جين كورتيز.. سريالية الهوامش

في كتابه «معذَّبو الأرض» أكَّد «فرانز فانون» على أن «شعراء الزنوجة لن يتوقَّفوا عند حدود القارّة. ستتبنَّى أصوات سوداء من أميركا، الأنشودة بانسجام تامّ، وسيرى «العالم الأسود» النور، ولن يتردَّد «بوسيا» من غانا، و«بيراجو ديوب» من السنغال، و«هبات با» من السودان، و«سانت كلير دريك» من شيكاغو، في التأكيد على وجود روابط مشتركة وقوّة دافعة مماثلة». كان هذا بالضبط نفس الشعور والوعي اللذين تقاسمتهما، وسعت الشاعرة الأميركية «جين كورتيز» إلى نشرهما، من خلال كتاباتها ومشاركاتها الفعَّالة في المشهد الثقافي؛ الأميركي، والدولي. وقد أبت الشاعرة «جين كورتيز» إلّا أن تكون نبراساً، وجديرة بمقولة «بنجامين بيريت» الشهيرة «الشاعر ليس لديه خيار سوى أن يكون ثورياً أو يتوقَّف عن كونه شاعراً»؛ وبلا شكّ، كانت تلك السمة تمثِّل «الطبيعة الثانية لـ«جين كورتيز»؛ واحدة من أقوى الأصوات السريالية، مثال شجاع للشاعر الحقيقي في فترة يسود فيها الجبن والارتباك والنفاق وتزييف الحياة الفكرية»(1).

«جين كورتيز – Jayne Cortez»، شاعرة وناشرة وناشطة أفروأميركية، معروفة بأدائها الشعري المرفوق بموسيقى الجاز، والبلوز، والذي يمكن اعتباره ممارسة ملتزمة لتقريب الفنّ، بشكلٍ مباشر، من المجمتع. ولدت «جين كورتيز» في 10 مايو/أيار (1934) في «فورت هواشوكا» في «أريزونا» حيث كان أبوها يرابط في القاعدة العسكرية. في سن السابعة، انتقل أهلها إلى جوار «واطس» بـ«لوس أنجلوس» حيث ترعرعت وهي تستمتع إلى تسجيلات الجاز والموسيقى اللاتينية التي جمعها والداها. كانت تتوق إلى أن تصبح ممثِّلة؛ ولذلك درست الفنّ والموسيقى والمسرح خلال تعليمها الثانوي، قبل أن تلتحق بكلية «كامبتن» التي سرعان ما غادرتها لأسباب مادّيّة. في عام (1954)، تزوَّجت من عازف الساكسفون المرموق «أورنيت كولمان»، ورُزِقت منه بطفل سمَّته «دناردو كولمان» قبل أن تنهي علاقتها بـ«أورنيت» عام (1964) لتؤسِّس فرقة «واطس» المسرحية، والتي عملت مديرة فنِّيّة لها، إلى حدود عام (1970).

كانت نشيطة جدّاً في نضالات حركة الحقوق المدنية، وساندت العديد من زعماء هذه الحركة، منهم «فاني لو هامر»، واتَّخذت الفنّ وسيلة للدفاع عن القضايا السياسية لحركة الفنون السوداء. جابت العديد من الدول الأوروبية، والإفريقية، وانتقلت للعيش مع زوجها النحَّات «ميلفن إدواردز» في «دكار» عام (1975).

في (1980)، أسَّست «كوريز» فرقتها الموسيقية «فايرسبيترز» كي ترافق أداءها لأشعارها، وسجَّلت ستّ أسطوانات من الشعر المرفق بموسيقى الجاز. تُرجمت أعمالها إلى (28) لغة، وحصلت على جوائز عديدة، منها الجائزة الأميركية للكتاب، وجائزة المهرجان الإفريقي الدولي، كما حصلت على زمالة من صندوق المنَح الوطنية للفنون. من أهمّ أعمالها: «درج ملطخ بالبول وأواني الرجل القرد» (1969)، «مهرجانات وجنائز» (1971)، «احتفالات وعزلات» (1975)، «جلطات: قصائد مختارة وجديدة» (1984)، «طبول في كل مكان» (1990)، «حدود زمن مضطرب» (2003).

شِعر عفوي وموسيقى الجاز

التحقت «كورتيز» بعالم الأدب خلال الاحتدام والتأجّج الثقافي الذي شهدته حركة الحقوق المدنية خلال الستينيات، وكانت الانشغالات السياسية، والاجتماعية التي ميَّزت كتابات تلك الحقبة، وتفكيرها، والأسلوب الجديد للكتابة الشعرية، واضحةً، بشكلٍ جزئي، في أعمال «كورتيز»، إلّا أنها كانت تجسّد، دائماً، أسلوباً فريداً في تعبيرها عن القضايا والمواضيع التي استأثرت بأعمالها. كانت العفوية سمة فريدة ميَّزت أسلوب «كورتيز»، بالرغم من أنها قد تكون مبهمة عندما يظهر عملها على الصفحة. تؤكِّد «كورتيز»، في مقدِّمة كتابها «المغنطة الشعرية» (1991)، أنها تخلق البنية الحقيقية لشعرها في أثناء حصص التسجيل التي تحضر إليها مادّة جاهزة؛ إنها تؤلِّف، بشكلٍ عفوي في أثناء الأداء. وتعتبر «كورتيز» عملها داخل الموسيقى، وسيلة لتعزيز دور الشاعر من خلال توسيع نطاق إمكانات التكنولوجيا، تقول: «أحاول أن أنقل هذا المزيج بين الشعر والموسيقى والتكنولوجيا إلى مستوى شعريّ أعلى. إنه استعمال شعري للموسيقى، استعمال شعري للتكنولوجيا، توزيع متناسق لجميع هذه العناصر». (بويتيقا، ص6).

وفي السياق نفسه، يتذكَّر عازف الترامبيت «دون شيري» الدور المهمّ الذي لعبه اهتمام «جين كورتيز» بجمع التسجيلات الموسيقية، بمختلف أنواعها وأشكالها (والحسّ التاريخي الذي غلب على مجموعتها) في تكوينه الموسيقي، وخاصّة في موسيقى الجاز. كما يشير إلى أن «أورنيت كولمان» (الذي كان حينها متزوِّجاً من «كورتيز») يدين ببعض اهتمامه وإحساسه بهذا الإرث الموسيقي، لـ«كورتيز». وبحسب «دون شيري»، ساعدت «كورتيز»، أيضاً، موسيقيِّي الجاز الطلائعيين في «لوس أنجلوس» على ربط علاقات منسجمة ومتماسكة من خلال صداقاتها مع العديد من الموسيقيِّين الشباب، كما أنها كانت سبب تعرُّف «دون شيري» على «أورنيت كولمان»، على سبيل المثال. ولأن حجوزات النوادي الخاصّة بموسيقيِّي الجاز الناشئين كانت قليلة ومتباعدة في «لوس أنجلوس»، في خمسينيات القرن الماضي، أتاحت هذه الشبكة الشخصية لبعض «الموسيقيِّين ذوي الأفكار المجدّدة، العثور على بعضهم الآخر، كما عزَّزت ممارسة وخبرة «كورتيز» في الموسيقى السوداء الشعور بالانتماء، والشعور بالمسار الثقافي المتجذِّر في الثقافة السوداء بين الشباب الطلائعيين. ففي عام (1963)، على سبيل المثال، قامت «كورتيز» بتطوير عرض فردي للأدب الأسود، وموسيقى الجاز أدَّته، لأوّل مرّة، مع فرقة ضمَّت عازف البيانو «هوريس تابسكوت». كما أدَّت قصائدها، أيضاً، مع «أركيسترا»، بانتظام، بين عامَيْ (1964) و(1966). خلال هذه الفترة، فكَّرت في المزج بين الشعر السريالي الجديد والمسرح والموسيقى والرقص الذي سيميِّز ممارستها الفنِّيّة الناضجة، بالرغم من أنها لم تطوّر تقنية العرض باستخدام وسائط متعدِّدة، بشكل كامل، إلّا بعد انتقالها إلى مدينة نيويورك، عام (1967) (2).

تكتب «كورتيز»- بالأساس- قصائد مدح، يمكن تفسيرها بكونها قصائد تأثَّرت تأثُّراً كبيراً ببنية البلوز وقصائد الاحتجاج ونزعتهما، وتعكس أجندتها السياسية، والاجتماعية حيِّز انشغالاتها بما هو فردي ودنيوي، فهي تكتب حول الفقدان والاستغلال والجشع والفساد والتلاعب والتفاهة التجارية وقتل الأطفال بالمخدِّرات التي يوفِّرها مروّجوها، بالإضافة إلى مواضيع لها علاقة بالحبّ والجنسانية لدى النساء. في الوهلة الأولى، قد يبدو أن اختيار أسلوب القصيدة يناسب محتواها، إلّا أن «كورتيز» لا تستخدم الأشكال المتعارف عليها مثل «سوناتا» أو «فيلانيل» (قصيدة ثنائية القافية). تمتدّ رؤيتها الجغرافية، والثقافية على خريطة واسعة تعكس أسفارها في نطاقات مختلفة في إفريقيا وأميركا اللاتينية، وأوروبا، وكندا، كما تفصح عن ذلك إيحاءاتها وإشاراتها إلى رموز تقافية، خاصّة تلك التي تتعلَّق بالثقافة الإفريقية كما فعلت عندما غيَّرت اسم شركة النشر الخاصّة بها إلى «بولا بريس» والتي تعني في لغة يوروبا (إحدى لغات نيجيريا)، «ناجح».

سريالية أفروأميركية

كانت «كورتيز» على اتِّصال بالسريالية بصفتها تيّاراً منظَّماً، لأوّل مرّة، في منتصف السبعينيات، ومنذ ذلك الحين ، شاركت بانتظام في أنشطة الحركة السريالية في الولايات المتَّحدة، من خلال بيانات مثل «عندما يعوِّض السائحون العرّافين» (احتجاجاً على مرور 500 عام على اكتشاف «كولومبوس» لأميركا عام (1992)، و«دفاعاً عن تيري غايتون» بصفتها محرّرة مساهمة في كتاب «أرواح حرّة: حوليّات الخيال الثائر»، ومشاركة في مؤلَّفات جماعية مثل «ترسانة: عصيان سريالي، حرية خارقة/ حذر الرغبة» (كتالوغ المعرض السريالي العالمي في شيكاغو عام (1976))، وأخيراً، «السريالية ومتواطئيها المشهورين» وبيان «ماذا باستطاعتك أن تفعل بشأن هذا؟»(3).

يربط «جو وودسان» عمل «كورتيز» بالشعراء السرياليين الأميركيين الذين يستخدمون الفنّ الإفريقي وموسيقى البلوز والجاز، وبشعراء حركة الزنوجة، التي تضمّ أعمالاً لـ«يوبولد سيدار سينغور» و«إيمي سيزير» ممَّن أطلقوا حركة أدبية في تلاثينيات القرن العشرين ليستعيدوا مركزية ثقافاتهم الإفريقية المعنيّة والتي همَّشها الاستعمار الأوروبي، ويؤكّدوها. تشير مقارنة «وودسان» لـ«كورتيز» بأعمال شعراء الزنوجة، إلى أنه ميَّز صفات متعدِّدة في عملها، تركِّز على التزامها بالذاكرة الثقافية الإفريقية. مع ذلك، ترسِّخ «كورتيز» نفسها، بقوّة، في الفضاءات المهمّشة للتجربة الأفروأميركية، خاصّة من خلال المحيط ونوعية الحياة المتضمِّنة في عنوان المجلَّد الأوّل «درج ملطَّخ بالبول وأوعية الرجل القرد» (1969)، ويظهر عنوان الديوان في القصيدة المعَنْوَة بـ«ليد» كإشارة إلى مغنّي البلوز «ليدبيلي». القصيدة لا تتعلَّق، تحديداً، بالمغنى المشار إليه، لكنها تشير إلى مكانة البلوز وقيمته في بيئة تتَّسم بالفقر والاستغلال التجاري. لقد قامت «كورتيز» بردّ الاعتبار لهؤلاء المؤرِّخين الموسيقيين في ديوانها الأوّل، باعتبارها لموسيقى البلوز، والجاز بوصفهما شكلَيْن فنِّيَّيْن أرَّخا للتحوُّلات العديدة للتجربة الأفروأميركية وما يميِّزها عن التجربة السائدة، ولذلك تضمَّن ديوانها إشارات عديدة لأسماء مرموقة، منهما «شارلي باركر» و«هادي ليدبيلي» و«دينا واشنغطون» و«أورنيت كولمان» و«بيلي هوليدي» و«جون كولترين» و«فاتس والر».

تبدو «كورتيز» كأنها تمارس ألعاباً بهلوانية بصرية، في بعض القصائد، وهي تقنية تعكس ذوق الشعراء السود لفترة الستينيات الذين كانوا يميلون إلى خرق الأعراف الشعرية: مثلاً، تمّ طبع قصيدة «عودة دينا إلى البلدة» وكأن هامش الصفحة اليمنى هو هامش أعلى الصفحة؛ لهذا كان من اللازم قلبها لقراءته. في قصائد أخرى عديدة، تمّ طبع العنوان بجانب هامش الصفحة اليسرى بدل طبعه أعلى الصفحة. أمّا بالنسبة إلى اللُّغة التي تستخدمها «كورتيز» في هذا الديوان وفي دواوين أخرى، فهي لغة شفهية يتداولها السود بامتياز، وغالباً ماتكون لها حدّة مرتبطة بالمجال الحضري. وعندما تدعو الضرورة إلى ذلك، تصير هذه اللُّغة مباشرة، بدون مراوغة، عندما تتناول مواضيع لها علاقة بالطريقة التي يتمّ بها هدر الحياة البشرية، كما فعلت في قصيدتها «اجتماع سمك مجفَّف بملح، منتظراً أن يهتزّ في شباك الحياة». تحكي هذه القصيدة عن فتاة تبلغ من العمر ستّة عشر سنة، مرَّت بتجارب مديرة في الحياة. وفي قصيدة أخرى معنونة بـ«عرق»، تتناول «كورتيز» المثلية الجنسية لدى السود، والتي يتَّضح من خلال المتحدِّث في القصيدة أن خيار المثلية الجنسية يشكِّل تهديداً للشعب الأسود، باعتباره صادراً عن جماعة يحدِّدها أساس عرقي مشترك. وباختصار، تعجّ قصائد «كورتيز» بصور صارخة لواقع لا يمكن أن نتخيَّله، ويقول الكاتب «والتر موسلي» في هذا الصدد: «تمتلئ قصائد «جين كورتيز» بالصور، التي يخشى معظمنا رؤيتها. كلمات يمتلئ عالمها بالحقائق التي نشكّ فيها، ونخافها. (شعرها) يتبع آثار الأقدام التي خلَّفتها النشوة. الحالمون على رمال مبلَّلة بالسوائل الحيوية للثورة والأمل والحبّ». (انظر كتاب «نساء سرياليّات»).

تنوُّع في المواضيع والأساليب والأشكال

في مجلَّدها الثاني «مواسم ومآتم» (1971)، تقوم «كورتيز» بتوسيع انشغالاتها الجمالية والمواضيعية، على النقيض من لمجلَّدها الأوّل الذي ركَّز اهتمامه، بالأساس، على الموسيقيين وأمثلة محدَّدة للفقدان والضياع والألم المشترك؛ ففي القصيدة التي صيغ منها عنوان المجلَّد «مواسم ومَآتِم»، ترثي «كورتيز» موت زعماء، سود مثل «باتريس لومامبا» و«مالكوم إكس» كما تعترف بأنواع أخرى من الموت تحدث بسبب الفقر والمخدِّرات والعنف. ويوحي التوازن الحاصل بين «مواسم» و«مآتم» في العنوان بالثبات والمساواة لأن كلّ احتفال يقابله موت في النهاية؛ إننا نموت عندما يموت زعمائنا ونتائج الخوف والحزن يتم جبرها ليس عن طريق الكلمات بل عن طريق البلوز. ويقوم المتحدِّث في قصيدة «مشاهدة استعراض في هارليم عام 1970» بتقييم حدث الاستعراض هذا، من خلال منظور سياسي ثاقب، واصفاً إيّاه بكونه مثالاً لـ«ثقافة استعمارية متآكلة»، ويخترق المتحدِّث البهجة السطحية ليصل، في اللّب، إلى توضيح للعلاقة بين المهيمن والضعيف، في الآن الذي تكون فيه الضحيّة، من غير علمها، مجبرة على الإعجاب بمضطهدها. وتمزج قصيدة «شقّة الليل الإفريقي»، التي استلهمتها من أسفارها في إفريقيا، على ما يبدو، بين منظور إفريقي وأفروأميركي، إذ تطلب المتحدِّثة من إفريقيا أن تحرِّر بصيرتها من «مرتزقة الوهم»؛ وفي لحظة استعلائية، تنبذ وتتبرّأ المتحدّثة من آلام تاريخ الأميركيين السود، وتتخلَّى عن «ظلّ حزنها» لتصبح امرأة إفريقية منفتحة ومتقبّلة لتاريخ أجدادها، غير أن هذه الذكرى، التي تعيد المتحدِّثة إلى وضعها الأصلي في تراثها، لا تكتمل إلّا بذكرى الهجرة العابرة للأطلسي واضطراباتها الثقافية، والبدنية. وتقدِّم لنا «كورتيز» هذا الجزء من القصيدة من خلال (كولاج) يتشكَّل من صور سريالية للأسلحة، والموت الذي ينجو فيه أبناء البشر، ويتخيّل فيه القارئ الناجين على شكل طيور تستقبل الثقافتَيْن؛ الإفريقية والأميركية معاً.

وفي المجلَّدات التالية، تستحضر «كورتيز» أشكالاً متنوّعة لمواضيع وأساليب كرَّستها في مجلَّديها الأوَّلَيْن، وتكتب حول سكّان المدينة وأحداث مشحونة سياسياً، خلال أزمة الفييتنام ومذبحة سجن «أتيكا» والنضال المستمرّ من أجل تحرير الشعوب الإفريقية والمشاكل المتفاقمة في جنوب إفريقيا وقساوة الشرطة الأميركية. رفعت من استخدامها للسخرية، وواصلت صقل شكلها الشعري، كما حافظت على استفادة أعمالها من موسيقى الجاز كما في قصيدة «عزلة روز» المهداة إلى «ديوك إلنغتن»، وكانت، على الدوام، واعية بأبطالها وبطلاتها في مجالات أخرى غير الموسيقى.

يقدّم ديوانها «في مكان ما قبل اللامكان» شهادة على شرف شاعرة كانت تكتب لما يقرب ثلاثين عاماً. إنه مجلَّد يذكّرنا، بشكل كبير، بالأفكار والتقنيات التي كانت تشغل «كورتيز»، في السابق، خاصّة في اعترافها بما هو متجاوز للأوطان. يبدأ المجلَّد، مثلاً، بتكريم شعري من ثلاثة أجزاء، للشاعر الكوبي «نيكولاس غيين»، والمستلهمة، في جزء منها، من زيارتها لـ«كوبا» عام (1985)، حيث كانت رفقة جماعة من الكُتَّاب الأميركيين، ونحَّات، في زيارة لـ«نانسي موريجون»، و«غيين». شعرت «كورتيز» أن «كوبا» تشبه غرب إفريقيا، حيث أدركت الدمار الظاهر للعين الأميركية، لكنها استطاعت أن ترى ماوراء المظاهر السطحية إلى جمال جسدي طبيعي، وآخر روحي. في الجزء الثاني من التكريم مُعنْون بـ«ادويبي» والتي تعني «شكراً» في لغة «يوروبا» النيجيرية، وجدت «كورتيز» «كوبا» كما تصوَّرها «غويلين» في شعره، غير أنها لم تجد «غيين» الإنسان، واستحضرت إيقاعات الرقص وصوره، لتشير إلى الغنى البهيّ والشمولية في أعمال «غيين»؛ واستخدمت لائحة مثيرة لتستحضر طاقة عمله: «وقفت في ملعب عوائه الشعري المتقطِّع، وسمعت رسائل مشفَّرة ومغلَّفة بقرع راس الطبل من أويو». وتشرح آخر قصيدة من القصائد الثلاثة (أقصرها وأكثرها وضوحاً) تفاصيل لقاء «كورتيز» بالشاعر «غيين» رفقة بعثة من الشعراء الأفروأميركيين عام (1985). تتميَّز نبرة هذا المجلَّد، بشكلٍ عامّ، باحتفالها بفيض الحياة والجمال الطبيعي البسيط للأرض، ويعترف، أيضاً، بطبيعة التغيير المستمرّة من خلال إدراكها بأن التغيير السياسي، في عام (1985)، يوازي التغيير الحاصل في «بريتوريا» في جنوب إفريقيا، وهايتي، حيث يطالب السكّان الأصليون بما سُلِب منهم، على النقيض من سكّان «أريزونا» الأصليين.

في الحقيقة، لقد حافظت «كورتيز» على تصوّرها النقدي المتميِّز نحو القضايا الأميركية كما عبَّرت عليها في قصيدتَيْها؛ «حمام مدينة نيويورك»، و«1988، ماذا الآن؟»

لقد كان انغماس «كورتيز» في فنِّها المتمركز حول الموسيقى، ثابتاً ومتّسقاً، منذ بداية حياتها المهنية، ومايزال عملها يوضِّح المزج المتناسق بين فنون الشعر والموسيقى، في احترام عميق للشعراء الذين ألهموها. إن صوت «كورتيز» مكوَّن حيويّ لا يمكن الاستغناء عنه في جوقة الشعر الأفرو أميركي.

 

جين كورتيز

(مختارات شعرية)

 ترجمة: الحبيب الواعي

 

 

هناك تكمن الحقيقة

 

إنهم لا يبالون

إن كنت فردانيّاً،

يساريّاً، يمينياً،

مجنوناً أو أفعى..

سيحاولون أن يستغلّوك

أن يستنزفوك، أن يسجنوك،

أن يفصلوك أن يعزلوك

أو يقتلوك.

وستختفي في غضبك،

في جنونك،

في فقرك،

في كلمة في جملة في شعار، في كاريكاتور

تَمَّ في أرمدة.

ستخبرك الطبقة الحاكمة أنه

لا وجود لطبقة حاكمة،

بينما هم ينظِّمون مسانديهم اللبيراليين

في شكل عصابات غوغائية عنصرية.

بينما هم ينظِّمون أبناءهم

في شكل عصابات الكوكلوكس كلان..

بينما هم ينظِّمون شرطتهم

في شكل شرطة قَتَلة..

بينما هم ينظِّمون دعايتهم

في شكل جهاز، ليحوّلونا إلى عظام بغبار الملائكة.

ليشغلونا بالرموز الغربية

في تسريحات الشعر الإفريقية.

ويلقِّحوننا بالكراهية،

ويمأسسوننا بالجهل،

وينوِّموننا، مغناطيسيّاً، بصوت رتيب صُمِّمَ

ليجعلنا نفرّ من الواقع، وندوس على حيواتنا

ونحن مبرمجون كي ندمر ذواتنا،

كي نتشظّى

لندفن تحت عمليّات استخباراتية سرِّية

للجنّ غبية، لها ميولات نحو الموت..

وهناك، تكمن الحقيقة.

الأعداء يهذِّبون فحولتهم

بين آبار النفط في البنتاغون.

الجرّافات تقفز في رقصات الهدم.

العجزة يموتون من الجوع.

المخبرون يبلّون أحذيتهم، باحثين عن الفتات.

يكاد دم الحياة يموت

في فم الإمبريالية الجشعة.

ويا صاحبي،

إنهم لا يبالون

إن كنت فردانيّاً

يساريّاً، يمينيّاً،

مجنوناً، أو أفعى.

 

سيرشّونك

بداء الفيالقة

سيملؤون خَياشِيمك

بأنفلونزا الخنازير لعجرفتهم.

سيقحمون في جسدك سدادة

متلازمة الصدمة التسمُّمية،

وسيحاولون أن يفرغوا

كلّ موارد العالم في عروقهم،

ويحلِّقوا إلى (الهناك) الأزرق البرّي

ليلوِّثوا كوكباً آخر.

 

وإذا لم نحارب،

إذا لم نقاوم،

إذا لم ننظّم أنفسنا ونتحدّ

ونستعيد القوة لنتحكَّم في حيواتنا،

عندها سنرتدي

هيئة العبودية المفرطة،

سمة الخضوع المنمَّق،

هيئة الانتحار الغريب،

سحنة الفزع اللانساني

وطلعة القمع النتن،

للأبد، للأبد، وللأبد.

وهناك، تكمن الحقيقة.

 

المضطهدون

 

الفنّ؟

لماذا يهتمّ

مضطهدو الفنّ

بالفنّ؟

هم يقفزون على عَرَبَة المُوسِيقَى..

يتمرَّغون في قصاصات الصحافة

ويلوِّثون الكوكب

باضطهادهم الإباحي.

الفنّ؟

لماذا يهتمّون بالفنّ؟

هم يتحوّلون

من سياسيين منافقين معاصرين

إلى سياسيين فاسدين قدامى،

إلى موظَّفي رقابة متطفِّلين.

هم لن يدعموا الفنّ،

لكنهم سيدعمون الحرب

والفقر

وسرطان الرئة

والعنصرية

والاستعمار

والنفايات السامّة..

هذه هي أخلاقهم،

هذه هي عقيدتهم،

هذه هي حمايتهم للجمهور

ومساهمتهم في الترفيه العائلي.

لماذا يهتمّون بالفنّ؟

 

 

شَذرَة حكم تعسُّفي رقم (2)

(خريف في نيويورك، 1972)

أنا انتكاسة فمٍ ينزف

جرّاء عهد قطعته في شجن.

أنا أتحكَّم في النهوض والسقوط،

عبر روابط الكآبة

لعرق اللاجئين.

أنا عصارة جمهورية شفاه المستنقعات.

أدفع برأسي إلى الأمام،

عبر واقيات العنف الزجاجية،

لأعمد عبر إعصار من عصيّ ليلية.

أصرخ في وجهي.

لقد صَبَبْتُ البنزين على بطني ضدّاً على المشتبهين،

وحلَّقت بعيداً…

انتباه. إلى كلّ الوحدات:

أدعو الأبخرة

المسحوبة إلى الخلف، عكس الفولاذ،

عكس اللعنة اللامرئية لصرخة،

كي تزيل حواجز جسدية لتابعها،

وتدع تلك النتانة تصير وليمة

على ياقوت مخالبي الطينية.

 

أنا حماس من ارتعاشة فَكّ رديء

للعَاقِبَة.

تعال، واحتفل بي.

 

إنها لا شيء

 

إنها لاشيء

هذه المأساة التي بين ذراعينا.

نستطيع أن نخلق عظاماً جديدة،

لحماً جديداً،

أزهاراً جديدة ضدّ الجنون..

فستاناً أحمر آخر،

سفّاحاً آخر من

اِلتِواء رقبة صراعنا.

نعم.

نستطيع أن نسامح قلباً اعتراه الوجوم

اتّجاه آذاننا،

ونستريح من الاعترافات

الثابتة لكعكة دموية.

إنها لاشيء.

 

في الطريق إلى النهاية

 

أعلم أنهم يريدونني أن أنجح،

أن أدخل قطارات العين وأغزو الأقراص،

أن أستَدْر، وإلّا سيُطلَق علَيّ الرصاص.

أعلم أنهم يريدون حقني

بالخوف من نفسي؛

لذا سأخفض وجهي، وأومئ برأسي

أعلم أنهم يريدونني أن أنجح،

لكنني لست في عجلة من أمري.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المرجع:

شعراء أفروأميركيون: حياة، أعمال وموارد، للكاتبة «جويس أوينز بيتس»، «غرينوود بريس»، كونيكتيكوت، أميركا (2002).

هوامش:

1 – نساء سرياليات، أنطولوجيا عالمية، من تحرير وتقديم «بنيلوبي روزمونت»، منشورات جامعة تكساس، 1998، ص358 .

2 – حركة فنون السود: القومية الأدبية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين لـ«جيمس إدوارد سميتهورست»، منشورات جامعة كارولينا الشمالية، 2005، ص297 .

3 – نساء سرياليات، أنطولوجيا عالمية، من تحرير وتقديم «بنيلوبي روزمونت»، منشورات جامعة تكساس، 1998، ص358.

هاروكي موراكامي: الأدب وحده لن يكون كافيا

ليس من عادة الروائي الياباني ذي الشهرة العالمية، أن يتحدَّث كثيراً عمّا لا يتعلَّق بأعماله، لكنه -مع ذلك- قَبِلَ الحديث إلينا، والخوض في مواضيع شتّى خارج إطار الكتابة مثل الجائحة، والنظام العالمي، ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى غير ذلك.

يبدو أن «هاروكي موراكامي»، الروائي الياباني المعاصر، الذي تحظى أعماله بأكبر قدر من القرّاء عبر العالم، قد بدأ يتغيَّر بعد أن شارف على عامه الثاني والسبعين. فبعدما عرفناه، في ما مضى، عاشقاً للموسيقى، منعزلاً ومتكتِّماً، ها نحن نكتشفه، الآن، منشِّطاً إذاعياً في أوقات فراغه، خلف مشغِّلة الموسيقى وأقراص الفينيل. إنه يبدو أكثر جرأةً على الكلام، وأقلّ تحفُّظاً؛ ما يُبهج «الهاروكيين»، متابعيه الذين يدينون له بإعجاب غير مشروط، ويسارعون إلى تحليل أعماله وكلّ ما يقوله. «موراكامي» الذي كان، حتى وقت قريب، لا يحبِّذ التحدُّث عن شيء آخر غير رواياته وأدبه، والذي كان يغلِّف معانيه وهواجسه في شكل قصص ليست، دائماً، متجذِّرة في الواقع، أصبح، الآن، لا يخشى من التحليل وجهاً لوجه؛ فبعد أن أجبرته أزمة «كوفيد- 19» على المكوث في اليابان، بدأ ينظر إلى مجتمعه بكثير من التمعُّن؛ وهو ما زاد من قلقه إزاء النظام الذي يسير وفقه العالم، وتتطوَّر وفقه اللّغة والكلمات.

نادرا ما نشاهدك أو نسمعك تتحدَّث، وقد أصدرت -للتوّ- مجموعة قصصية في اليابان، إلّا أنها كانت مكتوبة قبل بداية عام (2020). كيف حالك؟، وكيف عشت هذه السنة؟

– كلّ شيء على ما يرام. (ألفان وعشرون) هي سنة «كورونا»، بالنسبة إليَّ أيضاً، وهذا هو كلّ ما يتبادر إلى ذهني. أنا روائي، لذلك أعمل بمفردي، في المنزل، ولم تتغيَّر حياتي كثيراً. صحيح أن الأجواء من حولي اختلفت كلّ الاختلاف، أحسَّ بذلك بَدنيّاً،  إلّا أن ذلك لم يجعل عملي أكثر تعقيداً، بل العكس. وأنا أعرف، مع ذلك، أن الأمر كان بالغ الصعوبة على الناس الذين أُجبروا، فجأةً، على العيش بمفردهم. أمّا أنا فقد اعتدت على ذلك، وهذا ليس مؤلماً بالنسبة إليّ.

لم يكن هذا الوباء أمراً متوقَّعاً، وقد أفسد حياة الناس على الكوكب. كيف تحلِّل هذه الفترة؟

– أنا لا أعتبر أن جائحة «كورونا» قد ظهرت، فجأةً، من لا شيء؛ فهذا الوضع الوبائي يأتي لينضاف إلى سلسلة من التغييرات التي حدثت مؤخَّراً، وهو ليس سوى جزء من مجموعة وقائع مثل ثورة الإنترنت والشبكات الاجتماعية، والعولمة أو الشعبوية؛ لذلك لا أعتقد أن هذا الفيروس التاجي يجب أن يُنظر إليه كظاهرة منفصلة.

هل تعني أن الأمر مرتبط بحالة عالمية سياسية، واجتماعية، واقتصادية؛ أي أن السياق العالمي الحالي بما فيه من حركة سريعة للناس والمعلومات والأيديولوجيات القومية والقادة الشعبويين، كان مؤاتياً لانتشار الفيروس؟

– نعم. لذا، عوض معالجة «فيروس كورونا» بشكل منفصل، أعتقد أن علينا -بالأحرى- أن نتساءل عن كيفية تعاملنا مع هذه السلسلة من التغيُّرات الظرفية. وفي ما يتعلَّق باليابان، إن الحكومة اليابانية والسياسيين قد اتَّخذوا قرارات تتوافق مع أغراضهم الخاصّة، وقد فشلوا. من الطبيعي أن يخطئوا في مثل هذه الظروف، لكنهم لو اعترفوا بذلك، فقط، لكان المواطنون قد تفهموا الوضع. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسترشد بطريقة تفكيره الخاصّة، ومن السهل فهمه، و-مع ذلك- هناك من يتَّفق معه، ويدعمه حقّاً، وهناك من لا يتَّفق معه، ويرفضه حقّاً. ولكن في اليابان، لا يوجد قرار شخصي وفردي من هذا النوع. إنها مسألة مجموعة رائدة تتصرَّف بدوافع خفيّة تجعل من الصعب جدّاً، على المواطنين، فهم هذا النظام. أعتقد أن دور المختصّين والباحثين والعلماء هو أن يتدخَّلوا ويعارضوا آراء السياسيين القطعية، ثم يوضِّحوا لماذا لا ينبغي لنا أن نذهب في اتِّجاه معيَّن.

بحسب ما تقوله، إذن، لا يمكن أن يتحقَّق التغلُّب على هذه الأزمة بالعلوم، فقط. ولكن، ما هي رؤيتك للعلوم، إجمالاً؟

– لا أعرف الكثير عن العلوم، ولكن آمل، حقّاً، أن يتمكَّن الأدب والعلم من التقدُّم بخطًى متوازية. نحن نعيش في نظام عالمي معيَّن الآن، وأعتقد أن هذا النظام ليس أبديّاً بل مؤقتاً، ولا أعرف متى سيتمّ تقويضه. يمكن لـ«فيروس كورونا»، مثلاً، أن يقلبه رأساً على عقب، وعندما يتحقَّق ذلك، ولإنشاء نظام جديد، حتى ولو كان مؤقَّتاً هو الآخر، لن يكون الأدب وحده كافياً، ولا العلم وحده كافياً كذلك. أعتقد أن الأمر لن يتحقَّق إلّا من خلال التوليف بين القوَّتَيْن. أؤكِّد، مرّة أخرى، أنني لا أعرف الكثير عن العلوم، ولكن آمل أن نتمكَّن من العمل بشكل جيِّد معاً.

ما الذي يقلقك، بشكل خاصّ، في مجتمع اليوم؟

– هو أمر ألاحظه في اليابان، وأعتقد أنه يهمّ، أيضاً، باقي دول العالم: شبكات التواصل الاجتماعي تتطوَّر في كلّ مكان، وتتطوَّر معها لغة غريبة عن لغتي، مع عبارات كتلك التي تستعمل في شبكات التواصل الاجتماعي، وطريقة للتواصل خاصّة بهذه الشبكات، أيضاً، إلّا أن صداها يتردَّد في كلّ مكان. أنا قلق بشأن هذا المعجم الجديد. هذه ليست اللّغة التي أكتب بها القصص. أنا لا أقول إنني سأتغلَّب على هذه الظاهرة، لكني أعتقد أنني يجب أن أبيِّن أن هناك قدرة مختلفة وأقوى للكتابة. هذا ما أشعر به حقّاً.

هل تعتقد أن اللّغة تزداد فقراً، وأن مساحة الحوار تصبح أصغر؟

– نعم. ونحن لم يعد بعضنا يجابه بعضاً بالحجج. حالياً، عندما يتلقّى شخص ما انتقاداً، يردّ بانتقاد آخر. أعتقد أنه أمر مخزٍ حقّاً، حتى رئيس الوزراء الياباني يتصرَّف بهذه الطريقة. إن هذا عكس ما أريد القيام به. لا يمكنك الاقتصار على الردّ بشيء ما، فقط، بل عليك أن تعبر -بوضوح- عمّا يختلج في صدرك. هذا أمر ضروري في أيّ عالم كان، مع «كورونا» أو بدونها.

ما تعريفك لحرّيّة التعبير؟

– حرّيّة التعبير هي، أوَّلاً، وقبل كلّ شيء، القدرة على قول ما تريد قوله دون قيود، وإذا حدث أن أخطأت، يجب أن يتقبَّل المجتمع ذلك، ويغفره. برأيي، إن هذين الأمرين هما ما يشكِّل حريّة التعبير. مع ذلك، وبسبب الشبكات الاجتماعية، يمكن لأيّ تعليق أن يضرم فتيل النار على الإنترنت. أعتقد أن لدى الكثير من الناس وعياً كبيراً ومستمرّاً بهذا الخطر؛ لذلك فهم يمارسون الرقابة الذاتية. أنا، شخصيّاً، حرّ في قول ما أريد، لا أهتمّ لشيء، وليس لديَّ -على الإطلاق- أيّ حساب على الشبكات الاجتماعية، لذلك إن كان هناك حريق ما، فأنا لا أشعر به، وبذلك أنعم بهدوء كبير. (يبتسم)

في هذه الآونة، هل تزداد أهمِّيّة الكتب، وخاصّةً الروايات؟

– كل الفنون مطلوبة في مثل هذه الآونة. ومن الرائع أن نقرأ إذا توفَّر لنا الوقت لذلك. ربَّما ما يهمّ أكثر هو قراءة السرد والقصص العميقة. الأخبار لا تتحدّث إلّا عن «كورونا»، وأعتقد أن الجميع ضاقوا ذرعاً بذلك، ويريدون عالماً مختلفاً، وعالماً أعمق. إذن، الفنون تبقى ضرورية.

وهل كنت لتحتجّ لو تَمَّ إغلاق المكتبات؟

– لعلَّه من المجدي، أحياناً، للمرء، أن يشعر بالجوع للقراءة دون أن يتمكَّن من إشباع ذلك الجوع على الفور. أليس كذلك؟ نحن نعيش في عالم نحصل فيه، دائماً، على ما نريد، في الحال. وربَّما ساعد حرماننا من الكتب، بين الفينة والأخرى، في استعادتنا الشعور بأهمِّيَّتها وقيمتها الكبرى.

هل سيكون لهذه الأزمة الصحِّيّة تأثير على محتوى رواياتك القادمة؟

– لن أعرف ذلك حتى أنتهي من كتابة عمل ما. لنفترض أنني أكتب رواية، وأعيد قراءتها في وقت لاحق. فقط، في ذلك الوقت، قد يتسنّى لي الاعتقاد بأنها أثَّرت كثيراً فيما كتبته في زمن «كورونا». توجد طريقتان يمكن، من خلالهما، أن نرى ذلك: طريقة مباشرة، ماديًة واقعيًة، وطريقة مجازية رمزية. وأنا أعتقد أن التأثُّر بالأزمة سيخرج في شكل مختلف عن الوصف المباشر والملموس، شكل أكثر ارتباطاً بالمجاز. إنها عملية تتمّ بشكل طبيعي، ولا يتمّ اختيارها. يستغرق الأمر وقتاً. الشعور بالأشياء يستقرّ في الوعي، ويغوص عميقاً قبل أن يخرج في شكل مغاير. أقصد أن هذا يحدث، فقط، لدى الروائيِّين، ومن يكتبون القصص. لهذا الغوص عميقاً في الوعي، وللطريقة التي تطفو، من خلالها، الأشياء على السطح، من جديد، أهمِّيّة بالغة بالنسبة إليّ.

لا تسافر إلى الخارج، حاليّاً، أليس كذلك؟

– كان ذلك مستحيلاً هذا العام.

لقد عشت طويلاً خارج الأرخبيل، و-مع ذلك- معظم رواياتك تدور أحداثها في اليابان…

– في الواقع، لست متأكِّداً من السبب. كان بإمكاني أن أكتب أكثر عن الخارج. ولكني، في واقع الأمر، كلَّما خرجت من الأرخبيل، عرفت أنني كاتب ياباني. أحياناً، أشعر بالسوء هنا، وبالملل، فتعتريني الرغبة في الذهاب إلى الخارج. وعندما أكون هناك، وأعيش هناك، أدرك أنني روائي ياباني قبل كلّ شيء؛ لذلك، تصبح الطريقة التي يعيش بها الناس في اليابان مسألة مهمّة جدّاً بالنسبة إليَّ؛. لهذا السبب أعتقد أنني أكتب روايات، تدور أحداثها في اليابان.

وماذا تعني لك الموسيقى؟

– لا غنى عنها. هي لغة عالمية، وستبقى كذلك.

أنت مولع بالموسيقى، لكنك من عشّاق الإذاعة، أيضاً، إذ تقوم بمهمّة التنشيط على أمواج إذاعة «طوكيو FM» برفقة «ميو ساكاموتو – Miyu Sakamoto»، ابنة الملحِّن «ريويتشي ساكاموتو – Ryuichi Sakamoto». كان يفترض أن تقوم بذلك لمرّة واحدة، لكن الأمر تحوَّل إلى عادة. هل للإذاعة، إذن، سرّ يغري بالعودة إليها دائماً، بعد المرّة الأولى؟

– عندما كنت طفلاً، نشأت وأنا أستمع إلى الموسيقى عبر الراديو، وأستمع إلى برامج مثل «hit-parade» طوال الوقت، لكني، في الآونة الأخيرة، بدلاً من الاستماع إلى الإذاعة، أصبحت أشارك في العمل بها، وأجدها -حقّاً- وسيلة إعلامية مهمّة، وأنا أحبَّ ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: كارين نيشيمورا

المصدر:

https://bit.ly/3pQAgpA

 

هيرفيه لو تيلييه.. مواجهة المرء لنفْسه

استطاع الروائي «هيرفيه لو تيلييه»، من خلال روايته «النشاز – L’anomalie» أن يحقِّق أفضل مبيعات الموسم الأدبي الجديد لهذه السنة، إذ تُوّج، مؤخَّراً، بجائزة «غونكور»، بثمانية أصوات مقابل صوتَيْن لفائدة رواية «مؤرِّخ المملكة»، للكاتب الفرنسي «مايل رينوار».

على الرغم من أن «هيرفيه لو تيلييه» كان يقيم في إقليم «دروم»، في فرنسا، في إطار تجربة الحَجْر، إلا أنه، قبل أيّام قليلة من صدور قرار لجنة تحكيم «غونكور»، كان منخرطاً في حملة الترويج لروايته، مستمتعاً بذلك . وقد سرَّه الاهتمام الشديد بروايته التي تحكي قصّة رحلة على متن الخطوط الجوِّيّة الفرنسية، هبطت بشكل مفاجئ، مرَّتَيْن، في نيويورك، بالطاقم نفسه ، والركّاب أنفسهم ، لتَزُجَّ بالعالم في فوضى عارمة، بعدما وجدت هذه الشخصيّات نفْسها في مواجهة أشباهها. رواية «النشاز» هي، أيضاً، كتاب عظيم عن الحبّ، تنمزج فيه الأجناس ببراعة؛ لذلك، تستحقّ هذه الحكاية الخرافية عن العالم أن تُتَوَّج، وهو ما وقع، فعلاً، في الثلاثين من نوفمبر «2020».

بنجامين لكوج: ما هي نقطة البداية في رواية «النشاز»؟

– هيرفيه لو تيلييه: كانت لديَّ عدة مشاريع، بالتزامن مع كتابة هذه الرواية. ومنذ فترة طويلة كانت لديَّ رغبة في أن أتطرَّق إلى موضوع الشبيه ، بشكل أكثر مباشرةً من موضوع الاستنساخ البسيط؛ لذلك، كان المغزى من كتابتها هو أن يواجه المرء نفْسَه، وأن يواجه ذلك الشخص الذي لا يمكنه أن يكذب عليه، ذلك الشخص الذي يمتلك ذكرياتنا، وعواطفنا، وكراهيَّتنا. وكيف يتصرَّف المرء في مواجهة نفسه. لقد كنت مهتمّاً، أيضاً، لفترة طويلة جدّاً، بنظرية المحاكاة التي صاغها «بوستروم»، وهي الفكرة المذهلة للغاية، والقائمة على الاعتقاد بأننا نعيش في عالم افتراضي، وأن كلّ ما يحيط بنا مصطنع، وهي النظرية التي حظيت، مؤخَّراً، بمصادقة مجلّة «علوم» التي أكَّدت إمكان صحّة النظرية بنسبة %50… وهكذا، تمازجت هاتان الفكرتان مع رغبتي في كتابة رواية ما، وفق فرادة سردية، تتناول جميع القضايا المتعلِّقة بالأجناس الأدبيّة.

من هنا، جاء تعدُّد الأساليب في الرواية: حيث تنطلقون من الرواية البوليسية إلى الخيال العلمي، مروراً بقصّة الحبّ…

– ه. ل. ت: نعم. كنت قد جرَّبت كتابة الرواية البوليسية في أيّام سلسلة «الأخطبوط – Poulpe» ، لكن  الأمر لم يكن يستهويني، بيد أنه كان تمريناً أسلوبياً حقيقياً، أخضعت نفسي له، في غضون شهرين، مع ما يستتبع ذلك من مخاطر التكرار والصور والتعابير غير المضبوطة، فقد كانت هذه هي اللعبة. وفي هذا العمل راودتني الرغبة، مجدَّداً، في أن أعود، مرّةً أخرى، إلى جنس الرواية البوليسية؛ لذلك نجد أن أحد الشخصيات يعمل قاتلاً مأجوراً. هكذا، قلت لنفسي، وأنا أتخيَّل أن كلّ شخصية أخرى في الرواية ستتوافق مع أسلوب سرد مختلف؛ وبهذا يكون للمجموع كلِّهِ تلوينٌ شاملٌ فريد.

هل يتعلَّق الأمر، إذاً، بذلك الأدب المعروف بقيامه على الإكراهات ، والذي يحظى بدرجة عالية من التقدير عند جماعة «مشغل الأدب الاحتمالي» (Oulipo)، التي تنتمون إليها ؟

– نعم، لكن الإكراه هنا ضعيف ، وواضح المعالم. لقد اعتدنا في مشغل «أوليبو» أن نلزم أنفسنا بمظهر معيَّن للشخصيات، والتنقُّل إلى مبنى معين، مثلما فعل «جورج بيريك» في روايته «الحياة: دليل الاستعمال – La vie mode d’emploi». بيد أني لم أضع، في روايتي، سوى ثلاث صعوبات، فقط: الأولى تتعلَّق بالأساليب، والثانية تتعلَّق بتشابكها، والثالثة تقوم على كتابة فصول تبدأ، من وقت إلى آخر، بتحوير عنصر معيَّن مأخوذ من أحد الكتب الموجودة في خزانتي الخاصّة. فعلى سبيل المثال، أخذت الفقرة الأولى من رواية «وعد الفجر- La Promesse de l’aube» لـ«رومان جاري»، وكتبتُ على ضوئها فقرة في كتابي. وهذا الأمر يساعدني في نسج الرواية. إنه لأمر ممتع جدّاً أن ينتقل المرء من جنس إلى آخر. لأننا إذا قمنا بخلق شخصية قاتل مأجور، فلن تكون لدينا الرغبة في أن ننهج أسلوب «بروست» في الكتابة. [يضحك].

هل تتفاعل مع شخصيّاتك في الرواية؟

– أوه! يمكنني أن أقول إن في هذا الأمر مسحة من التصنُّع، لكن ذلك ليس بالأمر الخاطئ كلِّيّاً. فعندما نكتب عن «النشاز»، فإن الشخصيات تجسّد نفسها بقوّة. إنها تجذبك إليها، وفي لحظة معيَّنة تجد نفْسَك مأخوذاً بالسرد، إذ تتولد لديك رغبة في إكمال قصّة «بليك»، أو قصّة «لوسي» و«أندريه»، أو قصّة «جوانا». وكلّ قصّة من هذه القصص القصيرة هي بمنزلة رواية.

تمثِّل «النشاز»، أيضاً، رواية عظيمة عن الحبّ…

– وليست عن أيّ شيء آخر. إذ ما إن تلتقي الأشباه، بعضها بالبعض الآخر، حتى تصير مأخوذة بتسوية هذا المشكل، ولا تأبه، أبداً، لما سواه، لكن الأشباه تواجه المستحيل والفرصة الثانية. فالمسألة الأساسية، في عصرنا، هي مسألة العلاقة مع الآخر؛ فمن هنا تنبع مشكلة حبّ تملُّك الآخر. وبهذا الصدد توجد ثلاثة طرق ممكنة: إمّا تجريد المرء من التملُّك، أو التضحية، أو التعاون، وهو ما يمكن تلخيصه في السؤال الآتي: «هل أنا قادر على مشاركة شخص أحبُّه حياته؟» إنني لا أؤمن بالتنافس بين الرجال والنساء، كما أنني لا أعتقد أننا نترك شخصاً ما «من أجل» شخص آخر، بل بدافع من ذواتنا. إذا فشلنا في إقامة علاقة ما، فهذا ليس بسبب وجود علاقة أخرى، بل لأننا، فقط، وبكلّ بساطة، لا نستطيع.

لذا، إنَّ الحل الأنسب هو أن يكون لدى كلّ منّا شبيه ؟

– نعم. [يضحك]. بوجود الشبيه، يمكن للمرء أن يحاول النظر إلى ذاته، وأن يسعى إلى تحسينها. وهو ما يفعله «أندريه»؛ أحد الشخصيات في الرواية؛ فعندما يواجه شبيهه، يرى نفسه بطريقة أكثر وضوحاً بكثير من رؤيته نفْسَهُ في المرآة.

من أين تأتي الحاجة إلى هذه المسافة، في عصر صرنا نحبّ فيه السخرية والتهكُّم؟

– إننا نعيش، أيضاً، في عالم نقضي فيه وقتنا في التقاط صور لأنفسنا، وفي النظر إلى أنفسنا، وفي السعي لأن نجعل من ذواتنا مركزاً للعالم، حيث نحبس أنفسنا في فقاعة صغيرة، تجعلنا نؤمن بنظرية المؤامرة، وتحثنا على ألّا نواجه، أبداً، موقفنا من الآخر. إننا نتاج سلسلة كاملة من الظواهر التي تخرج عن نطاق سيطرتنا، من بينها: وسائل التواصل الاجتماعي، والتلفزيون الذي بدأ يفقد مكانته لصالح اختيارات ترفيهية وتثقيفية وإعلامية أخرى عديدة؛ إذ لم يحدث، أبداً، أن تمتَّع هذا العدد الكبير من الناس بهذا القدر القليل من الثّقافة؛ عرض ثقافي ضخم يركِّز على الحدّ الأدنى من الاختيارات، وهذا، أيضاً هو ما أعيشه، الآن، في هذه الرواية التي حقَّقت نجاحاً ظاهراً من المرّة الأولى، بينما الكثير من كتب أصدقائي لم تَنَلْ حقَّها من الشهرة، وهذا ظلم.

كيف كان شعورك عندما علمت بأن روايتك «النشاز» هي واحدة من الروايات المرشَّحة للفوز بجائزة «غونكور»؟

– أوه! لقد انخفض الضغط الآن، بعدما احترق مخزوني من الأدرينالين كلِّيّاً. [يضحك]. أنا لا أكترث لهذا الأمر. أشرب الشاي الممزوج بالأعشاب، وبعض المشروبات الأخرى. لقد كانت هذه الاستراحة مفيدة، تقريباً، بالنسبة إلى المرشحين الأربعة في المرحلة النهائية، ثم توقَّف كلّ شيء، فجأة، دفعة واحدة؛ لذلك أنا أتساءل عمّا إذا كان الأمر مهمّاً بالفعل. ولكن، تظل جائزة «غونكور»، مع ذلك، قادرة على تغيير حياة من يفوز بها، رغم أنني لست مهووساً بالأمر، ولا أفكِّر به طوال الوقت. وقد اتّضح أنه يجري، الآن، بالفعل ترجمة رواية «النشاز»، فأنا، إذاً، قد حقَّقتُ هدفي الشخصي المتمثِّل في إخراج الرواية إلى الوجود، كما أننا سعداء جدّاً بوجود جائزة مثل «غونكور»، إذ من شأن هذا الأمر أن يغيّر مكانك في الوسط الأدبي، ولكن بشكل مؤقَّت. فمن منّا -مثلاً- يتذكَّر جائزة «غونكور» لعام (1992) أو لعام (1993)؟ يتعيَّن علينا، إذاً، أن ننظر إلى هذا الأمر من منظور نسبيّ، وهو ما من شأنه أن يقدّم فرصة إضافية تمكِّن الكتب السابقة من أن تخرج، مرّةً أخرى، إلى الوجود.

ما وجهة نظركم في ما يتعلَّق بمسألة إغلاق المكتبات. هل ينبغي منح الأولوية للصحّة أكثر من الثّقافة ؟

– لا أدري، فأنا لست عضواً في المجلس الصحّي. والبلجيكيون لم يتبنّوا هذا الخيار. نحن نتوفَّر على أقنعة واقية، ومعقّمات، ثم اتَّضح أن عملية «طلب شراء الكتب عبر الإنترنت، قبل تسلّمها في المكتبة، والمعروفة بـ«click and collect»، ليست بالفاعلية التي كنّا نعتقد.. لأن جزءاً من المبيعات يتمّ بعد جَوَلان القارئ في فضاء المكتبة، واكتشافه بعضَ العناوين من خلال تناوله الكتب مباشرةً من فوق الرفوف. زد على ذلك أن كبار البائعين هم وحدهم من يستفيدون من نظام البيع هذا. وهكذا، الكتب الحقيقية التي أقوم باقتنائها هي تلك التي أراها على طاولة معيّنة أو على رفّ معيّن. وعندما أسمع «برونو لو مير» وهو يقول:«إن هذه العملية ستسمح لبائعي الكتب بالبدء في استخدام التقنية الرقمية»، ينتابني الفضول لمعرفة متى كانت آخر مرّة قام فيها وزير المالية هذا بزيارة المكتبة. إن المكتبة هي المكان المناسب الذي يواجه فيه المرء خيارات كثيرة؛ إذ ليس من الممكن أن يقتصر الأدب على خمسة عشَر عنواناً.

لقد كنتَ تَدْرُس الرياضيات، فكيف انتقلت إلى الأدب؟

– لم أكن مُدرِّساً جيّداً، كنت أطرح الصيغة الرياضية قائلا: «سنحاول العثور عليها معاً»، وكان بعض الطلّاب يتوصَّلون إلى الحلّ بشكل أسرع مني. لقد كان الأمر شبيهاً ببيداغوجيا التلميذ الكسول، إذ كنت أعرِّض نفسي للحرج؛ لذلك حوَّلت وجهتي نحو مركز تكوين الصحافيين ، حيث تَمَّ قبول ترشُّحي هناك، وسرعان ما دخلت عالم المجلّات العلمية، ولكم كنت أحبّ تبسيط المادّة العلمية، ونشرها لعموم القرّاء!.

ولكن، مع ذلك، كلّ هذا لا يجعل منك كاتباً.

– في عام (1984)، نشرت روايتي الأولى. لم تكن رائعة، بيد أني بدأت في الكتابة ضمن المجلّة الأسبوعية «حدث الخميس – L’Evénement du jeudi». ولمدّة سبع سنوات، كنت أكتب كلّ أسبوع قصّة قصيرة تتضمن ألفَيْ علامة. مرّة على الكوكتيلات، ومرّة على المكرونة، وأخيراً على مشروب شاي الأعشاب. كنت قد كتبت عن شاي الأعشاب حكايات مرعبة، كانت بطلتها هي نسخة بديلة لشخصية الآنسة «ماربل» الشهيرة، وقد شكَّل ذلك تدريباً جيّداً من حيث الكثافة السردية. وبالنسبة إليَّ، أنا الذي كنت أحبّ «جول رونار» أو «سويفت»، فإن اعتناق الشكل القصير ، كان أمراً مثاليّاً.

من الكتّاب المفضَّلون لديك؟

– عندما كنت طفلاً، كنت أفضِّل قراءة «رومان غاري»، و«جان بول سارتر» و«إيتالو كالفينو» فيما بعد، في روايته الثلاثية «أسلافنا»، لكن مجموعته القصصية «ماركوفالدو» هي أكثر ما أثار إعجابي، على مستوى الشكل؛ فقد كانت هذه القصص الصغيرة تتعاقب، وتخلق كوناً رائعاً مشيّداً بشكل جيِّد، كما أنها كانت تُدخِل النثر في شعر حضري مذهل.

أما زلت تقرؤه؟

– بالطبع. وأنا أقدّمه، أو أنصح بقراءته باستمرار، وخاصّةً للمراهقين الذين يسألونني عمّا يجب عليهم قراءته. لقد وصفه بافيس بأنه سنجاب القلم، وهذا -فعلاً- هو أدقّ وصف له: «كالفينو» يقفز من غصن إلى آخر، في رشاقة لا حدود لها.

ما الذي عرفته عن نفسك بفضل الأدب؟

– أدركت عندما قاربت سنّ الثلاثين، أن الأدب طريق يمكن أن يسلكه المرء للهروب من نفسه، ومن الحياة اليومية؛ لذلك فسيكون من الصعب عليّ أن أستغني عنه، من الآن فصاعداً…

حوار: بنجامين لكوج

المصدر:

https://bit.ly/3nMuBRy

تورغوت أويار: «حبّي يؤلمني من التعاسة المتكاملة لبني البشر»

ينتمي الشاعر التركي «تورغوت أويار» إلى حركة شعرية طليعية بدأت في الخمسينات من القرن الماضي، وعُرِفت باسم (الحداثة الثانية) أو (الجيل الثاني)، أضفت ملامح جديدة على الشعر التركي، فأدرجت التعدُّدية في الشكل، والمعنى، والصورة، ورفضت التعبير عن المواقف السياسية المباشرة في الشعر، ونزعت إلى الرغبة في الحياة الفردية دون تدخل سياسي، والتوق إلى عالم آخر كما تصوِّره أبياتهم الشعرية السوريالية، وما زال لهذه الحركة تأثير عميق في الشعر التركي، حتى يومنا هذا.
كتب «أورهان باموك» في مجلَّة «دي زايت الألمانية»:… كنت في صباي أُمضي جُلَّ وقتي في قراءة الكتب المختلفة، ومنها لشعراء «الحداثة الثانية» مثل «تورغوت أويار»، وآخرين، ورغم أن شعرهم عصيٌّ على الفهم، لكنه مؤثِّر وبليغ. كنت أحاول كتابة الشعر مثلهم، فأجلس إلى الطاولة، وبعد أن أكتب بعض الأبيات الشعرية، أُدرك سذاجة من يشاهد لوحة تجريدية، فيذهب به الظنّ إلى أنه قادر على رسم لوحة مشابهة…»

وُلِد «تورغوت أويار» في أغسطس، 1927، في أنقرة. كان الطفل الخامس بين ستّة أطفال. نشأ في أجواء عسكرية، فوالده كان ضابطاً، وحياته الدراسية أمضاها في المدارس العسكرية الداخلية أيضاً، وخدم بصفة عسكرية في الوظيفة الحكومية، لمدّة ست سنوات، بعد أن أنهى خدمته العسكرية الإلزامية. رغم كلّ تلك الأجواء العسكرية التي نشأ وترعرع فيها، لم يقتفِ أثر أسلافه في كتابة الشعر الملحمي، والوطني، والسياسي الذي كان مهيمناً على شعر مَنْ سبقوه من كبار الشعراء الأتراك، بل فتح آفاقاً جديدة في الشعر التركي، واستخدم أحاديث النفس الداخلية، وتخلَّص من الوزن والقافية، وأكسب الشعر سرعة جديدة، ووجَّه شعره نحو مجالات غير مسبوقة، وساهم، بشكل كبير، في تطويره.

توفِّي «تورغوت أويار» في اغسطس، 1986، تاركاً خلفه 14 كتاب شعر. وكانت وصيَّته لزوجته الكاتبة «تومريس أويار» أن تمزِّق كلّ ما كتبه بخطّ يده، ولم يُنشر من أشعاره، وقد نَفَّذت وصيَّته كما أراد.

يعكس «تورغوت أويار»، في معظم قصائده، وطأة ضغوط معايير التحضّر وأنماط الحياة العصرية، وعزلة الفرد في المدينة، وتأثير نمط المعيشة فيها في تشكيل حياة الفرد، والشوق والحنين إلى حياة الريف والطبيعة رغم صعوبتها؛ لما تمثِّله من حريّة غير مقيَّدة، وانفتاح للعلاقات الاجتماعية بين أفرادها، فيقول في قصيدته «تلك القرية لا تزال في أحلامه»:

على جبال آرسيان المُهيبة، ذات يوم
أُنهِكتُ، وأُنهِكَ حصاني.
عاصفٌ وصاعقٌ ذاتَ عصرِ يوم،
حين أطلقتُ العنانَ لحصاني، تحتَ المطر
ونزلتُ في قرية «بَنارْهيف»..

في غرفةِ المختارِ، أنا وغربيانِ اثنان،
كأنّنا نَعرِفُ بعضَنا منذُ سنوات!
جفّفنا ثِيابَنا، وشرِبنا الشايَ، وتسامرنا.
بعيداً عن الذئابِ، والطيورِ، والضباب..
كإنسانٍ، في قرارةِ نفسي،
كمْ فرِحتُ، وشَعرتُ بالحبور!.

ما إنْ وَرَدتْ سيرةُ المرأةِ في حديثِنا،
حتى انتابني شعورٌ غريب.
قدْ لا تصدّقونَ ما أسمعُه في الظلام!
أسمع أصواتاً في البعيدِ البعيد.
دخلتُ السريرَ، وتَلحّفت
في قريةِ «بَنارْهيف»، في غرفةِ المختار
إلى جوارِ أحلامي، والناس..
استغرقتُ في النّومِ حتى الصّباح..
في دفءِ أجواءِ تِلكَ القرية،
أعلمُ أنْ لا شيءَ قدْ تغيّر مذ ذهبت.
ليهنأوا جميعُهم بالمياهِ وأسماكِ السَلَمون.
تلكَ القريةُ لا تَزالُ في أحلامِه.

ويصف القرية، في قصيدته «إحياء ذكرى»، بأنها أرض الحكايات الخيالية الجميلة، ويحنّ إلى الحياة فيها، رغم صعوبتها، بأمطارها الممتعة، وهي أقرب إلى نفسه من حياة المدينة:

كانتْ لِيَ أيامٌ مُمْتِعةٌ مبلّلةٌ بالمَطر،
وليالٍ لي جميلةٌ ومليئَةٌ بالحِكايات.
كلُّ شيءٍ، كلُّ شيءٍ كانَ جميلاً: الدموعُ والدنيا والزمان،
وما التقطْتُه مِنْ توتِ العلّيق، في طريقِ القريةِ المُغْبَرّ، المُقْفِر،
كانتْ لِيَ أيامٌ مُمْتِعةٌ مبلّلةٌ بالمَطر.

كنتُ أُتابِعُ القَمَرَ يكبَرُ، كلَّ يومٍ، في السّماء،
والمقابِر الدارِسة مِنْ جِدارِ القَلْعَة،
والصّخرَةَ التي أخالُها عملاقاً مخيفاً،
وما تشبِكَه أمّي منْ تمائِمَ زرْقاء.
كنتُ أُتابِعُ القَمَرَ يكبرُ كلَّ يومٍ، في السّماء.

مصباحُ الكيروسينِ مُضاءٌ في وَسَطِ الغُرْفَة..
وأحياناً، بِوهجِ الصواعِق، تُضاءُ الليالي.
عشُّ اللقلقِ المُقامُ أعلى مِدخَنَتِنا،
كمْ كانَ جميلاً! وكمْ هي جميلةٌ الحكاياتُ والأحاجي!
مصباحُ الكيروسينِ مُضاءٌ في وَسَطِ الغُرْفَة.
ولّتْ بهجةُ أيّامي الماضِية..
كانتْ لِيَ أيامٌ مُمْتِعةٌ مبلّلةٌ بالمَطر،
حيثُ وُلِدتُ في بلادٍ مُقْفِرة،
احترقتْ في مصابيحِ الحكاياتِ لا في مصابيح الكيروسين،
ولّتْ بهجةُ أيّامي الماضِية…

ويعرض «تورغوت أويار»، في قصيدته «عن الأقدار البعيدة»، صوراً من الهروب والتشاؤم والموت، والحاجة إلى المحبّة، لكن الحبّ والآلام متلازمان، وبُعْدَ أفراد مجتمع القرن العشرين عن أنفسهم، والاضطراب الداخلي، والشعور بالوحدة يلازمهم باستمرار. الحياة في المدينة وهمية كزيف أضواء النيون. والخلاص من الشعور بالوحدة، والعزلة بالجلوس في حانة على شاطئ البحر والبكاء، ليسا سوى تخدير للقلب والروح، بانتظار مغادرة الدنيا إلى مكان مجهول:

ذاتَ يومٍ ماطرٍ،
سأغادرُ عائلتي، دون رغبةٍ منّي.
بقلبٍ لم يملَّ الحبّ،
أعرفُ أنّي سأغادرُ وحيداً.

القرنُ، هو القرنُ العشرون، آمنّا.
أحملُ محبّتي إلى جانبي، وأحملُ وجعي إلى جانبي الآخر،
أضواءُ النيونِ تُضفي العتمةَ على ليالينا..
البعيدُ يزداد بعداً،
كدفينةٍ تخرجُ من بين الصخورِ، منذ عهد آدم..
أنا بحاجةٍ إلى محبّةٍ دافِئة.

سأغادرُ ذاتَ يومٍ، وحيداً..
لتلمع النجومُ، لتخلُ الطرقات، الطرقات..
ليلفَّ وسطي شالٌ دافئٌ، أزرق
بعدَ نهايةٍ حزينةٍ، بلا أُغنيات،
لتنحنِ أحلامي في نُزُلٍ منسيّة،
أمام شفتَيْنِ مفعمتَيْنِ بالعاطفة، ولامستا الكثير.

ما عادَ يطيق حالَه عمري،
ليتني أعيشُ قَدَرَ كلّ إنسان على حدة،
عشقٌ دمويٌ في بلادِ الغربة،
طفولةٌ تعيسة في إحدى القرى النائية،
في الفجرِ الأكثرِ بعداً،
في العصرِ الأكثرِ قرباً،
ومساءٌ عاطفيٌّ في حانةٍ على شاطئ البحر،
ليتني أبكي، ولا أتوقفُ عن الشراب..

كيف يمكنُ اختزاله؟ لا أدري!
بينما الكلُّ يريدُ حصَّتَه من المتاعب.
مياهُ الأقدارِ البعيدةِ تُخرخرُ الآن،
والنجومُ تتساقطُ إلى ما لانهايةٍ، من داخلنا.

ذاتَ يومٍ، بينما كنت أجلسُ في الحديقة،
عرفت أن يداً ستلمس كَتفي مع المطر،
وزوجاً من الأعينِ، ودعوةَ ضيافةٍ، وقلباً،
سأتخلّى عن عائلتي.

أوراقُ الشجرِ ستتساقط، والأزهارُ ستذبل،
ذاتَ ربيعٍ، وذاتَ صباحٍ، ومطرٌ سيهطُل،
عابقاً برائحة الإنسانِ والتُراب.
في حالةِ ثَمَلٍ مصحوبٍ بالعويلِ، منذ سنوات،
سأغادرُ وحيداً.

ويخاطب «أويار» طائر الكركي في عدد من قصائده، إذ يمثِّل، بالنسبة إليه، رمزاً للحريّة والانعتاق من كلّ قيد، والانطلاق بلا حدود، ويصل به الأمر إلى أن يتمنّى أن يكون ريشة في جناحه كي يطير معه وينطلق بلا قيود، في قصيدته «معك يا طائري الكركي» :

استسلمتُ لعاصفةٍ وتجاوزْتُها،
خارج أنقرة واستانبول.
أتقولون: كمجنونِ ليلى، أو لبنى
يسعى خلفَ كركيّ ذي ريش؟

آه، أيُّها الكركيّ! ليتني ريشةً من جناحِيك.
فلا تتركني هائماً في الطّرقات.
احملني كأحدِ همومِكَ، كأحدِ فِرَاخِك.
آه، أيُّها الكركيّ! ليتني ريشةً من جناحِيك…

في عمقِ دغلٍ، على قمّةِ جبل،
أنامُ القيلولة.
يا أيُّها الكركيّ! يا روحي أيُّها الكركيّ! يا سيِّدي أيُّها الكركي!
تعلمُ أنّي غريبٌ، أنّي ضعيف…

لا غابت عنّي ظِلالُك، ولا عَصْفُك.
تلكَ الأيامُ، كانت ناراً تستعِرُ في داخلي.
حينَ كنّا نهبطُ من قريةِ «صاكالْتوتان»، عندَ الصّباح،
كانت بلدةُ «قارْص» قد استفاقت للتّو…

إلى أيّ مكان كان، أستودعكم الله،
بلدنا تلك تأخذ بالأبصار، أيُّها الكركي!
الطريقُ سالكٌ، بعد أن أزيلت قرية «داغدفيران» بالتسوية،
والذهاب إلى قرية «باسينْلِر» بِلَيرَتَيْن ونصف، يا الله!

في نَزل علي أفندي في «باسينْلِر»،
استغْرقتُ في نومٍ عميق.
على الحصيرِ، كمْ شعرتُ بالراحةِ، دون قلق،
إلى جانبِ القَرَويّ مصطفى!.
لو أجلسُ وأبكي حتى الصّباح،
طرقاتٌ تَمورُ في داخلي.. طرقاتٌ قريبةٌ، وبعيدة.
يا حسرتي، لم أكْتفِ بعد، لم أكْتفِ، لم أكْتفِ.
ألا ليتَ، أيُّها الكركي.. ألا ليتَه لا يكون حُلماً..

لِمَ أنا حزينٌ هكذا؟، لستُ أدري!
آلاف النجوم تجري في دمي.
أهيمُ منذ سنواتٍ، منذ قرون،
حرّاً، سيراً على الأقدامِ، زائغَ النّظرِ، في وطني..
يا ليتني ريشةً من جناحَيك ، أيُّها الكركي
اخطفني، خذني معكَ ولا تتركني.
خذني إلى بلدةِ «قارْصْ»، أو «سيفاسْ»، أو «أَدِرْنَةّ»
لا يعنيني من طبيعَتِها الخضراءَ شيئاً، ولا من محيطِها.
احملني.. ليتني قملةً، ليتني عبداً لك،
مِثلَ حبّةَ شعيرٍ في حوصَلَتِك…

لا ينسى، أيضاً، مدى تأثير حياة المدينة على المرأة، من خلال كونها زوجةً لموظَّف بسيط في إحدى الدوائر الحكومية، فكتب قصيدة بعنوان «زوجة الموظَّف»، وأهداها إلى زوجته:

ترتدينَ من الحريرِ أَسوأَه.
أنتِ زوجةُ موظَّفٍ من الدَّرجةِ العاشِرة..
امرأةٌ مكابِدةٌ، وفيّةٌ، ونِصفُ قلبي….
سعياً وراءَ نظرةٍ، أو وعد،
راضيةً بالنَّصيبِ، أحنَيْتِ رأسَكِ خضوعاً.
سيِّدتي، أصبحَت امرأةً في الخامِسةِ عشرة…

لا تُلِمّين كثيراً بالموْضَة..
لمْ تَطْلي أظافرَكِ منذُ زفافك،
وتَلِفتْ يداكِ من مساحيقِ الغسيل.

لا أحلامٌ كبيرةٌ، كبيرةٌ، لديكِ،
تجمعين القرشَ على القرش،
تأملين بعلاوةٍ أو مكافأة…

هدرتِ عمرَكِ على قِممِ الجبال.
أصبحتِ أُمّاً قبلَ بلوغكِ الثلاثين.
خمسةُ أطفالٍ لديكِ، في الثامنةِ من عمرهم…

تذهبين مرّةً في السنة،
إلى مدينة الملاهي، أو الجزُر، أو البحر..
تُمضين السنة كلَّها بجوربٍ وفستانٍ واحد…

أنتِ زوجةُ موظَّفٍ من الدرجةِ العاشرة..
امرأةٌ مكابدةٌ، وفيّةٌ، ونصفُ قلبي.
مهما قلتُ، فلن أوفيكِ حقّك.
ويلجأ، في قصيدته «يؤلم»، إلى غير المألوف في التعبير عن شدّة تعاسة البشر، فيصفها بالرأسية والأفقية والمتكاملة، بينما يعبّر عن حبّه لبني البشر، ومدى ألمه من تعاستهم بـ«حبّي يؤلمني»، فيقول:
أريدُ التّحدّثَ عن التعاسة
عن التعاسةِ الرأسيةِ والأفقية
عن التعاسةِ المتكاملة لبني البشر.
حبّي يُؤلِمني!
لقد عِشنا أشياءَ مليئةً بالغموض،
وهم عاشوا هناك، أيضاً.
يخطئون حينَ يظنّونَ أنّ تعرُّج الجبلِ
ابتهاج.
التعاسةُ، قبلَ كلّ شيء،
تُشبِه حانةً في بلدةٍ صغيرةٍ، لا ريب،
تضرِبُ ضحكتُها ضوءَ النهارِ،
دونَ انعكاسٍ هنا وهناك..
أي أنَّ امرأً قد أصابَه الزُّهريُّ مِنْ وردةٍ ذابلةٍ،
وآخرَ قد أصابَه السُّلُّ من امرأةٍ أخرى.
بتأريخ كلّ المباني
وتأريخ كلّ الوعود،
حبّي يُؤلِمني.
«أشفق على حبّي»، يقول أحدهم.
حتى الطفلُ ذو العيون الجميلة،
لا صيفَ محميٌّ له.
ليسَ لديَّ أيّ فكرةٍ عمّا ينبغي قولَه.
حبّي يُؤلِمني.
السفنُ لا تزالُ تمرُّ وتمضي،
والجبالُ ستُظلِمُ وتُضيء..
وهذا هو كلُّ شيء.
شأوي هو العثورُ على شيءٍ، ومِنْ ثَمّ الابتهاج.
حلَّ الخريفُ أيُّها الحزنُ..
وحلَّ الشتاءُ، أيُّها الحزنُ الأسود
يا أذكى إنسانٍ في الدنيا!
حبّي يُؤلمني،
في وضحِ النهارِ في عزِّ الصيفِ، أحياناً.
لا يَهُمُّني مَنْ أحبّ،
ولا يَهُمُّني من يحبُّني.
ها قد حزم أيلول حقائبه، وذهب..
وتشرين وغيره، سيذهبون على النحو ذاته.
الخيول الضخمة الغارقة في التاريخ..
والغرق في التاريخ، هذا هو كلّ شيء.

فرانثيسكو برينيس: الشعر هو قول أشياء مؤلمة

أعلنت جائزة «ثيربانتس» المرموقة، نوبل الأدب الإسباني، فوز الشاعر فرانثيسكو برينيس لعام 2020، عن مسيرته الإبداعية التي استمرَّت على مدار 60 عاماً، أضاف فيها للشعرية الإسبانية، وانتقل فيها من الحسِّية إلى الميتافيزيقا. تبلغ قيمة الجائزة 125 ألف يورو، وتُمنَح عاماً لكاتب من إسبانيا، وعاماً لكاتب من أميركا اللاتينية، لكنها، هذا العام، مُنِحت لكاتب ولشاعر إسبانيّين، لعامَيْن متتاليَيْن.

ينتمي «برينيس» إلى جيل الخمسينات الشعري، وهو الجيل الذي وُلِد في زمن الاضطراب السياسي، وعاش طفولته في الحرب الأهلية (1936 – 1939)، ثم بدأ الكتابة والنشر تحت رقابة الديكتاتورية الفرانكوية. نال الشاعر البالينثي التقدير منذ ديوانه الأوَّل، وفاز بالعديد من الجوائز المهمّة، مثل الجائزة الوطنيّة للأدب، في سنّ مبكِّرة، لذلك لم تكن مفاجأة أن تختاره لجنة جائزة «ثيربانتس» لجائزتها، بل إن الكثيرين رأوا أنها تأخَّرت.

بدأت مسيرتك الشعرية بديوان عن الشيخوخة: «الجمرات» (1960)، ويبدو فيه أن الزمن لا يمرّ. كيف استطعت أن ترتدي ثوب الشيخ وأنت في الثامنة والعشرين، حين نُشر الديوان؟

– في الثامنة والعشرين، نُشر الديوان، لكني كتبته قبلها بعام، بين الصيف والخريف. ينبغي أن أقول إنه ديواني الاستشرافيّ الوحيد: إذا كان الشاعر عرّافاً، فقد تمتَّعت بهذه القدرة في كتابي الأوَّل، فحسب. البطل الشعري، خاصّة في الجزء الأوَّل والأساسي في الديوان، هو رجل عجوز، يعيش وحيداً في البيت الذي أعيش فيه نفسه، منتظراً النهاية. وهذا ما تحقَّق، بالفعل: وصلت وحيداً إلى هذه القرية، إلى هذا البيت، وهو بيت الديوان نفسه، وفيه أنتظر النهاية؛ بهذا المعنى هو كتاب تنبُّؤي، رغم أنه، للمفارقة، كتابي الأوَّل المكتوب وأنا في السادسة والعشرين أو السابعة والعشرين.

هل كنت تشعر، نفسيّاً، بأنك عجوز؟

– بعيداً عن السنّ، ما كنت أراه هو مصير العزلة الذي كنت أحتاج إلى التعبير عنه شعرياً لتحقيقه، رغم أني لم أقل ذلك في هذا الديوان أو أيّ ديوان آخر؛ لأن الشعر هو كشف معنى الوجود الإنساني، شيء نقف أمامه عمياناً. كلّ شيء، على الأقلّ الأشياء المهمّة، محض لغز، وهذا اللّغز يجبرني على طرح أسئلة أساسية تأتي وتذهب، ثم تعود بشكل موسوس، تقريباً. ولأن هذه الأسئلة، بطريقة أو بأخرى، لم تهجرني، لا أعتقد أن ثمّة تغييراً حدث في شخصيَّتي.

لماذا كتبت كلّ قصائد هذا الديوان بصوت الضمير الثالث؟ هل هي مسألة خجل؟

– أظنّ أننا، في نهاية المطاف، نحكي عن الذات: من منطقة الجسد ومن الروح التي ترافقه. الروح تعيش فيما يعيش الجسد؛ وحين يموت، تموت الروح كذلك. أؤمن بذلك، من وجهة نظري، وهي وجهة لا تؤمن، ولست سعيداً معها، لأن ما نختبره، في النهاية، هو هويَّتنا الذاتية، وهذا ما لا نتمنّى أن نفقده، أبداً: الوعي بالهويّة، الشيء الوحيد الذي نحتفظ به، ما دمنا على وجه الحياة. من ناحية أخرى، حتى وأنا أتكلَّم عن الذات، لم أعتبر أن ذاتي مختلفة عن ذات الآخر، قَطّ؛ إذ إن البشر متشابهون. السحري في الشعر أنه يجعلنا نقبل بشريَّتنا، ونقبل ما نحبّ أن نكونه، بدون أن نحصل عليه. وهكذا، عند قراءة الشعر، نقبل بحقيقتنا وحقيقة الآخر. هذه هي موضوعية الوجود أو جوهر ما هو إنساني؛ لذلك أعتقد أن «الأنا» لا ينبغي أن تبرز كما نفعل: الأهمّ هو «الأنت»، لأنك، بالنسبة إلى الآخر، لست «الأنا» بل «الأنت». أظنّ أن الكتابة بصيغة «أنت» أو «هو» ابتعاد عن الوقوع في فخّ الذات: ليس من أجل الإعلاء من شأنها، ولا الحطّ من شأنها، بل لمعرفتها كما تستحقّ. أعتقد أن الإنسان كائن مذهل، رغم أنه قد يكون عاراً. إمكاناته شبه لا نهائية، بحيث يمكن أن يكون بطلاً أو جباناً.

هل كان لك محاولات شعرية سابقة على ديوانك الأوَّل؟

– لي سوابق شعرية، عندما كنت في الرابعة عشرة، وكانت سنوات تعلُّم. حينئذ، لم يكن ممكناً النشر في مجلّات كالآن، وكنت، حينها، أرتاب فيما أكتب كما أكتب الآن. لكن، نعم.. كان لديّ رغبة في الكتابة، وهذا منحني سحر التقرب لمعرفة الشعر. كنت في الرابعة عشرة تلميذاً مراهقاً، وكنت أتمتَّع بخبرة الإجابة عن الأسئلة بحسب ما درست. كنت أجيب عن أسئلة أعرفها بالقراءة، وبقدر ما أستطيع. لكني، حينها، كنت وسيطاً، وسيطاً بين القراءة وبين خبرتي الشخصية. على سبيل المثال، لو سألوني في الخريف: أين قضيت الإجازة؟، فسوف أقول: على الشاطئ، ثم في الجبل بدايةً من سبتمبر. كنت أحلِّل من تجربتي ذاتها، وأحاول أن أفسِّر لنفسي بأني أحبّ الشاطئ أو الجبل، حيث كنت وحيداً، وأجيب بحسب هذا المنطق. لكن، مع الشعر، حدث شيء سحريّ لأن ما كنت أقوله لم أكن قد قرأته ولا جرَّبته: كان يخرج من داخلي، ولم أكن أعرفه إلّا بكتابته. هذا ما كان يبدو لي، ولا يزال يبدو، سحرياً. أكتب، الآن، كما كنت في الرابعة عشرة؛ لذلك لم أكتب قصيدة معَدَّة سلفاً في رأسي، إنما عاطفة أحتاج إلى اكتشافها عبر الكتابة. يتدخَّل الحدس، وهو الذكاء لا العقل: الذكاء القاتم حيث، عند الكتابة، يأتي ليصحِّح ويوافق بحسب التجربة التأمُّلية. أشطب وأصحِّح في حدود ميلاد القصيدة وشكلها الأوَّل؛ بمعنى أن التأمُّل ليس المكتشف بل المستعمِر: يأتي متأخِّراً. خلال زمن طويل كنت أكتب القصيدة من البداية إلى النهاية، حتى جاءت لحظة محدَّدة، بدأت فيها أكتب القصيدة، تاركاً مناطق أعرف أنها تحتاج إلى مراجعة؛ لأنها، في الكتابة الأولى، بدت أشبه بتقارير. الآن، في كتابي الأخير، أمامي ثلاث أو أربع قصائد للمراجعة. ليس لديّ حماس للمراجعة، لكني أتمنّى أن يتوافر لي الحماس لأنهي الكتاب.

أحياناً، ربَّما من أجل القرّاء السذَّج، يُقال -بإلحاح- إن الذات الشاعرة، التي تتحدَّث في القصيدة شيء، وأن الشاعر، المؤلّف الحقيقي، شيء آخر. ألا تعتقد أن هذا الفصل الذي صنعه المنظّرون والنقّاد أدّى إلى خلق صور شيزوفرينية للشاعر، مع أن الأصدق أن الشاعر شخص طبيعي في قصائده؟

– أنا أعتقد أن الشاعر، حين يكتب يرسم صورة شخصيّة: الدفتر مرآة يطلّ منها الشاعر كما يحدث في الأحلام، فيرى أشخاصاً مجسَّدين، لكن، في هذه اللحظة، تظهر وجوه أخرى. في الشعر، أيضاً، نطلّ على الورق، ونرى أنفسنا، لكن بوجه آخر. في القصيدة تخرج منا أشياء لا نعرفها، وفي المقابل، ثمّة أشياء نعرفها جدّاً، مهمّة ومعروفة، لكنها لا تظهر في القصيدة. الشعر يسحب، من العمق، أشياء يضعها على السطح، فيما يدفن أشياء أخرى.

كيف تعبّر عن الحميمية بهذه الدقّة وهذه الكثافة، مستخدماً لغة طبيعية جدّاً وعارية من كلّ زخرفة؟

– أظنّ أن الشعر الجيّد لم يكن، قطّ، حرفيّاً، رغم أن الحرفيّة قد تظهر -مثلاً- في الشعر السردي. الشعر يختلف عن النثر في كثافته المركَّزة. الشعر نبع الإيحاء والصدى؛ من هنا، تأتي صعوبة قراءته. مَن يقرأ الشعر مِن حرفيَّته لا يجد فيه شيئاً لافتاً، لأن الشعر ليس من أهدافه قول أشياء جديدة، إنما قول أشياء مؤلمة (مؤلمة بعمق أو ممتعة) بالنسبة إلى كلّ الناس، ومن ذلك، على سبيل المثال، الشعر العاطفي. كلّ الناس، تقريباً، شعروا بالحبّ؛ ليس الحبّ الجسدي، فحسب، بل غير الجسدي، أيضاً. مع ذلك، حين يجرِّبه فرد، للمرّة الأولى، لا تفيده تجارب الآخرين. وحين يعيد التجربة بتلك الكثافة، سيتمَّكن من رؤية حجمه. في الشعر، يحدث الشيء نفسه: يتناول موضوعات معتادة عن الحياة والموت والحبّ والألم، لكنه يقول ذلك بطريقة تحرّك مشاعر القارئ، ويتعلَّم من ذلك، أو يعيش التجربة التي لم يعشها؛ لذلك لا أظنّ أن الشعر يجب أن يقول أشياء جديدة ليحظى بالتقدير؛ والأكثر من ذلك، أعتقد أن عالِماً بنظرية جديدة يحتاج إلى النثر ليشرحها، ويعبِّر عن نفسه فيها أكثر من استخدام الشعر، لأن ما يبحث عنه القارئ، حينها، ليس الشعر، ولو تقدَّم العلم في شكل شعريّ فسيتعثَّر القارئ في فهمه، لأن الأشياء الموضوعية لا تهمّه. هذا الاستعراض للعلم يحتاج إلى دقّة ووضوح لا إلى صدى وتأمُّلات. ما تحتاجه اللّغة الشعرية هو السحر الكافي ليقول -حرفيّاً- ما لا يقال، لكنه يفعل ذلك بالإيحاء بطريقته. ثمّة قراءتان: الأولى حرفيّة، والثانية عميقة، وهي تتحقَّق حين يتَّصل القارئ بالقصيدة ويصير هو منتجها؛ يحدث ذلك لأنه يبتعد عن الحرفيّة، ليكون قارئاً وكاتباً في الوقت نفسه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: كارلوس خابيير موراليس

المصدر:

مجلّة بويسيا ديخيتال

http://www.poesiadigital.es/index.php?cmd=entrevista&id=57

عدالت آغا أوغلو.. الأدب التركي يفقد زهرة خياله!

«سأرقد للموت. لو أن هناك أبدية.. أريد أن أكون الأبدية». هكذا، قالت الكاتبة المسرحية والروائية التركية «عدالت آغا أوغلو»، والتي رحلت عن عالمنا، في تموز الماضي، عن عمر يناهز التسعين عاماً، بعد مسيرة حافلة بالمعارك في ميادين الأدب والسياسة، لتصبح قنديل التنوير والتحضُّر لمجتمعها كما وصفها وزير الثّقافة التركي في نعيه لها.
تُعَدّ «عدالت آغا أوغلو» أحد أبرز رواد الواقعية الاجتماعية في الأدب التركي المعاصر، وهي من الرعيل الأوَّل لمثقَّفي الجمهورية، تمتَّعت كتاباتها بحسّ ساخر وعبثي، وهي أستاذة اللعب بتيّار الوعي وتنويعات المونولوج الشخصي في الرواية. تنهض كتاباتها على آثار التغيُّرات الاجتماعية، والثّقافيّة التي تركتها السياسة على المجتمع التركي، وتوابع الحداثة، ونموّ الفردية، والشعور بالاغتراب، ورصد القيم المتحلِّلة في الطبقة البرجوازية البارزة، إثر التغييرات الجذرية في عصر الجمهورية. أدخلت أشكالاً جديدة على الرواية التركية، فهي -كما أوضحت- قد سئمت من الرواية الكلاسيكية، واستطاعت استخدام اللّغة التركية، بشكل جعلها تنجح في استعادة بعض الألفاظ والمصطلحات، لينعكس انتشارها في اللّغة اليومية.
وُلِدت «عدالت آغا أوغلو» في 23 أكتوبر، عام 1923، لأبٍ يعمل في تجارة الأقمشة. انتقلت مع أسرتها إلى قلب مدينة أنقرة، فحظيت بفرصة التسجيل في مدرسةٍ إعدادية بالعاصمة، ومع تقدُّمها الدراسي ظهرت موهبتها الشعرية، لأوّل مرّة، في الثانوية، لكن سرعان ما جذبها المسرح، فاتَّجهت إلى الكتابة المسرحية، وظهرت أعمالها النقدية ودواوينها الشعرية، منذ أن كانت في الثالثة والعشرين من العمر.
درست الأدب الفرنسي في جامعة أنقرة، والتحقت للعمل في قطاع الإذاعة والتلفزيون التركي فور تخرُّجها عام 1950، محرِّرة نصوصٍ مسرحية، حتى وصلت إلى رئاسة القطاع، وظلَّت تعمل به حتى دفعها توغُّل يد الدولة العميقة، في ظلّ الحكم العسكري في شؤون ما يبثه راديو TRT، للاستقالة، عام 1970.
ساهمت، مع مجموعة من أصدقائها، في تأسيس أوَّل مسرح خاصّ، عام 1961م، باسم «ميدان»، لتصبح هذه أوَّل خطوة على طريق تحرير القطاع المسرحي من قبضة الدولة. عُرِضت أعمالها على مسارح الدولة، حتى منعت وزارة الثّقافة التركية، تحت الحكم العسكري، عرضَ مسرحيَّتها «الصدع الذي بالسقف» عام 1965م. اتَّجهت للكتابة بأسماء مستعارة منها: ريموس تلادا، وباركر كوينك. في عام 1973، نشرت روايتها الأولى «الرقود للموت»، التي ناقشت، خلالها، التغيُّرات التي طرأت على المجتمع التركي من بعد رحيل «أتاتورك»، عام 1938.
في عام 1976، أصدرت رواية «زهرة خيالي الرقيقة» والتي تصدَّرت المبيعات في تركيا طوال أربع سنوات، حتى صادرتها السلطات التركية عام 1981، ووجَّهت لها تهمة إهانة القوّات العسكرية، وظلّت محلّ مداولة حتى تمَّت تبرئتها عام 1983م. تزايدت شهرة الرواية، وتحوَّلت إلى فيلم سينمائي عام 1992، بعنوان «المرسيدس الصفراء» من إنتاج تركيا وألمانيا وسويسرا وفرنسا.
أعوام الموت
في عام 1975، فقدت أخاها في حادث مأساوي، وفي العام التالي يرحل والدها، وفي عام 1977 يسقط أخوها الأصغر مهزوماً بالسرطان، فتمرّ بفترة عصيبة، انعكس أثرها على قصص مجموعتها «الصوت الأوَّل للصمت». انتقلت، بعدها، للعيش في اسطنبول، عام 1984. وتوقَّفت عشرين عاماً عن كتابة المسرح، حتى عادت، عام 1991، بمسرحية «بعيد جدّاً، قريب جدّاً». وحصلت عنها على جائزة «إش بنك» الكبرى.
في تموز 1996، تعرَّضت لحادث سيّارة ألقت بها في البحر، في أثناء مشيها على الساحل، لترقد عامين وأكثر في المستشفى، تتعافى من عودتها من الموت، كما علَّقت في يوميَّاتها: «كانت أيَّاماً عصيبة، كأنها زلزال مدمِّر، قاتلت فيها وحدي. كانت كالحياة تحت الأنقاض. لقد رأيت جنازتي! وعدتُ مرّة أخرى، بفضل محبِيَّ وقرّائي وأطبّائي. وفي ذلك الحين، عرفتُ أن الكاتب لا يستطيع كتابة ألمه، ولا يأسه الخاصّ. فقط، يستطيع كتابة آلام الآخرين».
أتمَّت مجموعتها القصصية «طرق النجاة» كما أوضحت في لقاء تليفزيوني، بشكل يدوي، على سرير المستشفى، ثم أرسلتها بالفاكس إلى دار النشر. تقول «عدالت آغا أوغلو» في هذا اللقاء: «كنت على وشك الاستسلام للموت، وعرفت معنى العبودية والبطالة، ولكن ما دفعني لهزيمة الموت هو معرفة العاملين بالمستشفى بأعمالي، وقراءتهم لها، وتأثّرهم بها. حينها، استيقظت بداخلي، مرّة أخرى، المسؤولية الاجتماعية، وصمَّمت على أن أعود إلى الكتابة، مرّة أخرى، من أجل المجتمع». وقد كتب لها الشاعر التركي المعروف «جان يوجل»، أنذاك:  «أنتِ أجمل حادثة حدثت لتركيا».
لم تنفصل حياة «عدالت آغا أوغلو» الأدبية عن السياسية، فقد سئلت، في لقاء تلفزيوني، عن علاقة ترشُّحها للبرلمان عام 1999، بكونها أديبة، فأجابت أن الأدب سياسة، والسياسة تنعكس على كلّ شيء في حياتنا، وأن كلّ رواياتها مستلهمة من المجتمع وأحداثه السياسية. قُدِّمت ثلاث مرّات للمحاكمة بسبب أعمالها، ومرّة بسبب ترجمتها لمسرحية لفيلسوف الوجودية الأكبر «جان بول سارتر».
ساهمت «عدالت»، عام 1986، في تأسيس جمعية حقوق الإنسان في تركيا، لكنها، في يوليو، عام 2005، تقدَّمت باستقالتها قائلة إن المؤسّسة بدأت تتَّخذ مواقف قومية متطرِّفة وعنصرية.
كانت تتوخّى التوسُّط في مواقفها، وكم جلب لها ذلك السخط؛ فقد تَمَّ انتقادها لحصولها على جائزة رئيس الجمهورية للأدب، وعلى موافقتها على تغيير الدستور عام 2010م، إلى درجة أنها تعرَّضت للرمي بالبيض من إحدى الجماعات الطلّابية. وقالت في لقاء تليفزيوني: «أنا مواطنة تركية، وإن لم أذهب لدعوة رئيس الجمهورية، فلأمزق بطاقة هويَّتي، إذاً».
تقول، أيضاً: «لولا قرار «أتاتورك» بحبس كلّ من لا يرسل بناته إلى المدرسة؛ ما كنتُ تعلَّمتُ، وأصبحتُ كاتبة. لكن التغيير الجذري بدون بنية تحتية، هو شيء خطير، فقرار تغيير الحروف من العثمانية إلى اللاتينية جعل مثقّفي الأمس جَهَلة! تخيَّل أن تكون مثقّفاً، وفي اليوم التالي لا تستطيع القراءة، حتى اسمك لا تعرف كيف تكتبه!».
سئلت عن نصيحة تقدِّمها للكُتّاب المبتدئين، فأوصتهم بكتابة اليوميّات؛ ليس لأنها ستساعد في تطوُّر أسلوبهم، فحسب، بل لأنها شيء نابع من الكاتب، ويخصّه وحده، وليس كالرواية أو المسرحية، إذ يمكن للدولة التدخُّل وتغيير شيء فيهما. كما أوصتهم باستخدام اللّغة التركية بشكل صحيح، والحفاظ على رصانتها بعيداً عن مدخلات الكلمات الأجنبية المستحدثة، فقالت: «إن الحزن يولِّد الإبداع. كلُّنا حزانى في الأصل، ولكن من يسائل نفسه ويدرك المغزى هو القادر على الإبداع، ولو كنت سعيدة؛ ما كنت كتبت».
في عام 2010، تبرَّعت بكلّ أرشيفها ومكتبتها لجامعة «بوغازتشي»، وتَمَّ تسمية المشروع باسمها، وصار مفتوحاً للجميع، به جوائزها، ومكتبها، وأدوات الكتابة، وأصبح متحفاً بعد ذلك.
عام 2018، حصلت على الدكتوراة من جامعة «بوغازتشي»، الجامعة الأولى والأهمّ في تركيا، عن إسهاماتها خلال 70 عاماً في الأدب والفكر والتنوير.
استمرَّ زواجها بالمهندس «حليم»، 64 عاماً: «هذا الزواج نجح لأننا هدمنا معنى منظومة الزواج، فقرَّرنا ألّا ننجب حتى لا يكون الطفل عقبة في طريق حرَّيَّتنا. «حليم»، أحَبَّ كتاباتي قبل أن يحبَّني، وكنت أوقّع له أوّل نسخة من كلّ عمل. لقد وقَّعت له على إحدى الروايات 27 مرّة!».
تقول الكاتبة عن آخر عمل صدر لها، في 2018، عن عمر 89 سنة: «الآن، أصبحت الكتابة سمّاً أكبر من السيجارة، حتى أنني تركت التدخين بسهولة، ولم أستطع ترك الكتابة! منذ عامين، لا أخرج من البيت، ولكنني لم أستطع التوقُّف عن الكتابة. الحاجة إلى الكتابة مثل حاجتي إلى الماء».
وفي موضع آخر، تقول: «كتبت هذه المجموعة القصصية برغم تقدُّم السنّ والألم من أجل «حليم»، الذي أحبَّني كاتبةً، ويجب ان أظلّ كاتبة. سقطتُ ثلاث مرّات وأنا أحاول المشي، وكان «حليم» يساعدني على المشي، فأقول له: لن أمشي خوفاً من السقوط، وهكذا، وضعت اسم المجموعة القصصية. الخوف من السقوط ليس مادِّيّاً، فقط، فأنا أخاف،أيضاً، من السقوط المعنوي».
في 2018، بعد صدور مجموعتها القصصية الأخيرة، مات زوجها المهندس «حليم أغا أوغلو». وفي مقابلة لها مع مجلَّة «اسطنبول لايف»، في أوائل 2020، وقبل هجوم وباء «كورونا» على العالم، قالت: «انقطعت عن الكتابة وعن كلّ شيء بعد موت «حليم». لقد أصبحت نصفاً، سئمت من نفسي، أنتظر متسائلةً: لماذا لم يأتِ الموت حتى الآن!».
توفِّيت الكاتبة التركية «عدالت آغا أوغلو» في 14 يوليو، 2020، بعد رقودها ثلاثة أيام في العناية المركَّزة، بسبب خلل متعدِّد في وظائف الجسم، وخرجت جنازتها من جامعة «بوغازتشي»، في «اسطنبول»، إلى مسقط رأسها «أنقرة». ورثاها وزير الصحّة التركي على حسابه الرسمي في «تويتر»: «ذبلت زهرة خيالنا الرقيقة».
كما كتب المؤرّخ التركي «ألبير أورتايلي» مقالاً، ينعي فيه الكاتبة، في جريدة «حرِّيّت»، قائلاً: «كانت الأطول عمراً بين كتّاب الأدب الحديث، متَّقدة الذهن، تكتب وتناقش دائماً، لقد فقدَ الأدب التركي «عدالت أغا أوغلو»، ولكنني على يقين من أن أعمالها لن تُنسى». في حين صرَّح الكاتب المعروف «أحمد أوميت»: «اليوم، عرجت إلى الأبدية، واحدة من أعمدة الأدب. لقد كانت كاتبة عملاقة، أنارت لنا الطريق. ستبقى حيّة بحبِّنا، وبأعمالها، وبقرّائها».

”وردة النار“ كارلوس زافون

وهكذا، في 23 من أبريل/نيسان، التفت سجناء الرواق لينظروا إلى «ديفيد مارتين»، الذي كان يضطجع في عتمة زنزانته، بعينيه المغلقتين، والتمسوا منه أن يحكي لهم قصّة يطردون بها الضجر، فقال: «سأحكي لكم قصّة». «قصّة كتب، وتنانين، وورود، مثلما يمليه التاريخ، ولكن، وعلى الأخصّ، قصّة ظلال ورماد، مثلما تفرض الأزمنة..».. (شذرات ضائعة من «سجين السماء»)

(1)

تحكي كتب الأخبار والتواريخ أنه لمّا وصل صانع المتاهات إلى «برشلونة»، على متن سفينة آتية من الشرق، كان يحمل معه بذرة اللعنة التي كان يجب أن تخضّب سماء المدينة بالنار والدم. كان ذلك خلال فصل الشتاء من عام النعمة (1454)، وفيه أهلكت جائحة الحمّى عددًا عظيمًا من السكّان، مخلّفة مدينةً محجّبة برداء من دخان أمغر، يتصاعد من النيران التي تحترق فيها جثث وأكفان مئات القتلى. كان بالإمكان رؤية دوّامة البخار العفن على مسافة بعيدة، وهي تزحف بين الأبراج والقصور لترتفع في تكهّن جنائزي يحذّر المسافرين ألّا يقتربوا من الأسوار، وأن يمرّوا دون توقٌّف. وكانت محكمة التفتيش قد أصدرت قرارًا بأن يتمّ إغلاق أبواب المدينة بالختم، وأسفر التحقيق بشأنها عن أن الوباء كان قد نشأ من بئر قريب من الحيّ اليهودي لـ«كال ساناوخا»، حيث أدّت مؤامرة شيطانية من قٍبَل مرابين إلى تسميم المياه، وذلك مثلما أثبتت الاستنطاقات بالحديد والنار، على مدى أيّام، بما لا يترك مجالًا للشكّ. وبعد مصادرة العديد من ممتلكاتهم، وإلقاء ما كان قد تبقّى من رفاتهم في مستنقع، لا يسع المرء إلّا أن يأمل في أن تعيد صلوات المواطنين الصالحين مباركة الرَّبِّ إلى «برشلونة». مع كلّ يوم يمضي، كان عدد القتلى يقلّ، وأكثر الناس يشعرون بأن الأسوأ قد بقي وراءهم. مع ذلك، أراد القدر أن يكون الأوّلون هم المحظوظين، وأن يكون على اللاحقين أن يحسدوا أولئك الذين تركوا وادي الأحزان. وحين تجرّأ صوت خافت على التلميح بأن عقابًا كبيرًا كان سينزل من السماوات لتطهير العار الذي ارتُكب باسم الربّ ضدّ التجّار اليهود، كان الوقت قد فات. ولم ينزل من السماء شيء، باستثناء الرماد والغبار. جاء الأذى دفعة واحدة عن طريق البحر.

(2)

شوهدت السفينة عند الفجر. رآها الصيّادون الذين كانوا يصلحون شباكهم أمام السور البحري، وهي تطفو من الضباب، والمدّ يسحبها. وعندما جنح مقدم السفينة إلى الشطّ، ومالت بهيكلها إلى اليسار، صعد الصيّادون على سطحها. كانت تنبعث من أحشاء المركب رائحة كريهة. وكان القبو مغمورًا بالمياه، وكانت عشرات التوابيت تطفو بين الأنقاض. لقد وجدوا «إدموند دي لونا»، صانع المتاهات، الناجي الوحيد خلال الرحلة البحرية، موثوقًا إلى الدفَّةِ، وقد أصابت الشمس جلده بحروق. في البداية، اعتقدوا أنه ميّتٌ، لكنهم، عند فحصه، استطاعوا أن يلاحظوا أن معصمَيْه ما زالا ينزفان بفعل الرباطات، وأن شفتَيْه تنفثان أنفاسًا باردة. كان يحمل في حزامه دفترًا جلديًّا، لم يتمكّن أحد من الصيادين من الاستيلاء عليه، ففي ذلك الحين وصلت فرقة من الجنود، وأمر قائدها، بناءً على أوامر من القصر الأسقفي، بنقل الرجل المحتضر إلى مستشفى «سانتا مارتا» القريب، كما وضع القائد رجاله، كلّ في موقعه، في حالة تأهُّب لحراسة حطام السفينة الجانحة في انتظار قدوم مسؤولي محكمة التفتيش لمعاينة السفينة، وتوضيح ما حدث. 

تمّ تسليم دفتر «إدموند دي لونا» إلى كبير المحقّقين «خورخي دي ليون»، نصير الكنيسة اللامع والطموح، الذي كان لديه اليقين بأن جهوده المثابرة في سبيل تطهير العالم، ستبذر لديه، قريبًا، شرط المتعبّد الناسك القدّيس، ونور الإيمان الحيّ. بعد افتحاص سريع، قرّر «خورخي دي ليون» أن الدفتر قد تمّ تأليفه بلغة غريبة عن المسيحية، وأمر رجاله بأن يمضوا بحثًا عن صاحب مطبعة اسمه «رايموندو دي سامبيري» الذي كانت لديه ورشة عمل متواضعة بجوار بوّابة «سانتا آنا»، ولأنه قد سافر كثيرًا في شبابه، كان يعرف من اللغات أكثر ممّا ينصح به لمسيحيٍّ طيب الخلق. وتحت التهديد بالتعذيب، تمّ إرغام «سامبيري»، صاحب ورشة الطباعة، على أن يحلف اليمين بأنه سيحفظ سرّ كلّ ما سيكشف له عنه. عندها، فقط، سُمح له بفحص الدفتر في قاعة يراقبها الحرس، في أعلى مكتبة بيت رئيس الأساقفة، بجوار الكاتدرائية. كان المحقّق «خورخي دي ليون» يراقب باهتمام وطمع. «أعتقد أن النصّ مؤلّف بالفارسية، قداسة المحقّق»، همهم «سمبيري» مرتعبًا. وصحّح المحقّق: «أنا لم أصِر، بعد، قدّيسًا، لكن كلّ شيء سوف يمضي». وهكذا، وبعد مضيّ ليلة بكاملها، شرع «سامبيري» طابع الكتب، يقرأ ويترجم لكبير المحقّقين اليوميّات السّرية لـ«إدموند دي لونا»، المغامر وحامل لعنة الشؤم الذي كان يجب أن يجلب الوحش إلى «برشلونة».

(3)

قبل ثلاثين عامًا، كان «إدموند دي لونا» قد رحل عن برشلونة، متّجهًا إلى الشرق؛ بحثًا عن العجائب والمغامرات. قادته رحلته، عبر البحر الأبيض المتوسّط، ​​إلى جزر محظورة لا تظهر على خرائط الملاحة، وإلى لقاء أميرات وكائنات غير قابلة للوصف، كما قادته إلى معرفة أسرار حضارات دفنها الزمن، وإلى فنّ بناء المتاهات؛ موهبة من شأنها أن تجعله شهيرًا، وبفضلها حصل على ثروة، لقاء خدمة السلاطين والأباطرة. ومع مرور الأعوام، لم تعد مراكمة الملذّات والثروات تعني أيّ شيء بالنسبة إليه. لقد أشفى غليله من الجشع والمطامح بما يتجاوز أحلام أيّ كائن فانٍ، وقد صار لديه، بعد كلّ هذا العمر، نضج كافٍ ليعرف بأن أيّامه تمضي نحو الأفول. وهكذا، وعد نفسه بالامتناع عن تقديم خدماته ما لم ينل، في مقابل ذلك، أعظم المكافآت، فالمعرفة ممنوعة. 

وعلى امتداد سنوات، رفض دعوات لبناء المتاهات الأكثر إدهاشًا وتعقيدًا، فلا شيء ممّا يُقدَّمُ له، كمقابل، كان مرغوبًا لديه. كان يعتقد بأنه لا وجود لكنز، في العالم، لم يُعرض عليه، قبل أن يصل إلى أسماعه أن إمبراطور مدينة القسطنطينية في حاجة إلى خدماته، مقابل منحه سرًّا ظلّ طيّ الكتمان، على مدى قرون. ضجرًا، وتحت إغراء فرصة أخيرة لإحياء جذوة روحه، قام «إدموند دي لونا» بزيارة الإمبراطور «قسطنطين» في قصره. كان «قسطنطين» يعيش على يقين بأن حصار السلاطين العثمانيين، عاجلاً أم آجلاً، سينهي إمبراطوريّتهم، وسيمحو، من وجه الأرض، المعرفة التي راكمتها القسطنطينية على مرّ القرون؛ لهذا، كان يتمنّى أن يعرض «إدمون» أكبر متاهة، لم يتمّ إنشاء مثيل لها، على الإطلاق: مكتبة سرّيّة، مدينة كتب يجب أن توجد متخّفية تحت سراديب كاتدرائية «آيا صوفيا» حيث يمكن حفظ الكتب الممنوعة وعجائب قرون من الفكر، إلى الأبد. وفي المقابل، لم يقدّم له الإمبراطور «قسطنطين» أيّ كنز. قدّم له قنّينة فقط، هي قارورة صغيرة من الزجاج تحتوي على سائل قرمزي كان يتوهّج في الظلام. ابتسم «قسطنطين» بغرابة، عندما سلّمه القارورة. أوضح له الإمبراطور: «لقد انتظرت سنوات عديدة، قبل أن أجد الرجل الذي يستحقّ هذه الهبة». «في الأيادي الخطأ، قد تكون هذه أداة للشرّ». فحصها «إدموند» متلهّفاً ومفتوناً. همس الإمبراطور: «إنها قطرة من دم التنّين الأخير»؛ «سرّ الخلود».

(4)

على مدى عدّة أشهر، عمل «إدموند دي لونا» على تصميم تخطيطات المتاهة الكبرى للكتب. كان يضع المشروع، ثم يعيده، من جديد، دون أن يكون راضيًا عنه، بتاتًا. كان قد أدرك، حينها، أنه لم يعد يهتمّ باستخلاص المقابل، لأن خلوده سيكون نتيجة ابتكاره لتلك المكتبة المدهشة، وليس نتيجة لجرعة سحرية مفترضة تنتمي إلى الأسطورة. كان الإمبراطور الصبور، لكن القلق، يذكّره بأن الحصار النهائي للعثمانيين، كان قريبًا، وأنه لم يكن ثمّة وقت لتضييعه. وأخيرًا، لمّا توصّل «إدموند دي لونا» إلى حلّ اللغز العظيم، كان الأوان قد فات. كانت جيوش محمّد الثاني الفاتح قد حاصرت القسطنطينية. كانت نهاية المدينة والإمبراطورية وشيكة. استلم الإمبراطور تخطيطات «إدموند» مذهولًا، لكنه أدرك أنه لا يمكنه، أبدًا، أن يبني المتاهة تحت المدينة التي كانت تحمل اسمه. ثم طلب، حينئذ، من «إدموند» أن يحاول تجاوز الحصار مع عدد آخر من الفنَّانين والمفكّرين الآخرين الذين سيغادرون نحو إيطاليا. «أعلمُ أنك ستجد المكان المناسب لبناء المتاهة، يا صديقي». وللتعبير عن الامتنان، سلّمه الإمبراطور القارورة بدم التنّين الأخير، لكنّ ظلًّا من القلق كان يلفّ وجهه بالغيوم، حين فعل ذلك. «عندما عرضت عليك هذه الهبة، ناشدت جشع العقل لكي أغويك، يا صديقي. أريدك أن تقبل، أيضًا، هذه التميمة المتواضعة، التي – ربّما – تناشد، في يوم ما، حكمة روحك، إن كان ثمن الطموح مرتفعًا جدًّا..».. انتزع الإمبراطور قلادة كان يحملها حول عنقه، ومدّها إليه. لم تكن الحلية تحتوي على ذهب أو جواهر، بل كانت مجرَّد حجر صغير يبدو كحبّة رمل بسيطة. «الرجل الذي أعطاني إيّاها قال لي إنها دمعة المسيح». قطّب «إدموند» جبهته عابسًا. «أعلمُ أنك لست رجل إيمان، يا «إدموند»، ولكن الإيمان يوجَدُ عندما لا يتمّ البحث عنه، وسيأتي في اليوم الذي يكون فيه قلبك، لا عقلك، هو الذي يتوق إلى تطهير الروح». لم يرغب «إدموند» في معاكسة الإمبراطور، فوضع القلادة حول عنقه. ودون أمتعة سفر، عدا تصاميم متاهته والقارورة القرمزية، رحل في الليلة ذاتها. سوف تسقط القسطنطينية والإمبراطورية بعد ذلك بوقت قصير، بعد حصار دامٍ، بينما كان «إدمون» يبحر عبر مياه الأبيض المتوسّط ​​بحثًا عن المدينة التي كان قد تركها في شبابه. كان يبحر مع بعض المرتزقة الذين كانوا قد عرضوا عليه تذكرة السفر؛ لأنهم حسبوه تاجراً ثريّاً، يمكن نهب أمتعته حينما تصير السفينة في أعالي البحر. وحينما اكتشفوا أنه لم يكن يحمل أيّة ثروة، على الإطلاق، أرادوا أن يلقوه في البحر، لكنه أقنعهم بالسماح له بالاستمرار على متن السفينة، من خلال حكي بعض مغامراته على طريقة شهرزاد. كانت الحيلة في أن يتركهم، دائمًا، والعسل على شفاههم، مثلما علّمه راوٍ حكيم في دمشق: «سيُكرهونك على ذلك، لكنهم سيرغبون في المزيد». في أوقات الفراغ، بدأ يكتب تجاربه في دفتر، ولكي يمنع عنه النظرة المتكتّمة على الأسرار لأولئك القراصنة، ألّفه بالفارسية، وهي لغة مدهشة، تعلّمها خلال سنواته في بابل القديمة. في منتصف الرحلة، صادفوا سفينة كانت تنساق مع التيّار دون ركّاب أو طاقم. كانت تحمل جرارًا كبيرة، حملوها على متن سفينتهم، والتي كان القراصنة يشربون مافيها، ويسكرون كلّ ليلة، في أثناء الاستماع إلى القصص التي يرويها «إدموند»، الذي لم يُسمح له بتذوُّق أيّ قطرة منها. وفي غضون أيّام قليلة، أخذ المرض يصيب طاقم السفينة، وسرعان ما بدأ المرتزقة يموتون واحدًا بعد الآخر، ضحايا السمّ الذي تناولوه في النبيذ المسروق. وكان «إدموند» هو الناجي الوحيد من هذا المصير، وكان يضعهم في التوابيت التي كان القراصنة يحملونها في القبو، نتيجة نهبهم لها. وبما أنه الوحيد الذي بقي على قيد الحياة، على متن السفينة، فقد خشي من الموت ضائعًا بأعالي البحر، في أفظع عزلة؛ لذلك تجرّأ على فتح القارورة القرمزية، واستنشاق ما تحتويه، خلال ثانية. كانت الهنيهة كافية بالنسبة إليه، ليلمحَ الهوَّة التي كانت ترغب في ابتلاعه. وأحسَّ بالبخار الذي كان يزحف من القارورة إلى جلده، ورأى، خلال ثانية، يديه وقد غطّتهما الحراشف، وأظافره وقد تحوّلت إلى مخالب أكثر حدّةً وأكثر فتكًا من السيوف الأشدِّ إرعابًا. حينئذ، قبض بجماع يده على تلك الحبّة المتواضعة من الرمل، المعلّقة في عنقه، وتوسّل إلى مسيح لم يكن يؤمن بخلاصه. تلاشت الهوّة السوداء للروح، وتنفَّس «إدموند» مرّةً أخرى، عندما رأى- من جديد- يديه وقد عادتا إلى حالهما الأوّل حالَ أيادي البشر الفانين. أغلق الزجاجة مرّةً أخرى، ولعن ذاته بسبب سذاجته. وقد علم، حينئذ، أن الإمبراطور لم يكن قد كذب عليه، لكن ذلك لم يكن أجرًا مدفوعًا ولا نعمة مباركة: لقد كان مفتاح الجحيم.

(5)

حينما انتهى «سامبيري» من ترجمة الدفتر، كانت قد بزغت أضواء الفجر الأولى ما بين الغيوم. بعد فترة وجيزة، غادر المحقّق القاعة، دون أن ينبس بكلمة، ودخل الحارسان متشوقَيْن للبحث عنه؛ لاقتياده إلى زنزانته، التي كان على يقين من أنه لن يغادرها، أبدًا، وهو على قيد الحياة.

بينما كان «سامبيري» يصطدم بعظامه في زنازن السجن المظلم، تحت الأرض، ذهب رجال كبير المحقّقين إلى حطام السفينة الغارقة، حيث كان يجب أن يعثروا على القارورة القرمزية المخبّأة في صندوق معدني. كان «خورخي دي ليون» ينتظرهم في الكاتدرائية. لم يتمكّنوا من العثور على القلادة بالدمعة المفترضة للمسيح، والتي كان قد ألمح إليها نصّ «إدموند»، لكن المحقّق لم يكن لديه أيّ تردُّد، فقد كان يشعر أن روحه لم تكن تحتاج إلى أيّ تطهير. وبعينين سمّمهما الطمع، أخذ المحقّق القارورة القرمزية، ورفعها فوق المذبح ليباركها، شاكرًا الربّ والجحيم على تلك الهبة، ثم تناول الشراب الذي تحتويه دفعةً واحدة. مرّت بضع ثوانٍ دون أن يحدث أيّ شيء. حينئذ، شرع المحقّق يضحك. نظر بعض الجنود إلى بعضهم الآخر، في حيرة وارتباك وهم يتساءلون عمّا إذا كان «خورخي دي ليون» قد فقد عقله!.. بالنسبة إلى معظمهم، كانت تلك آخر فكرة قد تتبادر إلى الذهن في أثناء حيواتهم. رأوا كيف كان المحقّق يهوي جاثيًا على ركبتيه، واجتاحت الكاتدرائيةَ هبَّةُ ريح جليدية عاصفة، وهي تسحب المقاعد الخشبية، وأسقطت الصور والشموع المشتعلة. وبعدئذ، سمعوا كيف كان جلده يتمزّق، وأعضاؤه تتكسّر، وكيف كان صوت «خورخي دي ليون» يغرق بين عويل الاحتضار في زئير الوحش الذي كان ينبثق من جسده، وهو ينمو، بسرعة، في كتلة عجين دموي من الحراشف والمخالب والأجنحة، وذيل تتخلّله حوافّ حادّة مثل فؤوس كانت تمتدّ في أكبر الثعابين. ولمّا استدار الوحش، وأبرز لهم وجهه المتشقّق بالأنياب، وعيونه المشتعلة نارًا، لم تكن لديهم، تقريبًا، الشجاعة للانطلاق في الركض. فاجأتهم النيران وهم واقفون بلا حراك، فاقتلعت لحمهم عن عظامهم مثلما تقتلع الريح العاتية أوراق الشجر. حينها، نشر الوحش جناحيه، وحلّق المحقّق «سان خورخي»، التنّين، عاليًا، مقتحمًا البناء المعماري الكبير للكاتدرائية، الوردي الشكل، في عاصفة من زجاج ونار، ليرتفع فوق أسطح برشلونة.

(6)

زرع الوحش الرعب خلال سبعة أيّام وسبع ليالٍ، مدمِّرًا المعابد والقصور، ومضرمًا النار في مئات المباني، ممزّقًا، بمخالبه، الكائنات المرتجفة التي كان يلتقيها، وهي تبتهل متوسّلة الرحمة، بعدما اقتلع السقوف من فوق رؤوسها. كان التنّين القرمزي ينمو يومًا بعد يوم، ويلتهم كلّ ما يصادفه خلال عبوره. كانت الجثث الممزّقة تمطر من السماء، ويتدفّق لهيب أنفاسه، عبر الشوارع، مثل سيول من الدم. في اليوم السابع، عندما كان الجميع في المدينة يعتقدون أن الوحش سيدمّرها بأكملها، ويبيد جميع سكّانها، خرجت شخصيّة منفردة للقائه: كان «إدموند دي لونا» الذي لم يتعافَ بعدُ، وما زال يعرج.. صعد السلالم التي كانت تؤدّي إلى سطح الكاتدرائية. وهناك، انتظر أن يلمحه التنّين، وأن يأتي من أجله. ومن بين سحب الدخان السوداء والجمر، انبثق الوحش في تحليق منحدر فوق أسطح «برشلونة». كان حجمه قد تنامى بشكل كبير، إلى درجة أنه صار، فعلًا، يضاهي حجم المعبد الذي كان قد خرج منه. لقد استطاع «إدموند دي لونا» أن يرى انعكاسه في تينك العينين الشاسعتين مثل برك من الدم. فتح الوحش حلقومه لابتلاعه، وهو يحلّق، الآن، فوق المدينة مثل قذيفة مدفع، مقتلعًا السطوح والأبراج في أثناء عبوره. أخرج «إدموند دي لونا»، آنئذٍ، حبّة الرمل البائسة المعلّقة في عنقه، ثم ضغط عليها بقبضته، وتذكّر كلمات «قسطنطين»، وقال لنفسه: إن الإيمان قد عثر عليه، أخيراً، وإن موته كان ثمناً صغيراً جدّاً لتطهير روح الوحش السوداء، والتي لم تكن سوى روح جميع البشر. وهكذا، رفع القبضة التي كانت تمسك دمعة المسيح، وأغلق عينيه، وقدّم نفسه قربانًا. ابتلعه الحلقوم بسرعة الريح، وارتفع التنّين إلى الأعلى، متسلّقًا السحب. 

أولئك الذين يتذكّرون ذلك اليوم، يقولون إن السماء قد انشقّت إلى نصفين، وإن وهجًا كبيرًا أشعل السماء. بقي الوحش ملفوفًا في سعير اللهب الذي كان ينزلق ما بين أنيابه وخفقات جناحيه؛ وهو ما ألقى صورة وردة كبيرة من النار غطّت المدينة بكاملها. عمّ الصمت حينها، ولمّا عادوا إلى فتح أعينهم مّرةً أخرى، كانت السماء قد انحجبت مثلما في الليلة الأشدّ حلكةً، واندفع مطر بطيء من ندف الرماد المتلألئ من الأعلى، وهو يغطّي الشوارع والخرائب المحترقة ومدينة القبور والمعابد والقصور، بوشاح أبيض كان يُبطل الملامسة، والتي كانت تفوح برائحة النار واللعنة.

(7)

في تلك الليلة، تمكّن «ريموندو دي سامبيري» من الفرار من زنزانته، والعودة إلى البيت للتحّقق من أن عائلته، وورشته لطباعة الكتب، قد نجتا من الكارثة. عند الفجر، اقترب صاحب ورشة طباعة الكتب من السور البحري. كانت بقايا حطام السفينة التي أعادت «إدموند دي لونا» إلى برشلونة ما تزال تتأرجح فوق مياه المدّ. وكان البحر قد شرع في تفكيك هيكل السفينة، واستطاع أن يلِجَها كما لو تعلّق الأمر ببيت تمّ اقتلاع أحد جدرانه. وهو يجوب أحشاء السفينة في ضوء الفجر الطيفي، عثر صاحب ورشة الطباعة، أخيرًا، على ما كان يبحث عنه. لقد أكل الملح الصخري جزءًا من الرسم، لكن تخطيط المتاهة الكبرى للكتب كان لايزال سليمًا، كما كان قد تصوّرها «إدموند دي لونا». جلس على الرمال، ونشرها.. لم يكن عقله يستطيع أن يستوعب التعقيدات والحسابات التي كانت تدعم ذلك التخيّل. لكن، يُقال إنه سوف تأتي عقول نيّرة شهيرة قادرة على إضاءة أسرارها. وحتى ذلك الحين، حتى يتمكّن آخرون، أكثر حكمةً، وأرجح عقلًا، من العثور على طريقة لإنقاذ المتاهة، وتذكُّر ثمن الوحش، سوف يحتفظ بالتخطيط في صندوق الأسرة، حيث سيجد (لم يكن لديه أدنى شكّ في ذلك، في يوم من الأيّام) صانع متاهات يستحق تحدّيًا بهذا الحجم. 


وُلِد كارلوس رويث زافون في برشلونة، عام 1964. بعد تعليمه الابتدائي والثانوي، التحق بالجامعة، ودرس علوم الإعلام. وفي السنة الأولى تلقّى عرضًا للعمل في عالم الدعاية. وصار، فيما بعد، مديرًا إبداعيًّا في إحدى أهمّ وكالات «برشلونة» الرئيسية في مجال الدعاية والإعلام، حتى حدود سنة 1992، عندما قرّر التخلّي عن العمل في هذا المجال، ليكرّس نفسه للأدب وللكتابة.

بدأ مساره الأدبي بكتابة رواية للشباب، بعنوان «أمير الضباب»، التي نُشرت سنة 1993، وحقّقت نجاحًا كبيرًا، وحصلت على جائزة «إيديبي». كان «كارلوس رويث زافون»، منذ طفولته، مفتونًا بالسينما، وبلوس أنجلوس؛ لذلك وظّف المال الذي جناه من الجائزة لتحقيق حلمه، فغادر إسبانيا، واستقرّ في الولايات المتّحدة، وأمضى السنوات الأولى هناك، يكتب نصوص السيناريوهات للسينما، ويواصل إصدار روايات جديدة، إذ خصَّصَ الأعمال الثلاثة التالية، أيضًا، للقرّاء الشباب: قصر منتصف الليل (1994) – أضواء سبتمبر (1995) (من هذين العملين، ومن روايته الأولى، سيتمّ تشكيل ثلاثية الضباب التي ستُنشَر، لاحقًا، في مجلّد واحد)، ثم سينهي هذه المرحلة برواية أخرى، بعيدًا عن الثلاثية، هي «مارينا» ( 1999). 

وقد جاء تكريس اسم «زافون» واحدًا من الكتّاب الأكثر مبيعًا في يناير، 2002، مع نشر روايته الأولى «للكبار»، بعنوان «ظل الريح». وهي الرواية التي تُرجمت إلى العديد من اللغات، وإحدى الروايات الإسبانية الأكثر مبيعاً في العالم (أكثر من 15 ملايين نسخة). وقد ظهرت روايته الثانية الموجّهة للكبار «لعبة الملاك» عام 2008. وبالنظر إلى نجاح رواية « ظلّ الريح» ، بلغ عدد نسخ الدفعة الأولى من طبعة «لعبة الملاك» مليون نسخة، وقد صاحبتها حملة إعلامية غير مسبوقة، لكن توقُّع الناشر لم يكن، على الإطلاق، مخطئًا، فتُحَوَّل الرواية، توًّا، إلى الكتاب الأكثر مبيعًا. وتُعتبر هاتان الروايتان جزءًا من رباعية كرّسها «كارلوس رويث زافون» لمدينته «برشلونة»، وقد عَنْوَنها بـ«مقبرة الكتب المنسية».ّ أما الكتاب الثالث فعَنْوَنه بـ«سجين السماء» (2011)، وأغلق الرباعية برواية «متاهة الأرواح» (2016). توفّي «كارلوس رويث زافون» في 19 يونيو، 2020، في «لوس أنجلوس»، بسرطان القولون، الذي ظلّ يعاني منه منذ سنة 2018.

رحيل كارلوس زافون.. أشهر الروائيّين الإسبان

في التاسع عشر من شهر يونيو/ حزيران الماضي، تُوفي بـ«بيفرلي هيلز»، بمدينة «لوس أنجلوس» الأميركيّة، الروائيّ الإسبانيّ «كارلوس رويز زافون»، عن عمر لا يتعدَّى الخامسة والخمسين سنة، بعد مرضٍ عُضال لم ينفع معه علاجٌ منذ سنتين. ويُعَدُّ الروائيّ البرشلونيّ «كارلوس زافون»، الكَاتِب الإسبانيّ المُعاصِر الأكثر حضوراً ضمن قوائم أفضل المبيعات على الصعيدِ الدوليّ، ممّا جعل منه رائداً لحقبة جديدة من السردِ الروائيّ الإسبانيّ خلال العقدين الأولين من هذا القرن. كما تُعَدُّ روايته (ظِلّ الريح)، الصادرة سنة 2001، والتي تجاوزت مبيعاتها خمسة عشر مليون نسخة، أكثر الأعمال الروائيّة الإسبانيّة شهرةً وتداولاً بين القُرَّاء في العَالَم، بعد خالِدة (دون كيخوطي) لـ«سرفانتيس».

 (إنه ليوم حزين لدى كلّ أفراد طاقم «بلانيتا» الذين يعرفون المُتوفَى حقَّ المعرفة، وقد تعاملوا معه طيلة عشرين سنة، نسجوا خلالها مع الفقيد أواصر صداقة تجاوزت حدود المجال المهنيّ). هكذا نعتْ دار النشر الإسبانيّة العريقة (بلانيتا)، لجمهور القُرَّاء، خبر وفاة «كارلوس زافون»، واصفةً رحيله بـ(أفول نجم أحد أفضل الروائيّين المُعاصِرين في العَالَم). 

وُلِدَ «كارلوس رويز زافون» سنة 1964 بمدينة «برشلونة» التي سيجعلها أحد أبطاله الروائيّين في بعض أعماله السرديّة. بدأ أولى محاولات الكتابة وهو في سنِّ المُراهقة. ومن طريف الصدف، أن أوّل محاولة روائيّة كتبها «زافون»، تقدَّم بها إلى «فرانسيسكو بورّوا»، ناشر رواية (مئة عام من العزلة) لـ«غابرييل غارسيا ماركيز». وبطبيعة الحال، رفض «بورّوا» نشر الرواية، لكنه بالمقابل، نصح «زافون» الشاب، بمواصلة مُغامَرة الكِتابة. بعدها تفرَّغ لدراسة علوم الإعلام، ثم اشتغل بعددٍ من كبريات شركات الإشهار والإعلانات. وفي عام 1993 ، نشر أول أعماله السرديّة تحت عنوان (أمير الضباب)، التي فازت بجائزة (إيديبي) المُخصَّصة لأدب الشباب. 

بعدها، سيغادر «زافون» عالَم الإعلانات والإشهار، ليتفرَّغ نهائيّاً إلى الكِتابة الروائيّة والبصريّة. ونظراً لانشغاله بالمجال السمعيّ – البصريّ، سينتقل للإقامة بولاية «كاليفورنيا» الأميركيّة، وتحديداً بمدينة «لوس أنجلوس» الأميركيّة، وإنْ كانت صلته بـ«برشلونة» لم تنقطع بفعل تنقله الدائم بين المدينتين. وعقب النجاح الباهِر الذي حقَّقته رواية (ظِلّ الريح)، الصادرة سنة 2001، سوف يستقرّ «زافون» نهائيّاً بـ«بيفرلي هيلز»، إحدى المُقاطعات الشهيرة التابعة لمدينة «لوس أنجلوس»، حيث يقيم عددٌ من نجوم «هوليوود». داخل هذه المدينة الباذخة، يمتلك «زافون» إقامةً مزدوجة: واحدة منفردة، حيث كان يقضي فيها الساعات الطويلة منهمكاً في القراءة والكِتابة، وأخرى عائليّة لم يكشف عنها يوماً للصحافة والإعلاميّين.

كانت انطلاقة «كارلوس زافون» من داخل إسبانيا، حيث حقَّقت أعماله الأُول نجاحاً تجاريّاً ملحوظاً على مستوى المبيعات، ثمّ ما لبث أن انطلق سريعاً في رحلة إشعاعه الدوليّ، خاصّة بعد أن تُرجِمت أعماله إلى عددٍ من لغاتِ العَالَم، لتصبح رواياته المُتعاقِبة، تحتلّ صدارة المبيعات في عددٍ من البلدان، كإيطاليا والولايات المُتحدة وأستراليا والصين، كما حظيت هذه الأعمال باحتفاءٍ وتقديرٍ نقديٍّ كبير من لدن عددٍ من الهيئات والمُؤسّسات الثقافيّة العَالَميّة، التي أفردت أعمال «كارلوس زافون» بجوائز خاصّة، كمُؤسّسة (لارا)، أثناء تكريمها لأفضل كِتابٍ أجنبيّ منشور داخل فرنسا، والمكتبة العموميّة لمدينة «نيويورك» التي منحت «زافون» جائزة (أفضل كِتاب لعام 2004). كما نالت أعماله جائزة (بورنسون) للجدارة والاستحقاق الأدبيّ بالنرويج. 

تُعَدُّ روايته (ظِلّ الريح)، الصادرة سنة 2001، عملاً روائيّاً استثنائيّاً، ونقطة تحوُّل كبرى في المسار الأدبيّ لـ«كارلوس زيفون»، إذ نقلته من كاتِب ناجح لروايات الفتيان والشباب، إلى الروائيّ الأكثر مبيعاً في مجال الكِتابة السرديّة المُوجَّهة إلى الكبار. فمنذ صدورها، حقَّقت (ظِلّ الريح) نجاحاً تجاريّاً منقطع النظير؛ إذ تُرجمت إلى أكثر من أربعين لغة، وأعيد طبعها وتوزيعها في خمسين دولة، كما بِيعت منها أكثر من خمسة عشر مليون نسخة بمختلف جهات العَالَم، لتصبح بذلك، العمل السرديّ الأكثر تداولاً لكاتِبٍ إسبانيّ خارج إسبانيا منذ الانفتاح الديموقراطيّ الذي شهدته البلاد ابتداءً من منتصف سبعينيّات القرن الماضي، بل يرى كثيرٌ من النُقَّاد، أن (ظِلّ الريح)، هي الرواية الإسبانيّة الأكثر ذيوعاً في العَالَم بعد رائعة (دون كيخوطي) لـ«ميغيل دي سرفانتيس». أمّا بعضهم، فيصنِّفها ضمن خانة الروايات المُتفرِّدة، التي تمتلك تلك القدرة النادرة على استدراج قرَّاء لا تدخل القراءة ضمن عاداتهم المُستحَبة. 

فازتْ الرواية بعددٍ من جوائز الاستحقاق الأدبيّ. وتمَّ اختيارها ضمن لائحة أفضل مئة رواية مكتوبة باللّغة الإسبانيّة خلال الخمس وعشرين سنة الأخيرة، التي أشرف على إعدادها، في عام 2007، واحد وثمانون كاتِباً وناقِداً من إسبانيا ودول أميركا الجنوبيّة. كما أشاد بالرواية كُتَّاب غير لاتينيّن، في مقدِّمتهم رائد الرواية الأميركية المُعاصِرة «ستيفن كينغ». 

(ظِلّ الريح)، هي الإصدار الأوّل من رباعية روائيّة تحمل اسم (مقبرة الكُتب المنسيّة). وهو عنوان يُحيل على فضاء فانتازيّ متخيّل، تتكدَّس داخله آلاف الكُتب والمطبوعات المنسيّة والمُهمَلة. استوحاه الكاتِب من ذاكرته الطفوليّة بـ «برشلونة»، أيام كان يجوب شوارع المدينة بحثاً عن كُتب ومجلات يُشبع بها نهمه القرائيّ، ويُشفي بها لوعة عشقه للكلمة المطبوعة. ومن بين الأماكن التي كان يتردَّد عليها في صغره، أملاً في العثور على كِتابٍ نادر، أو مجلّة طريفة، مكتبة (سرفانتيس كانودا) بقلب «برشلونة»، وقبوها المُظلِم المُشبع بالرطوبة الذي يضمُّ ركاماً من الكُتب والمجلات المُهمَلة والقديمة. 

رباعية (مقبرة الكُتب المنسيّة)، التي تشمل كذلك (لعبة الملاك) 2008، و(أسير السماء) 2011، و(متاهة الأرواح) 2016، تؤلِّف في مجموعها حبكةً روائيّة غاية في التشابُك والتعقيد، وهي وإنْ كانت تنهج نفس الاستراتيجيّة الحكائيّة واللُّغويّة، للسرديّات التجاريّة والقصص الميلودراميّة التي شاعت في العقود الثلاثة الأخيرة، فضلاً عن تأثرها الواضح بالرواية الأميركيّة السوداء التي سادت خلال سنوات الثلاثينيّات من القرن الماضي، إلّا أن ما يميِّز رباعية «زافون»، هو الفضاءات التي تجري فيها الوقائع والأحداث، إذ ينقلنا السردُ إلى أجواء مدينة «برشلونة» السحريّة والخفيّة، ليرسم لنا صورةً دقيقة للوجه الأدبيّ الداكن لهذه المدينة الميتروبوليّة، من بداية القرن العشرين إلى يومنا هذا، ممّا يدعو القارئ إلى وقفة تأمُّل عميق لواقع الكِتاب والكِتابة الأدبيّة، في سياق التطوُّر التكنولوجيّ الحالي، وتغيُّر عادات القراءة لدى الجمهور. 

عموماً، تظلُّ (مقبرة الكُتب المنسيّة)، برواياتها الأربع، مشروعاً سرديّاً ضخماً، كلّف كاتِبها عشرين عاماً من التخطيط والبناء والتدقيق، لينتهي إلى تشييد هذه المَعلَمة الروائيّة العتيدة، بقوة شخصيّاتها، وبراعة هيكلها المعماريّ، وسحر أجوائها المُشوِّقة الفاتنة. هذا فضلاً عمّا تزخر به الرباعيّة من حواراتٍ حادّة، ومنظوراتٍ إنسانيّة عميقة، ولمسات فكاهيّة ساخرة، وحب طافح لمدينة «برشلونة»، وشغف غير منقطع بالقراءة وبالكِتاب. ولعَلَّ هذا ما دفع بدار النشر الأميركيّة (بينغوين)، أثناء إصدارها في عام 2015، لسلسلةٍ خاصة تحت عنوان (كلاسيكيّون خالدون)، إلى إدراج اسم «كارلوس زافون»، رغم صفته المُعاصِرة، ضمن كبار الكُتَّاب الذين طبعوا ببصماتهم تاريخ الرواية العالميّة، أمثال الفرنسيّيْن «مارسيل بروست» و«غوستاف فلوبير»، والإيرلنديّ «جيمس جويس»، والألمانيّ «هيرمان هيس»، وغيرهم. ولم تشمل السلسلة غير عددٍ قليل من الروائيّين المُعاصِرين، كان من بينهم، إلى جانب الإسبانيّ «كارلوس زافون»، البريطانيّان، «كازو إيشيغورو» اليابانيّ الأصل، و«سلمان رشدي» الكشميريّ الجذور.

على المستوى الفنّيّ والجماليّ، يقدِّم «زافون» رباعيّته الروائيّة بأسلوبيْن روائيّين مختلفين: الفانتازي والأسود. وهما الأسلوبان الروائيّان اللذان كانا يحظيان بقبولٍ واسع لدى نصف جمهور القُرَّاء بالعَالَم، خاصّة في الولايات المُتحدة الأميركيّة التي انتقل «زافون» للإقامة بها منذ سنة 1994، ليشتغل سيناريستاً في القطاع السمعيّ – البصريّ بمدينة «لوس أنجلوس». وقد اختار لرباعيّته لغةً نثريّةً شفيفة، تجري بسلاسة على لسان الشخصيّات، عبر حواراتٍ تعكس صفاتها الخلقيّة وحالاتها النفسيّة. وهو أسلوب، يعترف «زافون» نفسه بأنه من تأثير اشتغاله المُباشر بالمجال السمعيّ – البصريّ. 

وخلف هذه السهولة والرشاقة اللُّغويّة الظاهرة، تكمن خاصيّة أخرى تُميِّز الأسلوب الروائيّ لـ«كارلوس زافون»، وتتمثَّل في هذا التداخُل والتشابُك الذي يميِّز البناء السرديّ لأعماله. فإذا ما نظرنا إلى الروايات الأربع التي تؤلِّف (مقبرة الكُتب المنسيّة)، وجدناها شبيهة بلعبة «الدمى الروسيّة»، حيث تختفي قصص وحكايات الرباعيّة داخل بعضها البعض، عبر سيرورة زمنيّة متطوِّرة كرونولوجيّاً. وهذا ما يؤكِّده «إيميلي روساليس»، الكاتِب والناقِد والناشِر بدار (بلانيتا)، الذي يعود إليه الفضل في اكتشاف «زافون» وتقديمه إلى جمهور الكبار، عندما وافق على نشر روايته (ظِلّ الريح)، بعد النجاح الكبير الذي حقَّقه «زافون» في مجال التأليف للشباب. يقول «روساليس» ردَّا على مَنْ يقول ببساطة الأسلوب الروائيّ في رباعية «مقبرة الكُتب المنسيّة»: (إنها روايات لا تخلو من تعقيد؛ فبناؤها السرديّ يُقحم القارئ داخل متاهة مغلقة. إنّ الرباعيّة شبيهة بصرحٍ شامخ، يتألَّف من أربعة أجنحة متداخِلة بوقائعها ومشاهِدها وطبقاتِها الزمنيّة. إنها بمثابة أربعة مداخل، تؤدِّي كلّها إلى نفس الفضاء الحكائيّ). 

أما شخصيّات أعماله الروائيّة عموماً، ومنها شخصيّات الرباعيّة، فهي كائناتٌ يائسة ومحبَطة، مُحمَّلة بقصصٍ وحكايات تخفي بين جوانحها حقائق روحيّة عميقة. شخصيّات تغمرها الكآبة والقنوط، تعكس إلى حَدٍّ ما شخصيّة مُبتكِرها الذي عُرِفَ بميوله المُحافِظة وطبعه المُنغلق. كان «كارلوس زافون» مُقلّا في خرجاته الإعلاميّة، حريصاً على عدم الإفصاح عن المعلومات الحميمة المُتصلة بحياته الشخصيّة. لم يكن يحبِّذ اللقاءات المُباشرة مع الصحافة وجمهور قرَّائه، فهو، وإنْ لم يكن يرفضها على الإطلاق، كبعض المُعتزلين النُسَّاك من أدباء القرن العشرين، أمثال «جيروم سالينجر» و«توماس بينتشون»، إلّا أنه كان يحصر مثل هذه اللقاءات في بعض المُناسبات المُحدَّدة، كحفلات توقيع رواياته، وفعاليّات بعض الندوات واللقاءات الأدبيّة المعدودة. 

كان «كارلوس زافون» مولياً ظهره لعَالَم الشهرة والنجوميّة والظهور الاستعراضيّ على صفحات المجلات وقنوات التلفاز. (لا أحبّ التظاهر، ولا أريد أن أقول هراء)، هكذا كان يبرِّر دائماً عزوفه عن الخروج العلنيّ إلى الجمهور، وتفضيله للخلوة والعُزلة عن الناس. وحتى إنْ اضطرَّ للجلوس إلى حوارٍ أو نقاشٍ، فلا حديث يستهويه غير حديث الكِتابة والكُتب. لم تفارقه قطّ روح الفُكاهة والمرح، لكن تربيته الدينيّة، وإحساسه الفنيّ والأدبيّ المُرهَف، جعلاه حريصاً دائماً على حفظ المسافة الاحترازيّة بينه وبين بقية العَالَم. إنها صورة «المختلف»، و«الغامض»، و«المُعتزل»، التي عمل «زافون»، طيلة عمره، على ترسيخها لدى قرَّائه وجمهوره. لقد كان «شخصيّة أسطوريّة»، كما يصفه الناشِر «إيميلي روساليس».

تزوَّج «زافون» من رفيقة عمره، الناقِدة والمُترجِمة «ماري كارمن بيلفر»، ليؤلِّفا معاً (وحدة مثنوية) كما نعتها في الإهداء الذي يتصدَّر روايته الشبابيّة (لعبة الملاك). وقد صرَّح «زافون» في بعض حواراته، بأنَّ زوجته «بيلفر»، هي أول قارِئة وناقِدة لكافة نصوصه الروائيّة. لم ينجب منها أولاداً، لكنها ساهمت إلى جانبه في إنجاب ورعاية رصيدٍ وافر من المُؤلَّفات، ليس فقط تلك التي كتبها «زافون»، وإنما تلك التي قرأها أيضاً، وتقاسم قراءتها مع زوجته «بيلفر»؛ فقد كان «كارلوس زافون» يتبنَّى مقولة «بورخيص» الحكيمة: (أنْ تقرأ، خيرٌ لك من أنْ تكتب)، كما كان يُشاطره الرأي في أنّ حياةً مكرَّسةً للقراءة، هي حياةٌ نحياها بالفعل، وعلى أكمل وجه. 

منذ 2018، توقَّف «كارلوس زافون» عن نشاطِه الكِتابيّ، ربّما بسبب إصابته بالسرطان، أو لشعوره بثقل المسؤوليّة بعد مسارٍ كتابيٍّ متألِّق طويل. لقد كانت (أمير البارناس)، الصادرة سنة 2018، آخر أعماله الروائيّة التي وجدت طريقها إلى الجمهور. وربما استكشافه الصادم، قبل عامين، للداء الفتَّاك، جعله يفكِّر بإتمام مشاريع روائيّة كانت قيد الإنجاز، والتعجيل بإعدادها للنشر.

محسن الموسوي.. «السِّياق الإسلامي لألف ليلة وليلة»

هذا الكتاب موضع ترحيب، وإن كان المؤلف مبالغاً في تقديره، في بعض الأحيان. وبما أن معظم الدراسات التي تناولت «ألف ليلة وليلة» حتى الآن، قد ركزت على التاريخ الأدبي والنقد النصي، فإن تحليل الموسوي المواضيعي تحليل جديد ومثير للاهتمام، وإن كان مؤرخو الأدب وعلماء اللغة سوف يعارضون العديد من افتراضاته.

يعطي عنوان كتاب محسن الموسوي انطباعاً جيداً عن موضوعه الذي يؤكد فيه أهمية «العامل الإسلامي» في مجموعة حكايات «ألف ليلة وليلة». فلماذا أهمل الدارسون والطلاب، بشكلٍ كبير، «السياق الإسلامي» لعمل أدبي تم إنتاجه في سياق إسلامي؟ فالازدراء المتوارث الذي مارسه علماء ومثقفون مسلمون تجاه «ألف ليلة وليلة» وقصص التسلية والترفيه، بشكلٍ أعم، أمرٌ معروف تماماً (يمكننا أن نضيف أن ازدراء هذا النوع من القصص لم يقتصر على المسلمين، فقط، فقد مورِسَ في ثقافات أخرى)، وقد يكون صحيحاً أنه ليس هناك اهتمامٌ كبير، في مجموعة حكايات الكتاب، بالقضايا التي كانت موضع عناية الفقهاء ورجال الدين وعلماء اللغة عادة (رغم أن الكتاب يتضمن الكثير مما قد يتوقعه المرء من قضايا الفقه واللغة). وقد اتّبع الدارسون الغربيون هذه الدعوى إلى حدٍ كبير. ويبدو أن هناك ردة فعل عكسية ضد مزاعم القرنين: الثامن عشر، والتاسع عشر، في النظر إلى «ألف ليلة وليلة» بوصفه «مرآة للعالم الإسلامي»، وإلى ترجماته المتضمنة للشروح (التي قام بها إدوارد لاين، وهنري بريتون)، بوصفها أدلة ميدانية وإثنوغرافية؛ لذا فإن العمل على دراسة «السياق الإسلامي» لـ «ألف ليلة وليلة»، هو موضع ترحيب خاص.

يغلُب على معالجة الموسوي، في هذا الكتاب، طابع المنافحة، «فالإسلام» يتوافق مع المُثُل العامة للمحبة والأخوّة والعدالة والمساواة بين الجنسين، وغير ذلك من الفضائل الليبرالية الحديثة. ويدَّعي أن هذه الفضائل كانت الأبرز في بغداد العصر العباسي الأول، ولم ينجح الفقهاء (معظمهم كانوا من الشاميين) في تجاوزها إلا في القرون المتأخرة (أي أن «الفقهاء الأوائل كانوا أكثر انفتاحاً وتقبلاً للتغيير من الفقهاء المتأخرين» [ص84]). 

إن تحديد مختلف العواطف والمُثُل العليا، ووضعها ضمن رؤية «عَالَم إسلامي» هو، في الجزء الأكبر منه، أمر واضح المعالم. وفي بعض الأحيان، تُلْقِي معالجةُ الموسوي بأضواء كاشفة واستفزازية، وأحياناً محيّرة، كما هو الحال عندما يذكر أن حكاية الإطار [حكاية شهريار وأخيه شاه زمان] «تكشف عن عدم المساواة والتمييز». قد يكون الاختلاط أو الحب بين الجنسين، والطبقات، والأعراق في حكاية الإطار، مرعباً بالنسبة إلى الأزواج والملوك الذين تعرضوا للخيانة، ولكن «من دون موضوعات الخيانة وأدلة الانحراف، كان يمكن أن تكون القصة متوافقة مع «السياق الإسلامي»، فالتأكيد على المساواة، بقطع النظر عن اللون والعرق، هو ما تُشدِّد عليه السُّنّة النبوية» (ص 41 – 42). ولا بدَّ لي من الاعتراف بأنه لم يخطر ببالي، أبداً، أنه يمكن النظر إلى الحفلات المختلطة العابرة للأعراق على أنها تدعم المثل العليا للسنّة النبوية! كما لم يخطر لي التفكير في حكاية الإطار من دون «موضوعات الخيانة»؛ ما الذي قد يبقى من الحكاية، إذا استثنينا الخيانة والانحراف؟

لكن من حسن الحظ أن معالجة الموسوي تمضي إلى ما هو أبعد من مجرد المنافحة؛ إذ يوضح، في عدد من الحكايات، خلفية بنية الدولة الإسلامية التي تتمحور حول حكمة الخلفاء وسلطتهم، كما تجسّدت (مثاليّاً) في الخلافة العباسية المبكرة، خاصّةً في خلافة هارون الرشيد. إنها عالم يقوم على نمط من النظام والسلطة، ولكنهما (النظام والسلطة) يخضعان للتذبذب في نطاقهما وفعاليتهما وقواعدهما الاعتبارية والأخلاقية والدينية. يلتقط الموسوي، بشكل رائع، الطرائق التي تنطوي فيها فنون السرد على التوتر بين «إيديولوجية دينية تتطلب بنية قوية تعطي للنظام مزيةً على العدالة، وبين «مدينة فاضلة» حيث يمكن للمظلوم أن يتوقع أن تكون الغلبة في نهاية المطاف لنوع من العدالة. كما يربط المؤلف بين موضوع الفدية في سرد القصص، والعلاقة بين الخليفة والفقيه. ولعل الفصل السادس المُعَنْوَن بـ «الإطار العام لتنظيرات السرد الإسلامي» هو الأكثر قيمة في الكتاب، وبالرغم من أنه يحمل عنواناً مضللاً، فإن المؤلف يُقدِّم فيه قراءة رائعة للتغيير الذي طرأ على الأذواق الأدبية، والدور الذي لعبه «القارئ» في هذا التغيير. وهنا تتجلى معرفة الموسوي بمصادر العصر العباسي الأدبية والعصور اللاحقة، كما يُقدم لنا رسماً تخطيطياً مشوّقاً ومضيئاً لدور النثر الأدبي، ووظيفته فيما يتصل بالشعر والوسط الحضري ومطالب الجمهور وتراجع ثروات الدولة المركزية (لكن يتوجب عليَّ القول إن الصلات بين «ألف ليلة وليلة» والأعمال التي نوقشت في هذا الفصل، قد لا تكون واضحة أو مباشرة كما تبدو عليه افتراضات المؤلف).

تهيمن مجموعة من العناصر على قراءة الموسوي، ولكن أهمها البيئة الحضرية، وخاصة العاصمة الكوزموبوليتانية (بغداد)، والوسط المتعدد الثقافات والأعراق في الحاضرة العباسية. يتم التشديد على الطبيعة الحضرية للحكايات، على امتداد الكتاب؛ الإغراءات والفرص المتاحة، وحالات الإبعاد، ولَمّ الشَّمْل، والتباين بين المدينة والريف وطبيعة حدودهما، وتعايش المجموعات المتنافسة، والضغوط. على سبيل المثال، يعتبر الموسوي حكايات الدراويش الثلاثة «نسخاً متمدنة من حكايات الصوفية»، فهي حكايات تبناها جمهور حضري من التجار. فالمُثُل الإسلامية في الحاضرة العباسية، عرضة للتقلبات والتعديلات؛ فمن ناحية، تشكل هذه التقلبات والتعديلات المادة الخام لسرد القصص كله، ومن ناحية أخرى، يرى الموسوي أن هناك العديد من الطرق التي تصطبغ بها تقلبات الوجود الحضري بالمنظور الإسلامي؛ ما يكشف عن نقاط التقاء بين السلوك البشري والعقيدة الدينية بطريقةٍ فريدة من نوعها (وفق تقديري). وبالنسبة إلى كتاب «ألف ليلة وليلة»، الذي تمت قراءته في ترجماته على نطاق أوسع من قراءته في لغته العربية، إن إعادة التركيز على السياق الثقافي لنسَخه الأصلية تعدُّ بمنزلة قوة دفع مضادةٍ ومفيدة للاتجاه السائد في النظر إلى الكتاب بوصفه أدباً عولميّاً أو عالميّاً.

يربط الموسوي بين القصص و»الإسلام»، على عدة مستويات. وكثيراً ما يستحضر نظرية ابن خلدون في الصعود والسقوط الدوري للمصائر السياسية، بوصفها خلفية لتقلبات الحب، والثروة، والسلطة التي تظهر في حكايات الكتاب. فعلى مستوى التفاصيل السردية، مثلاً، يشير إلى حالات المعاملات المالية التي يتم تنفيذها طبقاً للشريعة الإسلامية، وعلى وجه التحديد خصائص الشخصية الإسلامية، مثل الالتزام «بالأمر بالمعروف». والأمر الأكثر إثارةً للاهتمام هو أنه يحدد نقاط تقاطع الإسلام «الرسمي» مع هذا الأدب غير الرسمي في الأمور التي يشغلها «المُحْتسِب» (مفتش السوق). وبما أن كتاب «ألف ليلة وليلة» يبدو، بشكلٍ عام، في جزء منه، وكأنه نتاج فئة/ جماعة تشتغل بالتجارة، فإن السوق لا بد أن يكون مكاناً خصباً للسعي إلى إثارة المخاوف والتوترات التي تخيم على الحكايات، فضلاً عن المجتمعات التي أنتجتها. إن إشارات الموسوي المقتضبة إلى كتيبات الحسبة توحي بأن هذا المجال قد يكون مثمراً لإجراء دراسة أكثر منهجية، مستقبلاً.

وعلى الرغم من كل هذا، فالكتاب مخيّب لآمال القارئ، فهو يفتقر إلى العمل التحريري الدؤوب، إذ يكثر فيه التكرار والإشارات والتلميحات غير المسوّغة والأخطاء الوقائعية البسيطة؛ فأسلوب المؤلف يتسم بالكثافة وعدم الانتظام.

تبدأ هذه النغمة من فقرة الكتاب الافتتاحية حيث يتحدث المؤلف عن مجموعة الحكايات: «لكن بمجرد أن تمت كتابة الحكايات، جرى التلاعب بها وتمحيصها، وكانت محتوياتها تخضع للرقابة بطرق مختلفة. فعلى سبيل المثال، تتضمن طبعة بولاق (1835) حكاية، يظهر فيها مصطلح «رافضي»، لم يستخدمه القصاصون السابقون، كما نجد، مثلاً، في نسخة أنطوان جالان من القرن الرابع عشر» (ص1). وهذا يعني أن الحكاية التي عُثر عليها في إحدى النشرات المطبوعة في القرن التاسع عشر قد تغيرتْ عن نسختها السابقة في أقدم مخطوطة معروفة (هي المخطوطة التي حصل عليها أنطوان جالان، وترجمها) لتضاف إليها تلك الإشارة. فالملاحظ أن الموسوي لا يحيل، في اقتباسه المذكور، إلى أية مراجع، ولكن مصطلح «رافضي»، بحسب علمي، لم يظهر إلا في حكاية «علاء الدين أبو الشامات» التي لم تكن، قط، جزءاً من مجموعة جالان. وهذا يعني أن إدعاء الموسوي بأنه «تم التلاعب بالحكايات» و«خضوعها للرقابة» (لستُ متأكداً من خضوعها للتمحيص الدقيق) لا يؤيده المثال المشار إليه خلافاً للعادة، و – من ثمَّ – يدفع القارئ إلى التساؤل عمّا إذا كان الاتهام يتمتع بأية مصداقية، على الإطلاق. قد يبدو المثال تافهاً، لكن هناك أمثلة كثيرة مشابهة، والموسوي لا يعود، أبداً، إلى هذه المسألة. (وإذا كنتُ مخطئاً بشأن ورود مصطلح «رافضي» في مخطوطة جالان، فيسعدني تصحيح هذه المعلومة)

ينشأ القدر الكبير من هذا الخلط، نتيجة الرغبة في دراسة «ألف ليلة وليلة» بكل تجلياتها عبر العصور، بوصفها كياناً واحداً متناسق الأجزاء. وهذا المنظور، الذي يركّز على الغابة لا على الأشجار، إلى جانب معرفة الموسوي الواسعة بالثقافة الأدبية العربية، يتيح له إجراء التحليل المواضيعي الواسع الذي يمثل نقاط القوة في الكتاب. بيد أن هذا المنظور التاريخي قد يغدو عائقاً عندما يُستخدم لتعزيز الحجج التاريخية.

دعوى الموسوي أن مجموعة أساسية من الحكايات كما نتداولها، اليوم، جرى تداولها بشكل مماثل جدّاً في بغداد القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، وهذا أمر غير مرجَّح، على الإطلاق، لأنه ليس بحوزتنا أية آثار حول تاريخ مجموعة الحكايات تظهر لنا التحولات المهمة بين التاريخ الذي يذكره الموسوي والتاريخ الذي تعود إليه أقدم مخطوطة معروفة لدينا( ربّما قبل القرن التاسع التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي). وبشأن ما ورد عن الشاطبي (المتوفّى سنة 790هـ/ 1388م) في «حكاية الحلاق»، يكتب، ببساطة، أن ذلك «يطرح عدداً من المشاكل. فإما أنها مفارقة تاريخية، أو أن المخطوطة التي جلبها جالان معه كانت مكتوبة في ذلك الوقت» (ص120). لكن الموسوي، بشكل عام، مستعد لأن يفترض أنه في حال تم تحديد حكاية ما في بغداد هارون الرشيد، فمن الممكن أن تُعامل على أنها نتاج ذلك الزمان، وذلك المكان. 

وتعدّ معالجة «قصة الجارية تودُّد»(غير موجودة ضمن مخطوطة أنطوان جالان) أنموذجاً جيداً لمقاربة الموسوي للتاريخ الأدبي. يفترض الموسوي أن أقدم وقت ممكن يرجع إليه تاريخها هو القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، ويربط القصة بالاحتجاجات ضد السلطة غير المرضية في خلافة سامراء، ويرى فيها المسعى التخريبي لتحقيق المساواة نفسه، الذي كان وراء ثورة الزنج (القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي) (ص 24 – 25). إن ذكر الحُلَل والعباءات التي تنازل عنها العلماء كتكريم للجارية «تودُّد» والإقرار بفوزها يفضي إلى إشارات عن أهمية اللباس في اثنين من المصادر الفقهية، من القرنين: الثامن، والرابع عشر الميلاديين؛ ومن ثمَّ، يذهب الموسوي إلى القول إن القصة تمثل استعادة الدين من السلطة المؤسّسيَّة. و«يغدو الإسلام، في الحكاية، ملكيةً مشتركة، ويتحول الدين إلى عقيدة يتم تطبيقها وممارستها من قِبَل جميع المسلمين الذين يسعدون بتعاليمه المتعلقة بالمساواة، وينعمون برحمته غير المحدودة»(ص75). ومن المؤكد أن هذا التصور مخالف لوجهة النظر الأكثر معياريةً، التي ترى أن مضمون الحكاية العقائدي، وطبيعتها المركبة لا يمكن أن يظهرا قبل القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، كما تُشدِّد وجهة النظر هذه على أن العناصر التي تتكون منها الحكاية (رجل يخسر جاريته ثم يستعيدها؛ السرد القائم على الأحجية؛ امرأة يثبت تفوقها على الرجل) عُرِفت جيّداً في مواضع أخرى في الأدب العربي بشقَّيْه: الرسمي، والشعبي، وأن قصة الجارية «تودُّد» نفسها وُجدتْ في نسخ مختلفة. يُسلِّم الموسوي بأن القصة قد تعرضت للتغيير مع مرور الوقت: «فهناك مخطوطة في بغداد، تعود إلى أواخر القرن التاسع لا تتطابق مع مخطوطة أخرى جرى تداولها في القرن الثاني عشر في الشام أو القاهرة» (ص25). لن أجادل في ذلك، ولكن عندما يعود تاريخ أقدم مخطوطة معروفة لحكاية الجارية «تودد» إلى مطلع القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، فإن عبارة الموسوي المذكورة، آنفاً، عبارة مضلّلة في أفضل تقدير. وهناك أمثلة كثيرة مماثلة. 

يمكننا الانتهاء إلى القول: إن كتاب «السياق الإسلامي لـ «ألف ليلة وليلة» يتضمن العديد من النقاط المثيرة للاهتمام والاستفزازية، وأن المشروع كله، والذي أُطْلِقُ عليه «إعادة أسْلَمة» «ألف ليلة وليلة» (المصطلح لي وليس للموسوي)، هو موضع ترحيب، وإن كان المؤلف مبالغاً في تقديره، في بعض الأحيان. وبما أن معظم الدراسات التي تناولت «ألف ليلة وليلة»، حتى الآن، قد ركزت على التاريخ الأدبي والنقد النصي، فإن تحليل الموسوي المواضيعي تحليل جديد ومثير للاهتمام، وإن كان مؤرّخو الأدب وعلماء اللغة سوف يعارضون العديد من افتراضاته.


كاتب المقال: بروس فادج (أستاذ الدراسات العربية بجامعة جنيف)

رياض الصالح الحسين.. أسطورتنا الحيّة!

من يصدِّق: رياض الصالح الحسين، الشابّ اليافع الذي غادر العالم في عمر (28)، صار في 2016/3/10، كهلاً في عمر (62)؟ الجواب: «لا أحد»؛ ذلك أن شعورنا جميعاً أن (رياض)، لم يمت، فحسب، بل أنه مازال في عمر (28)! وأجد، الآن، في هذه المناسبة، فرصة لمعاودة المحاولة. أنا أحد أشدّ المقربين له، حياتياً وشعرياً، وأستطيع الادّعاء، بتبيان الأسباب التي تجعلنا نقول هذا وكأنه حقيقة، الأسباب نفسها التي تجعله يحتلّ هذه المكانة الاستثنائية في المشهد الشعري السوري خصوصاً، والعربي عموماً. وإذا كان يحلو للبعض (وأنا منهم) أن يعدّ موته الفاجع، عن ذلك العمر المبكِّر، قد لعب- لا ريب- دوراً كبيراً في ولادة ما يشبه الأسطورة، وإقامة ذلك التمثال العجيب الذي، بحركته الدائبة، يجاري جسم رياض المرن، وهو يمشي ويركض ويرقص، فإن ما يهمّني، هنا، هو أن أعود لأؤكِّد على دور ما أَطلقتُ عليه (الخلطة السحرية) التي ركَّبها رياض لأهمّ مؤثّرات القصيدة السورية في السبعينيات من القرن الماضي: أوَّلاً: الإغواء الذي لا يقاوَم لأدوات محمد ماغوط الشعرية، هو المؤثِّر الطاغي على قصيدة النثر السورية. وثانياً: العفوية الشديدة التي اتّصفت بها قصيدة بندر عبدالحميد، والتي كنت أعدّها استسهالاً، إلاّ أنه تبيَّن لي، منذ زمن ليس ببعيد، خطئي في هذا، لأن بساطة قصيدة بندر، ليست أقلّ (ولا أكثر) من صورة مطابقة له تعكسها مرآته. وثالثاً: الانفعال والاضطرام اللذان ميّزا شعر نزيه أبو عفش، تفعيلة كان أم نثراً، هو الذي كان- برأيي- المثال الأعلى: الشعري، والإنساني لرياض الصالح الحسين، وإن لفترة من الزمن. هذه التركيبة التي أوحت للكثيرين بقدرتها على تحويل أيّ كلام إلى شعر. كلّ هذا- برأيي- كان له الدور الأكبر في اعتبار قصيدة رياض، بدورها، المثال الأعمّ لقصيدة النثر السورية؛ وذلك لأنها تلاءمت، على نحو مباشر وآخر غير مباشر، مع الجوّ الثقافي والجوّ السياسي السائد في سورية، خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم، وبالتحديد: من أواسط عقد السبعينيات إلى نهاية عقد التسعينيات؛ حيث كان السوق الثقافي السوري مغلقاً في وجه التجارب الشعرية العربية الطليعية، أساليب ومضامين، في آن معاً!. رافق هذا تململ سوري ظاهر على هذين المستويَيْن، بالذات، وخاصّةً بالنسبة إلى الجيل الذي كان يقف عند عتبة تجاربه الإبداعية، وبصعوبة يسمح له بالدخول؛ الأمر الذي أدّى إلى تفشّي هذه الوصفة وتعميمها مذ ذاك اليوم، حتى راح يمكننا القول إن قصيدة رياض مازالت تُكتَب، وإن تجربته مازالت تتابَع وتتقدَّم، راسمةً، إلى اليوم، إيجاباً وسلباً، أكثر ملامح القصيدة السورية انتشاراً ورسوخاً. 

قد يجد البعض أن هناك قدراً كبيراً من المبالغة، في إطلاق صفة الأسطورة على رياض الصالح الحسين! بالتأكيد، أوافق على هذا، فقد كنت، دائماً، أعترض على أسطرة الناس، إلاّ أنني منساق إلى مفهوم رياض بالذات، ومفهومي أنا أيضاً، بأن عمل الشعر، في أحد أهمّ وجوهه، هو أسطرة الواقع، وتحويل الهامشي إلى متن، ورفع المهمل والمتروك إلى رفّ الصمديّات، وتجميع فتات زمننا وخلق حياة..؛ الأمر الذي جعله يختار (أساطير يومية) عنواناً لمجموعته الثانية. 

قصيدة من كلّ مجموعة:

لا أظنّني أحتاج أعمال رياض الصالح الحسين الشعرية الكاملة، التي صدرت عن دار المتوسِّط، رغم أنني مَنْ أعَدَّ سيرة رياض، وشهادات الشعراء في مقدِّمتها، لأنتقي منها مختارت من شعره، فلديّ الطبعات الأولى لمجموعاته الأربع، وعلى الثلاث الأولى إهداءاته، بخطّ يده، وهذا لا يمكن أن يقارن بشيء. كما أظنها موفّقة، إلى حَدّ بعيد، المختارات التي نشرها الشاعر السوري علي سفر، في مدوّنته الإلكترونية الخاصّة، إذ اختار قصيدة واحدة من كلّ مجموعة من مجموعات رياض الأربع، إلا أني فضّلت قصيدة (غرفة صغيرة وضيّقة، ولا شيء غير ذلك) من مجموعة (بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدَّس)، ذلك لأنه خصَّني فيها بالذكر، وهذا ما يشاركني به، من أصدقاء رياض، مالا يزيد على عدد أصابع اليد الواحدة. وأنا، رغم ماردّدته في العديد من المناسبات، من أن مجموعة (وعل في غابة) تتضمّن أفضل ما كتبه رياض، أرى أن أكثر ما يمثِّله هو القصائد التي كتبها في مجموعاته الثلاث الأولى غير مكترث بشيء، سوى بما يتدفّق حارّاً وصاخباً في شرايينه، مخرِّباً دورته الدموية:


1 – دُخان

من«خراب الدورة الدمويَّة»

كئيباً ومنفتحاً كالبحر، أقف لأحدِّثكم عن البحر

مستاءً وحزيناً من الدنيا، أقف لأحدِّثكم عن الدنيا.

متماسكاً وصلباً ومستمرّاً كالنهر،

أقف لأحدِّثكم عن النهر.

وعندما يصبح للنافذة عينان تريان يأسي،

وللجدران أصابع تتحسَّس أضلاعي،

وللأبواب ألسنة تتكلَّم عنِّي..

وعندما يصبح للماء طعم الماء،

وللهواء نكهة الهواء،

وللحبر الأسود هذا رائحة الحبر..

وعندما تهيِّئ المطابع الأناشيد للقرّأء بدلاً من الحبوب المنوِّمة،

وتهيِّئ الحقول القمح بدلاً من الأفيون

وتهيِّئ المصانع القمصان بدلاً من القنابل…

سأقف، أيضاً، سأقف لأحدِّثكم عنِّي.

لأحدِّثكم عن الحبّ الذي يغتال المراثي

عن المراثي التي كانت تفتح دفترها الملكي.

لتسجّل أسماءكم في قائمة القتلى،

عن القتلى المتشبِّثين بالضمّاد، والميكروكروم

الذي لم يأتِ

وسأقف، أيضاً، سأقف

لأحدِّثكم عنّي

مثلما يتحدَّث الديكتاتور عن سجونه

والمليونير عن ملايينه

والعاشق عن نهدَيْ حبيبته،

والطفل عن أمِّه،

واللصّ عن مفاتيحه،

والعالم عن حكّامه،

سأحدِّثكم بحبّ، بحبّ، بحبّ

بعد أن أُشعِل سيجارة!.


2 – بعد ثلاثة أيّأم

من «أساطير يوميَّة»

ما الذي سيحدث، في هذا الضياء الواسع،

إذا لم تشرق الشمس

لمدَّة ثلاثة أيّام؟

 * * *

ما الذي سيحدث، في هذا الفضاء الواسع،

إذا توقَّفت العصافير عن الزقزقة

لمدَّة ثلاثة أيّام؟

* * *

ما الذي سيحدث، في هذا الجحيم الواسع،

إذا تعطَّلت أجهزة اللاسلكي

لمدَّة ثلاثة أيّام؟

ما الذي سيحدث، في هذا المستنقع الواسع،

إذا توقَّفت الضفادع عن النقيق

لمدَّة ثلاثة أيّام؟

* * *

ما الذي سيحدث، في هذا القبر الواسع،

إذا فُقِدتِ السجائر من الأسواق

لمدَّة ثلاثة أيّام؟

* * *

ما الذي سيحدث، في هذا الخنجر الواسع،

إذا توقَّفت أمريكا عن أكل لحوم البشر

لمدَّة ثلاثة أيّام؟

 * * *

ما الذي سيحدث، في هذا العالم الواسع،

إذا أضربنا عن اليأس

لمدَّة ثلاثة أيّام؟

 * * *

وما الذي سيحدث، في قلبي الواسع،

إذا لم أحبّك

بعد ثلاثة أيّام؟

* * *

منذ القبلة الأولى على رقبتك الطويلة،

وحتَّى الحرب العالميَّة الثالثة

التي لم تأتِ بعد،

كنت أوزِّع الحبّ على النازحين،

وهم يوزِّعون بطاقات الإعاشة!

كنت أوزِّع الحبّ على السجناء،

وهم يوزِّعون الصدمات الكهربائيَّة!

كنت أوزِّع المصانع في الصحاري،

وهم يرصدون سجناً لكلّ مصنع!

منذ انبثاق النار من احتكاك حجرين

وحتَّى اختراع القنابل العنقوديَّة،

كنت أوزِّع الحبّ في القلوب

كما يوزِّعون الرصاص!

كنت أنثر الأغاني في الطرق الجبليَّة

كما ينثرون الألغام،

منذ أن جلس بوكاسا على عرشه العريض،

وأنا أحاول أن أحبَّهُ

بعدَ ثلاثة أيّام،

بعد ثلاثة أيّام،

ستقابل عاملة في مصنع للنسيج

رجلاً يصنع التوابيت.

بعد ثلاثة أيّام،

السماء ليست سوداء

والأحاديث ستكون أجمل.

بعد ثلاثة أيّام،

ستقابل العاملة رجلاً

هي لا تحمل حقيبة

وهو لا يضع ربطة عنق حمراء!

بعد ثلاثة أيّام،

ستحدث مهزلة بسيطة

-رغم أنَّ كلّاً منهما لا يملك أجرة تكسي-

عندما تقول له: 

لا أستطيع أن أحبّك

إلاّ بعد ثلاثة أيّام!


3 – غرفة صغيرة وضيّقة، ولا شيء غير ذلك

من «بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدَّس»

غرفة صغيرة صالحة للحياة.

غرفة صغيرة وضيّقة صالحة للموت.

غرفة صغيرة ورطبة، لا تصلح لشيء

غرفة صغيرة فيها: 

امرأة تقشّر البطاطا واليأس

عامل باطون، لا ينام أبداً

بنت تبكي كثيراً بدون سبب

وأنا.. ولد مشاكس وغير لئيم

لديّ كتب وأصدقاء،

ولا شيء غير ذلك.

* * *

ومنذ أن ولدت بلا وطن

ومنذ أن أصبح الوطن قبراً

ومنذ أن أصبح القبر كتاباً

ومنذ أن أصبح الكتاب معتقلاً

ومنذ أن أصبح المعتقل حلماً

ومنذ أن أصبح الحلم وطناً،

بحثت عن غرفة صغيرة وضيّقة،

أستطيع فيها التنفُّس بحريّة.

* * *

على الرفّ، في الغرفة، كتب وأصدقاء

وهناك- أيضاً- حزمة جافّة من البرسيم

صورة لغيفارا ولوحة سوداء لمنذر مصري.

عندما أجوع، ألتهم الكتب وأقول للأصدقاء: 

أيّها الأصدقاء، تعالوا لنتحاور.

وأصدقائي كثيرون..

الذين يحبُّونني لا يتركون لي فرصة للموت،

والذين يكرهونني لا يتركون لي فرصة للحياة

وغداً، على الأرجح،

سألْتهِمُ الأصدقاء

كما التهمت الكتب وقرارات الأمم المتّحدة.

وغداً، على الأرجح،

سأكفُّ عن الحلم

مثلما كفّت الآنسة (س) يدها عن شؤون قلبي.

وغداً، على الأرجح،

سأترك للغرفة تأسيس حياتي،

بجدرانها الخمسة المدمّاة

ونافذتها الوحيدة المشرَّعة.

* * *

في غرفة صغيرة وضيّقة صالحة للبكاء

في غرفة صغيرة وضيّقة صالحة للحبّ

في غرفة صغيرة وضيّقة صالحة للمؤتمرات،

لم أستطع أن أتآمر على أحد

لم أستطع أن أفعل شيئاً.

في غرفة صغيرة وضيّقة صالحة للكتابة،

لم أستطع إلاّ كتابة وصيّتي الأخيرة.

الغرفة الصغيرة الضيّقة

الممدّدة كجثّة فوق سرير الأرض

قابلة، مثلي، للتشريح

ومثلي، قابلة للإبادة.

في الغرفة الصغيرة الضيّقة،

أقرأ الصحف والمذابح.

في الغرفة الصغيرة الضيّقة،

أعوي كعاصفة، 

وأغرِّد كسنبلة.

أنا في الغرفة الصغيرة الضيّقة: 

نهر مكسور،

و- أحياناً- أمّة مضطهَدة.

أين ذهبت المرأة؟

– لتموت في الغرفة الصغيرة الضيّقة.

 أين قرّرْت الحزن؟

– في الغرفة الصغيرة الضيّقة.

 كم عمرك؟

– غرفة صغيرة ضيّقة.

 ما هي الأرض؟

– غرفة صغيرة ضيّقة.


 4 – الخنجر

من «وعل في الغابة»

الرجل مات

الخنجر في القلب

والابتسامة في الشفتين.

الرجل مات

الرجل يتنزّه في قبره

ينظر إلى الأعلى

ينظر إلى الأسفل

ينظر حوله:

لا شيء سوى التراب،

لا شيء سوى القبضة اللامعة 

للخنجرفيصدره.

* * *

يبتسم الرجل الميّت،

ويربِّت على قبضة الخنجر

الخنجر، صديقه الوحيد

الخنجر

ذكرى عزيزة من الذين في الأعلى.