جماليّة الخيبات في رواية «حبس قارة»

«حبس قارة» عنوان الرواية الجديدة للكاتب والأكاديمي المغربي سعيد بنسعيد العلوي (المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء – بيروت، 2021). عنوان يحيل على سجن أسطوري، بناه، في القرن الثامن عشر، السلطان مولاي إسماعيل بمدينة مكناس، انتسجت عنه، في المخيال المغربي، نوادر وحكايات.

لأوَّل وهلة، قدّرتُ، بالتخمين، أن «حبس قارة» سيكون فضاءً مركزيّاً تدور فيه أحداث الرواية. لكن توقُّعي هذا أخذ يتلاشى، شيئاً بعد شيء، كلّما تقدّمتُ في القراءة، ليس لأن الرواية عمدت إلى اتخاذ أفضية أخرى مسرحاً للأحداث فحسب، بل، أيضاً وخاصّةً، لأنها لم تجعل من فضاء الحبس موضوعاً حصرياً لخطابها الوصفي والسردي.

بالفعل، تدور كلّ الأحداث المحكيّة، أساساً، في مدينَتْي طنجة، ومكناس، من خلال نظرة الرسَّام الفرنسي «أوجين دولاكروا» (1863-1798) المنبهرة إلى الطبيعة الخلّابة فيهما، وإلى عادات السكّان وطقوسهم الاحتفالية، وإلى بنياتهم الذهنية ورؤياتهم للعالم. وتكاد الفصول المرصودة لهذا الموضوع تحتلّ نصف الرواية، البالغ عدد صفحاتها (325) صفحة. تنضاف إلى هاتين المدينتين، وفي صفحات قليلة، مدينة «وليلي» الأثرية المغيرة، التي ستكون عرضةً لحدث غير متوقَّع، لا يخلو من غرابة محيِّرة، وهو ما اقتضى صفحات قليلة. وستستأثر شخصية عبد الجبار، السارد الثاني، بباقي الفصول، مستعذباً حياته وسط الأسرة، أو غارقاً في مونولوجات داخلية، أو مرخياً العنان لذكرياته، أو متفرِّغاً لاهتماماته البحثية الأكاديمية؛ ما يعني، إذن، أن حبس قارة لا يؤدّي أيّ دور في بناء المتخيّل الحكائي للرواية.

كما أن الحبس نفسه لم يحظَ، في الرواية، بأيّ خطاب توثيقي واستدلالي يستعرض فيه كلا الساردَيْن، من حيث هما سلطتان علميَّتان جديران بالثقة، أسيقة بنائه التاريخية، والغايات الأمنية والأيديولوجية من تشييده. كلّ ما يعرفه القارئ عنه هو متناثر، بالصدفة، في أنحاء الرواية من خلال ما تلوكه ألسنة الشخصيات من خرافات وإشاعات وتكهُّنات غير متيقَّن من صحّتها. فبين زاعم أنه «سجن العفاريت العامِّيّة» (ص24)، ومؤكِّد أن «له سراديب وامتدادات في جوف الأرض، حيث لا تسمع سوى فحيح الأفاعي وهمس العفاريت، وأعين الشياطين تلتمع في الظلام» (ص75)، ومتطيّر يقول إنه «سجن يضاهي سطح الأرض والعياذ بالله» (ص238)، ومُدَّعٍ أن «ما تحت الأرض ليس سجناً، وإنما هو عالم ينتشر شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، ينغرز في أحشاء المدينة» (ص288) – بين هؤلاء وسواهم من الغوغاء، تضيع حقيقة حبس قارة!.

ألا يحقّ للقارئ، والحال هذه، أن يستغرب كيف أمكن للمؤلّف ألّا يمحض هذا الحبس التاريخي الملغز ما يليق به من اهتمام، لاسيَّما أنه اختار، بسبق تصميم، أن يُعَنْوِن روايته باسمه المهيب، مهيِّئاً قارئه المفترض إلى ارتياد فضاء يَعِدُهُ بأسرار ومفاجآت كفيلة بإرضاء فضوله المعرفي؟ ألم يكن حريّاً به عدم خذلانه بإحباط أفق توقُّعاته؟

هذه كانت، إذن، خيبتي الأولى، التي ستعقبها خيبات أخرى لا تقلّ عنها أثراً حاسماً في تكييف قراءتي لهذه الرواية.

لكن، ما الذي جيء بالرسَّام الفرنسي «دولاكروا»، فجأةً، إلى المغرب الذي لا يعرف عنه شيئا؟ أيّ سرّ أغراه بترك مرسمه في وقت كان يزهو فيه أيَّما زهو بكون لوحاته الباذخة كانت، بحسب النُقَّاد، إيذاناً بتَبْلور المدرسة الرومانسية في فنّ التشكيل الفرنسي، والعالمي؟.

محض صدفة ما جعله يشدّ الرحال إلى أرض المغرب؛ ذلك أن السلطان مولاي عبد الرحمان أوجس خيفةً من فرنسا التي احتلَّت الجزائر في (1830)؛ ما جعله يرسل قوّاته إلى الحدود معها درءاً لكلّ خطر اجتياحي محتمل؛ ما أدّى بملك فرنسا، آنذاك، لوي فيليب، إلى إيفاد بعثة دبلوماسية إلى المغرب بقيادة «الكونت دومورني» من أجل طمأنة السلطان على مملكته، وإبرام اتفاقية سلام معه تضمن حياد المغرب. وشاءت الصدفة أن تعرض عشيقة «الكونت دومورني»، على الرسَّام الشهير، أن ينضم إلى البعثة، وهي عادة دأبت عليها فرنسا في بعثاتها الدبلوماسية وحملاتها العسكرية الاستطلاعية، حيث كانت تحرص على أن يرافقها كتَّاب وفنَّانون بمهمّة تدوين مشاهداتهم، وتوثيق استكشافاتهم.

وقد كان لإقامة الرسَّام بالمغرب، من يناير/كانون الثاني إلى يوليو/تموز (1832)، مفعول الصعقة الانفعالية القويّة التي فتحت عينيه على جمال المغرب وروحانيته، بما هي عوامل تخصيب لخياله، سيكون من آثارها الحاسمة، كما اعترف بنفسه في مذكراته، القطيعة مع المدرسة الكلاسية في فنّ التشكيل، السائدة منذ عصر النهضة. كيف لا، وقد أصابه المغرب بلفحات من دفئه، ونفحات من شمسه ستضيء ألوانه، بقدر ما ستجعله يقطع، كذلك، مع حركة الاستشراق التصويري المزدهرة في القرن التاسع عشر؟. «ما أبعد طنجة عن (…) تلك العوالم التي ترسمها ريشة الرسَّامين (…) عن سحر الشرق (…). الشرق ذاك غريب عن طنجة، ليس يشبهها في شيء، لا تمتّ إلى طنجة بشيء. طنجة كتاب عارٍ مكشوف. غير أن فيها ما لا يدرك (ص 86).

ولهذا، ليس غريباً أن يطوي النسيان، نهائياً، المهمّة الرسمية التي انتُدِب من أجلها. ألم يعترف هو نفسه، صراحة: «إن الشأن (في المهمّة) لا يعنيني (…) فليس هذا ممّا يكدر صفوي أو يُذهِب النوم من عيني» (ص 285)، فالرواية لا تلتفت إليه إلّا وهو متفرّغ، تماماً، إلى إيداع كناشاته الصغيرة، ومشاهداته، وشوارده، وسوانحه بما هي عناصر خام للوحاته. ومن ثَمَّ، إن انسحابه من المهمة بطريقة لم تبررها الرواية، كان مصدر خيبتي الثانية.

ولن تقلّ عنها شدّةً خيبة أخرى غير أخيرة كانت هذه المرّة بسبب عبد الجبار، السارد الثاني في الرواية؛ فباستثناء إشارات متفرِّقة إلى حياته وسط أفراد أسرته، فإن صورته المهيمنة في النصّ هي أنه طالب جامعي بالغ الجدِّيّة، تشغل باله أمور تحضير بحث لنيل شهادة الليسانس في التاريخ، يتعلَّق «بالضبط بحياة السجناء الأوروبيين في حبس قارة» (ص 49)، ولكي يكون جديراً بثقة أستاذه المشرف فيه، اضطرّ إلى الاطِّلاع على عدد كبير من الكتب والوثائق والمخطوطات، باللغات؛ العربية، والفرنسية، والإنجليزية، وإلى استقصاء كثير من التقاييد والمستنسخات والخرائط والروايات الشفوية والقطع النقدية. وهو ما جعله، في مناجاة لذاته، يقول بغير قليل من «الزهو الباطني»: «لا شكّ في أنك، يا عبد الجبار، ستحظى من الأستاذ المشرف، ثم من لجنة المناقشة، بعد ذلك، بما سينقلك إلى مستوًى عالٍ جدّاً. سيرفع ذكرَك البحثُ عالياً. سيفتح أمامك طريق البحث العلمي، فتمضي فيه غير هيّاب ولا متردِّد» (ص 48)، لكن المفاجأة التي لم أكن أتوقُّعها، وستكون سبباً في خيبتي الثالثة، هي أن هذه الأماني كانت مجرَّد أضغاث أحلام لم تجعل منه هذا الباحث المأمول، حيث سيتخلّى عن مشروع البحث بدعوى عدم أهمِّيته: «تافه جدّاً، سخيف كلّيّةً، ساذج تماماً، شأن البحث والنقطة والامتحان».

سعيد بنسعيد العلوي

وكما لو أن الحنين إلى عالم البحث قد استبدّ به، بعد شهور، سيقرِّر الاهتمام، هذه المرّة، بالحياة اليومية لـ«أوجين دولاكروا» في مكناس، باعتبار هذا الرسَّام «هو قدرك، أحببتَ أم كرهت، يا عبد الجبار، الذي لا تملك أن تفلت منه»، وهي اللازمة التي سيظلّ صديقه عبد الحميد يرددها عليه (ص: 143 – 145 – 151 – 325). لكنه سرعان ما سيعاكس هذا القدر، حيث لم يتمخَّض البحث عن أيّ شيء تذكره الرواية، وسيكون تكتُّمها على السبب مصدر خيبتي الرابعة.

وسينصحه صديقه، على أثر هذا الفشل، بالضرب صفحاً عن البحث التاريخي، وشجونه: «ما رأيك، يا عبد الجبار، لو قذفت بكلّ كتب التاريخ في النار، وعكفت على كتابة رواية؟ أقسم بالله أنك ستكون، نوعاً ما، «بلزاك» المغرب، حتى ولو لم تكن قد نشرت حتى الآن نصّاً واحداً. الجنون لذيذ، يا عبد الجبار، فهل تكره أن تكون مجنوناً؟ المجانين هم، دون غيرهم، العظماء، حقّاً، في هذا الوجود» (ص.148). وسيكون خامس الخيبات هو أنني لم أعثر، في الرواية، على ما يفيد أنه عمل بنصيحة صاحبه.

أمّا السادسة، فهي أن عبد الجبار، وبفعل نزوة خرقاء لم أتوقَّعها، بل ولم تسعفني الرواية بما يعينني على فهمها، سيصبح- يا للعجب العجاب!- مرشداً سياحياً في مكناس. كان هذا، فعلاً، منتهى الجنون، لكنه لم يجعل منه شخصاً عظيماً في الوجود، بل متّهماً في قضيّة قد تقود إلى اعتقاله وسجنه في حبس قارة، بالذات. والحكاية وما فيها هي أن رجلاً إنجليزياً، اسمه «مستر سميث»، حَلّ بمكناس بحثاً عن مرشد سياحي يرافقه إلى مدينة «وليلي» الأثرية، لكي يساعده على استكشاف مآثرها الرومانية، وتحديد المواقع والمناظر التي ستكون خلفيّة مكانيّة لشريط سينمائي، فكان أن وقع الاختيار على عبد الجبار. لكن ما حدث هو أن «مستر سميث» هذا اختفى فجأةً، ودون سابق إشعار، في اليوم نفسه الذي اختفى فيه تمثال «باخوس»، عرّاب «وليلي»، بطريقة غير مفهومة كذلك. وستحوم الشكوك- أوّلاً- حول المستر سميث الذي لم يظهر له أثر، ثم- ثانياً- حول مرافقه عبد الجبار الذي سيتمّ اعتقاله واستنطاقه. وستنتهي الرواية بالإفراج عنه، بعد أن عاد «باخوس» إلى الظهور في مكانه الأصلي بكيفية لا تقلّ إلغازاً.

هي، إذن، ثلاثة مشاريع؛ بحثية، وأسرية، ووجودية، تَقلَّبَ بينها عبد الجبار، دون أن يحالفها النجاح، بل من غير أن تكشف الرواية عن أسباب فشلها.

استراتيجية التخييب

يقول «كلود سيمون»: «إن روايةً لا تعمد إلى تخييب كلّ مِن جنسها الجامع وانتظارات قرّائها، ليست رواية». فيا لحسن حظّ رواية سعيد بنسعيد العلوي!، فهي تتلاءم مع هذا الحكم القطعي، الصادر عن أحد أبرز كتَّاب «الرواية الجديدة» في فرنسا، الذي اشتُهرت رواياته بالضبط، تلك التي خوَّلته أن يحرز جائزة «نوبل» للآداب في (1985)، بحسن تدبيرها لاستراتيجية التخييب هذه (la déception)!.

لقد قامت «حبس قارة» بتخييب جنسها الجامع مرَّات عديدة، وفي كلّ مرّة بكيفية مختلفة. فلقد عمدت إلى خرق أحد أركان الرواية الكلاسيّة المحافظة، وهو التماسك. فهي عبارة عن توليفة غير منسجمة، قوامها محكيّات متراكبة ومتناوبة متنافرة؛ شكلاً وأسلوباً وتخييلاً. يعود بعض هذه المحكيّات على الرسَّام «دولاكروا»، الذي هيَّمَه عشق المغرب حدّ الهوس، ويعود بعضها الآخر على عبد الجبار، الذي مُنِيَت مشاريعه بالفشل، وبعضها الأخير على لغز اختفاء تمثال «باخوس»، ثم ظهوره من جديد.

ثم إن الرواية عرّضت كلّاً من هذه المحكيات المتنافرة إلى تشظية دقيقة، أسفرت عن تشكّل النصّ الكلّي من متواليات سردية، ليست من غير أن تذكّر القارئ بالجمالية الشذرية في روايات الحساسية الجديدة. وتوجد بين هذه المحكيّات نفسها علاقة اكتناف وتنافذ، علاقة تباعد وتنابذ، تجعل أحدهما متضمَّناً في الآخر بالتناوب، وهو ما يعطل السريان الأفقي الانسيابي المعتمد في الشكل الكلاسيّ.

ويترجّح، عندي، أن المؤلِّف قد اطَّلع على مذكِّرات «أوجين دولاكروا» بالمغرب، وكذا على مراسلاته مع صديقه «بييري»، وعمَد عمداً، أي من غير نيّة انتحالية، إلى تضمين أجزاء كبرى منها في روايته، منقولة- بعناية- إلى اللُّغة العربيّة، ومن غير إشارة إلى مصدرها أو إلى صاحبها؛ وهو ما يجعل من نصّ «حبس قارة» فسيفساء من النصوص المتداخلة فيما بينها. وهذا يذكّر القارئ، حتماً، كذلك، بتقنية الكولاج الحداثية الشهيرة عند الرسَّامين التكعيبيِّين والدادائيِّين، الذين كانوا يرصِّعون أقمشة لوحاتهم الزيتية بتصاوير وقصاصات جرائد، ورقع ثوب أو جلد، وسوى هذا من الموادّ الجاهزة والمتنافرة، وذلك بغاية تخييب أوهام وحدة النصّ التشكيلي وشفافيَّته واستكفائه بذاته، والاحتفاء، عوض هذا، بانفتاحه على أشكال وشيفرات سيميائية أخرى ليست من جنسه.

وإذا أضفنا إلى هذه الربيكة المدوِّخة من عوامل التنافر واللاتجانس، أن الرواية تتباهى، أخيراً، بافتقارها إلى نواة حكائية صلبة تكون بمثابة حبكة درامية موحَّدة ومشتركة بين محكيّاتها، فسنكون قد استوفينا أشكال خرقها لنسَقها الأجناسي الجامع، ويكون مفهوم التخييب نفسه قد تحوّل إلى تخريب وتجريب، بالمعنى الاصطلاحي للكلمتَيْن، الدالّ على إستراتيجية فنِّيّة عقلانية، تروم تحصيل حداثة نصّية تزدهي بكلّ ما لا يوحي بالاتِّساق والائتلاف.

أمّا عن دلالة «التخييب»، في علاقته بأفق انتظار القارئ، فالظاهر أن «حبس قارة» يحلو لها أن تناصب مَنْ دَعَته مرَّات عديدة، بـ«قارئها المفترض» إحباطاً تلوَ إحباط. فمن خلال تشريح النصّ، يكون قد اتِّضح أن محكيّاته، وما تناسل منها من متواليات، تُعاكس تطلُّعه إلى معرفة تطوُّر الأحداث المحكيّة ومآلاتها، لأن الأصوات المتناوبة على السرد تعمَّدت أن تبقيها بدون منافذ أو- بالأحرى- أن تتركها مشرَّعة على خواء. وهو ما يتجافى ظاهرياً مع الحسّ السليم، ويتنافى- في العمق- مع الجمالية الكلاسيّة نفسها، التي تحرص على أن تكون الأحداث مفضية، عادةً، إلى نهاية سعيدة أو نهاية شقيّة. وهذه تقنية دأبت نصوص الحساسية الروائية الجديدة على توظيفها؛ بقصد استفزاز القارئ وتخييب توقُّعاته، ثم تحريضه على التدخُّل، تأويليّاً.

فمحكيّات «أوجين دولاكروا»، مثلاً، تزدان بنسيج من البياضات التي تنبض بهذه الأسئلة: هل تمَّت إقالة الرسَّام، أم استقال، تلقائياً، من البعثة الدبلوماسية الفرنسية إلى المغرب؟، بل ما هو مصير رغبة فرنسا في عقد اتفاقية مع المغرب تضمن لها حياده في احتلاله للجزائر؟ وإذا ما أبرمت هذه الاتَّفاقية، ما هي مغانم المغرب، ومنافعه منها؟، ثم لماذا حرصت عشيقة «الكونت دومورني»، قائد البعثة، على أن يرافقها «دولاكروا» في الرحلة إلى المغرب؟ هل كانت بينهما مغامرة ما؟ وهل تزوَّج بالمغنيّة «سيلفانا حاييم» أم لم يتزوَّج بها؟

كما أن محكيّات عبد الجبار لم يفُتْها أن ترصِّع جسدها بِصُمُوتٍ تتطلَّع إلى من يستنطقها، من قبيل: هل تكون لعنة حبس قارة المشؤوم قد أصابته، حين أراد الدخول إليه، تمهيداً لبحثه الجامعي حول حياة الأسرى الأوروبيِّين فيه؛ وهو ما جعله ينصرف، نهائيّاً، عن مشروع البحث؟ هل يكون قَدَر «أوجين دولاكروا» الذي يلاحقه، هو ما جعله يستبدل موضوع الحياة اليومية للأسرى الأوروبيين في الحبس، بموضوع الحياة اليومية للرسَّام الفرنسي في مكناس؟ ولماذا تحاشت الرواية الكشف عن نتائج هذا البحث؟ وهل استجاب إلى رغبة صديقه عبد الحميد في أن يتحوَّل إلى كاتب روايات؟، ثم كيف يمكن لباحث أكاديمي في التاريخ أن يتحوَّل دون تبرير إلى مرشد سياحي؟، وما هو مصير الشريط السينمائي حول «وليلي»؟، ولماذا اختفى مخرجه المستر «سميث»، فجأةً، عن الأنظار؟

أمّا المحكيّات المتعلِّقة بتمثال «باخوس» هذا، فلا تمثِّل استثناءً لقاعدة تكتُّم الرواية عن التفاصيل، حيث تخلَّلتها هي، كذلك، ثقوب تطفح بهذه الأسئلة: كيف تَمَّ اختفاء «باخوس»؟، وهل هو محض اتَّفاق أن يختفي المستر «سميث» والتمثال في يوم واحد؟، وما هي نتائج البحث عن «باخوس» الذي باشرته، بأمر ملكيّ، كلّ من الأنتربول واليونسكو ولجنة بحث وتحرٍّ عليا؟، وما السرّ في عودة التمثال، بقدرة قادر، إلى مكانه الأصلي؟

يتأكَّد، إذن، أن الرواية لا تريد، عن قصد، أن تشفي غليل القارئ لمعرفة مصير مجريات الأحداث. فبالاستناد إلى نظرية جمالية التلقّي (ياوس، إيزر) وسيميائية القراءة (بارث، إيكو)، سنقول إنها عمدت إلى تجهيز ذاتها بفيض من مواقع اللاتحديد، باعتبارها عوامل إحباط تعرِّض القارئ- حتماً- لخيبات أمل تشعره بالخذلان. لكنه- وهنا مكمن أصالة التخييب كخطة إنتاجية مبرمجة- عوض أن يستكين ويقرّ بهزيمته حيالها، يستوعب هذه الخيبات على نحو إيجابي، إذ يجعل منها، بالضبط، عوامل تخيُّل وإبداع، ومن ثَمَّ وسائط تجاوز؛ بهذا المعنى، تكون جميع الخيبات والإحباطات التي تعرَّض لها فرصاً مواتية نادرة ليثبت ذاته قارئاً غير سلبي.

تاريخ التعب: من العصور الوسطى إلى حاضرنا

شهد عصرنا الحالي امتداداً غير مسبوق للتعب، الذي بدا إمكان كبحه أو حتى تطويقه، صعب للغاية. يمتدّ هذا التعب من مكان العمل إلى المنزل، ومن أوقات الفراغ إلى السلوك اليومي. تعدَّدت أشكاله مع مرور الوقت، وتعدَّدت معها التفسيرات والتبريرات، متَّخذة مجموعة من المظاهر التي تعبِّر عن الكسل والإنهاك والإرهاق الذهني والإجهاد البدني والألم … وقد يزداد الأمر تفاقماً إلى درجة «متلازمة التعب المزمن».

شكَّل هذا الموضوع محور عمل «جورج فيجاريلو – Georges Vigarello»، الذي سلَّط فيه الضوء على التعب، من خلال تقديم عرض تاريخي وفلسفي وأنثروبولوجي وسيكولوجي في كتابه «تاريخ التعب: من العصور الوسطى إلى حاضرنا – Histoire de la fatigue : Du Moyen Âge à nos jours» الصادر، مؤخّراً، عن دار النشر «سوي». ويُعَدّ «فيجاريلو» مؤِّرخاً وأنثروبولوجيّاً متخصِّصاً في القضايا المتعلِّقة بالصحّة والجسد، وتأثيرهما على ثقافتنا عبر الزمن، كما يشغل منصب مدير مدرسة الدراسات العليا في العلوم  الاجتماعية (Ecole des Hautes Etudes en Sciences Sociales)، نشر العديد من الكتب، بتعاون مع «آلان كوربين – Alain Corbin» و«جان جاك كورتين – J – J Courtine»، أبرزها: «تاريخ الجسد» (2006)، و«تاريخ الرجولة» (2011)، و«تاريخ العواطف» (2016).

من الناسك المنهك إلى المسؤول التنفيذي المرهق

كيف اختبر الغرب موضوع التعب؟ وكيف وصفوه، وفكروا فيه؟ بأيّة وسائل حاولوا علاجه والتغلُّب عليه؟، وكيف أسهم الإقرار التدريجي بمفهوم التعب، في تشكيل حياتنا، وعلاقاتنا بالجهد، وتنظيم العمل؟

يتتبَّع «جورج فيجاريلو» كلّ ذلك، من العصور الوسطى إلى حاضرنا، ويستند، في تحقيقه هذا، إلى عدد من القصص الدينية، والعسكرية، والعلمية، والثّقافيّة، وقصص التقنيات، والحساسيات، والأفكار، والأدب، ومجموعة من الوثائق المعروفة والأرشيفات النادرة، في محاولة للإجابة عن أسئلة، ظلَّت تؤِّرق الجميع لقرون، ولنفض الغبار عن تاريخ للتعب، ما زال يلفّه الكثير من الغموض.

يشير الباحث إلى أن الشعور بالتعب والإرهاق يختلف من عصر إلى آخر؛ ففي العصور الوسطى، عُدَّ تعب الحاجّ المنهك الذي يشقّ طريقه بين الجبال، للوصول إلى الدير أو الخلوة، عبادة، كما عُدَّ تعب المقاتل في المعارك تعباً نبيلاً، في حين قُوبل تعب المزارع في الحقول بنوع من الازدراء، وقد تطلَّب الأمر تطوُّراً بطيئاً لتتغيَّر هذه النظرة. أمّا في القرن التاسع عشر، ومع ولادة المجتمع الصناعي، فقد عُدَّ إرهاق العمال موضوع تقييم ومحاولة تبرير، غير أنه، في نهاية هذا القرن، وبداية القرن العشرين، بدأ التفكير في التغلُّب على هذا الإرهاق ومقاومة التعب والإجهاد من خلال أنشطة جديدة متمثِّلة في الرياضة والاسترخاء والاستجمام. وخلال الحرب العالمية الثانية، سيتمّ تحدّي التعب من خلال إنتاج الأمفيتامينات، للسماح للجنود بالقتال دون نوم، وستمجِّد بعض الأنظمة، عبر دعايتها، العامل الذي لا يكلّ ولا يتعب؛ كما هو الحال بالنسبة إلى العامل المنجمي السوفياتي «أليكسي ستاخانوف» الملقَّب بـ«سيزيف الأحمر» (1906 – 1977)، الذي يمثِّل الأنموذج الأسطوري لـ «رجل جديد» أكثر صلابةً من أيّ وقت مضى. أمّا في العقود الأخيرة، فقد أصبح التعب سمة بارزة لا تقتصر على المحارب أو العامل أو الموظَّف، بل تشمل كلّ فئات المجتمع كافّةً، إذ غدا المسؤول التنفيذي لشركة أو مقاولة يدخل غمار منافسة مجمومة أكثر إرهاقاً وتعباً.

كائنات متعبة!

يقول «فيجاريلو»: «عليك أن تتخيَّل «سيزيف»، وقد أنهكه التعب، وهو يتخلَّى عن دحرجة حجره؛ سنشعر، آنذاك، بأننا قريبون منه. لطالما حلمت البشرية بالأفعال الأكثر إسرافاً، والأكثر عظمةً، مهما كانت متعِبة». لقد أشار «أرسطو» إلى أن «كلّ الكائنات البشرية غير قادرة على أن تكون في نشاط مستمرّ»، فقد عرفنا، دائماً، أن المشي لساعات، دون راحة، وقضاء عدّة ليالٍ بلا نوم، وحتى القراءة والمراقبة، والاستغراق في التفكير، كلّها أمور ترهقنا، وهذا الإرهاق هو علامة على محدوديَّتنا، ومؤشِّر على شيخوختنا وموتنا، وجميع القيود المفروضة على قوَّتنا التي تفرضها مادِّيّة أجسادنا وعقولنا، فنحن كائنات متعبة. إنها ملاحظة أنثروبولوجية، لكنها ذات حمولة فلسفية،  أيضاً.

من التعب الجسدي إلى العبء النفسي:

يقول «فيجاريلو»: «لدينا شعور بأن التعب موجود دائماً. في الواقع، لقد مرَّ هذا الإحساس بالكثير من التغييرات؛ ففي الأزمنة السابقة، كان التعب جسديّاً: إنه تعب المسافر أو المقاتل أو رجل الدين، ثم -وبشكل غير محسوس- برز مظهر تكون فيه الذات محطّ استجواب، وذلك في سياق زيادة الوعي بأنفسنا، وهذا خلق شكلاً جديداً من التعب». لقد ازدادت أهمِّيّة الإرهاق النفسي، وتعدَّدت أسبابه، كاشفةً عن جوانب مختلفة من مجتمعنا: تغيَّرت ظروف العمل، وتحوَّل المجتمع الواحد إلى مجتمعات مركَّبة؛ الأمر الذي يفرض خلق علاقة مع الآخرين؛ ما يؤدّي إلى إرهاق نفسي بحت. يركز «فيجاريلو» على هذا النوع من الإرهاق الذي يصفه بـ«العبء النفسي»، الذي يؤثِّر، مثلاً، على النساء اللائي يقعن، دائماً، ضحايا التوزيع غير المتكافئ للأعمال المنزلية، وتعليم الأطفال، ومعاناة الولادة المتتالية.

لقد ركَّزت بعض الدراسات على ما يعانيه مقدِّمو الرعاية الصحِّيّة والاجتماعية، ذلك أنهم يتعرَّضون لعوامل إرهاق متعِّددة: عوامل جسدية، ونفسية، أيضاً. ومن بين الأسئلة التي وجَّهت الدراسة: «كيف يتمّ التفاعل مع حدث الموت الدائم؟ من وجهة النظر هذه، إن إجهادهم هو إجهاد مضاعف. إن هذه الرحلة الهائلة، من العصور الوسطى إلى يومنا هذا، لتخبرنا كيف أن العصر الحديث، بتقدَّمه التقني، أنتج -بشكل متناقض- رجلاً وامرأة متعبَيْن من تفاهة الأيّام، فمع التقدَّم ينمو «الشعور بالذات» والوعي الحيّ بالضعف البشري. يقول «فيجاريلو» في هذا الصدد: «لم يعد التعب الجسدي يغزو العقل إلى حَدٍّ يطارده، بل إن التعب النفسي يغزو الجسم إلى درجة تحطيمه».

لماذا نحن أكثر تعباً من فرسان العصور الوسطى؟

يجيب «جورج فيجاريلو» على هذا السؤال قائلاً: «لأن لدينا وعياً شديداً بالتعب. لم يُستنفد فارس العصور الوسطى بالطريقة نفسها التي استنفدت بها مدام دي مينتينون في بلاط لويس الرابع عشر، أو عامل الثورة الصناعية أو المدير التنفيذي المنهك اليوم. الأهمّ من ذلك، أنهم لا يتحدَّثون عنها بالطريقة نفسها». يلاحظ الباحث أنه، في الآونة الأخيرة، انتشرت العديد من الألفاظ والعبارات، بمعانيها الحقيقية، والمجازية التي تشير إلى الظهور البطيء للإرهاق الذي لا يؤثِّر في الجسد فحسب، بل يؤثِّر، أيضاً، في العقل، والروح، وفي نفسية الفرد، ومن أبرز معالم ذلك: «استنفاد للقوى» من خلال الإجهاد، وهو إجهاد عصبي يترتَّب عنه ظهور ما يُعرف بـ«الوهن العصبي».

تستحضر الفصول الأخيرة من الكتاب الجوانب الحديثة للتعب، وسبل إدراكه. يقول الباحث: «لقد أصبح التعب، والضعف المنتشر، وعدم الرضا المبهم، والقصور العنيد، إحدى طرائق الوجود في عصرنا»، يكفي لإلقاء مزيد من الضوء على النقاشات المعاصرة، للغاية، حول تعريف صعوبة العمل في إصلاح المعاشات التقاعدية، أو «العبء النفسي» الذي يثقل كاهل النساء، أو احتمال أن الذكاء الاصطناعي ينير العقول والأجساد. فمع اشتداد الأزمة الصحِّيّة التي شهدها العالم بفعل جائحة «كورونا»، يشعر الكثير منّا بالتعب الشديد؛ إرهاق مقدِّمي الرعاية، والتعب المستمرّ للمرضى، وحتى أولئك الذين تعافوا من هذا الفيروس… إنها فرصة لإلقاء نظرة على تاريخ هذا الشعور.

في نهاية المطاف، يشكِّل التعب ظاهرة لا يستطيع تفسيرها سوى تحليل متكامل يقارب الموضوع من زوايا عدّة، وهذا ما يلمسه القارئ في هذه البانوراما التاريخية لمفهوم التعب والاكتئاب والمعاناة الأخلاقية ومختلف الأمراض الجسدية الناتجة عن التعب. لقد ربط المؤلِّف بين تطوُّر هذه المفاهيم وتطوُّر المجتمعات البشرية، في رحلة مثيرة تتقاطع مع تاريخ الجسد والحساسيات والبنى الاجتماعية والعمل والحرب والرياضة، وصولاً إلى علاقاتنا الحميمة. هي نظرة مغايرة لشعور وسَمَ حاضرنا في ظلِّ التحوُّلات التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، والتي تجعلنا نكتشف إلى أيِّ مدى تطوَّر إدراك التعب من النفي إلى الإقرار. لقد عزَّز «جورج فيجاريلو» هذا التحقيق المليء بالتحوُّلات والمفاجآت والممتدّ على مدى عشرة قرون، بعدد من الأفكار والنظريات التي سعت لقياس درجة التعب وإمكانية مكافحته وتجاوزه. ولا يخلو هذا الكتاب من تقديم بعض الاقتراحات والحلول لمشكلة، عُدَّت، منذ فترة طويلة، مستعصية؛ كتغيير نمط الحياة، وتقبُّلها بإيجابية، ومداومة الأنشطة الرياضية، والتغذية الصحِّيّة، والخلود للراحة، وتنظيم الوقت، وتحسين إيقاعات العمل، والتخطيط، والإجازة، والاسترخاء، وتوطيد العلاقات الإنسانية، واستثمار ما توفِّره لنا التكنولوجيا..

علوية صبح في “حبٌّ يتحدّى التصدّعات”

في روايتها الرابعة (أنْ تعشق الحياة، دار الآداب، 2020)، تتشبّث علوية صبح بعاطفة الحبّ عنصراً محوريّاً في نسيج السّرد وتوجيه الفعل، لكنها تنقله إلى سياق إنساني واجتماعي بالغ التعقيد والتشابُك، جرّاءَ ما يعرفه العالم والفضاءُ العربي من تحوُّلات كابوسية تطمس الرؤية، وتخلخل السلوك…

في مطلع تجربة حبِّها الذي يكتسي طابع الافتراض، هذه المرّة، تكتب «بسمة»، من خلال حكْيها لحبيبها «حبيب اليوسفي»، وقائع عاشتها قبل أن تتعرَّف إليه من خلال التراسُل الإلكتروني، اتسمتْ بالمأسوية والحزن، لكنها استطاعت أن تواجهها بعشق الحياة والتشبُّث بالحبّ لمُواجهة المرض البدني والمرض النفسي، ورفض ما أصابَ المجتمع من اختلالات اجتماعية وسياسية انعكست على سلوك الأفراد.

تحكي «بسمة»، عبْر اثنيْن وعشرين فصلاً، لـ «حبيب»، دون أن تتقيّد بالتسلسل الزمني؛ لأنها في وضعٍ نفسي خاصّ يجعلها تتدفَّق في السرد، مُراوحةً بين التفاصيل واللحظات الشعورية المشتعلة، والحوارات الكلامية باللّغة الدارجة التي تحمل نكهة النطق اللبناني للكلام المتحدِّر من العربيّة الفصحى…

من ثمّ، أميل إلى أن أعتبر رواية «أن تعشق الحياة» صادرة عن رحِمِ «المحكيّ النفسيّ» الذي يسعى إلى استعادة الأحداث والذكريات والانفعالات والمواقف، من خلال سرد مُتدفِّق تتجاور فيه «رواية العائلة» مع التجربة العاطفية: مع أحمد، الكاتب الذي مات قبل أن تكتمل روايته، ثم مع يوسف، الرسّام المبدع الذي رسمها في تجليات رائعة قبل أن ينتكس ويهجر الفنّ والحبيبة، ليلتحق بطائفةٍ دينية؛ تتجاور أيضاً مع تجربة بسمة في مجال الثّقافة والفنّ والسياسة، إذْ رَاهنتْ، منذ بداية شبابها، على مُعانقة الحداثة والتحرُّر من وصاية ذكورة الرجل…

على هذا النحو، تبدو بسمة البؤرةَ التي تتجمّع عندها الخيوط لتصبح هي الشخصية-الأساس، ومركز المأساة التي تفجّر الأسئلة الشائكة المتدفّقة في المحكي النفسي المتنقّل عبْر اللحظات والذكريات، لاستجماع عناصر التجربة القاسية التي بدأت بالمَرض العضال الذي أصابها، وكاد أن يُحطِّم حياتها، ويُحوّلها إلى رماد. لقد عثرتْ بسمة على نقطة الارتكاز لمقاومة المرض، وفشل حبِّها ليوسف، في ما كان يردّده حبيبها الأوَّل الراحل: «موتُ حبٍّ لا يَضعُ نهاية لقدرتنا على الحبّ». وعندما بدأت تتحدّى المرض الذي شلّ بعض أعضائها، وأصابها بتشنّجاتٍ، حَارَ الأطبّاءُ في علاجها، ووجدتْ نفسها تسترجع مسار حياتها منذ الطفولة، وتنتقل من فترة إلى أخرى، بحسب تدفُّق الذاكرة: «.. ومن قال إن الكلام هو، دائماً، مستقيم حين نحكي عن حياتنا وذكرياتنا؟ الزمن هو نفسه دائري، بين الحياة والموت، ويبدو لي أنه يسير مُتعرّجاً أو مستقيماً، يهبط ويرتفعُ، يطلع وينزل، يُزوْبعُ أو يهدأ…» (ص 23).

مع انسياب الذاكرة، تأخذنا بسمة إلى طفولتها، وعلاقتها بأمِّها المتشدّدة في معاملتها للأب الذي كانتْ تحبُّه، وحزنتْ لانتحاره الذي خلَّف لديْها جُرحاً لا يندمل. واستطاعت بسمة أن تتحرَّر عندما ساعدها خالها المهاجر في أن تلتحق بمدرسة الرقص الحديث، حيث حققتْ نجاحاً كبيراً، ووجدت في الفنّ وسيلة للتعلُّق بالحياة والتشبُّث بها. وقد ازدادت تعلُّقاً بالحياة من خلال صداقتها مع «أنيسة» الروائية، وأمينة «العانس» الخاضعة للماضي. وبقدْر ما وجدتْ في أنيسة، سنداً أسْعفها على مقاومة المرض، كانت أمينة أنموذجاً لما ترفضه بسمة لدى المرأة. ومن هذه الزاوية، تبدو الصديقات الثلاث كأنهنّ نماذج أساسية في المجتمع الذي يرفضُ تَحرُّر المرأة… لكن العنصر الأساس، في تجربة بسمة، وفي تحدّيها للمرض ولردّةِ المجتمع الذي تعيش فيه، هو تجربة حبِّها مع يوسف الرسّام، لأنه أتاح لها أن تعيش تجربة عميقة تكلَّلتْ بالزواج، وعزفتْ خلالها سيمفونية العشق والوئام: «.. كيف أنسى يوسف؟ كان كلَّما ينهي لوحة يقول: أنا، فقط، أجمع نظراتي إليكِ في ألوانٍ يعشق بعضها بعضاً على القماشة كما أعشقكِ أنتِ. أنظر إليها ثمّ إليكِ وأقول لنفسي: أحتاجُ أن أنظر إليكِ أكثر.. أحتاجُ أن أحملكِ في عيني كيْ تصير اللوحة شبيهة بكِ» (ص 202). أصبح التناغمُ العِشقي بين بسمة ويوسف سفينة تُبحِرُ بهما إلى أجواء مُجتمع مُتوازن، يضمن للفرد الحرّيّة والاطمئنان. إلّا أن هذا الحلم لم يكتمل، إذ أجْهضَ الربيعُ العربي، واستعادت القوى الحاكمة والطوائف سُلطتها، وانتشر الإرهاب، وعادت الفتاوى لتحاصر النساء، وخيّمَ كابوسُ الخوف والعنف ومُصادرة الحرِّيّات… تستعيدُ بسمة ذلك المناخ، لأنه كان وراء تحوُّلِ يوسف، زوجها، من فنّان مُرهف العاطفة، عاشق لبسمة إلى مُتزمّت يأمرها بما عليها أن تفعل. تقول بسمة، بعد أن أصبح يوسف متقمّصاً شخصية الرجل المعادي لتحرُّر المرأة: «عندما أفكَّر بيوسف، يتأكّد لي أن موت الحبّ في علاقةٍ بين اثنيْن ليس هو الموتُ الأنجع، إنما هو الصعقة القاتلة التي تصيبُ الأوطان. مَنْ قال إن حكايا البشر وأجسادهم ليست كحكايا مُدُنهم، أوْ أن الأجساد لا تشبه مُدنها؟ كيف أصدّق أن جسدي باتَ عدوّي الذي يفتكُ بي؟» (ص 295).

يبدو، من هذا التحليل لثيمات الرواية، أن «بسمة» تضطلع بدوْر البطلة الإشكالية التي تتشبَّث بقيم الحرّيّة وحقوق المرأة… وهي، في سبيل ذلك، تقبَلُ الافتراقَ عن زوجها الذي تخلَّى عن قيَمِهما المشتركة، وَخَضَع لسطوة الجهات التي مارستْ تأثيرها السّلبي على قطاعات واسعة من الرأي العامّ، عبْر أداة التلفزيون التي تقوم بغسل الأدمغة؛ لذلك قرّرتْ أن تقاوم الردّة، وتقاوم المرض، وتبحث عن حبّ جديد يُعيد لها التوازن الداخلي، ويُعطي لحياتها معنى. تتحدّى بسمة كلّ تلك العقبات، مُقتديةً بتجربة صديقتها أنيسة التي استطاعت أن تتخلَّص من أنانية زوجها، وتستعيد حرِّيَّتها لكتابة روايتها…: بسمة وأنيسة كلتاهما، تخوضان معركة ضدّ مؤسَّسات المجتمع المُعاكسة لتحرّر المرأة، غير أن هذا الصراع لا يقف عند حدود ما هو اجتماعي وسياسي، بل يتعدّاه ليُلامس ما يتعلَّق بالمرض والموت وهشاشة الإنسان؛ من هنا تقترح علينا علوية صبح أن نعانق «عِشق الحياة» لكيْ نجدّد الإرادة، ونعود إلى مدار الوجود، ونبتدع لحظات السعادة على هذه الأرض قبل الممات. لا شيء يستطيع أن يحول بيننا وبين مُعاودة الحبّ والعشق والاستمتاع بالوجود؛ حتى مرض الطاعون لا يستطيع أن يحول بيننا وبين الاستمتاع بالحياة، كما قال صاحب رواية «الحبّ في زمن الكوليرا»: «يزدهر الحبّ في زمن الطاعون، ودقيقة زمنية من العتمة لا تجعلنا عُمياناً».

في «أن تعشق الحياة»، عناصر كثيرة تشدّ القارئ ليخوضَ المعركة التي خاضتْها بسمة وهي تواجه الفقر في طفولتها، والمرض في مطلع شبابها، والردّة الإيديولوجية وهي متزوّجة وفنّانة لامعة. ومن خلال تجاربها التي أسعدتْها، وإصرارها على أن تتشبَّث بالحبّ ولو في صيغته الافتراضية «لأن في الحبّ احتمالات كثيرة»، ترسم بسمة الطريق إلى ما هو قادر على رأب تصدّعاتها.

لقد استطاعت علوية صبح أن تعزف، من خلال روايتها «أن تعشق الحياة»، سيمفونية للعشق بوصفه وسيلة لمقاومة المصير البشري الخاضع لمجابهات، كثيراً ما تصيبه بالجروح والعطَب. وإذا كان المصير يبدو أقوى لأنه كثيراً ما يسند المؤسَّسات والجهلاء، فإن سلاح الحبّ والتعلّق بالحياة يظلّ قادراً على انتزاع لحظات متميّزة من بين فكَّي المصير الغشُوم..

رفعت سلام.. البحث عن مجهول البناء الشعريّ

استناداً إلى خلفيّته المعرفيّة، كان الشاعر المصري الراحل رفعت سلام (1951 – ديسمبر 2020) يَعي أنّ الشعر ليس جماهيريّاً ولا هو نقدٌ مُباشرٌ لِما لا يكفُّ يَحدثُ في الحياة وفي اليوميّ؛ كان يعي أنّ الشعر بحثٌ قادمٌ من المُستقبل بنبرة نقديّة، لكنّها ليْست هي ما يُكسِبُ البناءَ النصّيّ شعريّتَهُ، بل هو ما يُكسِبُها شعريّتها. وقد كان في هذا التصوّر يَغتذي من مقروئه ومن إدراكه لقيمةِ الترجمة في تحديث اللّغة، وفي إغناء الشعر، وفي اختبار هباتِ العُبور بين اللّغات. لذلك لم تكُن ترجمته لأعمال كفافيس وبودلير، ورامبو، وويتمان الكاملة مُنفصلة عن مَسار بَحثه عن مَجهول الشكل الشعريّ.

بين مجموعة رفعت سلام الشعريّة الأولى «وردة الفوضى الجميلة» الصادرة عام (1987) وعمله الشعريّ الأخير «أرعى الشياه على المياه» الصادر عام (2018)، مسارٌ كتابيّ يَحكمُهُ هاجسُ اكتشاف مَناطقَ جديدة في المجهول الشاسع لأراضي الشعر، ويحكمُه، بوَجه رئيس، هاجسُ البحث عن بناءٍ نصيٍّ غيرِ مُقيّدٍ بقبليّات جاهزة. لعلّ تحوُّلَ هذا الهاجس الأخير إلى مُوَجّهٍ للكتابة الشعريّة، لدى رفعت سلام، هو ما جعلَ مُمارستَهُ النصيّة تتحدّدُ بوَصفها بحثاً دؤوباً عن تجدُّد احتمالات تحقّقها، مثلما جعلَ تصوّرَ الشاعر لإنجاز الكتابة يتحدّدُ في ضَوء البحث لها عن بناء مُحتمَل ضمْن الوُعود اللانهائيّة التي يقدِّمُها هذا البحثُ نفسُه. هكذا ظلّت مُمارسته تحملُ، في عناصر تشكّلها وطرائق بنائها، وُشومَ هذا البحث الذي يُعدُّ حيَويّاً في قراءةِ مسار هذا الشاعر، وفي الاقتراب من الآفاق الكتابيّة التي كان يَنشدُها.

استناداً إلى ذلك، لم تنفصل الكتابة، عند الشاعر رفعت سلام، عن البحث عمّا به تُجدّدُ المُمارسةُ النصيّة بناءَها. وهو ما مكّنَه من كتابة نصّ شعريّ مُنشغلٍ بالعثور على احتمالاتِ الشكل لا في عناصرَ قبليّة، بل في عناصرَ يجودُ بها الشعرُ وهو يتحقّقُ، في المُمارسة النصيّة، بإحدى الصيَغ المُمكنة لهذا التحقّق الذي يبقى شكلهُ مفتوحاً على اللانهائيّ. لعلّ ذلك ما وجّهَ كتابةَ الشاعر في حِرصها على التفاعُل مع المعرفة الشعريّة، من جهة، وعلى المُحاورَة الصامتة، من جهة أخرى، لتجاربَ شعريّة عربيّة وعالميّة.

كثيرةٌ هي المؤشّرات التي يُمكنُ أن تقودَ التأويلَ إلى عدِّ مُمارسةِ الشاعر رفعت سلام للكتابة، بوَصفها بحثاً مُتجدّداً عن شكل مُنفلت، أسَّ تصوّره للكتابة وأسّ مُوجِّهات القراءات التي أنجزَها أيضاً عن الشعر. تبدّت بذرةُ هذا التصوّر، أوّلَ ما تبدّت، مُنذ إسهام الشاعر رفعت سلام، رفقة الشعراء حلمي سالم، وجمال القصاص، وحسن طلب، في إصدار مجلّة «إضاءة 77»، التي انحازَت إلى مَنحى المُغايَرة في الكتابة الشعريّة المُعاصرة، تجاوُباً، من جهة، مع مَن أرْسوا هذا المَنحى الذي كانت مَسالكهُ تُشَقُّ في المَشهد الشعريّ العربيّ المعاصر، وتعارُضاً، من جهة أخرى، مع مَن انطوَت تجاربُهم على ما يُهدِّدُ بتضييق الأفُق الشعريّ وبحَصْر احتمالاتِ تحقّقه التي لا تقبلُ الحصْرَ أصلاً.

تبدو مُمارسةُ الشاعر رفعت سلام النصيّة، في انحيازها إلى التجديد، كما لو أنّها تبحثُ عن شَيء مُنفلت شعريّاً، تبحثُ عنه لا خارجَها بل في بنائها النصّيّ، وفي ما يَضمنُ لهذا البناء أنْ يُشكّلَ جُزءاً من المُحتمَل المعماريّ الذي كانَت مُمارَسة رفعت سلام الشعريّة تَعي انفتاحَه، ولا نهائيّتَه، وتعدُّدَ طرائق تحقّقه. مُنذ أن وَعى الشاعر أنّ الوزن ليس هو الشعر، وأنّه مُجرّد عُنصُر يتحقّق الشعرُ من داخله ومن خارجه في الآن ذاته، دون أن يكونَ شرطاً حاسماً لهذا التحقّق، رسّخَ كتابتَهُ، بَعد أن انحازَ إلى بناء شعريّةِ نُصوصه من خارج الوزن، بوَصفها بحثاً عن معمار مُتولِّدٍ بهذا البحث ذاته وبما يقودُ إليه. بذلك ظلّ المعمار، المُبتغى لاستواء النصّ الشعريّ لديه، مُنتسباً، وَفق هذا التصوّر، إلى المُستقبل وإلى المجهول الذي إليه تُفضي المُمارَسة النصِّيّة. وظلّ أثرُ هذا البحث عن شكل مُستقبليّ مجدِّدٍ للبناء النصّي سارياً في العناصر التي بها تحقّقَ هذا البناء، من جهة، وبما لم يتحقّق أيضاً، من جهة أخرى، لكنّه بقيَ، حتى من داخل تمنُّع تحقّقه، شاهداً على ملامح غيابٍ كانت تنشدُهُ كتابةُ الشاعر رفعت سلام، وتتوقُ إليه. استناداً إلى هذا النزوع في مُمارسة الكتابة بوصفها بحثاً، تُهيّئُ تجربتُه للقارئ أن يَرصدَ شعابَ البحث عن الشعر في الكتابة؛ تحقّقاً، وتملّصاً، وأثراً. فمسارُ رفعت سلام الكتابيّ يَحملُ وُشومَ البحث عن الشعر في كلّ تحقّق بنائيّ يُجسِّدُه عملٌ من أعماله الشعريّة التسعة، سواء بما تحقّقَ في هذا البناء أم بما ظلّ حُلماً ببناءٍ تَشهدُ عليه علاماتُ سَعْي العُبور إليه.

تبدّت وُشومُ البحث عن صيَغٍ مُتجدّدة للبناء الشعريّ، التي كانت ترتسمُ منذ سبعينيّات القرن الماضي في كتابة الشاعر رفعت سلام، عبْر تجلّيات عديدة؛ منها الانتسابُ إلى منحى المُغايرة والتجديد في المشهد الشعريّ العربيّ المعاصر، ونقد المَنحى الذي أخذَ يميلُ، في هذا المشهد نفسه، إلى تضييق حرّيّة الكتابة الشعريّة، وإلى ترسيخ تماهٍ بين الشّعر والوزن انطلاقاً مِن عَدِّ الثاني مُحدِّداً حاسماً للأوّل. ترسيخٌ انطوَى على نُزوع لا يُمكنُ، في الأخير، إلاّ أن ينتصِرَ للجُمود وللجاهز، بجَعْل الشعر رهينَ قبليّات ومُسبّقات، لا وليدَ مجهول يُصرّ على أنْ يبقى مجهولاً. تجسّدَ نقدُ رفعت سلام لهذا المَنحى الثاني بصيغتَيْن مُتفاعلتَيْن؛ إحداهما مُباشِرة أفصحَتْ عنها دراساتهُ، وحواراتُه، واختياراتُه في ترجمة الشعر. أمّا الصيغة الأخرى فتحقّقَت بصورة صامتة، إذ تكشّفتْ من بَحثِ مُمارَسته النصيّة عن شكل شعريٍّ غير معلومٍ بصورة قبليّة؛ شكلٍ لا يُوجدُ خارجَ الكتابة وخارج وُعود شِعابها ومجهولها. ذلك ما جعلَ الكتابة تتحقّقُ، في هذه المُمارسة، بوَصفها بحثاً عن بناء نصّيٍّ ضمن الاحتمالات اللانهائيّة لهذا البناء. ومن ثمّ، لم يكُن انتسابُ الشاعر رفعت سلام إلى مَنحى المُغايرة مُنفصلاً عن هذه المُساءلة النقديّة بصيغَتيْها السابقتيْن. لقد حرصَ الشاعر، استناداً إلى وَعيه النظريّ، على أن يُسهمَ في إرساء تعدُّد البناء الشعريّ مِن موقعِ توسيع شعريّةِ النثر وتمكين الشعر مِن تحقّقاته التي لا تتقيّدُ بالوَزن، لأنّ الشعريَّ يَفيضُ عن مُمْكن الوَزن وعن حُدوده.

هكذا يُتيحُ السعيُ الدؤوب، في كتابة رفعت سلام، إلى تجديدِ البناء النصيّ وإلى استثمار المناطق التي تُهيَّأ للشعر من خارج الوزن، عدَّ مُنجَزه الشعريّ كتابةً بحثيّة، ولكن دون تجريد ذهنيّ ولا إغراق للنصّ في نُزوع تأمّليّ صرف. إنّها كتابة مُنشغلة ببنائها وبمُحاورة نُصوصها الغائبة بقدر انشغالها بإنتاج معنى مُتفاعل مع توَتّرات الزّمن الحديث، ومع حركيّة اليوميّ، ومع القيَم التي انتصرَ لها الشاعر، بصورة يبدو فيها الانشغالُ بالبناء النصيّ كما لو أنّه مُتخلّقٌ على نحو سَلِس لا تكلّف فيه، لكنّه لا يُفرّطُ، في الآن ذاته، في أسُسه النظريّة ومُوجِّهاته المعرفيّة التي تقودهُ نحو مجهول الشكل الشعريّ. لقد اختبرَت كتابة رفعت سلام، من بين ما اختبرَتْهُ في انشغالها بتجديد البناء النصّيّ، ما يَهبُهُ التضايُف بين الشعر والنثر من احتمالات شعريّة، وما تُوفّرُهُ الإمكاناتُ التي يَعِدُ بها توليدُ الشعرُ من داخل النثر، اعتماداً على تحرُّر كتابيّ لا يتقيّدُ بالقبليّ والمُسبق، ولا يتوَجّهُ إلى أفُق معلومِ الملامح. وهذه خصيصةُ مُمارسة الكتابة بما هي بحثٌ مُتجدّد. لذلك هيّأ مُنجَزُ رفعت سلام الشعريّ، من حيث البناءُ النصّيّ، مَتناً لاستجلاءِ صيَغٍ مِن صيَغ توليدِ الشعر من النثر، مثلما هيّأ، من حيث بناءُ المعنى، صيَغ تفاعُل الشاعر مع قضايا زمنه برُؤية نقديّة ظلّت سارية في نُصوصه.

للتدليل على السّمة البحثيّة في كتابة رفعت سلام، يُمكن الإشارة، على سبيل التمثيل، إلى عمله الشعريّ الأخير «أرعى الشياه على المياه» الصادر عام (2018). فيه تجلّى، بصُورة بَيّنة، الملمحُ البَحثيّ في اختبار احتمالاتِ الشكل الكتابيّ وفي استثمار الإمكان المفتوح للبناء النصيّ، إذ تبدّى أثرُ الانشغال بالبناء النصّيّ، أوّل ما تبدّى، مِن فضاء الصفحة. فقد وزّعَ الشاعرُ رفعت سلام فضاءَ الصفحة إلى عمودَيْن مُتجاورَيْن، على نحوٍ جعلَ الصفحة مُضاعَفة بكلّ ما يَستتبعهُ ذلك على مُستوى صَوغ الشكل الكتابيّ، وعلى مُستوى إنتاج المعنى. إنّها المُضاعفة التي كشفَت عن استثمار الشاعر للمُجاوَرة بين العمودَيْن واتّخاذها مُوَجِّهاً بنائيّاً للعمل الشعريّ. وبذلك غدَت هذه المُجاوَرة، التي إليها احتكمَ البناء، مُنتجةً للمعنى وموَجِّهةً، أيضاً، لكلّ قراءة تَرومُ الإنصات للعمل الشعريّ «أرعى الشياه على المياه»، إذ يتعذّرُ التفاعُلُ مع هذا العمل وتأوُّله دون استحضار رهانات المُجاوَرة المُضاعِفة للصّفحة وللمَعنى في الآن ذاته. كان واضحاً اختلافُ العمودَيْن المُتجاورَيْن في الصفحة من حيث نوعُ الخطّ، كما كان واضحاً تبادُلهما لمَوقعيْهما من صفحة إلى أخرى. ومع تنامي المُجاورة، يتكشّفُ أنّها ليست سوى الملمحِ الظاهر لعلاقة قائمة على التداخل بمُختلف تشعّباته، على نحو يرسُم فيه العمل الشعريّ «أرعى الشياه على المياه»، لقارئه، سبيلاً تأويليّاً متعدّدَ التفرّعات والاحتمالات. سبيلٌ ينتقلُ من المُجاوَرة إلى التداخل اعتماداً على نَفَس طويل، وينتقلُ، أبعد من ذلك، من المُضاعَفة إلى التعدُّد، لأنّ الشاعر لا يقتصرُ على العمودَيْن المتجاورَيْن – المتداخليْن، بل يُدمجُ مؤشّرات أخرى في فضاء الصفحة، التي تحوّلت أحياناً إلى شاشةٍ اتّسعتْ لاستيعاب العديد من العلامات الدالّة، حتّى لقد غدت «المُجاوَرة» بين عمودَي الصفحة مُجرّد عُنصُر بنائيّ ضمْن عناصرَ أخرى عديدة؛ منها تذييلُ الصفحة بهوامش، وإدماجُ إطار مُتضمِّن لمقطع شعريّ في قلب الصفحة أو أعلاها أو أسفلها، وملءُ الصفحة بإطارات مُقتصِرة على جُمل شعريّة، وغيرها من العناصر التي كانت دالّة على الانشغال بالبناء النصّيّ. كما لو أنّ الشاعر رفعت سلام رامَ، بالعناصر المُشار إليها وبغيرها، استثمارَ «الحريّة المُطلقة» التي يُتيحُها شعرُ النثر؛ الحريّة التي قادتْهُ، دوماً، في بَحثه عن مُمكن ضمْن المُمكنات اللانهائيّة للشكل الشعريّ. وهو نفسُهُ كان يَعي، على المُستوى النظريّ، هِباتِ هذه الحُرّيّة وخُطورَتها التي سبقَ لبودلير أن ألمح إليها. إنّه الوعي الذي تكشّفَ من المُقدّمة التي صدّرَ بها رفعت سلام ترجمتَه لأعمال بودلير الكاملة، لمّا توقّفَ عند خطورة هذه الحُرّيّة المُطلقة، بوَصفها توجُّهاً لا من معلوم إلى معلوم، بل من مجهول إلى مجهول، وبوَصفها، أيضاً، اختباراً يتطلّبُ لاستحقاقها مسؤوليّةً كتابيّة.

لقد كان استثمارُ مُمكنات البناء النصّيّ، اعتماداً على ما يُتيحُهُ توليدُ الشعر من قلب النثر، خَصيصةً لافتة في أعمال الشاعر رفعت سلام بلغَت أقصاها في عمله الأخير «أرعى الشياه على المياه»، وإنْ ضيّقَت فيه صَوتَ الصّمت الشعريّ الذي حاصرَهُ امتلاء الصفحة. إنّها الخصيصة التي ظلّت، دوماً، مُتفاعلة، في شعر رفعت سلام، مع نبْرته النقديّة التي اعتمدَت في هذا العمل الأخير مُتخيّلاً قياميّاً. ذلك أنّ الشاعر استهلّه بمشهد قياميّ، حتّى وإن أنكرَ الهامشُ الوارد في صفحة البداية ذلك. مشهدٌ ينهضُ على الخراب والأطلال قبل أن يُعاودَ الظهور بصيَغ عديدة، منها مثلاً قول الشاعر: «والشمسُ احتجبَتْ فلم تَعُد تضيءُ، والناس يتخبّطون في الظلام، تائهين، بلا صُراخ أو أنين، مصروعين». لكن المُتخيّل القياميّ المُوجِّه للنبرة النقديّة لم يكُن، في عمل رفعت سلام الشعريّ الأخير، نهاية ميتافيزيقيّة، بل كان كشفاً عمّا أصاب الحياةَ وقادَها إلى خرابها الذي لا يكفُّ عن الامتداد بأطلاله وبتمديدها، دُون نهاية مُحتمَلة.

لم يتنازل الشاعر رفعت سلام، وهو ينحازُ في مُمارسته النصيّة إلى استثمار مُمكنات التضايُف بين الشعر والنثر في توسيع الشعريّ، عن نقْد ما يَعوقُ الحياةَ الحديثة بمُختلف وُجوهها. لم يكُن انشغالهُ بالبناء النصّيّ مفصولاً لديه عن هذه النبرة النقديّة التي سرَت في نُصوصه. وقد كان لافتاً أنّ الشاعر رفعت سلام أمّنَ لمُمارَسته النصيّة شعريّتَها اعتماداً على رهانات البناء وقضايا الشكل الكتابيّ، بما لم يُحوِّل النبرة النقديّة، في إنتاج المعنى، إلى مُحدِّدٍ للشعريّ في هذه المُمارسة. كان رفعت سلام يَعي، استناداً إلى خلفيّته المعرفيّة، أنّ الشعر ليس جماهيريّاً ولا هو نقدٌ مُباشرٌ لِما لا يكفُّ يَحدثُ في الحياة وفي اليوميّ؛ كان يعي أنّ الشعر بحثٌ قادمٌ من المُستقبل بنبرة نقديّة، لكنّها ليْست هي ما يُكسِبُ البناءَ النصّيّ شعريّتَهُ، بل هو ما يُكسِبُها شعريّتها. وقد كان في هذا التصوّر يَغتذي من مقروئه ومن إدراكه لقيمةِ الترجمة في تحديث اللّغة، وفي إغناء الشعر، وفي اختبار هباتِ العُبور بين اللّغات. لذلك لم تكُن ترجمته لأعمال كفافيس، وبودلير، ورامبو، وويتمان الكاملة مُنفصلة عن مَسار بَحثه عن مَجهول الشكل الشعريّ.

لقد انتسبَ رفعت سلام إلى الكتابة الشعريّة من موقع «الحُرّيّة المطلقة»، ومن الوعي بخُطورة هذه الحُرّيّة التي لا تتّكئُ على القبْليّ والمعلوم، ولا تعرفُ إلى أين يُمكنُ أن يقودَ البحثُ داخلها، لكنّها لا تفرِّطُ في مسؤوليّتها الشعريّة التي تجعلُ منها حُرّيّةً خليقةً بنسَبها إلى الكتابة.

محمد المليحي.. ألف موجة وموجة!

برحيل الفنَّان التشكيليّ محمد المليحي مساء الأربعاء 28 أكتوبر/تشرين الأول 2020 بأحد مشفيات باريس في فرنسا إثر تأثّره بمُضاعَفات فيروس كورونا «كوفيد – 19»، وعن سنٍّ تناهز 84 سنة، تكون الساحة التشكيليّة العربيّة والمغربيّة قد فقدت واحداً من الرواد الذين أبدعوا طويلاً في مجال إنتاج اللوحة الصباغية والمنحوتة، إلى جانب الكتابة والتعليم الفنّي، وكذا الفوتوغرافيا والتصميم المعماري والغرافيكي المُتمثِّل في إنجاز المطبوعات والمُلصقات الفنِّيّة.

على امتداد ما يُقارب ستة عقود من الإنتاج والعطاء المُثمر والمُشرِّف، ظلَّ المليحي يواصل إبداعاته مستفيداً من رحلاته وتكويناته الفنِّيّة في كبريات المعاهد والأكاديميّات العالمية المُتخصِّصة في الفنون الجميلة، الأمر الذي منحه خبراتٍ إضافية لسبر أغوار الفنّ التشكيليّ في تعدُّد روافده ودروبه. فهو لم يحصر هذه الخبرات في الإنتاج داخل المحترف، بل سعى رفقة نخبة من مجايليه الفنَّانين إلى أن تكون متاحة لجمهور الفنّ وفي خدمة المُتلقي، سواء عبر تنظيم المعارض الفنِّيّة (الفرديّة والمُشتركة)، أو عبر تفعيل الدرس الجماليّ بمُراعاة الهويّة البصريّة والخصوصية المحلِّيّة، إلى غير ذلك من الأسئلة والقضايا الإبداعية التي راهن عليها مشروعه الجماليّ بمعية فنَّاني مدرسة الدار البيضاء.

تلقى المليحي تكوينه الفنّي الأول في رحاب المدرسة التحضيريّة للفنون الجميلة بتطوان (1953 – 1955)، ليُعمِّق هذا التكوين لاحقاً وتباعاً في كبريات مدارس ومعاهد الفنون الجميلة في العالم، بكلٍّ من المدرسة العليا للفنون الجميلة سانتا إيزابيل دي هنغاريا في إشبيلية (1955)، أكاديميّة الفنون الجميلة سان فرناندو في مدريد (1956)، أكاديميّة الفنون الجميلة بروما «تخصُّص نحت» ومعهد ستاتالي Statale للفنون الجميلة في المدينة نفسها (1960)، المدرسة الوطنيّة للفنون الجميلة في باريس (1960 – 1962) وجامعة كولومبيا بالولايات المُتحدة الأميركيّة عقب حصوله عام 1962 على منحة دراسية من طرف مؤسسة «روكفلير» Rockefeller- Foundation.

 

 

إلى جانب ذلك، للفنَّان المليحي مشاركات متنوِّعة في العديد من التظاهرات الفنِّيّة العربيّة والعالميّة، برزت منذ حضوره في بينالي الإسكندرية (1958)، بينالي الشباب في نسختين بباريس (1959 و1961)، المهرجان العالميّ للفنون الزنجية Arts nègres في دكار (السنغال، 1966)، مهرجان الواسطي في بغداد (1972)، وأيضاً مشاركته في «المعرض الدولي للفنون من أجل فلسطين» الذي أقامته منظَّمة التحرير الفلسطينيّة ربيع عام 1978 في جامعة بيروت العربيّة، بينالي ساو باولو في البرازيل (1987)، لتتوالى مشاركاته القارية والدوليّة هنا وهناك، مروراً بمعارضه الفنِّيّة الكثيرة في أوروبا وأميركا وآسيا وإفريقيا، منها عرض بعض لوحاته الصباغية عام 2013 بمتحف جورج بومبيدو في فرنسا، دون الحديث عن معارضه الفنِّيّة الفرديّة، أبرزها المعارض التي أقامها بالرواق الوطنيّ باب الرواح في الرباط بين عامي 1965 و1997، معرض بمتحف برونكس في نيويورك، المعرض الاستيعادي الذي نظَّمه معهد العالم العربيّ في باريس (يونيو – أغسطس 1995)، وغير ذلك من المعارض المُماثلة بقاعات وغاليرهات عربيّة ودوليّة كثيرة، فضلاً عن اشتغاله أستاذاً محاضراً بمدرسة مينيابوليس للفنون -تخصُّص الرسم، مينيابوليس- الولايات المُتحدة مينيسوتا عام 1962 وتعيينه مندوباً عاماً على الجناح المغربيّ بمعرض 92 في إشبيلية (1988 – 1992)، وكذا تحمُّله عدَّة مسؤوليات، منها شغله في ما بين عامي 1985 و1992 مديراً للفنون بوزارة الثقافة، ومستشاراً ثقافيّاً لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون في ما بين عامي 1999 و2000. عقب ذلك بثمان سنوات، وشَّحه الملك محمد السادس بوسام الاستحقاق.

عودة إلى الجذور

عقب مسارٍ فنّي أكاديمي حافل بالعطاء والتكوين في الخارج، سيعود الفنَّان محمد المليحي إلى بلده المغرب في أكتوبر/تشرين الأول من عام 1964 وعمره لا يتجاوز أربعة وعشرين عاماً ليمتهن التدريس في مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، إذ عمل أستاذاً للصباغة والنحت والتصوير الضوئيّ، إلى جانب فريقٍ تربويّ متكامل قاده الفنَّان الراحل فريد بلكاهية سنة 1962 بعد أن أنيطت له مهمَّة إدارة المدرسة خلفاً للفرنسيّ «موريس أراما – M. Arama»، وذلك باقتراح من النقابيّ المغربيّ المحجوب بن الصديق (الأمين العام لنقابة الاتحاد المغربيّ للشغل). وكان من بين المُشتغلين بجانب المليحي الفنَّانون: محمد شبعة، محمد حميدي، ومصطفى حفيظ، إضافة إلى «طوني مارايني – T. Maraini» التي كُلِّفَتْ بإعطاء دروس في تاريخ الفنّ، في ما شغل الجَمَّاع الهولنديّ «بيرت فلينت – Bert Flint» مهمَّة تدريس تاريخ الفنون التقليديّة الشعبيّة باعتماد الصور الشفافة الثابتة «الديابوزيتيف». كما كُلِّفَ الرسَّام الفرنسيّ «جاك أزيما – J. Azima» بإدارة المرسم. وبفضل هذه المجموعة المُنسجمة، انتظمت مدرسة الدار البيضاء عام 1967.

 

 

وقد تقاسم الفنَّان المليحي رفقة زملائه داخل رحاب مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء غداة الاستقلال حلم البناء بـ«التمرُّد» على الموروث الفنّي الغربيّ انطلاقاً من القاعدة البيداغوجيّة والانفتاح على الفنون الشعبيّة وإدماج الحِرف والصنائع والمشغولات اليدويّة التقليديّة في منظومة التعليم الفنّي. من ثَمَّ، باتت هذه المدرسة تعتمد خطة ديداكتيكية مُغايرة ترُوم دعم خطاب العودة إلى الجذور التراثية، حيث استبدلت القطع والنماذج الفريكو-لاتينيّة بنماذج من التراث المغربيّ الأندلسيّ والأمازيغيّ، كالخشب المزوق والحلي والإبداعات اليدويّة الشعبيّة ذات الوظائف النفعية والجمالية، كما تمّ تشجيع الدرس النظريّ وإعداد الطلبة لمُمارسة النقد الجماعي والنقد الذاتي وتدريبهم على تحليل القطع والأعمال الفنِّيّة، وكانت مجلّة «مغرب آرت – Maghreb Art» التي تصدر عن المدرسة آنذاك تعكس كلّ هذه التحوُّلات والاهتمامات.

في هذا الصدد، ظلَّ الفنَّان محمد المليحي يقول ويردِّد: «كانت رحاب مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء فضاء نطبق فيه هذه الأفكار والمبادئ.. وفي دروسنا لطلبة الفنون أخرجنا التماثيل الإغريقيّة من حيِّز الدراسة واستبدلناها بالزخرفة والمعمار الإسلاميّ، وأدخلنا مواد الصناعات والحِرف الشعبيّة الوطنيّة لدراستها كفنٍّ وتصميم. من هنا خلقنا فنّاً للاستهلاك الجماعي مرتبطاً بوعي سياسيّ وأخلاقية متقدِّمة» (من حوار للفنَّان المليحي مع صحيفة «الجمهورية» العراقيّة في السبعينيّات).

لقد جسَّد هذا التغيير نوعاً من المُصالحة مع التقاليد البصريّة في المغرب، لكن من منظورٍ إبداعيّ حديث يمتد لهذه العودة التراثية الحاسمة بالشكل الذي خطّط له الفنَّان المليحي وزملاؤه داخل جماعة الدار البيضاء التي عُرفت بتبرُّمها ورفضها للأساليب الكولونياليّة الكلاسيكيّة والاستشراقيّة المُتبعة حينذاك في المغرب، ما دفعهم في أكثر من مناسبة إلى إعلان موقفهم من الاحتواء البرَّاني للوحة الفطريّة المغربيّة وتحويلها إلى مادة للتهكم والسخرية، على حدِّ انتباههم.

وكان لهذا التحوُّل في تاريخ المدرسة ما يبرِّره، حيث كان المناخ الإبداعيّ العام ملائماً لبلورة هذه الأفكار، الأمر الذي مكَّن الفنَّان المليحي من تجذير الحداثة الإستتيقيّة في الثقافة البصريّة بالمغرب، بمثل ما حفل به مساره الفنّي من مساهماتٍ رائدة في تأسيس وتنشيط بعض المنابر الثقافيّة، من بينها أساساً مجلة «أنفاس» (Souffles) إلى جانب عبد اللطيف اللعبي، ومصطفى النيسابوري، ومحمد خير الدين، والتي شكَّلت مختبراً للكتابة ومحضناً للإنتاج الفنّي، وقد أفردت عدداً مزدوجاً خاصّاً للفنون التشكيليّة في المغرب (العدد 8/7 أغسطس/آب 1967)، إلى جانب إصداره لمجلّة «أنتغرال – Intégral» المُتخصِّصة في الفنون التشكيليّة (توقفت عام 1977)، والتي كان ينشطها برفقته كلّ من طوني مارايني، مصطفى النيسابوري، والطاهر بنجلون، وكذا مساهمته في تأسيس دار «شوف – Shoof» للنشر والتوزيعات الفنِّيّة والثقافيّة والإنتاجات السينمائيّة، وإصدار مجموعة من الكتابات الفنِّيّة والأعمال السينمائيّة، فضلاً عن دوره الفعَّال عضواً ورئيساً داخل الجمعية المغربية للفنون التشكيليّة منذ تأسيسها عام 1972 بتشجيع وتزكية من الفنَّان الفلسطينيّ الرَّاحل إسماعيل شموط، الذي كان يشغل آنذاك منصب الأمين العام لاتحاد الفنَّانين التشكيليّين العرب وبمُبادرة مجموعة من الفنَّانين المغاربة.

وإلى جانب دعم الدرس الجماليّ انطلاقاً من أساس بيداغوجيّ، عمل الفنَّان محمد المليحي إلى جانب فنَّاني «جماعة الدار البيضاء» المُسمَّاة أيضاً بـ«جماعة 65» على الانفتاح إبداعيّاً على الجمهور من خلال إقامة أنشطة فنِّيّة خارج أسوار قاعات العرض المُغلقة، وقد تمثَّلت في بعض المعارض التشكيليّة المفتوحة بالهواء الطلق، أبرزها تظاهرة جامع لفناء في مراكش، أو المعرض البيان Expo./manifeste لعام 1969 (أو تجربة «الفنّ الواضح») التي ظهرت كردِّ فعلٍ وكاحتجاجٍ حضاريٍّ ضِدَّ ضعف التسيير الإداري للشؤون الفنِّيّة وهيمنة المراكز الثقافيّة الأجنبيّة وندرة قاعات العرض الوطنيّة، كما أبرز ذلك الفنَّانون المُشاركون في هذه التظاهرة، وهمّ: محمد شبعة، محمد المليحي، فريد بلكاهية، محمد حميدي، مصطفى حفيظ، ومحمد أطاع الله المُلقَّب بـ«رومان»..

 

 

سمات المُنجز التشكيليّ

في تجربته الصباغية، ظلَّ الفنَّان محمد المليحي وفيّاً للصبوات الهندسيّة والغرافيكيّة لجماعة «الباوهاوس» (Bauhaus) وفنَّاني التجريد اللوني البصري في أميركا، لذلك يُمكن تصنيف تشكيلاته وهندسيّاته اللونيّة ضمن تصويريّة جماليّة وتعبيريّة موسومة ببُعدٍ صباغي مسطح أحادي البُعد، والتي تتقاطع كثيراً مع لوحات فنَّاني جماعة «الحد الصلب» (Hard Edg)، وبخاصّة أعمال الفنَّان «فرانك ستيلا – F. Stella» المطبوعة بجماليّة جديدة صافية ونقية قائمة على توليفات مبسطة في الخطوط وفي الألوان الصرفة، وهي تجربة فنِّيّة لها أبعادها الخاصّة تُعَدُّ في الأصل امتداداً لتجربتين إبداعيتين ميَّزتا بداية المشوار التشكيليّ للفنَّان: تجربة روما (1957 – 1961) الموسومة بإلصاقات (كولاج) سادتها ألوان رمادية وكحلية (أواخر الخمسينيّات)، وتجربة نيويورك (1962 – 1964) التي عكست تأثّره بالفنّ البصري/الأوب آرت والفنّ الاختزالي والحركي (Cinétique) الذي ميَّز الإبداع التشكيليّ العالميّ في ذلك الوقت..

في أعمال الفنَّان المليحي، القديم منها والجديد، هندسيّات بصريّة دينامية ذات جذورٍ غربية ناتجة عن توظيفات طيفية وتوليفات قزحية حسية أكثر منها مرئية.. ووجدانية متحرِّكة وفق ريتمات متدرِّجة ظهرت أكثر خصوصاً بعد عودة الفنَّان من نيويورك إلى المغرب (الانفتاح تجريديّاً على البيئة)، حيث أصبحنا نرى في أعماله الفنِّيّة مشاهد طبيعيّة تجريديّة موسومة بنَفَسٍ رومانسيّ وتكوِّنها مفردات تعبيريّة جديدة مختزلة ومبسَّطة هندسيّاً تتصدَّرها الموجة المُلتهبة التي ترمز إلى المرأة بعد أن تسلَّلت للوحاته منذ الفترة الأخيرة التي قضاها في الديار الأميركيّة لتشكِّل بذلك بداية تكسير الصرامة الهندسيّة التي سادت لوحاته طيلة سنوات. هكذا، ستنتقل اللوحة عند الفنَّان المليحي من وضعٍ ساكن/ستاتيكيّ إلى وضعٍ حركيّ/ديناميّ، الأمر الذي حرَّر الموجة لتتحرَّك بشكلٍ أوسع ولتتشابك أحياناً من مفردات تعبيريّة أخرى مستوحاة من عالَم الفلك، كالهلال والليل والنجوم.. وغير ذلك من المُفردات الفنِّيّة التي تكثر فيها الانحناءات والاستدارات والتقويسات الإيروسية، وكذا بعض التحويرات الهندسيّة المُتناغمة المأخوذة من المعمار الإسلاميّ والزخارف والمشربيات.

 

 

هي بالتأكيد سلسلة لوحات تجريديّة مخصوصة بتكوينات هندسيّة ممتدة بلمسات صامتة ذات هوية لونية تعبيريّة واصطلاحية تحيا بداخلها منتخبات طيفية لمعية يشتعل فيها الأحمر الداكن والأصفر الساجي والبرتقالي الناصع والأزرق الكوبلتي على إيقاعات بصريّة مثل نوتات ونغمات متتالية تمتد لاهتمامات الفنَّان المُوسيقيّة، وبخاصة موسيقى الجاز التي عشقها منذ إقامته النيويوركيّة، وهي أيضاً تكوينات وهندسيّات ممنهجة قائمة على التسطير والتصميم بشكلٍ يُبرز شغفه بالأضداد التي «تتجاذبه وتجذبه على اختلافها: الحرّيّة والانضباط، المسؤولية والإنصاف، الواقعية والشاعرية، التشبُّث بالتراث والانفتاح على العصر. ويبقى المليحي في خضم هذا المَدّ والجزر وفيّاً أبداً لذاته ولبحثه الدائم عن سرّ الجمال والكمال»، كما قالت زوجته السابقة الناقدة اللبنانيّة فاتن صفي الدين، التي سبق لها عام 1995 أنْ أنجزت رفقة محمد بوعلام فيلماً وثائقيّاً حول تجربته الفنِّيّة يحمل عنوان «المليحي، موجة رُوح».. «Melehi, la vague dans l’âme».

 

«في انتظار البرابرة» الشخصيّة الكولونياليّة في عُزلتها وتمرُّدها

في خاتِمة فيلم «في انتظار البرابرة» الذي يحيل عنوانه إلى قصيدة شهيرة للشاعر اليوناني كافافي، يحلّ الطفل الصغير محلّ فزّاعة الجندي المُرابِطة عند زاوية الحصن الذي يتوسّط ساحة البلدة. ما الذي تريد هذه الصورة السينمائيّة قوله؟ هناك في تلك الربوع الخالية قد سحب المُستعمرون آخر جنودهم بعد أن نهبوا ما استطاعوا نهبه، المكان مدمَّر والناس في هياجٍ وغضب، أمّا عزيمة الطفل الذي يتسلَّق جدار الحصن فإنها تلمِّح إلى أن بوسعنا كأناسٍ أحرار حماية أنفسنا من الأعداء ولا حاجة بنا إلى مَنْ يحمينا تحت أيّة ذريعة كانت.

مع كلّ معالجة سينمائيّة لعملٍ روائي يحتدم الجدل بشأن مديات اقتراب الفيلم من حدود الرواية، ويتوالى طرح الأسئلة؛ إلى أي حدٍّ وُفِّقَ الفيلم في إيفاء النصّ الروائيّ حقّه؟ هل كان الفيلم السينمائيّ بمستوى النصّ الروائيّ؟ هل تمكَّن المُمثِّلون من تجسيد الشخصيّات الروائية واستيعاب خواصها وأبعادها؟

مع متوالية تلك الأسئلة، وجلّها مسكونٌ بآلية المُقارنة التي تغفل في الغالب فرضية أساسيّة تقول إن لكلّ فنٍّ لغته وأسلوبه وجماليّاته الخاصّة، سنرى أن ثمَّة وجوهاً ومعطياتٍ أخرى يثيرها هذا النقاش من قبيل رؤية المُخرج للعمل الأدبيّ (الحذف والإضافة والاختصار) بمعنى قراءته الخاصّة للرواية، فمهما سعى الفيلمُ إلى أن يكون وفيّاً للرواية (أيّة رواية) فهو لا ينتج في نهاية الأمر سوى فهمه الخاص للرواية، وليس الرواية ذاتها.
بكلّ الأحوال سنضع جانباً هذا الجدل المُتناسِل، لاسيما أن كاتب الرواية (الروائي الجنوب إفريقي «ج. كوتزي» الحائز على جائزتي نوبل والبوكر) هو نفسه واضع سيناريو فيلم «في انتظار البرابرة» للمُخرج الكولومبي الشاب «تشيرو جيرا» وعليه فهو من تصدَّى لمسؤولية اختيار هذه المساحة النصّية من أحداث وشخصيّات روايته لتكون ملائمة للمُعالجة السينمائيّة على الشاشة. ولكن حتى لو كانت الكتابة السينمائيّة لفيلم «في انتظار البرابرة» الذي عُرض للمرّة الأولى في مهرجان فينيسيا 2019 هي مسؤولية كاتب الرواية، فذلك لن يعفيها من أن تكون عُرضةً لفحص جودتها وإمكاناتها الفنّيّة.

الحدث والشخصيّة

إلى أي حدٍّ كان سيناريو «كوتزي» موفَّقاً في خلق عملٍ سينمائيّ متوازن يحكي قصّة عصرنا برمزية بيّنة؟ في الوقت الذي ظهر فيه السيناريو حريصاً على تقديم بدائل مرئية للسرد الأدبيّ هناك الكثير من الهنات التي تسرَّبت إليه وأضعفت الشريط السينمائيّ فجعلته مملاً، مساحات إطالة غير مبرَّرة أفقدت الفيلم إيقاعه المُرتجى، خاصّة الفصل الطويل نسبياً الذي يفرده الفيلم لعلاقة القاضي بالفتاة البربرية الكفيفة (كلمة برابرة في معناها الأوسع تشمل كلّ السكّان المحليّين)، رغم أن هذه العلاقة ستتسبب بالمصير المأساوي الذي يتعرَّض له القاضي المدني على يد ضباط الإمبراطوريّة.
الفيلم في المُحصِّلة غير ملزم بمخطَّطات الرواية وطريقة سردها للأحداث، فزمنه محدود، وعناصره تقتضي التماسك، وانتقالاته، وكذا رسم شخصيّاته يتطلَّبان الإقناع، وهو ما لم تتم مراعاته بشكلٍ جيّد في أحداث الربع الأخير من الفيلم، والتي جاءت -على عكس نصفه الأول- بوتيرة متسارعة خلقت نوعاً من عدم الرضا والإيجاز غير المُوفَّق، بشكلٍ يؤكِّد حقيقة أن الرواية والفيلم مهما تقاربا لا يرويان القصّة بطريقةٍ واحدة ولغة متطابقة. في المقابل أنقذت جهود المُصوِّر البريطاني المخضرم «كريس مينجيز» إيقاع الفيلم في الكثير من محطّاته وخفَّفت إلى حدٍّ ما شيئاً من قتامة الحكاية المأساوية بإظهارها في مشاهد عِدّة سحر البرية وصفاء الليالي المُقمرة وجماليات الصحراء بأسلوبٍ موحي خلق على مستوى الصورة عنصراً بصريّاً مضاداً لشبح العُزلة الذي يهيمن على المكان ويضع شخصيّاته بمواجهة أقدارها المحتومة. ربّما يُعَدُّ مشهد العاصفة الرملية، التي تعرَّض لها القاضي وبعض مساعديه، وهم يعبرون الصحراء بمعية الفتاة البربرية، أكثر مشاهد الفيلم إتقاناً وتعبيراً عن قسوة الطبيعة وضعف الإنسان أمام سطوتها المهيبة وإنْ كان خبيراً استعمارياً!
المكان كعنصر بنائي متفرِّد هو البطل الحقيقيّ في هذه الرواية وهو ما يحيلنا لتذكر أعمال أخرى سابقة اشتغلت على نحوٍ مقارب على ثيمات من هذا النوع (إظهار عزلة الشخصيّات في أمكنة محصنة) كما في رواية «صحراء التتار» للإيطالي «بوتزاتي» -تحوَّلت إلى فيلم سينمائي عام 1976 – التي بقيت شخصيّاها أسيرة القلعة النائية التي يمضي الرجال فيها أفضل سني حياتهم.

أعداء الإمبراطوريّة ورجالاتها

تبقى الشخصيّة الإشكالية الأكثر إثارة في هذا (الفيلم-الرواية) هي شخصيّة القاضي (المُمثِّل مارك ريلانس) كونها صورة مكثّفة للعُقدة الروائيّة. الأهم من ذلك أنها الشخصيّة المُفضَلة في أدب ما بعد الكولونياليّة. الشخصيّة الماثلة أمامنا أمضت زمناً طويلاً في تعاطيها مع المُجتمع المحليّ (بلدة حدودية ما) الذي تديره الإمبراطوريّة فانسجمت تدريجياً مع تقاليد الناس وتفهَّمت طبيعة حيواتهم ومعتقداتهم، كلّ ذلك أفضى إلى أن تكون ببعديها النفسيّ والثقافيّ شخصيّةً إنسانيّةً مقبولةً ومرحَّباً بها أكثر من غيرها. لكنها أيضاً في معيار المصائر الروائيّة ضحية من ضحايا الإمبراطوريّة، بل يمكن القول إنها أسيرة حرب دائرة، وحكاية الأسرى هي جزءٌ لا يتجزأ من حكاية الحرب ذاتها. إلّا أن تلك الشخصيّة من ناحيةٍ أخرى يمكن اعتبارها أنموذجاً وجدانياً للرحَّالة التائه، المهووس بـ«الآخر»، قُل المكتشف والباحث عن اطمئنان وتصالح داخلي في ربوع هذه الصحراء الشاسعة بغموضها وجلالها الآسر. وبسبب ذلك كلّه فالقاضي ليس الشخص المُناسب لتأدية مهمَّة استعماريّة.

منزل القاضي الآمن إلى حدٍّ ما -مع خدم وموظفين محليّين- يتحوَّل بمرور الوقت إلى ما يشبه المُتحف (كتابات قديمة وتماثيل ولُقى وأدوات مختلفة لها أسرارها وقيمتها التاريخيّة) لذا فهو العقل الشغوف بتراث هذه المدينة، الباحث عن معنى حضارتها (الآثار بوصفها ملتقى ثقافات وبوتقة هويّة إنسانيّة جامعة)، ولكن بحكم عمله كموظف في إدارة الإمبراطوريّة فإنه يحاول في المُقابل أن يخلق علاقة قُربى بين السكّان المحليّين والثقافة المُهيمنة عبر سُنن وشرائع يجدها فعّالة لحكم هؤلاء الناس وإدارة شؤونهم. من هذه الزاوية يبدو القاضي بقلبه المُلتاع عاطفياً رجل الإمبراطوريّة المُهادن ، الرجل الذي يغلب هوسه الشخصي-الثقافيّ على تحقيق مصالح الإمبراطوريّة التي ترى فيه خائناً يستحقّ العقاب.

على عكسه تماماً يبدو العقيد «جول» بنظارته الشمسيّة المُريبة وتعابيره القاسية شخصيّة مؤمنة بقيم الاستعمار وأحقية مشروعه في النهب القاري الذي يحتِّم السيطرة التامّة على هؤلاء الناس المُتخلّفين الذين يحتاجون مَنْ يحكمهم. شخصيّة باردة ومتغطرسة هي انعكاس شكلي لحكام الإمبراطوريّة (أيّة إمبراطوريّة). سلوك القاضي لا يروق للعقيد جول (المُمثِّل جوني ديب)، ويجده الأخير غير فعَّال، بل إنه مضر بمصالح الإمبراطوريّة التي تريد أن تحمي حدودها من هجمات محتمَلة للبرابرة. لا بد إذن من وضع خططٍ محكمة لترهيب الناس لكي لا يفكِّروا مطلقاً بالتعاون مع الأعداء، فضلاً عن استجواب السجناء بأشدّ الطرق قسوة لانتزاع المعلومات الأمنية منهم. السجناء أناس بسطاء تمَّ إيداعهم السجن لأسبابٍ تافهة ليست لها أدنى علاقة بالتمرُّد على سيطرة الإمبراطوريّة.

بحكم عمله يفرض العقيد «جول» طرقاً جديدة للاستجواب وانتزاع الاعترافات من المساجين. لذا يعتبر أن الألم هو الحقيقة الوحيدة وأيّ شيء آخر هو موضع شكّ. من هذه الزاوية ستذكِّرنا شخصيّة «جول» بالكولونيل «ماثيو» في فيلم «معركة الجزائر» للمُخرج الإيطالي «بونتيكورفو»، والذي أوفدته الحكومة الفرنسيّة للقضاء على حركة التحرُّر الوطنيّ في الجزائر بعد عجز السلطات عن مواجهة هجمات الثوار المُتكرِّرة على المصالح الفرنسيّة. لكن عند التمعُّن بهذه المُقارنة سنكتشف أن «جول» رغم صلابته الظاهرة، شخصيّة هزيلة، انتهازية، تبحث عن مجدٍ شخصيٍّ ليس إلّا، فيما كان الكولونيل «ماثيو» الذي عاملته الكاميرا بسخاءٍ ملحوظ، رجل دولة يعرف ماذا يريد وكيف يصل إلى مبتغاه. يقول «إدوارد سعيد» في مقابلته الشهيرة مع «بونتيكورفو» إن ماثيو في فيلم «معركة الجزائر» ووليم ووكر في فيلم «احتراق» هما بالنسبة للمُخرج نمطان عقلانيان وجديان استوجبا التعامل معهما بمنطق واضح يقدرهما، وإن أفضى المسار الدراميّ في الفيلمين المذكورين إلى نبذهما واحتقارهما كشخصيّتين استعماريّتين بغيضتين.

من عزم الجنرال على تصفية القاضي إلى الاكتفاء بحبسه، تغيَّرت صورة الأخير وانقلبت رأساً على عقب لتصبح صورة عن شخصيّة هشّة منقادة لقدرها المحتوم بعد أن كانت متمرِّدة على سياسة الإمبراطوريّة وأساليبها القمعية بوعي أخلاقيٍّ ملحوظ. القاضي في نهاية الأمر وبفعل الإذلال الذي تعرَّض له يصبح ضائعاً بلا ميزة أو مرتبة ذات شأن، ضحية أخرى من ضحايا الإمبراطوريّة. ونحن نقترب من نهايته يتصاعد إيقاع الفيلم تدريجياً بعد ورود أخبار عن هجوم محتمَل للبرابرة على حدود الإمبراطوريّة وهي مكان مقفر متخيَّل أريد له أن يكون غامضاً من دون ملامح زمنيّة أو جغرافيّة محدَّدة. على الإمبراطوريّة إذن أن تغيِّر قواعد اللعبة تحسباً لما قد يحصل على حدودها الصحراوية. وإنْ بظهورٍ محدود يصبح العقيد «جول» ومساعده مانديل (المُمثِّل روبرت باتنسون) في قلب الأحداث الجارية، سعياً لمُعالجة الأمر الطارئ ووضع قواعد الحسم الأمنيّ للخطر المُحتمَل.

رجل كويتزي وإله كونراد

يتساءل القاضي الذي يشكّك في ولائه للإمبراطوريّة: إذا كان كلّ شيء مستتب في ربوع الإمبراطوريّة لماذا لا تتركون الناس وشأنهم؟ لماذا تقسون عليهم وتنغصون حياتهم طالما أنهم لم يعترضوا على النظام الذي وضعتموه لتسيير شؤون الحياة في هذه البلدة الصحراوية؟ وبمواجهة العقيد «جول» تخف لهجة القاضي وتصبح أسئلته مثل رجاءٍ أخوي لموظف خبير في إدارة شؤون الناس وفهم أنماط تفكيرهم. ربما أراد «كويتزي» أن يعلمنا بحقيقة أنّ الخداع والمُخاتلة يسهمان في تدمير روح الإنسان ويجعلانه بعيداً عن إحراز أي نصرٍ شخصيّ. من هنا سيصعب على قارئ هذه الشخصيّة استبعاد كلّ ما لها من سمات الرجل الأبيض (صورة استشراقيّة نمطية)، كما لا يمكن إنقاذ هذه الشخصيّة المُثيرة والمُتقلِّبة من سمات الجبن اللصيقة بالمُثقَّف الذي يتمسَّك بلعب أدواره التقليديّة في ظروفٍ عصيبة.

تلك السمات الشخصيّة اللينة للقاضي (أدى المُمثِّل مارك ريلانس دوره ببراعة) ستدفعنا إلى تقدير دوافع القوة والأنانية والتمايُز الفردانيّ لدى شخصيّة أدبيّة وسينمائيّة أخرى تقف على مسافة ليست بعيدة هي شخصيّة «كورتز» في رواية قلب الظلام لكونراد (1857 – 1924) التي اقتبس روحها العميقة المُخرج «فرانسيس فورد كوبولا» في فيلمه ذائع الذكر (الرؤيا الآن 1979). كان كورتز شخصيّة إشكاليّة مثيرة (موظف في شركة للبحث عن العاج) انسلخت من جسد الإمبراطوريّة التي تسبَّبت عدوانيتها بالمزيد من المجازر بحقّ السكّان المحليّين.

كورتز الذي يعتقد أنه يخدم الحقيقة المُغيَّبة بفعل أضاليل المُستعمرين سيندغم مع الطابع الأسطوريّ لمُعتقدات السكّان المحليّين بعد انهيار الركائز الأخلاقيّة للإمبراطوريّة المُتوحّشة التي خدمها طويلاً، يقرِّر النأي بنفسه والعيش بين هؤلاء الذين تصوِّرهم الأدبيّات الكولونياليّة كأقوام من البدائيين السذج. وبحكم ذاتيته المُكرِّسة للقوة (الشيء الذي تفتقده شخصيّة القاضي) يشعر كورتز أنه إله مُطاع عند قومه المُسالمين وعليه أن يخلق مملكته الخاصّة مثل قدر أوروبيّ يمكث في لاوعي السكّان ويتحكَّم بعواطفهم وحاجاتهم. هل كان كورتز والحال كذلك نسخة مضللة لاستعمارٍ جديدٍ ناعم؟

كان القاضي راضياً بعمله وإنْ بدا مشكّكا في غاياته، لكن الأمر الذي أطفأ ثقته بصواب عمله هو مقدم الجنرال «جول» الذي يعرف تماماً قدرات القاضي ونقاط ضعفه. فهو بالنسبة إليه عشية التحقيق معه بتهمة التعاون مع البرابرة، ليس أكثر من شخصٍ حالم أجهزت أشباح الصحراء على صواب عقله. على العكس تماماً من قوة كورتز المُلهمة، كان القاضي الشخص الذي يمكن للإمبراطوريّة التخلّي عنه بسهولة لصالح رجل أمن بلا خبرة، لكنه أكثر ولاءً وقسوة، وذاك هو التعبير الأمثل عن حلم الإمبراطوريّة في بسط سيادتها على العالم.

الإمبراطورية: صورة أخيرة

خلال التحقيق معه يسأل الضابط الشاب «مانديل» القاضي العليم بشؤون المُستعمرة الصحراويّة، ما هو برأيك سبب نقمة البرابرة علينا؟ ما سبب كلّ هذه المشاكل؟ يحيلنا هذا السؤال الاستعماريّ القديم والمُتجدِّد إلى سؤالٍ مماثل طرحه الأميركيّون عشية أحداث 11 سبتمبر: لماذا يكرهوننا؟

يجيب القاضي أن لا مشاكل تُذكر هنا قبل أن يأتي الغرباء بآلاتهم المُزمجرة وضجيج أسلحتهم لاعتراض مصالح الناس البسطاء واستغلالهم. يوماً ما سيحقُّ لهؤلاء الناس الدفاع عن حياتهم ومصالحهم. ألم يشي النقش البربري النادر بكلمة «انتقام» وتعني إذا قلبت اللوح «العدالة» ولا ندري أيهما المعنى المقصود؟ إلّا أن كلّ ذلك لا يقنع بحالٍ من الأحوال عقلاً استعماريّاً كعقل العقيد «جول» الذي يعتقد أن لا تاريخ هنا. هذا المكان هو لا شيء. نفاية لن يتذكّرها أحد.

أسوة بعقائد الإمبراطوريّات السالفة ليست أفكار العقيد «جول» صائبة دوماً وممكنة النجاح. في تاريخ الكولونياليّات بقيت العديد من الأسئلة غير مُجاب عنها. هذه الأفلام وتلك الروايات التي وثَّقت بصيغٍ مختلفة مراحل واقعيّة أو متخيَّلة من عصر الإمبراطوريّات الكبرى سعت جاهدة «لإعادة الثقة بالمُستقبل بقدر طرحها للعديد من الأسئلة المُزعجة التي لا جواب لها» بتعيبر إدوارد سعيد

مدينة في ورشة نزار صابور

شرع الفنَّان السوريّ نزار صابور (اللاذقيّة 1958) برسم المدينة في مرحلة مبكّرة من سيرته الفنّيّة، تحديداً في ثمانينيّات القرن الماضي، قبل أن ينتقل إلى مواضيع جماليّة أخرى؛ وها هو الآن ينكفئ عائدًا إليها في زمن الدار السوريّة المُلوَّعة. ما الذي دفعه لمُناداة المدينة.. مدينته، من وراء تخوم المراحل الفنّيّة الماضية؟ هذه المقالة تحاول الاقتراب من محاورة المدائن عامةً، وكيفيّة تأثيرها على سيمياء الحاضرة المُتبدِّية على قماش اللوحة التي أنجزها نزار صابور، إضافة للفوارق التي تميِّز مدنه الحاليّة عن تلك المرسومة في الماضي.

منذ لوحة «حارة الخرنوبة» (1973)، مسقط رأس الفنَّان، أضحتْ المدينةُ الرحمَ الذي يَؤُولُ إليه المصير التشكيليّ، بغض النظر عن عناوين المعارض العربيّة والدوليّة المُتعاقبة، والتي أذكر منها: «عن دمشق»، «مدن»، «حياة في الرماد»، «عبلة وعنترة»، «سكان التلّ»، «جدران تدمريّة»، «الحب ما أمكن»، «حتى الحرب لها حدود»، «أيقونة تدمريّة»، «معلولا»، «القلمون»، «نواويس سوريّة»…

حين التنقيب في حفريات المدن، ومشهديات البلدات الصابوريّة، تتكشف ينابيع متفاوتة تسقي لوحته بالأمواه المرجعيّة، وتمتد من الفنّ المحليّ السوريّ المُغرق في القدم، إلى العالميّ المُعاصِر؛ لتصب في بوتقة إبداعٍ تكون فيها حدقة الفنَّان مسمّرة على سيرورة المدينة، وصيرورتها آن تَجَلّيها في اللوحة على طريقتها التعبيريّة، مجبولةً بالخبرة الفنّيّة، والهموم المعيشيّة والثقافيّة، فضلًا عن تكوين الفنَّان المعرفيّ المُنفتح على بوليفونيّة الصوت التشكيليّ، وترجيع الحساسيّات الجماليّة المُختلفة.

لكلّ ذلك، ليس بمستغرب، حضور الفنّ الأيقونيّ السوريّ البدئيّ ما قبل البيزنطيّ، وميراث الملاحم الشعبيّة، والخربشات العفويّة «الغرافيتيّة» بنزعتها الفرديّة العفويّة والمألوفة على الحيطان المدينيّة؛ كما تحضر الرموز العقيديّة الشعبيّة المُتنوِّعة، فضلًا عن هامشيّات مكتفية بذاتها كالأبواب والنوافذ والعقود والنواويس..، حتى نعوات الوفيّات التي تعلّق على الجدران، بل وصحن الزيتون المُشترك على مائدة أهل الديار السوريّة… كلها تأتي إلى التصوير من تراث المدينة، التليد أسوة باليومي، تتوق للتجدُّد على يد الفنَّان، ومتابعة الحوار ومراكمة «الجميل» في تاريخ الفنّ السوريّ والعالميّ على حدٍّ سواء، ومعه مقاومة الفقد والفناء، والغياب والتغييب.

يخطط نزار صابور مدائنه بدُرْبَة وحِنكة، ينظمها وهو يتفكّر متأنيًّا، يتفحص مترويًّا، ويتحكَّم مترفِّقًا في التقنيّة والمُعالجة والتلوين والضوء… حتى في نسيج اللوحة وملمسها، بكلّ ما لكلمةِ «ملمسٍ» من معنى ماديّ حسيّ، وانفعاليّ متعالق مع ثخانة المادة اللونيّة، وكثافتها، وتعرُّجاتها، وترقُّقها حتى خِفّة الغباشة الضبابيّة. موظّفًا لهذه الغاية مواد طبيعيّة نبيلة مثل عُرجوم الزيتون المرمّد، والرمال، والطين، وعجائن التلاوين المُبتكرة…

من خلال هذه التكوينات، تنتظر المدينة، كما موادها الخام، إعادةَ التكوين بالمُعالجةِ الجماليّة، كي تسقي عطاش اللوحة؛ بينما يشدِّد الفنَّان على كفاءتها التواصليّة مع المُتلقي، وصلاحيّتها الحواريّة في راهن لحظتها، وما يفيض عن اللحظة من أزمنةٍ قادمة.

من جانبٍ آخر، تتمظهر مدينة نزار صابور كمكوِّن من مكوِّنات تضاريس الأرض، وطيات الأدوار الجيولوجيّة الوجوديّة الثقافيّة، وقول الأرض هنا يعني: أرض اللوحة كما أرض المشهد التصويريّ. هكذا يشكّل جَمْعُ الدور والعمارات الغفيرة طبوغرافيّة الجبل، والأكمة، والسفح، حتى قيعة السراب والعكس صحيح. فالمدينة لا تصعد العلو الجليل فقط، بل تكوّنه وتصيّره. لذلك لا يمكن نقل هذه المدينة إلى مطرح آخر، ولا يمكن تخيّلها في فضاء زمكانيّةٍ أخرى، لأنّها حالةٌ لابِثة ثاوية، في الأرضِ مقيمة؛ هي قبةُ المكانِ الثقافيّ السوريّ وما يأتي به الزمان من وجود.

في جميع تصاوير المدن، يقوم صابور برفع الأفقِ في الرسم، يزيح المنظور، يوسع من إمكانيّة رسم ما يعرفه، على حساب ما يبصره مباشرة؛ يزهد عن محاكاة الواقع الحَرفيّة، ليحاكي جوهر الواقع، ويمكّن الرؤية القلبيّة من التعبير عمّا يبصره الفنَّان ويتبصّره. وعليه، يدع منظر المدينة معلّقًا على ازدواجيّة مختلطة تتكافل فيه العينيّة مع التجريد، التركيب مع الانحلال، دقة الرسم مع الإيعاز، شكل الأرض مع فحوى السماء، انفعال الخط مع موحيات اللون، المُسطح مع مخاتلة العمق، والمكان المادي المُتموضع في إطار روحاني. ومع هذا التكافل والتعشّق بين الثنائيّات، يبتعد صابور عن حسم لحظة الدفق التصويري؛ الأمر الذي يترك الشكل في المدينة عند عتبة اللااكتمال، أو عند نقطة التحوُّل، وذروة العزوف عن قول الكلمة الأخيرة، وهذا ما يجعل المدينة التي يرسمها صابور تنزوي بعيدًا عن التصنيف الأكاديميّ أحاديّ البُعد، تنوء عن الانغلاق، وتقترب من أسلوبيّة الهشاشة والخشونة، بل تترك انطباعًا قصديًّا بالعفويّة والفطريّة التقنيّة.

أمّا ما يميِّز محاورة المدائن الصابوريّة الأولى، قبل تفجُّر العنف في بلده، عن مدائنه الراهنة، فيتركَّز، أساسًا، في طريقة توظيف النور، وكيفيّة تسليطه على تكوين اللوحة. سابقًا كانت المدينة تستغرق في السكينة، تستحم بهطل نورٍ علوي سماوي، مطمئنة لمسقطه العمودي، الأمر الذي يمكّن التلاوين من الإعلان الجماليّ عن نفسها بحبورٍ صوفيّ خفيّ، ويفسح السبيل أمام الظلّ المُفترض للاقتراب الجريء من اللون، كما لو أنّه تدرُّج من تدرُّجاته. إلى جانب ذلك، كانت المدينة تولي عنايتها لاحترام مبدأ المُواجهة الشعبيّ الأيقونيّ، كأنها تشخيص لقديس سوريّ دهريّ. بمعنى أن المدينة تحضر إلى اللوحة، وتطالب باحترام كينونتها وتضاريسها وفطريّتها وأفقها المُتقوّس، ولا تكفّ فيها نثرات ضوئيّة موشّاة، أشبه بأنجم نورانيّة، عن التلألؤ من باطن الرسم.

أما مدينة سنوات العنف الأخيرة، فلا تغفل عن مبدأ المُواجهة، ولا تكفّ عن المُطالبة بالاحترام، ولكنها تركّز أكثر على الكيفيّة التشكيليّة التي آلت إليه من فقدان الاحترام والكرامة. لذلك، يهبُ الفنَّان الأولويّة للعناصر الانفعاليّة، والخطوط المُتوترة، والشكل المُضطرب؛ كما يعملُ على نقلِ رسوم أيقوناته التراثيّة من لوحاتها المستقلّة سابقًا، كي تؤطِّر مرتسمات المدينة، وتنظر إليها كما لو أنها شاهد على ما يجري فيها؛ فما من حاضرةٍ سوريّة منفصلة عن الميراث الثقافيّ؛ وما من مدينةٍ سوريّة إلّا وقد أتت عليها آلات اللهب، وضرام الحطب، ودواهي النوائب والخرائب.

في فضاء غريب تكاد تختفي فيه فكرة الضوء والهواء، يتراكم الرماد بكلّ تدرُّجاته (حتى لو كان اللون أزرق محمّلًا بالرماد)، ويتوزَّع على مساحة الرسم، متباينًا مع الألوان الأخرى، أو مع ذاتِ أبيضِه المُحايث… يتراكم الرماد، ومفهوم الرماد، معمِّقًا اختلاج التعبير التشكيليّ، مبسطًا التفاصيل المُعقدة، ومركزًا على كيفيّة تشبُّث المدينة بالأرض المحروقة، وهي تحاول مقاومة الموت؛ بينما نثرات تلوين النور المُنبثّ، تلتمع من دفائن الرماد، تهسُّ محدّثةً النفس عن نورٍ مضمر، وربما عن «حياة في الرماد».

مع التصاق اليوميّات السوريّة بالموت، لم يرجع الفنَّان لرسوم المدينة فقط، بل راح يدنو، خلال الشهر الماضي، من كليّة الحاضرة البانوراميّة، يقتطع منها مشهديّات جزئيّة، كما لو أنها كولاج مجتزأ من تصميم معماريّ؛ ويفرد لهذا الجزء المكبّر لوحات كاملة تتسم بدقة التخطيط، وتسودها الأشكال الهندسيّة (المثلث، المربع، الدائرة…) ذات الدلالة الروحيّة الانفعاليّة.

في هذه اللوحات – القُطوع، يميّز المشاهدُ سلالم، وسبلَ حاراتٍ تتكئُ على حضِ الجبلِ، وتتوسدُ تجاعيده. في حقيقة الأمر، ما من حبيب للمدينة السوريّة، لم يرتقِ، فعلًا أو تخيّلًا، أدراج الأحياء الصاعدة إلى السماء الشاميّة. إنّها سلالم الحسّ والروح؛ عندها تجتمع مشقّة الجسد الفرديّة، مع شعيرة ارتقاء النفْس الكونيّة، درجة درجة؛ إلى أن يتنفّس الحبيب الصعداء آن الوصول لمصطبةٍ؛ ومن ثمَّ يتابع جهاد النفْس في المكان وبرفقته.

تنزاح السلالم الصابوريّة في اللوحات الأخيرة عن فكرة الوقار المُتعالي التقليديّة، وتتعالق مع تبجيل الهامشِ، وشرف المُحاولة لمَنْ يصعدُ الأدراج يوميًّا في المدينة السوريّة.

في بعض هذه الرسوم تظهر أشجار سَروٍ، كنقاط علام ضمن التشكيل؛ أشجارٌ تصنفها الهندسة الزراعيّة كمصدات رياح تسيّج الحقول لتحميها؛ بينما تُومئ خضرتها الدائمة في فنّ المُنمنمات الشرقيّة إلى الحياة؛ أما في الفنون الأوروبيّة فينتصب السرو على طرفي الدرب إلى المقبرة، عاقدًا وصاله مع رمزيّة الموت… وجميع هذه التأويلات صالحة في حضرة مدينة نزار صابور، لأن مدينته السوريّة المحليّة هي كونُ الأكوان، وتكشّفُ حياة وموات بآن.

ما انفكّتْ «المدينة» في المنجز الفنيّ العالميّ، تمارس تأثيرها على الفنَّانين، وعلى كيفيّة توظيفهم لها في خطابهم البصريّ. تاريخيًّا، يرجّح أن أوّل تصوير تشكيليّ مدينيّ يعود لجداريّةٍ مكتشفة في حفريات أكروتيري في جزيرة سانتوريني اليونانيّة، وتُعرف بـ»فريسك السفن» (بين 1650 و1500ق.م). وتمثّل منظر مدينتين ساحليتين، يصل بينهما موكب السفين والدلافين في احتفاليّة ماتِعة. ويُعتقَد أنّ المدينة الأولى تقع على دلتا النيل، والثانية على شاطئ جزيرةٍ إغريقيّة كفَّنها الرماد البركانيّ لاحقًا. ويرى البعض أنّ هذه الأخيرة كانت وراء محاورة أفلاطون حول أطلانتس الفانية. بمعنى أنّ اهتمام الفيلسوف بأطلانتس البائدة، دفعه نحو التفلسف حول المدينة – الفاضلة. من الناحية التشكيليّة، ورغم تجاهل المنظور، يتبدَّى في «فريسك السفن» تعايشٌ بين نزعتين تشكيليّتين: الأولى حيويّة بهيجة رشيقة التكوين مقارنةً مع فنون الحضارات الأخرى آنئذٍ، خاصة حين تصوير احتفاليّة المراكب؛ أما الثانية، فهي نزعة تميل نحو تصميم صارم يلازم الشكل الهندسيّ المُجرد للمدينتين. ولعلّ في تكوين «فريسك السفن»، إشارة أولى في تاريخ الفنّ حول تكافل المُتناقضات، بل تكاملها في العمل الفنيّ الواحد، إشارة نعثر عليها في أساس المدينة التصويريّة التي أبدعها نزار صابور.

بالوصول إلى المدينة الصابوريّة، لابد من القول إنّ سماتها الكليّة تتوضح بفهم الدلالات الفلسفيّة والجماليّة السابق ذكرها، كما لو أن الفنَّان يتابع محاورة المدائن تصويريًّا؛ ذلك أن اجتماع مجمل لوحاته حول المدينة، يتبدَّى أسوة بتشكيلات حواريّة؛ بل يمكن القول إنّ منجزه على اختلاف المراحل، هو مشهديّات مقرّبة، أو تفاصيل مدينيّة، لا يتلبسها المكان فقطّ، بل أزمنة «الأنا» الثقافيّة وحالاتها، على المُستويين الذاتيّ والجمعيّ.

إلياس فركوح.. في أقصى درجات العزلة

عكف الكاتب الأردني الراحل إلياس فركوح (1948 – 2020)، على مدار مجموعاته القصصية السبع، على تطوير تجربته والغوص داخل شخصياته القصصية، محاولاً التعرف على الواقع الاجتماعي – السياسي الذي تتحرك ضمنه هذه الشخصيات. وقد اتسم عمله منذ بداياته الأولى بجَدْل الأرضية السياسية – الاجتماعية في قصصه مع تأمُّلات الراوي ومونولوجات الشخصيات التي تشكّل جزءاً من المشهد الاجتماعي، لكنها تحاول تأويله عبر تقليبه على اشتعالات نارها الداخلية. 

ونحن نعثر على هذه الطريقة في تقديم العالم في مجموعته «الصفعة» (1978) التي تضم بواكير قصصه، كما تؤشّر على ولادة قاص يحتفل بتحليل العالم الداخلي للشخصيات دون أن ينسى رصد التفاصيل الدقيقة لما يدور في العالم المحيط بها. ويمكننا تمثّل الملامح الأولى لعالم الكاتب بدءاً من هذه، فهي تكشف عن خياراته الأسلوبية وتقنياته المفضلة وطبائع الشخصيات التي تحتشد بها قصصه. ومن ضمن المفاصل الأساسية التي تعتني بها قصص هذه المجموعة: تفضيلُ الكلام عن الشخصيات الهامشية من مثقَّفين وعمَّال وطلبة، والانحياز لأسلوب المونولوج الذي يطعمه الكاتب بحوارات قصيرة تكشف عن العناصر الأساسية للمشهد القصصي، وكذلك اللجوء إلى استعمال ضمير المخاطب في الحديث مع شخصية غائبة تمثل بالنسبة للشخصية المحورية في القصّة نقطة ارتكاز أخلاقية ووجودية في الغالب. 

نصادف هذا الأسلوب في الكتابة والموقف السياسي الاجتماعي نفسه في مجموعة القاص التالية، ففي «طيور عمان تحلق منخفضة» (1981)، التي يمكن القول إنها مجموعة القاص التي تستحق أن نطلق عليها صفة الأولى على صعيد النضج الفنّي، يسعى القاص إلى تصوير أحلام شخصياته البسيطة وآمالها. وهو من ثَمَّ يجسّد للقارئ أهالي البلدة الذين يراقبون بحزن وأسى جنازة الشهيد ودفنه في قصّة «العباءات التي أضاءت الصمت»، حيث يتناقل أهالي البلدة الخبر الذي روته المرأة التي تندفع بين النساء مطالبة بدفن الشهيد المصلوب في الشمس.

«اندفعت المرأة إلى حلقة النساء عند حائط. كن يشرن إلى الشرق ويستعذن بالله. نسيت رجلها واستفسرت، فقالت إحداهن: 

ــ الجنازة مصلوبة في الشمس منذ الصباح، هذا لا يجوز.

استغربت المرأة:

ــ ولماذا لا تتحرّك؟ كرامة الميت في دفنه.

تنطحت أخرى:

ــ يقولون إنهم منعوها».

إن إلياس فركوح يشرك القارئ في صياغة الحدث ويقوده إلى دواخل الشخصيات التي تصنع الحدث وتنتقل من حالة اللامبالاة إلى الفعل. وهذا ما يجعل القاص يركز على حركة الوجدان الداخلي للشخصيات دافعاً الحدث القصصي إلى خلفية المشهد، حيث تتبادل الشخصيات الحديث عن قلقها وإحساسها بالخطر الذي يُزنّر الأفق الذي طلعت منه جنازة الشهيد التي منعت الشرطة دفنها.

في «إحدى وعشرون طلقة للنبي» (1982) سيكون هناك تواصلٌ في شكل الكتابة القصصية، عبر الاهتمام بشخصيات تنتمي إلى الطبقات الاجتماعية الدنيا والتركيز على الهامشيين والمهمشين من البشر. وسوف نلحظ في الوقت نفسه تحوّلاً في الكتابة، حيث يلجأ القاص إلى تطعيم نصوصه بلغة الشعر وأفقه الدلالي. لكن الاهتمام بشعرنة اللغة القصصية لا يقلص استخدام فركوح للتفاصيل وقيامه برسم انعكاس المشهد الخارجي على العالم الداخلي للشخصيات، وكذلك تفضيله الدائم لأسلوب التداعي والحوار الداخلي الذي ينقل للقارئ ما تفكر به الشخصيات.

في قصّة «آفو» على سبيل المثال يعمل فركوح على تطعيم السرد بالشعر.

«كان رطباً ساكناً كشاهد قبر في وجه شتاء. كنت ستعرفه حقاً. تفاحة كبيرة على الباب وقد انكشط النصف الآخر من صورتها فظهر الدهان الأخضر القديم. كنت ستشعر برهبة. هل تطرق الباب أم ترجع؟ ربّما يغضب «أواديس» للتطفل فيطبق على رقبتك بعظام يديه يحاورك بلغتهما شجاراً تكون باعثاً لإشارة التوجس في جهازه العصبي. «إن القاص معني بوصف عالم النحات الغريب المغرم بالتفاح، ممّا يذكر بقصيدة للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس تصف صانعاً للفخار يتزوّج نساءه الفخاريات ويقوم بقضمهن، كما يفعل أواديس في قصّة إلياس فركوح».

إذا انتقلنا إلى المجموعة التالية «من يحرث البحر» (1986)، سنعثر على تطوّر لافت. ويمكن أن نعد قصّة «من يحرث البحر» مفتاحاً دلالياً للقصص الأربع عشرة التي تضمها المجموعة، فهي تكشف، عبر العنوان والحوارات الداخلية التي تجري على لسان الشخصية الوحيدة في القصّة، البنية القصصية في «من يحرث البحر»، وقد أغامر بالقول إنها تكشف طبيعة قصص فركوح جميعها، بدءاً من قصص هذه المجموعة على الأَقلّ.

تقوم قصّة «من يحرث البحر» على تقنية سردية شائعة تعتمد ضمير الشخص الثالث (المؤلف) الذي يروي أحداثاً وحوارات داخلية تهجس بها الشخصية الرئيسية في القصّة. ويوفِّر السرد التقليدي للقاص إمكانية رسم ملامح شخصيته بدقة أكبر بحيث يستطيع رسم هيئتها الخارجية ثم ينثني لينقل للقارئ هواجس الشخصية وهذياناتها وعذاباتها.

إن طبيعة السرد هنا تقليدية فالقاص يستخدم أسلوب السرد في أواخر القرن التاسع عشر ممكناً المؤلّف من اللعب بشخصياته كما يشاء، موجّهاً لها بالطريقة التي يعتقد أنها ستحدث الأثر المطلوب في السرد. لكن إلقاص يذوّب هذه السمة التقليدية بتذويبه الفاصل بين الفعل الماضي والفعل المضارع، مكسباً عمله روحاً حداثية تختزل السرد التقليدي وتحوله إلى مجرَّد وسيلة تعبيرية تنمحي وسط الترددات التي يخلقها السرد بين الماضي والحاضر، بين الوصف الخارجي لهيئة الشخصية وسرد مونولوجاتها، بين هيجان الطبيعة (البحر) وهيجان النفس.. وهكذا إلى الحد الذي تنمحي فيه الحدود الفاصلة بين هذه الصيغ اللغوية والتعبيرية.

«ليس من خيط يفصل العتمة عن الانقشاع. يتقدَّم الفجر خفياً، خفيفاً، خالياً من أي صوت؛ مثلما الأشياء الرابضة في مطارحها. إنارات واهنة في شرفات البنايات الكامدة. تقترب من الممرات المرصوفة بالحجر الخشن. حافية. تمشي على رؤوس أصابعها. على الأحجار المحبحبة، الخشنة. بقايا صباغ أحمر على الأظافر العارية.

وكالفجر؛ خفيفة، تتخفى بلا تقصد بين نباتات الأرض المشرفة على الشاطئ. صوت البحر الصباحي كالهمس. تلامس ذرات الرمل الذي أتت به الريح. تحسه في باطن قدميها العاريتين. ما من كائن صحا، اللحظة، ليشهد هبوطها نحو الشاطئ».

ثمّة محاولة دائبة في قصص فركوح لتذويب فعل الانفصال عن الأشياء وتحويله إلى نقيضه: أي إلى فعل اتصال والتحام بالموجودات والعالم عبر تذويب كلّ ما يمكن أن يكون فاصلاً سواء أكان فاصلاً زمانياً أم مكانياً، فاصلاً يأتي من الخارج أم من الداخل. وتمثّل قصّة «من يحرث البحر»، سواءٌ في عنوانها الذي يتخذ صيغة التساؤل أو في إلحاحها (في الوصف وحوارات الشخصية الداخلية) على تقليب إمكانية الفعل وعدمه، الهاجسَ الملازم لقصص فركوح أصدق تمثيل.

يقوم إلياس فركوح في بقية قصص المجموعة بتجلية هاجس التواصل، مقلّباً هذا الهاجس على وجوهه. إنه يعمل على توسيع دائرة عمله ببنائه نماذج بشرية وأوضاعاً وحالات نفسية تكشف عن الفكرة الرئيسية القائمة خلف عمله كلّه. ولذلك يمكن القول إن قصصه هذه ليست إلّا توزيعاً لفعل تذويب الانفصال على تجارب وأوضاع تشترك في فقدان فعل التواصل مع الأشياء والعالم.

في قصّة «علاقة» تتجلَّى الفكرة الكامنة في هذه القصص. ولعلّ النموذج الذي يختاره القاص بدقة هو ما يجلو هذه الفكرة حيث يبوح سرد أفعال المرأة العجوز المتوحّدة بما لم تبح به قصّة «من يحرث البحر». في «علاقة» نحن أمام وصف دقيق للوحدة والعزلة. امرأة عجوز متوحّدة في بيتها مملكة عزلتها، ولكنها تبحث عمن يؤنسها في هذا العالم المنعزل الرتيب. إن وصف الرتابة قائم في بؤرة السرد يتكرَّر ويتردَّد في المسافة الفاصلة بين الفعل الماضي والفعل المضارع اللذين يتناوبان الحضور. وفي هذه المسافة الفاصلة يسكن فعل التوحّد والعزلة الذي يتردَّد بين ذكرى الماضي ورتابة الحاضر.

«لم تكن مستحثة تجاه الأشياء. تنتقل من مكان إلى آخر بقدميها الواهنتين، وفي صدرها يتنفس التمهل معطياً للوقت ارتخاءه والكسل. تمرّ على أشيائها بثقة التي تعرف أشياءها ولا تطيل النظر. هي موجودة كالأمس وكالغد وكالصوت الرتيب في الخارج. لا أحد ينكرها، ولا قوة قادرة على نفيها. ما كانت تحتاج لمن يؤكِّد لها ذلك. شامخة كالحقيقة تتلبس كيانها، وإلى الزاوية المزججة تزحف.

تضع قهوتها المغلية على الطاولة القصب.. فترتاح ذراعاها. تتأنّى بإنزال جسمها في الكرسي الهزاز.. فيسترخي الورم في قدميها الواهنتين.

يصير الصوت الرتيب في الخارج مطراً يهمي فوق تربة كالإسفنج المشبع».

لا شيء يمكن أن يُذوّب هذه العزلة سوى أحلام اليقظة التي تتبدّد بفعل ذاتها. إن المرأة العجوز تحلم بمن يؤنس وحشتها، ولكنها تحلم أيضاً بمصرعه تحت عجلات سيارة. ورغم أن كلّ شيء يحدث داخل المرأة العجوز فإن مصرع القط يتسبّب بصدمة هائلة لها.

«وتنهار مثل حمل ثقيل، بينما يهتز كرسيها بصوت كالتمزق هذه المرّة. كان دمه ينسفح في عينيها مع دمعتين رطبتين».

عليَّ أن أسأل الآن، بعد أن قرأت نموذجين من نماذج العزلة في هذه المجموعة، عن أشكال هذه العزلة وصورها وتمثيلاتها، لغايتين: الأولى تتعلَّق بالتعرف على تمثيلات العزلة في قصص تركز على هاجس العزلة والشعور بالوحشة كثيراً، وتتوق إلى تبديد الفواصل بين الإنسان وغيره من كائنات بشرية وغير بشرية. والثانية تتعلَّق بالوهم الذي قد تخلقه قصص فركوح أحياناً، إذ قد يظن القارئ أن وصف معركة، مثلاً، أو وصف تواصل اجتماعي، يُعَدُّ ابتعاداً عن البؤرة المركزية لعمل القاص. لكن هذا الظن سرعان ما يتبدد عندما نحلل البناء السردي للقصص ونرصد الكلمات والعبارات التي يجاهد القاص لإخفاء قصدها الدلالي في تبديد هاجس النفي والعزلة، وعندما نضع أيدينا على ما يختفي وراء هذا البناء القصصي من هواجس وأحلام ومكابدات.

تمثل قصّة «الرجل والمرأة»، التي تتركَّز حول مشكلات عامل مصري وتصف شعوره بالغربة عن وطنه وزوجته كما تصف موته وأثر ذلك على زوجته. وهو يركّز في هذه القصّة على وصف عزلة العامل المصري بالدرجة نفسها التي وصف بها عزلة المرأة العجوز. وليس هذا أمراً مستغرباً إذا سلمنا بالقول إن فعل التوحّد والاغتراب هو الشيء الجوهري في قصص الكاتب. ومهما اختلفت آلية وصف الحدث فإن استراتيجية النصّ تظل هي نفسها: وهي القبض على العزلة متلبسة.

ويمكن تعيين تمثيلين أساسيين من تمثيلات العزلة نصادفهما في قصص فركوح:

الأول: يصف العزلة بصورة مباشرة، إذ تدور القصّة حول موضوع الاغتراب والعزلة والتوحّد، ولذلك تكتسح العزلة ومشتقاتها ومرادفاتها صفحات النصّ. وفي هذا النوع من التمثيل تُرسم العزلة بوصفها بيت الروح المهزومة. المرأة في «علاقة» كائن هزمته الحياة بالشيخوخة، ولكن طبيعة الحياة المعاصرة أفقدتها كلّ ما تملك من تواصل مع الآخرين فغدت وحيدة بسبب هجران أبنائها لها وابتعادهم عنها. لقد أصبحت المرأة العجوز مسجونة داخل عالمها الباهت المقام على ذكريات ميتة، ولم تعد لدى العجوز أيّة قدرة على إقامة أيّة علاقات تواصل مع الآخرين حتى عبر أحلام اليقظة. أمّا في «من يحرث البحر» فإن الروح المهزومة تتمرَّد على ما يبدو قدراً وتلجأ إلى اعتناق الحياة والقوة والصدام عبر التواصل مع رمز القوة والحياة (البحر). لهذا السبب يمكن أن نستدرك ونقول إن العزلة في قصص فركوح ليست قدراً أو وضعاً مستحكماً لأن هدف الشخصيات هو مقاومة هذه العزلة وفك حصارها. وفي بعض قصص «من يحرث البحر» تقوم الشخصيات بفض عالم العزلة وتمزيقه أو أنها تشرع في عمل ذلك على الأقلّ؟

التمثيل الثاني: ذو طبيعة غير مباشرة حيث تصف القصص تجربة حياتية تبدو في ظاهرها غير ذات علاقة مع بؤرة عمل القاص. وتدور هذه النوعية من القصص حول الموضوع من بعيد وتومئ إليه دون أن تقترب منه. ولكن ما تبطنه الإشارات الخفية وبعض الكلمات المشتقة من فعل العزلة ومرادفاته تفضح دواخل الشخصيات.

لنتأمَّل هذا المقطع من قصّة «الماء.. وعز العرب منصور» التي تبدو بعيدة كلّ البعد، في الظاهر، عن الموضوعة المحورية لقصص المجموعة، وسنضع أيدينا على مرادفات العزلة والاغتراب. 

«لم يكن يختلف في شيء عن الآخرين من عباد الله. فملامح وجهه تكاد أن تكون نسخة عنهم. شعر جعدي. عينان بنيتان يشوبهما اصفرار خفيف. جبين تتوزَّعه مسارب العرق. أنف يميل إلى الضخامة. شارب مهوشة شعراته مطبق على الفم. كأنما محكوم على هذا الفم بالانطباق منذ الأزل. لا كلام. بل على صاحبه أن ينام ويعمل، ثم يعمل وينام. لا وقت للتفكير».

لقد حاولت فيما سبق أن أبرهن على صحّة تصوري لعالم إلياس فركوح، في هذه المجموعة وربّما في مجموع قصصه، ولكنني لم أرغب في فك ارتباط هذا العالم القصصي بالمجتمع والواقع وآليات عمل القمع بصورة خاصّة. حاولت أن أتعرف على عالم العزلة بوصفه البؤرة التي تصورها القصص وتشير إليها من بعيد، لأصل في النهاية إلى القول بأن عالم العزلة في قصص فركوح ناشئ عن القمع وآليات عمله سواء أكان مصدره سياسياً أم اجتماعياً. لكن أثر القمع المتجلّي في العزلة لا ينعرض بصورة نستنتج منها أنه معلول لعلة لأن السارد لا يركّز على القمع بل على أثره؛ فهو يصف العزلة الخانقة التي تعاني منها الشخصيات. 

في مجموعاته السابقة يجعل إلياس فركوح من الراوي شخصية شفيفة تتمرأى من خلالها الذوات الأخرى في النصّ القصصي؛ فنحن نشعر بحضوره الخفي في السرد لأن كلّ شيء يتصفى من خلاله، ونشعر في الوقت نفسه أن الكاتب يتخايل وراءه وكأنه قطعة منه. ولا يعني هذا أن الكاتب يتدخَّل بشخصه في النصّ بل يعني أن هناك حضوراً طاغياً للمؤلّف في سرده. أما في مجموعته «أسرار ساعة الرمل» (1991) فإن القصّة، التي تحمل المجموعة اسمها تقوم على ظهور شخصية الكاتب في نصه القصصي، إذ يظهر الكاتب في بداية النصّ، مروياً عنه، وهو يعمل على خلق شخصياته وتوليف أحداث قصته المركبة. ويستخدم القاص استعارة الساعة الرملية ليعبر عن كيفية تشكل شخصيات القصّة وأحداثها.

«قلب الساعة الرملية وأخذ يتأمَّلها.

بدأت الذرات البلورية تنهال من العنق الدقيق. رآها تشع وتنطفئ، فيما طفقت القبة السفلية المقولبة تمتلئ بالرمل الوردي الغامق. استغرقه التأمُّل دقيقة، وبعدها لاحظ ضموراً في كمّية القبة العلوية. نبتت في داخله سخرية لم تزح له سترها. تابع تحديقه في خيط الانهيال الصامت. كان تواصله يكوم هضبة ناعمة سرعان ما تنبسط تحت الثقل الهاطل، ثم تعود لتتهضب من جديد.

ذرات الرمل تشع وتنطفئ، بينما تتوهّج السخرية في داخله مفصحة عن فكاهتها الآتية.. أغراه التتبع في أن يخلق القصص ويفض مكنوناتها. هكذا تتولَّد الحكايات وتظهر الوجوه».

يصبح الكاتب شخصية من شخصياته حيث يروي الراوي عنه وعن الآخرين، ويتابع تخلق فعل الكتابة، ثم انفصال الشخصيات عن الكاتب وامتلاكها حيوات خاصّة بها.

«قلب الساعة الرملية ثانية، وأخذ يتأمَّلها ليرى كيف تعبر الحكاية داخل الحجرات الزجاجية. آسف، داخل القباب المملوءة بالرمل. وبدأ».

إن الرمل هو المعادل الموضوعي للشخصيات لأنها مصنوعة من رمل الحكايات، ذرات دقيقة من الأخيلة تتراصف لتشكل حكاية من شخصيات وأحداث. وعلى هذه الاستعارة يقيم فركوح قصته. لكن الجوهري في القصة لا يتمثل في دخول الكاتب قصته، وتأمله لفعل الكتابة وآثاره، بل إن الجوهري هو تشكّل الحكاية من طبقات متعدِّدة. إنها حكايات مربوطة بخيوط من العلاقات الإنسانية، ولكن أحداثها تجري في طبقات تشبه طبقات وعي المؤلّف الذي يكشف عن الحكايات طبقة طبقة.

تتوظَّف استعارة الساعة الرملية في اتجاهين، كما هو شكل الساعة الرملية نفسها؛ نصف يتلقى الذرات الساقطة والنصف الثاني يدفع هذه الذرات إلى النصف الثاني. وعندما نقلبها مرّة أخرى يصبح المتلقي مانحاً والمانح متلقياً. إن الاتجاه الأوّل الذي تتوظَّف فيه استعارة الساعة الرملية هو الكشف عن تشكل فعل الكتابة، وتخلق الشخصيات في وعي المؤلّف (ولاوعيه كذلك). أمّا الاتجاه الثاني فيتمثَّل في تشكّل الأحداث في طبقات ثم اجتماع هذه الشخصيات مع الكاتب وانقضاض البوليس على الكاتب وشخصياته وسوقه إياهم جميعاً إلى السجن.

إن القاص يقارب محرمين اجتماعيين في نصه: الجنس بعلاقاته المسموحة والطبيعية (في سياق اجتماعي طبعاً)، والجنس بعلاقاته المحرمة، وكذلك السياسة بوصفها انتهاكاً للسائد. ومن الواضح من سياق إلقاء القبض على الكاتب في نهاية القصّة أن مقارفة هذه المحرمات ليست هي الممنوعة فقط بل إن وصف هذه المحرمات ممنوع أيضاً. إن الكاتب يعاقَب عقاباً أشد لأنه تجرأ ووصف هذه العلاقات ورسم ملامح عميل الشرطة السرية في قصته.

«كان الكاتب يسمع كلام الرئيس في فوضى الصراخ الموزّع على الدرجات الهابطة. آلمته الركلات والقبضات، غير أنه تابع نزوله. مر، مسحوباً، من أمام البيت المشرع. لمح النسوة المتشحات بالأسود. رآهن كتلاً متمعجة تتذبذب. ورأى أيضا باباً موصداً خيل إليه أن ثمّة طيراً بشعاً يحط عليه! صدمته ركلة جاءت فوق ظهره. ترنّح بين أذرعهم. وتهالكت قواه. تحامل واستمر بالهبوط.

وصل إلى الطابق الأرضي. توقَّف موكبه الصارخ. انتظروا إلى أن نجح فريق الإسعاف في إخراج جثة رجل كان الباب أضيق من أن يتسع لاثنين بالمرور عبره معاً. وتناهى إلى سمعه عويل امرأة متصل. اقشعر بدنه لإيقاعه الحيواني الصاعد من جوف القبو. وأخيراً، ها هو الشارع تحت سماء الليل الصيفي التي أرخت عليه، من عندها، نسمة هواء طازجة».

يمكن لهذه القصّة المبنية بناء محكماً أن تمثِّل خير تمثيل الشغل القصصي في مجموعة «أسرار ساعة الرمل». إنها تقوم على بناء مركب متداخل تتقاطع فيه الحكايات والمصائر، كما يتشكَّل المعنى الضمني للنصّ من هذا التقاطع المحكم للمصائر والحكايات. ثمّة محرمات اجتماعية وسياسية، وإدانة اجتماعية سلطوية. والكتابة، من ثَمَّ، تقع فريسة هذا القمع الاجتماعي السياسي. إن أرضية عملها تقع ضمن دائرة هذه المحرمات.

داني لافرير.. «المنفى يستحق السفر» 

شكل النفي، في معظم الأحيان، حدثاً قاسياً ومحنة شديدة الوطء على حياة المبدع، حيث يغدو المكان فضاءً لا يطاق، وجحيماً لا يُحتمل، وتظل فكرة العودة هاجساً مؤرقاً، بَيْد أن هناك العديد من التجارب التي تكشف لنا أثر هذا الحدث في بزوغ أعمال إبداعية نالت إعجاباً وشهرة؛ وذلك لما قد يوفره فضاء المنفى من حرية ورحابة، وهذا ما يسعى الكاتب «داني لافرير – Dany Laferrière» أن يبينه في كتابه «المنفى يستحق السفر –  L’exil vaut le voyage»، من إصدار دار النشر «غراسي – Grasset» في مارس، 2020، ويمكن اعتبار هذا العمل شهادة مبدع عاش تجربة المنفى بشكل مغاير غير معتاد.

عُدّ داني لافرير روائياً استثنائياً وكاتباً متفرداً بأسلوبه الأدبي، وتناوله للمواضيع الجريئة ذات البعد الإنساني. ولد في مدينة بورت أو برنس في هايتي، سنة 1953، وهو عضو الأكاديمية الفرنسية، وقائد فيلق الشرف، وقائد الفنون والآداب، والحائز على الوسام الكندي من درجة ضابط… حصل على سبع دكتوراه فخرية من جامعات كندية، وأمريكية، وفرنسية، ونال العديد من الجوائز الأدبية كجائزة مونتريال الأدبية الكبرى، وجائزة  ميديسيس.

ارتبطت جل أعماله بتيمَتَي المنفى والهوية؛ انتقد فيها الصور النمطية المعادية للأجانب، إضافة إلى تطرقه إلى التمييز الاجتماعي العنصري، بالكثير من الفكاهة والخيال. ومن أبرز هذه الأعمال: (رائحة القهوة)، 1991، و(بلد بلا قبعة)، 1996، و(بكاء الطيور المجنونة)، 2000، و(أنا كاتب ياباني) 2008، و(لغز العودة) 2009، و(صورة ذاتية لباريس مع قطة)، 2018. ليعود، من جديد، في كتابه المعنون بـ(المنفى يستحق السفر)، لطرح موضوع المنفى محافظا على طبيعة المواضيع المطروقة عنده، إلا أنه، في هذا الكتاب، عمل على رصد التفاصيل الدقيقة لتجربته الشخصية في المنفى، إضافةً إلى الانزياح المرتبط بالشكل؛ فالكتاب جاء في حجم كبير، مكتوب بخط اليد، بالكامل، تتخلله خطوط ورسومات وألوان، ويمتد ذلك من بداية الكتاب إلى لائحة البيبليوغرافيا، بل وحتى رقم ISBN، وحقوق الطبع والنشر.

يشير «داني لافرير» إلى أنه اضطر للهروب في جنح الظلام، سنة 1976، من هايتي إلى مونتريال الكندية، وهو ابن 23 سنة، وقد بدأ، حينها، حياة المنفى. كانت المغادرة بطريقة صادمة ووحشية، دون جمع للأمتعة أو توديع للأحبة، يقول: «كنت في الثالثة والعشرين من عمري، صحفياً ضد دكتاتورية «دوفاليي -Duvalier»، الذي قتل أصدقائي، وقد اضطررت لمغادرة البلاد على عجل، أنا الآن على وشك مواجهة أكثر الوحوش المخيفة المجهولة».

يتساءل المؤلف، في مقدمة الكتاب: هل هذه تجربة فظيعة كما يقال؟ ليعقد، بعد ذلك، مقارنة بين تجربته الشخصية وتجارب عدد من الكتّاب المنفيين العظماء؛ من أمثال «فيكتور هيغو – Victor Hugo»، و«مدام دي ستال – Madame de Staël»، «خورخي لويس بورخيس – Jorge Luis Borges»، «فرجينيا وولف – Virginia Woolf»، «نابوكوف – Nabokov»، «أوفيد – Ovide»، «غراهام غرين – Graham Greene»، والروائي الكوبي العظيم «خوسيه ليزاما ليما – José Lezama Lima»، والعديد من الشخصيات التاريخية مثل القائد «الهايتي توسان لوفرتور – Toussaint Louverture»، ومن عازفي الجاز المنعزلين في المقاهي المزدحمة. يقول «لافرير»: «وإذا كان المنفيّون لهم نصيبهم من الصراع والوجع، فإنهم، أيضاً، يمنحون رؤية مغايرة للعالم؛ ومن هنا هم منفيون مثمرون، لقد لاحظت أن المنفيين يتحدثون عن المنفى بنبرة حزينة، مليئة بالأنين. لكن، بالنسبة إليّ، لم يكن عقاباً بل كان ترفيهاً … لقد قادني المنفى لإعادة اكتشاف الحياة، بعد أن وضعت أسسها على (مأساة يونانية)، وقد مكنتني هذه التجربة من التعرف إلى ثقافة جديدة، ومعرفة أشخاص جُدد، وتبـَـني عادات غذائية أخرى، وكل هذا، من بلد إلى آخر، هو ما يحدث أمام أعيننا».

تتسم هذه الرواية بطابع غير مألوف في الكتابة، فهي رواية كاليغرافية مشبعة بالمرسومات، تنفجر بالألوان، وتقدم للقراء طريقة مختلفة في القراءة. يقول في هذا الصدد: «وأنا أستمتع بغناء (نينا سيمون) في نادٍ صغير لموسيقى الجاز في مونتريال، تولدت لديَّ فكرة كتابة رواية باليد، وبألوان وأحلام وخطوط؛ وهذا سيضفي طابعاً فنياً لكتابي، سيجعل من  المنفى رحلة تستحق كل هذا العناء: قصة مرسومة ومكتوبة باليد وليس هناك شيء أفضل من ذلك. إن كلمة المنفى التي نفهمها، تكون، في معظم الأحيان، مصحوبة بـالمعاناة والدموع والحزن … وهذا ما أردت تجاوزه. إن الخط، واختيار الألوان، وكتابة النص باليد … كل هذه الأشياء تعكس العواطف الصريحة والحيوية التي تملأ هذا العالم المصغر بمواجهاته الحقيقية والفنية (…)، فلا يوجد موضوع معين لهذا الاتجاه الجديد في كتاباتي. أجد أنه من الطبيعي أن أكتب باليد. هذه الكتابة اليدوية التي يتحدث عنها «جان كوكتو – Jean Cocteau» عندما يقول إن الكتابة هي طريقة أخرى للرسم. إلى جانب ذلك، إن الأطفال الذين يكتبون ويرسمون، في الوقت نفسه، يعرفون ذلك جيداً (لطالما اعتقدت أن الفن مصدره الطفولة). من خلال الكتابة والرسم، أردت العودة إلى طفولة الفن».

يقول المؤلف: «عندما تولد في بلد مثل هايتي، تواجه حالات استثنائية شبه يومية، تتساءل، من خلالها، كيف تهرب. لقد بدأت بالقراءة، ثم جاءت اللحظة التي تكون فيها حياتنا في خطر. اضطررت لاتخاذ قرار حاسم: أن أذهب إلى المنفى أو أذهب في رحلة. أدركت أن هدف الدكتاتور هو جعل حياتي درباً طويلاً من الحزن، وعندها قررت أن حياتي ستكون سلسلة لا نهاية لها من الرحلات. غالباً ما يحدث أن أشعر -بقلق- خاص، أنا متحمس في معظم الأوقات، كطفل متشوق يريد معرفة نهاية قصة رائعة تحكيها والدته. إن هذا التناوب بين الحزن والفرح هو الذي يبني وضعي بصفتي كاتباً».

ويضيف: «بصفتي كاتباً، بدأت أفكر في وضعي الحقيقي، كنت شاباً في مقتبل العمر، عشت في مونتريال تلك المدينة الجميلة، في غرفة ضيقة، حيث يمكنني التحكم في مصير جيبي. كان أول شيء فعلته إنشاء مكتبة، على رفوفها عدد من المنفيين. كنت سعيداً في ذلك الوقت، وأدركت ذلك، كما قال صديقي «هنري ميلر». لقد اندهشت من أن جميع هؤلاء الكتاب المنفيين الذين قرأتهم، تحدثوا عن المنفى بلكنة من الألم. بينما يوجد في المنفى هذه الإمكانية للعثور على حياة مفعمة وجذابة، وهذا حلم كل شاب وصل، للتو، إلى مدينة جديدة».

ومع هذا كله يبقى «لافريير» مشدوداً، دائماً، إلى وطنه، بَيْد أنه يرفض أن يبقى سجيناً داخل جدران مكان ولادته. فهو يعرّف عن نفسه منذ زمن بعيد بأنه (كاتب) يتخطى الحدود والانتماءات على أساس الهوية، كما هو الشأن في كتابه (أنا كاتب ياباني). لا يشعر بأنه مهاجر إلا أمام رجال الجمارك، ولايستطيع التفكير إلا في أثناء رحلاته، ذهاباً وإياباً إلى مسقط رأسه، في أن كل إنسان طبيعي هو غريب حتى داخل عائلته، وأن السفر والعودة يمثلان تحركا يقوم به الناس، باستمرار، في أثناء حياتهم، وأن من لا يفعلون ذلك هم أشخاص محدودون، يخشون الغريب وكل ما هو جديد.

إذا كانت كلمة المنفى، في كل من القاموس ومعجمنا اليومي، مرتبطة بنوع من العقاب والقمع الممارس من الأنظمة الاستبدادية، فإن المؤلف أعطى لهذه الكلمة معنى آخر؛ فالمنفى عنده رحلة نحو فضاء أرحب وأفق مغاير وحياة جديدة بكل تحدياتها، رحلة تستحق خوض كل تلك الصعاب والآلام. يقول : «يجمع هذا العمل جميع ألوان المنفى الزاهية. لأنني سئمت من أننا نربط المنفى فقط بالألم».

يبرز المؤلف في هذا العمل القوى الأدبية المذهلة في المكان والزمان؛ يقدم لنا نثراً رائعاً، هو بمثابة خلاصة تجربة حياة، يخبرنا فيها هذا المبدع عن كل شيء يبعث بالأمل والتفاؤل ومواصلة الحياة. إنه كتاب مليء بالمشاعر الإنسانية، والشعر، والنغم، والومضات التي نلتقي فيها «بورخيس»، و«هيغو»، و«باسكيات» وغيرهم، ليتأكد لنا أن المنفى، مثل جميع المواقف الصعبة، يمكن أن يعاش بسعادة معينة. 

إن المنفى -وفقاً لـ«داني لافرير»- يخفي، أيضاً، ثرواته وابتساماته ومواجهاته الرائعة: «إنها فرصة لمقابلة أشخاص جدد، مع كتاب ونساء وقطط!، فالعالم مليء بالثروات، وهذا الكتاب يجعلنا نكتشفها بسحر وروح الدعابة، ولكن، أيضاً، في بعض الأحيان، بغنائية متواضعة».

وهكذا، يعرض لنا «لافرير» وجهة نظر مغايرة حول الشعور بالنفي، معتبراً أن تقبلنا لهذا الحدث، والترحيب به عن طريق فتح أعيننا وعقولنا، سيُثرينا بلا شك.

محسن الموسوي.. «السِّياق الإسلامي لألف ليلة وليلة»

هذا الكتاب موضع ترحيب، وإن كان المؤلف مبالغاً في تقديره، في بعض الأحيان. وبما أن معظم الدراسات التي تناولت «ألف ليلة وليلة» حتى الآن، قد ركزت على التاريخ الأدبي والنقد النصي، فإن تحليل الموسوي المواضيعي تحليل جديد ومثير للاهتمام، وإن كان مؤرخو الأدب وعلماء اللغة سوف يعارضون العديد من افتراضاته.

يعطي عنوان كتاب محسن الموسوي انطباعاً جيداً عن موضوعه الذي يؤكد فيه أهمية «العامل الإسلامي» في مجموعة حكايات «ألف ليلة وليلة». فلماذا أهمل الدارسون والطلاب، بشكلٍ كبير، «السياق الإسلامي» لعمل أدبي تم إنتاجه في سياق إسلامي؟ فالازدراء المتوارث الذي مارسه علماء ومثقفون مسلمون تجاه «ألف ليلة وليلة» وقصص التسلية والترفيه، بشكلٍ أعم، أمرٌ معروف تماماً (يمكننا أن نضيف أن ازدراء هذا النوع من القصص لم يقتصر على المسلمين، فقط، فقد مورِسَ في ثقافات أخرى)، وقد يكون صحيحاً أنه ليس هناك اهتمامٌ كبير، في مجموعة حكايات الكتاب، بالقضايا التي كانت موضع عناية الفقهاء ورجال الدين وعلماء اللغة عادة (رغم أن الكتاب يتضمن الكثير مما قد يتوقعه المرء من قضايا الفقه واللغة). وقد اتّبع الدارسون الغربيون هذه الدعوى إلى حدٍ كبير. ويبدو أن هناك ردة فعل عكسية ضد مزاعم القرنين: الثامن عشر، والتاسع عشر، في النظر إلى «ألف ليلة وليلة» بوصفه «مرآة للعالم الإسلامي»، وإلى ترجماته المتضمنة للشروح (التي قام بها إدوارد لاين، وهنري بريتون)، بوصفها أدلة ميدانية وإثنوغرافية؛ لذا فإن العمل على دراسة «السياق الإسلامي» لـ «ألف ليلة وليلة»، هو موضع ترحيب خاص.

يغلُب على معالجة الموسوي، في هذا الكتاب، طابع المنافحة، «فالإسلام» يتوافق مع المُثُل العامة للمحبة والأخوّة والعدالة والمساواة بين الجنسين، وغير ذلك من الفضائل الليبرالية الحديثة. ويدَّعي أن هذه الفضائل كانت الأبرز في بغداد العصر العباسي الأول، ولم ينجح الفقهاء (معظمهم كانوا من الشاميين) في تجاوزها إلا في القرون المتأخرة (أي أن «الفقهاء الأوائل كانوا أكثر انفتاحاً وتقبلاً للتغيير من الفقهاء المتأخرين» [ص84]). 

إن تحديد مختلف العواطف والمُثُل العليا، ووضعها ضمن رؤية «عَالَم إسلامي» هو، في الجزء الأكبر منه، أمر واضح المعالم. وفي بعض الأحيان، تُلْقِي معالجةُ الموسوي بأضواء كاشفة واستفزازية، وأحياناً محيّرة، كما هو الحال عندما يذكر أن حكاية الإطار [حكاية شهريار وأخيه شاه زمان] «تكشف عن عدم المساواة والتمييز». قد يكون الاختلاط أو الحب بين الجنسين، والطبقات، والأعراق في حكاية الإطار، مرعباً بالنسبة إلى الأزواج والملوك الذين تعرضوا للخيانة، ولكن «من دون موضوعات الخيانة وأدلة الانحراف، كان يمكن أن تكون القصة متوافقة مع «السياق الإسلامي»، فالتأكيد على المساواة، بقطع النظر عن اللون والعرق، هو ما تُشدِّد عليه السُّنّة النبوية» (ص 41 – 42). ولا بدَّ لي من الاعتراف بأنه لم يخطر ببالي، أبداً، أنه يمكن النظر إلى الحفلات المختلطة العابرة للأعراق على أنها تدعم المثل العليا للسنّة النبوية! كما لم يخطر لي التفكير في حكاية الإطار من دون «موضوعات الخيانة»؛ ما الذي قد يبقى من الحكاية، إذا استثنينا الخيانة والانحراف؟

لكن من حسن الحظ أن معالجة الموسوي تمضي إلى ما هو أبعد من مجرد المنافحة؛ إذ يوضح، في عدد من الحكايات، خلفية بنية الدولة الإسلامية التي تتمحور حول حكمة الخلفاء وسلطتهم، كما تجسّدت (مثاليّاً) في الخلافة العباسية المبكرة، خاصّةً في خلافة هارون الرشيد. إنها عالم يقوم على نمط من النظام والسلطة، ولكنهما (النظام والسلطة) يخضعان للتذبذب في نطاقهما وفعاليتهما وقواعدهما الاعتبارية والأخلاقية والدينية. يلتقط الموسوي، بشكل رائع، الطرائق التي تنطوي فيها فنون السرد على التوتر بين «إيديولوجية دينية تتطلب بنية قوية تعطي للنظام مزيةً على العدالة، وبين «مدينة فاضلة» حيث يمكن للمظلوم أن يتوقع أن تكون الغلبة في نهاية المطاف لنوع من العدالة. كما يربط المؤلف بين موضوع الفدية في سرد القصص، والعلاقة بين الخليفة والفقيه. ولعل الفصل السادس المُعَنْوَن بـ «الإطار العام لتنظيرات السرد الإسلامي» هو الأكثر قيمة في الكتاب، وبالرغم من أنه يحمل عنواناً مضللاً، فإن المؤلف يُقدِّم فيه قراءة رائعة للتغيير الذي طرأ على الأذواق الأدبية، والدور الذي لعبه «القارئ» في هذا التغيير. وهنا تتجلى معرفة الموسوي بمصادر العصر العباسي الأدبية والعصور اللاحقة، كما يُقدم لنا رسماً تخطيطياً مشوّقاً ومضيئاً لدور النثر الأدبي، ووظيفته فيما يتصل بالشعر والوسط الحضري ومطالب الجمهور وتراجع ثروات الدولة المركزية (لكن يتوجب عليَّ القول إن الصلات بين «ألف ليلة وليلة» والأعمال التي نوقشت في هذا الفصل، قد لا تكون واضحة أو مباشرة كما تبدو عليه افتراضات المؤلف).

تهيمن مجموعة من العناصر على قراءة الموسوي، ولكن أهمها البيئة الحضرية، وخاصة العاصمة الكوزموبوليتانية (بغداد)، والوسط المتعدد الثقافات والأعراق في الحاضرة العباسية. يتم التشديد على الطبيعة الحضرية للحكايات، على امتداد الكتاب؛ الإغراءات والفرص المتاحة، وحالات الإبعاد، ولَمّ الشَّمْل، والتباين بين المدينة والريف وطبيعة حدودهما، وتعايش المجموعات المتنافسة، والضغوط. على سبيل المثال، يعتبر الموسوي حكايات الدراويش الثلاثة «نسخاً متمدنة من حكايات الصوفية»، فهي حكايات تبناها جمهور حضري من التجار. فالمُثُل الإسلامية في الحاضرة العباسية، عرضة للتقلبات والتعديلات؛ فمن ناحية، تشكل هذه التقلبات والتعديلات المادة الخام لسرد القصص كله، ومن ناحية أخرى، يرى الموسوي أن هناك العديد من الطرق التي تصطبغ بها تقلبات الوجود الحضري بالمنظور الإسلامي؛ ما يكشف عن نقاط التقاء بين السلوك البشري والعقيدة الدينية بطريقةٍ فريدة من نوعها (وفق تقديري). وبالنسبة إلى كتاب «ألف ليلة وليلة»، الذي تمت قراءته في ترجماته على نطاق أوسع من قراءته في لغته العربية، إن إعادة التركيز على السياق الثقافي لنسَخه الأصلية تعدُّ بمنزلة قوة دفع مضادةٍ ومفيدة للاتجاه السائد في النظر إلى الكتاب بوصفه أدباً عولميّاً أو عالميّاً.

يربط الموسوي بين القصص و»الإسلام»، على عدة مستويات. وكثيراً ما يستحضر نظرية ابن خلدون في الصعود والسقوط الدوري للمصائر السياسية، بوصفها خلفية لتقلبات الحب، والثروة، والسلطة التي تظهر في حكايات الكتاب. فعلى مستوى التفاصيل السردية، مثلاً، يشير إلى حالات المعاملات المالية التي يتم تنفيذها طبقاً للشريعة الإسلامية، وعلى وجه التحديد خصائص الشخصية الإسلامية، مثل الالتزام «بالأمر بالمعروف». والأمر الأكثر إثارةً للاهتمام هو أنه يحدد نقاط تقاطع الإسلام «الرسمي» مع هذا الأدب غير الرسمي في الأمور التي يشغلها «المُحْتسِب» (مفتش السوق). وبما أن كتاب «ألف ليلة وليلة» يبدو، بشكلٍ عام، في جزء منه، وكأنه نتاج فئة/ جماعة تشتغل بالتجارة، فإن السوق لا بد أن يكون مكاناً خصباً للسعي إلى إثارة المخاوف والتوترات التي تخيم على الحكايات، فضلاً عن المجتمعات التي أنتجتها. إن إشارات الموسوي المقتضبة إلى كتيبات الحسبة توحي بأن هذا المجال قد يكون مثمراً لإجراء دراسة أكثر منهجية، مستقبلاً.

وعلى الرغم من كل هذا، فالكتاب مخيّب لآمال القارئ، فهو يفتقر إلى العمل التحريري الدؤوب، إذ يكثر فيه التكرار والإشارات والتلميحات غير المسوّغة والأخطاء الوقائعية البسيطة؛ فأسلوب المؤلف يتسم بالكثافة وعدم الانتظام.

تبدأ هذه النغمة من فقرة الكتاب الافتتاحية حيث يتحدث المؤلف عن مجموعة الحكايات: «لكن بمجرد أن تمت كتابة الحكايات، جرى التلاعب بها وتمحيصها، وكانت محتوياتها تخضع للرقابة بطرق مختلفة. فعلى سبيل المثال، تتضمن طبعة بولاق (1835) حكاية، يظهر فيها مصطلح «رافضي»، لم يستخدمه القصاصون السابقون، كما نجد، مثلاً، في نسخة أنطوان جالان من القرن الرابع عشر» (ص1). وهذا يعني أن الحكاية التي عُثر عليها في إحدى النشرات المطبوعة في القرن التاسع عشر قد تغيرتْ عن نسختها السابقة في أقدم مخطوطة معروفة (هي المخطوطة التي حصل عليها أنطوان جالان، وترجمها) لتضاف إليها تلك الإشارة. فالملاحظ أن الموسوي لا يحيل، في اقتباسه المذكور، إلى أية مراجع، ولكن مصطلح «رافضي»، بحسب علمي، لم يظهر إلا في حكاية «علاء الدين أبو الشامات» التي لم تكن، قط، جزءاً من مجموعة جالان. وهذا يعني أن إدعاء الموسوي بأنه «تم التلاعب بالحكايات» و«خضوعها للرقابة» (لستُ متأكداً من خضوعها للتمحيص الدقيق) لا يؤيده المثال المشار إليه خلافاً للعادة، و – من ثمَّ – يدفع القارئ إلى التساؤل عمّا إذا كان الاتهام يتمتع بأية مصداقية، على الإطلاق. قد يبدو المثال تافهاً، لكن هناك أمثلة كثيرة مشابهة، والموسوي لا يعود، أبداً، إلى هذه المسألة. (وإذا كنتُ مخطئاً بشأن ورود مصطلح «رافضي» في مخطوطة جالان، فيسعدني تصحيح هذه المعلومة)

ينشأ القدر الكبير من هذا الخلط، نتيجة الرغبة في دراسة «ألف ليلة وليلة» بكل تجلياتها عبر العصور، بوصفها كياناً واحداً متناسق الأجزاء. وهذا المنظور، الذي يركّز على الغابة لا على الأشجار، إلى جانب معرفة الموسوي الواسعة بالثقافة الأدبية العربية، يتيح له إجراء التحليل المواضيعي الواسع الذي يمثل نقاط القوة في الكتاب. بيد أن هذا المنظور التاريخي قد يغدو عائقاً عندما يُستخدم لتعزيز الحجج التاريخية.

دعوى الموسوي أن مجموعة أساسية من الحكايات كما نتداولها، اليوم، جرى تداولها بشكل مماثل جدّاً في بغداد القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، وهذا أمر غير مرجَّح، على الإطلاق، لأنه ليس بحوزتنا أية آثار حول تاريخ مجموعة الحكايات تظهر لنا التحولات المهمة بين التاريخ الذي يذكره الموسوي والتاريخ الذي تعود إليه أقدم مخطوطة معروفة لدينا( ربّما قبل القرن التاسع التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي). وبشأن ما ورد عن الشاطبي (المتوفّى سنة 790هـ/ 1388م) في «حكاية الحلاق»، يكتب، ببساطة، أن ذلك «يطرح عدداً من المشاكل. فإما أنها مفارقة تاريخية، أو أن المخطوطة التي جلبها جالان معه كانت مكتوبة في ذلك الوقت» (ص120). لكن الموسوي، بشكل عام، مستعد لأن يفترض أنه في حال تم تحديد حكاية ما في بغداد هارون الرشيد، فمن الممكن أن تُعامل على أنها نتاج ذلك الزمان، وذلك المكان. 

وتعدّ معالجة «قصة الجارية تودُّد»(غير موجودة ضمن مخطوطة أنطوان جالان) أنموذجاً جيداً لمقاربة الموسوي للتاريخ الأدبي. يفترض الموسوي أن أقدم وقت ممكن يرجع إليه تاريخها هو القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، ويربط القصة بالاحتجاجات ضد السلطة غير المرضية في خلافة سامراء، ويرى فيها المسعى التخريبي لتحقيق المساواة نفسه، الذي كان وراء ثورة الزنج (القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي) (ص 24 – 25). إن ذكر الحُلَل والعباءات التي تنازل عنها العلماء كتكريم للجارية «تودُّد» والإقرار بفوزها يفضي إلى إشارات عن أهمية اللباس في اثنين من المصادر الفقهية، من القرنين: الثامن، والرابع عشر الميلاديين؛ ومن ثمَّ، يذهب الموسوي إلى القول إن القصة تمثل استعادة الدين من السلطة المؤسّسيَّة. و«يغدو الإسلام، في الحكاية، ملكيةً مشتركة، ويتحول الدين إلى عقيدة يتم تطبيقها وممارستها من قِبَل جميع المسلمين الذين يسعدون بتعاليمه المتعلقة بالمساواة، وينعمون برحمته غير المحدودة»(ص75). ومن المؤكد أن هذا التصور مخالف لوجهة النظر الأكثر معياريةً، التي ترى أن مضمون الحكاية العقائدي، وطبيعتها المركبة لا يمكن أن يظهرا قبل القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، كما تُشدِّد وجهة النظر هذه على أن العناصر التي تتكون منها الحكاية (رجل يخسر جاريته ثم يستعيدها؛ السرد القائم على الأحجية؛ امرأة يثبت تفوقها على الرجل) عُرِفت جيّداً في مواضع أخرى في الأدب العربي بشقَّيْه: الرسمي، والشعبي، وأن قصة الجارية «تودُّد» نفسها وُجدتْ في نسخ مختلفة. يُسلِّم الموسوي بأن القصة قد تعرضت للتغيير مع مرور الوقت: «فهناك مخطوطة في بغداد، تعود إلى أواخر القرن التاسع لا تتطابق مع مخطوطة أخرى جرى تداولها في القرن الثاني عشر في الشام أو القاهرة» (ص25). لن أجادل في ذلك، ولكن عندما يعود تاريخ أقدم مخطوطة معروفة لحكاية الجارية «تودد» إلى مطلع القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، فإن عبارة الموسوي المذكورة، آنفاً، عبارة مضلّلة في أفضل تقدير. وهناك أمثلة كثيرة مماثلة. 

يمكننا الانتهاء إلى القول: إن كتاب «السياق الإسلامي لـ «ألف ليلة وليلة» يتضمن العديد من النقاط المثيرة للاهتمام والاستفزازية، وأن المشروع كله، والذي أُطْلِقُ عليه «إعادة أسْلَمة» «ألف ليلة وليلة» (المصطلح لي وليس للموسوي)، هو موضع ترحيب، وإن كان المؤلف مبالغاً في تقديره، في بعض الأحيان. وبما أن معظم الدراسات التي تناولت «ألف ليلة وليلة»، حتى الآن، قد ركزت على التاريخ الأدبي والنقد النصي، فإن تحليل الموسوي المواضيعي تحليل جديد ومثير للاهتمام، وإن كان مؤرّخو الأدب وعلماء اللغة سوف يعارضون العديد من افتراضاته.


كاتب المقال: بروس فادج (أستاذ الدراسات العربية بجامعة جنيف)