاة تبلغ من العمر ستّة عشر سنة، مرَّت بتجارب مديرة في الحياة. وفي قصيدة أخرى معنونة بـ«عرق»، تتناول «كورتيز» المثلية الجنسية لدى السود، والتي يتَّضح من خلال المتحدِّث في القصيدة أن خيار المثلية الجنسية يشكِّل تهديداً للشعب الأسود، باعتباره صادراً عن جماعة يحدِّدها أساس عرقي مشترك. وباختصار، تعجّ قصائد «كورتيز» بصور صارخة لواقع لا يمكن أن نتخيَّله، ويقول الكاتب «والتر موسلي» في هذا الصدد: «تمتلئ قصائد «جين كورتيز» بالصور، التي يخشى معظمنا رؤيتها. كلمات يمتلئ عالمها بالحقائق التي نشكّ فيها، ونخافها. (شعرها) يتبع آثار الأقدام التي خلَّفتها النشوة. الحالمون على رمال مبلَّلة بالسوائل الحيوية للثورة والأمل والحبّ». (انظر كتاب «نساء سرياليّات»).

تنوُّع في المواضيع والأساليب والأشكال

في مجلَّدها الثاني «مواسم ومآتم» (1971)، تقوم «كورتيز» بتوسيع انشغالاتها الجمالية والمواضيعية، على النقيض من لمجلَّدها الأوّل الذي ركَّز اهتمامه، بالأساس، على الموسيقيين وأمثلة محدَّدة للفقدان والضياع والألم المشترك؛ ففي القصيدة التي صيغ منها عنوان المجلَّد «مواسم ومَآتِم»، ترثي «كورتيز» موت زعماء، سود مثل «باتريس لومامبا» و«مالكوم إكس» كما تعترف بأنواع أخرى من الموت تحدث بسبب الفقر والمخدِّرات والعنف. ويوحي التوازن الحاصل بين «مواسم» و«مآتم» في العنوان بالثبات والمساواة لأن كلّ احتفال يقابله موت في النهاية؛ إننا نموت عندما يموت زعمائنا ونتائج الخوف والحزن يتم جبرها ليس عن طريق الكلمات بل عن طريق البلوز. ويقوم المتحدِّث في قصيدة «مشاهدة استعراض في هارليم عام 1970» بتقييم حدث الاستعراض هذا، من خلال منظور سياسي ثاقب، واصفاً إيّاه بكونه مثالاً لـ«ثقافة استعمارية متآكلة»، ويخترق المتحدِّث البهجة السطحية ليصل، في اللّب، إلى توضيح للعلاقة بين المهيمن والضعيف، في الآن الذي تكون فيه الضحيّة، من غير علمها، مجبرة على الإعجاب بمضطهدها. وتمزج قصيدة «شقّة الليل الإفريقي»، التي استلهمتها من أسفارها في إفريقيا، على ما يبدو، بين منظور إفريقي وأفروأميركي، إذ تطلب المتحدِّثة من إفريقيا أن تحرِّر بصيرتها من «مرتزقة الوهم»؛ وفي لحظة استعلائية، تنبذ وتتبرّأ المتحدّثة من آلام تاريخ الأميركيين السود، وتتخلَّى عن «ظلّ حزنها» لتصبح امرأة إفريقية منفتحة ومتقبّلة لتاريخ أجدادها، غير أن هذه الذكرى، التي تعيد المتحدِّثة إلى وضعها الأصلي في تراثها، لا تكتمل إلّا بذكرى الهجرة العابرة للأطلسي واضطراباتها الثقافية، والبدنية. وتقدِّم لنا «كورتيز» هذا الجزء من القصيدة من خلال (كولاج) يتشكَّل من صور سريالية للأسلحة، والموت الذي ينجو فيه أبناء البشر، ويتخيّل فيه القارئ الناجين على شكل طيور تستقبل الثقافتَيْن؛ الإفريقية والأميركية معاً.

وفي المجلَّدات التالية، تستحضر «كورتيز» أشكالاً متنوّعة لمواضيع وأساليب كرَّستها في مجلَّديها الأوَّلَيْن، وتكتب حول سكّان المدينة وأحداث مشحونة سياسياً، خلال أزمة الفييتنام ومذبحة سجن «أتيكا» والنضال المستمرّ من أجل تحرير الشعوب الإفريقية والمشاكل المتفاقمة في جنوب إفريقيا وقساوة الشرطة الأميركية. رفعت من استخدامها للسخرية، وواصلت صقل شكلها الشعري، كما حافظت على استفادة أعمالها من موسيقى الجاز كما في قصيدة «عزلة روز» المهداة إلى «ديوك إلنغتن»، وكانت، على الدوام، واعية بأبطالها وبطلاتها في مجالات أخرى غير الموسيقى.

يقدّم ديوانها «في مكان ما قبل اللامكان» شهادة على شرف شاعرة كانت تكتب لما يقرب ثلاثين عاماً. إنه مجلَّد يذكّرنا، بشكل كبير، بالأفكار والتقنيات التي كانت تشغل «كورتيز»، في السابق، خاصّة في اعترافها بما هو متجاوز للأوطان. يبدأ المجلَّد، مثلاً، بتكريم شعري من ثلاثة أجزاء، للشاعر الكوبي «نيكولاس غيين»، والمستلهمة، في جزء منها، من زيارتها لـ«كوبا» عام (1985)، حيث كانت رفقة جماعة من الكُتَّاب الأميركيين، ونحَّات، في زيارة لـ«نانسي موريجون»، و«غيين». شعرت «كورتيز» أن «كوبا» تشبه غرب إفريقيا، حيث أدركت الدمار الظاهر للعين الأميركية، لكنها استطاعت أن ترى ماوراء المظاهر السطحية إلى جمال جسدي طبيعي، وآخر روحي. في الجزء الثاني من التكريم مُعنْون بـ«ادويبي» والتي تعني «شكراً» في لغة «يوروبا» النيجيرية، وجدت «كورتيز» «كوبا» كما تصوَّرها «غويلين» في شعره، غير أنها لم تجد «غيين» الإنسان، واستحضرت إيقاعات الرقص وصوره، لتشير إلى الغنى البهيّ والشمولية في أعمال «غيين»؛ واستخدمت لائحة مثيرة لتستحضر طاقة عمله: «وقفت في ملعب عوائه الشعري المتقطِّع، وسمعت رسائل مشفَّرة ومغلَّفة بقرع راس الطبل من أويو». وتشرح آخر قصيدة من القصائد الثلاثة (أقصرها وأكثرها وضوحاً) تفاصيل لقاء «كورتيز» بالشاعر «غيين» رفقة بعثة من الشعراء الأفروأميركيين عام (1985). تتميَّز نبرة هذا المجلَّد، بشكلٍ عامّ، باحتفالها بفيض الحياة والجمال الطبيعي البسيط للأرض، ويعترف، أيضاً، بطبيعة التغيير المستمرّة من خلال إدراكها بأن التغيير السياسي، في عام (1985)، يوازي التغيير الحاصل في «بريتوريا» في جنوب إفريقيا، وهايتي، حيث يطالب السكّان الأصليون بما سُلِب منهم، على النقيض من سكّان «أريزونا» الأصليين.

في الحقيقة، لقد حافظت «كورتيز» على تصوّرها النقدي المتميِّز نحو القضايا الأميركية كما عبَّرت عليها في قصيدتَيْها؛ «حمام مدينة نيويورك»، و«1988، ماذا الآن؟»

لقد كان انغماس «كورتيز» في فنِّها المتمركز حول الموسيقى، ثابتاً ومتّسقاً، منذ بداية حياتها المهنية، ومايزال عملها يوضِّح المزج المتناسق بين فنون الشعر والموسيقى، في احترام عميق للشعراء الذين ألهموها. إن صوت «كورتيز» مكوَّن حيويّ لا يمكن الاستغناء عنه في جوقة الشعر الأفرو أميركي.

 

جين كورتيز

(مختارات شعرية)

 ترجمة: الحبيب الواعي

 

 

هناك تكمن الحقيقة

 

إنهم لا يبالون

إن كنت فردانيّاً،

يساريّاً، يمينياً،

مجنوناً أو أفعى..

سيحاولون أن يستغلّوك

أن يستنزفوك، أن يسجنوك،

أن يفصلوك أن يعزلوك

أو يقتلوك.

وستختفي في غضبك،

في جنونك،

في فقرك،

في كلمة في جملة في شعار، في كاريكاتور

تَمَّ في أرمدة.

ستخبرك الطبقة الحاكمة أنه

لا وجود لطبقة حاكمة،

بينما هم ينظِّمون مسانديهم اللبيراليين

في شكل عصابات غوغائية عنصرية.

بينما هم ينظِّمون أبناءهم

في شكل عصابات الكوكلوكس كلان..

بينما هم ينظِّمون شرطتهم

في شكل شرطة قَتَلة..

بينما هم ينظِّمون دعايتهم

في شكل جهاز، ليحوّلونا إلى عظام بغبار الملائكة.

ليشغلونا بالرموز الغربية

في تسريحات الشعر الإفريقية.

ويلقِّحوننا بالكراهية،

ويمأسسوننا بالجهل،

وينوِّموننا، مغناطيسيّاً، بصوت رتيب صُمِّمَ

ليجعلنا نفرّ من الواقع، وندوس على حيواتنا

ونحن مبرمجون كي ندمر ذواتنا،

كي نتشظّى

لندفن تحت عمليّات استخباراتية سرِّية

للجنّ غبية، لها ميولات نحو الموت..

وهناك، تكمن الحقيقة.

الأعداء يهذِّبون فحولتهم

بين آبار النفط في البنتاغون.

الجرّافات تقفز في رقصات الهدم.

العجزة يموتون من الجوع.

المخبرون يبلّون أحذيتهم، باحثين عن الفتات.

يكاد دم الحياة يموت

في فم الإمبريالية الجشعة.

ويا صاحبي،

إنهم لا يبالون

إن كنت فردانيّاً

يساريّاً، يمينيّاً،

مجنوناً، أو أفعى.

 

سيرشّونك

بداء الفيالقة

سيملؤون خَياشِيمك

بأنفلونزا الخنازير لعجرفتهم.

سيقحمون في جسدك سدادة

متلازمة الصدمة التسمُّمية،

وسيحاولون أن يفرغوا

كلّ موارد العالم في عروقهم،

ويحلِّقوا إلى (الهناك) الأزرق البرّي

ليلوِّثوا كوكباً آخر.

 

وإذا لم نحارب،

إذا لم نقاوم،

إذا لم ننظّم أنفسنا ونتحدّ

ونستعيد القوة لنتحكَّم في حيواتنا،

عندها سنرتدي

هيئة العبودية المفرطة،

سمة الخضوع المنمَّق،

هيئة الانتحار الغريب،

سحنة الفزع اللانساني

وطلعة القمع النتن،

للأبد، للأبد، وللأبد.

وهناك، تكمن الحقيقة.

 

المضطهدون

 

الفنّ؟

لماذا يهتمّ

مضطهدو الفنّ

بالفنّ؟

هم يقفزون على عَرَبَة المُوسِيقَى..

يتمرَّغون في قصاصات الصحافة

ويلوِّثون الكوكب

باضطهادهم الإباحي.

الفنّ؟

لماذا يهتمّون بالفنّ؟

هم يتحوّلون

من سياسيين منافقين معاصرين

إلى سياسيين فاسدين قدامى،

إلى موظَّفي رقابة متطفِّلين.

هم لن يدعموا الفنّ،

لكنهم سيدعمون الحرب

والفقر

وسرطان الرئة

والعنصرية

والاستعمار

والنفايات السامّة..

هذه هي أخلاقهم،

هذه هي عقيدتهم،

هذه هي حمايتهم للجمهور

ومساهمتهم في الترفيه العائلي.

لماذا يهتمّون بالفنّ؟

 

 

شَذرَة حكم تعسُّفي رقم (2)

(خريف في نيويورك، 1972)

أنا انتكاسة فمٍ ينزف

جرّاء عهد قطعته في شجن.

أنا أتحكَّم في النهوض والسقوط،

عبر روابط الكآبة

لعرق اللاجئين.

أنا عصارة جمهورية شفاه المستنقعات.

أدفع برأسي إلى الأمام،

عبر واقيات العنف الزجاجية،

لأعمد عبر إعصار من عصيّ ليلية.

أصرخ في وجهي.

لقد صَبَبْتُ البنزين على بطني ضدّاً على المشتبهين،

وحلَّقت بعيداً…

انتباه. إلى كلّ الوحدات:

أدعو الأبخرة

المسحوبة إلى الخلف، عكس الفولاذ،

عكس اللعنة اللامرئية لصرخة،

كي تزيل حواجز جسدية لتابعها،

وتدع تلك النتانة تصير وليمة

على ياقوت مخالبي الطينية.

 

أنا حماس من ارتعاشة فَكّ رديء

للعَاقِبَة.

تعال، واحتفل بي.

 

إنها لا شيء

 

إنها لاشيء

هذه المأساة التي بين ذراعينا.

نستطيع أن نخلق عظاماً جديدة،

لحماً جديداً،

أزهاراً جديدة ضدّ الجنون..

فستاناً أحمر آخر،

سفّاحاً آخر من

اِلتِواء رقبة صراعنا.

نعم.

نستطيع أن نسامح قلباً اعتراه الوجوم

اتّجاه آذاننا،

ونستريح من الاعترافات

الثابتة لكعكة دموية.

إنها لاشيء.

 

في الطريق إلى النهاية

 

أعلم أنهم يريدونني أن أنجح،

أن أدخل قطارات العين وأغزو الأقراص،

أن أستَدْر، وإلّا سيُطلَق علَيّ الرصاص.

أعلم أنهم يريدون حقني

بالخوف من نفسي؛

لذا سأخفض وجهي، وأومئ برأسي

أعلم أنهم يريدونني أن أنجح،

لكنني لست في عجلة من أمري.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المرجع:

شعراء أفروأميركيون: حياة، أعمال وموارد، للكاتبة «جويس أوينز بيتس»، «غرينوود بريس»، كونيكتيكوت، أميركا (2002).

هوامش:

1 – نساء سرياليات، أنطولوجيا عالمية، من تحرير وتقديم «بنيلوبي روزمونت»، منشورات جامعة تكساس، 1998، ص358 .

2 – حركة فنون السود: القومية الأدبية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين لـ«جيمس إدوارد سميتهورست»، منشورات جامعة كارولينا الشمالية، 2005، ص297 .

3 – نساء سرياليات، أنطولوجيا عالمية، من تحرير وتقديم «بنيلوبي روزمونت»، منشورات جامعة تكساس، 1998، ص358.

هاروكي موراكامي: الأدب وحده لن يكون كافيا

ليس من عادة الروائي الياباني ذي الشهرة العالمية، أن يتحدَّث كثيراً عمّا لا يتعلَّق بأعماله، لكنه -مع ذلك- قَبِلَ الحديث إلينا، والخوض في مواضيع شتّى خارج إطار الكتابة مثل الجائحة، والنظام العالمي، ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى غير ذلك.

يبدو أن «هاروكي موراكامي»، الروائي الياباني المعاصر، الذي تحظى أعماله بأكبر قدر من القرّاء عبر العالم، قد بدأ يتغيَّر بعد أن شارف على عامه الثاني والسبعين. فبعدما عرفناه، في ما مضى، عاشقاً للموسيقى، منعزلاً ومتكتِّماً، ها نحن نكتشفه، الآن، منشِّطاً إذاعياً في أوقات فراغه، خلف مشغِّلة الموسيقى وأقراص الفينيل. إنه يبدو أكثر جرأةً على الكلام، وأقلّ تحفُّظاً؛ ما يُبهج «الهاروكيين»، متابعيه الذين يدينون له بإعجاب غير مشروط، ويسارعون إلى تحليل أعماله وكلّ ما يقوله. «موراكامي» الذي كان، حتى وقت قريب، لا يحبِّذ التحدُّث عن شيء آخر غير رواياته وأدبه، والذي كان يغلِّف معانيه وهواجسه في شكل قصص ليست، دائماً، متجذِّرة في الواقع، أصبح، الآن، لا يخشى من التحليل وجهاً لوجه؛ فبعد أن أجبرته أزمة «كوفيد- 19» على المكوث في اليابان، بدأ ينظر إلى مجتمعه بكثير من التمعُّن؛ وهو ما زاد من قلقه إزاء النظام الذي يسير وفقه العالم، وتتطوَّر وفقه اللّغة والكلمات.

نادرا ما نشاهدك أو نسمعك تتحدَّث، وقد أصدرت -للتوّ- مجموعة قصصية في اليابان، إلّا أنها كانت مكتوبة قبل بداية عام (2020). كيف حالك؟، وكيف عشت هذه السنة؟

– كلّ شيء على ما يرام. (ألفان وعشرون) هي سنة «كورونا»، بالنسبة إليَّ أيضاً، وهذا هو كلّ ما يتبادر إلى ذهني. أنا روائي، لذلك أعمل بمفردي، في المنزل، ولم تتغيَّر حياتي كثيراً. صحيح أن الأجواء من حولي اختلفت كلّ الاختلاف، أحسَّ بذلك بَدنيّاً،  إلّا أن ذلك لم يجعل عملي أكثر تعقيداً، بل العكس. وأنا أعرف، مع ذلك، أن الأمر كان بالغ الصعوبة على الناس الذين أُجبروا، فجأةً، على العيش بمفردهم. أمّا أنا فقد اعتدت على ذلك، وهذا ليس مؤلماً بالنسبة إليّ.

لم يكن هذا الوباء أمراً متوقَّعاً، وقد أفسد حياة الناس على الكوكب. كيف تحلِّل هذه الفترة؟

– أنا لا أعتبر أن جائحة «كورونا» قد ظهرت، فجأةً، من لا شيء؛ فهذا الوضع الوبائي يأتي لينضاف إلى سلسلة من التغييرات التي حدثت مؤخَّراً، وهو ليس سوى جزء من مجموعة وقائع مثل ثورة الإنترنت والشبكات الاجتماعية، والعولمة أو الشعبوية؛ لذلك لا أعتقد أن هذا الفيروس التاجي يجب أن يُنظر إليه كظاهرة منفصلة.

هل تعني أن الأمر مرتبط بحالة عالمية سياسية، واجتماعية، واقتصادية؛ أي أن السياق العالمي الحالي بما فيه من حركة سريعة للناس والمعلومات والأيديولوجيات القومية والقادة الشعبويين، كان مؤاتياً لانتشار الفيروس؟

– نعم. لذا، عوض معالجة «فيروس كورونا» بشكل منفصل، أعتقد أن علينا -بالأحرى- أن نتساءل عن كيفية تعاملنا مع هذه السلسلة من التغيُّرات الظرفية. وفي ما يتعلَّق باليابان، إن الحكومة اليابانية والسياسيين قد اتَّخذوا قرارات تتوافق مع أغراضهم الخاصّة، وقد فشلوا. من الطبيعي أن يخطئوا في مثل هذه الظروف، لكنهم لو اعترفوا بذلك، فقط، لكان المواطنون قد تفهموا الوضع. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسترشد بطريقة تفكيره الخاصّة، ومن السهل فهمه، و-مع ذلك- هناك من يتَّفق معه، ويدعمه حقّاً، وهناك من لا يتَّفق معه، ويرفضه حقّاً. ولكن في اليابان، لا يوجد قرار شخصي وفردي من هذا النوع. إنها مسألة مجموعة رائدة تتصرَّف بدوافع خفيّة تجعل من الصعب جدّاً، على المواطنين، فهم هذا النظام. أعتقد أن دور المختصّين والباحثين والعلماء هو أن يتدخَّلوا ويعارضوا آراء السياسيين القطعية، ثم يوضِّحوا لماذا لا ينبغي لنا أن نذهب في اتِّجاه معيَّن.

بحسب ما تقوله، إذن، لا يمكن أن يتحقَّق التغلُّب على هذه الأزمة بالعلوم، فقط. ولكن، ما هي رؤيتك للعلوم، إجمالاً؟

– لا أعرف الكثير عن العلوم، ولكن آمل، حقّاً، أن يتمكَّن الأدب والعلم من التقدُّم بخطًى متوازية. نحن نعيش في نظام عالمي معيَّن الآن، وأعتقد أن هذا النظام ليس أبديّاً بل مؤقتاً، ولا أعرف متى سيتمّ تقويضه. يمكن لـ«فيروس كورونا»، مثلاً، أن يقلبه رأساً على عقب، وعندما يتحقَّق ذلك، ولإنشاء نظام جديد، حتى ولو كان مؤقَّتاً هو الآخر، لن يكون الأدب وحده كافياً، ولا العلم وحده كافياً كذلك. أعتقد أن الأمر لن يتحقَّق إلّا من خلال التوليف بين القوَّتَيْن. أؤكِّد، مرّة أخرى، أنني لا أعرف الكثير عن العلوم، ولكن آمل أن نتمكَّن من العمل بشكل جيِّد معاً.

ما الذي يقلقك، بشكل خاصّ، في مجتمع اليوم؟

– هو أمر ألاحظه في اليابان، وأعتقد أنه يهمّ، أيضاً، باقي دول العالم: شبكات التواصل الاجتماعي تتطوَّر في كلّ مكان، وتتطوَّر معها لغة غريبة عن لغتي، مع عبارات كتلك التي تستعمل في شبكات التواصل الاجتماعي، وطريقة للتواصل خاصّة بهذه الشبكات، أيضاً، إلّا أن صداها يتردَّد في كلّ مكان. أنا قلق بشأن هذا المعجم الجديد. هذه ليست اللّغة التي أكتب بها القصص. أنا لا أقول إنني سأتغلَّب على هذه الظاهرة، لكني أعتقد أنني يجب أن أبيِّن أن هناك قدرة مختلفة وأقوى للكتابة. هذا ما أشعر به حقّاً.

هل تعتقد أن اللّغة تزداد فقراً، وأن مساحة الحوار تصبح أصغر؟

– نعم. ونحن لم يعد بعضنا يجابه بعضاً بالحجج. حالياً، عندما يتلقّى شخص ما انتقاداً، يردّ بانتقاد آخر. أعتقد أنه أمر مخزٍ حقّاً، حتى رئيس الوزراء الياباني يتصرَّف بهذه الطريقة. إن هذا عكس ما أريد القيام به. لا يمكنك الاقتصار على الردّ بشيء ما، فقط، بل عليك أن تعبر -بوضوح- عمّا يختلج في صدرك. هذا أمر ضروري في أيّ عالم كان، مع «كورونا» أو بدونها.

ما تعريفك لحرّيّة التعبير؟

– حرّيّة التعبير هي، أوَّلاً، وقبل كلّ شيء، القدرة على قول ما تريد قوله دون قيود، وإذا حدث أن أخطأت، يجب أن يتقبَّل المجتمع ذلك، ويغفره. برأيي، إن هذين الأمرين هما ما يشكِّل حريّة التعبير. مع ذلك، وبسبب الشبكات الاجتماعية، يمكن لأيّ تعليق أن يضرم فتيل النار على الإنترنت. أعتقد أن لدى الكثير من الناس وعياً كبيراً ومستمرّاً بهذا الخطر؛ لذلك فهم يمارسون الرقابة الذاتية. أنا، شخصيّاً، حرّ في قول ما أريد، لا أهتمّ لشيء، وليس لديَّ -على الإطلاق- أيّ حساب على الشبكات الاجتماعية، لذلك إن كان هناك حريق ما، فأنا لا أشعر به، وبذلك أنعم بهدوء كبير. (يبتسم)

في هذه الآونة، هل تزداد أهمِّيّة الكتب، وخاصّةً الروايات؟

– كل الفنون مطلوبة في مثل هذه الآونة. ومن الرائع أن نقرأ إذا توفَّر لنا الوقت لذلك. ربَّما ما يهمّ أكثر هو قراءة السرد والقصص العميقة. الأخبار لا تتحدّث إلّا عن «كورونا»، وأعتقد أن الجميع ضاقوا ذرعاً بذلك، ويريدون عالماً مختلفاً، وعالماً أعمق. إذن، الفنون تبقى ضرورية.

وهل كنت لتحتجّ لو تَمَّ إغلاق المكتبات؟

– لعلَّه من المجدي، أحياناً، للمرء، أن يشعر بالجوع للقراءة دون أن يتمكَّن من إشباع ذلك الجوع على الفور. أليس كذلك؟ نحن نعيش في عالم نحصل فيه، دائماً، على ما نريد، في الحال. وربَّما ساعد حرماننا من الكتب، بين الفينة والأخرى، في استعادتنا الشعور بأهمِّيَّتها وقيمتها الكبرى.

هل سيكون لهذه الأزمة الصحِّيّة تأثير على محتوى رواياتك القادمة؟

– لن أعرف ذلك حتى أنتهي من كتابة عمل ما. لنفترض أنني أكتب رواية، وأعيد قراءتها في وقت لاحق. فقط، في ذلك الوقت، قد يتسنّى لي الاعتقاد بأنها أثَّرت كثيراً فيما كتبته في زمن «كورونا». توجد طريقتان يمكن، من خلالهما، أن نرى ذلك: طريقة مباشرة، ماديًة واقعيًة، وطريقة مجازية رمزية. وأنا أعتقد أن التأثُّر بالأزمة سيخرج في شكل مختلف عن الوصف المباشر والملموس، شكل أكثر ارتباطاً بالمجاز. إنها عملية تتمّ بشكل طبيعي، ولا يتمّ اختيارها. يستغرق الأمر وقتاً. الشعور بالأشياء يستقرّ في الوعي، ويغوص عميقاً قبل أن يخرج في شكل مغاير. أقصد أن هذا يحدث، فقط، لدى الروائيِّين، ومن يكتبون القصص. لهذا الغوص عميقاً في الوعي، وللطريقة التي تطفو، من خلالها، الأشياء على السطح، من جديد، أهمِّيّة بالغة بالنسبة إليّ.

لا تسافر إلى الخارج، حاليّاً، أليس كذلك؟

– كان ذلك مستحيلاً هذا العام.

لقد عشت طويلاً خارج الأرخبيل، و-مع ذلك- معظم رواياتك تدور أحداثها في اليابان…

– في الواقع، لست متأكِّداً من السبب. كان بإمكاني أن أكتب أكثر عن الخارج. ولكني، في واقع الأمر، كلَّما خرجت من الأرخبيل، عرفت أنني كاتب ياباني. أحياناً، أشعر بالسوء هنا، وبالملل، فتعتريني الرغبة في الذهاب إلى الخارج. وعندما أكون هناك، وأعيش هناك، أدرك أنني روائي ياباني قبل كلّ شيء؛ لذلك، تصبح الطريقة التي يعيش بها الناس في اليابان مسألة مهمّة جدّاً بالنسبة إليَّ؛. لهذا السبب أعتقد أنني أكتب روايات، تدور أحداثها في اليابان.

وماذا تعني لك الموسيقى؟

– لا غنى عنها. هي لغة عالمية، وستبقى كذلك.

أنت مولع بالموسيقى، لكنك من عشّاق الإذاعة، أيضاً، إذ تقوم بمهمّة التنشيط على أمواج إذاعة «طوكيو FM» برفقة «ميو ساكاموتو – Miyu Sakamoto»، ابنة الملحِّن «ريويتشي ساكاموتو – Ryuichi Sakamoto». كان يفترض أن تقوم بذلك لمرّة واحدة، لكن الأمر تحوَّل إلى عادة. هل للإذاعة، إذن، سرّ يغري بالعودة إليها دائماً، بعد المرّة الأولى؟

– عندما كنت طفلاً، نشأت وأنا أستمع إلى الموسيقى عبر الراديو، وأستمع إلى برامج مثل «hit-parade» طوال الوقت، لكني، في الآونة الأخيرة، بدلاً من الاستماع إلى الإذاعة، أصبحت أشارك في العمل بها، وأجدها -حقّاً- وسيلة إعلامية مهمّة، وأنا أحبَّ ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: كارين نيشيمورا

المصدر:

https://bit.ly/3pQAgpA

 

هيرفيه لو تيلييه.. مواجهة المرء لنفْسه

استطاع الروائي «هيرفيه لو تيلييه»، من خلال روايته «النشاز – L’anomalie» أن يحقِّق أفضل مبيعات الموسم الأدبي الجديد لهذه السنة، إذ تُوّج، مؤخَّراً، بجائزة «غونكور»، بثمانية أصوات مقابل صوتَيْن لفائدة رواية «مؤرِّخ المملكة»، للكاتب الفرنسي «مايل رينوار».

على الرغم من أن «هيرفيه لو تيلييه» كان يقيم في إقليم «دروم»، في فرنسا، في إطار تجربة الحَجْر، إلا أنه، قبل أيّام قليلة من صدور قرار لجنة تحكيم «غونكور»، كان منخرطاً في حملة الترويج لروايته، مستمتعاً بذلك . وقد سرَّه الاهتمام الشديد بروايته التي تحكي قصّة رحلة على متن الخطوط الجوِّيّة الفرنسية، هبطت بشكل مفاجئ، مرَّتَيْن، في نيويورك، بالطاقم نفسه ، والركّاب أنفسهم ، لتَزُجَّ بالعالم في فوضى عارمة، بعدما وجدت هذه الشخصيّات نفْسها في مواجهة أشباهها. رواية «النشاز» هي، أيضاً، كتاب عظيم عن الحبّ، تنمزج فيه الأجناس ببراعة؛ لذلك، تستحقّ هذه الحكاية الخرافية عن العالم أن تُتَوَّج، وهو ما وقع، فعلاً، في الثلاثين من نوفمبر «2020».

بنجامين لكوج: ما هي نقطة البداية في رواية «النشاز»؟

– هيرفيه لو تيلييه: كانت لديَّ عدة مشاريع، بالتزامن مع كتابة هذه الرواية. ومنذ فترة طويلة كانت لديَّ رغبة في أن أتطرَّق إلى موضوع الشبيه ، بشكل أكثر مباشرةً من موضوع الاستنساخ البسيط؛ لذلك، كان المغزى من كتابتها هو أن يواجه المرء نفْسَه، وأن يواجه ذلك الشخص الذي لا يمكنه أن يكذب عليه، ذلك الشخص الذي يمتلك ذكرياتنا، وعواطفنا، وكراهيَّتنا. وكيف يتصرَّف المرء في مواجهة نفسه. لقد كنت مهتمّاً، أيضاً، لفترة طويلة جدّاً، بنظرية المحاكاة التي صاغها «بوستروم»، وهي الفكرة المذهلة للغاية، والقائمة على الاعتقاد بأننا نعيش في عالم افتراضي، وأن كلّ ما يحيط بنا مصطنع، وهي النظرية التي حظيت، مؤخَّراً، بمصادقة مجلّة «علوم» التي أكَّدت إمكان صحّة النظرية بنسبة %50… وهكذا، تمازجت هاتان الفكرتان مع رغبتي في كتابة رواية ما، وفق فرادة سردية، تتناول جميع القضايا المتعلِّقة بالأجناس الأدبيّة.

من هنا، جاء تعدُّد الأساليب في الرواية: حيث تنطلقون من الرواية البوليسية إلى الخيال العلمي، مروراً بقصّة الحبّ…

– ه. ل. ت: نعم. كنت قد جرَّبت كتابة الرواية البوليسية في أيّام سلسلة «الأخطبوط – Poulpe» ، لكن  الأمر لم يكن يستهويني، بيد أنه كان تمريناً أسلوبياً حقيقياً، أخضعت نفسي له، في غضون شهرين، مع ما يستتبع ذلك من مخاطر التكرار والصور والتعابير غير المضبوطة، فقد كانت هذه هي اللعبة. وفي هذا العمل راودتني الرغبة، مجدَّداً، في أن أعود، مرّةً أخرى، إلى جنس الرواية البوليسية؛ لذلك نجد أن أحد الشخصيات يعمل قاتلاً مأجوراً. هكذا، قلت لنفسي، وأنا أتخيَّل أن كلّ شخصية أخرى في الرواية ستتوافق مع أسلوب سرد مختلف؛ وبهذا يكون للمجموع كلِّهِ تلوينٌ شاملٌ فريد.

هل يتعلَّق الأمر، إذاً، بذلك الأدب المعروف بقيامه على الإكراهات ، والذي يحظى بدرجة عالية من التقدير عند جماعة «مشغل الأدب الاحتمالي» (Oulipo)، التي تنتمون إليها ؟

– نعم، لكن الإكراه هنا ضعيف ، وواضح المعالم. لقد اعتدنا في مشغل «أوليبو» أن نلزم أنفسنا بمظهر معيَّن للشخصيات، والتنقُّل إلى مبنى معين، مثلما فعل «جورج بيريك» في روايته «الحياة: دليل الاستعمال – La vie mode d’emploi». بيد أني لم أضع، في روايتي، سوى ثلاث صعوبات، فقط: الأولى تتعلَّق بالأساليب، والثانية تتعلَّق بتشابكها، والثالثة تقوم على كتابة فصول تبدأ، من وقت إلى آخر، بتحوير عنصر معيَّن مأخوذ من أحد الكتب الموجودة في خزانتي الخاصّة. فعلى سبيل المثال، أخذت الفقرة الأولى من رواية «وعد الفجر- La Promesse de l’aube» لـ«رومان جاري»، وكتبتُ على ضوئها فقرة في كتابي. وهذا الأمر يساعدني في نسج الرواية. إنه لأمر ممتع جدّاً أن ينتقل المرء من جنس إلى آخر. لأننا إذا قمنا بخلق شخصية قاتل مأجور، فلن تكون لدينا الرغبة في أن ننهج أسلوب «بروست» في الكتابة. [يضحك].

هل تتفاعل مع شخصيّاتك في الرواية؟

– أوه! يمكنني أن أقول إن في هذا الأمر مسحة من التصنُّع، لكن ذلك ليس بالأمر الخاطئ كلِّيّاً. فعندما نكتب عن «النشاز»، فإن الشخصيات تجسّد نفسها بقوّة. إنها تجذبك إليها، وفي لحظة معيَّنة تجد نفْسَك مأخوذاً بالسرد، إذ تتولد لديك رغبة في إكمال قصّة «بليك»، أو قصّة «لوسي» و«أندريه»، أو قصّة «جوانا». وكلّ قصّة من هذه القصص القصيرة هي بمنزلة رواية.

تمثِّل «النشاز»، أيضاً، رواية عظيمة عن الحبّ…

– وليست عن أيّ شيء آخر. إذ ما إن تلتقي الأشباه، بعضها بالبعض الآخر، حتى تصير مأخوذة بتسوية هذا المشكل، ولا تأبه، أبداً، لما سواه، لكن الأشباه تواجه المستحيل والفرصة الثانية. فالمسألة الأساسية، في عصرنا، هي مسألة العلاقة مع الآخر؛ فمن هنا تنبع مشكلة حبّ تملُّك الآخر. وبهذا الصدد توجد ثلاثة طرق ممكنة: إمّا تجريد المرء من التملُّك، أو التضحية، أو التعاون، وهو ما يمكن تلخيصه في السؤال الآتي: «هل أنا قادر على مشاركة شخص أحبُّه حياته؟» إنني لا أؤمن بالتنافس بين الرجال والنساء، كما أنني لا أعتقد أننا نترك شخصاً ما «من أجل» شخص آخر، بل بدافع من ذواتنا. إذا فشلنا في إقامة علاقة ما، فهذا ليس بسبب وجود علاقة أخرى، بل لأننا، فقط، وبكلّ بساطة، لا نستطيع.

لذا، إنَّ الحل الأنسب هو أن يكون لدى كلّ منّا شبيه ؟

– نعم. [يضحك]. بوجود الشبيه، يمكن للمرء أن يحاول النظر إلى ذاته، وأن يسعى إلى تحسينها. وهو ما يفعله «أندريه»؛ أحد الشخصيات في الرواية؛ فعندما يواجه شبيهه، يرى نفسه بطريقة أكثر وضوحاً بكثير من رؤيته نفْسَهُ في المرآة.

من أين تأتي الحاجة إلى هذه المسافة، في عصر صرنا نحبّ فيه السخرية والتهكُّم؟

– إننا نعيش، أيضاً، في عالم نقضي فيه وقتنا في التقاط صور لأنفسنا، وفي النظر إلى أنفسنا، وفي السعي لأن نجعل من ذواتنا مركزاً للعالم، حيث نحبس أنفسنا في فقاعة صغيرة، تجعلنا نؤمن بنظرية المؤامرة، وتحثنا على ألّا نواجه، أبداً، موقفنا من الآخر. إننا نتاج سلسلة كاملة من الظواهر التي تخرج عن نطاق سيطرتنا، من بينها: وسائل التواصل الاجتماعي، والتلفزيون الذي بدأ يفقد مكانته لصالح اختيارات ترفيهية وتثقيفية وإعلامية أخرى عديدة؛ إذ لم يحدث، أبداً، أن تمتَّع هذا العدد الكبير من الناس بهذا القدر القليل من الثّقافة؛ عرض ثقافي ضخم يركِّز على الحدّ الأدنى من الاختيارات، وهذا، أيضاً هو ما أعيشه، الآن، في هذه الرواية التي حقَّقت نجاحاً ظاهراً من المرّة الأولى، بينما الكثير من كتب أصدقائي لم تَنَلْ حقَّها من الشهرة، وهذا ظلم.

كيف كان شعورك عندما علمت بأن روايتك «النشاز» هي واحدة من الروايات المرشَّحة للفوز بجائزة «غونكور»؟

– أوه! لقد انخفض الضغط الآن، بعدما احترق مخزوني من الأدرينالين كلِّيّاً. [يضحك]. أنا لا أكترث لهذا الأمر. أشرب الشاي الممزوج بالأعشاب، وبعض المشروبات الأخرى. لقد كانت هذه الاستراحة مفيدة، تقريباً، بالنسبة إلى المرشحين الأربعة في المرحلة النهائية، ثم توقَّف كلّ شيء، فجأة، دفعة واحدة؛ لذلك أنا أتساءل عمّا إذا كان الأمر مهمّاً بالفعل. ولكن، تظل جائزة «غونكور»، مع ذلك، قادرة على تغيير حياة من يفوز بها، رغم أنني لست مهووساً بالأمر، ولا أفكِّر به طوال الوقت. وقد اتّضح أنه يجري، الآن، بالفعل ترجمة رواية «النشاز»، فأنا، إذاً، قد حقَّقتُ هدفي الشخصي المتمثِّل في إخراج الرواية إلى الوجود، كما أننا سعداء جدّاً بوجود جائزة مثل «غونكور»، إذ من شأن هذا الأمر أن يغيّر مكانك في الوسط الأدبي، ولكن بشكل مؤقَّت. فمن منّا -مثلاً- يتذكَّر جائزة «غونكور» لعام (1992) أو لعام (1993)؟ يتعيَّن علينا، إذاً، أن ننظر إلى هذا الأمر من منظور نسبيّ، وهو ما من شأنه أن يقدّم فرصة إضافية تمكِّن الكتب السابقة من أن تخرج، مرّةً أخرى، إلى الوجود.

ما وجهة نظركم في ما يتعلَّق بمسألة إغلاق المكتبات. هل ينبغي منح الأولوية للصحّة أكثر من الثّقافة ؟

– لا أدري، فأنا لست عضواً في المجلس الصحّي. والبلجيكيون لم يتبنّوا هذا الخيار. نحن نتوفَّر على أقنعة واقية، ومعقّمات، ثم اتَّضح أن عملية «طلب شراء الكتب عبر الإنترنت، قبل تسلّمها في المكتبة، والمعروفة بـ«click and collect»، ليست بالفاعلية التي كنّا نعتقد.. لأن جزءاً من المبيعات يتمّ بعد جَوَلان القارئ في فضاء المكتبة، واكتشافه بعضَ العناوين من خلال تناوله الكتب مباشرةً من فوق الرفوف. زد على ذلك أن كبار البائعين هم وحدهم من يستفيدون من نظام البيع هذا. وهكذا، الكتب الحقيقية التي أقوم باقتنائها هي تلك التي أراها على طاولة معيّنة أو على رفّ معيّن. وعندما أسمع «برونو لو مير» وهو يقول:«إن هذه العملية ستسمح لبائعي الكتب بالبدء في استخدام التقنية الرقمية»، ينتابني الفضول لمعرفة متى كانت آخر مرّة قام فيها وزير المالية هذا بزيارة المكتبة. إن المكتبة هي المكان المناسب الذي يواجه فيه المرء خيارات كثيرة؛ إذ ليس من الممكن أن يقتصر الأدب على خمسة عشَر عنواناً.

لقد كنتَ تَدْرُس الرياضيات، فكيف انتقلت إلى الأدب؟

– لم أكن مُدرِّساً جيّداً، كنت أطرح الصيغة الرياضية قائلا: «سنحاول العثور عليها معاً»، وكان بعض الطلّاب يتوصَّلون إلى الحلّ بشكل أسرع مني. لقد كان الأمر شبيهاً ببيداغوجيا التلميذ الكسول، إذ كنت أعرِّض نفسي للحرج؛ لذلك حوَّلت وجهتي نحو مركز تكوين الصحافيين ، حيث تَمَّ قبول ترشُّحي هناك، وسرعان ما دخلت عالم المجلّات العلمية، ولكم كنت أحبّ تبسيط المادّة العلمية، ونشرها لعموم القرّاء!.

ولكن، مع ذلك، كلّ هذا لا يجعل منك كاتباً.

– في عام (1984)، نشرت روايتي الأولى. لم تكن رائعة، بيد أني بدأت في الكتابة ضمن المجلّة الأسبوعية «حدث الخميس – L’Evénement du jeudi». ولمدّة سبع سنوات، كنت أكتب كلّ أسبوع قصّة قصيرة تتضمن ألفَيْ علامة. مرّة على الكوكتيلات، ومرّة على المكرونة، وأخيراً على مشروب شاي الأعشاب. كنت قد كتبت عن شاي الأعشاب حكايات مرعبة، كانت بطلتها هي نسخة بديلة لشخصية الآنسة «ماربل» الشهيرة، وقد شكَّل ذلك تدريباً جيّداً من حيث الكثافة السردية. وبالنسبة إليَّ، أنا الذي كنت أحبّ «جول رونار» أو «سويفت»، فإن اعتناق الشكل القصير ، كان أمراً مثاليّاً.

من الكتّاب المفضَّلون لديك؟

– عندما كنت طفلاً، كنت أفضِّل قراءة «رومان غاري»، و«جان بول سارتر» و«إيتالو كالفينو» فيما بعد، في روايته الثلاثية «أسلافنا»، لكن مجموعته القصصية «ماركوفالدو» هي أكثر ما أثار إعجابي، على مستوى الشكل؛ فقد كانت هذه القصص الصغيرة تتعاقب، وتخلق كوناً رائعاً مشيّداً بشكل جيِّد، كما أنها كانت تُدخِل النثر في شعر حضري مذهل.

أما زلت تقرؤه؟

– بالطبع. وأنا أقدّمه، أو أنصح بقراءته باستمرار، وخاصّةً للمراهقين الذين يسألونني عمّا يجب عليهم قراءته. لقد وصفه بافيس بأنه سنجاب القلم، وهذا -فعلاً- هو أدقّ وصف له: «كالفينو» يقفز من غصن إلى آخر، في رشاقة لا حدود لها.

ما الذي عرفته عن نفسك بفضل الأدب؟

– أدركت عندما قاربت سنّ الثلاثين، أن الأدب طريق يمكن أن يسلكه المرء للهروب من نفسه، ومن الحياة اليومية؛ لذلك فسيكون من الصعب عليّ أن أستغني عنه، من الآن فصاعداً…

حوار: بنجامين لكوج

المصدر:

https://bit.ly/3nMuBRy

تورغوت أويار: «حبّي يؤلمني من التعاسة المتكاملة لبني البشر»

ينتمي الشاعر التركي «تورغوت أويار» إلى حركة شعرية طليعية بدأت في الخمسينات من القرن الماضي، وعُرِفت باسم (الحداثة الثانية) أو (الجيل الثاني)، أضفت ملامح جديدة على الشعر التركي، فأدرجت التعدُّدية في الشكل، والمعنى، والصورة، ورفضت التعبير عن المواقف السياسية المباشرة في الشعر، ونزعت إلى الرغبة في الحياة الفردية دون تدخل سياسي، والتوق إلى عالم آخر كما تصوِّره أبياتهم الشعرية السوريالية، وما زال لهذه الحركة تأثير عميق في الشعر التركي، حتى يومنا هذا.
كتب «أورهان باموك» في مجلَّة «دي زايت الألمانية»:… كنت في صباي أُمضي جُلَّ وقتي في قراءة الكتب المختلفة، ومنها لشعراء «الحداثة الثانية» مثل «تورغوت أويار»، وآخرين، ورغم أن شعرهم عصيٌّ على الفهم، لكنه مؤثِّر وبليغ. كنت أحاول كتابة الشعر مثلهم، فأجلس إلى الطاولة، وبعد أن أكتب بعض الأبيات الشعرية، أُدرك سذاجة من يشاهد لوحة تجريدية، فيذهب به الظنّ إلى أنه قادر على رسم لوحة مشابهة…»

وُلِد «تورغوت أويار» في أغسطس، 1927، في أنقرة. كان الطفل الخامس بين ستّة أطفال. نشأ في أجواء عسكرية، فوالده كان ضابطاً، وحياته الدراسية أمضاها في المدارس العسكرية الداخلية أيضاً، وخدم بصفة عسكرية في الوظيفة الحكومية، لمدّة ست سنوات، بعد أن أنهى خدمته العسكرية الإلزامية. رغم كلّ تلك الأجواء العسكرية التي نشأ وترعرع فيها، لم يقتفِ أثر أسلافه في كتابة الشعر الملحمي، والوطني، والسياسي الذي كان مهيمناً على شعر مَنْ سبقوه من كبار الشعراء الأتراك، بل فتح آفاقاً جديدة في الشعر التركي، واستخدم أحاديث النفس الداخلية، وتخلَّص من الوزن والقافية، وأكسب الشعر سرعة جديدة، ووجَّه شعره نحو مجالات غير مسبوقة، وساهم، بشكل كبير، في تطويره.

توفِّي «تورغوت أويار» في اغسطس، 1986، تاركاً خلفه 14 كتاب شعر. وكانت وصيَّته لزوجته الكاتبة «تومريس أويار» أن تمزِّق كلّ ما كتبه بخطّ يده، ولم يُنشر من أشعاره، وقد نَفَّذت وصيَّته كما أراد.

يعكس «تورغوت أويار»، في معظم قصائده، وطأة ضغوط معايير التحضّر وأنماط الحياة العصرية، وعزلة الفرد في المدينة، وتأثير نمط المعيشة فيها في تشكيل حياة الفرد، والشوق والحنين إلى حياة الريف والطبيعة رغم صعوبتها؛ لما تمثِّله من حريّة غير مقيَّدة، وانفتاح للعلاقات الاجتماعية بين أفرادها، فيقول في قصيدته «تلك القرية لا تزال في أحلامه»:

على جبال آرسيان المُهيبة، ذات يوم
أُنهِكتُ، وأُنهِكَ حصاني.
عاصفٌ وصاعقٌ ذاتَ عصرِ يوم،
حين أطلقتُ العنانَ لحصاني، تحتَ المطر
ونزلتُ في قرية «بَنارْهيف»..

في غرفةِ المختارِ، أنا وغربيانِ اثنان،
كأنّنا نَعرِفُ بعضَنا منذُ سنوات!
جفّفنا ثِيابَنا، وشرِبنا الشايَ، وتسامرنا.
بعيداً عن الذئابِ، والطيورِ، والضباب..
كإنسانٍ، في قرارةِ نفسي،
كمْ فرِحتُ، وشَعرتُ بالحبور!.

ما إنْ وَرَدتْ سيرةُ المرأةِ في حديثِنا،
حتى انتابني شعورٌ غريب.
قدْ لا تصدّقونَ ما أسمعُه في الظلام!
أسمع أصواتاً في البعيدِ البعيد.
دخلتُ السريرَ، وتَلحّفت
في قريةِ «بَنارْهيف»، في غرفةِ المختار
إلى جوارِ أحلامي، والناس..
استغرقتُ في النّومِ حتى الصّباح..
في دفءِ أجواءِ تِلكَ القرية،
أعلمُ أنْ لا شيءَ قدْ تغيّر مذ ذهبت.
ليهنأوا جميعُهم بالمياهِ وأسماكِ السَلَمون.
تلكَ القريةُ لا تَزالُ في أحلامِه.

ويصف القرية، في قصيدته «إحياء ذكرى»، بأنها أرض الحكايات الخيالية الجميلة، ويحنّ إلى الحياة فيها، رغم صعوبتها، بأمطارها الممتعة، وهي أقرب إلى نفسه من حياة المدينة:

كانتْ لِيَ أيامٌ مُمْتِعةٌ مبلّلةٌ بالمَطر،
وليالٍ لي جميلةٌ ومليئَةٌ بالحِكايات.
كلُّ شيءٍ، كلُّ شيءٍ كانَ جميلاً: الدموعُ والدنيا والزمان،
وما التقطْتُه مِنْ توتِ العلّيق، في طريقِ القريةِ المُغْبَرّ، المُقْفِر،
كانتْ لِيَ أيامٌ مُمْتِعةٌ مبلّلةٌ بالمَطر.

كنتُ أُتابِعُ القَمَرَ يكبَرُ، كلَّ يومٍ، في السّماء،
والمقابِر الدارِسة مِنْ جِدارِ القَلْعَة،
والصّخرَةَ التي أخالُها عملاقاً مخيفاً،
وما تشبِكَه أمّي منْ تمائِمَ زرْقاء.
كنتُ أُتابِعُ القَمَرَ يكبرُ كلَّ يومٍ، في السّماء.

مصباحُ الكيروسينِ مُضاءٌ في وَسَطِ الغُرْفَة..
وأحياناً، بِوهجِ الصواعِق، تُضاءُ الليالي.
عشُّ اللقلقِ المُقامُ أعلى مِدخَنَتِنا،
كمْ كانَ جميلاً! وكمْ هي جميلةٌ الحكاياتُ والأحاجي!
مصباحُ الكيروسينِ مُضاءٌ في وَسَطِ الغُرْفَة.
ولّتْ بهجةُ أيّامي الماضِية..
كانتْ لِيَ أيامٌ مُمْتِعةٌ مبلّلةٌ بالمَطر،
حيثُ وُلِدتُ في بلادٍ مُقْفِرة،
احترقتْ في مصابيحِ الحكاياتِ لا في مصابيح الكيروسين،
ولّتْ بهجةُ أيّامي الماضِية…

ويعرض «تورغوت أويار»، في قصيدته «عن الأقدار البعيدة»، صوراً من الهروب والتشاؤم والموت، والحاجة إلى المحبّة، لكن الحبّ والآلام متلازمان، وبُعْدَ أفراد مجتمع القرن العشرين عن أنفسهم، والاضطراب الداخلي، والشعور بالوحدة يلازمهم باستمرار. الحياة في المدينة وهمية كزيف أضواء النيون. والخلاص من الشعور بالوحدة، والعزلة بالجلوس في حانة على شاطئ البحر والبكاء، ليسا سوى تخدير للقلب والروح، بانتظار مغادرة الدنيا إلى مكان مجهول:

ذاتَ يومٍ ماطرٍ،
سأغادرُ عائلتي، دون رغبةٍ منّي.
بقلبٍ لم يملَّ الحبّ،
أعرفُ أنّي سأغادرُ وحيداً.

القرنُ، هو القرنُ العشرون، آمنّا.
أحملُ محبّتي إلى جانبي، وأحملُ وجعي إلى جانبي الآخر،
أضواءُ النيونِ تُضفي العتمةَ على ليالينا..
البعيدُ يزداد بعداً،
كدفينةٍ تخرجُ من بين الصخورِ، منذ عهد آدم..
أنا بحاجةٍ إلى محبّةٍ دافِئة.

سأغادرُ ذاتَ يومٍ، وحيداً..
لتلمع النجومُ، لتخلُ الطرقات، الطرقات..
ليلفَّ وسطي شالٌ دافئٌ، أزرق
بعدَ نهايةٍ حزينةٍ، بلا أُغنيات،
لتنحنِ أحلامي في نُزُلٍ منسيّة،
أمام شفتَيْنِ مفعمتَيْنِ بالعاطفة، ولامستا الكثير.

ما عادَ يطيق حالَه عمري،
ليتني أعيشُ قَدَرَ كلّ إنسان على حدة،
عشقٌ دمويٌ في بلادِ الغربة،
طفولةٌ تعيسة في إحدى القرى النائية،
في الفجرِ الأكثرِ بعداً،
في العصرِ الأكثرِ قرباً،
ومساءٌ عاطفيٌّ في حانةٍ على شاطئ البحر،
ليتني أبكي، ولا أتوقفُ عن الشراب..

كيف يمكنُ اختزاله؟ لا أدري!
بينما الكلُّ يريدُ حصَّتَه من المتاعب.
مياهُ الأقدارِ البعيدةِ تُخرخرُ الآن،
والنجومُ تتساقطُ إلى ما لانهايةٍ، من داخلنا.

ذاتَ يومٍ، بينما كنت أجلسُ في الحديقة،
عرفت أن يداً ستلمس كَتفي مع المطر،
وزوجاً من الأعينِ، ودعوةَ ضيافةٍ، وقلباً،
سأتخلّى عن عائلتي.

أوراقُ الشجرِ ستتساقط، والأزهارُ ستذبل،
ذاتَ ربيعٍ، وذاتَ صباحٍ، ومطرٌ سيهطُل،
عابقاً برائحة الإنسانِ والتُراب.
في حالةِ ثَمَلٍ مصحوبٍ بالعويلِ، منذ سنوات،
سأغادرُ وحيداً.

ويخاطب «أويار» طائر الكركي في عدد من قصائده، إذ يمثِّل، بالنسبة إليه، رمزاً للحريّة والانعتاق من كلّ قيد، والانطلاق بلا حدود، ويصل به الأمر إلى أن يتمنّى أن يكون ريشة في جناحه كي يطير معه وينطلق بلا قيود، في قصيدته «معك يا طائري الكركي» :

استسلمتُ لعاصفةٍ وتجاوزْتُها،
خارج أنقرة واستانبول.
أتقولون: كمجنونِ ليلى، أو لبنى
يسعى خلفَ كركيّ ذي ريش؟

آه، أيُّها الكركيّ! ليتني ريشةً من جناحِيك.
فلا تتركني هائماً في الطّرقات.
احملني كأحدِ همومِكَ، كأحدِ فِرَاخِك.
آه، أيُّها الكركيّ! ليتني ريشةً من جناحِيك…

في عمقِ دغلٍ، على قمّةِ جبل،
أنامُ القيلولة.
يا أيُّها الكركيّ! يا روحي أيُّها الكركيّ! يا سيِّدي أيُّها الكركي!
تعلمُ أنّي غريبٌ، أنّي ضعيف…

لا غابت عنّي ظِلالُك، ولا عَصْفُك.
تلكَ الأيامُ، كانت ناراً تستعِرُ في داخلي.
حينَ كنّا نهبطُ من قريةِ «صاكالْتوتان»، عندَ الصّباح،
كانت بلدةُ «قارْص» قد استفاقت للتّو…

إلى أيّ مكان كان، أستودعكم الله،
بلدنا تلك تأخذ بالأبصار، أيُّها الكركي!
الطريقُ سالكٌ، بعد أن أزيلت قرية «داغدفيران» بالتسوية،
والذهاب إلى قرية «باسينْلِر» بِلَيرَتَيْن ونصف، يا الله!

في نَزل علي أفندي في «باسينْلِر»،
استغْرقتُ في نومٍ عميق.
على الحصيرِ، كمْ شعرتُ بالراحةِ، دون قلق،
إلى جانبِ القَرَويّ مصطفى!.
لو أجلسُ وأبكي حتى الصّباح،
طرقاتٌ تَمورُ في داخلي.. طرقاتٌ قريبةٌ، وبعيدة.
يا حسرتي، لم أكْتفِ بعد، لم أكْتفِ، لم أكْتفِ.
ألا ليتَ، أيُّها الكركي.. ألا ليتَه لا يكون حُلماً..

لِمَ أنا حزينٌ هكذا؟، لستُ أدري!
آلاف النجوم تجري في دمي.
أهيمُ منذ سنواتٍ، منذ قرون،
حرّاً، سيراً على الأقدامِ، زائغَ النّظرِ، في وطني..
يا ليتني ريشةً من جناحَيك ، أيُّها الكركي
اخطفني، خذني معكَ ولا تتركني.
خذني إلى بلدةِ «قارْصْ»، أو «سيفاسْ»، أو «أَدِرْنَةّ»
لا يعنيني من طبيعَتِها الخضراءَ شيئاً، ولا من محيطِها.
احملني.. ليتني قملةً، ليتني عبداً لك،
مِثلَ حبّةَ شعيرٍ في حوصَلَتِك…

لا ينسى، أيضاً، مدى تأثير حياة المدينة على المرأة، من خلال كونها زوجةً لموظَّف بسيط في إحدى الدوائر الحكومية، فكتب قصيدة بعنوان «زوجة الموظَّف»، وأهداها إلى زوجته:

ترتدينَ من الحريرِ أَسوأَه.
أنتِ زوجةُ موظَّفٍ من الدَّرجةِ العاشِرة..
امرأةٌ مكابِدةٌ، وفيّةٌ، ونِصفُ قلبي….
سعياً وراءَ نظرةٍ، أو وعد،
راضيةً بالنَّصيبِ، أحنَيْتِ رأسَكِ خضوعاً.
سيِّدتي، أصبحَت امرأةً في الخامِسةِ عشرة…

لا تُلِمّين كثيراً بالموْضَة..
لمْ تَطْلي أظافرَكِ منذُ زفافك،
وتَلِفتْ يداكِ من مساحيقِ الغسيل.

لا أحلامٌ كبيرةٌ، كبيرةٌ، لديكِ،
تجمعين القرشَ على القرش،
تأملين بعلاوةٍ أو مكافأة…

هدرتِ عمرَكِ على قِممِ الجبال.
أصبحتِ أُمّاً قبلَ بلوغكِ الثلاثين.
خمسةُ أطفالٍ لديكِ، في الثامنةِ من عمرهم…

تذهبين مرّةً في السنة،
إلى مدينة الملاهي، أو الجزُر، أو البحر..
تُمضين السنة كلَّها بجوربٍ وفستانٍ واحد…

أنتِ زوجةُ موظَّفٍ من الدرجةِ العاشرة..
امرأةٌ مكابدةٌ، وفيّةٌ، ونصفُ قلبي.
مهما قلتُ، فلن أوفيكِ حقّك.
ويلجأ، في قصيدته «يؤلم»، إلى غير المألوف في التعبير عن شدّة تعاسة البشر، فيصفها بالرأسية والأفقية والمتكاملة، بينما يعبّر عن حبّه لبني البشر، ومدى ألمه من تعاستهم بـ«حبّي يؤلمني»، فيقول:
أريدُ التّحدّثَ عن التعاسة
عن التعاسةِ الرأسيةِ والأفقية
عن التعاسةِ المتكاملة لبني البشر.
حبّي يُؤلِمني!
لقد عِشنا أشياءَ مليئةً بالغموض،
وهم عاشوا هناك، أيضاً.
يخطئون حينَ يظنّونَ أنّ تعرُّج الجبلِ
ابتهاج.
التعاسةُ، قبلَ كلّ شيء،
تُشبِه حانةً في بلدةٍ صغيرةٍ، لا ريب،
تضرِبُ ضحكتُها ضوءَ النهارِ،
دونَ انعكاسٍ هنا وهناك..
أي أنَّ امرأً قد أصابَه الزُّهريُّ مِنْ وردةٍ ذابلةٍ،
وآخرَ قد أصابَه السُّلُّ من امرأةٍ أخرى.
بتأريخ كلّ المباني
وتأريخ كلّ الوعود،
حبّي يُؤلِمني.
«أشفق على حبّي»، يقول أحدهم.
حتى الطفلُ ذو العيون الجميلة،
لا صيفَ محميٌّ له.
ليسَ لديَّ أيّ فكرةٍ عمّا ينبغي قولَه.
حبّي يُؤلِمني.
السفنُ لا تزالُ تمرُّ وتمضي،
والجبالُ ستُظلِمُ وتُضيء..
وهذا هو كلُّ شيء.
شأوي هو العثورُ على شيءٍ، ومِنْ ثَمّ الابتهاج.
حلَّ الخريفُ أيُّها الحزنُ..
وحلَّ الشتاءُ، أيُّها الحزنُ الأسود
يا أذكى إنسانٍ في الدنيا!
حبّي يُؤلمني،
في وضحِ النهارِ في عزِّ الصيفِ، أحياناً.
لا يَهُمُّني مَنْ أحبّ،
ولا يَهُمُّني من يحبُّني.
ها قد حزم أيلول حقائبه، وذهب..
وتشرين وغيره، سيذهبون على النحو ذاته.
الخيول الضخمة الغارقة في التاريخ..
والغرق في التاريخ، هذا هو كلّ شيء.

فرانثيسكو برينيس: الشعر هو قول أشياء مؤلمة

أعلنت جائزة «ثيربانتس» المرموقة، نوبل الأدب الإسباني، فوز الشاعر فرانثيسكو برينيس لعام 2020، عن مسيرته الإبداعية التي استمرَّت على مدار 60 عاماً، أضاف فيها للشعرية الإسبانية، وانتقل فيها من الحسِّية إلى الميتافيزيقا. تبلغ قيمة الجائزة 125 ألف يورو، وتُمنَح عاماً لكاتب من إسبانيا، وعاماً لكاتب من أميركا اللاتينية، لكنها، هذا العام، مُنِحت لكاتب ولشاعر إسبانيّين، لعامَيْن متتاليَيْن.

ينتمي «برينيس» إلى جيل الخمسينات الشعري، وهو الجيل الذي وُلِد في زمن الاضطراب السياسي، وعاش طفولته في الحرب الأهلية (1936 – 1939)، ثم بدأ الكتابة والنشر تحت رقابة الديكتاتورية الفرانكوية. نال الشاعر البالينثي التقدير منذ ديوانه الأوَّل، وفاز بالعديد من الجوائز المهمّة، مثل الجائزة الوطنيّة للأدب، في سنّ مبكِّرة، لذلك لم تكن مفاجأة أن تختاره لجنة جائزة «ثيربانتس» لجائزتها، بل إن الكثيرين رأوا أنها تأخَّرت.

بدأت مسيرتك الشعرية بديوان عن الشيخوخة: «الجمرات» (1960)، ويبدو فيه أن الزمن لا يمرّ. كيف استطعت أن ترتدي ثوب الشيخ وأنت في الثامنة والعشرين، حين نُشر الديوان؟

– في الثامنة والعشرين، نُشر الديوان، لكني كتبته قبلها بعام، بين الصيف والخريف. ينبغي أن أقول إنه ديواني الاستشرافيّ الوحيد: إذا كان الشاعر عرّافاً، فقد تمتَّعت بهذه القدرة في كتابي الأوَّل، فحسب. البطل الشعري، خاصّة في الجزء الأوَّل والأساسي في الديوان، هو رجل عجوز، يعيش وحيداً في البيت الذي أعيش فيه نفسه، منتظراً النهاية. وهذا ما تحقَّق، بالفعل: وصلت وحيداً إلى هذه القرية، إلى هذا البيت، وهو بيت الديوان نفسه، وفيه أنتظر النهاية؛ بهذا المعنى هو كتاب تنبُّؤي، رغم أنه، للمفارقة، كتابي الأوَّل المكتوب وأنا في السادسة والعشرين أو السابعة والعشرين.

هل كنت تشعر، نفسيّاً، بأنك عجوز؟

– بعيداً عن السنّ، ما كنت أراه هو مصير العزلة الذي كنت أحتاج إلى التعبير عنه شعرياً لتحقيقه، رغم أني لم أقل ذلك في هذا الديوان أو أيّ ديوان آخر؛ لأن الشعر هو كشف معنى الوجود الإنساني، شيء نقف أمامه عمياناً. كلّ شيء، على الأقلّ الأشياء المهمّة، محض لغز، وهذا اللّغز يجبرني على طرح أسئلة أساسية تأتي وتذهب، ثم تعود بشكل موسوس، تقريباً. ولأن هذه الأسئلة، بطريقة أو بأخرى، لم تهجرني، لا أعتقد أن ثمّة تغييراً حدث في شخصيَّتي.

لماذا كتبت كلّ قصائد هذا الديوان بصوت الضمير الثالث؟ هل هي مسألة خجل؟

– أظنّ أننا، في نهاية المطاف، نحكي عن الذات: من منطقة الجسد ومن الروح التي ترافقه. الروح تعيش فيما يعيش الجسد؛ وحين يموت، تموت الروح كذلك. أؤمن بذلك، من وجهة نظري، وهي وجهة لا تؤمن، ولست سعيداً معها، لأن ما نختبره، في النهاية، هو هويَّتنا الذاتية، وهذا ما لا نتمنّى أن نفقده، أبداً: الوعي بالهويّة، الشيء الوحيد الذي نحتفظ به، ما دمنا على وجه الحياة. من ناحية أخرى، حتى وأنا أتكلَّم عن الذات، لم أعتبر أن ذاتي مختلفة عن ذات الآخر، قَطّ؛ إذ إن البشر متشابهون. السحري في الشعر أنه يجعلنا نقبل بشريَّتنا، ونقبل ما نحبّ أن نكونه، بدون أن نحصل عليه. وهكذا، عند قراءة الشعر، نقبل بحقيقتنا وحقيقة الآخر. هذه هي موضوعية الوجود أو جوهر ما هو إنساني؛ لذلك أعتقد أن «الأنا» لا ينبغي أن تبرز كما نفعل: الأهمّ هو «الأنت»، لأنك، بالنسبة إلى الآخر، لست «الأنا» بل «الأنت». أظنّ أن الكتابة بصيغة «أنت» أو «هو» ابتعاد عن الوقوع في فخّ الذات: ليس من أجل الإعلاء من شأنها، ولا الحطّ من شأنها، بل لمعرفتها كما تستحقّ. أعتقد أن الإنسان كائن مذهل، رغم أنه قد يكون عاراً. إمكاناته شبه لا نهائية، بحيث يمكن أن يكون بطلاً أو جباناً.

هل كان لك محاولات شعرية سابقة على ديوانك الأوَّل؟

– لي سوابق شعرية، عندما كنت في الرابعة عشرة، وكانت سنوات تعلُّم. حينئذ، لم يكن ممكناً النشر في مجلّات كالآن، وكنت، حينها، أرتاب فيما أكتب كما أكتب الآن. لكن، نعم.. كان لديّ رغبة في الكتابة، وهذا منحني سحر التقرب لمعرفة الشعر. كنت في الرابعة عشرة تلميذاً مراهقاً، وكنت أتمتَّع بخبرة الإجابة عن الأسئلة بحسب ما درست. كنت أجيب عن أسئلة أعرفها بالقراءة، وبقدر ما أستطيع. لكني، حينها، كنت وسيطاً، وسيطاً بين القراءة وبين خبرتي الشخصية. على سبيل المثال، لو سألوني في الخريف: أين قضيت الإجازة؟، فسوف أقول: على الشاطئ، ثم في الجبل بدايةً من سبتمبر. كنت أحلِّل من تجربتي ذاتها، وأحاول أن أفسِّر لنفسي بأني أحبّ الشاطئ أو الجبل، حيث كنت وحيداً، وأجيب بحسب هذا المنطق. لكن، مع الشعر، حدث شيء سحريّ لأن ما كنت أقوله لم أكن قد قرأته ولا جرَّبته: كان يخرج من داخلي، ولم أكن أعرفه إلّا بكتابته. هذا ما كان يبدو لي، ولا يزال يبدو، سحرياً. أكتب، الآن، كما كنت في الرابعة عشرة؛ لذلك لم أكتب قصيدة معَدَّة سلفاً في رأسي، إنما عاطفة أحتاج إلى اكتشافها عبر الكتابة. يتدخَّل الحدس، وهو الذكاء لا العقل: الذكاء القاتم حيث، عند الكتابة، يأتي ليصحِّح ويوافق بحسب التجربة التأمُّلية. أشطب وأصحِّح في حدود ميلاد القصيدة وشكلها الأوَّل؛ بمعنى أن التأمُّل ليس المكتشف بل المستعمِر: يأتي متأخِّراً. خلال زمن طويل كنت أكتب القصيدة من البداية إلى النهاية، حتى جاءت لحظة محدَّدة، بدأت فيها أكتب القصيدة، تاركاً مناطق أعرف أنها تحتاج إلى مراجعة؛ لأنها، في الكتابة الأولى، بدت أشبه بتقارير. الآن، في كتابي الأخير، أمامي ثلاث أو أربع قصائد للمراجعة. ليس لديّ حماس للمراجعة، لكني أتمنّى أن يتوافر لي الحماس لأنهي الكتاب.

أحياناً، ربَّما من أجل القرّاء السذَّج، يُقال -بإلحاح- إن الذات الشاعرة، التي تتحدَّث في القصيدة شيء، وأن الشاعر، المؤلّف الحقيقي، شيء آخر. ألا تعتقد أن هذا الفصل الذي صنعه المنظّرون والنقّاد أدّى إلى خلق صور شيزوفرينية للشاعر، مع أن الأصدق أن الشاعر شخص طبيعي في قصائده؟

– أنا أعتقد أن الشاعر، حين يكتب يرسم صورة شخصيّة: الدفتر مرآة يطلّ منها الشاعر كما يحدث في الأحلام، فيرى أشخاصاً مجسَّدين، لكن، في هذه اللحظة، تظهر وجوه أخرى. في الشعر، أيضاً، نطلّ على الورق، ونرى أنفسنا، لكن بوجه آخر. في القصيدة تخرج منا أشياء لا نعرفها، وفي المقابل، ثمّة أشياء نعرفها جدّاً، مهمّة ومعروفة، لكنها لا تظهر في القصيدة. الشعر يسحب، من العمق، أشياء يضعها على السطح، فيما يدفن أشياء أخرى.

كيف تعبّر عن الحميمية بهذه الدقّة وهذه الكثافة، مستخدماً لغة طبيعية جدّاً وعارية من كلّ زخرفة؟

– أظنّ أن الشعر الجيّد لم يكن، قطّ، حرفيّاً، رغم أن الحرفيّة قد تظهر -مثلاً- في الشعر السردي. الشعر يختلف عن النثر في كثافته المركَّزة. الشعر نبع الإيحاء والصدى؛ من هنا، تأتي صعوبة قراءته. مَن يقرأ الشعر مِن حرفيَّته لا يجد فيه شيئاً لافتاً، لأن الشعر ليس من أهدافه قول أشياء جديدة، إنما قول أشياء مؤلمة (مؤلمة بعمق أو ممتعة) بالنسبة إلى كلّ الناس، ومن ذلك، على سبيل المثال، الشعر العاطفي. كلّ الناس، تقريباً، شعروا بالحبّ؛ ليس الحبّ الجسدي، فحسب، بل غير الجسدي، أيضاً. مع ذلك، حين يجرِّبه فرد، للمرّة الأولى، لا تفيده تجارب الآخرين. وحين يعيد التجربة بتلك الكثافة، سيتمَّكن من رؤية حجمه. في الشعر، يحدث الشيء نفسه: يتناول موضوعات معتادة عن الحياة والموت والحبّ والألم، لكنه يقول ذلك بطريقة تحرّك مشاعر القارئ، ويتعلَّم من ذلك، أو يعيش التجربة التي لم يعشها؛ لذلك لا أظنّ أن الشعر يجب أن يقول أشياء جديدة ليحظى بالتقدير؛ والأكثر من ذلك، أعتقد أن عالِماً بنظرية جديدة يحتاج إلى النثر ليشرحها، ويعبِّر عن نفسه فيها أكثر من استخدام الشعر، لأن ما يبحث عنه القارئ، حينها، ليس الشعر، ولو تقدَّم العلم في شكل شعريّ فسيتعثَّر القارئ في فهمه، لأن الأشياء الموضوعية لا تهمّه. هذا الاستعراض للعلم يحتاج إلى دقّة ووضوح لا إلى صدى وتأمُّلات. ما تحتاجه اللّغة الشعرية هو السحر الكافي ليقول -حرفيّاً- ما لا يقال، لكنه يفعل ذلك بالإيحاء بطريقته. ثمّة قراءتان: الأولى حرفيّة، والثانية عميقة، وهي تتحقَّق حين يتَّصل القارئ بالقصيدة ويصير هو منتجها؛ يحدث ذلك لأنه يبتعد عن الحرفيّة، ليكون قارئاً وكاتباً في الوقت نفسه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: كارلوس خابيير موراليس

المصدر:

مجلّة بويسيا ديخيتال

http://www.poesiadigital.es/index.php?cmd=entrevista&id=57

عدالت آغا أوغلو.. الأدب التركي يفقد زهرة خياله!

«سأرقد للموت. لو أن هناك أبدية.. أريد أن أكون الأبدية». هكذا، قالت الكاتبة المسرحية والروائية التركية «عدالت آغا أوغلو»، والتي رحلت عن عالمنا، في تموز الماضي، عن عمر يناهز التسعين عاماً، بعد مسيرة حافلة بالمعارك في ميادين الأدب والسياسة، لتصبح قنديل التنوير والتحضُّر لمجتمعها كما وصفها وزير الثّقافة التركي في نعيه لها.
تُعَدّ «عدالت آغا أوغلو» أحد أبرز رواد الواقعية الاجتماعية في الأدب التركي المعاصر، وهي من الرعيل الأوَّل لمثقَّفي الجمهورية، تمتَّعت كتاباتها بحسّ ساخر وعبثي، وهي أستاذة اللعب بتيّار الوعي وتنويعات المونولوج الشخصي في الرواية. تنهض كتاباتها على آثار التغيُّرات الاجتماعية، والثّقافيّة التي تركتها السياسة على المجتمع التركي، وتوابع الحداثة، ونموّ الفردية، والشعور بالاغتراب، ورصد القيم المتحلِّلة في الطبقة البرجوازية البارزة، إثر التغييرات الجذرية في عصر الجمهورية. أدخلت أشكالاً جديدة على الرواية التركية، فهي -كما أوضحت- قد سئمت من الرواية الكلاسيكية، واستطاعت استخدام اللّغة التركية، بشكل جعلها تنجح في استعادة بعض الألفاظ والمصطلحات، لينعكس انتشارها في اللّغة اليومية.
وُلِدت «عدالت آغا أوغلو» في 23 أكتوبر، عام 1923، لأبٍ يعمل في تجارة الأقمشة. انتقلت مع أسرتها إلى قلب مدينة أنقرة، فحظيت بفرصة التسجيل في مدرسةٍ إعدادية بالعاصمة، ومع تقدُّمها الدراسي ظهرت موهبتها الشعرية، لأوّل مرّة، في الثانوية، لكن سرعان ما جذبها المسرح، فاتَّجهت إلى الكتابة المسرحية، وظهرت أعمالها النقدية ودواوينها الشعرية، منذ أن كانت في الثالثة والعشرين من العمر.
درست الأدب الفرنسي في جامعة أنقرة، والتحقت للعمل في قطاع الإذاعة والتلفزيون التركي فور تخرُّجها عام 1950، محرِّرة نصوصٍ مسرحية، حتى وصلت إلى رئاسة القطاع، وظلَّت تعمل به حتى دفعها توغُّل يد الدولة العميقة، في ظلّ الحكم العسكري في شؤون ما يبثه راديو TRT، للاستقالة، عام 1970.
ساهمت، مع مجموعة من أصدقائها، في تأسيس أوَّل مسرح خاصّ، عام 1961م، باسم «ميدان»، لتصبح هذه أوَّل خطوة على طريق تحرير القطاع المسرحي من قبضة الدولة. عُرِضت أعمالها على مسارح الدولة، حتى منعت وزارة الثّقافة التركية، تحت الحكم العسكري، عرضَ مسرحيَّتها «الصدع الذي بالسقف» عام 1965م. اتَّجهت للكتابة بأسماء مستعارة منها: ريموس تلادا، وباركر كوينك. في عام 1973، نشرت روايتها الأولى «الرقود للموت»، التي ناقشت، خلالها، التغيُّرات التي طرأت على المجتمع التركي من بعد رحيل «أتاتورك»، عام 1938.
في عام 1976، أصدرت رواية «زهرة خيالي الرقيقة» والتي تصدَّرت المبيعات في تركيا طوال أربع سنوات، حتى صادرتها السلطات التركية عام 1981، ووجَّهت لها تهمة إهانة القوّات العسكرية، وظلّت محلّ مداولة حتى تمَّت تبرئتها عام 1983م. تزايدت شهرة الرواية، وتحوَّلت إلى فيلم سينمائي عام 1992، بعنوان «المرسيدس الصفراء» من إنتاج تركيا وألمانيا وسويسرا وفرنسا.
أعوام الموت
في عام 1975، فقدت أخاها في حادث مأساوي، وفي العام التالي يرحل والدها، وفي عام 1977 يسقط أخوها الأصغر مهزوماً بالسرطان، فتمرّ بفترة عصيبة، انعكس أثرها على قصص مجموعتها «الصوت الأوَّل للصمت». انتقلت، بعدها، للعيش في اسطنبول، عام 1984. وتوقَّفت عشرين عاماً عن كتابة المسرح، حتى عادت، عام 1991، بمسرحية «بعيد جدّاً، قريب جدّاً». وحصلت عنها على جائزة «إش بنك» الكبرى.
في تموز 1996، تعرَّضت لحادث سيّارة ألقت بها في البحر، في أثناء مشيها على الساحل، لترقد عامين وأكثر في المستشفى، تتعافى من عودتها من الموت، كما علَّقت في يوميَّاتها: «كانت أيَّاماً عصيبة، كأنها زلزال مدمِّر، قاتلت فيها وحدي. كانت كالحياة تحت الأنقاض. لقد رأيت جنازتي! وعدتُ مرّة أخرى، بفضل محبِيَّ وقرّائي وأطبّائي. وفي ذلك الحين، عرفتُ أن الكاتب لا يستطيع كتابة ألمه، ولا يأسه الخاصّ. فقط، يستطيع كتابة آلام الآخرين».
أتمَّت مجموعتها القصصية «طرق النجاة» كما أوضحت في لقاء تليفزيوني، بشكل يدوي، على سرير المستشفى، ثم أرسلتها بالفاكس إلى دار النشر. تقول «عدالت آغا أوغلو» في هذا اللقاء: «كنت على وشك الاستسلام للموت، وعرفت معنى العبودية والبطالة، ولكن ما دفعني لهزيمة الموت هو معرفة العاملين بالمستشفى بأعمالي، وقراءتهم لها، وتأثّرهم بها. حينها، استيقظت بداخلي، مرّة أخرى، المسؤولية الاجتماعية، وصمَّمت على أن أعود إلى الكتابة، مرّة أخرى، من أجل المجتمع». وقد كتب لها الشاعر التركي المعروف «جان يوجل»، أنذاك:  «أنتِ أجمل حادثة حدثت لتركيا».
لم تنفصل حياة «عدالت آغا أوغلو» الأدبية عن السياسية، فقد سئلت، في لقاء تلفزيوني، عن علاقة ترشُّحها للبرلمان عام 1999، بكونها أديبة، فأجابت أن الأدب سياسة، والسياسة تنعكس على كلّ شيء في حياتنا، وأن كلّ رواياتها مستلهمة من المجتمع وأحداثه السياسية. قُدِّمت ثلاث مرّات للمحاكمة بسبب أعمالها، ومرّة بسبب ترجمتها لمسرحية لفيلسوف الوجودية الأكبر «جان بول سارتر».
ساهمت «عدالت»، عام 1986، في تأسيس جمعية حقوق الإنسان في تركيا، لكنها، في يوليو، عام 2005، تقدَّمت باستقالتها قائلة إن المؤسّسة بدأت تتَّخذ مواقف قومية متطرِّفة وعنصرية.
كانت تتوخّى التوسُّط في مواقفها، وكم جلب لها ذلك السخط؛ فقد تَمَّ انتقادها لحصولها على جائزة رئيس الجمهورية للأدب، وعلى موافقتها على تغيير الدستور عام 2010م، إلى درجة أنها تعرَّضت للرمي بالبيض من إحدى الجماعات الطلّابية. وقالت في لقاء تليفزيوني: «أنا مواطنة تركية، وإن لم أذهب لدعوة رئيس الجمهورية، فلأمزق بطاقة هويَّتي، إذاً».
تقول، أيضاً: «لولا قرار «أتاتورك» بحبس كلّ من لا يرسل بناته إلى المدرسة؛ ما كنتُ تعلَّمتُ، وأصبحتُ كاتبة. لكن التغيير الجذري بدون بنية تحتية، هو شيء خطير، فقرار تغيير الحروف من العثمانية إلى اللاتينية جعل مثقّفي الأمس جَهَلة! تخيَّل أن تكون مثقّفاً، وفي اليوم التالي لا تستطيع القراءة، حتى اسمك لا تعرف كيف تكتبه!».
سئلت عن نصيحة تقدِّمها للكُتّاب المبتدئين، فأوصتهم بكتابة اليوميّات؛ ليس لأنها ستساعد في تطوُّر أسلوبهم، فحسب، بل لأنها شيء نابع من الكاتب، ويخصّه وحده، وليس كالرواية أو المسرحية، إذ يمكن للدولة التدخُّل وتغيير شيء فيهما. كما أوصتهم باستخدام اللّغة التركية بشكل صحيح، والحفاظ على رصانتها بعيداً عن مدخلات الكلمات الأجنبية المستحدثة، فقالت: «إن الحزن يولِّد الإبداع. كلُّنا حزانى في الأصل، ولكن من يسائل نفسه ويدرك المغزى هو القادر على الإبداع، ولو كنت سعيدة؛ ما كنت كتبت».
في عام 2010، تبرَّعت بكلّ أرشيفها ومكتبتها لجامعة «بوغازتشي»، وتَمَّ تسمية المشروع باسمها، وصار مفتوحاً للجميع، به جوائزها، ومكتبها، وأدوات الكتابة، وأصبح متحفاً بعد ذلك.
عام 2018، حصلت على الدكتوراة من جامعة «بوغازتشي»، الجامعة الأولى والأهمّ في تركيا، عن إسهاماتها خلال 70 عاماً في الأدب والفكر والتنوير.
استمرَّ زواجها بالمهندس «حليم»، 64 عاماً: «هذا الزواج نجح لأننا هدمنا معنى منظومة الزواج، فقرَّرنا ألّا ننجب حتى لا يكون الطفل عقبة في طريق حرَّيَّتنا. «حليم»، أحَبَّ كتاباتي قبل أن يحبَّني، وكنت أوقّع له أوّل نسخة من كلّ عمل. لقد وقَّعت له على إحدى الروايات 27 مرّة!».
تقول الكاتبة عن آخر عمل صدر لها، في 2018، عن عمر 89 سنة: «الآن، أصبحت الكتابة سمّاً أكبر من السيجارة، حتى أنني تركت التدخين بسهولة، ولم أستطع ترك الكتابة! منذ عامين، لا أخرج من البيت، ولكنني لم أستطع التوقُّف عن الكتابة. الحاجة إلى الكتابة مثل حاجتي إلى الماء».
وفي موضع آخر، تقول: «كتبت هذه المجموعة القصصية برغم تقدُّم السنّ والألم من أجل «حليم»، الذي أحبَّني كاتبةً، ويجب ان أظلّ كاتبة. سقطتُ ثلاث مرّات وأنا أحاول المشي، وكان «حليم» يساعدني على المشي، فأقول له: لن أمشي خوفاً من السقوط، وهكذا، وضعت اسم المجموعة القصصية. الخوف من السقوط ليس مادِّيّاً، فقط، فأنا أخاف،أيضاً، من السقوط المعنوي».
في 2018، بعد صدور مجموعتها القصصية الأخيرة، مات زوجها المهندس «حليم أغا أوغلو». وفي مقابلة لها مع مجلَّة «اسطنبول لايف»، في أوائل 2020، وقبل هجوم وباء «كورونا» على العالم، قالت: «انقطعت عن الكتابة وعن كلّ شيء بعد موت «حليم». لقد أصبحت نصفاً، سئمت من نفسي، أنتظر متسائلةً: لماذا لم يأتِ الموت حتى الآن!».
توفِّيت الكاتبة التركية «عدالت آغا أوغلو» في 14 يوليو، 2020، بعد رقودها ثلاثة أيام في العناية المركَّزة، بسبب خلل متعدِّد في وظائف الجسم، وخرجت جنازتها من جامعة «بوغازتشي»، في «اسطنبول»، إلى مسقط رأسها «أنقرة». ورثاها وزير الصحّة التركي على حسابه الرسمي في «تويتر»: «ذبلت زهرة خيالنا الرقيقة».
كما كتب المؤرّخ التركي «ألبير أورتايلي» مقالاً، ينعي فيه الكاتبة، في جريدة «حرِّيّت»، قائلاً: «كانت الأطول عمراً بين كتّاب الأدب الحديث، متَّقدة الذهن، تكتب وتناقش دائماً، لقد فقدَ الأدب التركي «عدالت أغا أوغلو»، ولكنني على يقين من أن أعمالها لن تُنسى». في حين صرَّح الكاتب المعروف «أحمد أوميت»: «اليوم، عرجت إلى الأبدية، واحدة من أعمدة الأدب. لقد كانت كاتبة عملاقة، أنارت لنا الطريق. ستبقى حيّة بحبِّنا، وبأعمالها، وبقرّائها».

”وردة النار“ كارلوس زافون

وهكذا، في 23 من أبريل/نيسان، التفت سجناء الرواق لينظروا إلى «ديفيد مارتين»، الذي كان يضطجع في عتمة زنزانته، بعينيه المغلقتين، والتمسوا منه أن يحكي لهم قصّة يطردون بها الضجر، فقال: «سأحكي لكم قصّة». «قصّة كتب، وتنانين، وورود، مثلما يمليه التاريخ، ولكن، وعلى الأخصّ، قصّة ظلال ورماد، مثلما تفرض الأزمنة..».. (شذرات ضائعة من «سجين السماء»)

(1)

تحكي كتب الأخبار والتواريخ أنه لمّا وصل صانع المتاهات إلى «برشلونة»، على متن سفينة آتية من الشرق، كان يحمل معه بذرة اللعنة التي كان يجب أن تخضّب سماء المدينة بالنار والدم. كان ذلك خلال فصل الشتاء من عام النعمة (1454)، وفيه أهلكت جائحة الحمّى عددًا عظيمًا من السكّان، مخلّفة مدينةً محجّبة برداء من دخان أمغر، يتصاعد من النيران التي تحترق فيها جثث وأكفان مئات القتلى. كان بالإمكان رؤية دوّامة البخار العفن على مسافة بعيدة، وهي تزحف بين الأبراج والقصور لترتفع في تكهّن جنائزي يحذّر المسافرين ألّا يقتربوا من الأسوار، وأن يمرّوا دون توقٌّف. وكانت محكمة التفتيش قد أصدرت قرارًا بأن يتمّ إغلاق أبواب المدينة بالختم، وأسفر التحقيق بشأنها عن أن الوباء كان قد نشأ من بئر قريب من الحيّ اليهودي لـ«كال ساناوخا»، حيث أدّت مؤامرة شيطانية من قٍبَل مرابين إلى تسميم المياه، وذلك مثلما أثبتت الاستنطاقات بالحديد والنار، على مدى أيّام، بما لا يترك مجالًا للشكّ. وبعد مصادرة العديد من ممتلكاتهم، وإلقاء ما كان قد تبقّى من رفاتهم في مستنقع، لا يسع المرء إلّا أن يأمل في أن تعيد صلوات المواطنين الصالحين مباركة الرَّبِّ إلى «برشلونة». مع كلّ يوم يمضي، كان عدد القتلى يقلّ، وأكثر الناس يشعرون بأن الأسوأ قد بقي وراءهم. مع ذلك، أراد القدر أن يكون الأوّلون هم المحظوظين، وأن يكون على اللاحقين أن يحسدوا أولئك الذين تركوا وادي الأحزان. وحين تجرّأ صوت خافت على التلميح بأن عقابًا كبيرًا كان سينزل من السماوات لتطهير العار الذي ارتُكب باسم الربّ ضدّ التجّار اليهود، كان الوقت قد فات. ولم ينزل من السماء شيء، باستثناء الرماد والغبار. جاء الأذى دفعة واحدة عن طريق البحر.

(2)

شوهدت السفينة عند الفجر. رآها الصيّادون الذين كانوا يصلحون شباكهم أمام السور البحري، وهي تطفو من الضباب، والمدّ يسحبها. وعندما جنح مقدم السفينة إلى الشطّ، ومالت بهيكلها إلى اليسار، صعد الصيّادون على سطحها. كانت تنبعث من أحشاء المركب رائحة كريهة. وكان القبو مغمورًا بالمياه، وكانت عشرات التوابيت تطفو بين الأنقاض. لقد وجدوا «إدموند دي لونا»، صانع المتاهات، الناجي الوحيد خلال الرحلة البحرية، موثوقًا إلى الدفَّةِ، وقد أصابت الشمس جلده بحروق. في البداية، اعتقدوا أنه ميّتٌ، لكنهم، عند فحصه، استطاعوا أن يلاحظوا أن معصمَيْه ما زالا ينزفان بفعل الرباطات، وأن شفتَيْه تنفثان أنفاسًا باردة. كان يحمل في حزامه دفترًا جلديًّا، لم يتمكّن أحد من الصيادين من الاستيلاء عليه، ففي ذلك الحين وصلت فرقة من الجنود، وأمر قائدها، بناءً على أوامر من القصر الأسقفي، بنقل الرجل المحتضر إلى مستشفى «سانتا مارتا» القريب، كما وضع القائد رجاله، كلّ في موقعه، في حالة تأهُّب لحراسة حطام السفينة الجانحة في انتظار قدوم مسؤولي محكمة التفتيش لمعاينة السفينة، وتوضيح ما حدث. 

تمّ تسليم دفتر «إدموند دي لونا» إلى كبير المحقّقين «خورخي دي ليون»، نصير الكنيسة اللامع والطموح، الذي كان لديه اليقين بأن جهوده المثابرة في سبيل تطهير العالم، ستبذر لديه، قريبًا، شرط المتعبّد الناسك القدّيس، ونور الإيمان الحيّ. بعد افتحاص سريع، قرّر «خورخي دي ليون» أن الدفتر قد تمّ تأليفه بلغة غريبة عن المسيحية، وأمر رجاله بأن يمضوا بحثًا عن صاحب مطبعة اسمه «رايموندو دي سامبيري» الذي كانت لديه ورشة عمل متواضعة بجوار بوّابة «سانتا آنا»، ولأنه قد سافر كثيرًا في شبابه، كان يعرف من اللغات أكثر ممّا ينصح به لمسيحيٍّ طيب الخلق. وتحت التهديد بالتعذيب، تمّ إرغام «سامبيري»، صاحب ورشة الطباعة، على أن يحلف اليمين بأنه سيحفظ سرّ كلّ ما سيكشف له عنه. عندها، فقط، سُمح له بفحص الدفتر في قاعة يراقبها الحرس، في أعلى مكتبة بيت رئيس الأساقفة، بجوار الكاتدرائية. كان المحقّق «خورخي دي ليون» يراقب باهتمام وطمع. «أعتقد أن النصّ مؤلّف بالفارسية، قداسة المحقّق»، همهم «سمبيري» مرتعبًا. وصحّح المحقّق: «أنا لم أصِر، بعد، قدّيسًا، لكن كلّ شيء سوف يمضي». وهكذا، وبعد مضيّ ليلة بكاملها، شرع «سامبيري» طابع الكتب، يقرأ ويترجم لكبير المحقّقين اليوميّات السّرية لـ«إدموند دي لونا»، المغامر وحامل لعنة الشؤم الذي كان يجب أن يجلب الوحش إلى «برشلونة».

(3)

قبل ثلاثين عامًا، كان «إدموند دي لونا» قد رحل عن برشلونة، متّجهًا إلى الشرق؛ بحثًا عن العجائب والمغامرات. قادته رحلته، عبر البحر الأبيض المتوسّط، ​​إلى جزر محظورة لا تظهر على خرائط الملاحة، وإلى لقاء أميرات وكائنات غير قابلة للوصف، كما قادته إلى معرفة أسرار حضارات دفنها الزمن، وإلى فنّ بناء المتاهات؛ موهبة من شأنها أن تجعله شهيرًا، وبفضلها حصل على ثروة، لقاء خدمة السلاطين والأباطرة. ومع مرور الأعوام، لم تعد مراكمة الملذّات والثروات تعني أيّ شيء بالنسبة إليه. لقد أشفى غليله من الجشع والمطامح بما يتجاوز أحلام أيّ كائن فانٍ، وقد صار لديه، بعد كلّ هذا العمر، نضج كافٍ ليعرف بأن أيّامه تمضي نحو الأفول. وهكذا، وعد نفسه بالامتناع عن تقديم خدماته ما لم ينل، في مقابل ذلك، أعظم المكافآت، فالمعرفة ممنوعة. 

وعلى امتداد سنوات، رفض دعوات لبناء المتاهات الأكثر إدهاشًا وتعقيدًا، فلا شيء ممّا يُقدَّمُ له، كمقابل، كان مرغوبًا لديه. كان يعتقد بأنه لا وجود لكنز، في العالم، لم يُعرض عليه، قبل أن يصل إلى أسماعه أن إمبراطور مدينة القسطنطينية في حاجة إلى خدماته، مقابل منحه سرًّا ظلّ طيّ الكتمان، على مدى قرون. ضجرًا، وتحت إغراء فرصة أخيرة لإحياء جذوة روحه، قام «إدموند دي لونا» بزيارة الإمبراطور «قسطنطين» في قصره. كان «قسطنطين» يعيش على يقين بأن حصار السلاطين العثمانيين، عاجلاً أم آجلاً، سينهي إمبراطوريّتهم، وسيمحو، من وجه الأرض، المعرفة التي راكمتها القسطنطينية على مرّ القرون؛ لهذا، كان يتمنّى أن يعرض «إدمون» أكبر متاهة، لم يتمّ إنشاء مثيل لها، على الإطلاق: مكتبة سرّيّة، مدينة كتب يجب أن توجد متخّفية تحت سراديب كاتدرائية «آيا صوفيا» حيث يمكن حفظ الكتب الممنوعة وعجائب قرون من الفكر، إلى الأبد. وفي المقابل، لم يقدّم له الإمبراطور «قسطنطين» أيّ كنز. قدّم له قنّينة فقط، هي قارورة صغيرة من الزجاج تحتوي على سائل قرمزي كان يتوهّج في الظلام. ابتسم «قسطنطين» بغرابة، عندما سلّمه القارورة. أوضح له الإمبراطور: «لقد انتظرت سنوات عديدة، قبل أن أجد الرجل الذي يستحقّ هذه الهبة». «في الأيادي الخطأ، قد تكون هذه أداة للشرّ». فحصها «إدموند» متلهّفاً ومفتوناً. همس الإمبراطور: «إنها قطرة من دم التنّين الأخير»؛ «سرّ الخلود».

(4)

على مدى عدّة أشهر، عمل «إدموند دي لونا» على تصميم تخطيطات المتاهة الكبرى للكتب. كان يضع المشروع، ثم يعيده، من جديد، دون أن يكون راضيًا عنه، بتاتًا. كان قد أدرك، حينها، أنه لم يعد يهتمّ باستخلاص المقابل، لأن خلوده سيكون نتيجة ابتكاره لتلك المكتبة المدهشة، وليس نتيجة لجرعة سحرية مفترضة تنتمي إلى الأسطورة. كان الإمبراطور الصبور، لكن القلق، يذكّره بأن الحصار النهائي للعثمانيين، كان قريبًا، وأنه لم يكن ثمّة وقت لتضييعه. وأخيرًا، لمّا توصّل «إدموند دي لونا» إلى حلّ اللغز العظيم، كان الأوان قد فات. كانت جيوش محمّد الثاني الفاتح قد حاصرت القسطنطينية. كانت نهاية المدينة والإمبراطورية وشيكة. استلم الإمبراطور تخطيطات «إدموند» مذهولًا، لكنه أدرك أنه لا يمكنه، أبدًا، أن يبني المتاهة تحت المدينة التي كانت تحمل اسمه. ثم طلب، حينئذ، من «إدموند» أن يحاول تجاوز الحصار مع عدد آخر من الفنَّانين والمفكّرين الآخرين الذين سيغادرون نحو إيطاليا. «أعلمُ أنك ستجد المكان المناسب لبناء المتاهة، يا صديقي». وللتعبير عن الامتنان، سلّمه الإمبراطور القارورة بدم التنّين الأخير، لكنّ ظلًّا من القلق كان يلفّ وجهه بالغيوم، حين فعل ذلك. «عندما عرضت عليك هذه الهبة، ناشدت جشع العقل لكي أغويك، يا صديقي. أريدك أن تقبل، أيضًا، هذه التميمة المتواضعة، التي – ربّما – تناشد، في يوم ما، حكمة روحك، إن كان ثمن الطموح مرتفعًا جدًّا..».. انتزع الإمبراطور قلادة كان يحملها حول عنقه، ومدّها إليه. لم تكن الحلية تحتوي على ذهب أو جواهر، بل كانت مجرَّد حجر صغير يبدو كحبّة رمل بسيطة. «الرجل الذي أعطاني إيّاها قال لي إنها دمعة المسيح». قطّب «إدموند» جبهته عابسًا. «أعلمُ أنك لست رجل إيمان، يا «إدموند»، ولكن الإيمان يوجَدُ عندما لا يتمّ البحث عنه، وسيأتي في اليوم الذي يكون فيه قلبك، لا عقلك، هو الذي يتوق إلى تطهير الروح». لم يرغب «إدموند» في معاكسة الإمبراطور، فوضع القلادة حول عنقه. ودون أمتعة سفر، عدا تصاميم متاهته والقارورة القرمزية، رحل في الليلة ذاتها. سوف تسقط القسطنطينية والإمبراطورية بعد ذلك بوقت قصير، بعد حصار دامٍ، بينما كان «إدمون» يبحر عبر مياه الأبيض المتوسّط ​​بحثًا عن المدينة التي كان قد تركها في شبابه. كان يبحر مع بعض المرتزقة الذين كانوا قد عرضوا عليه تذكرة السفر؛ لأنهم حسبوه تاجراً ثريّاً، يمكن نهب أمتعته حينما تصير السفينة في أعالي البحر. وحينما اكتشفوا أنه لم يكن يحمل أيّة ثروة، على الإطلاق، أرادوا أن يلقوه في البحر، لكنه أقنعهم بالسماح له بالاستمرار على متن السفينة، من خلال حكي بعض مغامراته على طريقة شهرزاد. كانت الحيلة في أن يتركهم، دائمًا، والعسل على شفاههم، مثلما علّمه راوٍ حكيم في دمشق: «سيُكرهونك على ذلك، لكنهم سيرغبون في المزيد». في أوقات الفراغ، بدأ يكتب تجاربه في دفتر، ولكي يمنع عنه النظرة المتكتّمة على الأسرار لأولئك القراصنة، ألّفه بالفارسية، وهي لغة مدهشة، تعلّمها خلال سنواته في بابل القديمة. في منتصف الرحلة، صادفوا سفينة كانت تنساق مع التيّار دون ركّاب أو طاقم. كانت تحمل جرارًا كبيرة، حملوها على متن سفينتهم، والتي كان القراصنة يشربون مافيها، ويسكرون كلّ ليلة، في أثناء الاستماع إلى القصص التي يرويها «إدموند»، الذي لم يُسمح له بتذوُّق أيّ قطرة منها. وفي غضون أيّام قليلة، أخذ المرض يصيب طاقم السفينة، وسرعان ما بدأ المرتزقة يموتون واحدًا بعد الآخر، ضحايا السمّ الذي تناولوه في النبيذ المسروق. وكان «إدموند» هو الناجي الوحيد من هذا المصير، وكان يضعهم في التوابيت التي كان القراصنة يحملونها في القبو، نتيجة نهبهم لها. وبما أنه الوحيد الذي بقي على قيد الحياة، على متن السفينة، فقد خشي من الموت ضائعًا بأعالي البحر، في أفظع عزلة؛ لذلك تجرّأ على فتح القارورة القرمزية، واستنشاق ما تحتويه، خلال ثانية. كانت الهنيهة كافية بالنسبة إليه، ليلمحَ الهوَّة التي كانت ترغب في ابتلاعه. وأحسَّ بالبخار الذي كان يزحف من القارورة إلى جلده، ورأى، خلال ثانية، يديه وقد غطّتهما الحراشف، وأظافره وقد تحوّلت إلى مخالب أكثر حدّةً وأكثر فتكًا من السيوف الأشدِّ إرعابًا. حينئذ، قبض بجماع يده على تلك الحبّة المتواضعة من الرمل، المعلّقة في عنقه، وتوسّل إلى مسيح لم يكن يؤمن بخلاصه. تلاشت الهوّة السوداء للروح، وتنفَّس «إدموند» مرّةً أخرى، عندما رأى- من جديد- يديه وقد عادتا إلى حالهما الأوّل حالَ أيادي البشر الفانين. أغلق الزجاجة مرّةً أخرى، ولعن ذاته بسبب سذاجته. وقد علم، حينئذ، أن الإمبراطور لم يكن قد كذب عليه، لكن ذلك لم يكن أجرًا مدفوعًا ولا نعمة مباركة: لقد كان مفتاح الجحيم.

(5)

حينما انتهى «سامبيري» من ترجمة الدفتر، كانت قد بزغت أضواء الفجر الأولى ما بين الغيوم. بعد فترة وجيزة، غادر المحقّق القاعة، دون أن ينبس بكلمة، ودخل الحارسان متشوقَيْن للبحث عنه؛ لاقتياده إلى زنزانته، التي كان على يقين من أنه لن يغادرها، أبدًا، وهو على قيد الحياة.

بينما كان «سامبيري» يصطدم بعظامه في زنازن السجن المظلم، تحت الأرض، ذهب رجال كبير المحقّقين إلى حطام السفينة الغارقة، حيث كان يجب أن يعثروا على القارورة القرمزية المخبّأة في صندوق معدني. كان «خورخي دي ليون» ينتظرهم في الكاتدرائية. لم يتمكّنوا من العثور على القلادة بالدمعة المفترضة للمسيح، والتي كان قد ألمح إليها نصّ «إدموند»، لكن المحقّق لم يكن لديه أيّ تردُّد، فقد كان يشعر أن روحه لم تكن تحتاج إلى أيّ تطهير. وبعينين سمّمهما الطمع، أخذ المحقّق القارورة القرمزية، ورفعها فوق المذبح ليباركها، شاكرًا الربّ والجحيم على تلك الهبة، ثم تناول الشراب الذي تحتويه دفعةً واحدة. مرّت بضع ثوانٍ دون أن يحدث أيّ شيء. حينئذ، شرع المحقّق يضحك. نظر بعض الجنود إلى بعضهم الآخر، في حيرة وارتباك وهم يتساءلون عمّا إذا كان «خورخي دي ليون» قد فقد عقله!.. بالنسبة إلى معظمهم، كانت تلك آخر فكرة قد تتبادر إلى الذهن في أثناء حيواتهم. رأوا كيف كان المحقّق يهوي جاثيًا على ركبتيه، واجتاحت الكاتدرائيةَ هبَّةُ ريح جليدية عاصفة، وهي تسحب المقاعد الخشبية، وأسقطت الصور والشموع المشتعلة. وبعدئذ، سمعوا كيف كان جلده يتمزّق، وأعضاؤه تتكسّر، وكيف كان صوت «خورخي دي ليون» يغرق بين عويل الاحتضار في زئير الوحش الذي كان ينبثق من جسده، وهو ينمو، بسرعة، في كتلة عجين دموي من الحراشف والمخالب والأجنحة، وذيل تتخلّله حوافّ حادّة مثل فؤوس كانت تمتدّ في أكبر الثعابين. ولمّا استدار الوحش، وأبرز لهم وجهه المتشقّق بالأنياب، وعيونه المشتعلة نارًا، لم تكن لديهم، تقريبًا، الشجاعة للانطلاق في الركض. فاجأتهم النيران وهم واقفون بلا حراك، فاقتلعت لحمهم عن عظامهم مثلما تقتلع الريح العاتية أوراق الشجر. حينها، نشر الوحش جناحيه، وحلّق المحقّق «سان خورخي»، التنّين، عاليًا، مقتحمًا البناء المعماري الكبير للكاتدرائية، الوردي الشكل، في عاصفة من زجاج ونار، ليرتفع فوق أسطح برشلونة.

(6)

زرع الوحش الرعب خلال سبعة أيّام وسبع ليالٍ، مدمِّرًا المعابد والقصور، ومضرمًا النار في مئات المباني، ممزّقًا، بمخالبه، الكائنات المرتجفة التي كان يلتقيها، وهي تبتهل متوسّلة الرحمة، بعدما اقتلع السقوف من فوق رؤوسها. كان التنّين القرمزي ينمو يومًا بعد يوم، ويلتهم كلّ ما يصادفه خلال عبوره. كانت الجثث الممزّقة تمطر من السماء، ويتدفّق لهيب أنفاسه، عبر الشوارع، مثل سيول من الدم. في اليوم السابع، عندما كان الجميع في المدينة يعتقدون أن الوحش سيدمّرها بأكملها، ويبيد جميع سكّانها، خرجت شخصيّة منفردة للقائه: كان «إدموند دي لونا» الذي لم يتعافَ بعدُ، وما زال يعرج.. صعد السلالم التي كانت تؤدّي إلى سطح الكاتدرائية. وهناك، انتظر أن يلمحه التنّين، وأن يأتي من أجله. ومن بين سحب الدخان السوداء والجمر، انبثق الوحش في تحليق منحدر فوق أسطح «برشلونة». كان حجمه قد تنامى بشكل كبير، إلى درجة أنه صار، فعلًا، يضاهي حجم المعبد الذي كان قد خرج منه. لقد استطاع «إدموند دي لونا» أن يرى انعكاسه في تينك العينين الشاسعتين مثل برك من الدم. فتح الوحش حلقومه لابتلاعه، وهو يحلّق، الآن، فوق المدينة مثل قذيفة مدفع، مقتلعًا السطوح والأبراج في أثناء عبوره. أخرج «إدموند دي لونا»، آنئذٍ، حبّة الرمل البائسة المعلّقة في عنقه، ثم ضغط عليها بقبضته، وتذكّر كلمات «قسطنطين»، وقال لنفسه: إن الإيمان قد عثر عليه، أخيراً، وإن موته كان ثمناً صغيراً جدّاً لتطهير روح الوحش السوداء، والتي لم تكن سوى روح جميع البشر. وهكذا، رفع القبضة التي كانت تمسك دمعة المسيح، وأغلق عينيه، وقدّم نفسه قربانًا. ابتلعه الحلقوم بسرعة الريح، وارتفع التنّين إلى الأعلى، متسلّقًا السحب. 

أولئك الذين يتذكّرون ذلك اليوم، يقولون إن السماء قد انشقّت إلى نصفين، وإن وهجًا كبيرًا أشعل السماء. بقي الوحش ملفوفًا في سعير اللهب الذي كان ينزلق ما بين أنيابه وخفقات جناحيه؛ وهو ما ألقى صورة وردة كبيرة من النار غطّت المدينة بكاملها. عمّ الصمت حينها، ولمّا عادوا إلى فتح أعينهم مّرةً أخرى، كانت السماء قد انحجبت مثلما في الليلة الأشدّ حلكةً، واندفع مطر بطيء من ندف الرماد المتلألئ من الأعلى، وهو يغطّي الشوارع والخرائب المحترقة ومدينة القبور والمعابد والقصور، بوشاح أبيض كان يُبطل الملامسة، والتي كانت تفوح برائحة النار واللعنة.

(7)

في تلك الليلة، تمكّن «ريموندو دي سامبيري» من الفرار من زنزانته، والعودة إلى البيت للتحّقق من أن عائلته، وورشته لطباعة الكتب، قد نجتا من الكارثة. عند الفجر، اقترب صاحب ورشة طباعة الكتب من السور البحري. كانت بقايا حطام السفينة التي أعادت «إدموند دي لونا» إلى برشلونة ما تزال تتأرجح فوق مياه المدّ. وكان البحر قد شرع في تفكيك هيكل السفينة، واستطاع أن يلِجَها كما لو تعلّق الأمر ببيت تمّ اقتلاع أحد جدرانه. وهو يجوب أحشاء السفينة في ضوء الفجر الطيفي، عثر صاحب ورشة الطباعة، أخيرًا، على ما كان يبحث عنه. لقد أكل الملح الصخري جزءًا من الرسم، لكن تخطيط المتاهة الكبرى للكتب كان لايزال سليمًا، كما كان قد تصوّرها «إدموند دي لونا». جلس على الرمال، ونشرها.. لم يكن عقله يستطيع أن يستوعب التعقيدات والحسابات التي كانت تدعم ذلك التخيّل. لكن، يُقال إنه سوف تأتي عقول نيّرة شهيرة قادرة على إضاءة أسرارها. وحتى ذلك الحين، حتى يتمكّن آخرون، أكثر حكمةً، وأرجح عقلًا، من العثور على طريقة لإنقاذ المتاهة، وتذكُّر ثمن الوحش، سوف يحتفظ بالتخطيط في صندوق الأسرة، حيث سيجد (لم يكن لديه أدنى شكّ في ذلك، في يوم من الأيّام) صانع متاهات يستحق تحدّيًا بهذا الحجم. 


وُلِد كارلوس رويث زافون في برشلونة، عام 1964. بعد تعليمه الابتدائي والثانوي، التحق بالجامعة، ودرس علوم الإعلام. وفي السنة الأولى تلقّى عرضًا للعمل في عالم الدعاية. وصار، فيما بعد، مديرًا إبداعيًّا في إحدى أهمّ وكالات «برشلونة» الرئيسية في مجال الدعاية والإعلام، حتى حدود سنة 1992، عندما قرّر التخلّي عن العمل في هذا المجال، ليكرّس نفسه للأدب وللكتابة.

بدأ مساره الأدبي بكتابة رواية للشباب، بعنوان «أمير الضباب»، التي نُشرت سنة 1993، وحقّقت نجاحًا كبيرًا، وحصلت على جائزة «إيديبي». كان «كارلوس رويث زافون»، منذ طفولته، مفتونًا بالسينما، وبلوس أنجلوس؛ لذلك وظّف المال الذي جناه من الجائزة لتحقيق حلمه، فغادر إسبانيا، واستقرّ في الولايات المتّحدة، وأمضى السنوات الأولى هناك، يكتب نصوص السيناريوهات للسينما، ويواصل إصدار روايات جديدة، إذ خصَّصَ الأعمال الثلاثة التالية، أيضًا، للقرّاء الشباب: قصر منتصف الليل (1994) – أضواء سبتمبر (1995) (من هذين العملين، ومن روايته الأولى، سيتمّ تشكيل ثلاثية الضباب التي ستُنشَر، لاحقًا، في مجلّد واحد)، ثم سينهي هذه المرحلة برواية أخرى، بعيدًا عن الثلاثية، هي «مارينا» ( 1999). 

وقد جاء تكريس اسم «زافون» واحدًا من الكتّاب الأكثر مبيعًا في يناير، 2002، مع نشر روايته الأولى «للكبار»، بعنوان «ظل الريح». وهي الرواية التي تُرجمت إلى العديد من اللغات، وإحدى الروايات الإسبانية الأكثر مبيعاً في العالم (أكثر من 15 ملايين نسخة). وقد ظهرت روايته الثانية الموجّهة للكبار «لعبة الملاك» عام 2008. وبالنظر إلى نجاح رواية « ظلّ الريح» ، بلغ عدد نسخ الدفعة الأولى من طبعة «لعبة الملاك» مليون نسخة، وقد صاحبتها حملة إعلامية غير مسبوقة، لكن توقُّع الناشر لم يكن، على الإطلاق، مخطئًا، فتُحَوَّل الرواية، توًّا، إلى الكتاب الأكثر مبيعًا. وتُعتبر هاتان الروايتان جزءًا من رباعية كرّسها «كارلوس رويث زافون» لمدينته «برشلونة»، وقد عَنْوَنها بـ«مقبرة الكتب المنسية».ّ أما الكتاب الثالث فعَنْوَنه بـ«سجين السماء» (2011)، وأغلق الرباعية برواية «متاهة الأرواح» (2016). توفّي «كارلوس رويث زافون» في 19 يونيو، 2020، في «لوس أنجلوس»، بسرطان القولون، الذي ظلّ يعاني منه منذ سنة 2018.