ألبير كامو.. الظلّ والضياء

تمثِّل هذه المقالات المنشورة تحت عنوان «L’envers et l’endroit»، والتي تتفرد مجلّة (الدوحة) في إعادة إحيائها، بترجمة جديدة ضمن ملفِّها الخاصّ، محاولةَ ألبير كامو الأولى في صياغة رؤية فكرية تجاه العالم، والذات، والفنّ، والحياة. وهي محاولة -وإن كانت «تفتقد إلى المهارة» كما وصفها كامو- اعتُبرت، من قِبَل الكثيرين، إعلاناً عن ميلاد مبدع كبير.

نُشِر الكتيِّب أوَّل مرّة في مدينة الجزائر، سنة (1937)، ثم في طبعة ثانية، مع تقديم مطوَّل قيَّم فيه الكاتب كلّ مسيرته الأدبية، سنة (1958). ولم تلقَ الطبعة المحدودة النسخ، في البداية، أيَّ إقبال، وكادت تسقط في النسيان، قبل أن يقرِّر كامو إعادة نشرها بعد طول إلحاح من أصدقائه، وطول عناد منه، كما يقول في مقدِّمته.

 

 

مقدّمة ألبير كامو

 

النصوص المتضمّنة في هذا الكتاب، كُتبت بين سنتَيْ (1935) و(1936)، كنت، حينها، في الثانية والعشرين من عمري. ثم نُشِرت، سنةً بعد ذلك، في الجزائر، في عدد محدود من النسخ. هذه الطبعة لم تعد متوفِّرة، ولطالما رفضت نشر طبعة جديدة.

لم تكن لهذا الرفض أسباب خفيّة، فأنا لم أتراجع عن أيّ شيء ممّا عبَّرت عنه في هذه النصوص، لكن شكلها بدا لي، دائماً، غير موفَّق. الأحكام التي تكوَّنت لديَّ، حينها، رغماً عني، عن الفنّ (وسأشرح ذلك فيما بعد)، منعتني طويلاً من تصوُّر إعادة النشر هذه. غرور، ربما، هذا الذي يجعلني أفترض أن كتاباتي الأخرى كانت موفقة. هل من الضروري أن أوضّح أن المسالة ليست كذلك؟ إنما أنا أكثر حساسية بخصوص هفوات «الظلّ والضياء»، مقارنةً بغيره من أعمالي الأخرى، والتي لا تخفى عني. كيف يمكنني تفسير ذلك إن لم يكن بالاعتراف بأن الأولى تعني وتفضح، بعض الشيء، الموضوعَ الأهمّ عندي؟ بما أن القيمة الأدبية لهذا العمل صارت محسومة، يمكنني الاعتراف، الآن، بأن قيمة الشهادة التي يحملها هذا الكتيّب مهمّة بالنسبة إليَّ. بالنسبة إليَّ؛ لكوني الوحيد المسؤول عمّا يتضمَّنه، ولأنني الملزم، أمامه، بنوع من الوفاء، أنا وحدي أقدِّر عمقه وصعوبته. بودِّي أن أوضِّح السبب. يدّعي بريس باران(1)، دائماً، أن هذا الكتاب هو أحسن ما كتبت. باران مخطئ، لا أقولها -وأنا أعلم مدى صدقه- بسبب ردّ الفعل المتسرِّع الصادر عن كلّ فنّان في مواجهة تطاول أولئك الذين يفضّلون ما كان على ما هو كائن، بل هو مخطئ لأننا، في سنّ الثانية والعشرين، ماعدا حالة الموهبة الخارقة، لا نكاد نعرف الكتابة. لكني أتفهَّم ما أراد العدوّ العارف للفنّ، وفيلسوف التعاطف، باران، قوله. كان يقصد -وهو محقّ- أن في هذه الصفحات، المفتقدة للمهارة، من الحبّ الصادق، أكثر ممّا في كلّ الأعمال التي تلتها.

كلّ فنّان يحتفظ، في جوهره، بنبع فريد يغذّي، طيلة حياته، ماهيَّته، وما يصدر عنه. حين يجفّ هذا النبع تتصلَّب العبقرية، تدريجيّاً، وتتشقَّق. إنها البقاع القاحلة من الفنّ، التي توقَّف ذلك المجرى الخفيّ عن ريّها. حين يصير الشَّعر نادراً، عاصياً، ويغطِّيه الشيب، يصير الفنّان ناضجاً من أجل الصمت أو المجالس الأدبية، وهما سيّان. أمّا أنا، فأعرف أن منبعي يوجد في «الظلّ والضياء»، في عالم الحاجة والنور الذي عشت فيه طويلاً، والذي تحميني ذكراه من الخطرَيْن المتعارضَيْن المحدقَيْن بالفنّان(2): النفور، والإشباع. بدايةً، الفقر لم يكن، أبداً، محنة في حياتي؛ فالنور كان يشملها بنعمه. تمرُّدي، نفسه، كان متبصِّراً بفضله. كان، في معظمه (يمكنني التصريح بذلك دون خداع)، تمرُّداً من أجل الجميع، ومن أجل أن تقوم حياة الجميع في النور. ربَّما، لم يكن قلبي مهيَّئاً، بشكلّ تلقائي، لهذا النوع من الحبّ. لكن الظروف أهَّلتني لذلك. لتصحيح لامبالاة طبيعية، وجدتني على مسافة متساوية بين الفاقة والشمس. الحاجة منعتني من الاعتقاد الخاطئ أن كلّ شيء في التاريخ، يسير على ما يرام تحت الشمس. فيما علَّمتني الشمس أن التاريخ ليس كلّ شيء. أن أغيّر حياتي، نعم، لا العالم الذي جعلت منه عقيدتي. هكذا، بدون شكّ، افتتحت هذا المسار المتعب الذي أنا عليه اليوم، حيث انطلقت، ببراءة، على خطّ توازن، أتقدَّم فيه بصعوبة، دون التأكُّد من بلوغ الهدف؛ بعبارة أخرى، أصبحت فنّاناً، إذا كان صحيحاً أنّ «لا فنّ بدون رفض، وبدون موافقة».

في جميع الحالات، إن الدفء الذي ساد طفولتي منعني من كلّ إحساس بالاستياء. عِشت في ضيق، لكن في نوع من المتعة، أيضاً. كان لديَّ إحساس بقوى لامتناهية؛ توجب عليَّ، فقط، أن أحسن توظيفها. لم يكن الفقر هو العائق أمام هذه القوى. ففي إفريقيا، البحر والشمس مجّانيّان. إنما كان العائق في الأحكام الجاهزة أو في الغباوة؛ إذ كانت أمامي كلّ شروط تطوُّر طبيعتي القشتالية التي تسبَّبت لي بالكثير من الضرر، والتي سخر منها، عن صواب، أستاذي وصديقي جان كرونييه(3)، وحاولت تقويمها بلا جدوى، حتى اللحظة التي أدركت فيها أن الطباع، أيضاً، حتمية. كان من الأفضل، إذن، تقبُّل الكبرياء الشخصي، واستغلاله بدلاً من اتِّخاذ مبادئ أقوى من شخصية المرء، كما يقول شامفورت(4). لكن، وبعد مساءلة ذاتي، يمكنني أن أؤكِّد أنه من بين عيوبي الكثيرة، لا يوجد العيب الأكثر انتشاراً بيننا؛ أعني الرغبة، السرطان الحقيقي الذي ينخر المجتمعات والمذاهب.

الفضل في هذه الحصانة الممتعة، لا يرجع إليَّ. أنا مدين في ذلك، أوَّلاً، لمحيطي الذي كان يفتقد كلّ شيء، تقريباً، دون أن يشتهي أيّ شيء، تقريباً. هذه الأسرة التي لم تكن تعرف حتى القراءة، أعطتني من خلال صمتها، وتحفُّظها، وكبريائها الطبيعي الهادئ، أسمى الدروس التي حصلتُ عليها، والتي يستمرّ مفعولها إلى اليوم. إلى جانب كلّ هذا، كنت منشغلاً، بالاستمتاع بهذه الأشياء، عن الحلم بشيء آخر.

مازلت إلى اليوم، عندما أرى حياة عائلة ثريّة، في باريس، أشعر بالشفقة حيال العزلة التي توحي لي بها هذه الحياة. هناك الكثير من الحيف في هذا العالم، لكنّ هناك نوعاً منه لا يُطرق أبداً، وهو المرتبط بالمناخ. وقد، كنت، دون علمي، ولمدّة طويلة، أحد المستمتعين به. تصلني، حيث أنا، مؤاخذات الخيّرِين الشرسين. فأنا أبدو كأنني أريد تصوير العمّال الفقراء كأغنياء، والبورجوازيِّين كفقراء، من أجل الحفاظ، لمدّة أطول، على العبودية السعيدة للبعض، وعلى السيطرة للبعض الآخر. لا، ليس هذا قصدي. على العكس من ذلك، عندما يقترن الفقر بحياة بلا أفق ولا أمل، والتي اكتشفتها في الضواحي الرهيبة لمدننا، عند بلوغي سنّ النضج، فإن هذا الإجحاف، الأكثر إثارةً للاشمئزاز، يصبح مستنفذاً. ينبغي القيام بأيّ شيء حتى يمكن لهؤلاء الإفلات من الإذلال المزدوج للبؤس والقبح معاً. ومع أني وُلدت فقيراً في حيّ عمّالي، لم أعرف معنى البؤس قبل التعرُّف إلى ضواحينا الباردة.

البؤس العربي الشديد نفسه، لا يمكن مقارنته بهذا الوضع، مع مراعاة اختلاف الأجواء. لكن، بمجرد التعرُّف على الضواحي الصناعية، أظنّ أن الإنسان يشعر بأنه مدنَّس إلى الأبد، وأنه مسؤول عن وجودها.

ألتقي، في بعض المناسبات، أصحاب ثروات لا يمكنني حتى تخيُّلها. لكن الأمر يتطلَّب مني جهداً كبيراً لفهم كيف يمكن للمرء أن يحسد هؤلاء الأثرياء. منذ زمن بعيد، عشت ثمانية أيّام مغموراً بنعَم هذا العالم؛ نمنا على شاطئ تحت أديم السماء، كنت أتغذّى على الفواكه، وأقضي نصف يومي في مياه خالية من البشر. تعلَّمت، في ذلك الوقت، حقيقة جعلتني أتلقّى، دائماً، مظاهر الرفاهية أو الاستقرار، باستهزاء، ونفاد صبر، وأحياناً بغضب. على الرغم من أنني أعيش، الآن، بلا قلق على المستقبل، أي في حظوة، لكنني لا أعرف كيف أتملَّك. ما أملكه، والذي يقدَّم لي، دائماً، دون سعي مني، لا أحتفظ منه بأيّ شيء. وهذا فيما يبدو ليس بسبب البذخ بقدر ما هو ناتج عن شكلّ آخر من البخل؛ أنا بخيل بهذه الحرِّيّة التي تندثر عندما تبدأ المبالغة في التملُّك. أعظم الكماليات لم تتوقَّف، بالنسبة إليَّ، عن التوافق مع نوع معيَّن من العوز. أحبّ المنازل العربية(5)، والإسبانية الخالية من أيّ اثاث. فالمكان الذي أفضِّل العيش، والعمل فيه، حيث لا أكترث للموت (وهذا شيء نادر) هو غرفة الفندق. لم أتمكَّن، أبداً، من الاستسلام لما يسمّى الحياة البيتية، التي غالباً ما تناقض الحياة الداخلية للشخص؛ السعادة المسمّاة (بورجوازية) تضجرني، وترعبني. هذا العجز عن التكيُّف لا يشكِّل أيّ مدعاة للفخر، فقد ساهم بقسط وافر في تغذية نقائصي. أنا لا أشتهي أيّ شيء، علماً أن هذا الاشتهاء من حقّي، لكني لا أحفل كثيراً برغبات الآخرين، وهو ما يفقدني بعض الخيال؛ أي اللطف. صحيح أني اتَّخذت حكمة لاستخدامي الشخصي: «ينبغي إعمال المبادئ في القضايا الكبرى، أمّا بالنسبة إلى الصغرى فالرفق يكفي».مع الأسف، نتَّخذ لنا حِكماً لسدّ الثقوب التي تعتري طبيعتنا الشخصية. الرفق الذي أتحدَّث عنه يسمّى اللامبالاة، وآثاره، فيما يبدو، ليست أقلّ روعة.

أريد التأكيد، فقط، على أن الفقر لا يفترض الرغبة، بالضرورة؛ ففي وقت لاحق، حين سلبني مرض خطير، مؤقَّتاً، قوّةَ الحياة التي كانت تحوّل كلّ شيء بداخلي، وعلى الرغم من الأعطاب الخفيّة والوهن الذي كنت أشعر به، عرفت الخوف والفتور، لكني لم أشعر، قطّ، بالمرارة. هذه العلّة أضافت، بلا شكّ، عقبات أخرى أشدّ خطورة، إلى تلك التي كانت متأصّلة فيَّ، لكنها، في النهاية، زكَّت الترفُّع، تلك المسافة الضئيلة عن الامتيازات الإنسانية التي وقَتْني من الغيظ. هذا الامتياز، عرفت، منذ مجيئي إلى باريس، أنه غير متاح للجميع. ومع ذلك استمتعت به بلا حدود، ولا ندم، وقد أضاء كلّ حياتي، حتى الآن، على الأقلّ. بصفتي فنّاناً، مثلاً، بدأت أعيش في افتتان؛ أي -بمعنى من المعاني- الجنة فوق الأرض. الكلّ يعلم أن العادة في فرنسا، اليوم، تقتضي من كلّ من أراد أن يدشِّن مسيرة أدبية أو أن ينهيها، اتِّخاذ فنّان موضوعاً للسخرية. من جهتي، لم تكن رغباتي الإنسانية، أبداً، «ضدّ ذلك».

الأشخاص الذين أحببتهم كانوا، دائماً، أفضل مني، وأسمى. الفقر -كما عرفته- لم يعلِّمني الكراهية، بل علَّمني نوعاً من الإخلاص، ومن المثابرة الصامتة. وإذا حدث أن نسيت ذلك، فأنا وحدي، مع نقائصي الكثيرة نتحمَّل المسؤولية لا العالم الذي ولدت فيه.

ولعلَّها، أيضاً، ذكريات تلك السنوات هي التي منعتني من أن أكون مكتفياً، أبداً، بممارسة مهنتي. هنا، أودّ التحدُّث، بأكبر قدر من البساطة، عمّا يسكت عنه الكُتّاب عموماً؛ فأنا لا أثير، أبداً، الرضا الذي يبدو أن الكاتب يشعر به أمام الورقة أو الكتاب الناجحَيْن. لا أعلم ما إذا كان الكثيرون يعرفون هذا الإحساس. بالنسبة إليَّ، لا أظنّ أنه سبق لي أن شعرت بأيّ نشوة من قراءة صفحة منتهية. بل سأعترف، بكلّ جدِّيّة، بأن النجاح الذي لاقته بعض كتبي، لطالما فاجأني. طبعاً، نعتاد على ذلك، فيما بعد، وبطريقة سيِّئة للغاية. مع ذلك، لازلت أشعر، إلى حدود اليوم، بأني مجرَّد متدرِّب لدى كُتّاب، أضعهم في المكانة الحقيقية التي يستحقّونها، وعلى رأسهم الكاتب الذي أًهديته هذه المقالات منذ عشرين سنة. للكاتب، طبعاً، أفراحه التي يعيش من أجلها، والتي تكفي لتغمره سعادةً. أمّا بالنسبة إليَّ، فهذه السعادة أجدها حين أضع التصوُّر الأوَّلي؛ أي اللحظة التي ينكشف فيها أمامي الموضوع، عندما تتشكَّل مفاصل العمل أمام حسّ يصير، فجأةً، متبصرِّاً، في تلك اللحظات الجميلة التي يندمج فيها الخيال، تماماً، مع الذكاء. هذه اللحظات تمرّ كما وُلدَت، ويبقى التنفيذ؛ أي العذابات الطويلة.

على مستوًى آخر، تعتري الفنّان بعض مباهج الغرور. فمهنة الكاتب، لاسيّما في المجتمع الفرنسي، هي، إلى حَدّ كبير، مهنة الغرور. أصرّح بهذا بلا ازدراء، مع بعض الأسف قليلاً. في هذه النقطة، أتشابه مع الآخرين؛ فمن يمكنه ادِّعاء خلوَّه من هذه العاهة المثيرة للاستهزاء؟ في نهاية المطاف، في مجتمع محكوم عليه بالحسد وبالسخافة، يأتي يوم يدفع فيه هؤلاء الكُتّاب، بعد أن يكونوا قد صاروا موضوعاً للسخرية، ثمن هذه الأفراح البائسة. لكن، وبصراحة، خلال عشرين سنة من الحياة الأدبية، لم تجلب لي مهنتي إلّا القليل من الأفراح المماثلة، والتي كانت تتناقص مع مرور الزمن.

أليست آثار الحقائق الواردة في «الظلّ والضياء» هي التي منعتني من الاستكانة في الممارسة العلنيّة لمهنتي، والتي دفعتني إلى كثير من حالات الرفض، ولم تسعفني، دائماً، في اكتساب الأصدقاء؟ عندما نتجاهل المجاملة أو التكريم، نعطي لصاحبها انطباعاً بازدرائه، في حين أننا، فقط، نشكّ في ذواتنا. بالمقابل، لو كنت أظهرت ذلك المزيج من الحدّة والمحاباة اللذين يطبعان المسيرة الأدبية، ولو أني بالغت، حينها، في التباهي، لكنت تلقَّيت المزيد من الوّد، لأنني، في النهاية، سأكون قد قبلت المشاركة في اللعبة. لكن، ما العمل؟ هذه اللعبة لا تثيرني! طموح ريبومبري(6)، أو جوليان سوريل(7)، غالباً ما يحيِّرني بسبب سذاجته وتواضعه. في حين أن طموح نيتشه، أو تولستوي، أو ميلفيل(8)، هو ما يشغل بالي، بسبب إخفاقاتهم، دون غيره.

لا أشعر، في أعماق قلبي، بالتواضع إلّا أمام أشكال الحياة الأكثر بؤساً، أو أمام المغامرات الكبرى للعقل البشري. بين الاثنين يكمن، اليوم، مجتمع مثير للضحك.

أحياناً، خلال افتتاح العروض المسرحية، وهي المكان الوحيد الذي ألتقي فيه بما يسمّى، بوقاحة، علية المجتمع الباريسي، أشعر وكأن القاعة ستختفي، وأن هذا العالم، في الحالة التي يبدو عليها، غير موجود. الآخرون، تلك الشخصيات العظيمة التي تصرخ فوق الخشبة، هم من يبدون حقيقيِّين. ولمواجهة الموقف، لابدَّ، إذن، من تذكُّر أن كلّ واحد من هذا النوع من الجمهور له، أيضاً، موعد مع ذاته؛ أنه يعرف ذلك، وأنه، بلا شكّ، سيتوجَّه إلى موعده بعد قليل. بعدها، على الفور، سيصير أكثر ألفةً. فالوحدة توحِّد أولئك الذين يشتِّتهم المجتمع. مع أخذ هذا بعين الاعتبار، كيف يمكن تملُّق هذا العالم، السعي وراء الامتيازات السخيفة التي يمنحها، والقبول بتهنئة كلّ الكُتّاب على كلّ كتبهم، والشكر العلني للناقد المحابي؟ لماذا محاولة إغراء الخصم؟ وعلى أيّ وجه، بالخصوص، ينبغي استقبال هذه المجاملات، وهذا الإعجاب اللذين يستهلكهما المجتمع الفرنسي – بمشاركة الكاتب، أيضاً، لأنه طرف- كما يُستهلَك شراب بيرنو، والمجلّات العاطفية؟ لا أستطيع القيام بأيّ شيء من كلّ ذلك، وهذه حقيقة. ربَّما يكون في هذا الكثير من الكبرياء السلبي الذي أعرف مداه وقوَّته في نفسي، لكن لو كان هذا وحده؛ أي لو تعلَّق الأمر بغروري، فقط، لكنت -على العكس من ذلك- أظهرت الاستمتاع بالمجاملات عوض أن أجد فيها انزعاجاً متواصلاً. لا، الغرور الذي أشترك فيه مع العاملين في مهنتي، أشعر أنه يتفاعل، بشكل خاصّ، مع انتقادات معيَّنة تحتوي على قدر كبير من الحقيقة. أمام المجاملة، ليس الكبرياء هو ما يمنحني ذلك المظهر الشحيح والجاحد الذي أعرفه جيّداً، ولكنه -علاوةً على اللامبالاة المترسِّخة فيَّ كعجز خِلْقي- إحساس خاصّ ينتابني: «ليس هذا ما أريده…» لا، ليس هذا. لذلك فإن السمعة، كما يقال، يصعب، في بعض الأحيان، تقبُّلها إلى درجة أننا نجد نوعاً من الفرح المتصنَّع في القيام بما قد يؤدِّي إلى فقدانها.

في المقابل، من خلال إعادة قراءة «الظلّ والضياء»، بعد كلّ هذه السنوات، أعلم، بشكل غريزي، أمام بعض الصفحات، ورغم نقص المهارة، حينها، أن هذا هو ما كنت أريده. تلك المرأة العجوز، والفقر، والضوء على أشجار الزيتون في إيطاليا، الحبّ المتوحِّد والمعمور، كلّ هذا يشهد، في نظري، على الحقيقة.

تقدَّمت كثيراً في العمر، منذ الوقت الذي كتبت فيه هذه الصفحات، وعرفت الكثير من الأشياء، تعرَّفت إلى ماهيتي، وعرفت حدودي، وتقريباً كلّ نقاط ضعفي، لكني عرفت القليل عن الناس لأن فضولي انصبَّ على مصائرهم أكثر منه على انفعالاتهم، كما أن المصائر كثيراً ما تتكرَّر. عرفت، على كلّ حال، أنهم موجودون، وأن الأنانية -إذا لم يكن بالإمكان التخلُّص منها- عليها أن تحاول أن تكون متبصِّرة. أن يستمتع المرء بذاته، أمر مستحيل؛ أعلم هذا، رغم المواهب الكثيرة المتوفِّرة لديَّ للقيام بهذا التمرين. إذا كانت الخلوة ممكنة (وهو ما أجهله) فسيكون لنا الحقّ في أن نحلم بها كفردوس. أنا، أيضاً، أحلم بها، أحياناً، لكن ملاكَيْن وديعَيْن منعاني، دائماً، من الدخول؛ أحدهما يُظهر وجه الصديق، فيما الآخر على هيئة العدوّ. نعم. أعرف كلّ هذا، كما تعلَّمت ما يكفي، أو يكاد، ما يكلِّفه الحبّ. لكن، بخصوص الحياة نفسها، لم أتعلَّم أكثر ممّا قيل، بتعثُّر، في «الظلّ والضياء».

كتبت بغير قليل من التشديد، في تلك الصفحات، أن «لا حبّ للحياة دون يأس من الحياة». لم أكن أعرف في ذلك الوقت إلى أيّ حَدّ كان ما قلته صائباً. لم أكن قد عبرت، بعد، أزمنة الإحباط الحقيقي. حلَّت، فعلاً، هذه الأزمنة، ودمَّرت كلّ شيء بداخلي، باستثناء، شهية فوضوية للحياة، خصوصاً. ما زلت أعاني من هذا الشغف الخصب والمدمِّر معاً، والذي يسطع حتى في أحلك صفحات «الظلّ والضياء».

نحن، في الحقيقة، لا نحيا إلّا ساعات قليلة، فقط، من حياتنا، كما يقال. هذا صحيح من ناحية، وخاطئ من ناحية أخرى. فالحماسة التوّاقة، في هذه المقالات، لم تنقطع عني أبداً. وخلاصة القول: إنها الحياة في أسوأ حالاتها، وأحسنها. ربَّما رغبت في تقويم أسوأ ما خلَّفته بداخلي. كما عموم الناس، حاولت، قدر المستطاع، تهديب طبيعتي من خلال الأخلاق؛ وهو ما كلَّفني، مع الأسف، الثمن الباهظ. مع العزيمة، كتلك المتوفِّرة لديّ، قد ننجح، أحياناً، في التصرُّف وفقاً للأخلاق، لكن دون أن نتمكَّن من جعلها أسلوباً في الحياة. عندما يكون المرء رجل شغف، فالحلم بالأخلاق يكون بمنزلة تعريض الذات للظلم في الوقت الذي يُتَحدَّث فيه عن العدالة. أحياناً، يظهر لي الإنسان كأنه آلة للظلم؛ وأفكر في نفسي. فإذا كان لديَّ الانطباع، في هذه اللحظة، بأني أخطأت أو كذبت فيما كنت أكتبه، أحياناً، فذلك لأني لا أعرف كيف أفسِّر، بصدق، ما عرّضت له نفسي من ظلم. بكلّ تأكيد، لم أقلْ، أبداً، إني كنت عادلاً، بل سبق وقلت إنه ينبغي لي، فقط، أن أحاول، وإن ذلك كان مشقَّة وشقاءً. لكن، هل الاختلاف بين القولَيْن كبير إلى هذا الحَدّ؟، وهل يمكن، فعلاً، لمَن لم يُحَكِّم العدل في حياته الشخصية، أن يبشِّر به؟ لو أمكن للمرء، على الأقلّ، أن يعيش، وفقاً للشرف، فضيلة الظالم، لكن عالمنا يعتبر هذه الكلمة داعرة؛ تعتبر كلمة (أرستقراطي) من الشتائم الأدبية، والفلسفية. أنا لست أرستقراطياً، الجواب يوجد في ثنايا هذا الكتاب. ها هم أهلي، وأساتذتي، ونسبي؛ ففيهم ما يوحِّدني معهم جميعاً. مع ذلك، نعم، أنا محتاج للشرف، لأنني لم أسمُ بما يكفي لأستغني عنه.

لا يهمّ! أردت، فقط، أن أشير إلى أني -وإن كنت قد قطعت مسافات طويلة منذ هذا الكتاب- لم أتقدَّم بما فيه الكفاية. غالباً ما كنت أتقهقر كلَّما اعتقدت أني في تقدُّم. مع ذلك، كانت أخطائي، وسذاجتي، وأمانتي، دائماً، تعيدني إلى ذلك المسار الذي دشَّنته مع «الظلّ والضياء»، والذي يمكن تتبُّعه في كلّ ما نشرت فيما بعد، ومازلت أتنعَّم به، أحياناً، في بعض صباحات مدينة الجزائر. لكن، إذا كان الأمر كما أقول، فلماذا رفضت، طيلة هذه المدّة، الإدلاء بهذه الشهادة البسيطة؟ بدايةً، لأن هناك في داخلي مقاومات فنّيّة كما في دواخل الآخرين مقاومات أخلاقية أو دينية. المنع، أو فكرة «لا ينبغي القيام بذلك» الغريبة عني كثيراً، بصفتي شخصاً طُبِع على الحرِّيّة، تحضرني كأسير، أسير مفتتن بتقليد فنِّيّ صارم. ربَّما، أيضاً، هذا الحذر يحدّ من فوضويَّتي المتجذِّرة، لكنه -من ثَمَّ- يظلّ مفيداً. فأنا أعرف اضطرابي، وعنف بعض غرائزي، والإهمال الذي لا هوادة فيه، حيث يمكن أن أرتمي. لكي يسمو العمل الفنّي، عليه أن يستنفد، أوَّلاً، هذه القوى الغامضة للروح، لكن ليس دون توجيهها، وإحاطتها بالحواجز حتى يرتفع منسوبها بما يكفي. وحواجزي، ربَّما، ما تزال عالية، للغاية، إلى حدود اليوم. من هنا، تأتي، في بعض الأحيان، هذه الحدّة… بكلّ بساطة، في اليوم الذي يتحقَّق فيه التوازن بين ما أنا عليه وما أكتبه، يومها، ربَّما، أجرؤ على قول هذا، سأتمكَّن من بناء العمل الذي أحلم به، ما أريد قوله، هنا، هو أنه سيكون مشابهاً، بطريقة أو بأخرى، لـ «الظلّ والضياء»، وأنه سيتطرَّق إلى شكل من أشكال الحبّ. يمكن أن نفهم، إذن، السبب الثاني الذي جعلني أحتفظ بمقالاتي الشبابية هذه، لنفسي. الأسرار الأغلى نفشيها بشكل أخرق وفوضوي، كما نخونها تحت قناع متكلّف جدّاً، في حين يستحسن انتظار اكتساب ما يكفي من المهارة لإعطائها شكلاً واضحاً، دون التوقُّف عن إسماع صوتها، وتعلُّم كيفية إدماج السجية والفنّ بنسَب متساوية، تقريباً؛ أي، في النهاية، أن نكون. هذا يعني القدرة على تحقيق كلّ شيء في الوقت نفسه. في الفنّ، إمّا أن يأتي كلّ شيء في وقت واحد، تقريباً، أو لا شيء يأتي على الإطلاق، فلا نار بدون لهب. وقد صرخ ستاندال، ذات يوم: « لكن روحي نار تتألَّم، إذا لم تلتهب». أولئك الذين يشبهونه في هذه النقطة، لا ينبغي لهم أن يبدعوا إلّا من داخل هذا الاضطرام. من اللهب، تخرج الصرخة فوراً، مخلِّفةً كلمات تردِّد، بدورها، صدى هذه الصرخة. أتحدَّث، هنا، عمّا ننتظره نحن جميعاً. الفنّانون غير واثقين ممّا إذا كنّا كذلك، لكنهم واثقون من أننا لسنا شيئاً آخر غير ذلك، يوماً بعد يوم، لنقبل بدخول معترك الحياة.

لماذا -بما أن الأمر يتعلَّق بهذا الانتظار غير المجدي، ربَّما- الموافقة، إذن، على هذه الطبعة؟ أوَّلاً، لأن بعض القرّاء وجدوا ما يكفي من المبرِّرات لإقناعي بذلك(9). ثم يأتي، دائماً، وقت في حياة الفنّان يتوجَّب عليه فيه تقييم ذاته، والتقرُّب أكثر من مركزها، لكي يحاول، فيما بعد، التشبُّث به.

الأمر كذلك، اليوم، ولست في حاجة لشرح المزيد. فإذا لم أُوَفَّق، رغم كلّ هذه الجهود، في بناء لغة خاصّة، وبعث الحياة في الأساطير، وفي إعادة كتابة «الظلّ والضياء»، فلن أكون قد وُفِّقت في أيّ شيء؛ هذه هي قناعتي الغامضة. وعلى أيّ حال، لا شيء يمنعني من الحلم بأنني سأنجح، ومن تخيُّل أني سأجعل في قلب هذا العمل، الصمت الرائع لأمّ، ومجهود رجل، محاولاً إيجاد الإنصاف أو الحبّ اللازم لتوازن هذا الصمت. هذا هو الرجل الذي يجد في حلم الحياة حقائقه، ثم يفقدها على أرض الموت، كي يعود، أخيراً، عبر الحروب، والصرخات، وجنون العدالة، والحبّ، والألم، إلى هذا الوطن الهادئ، حيث الموت نفسه صمت سعيد. هنا، أيضاً… نعم. لا شيء يمنع من الحلم، ولو في الغربة، بما أنني، على الأقلّ، أعلم علم اليقين، أن عمل أيّ إنسان ليس إلّا هذا المسار الطويل لاسترجاع، عبر مدارات الفنّ، الصورتَيْن أو الثلاث صور؛ البسيطة، والكبيرة التي تفتَّح عليها القلب أوَّل مرّة.

لهذا، ربَّما، وبعد عشرين سنة من العمل والعطاء، لازلت أحيا على فكرة أن عملي لم يبدأ بعد. هذا هو، بالضبط، ما وددت تسجيله هنا، منذ اللحظة التي عدت فيها إلى الصفحات الأولى التي كُتِبت بغرض إعادة نشرها

 

الهوامش

1 – روائي وفيلسوف فرنسي (1897 – 1971). (المترجم)

2 – في كلّ كتاباته وحواراته، كان كامو يتحدَّث عن نفسه باعتباره فنّاناً. (المترجم)

3 – كاتب وفيلسوف فرنسي. صديق الكاتب ومدِّرسه لمادّة الفلسفة خلال المرحلة الثانوية. (المترجم)

4 – شاعر، وصحافي، وفيلسوف أخلاقي فرنسي، عاش خلال القرن الثامن عشر. نُشر عمله الوحيد والأكثر شهرة، بعد وفاته، عام (1795)، تحت عنوان: «أقوال وأفكار، طبائع ونوادر»، مأخوذة من الملاحظات التي تركها مكتوبة بخطّ اليد. (المترجم)

5 – في كلّ كتاباته، يقصد كامو بـ «العربي» كلّ (من) و(ما) هو جزائري، دون تدقيق في أصوله. (المترجم)

6 – شخصية رئيسية في عدّة أجزاء من الكوميديا الإنسانية لـ«أونوغي دو بالزاك». (المترجم)

7 – بطل «الأحمر والأسود» لـ «ستاندال». (المترجم)

8 – هيرمان ملفيل، روائي وكاتب مقالات، وشاعر أمريكي من القرن التاسع عشر. سقط في النسيان بعد وفاته، قبل أن يعاد اكتشافه من خلال تحفته وروايته الأشهر «موبي ديك». (المترجم)

9 – المسألة بسيطة «هذا الكتاب موجود، لكن في نسخ محدودة، تباع بأثمنة باهظة. لماذا من حقّ القرّاء الميسورين، وحدهم، قراءته؟» فعلاً، لماذا؟ (الكاتب).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

سخرية

 

قبل سنتَيْن تعرفت إلى سيِّدة عجوز، مصابة بشلل نصفيّ، اعتقدت أنها ستموت منه. لم يكن لها في هذه الدنيا غير نصفها السليم، فيما أصبح النصف الآخر غريباً عنها. هرمة، مضطربة وثرثارة، أُجبِرت على الصمت والسكون. تظلّ وحيدة لأيَّام طوال. أمِّيّة وضعيفة التفاعل، وهبت كلّ حياتها للربّ. مؤمنة، بدليل أن لها سبحة ومسيح من الرصاص، والقدِّيس يوسف يحمل الطفل يسوع، من الجص. مع عدم يقينها من أن مرضها عضال، كانت تلحّ على ذلك استدراراً للاهتمام، مفوّضة الباقي للربّ الذي كانت مقصِّرة في حبِّه.

في ذلك اليوم، اهتمَّ بها شخص ما. كان شابّاً؛ اعتقد أن هناك حقيقة خفيّة ما، وأن هذه المرأة ستموت، دون أن يشغل نفسه بمحاولة فهم هذا التناقض. لقد اهتمَّ، فعلاً، بغمّ هذه العجوز. هي، من جهتها، أحسَّت بذلك، وكان هذا الاهتمام مكسباً مفاجئاً لها. حدَّثته، بحماس، عن أحزانها، وأنها اقتربت من نهايتها، وأنه يجب إفساح المجال للشباب. هل كانت تشعر بالملل؟ هذا أكيد؛ فلا أحد كان يكلِّمها. كانت، في ركنها، مثل كلب، تفضِّل الموت على أن تكون عالة على أحد ما.

صوتها صار مماحكاً. صوت دَلَّال ومساومة. تفهَّم الشابّ حالتها، لكنه كان يرى أن الاعتماد على الآخرين أفضل من الموت؛ وهذا لا يعني إلّا شيئاً واحداً، ربَّما، هو نفسه لم يكن، أبداً، على مسؤولية شخص ما. فكان يقول لها، بما أنه يرى السبحة بين يديها: «لك الله». لقد صدق، لكنها على هذا المستوى، أيضاً، كانت تتضايق أكثر. فإذا صادف وأطالت في صلاتها، أو إذا تاه بصرها في بعض زخارف النجود، تقول ابنتها: «ها هي ذي تصَلِّي من جديد!. فيمَ يعنيكِ هذا؟ كانت تردّ. فتردّ الابنة: هذا لا يعنيني في شيء، لكنه يثير أعصابي»، فتصمت العجوز، صابّةً على ابنتها نظرات مِلؤها العتاب.

كان الشابّ ينصت إلى كلّ هذا بغمّ شديد وغريب، يضيق به صدره. فتهمهم العجوز: «سترى، عندما تتقدَّم في السنّ، أنها سوف تحتاج هي، أيضاً، لهذا!»

جلس الجميع إلى مائدة العشاء الذي كان الشابّ مدعوّاً إليه. العجوز لا تأكل؛ فالأكلّ عسير على الهضم في المساء. ظلَّت في ركنها، خلف ظهر الشابّ الوحيد الذي أنصت إليها. ولعلمه أنه كان مراقباً، لم يأكل على هواه. كان الوقت يمرّ، ولتمديد هذا اللقاء تقرَّر الذهاب إلى السينما لمشاهدة فيلم مَرِح. قَبِل الشابّ الدعوة دون التفكير في الكائن الكامن وراء ظهره.

قام الجميع إلى المغسلة قبل الخروج. طبعاً، لا مجال لأن ترافقهم العجوز، فإذا لم تمنعها الزمانة وحدها من ذلك، فجهلها سيحول بينها وبين فهم الفيلم. كانت تدَّعي بأنها لا تحبّ السينما. في الحقيقة، هي لا تفهمها. كانت في ركنها مهتمّة بخرزات سبحتها التي تضع فيها كلّ يقينها. الأشياء الثلاثة التي تحتفظ بها تشير إلى النقطة الملموسة حيث يبدأ، عندها، الإيمان. انطلاقاً من السبحة، ومن المسيح أو من يوسف القدِّيس، ومن خلالهم، فتحت فراغاً عميقاً وضعت فيه كلّ أملها.

صار الجميع جاهزين. هاهم يقبِّلون العجوز، ويتمنّون لها أمسيّة طيِّبة. أمّا هي فقد فهمت كلّ شيء، وزمَّت سبحتها، في حركة تنِمّ عن يأس أكثر ممّا تنمّ عن ورع. قبَّلها الجميع. لم يبق غير الشابّ. صافح المرأة بمودّة، واستدار. فيما هي تتابع حركة رحيل الشخص الوحيد الذي حفل لها. لم تكن تريد أن تبقى وحيدة. بدأت، بالفعل، تشعر بهول الوحدة، والأرق الطويل، والخلوة المحبطة. كانت خائفة، معتمدة على الشابّ وحده، ومتعلِّقة به، هو الذي أحاطها ببعض الاهتمام. لم تترك يده، ضغطت عليها، وشكرته بارتباك كي تبرِّر إصرارها. صار الشابّ محرجاً، فيما الباقون بدؤوا، فعلاً، في استعجاله. ينطلق العرض على الساعة التاسعة، وينبغي الوصول باكراً لتجنُّب الانتظار عند شبّاك التذاكر.

أمّا هو، فكان يشعر بأنه أمام أفظع محنة عاشها؛ محنة سيِّدة عاجزة يُتخلَّى عنها من أجل السينما. أراد أن يتوارى، لا يريد أن يفهم، حاول سحب يده. لمدّة ثانية، شعر بكراهية شديدة نحو هذه العجوز، وفكَّر في صفعها بكلّ ما أوتي من قوّة.

تمكَّن، في النهاية، من الانسحاب والمغادرة فيما المريضة، وهي تحاول القيام، معتمدةً على كرسيها، ترى، برعب، تلاشي اليقين الوحيد الذي ارتاحت له، فلا شيء صار يحميها ساعتها. في استسلامها المطلق لفكرة موتها، لم تكن تعلم، بالضبط، ما الذي يخيفها، لكنها كانت تشعر بأنها لا تريد أن تبقى وحيدة، فنَذْر النفس للربّ عَزَلها عن الناس، وجعلها وحيدة. لم تكن تريد هذه العزلة؛ لذلك أجهشت بالبكاء.

كان الآخرون قد وصلوا إلى الشارع. استحوذ على الشابّ ندم شديد. رفع عينيه نحو النافذة المضاءة.. عين كبيرة جامدة في المنزل الصامت، أنامت العين. قالت ابنتها: « تطفئ النور، دائماً، عندما تكون وحيدة. تحبّ أن تبقى في العتمة».

***

كان العجوز مزهوّاً، يقطِّب جبينه. يتصنَّع الحكمة، رافعاً سبّابته، ويقول: « أنا، كان أبي يعطيني خمس فرنكات في الأسبوع، لأستمتع بها حتى السبت الموالي. ومع ذلك، كنت أجد سبيلاً لادّخار بعض المال. فلزيارة خطيبتي كنت أتمشّى في الريف أربع كيلومترات، ذهاباً وإياباً. نعم، أنا أقولها لكم: شباب اليوم لا يعرف كيف يستمتع». كانوا متحلِّقين حول مائدة مستديرة؛ ثلاثة شبّان، وهو العجوز. كان يروي مغامراته البائسة؛ تفاهات يرتقي بها، وإحباطات يمجِّدها. لا يترك أيّ مجال للصمت في حديثه، ويتعجَّل في قول كلّ ما لديه قبل أن ينفض الجمع من حوله. يحتفظ من ماضيه بما يظنّه قد يمسّ مستمعيه. عيبه الوحيد أنه يحبّ أن يجد من يستمع إليه؛ كان يتجنَّب ملاحظة النظرات المتهكِّمة والتعاليق الساخرة. هو، بالنسبة إليهم، العجوز، الذي كان كلّ شيء على ما يرام في زمانه، فيما هو يعتقد أنه الجدّ المحترم الذي تزيده التجربة أهمِّيّةً. الشباب لا يعلم أن التجربة إخفاق، وأنه يجب فَقْد الكثير من أجل فهم القليل. الشيخ عانى كثيراً، لكنه لا يتحدَّث عن ذلك. بالنسبة إليه، من الأفضل الظهور بمظهر سعيد، وإذا كان هذا التصرُّف خاطئاً، فإن خطأه سيكون أكبر لو حاول التقرُّب إلى الناس من خلال مآسيه. ما أهمِّيّة مآسي رجل عجوز إذا كانت الحياة تأخذك بالكامل؟ كان يتكلَّم ويتكلَّم، ويتيه بتلذُّذ في بُحّة صوته المكتوم، لكن هذا لا يمكنه أن يستمرّ. فسعادته تنذر بنهايتها، وانتباه متتبعيه في تراجع. لم يعد مسلِّياً البتة؛ صار عجوزاً فحسب، فيما الشباب يفضلون البليار، وألعاب الورق التي لا تشبه العمل الغبي لكلّ يوم.

سرعان ما أصبح وحيداً، رغم مجهوداته وأكاذيبه ليجعل حكاياته أكثر جاذبيّةً. تفرَّقَ الشباب من حوله دون أيّة مراعاة لعواطفه. المريع في الشيخوخة هو أن يكون المرء وحيداً، لا يجد من يستمع إليه، يُحكَم عليه بالصمت والعزلة. وبهذه الطريقة، يتمّ إخباره أن أجله قريب. عجوز على حافّة الموت، هو عديم الجدوى. إنه مكَدَّر ومخاتل، فليرحل، أو ليصمت، على أقلّ اعتبار. أمّا هو فيتألَّم لأن صمته يجعله يتذكَّر شيخوخته. مع ذلك، نهض ورحل مبتسماً لكلّ من حوله، لكنه لم يصادف غير وجوه لامبالية، يهزّها مرح، لا حَظَّ له منه. قال أحدهم ساخراً: «لا أنكر أنها عجوز، لكننا، أحياناً، في القدور البالية، نحضِّر ألذَّ حساء». عقَّبَ آخر بنبرة أكثر جدِّيّة:«نحن لسنا أغنياء، لكننا نأكل جيّداً. حفيدي يأكل أكثر من والده؛ فإذا كان الوالد يلزمه رطل من الخبز، فالحفيد يلزمه كيلوغرام كامل، الشيء نفسه بالنسبة إلى النقانق وجبنة الكامومبير. أحياناً، حين ينتهي، يردِّد: «هام! هام». ثم يستمرّ في الأكل». يبتعد العجوز. بخطوات بطيئة وصغيرة كحمار العمل الشاقّ، سار على طول الأرصفة الغاصّة بالناس، معكَّر المزاج، دون رغبة في الرجوع إلى المنزل. عادةً، كان يحبّ العودة إلى المائدة ومصباح الغاز والصحون التي تتلمّسها أنامله، وتتعرَّفها، كما كان يحبّ العشاء الصامت، وزوجته الهرمة جالسة أمامه، ولقيمات الطعام الملوكة ببطء شديد. رأس فارغة، وعينان مثبَّتتان وباردتان. الليلة، لن يعود إلى البيت إلا متأخِّراً. سيجد عشاءه في مكانه بارداً، والعجوز قد نامت، دون قلق، بما أنها متعوِّدة على سهراته الطارئة. كانت تقول: «إنه غريب الأطوار»، فكأنها قالت كلّ شيء.

يسير بإصرار خفيف، عجوزاً وحيداً. في نهاية العمر، تتمظهر الشيخوخة كحالة غثيان. كلّ شيء يفضي إلى عدم الانتباه له. يتمشّى، يلفّ عند زاوية زقاق، يتعثَّر فيوشك على السقوط. الأمر سخيف، لكن، ما العمل؟ على الرغم من كلّ شيء، هو يحبّ الخارج، بدل تلك الساعات التي يقضيها في البيت، وقد حجبت عنه الحمّى زوجته في غرفة النوم. في بعض الأحيان، حين يكون وحيداً في البيت ينفتح الباب ببطء، يبقى موارباً للحظة. يدلف رجل بملابس، يجلس مقابلاً له، في صمت، لدقائق طويلة، بدون حراك، كما الباب، من حيث دخل. من وقت إلى آخر، يمرّر يداً على شعره، يتنهَّد بهدوء. يحدّق إليه زمنا طويلاً بالنظرة المثقلة بالحزن نفسها، ثم يغادر في صمت. خلفه، يتردَّد صوت المزلاج. العجوز، ظلّ هناك مرعوباً، وفي جوفه خوف بطعم المرارة والألم. أمّا في الشارع، فلا يكون وحيداً، رغم قلَّة من يقابلهم. حرارته تطربه، خطوه الصغير يتسارع، يخاطب نفسه: «غداً سيتغيَّر كلّ شيء، غداً. قبل أن يكتشف، فجأةً، أن الغد يشبه اليوم، وكذلك بعد الغد، وكلّ يوم. حقيقة لا رجعة فيها تسحقه. مثل هذه الأفكار هي ما يقتل، وإذا لم يتمكَّن الإنسان من تحمُّلها ينتحر، أمّا إذا كان في سنّ الشباب، فإنه يصنع منها نصوصاً.

عجوز، مجنون، نشوان، ستكون نهايته وقورة، منتحبة، باهرة. ستكون ميِّتة ناجحة، أعني في معاناة. سيكون هذا بمنزلة عزاء له. لكن، أين المفرّ؟ لقد شاخ بلا رجعة. الناس يبنون للشيخوخة القادمة. لهذه الشيخوخة التي يتكالب عليها كلّ ما هو عضال، يقدِّمون فراغاً يجعلهم عُزّلاً. كلّ واحد منهم يريد أن يشغل منصب رئيس عمّال من أجل تقاعد في فيلا صغيرة. لكن، حين يتقدَّم بهم العمر، يكتشفون أنهم قاموا بالاختيار الخطأ؛ فهم في حاجة إلى الناس لحماية أنفسهم. أمّا هو فلم يكن في حاجة إلّا لمن ينصت إليه؛ حتى يستيقن من استمراره على قيد الحياة. الطرقات صارت أكثر ظلمة، وأقلّ حركة. فيما أصوات المارّة لازالت تتردَّد، لتصبح أكثر وضوحاً في هدوء المساء. خلف الروابي التي تسيِّج المدينة، ما تزال هناك بقايا من شفق. خلف القمم المُحرَّجة، ينهض دخان كثيف مجهول المصدر، متثاقلاً ومدرّجاً. أغمض الشيخ عينيه، وحيداً، حائراً، ومجرّداً إزاء الحياة التي تجرف من المدينة هديراً، ومن السماء ابتسامة لا مبالية. بدا كأنه قد مات.

هل من الضروري الحديث عن الوجه القبيح لهذه اللوحة الجميلة؟ يمكننا أن نتخيَّل أن العشاء كان جاهزاً، والمرأة العجوز تحضِّر المائدة في غرفة قذرة ومظلمة، جلست، ثم نظرت إلى الساعة، انتظرت قليلاً، بدأت في تناول الطعام بشهيّة. كانت تفكِّر: «إنه غريب الأطوار»، فبدت كأنها قالت كلّ شيء.

***

كانوا خمسة أفراد يعيشون مجتمعين؛ الجدّة، وابنها الأصغر، وابنتها الكبرى، وابنيها. الابن أبكم، والبنت معوَّقة، تفكِّر بصعوبة. أحد الابنين يعمل في شركة تأمين فيما الأصغر يتابع دراسته. في سنّ السبعين، مازالت الجدّة تهيمن على كلّ شيء. فوق سريرها يمكن رؤية صورة لها، حيث تظهر أصغر بخمس سنوات، منتصبةً في فستان أسود جُمِع طوقه برصيعة، من دون أيّ غضن، بعينين كبيرتَيْن، صافيتَيْن وباردتَيْن. كانت على تلك الهيئة المهيبة التي لم تتخلَّ عنها إلّا بفعل التقدُّم في السنّ، والتي كانت تحاول تداركها، أحياناً، في الخارج.

لهاتَيْن العينَيْن الصافيتَيْن، عند حفيدها، ذكرى لا يزال يخجل منها. كانت الجدّة تنتظر زيارة الأقارب لتسأله، بنظرة شاخصة وقاسية: «من تحبّ أكثر؛ أمّك أم جدَّتك؟». تصبح اللعبة أكثر تعقيداً في وجود الأمّ نفسها، ففي جميع الحالات، يردّ الابن: «جدَّتي»، وفي قلبه دفق حبّ كبير لهذه الأمّ الصموت، التي كانت تردّ على استغراب الزوّار: «يفضِّلها؛ لأنها هي التي ربَّته». لكن، أيضاً، لأن العجوز تعتقد أن الحبّ شعور قسري. إحساسها بكونها ربّة أسرة فاضلة كان يجعلها صلبة وغير متسامحة، فهي لم تخنْ زوجها، قطّ، وأنجبت له تسعة أبناء، وبعد وفاته رعت أسرتها الصغيرة بهِمّة. حين تركوا مزرعتهم في الضاحية، جنحوا إلى حَيّ قديم وفقير، عاشوا فيه لفترة طويلة.

في الواقع، هذه المرأة لم تعدم بعض المزايا. أمّا بالنسبة إلى حفيدَيْها اللذين كانا في سنّ الأحكام المطلقة، فلم تكن أكثر من ممثِّلة، فقد عرفوا، عن طريق أحد أخوالهم، قصّة مثيرة. إذ عند قدومه لزيارة حماته، ذات يوم، رآها من الشارع ساكنة عند النافذة، لكنها استقبلته وفي يدها خرقة النظافة، واعتذرت من أجل مواصلة عملها، بسبب ضيق الوقت الذي تسبِّبه لها أشغال البيت. في الواقع، كان كلّ شيء عندها كذلك، بالفعل، فقد كانت تفقد وعيها عقب كلّ نقاش عائلي، بسهولة بالغة. تعاني من تقيُّؤ مؤلم ناتج عن مرض في الكبد، ولم تراعِ أيَّ تكتُّم في ممارسة ذلك، فعوضاً عن الانعزال والتستُّر، كانت تتقيَّأ بصخب في صفيحة نفايات المطبخ، قبل أن تعود شاحبة، دامعة العينين من الإجهاد. كلَّما ترجَّوها لأخذ قسط من الراحة، تذكِّرهم بما ينتظرها في المطبخ، وبالمكانة التي تحتلّها في تدبير أمور البيت: «أنا من أقوم بكلّ شيء هنا». وتضيف: «كيف سيكون حالكم من دوني!».

اعتاد الأطفال على عدم الاكتراث لتقيُّئها، «نوباتها» كما كانت تقول، ولا لتبرُّمها. في يوم من الأيّام، لزمت الفراش، وطلبت عيادة طبيب. أتوا به لمحاباتها، فحسب. في اليوم الأوَّل، شخص الطبيب تعباً عاديّاً، وفي اليوم الثاني قال إنه سرطان كبد، وفي اليوم الثالث، قال إنه يرقان متقدّم. لكن الطفل الأصغر ظلّ يصرّ على أن الأمر يتعلَّق بتمثيلية جديدة، محاكاة متقنة. لم يقلق حيالها نهائيّاً. هذه المرأة اضطهدته بما يكفي لجعله غير متشائم، بخصوص ما يستجدّ أمامه. هناك نوع من الشجاعة اليائسة في الوضوح، ورفض حبّ أحد ما. لكن أن تتصنَّع المرض، هذا ما لا يمكن إخفاؤه. دفعت الجدّة بالمحاكاة حَدّ الموت. في اليوم الأخير، وبمساعدة أبنائها، تحرَّرت من التخمُّر المعوي. خاطبت حفيدها بتودُّد: «أرأيت؟ تخرج الغازات مني كخنزير صغير». بعدها بساعة، فارقت الحياة.

بالنسبة إلى حفيدها، أصبح واضحاً أنه لم يستوعب ولو جزءاً بسيطاً من المسألة. لم يستطع التخلُّص من فكرة أن هذه المرأة قد قامت أمامه بآخر تمثيلياتها، وأقطعها. إذا تساءل عمّا شعر به، حينها، من ألم، فلن يجد أيّ شيء منه. في يوم الجنازة، فقط، بكى، لكن بسبب فورة الدموع الجماعية، وخشية ألّا يكون صادقاً أمام الفقيدة. كان ذلك في يوم شتوي جميل، تخترقه أشعة الشمس. في زرقة السماء، يمكن تخيُّل درجة القَرَس المنمَّق بلون أصفر. كانت المقبرة تشرف على المدينة، ويمكن رؤية الشمس الجميلة الشفافة تأفل، عند الخليج المترنّح من الضوء، كشفة نديّة.

***

كلّ هذا لا يستقيم؟ الحقيقة المرّة: سيّدة يُتخلَّى عنها من أجل سهرة سينمائية، رجل عجوز لا أحد يريد أن ينصت إليه، وموت لا يكفِّر عن أيٍّ من الخطايا. على الجهة الأخرى، كلّ ضوء العالم. ماذا سيحدث لو قبلنا بكلّ شيء؟ هذه ثلاثة أقدار متشابهة، لكنها -مع ذلك- مختلفة. الموت للجميع، لكن لكلّ واحد ميتته. على كلّ حال، لا تزال الشمس تدفئ عظامنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

بين (نعم) و(لا)

 

إذا كان صحيحاً أن الجنان الممكنة، هي تلك التي فقدناها، فإني أدرك حقيقة هذا الشيء الناعم والخارق الذي يسكنني اليوم. الغريب يعود إلى وطنه، وأنا إلى ذكرياتي. سخرية، توتُّر، صمت يعلو كلّ شيء، وهأنذا قد عدت إلى الأصل. لا أريد أن أجترّ الحديث عن السعادة. هذا أخفّ وأيسر بكثير؛ لأنني، من تلك اللحظات التي أستلّ من أعماق النسيان، احتفظت، على وجه الخصوص، بذكرى بكر لمشاعر خالصة، للحظة معلَّقة في الخلود. حقيقتي الوحيدة، تلك الحقيقة التي لا أتذكَّرها إلا متأخِّراً دائماً. نحن نحبّ التصرُّفات المهذَّبة، ومتعة الشجرة في مجالها. ولكي نعيد خلق كلّ هذا الحبّ، قد لا نملك إلّا أمراً واحداً، لكنه يكفي. رائحة غرفة ظلَّت مغلقة منذ زمن بعيد، الصوت المتفرِّد لخطى على الطريق. هذا ما جرى معي، وماذا لو بحبِّي لذاتي صرت، فعلاً أنا، بما أن الحبّ وحده الكفيل بأن يعيدنا إلى ذواتنا؟

تعود تلك اللحظات قويّة بقدر بطئها، ومؤثِّرة بقدر هدوئها وجدِّيَّتها. المساء يوحي بالكآبة، وبرغبة غامضة في السماء المعتمة. كلّ حركة أستعيدها تكشفني أكثر أمام ذاتي. قيل لي، ذات يوم: «الحياة صعبة للغاية.» وأذكر جيِّداً النبرة التي قيل لي بها ذلك. في وقت آخر، همس لي أحدهم: « أسوأ الخطايا هي أن تكون السبب في معاناة أحد ما». حين ينتهي كلّ شيء، يرتوي ظمأ الحياة. هل هذا هو ما نسمِّيه السعادة؟ بينما نسير على طول هذه الذكريات، نغُمُّ كلّ شيء تحت ثوب متكتِّم، فيظهر لنا الموت كخلفيّة من ألوان ذابلة. نعود أدراجنا، نشعر بضيقنا، فنحبّ ذواتنا أكثر. نعم، ربَّما كانت هذه هي السعادة، الإحساس الرئيف بشقائنا.

ذاك المساء، في المقهى العربي، عند أقصى المدينة العربية، أتذكَّر.. لم تكن لحظة سعادة مضت بل شعوراً غريباً. كان الليل قد حَلّ. على الحائط، أُسُود صفراء تجري خلف شيوخ بملابس خضراء، بين نخل ذي خمسة سعوف. مصباح غازي يصدر ضوءاً متقطِّعاً في أحد أركان المقهى، فيما الضوء الحقيقي يصدر من الموقد، أسفلَ فرن صغير تزيّنه مينا من الأخضر والأصفر. اللهب ينير وسط الغرفة، تلفح ومضاته وجهي. أمامي الباب المطلّ على الخليج. صاحب المقهى رابض في ركن، يرمق كأسي الفارغة، وورقة نعناع في قاعها. القاعة خالية، ضوضاء المدينة تصل من أسفلها، وأضواء الخليج تظهر من بعيد. أسمع العربي يتنفَّس بصعوبة بالغة، وعيناه تلمعان في الضوء الخافت. هل هو صوت البحر يأتي من بعيد؟ العالم يتنهَّد في وجهي، بإيقاع طويل، ويجلب لي اللامبالاة والسكينة الخالدة، انعكاسات حمراء كبيرة تحرِّك الأُسُود على الجدران. يصبح الهواء منعشاً. صوت صفارة من الشاطئ. المنارات بدأت في الدوران؛ ضوء أخضر، وآخر أحمر، وآخر أبيض. يستمرّ العالم في تنهُّداته الطويلة. نوع من الغناء الخفيّ يولد من هذه اللامبالاة. وهأنذا قد أُعِدت إلى الوطن. أفكِّر في طفل عاش في حَيّ فقير. ذلك الحيّ، تلك الدار، لم يكن فيها غير طابق واحد وسلالم غير مضاءة. إلى حدود الآن، بعد سنوات طوال، مازال بإمكان الطفل العودة إلى هناك، ولو ليلاً. يعلم أن بإمكانه صعود الدرج بأقصى سرعة، دون أن يتعثَّر ولو مرّة واحدة. جسده هو الآخر مشبع بهذا البيت. ساقاه تحتفظان بالقياس الدقيق لارتفاع السلالم. يده تحتفظ برعب غريزي من الدرابزين، لم يتمكَّن، أبداً، من هزمه؛ كان ذلك بسبب الصراصير.

في مساءات الصيف، يخرج العمّال إلى الشرفات. أمّا الطفل فلم تكن له غير نافذة صغيرة جدّاً. لذلك كانوا يُخرِجون الكراسي أمام البيت لتنسُّم المساء؛ الشارع، وبائعو المبرّدات، والمقاهي المقابلة، وضوضاء الأطفال وهم يركضون من باب إلى آخر، والسماء التي كانت تظهر بين أشجار اللبخ العملاقة، بشكل خاصّ. في الفقر عزلة، لكنها تلك العزلة التي تعطي كلّ شيء ما يستحقّه من قيمة. عند درجة معيَّنة من الثراء، تصبح السماء نفسها، والليالي المرصَّعة ممتلكات عاديّة. أمّا عند أسفل السلم، فتستُرجِع السماء كلّ معانيها؛ نعمة لا تقدَّر بثمن. ليالي الصيف ألغاز تكتنفها النجوم! خلف الطفل ممرّ نتن، وكرسيه الصغير المهترئ، يغرق تحته، لكنه كان يشرب من قلب الليل النقي كلَّما رفع عينيه. أحياناً، يمرّ ترام كبير وسريع، ثم يدندن سكِّير ثَمِل في ركن زقاق، دون تشويش على الصمت السائد.

أمّ الطفل كانت تظلّ صامتة، هي، أيضاً، ذات ظروف معيَّنة، يسألونها: « فيمَ تفكِّرين؟». «في لا شيء»، كانت تجيب، وهي صادقة. هذا كلّ شيء، ولا شيء. حياتها، اهتماماتها، وأبناؤها يكتفون بالحضور، حضور عادي لاتكاد تشعر به. كانت عاجزة، تجد صعوبة في التفكير. لها أمّ فظّة ومهيمنة، تضحّي بكلّ شيء من أجل كبرياء غريزي هشّ، هيمَنَ، لمدّة طويلة، على نفسية ابنتها المهزوزة. بعد أن حرَّرها الزواج، عادت طيّعة، عقب وفاة زوجها الذي مات في ميدان الشرف، كما يقال. في مكان بارز يظهر، في إطار مذهبَّ، صليب الحرب، والوسام العسكري. كما تحتفظ الأرملة، التي تخلَّصت من حزنها منذ مدّة طويلة، بشظيّة من القذيفة، عُثِر عليها في أشلائه، وبعثها إليها المستشفى. نسيت زوجها، لكنها مازالت تتحدَّث عن والد أبنائها. لتربيتهم، تعمل وتمنح أجرتها لأمِّها، التي تربِّيهم بوحشية. حين تضرب الجدّة بقوّة، تخاطبها ابنتها: «لا تضربي على الرأس»؛ لأنهم أطفالها، وهي تحبُّهم كثيراً. تحبُّهم بشكل لم ينكشف لهم، أبداً. أحياناً، كما في تلك المساءات التي يتذكَّرها، بعد عودتها منهكة من العمل (كانت تقوم بالأعمال المنزلية)، تجد البيت خالياً. العجوز في مشاويرها، والأطفال في المدرسة. تتكوَّم على كرسي، عيناها تائهتان، تهيم في ‏ملاحقة الخطوط المتداخلة على أرضية الغرفة الخشبية. حولها، تتمدَّد العتمة، حيث الصمت كدر لا نهاية له. ‏ لحظتها، دخل الطفل، مَيَّز الظلَّ النحيف ذا الكتفَيْن الضامرَيْن، ثم توقَّف؛ إنه خائف. بدأ يستشعر الكثير من الأشياء. بصعوبة، شعر بوجوده هو نفسه، تتملَّكه رغبة في البكاء أمام هذا الصمت البهيم. ‏هل كونه يشفق على أمِّه يعني أنه يحبُّها؟ لم يسبق لها أن داعبته، بما ‏أنها لم تعرف ذلك أبداً، ثم تأمَّلها لدقائق طويلة. من شعوره بالغربة عنها، أدرك مدى الألم الذي يحسّ به. لم تشعر بوجوده لأنها كانت صمّاء. بعد قليل، ستعود الجدّة، وستنبعث الحياة؛ الضوء الدائري لمصباح الكيروزين، ومفرش الطاولة المشمَّع، والصراخ والكلمات البذيئة. لكن هذا الصمت يمثِّل، الآن، هدنة، لحظة يصعب قياسها. ولأن الطفل يرى ما حوله غامضاً، يعتقد أن في هذا الاندفاع الذي يسكنه حبّاً لأمِّه. طبعاً، يجب أن يشعر بهذا الحبّ؛ فهي في نهاية الأمر أمّه.

هي لا تفكِّر في أيّ شيء. في الخارج، الضوء والضوضاء، وهنا صمت الليل. الطفل سوف يكبر ويتعلَّم، سيعتنون به، وعليه أن يكون ممتنّاً، كما لو أنهم كانوا يحمونه من الألم. أمّا أمّه فستبقى، دائماً، على صمتها. هو سوف ينمو في ألم، وأن يكون رجلاً هذا هو الأهمّ؛ فجدَّته ستموت ثم أمَّه، ثم هو.

انتفضت الأمّ في مكانها. كانت خائفة. بدا كأبله وهو يراها على هذه الحالة. عليه الانصراف، الآن، لإنجاز تمارينه. قام، وهو طفل، بواجباته. هو اليوم في مقهى حقير. ‏لقد صار رجلاً. أليس هذا ما يهمّ؟ لا ينبغي تصديق ذلك، بما أن تحمُّل الالتزامات، وتقبُّل بلوغ سنّ الرجولة لا يقود إلَّا إلى الشيخوخة.

العربي، لا يزال مقعيّاً في ركنه، يلفّ ذراعيه حول ركبتيه. رائحة البنّ المحمّص المصحوبة بثرثرة حادّة من الشباب، تتصاعد من الأرصفة. قاطرة تصدر صوتها الخفيض والهادئ. هنا، كما كلّ يوم، ينتهي العالم، ومن كلّ آلامه التي لا حدود لها، لا يبقى أيّ شيء، الآن، غير هذا الوعد بالوئام.

اللامبالاة الغريبة لهذه الأمّ! وحدها، العزلة الشديدة عن العالم، تعطيني مقياساً لها. ذات مساء، استُدعِي ابنها الذي أصبح راشداً ليبقى بجانبها. هلع تسبَّب لها في ارتجاج دماغي حادّ. كان من عادتها أن تجلس في الشرفة مساءً. جلست على كرسي، ووضعت فمها على حديد الشرفة البارد والمالح، تراقب مرور الناس. ‏خلفها، تتمدَّد عتمة الليل رويداً رويداً. أمامها، تنوَّرت المتاجر فجأةً. عجَّت الطريق بالناس والأضواء. كانت تائهة في استغراق بلا هدف. في تلك الليلة، برز رجل من خلفها، سحبها، عَنَّفها، ثم فَرَّ هارباً عندما سمع صراخاً. لم ترَ أيّ شيء ممّا حدث، ثم أغمي عليها. كانت ممدَّدة عندما وصل ابنها، الذي قرَّر -بناءً على رأي الطبيب- أن يقضي الليلة معها. تمدَّد على السرير، بجانبها، ‏مفترشاً الأغطية، وكان الفصل صيفاً. ظلّ الخوف الناجم عن الحادث يترَّدد في الغرفة الدافئة. وقع أقدام، وصرير أبواب. في الهواء المثقل تطفو رائحة الخلّ الذي استُعمِل في إنعاشها. أمّا هي فكانت تتقلَّب، وتئنّ، وتفزّ فجأةً، في بعض الأحيان. تسحبه من غفواته القصيرة مبلَّلاً بالعرق. يلقي نظرة على الساعة حيث تتراقص شعلة المصباح ثلاث مرّات، ثم يسقط مجدَّداً في غفوته. لم يدرك كم كانا وحيدَيْن، في تلك الليلة، إلّا بعد ذلك بكثير. وحدهما في مواجهة الجميع. في الوقت الذي كانا يستنشقان فيه الحمّى كان «الآخرون» يغطّون في نومهم. في هذا البيت القديم، بدا كلّ شيء منخوراً. ترامات منتصف الليل تحمل معها، وهي تبتعد، كلّ الرجاء الذي يأتي من الناس، وكلّ اليقين الآتي من ضجيج المدن. يستمرّ الصدى في المنزل، ثم يخبو كلّ شيء، تدريجيّاً. لم يتبقَّ غير حقل كبير من الصمت حيث كان يتصاعد، في بعض الأحيان، الأنين المرعوب للمريضة. أمّا هو فلم يشعر، قطّ، بمثل هذا الضياع.

تلاشى العالم ومعه الوهم بأن الحياة تتجدَّد كلّ يوم. لا شيء عاد موجوداً؛ لا دراساتٍ أو طموحاً، لا اختياراً لمطعم أو أفضليّةً لألوان. لا شيء غير المرض والموت حيث وجد نفسه غارقاً… مع ذلك، في الوقت الذي كان فيه كلّ شيء ينهار، استمرّ هو على قيد الحياة، بل تمكَّن من النوم، لكن ليس دون أن يأخذ معه الصورة المحبطة والناعمة لشخصَيْن في عزلة. لاحقاً، بعد ذلك بمدّة طويلة، لابدَّ أن يتذكَّر هذه الرائحة؛ مزيج العرق والخلّ. ويتذكَّر اللحظة التي شعر فيها بالمشاعر التي تربطه بوالدته. كأنها الشفقة الهائلة لقلبها، وقد انتشرت حوله، وتجسَّدت أمامه، تلعب، بجدِّيّة، ودون أدنى خداع، دورَ المرأة المسنّة الفقيرة ذات المصير المثير للشفقة.

النار تخبو تحت الرماد، في الموقد. تستمرّ الأرض في تنهُّدها. دربوكة تُسمِع دقّاتها المتقطِّعة. يرافقها صوت ضحكة مكتومة. الأضواء تتقدَّم نحو الخليج؛ مراكب الصيد تعود إلى المرفأ.

المثلَّث الذي يظهر من السماء، من موقعي، تخلَّص من غيوم النهار، مرصَّعاً بالنجوم، يرتجف تحت أنفاس صافية، وأجنحة الليل الصامتة ترفرف بهدوء حولي. إلى أيّ مدى ستمتدّ هذه الليلة، التي لم أعد فيها ملكاً لنفسي؟ هناك حكمة خطيرة في كلمة البساطة. والليلة، أتفهَّم أن المرء قد يرغب في الموت لأنه، في ضوء شفافية معيَّنة للحياة، لا شيء يهمّ. رجل يكابد ويتحمَّل مأساةً بعد أخرى، يصطبر عليها، يطمئنّ لمصيره. الكلّ يحترمه، ثم، ذات مساء، لا شيء؛ التقى صديقاً أحبَّه كثيراً، وهذا الأخير كلَّمه بشرود. عند عودته إلى المنزل، انتحر الرجل. ثم نتحدَّث عن الأحزان الحميمة والمآسي الخفيّة لا، وإذا كان لابدَّ من سبب ما، فقد انتحر لأن صديقاً تحدَّث إليه غير مكترث به؛ لذلك كلَّما ظننت أني أختبر المعنى العميق للعالم، وجدت أن بساطته هي ما يثيرني. أمّي.. ذاك المساء، ولامبالاتها الغريبة.

في وقت ما، عشت في (فيلا) في الضواحي، وحيداً، رفقةَ كلبٍ وزوج من القطط وصغارهما. لم تتمكَّن القطّة من إطعام صغارها. كانوا يموتون الواحد تلو الآخر. ملؤوا المكان بالقاذورات. كلّ مساء، عند عودتي إلى البيت، أجد أحدها متصلِّباً ومنقبض الشفتَيْن. في أحد المساءات، وجدت آخر الصغار وقد أكلت القطة الأم نصفه. بدأ بالتعفُّن. اختلطت رائحة الموت بالبول. جلست وسط هذا البؤس، يدي في القمامة، أستنشق رائحة العفن، أراقب الشرر المجنون والبرّاق في العينَيْن الخضراوَيْن للأمّ الجامدة في أحد الأركان. نعم، كان الأمر كذلك ذاك المساء. عند درجة معيَّنة من القفر، لاشيء يؤدِّي إلى أيِّ شيء. لا الأمل ولا اليأس لهما ما يبرِّرهما. والحياة كلُّها تتلخَّص في صورة. لكن، لماذا تتوقَّف عند هذه النقطة بالذات؟ الأمر بسيط، كلّ شيء بسيط، في أضواء المنارات، أخضر وأحمر وأبيض؛ في نداوة الليل والروائح المتصاعدة نحوي، من المدينة، ومن القاذورات.

إذا كنت أسترجع صورة من هذه الطفولة، هذا المساء، فكيف لا أستوعب درس الحبّ والفقر الذي يمكن أن أستخلصه منها؟ بما أن هذه اللحظة هي بمنزلة فسحة بين (نعم) و(لا)، فإني أترك، لساعة، أخرى، الاختيار بين حبّ الحياة، والنفور منها. أجل، تحصيل صفاء وبساطة الجنان المفقودة، لا غير؛ في صورة واحدة. هكذا، ومنذ زمن غير بعيد، في منزل بحيِّ قديم، ذهب ابنٌ لزيارة والدته. جلسا متقابلَيْن، في صمت، لكن حين تلتقي نظراتهما:

– ماذا هناك أمّي؟

– لا شيء.

– هل تشعرين بالملل؟ ألا أتكلَّم بما يكفي؟

– « لم تكن، أبداً، كثير الكلام». تقولها وابتسامة جميلة وصادقة تذوب على وجهها. كان ما قالته صحيحاً، فهو لم يحادثها أبداً. لكن، في الحقيقة، ما الحاجة إلى ذلك؟ في الصمت، تصبح الصورة أكثر وضوحاً. هو ابنها، وهي أمّه. يمكنها أن تقول له: «أنت تعلم هذا». تجلس على حافّة الأريكة، جامعةً رجلَيْها، ويداها مثبَّتتان عند ركبتَيْها. هو، على كرسيِّه، قلَّما ينظر إليها، يدخِّن بلا انقطاع. يحفّ بهما الصمت.

– لا ينبغي أن تدخِّن بهذا الشكل.

– فعلاً.

كلّ ما يقع في الحيّ يصل عبر النافذة: صوت الأكورديون القادم من المقهى المجاور، حركة المرور التي تتسارع في المساء، رائحة أسياخ الشواء التي تُقَدَّم رفقة خبز متمغِّط، طفل يبكي في الشارع. تنهض الأمّ وتستأنف الحياكة. أصابعها متيبِّسة بسبب التهاب المفاصل. تعمل ببطء، تعيد الغرزة نفسها ثلاث مرّات، أو تفتق صفاً كاملاً في خشخشة مكتومة.

إنها صدرية صغيرة، سأرتديها مع ياقة بيضاء، و‏ستكونان رفقة معطفي الأسود؛ ردائي الشتوي.

ثم قامت لتشعل النور.

«الليل يقبل باكراً الآن»، كان الفصل بين ما بعد الصيف ‏وما قبل الخريف. صوت طائر السمام يتردَّد في السماء الهادئة.

– هل ستعود عمّا قريب؟

– لكني لم أرحل بعد. لماذا تطرحين هذا السؤال؟

– لا شيء. فقط، كي أكسر الصمت. (يمرّ ترام، ثم سيارة).

– هل صحيح أني أشبه والدي؟

– أوه جدّاً. طبعاً، أنت لم تعرفه. كنت في شهرك السادس حين توفِّي. فقط، لو كان لك شارب صغير!

تكلَّم ‏عن والده لأجل الكلام فحسب. لا ذكرى ولا عاطفة تربطه به. رجل كغيره من الرجال، ‏من دون شكّ، رحل وهو متحمِّس جدّاً. أصيب في لامارن، شُجَّ رأسه. قضى أسبوعاً يحتضر، في حالة عمًى، ثم دُوِّن اسمه على نصب الموتى في بلدته.

– في الحقيقة، موته أفضل. كان سيعيش كفيفاً أو مجنوناً؛ لذا، المسكين…

– أجل هذا صحيح.

ما الذي يبقيه، إذن، في هذه الغرفة؟ إن لم يكن اليقين من أن الواقع هو، دائماً، الأفضل، الإحساس بأن كلّ بساطة العالم العبثية قد التجأت إلى هذه الحجرة.

– هل ستعود؟ أعرف أنك منشغل. أقصد، من وقت إلى آخر… ولكن، في هذه اللحظة، بالذات، أين أنا؟ وكيف أفصل هذا المقهى المهجور عن غرفة الذكريات تلك؟ لا أعرف، ‏بالضبط، إن كنت أحيا تلك اللحظات أم أتذكَّرها! أضواء المنارات تظهر من هنا، والعربي ينتصب أمامي، ويخبرني أنه سيغلق المقهى. عليَّ الانصراف. لا أريد‏ النزول عبر هذا المنحدر الخطير بعد الآن. صحيح أنني أنظر، للمرّة الأخيرة، إلى الخليج وأضوائه، لكن ما أشعر به ليس الأمل في أيّام أفضل، بل لامبالاة هادئة وفطرية نحو كلّ شيء، ونحو نفسي أيضاً. يجب كسر هذا المنحنى الرخو والبسيط جدّاً، وأنا بحاجة إلى صفائي الذهني. نعم، الحياة بسيطة. الناس هم من يجعلونها معقَّدة؛ لذلك دعهم يتوقَّفوا عن اختلاق القصص، لا ليقولوا عن محكوم بالإعدام: «بهذا الحكم، سيؤدّي ما عليه من ديون نحو المجتمع»، بل ليقولوا: «سنضرب عنقه». يبدو هذا الاختلاف تافهاً، لكنه يُحدث فرقاً طفيفاً، ثم إن هناك من الناس من يفضِّلون مواجهة مصائرهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

بين القنوط والافتتان

 

وصلت إلى براغ عند الساعة السادسة مساءً. أخذت حقائبي إلى مستودع الأمتعة. أمامي ساعتان للبحث عن فندق. انتابني إحساس غريب بالحرِّيّة بعدما تخلَّصت يداي من عبء الحقائب. غادرت المحطّة، وتمشَّيت في الحدائق لأجد نفسي، فجأةً، وسط شارع وينسيسلاس، الذي كان مكتظّاً حينها. حولي مليون من البشر تقريباً، عاشوا حتى الآن، ويعيشون، دون أن يصلني أيّ صدى لوجودهم؛ فقد كنت بعيداً بآلاف الكيلومترات عن وطني المألوف، ولم أكن أفهم لغتهم. كلّهم يسيرون بسرعة. يتجاوزونني، ينفصلون عني. فأفقد توازني.

كان معي القليل من المال، يكفيني لستّة أيّام. يُفترض، بعدها، أن يلتحق بي أصدقائي. لكنني تشوَّشت من هذا الأمر أيضاً. بدأت بالبحث عن فندق متواضع. كنت في المدينة الجديدة، وكلّ الفنادق التي تظهر أمامي تتدفَّق أنواراً وضحكاً ونساءً. أسير بسرعة. شيء ما في هذه المشية المتسارعة يوحي لي بكوني في حالة فرار. وصلت منهكاً إلى المدينة العتيقة في الساعة الثامنة، حيث جذبني فندق متواضع المظهر، بمدخل صغير. دخلته، عبّأت ورقة المعلومات، ثم أخذت مفاتيح الغرفة رقم (34) في الطابق الثالث. فتحت الباب فوجدتني في غرفة فخمة للغاية. بحثت عن السعر، فكان ضعف ما ظننت. أصبحت مسألة المال شائكة. سأعيش في ضيق، في هـذه المدينة الكبيرة. أخذ التشويش الغامض الذي انتابني قبل هذه اللحظة، يتحوَّل إلى قلق واضح. صرت غير مرتاح. أشعر بالفراغ والتقوقع، ثم أستعيد بعض الصفاء، بما عُرِف عني دائماً، عن خطأ أو عن صواب، من عدم اكتراثي بالأمور المتعلِّقة بالمال. لكن، ما الداعي لهذا التخوُّف الأبله الآن؟ بدأت أفكّر فيما ينبغي عمله. أشعر بالجوع، وعليّ المشي مجدَّداً، بحثاً عن مطعم متواضع. لا يمكنني صرف أكثر من عشر كرونات للوجبة الواحدة. من بين كلّ المطاعم التي صادفت، كان أرخصها هو الأقلّ ترحيباً. استطلعته جيئةً وذهاباً، إلى أن انتبه مَنْ في الداخل لتصرُّفي. دخلت، وكان قبواً ضعيف الإنارة، تزيِّنه جداريات مثيرة. الزبناء يجلسون في فوضى، فتيات يدخنَّ، ويتجادلن بنبرة جادّة في أحد أركان المطعم، رجال، معظمهم شاحبون بلا ملامح عمريّة، يتناولون وجباتهم. النادل، رجل ضخم، ببدلة مدسّمة، يتقدَّم نحوي بوجه عظيم خالٍ من أيّ تعبير. بسرعة، وبلا تروٍّ، أشرت إلى طبق في القائمة غير المفهومة. لكن، يبدو أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الشرح. يسألني النادل، بلغته التشيكية، فأجيبه بما توفَّر لي من لغة ألمانية. لا يفهمني. أشعر بالحنق. نادى على إحدى الفتيات، فتقدّمت نحوي بتلك المشية المعهودة؛ اليد اليسرى على الورك، وسيجارة في اليد اليمنى، وابتسامة إثارة. تجلس على مائدتي وتسألني، بلغة ألمانية أسوأ من تلك التي أتكلَّمها أنا، على ضعفها. أصبح كلّ شيء واضحاً. كان النادل الماكر يريدني أن أختار طبق اليوم. فقبلت بذلك. تستمرّ الفتاة في التحدُّث إليّ، لا أفهم أيّ شيء ممّا تقول. وبتلقائية، سايرتها بنبرة جدِّيّة، لكني كنت غائباً عنها. كلّ شيء حولي يغيظني، يحيِّرني، لم أعد أشعر بالجوع. يعاودني الألم في مكمنه، وانقباض في المعدة. أكتفي بكمِّيّة صغيرة من الشراب، لأنني أعرف حدودي. وصلت طلبيَّتي، تذوَّقت الطعام؛ كان خليطاً من السميد واللحم الذي صار مقزّزاً بفعل كمِّيّة ضخمة من الكمون، لكنني كنت أفكر في شيء آخر، أو -بالأحرى- لا أفكِّر في شيء، مركّزاً النظر في الفم الضخم والضاحك للمرأة المقابلة لي. هل تتوقَّع مني دعوتها؟ إنها قريبة جدّاً، تلتصق بي. صددتها بحركة تلقائية؛ كانت ذميمة، وقد اعتقدت، دائماً، أن تلك الفتاة لو كانت جميلة، لكنت نجوت من كلّ ما تلا ذلك.

كنت خائفاً من المرض بين أناس قد يستهزئون بي، وأكثر خوفاً من أن أبقى وحيداً في غرفتي، بلا مال ولا همّة، حبيس ذاتي وأفكاري البائسة. لا زلت، إلى اليوم، أتساءل، مع بعض الضيق: كيف أمكنني التخلُّص من ذلك الكائن المرعوب والجبان الذي كنته حينها؟. غادرت المطعم، تمشَّيت في المدينة العتيقة، لكني كنت عاجزاً عن الاستمرار في مواجهة ذاتي لمدّة أطول، فعدت مسرعاً إلى الفندق، واستلقيت مترقِّباً نوماً لم يتأخَّر كثيراً.

البلد الذي لا أشعر فيه بالملل هو بلد لا يعلِّمني أيّ شيء. بمثل هذه الأفكار كنت أحاول تحفيز معنوياتي. لكن، هل عليّ وصف الأيّام التي تلت، بالتفصيل؟: كنت أعود إلى مطعمي يوميّاً، صباح مساء، متحمِّلاً الأكلة المقزِّزة نفسها، إذ كانت ترافقني طيلة النهار رغبة دائمة في التقيُّؤ، لكني لم أستسلم لها، آخذاً في الاعتبار ضرورة التغذّي. ثم ما أهمِّيّة ذلك مقارنةً بما كان عليَّ تحمُّله في البحث عن مطعم آخر، وأكلة أخرى؟ هنا، على الأقلّ، صرت زبوناً، يتحدَّثون معي، ويبتسمون لي. من جهة أخرى، بدأ القلق يستبدّ بي. بالغت في التركيز في ذلك الإزعاج الحادّ في ذهني. قرَّرت وضع برنامج منظَّم لأيّامي، وتوزيع نقط ارتكاز فيها: البقاء في الفراش أطول مدّة ممكنة، لجعل يومي أقصر، ثم أستعدّ بعدها لاكتشاف المدينة بشكل معَدّ سلفاً. أَتيهُ في الكنائس الباروكية الفخمة، محاولاً العثور فيها على ملاذ، لأخرج من هذا اللقاء المحبط مع ذاتي، أكثر فراغاً ويأساً. أسير على طول نهر الفلاتفا، وسدوده المحتقنة. أقضي ساعات طوالاً في حيّ هرادشاني الكبير، الخالي والهادئ، تحت ظلّ كاتدرائيَّته وقصوره، في وقت أخذت فيه الشمس في الانحناء. ذعرت عند انتباهي لصدى خطوي المنفرد يتردَّد في الأزقّة. تناولت عشائي باكراً، وذهبت إلى الفراش في الثامنة والنصف. كانت الشمس تنازعني نومي.

كنائس، وقصور، ومتاحف. حاولت التخفيف من قلقي بزيارة الآثار الفنّيّة المنتشرة في المدينة. حيلة تقليدية، أردت بها، دون جدوى، تذويب ثورتي في الكآبة. وما إن أغادر الأمكنة حتى أعود غريباً كما كنت. مع ذلك، في إحدى المرّات، وأنا في دير باروكي، عند طرف المدينة، ساعةَ سكينة، الأجراس تُقرَع ببطء، وعناقيد الحمام ترحل عن البرج القديم، ثمّة شيء مثل رائحة العشب والعدم، أثار في نفسي صمتاً مسكوناً بالدموع، جعلني على مقربة من الخلاص. عقب عودتي إلى الفندق، مساءً، كتبت ما سيلي دفعةً واحدة، فأنا أنسخه هنا بأمانة؛ لأنني وجدت في تركيزه تعقيدات ما كنت أشعر به حينها: «وأيّة فوائد غير هذه يمكن تحصيلها من السفر؟! صرت دون أقنعة تسترني. مدينة لا أستطيع قراءة إشاراتها، حروف غريبة لا ترتبط بأيّ شيء اعتيادي، بلا أصدقاء، وبلا أيّة تسلية. أعرف أن لا شيء يمكنه أن ينتشلني من هذه الغرفة، حيث يصلني ضوضاء مدينة غريبة عني، ليأخذني نحو ضياء ناعم لبيت أو ملاذ محبوب. هل أستغيث، أصرخ؟ لن تستجيب غير وجوه غريبة. كنائس، ذهب وبخور، كلّ شيء يطوِّح بي نحو حياة يوميّة، يدفع قلقي ثمناً لكلّ شيء فيها. ثم تُرفَع الستارة، بهدوء، عن العادات، والتصفيف الوثير للتصرُّفات والكلمات التي يغفو عندها القلب، ينكشف، أخيراً، الوجه الكالح للتوتُّر. يصير الإنسان -وجهاً لوجه- مع ذاته؛ أتحدّاه أن يكون سعيداً، لحظتها… مع ذلك، فمن هذه الزاوية يلهمه السفر. تنافر كبير يُفتَعل بينه وبين محيطه. هذا القلب الهشّ تصله موسيقى العالم بيسر أكبر. في حالة الفراغ هذه، تصير الشجرةُ الأقلّ شأناً، الصورةَ الأكثر رقّةً ونعومة. أعمال فنّيّة، وابتسامات نسوة، أجناس من البشر منغرسة في أراضيها، ومعالم تختزل العصور، مشهد مؤثِّر وحسّاس ذاك الذي يشكِّله السفر. ثم، آخر اليوم، في غرفة الفندق، شيء ما ينقبض مجدَّداً، بداخلي، كأنه ظمأ الروح».

عليَّ أن أعترف بأن كلّ هذا لم يكن غير قصص للنوم. كما يمكنني أن أعترف، الآن، أنني لا أحتفظ، من براغ، إلّا برائحة الخيار المنقوع في الخلّ، الذي يباع في كلّ أركان المدينة، لتناوله في أثناء التنزُّه، والذي كانت رائحته الحادّة واللاسعة توقظ قلقي، وتعمِّقه كلَّما تجاوزت عتبة الفندق. احتفظت بهذا، وببعض نغمات الأكورديون. تحت نوافذ غرفتي، أعمى أكتع يجلس على آلته، يثبِّتها بردف، ويعزف باليد السليمة. دائماً، النغمة الطفولية الناعمة التي توقظني في الصباح ذاتها، لتضعني، فجأةً، أمام الواقع المرّ، حيث كنت أتخبَّط. مازلت أتذكَّر أنني كنت أتوقَّف، بشكل مفاجئ، على ضفاف نهر الفلاتفا، مأخوذاً بتلك الرائحة، وبذلك اللحن، منكفئاً في قعر ذاتي، أهمس لنفسي: «ماذا يعني هذا؟ ماذا يعني هذا؟» لكن، بلا شكّ، كنت لم أصل، بعد، إلى الأقاصي.

اليوم الرابع، العاشرة صباحاً، أستعدّ للخروج. وددت زيارة مقبرة يهودية، لم أتمكَّن من العثور عليها بالأمس. طرقٌ على باب غرفة مجاورة. لحظة صمت، ثم طرقٌ من جديد، لمدّة أطول، هذه المرّة، دون جدوى فيما يبدو. خطوات بطيئة تنزل السلَّم. دون إعارة انتباه للأمر، وبلا تفكير، قضيت بعض الوقت في قراءة طريقة استعمال معجون الحلاقة، الذي بدأت استخدامه منذ شهر، تقريباً. كان يوماً كئيباً. ضوء نحاسيّ ينزل من السماء الملبَّدة على قباب المدينة العتيقة، وأبراجها. بائعو الصحف يعلنون، كما كلّ صباح، عن جريدة «بارودني بوليتيكا». أجاهد للتخلُّص من حالة الخدر التي كنت فيها. عندما هممت بالخروج، صادفت عامل خدمة الغرف مسلَّحاً بمجموعة من المفاتيح. توقَّفت. طَرَق باب الغرفة مجدَّداً. حاول فتحها دون أن يتمكَّن من ذلك. الغرفة مقفلة من الداخل. يطرق مجدَّداً، تبدو الغرفة خالية. كنت مغموماً إلى درجة الضيق. غادرت دون رغبة في معرفة ما وقع. في شوارع براغ، لاحقتني هواجس مؤلمة. كيف يمكنني نسيان الوجه السخيف للعامل، وحذائه الملمَّع والمثني بشكل غريب، وزرّ سترته الضائع؟ تناولت غذائي بامتعاض شديد. في حدود الثانية زوالاً، عدت إلى الفندق.

كان العمّال يتهامسون في البهو. صعدت الطوابق لأجد نفسي، بسرعة، أمام ما توقَّعته، وكان فعلاً كذلك: باب الغرفة موارب بشكل لا يسمح برؤية أكثر من جدار كبير مطليّ بالأزرق، لكن الضوء الباهت الذي سبق أن تحدَّثت عنه، كان يعكس ظلّ جثّة ممدَّدة على السرير، بينما ظلّ شرطيٌّ يحرسها. الظلّان يتقاطعان عند الزاوية القائمة للجدار. ذلك الضوء هزَّني. كان ضوءاً صادقاً، ضوءاً حقيقيّاً للحياة في هذا الزوال، ضوءاً أثار انتباهي إلى كوني على قيد الحياة، فيما كان الرجل ميَّتاً، وحيداً في غرفته. كنت أعلم أنه ليس انتحاراً. دخلت غرفتي مسرعاً، واستلقيت على السرير. رجل ككثيرين سواه، إذا صدق الظلّ، قصير القامة، بدين. مات قبل مدّة طويلة بلا شكّ. واستمرَّت الحياة في الفندق، إلى أن فكَّرَ عامل الخدمة في السؤال عنه. جاء إلى هنا، دون أن يرتاب من أيّ شيء، ومات وحيداً. خلال ذلك، كنت أنا أقرأ غلاف علبة معجون الحلاقة. قضيت كلّ الزوال في حالة يصعب وصفها. كنت مستلقياً، رأسي فارغ، وقلبي منقبض بشكل غريب، أقلِّم أظافري ثم أعُدّ خطوط الأرضيّة الخشبية «أختبر ما إذا كان بإمكاني العدّ إلى الألف…». عند الخمسين أو الستين، يختلط عليّ الأمر. لا أتمكَّن من تخطّي هذا الرقم. أصوات الخارج لم تكن تصلني. لكن، في المجاز، صوت مكتوم لامرأة تقول باللغة الألمانية: «لقد كان رجلاً طيِّباً». فكَّرت، بأسًى، في مدينتي، على ضفاف الأبيض المتوسِّط، في مساءات الصيف التي أحبُّها، والتي كانت منعشةً وهادئةً، تحت ألوان الغروب، وحافلةً بالنساء الشابّات الجميلات.

لم أتفوَّه بأيّة كلمة منذ مدّة طويلة، وقلبي يتفجَّر صرخاتٍ وثوراتٍ مكبوتة. كنت سأبكي كصبيّ، لو فتح لي أحد ذراعيه وضمَّني. عند نهاية الزوال، منهوكاً، أحدّق، بجنون، في المزلاج، رأسي خالٍ من كلّ تفكير، أدندن نغمة آكورديون شعبية. حينها، لم يكن بإمكاني المضيّ بعيداً. لا وطن، لا مدينة، لا غرفة، ولا اسم، لا جنون، ولا مكاسب، لا خزي، ولا إلهام، هل سأتعلَّم أم سأنمحق؟ طَرْقٌ على بابي. لقد وصَلَ أصدقائي. وصلت النجدة، لكنها وجدتني محبطاً. أظنني قلت لهم: «سعدت بلقائكم مرّة أخرى»، لكنني على يقين من أن اعترافاتي توقَّفت عند هذا الحدّ، وأني بقيت في أعينهم الشخص الذي عرفوه من قبل.

غادرت براغ بعد فترة وجيزة. بالطبع، كنت مهتمّاً بما رأيته بعد ذلك. يمكنني تذكُّر ساعة وجودي في المقبرة القوطية الصغيرة في بوتزن، والأحمر القاني لزهرة الجيرانيوم، والصباح الأزرق. يمكنني وصف سهول سيليزيا الشاسعة، القاسية والقاحلة. فقد عبرتها في الصباح الباكر. سرب كثيف من الطيور يمرّ خلال صباح مضبَّب، ولزج فوق أراضٍ موحلة. أحببت، أيضاً، مورافيا المعتدلة والهادئة، ومناظرها الصافية، ومساراتها المحفوفة بأشجار البرقوق ذي المذاق اللاذع. لكني أحتفظ، أيضاً، في أعماقي، بسدَر أولئك الذين أطالوا النظر في صدع، دون قرار. حللت في فيينا، ثم غادرتها بعد أسبوع، بقيت أسير ذاتي.

مع ذلك، وأنا على متن القطار من فيينا إلى البندقية، كنت أتوقَّع شيئاً ما. كنت كنقِهٍ يتغدّى الحساء فقط، ويفكِّر في شكل أوَّل لقمة خبز سيتناولها. ضوء ينبثق. أعلم ذلك الآن؛ كنت، حينها، مستعدّاً للسعادة. سأقتصر على الأيّام الستّة التي قضيتها على رابية قرب فيتشينزا. ما زلت هناك، أو -على الأصح- ما زلت أجدني هناك في بعض الأحيان. غالباً ما أستعيد كلّ شيء معطَّراً بالأزير.

وصلت إلى إيطاليا. أرض توافق روحي، تعرَّفت على أصواء اقترابي منها واحدةً تلو الأخرى: المنازل ذات القرميد المسنَّن، وأشجار الكرم المدعَّمة بجدارٍ ازرَقّ بفعل الكبريت. وخيوط الغسيل الممدودة في الأفنية، وفوضى الأشياء، وأزياء الرجال. وأوَّل صنوبرة، كانت دقيقة لكنها مستقيمة، وأوَّل زيتونة، وشجرة التين المعفَّرة، وساحات المدن الإيطالية الصغيرة المظلَّلة، والظهيرة حيث الحمام يبحث عن مأوى، بطء وخمول، وتستنفذ الروح فورات غضبها. ينحو الوجد، تدريجياً، نحو البكاء. أخيراً، تظهر فييتشينزا. هنا الأيّام تدور على نفسها، منذ طلوع النهار المترع بصياح الديَكة إلى مساء لا مثيل له، حلو ولطيف، ناعم خلف أشجار السرو، على إيقاع صوت الزيزان. هذا الصمت الداخلي الذي يلازمني، يولد من ذلك الانتقال البطيء، من اليوم نحو اليوم الموالي. ماذا عساني أتمنّى غير هذه الغرفة المفتوحة على السهل، بأثاثها العتيق، ودانتيل الكروشيه؟ كلّ السماء أمام ناظري، ودوران الأيّام، التي يبدو لي أني قادر على اتِّباع حركتها بثبات، بلا توقُّف. أستنشق السعادة الوحيدة المتاحة لي؛ شعور لطيف وودّي. أتجوَّل طوال اليوم؛ من الثلة أنزل متَّجاً نحو فيتشينزا، أو أتقدَّم أكثر داخل الريف. كلّ كائن ألتقيه، وكلّ رائحة في هذا الطريق، وكلّ شيء هو ذريعة للحبّ بدون اعتدال. شابّات يحرسن مخيَّماً صيفيّاً، أبواق بائعي المثلَّجات (عرباتهم عبارة عن جندول مثبَّت على عجلتَيْن، ومزَّود بمحمل)، وأكشاك الفاكهة، وبطيخ أحمر ببذوره السوداء، وعنب شفاني مدبّق. ما يكفي من سند لمن لم يعد يستطيع البقاء وحيداً(1)، لكن الناي الحادّ والرقيق للزيزان، وعطر الماء، ونجوم ليالي سبتمبر/أيلول، والممرّات العطرة بين أشجار الضرو (البطم) والقصب، كلّها علامات على الحبّ لكلّ من أُجبِر على البقاء وحيداً(2). هكذا تمرّ الأيّام. بعد وهج شمس منتصف النهار، يأتي المساء، في المشهد الزاهي الذي يضفيه الغروب الذهبي، وظلال شجر الصنوبر. أتمشّى على الطريق، في اتِّجاه صوت الزيزان المسموع من بعيد، والتي تتوقَّف عن الغناء بقدر تقدَّمي نحوها، ثم تصمت نهائيّاً. أتقدَّم ببطء، ممتلئ الصدر من هذا الجمال المحتدم. خلفي، تنفخ الزيزان صدورها، ثم تشرع في الغناء؛ لغزاً في هذه السماء، من حيث تسقط اللامبالاة والجمال. وعلى ضوء آخر شعاع، أقرأ على واجهة (فيلا): «في روعة الطبيعة، تنبعث الروح مجدَّداً(3)». هنا ينبغي التوقُّف. سطع أوَّل نجم، ثم الأنوار على الربوة المقابلة، ثم حَلَّ الليل فجأةً، دون سابق مؤشِّر. حفيف ونسيم يأتيان من الأشجار خلفي.. انسلَّ النهار، تاركاً لي عذوبته.

طبعاً، أنا لم أتغيِّر، كلّ ما في الأمر أنني لم أعد وحيداً. في براغ، كنت أختنق بين الجدران. أمّا هنا، فأنا في مواجهة العالم، أتطاير حول ذاتي، فأعمُر الكون كائناتٍ تشبهني. لم أتحدّث، بعد، عن الشمس. فكما استغرقت وقتاً طويلاً لأستوعب تعلقي وحبّي لعالم الفقر الذي مررت به في طفولتي، وتعلُّقي به الآن، فقط، ألمح دروس الشمس والبلدان التي شهدت ولادتي. قبل الظهيرة بقليل، خرجت وتوجَّهت نحو مكان أعرفه، يشرف على سهل فيتشينزا الشاسع. كانت الشمس في كبد السماء، بأزرقها النيلي. كلّ الضوء المنحدر منها يغمر منحنيات التلال، ويكسو أشجار الصنوبر والزيتون، البيوت البيضاء والأسطح الحمراء بأدفأ الفساتين، ثم يتيه في السهل المحترق تحت الشمس. ودائماً، الشعور بالخصاص نفسه. في داخلي، ظلَّ الرجل القصير والثخين، ممدَّداً. ما تلمسه أصابعي من هذه السهول التي تحوم حول الشمس، ومن النقع، ومن هذه الروابي الملطاء المكسوّة بقشرة من العشب المحترق، كان شكلاً مجرَّداً وغير جذّاب لطعم العدم الذي أحمله بداخلي. هذه البلاد تعيدني إلى صميم ذاتي، وتضعني أمام قلقي الكامن. كان قلق براغ، ولم يكن هو. كيف أفسّر الأمر؟ أمام هذا البساط الإيطالي، المعمور بالأشجار والشمس والابتسامات، استوعبت، بشكل أفضل من أي مكان آخر، رائحة الموت والوحشة التي كانت تلاحقني منذ شهر. نعم. هذا الفيض الذي يغمرني من دون عبرات، وهذا السلام من دون فرح، كلّ هذا لم يكن غير إدراك واضح جدّاً للأشياء التي نسيتها؛ تنازل ولامبالاة. فالذي هو على عتبة الموت، ويعلم ذلك، لا يحفل بمصير زوجته، إلّا في الروايات، وهو -بذلك- يحقِّق ميل الإنسان نحو الأنانية، أي اليأس. لا شيء يعدني بالخلود في هذه البلاد. ما الذي كان سيضيرني لو استحضرت، في روحي، ذكرى فيتشينزا، بلا عيون، لرؤيتها، ولا أيدٍ لجَنْيِ عنبها، أو بشرة للشعور بمداعبة الليل على الطريق بين معبد مونتي بيريكو، وفيلا فالمارانا؟

أجل. كلّ ذلك كان حقيقيّاً. لكن في الوقت نفسه، مع أشعة الشمس، تسرّب إلى نفسي شيء يصعب وصفه. عند هذه النقطة القصوى من الوعي الأقصى، أخذ كلّ شيء يلتئم، وحياتي تظهر لي ككتلة، عليَ رفضها كاملةً، أو تقبُّلها كاملةً. كنت في حاجة إلى التسامي. وجدته في اصطدامِ عميقِ يأسي باللامبالاة الصامتة لواحد من أجمل المناظر الطبيعية في العالم. منه استمددت قوّةً لشجاعتي، والوعي بها في الآن نفسه. كان ذلك كفايتي من شيء صعب جدّاً، ومتناقض جدّاً. لكن، لربَّما قد داريت ما كان شعوراً صادقاً. عدا ذلك، ما زلت أسترجع كثيراً براغ، وأيّامها القاتلة. عدت إلى مدينتي. أحياناً، فقط، توقظ رائحة الخيار والخلّ قلقي. تضطرّني للتفكير في فيتشينزا. أحببتهما معاً، وأجد صعوبة في فصل حبّي للنور وللحياة عن ارتباطي السرّيّ بالتجربة المحبطة التي حاولت وصفها. الأمر واضح، فأنا لا أريد البتّ في الاختيار بينهما. في ضواحي مدينة الجزائر، توجد مقبرة صغيرة ذات بوابات حديدية سوداء. عند نهاية المقبرة، وادٍ مع خليج في العمق. يمكنك الحلم مطوَّلاً عند هذا القربان الذي يتنهَّد بحراً. لكن، حين تعود أدراجك ستجد لوحة على قبر مهمَل كُتِب عليها: «حسرة أبديّة». لحسن الحظّ، هناك أشخاص مثاليون لتصحيح هذا الوضع.

 

 

الهوامش:

1 – أي كلّ الناس. (المؤلِّف)

2 – أي كلّ الناس. (المؤلِّف)

3 – «In magnificentia naturae, resurgit spiritus»، في النصّ الأصلي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

الظلّ والضياء

 

كانت امرأة فريدة ووحيدة. تربطها علاقات وثيقة مع الأرواح، تهتمّ كثيراً بمشاكلهم وتعتزل بعض أفراد عائلتها غير المرغوب فيهم في عالمها.

انتهى إليها إرث صغير من أختها، هو خمسة آلاف فرنك. في نهاية العمر، يبدو هذا المبلغ مزعجاً، ويجب توظيفه. إذا كان في إمكان الجميع التصرُّف بمبالغ مالية ضخمة، فإن الصعوبة تبدأ حين يكون المبلغ صغيراً. بقيت هذه السيِّدة وفيّة لنفسها. وهي تقترب من نهايتها، كانت ترغب في مكان تؤوي إليه عظامها البالية، فتوفَّرت لها فرصة حقيقية: في مقبرة المدينة، حُكرة أرض استوفت أجلها، للتوّ، وكان مُلّاك البقعة قد أقاموا فيها حجرة فاخرة للدفن، على نمط متَّزن من المرمر الأسود. كنز حقيقي، بالفعل، فُوِّت لها مقابل مبلغ أربعة آلاف فرنك. اشترت السرداب، وكان استثماراً حقيقياً، بعيداً عن تقلُّبات البورصة والأحداث السياسية. أعدَّت الحفرة الداخلية، وجعلتها مهيَّأة لاستقبال جسدها. عند الانتهاء من ذلك، نقشت اسمها بحروف بارزة، من ذهب.

هذه الصفقة أسعدتها، إلى درجة أن وقعت في غرام قبرها. في البداية، كانت تزور المكان لمراقبة سير الأشغال، ثم انتهت إلى زيارته كلّ أحد، زوالاً. كانت هذه خرجتها الوحيدة، وتسليتها الفريدة. عند الثانية زوالاً، تأخذ المسار الطويل نحو أبواب البلدة حيث تقع المقبرة. تدخل إلى الغرفة الصغيرة، وتغلق الباب بعناية، ثم تجثو عند المركع. هكذا، وبحضورها الجسدي، بمواجهة ما كانت عليه، وما ينبغي عليها أن تكون، وبعدما وجدت الحلقة المفقودة من سلسلة ظلَّت، على الدوام، مقطوعة، اخترقت من غير مجهود مقادير العناية الربّانية. ومن خلال إشارة خاصّة، أدركت، ذات يوم، أنها ماتت في أعين العالم. في عيد القدِّيسين الذي جاء متأخِّراً عن موعده، وجدت عتبة الباب وقد زُيِّنت، بشكل مقتدر، بأزهار البنفسج. غرباء لطيفون رقّوا لحال هذا القبر الذي تُرِك بدون أزهار، فتقاسموا معه ورودهم تكريماً لذاكرة الميِّت المهمل.

ثم هأنذا أعود إلى الأشياء. تلك الحديقة على الجهة الأخرى من النافذة، لا أرى منها غير الجدران، وبعض أغصان الشجر التي يتدفَّق منها الضوء. أعلى من ذلك، الأغصان دائماً، ثم أعلى من ذلك، الشمس. من كلّ هذا الابتهاج بالهواء الذي يشعر به المرء في الخارج، من كلّ هذا الفرح الذي يكسو العالم، لا يصلني غير ظِلال الأغصان وهي تتلاعب بستائر غرفتي البيضاء. خمس أشعّة تصبّ، بأناة، عطر الأعشاب المجفَّفة في غرفتي. هبَّت ريح خفيفة بعثت الحياة في الظلال، على الستارة. سحابة تغطّي الشمس، ثم تكشفها، ومن الظلّ يشعّ اللون الأصفر اللامع لأشجار الميموزا. تكفي بارقة نور لأصير مفعماً بسعادة غامضة ومذهلة. كان ذلك زوالَ أحد أيّام يناير، ما جعلني في مواجهة قفا العالم، ومع ذلك، بقي الهواء بارداً. في كلّ مكان طبقة دقيقة من أشعّة الشمس، قد تصدِّعها أدنى لمسة، لكنها تكسو كلّ شيء ببسمة خالدة. من أنا؟ وماذا بإمكاني القيام به، غير الدخول في لعبة الأغصان والضوء؟. أكون ذلك الشعاع الذي تستنفذ عنده سيجارتي. تلك العذوبة وهذا الهوى الكتوم الذي يتنفَّس في الهواء. إذا أردت إدراك ذاتي، فسيكون في قرار هذا الضوء، وإذا حاولت فهم وتذوُّق النكهة الرقيقة التي تبوح بسرّ العالم، فما أجده في باطن الكون هو ذاتي؛ أي ذلك الانفعال الشديد الذي يخلِّصني من المشهد العامّ.

بعد قليل، أشياء أخرى، الناس وما يشترونه من قبور. لكن دعوني أقتطع هذه اللحظة من نسيج الوقت. آخرون يتركون زهرة بين صفحات كتاب، يحبسون عندها نزهة، أو الحبّ الذي داعبهم. أنا، أيضاً، أتنزَّه، لكن القدر يداعبني. الحياة قصيرة، وإهدار الوقت خطيئة. «أنا مُكِدّ»، يقول البعض. لكن هذا، أيضاً، يعني أنك تهدر وقتك، بقدر ما تضيِّع في هذا الكَدّ. أنا اليوم في راحة، وقلبي خرج للقاء نفسه. إذا كان ثمّة قلق مايزال يضيِّق عليّ، فلإحساسي بهذه اللحظة الدقيقة جدّاً تنفلت من بين أصابعي كلآلئ من الزئبق. دعوا عنكم، إذن، أولئك الذين يديرون ظهورهم للعالم. أنا لا أرثي لحالي بما أنني أشهد ولادتي. في هذه اللحظة، كلّ مملكتي من هذا العالم. هذه الشمس وهذه الظلال، هذا الدفء، وهذه البرودة المتأتِّية من عمق الهواء؛ سأسأل ذاتي: هل مات شيء ما؟، أو: هل كان الناس يعانون؟. مادام كلّ شيء مكتوب على تلك النافذة، حيث تصبّ السماء فيضها لملاقاة شفقتي، أستطيع القول وسأعيد، بعد قليل، أن الأهمّ هو أن نكون أناساً حقيقيِّين وبسطاء. لا، بل الأهمّ هو أن نكون صادقين، وكلّ شيء سيأتي بعد ذلك، الإنسانية، والبساطة… ومتى أكون أكثر صدقاً إلّا حين أكون أنا العالم؟ تغمرني العطايا قبل أن أشتهيها. هنا، يكمن الخلود، وقد كنت أتمنّاه. ليست السعادة ما أرغب فيه الآن، بل الإحساس بما يجري، فحسب.

رجل يستغرق في التأمُّل، وآخر يحفر قبره، كيف نميِّز بينهما؟ كيف نميِّز بين الناس، وسخافتهم؟ هي ذي ابتسامة السماء. الضوء يتمدَّد، والصيف على الأبواب! هذه هي أعين وأصوات من ينبغي لنا أن نحبِّهم. أتشبَّث بالعالم بكلّ حركاتي، وبالناس بكلّ شفقتي وامتناني. بين ظلّ العالم وضيائه، لا أريد أن أختار. لا أحبّ وضعيّة الاختيار. الناس لا يحبّون الصراحة، والسخرية.. يقولون: هذا يدلّ على أنك لست طيّباً». لا أرى أيّ ترابط بين المسألتَيْن. فإذا قيل لأحدهم إنه خليع، فإني أفهم أن عليه أن يتَّخذ له أخلاقاً، وإذا قيل لآخر إنه يزدري الذكاء، فأفهم بأنه لا يستطيع تحمُّل شكوكه. وبما أنني لا أحبّ الخداع، فالشجاعة الحقيقية هي أن تُبقي عينيك مفتوحتَيْن أمام الضوء كما أمام الموت. عدا ذلك، كيف يمكن تسمية الرابط الذي يُقِلُّ من الحبّ الجارف للحياة إلى اليأس المكتوم؟ إذا استمعت إلى السخرية(1) الكامنة في عمق الأشياء، فإنها تتكشَّف بتأنٍّ. ترفّ بعينها الصغيرة الصافية، وتقول: «عيشوا كما لو…». هنا تكمن كلّ معرفتي، رغم الكثير من البحث.

في نهاية المطاف، لست متأكِّداً من كوني على صواب. وليس المهمّ التفكير في تلك المرأة التي حكوا لي عنها. كانت ستموت، وابنتها ستجهِّزها للدفن وهي ماتزال على قيد الحياة. الأمر هكذا أسهل، قبل أن تتصلَّب الأطراف. لكن، ألا يبدو مثيراً للاستغراب كيف أننا نحيا بين أناس في عجلة من أمرهم؟.

 

الهوامش:

(1) تلك الحرِّيّة الكبيرة التي تطرق لها باريس. (المؤلِّف).

“حس السخرية ضمانة قويّة للحريّة”.”Maurice BARRES  (المترجم)

محمَّد مبوغار سار: غونكور مفاجئة

يُعدّ «محمَّد مبوغار سار» أوَّل إفريقي (من جنوب الصحراء الكبرى) يفوز بجائزة «غونكور – Goncourt»، التي مُنحت له، يوم الأربعاء، 3 نوفمبر، (2021)، في مطعم دروان، في منطقة الأوبرا، بباريس. وقد جاءت جائزة «غونكور» مفاجئة، أو لم تكن متوقَّعة من طرف عامّة الجمهور؛ ذلك أن رواية «الذاكرة الأكثر سرِّيّةً للبشر» (طبعة فيليب راي، 448 صفحة)، التي تُوِّجَتْ، في الوسط الأدبي،  من قِبَل لجنة تحكيم الجائزة الأدبية المرموقة، كانت قد أحرزتْ تقدّماً في هذا الموسم الأدبي، محاطةً بلوحة إعلانات مضاءة، كُتِب عليها: «انتبهوا، نحن أمام ظاهرة».

 

يتعلق الأمر بأن ننظر إلى التاريخ بطريقة واضحة، لاختراع شيء آخر

 

والدليل على ذلك أن هذا السنغالي الشابّ، ومؤلِّف ثلاثة كتب حَظِيت باهتمام النقّاد، تمَّ اختيار عدد من رواياته في ما لا يقلّ عن ثمانية قوائم، بما في ذلك قوائم جائزتَيْ (فيمينا-Femina)، و(رونودو -Renaudot)، من أجل اقتناص تميُّز لطيف في فصل الخريف. لقد فاز «محمَّد مبوغار سار» بالجائزة الكبرى، خلفاً لـ«هيرفي لو تيلييه»، الفائز بالجائزة نفسها عام (2020) عن روايته «النشاز»، والتي سيسجِّل التاريخ بيع مليون نسخة منها، بالفعل. ودون وضع أيّة خطّة لمستقبل رواية «الذاكرة الأكثر سرِّيّةً للبشر»، ستكون مبيعاتها، على الأرجح، أقلّ من مبيعات رواية «النشاز». وبين

أيدي أعضاء لجنة الجائزة، استطاع «محمَّد مبوغار سار»، البالغ من العمر (31) عاماً، أن يستميلهم برواية تجْمع بين السخرية والغنائية، من خلال إرصاد مرآتيّ مذهل، ومضبوط جدّاً.

تحكي « الذاكرة الأكثر سرِّيَّةً للبشر»، قصّة كاتب سنغالي شابّ «ديجان فاي»، يعيش في باريس، شرع، في عام (2018)، بالبحث عن كتاب ألّفه كاتب سنغالي آخر، هو مؤلِّف كتاب فَريد نُشر في عام (1938)، بعنوان «متاهة اللاإنساني» ويلقب بـ «رامبو الإفريقي»؛ إنه «تي.سي إليمان». فمَنْ كان «تي.سي إليمان» هذا؟ هل كان كاتباً عظيماً، أم سارقاً يجلب العار؟ هذا هو ما نكتشفه على مدار القصّة التي تتَّخذ شكل تحقيق أدبي يعجّ بالتفاصيل، ويمزج بين العصور والبلدان. إذ يبدأ في باريس الأدبية خلال السنوات: من 2010 إلى 1930، ويستمرّ في السنغال المستعمرة في أوائل القرن العشرين، ثم في فرنسا المحتلّة، ويكشف عن ذاكرة الرماة السنغاليين في الحرب السابقة، ثم يمرّ عبر الأرجنتين، ثم ينتهي في داكار المعاصرة.

إنها رواية حافلة وآسرة، كتبها «محمَّد مبوغار سار» بأسلوب سلس، كما أنها تحفة فنّيّة حقيقية استحقَّت الفوز بجائزة غونكور (2021).

في ما يلي حوار مع المؤلِّف الذي يدخل التاريخ بصفته ثاني كاتب أسود يحصل على هذه الجائزة المرموقة (بعد غيانا رينيه ماران، الذي فاز بها عام 1921).

كيف خطرت لكم فكرة الكتابة عن هذا الموضوع؟

– هذا الكِتاب مستوحى من كاتَبيْن يمثِّلان هاجسَيْن بالنسبة إليَّ؛ قارئاً وكاتباً. يتمثَّل الهاجس الأوَّل في صمت الكُتّاب، بوصفه الفضاء العميق لكتاباتهم، وقد اكتشفت ذلك مع الكاتب المالي «يامبو أولوغيم» (1940 – 2017)، عندما كنت في سنّ المراهقة. فرواية «واجب العنف» ومسار «يامبو أولوغيم» قد استرعيا بالغ اهتمامي لسنوات عديدة، إلى درجة أنني توصَّلت، في نهاية الأمر، إلى إقناع نفسي بأنه من الضروري أن أكتب، في ضوئها، رواية تشكِّل القصّةُ في رواية «واجب العنف» نقطةَ البداية فيها. وهذا الكاتب الذي تَمَّ الاحتفاء به، ثم التخلّي عنه، واتُّهِم بالسرقة، ثم تُرِك في عزلة كبيرة من قِبَل الأوساط الأدبية الأوروبية والنخبة المثقّفة الإفريقية التي لم تدعم الراديكالية والتجديد والاستفزاز، يشكِّل -حقّاً- محور اهتمامي. أمّا الهاجس الثاني فكان، بعد ذلك، في سنّ الخامسة والعشرين، عندما اكتشفت «روبرتو بولانو»، وشعرت بالتحرُّر، لأنني كنت قد عثرت، في كتاباته، على عدد من الأسئلة التي تكوَّنتْ لديّ حول الالتزام الأدبي، وعن حقيقة كونه كاتباً شابّاً يبحث عن نفسه، ويبدأ حياته، ثم يفشل، ويجرِّب كلّ شيء، بينما يحافظ على الأدب بوصفه هاجساً في الحياة الأكثر واقعية. ويشكّل كلّ واحد من هذَيْن المؤلِّفيْن، بطريقته الخاصّة، أحد روافد كتابي. كما كانت، في كلّ مرحلة من مراحل حياتي، قراءات ولقاءات وأحداث أثَّرتْ فِيَّ، بحسب مستواها، والأمر هنا يشبه، إلى حَدّ ما، سلسلة بدأتْ مع حكايات النساء في عائلتي.

من أين جاءك هذا الشغف بالأدب؟، وما مصدر هذا الإلهام؟

– جدّتاي، وأميّ، وعمّاتي، وبنات عمومتي هنّ اللواتي عرّفْنني بالقصص والحكايات والأساطير والخرافات وألعاب الذاكرة؛ لذا، هَنَّ اللواتي شكّلْنَ الخيال الشعري لطفولتي. إنني أدين لهنّ بجزء مهمّ وأساسي؛ لأنهن كنّ دعامات أساسية في شاعريَّتي، في بداية نشأة هذه الرغبة، في أن أروي، حتى قبل أن أعرف أنني قد أكون روائياً في يوم من الأيّام. آمل أن يقلْنَ حين يرونني اليوم، إنهن فخورات بأنفسهنّ.

ما الكِتاب الذي قرأتموه في طفولتكم، وأثّر فيكم أعمق تأثير، وحفَّزكم على كتابة مؤلَّفاتكم؟

– ليس هناك كتاب معيَّن أَثْبَتَ نفسَه، بل هناك -بالأحرى- لحظة الطفولة حيث الكثير من القصص والأساطير والحكايات التي تسرَّبت إلى نفسي. والواقع أنه كانت هناك كُتُب أثرتْ فيّ، ولكن لم يكن لأيِّ منها حافز حاسم، فكلّ كِتاب من هذه الكتب قد حمل معه شيئاً إيجابياً في مرحلة ما من مراحل تطوُّري، وذلك عندما بدأت قراءة سنغور، وسيزير، وكامارا لاي، أو حينما اكتشفت، في وقت لاحق، بلزاك، وفيكتور هوغو، أو حينما اكتشفت، كذلك، في وقت لاحق، الروائيين الأميركيين والروس، والأدب في أميركا اللاتينية. في كلّ مرحلة من مراحل حياتي، كانت هناك قراءات ولقاءات وأحداث أثّرتْ فيّ، بحسب مستواها. من الواضح أنني سعيد مثل أيّ كاتب يفوز بجائزة كهذه، ولكن، قبل كلّ شيء، أريد أن يُنظر إليها على أنها بداية عصر جديد؛ عصر لا أحد فيه، بعد الآن، ينظر إلى فوز شخص إفريقي من جنوب الصحراء الكبرى أو أيّ شخص أسود، بشكل عامّ، بهذه الجائزة، مسألةً استثنائية.

من خلال الفوز بجائزة «غونكور» لعام (2021)، صنعتم لأنفسكم اسماً بوصفكم أوَّل كاتب إفريقي، وثاني كاتب أسود يفوز بهذه الجائزة المرموقة. ما تأثير ذلك فيكم؟

– أوَّلاً، وقبل كلّ شيء، أفضّل أن أقول إنني أوَّل إفريقي من جنوب الصحراء الكبرى يفوز بهذه الجائزة، لكنني لا أريد أن يتوقَّف التاريخ عند هذه النقطة. من الواضح أنني سعيد مثل أيّ كاتب يفوز بجائزة كهذه، لكني قبل كلّ شيء، أريد أن يُنظر إليها على أنها بداية عصر جديد. وينبغي أن تفتح هذه الجائزةُ المجالَ أمام منطقة كاملة ناطقة بالفرنسية (إفريقيا، وهايتي، وجزر الهند الغربية، غيرها) للحصول على فرص متكافئة في نيل هذا الاعتراف. وفي الواقع، يُعَدّ الفوز بهذه الجائزة، من الناحية التاريخية، حدثاً استثنائياً، ولكن، إذا ما تجاوزنا ذلك، من الضروري أن يقول آلافُ الناس لأنفسهم إن لديهم جميعاً الفرصَ نفْسَها التي تُتاح للآخرين. كانت المغامرة، بالنسبة إليَّ، مذهلة، بالفعل، من خلال الترحيب وردود الفعل التي عرضتْ لكتابي.

أما يزال القلق يراودكم بشأن صحّة السياق؟ 

– عندما تضعون حبكة أو شخصية داخل منظر طبيعي حقيقي، أو شبه حقيقي، ينشأ الالتباس، فمن المعروف، أن غومبرويكس، وسيباتو، كانا صديقَيْن حميمَيْن جدّاً في «بوينس آيرس»، في دائرة ضمَّتْ الأخوات أوكامبو، وآل بورخيس، وغيرهم. وإذا ما أضفنا إلى هذه المجموعة «إليمان»، ينتهي بنا الأمر إلى أن نتساءل: ألم يكن «إليمان» هناك أيضاً… إنني أستعير جُملاً من أعضاء لجنة تحكيم جائزة «غونكور»، والتي لم يتمّ التلفُّظ بها في ذلك الوقت. كلّ ذلك يُحدث تأثيراً حقيقياً يجعل عمل السرد مثيراً للاهتمام وباعثاً على المرح. ولكن يجب، أوَّلاً، أن نسعى إلى أن نكون دقيقِين بشأن السياق الأدبي، والسياق التاريخي، والسياق السياسي. ويبيِّن ذلك، أيضاً، ما يأتي : ضخّ الكثافة في الرواية، عندما نزوّدها بشخصيّات حقيقية، قبل سلب الحرِّيّات، من خلال الخيال، وأيضاً من خلال إدخال أشياء مدهشة للغاية، وسحرّيّة تجعل النصّ يصبح أكثر حركيّةً، وأكثر دوراناً.

بين البقاء في إفريقيا أو الذهاب إلى أوروبا. كيف تحلّون هذه المعادلة؟

– بين هاتَيْن القارَّتَيْن والقصص المنسوجة بينهما، يتولَّد لدينا، دائماً، انطباع بأن علينا أن نختار، وأنا أحاول أن أبدع قصصاً أخرى. أمّا القارّة الثالثة فهي قارّة الأدب. ربَّما يمكننا أن نجد مَخرجاً من خلال الأدب، لكي نخرج، على أيّ حال، من هذه المواجهة المزعجة التي تتعب الجميع. يتكوَّن لدى المرء انطباعٌ بأن الأدب، غالباً ما يكون مجرَّد ذريعة أو وسيلة لخدمة خطاب سياسي، وأنه-أي الأدب- ليس مثيراً للاهتمام في حَدّ ذاته. أعتقد أنه لا توجد طريقة أكثر وحشيّةً، لمعالجة المشكلات، من محاولة التغلُّب عليها من خلال الكتابة. من الضروري اقتراح أعمال تطمح إلى احتضان هذ القصّة بكاملها، لكنها ليست محاكماتٍ أو أنواعاً من لوائح الاتّهام.

ما الذي تقصدونه بكلامكم؟

– سيكون -حقّاً- أدباً يُدرِك أنه، لكي نمضي قدماً إلى الأمام، علينا أن ننظر إلى ما وراءنا لاقتراح سبل جديدة. الأدب هو، أيضاً، قصّة. وعندما نريد إجراء محاكمة للاستعمار، ننسى أن كلّ هذا قد تمَّ، ببراعة، على يد كُتّاب عظماء، من قبيل عثمان سيمبين، أو مونغو بيتي. وعلى الجانب النيجري أو الغاني، على يد «تشينوا أتشيبي»، و«آي كوي أرماه». إن رواية «المغامرة الغامضة» للأديب السنغالي «شيخ حميدو كان» تتحدَّث عن هذا الغموض القائم بين الغرب وإفريقيا، لكن هناك فكرة مفادها أنه لا يمكن أن ينتهي الأمر إلّا باختيار أحدهما، أو الموت في هذا الغموض. ماذا نفعل بعد هؤلاء المؤلِّفِين، في الوقت الذي نُعَدّ نحن فيه ورَثَتَهم؟ هناك إمكانات لاختيار مسارات يمكن أن تكون أكثر انفتاحاً، وتحتضن الغرب وإفريقيا معاً، وهذا لا يعني أن تكون راضياً عن هذا أو ذاك، لكن الأمر يتعلَّق بأن ننظر إلى التاريخ بطريقة واضحة لاختراع شيء آخر. أريد أن أخرج بتصنيفات، وإحالات، وتوقُّعات قويّة جدّاً، ملزِمة بعض الشيء، ستأتي من هذا الجانب أو ذاك، من أجل تحقيق حرّيّة، هي الشرط الحقيقي للإبداع.

ما النصائح التي تقدِّمونها للمؤلّفين الشباب الذين يرغبون في الشروع في الكتابة، اليوم؟

– أعتقد أن أفضل نصيحة يمكن أن أقدِّمها لشابّ ما، هي القراءة ثم القراءة، إذ من خلالها يمكن للمرء أن يجد صوته، ويكتشف الكُتّاب والعوالم الأدبية التي تثير الإعجاب به، وتلك التي لا يريد، أو لا يتمكَّن من الذهاب إليها. قبل أن أبدأ الكتابة، قضيت الكثير من الوقت في القراءة. كلّ شخص لديه مساره الخاصّ، ولكني أعتقد أنه إذا كان هناك عنصر واحد مشترك بين المؤلِّفين الجيِّدين، فهو القراءة الدائمة، والشغف شبه الهوَسي بالأدب.

ما موضوع روايتكم القادمة؟

– لكي أكون صريحاً معكم،أنا لا أخطّط في الوقت الراهن لكتابة أيّة رواية. أنا أفكِّر، أساساً، في نيل قسط من الراحة بعد هذا الكِتاب. ليس لدي أيّة خطط في الوقت الراهن، لا شيء في مسوّدات الكتابة.

حوار: أمبري ديلاكروا
ترجمة: فيصل أبو الطُّفَيْل
المصدر:
www.rewmi.com

 

 

 

الأدب موطن الحرِّيّة المطلقة

 

وُلِد «محمَّد مبوغار سار» في عام (1990)، وعاش طفولته مولعاً بالقراءة والقواميس ولعبة السكرابل، ثم بدأ، في سنّ المراهقة، يكتب روبورتاجات في إحدى الصحف. وبعد دراسته الثانوية في مدرسة «سانت لويس»، في السنغال، درس الأدب والفلسفة في فرنسا، بمعهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية. ومنذ (2014)، نشر ثلاث روايات، وحصد العديد من الجوائز التقديرية.

فكرة روايتك مستمَدَّة من رواية أخرى مثيرة للجدل، عنوانها «واجب العنف»، للكاتب المالي «يامبو أولوغيم»، أوَّل أفريقي نال جائزة «رونودو» عام (1968)…

– إنه كتاب ملعون. أثار خطابه ذو الأسلوب المبهر العديدَ من الخلافات لدى النقّاد والقرّاء، كما أثار غضب المثقّفين الأفارقة والأوروبيين، على حَدّ السواء. لقد كانت رواية شيطانية، بالفعل، فازت بجائزة «رونودو»، ولكن، في عام (1972)، شوَّهت اتِّهامات بالسرقة الأدبية الكتابَ، ونالت من شرف الكاتب، ونزاهته، ثم انسحب «أولوغيم» من الساحة العامّة، والساحة الأدبية. لقد تمَّ إسقاط منجزه الواعد من الأعالي التي كان يحلِّق فيها. ومنذ ذلك الحين، وإلى وفاته في عام (2017)، لم ينشر «أولوغيم» أيّ شيء، على الرغم من أنه حَظِي بالتتويج والاحتفاء. هذه القصّة تسحرني، وتستحوذ عليّ. نصّه القويّ والجميل أبهرني لسنوات عديدة، وهذه واحدة من نقاط البداية، وأحد المصادر التي ألهمتني كتابة هذه الرواية التي يغذِّيها، أيضاً، انشغالي بالتساؤل عن معنى الالتزام الأدبي، ومعنى الرواية، والسرد، والصمت في الأدب. وافتتاني بالأعمال الفريدة، التي يتمكَّن المرء، من خلالها، أن يحصر كلّ ما يود قوله، تقريباً، بين دفَّتَيْ كتاب واحد.

هل أنت مثل الراوي «دييجان»، يقع الأدب في جوهر لغزك الوجودي؟

– نعم. حين يقول المرء إنه مهووس بالأدب، وبالكتابة، فإن ذلك يبدو مجرَّداً؛ لذلك أردت تجسيده من خلال مغامرات البحث عن كتاب، وعن مؤلِّف، من خلال المرور عبر حلقات ملموسة من حياة هذا الأخير. هذا الهوَس بالأدب يتَّخذ معنًى مادِّيّاً، جسديّاً، انطلاقاً من وجود هذا الراوي الشاب. بعد إصداري لثلاث روايات، بدأ يُنظر إليَّ بصفتي كاتباً، ولكن لديَّ شكوك حول هذه الكلمة، وأحياناً أجد، أيضاً، صعوبة في التماهي مع هذه الصفة. وأتساءل: لماذا أستمرّ في الكتابة، بينما هناك الكثير من النصوص التي كتبت قبلي؟… مثل هذا السؤال المؤرِّق، له تعبيرات ملموسة، للغاية، في الحياة اليومية، وهذه الأسئلة ترافقها، كذلك، أفكار ليست بالمريحة دائماً: ما معنى هذا الالتزام؟ ما التحدِّيات التي يمكنني رفعها؟ وما الوسائل المتوفِّرة لديّ؟

مثل الأوديسة، تعبر روايتك فضاءات وأزمنة مختلفة؛ من السنغال الحاليّة، وانتفاضاتها الشعبية، إلى فرنسا في فترة الاحتلال النازي، مروراً بالأرجنتين إبّان حكم الديكتاتورية العسكرية. لماذا اخترت هذا التنوُّع؟

– هذه الحرّيّة مثيرة للاهتمام. إنها رحلة من القرن العشرين إلى بداية القرن الحادي والعشرين، من خلال حياة روائي إفريقي، كان لا بدَّ له من أن يواجه العالم جغرافيّاً، وتاريخياً؛ الأحداث، والأماكن التي شكَّلت مسرحاً لصنع التاريخ. إنها كذلك طريقتي، بصفتي كاتباً إفريقيّاً، على وجه التخصيص، في عدم التقيُّد بأيّة محاذير. يمكنني استكشاف الجغرافيات والثقافات، دون أن حصر نفسي في مواضيع أو مساحات معيَّنة. الأدب هو موطن الحرّيّة المطلقة الذي يحتضن جميع الأوطان الأخرى. قصّة «إليمان» هي، أيضاً، قصّة العالم. فعندما نحاول أن نروي قصّة حياة شخص ما، حتى لو كانت محض خيال، نجابَه، على الفور، بالتعُّدد، على مستويات المعاني، والفرضيات، والتأويلات اللانهائية التي يمكن أن تتَّخذها هذ الحياة في المكان، والزمان. كان من المهمّ ترجمة كلّ ذلك إلى سرد، مع السفر عبر الزمن، والتنقُّل في الجغرافيا، ولحظات الفجوة، والطرق المسدودة. لقد تمَّ بناء الكتاب في شكل متاهة متحرِّكة، آمل أن تفتح مجالاً للَّعب… دون أن تفقد شيئاً من جدِّيَّتها. ويشكِّل السرد، بفضل انتشاره المستمرّ في جميع الاتِّجاهات، أحد رهانات القراءة، أيضاً.

تتكفَّل العديد من الشخصيات بمهمّة سرد حياة «إليمان». كتابك الذي يمثِّل تدبُّراً في قوّة الأدب، هل يمكن اعتباره، بمعنى أوسع، احتفاءً بالرواة، سواء في الفنّ الشفهي، أو في فضاء الكتابة؟

– هو تأمُّل فيما تعنيه عمليّة الحكي، وتحمُّل مسؤولية سرد قصّة، ونقلها إلى شخص ما، انطلاقاً من نظرة السارد نفسه – التي غالباً ما تكون مجتزأة – إلى كلٍّ شامل لا يحصره هذا السارد ببصره، تماماً. أتساءل، أيضاً، عن قدرات الأدب، بصفته مساحة لتناسل السرديّات، على احتضان طبقات متعدِّدة من الأزمنة والأمكنة. فتعدُّد الأصوات هذا يشكِّل التربة الملائمة لإمكانية انبثاق حقيقة أو معنى ما؛ إذ من الضروري أن تأخذ العديد من الشخصيات الكلمة لكي تحدث مواجهات، وسوء فهم، وحالات اتِّفاق أيضاً. ومن هذه التعدُّدية -التي تكاد تكون مثالية ديمقراطية ومبدأ روائيّاً أساسيّاً- يمكن أن تتمخَّض حقيقة عميقة عن شرطية الإنسان.

هناك عدم اتّفاق بين الراوي وصديقه «موسيمبوا» حول غموضهما الثقافي، بصفتهما كاتبَيْن إفريقيَّيْن ينشران في فرنسا؛ فالأوَّل يعتقد أن الكاتب ملزم بتقبُّل الأمر، وتحمُّل تبعاته بكلّ مسؤولية، في حين يرى الآخر أن هذا الوضع ما هو إلا خدعة الغرض منها هو القضاء عليهم، وتشويه الجزء العميق من كيانهم.

– هاتان وجهتا نظر مختلفتان حول ماهيّة الكُتّاب الأفارقة، أو ما ينبغي أن يكونوا عليه، والذين تقودهم الظروف إلى الاستقرار في باريس، أو نشر كتبهم فيها باللّغة الفرنسية. ومن الممكن ألّا أكون معنيّاً بأيٍّ من هاتَيْن الرؤيتَيْن حول العلاقات ما بعد الكولونيالية. وحتى إن كان النقاش حول هذه المسألة قد دار وانتهى، أعتقد أن من الواجب علينا أن نواصل الاستكشاف والعمل على خلخلة فجوة الغموض هاته؛ لأنها ثروة حقيقية، وبالانطلاق منها نكتسب القدرة على خلق أشياء كثيرة. واعتبارها مجرَّد خدعة استعمارية يعني الاعتقاد بأن الاستعمار لا يزال يمتلكنا، وأننا ما زلنا، بطريقة ما، مستعمَرين. والقول بأننا أكثر غموضاً من ذلك يُعَدّ كافياً للإفلات من هذا الوضع. إنه يتيح لنا بناء هويَّتنا، والتعبير عنها عبر الأسلحة التي نمتلكها، مثل اللّغة التي هي، دائماً، تشكيل هجين، لقيط، إلّا أنه يمكننا من خلق شيء جديد، والتعبير عن رؤية للعالم تكون خاصّة بنا وحدنا.

ماذا تعني لك الكتابة بالفرنسية بدلاً من السيريرية أو الوولوفية؟

– هذا سؤال، ولكنه ليس مشكلة وجودية. أنا مرتاح جدّاً في ذلك، وأعرف حقّ المعرفة أن هذا لن يمنعني من الكتابة بلغاتي الوطنيّة. لديَّ هذا المشروع، وأنا أعمل عليه، كما أعمل على اكتساب الوسائل التي ستمكِّنني من تحقيقه في يوم من الأيّام، وأعتقد أن هذه اللغات تشكّل، هي الأخرى، ثروة كبيرة.

في روايتك، نشرَ الكاتب الغامض «ت. س. إليمان» رواية «متاهة اللاإنساني» في عام (1938)، في فرنسا، وقد كان نقّاد المنابر الصحافية المنتمون إلى اليمين، وإلى اليسار، على حدّ السواء، ينظرون إليه نظرة استعمارية، ويحكمون على عمله من خلال لون بشرته وانتمائه لإفريقيا. هل أنت تسائل تلقّي المؤلّفين الأفارقة في أوروبا؟

– نعم؛ فسوء الفهم يطغى، أحياناً، على القراءات التي تخصَّص لكتاباتهم في الغرب. ولا يبدو، دائماً، أنه يتمّ النظر إليها كأعمال أدبية قائمة الذات. هناك غواية بإلحاقها بخصوصيات ثقافية، بل بيولوجية، من أجل فهمها، مع التخلُّص من المسألة الأدبية البحتة. يمكن أن يقال لي إن الطابع الأدبي البحت غير موجود، وإن كلّ أدب يحمل بصمة ثقافة معيَّنة. هذه حقيقة، لكن المشكلة تنشأ عندما تصبح هذه الحمولة الثّقافيّة أكثر أهمِّيّةً من النصّ نفسه. يبدو أننا نبحث، في هذه الكتابات، عن نوع من البراهين، والتأكيدات، حول لون بشرة معيَّن، وبلد معيَّن، وأصول معيَّنة، كما لو كانت هذه المؤشِّرات، في نهاية المطاف، مفاتيح حاسمة، مطلقة. مع مثل هذه الأحكام المسبقة، نقرأ، دائماً، بطريقة معيَّنة، مهتدين بهذه الانتظارات. أو أننا لا نقرأ، بحجة أن المؤلف إفريقي، وأنه لا بدّ أن يتحدَّث عن الموضوع المعروف سلفاً، والذي لا يهمّنا. هذه الأحكام المسبقة توصِل إلى النتيجة نفسها: الابتعاد عن النصّ، والتركيز على الأشياء الكاريكاتورية حوله.

جاء في كتابك: «هذه النظرة تحتجز الآخر. نحن نلزمهم أن يكونوا أفارقة، ولكن ليس كثيراً».

– يجب أن يكونوا أفارقة حفاظاً على الإغرابية (exotisme)، ولكن ليس كثيراً، وإلا استحال علينا فهمهم. ومن الضروري، دائماً، أن يكون الآخر على مسافة كافية من «الخير» كما نراه نحن، انطلاقاً من رؤيتنا لأنفسنا في موقع مركزي. يوجد، في هذا النوع من النقد الأدبي، نزع للصفة الإنسانية، وتشييء سياسي: فالفرد الذي يروي قصّة، بفضل عبقريَّته، يتمّ الحاقه بفئات واسعة، نعتقد أنه يمكن، من خلالها، تفسير الأدب الإفريقي؛ الأمر يشبه النظرة الاستعمارية، في الواقع. وسواءأ سانَدَت العمل أم هاجَمَته، فهذه الصحافة مخطئة، لأنها ما زالت لا تنظر إلى صاحبه بصفته مؤلّفاً، بل ناطقاً باسم شيء ما، أو لون بشرة ما. إنها تراه، وتحكم عليه من خلال انتمائه الإفريقي؛ ما يبتعد بها عن عمله الأدبي.

هل ما زال هذا هو الحال، اليوم؟

– سأكون كاذباً، إن قلت نعم؛ لأن كتابي تمَّ التعامل معه بشكل مختلف، حقّاً. لديَّ انطباع بأن الناس مهتمّون بروايتي فعلاً، لكن السبب، أيضاً، هو أن الكتاب يحذِّر من ذلك. هذا هو اللؤم الذي يميِّز هذه الرواية… أو الفخّ المنصوب فيها؛ فبعد قراءتها، لا يمكن للمرء أن يتلقّاها بطريقة معيَّنة، ولا يمكنه الانجراف نحو الأحكام السهلة، لأنها، باستعمالها لتقنية التبئير (mise en abyme)، لا تتوقَّف عن التذكير بأن النصّ والقراءة هما الفيصل؛ لذا أعتقد أنني نجوت مع هذا الكتاب، لكن هذه الأشياء ماتزال تحدث، بشكل متقطِّع. في رأيي، لدى كلّ مؤلّف إفريقي طرائف يحكيها حول تعرُّضه لمواقف من هذا القبيل، ويمكن أن يأتي ذلك حتى في شكل بادرة ودِّيّة أو تعبير عن الإعجاب. سوء الفهم، في هذه الحالة، يكون بعدم رؤيتنا لهؤلاء المؤلِّفين، بصفتهم كتّاباً حقيقيِّين، بل بصفتهم نوعاً من علماء الأنثروبولوجيا، أو المتحدِّثين السياسيين… ومع ذلك، إن الأمور قد بدأت تتغيَّر. وإذا كان بمقدور كتابي أن يحفِّز، أيضاً، على التفكير في الطريقة التي يتمّ، عبرها، النظر إلى الآخر، فسأكون سعيداً بذلك.

هذا الكاتب، «ت. س. إليمان»، اتُّهم بالسرقة الأدبية. هل كان يهمّك أن تقدِّم قراءة مختلفة، وشخصية لقصّة «يامبو أوغاليم»، وأن تذكر بأن المؤلِّف، أبداً، لا يكتب انطلاقاً من لا شيء، وتؤكِّد على هذا الارتباط الذي يكاد يكون عضوياً بينه وبين الكتب التي يقرؤها؟

– بل هو، أيضاً، تأمُّل في الأدب من حيث هو استمرار لنصّ طويل، أو نصّ يتكرَّر باستمرار، وتُعاد كتابته بقدر أعلى أو أدنى من المهارة. نحن لا نكتفي بالكتابة انطلاقاً من قراءاتنا، ومن شجرة أنساب أدبية، لكننا نكتب، أيضاً، مع هذه القراءات، وبالرجوع إليها؛ لذا يجب طرح هذه المسألة. على أن هذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن السرقة الأدبية والقرصنة، بالمعنى الحرفي، غير موجودَتيْن بالفعل. ولكن يجب، أيضاً، أن نقول إنه لا يوجد مؤلِّف، (كما تقول)، يكتب من لا شيء؛ ولهذا السبب أدافع عن فكرة التفرُّد بدلاً من فكرة الأصالة. ما يهمّ هو قول شيء سبق أن قيل، ولكن بمحاولة التعبير عنه بشكل مختلف، لا من وجهة نظر رسمية، فحسب، بل من الناحية الوجودية، والفلسفية، أيضاً. هذا التنويع الذي ننتجه، بالانطلاق من قول قد يكون أطول أو أقدم أو أبدي، تقريباً، يبدو مثيراً للاهتمام، بالنسبة إليّ. أزعم بأنني أنتمي إلى مدرسة التفرُّد، لا الأصالة، وأسدِّد الدَّيْن، متى سنحت الفرصة بذلك، لجميع الكتاب الذين استرشدت بهم. وفي هذه الرواية، أشير، بوضوح، إلى شجرة أنساب أدبية، من خلال علامات مدسوسة هنا وهناك؛ جمل وعبارات على درجة كبيرة أو صغيرة من الشفافية، تعبيرات أعيدت صياغتها، كلّها إحالات مباشرة على مؤلِّفين، أكنّ لهم الكثير من التقدير، بعضها بارز للعيان، والبعض الآخر لا يمكن اكتشافه، على الإطلاق.

أن تكتب أو لا تكتب، هل يشكّل هذا السؤال معضلة بالنسبة إليك، أيضاً؟

– نعم. إنه سؤال وجودي عميق، شكسبيري، حول معنى الالتزام الأدبي اليوم: ماذا ينبغي لنا أن نكتب بعد ما كتبه شيوخنا، ومَنْ سبقونا؟ هل نمتنع عن الكتابة، لأننا لسنا في المستوى المطلوب، وليس لدينا الكثير لنقوله؟ إنها طريقة للتجرُّؤ على فعل التحرير، والنظر إليه كفعل جدِّي ينطوي على نتائج عميقة. لا بدَّ، أيضاً، أن تتوفَّر لك القدرة على السخرية من هذا الموضوع. الكتابة، أو عدم الكتابة إشكال عويص، لكننا عندما نكرّره، يصبح الأمر مثيراً للضحك، إذ يبدو مثل هوَس يصيب الكاتب الذي يعيش منقطعاً عن العالم. يجب أن يتحلَّى الأدب بالقدرة على السخرية من نفسه. هكذا، يمكنه أن يستمرّ في المقاومة، دون أن يُسحَق بحمل تاريخه الثقيل.

حوار:  أستريد كريفيان
ترجمة: ياسين المعيزي
العنوان الأصلي والمصدر:
Mhamed Mbougar Sarr: La littérature est un pays de liberté absolue
https://www.afriquemagazine.com/mohamed-mbougar-sarrla-litterature-est-un-pays-de-liberte-absolue

 

 

 

أحاول الوصول إلى نوع من التفرُّد

 

هذه مقابلة مع الحائز على جائزة «غونكور» لعام (2021)، «محمَّد مبوغار سار»، الكاتب السنغالي الشابّ الذي أبهرت روايته «الذاكرة الأكثر سرّيّةً للبشر» هذا الدخول الأدبي. إنه الكاتب الذي ظهر اسمه على أكبر عدد من قوائم الجوائز الكبرى لخريف هذا الموسم الأدبي، والذي حصل يوم الأربعاء، الثالث نوفمبر، على جائزة «غونكور» لعام (2021). الجائزة تشكِّل أرفع تتويج لهذا الروائي البالغ من العمر (31 عاماً)، والذي أصدر أربع روايات، حتى الآن. فمن خلال الاحتفاء بالشباب، عمد أعضاء لجنة التحكيم إلى إعادة ربط الصلة بروح الوصيّة التي تركها الأخوان «غونكور»، وكذا إلى تتويج واحدة من أجمل الروايات لهذا العام؛ فرواية «الذاكرة الأكثر سرِّيَّةً للبشر» تمثِّل رحلة بحث أدبية مبهرة، تهيم من قارّة إلى أخرى، وتتشابك فيها القصص والزمنيات، وتناوب بين الجدِّيّة والهزل، كما تتطرَّق، فضلاً عن ذلك، إلى ثيمات الاستعمار، والنازيّة، والإحيائيِّة، والتراث الأدبي، والسرقة الفكرية.

بطل الرواية شابّ سنغالي يبلغ من العمر (23 عاماً)، اسمه «تي سي إليمان»، اقتحم الساحة الأدبية في عام (1938) من خلال رواية عنوانها «متاهة اللاإنساني» (قصّة ملك متعطِّش للدماء)، وقد تسبَّبت الرواية في إحداث عاصفة حقيقية، التهبت لها عناوين الصحف: كتب ناقد مجلَّة «لومانيتي»: «تحفة فنّيّة من إبداع (رامبو زنجي)»، وعَنْوَنَت «لوفيغارو»: «بصاق رجل متوحِّش»، فيما وصفته صحف أخرى بالظاهرة الغامضة … كلّ ذلك، والكاتب نفسه لم يُمنَح فرصة للظهور. غير أنه تحوَّل، بعد ذلك، من نزوة فكرية لمثقَّفي باريس إلى صاحب فضيحة مدوِّية، حين اتَّهمه أستاذان عليمان من «كوليج دو فرانس»، بالنهب والاقتراض. إثر ذلك، اختفى الكاتب الغامض، واختفى كتابه، ونشأت الأسطورة…التي ما زالت، إلى حدود عام (2018)، تُحَيِّر جيل الشباب من الكتّاب الأفارقة. وهذا حال الراوي، «ديجان لاتير فاي»، النسخة الورقية لـ«محمَّد مبوغار سار»، وأحد أعضاء الوسط الأدبي لمجتمع المهاجرين الأفارقة في باريس. يقتفي «ديجان» أثر الكاتب الغامض، ويحقّق في الأرشيف، ويحاول أن يفهم السبب الكامن وراء صمته، ويسعى إلى إعادة رسم مشواره، ويفكِّر في كتابة رواية عن هذا النجم ذي المصير المتفرِّد. تحقيق سيتنقَّل به بين (السنغال، باريس)، و(الأرجنتين، باريس)، ثم السنغال مرّة أخرى…

فيما يلي لقاء مع «محمَّد مبوغار سار»، رجل «ذو دماغ محكم الصنع»، كما يكتب في وصف شخصيّاته.

كتبت، في مدوَّنتك الموسومة بـ «أشياء مشاهدة. الأدب بدلاً من الحياة»: «في عالم مثالي، لا ينبغي لأيّ كاتب أن يتحدَّث بعد الكتابة، (…)، ولكنني لست في عالمي المثالي». إذا كان نزوعك الطبيعي يميل بك نحو الصمت، فحياتك الجديدة، بصفتك حائزاً على جائزة «غونكور»، لن تكون في منتهى السهولة…

– في الواقع، قد يكون العديد من الكتّاب مأخوذين بغواية الصمت أو الاختفاء وراء العمل الأدبي، كما يفعل «كونديرا». من جانبي، أودّ، حقّاً، أن يكون العمل قادراً على الدفاع عن نفسه، وأن يتلقَّى انتقاداته وحده، ولكننا، أيضاً، بتنا نحتاج لسماع كلام المؤلِّف أكثر وأكثر، واكتشاف نبرة صوته، وسماعه وهو يتحدَّث عن طريقته في الاشتغال، أو يطرح آراءه. وللأسف، إن العمل وحده لم يعد كافياً، مع أن الحديث يشكّل، رغم ذلك كلّه، تمريناً يسمح لي أن أوضّح تفكيري ومنهجي.

هل قمت بوضع التصميم المدروس جدّاً، لهذا الكتاب، منذ البداية، أم أنه فرض نفسه مع التقدُّم في الكتابة؟

– مع التقدُّم في الكتابة. أنا أشتغل هكذا، بشكل عامّ. لا أضع تصميماً محدَّداً من البداية؛ ولهذا السبب كانت فترة الكتابة طويلة جدّاً (ما يقرب من الثلاث سنوات). كلّ ما أردت وضعه في هذه الرواية، استغرق وقتاً ليتناغم بطريقة مرضية إلى حَدّ ما. أردت، أيضاً، أن أقول، من خلال شخصية الروائي هاته، إن المشاكل نفسها تظلّ قائمة في نهاية المطاف. السؤال الكبير الذي تطرحه الرواية، في الواقع، هو سؤال الزمن، الذي حاولت تقديمه من خلال أصوات تعبِّر عن نفسها في أوقات زمنية مختلفة ومتقاطعة. في الواقع، نحن لا نترك أشباح الماضي لتنعم بالهدوء، فليس الماضي هو من يطاردنا، بل نحن من نطارد الماضي.

أهديت هذه الرواية للكاتب المالي «يامبو أولوغيم» الذي نال جائزة «رونودو» في عام (1968)، عن روايته الأولى «واجب العنف – Le devoir de violence»، والذي اتُّهم، فيما بعد، بالسرقة الفكرية. هل ألهمتك هذه القصّة كتابة «الذاكرة الأكثر سرِّيَّةً للبشر»؟

– قصّة الاتِّهام بالسرقة الفكرية هاته، بعد نشر كتاب «واجب العنف»، هي واحدة من القصص التي استلهمت منها روايتي، على الرغم من أن الأحداث ليست تجسيداً لسيرة «أولوغيم»، على الإطلاق. إن الأمر لا يتعلَّق بتخييل غير ذاتي (exofiction)، ولنقل إن شخصية «أولوغيم» موجودة في الخلفَّية. فلطالما كنت مفتتناً بقصّة هذا الرجل الذي كانت حياته، في حَدّ ذاتها، رواية. كتابه جميل جدّاً، وشجاع جدّاً، وأسلوبه مبهر. شجاع ووحيد، لأنه يتناقض مع تاريخ الأفكار في ذلك الوقت. وقد انتُقِدت رواية «واجب العنف»، من قِبَل أنصار تيّار الزنوجة (négritude)، مثل «سنغور»، و«أمباتي با»، وبعد فضيحة السرقة الفكرية، من طرف مجموعة كاملة من الصحافيين والكتّاب من الوسط الأدبي الفرنسي. لقد وصف «سنغور» الرواية بـ «المروِّعة»، لأنها تستند إلى رؤية للقارّة الإفريقية تتعارض، تماماً، مع ما كانت الزنوجة تحاول قوله من أن القارّة الإفريقية كانت جنّة قبل وصول الاستعمار الأوروبي إليها. اكتفى «يامبو أولوغيم» بالقول إن هذا الاستعمار سبقه استعمار آخر عربي، وحركات استعمارية أخرى داخلية في القارّة. ومن الواضح أن مثل هذا القول لا يتناسب مع فكرة إعادة التثمين، التي كان الزنوجة تعمل من أجلها، والتي كانت، هي الأخرى، تتمتَّع بالمشروعية نفسها. هاتان الشرعيَّتان دخلتا في صراع، لكن القبول بالأولى كان أمراً صعباً.

نشرَ «تي. سي إليمان»، مؤلِّفك السنغالي الشابّ، روايته في عام (1938). وقد استخدمت كلمة «زنجي» منذ المقالات الصحافية الأولى التي تحدَّثت عنه.

– في عام (1921)، عندما فاز الكاتب الغياني «رينيه ماران» بجائزة «غونكور»، نشرت عنه بعض المقالات الأبوية والعنصرية إلى حَدّ ما. وفي عام (1938)، لم تتغيَّر العقليّات. وتعلمون أن كلمة «زنجي» كانت لا تزال موجودة في عام (1968)، سواء في الصحافة أو في كتابات الناشرين. وبما أن «سنغور» كان لا يزال على قيد الحياة، فإن المصطلح كان يستخدم بشكل دارج، والمشكلة هي أنك لا تعرف أبداً بأيّ معنى. ففي بعض الأحيان يكون عنصرياً واضحاً، وفي أحيان أخرى يكون استخداماً أدبياً أو مفصولاً عن سياقه الاعتيادي.

ديجان لاتير فاي، ساردك الشابّ، الروائي السنغالي المفتتن بمصير «إليمان»، والذي يمثِّل -إلى حَدّ ما- نسختك الورقية، يتحدَّث بطريقة ساخرة جدّاً عن الوسط الأدبي الصغير لمجتمع الشتات الإفريقي في باريس، حيث يسمِّيه «غيتو-ghetto». هل الكُتّاب الأفارقة، في باريس، اليوم، يصفون أنفسهم بهذه الصفة؟

– نعم. يكفي أن تَلجي الوسط الأدبي الإفريقي تسمعي الكلمة تقال بنوع من السخرية والعطف معاً. إنها بيئة لها نقط تشابه مع الغيتو، بالمعنى الحرفيّ؛ أي تقع على هامش العالم الأدبي الفرنسي. نحن نعيش فيما بيننا، نشكّل فضاءً منفصلاً، فيه صداقات، وخصومات، وكوميديا، وتراجيديا، وجمال أيضاً.

هل تعتقد أن الوسط الأدبي الفرنسي لا ينظر، بالطريقة نفسها، إلى مؤلِّف قادم من السنغال، ومؤلِّف وُلِد بمدينة «تولوز»، على سبيل المثال؟

– في الواقع، لا أعتقد أنني أوضع في مستوى المؤلّف الفرنسي نفسه. هذا ليس أمراً إيديولوجيًّا، ولكن عندما نقوم بدراسة السوسيولوجيا الأدبية، ندرك أن تصوُّرات وتوقُّعات الناشرين أو الجمهور حولنا، ليست، في الواقع، هي نفسها حول باقي الكتّاب. هناك مؤلَّف مهمّ من إنجاز الباحثة «كلير دوكورمون»، عنوانه «صناعة كلاسيكيي الأدب الإفريقي»، تبيِّن فيه كيف أن عدداً من الكُتّاب الذين يتمّ اعتبارهم، اليوم، كتّاباً كلاسيكيِّين تمَّت صناعتهم، تقريباً، من قِبَل ماكينة النشر الأدبي الفرنسية، من خلال مجموعة من الاستراتيجيات الترويجية، وغيرها، التي -ربَّما- تعمد إلى وسائل من خارج الميدان الأدبي، ولا تحظى بموافقة المؤلّفين أنفسهم، فحسب، بل بمشاركتهم فيها، أيضاً.

عندما تكون كاتباً إفريقياً، يتمّ تصنيفك على الفور، ويتعيَّن عليك تناول عدد معيَّن من الثيمات؛ فمثلاً، عندما كنت في مدينة «سان مالو» بمناسبة حصولي، هناك، على جائزة الأدب العالمي عن روايتي الثانية، قالت لي إحدى القارئات، بحُسْن نيّة: «أنا أحبّ الكُتّاب الأفارقة حقّاً؛ لأنهم يخبروننا عن العالم». ماذا تعني هذه الجملة؟ إنها جملة ملؤها الودّ الصادق، ولكنها ربَّما تعني أيضاً: «أنا أقرأ لك لأني أتوقَّع منك أن تخبرنا عن العالم». باختصار، نحن ماركة، علامة، وهذا أمر خطير كما لو أن هناك جيش من الكتّاب الأفارقة يتعيَّن عليهم جميعاً أن يكتبوا الشيء نفسه.

هناك شخصية من شخصيّات روايتك تتحدَّث عن المنفى، دون أيّ احتمال للعودة. ماذا عنك أنت؟

– تمثِّل العودة إلى البلد الأصلي أحد المواضيع الأدبية، والكونية، ولكن عندما يعود الكتّاب محمَّلين بذكرياتهم، فإنهم لا يجدون بلدهم على النحو الذي تخيَّلوه، وغالباً ما يقعون فريسة للاكتئاب، ويغرقون في الحنين إلى الماضي، ويرضون -مكرَهين- بهذا الحال. وقد قالها «داني لافيريير»: «العودة لغز»، وهو الذي يُعتَبر أشهر منفيّ في الأدب المكتوب باللّغة الفرنسية، ولديه مفهوم خاصّ للمنفى، مفهوم لا علاقة له بالنزعة إلى استعراض الألم، فهو يعتبر أن المنفى هو طريق يشكِّل جزءاً من تجربة وجودية؛ لذلك لا حاجة بنا لتضخيمه أو تعظيمه، وأنا أتَّفق مع مفهومه هذا، بشكل كلِّي.

كتبتَ تقول عن «إليمان»: «من المحتمل، في واقع الأمر، أن أيّ كاتب لا يحمل إلا كتاباً أساسياً واحداً، فقط، مؤلَّفاً جوهريّاً وحيداً، يكتبه في حياته كلّها». هل أنت شخصياً تخشى هذا الاحتمال؟

– فكرة عدم الكتابة لا ترعبني، بشكل أساسي. يحاول كلّ منّا أن يكتب كتابه الأخير، الكتاب الذي يجمع كلّ هواجسه، ثم نمضي قدُماً. أنا أتوق إلى معرفة اللحظة التي نُقَدِّر فيها أن ما كان علينا قوله قد قيل، بالفعل. ولكن، ربَّما كان هذا توهُّم «شاب» لا أكثر، فأنا ما زلت مسحوراً بالكتاب، وبالأدب كفعل مطلق. وفي الواقع، لا يوجد شيء حاسم أو نهائي حول هذه المسألة، فمن بين الكُتّاب المفضَّلين عندي يوجد «بلزاك»، ولا يمكن القول إنه كتب نصّاً واحداً قبل أن يتقاعد.

حوار:  ماريان بايو
ترجمة: حياة لغليمي
العنوان الأصلي والمصدر:
Mohamed Mbougar Sarr: “j’essaie de tendre vers une singularité»
https://www.lexpress.fr/culture/mohamed-mbougar-sarr-j-essaye-de-tendre-vers-une-singularite_2161843.html

لم يكن الأمر ليكون! قـمم يأس إميل سيوران

استغرق موت «سيوران» عدّة سنوات قبل أن يبلغ منتهاه. في البداية، ظهرت عليه بعض العلامات المزعجة فقط: ذات يوم، لم يعرف طريق العودة من المدينة إلى المنزل! طريق كان يعرفها (وهو المشَّاء الماهر) حقّ المعرفة. ثم بدأ يفقد جزءاً من الذاكرة. أحياناً، يبدو كأنه لا يعرف جيّداً من يكون، ويبدو أن آخر شيء فقده هو حسّ الفكاهة الرائع لديه. ذات يوم، سأله أحد المارّة في الشارع: «هل أنت «سيوران»؟» فأجابه: «كنت». لكن علامات الخرف أصبحت كثيرة جدّاً وخطيرة: بدأ «سيوران» ينسى بمعدَّل ينذر بالخطر، فأصبح من اللازم إيداعه المستشفى. في النهاية، خانته الكلمات: لم يعد «سيوران» (أحد أفضل كتّاب عصره) قادراً على تسمية الأشياء الأساسية، ثم جاء الدور على العقل. في النهاية، نسي من يكون، تماماً.. في مرحلة من مراحل معاناته الطويلة والنهائية، في لحظة وجيزة من الصفاء الذهني، همس «سيوران» لنفسه: «إنها الاستقالة الشاملة!». لقد كان ذلك هو الفشل النهائي الكبير، وهو لم يفشل في إدراكه على حقيقته.

يرى البعض أن «سيوران» كان أحد أكثر المفكِّرين تخريباً في عصره – «نيتشه» القرن العشرين، لكنه أكثر سوداويةً ودعابةً. وقد اعتقد الكثيرون، خاصّة إبّان شبابه، أنه مجنون خطير، بينما نظر إليه آخرون على أنه مجرَّد شابّ غير مسؤول، بشكل جذّاب، وأنه لا يشكِّل أيّ خطر على الآخرين، بل على نفسه، فقط. عندما سلَّم كتابه عن التصوّف للمطبعة، رفض الذي يقوم بالطبع -وهو رجل طيب يتَّقي الله – أن يلمسه، بعدما أدرك (التجديف) الذي يتَّسم به محتواه؛ قام الناشر بنفض يده من الموضوع، فاضطر المؤلِّف إلى نشر ذلك (التجديف) في مكان آخر، على نفقته. فمن كان ذلك الرجل؟

«إميل سيوران» (1911 – 1995)، فيلسوف فرنسي، رومانيّ المولد، ومؤلِّف بما يربو على عشرين كتاباً عن الجمال المتوحِّش والمقلق. إنه كاتب مقالات على الطريقة التقليدية الفرنسية الجميلة. ورغم أن الفرنسية لم تكن هي لغته الأمّ فإن الكثيرين يعدّونه من أفضل مَنْ كتبوا بتلك اللّغة. أسلوبه في الكتابة غريب الأطوار، غير منهجي، وشذريّ. لقد تمَّ الاحتفاء به بصفته واحداً من أعظم أرباب الحِكَم. لكن «الشذرة» لم تكن، بالنسبة إلى «سيوران»، مجرد أسلوب كتابة: كانت مهنةً وأسلوبَ حياة، وقد أطلق على نفسه اسم «رجل الشذرة».

غالباً ما يناقض «سيوران» نفسه، لكن هذا آخر شيء يثير قلقه؛ فهو لا يعتبر التناقض الذاتي ضعفاً، بل دليلاً على أن العقل حيّ. فالكتابة ليست، في اعتقاده، أن يتميَّز الكاتب بالثبات، والإقناع، أو الترفيه عن القرّاء، بل إن ذلك لا يمتّ بِصِلة حتى للأدب. للكتابة، عند «سيوران»، تماماً، كما كان لها عند «مونتيني – Montaigne» قبل عدّة قرون خلت، وظيفة أداء تُميّزها عن سواها: لا يكتب الكاتب ليبدع نصّاً، بل ليشتغل على نفسه؛ ليعيد لَمَّ شمله بعد حدوث كارثة شخصية، أو ليُخرج نفسه من حالة اكتئاب سيِّئة؛ ليتعايش مع مرض مميت، أو ليبكي على فقدان صديق حميم. يكتب الكاتب لكي لا يصاب بالجنون، لكي لا يقتل نفسه أو يقتل الآخرين.

في حوار له مع الفيلسوف الإسباني «فرناندو سافاتر – F. Savater»، قال «سيوران» في لحظة من اللحظات: «ربّما كنت سأصبح قاتلاً، لو لم أكتب». الكتابة، عنده مسألة حياة أو موت. الوجود الإنساني، في جوهره، كرب ويأس لانهاية لهما، والكتابة قد تجعل الإنسان يطيق ذلك بشكل أكبر. «الكتابة انتحار مؤجل»، يقول «سيوران».

كتب «سيوران» لينقذ نفسه من الموت مراراً وتكراراً. ألَّف كتابه الأوّل «على قمم اليأس» (1934)، وهو في الثالثة والعشرين، في غضون أسابيع قليلة، وهو يعاني من نوبة أرق مروِّعة. وقد شكَّل هذا الكتاب – والذي يعتبر واحداً من أجمل ما كتبه باللُّغتَيْن؛ الرومانية، والفرنسية – بداية الارتباط القوي والحميم في حياته ما بين الكتابة والأرق: «لم أتمكَّن يوماً من الكتابة إلّا في أتون الاكتئاب الذي أدخلتني فيه ليالي الأرق. ظللت سبع سنوات لا أكاد أنام. أحتاج لهذا الاكتئاب، ولا زلت، إلى اليوم، أستمع، قبل أن أشرع في الكتابة، إلى موسيقى الغجر [الحزينة] من المجر».

وكون «سيوران» مفكِّراً غير منهجيّ، لا يعني أن عمله يفتقر إلى الانسجام، بل -على العكس من ذلك- إنه يجعله منسجماً؛ ليس من خلال أسلوبه الفريد في الكتابة وطريقة تفكيره، فحسب، بل من خلال مجموعة متميّزة من المواضيع الفلسفية، والمواضيع العامّة والخاصيّات، أيضاً. ويحتلّ الفشل، بين هذه المواضيع، مكانة بارزة. كان «سيوران» مهووساً بالفشل: شبحه يخيِّم على أعماله، بدءاً من كتابه الأوَّل باللّغة الرومانية، ثم لم يحِد، بعد ذلك، عن جادّة الفشل طوال حياته: لقد درسه من زوايا متنوّعة، وفي لحظات مختلفة، كما يفعل الخبراء الحقيقيّون، وبحث عنه في الأماكن التي لا نتوقّع وجوده فيها، أبداً. اعتقد «سيوران» أن الفشل قد لا يكون مآل الأفراد، فحسب، بل هو مآل المجتمعات، والشعوب والدول، أيضاً. إنه مآل الدول؛ على الخصوص. […].

يصيب الفشل كلّ شيء. قد تصبح الأفكار العظيمة موصومة بالفشل، وكذلك الكتب، والفلسفات، والمؤسَّسات، والأنظمة السياسية. حتى الوضع الإنساني نفسه، يراه «سيوران» مشروعاً فاشلاً. «لم أعد أرغب في أن أكون رجلاً»، كتب في «معضلة الميلاد» (1973). إنه «يحلم بشكل آخر من الفشل». الكون عبارة عن فشل كبير، وكذلك هي الحياة نفسها. وهو يقول: «الحياة، وقبل أن تكون خطأً جوهرياً، فشل في الذوق، لا ينجح الموت، ولا حتى الشعر في تصحيحه». […].

لأنه كان يعرفه عن كثب، كان بمقدور «سيوران» أن يتحدَّث عن الفشل جيِّداً؛ فقد شارك، في شبابه، في مشاريع سياسية كارثية (وهو أمر ندم عليه طول حياته)، وغيَّر بلدان إقامته ولغاته، واضطرَّ إلى إعادة بناء كلّ شيء من الصفر. كان منفيّاً على الدوام، وعاش حياة هامشية، ولم يحصل على عمل إلّا في حالات نادرة، فعاش على عتبة الفقر. من المؤكَّد أنه قد ألِفَ الفشل ألفةً كبيرة، بل أصبح يميل إليه. كان يعرف كيف يقدّر الحالة الجديرة بالفشل، وكيف يراقب تطوُّرها، ويتذوَّق تعقيدها؛ فالفشل فريد من نوعه: الناجحون يبدون، دائماً، متشابهين. أمّا الفاشلون فيختلفون في طرق فشلهم. كلّ حالة من حالات الفشل تتَّسم بملامح وجمال خاصَّيْن، ويتطلَّب الأمر خبيراً بارعاً مثل «سيوران»، ليميّز ما بين فشل يبدو عادياً، لكنه في الواقع كبير، وبين فشل صاخب، لكنه عاديّ.

كان أوَّل لقاء له مع الفشل، في وطنه، بين مواطنيه الرومانيّين. ولد «سيوران» ونشأ في «ترانسيلفانيا»، وهي إقليم كان، لفترة طويلة، جزءاً من الإمبراطورية النمساوية المجرية، وفي عام (1918)، أصبح جزءاً من المملكة الرومانية. وإلى حدود اليوم لا يزال سكّان «ترانسيلفانيا» يظهرون أخلاقيّات عمل قويّة، ويقدِّرون الجدِّيّة، والانضباط وضبط النفس غاية التقدير. وعندما التحق «سيوران» بالجامعة في «بوخارست»، العاصمة الجنوبية للبلاد، ولج عالماً ثقافياً جديداً عليه، تماماً. هناك، كانت المهارات التي يتطلّبها الفوز مختلفة: فن عدم القيام بأيّ شيء، والسفسطة (من المرح قليلاً إلى السخرية الصريحة) التي تفوق الاستقامة الفكرية، واتِّخاذ التسويف مهنة، واشتغال الطالب بإضاعة حياته. ولمّا كان «سيوران» طالباً جامعياً في شعبة الفلسفة، احتكَّ ببعض أفضل المشتغلين بالفلسفة في «بوخارست»، وقد نال المزيج من التألُّق الفكري، والشعور اللافت بالفشل الشخصي الذي يظهره بعضهم، وإعجابه الدائم وغير المشروط بهم: «التقيت في «بوخارست» بالعديد من الأشخاص، العديد من الأشخاص المهمِّين، والخاسرين، وعلى الخصوص، الذين كانوا يحضرون إلى المقهى ويتحدَّثون بشكل مطوَّل جدّاً، ولا يفعلون أي شيء. يجب أن أقول إن هؤلاء كانوا، بالنسبة إليّ، أكثر الناس المهمِّين هناك. أشخاص لم يفعلوا أي شي طوال حياتهم، لكنهم كانوا متألِّقين».

ظلّ «سيوران» بقيَّة حياته مديناً- سرّاً- لأرض الفشل تلك التي كانت هي بلاده؛ وحقَّ له أن يظلّ كذلك. فالرومانيون تربطهم علاقة فريدة من نوعها بالفشل؛ وكما يمتلك الإسكيمو عدداً لا يحصى من الكلمات الدالّة على الثلج، يبدو أن اللغة الرومانية لها القدر نفسه من الكلمات المرتبطة بالفشل. وإحدى العبارات الشائع استخدامها، في اللغة الرومانية، يعتزّ بها «سيوران»، هي (n-a fost sǎ fie) (تعني: «لم يكن الأمر ليكون»، وتكتسي مسحة جبريّة قويّة). هذا البلد منجم ذهب، بحقّ.

كان «سيوران» معروفاً بكرهه للبشر، وإن كان هناك نوع بشري واحد يتفهَّمه ويتعاطف معه، فهو نوع الإنسان الفاشل. في عام (1941)، وكان وقتها مقيماً في «باريس»، اعترف لصديق روماني قائلاً: «أودّ أن أكتب كتاباً أسمّيه «فلسفة الفشل»، وأضع له عنواناً فرعياً هو: يُستخدَم – حصرياً-  من طرف الشعب الروماني، ولكن لا أظنّ أنني سأستطيع فعل ذلك». كلّما تذكَّر «سيوران» أيّام شبابه، تذكَّر، بمزيج من الانجذاب والحنان والإعجاب، الخاسرين الكبار، ومشهد الفشل اللامتناهي الذي قابله في «بوخارست». لا شكّ في أن المشهد الأدبي للبلاد، قد اجتذبه حين كان كاتباً ناشئاً، ولكن ليس بقدر ما اجتذبه مشهد الفشل: «لم يكن أعز أصدقائي، في رومانيا، من الكتّاب، بل من الفاشلين».

كان أستاذ الفلسفة، في جامعة «بوخارست»، «ناي يونيسكو» (1890 – 1940)، والذي كان له التأثير الحاسم على «سيوران» الشابّ، فاشلاً فشلاً ذريعاً وفق المعايير المعتادة. لم ينشر أيّ كتاب، وغالباً ما كان ينتحل محاضراته أو يرتجلها، على الفور، يتغيَّب، أحياناً، عن الفصول الدراسية لأنه «لم يكن لديه ما يقوله». كان كسله أسطورة. وبغضّ النظر عن هذا، كان «يونيسكو» أحد أكثر نوابغ جيله – كان «عبقريّاً»، بحسب قول العديد من الذين عايشوه، بشكل مباشر، بل إنه طوَّر نظرية صغيرة عن الفشل (فَضَّلَ- وهو أمر صائب- عدم نشرها).

ومع ذلك، لم يكتفِ «سيوران» بمراقبة الفشل عن بعد، فقد شرع في ممارسته في وقت مبكِّر، وفعل ذلك بأسلوب أنيق. في عام (1933)، بعد تخرُّجه في الجامعة، مباشرةً حصل على منحة الدراسات العليا (طالب زائر من جامعة «فريدريش فيلهلم» في «برلين». وما إن وصل إلى ألمانيا، حتى وقع في حبّ النظام النازي الحديث النشأة. في نوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام، كتب إلى صديقه «ميرسيا إلياد»: «أنا مفتون تماماً بالنظام السياسي الذي أقاموه هنا». وجد «سيوران»، في (ألمانيا هتلر)، كلّ ما لم يجده في «رومانيا» التي كانت لا تزال دولة ديموقراطية، نسبيّاً. كانت «ألمانيا» تعيش حالة من الهستيريا السياسية، والتعبئة الجماهيرية، وقد اعتقد «سيوران» أن ذلك أمر جيّد؛ لقد أعطى النظام النازي، للألمان، إحساساً بـأن لهم «رسالة تاريخية»، وهو شيء لن تقوم ديموقراطية «رومانيا»، أبداً، بتقديمه لشعبها. وبينما كان آخرون يرون مقدّمات حدوث كارثة ذات أبعاد تاريخية في «ألمانيا»، في ذلك الوقت، لم يرَ «سيوران» سوى وعد، وعظمة تاريخية. وما الذي جعل «هتلر»- بالتحديد- عظيماً؟ أجاب «سيوران» بأنها قدرته على إثارة «الدوافع اللاعقلانية» للشعب الألماني، محاولاً أن يبدو كأنه مراقب موضوعي. وما كاد يبلغ الثانية والعشرين من العمر حتى كان يمارس الفشل، بكلّ جدية.

بحلول خريف عام (1933)، كان «سيوران»، بالفعل، نجماً صاعداً بسرعة في الأدب الروماني، فقد ساهم، وهو، بعدُ، طالبٌ جامعي، بعدد قليل من المقالات الأصيلة اللافتة للنظر في بعض المنابر الأدبية، في بلاده، وأصبحت الدوريات تريد المزيد من مقالاته. أرادوا منه، بشكل خاصّ، تغطية المشهد السياسي الألماني. في رسالة أرسلها إلى جريدة «ﭬريميا» الأسبوعية في (ديسمبر، 1933) كتب «سيوران»، بكلّ جرأة: «إذا أحببت شيئاً عن الهتلريّة فهو عبادة اللاعقلاني، والابتهاج بالقدرة الخالصة على الحياة، والتعبير الرجولي عن القوّة، دون أيّ روح نقدية، أو كبت، أو تحكُّم». وبإفراطه في استخدام كليشيهات يحبها أعداء الديموقراطية الليبرالية في كلّ مكان، يبدي «سيوران»، هنا، شفقته على أوروبا […] مقابل ألمانيا «الرجولية»، بكلّ فخر، التي تعجّ بالعضلات، والضوضاء، والغضب. «هتلر»، هو الرجل الذي يشغل منصب المسؤولية بشكل بارز، و«سيوران» معجب به. بعد عدّة أشهر (يوليو، 1934)، وفي رسالة أخرى إلى الدورية نفسها، لم يخجل، على الإطلاق، من التعبير عن إعجابه الشديد بذلك الرجل الشجاع: «من بين كلّ السياسيّين، اليوم، «هتلر» هو الذي يحظى بحبّي وإعجابي أكثر». ولكن الأسوأ لم يأتِ بعد.

 

 

[…] يبدو أن فكرة غريبة قد تفتَّقت في ذهن «سيوران»؛ مفادها أنه لا يمكنه فصل قيمته الشخصية عن المزايا التاريخية للمجتمع القومي الذي ينتمي إليه. ثم، عند قياس قيمة هذا المجتمع، وجدها دون المستوى، وبشكل كبير. يعتقد «سيوران» أن «رومانيا» «أمّة فاشلة» تاريخياً، وفشلها هذا سينسحب -ولا شكّ- على جميع الرومانيين. الحقيقة هي (وكأن هذا لم يكن سيِّئاً بما فيه الكفاية) أن الانسحاب ليس خياراً جيّداً، ما دام «انفصال المرء عن أمّته يؤدّي إلى الفشل»، فهو يفشل داخل الأمّة، ولكنه يفشل أكثر خارجها. هكذا، تمكِّن «سيوران»، في سنّ مبكِّرة، نسبيّاً، من حشر نفسه في مأزق وجودي جدِّي. وكونه هو من تسبَّب في هذه الدراما، إلى حدٍّ كبير، فهذا لا يجعلها أَقلّ إيلاماً؛ بل- على العكس من ذلك- هذا الشيء سيجرحه، ويؤثِّر في عمله بشكل كبير. قد تكون ممارسة الفشل عملاً دمويّاً.

هذه الدراما – «دراما التفاهة» كما سيسمِّيها «سيوران»، لاحقاً -هي التي تكمن وراء الكتاب الذي نشره بعد فترة وجيزة من عودته من ألمانيا: «تغيير وجه رومانيا» (1936). […] لكن «سيوران» شديد التناقض مع نفسه، ففي مكان آخر من الكتاب، نجده «يحبّ ماضي رومانيا بكراهيّة شديدة»، وهو يحلم بأن يكون لها مستقبل زاهر. إنه يحلم بأن تكون «رومانيا تضاهي الصين من حيث عدد السكّان، ويكون قدَرُها كقدَر فرنسا». البلد جميل – وكلّ ما يحتاجه، فقط، هو دفعة، هنا، ودفعة هناك؛ وما يحتاجه في المقام الأوَّل هو «دفعة» نحو التاريخ. لا يقول لنا «سيوران» ما يعنيه هذا، بالضبط، لكنه يلمِّح، عندما يؤكِّد أن كلّ ما يستطيع فَعَله هو أن «يحبّ رومانيا وهو في حالة هذيان». ولتحقيق مثل هذه الغايات السامية، تصبح كلّ الوسائل مشروعة، أليس كذلك؟ و«سيوران» نفسه يقول: «كلّ الوسائل مشروعة لشعب يفتح أمام نفسه طريقاً في هذا العالم.[…].

في غضون بضع سنوات، عندما تمكَّنت الحركة الفاشية، في «رومانيا»، الحارسة الحديدية العنيفة لمعاداة الساميّة، من الوصول إلى السلطة التي مكثت فيها بضعة أشهر في أواخر عام (1940)، أيَّدها «سيوران»، وإن كان قد فعل ذلك بطريقته الغامضة. «رومانيا في حالة هذيان»، التي كان يحلم بها، بدأت تتشكَّل أخيراً، وقد كان منظرها قبيحاً: تَمَّ تعقُّب اليهود الرومانيين، وقَتْلهم بدم بارد، وتمَّ نهب ممتلكاتهم وحرق بيوتهم، بينما تعرَّض غير اليهود من السكّان، لغسيل دماغ وحشي، قوامه الأصولية الدينية. في ذلك الوقت، كان «سيوران» قد استقرَّ في «فرنسا»، حيث أعاد اكتشاف نفسه من خلال لغة أخرى، في أثناء عودته في رحلة قصيرة إلى الوطن ألقى كلمة مساهمةً منه في إحياء ذكرى الزعيم المؤسِّس للحركة «كورنيليو زيليا كودريانو -Corneliu Zelea Codreanu»- (المسمّى «الكابتن»: 1899 – 1938) […]. كان هذا «القبطان» يتميَّز، من بين أمور أخرى، بمعاداة مسعورة للساميّة. فقد دعا، علانيةً، إلى الاغتيال السياسي، وكان هو نفسه قاتلاً سياسيّاً. على خلفية ثقافة ديموقراطية هشّة، في رومانيا، ما بين الحربَيْن العالميَّتَيْن، دفع «كودريانو» البلاد، بشكل منفرد، مدعوماً بكاريزما شخصية وانعدام الوازع الأخلاقي، إلى الفوضى في ثلاثينيّات القرن الماضي. وها نحن نرى «سيوران» يمدحه!.

في مجال الفشل لا يمكن لأي مفكِّر – حتى ولو كان معروفاً بكونه غير مسؤول مثل «سيوران» الشابّ – أن ينحدر ​​إلى أدنى من هذا المستوى. هل تتساءلون عمّا أصابه، مثلما تساءل أصدقاؤه الديموقراطيون في ذلك الوقت؟ في السنوات التي تلت ذلك، أصبح ذلك السؤال يطرح نفسه على «سيوران»، بإلحاح يصيبه بالإحباط. عندما وُوجه، لأوَّل مرّة، بفظاعة موقفه السياسي المؤيِّد للفاشيّة، بعد فترة وجيزة من نهاية الحرب، كاد ألّا يتعرَّف إلى نفسه من خلال كتابه «تغيير وجه رومانيا»، وكتاباته الصحافية السياسية. لقد أيقظته، فجأةً، أهوال الحرب، وفظاعة الهولوكوست، الذي هلك فيه بعض أصدقائه اليهود؛ لا شكّ في أن تلك النصوص قد بدت له، حينها، كالكوابيس، ثم فعل فيه الزمن فعله، فجعله يرى الأشياء بشكل أكثر وضوحاً. في عام (1973) كتب في رسالة إلى أخيه: «أحياناً، أسأل نفسي عمّا إذا كنت حقّاً أنا مَنْ كَتَب هذا الهذيان الذي يقتبسونه. الحماس شكل من أشكال الهذيان. لقد أُصبنا بهذا المرض ذات مرّة، لكن لا أحد يريد أن يصدق أننا قد شفينا منه». في نصّ صغير صدر بعد وفاته، تحت عنوان «بلادي» (1996)، يشير «سيوران» إلى محتويات كتاب «تغيير وجه رومانيا» بأنها «هذيان مجنون متوحِّش». هذه (ونقوله ذلك بشكل عابر) هي نتيجة الممارسة المكثَّفة للفشل: تجلب شخصاً آخر إلى العالم قبل أن تدرك ذلك. تبحث عن نفسك أمام المرآة، ذات يوم، فتكتشف هناك شخصاً آخر يحدِّق فيك.

ليس من السهل، أبداً، تحديد مجال اشتغال «سيوران»، وعندما يتعلَّق الأمر بماضيه السياسي يكون الأمر شبه مستحيل. وممّا لا يساعدنا على ذلك، بعيداً عن الإشارات الغامضة إلى «الهذيان» و«حماس» الشباب، رَفْضُ «سيوران»، في مرحلة ما بعد الشباب، أن يتطرَّق إلى «تلك السنوات». وهو يفعل ذلك لسبب وجيه؛ فهو يدرك جيّداً ما تنطوي عليه. فالفشل يكره السفر بمفرده: وهو عادةً ما يفضل أن يرافقه العار. في رسالة أخرى إلى شقيقه، يقول «سيوران»: «الكاتب الذي ارتكب بعض الحماقات في شبابه، في بداياته، يكون أشبه بامرأة لها ماض مشين. لا يُغفَر له ذلك أبداً، ولا يتمّ نسيانه أبداً». وقد ظلّ انخراطه السياسي في «رومانيا»، ما بين الحربَيْن العالميَّتَيْن، أكبر عار، وأخطر فشل مدمّر، يلاحقه إلى آخر أيّامه. وقد فشلت كلّ الأمور الأخرى بالمقارنة مع ذلك.

لنلْقِ لمحة أخرى على طريقة «سيوران» الغريبة في التفكير السياسي، في رسالة أرسلها إلى «ميرسيا إلياد» في عام (1935) يقول فيها: «صيغتي لكلّ الأشياء السياسية هي كالآتي: قاتلْ بكلّ تفانٍ من أجل الأشياء التي لا تؤمن بها». لا يعني هذا أن مثل هذا الاعتراف يسلِّط الكثير من الضوء على انخراط «سيوران»، بل يضع «هذيانه» ضمن منظور نفسي معيَّن. لقد تميَّز «سيوران»، لاحقاً، بهذا الانقسام في الشخصية، وإنه لمن المنطقي، بالنسبة إلى الفيلسوف الذي يرى العالم على أنه فشل كبير الأبعاد، أن يسخر من النظام الكوني (ومن نفسه في إطار هذه العملية) من خلال الادِّعاء بأن هناك معنى حيث لا يوجد أيّ معنى.[…].

عندما عاد «سيوران» من «ألمانيا» عام (1936)، قضى فترة قصيرة يُدَرِّس الفلسفة في مدرسة ثانوية في «براشوف»، وسط رومانيا. كان هذا، أيضاً، فشلاً ذريعاً، وهي آخر محاولة قام بها للاحتفاظ بوظيفة قارّة. في أثناء درس المنطق، مثلاً، كان «سيوران» يقول لطلاب المستوى الثانوي إن كلّ شيء في الكون مريض مرضاً لا يرجى له علاج، بما في ذلك مبدأ الهويّة. عندما سأله أحد التلاميذ، ذات مرّة: «ما الأخلاق، يا أستاذ؟» أجابه «سيوران» بأن طلب منه ألّا يقلق، لأنه لا يوجد شيء اسمه الأخلاق. كان تلاميذ الأقسام التي يدرِّسها في حالة فوضى دائمة، وكان التلاميذ في حيرة من أمر هذا الأستاذ البغيض، مثلهم في ذلك مثل زملائه.

في عام (1937)، قرَّر مغادرة «رومانيا» مرّة أخرى، وقد اعتبر هذا القرار «أذكى قرار» اتَّخذه في حياته. كان أوَّل بلد اختاره هو «إسبانيا»، حيث تقدَّم بطلب للحصول على زمالة في السفارة الإسبانية في «بوخارست»، شهرين، فقط، قبيل اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية، ولم يتوصَّل بأيّ جواب قطّ. ثم قرَّر أن «باريس» هي المكان المناسب لشخص في مستوى تطلُّعاته: «قبل الحرب، كانت باريس هي المكان المثالي لأن يحيا المرء حياة فاشلة، وكان الرومانيون، على وجه الخصوص، معروفين بذلك».

قطع «سيوران» أواصره مع «رومانيا»، وتبنّى وجوداً جديداً، كما أنه أطلق على نفسه اسماً جديداً: «إي إم سيوران»». في وقت ما، أخذ يكتب ويتحدَّث، طول الوقت، تقريباً، باللّغة الفرنسية (كان يستخدم اللغة الرومانية للشتم فقط، وهو يعتبر أن ما يوجد في الفرنسية من عبارات الشتم لا يشفي الغليل). جاء «سيوران» إلى «باريس» بعد حصوله على منحة للدراسات العليا؛ وكان من المفترض أن يحضُر دروساً في جامعة السوربون، وينجز أطروحة دكتوراه حول موضوع فلسفي. وقد كان يعلم جيّداً، عندما تقدَّم بطلب الحصول على المنحة، أنه لن يكتب تلك الأطروحة أبداً. لقد تحقَّق له، أخيراً، ما كان يسعى إليه: أن يعيش كطفيلي! كلّ ما احتاجه ليعيش بأمان، في فرنسا، هو بطاقة الطالب، والتي كانت تمكِّنه من دخول مقاهي الجامعة الرخيصة. كان بوسعه أن يعيش على ذلك النحو، إلى الأبد. وهذا ما فعله لبعض الوقت، على الأَقلّ: «في الأربعين من عمري، كنت لا أزال مسجّلاً في جامعة السوربون، كنت أتناول الطعام في كافتيريا الطلاب، وكنت آمل أن يستمرّ هذا حتى آخر أيّامي. ثم صدر قانون يمنع الطلّاب الذين يتحاوزون السابعة والعشرين عاماً من التسجيل في الجامعة، فتمَّ إخراجي من ذلك النعيم».

بعد إخراجه من نعيم الطفيليّات، كان عليه ممارسة بعض المهن الغريبة. وكان بعض أصدقائه الرومانيِّين الميسورين، (مثل «يونيسكو») يساعدونه، أحياناً، وفي أحيان أخرى، كان يعوّل على لطف الغرباء. وقد أثبت أنه مرن إلى حدٍّ كبير، مبقياً كرهه للبشر تحت السيطرة؛ وهكذا، يصادق أيّ شخص يعرض عليه إمكانية تناول العشاء مجّاناً. وهذا هو ما جعله يتعرَّف، جيّداً، إلى عجائز «باريس». كان التكوين الصارم الذي تلقّاه في الفلسفة مفيداً له؛ إنه يُمْتِعُ من يدعوه للعشاء بمحادثته الرائعة، ويغنّي له. ثم كانت هناك الكنيسة في «باريس»: كلّما سنحت له الفرصة، كان يزور، بكلّ سرور، الكنيسة الأرثوذكسية الرومانية، ويتحيَّن الفرص لتناول الطعام مجّاناً.

قد يقوم «سيوران» بأيّ شيء ما عدا تولّي وظيفة؛ فتولِّيه الوظيفة سيكون أكبر فشل في حياته. يتذكَّر «سيوران»، وقد تقدَّم به العمر، فيقول: « كان الشيء الرئيسي، بالنسبة إليّ، هو حماية حرِّيّتي. ولو قبلت، يوماً، أن أصبح موظّفاً في مكتب، لكسب لقمة العيش، لفشلت». ولكي لا يفشل، اختار مساراً قد يعتبره أغلب الناس هو الفشل بعينه، لكنه كان يعلم أن الفشل يكون أمراً معقَّداً، على الدوام: «لقد تجنَّبت، بأيّ ثمن، ما ينتج عن الوظيفة من إذلال […] فضَّلت أن أعيش كطفيلي [بدل] أن أدمِّر نفسي بالعمل موظَّفاً». وكما يعلم جميع الكسالى الكبار، ففي التقاعس كمال: لم يكن «سيوران» على وعي بذلك، فحسب، بل قام، أيضاً، برعايته طوال حياته. عندما سأله أحد محاوريه عن عمله الروتيني، أجابه: «في معظم الأوقات، لا أفعل أيّ شيء. أنا أَشدّ الناس كسلاً في باريس […].

فلا عجب أن يكون «سيوران»، بصفته شخصاً أقام مثل هذه العلاقة الحميمة مع الفشل، يشكّ في النجاح. يقول: «هناك جانب من الدجال في أيّ شخص ينتصر في أيّ مجال، كيفما كان». وقد رفض كلّ الجوائز التي منحتها له المؤسَّسة الأدبية الفرنسية، ما عدا جائزة «ريـفارول – Rivarol». وعندما حالفه النجاح العامّ، في الأخير، أجرى عدداً قليلاً من المقابلات، ولكنه ظلّ، دائماً، بعيداً عن الأنظار. «أنا عدوّ المجد»؛ تلك كانت عقيدته. وقد قال، ذات مرّة، عن «بورخيس»: «لقد أصابه سوء حظّ الاعتراف به. إنه يستحقّ أفضل من ذلك». في «معضلة الميلاد»، يتحدَّث «سيوران» عن «وجود يتغيَّر باستمرار، بفعل الفشل»، كمشروع حياة يحسد المرء عليه. ومثل هذا الوجود سيكون الصفاء بعينه، والحكمة مُجَسَّدة: عبارة عن «بذخ، وهدوء […].

كان الفشل، إذاً، رفيق «سيوران» المقرَّب، وملهمه المخْلِص، بل مصدره الرئيسي للإلهام. إنه ينظر إلى العالم – إلى الناس والأحداث والمواقف – بعيون الفشل التي لا تُحْجِم. يمكنه، على سبيل المثال، قياس عمق الحياة الداخلية لشخص ما، من خلال طريقة تعامل هذا الشخص مع الفشل: «هذه هي الطريقة التي نتعرَّف بها إلى الرجل الذي لديه ميول نحو استكشاف دواخله: إنه يضع الفشل فوق أيّ نجاح». كيف ذلك؟ لأن الفشل -كما يعتقد «سيوران»- «أساسيّ على الدوام، يكشف حقيقتنا لأنفسنا، ويسمح لنا برؤية أنفسنا […]، بينما النجاح يبعدنا عمّا هو جوهريّ في داخلنا، وفي كلّ شيء في الحقيقة». أَرِني كيف تتعامل مع الفشل، وسأخبرك بالشيء الكثير عن نفسك. «يمكنك معرفة المرء عند فشله، أو تعرُّضه لكارثة كبيرة»، فقط.

مهما يكن النجاح الذي يحقّقه «سيوران»، فإنه ينظر إليه من زاوية «مشروع الفشل» في حياته، وقد طوَّر عادة (رؤية النجاح في الفشل، ورؤية الفشل في النجاح). وأفضل النجاحات التي حقّقها لم تكن هي كتبه، التي تمَّ الاحتفاء بها، وترجمتها في جميع أنحاء العالم، لاحقاً، ولا تأثيره المتزايد بين الأشخاص الميَّالين إلى الفلسفة، ولا حتى وضعه، بصفته متقناً للُّغة الفرنسية. يقول: «النجاح الكبير، في حياتي، هو كوني تمكَّنت من العيش دون أن يكون لي عمل. لقد عشت حياتي بشكل جيّد، في نهاية المطاف. تظاهرت بأنها كانت فاشلة، لكنها لم تكن كذلك». […].

الكون «ساقط»، بالنسبة إلى «سيوران»، وكذلك العالَم الاجتماعي، والعالم السياسي. والحقيقة هي أنه لا شيء ينجو من الفشل بالنسبة إلى غنوصي القرن العشرين هذا. في محاولة منه لتجاوز ما تعرَّض له من إخفاقات سياسية، إبّان شبابه، سعى إلى فهم معانيها العميقة، ودَمْج هذا الفهم في نسيج تفكيره الناضج، وقد كانت نتيجة ذلك فلسفة أكثر دقّةً، ومفكّراً أكثر إنسانيّةً: لقد عملت تجارب «سيوران» الفاشلة على تقريبه من فئة إنسانية، لم يكن ليدخلها لو لم يعشها؛ ألا وهي فئة الخجولين والمتواضعين. إننا نصادف في كتبه المكتوبة بالفرنسية، فقرات عن الفشل، صادرة عن حكيم ملهَم: «في ذروة الفشل، في اللحظة التي يوشك فيها العار على إلحاق الضرر بنا، تجرفنا بعيداً، فجأةً، نوبةُ فخر لا تدوم سوى فترة تكفي لاستنزافنا، وتتركنا بدون طاقة، وتخفض بقوانا حدّة عارنا».

إن ممارسة الفشل مدى الحياة، إلى جانب التفكير فيه بهَوَس، قد غيَّرا «سيوران» في نهاية المطاف، فمع تقدُّمه في السنّ أصبح أكثر تسامحاً وتقبُّلاً لحماقات الآخرين وسلوكهم الغريب. بيد أن ذلك لا يعني أن «سيوران» الفرنسي قد أصبح، بين عشيّة وضحاها، مفكّراً «ديموقراطيّاً». فلم يكن هذا ليحدث أبداً؛ وسيظلّ، حتى النهاية، نَذِير «انحلال الغرب»، وصاحب الأفكار السوداء والمروِّعة. في كتابه «التاريخ والمدينة الفاضلة» (1960)، على سبيل المثال ، يلاحظ: كلّما زرت مدينة، كيفما كان حجمها، أتعجَّب من كون أعمال الشغب لا تندلع كلّ يوم: مذابح، مجازر، وفوضى تفوق الوصف. كيف لهذا العدد الكبير من البشر أن يتعايشوا في مكان ضيِّق للغاية، دون أن يدمِّر بعضهم البعض، دون أن يكره بعضهم البعض كراهيةً شديدة؟ إنهم، في الحقيقة متباغضون، يكره بعضهم بعضاً، لكنهم لا يترجمون تلك الكراهية إلى أفعال. وهذا الضعف وهذا العجز هما ما ينقذ المجتمع، ويضمن استمراره واستقراره.

لا. لم يصبح «سيوران» بطلاً ينافح عن الديموقراطية الليبرالية، ولكنه تعلم- ولا شكّ، بطريقة من الطرق- كيف يستمتع بلمهاة العالم – أي أن يشارك، مبتهجاً، في تشويه الفشل الكوني. يُظهِر تفكير «سيوران» اللاحق ميزة غريبة له، يمكن أن نسمّيها، في غياب مصطلح أفضل، اليأس البهيج (يعتبر «سيوران» نفسَه متشائماً بهيجاً). إنه النمط نفسه يتكرَّر مراراً: لقد تبيَّن أن هناك شيئاً فظيعاً، وشنيعاً، غير أنه، في تلك الشناعة، تكمن بذرة خلاصه، بطريقة ما. يمكن أن تكون الحياة شيئاً لا يطاق، أن يكون الأرق قاتلاً، وتستنزفك الأفكار السوداوية ببطء، بيد أن هذا شيء يمكنك معالجته من خلال الكتابة. يقول «سيوران»: «كلّ ما يتمّ التعبير عنه يصبح مطاقاً أكثر». الكتابة عمل سحري رائع يؤثِّر في ممارسيه، ويجعلهم يطيقون حياتهم أكثر. السلبي لا يأتي خالصاً، أبداً، بل هناك دائماً شيء يشوبه؛ فالكارثة تحمل، في طيّاتها، خلاصَها، في حدود ما يمكن التعبير عنه.

أحد أكثر الأشياء إثارةً للاهتمام، في كتابات «سيوران» المتأخِّرة، هو صوته بصفته ناقداً سياسيّاً. في كتابه «التاريخ والمدينة الفاضلة»، فَصْل بعنوان «رسالة إلى صديق بعيد»، وقد صيغ النصّ، في الواقع، على شكل رسالة، ونُشِر، في الأصل، في المجلّة الفرنسية الجديدة عام (1957). كان ذلك «الصديق البعيد»، الذي يعيش خلف الستار الحديدي، هو الفيلسوف الروماني «كونستانتين نويكا». لقد وجَّه «سيوران»، في رسالته، بشكل لا يدعو للاستغراب، طعنة للنظام السياسي الذي أقامته روسيا السوفياتية في أوروبا الشرقية؛ لكونها سخرت من فكرة فلسفية مهمّة. كتب يقول: «اللوم الكبير الذي يمكن أن نوجِّهه إلى نظامكم، هو كونه دمَّر المدينة الفاضلة؛ مبدأ التجديد لدى المؤسَّسات والشعوب». […].

والأهمّ من ذلك هو كون «سيوران»، في الرسالة نفسها، يوجِّه للغرب نقداً، بالقسوة نفسها، تقريباً، فقد كتب يقول: «نجد أنفسنا نتعامل مع نوعَيْن من المجتمع، كلاهما لا يطاق، وأسوأ ما في الأمر هو كون الإساءات التي تحدث في مجتمعكم تجعل المجتمع الآخر يواظب على إساءاته، ويقدِّم الفظاعات التي يرتكبها لتوازن تلك التي ترعونها في مجتمعكم». لا ينبغي للغرب أن يهنِّئ نفسه على «إنقاذ» الحضارة. فالحضارة قد بلغت درجة متقدِّمة من الانحطاط، يعتقد «سيوران»، بحيث لم يعد من الممكن إنقاذ أيّ شيء بعد الآن، باستثناء المظاهر، ربّما. ليس هناك اختلاف كبير بين «نوعَي المجتمع» هذين، ففي التحليل النهائي نجد أنها مسألة فارق بسيط، فقط. […].

وعلى الرغم من كلّ مزاياها التحليلية، والأسلوبية، اتَّضح أن رسالة «سيوران» زلّة سياسية. فالمرسل إليه، «كونستانتين نويكا»، الذي كان يحاول الابتعاد عن الأضواء في الريف الروماني، كان من عادته أخذ المراسلات على محمل الجدّ، وقد دفعه نصّ «سيوران» للردّ عليه بمقال فلسفي لاذع. كان «نويكا»، أيضاً، رجلاً ساذجاً للغاية. بعد انتهائه من كتابة المقال، وجَّهه إلى صديقه في «باريس»، واضعاً الظرف، كما يجب، في صندوق بريدي في الشارع. وقد تمكَّنت الشرطة السرِّية، من وضع يدها على ذلك الردّ. وبما أن الذوق لتلك الشرطة، كان مختلفاً قليلاً عن ذوق «نويكا»، فقد دفع ثمن مراسلته لـ«سيوران» بقضاء عدّة سنوات سجيناً سياسيّاً. ولا شكّ في أن «سيوران» قد اندهش، عندما علم بنبأ اعتقال صديقه، وسجنه، من كون الفشل لا حدود له. لا يفتأ المرء يفشل، بغضّ النظر عمّا يفعله.

توفّي «إي إم سيوران» في 20 يونيو/ حزيران (1995)، لكنه كان قد غادر، بالفعل، قبل وفاته؛ فقد عانى، طيلة السنوات الأخيرة من عمره، من مرض «الزهايمر»، وتَمّ إيداعه مستشفى «بروكا» في باريس. وبما أنه كان يخشى أن يعيش مثل هذه النهاية، فقد وضع خطّة للانتحار. لقد قرَّر، هو وشريكته التي عاشرته فترة طويلة، «سيمون بوي»، أن ينتحرا معاً مثل «أرثر كوستلر»، وزوجته. لكن المرض كان أسرع، ففشلت خطَّته، وكان عليه أن يموت بطريقة مذلّة، للغاية، ميتة استغرقت عدّة سنوات، قبل أن تبلغ منتهاها. في البداية، ظهرت عليه بعض العلامات المزعجة، فقط: ذات يوم لم يعرف طريق العودة من المدينة إلى المنزل! طريق كان يعرفها (هو المشَّاء الماهر) حقّ المعرفة، ثم بدأ يفقد جزءاً من الذاكرة. أحياناً، يبدو كأنه لا يعرف جيّداً من يكون. ويبدو أن آخر شيء فقده هو حسّ الفكاهة الرائع لديه. ذات يوم، سأله أحد المارّة في الشارع: «هل أنت هو «سيوران»؟» فأجابه: «كنت». لكن علامات الخرف أصبحت كثيرة جدّاً، وخطيرة: بدأ «سيوران» ينسى بمعدَّل ينذر بالخطر، فأصبح من اللازم إيداعه المستشفى. في النهاية خانته الكلمات: لم يعد «سيوران»، وهو أحد أفضل كتّاب عصره، قادراً على تسمية الأشياء الأساسية، ثم جاء الدور على العقل. في النهاية، نسي من يكون، تماماً.

في مرحلة من مراحل معاناته الطويلة والنهائية، في لحظة وجيزة من الصفاء الذهني، همس «سيوران» لنفسه: «إنها الاستقالة الشاملة!». لقد كان ذلك هو الفشل النهائي الكبير، وهو لم يفشل في إدراكه على حقيقته.

كوستيكا براداتان* 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كوستيكا براداتان (Costica Bradatan)، فيلسوف أميركي روماني المولد، يعمل أستاذاً للعلوم الإنسانية في «جامعة تكساس»، وأستاذاً باحث شرفيّاً باحثاً في الفلسفة، في جامعة «كونس لاند» في أستراليا. أصدر أكثر من عشرة كتب، من بينها «الموت من أجل الأفكار: حياة الفلاسفة الخطيرة» و»في مديح الفشل» (الذي تضمَّن هذا المقال المترجم هنا). ويشرف على مراجعة الدراسات الدينية والدراسات المقارنة في «مؤسَّسة لوس أنجلوس لمراجعة الكتب. lareviewofbooks.org».

المصدر:

The Philosopher of Failure: Emil Cioran’s Heights of Despair – Los Angeles Review of Books (lareviewofbooks.org).

كلاوديو ماغريس، وماريو فارغاس يوسا.. مرافعة للدفاع عن الأدب

هناك لقاءات تبلغ الذروة، وتعلق بالأذهان: منها لقاء «فيليب روث – Philippe Roth» بـ«بريمو ليفي – Primo Lévy» و«إسحاق باشفيس سينجر – Isaac Bashevis Singer» (دعونا نتحدَّث عن العمل)، أو لقاء «غراهام غرين – Graham Green» بـ«أنتوني بورجيس – Anthony Burgess» في عام (1980) (الحوار الأخير)، أو مقابلة «بازوليني – Pasolini» على التليفزيون الإيطالي مع المنبوذ «إزرا باوند – Ezra Pound» عام (1967).

وفي «ليما» سنة (2009)، جاء الدور على الفائز بجائزة «نوبل» «ماريو فارغاس يوسا – Mario Vargas Llosa» للتحدُّث مع «كلاوديو ماغريس – Claudio Magris» حول الكاتب والتزامه من أجل الحقيقة. وقد نُشرت نسخة من هذه المقابلة، باللُّغة الفرنسية، تحت عنوان: «الأدب هو انتقامي».

في مواجهة الفوضى التي يشهدها العالم، يؤكِّد كلّ من الكاتبَيْن؛ الإسباني والإيطالي، أن الكاتب لا يزال لديه دور يضطلع به.

نقاط مشتركة عديدة تجمع بين الكاتبين؛ فهما ينتميان إلى الجيل نفسه، (جيل الثلاثينيات) ويمارسان الصحافة، بانتظام، منذ الستينيات، لحساب اثنتَيْن من كبريات الصحف اليومية العالمية؛ صحيفة «الباييس» بالنسبة إلى «يوسا»، وصحيفة «لي كورييري دي لا سيرا» بالنسبة إلى «ماغريس». وقد ذاق كلاهما طعم الممارسة السياسية: «فارغاس يوسا» بصفته مرشَّحاً رئاسيّاً للبيرو، قبل ثلاثين عاماً أو أكثر، و«ماغريس»، المدافع عن مفهوم الميتيليوروبا (أوروبا الوسطى)، بصفته عضواً في مجلس الشيوخ لولاية استمرَّت مدّة عامين، في منتصف التسعينيات. وهما، وإن اختلفا من حيث طبيعة المنجز الأدبي، لهما الحرص نفسه على النظر إلى العالم بعين عميقة وناقدة، وزعزعة يقينيّاتنا، واستنكار أخطائنا، وكشف الرذائل الخفيّة للتاريخ، سواء في ما كتباه من أعمال متخيَّلة، وعلى مستوى المقالات الفكرية التحليلية.

ويعترف كلٌّ من الرجلين اللذين يتكلَّمان الفرنسية واللذين التقيا عدّة مرّات، للآخر، بالاحترام والإعجاب المشتركَيْن. وقد أسرَّ لنا «فارغاس يوسا» بأنه ما فتئ، منذ عشر سنوات، يدعم ترشيح الكاتب الإيطالي لدى الأكاديمية السويدية للفوز بجائزة «نوبل». كما حرص «ماغريس» على أن يعرب، في مقدِّمة هذا الحوار، عن سعادته «باللقاءات والحوارات التي جمعته بفارغاس يوسا، في العديد من البلدان، والتي شكَّلت تجارب عظيمة»، كما أفصح لنا، أيضاً، عن شعوره «بالفخر لهذه الصداقة المشتركة».

لقد قبلا الإجابة عن أسئلتنا قبل بضعة أيّام. تحدَّث «ماريو فارغاس يوسا» بالفرنسية، عبر الهاتف، من مدريد، حيث يقيم. فيما ردَّ «كلاوديو ماغريس» باللّغة الإيطالية، عن طريق البريد الإلكتروني، من مدينة «تريستا»، التي ولد فيها في عام (1939).

بعد مرور اثني عشر عاماً على مثل هذا اللقاء، في المكتبة الوطنية في «ليما»، هل ما زلتما تحتفظان بالرأي نفسه حول الكاتب ودوره في المجتمع، وعلاقته بالعالم؟

– ماريو فارغاس يوسا: المشكلة الرئيسية، اليوم، تتمثَّل في «تتفيه» الأدب، فمع أننا شهدنا عودة الناس، من جديد، إلى القراءة في ظلّ وباء كورونا، اتَّجهوا- للأسف، في غالب الأحيان- إلى أدب سطحي. وقليلون همّ الكتَّاب الذين يعتقدون، اليوم، بأن الرواية قادرة على أن تغيّر مسار التاريخ. لقد تحوَّل الأدب إلى نوع من المتعة، والترفيه، و«الانترتينمنت – Entertainment» على الطريقة الأميركية، في حين أن مهمَّته هي الاشتباك مع المشاكل الحقيقية. يتمّ، اليوم، تنويم القارئ، وهذا خطر، مثلما يتمّ تنويم المشاهدين أيضاً. إننا، هنا، نفقد ما هو أساسي: مخاطبة المواطن الساخط غير الراضي الذي يجب أن نقوم بإزعاجه واستثارته. نحن لم نعد نُبيِّن له الفوضى التي يتخبَّط فيها العالم، والحال أن الأدب هو الذي بسط أمامنا، عبر حكايات متخيَّلة، الأسباب الداعية إلى التمرُّد ضدّ العالم.

– كلاوديو ماغريس: من جهتي، أعتقد أنه يصعب علينا كثيراً، اليوم، أن ننظر، بالطريقة نفسها، إلى العلاقة بين الأدب والعالم. خاصّة في هذا الوقت الذي نعيش فيه اضطراباً معمّماً يدمِّرنا، بسبب الفيروس التاجي والهيمنة الكاسحة والوحشية لاقتصاد السوق، من خلال عولمة كلّ الأشياء، بما فيها تلك المتعلِّقة بالقلب، وبما هو حميميّ. إن ما يحدث، الآن، قد تسبَّب في تغيير وجه العالم أكثر بكثير ممّا تسبّبت فيه كلّ الاضطرابات السابقة، وأكثر من الحروب. ولابدّ من الإشارة، أيضاً، إلى أن العديد من الكُتَّاب اعترفوا، خلال فترات الحجر الأطول، بأن الرغبة في الكتابة قد اختفت لديهم، بل اختفت لديهم، أيضاً، الرغبة في القراءة. مع أن الحجر أتى بتأثير معاكس، من جهة أخرى؛ إذ اعترف مؤلِّفون آخرون بأنهم لم يقرؤوا إلّا قليلاً، لكنهم جميعاً قد شرعوا في الكتابة…

هل يمكن القول إننا دخلنا عصر ما بعد الأدب، بوجود كتَّاب، لم يعد الاشتغال على اللّغة والأسلوب يمثِّل غرضهم الأساسي؟

– «م. ف. ي»: هناك حقيقة واحدة مؤكَّدة: لم يعد هناك، اليوم، وجود لكاتب مثل «فلوبير» الذي كان يعكف، في ما يشبه التعبُّد، لمدّة خمس سنوات، على كتابة رواية أو مقالة. الروايات، الآن، أصبحت تُكَتب وفقاً للطلب، في سوق تهيمن عليها التنافسية الشديدة. من جهة أخرى، إن التزام الكاتب بالحرّيّة بات أمراً حاسماً لأننا نعيش زمناً يسود فيه الخلط بين الحقيقة والأكاذيب، على جميع مستويات المجتمع. في الواقع، السياسة تمطرنا بالأكاذيب وبالتصريحات المنافية للحقيقة. يجب أن نتذكَّر أن مهمّة الأدب هي أن يظهر لنا الحقيقة.

– «ك. م»: أعتقد أن مصطلح «ما بعد الأدب» مصطلح عديم المعنى، إلى حدٍّ ما. ولكن من الواضح أن الالتزام بات ينحدر في جميع المجالات، بما فيها أهمّ قطاعات الأدب. لقد أصبح المنطق التجاري العنيف حقيقة لا مفرّ منها، بل واقعاً لا يرحم، وهو لا يعير أدنى اهتمام لأولئك الذين يعيشون في حالات بالغة الصعوبة. إن النظام السائد قد تمكَّن من تجميد وشَلِّ كلّ شيء، بما في ذلك البدائل الأكثر بداهةً أو تلك التي أثبتت نجاعتها، بالفعل. سوف أكرِّر، اليوم، ما قلته في عام (2009)، بالكلمات نفسها، ولكن مع الإحساس بالحزن.

في عام (2009)، ذكّرتما بأسبقية القيم العالمية على القيم الوطنية أو الطائفية وضرورة التوسُّل بالمتخيَّل لتبنّي موقف نقدي تجاه العالم. هل أصبحت هذه الأولوية مهدّدة في ظل ما بتنا نعيشه اليوم؟

– «م. ف. ي»: المشكلة هي أننا نعيش في مجتمع حيث الهياكل العليا، سواء أكانت سياسية أم كانت اقتصادية أم كانت مالية، وأنا هنا لا أتحدَّث عن «الجافا – GAFA» حتى تتجاوز سلطة وكفاءة الأوطان والدول. والحال أنه، في ظلّ هذه البيئة العدائية، يحمينا الاتِّحاد الأوروبي، وهو الفضاء الذي ولدت فيه الحرّيّة والديموقراطية، في اعتقادي، من خطر القومية الذي يتهدَّدنا على الدوام، ويتيح لنا بأن نحتلّ مكاناً ما على الساحة العالمية، بين الصين والولايات المتَّحدة.

– «ك. م»: بالطبع، تمَّت إعادة إغلاق بعض الحدود في الآونة الأخيرة، وليس في وجه المهاجرين، فحسب. إننا نقف مذهولين وغير مصدِّقين أمام انكماش الشعوب، وعودة العنصرية والقومية، بل حتى القوميات الصغرى. فما الذي يستطيع الأدب فعله أمام هذا الواقع؟ هذا سؤال حقيقيّ في نظري.

من القواسم المشتركة بينكما هناك التأمُّل في العلاقة بين الكتابة التي تبدع والالتزام لصالح الحقيقة، الذي يستحيل تجنُّبه في مواجهتنا مع العالم ومع الحاجة إلى تغييره. ما رأيكما في ذلك؟

– «م. ف. ي»: الأدب لا حدود له، وينبغي ألّا تكون عليه قيود: إمّا أن يكون حرّاً أو لا يكون. ومن الواجب عليه أن يستكشف ما هو مخفيّ وكامن، كما ينبغي له أن يكون مستقّلاً، لا سيَّما مع حالة الارتباك التي نمرّ بها في الوقت الراهن، والتي ازدادت حدّتها بفعل أزمة (كوفيد)، التي منحت لسلطة الدولة، في جميع بلدان العالم، تقريباً، مزيداً من القوّة والسيطرة لتراقب حركاتنا وسكناتنا. يجب أن نقوم بتوجيه النقد لأن الأدب يساهم في صناعة التاريخ، وفي التقدُّم البشري، عبر استخدام الخيال والفانتازيا، ورفع الجمال إلى أعلى مراتب القيم الإنسانية. فالأدب، كما يعلم الجميع، يمثِّل أداة للحرّيّة. والحرّيّة، كما علَّمنا ذلك «عوليس»، تمثِّل القيمة الأساسية.

وأودّ أن أضيف أن الأدب هو إبداع لا يحاكي الواقع بأمانة، ولكنه يمكن أن يجسِّد هذا الواقع من خلال الأكاذيب. عندئذ، يصبح حقيقة متحوّلة، وأكثر عمقاً بكثير.

– «ك. م»: هناك شيء أذهلني بشكلٍ خاصّ، وقد حدث ذلك في أوروبا: قبل عام، شاهدت على شاشة التلفزة الإيطالية شيئاً لم أكن لأعتقد، أبداً، أنني سأراه في يوم من الأيّام. ففي الساحة الرئيسية لمدينة وارسو، التي دمَّرها النازيّون، تظاهر آلاف البولنديين حاملين أعلام «هتلر»، وصلباناً معقوفة.

ما هو الكتاب الذي ألَّفته، وتنصح به قارئاً شابّاً في عام (2021)؟ ولماذا؟

– «م. ف. ي»: بدون تردُّد: «محادثة في الكاتدرائية»، فقد كلَّفتني هذه الرواية أكثر من ثلاث سنوات من العمل الشاقّ، لأنها تؤكِّد كيف يمكن للمرء، من خلال الرواية، أن يبيِّن ويثبت الآليّات والقوى التي تحرِّك المجتمع، كما أن في هذه الرواية، أيضاً، شيئاً غير متناهٍ، وهذا ما حصدته من قراءاتي لـ«فلوبير – Flaubert»، الذي أعود للغوص في كتبه بانتظام، كما أعود، أيضاً، إلى «بلزاك – Balzac»، و«هوغو – Hugo» و«بروست – Proust». الرواية تعبير عن مجتمع؛ ذلك هو تعريفها الصحيح منذ القرن التاسع عشر إلى الآن.

– «ك. م»: إنها روايتي «Tempo curvo a Krems» (حرفيّاً: «زمن مقعَّر في كريمس»)، والتي ستُنشرها في العام المقبل دار النشر «غاليمار» بعد أن يترجمها، كما العادة، كلّ من «جان وماري نويل باستيرو – Jean et Marie-Noëlle Pastureau». وعلاوة على ذلك، يسرني أن روايتي «Croce del Sud» (حرفيّاً: «صليب الجنوب») سيتمّ نشرها في عام (2021) من قِبَل دار النشر «ريفاج – Rivages».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: تييري كليرمون

العنوان الأصلي للحوار:

Claudio Magris-Mario Vargas Lliosa: Plaidoyer pour la littérature

مصدر الترجمة: «لوفيغارو – Le Figaro»، العدد (18)، فبراير، (2021).

فولفغانغ فايراوخ.. “استعدادات لاغتيال الطاغية”

وُلِد الكاتب الألماني «فولفغانغ فايراوخ» عام (1904)، في كونيكسبيرغ، عاصمة بروسيا الشرقية، والتي باتت، بعد الحرب العالمية الثانية، تحت سيطرة روسيا، وتُعرف اليوم بـ«كالينينغراد». بعد فراغه من تعليمه الثانوي، اتَّجه إلى التمثيل، فالتحق بمعهد التمثيل في فرانكفورت لدراسته. درس الأدب الألماني، والآداب الرومانية، والتاريخ. وعندما كشفت الحرب العالمية الثانية عن ساقها، استُدعِي للخدمة، وبقي جنديّاً حتى نهايتها. كان له دور مهمّ في «مجموعة 47» التي أنشِئت بعد الحرب، وكانت مواضيع أعمال أعضائها تدور حول الدمار المادّي والدمار الروحي الذي لحق بألمانيا.

ووضع «فايراوخ» تعبيراً رمزياً معبِّراً عن هذه الفترة، بتسميتها بـ«التعرية»، وقد استخدم هذه التسمية في مجموعته القصصية «ألف غرام» الصادرة عام (1949)، بقوله: «الجمال شيء جميل. أمّا الجمال دون حقيقة فهو الشرّ، لكن الحقيقة دون جمال هي شيء أفضل». ويرى أن الوقوف في وجه التقليديين والعقائديين لا يتحقَّق إلّا من خلال نقد الذات: «إن الذي يريد اقتلاع الشوائب من الجذور، عليه أن يبدأ أوّلاً باللّغة والجوهر والشكل، أي من الأبجدية». ويهدف «فايراوخ»، في أعماله، إلى زيادة محصّلة الخير لتقويض محصِّلة الشرّ، مؤمناً بالحقيقة الكاملة التي لا تتجزّأ ولا تتبدَّل. كما يرى أن دور الأديب هو تحفيز القارئ على التفكير بنفسه، وعلى السعي بنفسه إلى إيجاد الإجابة على الأسئلة والحلول. كما تطغى على قصصه الصور المتداخلة مع الخيالات والاسترجاعات. توفِّي «فولفغانغ فايراوخ» عام (1980)، في مدينة «دارمشتات» الألمانية.

من أعماله: مجلَّد للَّيّل، مجموعة قصصية (1939)- المحبّان، قصّة (1943)- على هذه الأرض المضطربة، قصص (1946)- تقرير إلى الحكومة، قصّة (1953). لم يُترجَم من أعماله سوى قصَّتَيْن قصيرتَيْن: ترجم مصطفى ماهر قصّة «بين شقَّي الرحى» في كتابه «ألوان من الأدب الألماني الحديث»، عن (دار صادر)، بيروت (1974). كما ترجم له علي عودة «في مقصورة القطار» في مجموعة «حمامات إيليا. قصص ألمانية» الصادرة عن (دار الكندي للنشر)، عمان (2002).

 

***

 

حلمت بأنني ذاهب باتِّجاه القصر. للمرّة الأولى، كانت لديَّ خطّة. كانت خطّة جيِّدة، إذ كانت محكمة حتى في أدقّ التفاصيل. ولأنها كانت جيّدة، كان يجب أن تكون ناجحة. حلمت، في البدء، بأنني أغيّر طريقي فجأةً، منعطِفاً، بحدَّة، نحو ضواحي المدينة. غيَّرت ملابسي هنا في غابة صغيرة. لم يرَني أحد. في يوم رأس السنة، لا يتجوَّل سكّان المدينة إلّا في الشوارع فقط. على ضوء المصباح اليدوي، وأمام مرآة صغيرة، ارتديت ملابس كملابس الطاغية، ووضعت الأصباغ على وجهي، كما كان يفعل. سار كلّ شي بصورة سريعة، فلطالما تمرَّنت على هذا. بعد أن دفنت ملابسي والمصباح والمرآة، عدت إلى المدينة. سرت متبختراً كما يفعل الطاغية. أتقنت فعل ذلك جيِّداً. كنت أشبهه، تماماً. لم يساورني شكّ في أن كلّ ساكن في المدينة سيحسبني الطاغية، فقد خلت نفسي، للحظة، أنني الطاغية ذاته. وصلت إلى المدينة. لم يعبأ بي أحد؛ وهذا دليل على أن الجميع كانوا على اعتقاد بأن الطاغية نفسه يسير متبختراً. في ليلة رأس السنة، يتجوَّل الطاغية عبر شوارع المدينة متبختراً وحده، كما يبدو، لكنه كان، في الواقع، محاطاً بالحرس، الذين يتظاهرون بأنهم مسالمون، وكان عليهم أن يكونوا يقظين كي لا يمسّه سوء. لم أخشَ أن يرتابوا في أمري؛ فقد أكون أحد شبهائه، يسير في طريقه. فالطاغية، دائماً، يسير متبختراً في ليلة رأس السنة في شرق المدينة، على سبيل المثال، وفجأةً يظهر في غربها. أمّا نحن العبيد، فكان علينا أن نؤمن بأن الطاغية يمكنه استخدام السحر، لكنه كان يسرع بشكل خفيّ، لم أكتشف كنهه بعد، عبر نظام من الأنفاق. ربَّما أمرَ، سرّاً، ببناء نوع من قطار الأنفاق الخاصّ به. لا أعرف لماذا لم أفكِّر في هذا الأمر من قبل، لكني- مقابل ذلك- كنت أعرف شيئاً آخر؛ فقد كنت أنا الوحيد الذي يعرف الطريق عبر الأنفاق حتى أقصى وأعمق نهاية في هذه الممرّات، تحت الأرض، التي تتخلَّلها المستنقعات. نهاية شبكة الأنفاق هذه، تتكوَّن من غرفة ليس فيها نوافذ؛ فما حاجة القابع في هذه الغرفة إلى النوافذ؟، لكنَّ لهذه الغرفة باباً، وعندما يُغلق لا يبقى هواء في داخلها. لا، بل يبقى القليل ممّا كان موجوداً. القليل من الهواء المنبعث من الممرّات والمتعفِّن بفعل الطحالب، لكنه سرعان ما يُستهلك عندما يكون أحدهم في الغرفة، والباب مغلق. من يُحتجَز في الغرفة يمُتْ مختنقاً، ليس على الفور، بل بعد وقت قصير؛ إذ يختنق، ببطء، لدرجة أنه يستطيع أن يتذكَّر كلّ ما قام به من ذنوب. ويختنق بسرعة إلى درجة أنه يتخلّى عن أيّ أمل في النجاة. كانت هذه الغرفة هي النهاية، وأنا الشخص الوحيد الذي يعرف أن الطريق إلى هذه الغرفة يبدأ تحت قصر الطاغية.

بينما كنت أسير متبختراً هكذا، عبر المدينة، حلمت بما سأفعل للطاغية عندما أعتقله: سآخذه إلى الأعماق، وأحتجزه هناك، لكني سأعود إلى السطح، إليكم يا من تشعرون بالجزع دون طاغيتكم هذا، لأقول لكم: «اتركوه حيث هو، يمكنكم الحياة بدونه. من الأفضل لكم أن ترحلوا حين يختفي. لكن، إلى أين؟ سيجيب البعض منكم على جملتي الأخيرة: أنت مجنون، قد تكون سلبتنا طاغيتنا، لكن انتظر، فحسب. انتظر عاماً أو بضعة أعوام، وسيأتي طاغية جديد، يقوم بشنقك. بل إن بعضكم سيهاجمني بكلّ بساطة، لكني سأكون كما لو أنني خُلقت من حجر مقدَّس. سوف لن تنالوا مني. ليس فيكم من سيشكرني لأنني حرَّرتكم. لكن بعضكم سيسأل، فحسب: أين هو؟؛ إمّا إشباعاً لفضول أو تحايلاً كي يحرِّروه من هناك، حيث احتجزه. وقد يسأل البعض الآخر، أيضاً، لأنهم يريدون أن يعلموا كيف يمكن القضاء على شرور الطغاة، فحسب. سأجيبهم جميعاً بالقول: أَسَرْته في قصره. أمّا الطريقة التي اتبعتها فستبقى سرّاً يخصّني أنا وحدي. كمَّمت فمه، وقيَّدت ذراعيه خلف ظهره، وتركت قدميه طليقتَيْن كي يمكنه أن يسير، للمرَّة الأخيرة في حياته، وإذا ما حاول مقاومتي، فسأقتله. إلّا أن ذلك كان سيجعلني أتأسَّف على أنه سوف لن يتذوَّق كلّ العذاب الذي سقانا إيّاه. لكني كنت على قناعة بأن الأمر لن يبلغ تلك النهاية، إذ كان خائفاً مني، فقد كان طاغية، والطغاة جبناء. لا يمكنه الهرب. في شبكة الأنفاق هذه لا يمكن لأحد أن يهرب. من يهرب هنا، يلقَ حتفه. والطاغية لم يكن يريد الموت، فقد كان يتوقَّع نجاته، ولم أتوقَّع شيئاً، لأني عرفت أن كلّ شيء سيسير وفق ما خطَّطت له مسبقاً. فتحت الكوّة المؤدِّية إلى مدخل شبكة الأنفاق، وجعلته يسير أمامي، وتبعته ممسكاً مصباحاً في يدي اليسرى، ومسدَّساً في اليمنى. أغلقت غطاء الكوّة خلفنا، وانحدرنا نزولاً إلى أعماق شبكة الأنفاق، ثم أصبح الطريق مستوياً. وحتى وصولنا إلى هدفي (أقصى مغارة وأعمقها في شبكة الأنفاق)، كانت تتغيَّر معالم الطريق باستمرار، إذ أصبح منحدراً، ثم وعراً وشاقّاً، لكنه كان، في الحقيقة، ينحدر بنا نحو الأعماق. أحياناً، كان الطريق ينحدر قائماً نحو الأعلى، حتى ظننت أنه يعود بنا إلى سطح الأرض، لولا معرفتي الجيِّدة به. وفي أحيان أخرى، كان ينحدر نحو الأسفل، بشدّة، فننزلق ونتدحرج لأمتار كثيرة، وكنّا أحياناً، ننتهي إلى طريق مسدود؛ إمّا أن يكون طريقاً مسدوداً فعلاً، وأنا ضللت الطريق وعدت إليه من جديد، وإمّا أنه بدا مسدوداً إلى أن أحرِّك صخرة ما، فينفتح الطريق أمامنا، من جديد. من يدخل شبكة الأنفاق هذه دون أن يعرف أن صخرة ما تفتح الطريق، فسيهلك بكلّ تأكيد، لأن الطريق ينغلق خلف من يدخل طُرقاً مسدودة، ولا يعرف صخرة النجاة. حدث لي هذا مرّةً، بُعَيْد عثوري على باب الكوّة المؤدِّية إلى شبكة الأنفاق. وفي أثناء بحثي عن أكثر الأماكن خفاءً وأصعبها وصولاً، تلك التي أريد أن آخذ الطاغية إليها، عندما أعثر عليه، آنذاك تخبَّطت في الظلام عبر شبكة الأنفاق. لم أكن أعلم إذا ما كان أحد غيري يوجد في أعماقها. لا ينبغي أن يُكتَشَف أمري إطلاقاً، أو أن يعرف أحد بوجودي. ينبغي ألا تُحبط استعداداتي الأولى لاغتيال الطاغية. وبالطبع، كان معي، آنذاك، مصباح يدوي، لكنني خطَّطت كي لا أستخدمه إلّا في حالات الضرورة القصوى، فهكذا تصعب عليهم رؤيتي، إذا كان أحدهم في الأسفل. لكني لم أرَ أحدهم أيضاً، إلّا إذا كان يقف خلفي مباشرةً، ولم يكن يُمكن سماعي، ولا أن أسمع أحداً أيضاً. كانت كلّ الطرق في شبكة الأنفاق مليئة بالوحل، وغالباً ما كانت عميقة حتى أنني كنت أخرج منها بمشقّة. خرجت من الوحل، وتأمَّلت كيف تمكَّنت من النجاة بنفسي. لا أعرف ذلك!. حاولت أن أتشبَّث بجدران النفق، ساحباً نفسي إلى أعلى، وكانت هي الأخرى مغطّاة بكمِّيّة كبيرة من الوحل المتيبِّس، حتى أن محيطه لم يكن أكبر من نصف متر. وهكذا، تمكَّنت، في الحال، من التشبُّث بها، حين لم يكن الوحل يغطّي صخوراُ، بل المياه الجوفية. ولأن الجدران والسقف والأرضية كانت متقاربة، كنت أتحرَّك، بصعوبة، لأنقذ نفسي حين أغطس عميقاً. وعلى الرغم من ذلك، كنت أنجو بنفسي دائماً. قد يبدو الأمر كما لو كنت ماهراً أو بطلاً، ربّما! لكني لم أكن بطلاً. إنه الخوف، ولا شيء غير الخوف. أنا رجل بسيط فحسب. سأشعر بالخجل إذا ما دعاني أحدهم بطلاً. أفعل ما باستطاعتي فحسب، بل ربّما أقلّ من ذلك. أفعل ذلك رغم الخوف الذي يعتريني، ومن ذا الذي لا يشعر بالخوف، أيضاً، حين يكون في الوضع الآتي: يتلمَّس طريقه في الوحل، خلفه عتمة حالكة كالليل، وأمامه عتمة حالكة كالليل، وهو يخوض في الوحل، ويغطس فيه، وحينها… حينها، يعتقد أنه سمع شيئاً ما. يشعل مصباحه اليدوي، رغم أنه يعرف أنه يجب ألّا يشعله. ينظر إلى ما سمعه، فيرى جرذاناً، الكثير من الجرذان. كان محاطاً بالجرذان، التي لم تكن تخشاه أو تهرب منه. لم ترَ بشراً من، قبل، مطلقاً، لكنها تشعر أن الشيء الذي تحتها يمكن أن يُؤكَل، فهاجمته، وبدأت تقضم بزَّته، وسرعان ما التهمت القماش لتصل إلى جلده. في الحقيقة، كان عليه، بل عليَّ أنا، أن أطفئ المصباح اليدوي، لكن كيف يتسنّى لي ذلك والجرذان فوقي وتحتي وعلى جانبيَّ، وأنا على وشك الاختناق بفعل الغازات الكبريتية المنبعثة من الوحل؟ حينها، فكَّرت في أنني أخوض في دائرة مغلقة، وأنني لم أصل إلى شيء ما، إلى أيّ شيء، على الإطلاق. حينها، شعرت بأن سقف النفق الجديد الذي وجدته، أخذ ينخفض إلى درجة أنه توجَّب عليَّ أن أزحف مثل سمندر مقطوع الرأس والذيل، لا يمكنه التفكير أو الاستمرار، لكني خرجت من هذا المأزق ومن مآزق أخرى غيره.

أمّا الآن، وأنا أقود الطاغية أمامي، وآمره بالسير يميناً ويساراً، عن طريق لكزه بالمسدَّس بمرفقه الأيمن أو الأيسر، وقد تلمَّست طريقي أو زحفت عبر شبكة الأنفاق، للمرَّة الألف، لم أكن أواجه أيّ مأزق من جديد. وللأسف، لم يكن الطاغية يواجه، هو الآخر، أيّة مصاعب تهدِّد حياته، أو بدت أنها تهدِّدها، على الأقلّ، بل الإرهاق فقط. تمكَّنت من إجباره على أن يبطئ، كي يشعر بالوحل والجرذان والغازات بأكبر قدر ممكن. في هذه اللحظة، لم يكن بوسعي أن أفعل معه الكثير، لكننا وصلنا إلى أقصى وأعمق غرفة. بقي واقفاً أمامها، فدفعته إلى الداخل. لم يكن سقفها يرتفع لأكثر من متر واحد، وطولها متران، وعرضها مثلهما. تمدَّد على الأرض اللزجة، ورفع نظره إلى السقف اللزج. قيَّدت قدميه، أيضاً، وانحنيت فوقه، فنظر إليَّ، لكننا لم نتبادل أيّة كلمة. قلت في نفسي: «هكذا. أنت الآن حيث تنتمي، في نهاية الأرض، وكلّ نَفَس تستهلكه يقرِّبك من الموت. تجرَّع ما سقيتنا. من الأفضل أن نفعل بك ما فعلت بنا، فأنت لست الطاغية الفلاني فقط، بل ممثِّلاً لكلّ الطغاة الآخرين، حتى أصغر طاغية منهم. أنا ذاهب الآن، أيُّها الطاغية. ومن الآن فصاعداً، يجب أن أحترس من أن أصبح طاغية. أنا ذاهب». تبادلنا النظرات. لم أعرف ما كان يفكِّر فيه، لم يهمّني الأمر، أو يهمّ أيّ شخص آخر. لم تعد موجوداً، بعد الآن. نهضت. نظرتي في عينيك القاسيتين كانت، في البدء، شكوى ثم استجواباً، وفي النهاية إدانة. أنا ذاهب إلى باب سجنك، ولا أعرف لماذا ثُبِّت باب هنا؛ ربَّما لك أنت ولأمثالك، فأمثالك موجودون على الدوام. سأغلق الباب وأرمي المفتاح في الوحل، فيعمّ السكون. كلّا. لن يعمّ السكون، فعلاً، فالجرذان قادمة، تريد التهامك، لكنها لا تستطيع الوصول إليك، إذ لا يوجد في كهفك أيّ شقّ صغير. بعد ساعات قليلة، ستكون قد متّ. وقبل أن تموت لن تسمع سوى صوت الجرذان، وهي تقضم بابك الحجري وتضرب الممرّ بأذيالها، وتصرّ بأسنانها غضباً. أنت تعلم، أيُّها الطاغية، أن أسنان الجرذان لا يمكنها الوصول إليك. ورغم أنك تعلم ذلك، ستشعر بالخوف من أنها قد تصل إليك، وأنت وحدك هنا.. أنت وحدك فقط، وما من شيء حولك. قبل أن تموت، أيّها الطاغية، ستصاب بالجنون، والجنون أسوأ ما يمكن أن نُصاب به. المجانين الذي يلاحظون أنهم مجانين، يبكون، أحياناً، لكنك لن تبكي، فالطغاة لا يبكون.

لكني، وقد واصلت حلمي، كنت في طريقي إليه، إلى قصره. تخيَّلت بعض الشيء ما ينتظرني أنا والطاغية. كانت ليلة أرجوانية: سرت متبختراً في الحديقة المحيطة بالقصر، وكان بابها مفتوحاً. في نقطة الحراسة وقف جندي، قام بأداء التحيّة العسكرية أمامي. ظنَّ أنني الطاغية نفسه، فدخلت إلى الحديقة، وسرعان ما رأيت القصر في ضوء القمر الأرجواني. تعجَّبت من الأشكال التي شُذّبت بها شجيرات الحديقة، لكن لا ينبغي أن أظهر دهشتي، فأنا نفسي من أَمَر بأن تُقص على هذا الشكل. كانت جميعها متشابهة، كانت جميعها تشبهني، كلّ شجيرة كانت طاغية. كنت شجرة فحسب. دخلت الغرفة الأولى: كانت الأرضية والسقف والجدران مغطّاة بحرير أرجواني، وكان الحرير مهلهلاً. نعم، فقد تدلَّت مِزَقه إلى الأسفل. وقفت قليلاً ثم سرت من جديد. كانت الغرفة الأولى هي الغرفة الأولى، ولم تكن لها أهمِّيّة أخرى. الغرفة الثانية كانت استمراراً للّغرفة الأولى بعض الشيء. وهكذا اصطفَّت كلّ غرف القصر متجاورةً في خطّ مستقيم. كانت الغرفة الثانية غرفة الاستجواب، وخالية تماماً، وقد امتد حولها جداران. رأيت ذلك لأن الجدار الداخلي لم يكن مرتفعاً تماماً، مقارنةً بالخارجي. وعلى طول الجدار الداخلي لاحت فتحات، ورأيت الفتحات المخصَّصة لرؤوس المستجوَبين وأيديهم وأقدامهم.

ربَّما قورنَتْ، هنا، رؤوس الجناة وأيديهم وأرجلهم، وهم مثبَّتون في المخلعة وملفوفون بالحرير الأرجواني، بالرؤوس والأيدي والأرجل المدوَّنة قياساتها في اللوائح. وفي غرفة الاستعداد للاستجواب أو غرفة الورود (كانت غرفة الاستجواب الحقيقية هي الثالثة)، تدلَّت من السقف لوحات أرجوانية، كُتب عليها: «هنا تجري الحوارات»، أو «كن مؤدَّباً»، أو «العالم جميل». كان الحرير ممزَّقاً أيضاً، كما هو الحال في الغرفة الأولى، إذ توجَّب أن تبدو الثروة بائسة، والأفعال المنكرة مسالمة. حتى الورود في غرفة الورود، كانت أرجوانية اللون. لم أشكّ في أن الورود وحدها هي التي تبعث رائحة حين يسير الاستجواب على غير ما خُطِّط له. وما إن خطوت نحو مكان ما في غرفة الورود، حتى تأرجحت الأرضية من تحتي، فتيقَّنت من الأمر. حين كان ضيوف الطاغية لا يجيبون وفق التوقُّعات المنتظرة، كانت الأبخرة السامّة تنبعث إلى داخل الغرفة، من الكثير من الثقوب الدقيقة في الجدران، تخدِّر المتَّهمين، الذين أُدينوا سلفاً، فيسقطون، وتميل الأرضية، لتصبح منحدرة، فتتدحرج الضحايا إلى الغرفة التالية كي يُعذَّبوا. وحقّاً، كانت الغرفة المجاورة هي غرفة التعذيب، وكانت لها نوافذ، بدت خلفها مناظر طبيعية خلّابة. على طول صف النوافذ الأيسر، امتدَّ -طبعاً- جزء من حديقة القصر. وخلف الصف الأيمن كانت هناك جزيرة وسط بحر. توالت الأمواج وهبَّت الريح، وكانت الجزيرة تعجّ بالناس. تخيَّلت أنني أحلم في الحلم، إذ لا يمكن أن يوجد، داخل بلدنا وفي أي مكان منه، أيّ بحر. لا أعرف لماذا، ولكنني صحت: «أنا بريء»، فاختفى، في اللحظة ذاتها، البحر والجزيرة، وحتى المتنزَّه اختفى هو الآخر، وعمَّ الظلام في الوقت نفسه. حينها، فقط، انتبهت إلى أن غرفة التعذيب كانت مضاءة. أشعلت مصباحي اليدوي، ورأيت أن النوافذ مازالت موجودة، لكن خلف زجاجها لاحت، فقط، جدران مهدَّمة. صحت: «أنا مذنب»، فأُضيء المكان على الفور، ولاح منظر الحديقة والجزيرة في البحر، من جديد. صحت: «أنا بريء»، فعمَّ الظلام واختفت المناظر. كانت منعكسة على السطح الحجري في إطار النوافذ. كلَّما صحت: «بريء»، شممت شيئاً ما. وكلَّما صحت: «مذنب»، اختفت الرائحة. شممتها، فعرفت أنها رائحة أفاعٍ. صحت مرّةً أخرى: «بريء»، وشممت، وسمعت كيف بدأت الأفاعي تزحف في المكان. سمعتها تجلجل. إذاً، كانت أفاعيَ من ذوات الجرس. أشعلت مصباحي فلم أرَ أيّ أفعى، لم تكن موجودة. ربَّما أمر الطاغية بصناعة جهاز يصدر الأصوات، ويبعث الرائحة، يوهم المتهَّمين بوجود أفاعٍ من ذوات الجرَس. بعد غرفة التعذيب، أتت غرفة اللعب مع الأطفال. انتشرت اللُّعَب في كلّ مكان، لكنها لم تكن مبعثرة كما هو الحال في غرف الأطفال، عادةً، بل رُتِّبت في خزانات متجاورة. في الخزانة الأولى دمًى وثّابة، وفي الثانية دمًى متمايلة، وفي الثالثة دمًى فقط، وفي الرابعة ألعاب خشبية، وفي الخامسة كتب مصوَّرة، وفي السادسة صور متمايلة، وفي السابعة سيّارات. كانت جميع اللعب في الخزانات مثل قطع الملابس في خزانات جيشنا، حتى أدقّ التفاصيل. الدمى الوثّابة كانت على هيئة الطاغية، والدمى المتمايلة على هيئة الطاغية، الدمى الأخرى على هيئة الطاغية أيضاً، الكتب المصوّرة والصورة المتمايلة كانت تصوِّر الطاغية، أيضاً، وسائقو السيارات على هيئة الطاغية. وإذا ما رُتِّبت القطع الخشبية أظهرت قصر الطاغية، الذي كنت أتجوَّل عبر ظلمته الأرجوانية، في هذه اللحظات. لم أكفّ عن السير متبختراً، إذ لم أعرف إذا ما كان، في غرفة الموسيقى أم في غرفة الكتب أم في المرسم، جنديٌّ يتربَّص خلف أحد الخزانات أو أحد التماثيل. وإذا ما لاحظ أنني لست الشخص الذي أحاول تقليده، فسيضع الحبل في رقبتي. تعلَّقتْ على جدران غرفة الموسيقى مئات الآلات. أدرت زراً، فانبعثت موسيقى «أتعرف كم عدد النجوم الصغيرة؟»، ثم توقَّفت الآلة في منتصف اللحن، وزمجرت، من جديد، منطلقةً من بداية الجملة الثالثة لسيمفونية «بيتهوفن» الخامسة. بعدها، انقطعت الموسيقى، ثم انبعث مقطع من فالس «فارس الزهور» لـ«ريتشارد شتراوس». وفي النهاية، سمعت فالس «المقدِّمة» لـ«فرانتس ليست»، فأطفأتُ الآلة.

في غرفة الكتب، رأيت أربع خزانات، امتدَّت على طول جدران الغرفة، وارتفعت حتى السقف. سحبت كتاباً، وكان بعنوان «المفتِّش الكبير»(2) لدوستويفسكي. سحبت كتاباً ثانياً، فكان رواية «في عواصف الفولاذ»(3) لإرنست يونغر. أمّا الكتاب الثالث، فكان «مساواة وحرِّيّة» لكليمنس أوسترتاغ. وعندما سحبت الكتاب الرابع، كان «المفتِّش الكبير» لـ«دوستويفسكي»، من جديد، والكتاب الخامس كان لإرنست يونغر، والسادس لكليمنس أوسترتاغ. وهكذا، اصطفَّت هذه الكتب الثلاثة، متكرِّرة باستمرار. في المرسم، عُلِّقت لوحة وحيدة، كانت طويلة وعالية مثل الحائط، من غرفة الكتب إلى غرفة تبديل الملابس. في يسار اللوحة، وقف الطاغية، وفي يمينها ظهر رجل وامرأة وطفل. رفعت المرأة الطفل نحو الطاغية، الذي مَدَّ ذراعيه، أيضاً، نحو الطفل. أمّا الرجل، فقد وقف جانباً، ضَمَّ كعبَيْ حذائه، وتباعد طرفا قدميه بزاوية منفرجة، تقريباً. كان ينظر إلى عينَي الطاغية. اكتشفتُ أزراراً في إطار اللوحة، فضغطت على أحدها. حينها، خرج الطاغية من اللوحة مجدَّداً، وعلى الطرف الآخر تحرَّك الكثير من الرجال إلى داخل اللوحة، وشكَّلوا صفّاً. كانوا جنوداً، ركَّزوا أعينهم نحو اليمين، متطلِّعين إلى الطاغية، الذي كان ينظر إليهم، أيضاً، حاملاً راية كبيرة في يديه، وكانت أرجوانية اللون، على خلفيَّتها حيكت بنفسجة ذهبية. رفرفرت الراية على كتف الطاغية. ضغطت زرّاً آخر، فدخل الطاغية وجنوده إلى الإطار. وبينما حمل الطاغية الراية، من جديد، هجم الجنود، وهم يحملون البنادق والمسدَّسات الآليّة، على عدوّ خارج اللوحة. كانت أفواههم مفتوحة، وبدا أنهم ينشدون أغنية. ضغطت مرّةً أخرى، فتحرَّك الطاغية وجنوده، من جديد، لكن الطاغية عاد في التوّ، إلى مكانه، وعلى الجانب الأيمن تحرَّك رجال ونساء وأطفال إلى داخل اللوحة، فتجمَّعوا في حقل كبير، ورفعوا أنظارهم إلى الطاغية. يبدو أن الطاغية، الذي وضع على شعره إكليلاً من البنفسج الأرجواني، كان يلقي خطاباً، وكان يبتسم. أحد الرجال في الحقل، حمل كتاباً، وآخر مغرفة، وثالث رغيفاً من الخبز، ورابع سنبلة حنطة سوداء، وخامس مطرقة، وسادس عصا إسكليبيوس. وضعت النساء بنفسجات أرجوانية في شعورهنّ، وحملن رضَّعاً، أو مسكنَ أطفالاً.

وعلى حين غرّة، لاحظت أن اللوحة أصبحت غير واضحة المعالم، فقد غطّاها ضباب، لكنه لم ينبعث من اللوحة، إنما من أرضيّة المرسم. أصبت بالرعب، فذهبت مبتعداً. دخلت إلى غرفة تبديل الملابس، كانت مليئة بالضباب أيضاً، لكني رأيت -رغم ذلك- بزّات رسمية، وبدلات سهرة رسمية، وبدلات عمل يومية، وملابس رياضية، ومعاطف شتوية، وسترات صيفية، وأرواب منزلية، وملابس سباحة، كانت كلّ سبعة منها معلَّقة، بالترتيب، أمام السبعة الأخرى في الخزانات المفتوحة. وكلّ بزة منها كانت تشبه الآخرى، وكلّ بدلة سهرة كانت تشبه الأخرى، وهكذا كانت بقية الملابس. سحبت بدلة سهرة رسمية، وكانت على قياسي. وبأسرع ما أستطيع، مضيت متبختراً، من جديد، فقد ازداد الضباب كثافةً.

وحين دخلت غرفة التصوير، كان الضباب أكثر كثافةً، لكني -إلى حَدٍّ ما- رأيت أثاث غرفة التصوير. في وسط الغرفة، كانت هناك آلة تصوير. ذهبت نحوها والتقطت صورة. ماذا صوَّرت؟ صوَّرت ما أمامي ببساطة: صور كثيرة للطاغية، تعلَّقت على الجدران في كلّ مكان. وحين نظرت إلى الصورة التي التقطتها، للتوّ، ومازالت رطبة، رأيت شيئاً لم أصوِّره. رأيت الطاغية نفسه، لا صورته، على الجدار: بدا حيّاً!، وتهيَّأ لي أنه يكمّم فمي، ويقيّدني. التقطت صورة أخرى، فظهر الطاغية فيها، من جديد، لكنه هذه المرّة بدا يأمرني بأن أكمّم فمي، وأقيِّد نفسي بنفسي. صوَّرت صورة ثالثة، وفي كلّ مرة يظهر الطاغية في الصورة. وبدا لي أنني ازحف في الممرّ، على طول شبكة الأنفاق، والطاغية يسير خلفي، ويلكزني بمسدَّسه، مشيراً إلى الاتِّجاه الذي عليَّ أن أزحف إليه. ومن جديد، تخيَّلت أن الطاغية يزحف في الممرّ، وأنا أقوده إلى أقصى وأعمق غرفة في شبكة الأنفاق. ومن جديد، حلمت بأنني أنا الزاحف وحامل المسدَّس، في الوقت ذاته، والطاغية هو الزاحف وحامل المسدَّس. خرجت من غرفة التصوير.

كنت أشعر بالخوف، وأرتجف، واتصبَّب عرقاً. تعرَّقت بغزارة إلى درجة أنني لم أتمكَّن من رؤية شيء، تقريباً. كما أن الضباب بات، الآن، يحجب الرؤية بشكل أكبر. كان معتماً وأرجوانيّاً. لم أسِرْ متبختراً الآن، وكنت أهذي بغير إرادتي. حاولت أن أكفّ عن ذلك، لكني لم أُفلح البتّة. كنت أردِّد الكلمة ذاتها. في البدء، لم أعرف هذه الكلمة، ثم بدا لي أني أكرِّر كلمة «الشرطة». نعم «هذه الكلمة، وأخرى بعدها. لكن، لماذا أقول كلمة «الشرطة»؟ وإذا ما كرَّرتها، حقّاً، فما الذي كرَّرته بعدها؟

حين خطوت عتبة الغرفة التالية راكضاً، سمعت، فجأةً، أصوات رجال كانوا ينادون بشيء ما. بدوا كأنهم ينادون عليَّ، بشيء ما، لكني لم أفهم ماذا يعني. لربَّما، حالَ الضباب دون ذلك، وكان يملأ الغرفة ككتلة صلبة، كالوحل، كالحجر، كجبل من الجرذان، وقد حال دون أن أرى الموجودين في هذه الغرفة. لكن الرجال لم يكفّوا عن مناداتي. لم أشكّ في أنهم كانوا يقصدونني. والآن، بدأ الضباب بالتحرُّك، فأصبح (هنا) معتماً تماماً، واختفى (هناك). وفي النهاية، اختفى من المكان بأكمله، لكنه شكَّل رجالاً، في المناطق التي ثبت فيها. نادوني. كانوا يجلسون إلى طاولة حانة، ويلعبون الورق. كانوا ينتعلون أحذية خفيفة. ولم يرتدوا ستراتهم، فتمكَّنت من رؤية حمّالات البنطلونات، وقمصانهم المشبكة. كلّ واحد منهم كان الطاغية، بدا كلّ واحد منهم شبه الآخر. بدوا مثلي تماماً، وبدوت مثلهم تماماً. كنت الطاغية أو طاغية. قالوا لي: اقترب. فدنوت من طاولتهم. كانوا يلعبون (السَّكات)(4). وبينما لعب ثلاثة منهم، كان الثلاثة الآخرون متفرِّجين. سألتهم: «ماذا عليَّ أن أفعل؟»، فأجابوا بأن عليَّ أن ألعب معهم. سألتهم: «من أنتم؟» فقال الأوَّل: «أنا الطاغية». سألت: «ومن الثاني؟»، فأجابوا بأنه الطاغية، أيضاً. سألتهم: «والثالث؟»، فأجابوا بأنه الطاغية، أيضاً. والرابع والخامس والسادس؟ كانوا جميعهم طغاة. سألتهم: «أين الطاغية؟»، فأجابوني: «هنا». سألتهم، من جديد: «أين؟»، فأجابوا: «نحن الطاغية». عاودت السؤال: «ومن أنا؟»، فأجابوني: «أنت الطاغية أيضاً». جلست إليهم. كانت اللعبة قد انتهت. قالوا لي: «هيّا، جاء دورك». خلطت الورق، ووزَّعته، فلعبنا. قال أحد الرجال: «أنا طاغية القضاء»، وقال الثاني: «أنا طاغية التربية»، وقال الثالث: «أنا طاغية الصناعة والتجارة»، وقال الرابع: «أنا طاغية السياسة»، وقال الخامس: «أنا طاغية شؤون الحرب»، وقال السادس: «أنا طاغية شؤون الأديان». سألتهم: «ومن أنا؟»، فأجابوا جميعاً: «قلنا لك قبل قليل»، «وماذا؟»، سألت مجدَّداً. «أنت طاغية الشرطة»، أجابوني. قلت لهم: «صحيح. أين الهاتف؟». «إنه أمامك». رفعت السمّاعة وطلبت الرقم. «نعم، سيدي!»، تناهي إليَّ صوت من الطرف الآخر للخطّ، فقلت له: «الطاغية يوجد في آخر وأعمق غرفة من شبكة الأنفاق. أسرعوا، وإلّا فسوف يختنق. انتظروا.. سأدلّكم على الطريق إليه. أنا قادم».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 – عنوان القصّة بالألمانية:(Vorbereitungen zu einem Tyrannenmord)

2 – المقصود، هنا، عنوان الفصل الخامس من الباب الخامس لرواية للأديب الروسي فيودور دوستويفسكي (1821 – 1881) «الأخوة كارامازوف». وترجمة العنوان إلى العربية، مأخوذة من ترجمة سامي الدروبي للرواية، والصادرة عن المؤسَّسة المصرية العامّة للتأليف والنشر، القاهرة (1967). (المترجم)

3 – بعد مشاركته ضابطاً في الحرب العالمية الأولى، نشر الكاتب والروائي الألماني المثير للجدل إرنست يونغر (1895 – 1998) أولى رواياته «في عواصف الفولاذ» عام (1920)، وتضمَّنت يوميّات قائد مجموعة اقتحام في هذه الحرب. ولاقت الرواية نجاحاً كبيراً في ألمانيا، فقد عرض يوميّاته في الخنادق الأمامية للجبهة، وبطولات جنوده، بأسلوب تقريري بعيد كلّ البعد عن أيّة لمسة عاطفية. وعنوان الرواية يعبّر عن دفق القنابل الذي انهال على الجنود، طوال أربع سنوات، على الجبهة الغربية مع فرنسا. (المترجم)

4 – لعبة من ألعاب الورق في ألمانيا.

جين كورتيز.. سريالية الهوامش

في كتابه «معذَّبو الأرض» أكَّد «فرانز فانون» على أن «شعراء الزنوجة لن يتوقَّفوا عند حدود القارّة. ستتبنَّى أصوات سوداء من أميركا، الأنشودة بانسجام تامّ، وسيرى «العالم الأسود» النور، ولن يتردَّد «بوسيا» من غانا، و«بيراجو ديوب» من السنغال، و«هبات با» من السودان، و«سانت كلير دريك» من شيكاغو، في التأكيد على وجود روابط مشتركة وقوّة دافعة مماثلة». كان هذا بالضبط نفس الشعور والوعي اللذين تقاسمتهما، وسعت الشاعرة الأميركية «جين كورتيز» إلى نشرهما، من خلال كتاباتها ومشاركاتها الفعَّالة في المشهد الثقافي؛ الأميركي، والدولي. وقد أبت الشاعرة «جين كورتيز» إلّا أن تكون نبراساً، وجديرة بمقولة «بنجامين بيريت» الشهيرة «الشاعر ليس لديه خيار سوى أن يكون ثورياً أو يتوقَّف عن كونه شاعراً»؛ وبلا شكّ، كانت تلك السمة تمثِّل «الطبيعة الثانية لـ«جين كورتيز»؛ واحدة من أقوى الأصوات السريالية، مثال شجاع للشاعر الحقيقي في فترة يسود فيها الجبن والارتباك والنفاق وتزييف الحياة الفكرية»(1).

«جين كورتيز – Jayne Cortez»، شاعرة وناشرة وناشطة أفروأميركية، معروفة بأدائها الشعري المرفوق بموسيقى الجاز، والبلوز، والذي يمكن اعتباره ممارسة ملتزمة لتقريب الفنّ، بشكلٍ مباشر، من المجمتع. ولدت «جين كورتيز» في 10 مايو/أيار (1934) في «فورت هواشوكا» في «أريزونا» حيث كان أبوها يرابط في القاعدة العسكرية. في سن السابعة، انتقل أهلها إلى جوار «واطس» بـ«لوس أنجلوس» حيث ترعرعت وهي تستمتع إلى تسجيلات الجاز والموسيقى اللاتينية التي جمعها والداها. كانت تتوق إلى أن تصبح ممثِّلة؛ ولذلك درست الفنّ والموسيقى والمسرح خلال تعليمها الثانوي، قبل أن تلتحق بكلية «كامبتن» التي سرعان ما غادرتها لأسباب مادّيّة. في عام (1954)، تزوَّجت من عازف الساكسفون المرموق «أورنيت كولمان»، ورُزِقت منه بطفل سمَّته «دناردو كولمان» قبل أن تنهي علاقتها بـ«أورنيت» عام (1964) لتؤسِّس فرقة «واطس» المسرحية، والتي عملت مديرة فنِّيّة لها، إلى حدود عام (1970).

كانت نشيطة جدّاً في نضالات حركة الحقوق المدنية، وساندت العديد من زعماء هذه الحركة، منهم «فاني لو هامر»، واتَّخذت الفنّ وسيلة للدفاع عن القضايا السياسية لحركة الفنون السوداء. جابت العديد من الدول الأوروبية، والإفريقية، وانتقلت للعيش مع زوجها النحَّات «ميلفن إدواردز» في «دكار» عام (1975).

في (1980)، أسَّست «كوريز» فرقتها الموسيقية «فايرسبيترز» كي ترافق أداءها لأشعارها، وسجَّلت ستّ أسطوانات من الشعر المرفق بموسيقى الجاز. تُرجمت أعمالها إلى (28) لغة، وحصلت على جوائز عديدة، منها الجائزة الأميركية للكتاب، وجائزة المهرجان الإفريقي الدولي، كما حصلت على زمالة من صندوق المنَح الوطنية للفنون. من أهمّ أعمالها: «درج ملطخ بالبول وأواني الرجل القرد» (1969)، «مهرجانات وجنائز» (1971)، «احتفالات وعزلات» (1975)، «جلطات: قصائد مختارة وجديدة» (1984)، «طبول في كل مكان» (1990)، «حدود زمن مضطرب» (2003).

شِعر عفوي وموسيقى الجاز

التحقت «كورتيز» بعالم الأدب خلال الاحتدام والتأجّج الثقافي الذي شهدته حركة الحقوق المدنية خلال الستينيات، وكانت الانشغالات السياسية، والاجتماعية التي ميَّزت كتابات تلك الحقبة، وتفكيرها، والأسلوب الجديد للكتابة الشعرية، واضحةً، بشكلٍ جزئي، في أعمال «كورتيز»، إلّا أنها كانت تجسّد، دائماً، أسلوباً فريداً في تعبيرها عن القضايا والمواضيع التي استأثرت بأعمالها. كانت العفوية سمة فريدة ميَّزت أسلوب «كورتيز»، بالرغم من أنها قد تكون مبهمة عندما يظهر عملها على الصفحة. تؤكِّد «كورتيز»، في مقدِّمة كتابها «المغنطة الشعرية» (1991)، أنها تخلق البنية الحقيقية لشعرها في أثناء حصص التسجيل التي تحضر إليها مادّة جاهزة؛ إنها تؤلِّف، بشكلٍ عفوي في أثناء الأداء. وتعتبر «كورتيز» عملها داخل الموسيقى، وسيلة لتعزيز دور الشاعر من خلال توسيع نطاق إمكانات التكنولوجيا، تقول: «أحاول أن أنقل هذا المزيج بين الشعر والموسيقى والتكنولوجيا إلى مستوى شعريّ أعلى. إنه استعمال شعري للموسيقى، استعمال شعري للتكنولوجيا، توزيع متناسق لجميع هذه العناصر». (بويتيقا، ص6).

وفي السياق نفسه، يتذكَّر عازف الترامبيت «دون شيري» الدور المهمّ الذي لعبه اهتمام «جين كورتيز» بجمع التسجيلات الموسيقية، بمختلف أنواعها وأشكالها (والحسّ التاريخي الذي غلب على مجموعتها) في تكوينه الموسيقي، وخاصّة في موسيقى الجاز. كما يشير إلى أن «أورنيت كولمان» (الذي كان حينها متزوِّجاً من «كورتيز») يدين ببعض اهتمامه وإحساسه بهذا الإرث الموسيقي، لـ«كورتيز». وبحسب «دون شيري»، ساعدت «كورتيز»، أيضاً، موسيقيِّي الجاز الطلائعيين في «لوس أنجلوس» على ربط علاقات منسجمة ومتماسكة من خلال صداقاتها مع العديد من الموسيقيِّين الشباب، كما أنها كانت سبب تعرُّف «دون شيري» على «أورنيت كولمان»، على سبيل المثال. ولأن حجوزات النوادي الخاصّة بموسيقيِّي الجاز الناشئين كانت قليلة ومتباعدة في «لوس أنجلوس»، في خمسينيات القرن الماضي، أتاحت هذه الشبكة الشخصية لبعض «الموسيقيِّين ذوي الأفكار المجدّدة، العثور على بعضهم الآخر، كما عزَّزت ممارسة وخبرة «كورتيز» في الموسيقى السوداء الشعور بالانتماء، والشعور بالمسار الثقافي المتجذِّر في الثقافة السوداء بين الشباب الطلائعيين. ففي عام (1963)، على سبيل المثال، قامت «كورتيز» بتطوير عرض فردي للأدب الأسود، وموسيقى الجاز أدَّته، لأوّل مرّة، مع فرقة ضمَّت عازف البيانو «هوريس تابسكوت». كما أدَّت قصائدها، أيضاً، مع «أركيسترا»، بانتظام، بين عامَيْ (1964) و(1966). خلال هذه الفترة، فكَّرت في المزج بين الشعر السريالي الجديد والمسرح والموسيقى والرقص الذي سيميِّز ممارستها الفنِّيّة الناضجة، بالرغم من أنها لم تطوّر تقنية العرض باستخدام وسائط متعدِّدة، بشكل كامل، إلّا بعد انتقالها إلى مدينة نيويورك، عام (1967) (2).

تكتب «كورتيز»- بالأساس- قصائد مدح، يمكن تفسيرها بكونها قصائد تأثَّرت تأثُّراً كبيراً ببنية البلوز وقصائد الاحتجاج ونزعتهما، وتعكس أجندتها السياسية، والاجتماعية حيِّز انشغالاتها بما هو فردي ودنيوي، فهي تكتب حول الفقدان والاستغلال والجشع والفساد والتلاعب والتفاهة التجارية وقتل الأطفال بالمخدِّرات التي يوفِّرها مروّجوها، بالإضافة إلى مواضيع لها علاقة بالحبّ والجنسانية لدى النساء. في الوهلة الأولى، قد يبدو أن اختيار أسلوب القصيدة يناسب محتواها، إلّا أن «كورتيز» لا تستخدم الأشكال المتعارف عليها مثل «سوناتا» أو «فيلانيل» (قصيدة ثنائية القافية). تمتدّ رؤيتها الجغرافية، والثقافية على خريطة واسعة تعكس أسفارها في نطاقات مختلفة في إفريقيا وأميركا اللاتينية، وأوروبا، وكندا، كما تفصح عن ذلك إيحاءاتها وإشاراتها إلى رموز تقافية، خاصّة تلك التي تتعلَّق بالثقافة الإفريقية كما فعلت عندما غيَّرت اسم شركة النشر الخاصّة بها إلى «بولا بريس» والتي تعني في لغة يوروبا (إحدى لغات نيجيريا)، «ناجح».

سريالية أفروأميركية

كانت «كورتيز» على اتِّصال بالسريالية بصفتها تيّاراً منظَّماً، لأوّل مرّة، في منتصف السبعينيات، ومنذ ذلك الحين ، شاركت بانتظام في أنشطة الحركة السريالية في الولايات المتَّحدة، من خلال بيانات مثل «عندما يعوِّض السائحون العرّافين» (احتجاجاً على مرور 500 عام على اكتشاف «كولومبوس» لأميركا عام (1992)، و«دفاعاً عن تيري غايتون» بصفتها محرّرة مساهمة في كتاب «أرواح حرّة: حوليّات الخيال الثائر»، ومشاركة في مؤلَّفات جماعية مثل «ترسانة: عصيان سريالي، حرية خارقة/ حذر الرغبة» (كتالوغ المعرض السريالي العالمي في شيكاغو عام (1976))، وأخيراً، «السريالية ومتواطئيها المشهورين» وبيان «ماذا باستطاعتك أن تفعل بشأن هذا؟»(3).

يربط «جو وودسان» عمل «كورتيز» بالشعراء السرياليين الأميركيين الذين يستخدمون الفنّ الإفريقي وموسيقى البلوز والجاز، وبشعراء حركة الزنوجة، التي تضمّ أعمالاً لـ«يوبولد سيدار سينغور» و«إيمي سيزير» ممَّن أطلقوا حركة أدبية في تلاثينيات القرن العشرين ليستعيدوا مركزية ثقافاتهم الإفريقية المعنيّة والتي همَّشها الاستعمار الأوروبي، ويؤكّدوها. تشير مقارنة «وودسان» لـ«كورتيز» بأعمال شعراء الزنوجة، إلى أنه ميَّز صفات متعدِّدة في عملها، تركِّز على التزامها بالذاكرة الثقافية الإفريقية. مع ذلك، ترسِّخ «كورتيز» نفسها، بقوّة، في الفضاءات المهمّشة للتجربة الأفروأميركية، خاصّة من خلال المحيط ونوعية الحياة المتضمِّنة في عنوان المجلَّد الأوّل «درج ملطَّخ بالبول وأوعية الرجل القرد» (1969)، ويظهر عنوان الديوان في القصيدة المعَنْوَة بـ«ليد» كإشارة إلى مغنّي البلوز «ليدبيلي». القصيدة لا تتعلَّق، تحديداً، بالمغنى المشار إليه، لكنها تشير إلى مكانة البلوز وقيمته في بيئة تتَّسم بالفقر والاستغلال التجاري. لقد قامت «كورتيز» بردّ الاعتبار لهؤلاء المؤرِّخين الموسيقيين في ديوانها الأوّل، باعتبارها لموسيقى البلوز، والجاز بوصفهما شكلَيْن فنِّيَّيْن أرَّخا للتحوُّلات العديدة للتجربة الأفروأميركية وما يميِّزها عن التجربة السائدة، ولذلك تضمَّن ديوانها إشارات عديدة لأسماء مرموقة، منهما «شارلي باركر» و«هادي ليدبيلي» و«دينا واشنغطون» و«أورنيت كولمان» و«بيلي هوليدي» و«جون كولترين» و«فاتس والر».

تبدو «كورتيز» كأنها تمارس ألعاباً بهلوانية بصرية، في بعض القصائد، وهي تقنية تعكس ذوق الشعراء السود لفترة الستينيات الذين كانوا يميلون إلى خرق الأعراف الشعرية: مثلاً، تمّ طبع قصيدة «عودة دينا إلى البلدة» وكأن هامش الصفحة اليمنى هو هامش أعلى الصفحة؛ لهذا كان من اللازم قلبها لقراءته. في قصائد أخرى عديدة، تمّ طبع العنوان بجانب هامش الصفحة اليسرى بدل طبعه أعلى الصفحة. أمّا بالنسبة إلى اللُّغة التي تستخدمها «كورتيز» في هذا الديوان وفي دواوين أخرى، فهي لغة شفهية يتداولها السود بامتياز، وغالباً ماتكون لها حدّة مرتبطة بالمجال الحضري. وعندما تدعو الضرورة إلى ذلك، تصير هذه اللُّغة مباشرة، بدون مراوغة، عندما تتناول مواضيع لها علاقة بالطريقة التي يتمّ بها هدر الحياة البشرية، كما فعلت في قصيدتها «اجتماع سمك مجفَّف بملح، منتظراً أن يهتزّ في شباك الحياة». تحكي هذه القصيدة عن فتاة تبلغ من العمر ستّة عشر سنة، مرَّت بتجارب مديرة في الحياة. وفي قصيدة أخرى معنونة بـ«عرق»، تتناول «كورتيز» المثلية الجنسية لدى السود، والتي يتَّضح من خلال المتحدِّث في القصيدة أن خيار المثلية الجنسية يشكِّل تهديداً للشعب الأسود، باعتباره صادراً عن جماعة يحدِّدها أساس عرقي مشترك. وباختصار، تعجّ قصائد «كورتيز» بصور صارخة لواقع لا يمكن أن نتخيَّله، ويقول الكاتب «والتر موسلي» في هذا الصدد: «تمتلئ قصائد «جين كورتيز» بالصور، التي يخشى معظمنا رؤيتها. كلمات يمتلئ عالمها بالحقائق التي نشكّ فيها، ونخافها. (شعرها) يتبع آثار الأقدام التي خلَّفتها النشوة. الحالمون على رمال مبلَّلة بالسوائل الحيوية للثورة والأمل والحبّ». (انظر كتاب «نساء سرياليّات»).

تنوُّع في المواضيع والأساليب والأشكال

في مجلَّدها الثاني «مواسم ومآتم» (1971)، تقوم «كورتيز» بتوسيع انشغالاتها الجمالية والمواضيعية، على النقيض من لمجلَّدها الأوّل الذي ركَّز اهتمامه، بالأساس، على الموسيقيين وأمثلة محدَّدة للفقدان والضياع والألم المشترك؛ ففي القصيدة التي صيغ منها عنوان المجلَّد «مواسم ومَآتِم»، ترثي «كورتيز» موت زعماء، سود مثل «باتريس لومامبا» و«مالكوم إكس» كما تعترف بأنواع أخرى من الموت تحدث بسبب الفقر والمخدِّرات والعنف. ويوحي التوازن الحاصل بين «مواسم» و«مآتم» في العنوان بالثبات والمساواة لأن كلّ احتفال يقابله موت في النهاية؛ إننا نموت عندما يموت زعمائنا ونتائج الخوف والحزن يتم جبرها ليس عن طريق الكلمات بل عن طريق البلوز. ويقوم المتحدِّث في قصيدة «مشاهدة استعراض في هارليم عام 1970» بتقييم حدث الاستعراض هذا، من خلال منظور سياسي ثاقب، واصفاً إيّاه بكونه مثالاً لـ«ثقافة استعمارية متآكلة»، ويخترق المتحدِّث البهجة السطحية ليصل، في اللّب، إلى توضيح للعلاقة بين المهيمن والضعيف، في الآن الذي تكون فيه الضحيّة، من غير علمها، مجبرة على الإعجاب بمضطهدها. وتمزج قصيدة «شقّة الليل الإفريقي»، التي استلهمتها من أسفارها في إفريقيا، على ما يبدو، بين منظور إفريقي وأفروأميركي، إذ تطلب المتحدِّثة من إفريقيا أن تحرِّر بصيرتها من «مرتزقة الوهم»؛ وفي لحظة استعلائية، تنبذ وتتبرّأ المتحدّثة من آلام تاريخ الأميركيين السود، وتتخلَّى عن «ظلّ حزنها» لتصبح امرأة إفريقية منفتحة ومتقبّلة لتاريخ أجدادها، غير أن هذه الذكرى، التي تعيد المتحدِّثة إلى وضعها الأصلي في تراثها، لا تكتمل إلّا بذكرى الهجرة العابرة للأطلسي واضطراباتها الثقافية، والبدنية. وتقدِّم لنا «كورتيز» هذا الجزء من القصيدة من خلال (كولاج) يتشكَّل من صور سريالية للأسلحة، والموت الذي ينجو فيه أبناء البشر، ويتخيّل فيه القارئ الناجين على شكل طيور تستقبل الثقافتَيْن؛ الإفريقية والأميركية معاً.

وفي المجلَّدات التالية، تستحضر «كورتيز» أشكالاً متنوّعة لمواضيع وأساليب كرَّستها في مجلَّديها الأوَّلَيْن، وتكتب حول سكّان المدينة وأحداث مشحونة سياسياً، خلال أزمة الفييتنام ومذبحة سجن «أتيكا» والنضال المستمرّ من أجل تحرير الشعوب الإفريقية والمشاكل المتفاقمة في جنوب إفريقيا وقساوة الشرطة الأميركية. رفعت من استخدامها للسخرية، وواصلت صقل شكلها الشعري، كما حافظت على استفادة أعمالها من موسيقى الجاز كما في قصيدة «عزلة روز» المهداة إلى «ديوك إلنغتن»، وكانت، على الدوام، واعية بأبطالها وبطلاتها في مجالات أخرى غير الموسيقى.

يقدّم ديوانها «في مكان ما قبل اللامكان» شهادة على شرف شاعرة كانت تكتب لما يقرب ثلاثين عاماً. إنه مجلَّد يذكّرنا، بشكل كبير، بالأفكار والتقنيات التي كانت تشغل «كورتيز»، في السابق، خاصّة في اعترافها بما هو متجاوز للأوطان. يبدأ المجلَّد، مثلاً، بتكريم شعري من ثلاثة أجزاء، للشاعر الكوبي «نيكولاس غيين»، والمستلهمة، في جزء منها، من زيارتها لـ«كوبا» عام (1985)، حيث كانت رفقة جماعة من الكُتَّاب الأميركيين، ونحَّات، في زيارة لـ«نانسي موريجون»، و«غيين». شعرت «كورتيز» أن «كوبا» تشبه غرب إفريقيا، حيث أدركت الدمار الظاهر للعين الأميركية، لكنها استطاعت أن ترى ماوراء المظاهر السطحية إلى جمال جسدي طبيعي، وآخر روحي. في الجزء الثاني من التكريم مُعنْون بـ«ادويبي» والتي تعني «شكراً» في لغة «يوروبا» النيجيرية، وجدت «كورتيز» «كوبا» كما تصوَّرها «غويلين» في شعره، غير أنها لم تجد «غيين» الإنسان، واستحضرت إيقاعات الرقص وصوره، لتشير إلى الغنى البهيّ والشمولية في أعمال «غيين»؛ واستخدمت لائحة مثيرة لتستحضر طاقة عمله: «وقفت في ملعب عوائه الشعري المتقطِّع، وسمعت رسائل مشفَّرة ومغلَّفة بقرع راس الطبل من أويو». وتشرح آخر قصيدة من القصائد الثلاثة (أقصرها وأكثرها وضوحاً) تفاصيل لقاء «كورتيز» بالشاعر «غيين» رفقة بعثة من الشعراء الأفروأميركيين عام (1985). تتميَّز نبرة هذا المجلَّد، بشكلٍ عامّ، باحتفالها بفيض الحياة والجمال الطبيعي البسيط للأرض، ويعترف، أيضاً، بطبيعة التغيير المستمرّة من خلال إدراكها بأن التغيير السياسي، في عام (1985)، يوازي التغيير الحاصل في «بريتوريا» في جنوب إفريقيا، وهايتي، حيث يطالب السكّان الأصليون بما سُلِب منهم، على النقيض من سكّان «أريزونا» الأصليين.

في الحقيقة، لقد حافظت «كورتيز» على تصوّرها النقدي المتميِّز نحو القضايا الأميركية كما عبَّرت عليها في قصيدتَيْها؛ «حمام مدينة نيويورك»، و«1988، ماذا الآن؟»

لقد كان انغماس «كورتيز» في فنِّها المتمركز حول الموسيقى، ثابتاً ومتّسقاً، منذ بداية حياتها المهنية، ومايزال عملها يوضِّح المزج المتناسق بين فنون الشعر والموسيقى، في احترام عميق للشعراء الذين ألهموها. إن صوت «كورتيز» مكوَّن حيويّ لا يمكن الاستغناء عنه في جوقة الشعر الأفرو أميركي.

 

جين كورتيز

(مختارات شعرية)

 ترجمة: الحبيب الواعي

 

 

هناك تكمن الحقيقة

 

إنهم لا يبالون

إن كنت فردانيّاً،

يساريّاً، يمينياً،

مجنوناً أو أفعى..

سيحاولون أن يستغلّوك

أن يستنزفوك، أن يسجنوك،

أن يفصلوك أن يعزلوك

أو يقتلوك.

وستختفي في غضبك،

في جنونك،

في فقرك،

في كلمة في جملة في شعار، في كاريكاتور

تَمَّ في أرمدة.

ستخبرك الطبقة الحاكمة أنه

لا وجود لطبقة حاكمة،

بينما هم ينظِّمون مسانديهم اللبيراليين

في شكل عصابات غوغائية عنصرية.

بينما هم ينظِّمون أبناءهم

في شكل عصابات الكوكلوكس كلان..

بينما هم ينظِّمون شرطتهم

في شكل شرطة قَتَلة..

بينما هم ينظِّمون دعايتهم

في شكل جهاز، ليحوّلونا إلى عظام بغبار الملائكة.

ليشغلونا بالرموز الغربية

في تسريحات الشعر الإفريقية.

ويلقِّحوننا بالكراهية،

ويمأسسوننا بالجهل،

وينوِّموننا، مغناطيسيّاً، بصوت رتيب صُمِّمَ

ليجعلنا نفرّ من الواقع، وندوس على حيواتنا

ونحن مبرمجون كي ندمر ذواتنا،

كي نتشظّى

لندفن تحت عمليّات استخباراتية سرِّية

للجنّ غبية، لها ميولات نحو الموت..

وهناك، تكمن الحقيقة.

الأعداء يهذِّبون فحولتهم

بين آبار النفط في البنتاغون.

الجرّافات تقفز في رقصات الهدم.

العجزة يموتون من الجوع.

المخبرون يبلّون أحذيتهم، باحثين عن الفتات.

يكاد دم الحياة يموت

في فم الإمبريالية الجشعة.

ويا صاحبي،

إنهم لا يبالون

إن كنت فردانيّاً

يساريّاً، يمينيّاً،

مجنوناً، أو أفعى.

 

سيرشّونك

بداء الفيالقة

سيملؤون خَياشِيمك

بأنفلونزا الخنازير لعجرفتهم.

سيقحمون في جسدك سدادة

متلازمة الصدمة التسمُّمية،

وسيحاولون أن يفرغوا

كلّ موارد العالم في عروقهم،

ويحلِّقوا إلى (الهناك) الأزرق البرّي

ليلوِّثوا كوكباً آخر.

 

وإذا لم نحارب،

إذا لم نقاوم،

إذا لم ننظّم أنفسنا ونتحدّ

ونستعيد القوة لنتحكَّم في حيواتنا،

عندها سنرتدي

هيئة العبودية المفرطة،

سمة الخضوع المنمَّق،

هيئة الانتحار الغريب،

سحنة الفزع اللانساني

وطلعة القمع النتن،

للأبد، للأبد، وللأبد.

وهناك، تكمن الحقيقة.

 

المضطهدون

 

الفنّ؟

لماذا يهتمّ

مضطهدو الفنّ

بالفنّ؟

هم يقفزون على عَرَبَة المُوسِيقَى..

يتمرَّغون في قصاصات الصحافة

ويلوِّثون الكوكب

باضطهادهم الإباحي.

الفنّ؟

لماذا يهتمّون بالفنّ؟

هم يتحوّلون

من سياسيين منافقين معاصرين

إلى سياسيين فاسدين قدامى،

إلى موظَّفي رقابة متطفِّلين.

هم لن يدعموا الفنّ،

لكنهم سيدعمون الحرب

والفقر

وسرطان الرئة

والعنصرية

والاستعمار

والنفايات السامّة..

هذه هي أخلاقهم،

هذه هي عقيدتهم،

هذه هي حمايتهم للجمهور

ومساهمتهم في الترفيه العائلي.

لماذا يهتمّون بالفنّ؟

 

 

شَذرَة حكم تعسُّفي رقم (2)

(خريف في نيويورك، 1972)

أنا انتكاسة فمٍ ينزف

جرّاء عهد قطعته في شجن.

أنا أتحكَّم في النهوض والسقوط،

عبر روابط الكآبة

لعرق اللاجئين.

أنا عصارة جمهورية شفاه المستنقعات.

أدفع برأسي إلى الأمام،

عبر واقيات العنف الزجاجية،

لأعمد عبر إعصار من عصيّ ليلية.

أصرخ في وجهي.

لقد صَبَبْتُ البنزين على بطني ضدّاً على المشتبهين،

وحلَّقت بعيداً…

انتباه. إلى كلّ الوحدات:

أدعو الأبخرة

المسحوبة إلى الخلف، عكس الفولاذ،

عكس اللعنة اللامرئية لصرخة،

كي تزيل حواجز جسدية لتابعها،

وتدع تلك النتانة تصير وليمة

على ياقوت مخالبي الطينية.

 

أنا حماس من ارتعاشة فَكّ رديء

للعَاقِبَة.

تعال، واحتفل بي.

 

إنها لا شيء

 

إنها لاشيء

هذه المأساة التي بين ذراعينا.

نستطيع أن نخلق عظاماً جديدة،

لحماً جديداً،

أزهاراً جديدة ضدّ الجنون..

فستاناً أحمر آخر،

سفّاحاً آخر من

اِلتِواء رقبة صراعنا.

نعم.

نستطيع أن نسامح قلباً اعتراه الوجوم

اتّجاه آذاننا،

ونستريح من الاعترافات

الثابتة لكعكة دموية.

إنها لاشيء.

 

في الطريق إلى النهاية

 

أعلم أنهم يريدونني أن أنجح،

أن أدخل قطارات العين وأغزو الأقراص،

أن أستَدْر، وإلّا سيُطلَق علَيّ الرصاص.

أعلم أنهم يريدون حقني

بالخوف من نفسي؛

لذا سأخفض وجهي، وأومئ برأسي

أعلم أنهم يريدونني أن أنجح،

لكنني لست في عجلة من أمري.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المرجع:

شعراء أفروأميركيون: حياة، أعمال وموارد، للكاتبة «جويس أوينز بيتس»، «غرينوود بريس»، كونيكتيكوت، أميركا (2002).

هوامش:

1 – نساء سرياليات، أنطولوجيا عالمية، من تحرير وتقديم «بنيلوبي روزمونت»، منشورات جامعة تكساس، 1998، ص358 .

2 – حركة فنون السود: القومية الأدبية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين لـ«جيمس إدوارد سميتهورست»، منشورات جامعة كارولينا الشمالية، 2005، ص297 .

3 – نساء سرياليات، أنطولوجيا عالمية، من تحرير وتقديم «بنيلوبي روزمونت»، منشورات جامعة تكساس، 1998، ص358.

هاروكي موراكامي: الأدب وحده لن يكون كافيا

ليس من عادة الروائي الياباني ذي الشهرة العالمية، أن يتحدَّث كثيراً عمّا لا يتعلَّق بأعماله، لكنه -مع ذلك- قَبِلَ الحديث إلينا، والخوض في مواضيع شتّى خارج إطار الكتابة مثل الجائحة، والنظام العالمي، ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى غير ذلك.

يبدو أن «هاروكي موراكامي»، الروائي الياباني المعاصر، الذي تحظى أعماله بأكبر قدر من القرّاء عبر العالم، قد بدأ يتغيَّر بعد أن شارف على عامه الثاني والسبعين. فبعدما عرفناه، في ما مضى، عاشقاً للموسيقى، منعزلاً ومتكتِّماً، ها نحن نكتشفه، الآن، منشِّطاً إذاعياً في أوقات فراغه، خلف مشغِّلة الموسيقى وأقراص الفينيل. إنه يبدو أكثر جرأةً على الكلام، وأقلّ تحفُّظاً؛ ما يُبهج «الهاروكيين»، متابعيه الذين يدينون له بإعجاب غير مشروط، ويسارعون إلى تحليل أعماله وكلّ ما يقوله. «موراكامي» الذي كان، حتى وقت قريب، لا يحبِّذ التحدُّث عن شيء آخر غير رواياته وأدبه، والذي كان يغلِّف معانيه وهواجسه في شكل قصص ليست، دائماً، متجذِّرة في الواقع، أصبح، الآن، لا يخشى من التحليل وجهاً لوجه؛ فبعد أن أجبرته أزمة «كوفيد- 19» على المكوث في اليابان، بدأ ينظر إلى مجتمعه بكثير من التمعُّن؛ وهو ما زاد من قلقه إزاء النظام الذي يسير وفقه العالم، وتتطوَّر وفقه اللّغة والكلمات.

نادرا ما نشاهدك أو نسمعك تتحدَّث، وقد أصدرت -للتوّ- مجموعة قصصية في اليابان، إلّا أنها كانت مكتوبة قبل بداية عام (2020). كيف حالك؟، وكيف عشت هذه السنة؟

– كلّ شيء على ما يرام. (ألفان وعشرون) هي سنة «كورونا»، بالنسبة إليَّ أيضاً، وهذا هو كلّ ما يتبادر إلى ذهني. أنا روائي، لذلك أعمل بمفردي، في المنزل، ولم تتغيَّر حياتي كثيراً. صحيح أن الأجواء من حولي اختلفت كلّ الاختلاف، أحسَّ بذلك بَدنيّاً،  إلّا أن ذلك لم يجعل عملي أكثر تعقيداً، بل العكس. وأنا أعرف، مع ذلك، أن الأمر كان بالغ الصعوبة على الناس الذين أُجبروا، فجأةً، على العيش بمفردهم. أمّا أنا فقد اعتدت على ذلك، وهذا ليس مؤلماً بالنسبة إليّ.

لم يكن هذا الوباء أمراً متوقَّعاً، وقد أفسد حياة الناس على الكوكب. كيف تحلِّل هذه الفترة؟

– أنا لا أعتبر أن جائحة «كورونا» قد ظهرت، فجأةً، من لا شيء؛ فهذا الوضع الوبائي يأتي لينضاف إلى سلسلة من التغييرات التي حدثت مؤخَّراً، وهو ليس سوى جزء من مجموعة وقائع مثل ثورة الإنترنت والشبكات الاجتماعية، والعولمة أو الشعبوية؛ لذلك لا أعتقد أن هذا الفيروس التاجي يجب أن يُنظر إليه كظاهرة منفصلة.

هل تعني أن الأمر مرتبط بحالة عالمية سياسية، واجتماعية، واقتصادية؛ أي أن السياق العالمي الحالي بما فيه من حركة سريعة للناس والمعلومات والأيديولوجيات القومية والقادة الشعبويين، كان مؤاتياً لانتشار الفيروس؟

– نعم. لذا، عوض معالجة «فيروس كورونا» بشكل منفصل، أعتقد أن علينا -بالأحرى- أن نتساءل عن كيفية تعاملنا مع هذه السلسلة من التغيُّرات الظرفية. وفي ما يتعلَّق باليابان، إن الحكومة اليابانية والسياسيين قد اتَّخذوا قرارات تتوافق مع أغراضهم الخاصّة، وقد فشلوا. من الطبيعي أن يخطئوا في مثل هذه الظروف، لكنهم لو اعترفوا بذلك، فقط، لكان المواطنون قد تفهموا الوضع. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسترشد بطريقة تفكيره الخاصّة، ومن السهل فهمه، و-مع ذلك- هناك من يتَّفق معه، ويدعمه حقّاً، وهناك من لا يتَّفق معه، ويرفضه حقّاً. ولكن في اليابان، لا يوجد قرار شخصي وفردي من هذا النوع. إنها مسألة مجموعة رائدة تتصرَّف بدوافع خفيّة تجعل من الصعب جدّاً، على المواطنين، فهم هذا النظام. أعتقد أن دور المختصّين والباحثين والعلماء هو أن يتدخَّلوا ويعارضوا آراء السياسيين القطعية، ثم يوضِّحوا لماذا لا ينبغي لنا أن نذهب في اتِّجاه معيَّن.

بحسب ما تقوله، إذن، لا يمكن أن يتحقَّق التغلُّب على هذه الأزمة بالعلوم، فقط. ولكن، ما هي رؤيتك للعلوم، إجمالاً؟

– لا أعرف الكثير عن العلوم، ولكن آمل، حقّاً، أن يتمكَّن الأدب والعلم من التقدُّم بخطًى متوازية. نحن نعيش في نظام عالمي معيَّن الآن، وأعتقد أن هذا النظام ليس أبديّاً بل مؤقتاً، ولا أعرف متى سيتمّ تقويضه. يمكن لـ«فيروس كورونا»، مثلاً، أن يقلبه رأساً على عقب، وعندما يتحقَّق ذلك، ولإنشاء نظام جديد، حتى ولو كان مؤقَّتاً هو الآخر، لن يكون الأدب وحده كافياً، ولا العلم وحده كافياً كذلك. أعتقد أن الأمر لن يتحقَّق إلّا من خلال التوليف بين القوَّتَيْن. أؤكِّد، مرّة أخرى، أنني لا أعرف الكثير عن العلوم، ولكن آمل أن نتمكَّن من العمل بشكل جيِّد معاً.

ما الذي يقلقك، بشكل خاصّ، في مجتمع اليوم؟

– هو أمر ألاحظه في اليابان، وأعتقد أنه يهمّ، أيضاً، باقي دول العالم: شبكات التواصل الاجتماعي تتطوَّر في كلّ مكان، وتتطوَّر معها لغة غريبة عن لغتي، مع عبارات كتلك التي تستعمل في شبكات التواصل الاجتماعي، وطريقة للتواصل خاصّة بهذه الشبكات، أيضاً، إلّا أن صداها يتردَّد في كلّ مكان. أنا قلق بشأن هذا المعجم الجديد. هذه ليست اللّغة التي أكتب بها القصص. أنا لا أقول إنني سأتغلَّب على هذه الظاهرة، لكني أعتقد أنني يجب أن أبيِّن أن هناك قدرة مختلفة وأقوى للكتابة. هذا ما أشعر به حقّاً.

هل تعتقد أن اللّغة تزداد فقراً، وأن مساحة الحوار تصبح أصغر؟

– نعم. ونحن لم يعد بعضنا يجابه بعضاً بالحجج. حالياً، عندما يتلقّى شخص ما انتقاداً، يردّ بانتقاد آخر. أعتقد أنه أمر مخزٍ حقّاً، حتى رئيس الوزراء الياباني يتصرَّف بهذه الطريقة. إن هذا عكس ما أريد القيام به. لا يمكنك الاقتصار على الردّ بشيء ما، فقط، بل عليك أن تعبر -بوضوح- عمّا يختلج في صدرك. هذا أمر ضروري في أيّ عالم كان، مع «كورونا» أو بدونها.

ما تعريفك لحرّيّة التعبير؟

– حرّيّة التعبير هي، أوَّلاً، وقبل كلّ شيء، القدرة على قول ما تريد قوله دون قيود، وإذا حدث أن أخطأت، يجب أن يتقبَّل المجتمع ذلك، ويغفره. برأيي، إن هذين الأمرين هما ما يشكِّل حريّة التعبير. مع ذلك، وبسبب الشبكات الاجتماعية، يمكن لأيّ تعليق أن يضرم فتيل النار على الإنترنت. أعتقد أن لدى الكثير من الناس وعياً كبيراً ومستمرّاً بهذا الخطر؛ لذلك فهم يمارسون الرقابة الذاتية. أنا، شخصيّاً، حرّ في قول ما أريد، لا أهتمّ لشيء، وليس لديَّ -على الإطلاق- أيّ حساب على الشبكات الاجتماعية، لذلك إن كان هناك حريق ما، فأنا لا أشعر به، وبذلك أنعم بهدوء كبير. (يبتسم)

في هذه الآونة، هل تزداد أهمِّيّة الكتب، وخاصّةً الروايات؟

– كل الفنون مطلوبة في مثل هذه الآونة. ومن الرائع أن نقرأ إذا توفَّر لنا الوقت لذلك. ربَّما ما يهمّ أكثر هو قراءة السرد والقصص العميقة. الأخبار لا تتحدّث إلّا عن «كورونا»، وأعتقد أن الجميع ضاقوا ذرعاً بذلك، ويريدون عالماً مختلفاً، وعالماً أعمق. إذن، الفنون تبقى ضرورية.

وهل كنت لتحتجّ لو تَمَّ إغلاق المكتبات؟

– لعلَّه من المجدي، أحياناً، للمرء، أن يشعر بالجوع للقراءة دون أن يتمكَّن من إشباع ذلك الجوع على الفور. أليس كذلك؟ نحن نعيش في عالم نحصل فيه، دائماً، على ما نريد، في الحال. وربَّما ساعد حرماننا من الكتب، بين الفينة والأخرى، في استعادتنا الشعور بأهمِّيَّتها وقيمتها الكبرى.

هل سيكون لهذه الأزمة الصحِّيّة تأثير على محتوى رواياتك القادمة؟

– لن أعرف ذلك حتى أنتهي من كتابة عمل ما. لنفترض أنني أكتب رواية، وأعيد قراءتها في وقت لاحق. فقط، في ذلك الوقت، قد يتسنّى لي الاعتقاد بأنها أثَّرت كثيراً فيما كتبته في زمن «كورونا». توجد طريقتان يمكن، من خلالهما، أن نرى ذلك: طريقة مباشرة، ماديًة واقعيًة، وطريقة مجازية رمزية. وأنا أعتقد أن التأثُّر بالأزمة سيخرج في شكل مختلف عن الوصف المباشر والملموس، شكل أكثر ارتباطاً بالمجاز. إنها عملية تتمّ بشكل طبيعي، ولا يتمّ اختيارها. يستغرق الأمر وقتاً. الشعور بالأشياء يستقرّ في الوعي، ويغوص عميقاً قبل أن يخرج في شكل مغاير. أقصد أن هذا يحدث، فقط، لدى الروائيِّين، ومن يكتبون القصص. لهذا الغوص عميقاً في الوعي، وللطريقة التي تطفو، من خلالها، الأشياء على السطح، من جديد، أهمِّيّة بالغة بالنسبة إليّ.

لا تسافر إلى الخارج، حاليّاً، أليس كذلك؟

– كان ذلك مستحيلاً هذا العام.

لقد عشت طويلاً خارج الأرخبيل، و-مع ذلك- معظم رواياتك تدور أحداثها في اليابان…

– في الواقع، لست متأكِّداً من السبب. كان بإمكاني أن أكتب أكثر عن الخارج. ولكني، في واقع الأمر، كلَّما خرجت من الأرخبيل، عرفت أنني كاتب ياباني. أحياناً، أشعر بالسوء هنا، وبالملل، فتعتريني الرغبة في الذهاب إلى الخارج. وعندما أكون هناك، وأعيش هناك، أدرك أنني روائي ياباني قبل كلّ شيء؛ لذلك، تصبح الطريقة التي يعيش بها الناس في اليابان مسألة مهمّة جدّاً بالنسبة إليَّ؛. لهذا السبب أعتقد أنني أكتب روايات، تدور أحداثها في اليابان.

وماذا تعني لك الموسيقى؟

– لا غنى عنها. هي لغة عالمية، وستبقى كذلك.

أنت مولع بالموسيقى، لكنك من عشّاق الإذاعة، أيضاً، إذ تقوم بمهمّة التنشيط على أمواج إذاعة «طوكيو FM» برفقة «ميو ساكاموتو – Miyu Sakamoto»، ابنة الملحِّن «ريويتشي ساكاموتو – Ryuichi Sakamoto». كان يفترض أن تقوم بذلك لمرّة واحدة، لكن الأمر تحوَّل إلى عادة. هل للإذاعة، إذن، سرّ يغري بالعودة إليها دائماً، بعد المرّة الأولى؟

– عندما كنت طفلاً، نشأت وأنا أستمع إلى الموسيقى عبر الراديو، وأستمع إلى برامج مثل «hit-parade» طوال الوقت، لكني، في الآونة الأخيرة، بدلاً من الاستماع إلى الإذاعة، أصبحت أشارك في العمل بها، وأجدها -حقّاً- وسيلة إعلامية مهمّة، وأنا أحبَّ ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: كارين نيشيمورا

المصدر:

https://bit.ly/3pQAgpA

 

هيرفيه لو تيلييه.. مواجهة المرء لنفْسه

استطاع الروائي «هيرفيه لو تيلييه»، من خلال روايته «النشاز – L’anomalie» أن يحقِّق أفضل مبيعات الموسم الأدبي الجديد لهذه السنة، إذ تُوّج، مؤخَّراً، بجائزة «غونكور»، بثمانية أصوات مقابل صوتَيْن لفائدة رواية «مؤرِّخ المملكة»، للكاتب الفرنسي «مايل رينوار».

على الرغم من أن «هيرفيه لو تيلييه» كان يقيم في إقليم «دروم»، في فرنسا، في إطار تجربة الحَجْر، إلا أنه، قبل أيّام قليلة من صدور قرار لجنة تحكيم «غونكور»، كان منخرطاً في حملة الترويج لروايته، مستمتعاً بذلك . وقد سرَّه الاهتمام الشديد بروايته التي تحكي قصّة رحلة على متن الخطوط الجوِّيّة الفرنسية، هبطت بشكل مفاجئ، مرَّتَيْن، في نيويورك، بالطاقم نفسه ، والركّاب أنفسهم ، لتَزُجَّ بالعالم في فوضى عارمة، بعدما وجدت هذه الشخصيّات نفْسها في مواجهة أشباهها. رواية «النشاز» هي، أيضاً، كتاب عظيم عن الحبّ، تنمزج فيه الأجناس ببراعة؛ لذلك، تستحقّ هذه الحكاية الخرافية عن العالم أن تُتَوَّج، وهو ما وقع، فعلاً، في الثلاثين من نوفمبر «2020».

بنجامين لكوج: ما هي نقطة البداية في رواية «النشاز»؟

– هيرفيه لو تيلييه: كانت لديَّ عدة مشاريع، بالتزامن مع كتابة هذه الرواية. ومنذ فترة طويلة كانت لديَّ رغبة في أن أتطرَّق إلى موضوع الشبيه ، بشكل أكثر مباشرةً من موضوع الاستنساخ البسيط؛ لذلك، كان المغزى من كتابتها هو أن يواجه المرء نفْسَه، وأن يواجه ذلك الشخص الذي لا يمكنه أن يكذب عليه، ذلك الشخص الذي يمتلك ذكرياتنا، وعواطفنا، وكراهيَّتنا. وكيف يتصرَّف المرء في مواجهة نفسه. لقد كنت مهتمّاً، أيضاً، لفترة طويلة جدّاً، بنظرية المحاكاة التي صاغها «بوستروم»، وهي الفكرة المذهلة للغاية، والقائمة على الاعتقاد بأننا نعيش في عالم افتراضي، وأن كلّ ما يحيط بنا مصطنع، وهي النظرية التي حظيت، مؤخَّراً، بمصادقة مجلّة «علوم» التي أكَّدت إمكان صحّة النظرية بنسبة %50… وهكذا، تمازجت هاتان الفكرتان مع رغبتي في كتابة رواية ما، وفق فرادة سردية، تتناول جميع القضايا المتعلِّقة بالأجناس الأدبيّة.

من هنا، جاء تعدُّد الأساليب في الرواية: حيث تنطلقون من الرواية البوليسية إلى الخيال العلمي، مروراً بقصّة الحبّ…

– ه. ل. ت: نعم. كنت قد جرَّبت كتابة الرواية البوليسية في أيّام سلسلة «الأخطبوط – Poulpe» ، لكن  الأمر لم يكن يستهويني، بيد أنه كان تمريناً أسلوبياً حقيقياً، أخضعت نفسي له، في غضون شهرين، مع ما يستتبع ذلك من مخاطر التكرار والصور والتعابير غير المضبوطة، فقد كانت هذه هي اللعبة. وفي هذا العمل راودتني الرغبة، مجدَّداً، في أن أعود، مرّةً أخرى، إلى جنس الرواية البوليسية؛ لذلك نجد أن أحد الشخصيات يعمل قاتلاً مأجوراً. هكذا، قلت لنفسي، وأنا أتخيَّل أن كلّ شخصية أخرى في الرواية ستتوافق مع أسلوب سرد مختلف؛ وبهذا يكون للمجموع كلِّهِ تلوينٌ شاملٌ فريد.

هل يتعلَّق الأمر، إذاً، بذلك الأدب المعروف بقيامه على الإكراهات ، والذي يحظى بدرجة عالية من التقدير عند جماعة «مشغل الأدب الاحتمالي» (Oulipo)، التي تنتمون إليها ؟

– نعم، لكن الإكراه هنا ضعيف ، وواضح المعالم. لقد اعتدنا في مشغل «أوليبو» أن نلزم أنفسنا بمظهر معيَّن للشخصيات، والتنقُّل إلى مبنى معين، مثلما فعل «جورج بيريك» في روايته «الحياة: دليل الاستعمال – La vie mode d’emploi». بيد أني لم أضع، في روايتي، سوى ثلاث صعوبات، فقط: الأولى تتعلَّق بالأساليب، والثانية تتعلَّق بتشابكها، والثالثة تقوم على كتابة فصول تبدأ، من وقت إلى آخر، بتحوير عنصر معيَّن مأخوذ من أحد الكتب الموجودة في خزانتي الخاصّة. فعلى سبيل المثال، أخذت الفقرة الأولى من رواية «وعد الفجر- La Promesse de l’aube» لـ«رومان جاري»، وكتبتُ على ضوئها فقرة في كتابي. وهذا الأمر يساعدني في نسج الرواية. إنه لأمر ممتع جدّاً أن ينتقل المرء من جنس إلى آخر. لأننا إذا قمنا بخلق شخصية قاتل مأجور، فلن تكون لدينا الرغبة في أن ننهج أسلوب «بروست» في الكتابة. [يضحك].

هل تتفاعل مع شخصيّاتك في الرواية؟

– أوه! يمكنني أن أقول إن في هذا الأمر مسحة من التصنُّع، لكن ذلك ليس بالأمر الخاطئ كلِّيّاً. فعندما نكتب عن «النشاز»، فإن الشخصيات تجسّد نفسها بقوّة. إنها تجذبك إليها، وفي لحظة معيَّنة تجد نفْسَك مأخوذاً بالسرد، إذ تتولد لديك رغبة في إكمال قصّة «بليك»، أو قصّة «لوسي» و«أندريه»، أو قصّة «جوانا». وكلّ قصّة من هذه القصص القصيرة هي بمنزلة رواية.

تمثِّل «النشاز»، أيضاً، رواية عظيمة عن الحبّ…

– وليست عن أيّ شيء آخر. إذ ما إن تلتقي الأشباه، بعضها بالبعض الآخر، حتى تصير مأخوذة بتسوية هذا المشكل، ولا تأبه، أبداً، لما سواه، لكن الأشباه تواجه المستحيل والفرصة الثانية. فالمسألة الأساسية، في عصرنا، هي مسألة العلاقة مع الآخر؛ فمن هنا تنبع مشكلة حبّ تملُّك الآخر. وبهذا الصدد توجد ثلاثة طرق ممكنة: إمّا تجريد المرء من التملُّك، أو التضحية، أو التعاون، وهو ما يمكن تلخيصه في السؤال الآتي: «هل أنا قادر على مشاركة شخص أحبُّه حياته؟» إنني لا أؤمن بالتنافس بين الرجال والنساء، كما أنني لا أعتقد أننا نترك شخصاً ما «من أجل» شخص آخر، بل بدافع من ذواتنا. إذا فشلنا في إقامة علاقة ما، فهذا ليس بسبب وجود علاقة أخرى، بل لأننا، فقط، وبكلّ بساطة، لا نستطيع.

لذا، إنَّ الحل الأنسب هو أن يكون لدى كلّ منّا شبيه ؟

– نعم. [يضحك]. بوجود الشبيه، يمكن للمرء أن يحاول النظر إلى ذاته، وأن يسعى إلى تحسينها. وهو ما يفعله «أندريه»؛ أحد الشخصيات في الرواية؛ فعندما يواجه شبيهه، يرى نفسه بطريقة أكثر وضوحاً بكثير من رؤيته نفْسَهُ في المرآة.

من أين تأتي الحاجة إلى هذه المسافة، في عصر صرنا نحبّ فيه السخرية والتهكُّم؟

– إننا نعيش، أيضاً، في عالم نقضي فيه وقتنا في التقاط صور لأنفسنا، وفي النظر إلى أنفسنا، وفي السعي لأن نجعل من ذواتنا مركزاً للعالم، حيث نحبس أنفسنا في فقاعة صغيرة، تجعلنا نؤمن بنظرية المؤامرة، وتحثنا على ألّا نواجه، أبداً، موقفنا من الآخر. إننا نتاج سلسلة كاملة من الظواهر التي تخرج عن نطاق سيطرتنا، من بينها: وسائل التواصل الاجتماعي، والتلفزيون الذي بدأ يفقد مكانته لصالح اختيارات ترفيهية وتثقيفية وإعلامية أخرى عديدة؛ إذ لم يحدث، أبداً، أن تمتَّع هذا العدد الكبير من الناس بهذا القدر القليل من الثّقافة؛ عرض ثقافي ضخم يركِّز على الحدّ الأدنى من الاختيارات، وهذا، أيضاً هو ما أعيشه، الآن، في هذه الرواية التي حقَّقت نجاحاً ظاهراً من المرّة الأولى، بينما الكثير من كتب أصدقائي لم تَنَلْ حقَّها من الشهرة، وهذا ظلم.

كيف كان شعورك عندما علمت بأن روايتك «النشاز» هي واحدة من الروايات المرشَّحة للفوز بجائزة «غونكور»؟

– أوه! لقد انخفض الضغط الآن، بعدما احترق مخزوني من الأدرينالين كلِّيّاً. [يضحك]. أنا لا أكترث لهذا الأمر. أشرب الشاي الممزوج بالأعشاب، وبعض المشروبات الأخرى. لقد كانت هذه الاستراحة مفيدة، تقريباً، بالنسبة إلى المرشحين الأربعة في المرحلة النهائية، ثم توقَّف كلّ شيء، فجأة، دفعة واحدة؛ لذلك أنا أتساءل عمّا إذا كان الأمر مهمّاً بالفعل. ولكن، تظل جائزة «غونكور»، مع ذلك، قادرة على تغيير حياة من يفوز بها، رغم أنني لست مهووساً بالأمر، ولا أفكِّر به طوال الوقت. وقد اتّضح أنه يجري، الآن، بالفعل ترجمة رواية «النشاز»، فأنا، إذاً، قد حقَّقتُ هدفي الشخصي المتمثِّل في إخراج الرواية إلى الوجود، كما أننا سعداء جدّاً بوجود جائزة مثل «غونكور»، إذ من شأن هذا الأمر أن يغيّر مكانك في الوسط الأدبي، ولكن بشكل مؤقَّت. فمن منّا -مثلاً- يتذكَّر جائزة «غونكور» لعام (1992) أو لعام (1993)؟ يتعيَّن علينا، إذاً، أن ننظر إلى هذا الأمر من منظور نسبيّ، وهو ما من شأنه أن يقدّم فرصة إضافية تمكِّن الكتب السابقة من أن تخرج، مرّةً أخرى، إلى الوجود.

ما وجهة نظركم في ما يتعلَّق بمسألة إغلاق المكتبات. هل ينبغي منح الأولوية للصحّة أكثر من الثّقافة ؟

– لا أدري، فأنا لست عضواً في المجلس الصحّي. والبلجيكيون لم يتبنّوا هذا الخيار. نحن نتوفَّر على أقنعة واقية، ومعقّمات، ثم اتَّضح أن عملية «طلب شراء الكتب عبر الإنترنت، قبل تسلّمها في المكتبة، والمعروفة بـ«click and collect»، ليست بالفاعلية التي كنّا نعتقد.. لأن جزءاً من المبيعات يتمّ بعد جَوَلان القارئ في فضاء المكتبة، واكتشافه بعضَ العناوين من خلال تناوله الكتب مباشرةً من فوق الرفوف. زد على ذلك أن كبار البائعين هم وحدهم من يستفيدون من نظام البيع هذا. وهكذا، الكتب الحقيقية التي أقوم باقتنائها هي تلك التي أراها على طاولة معيّنة أو على رفّ معيّن. وعندما أسمع «برونو لو مير» وهو يقول:«إن هذه العملية ستسمح لبائعي الكتب بالبدء في استخدام التقنية الرقمية»، ينتابني الفضول لمعرفة متى كانت آخر مرّة قام فيها وزير المالية هذا بزيارة المكتبة. إن المكتبة هي المكان المناسب الذي يواجه فيه المرء خيارات كثيرة؛ إذ ليس من الممكن أن يقتصر الأدب على خمسة عشَر عنواناً.

لقد كنتَ تَدْرُس الرياضيات، فكيف انتقلت إلى الأدب؟

– لم أكن مُدرِّساً جيّداً، كنت أطرح الصيغة الرياضية قائلا: «سنحاول العثور عليها معاً»، وكان بعض الطلّاب يتوصَّلون إلى الحلّ بشكل أسرع مني. لقد كان الأمر شبيهاً ببيداغوجيا التلميذ الكسول، إذ كنت أعرِّض نفسي للحرج؛ لذلك حوَّلت وجهتي نحو مركز تكوين الصحافيين ، حيث تَمَّ قبول ترشُّحي هناك، وسرعان ما دخلت عالم المجلّات العلمية، ولكم كنت أحبّ تبسيط المادّة العلمية، ونشرها لعموم القرّاء!.

ولكن، مع ذلك، كلّ هذا لا يجعل منك كاتباً.

– في عام (1984)، نشرت روايتي الأولى. لم تكن رائعة، بيد أني بدأت في الكتابة ضمن المجلّة الأسبوعية «حدث الخميس – L’Evénement du jeudi». ولمدّة سبع سنوات، كنت أكتب كلّ أسبوع قصّة قصيرة تتضمن ألفَيْ علامة. مرّة على الكوكتيلات، ومرّة على المكرونة، وأخيراً على مشروب شاي الأعشاب. كنت قد كتبت عن شاي الأعشاب حكايات مرعبة، كانت بطلتها هي نسخة بديلة لشخصية الآنسة «ماربل» الشهيرة، وقد شكَّل ذلك تدريباً جيّداً من حيث الكثافة السردية. وبالنسبة إليَّ، أنا الذي كنت أحبّ «جول رونار» أو «سويفت»، فإن اعتناق الشكل القصير ، كان أمراً مثاليّاً.

من الكتّاب المفضَّلون لديك؟

– عندما كنت طفلاً، كنت أفضِّل قراءة «رومان غاري»، و«جان بول سارتر» و«إيتالو كالفينو» فيما بعد، في روايته الثلاثية «أسلافنا»، لكن مجموعته القصصية «ماركوفالدو» هي أكثر ما أثار إعجابي، على مستوى الشكل؛ فقد كانت هذه القصص الصغيرة تتعاقب، وتخلق كوناً رائعاً مشيّداً بشكل جيِّد، كما أنها كانت تُدخِل النثر في شعر حضري مذهل.

أما زلت تقرؤه؟

– بالطبع. وأنا أقدّمه، أو أنصح بقراءته باستمرار، وخاصّةً للمراهقين الذين يسألونني عمّا يجب عليهم قراءته. لقد وصفه بافيس بأنه سنجاب القلم، وهذا -فعلاً- هو أدقّ وصف له: «كالفينو» يقفز من غصن إلى آخر، في رشاقة لا حدود لها.

ما الذي عرفته عن نفسك بفضل الأدب؟

– أدركت عندما قاربت سنّ الثلاثين، أن الأدب طريق يمكن أن يسلكه المرء للهروب من نفسه، ومن الحياة اليومية؛ لذلك فسيكون من الصعب عليّ أن أستغني عنه، من الآن فصاعداً…

حوار: بنجامين لكوج

المصدر:

https://bit.ly/3nMuBRy

تورغوت أويار: «حبّي يؤلمني من التعاسة المتكاملة لبني البشر»

ينتمي الشاعر التركي «تورغوت أويار» إلى حركة شعرية طليعية بدأت في الخمسينات من القرن الماضي، وعُرِفت باسم (الحداثة الثانية) أو (الجيل الثاني)، أضفت ملامح جديدة على الشعر التركي، فأدرجت التعدُّدية في الشكل، والمعنى، والصورة، ورفضت التعبير عن المواقف السياسية المباشرة في الشعر، ونزعت إلى الرغبة في الحياة الفردية دون تدخل سياسي، والتوق إلى عالم آخر كما تصوِّره أبياتهم الشعرية السوريالية، وما زال لهذه الحركة تأثير عميق في الشعر التركي، حتى يومنا هذا.
كتب «أورهان باموك» في مجلَّة «دي زايت الألمانية»:… كنت في صباي أُمضي جُلَّ وقتي في قراءة الكتب المختلفة، ومنها لشعراء «الحداثة الثانية» مثل «تورغوت أويار»، وآخرين، ورغم أن شعرهم عصيٌّ على الفهم، لكنه مؤثِّر وبليغ. كنت أحاول كتابة الشعر مثلهم، فأجلس إلى الطاولة، وبعد أن أكتب بعض الأبيات الشعرية، أُدرك سذاجة من يشاهد لوحة تجريدية، فيذهب به الظنّ إلى أنه قادر على رسم لوحة مشابهة…»

وُلِد «تورغوت أويار» في أغسطس، 1927، في أنقرة. كان الطفل الخامس بين ستّة أطفال. نشأ في أجواء عسكرية، فوالده كان ضابطاً، وحياته الدراسية أمضاها في المدارس العسكرية الداخلية أيضاً، وخدم بصفة عسكرية في الوظيفة الحكومية، لمدّة ست سنوات، بعد أن أنهى خدمته العسكرية الإلزامية. رغم كلّ تلك الأجواء العسكرية التي نشأ وترعرع فيها، لم يقتفِ أثر أسلافه في كتابة الشعر الملحمي، والوطني، والسياسي الذي كان مهيمناً على شعر مَنْ سبقوه من كبار الشعراء الأتراك، بل فتح آفاقاً جديدة في الشعر التركي، واستخدم أحاديث النفس الداخلية، وتخلَّص من الوزن والقافية، وأكسب الشعر سرعة جديدة، ووجَّه شعره نحو مجالات غير مسبوقة، وساهم، بشكل كبير، في تطويره.

توفِّي «تورغوت أويار» في اغسطس، 1986، تاركاً خلفه 14 كتاب شعر. وكانت وصيَّته لزوجته الكاتبة «تومريس أويار» أن تمزِّق كلّ ما كتبه بخطّ يده، ولم يُنشر من أشعاره، وقد نَفَّذت وصيَّته كما أراد.

يعكس «تورغوت أويار»، في معظم قصائده، وطأة ضغوط معايير التحضّر وأنماط الحياة العصرية، وعزلة الفرد في المدينة، وتأثير نمط المعيشة فيها في تشكيل حياة الفرد، والشوق والحنين إلى حياة الريف والطبيعة رغم صعوبتها؛ لما تمثِّله من حريّة غير مقيَّدة، وانفتاح للعلاقات الاجتماعية بين أفرادها، فيقول في قصيدته «تلك القرية لا تزال في أحلامه»:

على جبال آرسيان المُهيبة، ذات يوم
أُنهِكتُ، وأُنهِكَ حصاني.
عاصفٌ وصاعقٌ ذاتَ عصرِ يوم،
حين أطلقتُ العنانَ لحصاني، تحتَ المطر
ونزلتُ في قرية «بَنارْهيف»..

في غرفةِ المختارِ، أنا وغربيانِ اثنان،
كأنّنا نَعرِفُ بعضَنا منذُ سنوات!
جفّفنا ثِيابَنا، وشرِبنا الشايَ، وتسامرنا.
بعيداً عن الذئابِ، والطيورِ، والضباب..
كإنسانٍ، في قرارةِ نفسي،
كمْ فرِحتُ، وشَعرتُ بالحبور!.

ما إنْ وَرَدتْ سيرةُ المرأةِ في حديثِنا،
حتى انتابني شعورٌ غريب.
قدْ لا تصدّقونَ ما أسمعُه في الظلام!
أسمع أصواتاً في البعيدِ البعيد.
دخلتُ السريرَ، وتَلحّفت
في قريةِ «بَنارْهيف»، في غرفةِ المختار
إلى جوارِ أحلامي، والناس..
استغرقتُ في النّومِ حتى الصّباح..
في دفءِ أجواءِ تِلكَ القرية،
أعلمُ أنْ لا شيءَ قدْ تغيّر مذ ذهبت.
ليهنأوا جميعُهم بالمياهِ وأسماكِ السَلَمون.
تلكَ القريةُ لا تَزالُ في أحلامِه.

ويصف القرية، في قصيدته «إحياء ذكرى»، بأنها أرض الحكايات الخيالية الجميلة، ويحنّ إلى الحياة فيها، رغم صعوبتها، بأمطارها الممتعة، وهي أقرب إلى نفسه من حياة المدينة:

كانتْ لِيَ أيامٌ مُمْتِعةٌ مبلّلةٌ بالمَطر،
وليالٍ لي جميلةٌ ومليئَةٌ بالحِكايات.
كلُّ شيءٍ، كلُّ شيءٍ كانَ جميلاً: الدموعُ والدنيا والزمان،
وما التقطْتُه مِنْ توتِ العلّيق، في طريقِ القريةِ المُغْبَرّ، المُقْفِر،
كانتْ لِيَ أيامٌ مُمْتِعةٌ مبلّلةٌ بالمَطر.

كنتُ أُتابِعُ القَمَرَ يكبَرُ، كلَّ يومٍ، في السّماء،
والمقابِر الدارِسة مِنْ جِدارِ القَلْعَة،
والصّخرَةَ التي أخالُها عملاقاً مخيفاً،
وما تشبِكَه أمّي منْ تمائِمَ زرْقاء.
كنتُ أُتابِعُ القَمَرَ يكبرُ كلَّ يومٍ، في السّماء.

مصباحُ الكيروسينِ مُضاءٌ في وَسَطِ الغُرْفَة..
وأحياناً، بِوهجِ الصواعِق، تُضاءُ الليالي.
عشُّ اللقلقِ المُقامُ أعلى مِدخَنَتِنا،
كمْ كانَ جميلاً! وكمْ هي جميلةٌ الحكاياتُ والأحاجي!
مصباحُ الكيروسينِ مُضاءٌ في وَسَطِ الغُرْفَة.
ولّتْ بهجةُ أيّامي الماضِية..
كانتْ لِيَ أيامٌ مُمْتِعةٌ مبلّلةٌ بالمَطر،
حيثُ وُلِدتُ في بلادٍ مُقْفِرة،
احترقتْ في مصابيحِ الحكاياتِ لا في مصابيح الكيروسين،
ولّتْ بهجةُ أيّامي الماضِية…

ويعرض «تورغوت أويار»، في قصيدته «عن الأقدار البعيدة»، صوراً من الهروب والتشاؤم والموت، والحاجة إلى المحبّة، لكن الحبّ والآلام متلازمان، وبُعْدَ أفراد مجتمع القرن العشرين عن أنفسهم، والاضطراب الداخلي، والشعور بالوحدة يلازمهم باستمرار. الحياة في المدينة وهمية كزيف أضواء النيون. والخلاص من الشعور بالوحدة، والعزلة بالجلوس في حانة على شاطئ البحر والبكاء، ليسا سوى تخدير للقلب والروح، بانتظار مغادرة الدنيا إلى مكان مجهول:

ذاتَ يومٍ ماطرٍ،
سأغادرُ عائلتي، دون رغبةٍ منّي.
بقلبٍ لم يملَّ الحبّ،
أعرفُ أنّي سأغادرُ وحيداً.

القرنُ، هو القرنُ العشرون، آمنّا.
أحملُ محبّتي إلى جانبي، وأحملُ وجعي إلى جانبي الآخر،
أضواءُ النيونِ تُضفي العتمةَ على ليالينا..
البعيدُ يزداد بعداً،
كدفينةٍ تخرجُ من بين الصخورِ، منذ عهد آدم..
أنا بحاجةٍ إلى محبّةٍ دافِئة.

سأغادرُ ذاتَ يومٍ، وحيداً..
لتلمع النجومُ، لتخلُ الطرقات، الطرقات..
ليلفَّ وسطي شالٌ دافئٌ، أزرق
بعدَ نهايةٍ حزينةٍ، بلا أُغنيات،
لتنحنِ أحلامي في نُزُلٍ منسيّة،
أمام شفتَيْنِ مفعمتَيْنِ بالعاطفة، ولامستا الكثير.

ما عادَ يطيق حالَه عمري،
ليتني أعيشُ قَدَرَ كلّ إنسان على حدة،
عشقٌ دمويٌ في بلادِ الغربة،
طفولةٌ تعيسة في إحدى القرى النائية،
في الفجرِ الأكثرِ بعداً،
في العصرِ الأكثرِ قرباً،
ومساءٌ عاطفيٌّ في حانةٍ على شاطئ البحر،
ليتني أبكي، ولا أتوقفُ عن الشراب..

كيف يمكنُ اختزاله؟ لا أدري!
بينما الكلُّ يريدُ حصَّتَه من المتاعب.
مياهُ الأقدارِ البعيدةِ تُخرخرُ الآن،
والنجومُ تتساقطُ إلى ما لانهايةٍ، من داخلنا.

ذاتَ يومٍ، بينما كنت أجلسُ في الحديقة،
عرفت أن يداً ستلمس كَتفي مع المطر،
وزوجاً من الأعينِ، ودعوةَ ضيافةٍ، وقلباً،
سأتخلّى عن عائلتي.

أوراقُ الشجرِ ستتساقط، والأزهارُ ستذبل،
ذاتَ ربيعٍ، وذاتَ صباحٍ، ومطرٌ سيهطُل،
عابقاً برائحة الإنسانِ والتُراب.
في حالةِ ثَمَلٍ مصحوبٍ بالعويلِ، منذ سنوات،
سأغادرُ وحيداً.

ويخاطب «أويار» طائر الكركي في عدد من قصائده، إذ يمثِّل، بالنسبة إليه، رمزاً للحريّة والانعتاق من كلّ قيد، والانطلاق بلا حدود، ويصل به الأمر إلى أن يتمنّى أن يكون ريشة في جناحه كي يطير معه وينطلق بلا قيود، في قصيدته «معك يا طائري الكركي» :

استسلمتُ لعاصفةٍ وتجاوزْتُها،
خارج أنقرة واستانبول.
أتقولون: كمجنونِ ليلى، أو لبنى
يسعى خلفَ كركيّ ذي ريش؟

آه، أيُّها الكركيّ! ليتني ريشةً من جناحِيك.
فلا تتركني هائماً في الطّرقات.
احملني كأحدِ همومِكَ، كأحدِ فِرَاخِك.
آه، أيُّها الكركيّ! ليتني ريشةً من جناحِيك…

في عمقِ دغلٍ، على قمّةِ جبل،
أنامُ القيلولة.
يا أيُّها الكركيّ! يا روحي أيُّها الكركيّ! يا سيِّدي أيُّها الكركي!
تعلمُ أنّي غريبٌ، أنّي ضعيف…

لا غابت عنّي ظِلالُك، ولا عَصْفُك.
تلكَ الأيامُ، كانت ناراً تستعِرُ في داخلي.
حينَ كنّا نهبطُ من قريةِ «صاكالْتوتان»، عندَ الصّباح،
كانت بلدةُ «قارْص» قد استفاقت للتّو…

إلى أيّ مكان كان، أستودعكم الله،
بلدنا تلك تأخذ بالأبصار، أيُّها الكركي!
الطريقُ سالكٌ، بعد أن أزيلت قرية «داغدفيران» بالتسوية،
والذهاب إلى قرية «باسينْلِر» بِلَيرَتَيْن ونصف، يا الله!

في نَزل علي أفندي في «باسينْلِر»،
استغْرقتُ في نومٍ عميق.
على الحصيرِ، كمْ شعرتُ بالراحةِ، دون قلق،
إلى جانبِ القَرَويّ مصطفى!.
لو أجلسُ وأبكي حتى الصّباح،
طرقاتٌ تَمورُ في داخلي.. طرقاتٌ قريبةٌ، وبعيدة.
يا حسرتي، لم أكْتفِ بعد، لم أكْتفِ، لم أكْتفِ.
ألا ليتَ، أيُّها الكركي.. ألا ليتَه لا يكون حُلماً..

لِمَ أنا حزينٌ هكذا؟، لستُ أدري!
آلاف النجوم تجري في دمي.
أهيمُ منذ سنواتٍ، منذ قرون،
حرّاً، سيراً على الأقدامِ، زائغَ النّظرِ، في وطني..
يا ليتني ريشةً من جناحَيك ، أيُّها الكركي
اخطفني، خذني معكَ ولا تتركني.
خذني إلى بلدةِ «قارْصْ»، أو «سيفاسْ»، أو «أَدِرْنَةّ»
لا يعنيني من طبيعَتِها الخضراءَ شيئاً، ولا من محيطِها.
احملني.. ليتني قملةً، ليتني عبداً لك،
مِثلَ حبّةَ شعيرٍ في حوصَلَتِك…

لا ينسى، أيضاً، مدى تأثير حياة المدينة على المرأة، من خلال كونها زوجةً لموظَّف بسيط في إحدى الدوائر الحكومية، فكتب قصيدة بعنوان «زوجة الموظَّف»، وأهداها إلى زوجته:

ترتدينَ من الحريرِ أَسوأَه.
أنتِ زوجةُ موظَّفٍ من الدَّرجةِ العاشِرة..
امرأةٌ مكابِدةٌ، وفيّةٌ، ونِصفُ قلبي….
سعياً وراءَ نظرةٍ، أو وعد،
راضيةً بالنَّصيبِ، أحنَيْتِ رأسَكِ خضوعاً.
سيِّدتي، أصبحَت امرأةً في الخامِسةِ عشرة…

لا تُلِمّين كثيراً بالموْضَة..
لمْ تَطْلي أظافرَكِ منذُ زفافك،
وتَلِفتْ يداكِ من مساحيقِ الغسيل.

لا أحلامٌ كبيرةٌ، كبيرةٌ، لديكِ،
تجمعين القرشَ على القرش،
تأملين بعلاوةٍ أو مكافأة…

هدرتِ عمرَكِ على قِممِ الجبال.
أصبحتِ أُمّاً قبلَ بلوغكِ الثلاثين.
خمسةُ أطفالٍ لديكِ، في الثامنةِ من عمرهم…

تذهبين مرّةً في السنة،
إلى مدينة الملاهي، أو الجزُر، أو البحر..
تُمضين السنة كلَّها بجوربٍ وفستانٍ واحد…

أنتِ زوجةُ موظَّفٍ من الدرجةِ العاشرة..
امرأةٌ مكابدةٌ، وفيّةٌ، ونصفُ قلبي.
مهما قلتُ، فلن أوفيكِ حقّك.
ويلجأ، في قصيدته «يؤلم»، إلى غير المألوف في التعبير عن شدّة تعاسة البشر، فيصفها بالرأسية والأفقية والمتكاملة، بينما يعبّر عن حبّه لبني البشر، ومدى ألمه من تعاستهم بـ«حبّي يؤلمني»، فيقول:
أريدُ التّحدّثَ عن التعاسة
عن التعاسةِ الرأسيةِ والأفقية
عن التعاسةِ المتكاملة لبني البشر.
حبّي يُؤلِمني!
لقد عِشنا أشياءَ مليئةً بالغموض،
وهم عاشوا هناك، أيضاً.
يخطئون حينَ يظنّونَ أنّ تعرُّج الجبلِ
ابتهاج.
التعاسةُ، قبلَ كلّ شيء،
تُشبِه حانةً في بلدةٍ صغيرةٍ، لا ريب،
تضرِبُ ضحكتُها ضوءَ النهارِ،
دونَ انعكاسٍ هنا وهناك..
أي أنَّ امرأً قد أصابَه الزُّهريُّ مِنْ وردةٍ ذابلةٍ،
وآخرَ قد أصابَه السُّلُّ من امرأةٍ أخرى.
بتأريخ كلّ المباني
وتأريخ كلّ الوعود،
حبّي يُؤلِمني.
«أشفق على حبّي»، يقول أحدهم.
حتى الطفلُ ذو العيون الجميلة،
لا صيفَ محميٌّ له.
ليسَ لديَّ أيّ فكرةٍ عمّا ينبغي قولَه.
حبّي يُؤلِمني.
السفنُ لا تزالُ تمرُّ وتمضي،
والجبالُ ستُظلِمُ وتُضيء..
وهذا هو كلُّ شيء.
شأوي هو العثورُ على شيءٍ، ومِنْ ثَمّ الابتهاج.
حلَّ الخريفُ أيُّها الحزنُ..
وحلَّ الشتاءُ، أيُّها الحزنُ الأسود
يا أذكى إنسانٍ في الدنيا!
حبّي يُؤلمني،
في وضحِ النهارِ في عزِّ الصيفِ، أحياناً.
لا يَهُمُّني مَنْ أحبّ،
ولا يَهُمُّني من يحبُّني.
ها قد حزم أيلول حقائبه، وذهب..
وتشرين وغيره، سيذهبون على النحو ذاته.
الخيول الضخمة الغارقة في التاريخ..
والغرق في التاريخ، هذا هو كلّ شيء.

فرانثيسكو برينيس: الشعر هو قول أشياء مؤلمة

أعلنت جائزة «ثيربانتس» المرموقة، نوبل الأدب الإسباني، فوز الشاعر فرانثيسكو برينيس لعام 2020، عن مسيرته الإبداعية التي استمرَّت على مدار 60 عاماً، أضاف فيها للشعرية الإسبانية، وانتقل فيها من الحسِّية إلى الميتافيزيقا. تبلغ قيمة الجائزة 125 ألف يورو، وتُمنَح عاماً لكاتب من إسبانيا، وعاماً لكاتب من أميركا اللاتينية، لكنها، هذا العام، مُنِحت لكاتب ولشاعر إسبانيّين، لعامَيْن متتاليَيْن.

ينتمي «برينيس» إلى جيل الخمسينات الشعري، وهو الجيل الذي وُلِد في زمن الاضطراب السياسي، وعاش طفولته في الحرب الأهلية (1936 – 1939)، ثم بدأ الكتابة والنشر تحت رقابة الديكتاتورية الفرانكوية. نال الشاعر البالينثي التقدير منذ ديوانه الأوَّل، وفاز بالعديد من الجوائز المهمّة، مثل الجائزة الوطنيّة للأدب، في سنّ مبكِّرة، لذلك لم تكن مفاجأة أن تختاره لجنة جائزة «ثيربانتس» لجائزتها، بل إن الكثيرين رأوا أنها تأخَّرت.

بدأت مسيرتك الشعرية بديوان عن الشيخوخة: «الجمرات» (1960)، ويبدو فيه أن الزمن لا يمرّ. كيف استطعت أن ترتدي ثوب الشيخ وأنت في الثامنة والعشرين، حين نُشر الديوان؟

– في الثامنة والعشرين، نُشر الديوان، لكني كتبته قبلها بعام، بين الصيف والخريف. ينبغي أن أقول إنه ديواني الاستشرافيّ الوحيد: إذا كان الشاعر عرّافاً، فقد تمتَّعت بهذه القدرة في كتابي الأوَّل، فحسب. البطل الشعري، خاصّة في الجزء الأوَّل والأساسي في الديوان، هو رجل عجوز، يعيش وحيداً في البيت الذي أعيش فيه نفسه، منتظراً النهاية. وهذا ما تحقَّق، بالفعل: وصلت وحيداً إلى هذه القرية، إلى هذا البيت، وهو بيت الديوان نفسه، وفيه أنتظر النهاية؛ بهذا المعنى هو كتاب تنبُّؤي، رغم أنه، للمفارقة، كتابي الأوَّل المكتوب وأنا في السادسة والعشرين أو السابعة والعشرين.

هل كنت تشعر، نفسيّاً، بأنك عجوز؟

– بعيداً عن السنّ، ما كنت أراه هو مصير العزلة الذي كنت أحتاج إلى التعبير عنه شعرياً لتحقيقه، رغم أني لم أقل ذلك في هذا الديوان أو أيّ ديوان آخر؛ لأن الشعر هو كشف معنى الوجود الإنساني، شيء نقف أمامه عمياناً. كلّ شيء، على الأقلّ الأشياء المهمّة، محض لغز، وهذا اللّغز يجبرني على طرح أسئلة أساسية تأتي وتذهب، ثم تعود بشكل موسوس، تقريباً. ولأن هذه الأسئلة، بطريقة أو بأخرى، لم تهجرني، لا أعتقد أن ثمّة تغييراً حدث في شخصيَّتي.

لماذا كتبت كلّ قصائد هذا الديوان بصوت الضمير الثالث؟ هل هي مسألة خجل؟

– أظنّ أننا، في نهاية المطاف، نحكي عن الذات: من منطقة الجسد ومن الروح التي ترافقه. الروح تعيش فيما يعيش الجسد؛ وحين يموت، تموت الروح كذلك. أؤمن بذلك، من وجهة نظري، وهي وجهة لا تؤمن، ولست سعيداً معها، لأن ما نختبره، في النهاية، هو هويَّتنا الذاتية، وهذا ما لا نتمنّى أن نفقده، أبداً: الوعي بالهويّة، الشيء الوحيد الذي نحتفظ به، ما دمنا على وجه الحياة. من ناحية أخرى، حتى وأنا أتكلَّم عن الذات، لم أعتبر أن ذاتي مختلفة عن ذات الآخر، قَطّ؛ إذ إن البشر متشابهون. السحري في الشعر أنه يجعلنا نقبل بشريَّتنا، ونقبل ما نحبّ أن نكونه، بدون أن نحصل عليه. وهكذا، عند قراءة الشعر، نقبل بحقيقتنا وحقيقة الآخر. هذه هي موضوعية الوجود أو جوهر ما هو إنساني؛ لذلك أعتقد أن «الأنا» لا ينبغي أن تبرز كما نفعل: الأهمّ هو «الأنت»، لأنك، بالنسبة إلى الآخر، لست «الأنا» بل «الأنت». أظنّ أن الكتابة بصيغة «أنت» أو «هو» ابتعاد عن الوقوع في فخّ الذات: ليس من أجل الإعلاء من شأنها، ولا الحطّ من شأنها، بل لمعرفتها كما تستحقّ. أعتقد أن الإنسان كائن مذهل، رغم أنه قد يكون عاراً. إمكاناته شبه لا نهائية، بحيث يمكن أن يكون بطلاً أو جباناً.

هل كان لك محاولات شعرية سابقة على ديوانك الأوَّل؟

– لي سوابق شعرية، عندما كنت في الرابعة عشرة، وكانت سنوات تعلُّم. حينئذ، لم يكن ممكناً النشر في مجلّات كالآن، وكنت، حينها، أرتاب فيما أكتب كما أكتب الآن. لكن، نعم.. كان لديّ رغبة في الكتابة، وهذا منحني سحر التقرب لمعرفة الشعر. كنت في الرابعة عشرة تلميذاً مراهقاً، وكنت أتمتَّع بخبرة الإجابة عن الأسئلة بحسب ما درست. كنت أجيب عن أسئلة أعرفها بالقراءة، وبقدر ما أستطيع. لكني، حينها، كنت وسيطاً، وسيطاً بين القراءة وبين خبرتي الشخصية. على سبيل المثال، لو سألوني في الخريف: أين قضيت الإجازة؟، فسوف أقول: على الشاطئ، ثم في الجبل بدايةً من سبتمبر. كنت أحلِّل من تجربتي ذاتها، وأحاول أن أفسِّر لنفسي بأني أحبّ الشاطئ أو الجبل، حيث كنت وحيداً، وأجيب بحسب هذا المنطق. لكن، مع الشعر، حدث شيء سحريّ لأن ما كنت أقوله لم أكن قد قرأته ولا جرَّبته: كان يخرج من داخلي، ولم أكن أعرفه إلّا بكتابته. هذا ما كان يبدو لي، ولا يزال يبدو، سحرياً. أكتب، الآن، كما كنت في الرابعة عشرة؛ لذلك لم أكتب قصيدة معَدَّة سلفاً في رأسي، إنما عاطفة أحتاج إلى اكتشافها عبر الكتابة. يتدخَّل الحدس، وهو الذكاء لا العقل: الذكاء القاتم حيث، عند الكتابة، يأتي ليصحِّح ويوافق بحسب التجربة التأمُّلية. أشطب وأصحِّح في حدود ميلاد القصيدة وشكلها الأوَّل؛ بمعنى أن التأمُّل ليس المكتشف بل المستعمِر: يأتي متأخِّراً. خلال زمن طويل كنت أكتب القصيدة من البداية إلى النهاية، حتى جاءت لحظة محدَّدة، بدأت فيها أكتب القصيدة، تاركاً مناطق أعرف أنها تحتاج إلى مراجعة؛ لأنها، في الكتابة الأولى، بدت أشبه بتقارير. الآن، في كتابي الأخير، أمامي ثلاث أو أربع قصائد للمراجعة. ليس لديّ حماس للمراجعة، لكني أتمنّى أن يتوافر لي الحماس لأنهي الكتاب.

أحياناً، ربَّما من أجل القرّاء السذَّج، يُقال -بإلحاح- إن الذات الشاعرة، التي تتحدَّث في القصيدة شيء، وأن الشاعر، المؤلّف الحقيقي، شيء آخر. ألا تعتقد أن هذا الفصل الذي صنعه المنظّرون والنقّاد أدّى إلى خلق صور شيزوفرينية للشاعر، مع أن الأصدق أن الشاعر شخص طبيعي في قصائده؟

– أنا أعتقد أن الشاعر، حين يكتب يرسم صورة شخصيّة: الدفتر مرآة يطلّ منها الشاعر كما يحدث في الأحلام، فيرى أشخاصاً مجسَّدين، لكن، في هذه اللحظة، تظهر وجوه أخرى. في الشعر، أيضاً، نطلّ على الورق، ونرى أنفسنا، لكن بوجه آخر. في القصيدة تخرج منا أشياء لا نعرفها، وفي المقابل، ثمّة أشياء نعرفها جدّاً، مهمّة ومعروفة، لكنها لا تظهر في القصيدة. الشعر يسحب، من العمق، أشياء يضعها على السطح، فيما يدفن أشياء أخرى.

كيف تعبّر عن الحميمية بهذه الدقّة وهذه الكثافة، مستخدماً لغة طبيعية جدّاً وعارية من كلّ زخرفة؟

– أظنّ أن الشعر الجيّد لم يكن، قطّ، حرفيّاً، رغم أن الحرفيّة قد تظهر -مثلاً- في الشعر السردي. الشعر يختلف عن النثر في كثافته المركَّزة. الشعر نبع الإيحاء والصدى؛ من هنا، تأتي صعوبة قراءته. مَن يقرأ الشعر مِن حرفيَّته لا يجد فيه شيئاً لافتاً، لأن الشعر ليس من أهدافه قول أشياء جديدة، إنما قول أشياء مؤلمة (مؤلمة بعمق أو ممتعة) بالنسبة إلى كلّ الناس، ومن ذلك، على سبيل المثال، الشعر العاطفي. كلّ الناس، تقريباً، شعروا بالحبّ؛ ليس الحبّ الجسدي، فحسب، بل غير الجسدي، أيضاً. مع ذلك، حين يجرِّبه فرد، للمرّة الأولى، لا تفيده تجارب الآخرين. وحين يعيد التجربة بتلك الكثافة، سيتمَّكن من رؤية حجمه. في الشعر، يحدث الشيء نفسه: يتناول موضوعات معتادة عن الحياة والموت والحبّ والألم، لكنه يقول ذلك بطريقة تحرّك مشاعر القارئ، ويتعلَّم من ذلك، أو يعيش التجربة التي لم يعشها؛ لذلك لا أظنّ أن الشعر يجب أن يقول أشياء جديدة ليحظى بالتقدير؛ والأكثر من ذلك، أعتقد أن عالِماً بنظرية جديدة يحتاج إلى النثر ليشرحها، ويعبِّر عن نفسه فيها أكثر من استخدام الشعر، لأن ما يبحث عنه القارئ، حينها، ليس الشعر، ولو تقدَّم العلم في شكل شعريّ فسيتعثَّر القارئ في فهمه، لأن الأشياء الموضوعية لا تهمّه. هذا الاستعراض للعلم يحتاج إلى دقّة ووضوح لا إلى صدى وتأمُّلات. ما تحتاجه اللّغة الشعرية هو السحر الكافي ليقول -حرفيّاً- ما لا يقال، لكنه يفعل ذلك بالإيحاء بطريقته. ثمّة قراءتان: الأولى حرفيّة، والثانية عميقة، وهي تتحقَّق حين يتَّصل القارئ بالقصيدة ويصير هو منتجها؛ يحدث ذلك لأنه يبتعد عن الحرفيّة، ليكون قارئاً وكاتباً في الوقت نفسه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: كارلوس خابيير موراليس

المصدر:

مجلّة بويسيا ديخيتال

http://www.poesiadigital.es/index.php?cmd=entrevista&id=57