مدينة في ورشة نزار صابور

شرع الفنَّان السوريّ نزار صابور (اللاذقيّة 1958) برسم المدينة في مرحلة مبكّرة من سيرته الفنّيّة، تحديداً في ثمانينيّات القرن الماضي، قبل أن ينتقل إلى مواضيع جماليّة أخرى؛ وها هو الآن ينكفئ عائدًا إليها في زمن الدار السوريّة المُلوَّعة. ما الذي دفعه لمُناداة المدينة.. مدينته، من وراء تخوم المراحل الفنّيّة الماضية؟ هذه المقالة تحاول الاقتراب من محاورة المدائن عامةً، وكيفيّة تأثيرها على سيمياء الحاضرة المُتبدِّية على قماش اللوحة التي أنجزها نزار صابور، إضافة للفوارق التي تميِّز مدنه الحاليّة عن تلك المرسومة في الماضي.

منذ لوحة «حارة الخرنوبة» (1973)، مسقط رأس الفنَّان، أضحتْ المدينةُ الرحمَ الذي يَؤُولُ إليه المصير التشكيليّ، بغض النظر عن عناوين المعارض العربيّة والدوليّة المُتعاقبة، والتي أذكر منها: «عن دمشق»، «مدن»، «حياة في الرماد»، «عبلة وعنترة»، «سكان التلّ»، «جدران تدمريّة»، «الحب ما أمكن»، «حتى الحرب لها حدود»، «أيقونة تدمريّة»، «معلولا»، «القلمون»، «نواويس سوريّة»…

حين التنقيب في حفريات المدن، ومشهديات البلدات الصابوريّة، تتكشف ينابيع متفاوتة تسقي لوحته بالأمواه المرجعيّة، وتمتد من الفنّ المحليّ السوريّ المُغرق في القدم، إلى العالميّ المُعاصِر؛ لتصب في بوتقة إبداعٍ تكون فيها حدقة الفنَّان مسمّرة على سيرورة المدينة، وصيرورتها آن تَجَلّيها في اللوحة على طريقتها التعبيريّة، مجبولةً بالخبرة الفنّيّة، والهموم المعيشيّة والثقافيّة، فضلًا عن تكوين الفنَّان المعرفيّ المُنفتح على بوليفونيّة الصوت التشكيليّ، وترجيع الحساسيّات الجماليّة المُختلفة.

لكلّ ذلك، ليس بمستغرب، حضور الفنّ الأيقونيّ السوريّ البدئيّ ما قبل البيزنطيّ، وميراث الملاحم الشعبيّة، والخربشات العفويّة «الغرافيتيّة» بنزعتها الفرديّة العفويّة والمألوفة على الحيطان المدينيّة؛ كما تحضر الرموز العقيديّة الشعبيّة المُتنوِّعة، فضلًا عن هامشيّات مكتفية بذاتها كالأبواب والنوافذ والعقود والنواويس..، حتى نعوات الوفيّات التي تعلّق على الجدران، بل وصحن الزيتون المُشترك على مائدة أهل الديار السوريّة… كلها تأتي إلى التصوير من تراث المدينة، التليد أسوة باليومي، تتوق للتجدُّد على يد الفنَّان، ومتابعة الحوار ومراكمة «الجميل» في تاريخ الفنّ السوريّ والعالميّ على حدٍّ سواء، ومعه مقاومة الفقد والفناء، والغياب والتغييب.

يخطط نزار صابور مدائنه بدُرْبَة وحِنكة، ينظمها وهو يتفكّر متأنيًّا، يتفحص مترويًّا، ويتحكَّم مترفِّقًا في التقنيّة والمُعالجة والتلوين والضوء… حتى في نسيج اللوحة وملمسها، بكلّ ما لكلمةِ «ملمسٍ» من معنى ماديّ حسيّ، وانفعاليّ متعالق مع ثخانة المادة اللونيّة، وكثافتها، وتعرُّجاتها، وترقُّقها حتى خِفّة الغباشة الضبابيّة. موظّفًا لهذه الغاية مواد طبيعيّة نبيلة مثل عُرجوم الزيتون المرمّد، والرمال، والطين، وعجائن التلاوين المُبتكرة…

من خلال هذه التكوينات، تنتظر المدينة، كما موادها الخام، إعادةَ التكوين بالمُعالجةِ الجماليّة، كي تسقي عطاش اللوحة؛ بينما يشدِّد الفنَّان على كفاءتها التواصليّة مع المُتلقي، وصلاحيّتها الحواريّة في راهن لحظتها، وما يفيض عن اللحظة من أزمنةٍ قادمة.

من جانبٍ آخر، تتمظهر مدينة نزار صابور كمكوِّن من مكوِّنات تضاريس الأرض، وطيات الأدوار الجيولوجيّة الوجوديّة الثقافيّة، وقول الأرض هنا يعني: أرض اللوحة كما أرض المشهد التصويريّ. هكذا يشكّل جَمْعُ الدور والعمارات الغفيرة طبوغرافيّة الجبل، والأكمة، والسفح، حتى قيعة السراب والعكس صحيح. فالمدينة لا تصعد العلو الجليل فقط، بل تكوّنه وتصيّره. لذلك لا يمكن نقل هذه المدينة إلى مطرح آخر، ولا يمكن تخيّلها في فضاء زمكانيّةٍ أخرى، لأنّها حالةٌ لابِثة ثاوية، في الأرضِ مقيمة؛ هي قبةُ المكانِ الثقافيّ السوريّ وما يأتي به الزمان من وجود.

في جميع تصاوير المدن، يقوم صابور برفع الأفقِ في الرسم، يزيح المنظور، يوسع من إمكانيّة رسم ما يعرفه، على حساب ما يبصره مباشرة؛ يزهد عن محاكاة الواقع الحَرفيّة، ليحاكي جوهر الواقع، ويمكّن الرؤية القلبيّة من التعبير عمّا يبصره الفنَّان ويتبصّره. وعليه، يدع منظر المدينة معلّقًا على ازدواجيّة مختلطة تتكافل فيه العينيّة مع التجريد، التركيب مع الانحلال، دقة الرسم مع الإيعاز، شكل الأرض مع فحوى السماء، انفعال الخط مع موحيات اللون، المُسطح مع مخاتلة العمق، والمكان المادي المُتموضع في إطار روحاني. ومع هذا التكافل والتعشّق بين الثنائيّات، يبتعد صابور عن حسم لحظة الدفق التصويري؛ الأمر الذي يترك الشكل في المدينة عند عتبة اللااكتمال، أو عند نقطة التحوُّل، وذروة العزوف عن قول الكلمة الأخيرة، وهذا ما يجعل المدينة التي يرسمها صابور تنزوي بعيدًا عن التصنيف الأكاديميّ أحاديّ البُعد، تنوء عن الانغلاق، وتقترب من أسلوبيّة الهشاشة والخشونة، بل تترك انطباعًا قصديًّا بالعفويّة والفطريّة التقنيّة.

أمّا ما يميِّز محاورة المدائن الصابوريّة الأولى، قبل تفجُّر العنف في بلده، عن مدائنه الراهنة، فيتركَّز، أساسًا، في طريقة توظيف النور، وكيفيّة تسليطه على تكوين اللوحة. سابقًا كانت المدينة تستغرق في السكينة، تستحم بهطل نورٍ علوي سماوي، مطمئنة لمسقطه العمودي، الأمر الذي يمكّن التلاوين من الإعلان الجماليّ عن نفسها بحبورٍ صوفيّ خفيّ، ويفسح السبيل أمام الظلّ المُفترض للاقتراب الجريء من اللون، كما لو أنّه تدرُّج من تدرُّجاته. إلى جانب ذلك، كانت المدينة تولي عنايتها لاحترام مبدأ المُواجهة الشعبيّ الأيقونيّ، كأنها تشخيص لقديس سوريّ دهريّ. بمعنى أن المدينة تحضر إلى اللوحة، وتطالب باحترام كينونتها وتضاريسها وفطريّتها وأفقها المُتقوّس، ولا تكفّ فيها نثرات ضوئيّة موشّاة، أشبه بأنجم نورانيّة، عن التلألؤ من باطن الرسم.

أما مدينة سنوات العنف الأخيرة، فلا تغفل عن مبدأ المُواجهة، ولا تكفّ عن المُطالبة بالاحترام، ولكنها تركّز أكثر على الكيفيّة التشكيليّة التي آلت إليه من فقدان الاحترام والكرامة. لذلك، يهبُ الفنَّان الأولويّة للعناصر الانفعاليّة، والخطوط المُتوترة، والشكل المُضطرب؛ كما يعملُ على نقلِ رسوم أيقوناته التراثيّة من لوحاتها المستقلّة سابقًا، كي تؤطِّر مرتسمات المدينة، وتنظر إليها كما لو أنها شاهد على ما يجري فيها؛ فما من حاضرةٍ سوريّة منفصلة عن الميراث الثقافيّ؛ وما من مدينةٍ سوريّة إلّا وقد أتت عليها آلات اللهب، وضرام الحطب، ودواهي النوائب والخرائب.

في فضاء غريب تكاد تختفي فيه فكرة الضوء والهواء، يتراكم الرماد بكلّ تدرُّجاته (حتى لو كان اللون أزرق محمّلًا بالرماد)، ويتوزَّع على مساحة الرسم، متباينًا مع الألوان الأخرى، أو مع ذاتِ أبيضِه المُحايث… يتراكم الرماد، ومفهوم الرماد، معمِّقًا اختلاج التعبير التشكيليّ، مبسطًا التفاصيل المُعقدة، ومركزًا على كيفيّة تشبُّث المدينة بالأرض المحروقة، وهي تحاول مقاومة الموت؛ بينما نثرات تلوين النور المُنبثّ، تلتمع من دفائن الرماد، تهسُّ محدّثةً النفس عن نورٍ مضمر، وربما عن «حياة في الرماد».

مع التصاق اليوميّات السوريّة بالموت، لم يرجع الفنَّان لرسوم المدينة فقط، بل راح يدنو، خلال الشهر الماضي، من كليّة الحاضرة البانوراميّة، يقتطع منها مشهديّات جزئيّة، كما لو أنها كولاج مجتزأ من تصميم معماريّ؛ ويفرد لهذا الجزء المكبّر لوحات كاملة تتسم بدقة التخطيط، وتسودها الأشكال الهندسيّة (المثلث، المربع، الدائرة…) ذات الدلالة الروحيّة الانفعاليّة.

في هذه اللوحات – القُطوع، يميّز المشاهدُ سلالم، وسبلَ حاراتٍ تتكئُ على حضِ الجبلِ، وتتوسدُ تجاعيده. في حقيقة الأمر، ما من حبيب للمدينة السوريّة، لم يرتقِ، فعلًا أو تخيّلًا، أدراج الأحياء الصاعدة إلى السماء الشاميّة. إنّها سلالم الحسّ والروح؛ عندها تجتمع مشقّة الجسد الفرديّة، مع شعيرة ارتقاء النفْس الكونيّة، درجة درجة؛ إلى أن يتنفّس الحبيب الصعداء آن الوصول لمصطبةٍ؛ ومن ثمَّ يتابع جهاد النفْس في المكان وبرفقته.

تنزاح السلالم الصابوريّة في اللوحات الأخيرة عن فكرة الوقار المُتعالي التقليديّة، وتتعالق مع تبجيل الهامشِ، وشرف المُحاولة لمَنْ يصعدُ الأدراج يوميًّا في المدينة السوريّة.

في بعض هذه الرسوم تظهر أشجار سَروٍ، كنقاط علام ضمن التشكيل؛ أشجارٌ تصنفها الهندسة الزراعيّة كمصدات رياح تسيّج الحقول لتحميها؛ بينما تُومئ خضرتها الدائمة في فنّ المُنمنمات الشرقيّة إلى الحياة؛ أما في الفنون الأوروبيّة فينتصب السرو على طرفي الدرب إلى المقبرة، عاقدًا وصاله مع رمزيّة الموت… وجميع هذه التأويلات صالحة في حضرة مدينة نزار صابور، لأن مدينته السوريّة المحليّة هي كونُ الأكوان، وتكشّفُ حياة وموات بآن.

ما انفكّتْ «المدينة» في المنجز الفنيّ العالميّ، تمارس تأثيرها على الفنَّانين، وعلى كيفيّة توظيفهم لها في خطابهم البصريّ. تاريخيًّا، يرجّح أن أوّل تصوير تشكيليّ مدينيّ يعود لجداريّةٍ مكتشفة في حفريات أكروتيري في جزيرة سانتوريني اليونانيّة، وتُعرف بـ»فريسك السفن» (بين 1650 و1500ق.م). وتمثّل منظر مدينتين ساحليتين، يصل بينهما موكب السفين والدلافين في احتفاليّة ماتِعة. ويُعتقَد أنّ المدينة الأولى تقع على دلتا النيل، والثانية على شاطئ جزيرةٍ إغريقيّة كفَّنها الرماد البركانيّ لاحقًا. ويرى البعض أنّ هذه الأخيرة كانت وراء محاورة أفلاطون حول أطلانتس الفانية. بمعنى أنّ اهتمام الفيلسوف بأطلانتس البائدة، دفعه نحو التفلسف حول المدينة – الفاضلة. من الناحية التشكيليّة، ورغم تجاهل المنظور، يتبدَّى في «فريسك السفن» تعايشٌ بين نزعتين تشكيليّتين: الأولى حيويّة بهيجة رشيقة التكوين مقارنةً مع فنون الحضارات الأخرى آنئذٍ، خاصة حين تصوير احتفاليّة المراكب؛ أما الثانية، فهي نزعة تميل نحو تصميم صارم يلازم الشكل الهندسيّ المُجرد للمدينتين. ولعلّ في تكوين «فريسك السفن»، إشارة أولى في تاريخ الفنّ حول تكافل المُتناقضات، بل تكاملها في العمل الفنيّ الواحد، إشارة نعثر عليها في أساس المدينة التصويريّة التي أبدعها نزار صابور.

بالوصول إلى المدينة الصابوريّة، لابد من القول إنّ سماتها الكليّة تتوضح بفهم الدلالات الفلسفيّة والجماليّة السابق ذكرها، كما لو أن الفنَّان يتابع محاورة المدائن تصويريًّا؛ ذلك أن اجتماع مجمل لوحاته حول المدينة، يتبدَّى أسوة بتشكيلات حواريّة؛ بل يمكن القول إنّ منجزه على اختلاف المراحل، هو مشهديّات مقرّبة، أو تفاصيل مدينيّة، لا يتلبسها المكان فقطّ، بل أزمنة «الأنا» الثقافيّة وحالاتها، على المُستويين الذاتيّ والجمعيّ.

إلياس فركوح.. في أقصى درجات العزلة

عكف الكاتب الأردني الراحل إلياس فركوح (1948 – 2020)، على مدار مجموعاته القصصية السبع، على تطوير تجربته والغوص داخل شخصياته القصصية، محاولاً التعرف على الواقع الاجتماعي – السياسي الذي تتحرك ضمنه هذه الشخصيات. وقد اتسم عمله منذ بداياته الأولى بجَدْل الأرضية السياسية – الاجتماعية في قصصه مع تأمُّلات الراوي ومونولوجات الشخصيات التي تشكّل جزءاً من المشهد الاجتماعي، لكنها تحاول تأويله عبر تقليبه على اشتعالات نارها الداخلية. 

ونحن نعثر على هذه الطريقة في تقديم العالم في مجموعته «الصفعة» (1978) التي تضم بواكير قصصه، كما تؤشّر على ولادة قاص يحتفل بتحليل العالم الداخلي للشخصيات دون أن ينسى رصد التفاصيل الدقيقة لما يدور في العالم المحيط بها. ويمكننا تمثّل الملامح الأولى لعالم الكاتب بدءاً من هذه، فهي تكشف عن خياراته الأسلوبية وتقنياته المفضلة وطبائع الشخصيات التي تحتشد بها قصصه. ومن ضمن المفاصل الأساسية التي تعتني بها قصص هذه المجموعة: تفضيلُ الكلام عن الشخصيات الهامشية من مثقَّفين وعمَّال وطلبة، والانحياز لأسلوب المونولوج الذي يطعمه الكاتب بحوارات قصيرة تكشف عن العناصر الأساسية للمشهد القصصي، وكذلك اللجوء إلى استعمال ضمير المخاطب في الحديث مع شخصية غائبة تمثل بالنسبة للشخصية المحورية في القصّة نقطة ارتكاز أخلاقية ووجودية في الغالب. 

نصادف هذا الأسلوب في الكتابة والموقف السياسي الاجتماعي نفسه في مجموعة القاص التالية، ففي «طيور عمان تحلق منخفضة» (1981)، التي يمكن القول إنها مجموعة القاص التي تستحق أن نطلق عليها صفة الأولى على صعيد النضج الفنّي، يسعى القاص إلى تصوير أحلام شخصياته البسيطة وآمالها. وهو من ثَمَّ يجسّد للقارئ أهالي البلدة الذين يراقبون بحزن وأسى جنازة الشهيد ودفنه في قصّة «العباءات التي أضاءت الصمت»، حيث يتناقل أهالي البلدة الخبر الذي روته المرأة التي تندفع بين النساء مطالبة بدفن الشهيد المصلوب في الشمس.

«اندفعت المرأة إلى حلقة النساء عند حائط. كن يشرن إلى الشرق ويستعذن بالله. نسيت رجلها واستفسرت، فقالت إحداهن: 

ــ الجنازة مصلوبة في الشمس منذ الصباح، هذا لا يجوز.

استغربت المرأة:

ــ ولماذا لا تتحرّك؟ كرامة الميت في دفنه.

تنطحت أخرى:

ــ يقولون إنهم منعوها».

إن إلياس فركوح يشرك القارئ في صياغة الحدث ويقوده إلى دواخل الشخصيات التي تصنع الحدث وتنتقل من حالة اللامبالاة إلى الفعل. وهذا ما يجعل القاص يركز على حركة الوجدان الداخلي للشخصيات دافعاً الحدث القصصي إلى خلفية المشهد، حيث تتبادل الشخصيات الحديث عن قلقها وإحساسها بالخطر الذي يُزنّر الأفق الذي طلعت منه جنازة الشهيد التي منعت الشرطة دفنها.

في «إحدى وعشرون طلقة للنبي» (1982) سيكون هناك تواصلٌ في شكل الكتابة القصصية، عبر الاهتمام بشخصيات تنتمي إلى الطبقات الاجتماعية الدنيا والتركيز على الهامشيين والمهمشين من البشر. وسوف نلحظ في الوقت نفسه تحوّلاً في الكتابة، حيث يلجأ القاص إلى تطعيم نصوصه بلغة الشعر وأفقه الدلالي. لكن الاهتمام بشعرنة اللغة القصصية لا يقلص استخدام فركوح للتفاصيل وقيامه برسم انعكاس المشهد الخارجي على العالم الداخلي للشخصيات، وكذلك تفضيله الدائم لأسلوب التداعي والحوار الداخلي الذي ينقل للقارئ ما تفكر به الشخصيات.

في قصّة «آفو» على سبيل المثال يعمل فركوح على تطعيم السرد بالشعر.

«كان رطباً ساكناً كشاهد قبر في وجه شتاء. كنت ستعرفه حقاً. تفاحة كبيرة على الباب وقد انكشط النصف الآخر من صورتها فظهر الدهان الأخضر القديم. كنت ستشعر برهبة. هل تطرق الباب أم ترجع؟ ربّما يغضب «أواديس» للتطفل فيطبق على رقبتك بعظام يديه يحاورك بلغتهما شجاراً تكون باعثاً لإشارة التوجس في جهازه العصبي. «إن القاص معني بوصف عالم النحات الغريب المغرم بالتفاح، ممّا يذكر بقصيدة للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس تصف صانعاً للفخار يتزوّج نساءه الفخاريات ويقوم بقضمهن، كما يفعل أواديس في قصّة إلياس فركوح».

إذا انتقلنا إلى المجموعة التالية «من يحرث البحر» (1986)، سنعثر على تطوّر لافت. ويمكن أن نعد قصّة «من يحرث البحر» مفتاحاً دلالياً للقصص الأربع عشرة التي تضمها المجموعة، فهي تكشف، عبر العنوان والحوارات الداخلية التي تجري على لسان الشخصية الوحيدة في القصّة، البنية القصصية في «من يحرث البحر»، وقد أغامر بالقول إنها تكشف طبيعة قصص فركوح جميعها، بدءاً من قصص هذه المجموعة على الأَقلّ.

تقوم قصّة «من يحرث البحر» على تقنية سردية شائعة تعتمد ضمير الشخص الثالث (المؤلف) الذي يروي أحداثاً وحوارات داخلية تهجس بها الشخصية الرئيسية في القصّة. ويوفِّر السرد التقليدي للقاص إمكانية رسم ملامح شخصيته بدقة أكبر بحيث يستطيع رسم هيئتها الخارجية ثم ينثني لينقل للقارئ هواجس الشخصية وهذياناتها وعذاباتها.

إن طبيعة السرد هنا تقليدية فالقاص يستخدم أسلوب السرد في أواخر القرن التاسع عشر ممكناً المؤلّف من اللعب بشخصياته كما يشاء، موجّهاً لها بالطريقة التي يعتقد أنها ستحدث الأثر المطلوب في السرد. لكن إلقاص يذوّب هذه السمة التقليدية بتذويبه الفاصل بين الفعل الماضي والفعل المضارع، مكسباً عمله روحاً حداثية تختزل السرد التقليدي وتحوله إلى مجرَّد وسيلة تعبيرية تنمحي وسط الترددات التي يخلقها السرد بين الماضي والحاضر، بين الوصف الخارجي لهيئة الشخصية وسرد مونولوجاتها، بين هيجان الطبيعة (البحر) وهيجان النفس.. وهكذا إلى الحد الذي تنمحي فيه الحدود الفاصلة بين هذه الصيغ اللغوية والتعبيرية.

«ليس من خيط يفصل العتمة عن الانقشاع. يتقدَّم الفجر خفياً، خفيفاً، خالياً من أي صوت؛ مثلما الأشياء الرابضة في مطارحها. إنارات واهنة في شرفات البنايات الكامدة. تقترب من الممرات المرصوفة بالحجر الخشن. حافية. تمشي على رؤوس أصابعها. على الأحجار المحبحبة، الخشنة. بقايا صباغ أحمر على الأظافر العارية.

وكالفجر؛ خفيفة، تتخفى بلا تقصد بين نباتات الأرض المشرفة على الشاطئ. صوت البحر الصباحي كالهمس. تلامس ذرات الرمل الذي أتت به الريح. تحسه في باطن قدميها العاريتين. ما من كائن صحا، اللحظة، ليشهد هبوطها نحو الشاطئ».

ثمّة محاولة دائبة في قصص فركوح لتذويب فعل الانفصال عن الأشياء وتحويله إلى نقيضه: أي إلى فعل اتصال والتحام بالموجودات والعالم عبر تذويب كلّ ما يمكن أن يكون فاصلاً سواء أكان فاصلاً زمانياً أم مكانياً، فاصلاً يأتي من الخارج أم من الداخل. وتمثّل قصّة «من يحرث البحر»، سواءٌ في عنوانها الذي يتخذ صيغة التساؤل أو في إلحاحها (في الوصف وحوارات الشخصية الداخلية) على تقليب إمكانية الفعل وعدمه، الهاجسَ الملازم لقصص فركوح أصدق تمثيل.

يقوم إلياس فركوح في بقية قصص المجموعة بتجلية هاجس التواصل، مقلّباً هذا الهاجس على وجوهه. إنه يعمل على توسيع دائرة عمله ببنائه نماذج بشرية وأوضاعاً وحالات نفسية تكشف عن الفكرة الرئيسية القائمة خلف عمله كلّه. ولذلك يمكن القول إن قصصه هذه ليست إلّا توزيعاً لفعل تذويب الانفصال على تجارب وأوضاع تشترك في فقدان فعل التواصل مع الأشياء والعالم.

في قصّة «علاقة» تتجلَّى الفكرة الكامنة في هذه القصص. ولعلّ النموذج الذي يختاره القاص بدقة هو ما يجلو هذه الفكرة حيث يبوح سرد أفعال المرأة العجوز المتوحّدة بما لم تبح به قصّة «من يحرث البحر». في «علاقة» نحن أمام وصف دقيق للوحدة والعزلة. امرأة عجوز متوحّدة في بيتها مملكة عزلتها، ولكنها تبحث عمن يؤنسها في هذا العالم المنعزل الرتيب. إن وصف الرتابة قائم في بؤرة السرد يتكرَّر ويتردَّد في المسافة الفاصلة بين الفعل الماضي والفعل المضارع اللذين يتناوبان الحضور. وفي هذه المسافة الفاصلة يسكن فعل التوحّد والعزلة الذي يتردَّد بين ذكرى الماضي ورتابة الحاضر.

«لم تكن مستحثة تجاه الأشياء. تنتقل من مكان إلى آخر بقدميها الواهنتين، وفي صدرها يتنفس التمهل معطياً للوقت ارتخاءه والكسل. تمرّ على أشيائها بثقة التي تعرف أشياءها ولا تطيل النظر. هي موجودة كالأمس وكالغد وكالصوت الرتيب في الخارج. لا أحد ينكرها، ولا قوة قادرة على نفيها. ما كانت تحتاج لمن يؤكِّد لها ذلك. شامخة كالحقيقة تتلبس كيانها، وإلى الزاوية المزججة تزحف.

تضع قهوتها المغلية على الطاولة القصب.. فترتاح ذراعاها. تتأنّى بإنزال جسمها في الكرسي الهزاز.. فيسترخي الورم في قدميها الواهنتين.

يصير الصوت الرتيب في الخارج مطراً يهمي فوق تربة كالإسفنج المشبع».

لا شيء يمكن أن يُذوّب هذه العزلة سوى أحلام اليقظة التي تتبدّد بفعل ذاتها. إن المرأة العجوز تحلم بمن يؤنس وحشتها، ولكنها تحلم أيضاً بمصرعه تحت عجلات سيارة. ورغم أن كلّ شيء يحدث داخل المرأة العجوز فإن مصرع القط يتسبّب بصدمة هائلة لها.

«وتنهار مثل حمل ثقيل، بينما يهتز كرسيها بصوت كالتمزق هذه المرّة. كان دمه ينسفح في عينيها مع دمعتين رطبتين».

عليَّ أن أسأل الآن، بعد أن قرأت نموذجين من نماذج العزلة في هذه المجموعة، عن أشكال هذه العزلة وصورها وتمثيلاتها، لغايتين: الأولى تتعلَّق بالتعرف على تمثيلات العزلة في قصص تركز على هاجس العزلة والشعور بالوحشة كثيراً، وتتوق إلى تبديد الفواصل بين الإنسان وغيره من كائنات بشرية وغير بشرية. والثانية تتعلَّق بالوهم الذي قد تخلقه قصص فركوح أحياناً، إذ قد يظن القارئ أن وصف معركة، مثلاً، أو وصف تواصل اجتماعي، يُعَدُّ ابتعاداً عن البؤرة المركزية لعمل القاص. لكن هذا الظن سرعان ما يتبدد عندما نحلل البناء السردي للقصص ونرصد الكلمات والعبارات التي يجاهد القاص لإخفاء قصدها الدلالي في تبديد هاجس النفي والعزلة، وعندما نضع أيدينا على ما يختفي وراء هذا البناء القصصي من هواجس وأحلام ومكابدات.

تمثل قصّة «الرجل والمرأة»، التي تتركَّز حول مشكلات عامل مصري وتصف شعوره بالغربة عن وطنه وزوجته كما تصف موته وأثر ذلك على زوجته. وهو يركّز في هذه القصّة على وصف عزلة العامل المصري بالدرجة نفسها التي وصف بها عزلة المرأة العجوز. وليس هذا أمراً مستغرباً إذا سلمنا بالقول إن فعل التوحّد والاغتراب هو الشيء الجوهري في قصص الكاتب. ومهما اختلفت آلية وصف الحدث فإن استراتيجية النصّ تظل هي نفسها: وهي القبض على العزلة متلبسة.

ويمكن تعيين تمثيلين أساسيين من تمثيلات العزلة نصادفهما في قصص فركوح:

الأول: يصف العزلة بصورة مباشرة، إذ تدور القصّة حول موضوع الاغتراب والعزلة والتوحّد، ولذلك تكتسح العزلة ومشتقاتها ومرادفاتها صفحات النصّ. وفي هذا النوع من التمثيل تُرسم العزلة بوصفها بيت الروح المهزومة. المرأة في «علاقة» كائن هزمته الحياة بالشيخوخة، ولكن طبيعة الحياة المعاصرة أفقدتها كلّ ما تملك من تواصل مع الآخرين فغدت وحيدة بسبب هجران أبنائها لها وابتعادهم عنها. لقد أصبحت المرأة العجوز مسجونة داخل عالمها الباهت المقام على ذكريات ميتة، ولم تعد لدى العجوز أيّة قدرة على إقامة أيّة علاقات تواصل مع الآخرين حتى عبر أحلام اليقظة. أمّا في «من يحرث البحر» فإن الروح المهزومة تتمرَّد على ما يبدو قدراً وتلجأ إلى اعتناق الحياة والقوة والصدام عبر التواصل مع رمز القوة والحياة (البحر). لهذا السبب يمكن أن نستدرك ونقول إن العزلة في قصص فركوح ليست قدراً أو وضعاً مستحكماً لأن هدف الشخصيات هو مقاومة هذه العزلة وفك حصارها. وفي بعض قصص «من يحرث البحر» تقوم الشخصيات بفض عالم العزلة وتمزيقه أو أنها تشرع في عمل ذلك على الأقلّ؟

التمثيل الثاني: ذو طبيعة غير مباشرة حيث تصف القصص تجربة حياتية تبدو في ظاهرها غير ذات علاقة مع بؤرة عمل القاص. وتدور هذه النوعية من القصص حول الموضوع من بعيد وتومئ إليه دون أن تقترب منه. ولكن ما تبطنه الإشارات الخفية وبعض الكلمات المشتقة من فعل العزلة ومرادفاته تفضح دواخل الشخصيات.

لنتأمَّل هذا المقطع من قصّة «الماء.. وعز العرب منصور» التي تبدو بعيدة كلّ البعد، في الظاهر، عن الموضوعة المحورية لقصص المجموعة، وسنضع أيدينا على مرادفات العزلة والاغتراب. 

«لم يكن يختلف في شيء عن الآخرين من عباد الله. فملامح وجهه تكاد أن تكون نسخة عنهم. شعر جعدي. عينان بنيتان يشوبهما اصفرار خفيف. جبين تتوزَّعه مسارب العرق. أنف يميل إلى الضخامة. شارب مهوشة شعراته مطبق على الفم. كأنما محكوم على هذا الفم بالانطباق منذ الأزل. لا كلام. بل على صاحبه أن ينام ويعمل، ثم يعمل وينام. لا وقت للتفكير».

لقد حاولت فيما سبق أن أبرهن على صحّة تصوري لعالم إلياس فركوح، في هذه المجموعة وربّما في مجموع قصصه، ولكنني لم أرغب في فك ارتباط هذا العالم القصصي بالمجتمع والواقع وآليات عمل القمع بصورة خاصّة. حاولت أن أتعرف على عالم العزلة بوصفه البؤرة التي تصورها القصص وتشير إليها من بعيد، لأصل في النهاية إلى القول بأن عالم العزلة في قصص فركوح ناشئ عن القمع وآليات عمله سواء أكان مصدره سياسياً أم اجتماعياً. لكن أثر القمع المتجلّي في العزلة لا ينعرض بصورة نستنتج منها أنه معلول لعلة لأن السارد لا يركّز على القمع بل على أثره؛ فهو يصف العزلة الخانقة التي تعاني منها الشخصيات. 

في مجموعاته السابقة يجعل إلياس فركوح من الراوي شخصية شفيفة تتمرأى من خلالها الذوات الأخرى في النصّ القصصي؛ فنحن نشعر بحضوره الخفي في السرد لأن كلّ شيء يتصفى من خلاله، ونشعر في الوقت نفسه أن الكاتب يتخايل وراءه وكأنه قطعة منه. ولا يعني هذا أن الكاتب يتدخَّل بشخصه في النصّ بل يعني أن هناك حضوراً طاغياً للمؤلّف في سرده. أما في مجموعته «أسرار ساعة الرمل» (1991) فإن القصّة، التي تحمل المجموعة اسمها تقوم على ظهور شخصية الكاتب في نصه القصصي، إذ يظهر الكاتب في بداية النصّ، مروياً عنه، وهو يعمل على خلق شخصياته وتوليف أحداث قصته المركبة. ويستخدم القاص استعارة الساعة الرملية ليعبر عن كيفية تشكل شخصيات القصّة وأحداثها.

«قلب الساعة الرملية وأخذ يتأمَّلها.

بدأت الذرات البلورية تنهال من العنق الدقيق. رآها تشع وتنطفئ، فيما طفقت القبة السفلية المقولبة تمتلئ بالرمل الوردي الغامق. استغرقه التأمُّل دقيقة، وبعدها لاحظ ضموراً في كمّية القبة العلوية. نبتت في داخله سخرية لم تزح له سترها. تابع تحديقه في خيط الانهيال الصامت. كان تواصله يكوم هضبة ناعمة سرعان ما تنبسط تحت الثقل الهاطل، ثم تعود لتتهضب من جديد.

ذرات الرمل تشع وتنطفئ، بينما تتوهّج السخرية في داخله مفصحة عن فكاهتها الآتية.. أغراه التتبع في أن يخلق القصص ويفض مكنوناتها. هكذا تتولَّد الحكايات وتظهر الوجوه».

يصبح الكاتب شخصية من شخصياته حيث يروي الراوي عنه وعن الآخرين، ويتابع تخلق فعل الكتابة، ثم انفصال الشخصيات عن الكاتب وامتلاكها حيوات خاصّة بها.

«قلب الساعة الرملية ثانية، وأخذ يتأمَّلها ليرى كيف تعبر الحكاية داخل الحجرات الزجاجية. آسف، داخل القباب المملوءة بالرمل. وبدأ».

إن الرمل هو المعادل الموضوعي للشخصيات لأنها مصنوعة من رمل الحكايات، ذرات دقيقة من الأخيلة تتراصف لتشكل حكاية من شخصيات وأحداث. وعلى هذه الاستعارة يقيم فركوح قصته. لكن الجوهري في القصة لا يتمثل في دخول الكاتب قصته، وتأمله لفعل الكتابة وآثاره، بل إن الجوهري هو تشكّل الحكاية من طبقات متعدِّدة. إنها حكايات مربوطة بخيوط من العلاقات الإنسانية، ولكن أحداثها تجري في طبقات تشبه طبقات وعي المؤلّف الذي يكشف عن الحكايات طبقة طبقة.

تتوظَّف استعارة الساعة الرملية في اتجاهين، كما هو شكل الساعة الرملية نفسها؛ نصف يتلقى الذرات الساقطة والنصف الثاني يدفع هذه الذرات إلى النصف الثاني. وعندما نقلبها مرّة أخرى يصبح المتلقي مانحاً والمانح متلقياً. إن الاتجاه الأوّل الذي تتوظَّف فيه استعارة الساعة الرملية هو الكشف عن تشكل فعل الكتابة، وتخلق الشخصيات في وعي المؤلّف (ولاوعيه كذلك). أمّا الاتجاه الثاني فيتمثَّل في تشكّل الأحداث في طبقات ثم اجتماع هذه الشخصيات مع الكاتب وانقضاض البوليس على الكاتب وشخصياته وسوقه إياهم جميعاً إلى السجن.

إن القاص يقارب محرمين اجتماعيين في نصه: الجنس بعلاقاته المسموحة والطبيعية (في سياق اجتماعي طبعاً)، والجنس بعلاقاته المحرمة، وكذلك السياسة بوصفها انتهاكاً للسائد. ومن الواضح من سياق إلقاء القبض على الكاتب في نهاية القصّة أن مقارفة هذه المحرمات ليست هي الممنوعة فقط بل إن وصف هذه المحرمات ممنوع أيضاً. إن الكاتب يعاقَب عقاباً أشد لأنه تجرأ ووصف هذه العلاقات ورسم ملامح عميل الشرطة السرية في قصته.

«كان الكاتب يسمع كلام الرئيس في فوضى الصراخ الموزّع على الدرجات الهابطة. آلمته الركلات والقبضات، غير أنه تابع نزوله. مر، مسحوباً، من أمام البيت المشرع. لمح النسوة المتشحات بالأسود. رآهن كتلاً متمعجة تتذبذب. ورأى أيضا باباً موصداً خيل إليه أن ثمّة طيراً بشعاً يحط عليه! صدمته ركلة جاءت فوق ظهره. ترنّح بين أذرعهم. وتهالكت قواه. تحامل واستمر بالهبوط.

وصل إلى الطابق الأرضي. توقَّف موكبه الصارخ. انتظروا إلى أن نجح فريق الإسعاف في إخراج جثة رجل كان الباب أضيق من أن يتسع لاثنين بالمرور عبره معاً. وتناهى إلى سمعه عويل امرأة متصل. اقشعر بدنه لإيقاعه الحيواني الصاعد من جوف القبو. وأخيراً، ها هو الشارع تحت سماء الليل الصيفي التي أرخت عليه، من عندها، نسمة هواء طازجة».

يمكن لهذه القصّة المبنية بناء محكماً أن تمثِّل خير تمثيل الشغل القصصي في مجموعة «أسرار ساعة الرمل». إنها تقوم على بناء مركب متداخل تتقاطع فيه الحكايات والمصائر، كما يتشكَّل المعنى الضمني للنصّ من هذا التقاطع المحكم للمصائر والحكايات. ثمّة محرمات اجتماعية وسياسية، وإدانة اجتماعية سلطوية. والكتابة، من ثَمَّ، تقع فريسة هذا القمع الاجتماعي السياسي. إن أرضية عملها تقع ضمن دائرة هذه المحرمات.

داني لافرير.. «المنفى يستحق السفر» 

شكل النفي، في معظم الأحيان، حدثاً قاسياً ومحنة شديدة الوطء على حياة المبدع، حيث يغدو المكان فضاءً لا يطاق، وجحيماً لا يُحتمل، وتظل فكرة العودة هاجساً مؤرقاً، بَيْد أن هناك العديد من التجارب التي تكشف لنا أثر هذا الحدث في بزوغ أعمال إبداعية نالت إعجاباً وشهرة؛ وذلك لما قد يوفره فضاء المنفى من حرية ورحابة، وهذا ما يسعى الكاتب «داني لافرير – Dany Laferrière» أن يبينه في كتابه «المنفى يستحق السفر –  L’exil vaut le voyage»، من إصدار دار النشر «غراسي – Grasset» في مارس، 2020، ويمكن اعتبار هذا العمل شهادة مبدع عاش تجربة المنفى بشكل مغاير غير معتاد.

عُدّ داني لافرير روائياً استثنائياً وكاتباً متفرداً بأسلوبه الأدبي، وتناوله للمواضيع الجريئة ذات البعد الإنساني. ولد في مدينة بورت أو برنس في هايتي، سنة 1953، وهو عضو الأكاديمية الفرنسية، وقائد فيلق الشرف، وقائد الفنون والآداب، والحائز على الوسام الكندي من درجة ضابط… حصل على سبع دكتوراه فخرية من جامعات كندية، وأمريكية، وفرنسية، ونال العديد من الجوائز الأدبية كجائزة مونتريال الأدبية الكبرى، وجائزة  ميديسيس.

ارتبطت جل أعماله بتيمَتَي المنفى والهوية؛ انتقد فيها الصور النمطية المعادية للأجانب، إضافة إلى تطرقه إلى التمييز الاجتماعي العنصري، بالكثير من الفكاهة والخيال. ومن أبرز هذه الأعمال: (رائحة القهوة)، 1991، و(بلد بلا قبعة)، 1996، و(بكاء الطيور المجنونة)، 2000، و(أنا كاتب ياباني) 2008، و(لغز العودة) 2009، و(صورة ذاتية لباريس مع قطة)، 2018. ليعود، من جديد، في كتابه المعنون بـ(المنفى يستحق السفر)، لطرح موضوع المنفى محافظا على طبيعة المواضيع المطروقة عنده، إلا أنه، في هذا الكتاب، عمل على رصد التفاصيل الدقيقة لتجربته الشخصية في المنفى، إضافةً إلى الانزياح المرتبط بالشكل؛ فالكتاب جاء في حجم كبير، مكتوب بخط اليد، بالكامل، تتخلله خطوط ورسومات وألوان، ويمتد ذلك من بداية الكتاب إلى لائحة البيبليوغرافيا، بل وحتى رقم ISBN، وحقوق الطبع والنشر.

يشير «داني لافرير» إلى أنه اضطر للهروب في جنح الظلام، سنة 1976، من هايتي إلى مونتريال الكندية، وهو ابن 23 سنة، وقد بدأ، حينها، حياة المنفى. كانت المغادرة بطريقة صادمة ووحشية، دون جمع للأمتعة أو توديع للأحبة، يقول: «كنت في الثالثة والعشرين من عمري، صحفياً ضد دكتاتورية «دوفاليي -Duvalier»، الذي قتل أصدقائي، وقد اضطررت لمغادرة البلاد على عجل، أنا الآن على وشك مواجهة أكثر الوحوش المخيفة المجهولة».

يتساءل المؤلف، في مقدمة الكتاب: هل هذه تجربة فظيعة كما يقال؟ ليعقد، بعد ذلك، مقارنة بين تجربته الشخصية وتجارب عدد من الكتّاب المنفيين العظماء؛ من أمثال «فيكتور هيغو – Victor Hugo»، و«مدام دي ستال – Madame de Staël»، «خورخي لويس بورخيس – Jorge Luis Borges»، «فرجينيا وولف – Virginia Woolf»، «نابوكوف – Nabokov»، «أوفيد – Ovide»، «غراهام غرين – Graham Greene»، والروائي الكوبي العظيم «خوسيه ليزاما ليما – José Lezama Lima»، والعديد من الشخصيات التاريخية مثل القائد «الهايتي توسان لوفرتور – Toussaint Louverture»، ومن عازفي الجاز المنعزلين في المقاهي المزدحمة. يقول «لافرير»: «وإذا كان المنفيّون لهم نصيبهم من الصراع والوجع، فإنهم، أيضاً، يمنحون رؤية مغايرة للعالم؛ ومن هنا هم منفيون مثمرون، لقد لاحظت أن المنفيين يتحدثون عن المنفى بنبرة حزينة، مليئة بالأنين. لكن، بالنسبة إليّ، لم يكن عقاباً بل كان ترفيهاً … لقد قادني المنفى لإعادة اكتشاف الحياة، بعد أن وضعت أسسها على (مأساة يونانية)، وقد مكنتني هذه التجربة من التعرف إلى ثقافة جديدة، ومعرفة أشخاص جُدد، وتبـَـني عادات غذائية أخرى، وكل هذا، من بلد إلى آخر، هو ما يحدث أمام أعيننا».

تتسم هذه الرواية بطابع غير مألوف في الكتابة، فهي رواية كاليغرافية مشبعة بالمرسومات، تنفجر بالألوان، وتقدم للقراء طريقة مختلفة في القراءة. يقول في هذا الصدد: «وأنا أستمتع بغناء (نينا سيمون) في نادٍ صغير لموسيقى الجاز في مونتريال، تولدت لديَّ فكرة كتابة رواية باليد، وبألوان وأحلام وخطوط؛ وهذا سيضفي طابعاً فنياً لكتابي، سيجعل من  المنفى رحلة تستحق كل هذا العناء: قصة مرسومة ومكتوبة باليد وليس هناك شيء أفضل من ذلك. إن كلمة المنفى التي نفهمها، تكون، في معظم الأحيان، مصحوبة بـالمعاناة والدموع والحزن … وهذا ما أردت تجاوزه. إن الخط، واختيار الألوان، وكتابة النص باليد … كل هذه الأشياء تعكس العواطف الصريحة والحيوية التي تملأ هذا العالم المصغر بمواجهاته الحقيقية والفنية (…)، فلا يوجد موضوع معين لهذا الاتجاه الجديد في كتاباتي. أجد أنه من الطبيعي أن أكتب باليد. هذه الكتابة اليدوية التي يتحدث عنها «جان كوكتو – Jean Cocteau» عندما يقول إن الكتابة هي طريقة أخرى للرسم. إلى جانب ذلك، إن الأطفال الذين يكتبون ويرسمون، في الوقت نفسه، يعرفون ذلك جيداً (لطالما اعتقدت أن الفن مصدره الطفولة). من خلال الكتابة والرسم، أردت العودة إلى طفولة الفن».

يقول المؤلف: «عندما تولد في بلد مثل هايتي، تواجه حالات استثنائية شبه يومية، تتساءل، من خلالها، كيف تهرب. لقد بدأت بالقراءة، ثم جاءت اللحظة التي تكون فيها حياتنا في خطر. اضطررت لاتخاذ قرار حاسم: أن أذهب إلى المنفى أو أذهب في رحلة. أدركت أن هدف الدكتاتور هو جعل حياتي درباً طويلاً من الحزن، وعندها قررت أن حياتي ستكون سلسلة لا نهاية لها من الرحلات. غالباً ما يحدث أن أشعر -بقلق- خاص، أنا متحمس في معظم الأوقات، كطفل متشوق يريد معرفة نهاية قصة رائعة تحكيها والدته. إن هذا التناوب بين الحزن والفرح هو الذي يبني وضعي بصفتي كاتباً».

ويضيف: «بصفتي كاتباً، بدأت أفكر في وضعي الحقيقي، كنت شاباً في مقتبل العمر، عشت في مونتريال تلك المدينة الجميلة، في غرفة ضيقة، حيث يمكنني التحكم في مصير جيبي. كان أول شيء فعلته إنشاء مكتبة، على رفوفها عدد من المنفيين. كنت سعيداً في ذلك الوقت، وأدركت ذلك، كما قال صديقي «هنري ميلر». لقد اندهشت من أن جميع هؤلاء الكتاب المنفيين الذين قرأتهم، تحدثوا عن المنفى بلكنة من الألم. بينما يوجد في المنفى هذه الإمكانية للعثور على حياة مفعمة وجذابة، وهذا حلم كل شاب وصل، للتو، إلى مدينة جديدة».

ومع هذا كله يبقى «لافريير» مشدوداً، دائماً، إلى وطنه، بَيْد أنه يرفض أن يبقى سجيناً داخل جدران مكان ولادته. فهو يعرّف عن نفسه منذ زمن بعيد بأنه (كاتب) يتخطى الحدود والانتماءات على أساس الهوية، كما هو الشأن في كتابه (أنا كاتب ياباني). لا يشعر بأنه مهاجر إلا أمام رجال الجمارك، ولايستطيع التفكير إلا في أثناء رحلاته، ذهاباً وإياباً إلى مسقط رأسه، في أن كل إنسان طبيعي هو غريب حتى داخل عائلته، وأن السفر والعودة يمثلان تحركا يقوم به الناس، باستمرار، في أثناء حياتهم، وأن من لا يفعلون ذلك هم أشخاص محدودون، يخشون الغريب وكل ما هو جديد.

إذا كانت كلمة المنفى، في كل من القاموس ومعجمنا اليومي، مرتبطة بنوع من العقاب والقمع الممارس من الأنظمة الاستبدادية، فإن المؤلف أعطى لهذه الكلمة معنى آخر؛ فالمنفى عنده رحلة نحو فضاء أرحب وأفق مغاير وحياة جديدة بكل تحدياتها، رحلة تستحق خوض كل تلك الصعاب والآلام. يقول : «يجمع هذا العمل جميع ألوان المنفى الزاهية. لأنني سئمت من أننا نربط المنفى فقط بالألم».

يبرز المؤلف في هذا العمل القوى الأدبية المذهلة في المكان والزمان؛ يقدم لنا نثراً رائعاً، هو بمثابة خلاصة تجربة حياة، يخبرنا فيها هذا المبدع عن كل شيء يبعث بالأمل والتفاؤل ومواصلة الحياة. إنه كتاب مليء بالمشاعر الإنسانية، والشعر، والنغم، والومضات التي نلتقي فيها «بورخيس»، و«هيغو»، و«باسكيات» وغيرهم، ليتأكد لنا أن المنفى، مثل جميع المواقف الصعبة، يمكن أن يعاش بسعادة معينة. 

إن المنفى -وفقاً لـ«داني لافرير»- يخفي، أيضاً، ثرواته وابتساماته ومواجهاته الرائعة: «إنها فرصة لمقابلة أشخاص جدد، مع كتاب ونساء وقطط!، فالعالم مليء بالثروات، وهذا الكتاب يجعلنا نكتشفها بسحر وروح الدعابة، ولكن، أيضاً، في بعض الأحيان، بغنائية متواضعة».

وهكذا، يعرض لنا «لافرير» وجهة نظر مغايرة حول الشعور بالنفي، معتبراً أن تقبلنا لهذا الحدث، والترحيب به عن طريق فتح أعيننا وعقولنا، سيُثرينا بلا شك.

محسن الموسوي.. «السِّياق الإسلامي لألف ليلة وليلة»

هذا الكتاب موضع ترحيب، وإن كان المؤلف مبالغاً في تقديره، في بعض الأحيان. وبما أن معظم الدراسات التي تناولت «ألف ليلة وليلة» حتى الآن، قد ركزت على التاريخ الأدبي والنقد النصي، فإن تحليل الموسوي المواضيعي تحليل جديد ومثير للاهتمام، وإن كان مؤرخو الأدب وعلماء اللغة سوف يعارضون العديد من افتراضاته.

يعطي عنوان كتاب محسن الموسوي انطباعاً جيداً عن موضوعه الذي يؤكد فيه أهمية «العامل الإسلامي» في مجموعة حكايات «ألف ليلة وليلة». فلماذا أهمل الدارسون والطلاب، بشكلٍ كبير، «السياق الإسلامي» لعمل أدبي تم إنتاجه في سياق إسلامي؟ فالازدراء المتوارث الذي مارسه علماء ومثقفون مسلمون تجاه «ألف ليلة وليلة» وقصص التسلية والترفيه، بشكلٍ أعم، أمرٌ معروف تماماً (يمكننا أن نضيف أن ازدراء هذا النوع من القصص لم يقتصر على المسلمين، فقط، فقد مورِسَ في ثقافات أخرى)، وقد يكون صحيحاً أنه ليس هناك اهتمامٌ كبير، في مجموعة حكايات الكتاب، بالقضايا التي كانت موضع عناية الفقهاء ورجال الدين وعلماء اللغة عادة (رغم أن الكتاب يتضمن الكثير مما قد يتوقعه المرء من قضايا الفقه واللغة). وقد اتّبع الدارسون الغربيون هذه الدعوى إلى حدٍ كبير. ويبدو أن هناك ردة فعل عكسية ضد مزاعم القرنين: الثامن عشر، والتاسع عشر، في النظر إلى «ألف ليلة وليلة» بوصفه «مرآة للعالم الإسلامي»، وإلى ترجماته المتضمنة للشروح (التي قام بها إدوارد لاين، وهنري بريتون)، بوصفها أدلة ميدانية وإثنوغرافية؛ لذا فإن العمل على دراسة «السياق الإسلامي» لـ «ألف ليلة وليلة»، هو موضع ترحيب خاص.

يغلُب على معالجة الموسوي، في هذا الكتاب، طابع المنافحة، «فالإسلام» يتوافق مع المُثُل العامة للمحبة والأخوّة والعدالة والمساواة بين الجنسين، وغير ذلك من الفضائل الليبرالية الحديثة. ويدَّعي أن هذه الفضائل كانت الأبرز في بغداد العصر العباسي الأول، ولم ينجح الفقهاء (معظمهم كانوا من الشاميين) في تجاوزها إلا في القرون المتأخرة (أي أن «الفقهاء الأوائل كانوا أكثر انفتاحاً وتقبلاً للتغيير من الفقهاء المتأخرين» [ص84]). 

إن تحديد مختلف العواطف والمُثُل العليا، ووضعها ضمن رؤية «عَالَم إسلامي» هو، في الجزء الأكبر منه، أمر واضح المعالم. وفي بعض الأحيان، تُلْقِي معالجةُ الموسوي بأضواء كاشفة واستفزازية، وأحياناً محيّرة، كما هو الحال عندما يذكر أن حكاية الإطار [حكاية شهريار وأخيه شاه زمان] «تكشف عن عدم المساواة والتمييز». قد يكون الاختلاط أو الحب بين الجنسين، والطبقات، والأعراق في حكاية الإطار، مرعباً بالنسبة إلى الأزواج والملوك الذين تعرضوا للخيانة، ولكن «من دون موضوعات الخيانة وأدلة الانحراف، كان يمكن أن تكون القصة متوافقة مع «السياق الإسلامي»، فالتأكيد على المساواة، بقطع النظر عن اللون والعرق، هو ما تُشدِّد عليه السُّنّة النبوية» (ص 41 – 42). ولا بدَّ لي من الاعتراف بأنه لم يخطر ببالي، أبداً، أنه يمكن النظر إلى الحفلات المختلطة العابرة للأعراق على أنها تدعم المثل العليا للسنّة النبوية! كما لم يخطر لي التفكير في حكاية الإطار من دون «موضوعات الخيانة»؛ ما الذي قد يبقى من الحكاية، إذا استثنينا الخيانة والانحراف؟

لكن من حسن الحظ أن معالجة الموسوي تمضي إلى ما هو أبعد من مجرد المنافحة؛ إذ يوضح، في عدد من الحكايات، خلفية بنية الدولة الإسلامية التي تتمحور حول حكمة الخلفاء وسلطتهم، كما تجسّدت (مثاليّاً) في الخلافة العباسية المبكرة، خاصّةً في خلافة هارون الرشيد. إنها عالم يقوم على نمط من النظام والسلطة، ولكنهما (النظام والسلطة) يخضعان للتذبذب في نطاقهما وفعاليتهما وقواعدهما الاعتبارية والأخلاقية والدينية. يلتقط الموسوي، بشكل رائع، الطرائق التي تنطوي فيها فنون السرد على التوتر بين «إيديولوجية دينية تتطلب بنية قوية تعطي للنظام مزيةً على العدالة، وبين «مدينة فاضلة» حيث يمكن للمظلوم أن يتوقع أن تكون الغلبة في نهاية المطاف لنوع من العدالة. كما يربط المؤلف بين موضوع الفدية في سرد القصص، والعلاقة بين الخليفة والفقيه. ولعل الفصل السادس المُعَنْوَن بـ «الإطار العام لتنظيرات السرد الإسلامي» هو الأكثر قيمة في الكتاب، وبالرغم من أنه يحمل عنواناً مضللاً، فإن المؤلف يُقدِّم فيه قراءة رائعة للتغيير الذي طرأ على الأذواق الأدبية، والدور الذي لعبه «القارئ» في هذا التغيير. وهنا تتجلى معرفة الموسوي بمصادر العصر العباسي الأدبية والعصور اللاحقة، كما يُقدم لنا رسماً تخطيطياً مشوّقاً ومضيئاً لدور النثر الأدبي، ووظيفته فيما يتصل بالشعر والوسط الحضري ومطالب الجمهور وتراجع ثروات الدولة المركزية (لكن يتوجب عليَّ القول إن الصلات بين «ألف ليلة وليلة» والأعمال التي نوقشت في هذا الفصل، قد لا تكون واضحة أو مباشرة كما تبدو عليه افتراضات المؤلف).

تهيمن مجموعة من العناصر على قراءة الموسوي، ولكن أهمها البيئة الحضرية، وخاصة العاصمة الكوزموبوليتانية (بغداد)، والوسط المتعدد الثقافات والأعراق في الحاضرة العباسية. يتم التشديد على الطبيعة الحضرية للحكايات، على امتداد الكتاب؛ الإغراءات والفرص المتاحة، وحالات الإبعاد، ولَمّ الشَّمْل، والتباين بين المدينة والريف وطبيعة حدودهما، وتعايش المجموعات المتنافسة، والضغوط. على سبيل المثال، يعتبر الموسوي حكايات الدراويش الثلاثة «نسخاً متمدنة من حكايات الصوفية»، فهي حكايات تبناها جمهور حضري من التجار. فالمُثُل الإسلامية في الحاضرة العباسية، عرضة للتقلبات والتعديلات؛ فمن ناحية، تشكل هذه التقلبات والتعديلات المادة الخام لسرد القصص كله، ومن ناحية أخرى، يرى الموسوي أن هناك العديد من الطرق التي تصطبغ بها تقلبات الوجود الحضري بالمنظور الإسلامي؛ ما يكشف عن نقاط التقاء بين السلوك البشري والعقيدة الدينية بطريقةٍ فريدة من نوعها (وفق تقديري). وبالنسبة إلى كتاب «ألف ليلة وليلة»، الذي تمت قراءته في ترجماته على نطاق أوسع من قراءته في لغته العربية، إن إعادة التركيز على السياق الثقافي لنسَخه الأصلية تعدُّ بمنزلة قوة دفع مضادةٍ ومفيدة للاتجاه السائد في النظر إلى الكتاب بوصفه أدباً عولميّاً أو عالميّاً.

يربط الموسوي بين القصص و»الإسلام»، على عدة مستويات. وكثيراً ما يستحضر نظرية ابن خلدون في الصعود والسقوط الدوري للمصائر السياسية، بوصفها خلفية لتقلبات الحب، والثروة، والسلطة التي تظهر في حكايات الكتاب. فعلى مستوى التفاصيل السردية، مثلاً، يشير إلى حالات المعاملات المالية التي يتم تنفيذها طبقاً للشريعة الإسلامية، وعلى وجه التحديد خصائص الشخصية الإسلامية، مثل الالتزام «بالأمر بالمعروف». والأمر الأكثر إثارةً للاهتمام هو أنه يحدد نقاط تقاطع الإسلام «الرسمي» مع هذا الأدب غير الرسمي في الأمور التي يشغلها «المُحْتسِب» (مفتش السوق). وبما أن كتاب «ألف ليلة وليلة» يبدو، بشكلٍ عام، في جزء منه، وكأنه نتاج فئة/ جماعة تشتغل بالتجارة، فإن السوق لا بد أن يكون مكاناً خصباً للسعي إلى إثارة المخاوف والتوترات التي تخيم على الحكايات، فضلاً عن المجتمعات التي أنتجتها. إن إشارات الموسوي المقتضبة إلى كتيبات الحسبة توحي بأن هذا المجال قد يكون مثمراً لإجراء دراسة أكثر منهجية، مستقبلاً.

وعلى الرغم من كل هذا، فالكتاب مخيّب لآمال القارئ، فهو يفتقر إلى العمل التحريري الدؤوب، إذ يكثر فيه التكرار والإشارات والتلميحات غير المسوّغة والأخطاء الوقائعية البسيطة؛ فأسلوب المؤلف يتسم بالكثافة وعدم الانتظام.

تبدأ هذه النغمة من فقرة الكتاب الافتتاحية حيث يتحدث المؤلف عن مجموعة الحكايات: «لكن بمجرد أن تمت كتابة الحكايات، جرى التلاعب بها وتمحيصها، وكانت محتوياتها تخضع للرقابة بطرق مختلفة. فعلى سبيل المثال، تتضمن طبعة بولاق (1835) حكاية، يظهر فيها مصطلح «رافضي»، لم يستخدمه القصاصون السابقون، كما نجد، مثلاً، في نسخة أنطوان جالان من القرن الرابع عشر» (ص1). وهذا يعني أن الحكاية التي عُثر عليها في إحدى النشرات المطبوعة في القرن التاسع عشر قد تغيرتْ عن نسختها السابقة في أقدم مخطوطة معروفة (هي المخطوطة التي حصل عليها أنطوان جالان، وترجمها) لتضاف إليها تلك الإشارة. فالملاحظ أن الموسوي لا يحيل، في اقتباسه المذكور، إلى أية مراجع، ولكن مصطلح «رافضي»، بحسب علمي، لم يظهر إلا في حكاية «علاء الدين أبو الشامات» التي لم تكن، قط، جزءاً من مجموعة جالان. وهذا يعني أن إدعاء الموسوي بأنه «تم التلاعب بالحكايات» و«خضوعها للرقابة» (لستُ متأكداً من خضوعها للتمحيص الدقيق) لا يؤيده المثال المشار إليه خلافاً للعادة، و – من ثمَّ – يدفع القارئ إلى التساؤل عمّا إذا كان الاتهام يتمتع بأية مصداقية، على الإطلاق. قد يبدو المثال تافهاً، لكن هناك أمثلة كثيرة مشابهة، والموسوي لا يعود، أبداً، إلى هذه المسألة. (وإذا كنتُ مخطئاً بشأن ورود مصطلح «رافضي» في مخطوطة جالان، فيسعدني تصحيح هذه المعلومة)

ينشأ القدر الكبير من هذا الخلط، نتيجة الرغبة في دراسة «ألف ليلة وليلة» بكل تجلياتها عبر العصور، بوصفها كياناً واحداً متناسق الأجزاء. وهذا المنظور، الذي يركّز على الغابة لا على الأشجار، إلى جانب معرفة الموسوي الواسعة بالثقافة الأدبية العربية، يتيح له إجراء التحليل المواضيعي الواسع الذي يمثل نقاط القوة في الكتاب. بيد أن هذا المنظور التاريخي قد يغدو عائقاً عندما يُستخدم لتعزيز الحجج التاريخية.

دعوى الموسوي أن مجموعة أساسية من الحكايات كما نتداولها، اليوم، جرى تداولها بشكل مماثل جدّاً في بغداد القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، وهذا أمر غير مرجَّح، على الإطلاق، لأنه ليس بحوزتنا أية آثار حول تاريخ مجموعة الحكايات تظهر لنا التحولات المهمة بين التاريخ الذي يذكره الموسوي والتاريخ الذي تعود إليه أقدم مخطوطة معروفة لدينا( ربّما قبل القرن التاسع التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي). وبشأن ما ورد عن الشاطبي (المتوفّى سنة 790هـ/ 1388م) في «حكاية الحلاق»، يكتب، ببساطة، أن ذلك «يطرح عدداً من المشاكل. فإما أنها مفارقة تاريخية، أو أن المخطوطة التي جلبها جالان معه كانت مكتوبة في ذلك الوقت» (ص120). لكن الموسوي، بشكل عام، مستعد لأن يفترض أنه في حال تم تحديد حكاية ما في بغداد هارون الرشيد، فمن الممكن أن تُعامل على أنها نتاج ذلك الزمان، وذلك المكان. 

وتعدّ معالجة «قصة الجارية تودُّد»(غير موجودة ضمن مخطوطة أنطوان جالان) أنموذجاً جيداً لمقاربة الموسوي للتاريخ الأدبي. يفترض الموسوي أن أقدم وقت ممكن يرجع إليه تاريخها هو القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، ويربط القصة بالاحتجاجات ضد السلطة غير المرضية في خلافة سامراء، ويرى فيها المسعى التخريبي لتحقيق المساواة نفسه، الذي كان وراء ثورة الزنج (القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي) (ص 24 – 25). إن ذكر الحُلَل والعباءات التي تنازل عنها العلماء كتكريم للجارية «تودُّد» والإقرار بفوزها يفضي إلى إشارات عن أهمية اللباس في اثنين من المصادر الفقهية، من القرنين: الثامن، والرابع عشر الميلاديين؛ ومن ثمَّ، يذهب الموسوي إلى القول إن القصة تمثل استعادة الدين من السلطة المؤسّسيَّة. و«يغدو الإسلام، في الحكاية، ملكيةً مشتركة، ويتحول الدين إلى عقيدة يتم تطبيقها وممارستها من قِبَل جميع المسلمين الذين يسعدون بتعاليمه المتعلقة بالمساواة، وينعمون برحمته غير المحدودة»(ص75). ومن المؤكد أن هذا التصور مخالف لوجهة النظر الأكثر معياريةً، التي ترى أن مضمون الحكاية العقائدي، وطبيعتها المركبة لا يمكن أن يظهرا قبل القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، كما تُشدِّد وجهة النظر هذه على أن العناصر التي تتكون منها الحكاية (رجل يخسر جاريته ثم يستعيدها؛ السرد القائم على الأحجية؛ امرأة يثبت تفوقها على الرجل) عُرِفت جيّداً في مواضع أخرى في الأدب العربي بشقَّيْه: الرسمي، والشعبي، وأن قصة الجارية «تودُّد» نفسها وُجدتْ في نسخ مختلفة. يُسلِّم الموسوي بأن القصة قد تعرضت للتغيير مع مرور الوقت: «فهناك مخطوطة في بغداد، تعود إلى أواخر القرن التاسع لا تتطابق مع مخطوطة أخرى جرى تداولها في القرن الثاني عشر في الشام أو القاهرة» (ص25). لن أجادل في ذلك، ولكن عندما يعود تاريخ أقدم مخطوطة معروفة لحكاية الجارية «تودد» إلى مطلع القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، فإن عبارة الموسوي المذكورة، آنفاً، عبارة مضلّلة في أفضل تقدير. وهناك أمثلة كثيرة مماثلة. 

يمكننا الانتهاء إلى القول: إن كتاب «السياق الإسلامي لـ «ألف ليلة وليلة» يتضمن العديد من النقاط المثيرة للاهتمام والاستفزازية، وأن المشروع كله، والذي أُطْلِقُ عليه «إعادة أسْلَمة» «ألف ليلة وليلة» (المصطلح لي وليس للموسوي)، هو موضع ترحيب، وإن كان المؤلف مبالغاً في تقديره، في بعض الأحيان. وبما أن معظم الدراسات التي تناولت «ألف ليلة وليلة»، حتى الآن، قد ركزت على التاريخ الأدبي والنقد النصي، فإن تحليل الموسوي المواضيعي تحليل جديد ومثير للاهتمام، وإن كان مؤرّخو الأدب وعلماء اللغة سوف يعارضون العديد من افتراضاته.


كاتب المقال: بروس فادج (أستاذ الدراسات العربية بجامعة جنيف)

حجاب التلقّي في قصيدة النثر العربيّة

لا شكّ في أن الحواجز التي اصطدمت بها قصيدة النثر العربيّة، تمثِّل لحظة حداثة فريدة، لا تقف عند حدود جوهر القصيدة العربيّة وخطابها، بل ثقافة عصر بأكمله أرخى بظلاله على الذات الشاعرة المنهكة بالخسارات والهزائم والتراجعات. «قصيدة النثر» التي، وإن تجاوزت الشكل التقليدي الصارم، اصطدمت بحواجز تتمثَّل في التلقّي بما فيه دائرة النقد وحاجز الذات أمام نخبوية الشعر؛ ما أسفر عن اتِّساع الهوّة بين الشاعر ومجتمعه، الشاعر الذي أصبح يعيش غربة مضاعفة تستأثر بكتاباته الشعرية. لكن، ماهي مميِّزات «قصيدة النثر؟ وما مستقبلها إبداعياً وتلقِّياً؟ وما أهمّ معايير التحليل النقدي لتجاوز حجاب التلقّي، في نطاق العلاقة بين الشاعر والمجتمع؟

ارتهنت «قصيدة النثر العربيّة» إلى كتابة متجدِّدة عبر أجيال من الشعراء، بتنوُّع مرجعيّاتهم والمؤثِّرات الفاعلة في تجاربهم؛ ما جعلها تخلق أسسها المتناسبة مع طبيعتها الإيقاعية واللّغوية والرؤيوية، باتجاهُيْها: الفرانكفوني، والإنكلوساكسوني. وبذلك تقوم على أقنومين هامَّيْن، هما؛ الأقنوم الدلالي، وهو ما أكَّده المنظِّرون الأوائل، كما جاء في تعبير «جون كوهن» «Jean Cohen» بأنها «قصيدة دلالية(1) نتيجة بنيتها النصِّيّة المشَكَّلة ككتلة فنّيّة، والأقنوم السردي «المستعاض به عن غنائية محلِّقة أو مهوّمة»(2). ويتداخل هذان الجانبان في نسيجها البنيوي، خاصّة على المستوى اللّغوي، والمستوى التصويري.

لكن هذا لم يمنع من اصطدام قصيدة النثر بحاجز التلقّي، بسبب غياب النقد القادر على خلق ألفة صحيحة بين نصوصها  ومعايير القراءة النقدية، خاصّةً مع هيمنة القراءة التقليدية التي لم تتوافق مع قوانينها الإيقاعية واللّغوية والتصويرية، بل والرؤيوية المرتبطة بالحداثة، وطروحاتها الصادمة، وبهذا شكَّلَ النقد «مشكلة تكملة دائرة الأزمات التي تعاني منها قصيدة النثر»(3). 

ورغم الانتقادات التي عرفتها قصيدة النثر في المحيط الشعري العربي، خاصّةً حول شرعيَّتها، تشكِّل إضافةً ذات جدوى في الكتابة الشعرية؛ حيث حاولت أن تحقِّق تراكماً كمِّيّاً، أهَّلَها كي تنفلت من هذا الشَّرَك، نحو البحث عن تحوُّلاتها النوعية، بفعل انخراط العديد من الشعراء في كتابتها، والتفاعل الثقافي، والنقدي معها. بذلك، هي تؤسِّس، بخطًى ثابتة وموضوعية، لمستقبل الكتابة الشعرية، والرهان أصبح يقوم على اتِّجاهاتها الأسلوبية واحتمال التطوير والتغيير المرتبطَيْن بالذات الشاعرة، في مجتمع إنساني، تتعايش فيه الأجيال الشعرية العربيّة بشتّى أنماط كتاباتهم.

سؤال الهويّة

عرفت «قصيدة النثر» العربيّة حملة شرسة حول شرعيَّتها، ومن أهمِّ أسبابها  فوضى المصطلح الناجمة عن الترجمة إلى العربيّة، الذي «اشتمل على خطأ جسيم، لكنه شاع واستقرّ، رغم أنه مقلق وغير دقيق، وتراجع عنه مجترحوه أنفسهم»(4). لكن -بفعل التراكم الكمي الذي حقَّقته على مَرّ أجيال من الشعراء- أصبح السؤال يهمّ حقيقتها الشعرية، عوض شرعيَّتها وشجرة انتسابها إلى جنس الشعر أو إلى جنس النثر.

وتبعاً لسؤال الشرعية، تَمّ الاجتهاد في البحث عن هويَّتها، بشكل لا ينفصل عن الذاكرة الشعرية العربيّة، من خلال النبش في التراث الصوفي وسجع الكهّان وغير ذلك، على غرار «الشعر الحرّ»؛ حيث ذهب بدر شاكر السياب ونازك الملائكة ونقّاد هذه المرحلة التحديثية في بحث عن نصوص تؤصِّل لهذا الشعر، مثل الموشَّحات، والبند، وكتابات شعراء المهجر.

لقد أدّى الاهتمام بجدل التسمية والشرعية، والقبول أو الرفض، إلى تلافي الخوض في ماهيّة «قصيدة النثر»، وما تراهن عليه الكتابة الشعرية والتجارب العالمية التي جاءت بها. وقد ترافق هذا مع قصور النقد في سَنّ قوانين واصفة لرؤيتها الشعرية، وبذلك تَمَّ تجاهل الدراسات الأكاديمية والمناهج المدرسية والمجلّات العلمية لقصيدة النثر، بعدم البحث عن مرتكزاتها النصِّيّة وفحص نتاج شعرائها، بل غياب النقد النصّي، أسهم في تفشّي مقولات خاطئة حولها، مثل ما ذهبت إليه نازك حين اعتبرتها تصدر بلغة عربيّة، لكنها تعمد -في جوهرها- إلى روح غربية.

إن مأزق «سؤال الهويّة»، مأزق حقيقي في البنية الذهنية العربيّة المحافظة تجاه التطوُّر والتغيير في صورته الحداثية، وبذلك لم يرتبط، في الساحة الثّقافيّة، بالخوض في ماهيّة «قصيدة النثر» ومحاولة النظر في جوهر شعريَّتها، والبحث في جنيالوجيا رؤيتها، بقدر ما اشتغل بسؤال الذاكرة بشكل عقدي وتاريخي، ولعل غياب النقد سبب وجيه نحو هذا النزوح.

مرجعيّات الكتابة

تبعاً لما سبق، تعرَّضت «قصيدة النثر»، أيضاً، بشكل لم يلحظه الرافضون لشرعيَّتها، لجملة من المؤثِّرات الفاعلة، منذ التوقُّف الأوَّل لمجلّة «شعر»، خريف عام 1964م، بسبب مشكلات داخلية بين شعرائها، وأهمّها الاصطدام بجدار اللّغة؛ ما أسفر عن توقُّف المشروع الحداثي، نظراً للتباين الفكري في المنطلقات والأهداف، ومن بينها الكتابة الشعرية المتمثِّلة في «قصيدة النثر» مثل «جبرا إبراهيم جبرا» الذي لم يصنّف كتاباته ضمن «قصيدة النثر»، بل في «الشعر الحرّ» محافظاً على المصطلح الغربي الذي ينطبق على شعر «والت ويتمان». كما توسَّع الخلاف إلى حدود الموقف من التراث، حيث هناك مَنْ أعلن أنه لاتراث له، بل هو خارج المورث كلِّه.

رغم هذا، لم يذهب البعض منهم هذا المذهب، مثل «أدونيس» الذي خصَّص صفحات من المجلّة للشعر العربي القديم، والبعض الآخر انكَّبوا على ترجمة أشعار الغربيين، ما أسفر عن بزوغ تيَّارَيْن مهمَّيْن قد وسما الكتابة الشعرية، آنذاك؛ تيار الثّقافة الأنكلوساكسونية مثل «جبرا إبراهيم جبرا»، و«توفيق الصايغ» و«يوسف الخال»، وتيّار الثّقافة الفرانكفونية مثل «أحمد سعيد أدونيس»، و«أنسي الحاج»، و«شوقي أبي شقرا»، علاوةً على انفتاحهم على ثقافة متنوِّعة مثل التشكيل والدراما وفنون أخرى تتواشج -بشكل أو بآخر- مع كتابة «قصيدة النثر».

بفعل هذا التجاوز للشعر الحرّ، والارتماء في أحضان «قصيدة النثر»؛ خضعت نصوصها لإبدالات مهمّة، مثل خضوع أسلوب كتابتها إلى المؤثِّر الديني المتمثِّل في الكتـاب المقدَّس عند «يوسف الخال»، الــذي تأثَّــرت به -بالمقابل- جماعة كركوك(5)، وشعراء بغداد(6)، بالإضافة إلى تغيَّر المراجع النقدية النظرية، من «سوزان برنار»(7) إلى «ميشيل سندرا»(8) وصولاً إلى «بريان كليمنس» و«جيمي دونام»، بكتابيهما: «مقدِّمة لقصيدة النثر.. أنماط ونماذج».

علاوةً على تداخل التجارب بين أجيال الشعراء، سواء على مستوى النماذج المرتبطة بالكتابة الشعرية أو بالمواقف التاريخية، «سنجد تتابعاً جيليّاً، تتآزر أصواته لخلق مناخات قصيدة النثر المتنوعِّة، بدءاً ممَّن تبقّى من الستِّينيين  الذين يُعدُّون روّاداً منافحين، بصبر وجرأة، عن النوع الجديد، وشعراء المنجز السبعيني الذين يُشْهَدُ لهم أنهم كرَّسوا تجربة قصيدة النثر، وسرّعُوا فعّالية كتابتها وقراءتها أيضاً، حتى الأصوات الجديدة التي انصرفت إلى تطوير الشكل الشعري، ولم تنشغل بما حول النصوص من هوامش خارج نصِّيّة، ومماحكات جيلية أو فنّيّة»(9)، الشيء الذي نتج عنه إبدال من مفهوم «جيل الشعراء» إلى مفهوم «جيل الشعر».

كما عرفت «قصيدة النثر» انمحاء التعارض بين تجربة شعراء الداخل وشعراء الخارج؛ حيث تَمَّ تجاوز ذلك الانقسام في المواقف السياسية الظرفية، وأصبح الاهتمام منصبّاً على الأسس الفنّيّة، والجمالية. وبذلك انخرط شعراء قصيدة النثر، على اختلاف أجيالهم ومواقفهم واتِّجاهاتهم، في تعميق الكتابة الشعرية، استناداً إلى أسلوب ترسيخ مشروع الحداثة، سواء على مستوى التحديث الشكلي للنصوص، أو في التعبير عن معاناتهم الإنسانية المشتركة.

الذات الشاعرة وبنية الكتابة

لقد تَمَّ اصطدام «قصيدة النثر» بجدار التلقّي نتيجة بعض العيوب الداخلية التي طالت نصوصها، ومنها  «تضخيم الذات (…) وتعالي خطابها على المتلقّي وافتراض جهله، غالباً»(10)، علاوةً على التداخل الحاصل بين الوظيفة الجمالية والوظيفة الاجتماعية؛ حيث أُسندت إلى القصيدة مهمّة التغيير والبناء، خارج مفهوم الجماعة، وأصبحت الذات الشاعرة، بمفردها، تمثِّل ضمير الحياة المعاصرة وقضاياها الحداثية.

وسيظلّ هذا الجدار قائماً، إذا لم يتمّ الالتفات إلى خصائصها الفنّيّة التي من شأنها أن تعدِّل أفق التلقّي، بالنظر في كلّيَّتها وبنائها العضوي الكامن وراء شكلها الفوضوي، فهي  نصّ شعري يستلزم قراءة على الورقة قراءة بصرية، وليست سمعية أو موسيقية، مع اعتماد مفاتيح نصِّيّة جديدة، من شأنها أن تفتحه على جماليات لغوية وإيقاعية وتصويرية تستفيد من الخطاب السردي، وباقي الفنون المجاورة للخطاب الشعري الحداثي.

بذلك تمثَّل المأزق الذي وقعت فيه «قصيدة النثر»، في الشكل الذي لم يتقبّله المتلقّي بعد، باعتباره شكلاً متناقضاً؛ يأخذ هيئات خطِّية متنوِّعة على الورقة، وما يرافقها من فوضى التوزيع وعلامات الترقيم والبياضات وتمزيق وحدة الجملة الشعرية، إضافةً إلى التواشج الحاصل بين الشعري والسردي، حيث لم يتمّ تطويع المنظور القرائي بعد، تجاه ما تقترضه مثل هذه النصوص من الآليّات السردية في تشكيل خطابها الشعري،

ويضاف إلى هذه الحجب، حجاب الاشتغال على لغة شعرية مخالفة للأنساق التركيبية والأسلوبية المعروفة. أمّا الإيقاع فلازال يشكِّل عائقاً واضحاً في تحقيق مفهوم «الاتِّصال الجمالي»، ما دام الجهاز الموسيقي يضغط على المتلقّي في تمييزه بين الشعر والنثر؛ لذلك يتنامى هذا الجدار خارج قانون التماثل لما هو متعيّن في ذاكرة المتلقّي.

الشعريّة والوظيفة الجماليّة

لقد حاولت «قصيدة النثر» العربيّة، باختلاف أجيال شعرها، التأسيس لمفهوم الشعرية، بشكل يتناسب مع سياقها التاريخي وسياقها الحداثي، وما حجاب التلقّي الذي يدخل في دائرة أزمتها إلّا بفعل الرؤية النقدية التي لم تنفلت، بعد، من القراءة التقليدية للشعر العربي، والانشغال بإشكالات سطحية أبعدته عن استكناه جوهرها وأقانيم خطابها الشعري.

وممّا زاد من كثافة هذه الحجب، هو انفتاح «قصيدة النثر» على مجالات خارج الشعر، والخوض في جدل ماهيَّته ووجوده في حياة الإنسان؛ من خلال قضايا تؤسِّس لسؤال الوجود الذي أصبح «من أبرز الأسئلة التي تقدَّمت بها لتجاوز ذلك الحجاب الجداري المفترض؛ فهي -إذن- لا تتحدَّد بالمهمّة الشعرية للشعر، بل تعنى باكتشاف العالم ومواجهته ورفضه»(11).

هذا ما جعلها تقوم بوظيفة تتجاوز ما هو اجتماعي إلى النهوض بمهمّة وجودية تتلازم -منطقيّاً- مع رؤية الشاعر؛ ذلك أن العالم المتغيِّر باستمرار، «في اتِّجاه الحرِّيّة، يستلزم وجود شاعر مماثل في رغبة التغيُّر»،(12) و-بالمقابل- وجود شعر خارج قوانين ثابتة، في ملاءمة مع الوجود المنخرط، بشكل من الأشكال، في سلسلة تغيُّرات لامتناهية.

ولم تقف عند هذا الدور الوجودي، مادامت لم تستأثر بالمهمّة المعرفية التقليدية التي دأب عليها الشعر بما هي مهمّة فنّيّة، بل مهمّة جمالية؛ لغويّاً وإيقاعياً ودلالياً، والتي تبرز -بجلاء- على مستوى التلقّي؛ ما يستدعي الوعي بنظام نصوصها التي أصبحت تراهن على خرق أفق انتظار متلقِّيها الذي دأب على تجربة قرائية تتَّصف بالجزئية والتماثل، وبثقافة شفهية تنطلق من المعلوم إلى المعلوم، خلافــــاً للمتعيَّن في ذاكرته. ويظهـــر هذا،جليّاً، من خلال السؤال نفسه المثير لإشكال التسمية، كما جاء على لسان الشاعر «عباس بيضون»: «هل الشعر شعر والنثر نثر، ولن يلتقيا؟»(13).

نحو مقترح للتحليل النصِّي

وإذا كانت قصيدة النثر قد تجاوزت هذه الإشكالات، حيث حقَّقت تراكماً كمِّيّاً، فإنها انفتحت على  مرحلة جديدة للتحقُّق من تحوُّلاتها النوعية، باعتماد نظريّات ومناهج ما بعد البنيوية، مثل السيميائيّات والأسلوبية وجماليّات التلقّي بما يتناسب مع أعراف القراءة الخاصّة بالنصوص الحداثية، وتغيُّراتها الشكلية والمضمونية؛ وبهذا يستطيع النقد تجاوز حجاب التلقّي، ومساعدة القارئ على إنجاز عمليّة تلقٍّ واعية، استناداً إلى بعض المعايير المقترحة والتي تمَّ تدعيمها بجانب تطبيقي على نماذج شعرية متنوِّعة.

ورغم زئبقية النصّ الشعري، إن مسألة اقتراح معايير لتحليل نصوص قصيدة النثر، تضع النقد في مأزق حقيقي؛ خاصّةً في أفق العلاقة بين الذات والموضوع، التي يحاول أن يرتقي بها إلى درجة من الصرامة العلمية والضبط المنهجي، في أفق التوصُّل إلى نتائج موضوعية، تتناسب مع طبيعتها ورهاناتها الوجودية، والجمالية، محاولاً إقامة قطيعة شبه نهائية مع القراءات الشعرية السابقة.

لكن المعايير المقترحة من قِبَل «حاتم الصكر»، بخصوص «قصيدة النثر»؛ تتجاوز الكشف عن الجوانب الجمالية الفنّيّة شأن المناهج الانطباعية، أو إبراز المعاني والموضوعات شأن المناهج خارج نصِّية، بل يرمي -من خلالها- إلى عملية إنجاز فعل القراءة، انطلاقاً من مرجعية إبستيمولوجية تتمثَّل في مفهوم «المحرِّك الظاهراتي»(14) الذي من شأنه أن يمنح الذات القارئة وظيفة الكشف عن تشكُّلات النصّ، ووضعاً موضوعياً مستقلّاً خارج المعنى النهائي والوحيد المفروض على المتلقّي…

لقد حاول حاتم الصكر أن يأتي بالجديد في مقدِّمته النظرية حول «قصيدة النثر» العربيّة، على مستوى نقطيتَيْن أساسيَّتَيْن؛ تتجلّى النقطة الأولى في العمل على تغيير نظرتنا إلى قصيدة النثر، أو -على الأقلّ- تغيير زاوية النظر، من خلال التحرُّر من التقليدانية التي زجَّت بالنقد في مثالب التسمية والمشروعية، عوض النظر في جوهرها ومهمّاتها الوجودية، والجمالية. أمّا النقطة الثانية، فتتمثَّل في تجاوز المعايير النمطية التي دأب عليها النقد في تعامله مع النصوص الشعرية، نحو معايير، من شأنها رفع حجاب التلقّي.

وإذا كان مُوفَّقاً في التمهيد، لهذه المعايير، بمهاد نظري يبيِّن وظيفة النقد الجديد تجاه قصيدة النثر، فإنه لم يولِ اهتماماً كافياً بالمعايير التي من خلالها يمكن -مباشرةً- تحليل النصّ الشعري، حيث لم يفصح عن الخلفيّات النظرية التي تؤطِّر هذه المعايير بشكل واضح، بقدر ما استدعى بعضها، باقتضاب شديد، مع العلم أنه ينطلق من منطلق «ظاهراتي»، وهذا ما يُفهَم من إفادته: «بل نتوخّى إنجاز فعل قراءة للنصّ ذي محرِّك ظاهراتي يعطي للذات شأناً كبيراً في تشكيل النصّ الذي تنتفي جدوى وجوده الموضوعي المستقلّ الذي يفرض على قارئه معنًى نهائياً واحداً»(15). 

وبذلك، حصل لديه بعض الخلط على مستوى بعض النظريات التي لم يتمّ تمحيصها على المستوى النظري وبيان مدى ملاءمتها مع قصيدة النثر؛ حيث جمع بين البنيوية عند «لوسيان كولدمان» والسيميائيات الأسلوبية عند «مايكل ريفاتير». وبالتدقيق في بعض المعايير المقترحة، نجده قد جمع بين نظريَّتَيْن هما: «النظرية الدلالية» و»نظرية السياق»، لكن هذه الأخيرة قد استُنفِذت من قبل نقّاد الشعر الحديث(16)، علاوةً على عدم استحضاره لبنية الخطاب الشعري، خاصّةً البنية الإيقاعية التي لم يلغِها ريفاتير نفسه، بل اعتبرها تتواشج مع الجانب الدلالي. كما أنه تحدَّث عن «حجاب التلقّي» والمهمّة الجمالية التي أصبحت منوطة بها، ولم يتطرَّق إلى نظرية جمالية التلقّي والمفاهيم المسعفة لها في القراءة، كما جاء بها كلّ من «هانس روبرت ياوس» و»وولفغانغ إيزر»؛ وهذا ما يستدعي إعادة النظر في إحداث الانسجام بين أقانيم ثلاثة هي: الخلفية النظرية/ المعرفية، ومعايير التحليل، والمنهج المعتمد، مع العلم أنه يمكن أن نتجاوز المنهج الواحد نحو مناهج متعدِّدة، من شأنها التعامل مع التطوُّرات والتحوُّلات الأسلوبية التي خلقت نصوصاً مختلفة في طبيعة كتابتها، لأننا لم نعد نتعامل مع نصوص موحَّدة، كلّها ضمن «قصيدة النثر».

لقد توفَّق «د. حاتم الصكر» في مقدِّمته النظرية، إلى حَدّ كبير، وذلك لبناء وعي نقدي جديد قادر على تجاوز حواجز التسمية والمشروعية، أو ما له علاقة بالنظرة النقدية التقليدية تجاه الشعر، عموماً؛ حيث نبَّه إلى النظر في جوهر «قصيدة النثر» سواء على مستوى بنية خطابها الشعري أو مهمّاتها الوجودية، والجمالية، في أفق رفع «حجاب التلقّي».

وبخصوص المعايير المقترحة في تحليل النصّ الشعري، يحتاج الأمر إلى مزيد من البحث والمدارسة؛ سواء على مستوى الخلفيات النظرية والمعرفية المتناسبة مع السياق ما بعد حداثي، أو على مستوى المناهج المسعفة في قراءة نصوص «قصيدة النثر»، وذلك بوضع شروط قادرة على تحقيق شرط الصرامة العلمية عوض إطلاق العنان لذات الناقد، من خلال ما سمّاه «حاتم الصكر» «المحرِّك الظاهراتي»، مخافة الوقوع في الانطباعية التي عانى منها النقد، منذ سنوات خلت.

هذا بالإضافة إلى أن تطبيق مثل تلك المعايير المقترحة لا ينبغي ربطها بأسماء الشعراء، بل تبعاً لأنموذج الكتابة أو الاتِّجاه أو الأسلوب؛ للتوصُّل إلى نتائج عامّة وموضوعية رهينة بطبيعة النصوص المدروسة المنضوية تحت «قصيدة النثر» باختلاف شعرائها، مادمنا قد انتقلنا، بحسب تعبيره،من مفهوم «أجيال الشعراء» إلى مفهوم «أجيال الشعر».


الهوامش:

1 – Jean Cohen; la structure de langage poétique. Ed Flammarion.1966. p13. 

2 – حاتم الصكر؛ الثمرة المُحَرَّمة (مقدِّمات نظرية وتطبيقات في قراءة قصيدة النثر). إصدارات مجلّة «نصوص من خارج اللّغة». سلسلة نقد1، شبكة أطياف الثّقافيّة للدراسات والترجمة والنشر، ط1، 2019، ص11. 

3 –  المصدر السابق نفسه. ص12. 

4 – انظر حاتم الصكر، «ما لا تؤدِّيه الصفة». دار كتابات. بيروت. 1993. ص33. أدونيس: الأعمال الشعرية الكاملة. ط4. بيروت. 1985. ص5 وما بعدها. حاتم الصكر؛ الثمرة المحرَّمة. م.س. ص23. 

5 – جماعة كركوك تتمثَّل في كلٍّ من: (سركون بولص، فاضل العزاوي، صلاح فايق، جان دمون، مؤيَّد الراوي، يوسف سعيد، وغيرهم. 

6 – شعراء بغداد، ومنهم: عبد الرحمن طهمازي، عمران القيسي، حسين عجة، وغيرهم.

7  – تمَّت الترجمة الأولى الكاملة في العراق، سنة 1993، من قِبَل الدكتور «زهير مجيد مغامس»، وبعدها بسنوات، تمت ترجمة ثانية في مصر من قِبَل «رفعت سلّام». انظر: سوزان برنار، قصيدة النثر من بودلير إلى الوقت الراهن. ترجمة: راوية صادق، مراجعة وتقديم: رفعت سلّام، ج1 وج2، دار شرقيّات للنشر والتوزيع. ط1. 2006.

8 – انظر:  سندرا، قراءة في قصيدة النثر، ترجمة: زهير مجيد مغامس، وزارة الثّقافة، صنعاء، 2004.

9 – حاتم الصكر، مصدر سابق، ص40. 

10 –  المصدر السابق نفسه، ص29. 

11 –  المصدر السابق نفسه، ص20. 

12 –  المصدر السابق نفسه، ص21. 

13 – محمَّد العبّاس: ضدّ الذاكرة. المركز الثقافي العربي، ط1، 2000، ص55. نقلاً عن حاتم الصكر؛ مصدر سابق. ص23.

14 –  المصدر السابق نفسه، ص51. 

15 – المصدر السابق نفسه. 

16 – انظر: غالي شكري، شعرنا الحديث إلى أين؟، دار الشروق، بيروت، ط1، 1991.

رحلة محمد الحارثي الأخيرة

طالب‭ ‬الجيولوجيا‭ ‬بجامعة‭ ‬قطر،‭ ‬نهايات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬طوَّحت‭ ‬به‭ ‬الحياة‭ ‬بعيداً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبلغ‭ ‬مستقرّه‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬بلدته‭ ‬‮«‬المضيرب‮»‬‭ ‬شرق‭ ‬عمان‭.‬‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬مسقط،‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬كان‭ ‬صدور‭ ‬كتابه‭ ‬المتأخِّر‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬حدث‭ ‬أدبي‭ ‬مهمّ،‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الروحي‭ ‬لقرّائه،‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭. ‬هكذا‭ ‬استقبل‭ ‬القرّاء‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬فلفل‭ ‬أزرق‮»‬‭ ‬للشاعر‭ ‬الراحل‭ ‬محمَّد‭ ‬الحارثي،‭ ‬وهو‭ ‬رحلتان‭ ‬إلى‭ ‬سرنديب‭ ‬أو‭ ‬سيلان‭ ‬المعروفة‭ ‬بـ«سيرلانكا‮»‬‭ ‬اليوم‭.‬

كان‭ ‬الشاعر‭ ‬العماني‭ ‬المعاصر‭ ‬محمَّد‭ ‬الحارثي‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬مسوَّدة‭ ‬كتاب‭ ‬الرحلات‭ ‬الأخير‭ ‬هذا،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬نوبة‭ ‬المرض‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬أدَّت‭ ‬إلى‭ ‬وفاته،‭ ‬وبقي‭ ‬العمل‭ ‬رهين‭ ‬حاسوبه‭ ‬الشخصي‭ ‬حتى‭ ‬تمكَّنت‭ ‬ابنته‭ ‬الفنّانة‭ ‬ابتهاج‭ ‬الحارثي‭ ‬من‭ ‬معالجة‭ ‬الحاسوب،‭ ‬واستخراج‭ ‬العمل،‭ ‬ثم‭ ‬عهدت‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬الروائية‭ ‬جوخة‭ ‬الحارثي،‭ (‬أوَّل‭ ‬عربيّة‭ ‬تحوز‭ ‬جائزة‭ ‬‮«‬مان‭ ‬بوكر»العالمية‭ ‬للرواية،‭ ‬لعام‭ ‬2019،‭ ‬عن‭ ‬روايتها‭ ‬‮«‬سيِّدات‭ ‬القمر‮»‬‭)‬،‭ ‬لتشرف‭ ‬على‭ ‬المراجعة‭ ‬النهائية‭ ‬للكتاب،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬أطواره‭ ‬النهائية‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الكاتب‭ ‬نفسه‭. ‬وهكذا،‭ ‬صدر‭ ‬الكتاب‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬عن‭ ‬‮«‬دار‭ ‬مسعى‮»‬‭ ‬للنشر‭.‬

صدر‭ ‬لمحمَّد‭ ‬الحارثي‭ ‬عدّة‭ ‬كتب‭ ‬في‭ ‬الرحلات،‭ ‬كان‭ ‬أوَّلها‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬عين‭ ‬وجناح‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬حاز‭ ‬‮«‬جائزة‭ ‬ابن‭ ‬بطوطة‮»‬‭ ‬في‭ ‬دورتها‭ ‬الأولى،‭ ‬ثمَّ‭ ‬صدر‭ ‬له‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬محيط‭ ‬كتمندو‮»‬،‭ ‬وها‭ ‬هو‭ ‬كتابه‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬فنّ‭ ‬الرحلات‭ ‬يصدر،‭ ‬أخيراً،‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬فلفل‭ ‬أزرق‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬المعروف‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الثّقافيّة‭ ‬العمانية‭ ‬أن‭ ‬محمَّد‭ ‬الحارثي‭ ‬هو‭ ‬الابن‭ ‬البكر‭ ‬للشاعر‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬الحارثي‭ ‬المعروف‭ ‬بأبي‭ ‬الحكم،‭ ‬والملقَّب‭ ‬بشاعر‭ ‬الشرق،‭ ‬وكان‭ ‬أبو‭ ‬الحكم،‭ ‬في‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬يمثِّل،‭ ‬مع‭ ‬الشاعر‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬الخليلي‭ ‬أمير‭ ‬البيان،‭ ‬فرسَيْ‭ ‬رهان‭ ‬الشعر‭ ‬العماني،‭ ‬بصبغته‭ ‬التقليدية‭ ‬المتوارثة‭ ‬للقصيدة‭ ‬العروضية،‭ ‬ولنا‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬ديوان‭ ‬أبي‭ ‬الحكم‭ ‬صدر‭ ‬بجمع‭ ‬وتحقيق‭ ‬من‭ ‬حفيدته‭ ‬الروائية‭ ‬جوخة‭ ‬الحارثي،‭ ‬وقد‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬نسل‭ ‬شاعر‭ ‬الشرق‭ ‬شباب‭ ‬وشابّات‭ ‬أثروا‭ ‬الحياة‭ ‬الفنّيّة‭ ‬العمانية‭ ‬خلال‭ ‬عقودها‭ ‬الأخيرة،‭ ‬منهم‭ ‬جوخة،‭ ‬وابتهاج،‭ ‬إضافةً‭ ‬إلى‭ ‬الراحل‭ ‬كاتب‭ ‬القصّة‭ ‬القصيرة‭ ‬عبدالله‭ ‬أخضر،‭ ‬وكذلك‭ ‬الروائية‭ ‬والقاصّة‭ ‬أزهار‭ ‬أحمد،‭ ‬ولكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الميراث‭ ‬الشعري‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬نصيب‭ ‬محمَّد‭ ‬الحارثي‭ ‬وحده،‭ ‬والذي‭ ‬أضاف‭ ‬إليه،‭ ‬فيما‭ ‬بعد،‭ ‬كتب‭ ‬الرحلات،‭ ‬ورواية‭ ‬واحدة‭ ‬عنوانها‭ ‬‮«‬تنقيح‭ ‬المخطوطة‮»‬،‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬‮«‬دار‭ ‬الجمل‮»‬‭.‬

تجاوز‭ ‬محمَّد‭ ‬الحارثي،‭ ‬مدفوعاً‭ ‬بحبِّه‭ ‬للشعر،‭ ‬الأطرَ‭ ‬التقليدية‭ ‬للشعر،‭ ‬وسما‭ ‬بتجربته‭ ‬إلى‭ ‬النبض‭ ‬المعاصر‭ ‬لقصيدة‭ ‬النثر‭ ‬العربيّة،‭ ‬وشكَّلَ،‭ ‬مع‭ ‬شعراء‭ ‬عمانيين‭ ‬غيره،‭ ‬كوكبةً‭ ‬شعرية‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬التي‭ ‬امتدَّت‭ ‬أصداؤها،‭ ‬اليوم،‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬فأصدر‭ ‬الحارثي‭ ‬ستّة‭ ‬مجموعات‭ ‬شعرية،‭ ‬منذ‭ ‬مجموعته‭ ‬الأولى‭ ‬‮«‬عيون‭ ‬طوال‭ ‬النهار‮»‬،‭ ‬حتى‭ ‬مجموعته‭ ‬الشعرية‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬نُشِرت‭ ‬في‭ ‬صدر‭ ‬عام‭ ‬رحيله‭ (‬2018م‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬مجموعة‭ ‬‮«‬الناقة‭ ‬العمياء‮»‬،‭ ‬لتكون‭ ‬آخر‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ ‬وكأنما‭ ‬تتجسَّد‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬يتركها‭ ‬الشاعر‭ ‬تراثاً‭ ‬مشاعاً،‭ ‬بعد‭ ‬رحيله،‭ ‬لمسةً‭ ‬قويّةً‭ ‬من‭ ‬الحنين‭ ‬الحيّ‭.‬

مع‭ ‬ذلك،‭ ‬نجد‭ ‬حنين‭ ‬الشاعر‭ ‬الابن‭ ‬لمثال‭ ‬الشاعر‭ ‬الأب،‭ ‬وذوقه،‭ ‬قد‭ ‬تمثَّل‭ ‬في‭ ‬جمعه‭ ‬وتحقيقه‭ ‬لواحد‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬شعراء‭ ‬عمان‭ ‬الكلاسيكيين‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وبداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وهو‭ ‬الشاعر‭ ‬أبو‭ ‬مسلم‭ ‬البهلاني،‭ ‬فقدَّمها‭ ‬محمَّد‭ ‬الحارثي‭ ‬للقرّاء‭ ‬مع‭ ‬مقدِّمة‭ ‬تفصيلية‭ ‬طويلة،‭ ‬نسبيّاً‭.‬

يلتحق‭ ‬الكتاب‭ ‬الأخير‭ ‬‮«‬فلفل‭ ‬أزرق‮»‬‭ ‬بتراث‭ ‬محمَّد‭ ‬الحارثي‭ ‬ولكن‭ ‬فيما‭ ‬يشبه‭ ‬اليتم؛‭ ‬فالأب‭ ‬قد‭ ‬توفِّي،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬عمل‭ ‬عليه‭ ‬الشاعر،‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2015م،‭ ‬يلاحظ‭ ‬القارئ‭ ‬الإشارات‭ ‬النهائية‭ ‬للروح،‭ ‬في‭ ‬لمحات‭ ‬خاطفة،‭ ‬لأن‭ ‬أسلوب‭ ‬محمَّد‭ ‬الحارثي،‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬الرحلات،‭ ‬أشبه‭ ‬بسيرة‭ ‬ذاتية،‭ ‬لكنها‭ ‬سيرة‭ ‬ذاتية‭ ‬في‭ ‬الأسفار،‭ ‬وهي‭ ‬الأسفار‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬منها‭ ‬مجاميعه‭ ‬الشعرية،‭ ‬ويكفي‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬منها‭ ‬مقطعه‭ ‬الشعري‭ ‬الشهير‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬غفوة‭ ‬صعبة‭ ‬المنال‮»‬‭:‬

‮«‬ما‭ ‬زلت‭ ‬أعود‭/ ‬بصور‭ ‬فوتوغرافية‭/ ‬وحقيبة‭ ‬ظهر‭ ‬وقصائد‭/ ‬تتدلّى‭ ‬منها‭/ ‬أرقام‭ ‬الرحلات‭/ ‬وأخفاف‭ ‬حنين‮»‬‭.. (‬ص44‭. ‬قارب‭ ‬الكلمات‭ ‬يرسو‭)‬

حاز‭ ‬محمَّد‭ ‬الحارثي‭ ‬على‭ ‬‮«‬جائزة‭ ‬الإنجاز‭ ‬الثّقافي‮»‬‭ ‬العمانية،‭ ‬عام‭ ‬2014م،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬أعدَّه،‭ ‬وحرَّره‭ ‬الكاتب‭ ‬سعيد‭ ‬سلطان‭ ‬الهاشمي،‭ ‬روى‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬سيرته‭ ‬الذاتية،‭ ‬وقد‭ ‬صدر‭ ‬الكتاب‭ ‬عن‭ ‬‮«‬دار‭ ‬سؤال‮»‬،‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬حياتي‭ ‬قصيدة‭ ‬وددت‭ ‬لو‭ ‬أكتبها‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬أجزاء‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬السيرة،‭ ‬تتناثر‭ ‬في‭ ‬قصائده‭ ‬الشعرية‭ ‬ورحلاته‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬عدسة‭ ‬مكبِّرة‭ ‬مرفوعة‭ ‬على‭ ‬أزمنة‭ ‬أسفاره‭ ‬المتعدِّدة‭.‬

ينقسم‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬فلفل‭ ‬أزرق‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬فصول‭ ‬قصيرة‭ ‬تجسِّد‭ ‬الرحلتين‭ ‬اللتين‭ ‬طاف‭ ‬فيهما‭ ‬محمَّد‭ ‬الحارثي‭ ‬بأجواء‭ ‬سيرلانكا،‭ ‬وكشف،‭ ‬في‭ ‬طوافه‭ ‬ذاك،‭ ‬أوجهاً‭ ‬متعدِّدة‭ ‬من‭ ‬وجوه‭ ‬البلد‭ ‬والثّقافة‭ ‬واللّغة‭. ‬ولسيلان‭ ‬موقع‭ ‬أثير‭ ‬مع‭ ‬الرحّالة‭ ‬العرب،‭ ‬ويكفي‭ ‬أن‭ ‬نتذكَّر‭ ‬الجمال‭ ‬الذي‭ ‬يصف‭ ‬به‭ ‬ابن‭ ‬بطوطة‭ (‬شيخ‭ ‬الرحّالة‭) ‬تلك‭ ‬الجزيرة،‭ ‬ممّا‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬غرامه‭ ‬بها،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬افتخاره‭ ‬بزيارته‭ ‬لجزيرة‭ ‬سرنديب‭ ‬أو‭ ‬سيلان‭.‬

بصدور‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬تكتمل‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬الشعرية‭ ‬الكثيفة‭ ‬في‭ ‬مجموعته‭ ‬الشعرية‭ ‬الأخيرة‭ ‬‮«‬الناقة‭ ‬العمياء‮»‬،‭ ‬خاصّةً‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬رحلة‭ ‬أخيرة‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬الشاعر،‭ ‬عام‭ ‬2017م،‭ ‬إلى‭ ‬سيرلانكا؛‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬رحيله‭ ‬بعام،‭ ‬وكتب‭ ‬هناك‭ ‬نصّاً‭ ‬شعريّاً،‭ ‬أصبح‭ ‬النصّ‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬‮«‬الناقة‭ ‬العمياء‮»‬،‭ ‬لكنه‭ ‬نصّ‭ ‬يستعيد‭ ‬مكاناً‭ ‬آخر،‭ ‬للمفارقة،‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬رحلة‭ ‬قديمة‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬التسعينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬أيَّام‭ ‬شبابه،‭ ‬إلى‭ ‬فيتنام،‭ ‬حيث‭ ‬التقى‭ ‬هناك‭ ‬بالفنّان‭ ‬الفيتنامي‭ ‬‮«‬نغوين‭ ‬ثانه‮»‬،‭ ‬واقتنى‭ ‬إحدى‭ ‬لوحاته،‭ ‬وظلّ‭ ‬محتفظاً‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬حياته،‭ ‬حين‭ ‬قرَّر‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬اللوحة‭ ‬غلافاً‭ ‬لمجموعته‭ ‬الشعرية‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وأظنّ‭ ‬أن‭ ‬العنوان‭ ‬وُلِد،‭ ‬كذلك،‭ ‬في‭ ‬رحلته‭ ‬الأخيرة‭ ‬تلك،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬تحرير‭ ‬المجموعة‭ ‬الشعرية‭ ‬وتحرير‭ ‬كتاب‭ ‬الرحلة‭ ‬معاً‭.‬

نعرف،‭ ‬الآن،‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬فلفل‭ ‬أزرق‮»‬‭ ‬أن‭ ‬محمَّد‭ ‬الحارثي‭ ‬سعى،‭ ‬في‭ ‬رحلته‭ ‬السابقة،‭ ‬للقاء‭ ‬فنّان‭ ‬إنجليزي‭ ‬شهير‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬سيرلانكا،‭ ‬آنذاك،‭ ‬هو‭ ‬‮«‬جورج‭ ‬بيفن‮»‬،‭ ‬ولعلَّ‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬الفنّي‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬أعاد‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرته‭ ‬لقاءه‭ ‬الفنّي‭ ‬القديم‭ ‬بالفنّان‭ ‬الفيتنامي،‭ ‬وألهمه،‭ ‬بقوّة‭ ‬الفنّ،‭ ‬استعادة‭ ‬ذلك‭ ‬الشعور‭ ‬القديم‭ ‬من‭ ‬قاع‭ ‬الزمن‭ ‬الجارف،‭ ‬وتخليده‭ ‬في‭ ‬نصّ‭ ‬شعري‭. ‬هكذا،‭ ‬أصبح‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث‭ ‬القديم،‭ ‬واللوحة‭ ‬التي‭ ‬اقتناها،‭ ‬آنذاك،‭ ‬التي‭ ‬تتصدَّر‭ ‬مجموعته‭ ‬الشعرية‭ ‬الأخيرة،‭ ‬والعماء‭ ‬الذي‭ ‬ينسبه‭ ‬العنوان‭ ‬للناقة،‭ .‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬يجد‭ ‬تضاعيفه‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬المسافر‭ ‬الأعمى،‭ ‬إذا‭ ‬تذكَّرنا‭ ‬مقطعاً‭ ‬شعريّا‭ ‬أقدم‭ ‬لمحمَّد‭ ‬الحارثي‭:‬

‮«‬يشرب‭ ‬قهوته‭/ ‬مسافر‭ ‬أعمى‭/ ‬أرسل‭ ‬عينيه‭ ‬إثر‭ ‬فراشة‭ ‬صعدت‭ ‬الباص‭/ ‬الذي‭ ‬سيعبر‭ ‬الجسر‭ ‬بعد‭ ‬قليل‮»‬‭. 

فكأنما‭ ‬عمى‭ ‬المسافر‭ ‬عماء‭ ‬أدبيّ‭ ‬مجازيّ،‭ ‬لأنه‭ ‬يخبط‭ ‬في‭ ‬ظلام‭ ‬بلاد،‭ ‬لم‭ ‬يرَها‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬ومهما‭ ‬رأى‭ ‬منها‭ ‬فرؤيته‭ ‬تبقى‭ ‬قاصرة،‭ ‬فإذا‭ ‬عدنا‭ ‬للطبعة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬رحلاته‭ ‬الأوَّل‭ ‬‮«‬عين‭ ‬وجناح‮»‬‭ ‬فسنجد‭ ‬صورة‭ ‬محمَّد‭ ‬الحارثي‭ ‬يقود‭ ‬ناقة،‭ ‬على‭ ‬صدر‭ ‬الغلاف،‭ ‬وتذكِّرنا‭ ‬الصورة‭ -‬نوعاً‭ ‬ما‭- ‬بغرامه‭ ‬الأدبي‭ ‬بالرحّالة‭ ‬الكولونيالي‭ ‬الشهير،‭ ‬صاحب‭ ‬كتاب‭ ‬الرمال‭ ‬العربيّة‭ ‬و‮«‬يلفرد‭ ‬ثيسجر‮»‬‭. ‬هو‭ ‬الرحيل،‭ ‬إذاً‭.. ‬والحياة‭ ‬هي‭ ‬الرحلة،‭ ‬والناقة‭ ‬العمياء‭ ‬هي‭ ‬الراحلة‭. ‬وهنا،‭ ‬نتذكَّر‭ ‬قوله‭ ‬في‭ ‬مجموعته‭ ‬‮«‬أبعد‭ ‬من‭ ‬زنجبار‮»‬‭:‬

‮«‬يموتون‭/ ‬ثم‭ ‬يضحكون‭ ‬في‭ ‬أغلفة‭ ‬الكتب‭/ ‬يموتون‭/ ‬ويبكون‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬الكلمات‮»‬‭.‬

ما‭ ‬الحياة،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬إلّا‭ ‬أمثولة‭ ‬تولد‭ ‬من‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬اللمحات‭ ‬الخاطفة‭. ‬هكذا،‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬‮«‬الناقة‭ ‬العمياء‮»‬،‭ ‬يبصر‭ ‬القارئ‭ -‬بوضوح‭- ‬ظلال‭ ‬الموت‭ ‬الكثيفة،‭ ‬حيث‭ ‬أغلب‭ ‬النصوص‭ ‬مهداة‭ ‬لذكرى‭ ‬شعراء‭ ‬رحلوا‭ ‬عن‭ ‬الحياة،‭ ‬ولم‭ ‬يخلِّفوا‭ ‬غير‭ ‬قصائدهم‭. ‬والآن،‭ ‬بصدور‭ ‬كتابه‭ ‬الأخير‭ ‬‮«‬فلفل‭ ‬أزرق‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يشبه،‭ ‬في‭ ‬وصوله‭ ‬المتأخِّر،‭ ‬إشارة‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬الموت،‭ ‬من‭ ‬الغيب،‭ ‬نجد‭ -‬رغم‭ ‬ذلك‭- ‬رسالة‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬وألوانها‭ ‬المتعدِّدة‭ ‬البديعة‭ ‬في‭ ‬منشور‭ ‬ضوئيّ‭ ‬هائل،‭ ‬يصعّده‭ ‬الحارثي‭ ‬بجماليّات‭ ‬البساطة‭ ‬ونكهات‭ ‬الوجبات‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬استلهم‭ ‬منها‭ ‬عنوان‭ ‬كتابه،‭ ‬والشخصيات‭ ‬الإنسانية‭ ‬البسيطة‭ ‬التي‭ ‬يصنع‭ ‬منها‭ ‬أبطالاً‭ ‬روائيِّين‭ ‬في‭ ‬رحلته،‭ ‬مع‭ ‬نكهة‭ ‬محمَّد‭ ‬الحارثي‭ ‬الشخصي،‭ ‬وطرائفه‭ ‬ولمحاته‭ ‬ومعرفته‭ ‬وثقافته‭ ‬الواسعة،‭ ‬حيث‭ ‬تتكشَّف‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الغرائب‭ ‬الإنسانية‭ ‬واللمحات‭ ‬الصدفوية‭ ‬الغامضة،‭ ‬مثلما‭ ‬نجدها‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬الشابّ‭ ‬اليمني‭ ‬الذي‭ ‬يتستَّر‭ ‬على‭ ‬ماضيه‭ ‬بلهجةٍ‭ ‬واسْمٍ‭ ‬لبنانيَّيْن‭.‬

في‭ ‬أحد‭ ‬فصول‭ ‬الكتاب‭ ‬الأخير‭ ‬إشراقةٌ‭ ‬روحية‭ ‬صغيرة،‭ ‬لم‭ ‬يهمل‭ ‬الحارثي‭ ‬تدوينها؛‭ ‬فعلى‭ ‬سكّة‭ ‬القطار‭ ‬البطيء‭ ‬بين‭ ‬‮«‬كولومبو‮»‬‭ ‬و«جفنة‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تستغرق‭ ‬تسع‭ ‬ساعات،‭ ‬محطّة‭ ‬صغيرة‭ ‬تدعى‭ ‬‮«‬فافونيا‮»‬،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الراكب‭ ‬جالساً‭ ‬في‭ ‬العربة‭ ‬الأخيرة‭ ‬المسمّاة‭ ‬بـ‭(‬الشرفة‭) ‬يستطيع‭ ‬إلقاء‭ ‬نظرة‭ ‬على‭ ‬بيوت‭ ‬البلدة‭ ‬المحيطة‭. ‬في‭ ‬أحد‭ ‬تلك‭ ‬البيوت،‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2015م،‭ ‬كانت‭ ‬فتاة‭ ‬شابّة،‭ ‬بثيابها‭ ‬الملوَّنة،‭ ‬تنشر‭ ‬الثياب،‭  (‬لربَّما‭ ‬تذكِّرنا‭ ‬الفتاة‭ ‬بشخصية‭ ‬‮«‬خاتون‮»‬‭ ‬من‭ ‬سرنديب،‭ ‬في‭ ‬قصّة‭ ‬‮«‬سيف‭ ‬الملوك‮»‬،‭ ‬في‭ ‬‮«‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‮»‬‭). ‬تحين‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الفتاة‭ ‬التفاتة‭ ‬جهة‭ ‬القطار،‭ ‬فتلمح‭ ‬الراكب‭ ‬الذي‭ ‬على‭ ‬شرفة‭ ‬القطار،‭ ‬فتبتسم‭ ‬الفتاة‭ ‬لهذا‭ ‬المسافر،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تعلم‭ ‬من‭ ‬هو،‭ ‬تلوِّح‭ ‬له،‭ ‬فيردّ‭ ‬التحيّة‭. ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬انطلاق‭ ‬القطار،‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تماماً،‭ ‬تبعث‭ ‬له‭ ‬قبلةً‭ ‬في‭ ‬الهواء،‭ ‬كأنما‭ ‬روح‭ ‬الحياة‭ ‬حلَّت‭ ‬في‭ ‬جسدها‭ ‬الشابّ،‭ ‬وأرادت‭ ‬أن‭ ‬تحيي،‭ ‬بقبلتها‭ ‬تلك،‭ ‬قلب‭ ‬ذلك‭ ‬الشاعر‭ ‬الرحّالة‭ ‬الذي‭ ‬أشرفت‭ ‬حياته‭ ‬على‭ ‬النهاية‭.‬

‮«‬كما‭ ‬كان‭..‬

كما‭ ‬كنّا،‭ ‬دائماً،‭ ‬ننسى‭ ‬أرض‭ ‬الماضي،‭ ‬ونصغي،

ككلّ‭ ‬ليلة،‭ ‬لأمّ‭ ‬كلثوم‭ ‬وهي‭ ‬تنشد‭ ‬‮«‬كلّ‭ ‬ليلة‭ ‬وكلّ‭ ‬يوم‮»‬‭..‬

دمعاً‭ ‬استعصى‭ ‬علينا‭ ‬وعلى‭ ‬أبي‭ ‬فراس،

فيما‭ ‬نمضغ،‭ ‬من‭ ‬جديد،

عشبة‭ ‬الشِّعْر

التي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي

كما‭ ‬لا‭ ‬ننتهي‭ ‬عنها،‭ ‬كلّ‭ ‬يوم‭ ‬وليلة،‭ ‬كما‭ ‬كنّا،‭ ‬دائماً،

لا‭ ‬ننتهي‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬أو‭ ‬النهار‮»‬‭

رحلة الإيطالي بوتا إلى اليمن.. مرثيةٌ الصِّراع

بُعيد النهضة الأوروبية واتِّساع حركة الكشوف الجغرافيّة تحوَّلت أوروبا (الغربيّة) إلى مركز لانطلاق الرحلات لاستكشاف مناطق واسعة من العالم، توجُّهها في ذلك دوافع وأغراض تتواشج بلا انفصال ما بين اقتصاديّة واستعماريّة وعلميّة. وقد شكَّل الشرق الإسلاميّ منطقة جذب للمستكشفين والرحالة الأوروبيين، نظراً لموقع المنطقة وحضورها في الذاكرة التاريخيّة بوصفها موطناً للديانات السماوية ومركز إشعاع حضاري تعاقبت فيه عدد من الحضارات القديمة، يُضاف إلى ذلك تاريخ طويل من العلاقات المُتوتِّرة بين أوروبا والعالم الإسلاميّ، وما رسَّخته في الوجدان الغربيّ من تصوُّرات تجاه العالم الإسلاميّ، على النحو الذي أبرزته لنا كلٌّ من كارين آرمسترونج في الفصل الأوّل من كتابها «سيرة النبي محمد» (1998)، ورنا قباني في كتابها «أساطير أوروبا عن الشرق» (1993).

لذلك انصبَّ جانب من عناية الرحالة الأوائل على معرفة العدو القديم وكشف مكامن قوته الغامضة التي جعلته يشكِّل دوماً عامل تهديد في المخيال الغربيّ. وفي مرحلة تالية برز البُعد العلميّ في توجيه الكثير من الرحلات، فالتنافس بين دول أوروبا كان على أشدّه لإحراز قصب السبق في ميادين علميّةٍ كثيرة منها إرسال العلماء والرحالة لاكتشاف مناطق مختلفة من العالم، دون غياب الأجندة السياسيّة والاقتصاديّة التوسعيّة الكامنة وراء تمويل حركة الاستكشاف في بُعدها العلميّ. 

من هؤلاء المُستكشفين الذين ارتبطت حياتهم العلميّة والوظيفيّة بالعالم العربيّ، الإيطالي/ الفرنسي بول إميل بوتا (1802 – 1870)، عالم نبات ودبلوماسي ولد في بيدمونت بتورينو الإيطالية في 6 ديسمبر/كانون الأول 1802، وفي هذا العام أصبح والده مواطناً فرنسيّا بعد أن ضمَّ نابليون تورينو إلى التراب الفرنسيّ، ثم انتقلت العائلة فيما بعد إلى باريس، ودرس بوتا الطب في روان وباريس، لكنه التحق بعد ذلك بالسلك الدبلوماسيّ الفرنسيّ، وعُيِّن قنصلاً لفرنسا في الإسكندرية عام 1831.

بعد عودته إلى فرنسا كلَّفه متحف التاريخ الطبيعيّ في باريس القيام برحلة إلى اليمن لجمع عيِّنات من الأعشاب والنباتات التي تتميَّز بها هذه المنطقة. عُيِّن لاحقاً قنصلاً لفرنسا في الموصل عام 1841، ثمّ القدس عام 1848، وطرابلس عام 1855، وإليه يُنسب اكتشاف قصر الملك الأشوري سرجون الثاني في خورساباد بالعراق عام 1843.

رحلة علميّة في بلدٍ مضطرب

جاء بوتا إلى اليمن في عهد سلالة الأئمة القاسمية التي كانت تسيطر على مقاليد الحكم منذ نحو قرنين، غير أنها أصبحت آنذاك في غاية الضعف والانحسار نتيجة للتسلُّط وصراع أبناء السلالة المستمر على الحكم، إذ كان أحياناً ينازع الإمامَ الحاكم إمامان أو داعيان آخران كما حدث عند مجيء بوتا، ومع كلّ داعٍ جديد كان الشعب يجد نفسه في طاحونة الحرب ذاتها التي ما انفكَّ يتجرَّع ما يتولَّد عنها من مآسٍ وأوجاع. 

لقد أغرت حالة الضعف القوى الخارجيّة للسيطرة على البلاد نظراً لموقعها على طريق التجارة العالمية واستغلال مواردها التي كان البن أبرزها في ذلك الحين، فدخل محمَّد علي باشا والإنجليز في سباقٍ محموم لإحكام السيطرة عليها انتهى باحتلال الإنجليز لعدن عام 1839، ومن ثَمَّ أجبروا محمَّد علي باشا على سحب كلّ قواته من اليمن. وكان الأخير قد أرسل حملة بقيادة «إبراهيم باشا يكن» استولت على مدينة المخا، ثم زحفت باتِّجاه الحُدَيْدَة، وعند وصول بوتا كانت تتأهب للتوجُّه نحو تَعِز. 

الصِّراع ومسار الرحلة

بدا واضحاً هيمنة موضوع الصِّراع على سردية الرحلة فيتوازى أحياناً ويتداخل مع المُهمَّة العلميّة التي تبرز بكثافة عند وصول الرحالة إلى المناطق الجديدة واستطلاع غطائها النباتي. والواقع أن بوتا لا يورد تفاصيل عن المواجهات، وإنما يشير إلى مظاهر الصِّراع وما كان يجري من تحالفات واستعدادات والتركيز بشكلٍ خاصّ على تحرُّكات الشيخ حسن ومناوراته، فالأخير -حسب تحليل بوتا- كان يعتقد أن تحالفه مع إبراهيم باشا لن يعيده حاكماً لتَعِز فقط، بل لحكم اليمن بأسره. ولذلك تحالف مع حاكم تَعِز: المدعي الجديد للإمامة ضد ابن أخيه إمام اليمن، ليتمكَّن من إدخال قواته إلى مدينة تَعِز، ومن ثَمَّ يعمل على تسهيل دخول قوات الباشا إلى المدينة. 

لقد ظلَّت قوات الباشا في المناطق الساحلية، ولم تستطع التوغل في مناطق اليمن الداخلية إلّا عبر استثمار الخلافات القائمة والتحالف مع زعماء المناطق الذين سهَّلوا لإبراهيم باشا الاستيلاء على تَعِز والاستعداد للتوجُّه إلى صنعاء. ويبدي بوتا ميله إلى سيطرة باشا مصر على اليمن ويعتبر ذلك مخرجاً من حالة الاحتراب، لأن استطالة هذه الحالة جعلت الشعب «يحلم بأي تغيير يحدث، وبانتقال السُّلطة إلى أيادٍ قوية قادرة على فرض الأمن واستعادة السلام الذي حُرم منهما لوقتٍ طويل» (ص 150). 

بين نيبور وبوتا

اقتصرت مهمَّة بوتا العلمية على جمع عينات من النباتات والأعشاب وتصنيفها، ونجح في ذلك على نحوٍ جيّد، كما يذكر ألبير ديفلرز، حيث جمع أكثر من 500 نوع من النباتات. ومن الواضح أن طبيعة هذه المُهمَّة قد أتاحت له أن ينصرف بشكلٍ أكبر إلى تأمُّل أوضاع البلد وتسجيل رؤيته للأحداث وتوقُّعاته بشأن نتائجها. 

تأتي رحلة بوتا ضمن سلسلة من الرحلات بدءاً بفارتيما الإيطالي مطلع القرن السادس عشر وانتهاء بالألماني جوزيف وولف الذي وصل إلى صنعاء عام 1836، لكن تظلّ البعثة الدانماركية (1761 – 1767) بقيادة الألماني كارستن نيبور أكثر الرحلات شهرة ومكانة علميّة. وأكَّد بوتا في مفتتح كتيبه على أهمِّيّة هذه البعثة وما أحدثته نتائجها من ثورةٍ معرفية في أوروبا بخصوص جنوب الجزيرة العربيّة. 

وفي هذا الجانب سجَّل بوتا ملاحظات على كتاب نيبور أهمّها أن تركيزه على «الدقة العلمية وعلى جوانب معيَّنة محدودة من المتعة، كان على حساب السمات العامّة» (ص 149)، وأراد بذلك قِلة اهتمامه بالجوانب الاجتماعيّة والسمات العقليّة للناس وطبائعهم. وبالرغم من هذه الملاحظة وإفصاحه عن السعي لتلافيها، فالحقيقة أنه كان واقعاً تحت سحر رحلة نيبور فتحوَّلت الأخيرة إلى متن داخل نصّ بوتا وبؤرة جاذبة إذ ظلّ النصّ يتحرَّك بين ما تختزنه ذاكرته من رحلة نيبور والواقع الذي ترصده عيناه. وتكمن أهمِّيّة رحلة نيبور في كونها مثَّلت إطاراً لبوتا لقياس مدى التغيُّر الحاصل في خارطة الحياة وملاحظة أثر الصِّراع على حالة العمران والناس.

خراب مدينة «تَعِز» 

يتجلَّى حضور رحلة نيبور في نصّ بوتا في أشكالٍ مضمرة وصريحة، حين وصل بوتا إلى مدينة «بيت الفقيه» اكتفى بتقديمها على هذا النحو الموجز: «كانت فيما مضى في ذروة الازدهار، وفقدت أهمِّيّتها بعد أن طمرت الرمال ميناءها «غليفقة»، وانتقلت تجارة البن إلى الحُدَيْدَة والمخا» (ص 154). ويمكن تفهُّم هذا التعريف الموجز في إطار علاقته برحلة نيبور، وكأنه بذلك يحيل القارئ إلى ما أسهب فيه نيبور من وصف المدينة وفترة ازدهارها. وعند لقائه الأوّل بالشيخ حسن يحدِّثه عن رحلة نيبور ورفاقه ويعرب له عن أسفه «لما آل إليه حال البلاد من التدهور بسبب سوء الحكم بعد أن كانت غنية ومزدهرة» (ص 157).

ويتصاعد هذا الأسف مشيجاً بالدهشة عند دخوله إلى مدينة تَعِز إذ يكتشف أن جزءاً كبيراً من المعالم الأثرية التي وصفها نيبور في رحلته لم يعد لها وجود، ويندهش لمرأى ذلك الكمّ من المباني المدمرة التي سُوي بعضها بالأرض: «فالأرض التي على هيئة مدرجات، كانت فيما مضى تضمّ منازل جميلة، ولم يتبقََ منها اليوم سوى ما يُقارب العشرين منزلاً، وحلَّت محلّ البيوت أكواخ بائسة، ولا يجرؤ الأهالي على بناء أفضل منها خشية السطو المُتكرِّر للجنود وهدمها واستخدام أخشابها وقوداً للنار» (ص 186). 

كما يُظهر في الوقت نفسه خشيته بشأن ما بقي من المباني الأثرية، فاستمرار هذا الوضع يعني أنها سوف تكون مهدَّدة بالاختفاء تماماً أو تحوُّلها عند مجيء بوتا إلى «كومة من الأنقاض» (ص 186). ومن المُؤكَّد أن استدامة تلك الحروب لعقودٍ وتجدُّدها قد طوى إلى الأبد الكثير من المباني والمعالم الأثريّة، وما سجّله بوتا عن خراب مدينة تَعِز ينسحب على بقية المدن التي كانت تتعرَّض دوماً للاجتياح خاصّة مدينة صنعاء التي لم يتمكَّن بوتا من الوصول إليها.

من تهامة إلى حصن العَروس

على الرغم من قتامة المشهد الذي يرصده بوتا في مدينة تَعِز، فقد جاء تقرير الرحلة مفعماً بحرارة الدهشة والاكتشاف التي صاغ بها المُؤلِّف اجتراحات الرحلة ومشاهداته للمواقع الطبيعيّة. يتبنَّى المُؤلِّف عدداً من التقنيات لشدِّ انتباه القارئ، فالتضافُر بين السرد والوصف هو أكثر ما يشدُّ الانتباه لمتابعة ارتحال المُؤلِّف بين منطقةٍ وأخرى، وكذلك بعض الومضات الشعريّة التي تتكاثف في إطار التعبير عن ما تتركه المشاهدات من أصداءٍ وما تثيره من خيالات. ومنذ مفتتح الكتيب تتوالى مفردات المكان وتشكيلات الفضاء من سهول تهامة ومدنها صعوداً إلى المناطق الجبلية كحصن «مُؤَيْمرة» قلعة الشيخ حسن الحصينة، حيث «يمكِّنك ارتفاعها من رؤية ظهور الصقور وهي تطير مئات الأميال تحت ناظريك» (ص 167).

ومن حصن «مُؤَيْمرة» وقرية «ساهم» إلى مدينة تَعِز، حيث يلتحق المُؤلِّف بالشيخ حسن، وهناك يتراءى له جبل صَبِر كحارس أبدي للمدينة التي تسترخي في حضنه يمدّها بخيرات مدرجاته ويغدو ملاذاً آمناً لأبنائها عندما تنهال على المدينة مجاميع المحاربين. يغريه مرأى الجبل فيستأذن الشيخ حسن في صعوده وينطلق مع مرافقيه متنقّلاً بين قرى كثيرة تتناثر على صدر الجبل وتحيط بها حقول القمح والشعير وتجمُّعات كثيفة من أشجار العرعر ذات الرائحة العبقة، وصولاً إلى القمّة، حيث يتربَّع «حصن العروس» بحكايات كنوزه وخباياه. يصل بوتا إلى الحصن كأوّل أوروبي فيمد ناظريه، ثم يحبس أنفاسه لسحر المشهد الذي تجلَّى له: «كم كانت سعادتي حينما اكتشفتُ البحر الأحمر من جهة الحُدَيْدَة، والمحيط الهندي من جهة عدن، حتى أنه كان بإمكاننا رؤية بعض قمم السواحل الإفريقية من جهة الغرب… » (ص 198). 

وهي مشاهد وقف الكاتب أمامها مأخوذاً معترفاً بعدم قدرته على وصفها والتعبير عمّا أثارته في وجدانه من تأمُّلات وخيالات، ومبدياً تحسّره على عدم إتاحة وقت أطول للاستمتاع بجلال الطبيعة وروعتها. ومع ذلك، فقد كان سعيداً بالوصول إلى قمّة الجبل التي تعذَّر على المستشرق السويدي فورسكال بلوغها، وبالكمّيات الهائلة من النباتات التي قام بجمعها (ص 201).

منظورٌ استشراقيٌّ مُغاير

تنتمي هذه الرحلة إلى النصف الأوّل من القرن التاسع عشر، وهي فترة شهدت موجة انبهار أوروبي واسع بعالم الشرق وبات الأخير موضوعاً أثيراً للكتابة وثيمة تتردَّد في الإنتاج الأدبيّ والفنّيّ الغربيّ، فالمخيِّلة الغربيّة أنتجت صورة رومانسية للشرق بوصفه بلاد الرفاه والشهوات والعجائب وراحت تغذي هذه الصورة بالكثير من الكتابات، وأسهم الرحالة بجهدٍ وافر في ترسيخ هذه الصورة، لدرجة صار معها أدباء أوروبا ينظرون إلى الشرق على أنه مكان لاستلهام ينابيع الإلهام والسمو وغدت الرحلة إليه زاداً لإذكاء الروح الشعريّة وتوهُّجها، إنها «رحلة للبحث عن النسيان أو لإحياء ذكريات الشباب». 

وبرغم تضخم مدوّنة الرحلة الأوروبية إلى الشرق إلّا أن جزءاً كبيراً من هذه الكتابات، كما تذكر رنا قباني في كتابها «أساطير أوروبا عن الشرق»، كانت تفتقر إلى الرصد الدقيق لحقيقة الشرق وتغيب عنها الرؤية الموضوعية، إذ سيطر عليها نمط الكتابة الاستهلاكية التي يحاول صاحبها إرضاء تصوُّرات القارئ وتسليته بما يزخرفه من المواقف والحكايات المتبَّلة بالغرابة والاستيهامات الجنسية التي تعزِّز ما ترسَّخ في الذاكرة الغربيّة عن ثروات الشرق ومجتمعات الحريم فيه، دون التفات إلى حقيقة الواقع ومظاهر الفقر والبؤس التي كان يعيشها معظم سكّان الشرق.

وإذا وضعنا هذه الرحلة ضمن ما كان سائداً آنذاك في الكتابات حول الشرق سنجد أنها تختطُّ لنفسها مساراً مُغايراً، فبوتا لم يكن معنياً بالتلصص على حياة الشرقيين، بل وجَّه عنايته إلى التعريف بواقع حياة سكّان الركن الجنوبي من شبه الجزيرة العربيّة، وأبرز بشكلٍ لافت التناقض بين ما تختزنه البلاد من طبيعة ومقوِّمات وموارد والصِّراع الدائم لأمراء الحرب في إدخال البلاد في دورات متوالية من الفوضى والخراب. لذلك، جاء وصفه لحياة الناس وعاداتهم قرين التعاطف والرغبة في فهم ذلك المجتمع الذي كان لا يزال محافظاً على تراثه القديم، وكثيراً ما يلجأ المُؤلِّف في ثنايا رحلته إلى ذكر موطنه الأصلي إيطاليا ليقارب لقارئه الغربيّ جوانب الشبه بين البيئتين اليمنيّة والإيطاليّة في عددٍ من مناحي الحياة كخصائص العمارة وبعض سمات البشر والموسيقى وأنواع الأشجار والنباتات. 

على سبيل المثال، يذكر بوتا عند دخوله مدينة الحُدَيْدَة أنها كانت تضمُّ عدداً كبيراً من العشش المبنية بالقش والجريد، كما كانت تضم «منازل جميلة مبنية بالطوب ويتم طلاؤها بالنورة، سطوحها مستوية كأنها شُرَفٌ محاطة بدرابزين ذي أشكال مختلفة ممّا يضفي عليها مظهر المنازل الإيطالية» (ص 151). كما لاحظ في نساء جبل صَبِر جمالاً خاصّاً ذكَّره بجميلات الريف الإيطالي، فملامح نساء الجبل «أقرب إلى الإيطاليات، وبشرتهن على درجة من البياض كافية لإبراز الألوان على خدودهن» (ص 190). 

وتتردَّد هذه الإحالة على جوانب من حياة المجتمع الإيطاليّ وثقافته في مواضع عديدة من الرحلة، وقد يُعزى ذلك إلى حرص المُؤلِّف على التوصيل وتقريب ما يصفه للقارئ كما أشرنا آنفاً، غير أن لغة كتابه الفرنسية لا الإيطالية التي يجعل من موطن متحدِّثيها مرجعاً لإشاراته، فكيف يتوجَّه للقارئ الفرنسي، ثم يحيل إلى بيئة لا يعرفها ربَّما سوى قِلّة من الفرنسيين؟ هل يمكن عدّه محاولة لتقريب الوصف أم أنه نوع من حنين المُؤلِّف إلى سنوات صباه وجمال الريف الإيطاليّ في تورينو قبل انتقال عائلته إلى باريس؟ يمكن القول إن المُؤلِّف يحيل على الريف الإيطاليّ، لأنه يعرفه جيّداً أمّا باريس التي انتقل إليها في شبابه فهي مدينة حديثة لا يمكن الاتكاء عليها في تقديم وصفٍ مُقارب للبيئة اليمنية ذات الطابع الريفي في معظمها. 

موجّهات علميّة وشخصيّة 

وبناءً على ما سبق، يتّضح لنا مدى ابتعاد بوتا عن الصور النمطية السائدة في مدوّنة الرحلات الأوروبية عن الشرق، ويظهر أن ثمَّة اعتبارات علميّة وشخصيّة قد لعبت دورها في تشكيل هذا التوجُّه، ولا شكّ أن تكوينه العلميّ كعالم نبات وما يقتضيه هذا المجال من ملاحظة وفحص دقيقين للموضوع المدروس قد جعلت بوتا بمنأى عن النزعة المركزية الأوروبيّة أو وضع أيّة اعتبارات لسياقات التلقيّ واستجابات القارئ الغربيّ، ومن ثَمَّ أكسبت تأمُّلاته نوعاً القبول والمصداقية. ويتبدَّى ذلك على سبيل المثال في تشخيصه للظروف المأساوية التي يعيشها المجتمع اليمني نتيجة لحالة الاحتراب المُتجدِّدة، فهو لا يرجع ذلك إلى مؤثِّرات تتَّصل بالعرق أو الثقافة أو الدين، بل إلى غياب الحكم الرشيد في وجود دولة مركزية قويّة تحفظ للبلاد استقرارها وأمنها. 

أمّا الجانب الشخصيّ فيمكن ملاحظته في العديد من المواقف التي يسردها وتبين عن حالات التعاطف ودفء العلاقات الإنسانيّة التي أقامها مع مضيفيه ومرافقي رحلته، وربَّما يعود جانب من نجاحه في إقامة هذه الصلات إلى إتقانه اللُّغة العربيّة ومهارته في استخدامها نطقاً وكتابة، دون أن نغفل حقيقة أن بوتا كان شخصيّة اجتماعيّة سوية متزنة فيما يصدر عنها من تصوُّرات وأحكام، ناهيك عن قدرته على التكيُّف مع المحيط الاجتماعيّ الجديد والتواصل معه بنجاح. 

الكاتب: ربيع ردمان

مديح التأخُّر!.. الوقت في طريقه إلى الانقراض

إذا كنّا، على الدوام، في عجلة من أمرنا، فلأن نبض الحياة اليومية صار محكوماً أكثر بالتسارع، ومسكوناً باستباق اللحظة، ومنذوراً لإنجاز المهمّات والتخلُّص من عبئها في أسرع وقت ممكن. ولأننا نبذل كلّ ما في وسعنا لمجاراة سرعة العالم الحديث، باتت الغالبية العظمى من الناس تمجّد السرعة، بوصفها فضيلة لا مناص لإنسان العصر الحديث من التحلّي بها، في مختلف مناحي حياته، وتحطّ من قدر التباطؤ والتأخُّر المنظور إليهما، غالباً، بوصفهما رذيلة تزري بصاحبها، وتلقي به خارج سرب الحداثة والتطوّر ومواكبة العصر.

وإذ «بضدِّها تتبيّن الأشياء»، تتبنّى «هيلين لويّي – Hélène L’Heuillet» في مؤلَّفها «في مديح التأخُّر – Éloge du retard» (ألبان ميشيل، 2020) ، تصوّراً مبتكراً يخالف السائد، حيث تُعَدِّدُ هذه الباحثة فضائل التأخُّر، وتبرز مزاياه، وتستعرض المنطلقات والأسس الثاوية خلف من ينتهجه فلسفةً في الحياة، ومن يتبنّاه شكلاً من أشكال مقاومة سلطة الوقت، واطّراح وسواسه، وإعادة ضبط بوصلته بما يتيح الفرصة لإبطاء الإيقاع، وإبطال ضغط الزمن واستعادة الصفاء الذهني الذي من شأنه أن يسعفنا في ترقُّب الأشياء، واستشرافها، والإحساس بقيمتها، وتذوُّق جمالها بتأنّ، وتروٍّ، واتِّزان.

ينقسم العالم، بالنظر إلى علاقة الفرد بالزمن، إلى فئتيْن: فئة تصل دائماً في الوقت، وربَّما قبله بقليل، وفئة لا تعبأ بالوقت، ولا تعير بَالاً لتأخُّرها عن الموعد المحدَّد خمس عشرة دقيقة أو أكثر. الفئة الأولى يعتريها قلق وجودي يغذّيه توجّس من عدم الالتزام بالوقت والوفاء بالموعد، همّها الوحيد إثبات وجودها بحضورها في اللحظة نفسها التي يتعيَّن على الطرف الآخر الوفاء بها؛ لذلك غالباً ما تكون عيون أصحاب هذه الفئة مسمَّرة على عقارب الساعة حيث تستحوذ على تفكيرها فكرة الاستثمار الأمثل للوقت، وإغلاق منافذ إهداره، والتحقُّق من الامتثال الحرفي لجدول المواعيد، واستبعاد فرص تعديله إلّا عند الضرورة القصوى.

أمّا الفئة الثانية فلا تزجّ بنفسها في دوّامة السرعة، ولا تراقب عقارب الساعة، لكنها تفلت، بذكاء، من خيوط شرنقة الوقت، إذ تتنصّل من مسؤولية الالتزامات والوفاء بالمواعيد، لا يشغلها سوى التخفيف من وطأة الإسراع ومن وتيرة العجلة، واتِّخاذ مسافة كافية لاستباق الأشياء والأحداث؛ فبالنسبة إلى هذه الفئة، تتجلَّى قيمة الوقت في اللحظة التي نعيشها، ونحن أحرار، بعيداً عن كلّ قيد زمني أو سباق يائس مع الزمن، وهذه إحدى مميِّزات «الأشخاص البطيئين» الذين يسلّمون، مسبقاً، بعدم الجدوى من محاولة مجاراة عصر السرعة الذي يتبوّأ مكانة خاصّة ضمن العالم الصناعي الحديث، تجعله أنموذجاً مثالياً للنموّ والتطوُّر والحياة. فبينما تنخرط إيقاعات العمل والحياة في تسارع مستمرّ، لم يعد التأخُّر يرمز إلى الفوضى والاستهتار واللامبالاة، بل- على العكس من ذلك- صار التأخُّر حالة وجودية عامّة تلقي بظلالها على الكثيرين. وضمن هذا السياق، تتساءل الكاتبة: ألم يحِن الأوان، بعد، لكي نستعيد شكلاً من أشكال الحرّيّة في علاقتنا بالوقت؟ ألا يمكن- مثلاً- التخلّي، نهائياً، عن فكرة تدبير الوقت بطريقة أكثر فاعليّة وإنتاجيّة؟

يمثِّل التأخُّر المجال الذي تسعى الباحثة إلى استكشاف أسراره، حين تدافع عن فكرة مؤدّاها أننا إن تأخرنا قليلاً فسنجد الوقت اللازم لتحقيق رغباتنا وآمالنا بدل إبادة الوقت في إشباع نزواتنا واندفاعاتنا المحمومة نحو الأشياء، وأن نواجه فكرة «شحّ الوقت» وضيقه وتقليص حيّزه الذي لم يعد كافياً لإنجاز المهمّات المتتالية، بما يمنحه التأخُّر من فرصة للتعمُّق في الأشياء، والنفاذ إلى حقيقتها، وقد قادها ذلك إلى التركيز على «الإيقاع الخاصّ» للأشخاص البطيئين.

تحقِّق الباحثة في الجذور التاريخية لكلمة «بطيء»، لتتوصَّل إلى أن استعمالات هذه الكلمة قديماً (منذ العصور الوسطى) لم تكن تنطوي على أيّ دلالة سلبية كما هو معهود الآن، فإلى حدود بداية القرن الخامس عشر الميلادي، كانت اللفظة اللاتينية «lentus» تحيل، عند الشعراء وعلماء الطبيعة، على كلّ ما يتَّسم بالليونة والمرونة مثلما يدلّ نقيضها على كلّ ما يتَّسم بالجمود والصلابة. وتشير الباحثة، أيضاً، إلى أن هذه الكلمة قد استُخدمت- بالدرجة الأولى- في عالم النباتات، وفي إطار الممارسات التأمُّلية للطبيعة، كما أنها لم تشهد انتقالها الدلالي إلّا في عصر النهضة حيث صار «البطء» مرادفاً لـ«النقص في السرعة»، ومنطوياً على مفاهيم الكسل والتقاعس والتراخي وحتى الشهوة. وهكذا، صار البطء هو الخطر الذي يهدِّد المجتمعات الحديثة، حيث استُخدم-على مرّ القرون- كأداة رئيسة تقاوم المسيرة المزعومة للتقدُّم الإنساني بيد أن وجود الأشخاص البطيئين يفتح، مع ذلك، عدّة ممكنات، تنضوي جميعها تحت شكل من أشكال المقاومة، بحسب ما تراه الكاتبة.

وانطلاقاً من الرفض المعلن لسلطة الخضوع للساعة، تنبّه «هيلين لويي» إلى أن الوقت-من وجهة نظر فلسفية- «في طريقه إلى الانقراض» وأن علاقتنا به تجعلنا «مذبذبين ومكبّلين». ووفق هذا المنحى، تدعو الكاتبة إلى إعادة استثمار الفارق الطفيف الذي يتَّصل بالوتيرة المفروضة علينا. مع ذلك، تظلّ هذه الدعوة غامضة؛ إذ كيف يمكن الدفاع عن شيء يمتلك كلّ خصائص السلوكيات المعاصرة غير المتمدّنة التي تقوم على تجاهل وقت الآخرين، وعلى غضّ الطرف عن اختلاف السمات الزمنية عند الآخر؟ 

إن التأخُّر الذي تدعو إليه الكاتبة لا يعني إيلاء مزيد من الاهتمام للوقت، بقدر ما يفيد اتِّخاذ مسافة بيننا وبين الوقت حتى نحقِّق قدراً من الاستمتاع بمباهج الحياة، ونكون قادرين على تقدير قيمة اللحظات التي نعيشها. والعبرة التي يمكن أن تُستخلص ممّا سبق هي أن الأشخاص البطيئين يتميّزون بوضع خاصّ؛ فهم- أوّلاً- يرفضون الامتثال لأوامر النسق العامّ، الذي يعتنق روّادُه الفكرة القائلة: «كلّما أسرعت أكثر، حُزْتَ قَصَبَ السبق وحقّقْتَ نجاحات أكبر»، وهم- ثانياً- يجعلون من تباطئهم فرصة لتقليب الأمور على وجوهها المحتملة، واختيار الأنسب منها والأصلح، وتجنب مطبّات العجلة ومزالق الإسراع في كلّ ما له علاقة باتِّخاذ القرارات الحاسمة التي تترتَّب عنها، بالضرورة، تغييرات جذرية في مسارات الحياة. 

إننا نسابق الوقت، ونخوض ضدّه مختلف أشكال التحدّي مع أننا نعرف، مسبقاً، أن النتيجة حتمية؛ فالوقت يسبقنا، ويحتوينا في النهاية. إنه يحيط بنا إحاطة السوار بالمعصم، فلا غرابة أن يوكَل لساعاتنا اليدوية مهمّة ضبطنا وتوجيهنا ومحاصرتنا في يقظتنا وحتى في غفواتنا، التي نصحو منها مذعورين خوفاً من أن نجاوز المدّة الزمنية المسموح لنا بها. نحن، إذن، في حاجة دائمة إلى منبع وقتي غير قابل للنضوب، لكن هيهات: فالوقت هو الشيء الذي يرفع، منذ البداية، شعار الخصاص، ويستعلن حربائيَّته وسرابيَّته في افتقار الناس إليه، ومراهنتهم عليه. وهكذا، نحن ندور في المدار نفسه لأننا أسرى الوقت الذي أضاع مفتاح الزنزانة، ليطلّ علينا من نافذتها لماماً، ساخراً وساحراً. 

الكاتب: فيصل أبو الطُّفَيْل


الهامش:

1 – هيلين لويي: أستاذة الفلسفة والتحليل النفسي في جامعة السوربون، بفرنسا. من مؤلفاتها: التحليل النفسي نزعة إنسانية، (غراسي)، 2006