أجاثا كريستي والعائلة.. الحقيقة الصامتة

خلال هذه السنة، نشرت الكاتبة الفرنسية المعاصرة «سونيا فيرتشاك – Sonia Feertchak»، كتاباً جديداً بهذا العنوان «La Vérité tue: Agatha Christie et la famille». وفيه تقترح قراءة أخرى لأعمال «أجاثا كريستي»، فقد لاحظت أن أكثر من خمسين رواية، عند هذه الكاتبة، تدور حول الجرائم العائلية، وأن الموضوع الرئيس في أعمالها هو: الشرّ العائليّ؛ العدائية العائلية؛ علاقة العائلات بالحقيقة…

في هذا الكتاب، ستقرأ، أيُّها القارئ، «أجاثا كريستي» كما لم تقرأها من قبل، وستقرأ عن العائلة ما لم يُقلْ عنها أبداً.

في العنوان الرئيس، هناك ما يفصل بين كلمتَيْه اللتين تؤلِّفانه، وهناك لعبٌ بالكلمات أيضاً، لأن العبارة الثانية، في هذا العنوان، قد تحيل على فعل القتل كما قد تحيل على فعل الصمت؛ لهذا ترجمناه على هذه الصورة: الحقيقة – الصامتة/ القاتلة، ولنا في الكتاب ما يبرّر ذلك، في صفحات متفرِّقة منه:

« كلّما زاد مرضُ العائلة،…، زاد الخطابُ ابتعاداً عن الواقع، وازدادت الحقيقةُ صمتاً. من دون أن يستطيع أيّ كان أن يعود إلى قولها، ما دام أعضاء العائلة معتادين على لغةٍ مُضلِّلة» ( ص93 – 94).

« الأقارب لا يتحرَّكون، ولا يفكِّرون؛ لأنهم يرفضون أن يقرّوا بأن الشرَّ موجودٌ في المنزل، وهم لا يستطيعون تقبُّل فكرة أن مَن وضعوا فيهم ثقتهم، دائماً، لم يكونوا يستحقّونها. وربّما كانوا يرتعدون من فكرة أن الحقيقة تَقتل، وأنّ بإمكانها أن تَقتلَ الجميع: هم أنفسهم ومن يحبّون والعائلة بأكملها» (ص 111).

الملاحظ أن روايات «أجاثا كريستي» هي، إلى اليوم، الأكثر مبيعاً، بعد الإنجيل، وشكسبير، وهي الأكثر ترجمةً إلى لغات العالم. والسؤال هو: كيف تتمكّن كاتبةٌ، تنتمي إلى عالَم مات واختفى، من التواصل مع الناس والحديث إليهم في عصر غير عصرها، وعالَم غير عالَمها؟ وفي العمق، عمَّ كانت تتحدّث «أجاثا كريستي» في رواياتها؟ ما ذلك اللغز الكبير الذي جنّدت له عدداً كبيراً من الروايات من دون أن تصلَ إلى حلّه؟

الافتراضُ الذي انطلقت منه الكاتبة «سونيا فيرتشاك» هو أن الروائية «أجاثا كريستي» كانت تسائلُ العائلة، وأنها، بوضعها العائلة موضع سؤال، كانت تكشف النقاب عن شيءٍ يَعرفه كلُّ واحدٍ منّا، لكنه لا يريد رؤيته ولا مواجهته. وما اكتشفته الكاتبة، في روايات الروائية، التي تدور كلّها، تقريباً، حول العائلات، هو أن الأمر لا يتعلَّق بجرائم داخل العائلات، فحسب، بل بذلك الشرّ الموجود بين الأقارب، أيضاً: علاقات القوّة بين الأقارب، وكيف تكون خفيّة إلى هذا الحدّ أو ذاك؛ انعدام الاحترام؛ الإذلال؛ التحكّم والتلاعب؛ الحرمان؛ سوء المعاملة أو زنى المحارم؛ الضحايا الذين يتحوَّلون إلى جلّادين…

وهكذا، تكشف الروائية أسوأ ما في العائلات، والأسوأ – تقول «فيرتشاك»- أنها على حقّ: لقد كتبت الروائية عن الطريقة التي تشتغل بها العائلات في زمانها وعالمها، لكن، في الواقع يبدو أنها تكتب عن ذلك الشيء الحسّاس داخل العائلات، في كلّ زمانٍ وكلّ مكانٍ.

ألَّفت «أجاثا كريستي» ستّا وستّين روايةً، ما بين (1915) و(1975)، وأكثر من خمسين رواية تعالج جرائم عائلية، أو كانت العائلة إطاراً لها. وهناك خمسٌ وعشرون من هذه الروايات، تتقدّم فيها شخصيةٌ على أنها شخصيةٌ أخرى: هناك آخر يحلُّ محلَّ الشخصية؛ هناك مسألة الازدواج والتضعيف؛ هناك مسألة الهويّة المخبّأة؛ هناك ذلك الآخر القرين الذي يشبهني، تقريباً؛ هناك مسألة الاستبدال: أطفالٌ جرى استبدالهم بعد ميلادهم مباشرةً…

وأوَّل شيءٍ نخرج به من كلّ هذه الروايات هو:

أننا لا نعرف الشيء الكثير عن هؤلاء الذين نعيش معهم وبقربهم؛ وأن هؤلاء الذين تحبّهم وتفترض أنهم يحبّونك تجدهم لا يريدونك على خيرٍ دائماً؛ وأنّ أجاثا كريستي تؤسِّس السرد، في رواياتها، تبعاً لإطارٍ نفسيٍّ، فلسفيٍّ، تقريباً، وأنها تمنح الجزئيّات اهتماماً كبيراً؛ لكن إذا كان «شيرلوك هولمز» يركِّز على المنهج، ويقول كيف ينبغي لنا أن نرى العالَم، فإن «بوارو»، و«ماربل» يكشفان عن مسألة أخلاقية: ما ينبغي لنا أن نراه في هذا العالَم هو أن «العائلة شرٌّ»: أن البيوت، كأهلها، تشكو من الازدواجية في الشخصية: فهي تكشف وتخفي، تحمي وتسجن، تبني وتخرّب.. فالبيوت هي الأنساق البيئية حيث تتطوَّر العائلات أو تتراجع، وتتدهور. وبالنسبة إلى«أجاثا كريستي»، لكلّ بيتٍ عائليٍّ شخصيَّته الخاصّة. وإذا افترضنا أن للمنزل روحاً، فذلك ليس إلّا ما يدركه الزائر من خلال طريقة أهل المنزل في تدبير الزمان، والمكان، وتدبير الجسد أيضاً.

أن الشرَّ محليُّ داخليٌّ، وليس شيئاً بعيداً وخارجيّاً، فالخيانة أو التهديد الأكثر شدّةً لا يصدران إلّا عن أناسٍ أحببناهم، واستثمرنا فيهم كثيراً، فالحبّ أكثر خطراً من الكراهية، تقول «أجاثا كريستي».

في روايات «أجاثا كريستي»، الرجال والنساء سواسية أمام الجريمة، ومن الصغار إلى الكبار، فكلّ فرد من أفراد العائلة يمكنه أن يكون مجرماً أو ضحيّةً. وعندما يكون المجرم داخل العائلة، فلا أحد يريد أن يراه، ولا أن يعتقد بما اقترفه. والجرائم في العائلات هي على جميع المستويات والدرجات: رجلٌ يقتل أخاه؛ مراهقةٌ تشوِّه جسد أختها الصغرى الرضيعة؛ رجلٌ يقتل عمَّته؛ ابنٌ يقتل أباه؛ أمٌّ تقتل رضيعها ثم أختها التوأم بعد ذلك؛ أخٌ يقتل أخته؛ طفلةٌ تقتل جدَّها… وتنطلق الروائية من أن الشرَّ داخل العائلة مرتبطٌ بالظلم والتمييز والتنافس والغيرة، ومرتبطٌ بالنجاح والجمال والذكاء، أيضاً.

في العائلة، كما في حكاياتها ورواياتها، يكون للُّغة معنًى خفيّ، معنًى مخبَّأٌ؛ ومن الممكن قراءة الجملة الواحدة بطريقتَيْن مختلفتَيْن؛ وفي كلِّ حكاية عائلية، هناك صمتٌ، وبياضٌ، وثقبٌ، وصور، وبلاغة خاصّة. ومصدر هذه البلاغة الخاصّة (بلاغة الصمت) هو أن الشرَّ، عند البعض، لا يُقال، ولا ينبغي لنا- تبعاً للبعض الآخر- أن نقول شرّاً عن أقاربنا..؛ كما أن الحقيقة ليست بالشيء المحمود الذي يُقال داخل العائلة، دائماً، وبالنسبة إلى «أجاثا كريستي»، الصمتُ رياضةٌ عائليةٌ بامتياز: هناك، دوماً، هذا الخوف من تفجير العائلة، وزعزعة نظام الأشياء؛ وهذا ما يعرفه الوسط العائليُّ، لكنه يلتزم الصمت، فالصمتُ هو السائد. في العائلة، نحن نرى كلَّ شيءٍ، لكننا نشتغلُ كأننا لا نرى شيئاً..وعندما يكون هناك صمتٌ أو حذفٌ، تأتي مَهمَّة القارئ، وهي أن يملأ البياضات، وأن يسدّ الثقوب، وأن يتصوَّر ما هو محذوف وغير مكتوب..وبالتأكيد، هنا تكمن قوّة الأدب، وعظمته..!.

وختاماً، الحقيقةٌ هي الموضوع المركزيُّ في روايات «أجاثا كريستي»؛ فعبر أعمالها الروائية كلّها، ومن خلال محقّقيها جميعهم، الشيء الوحيد الذي وضعته الروائية موضع سؤال هو: الحقيقة داخل العائلات.

وتختم الكاتبة «سونيا فيرتشاك» كتابها بالإشارة إلى المثل الشعبي الذي يقول: «لنغسل غسيلنا الوسخ داخل العائلة»، لكن السؤال (تتساءل الكاتبة) هو: ماذا لو رفضت العائلة القيام بهذا الغسيل؟ ماذا لو رفض الخَلف القيام بهذا الغسيل؟ هل ستبقى الحقيقة صامتةً من دون أن تكون قاتلةً؟

«أجاثا كريستي»، روائية بقدرات كبيرة، استطاعت الاشتغال بالجريمة التخييلية، وكانت بارعةً في ذلك، لأنها كانت تتفهَّم الشرَّ الإنسانيَّ، مقتنعةً بأن الناس يكره بعضهم بعضاً، وعلى هذا الأساس يتصرّفون، لأنّ الكراهية شيءٌ خاصٌّ بالكائن الإنساني، وبأفعاله وتصرّفاته وسلوكاته.

«الفردوس» لعبدالرزاق قُرنح.. أوجاع الحيوات المتروكة

بعد أن تعرَّفنا، في العدد السابق، إلى الرحلة الصعبة التي قطعها «عبدالرزاق قُرنح» من زنجبار إلى بريطانيا، وكيف عمل لسنوات (تومرجيّاً) حتى يوفِّر لنفسه فرصة الدراسة الجامعية، لابدّ من العودة إلى السياق الذي وفد فيه إلى بريطانيا. فقد كانت سنوات الستينيات قد شهدت تصاعد العداء ضدّ المهاجرين، ومواطني الكومنويلث الذين تدفَّقت أعداد كبيرة منهم إلى بريطانيا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ سنوات (Enoch Powell) عام (-1912 1998) الذي كان عضواً بالبرلمان عن حزب المحافظين (1950 – 1974)، وبعد ذلك عن حزب (أليستر الاتحادي) في شمال أيرلندا (1974 – 1987)، والذي اشتهر بحديثه الشهير عن أنهار من الدماء (Rivers of Blood) عام (1968)، الذي شنّ فيه هجوماً شديداً على المهاجرين القادمين من المستعمرات الإنجليزية السابقة. كان هذا في العام التالي لوصول الأخوين قُرنح. وكان «باول» وكثيرون من أمثاله يدعون لإرسال المهاجرين إلى البلدان التي أتوا منها، وطردهم من بريطانيا، وكان كثير من البيض لا يتورَّعون عن سبّ المهاجرين مباشرةً، ودون خجل، حينما يلتقون بهم في الشوارع.

كانت سنوات الترحيب بالمهاجرين -حينما كان الاقتصاد الإنجليزي في حاجة ماسّة لهم، عقب الحرب العالمية الثانية – قد انصرمت، وكانت ازدهار الخمسينيات الاقتصادي قد انحسر مع الثلث الأخير من الستينيات، وخاصّةً بعدما تدفَّق عدد كبير المهاجرين من شبه القارّة الهندية، وبلدان الكومنويلث المختلفة. وأخذ التنافس على الوظائف المحدودة، وقبول المهاجرين لأجور متدنّية يؤجّج عداء العمالة الإنجليزية غير الماهرة لهم، بل يدفعهم إلى القيام بأعمال العنف ضدّهم. في هذا المناخ، درس «عبدالرزاق قرنح» الأدبَ، وعاش الكثير من مواقف هذا العداء السافر للمهاجرين من أبناء المستعمرات الإنجليزية السابقة؛ ما شدَّه إلى دراسة آثار التجربة الاستعمارية على الأدبَيْن؛ الأدب المكتوب من أبناء المستعمرات السابقة، من ناحية، وأدب الإنجليز الذين يتناولون التجربة الاستعمارية، من ناحية أخرى.

وما إن انتهى من رسالته للدكتوراه عن معايير النقد الأدبي للرواية في غرب إفريقيا (Criteria in the Criticism of West African Fiction)، عام (1982)، حتى عمل مدرِّساً بجامعة «بايرو بكانو» في نيجيريا، لمدّة ثلاث سنوات، وكانت هي عاصمة الجزء الإسلامي في نيجيريا كما نعرف؛ ما وطَّد علاقته بأطياف العالم الذي تركه وراءه في زنجبار. عاد بعدها للعمل في جامعة «كانتربري»، فواصل العمل فيها حتى أصبح أستاذاً لآداب ما بعد الاستعمار، وظلّ يعمل بها حتى تقاعده عام (2017). لكن اهتمامه بالرواية، بصفته باحثاً جامعيّاً، رافقه اهتمام آخر بها، بصفته كاتباً روائيّاً عاش تجربة الشتات والنفي، والخروج من بلده نتيجة مناخ طارد تخلَّقَ فيها لأسباب شديدة التعقيد، والارتباط في الوقت نفسه، بما يدور في العالم الواسع من حوله، وما مارسه الغرب في بلاده، كما عاش، أيضاً، تجربة رفض المهاجرين من مجتمع يتعصَّب ضدَّهم، وينكر عليهم أدنى الحقوق. لكن أهمّ ما دفعه، فيما يبدو، لكتابة الرواية، هو الحنين إلى تلك الحياة التي تركها وراءه، والعالم الثري الذي ظلَّ يعمر مخيّلته؛ ذلك لأن أبطال جلّ رواياته – باستثناء رواية واحدة – مولودون في زنجبار.

استطاع «عبدالرزاق قرنح» أن يخلق عالماً سرديّاً متماسكاً عبر عشرات القصص القصيرة، وعشر روايات تتابعت بوتيرة شبه منتظمة، كتبها كلّها باللّغة الإنجليزية، مع أن لغته الأمّ هي السواحيلية، التي يتسرَّب الكثير من مفرداتها الدالة إلى رواياته، ومعها بعض المفردات العربيّة؛ ما يمنح لغته الإنجليزية نكهتها الخاصّة. ويجمع بين هذه الروايات نوع غامض من الحنين إلى الحيوات المتروكة التي يصعب التخلّي عنها أو نسيان تجاربها وجراحاتها، حيث ظلت أطياف ما تركه وراءه، في زنجبار، تناوشه طوال حياته. وجعلته تجربته الثرية خارج المكان (Displaced) -بتعبير إدوار سعيد الأثير- كاتب تلك الهوامش المثقلة بالحزن، والرغبة في التحقُّق في التجربة الإنسانية التي تزداد إلحاحاً مع مرور الوقت، وتعدُّد العوامل الطاردة، وتعنُّت الشمال في إحكام إغلاق أبوابه أمام ضحاياه التاريخيين في كثير من بلدان العالم.

د. صبري حافظ

لكن السبب الرئيسي في فوزه بجائزة «نوبل»، في اعتقادي، هو غنى رواياته وثرائها بالتقنيات الروائية الجديدة التي تمنحها مستويات متعدِّدة من المعنى، وتضفي عليها جماليّات جديدة تجعل من تلك الحيوات المتروكة عالماً زاخراً بالمشاعر الإنسانية، والقضايا الاجتماعية، والقضايا السياسية المهمّة، وقد بدأت مسيرته السردية برواية (ذكرى الرحيل – Memory of Departure) عام (1987)، وأعقبتها (طريق الحجاج – Pilgrims Way)  عام (1988)، ثم (دوتي – Dottie) عام (1990) وهي الرواية الوحيدة التي لم تولد شخصيتها الرئيسية (دوتي) في زنجبار، ثم (الفردوس – Paradise) عام (1994) التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر» الإنجليزية في العام التالي، ثم (احترام الصمت – Admiring Silence) عام (1996)، و(بجوار البحر –  By the Sea)  عام (2000) التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة «بوكر»، و(هجران – Desertion) عام (2006)، ثم (النعمة الأخيرة – The Last Gift) عام (2011)، و(قلب حجري – Gravel Heart) عام (2017) وأخيراً (حيوات مرجأة – Afterlives) عام (2020) التي لم تظهر حتى في قائمة «بوكر» الطويلة التي أُعلنت في الرابع من أكتوبر هذا العام، برغم توقُّع الكثيرين ممَّن قرأوا الرواية، وكتبوا عنها، ظهورها فيها؛ وفاجأ لجنة تحكيمها فوزه بجائزة «نوبل» بعد ذلك بأربعة أيّام.

والواقع أن خبر فوزه بجائزة «نوبل» فاجأه هو نفسه كما فاجأ الكثيرين ممّن يتابعون المشهد الروائي في العالم. لكنني أظن أن الجائزة كانت شديدة التوفيق في اختيار كاتب كرَّسَ عالمه لمن تدفعهم الحياة إلى دروب الشتات والمنفى؛ لأن الشتات والمنفى لم يعودا من الموضوعات الثانوية، بل أصبحا من أهمّ قضايا عالمنا المعاصر، من آسيا وإفريقيا حتى أميركا اللاتينية والولايات المتَّحدة الأميركية. وحينما أقول أن خبر فوزه فاجأ الكثيرين فإنني لا أستثني نفسي منهم، برغم أن الأقدار شاءت أن أعرفه، شخصيّاً، منذ زمن طويل كما ذكرت. لأنني لم أقرأ له غير رواية واحدة، هي (الفردوس)، حينما وصلت إلى قائمة «بوكر» القصيرة قبل سنوات طويلة؛ لذلك سأتريث قليلاً عند هذه الرواية كي يتمكَّن القارئ من تكوين فكرة عن أهمِّيّته بصفة روائيّاً متمكِّناً من فنّه، ناهيك عمّا تزخر به هذه الرواية من رؤًى واستقصاءات جديرة بالاهتمام. حيث تهتمّ الرواية، بتعدّد اللُّغات، وتعدُّد الأعراق في زنجبار، من منظور النخبة الناطقة باللّغة السواحيلية، ومن منظور نقديّ يكشف عن خفايا كثير من قضايا الحداثة، وإشكاليات آداب ما بعد الاستعمار.

تدور أحداث الرواية في الفترة بين (1900) و(1914)، وهي فترة الاستعمار الألماني القصيرة لـ«تنجانيقا»، وتأثيرها على الجزيرة المواجهة لها، زنجبار، إذ حاول الألمان استعمارهما دون أن يقيّض لهذا الاستعمار الاستمرار طويلاً، كما هو الحال مع مستعمرات بلدان أوروبية أخرى. حيث يهيمن على الرواية موضوع الرحلة إلى «قلب إفريقيا»، وهي الرحلة التي تستدعي، تناصّيّاً، رحلة رواية «جوزيف كونراد» إلى (قلب الظلام – Heart of Darkness) في قاربه المبحر في نهر الكونغو. وإن كان «عبدالرزاق قُرنح» لم يربط إفريقيا بالظلام، بل طرح قلب إفريقيا في مواجهة قلب الظلام، في نوع من الحوار التناصّي المهمّ مع «كونراد»، من ناحية، ونقض رؤى روايات المرحلة الاستعمارية، وما انطوت عليه من أفكار استشراقية سطحية وممجوجة، من ناحية أخرى. كما تستدعي، فضلاً عن ذلك، ما يسمّى، في الخطاب الاستشراقي الغربي، بالرحلات الاستكشافية: مثل رحلة «جون سبيك»(1) لاستكشاف منابع النيل، التي انطلقت من الساحل المواجه لجزيرة زنجبار، ورحلة «ريتشارد بيرتون»(2) المماثلة.

الفردوس المقلوب وقصص مَنْ لا نسمع عنهم

تبدأ الرواية في «كاوا – Kawa»، وهي مدينة تجارية صغيرة تقع فيما كان يعرف بـ«تنجانيقا»، تحتلّ مكانة بينيّة؛ فلا هِيَ جزء من ثقافة الساحل العربية السواحيلية، ولا هِيَ متروكة أو غارقة، تماماً، في بربرية مجاهل إفريقيا. إلى هذه المدينة الصغيرة، يجلب «السيِّد عزيز – Seyyid Aziz» -وهو تاجر عربي ثري- تجارته من الساحل، بالقطار، كي يتوغَّل بها، فعلاً، في «قلب إفريقيا». أمّـا يوسف، الذي نرى الأحداث من وجهة نظره وهو في الثانية عشرة من العمر، فإنه ابن تاجر صغير يدير دكّاناً متواضعاً، وفندقاً بسيطاً للسيِّد عزيز، تراكمت عليه الديون، فرهن ابنه يوسف هذا للعمل في خدمة «عزيز» ضماناً لديونه أو سداداً لها. والواقع أن يوسف الذي يدعو «السيد عزيز» كثيراً، في سرده، بـ«العمّ عزيز» قد توهَّم، في بادئ الأمر، أن «السيِّد» قريبه، فقد كانت أسرته تحتفي به في زياراته القليلة لهم. وكانت زيارات عزيز -باعتباره من كبار التجار «tajiri mkubwa»- تجلب لأسرة يوسف قدراً من الفخر والشرف؛ وهو الأمر الذي جعل يوسف الصبي يتصوَّر أنه أهمّ أقاربهم.

وتُعَدّ رحلة يوسف للتحرُّر من الأوهام، التي هدهدها لزمن طويل، أحد خيوط رحلته نحو النضج والفهم والاختيار الحرّ في نهاية الرواية. كما أن كتابة الرواية لشخصية «يوسف» هي كتابة عن المسكوت عنهم وعن تجاربهم الإنسانية الثريّة، رغم قبوعهم في ذلك الهامش المثقل بالاغتراب والنفي والرفض. وهي قصّة مكتوبة بهدوء شديد، وثقة مفرطة في إنسانية أبطاله المهمَّشين، رغم كلّ ما يعانونه من رفض وقهر وزراية من الواقع، ومن الآخرين.

وتبدأ رحلة «يوسف» تلك بتحوّله، وهو في الثانية عشرة من عمره، إلى ما يسمّى، باللغة السواحيلية (rehani)، حين دفعه أبوه للسيِّد «عزيز» سداداً لدينه. وهي كلمة يبدو أنها مشتقّة من كلمة «رهن» العربيّة، وإن كان معناها، في السواحيلية، وفي الرواية معاً، يتَّصل بالرقّ، لأنه نوع من التبادل (لا يتَّصل بمفهوم الرهن العربي الذي يمكن استرداده عند سداد الدين) يصبح فيه الشخص المرهون عبداً بأيّ معيار من المعايير، أخذه الدائن سداداً لديونه، ومن حقَّه أن يفعل به ما يشاء، بما في ذلك إعارته للآخرين كما سيحدث مع «يوسف». هكذا، انتقل «يوسف» ليعمل في خدمة السيِّد (Seeyid) -أي عزيز- بالمعنى الذي يستدعي فكرة (السيِّد والعبد) الهيجلية، فيجيء «يوسف» إلى مدينة «العمّ عزيز» الساحلية ليعمل صبيّاً في متجره، مع عامل آخر أكبر منه بخمس سنوات هو «خليل»، الذي رهنته أسرته هو، أيضاً، للعمّ «عزيز» سداداً لديونها. ويقع المتجر قرب منتجع «السيِّد» أو قصره المنيف المحاط بحديقة جميلة، يتسلَّل إليها «يوسف» في بعض الأحيان، بحجة مساعدة «مزيع حمداني» البستاني وحارس الفردوس معاً، وهو، أيضاً، أقرب إلى العبد منه إلى البستاني، رغم تفانيه في رعاية «الفردوس»، والحدب على أشجاره ونباتاته. وفي أثناء الزمن السردي، يقوم «عزيز» بإعارة «يوسف» أو تأجيره إيّاه إلى «حميد سليمان»، وهو صاحب متجر آخر في مدينة غير مسمّاة تقع في سفوح جبل كليمنجارو.

وتتكوَّن الرواية، في الواقع، من ثلاث رحلات: رحلة عزيز إلى قلب إفريقيا لتحقيق صفقة تجارية كبيرة ومربحة، ورحلة يوسف نحو التكوين، وهو الأمر الذي يجعل الخيط السردي الذي تتبلور عبره قصّة «يوسف»، في الرواية، نوعاً من روايات التكوين (Bildungsroman) أو رحلة أوجاع عملية التنشئة والتطوُّر، التي نكتشف فيها معه مجموعة من الثنائيات المهمّة التي تبلورها الرواية، جغرافيّاً، عبر ثنائية الساحل والعمق الإفريقي، ودينياً عبر طرح الإسلام في مواجهة صيغ الأرواحية (Animism) الإفريقية المختلفة، ولغوياً حيث تحتلّ كلّ من العربيّة والسواحيلية مكانة النقيض المتحضِّر للُّغات الإفريقية المختلفة. أمّا الرحلة الثالثة فهي تلك التي تدفعنا لاسترجاع فكرة «إدوار سعيد» المهمّة عن الجغرافيات المتخيّلة (Imaginary Geographies) حيث الفضاءات التي تقع على الهامش، أو خارج عالم الذات المعروف، سواء أتعلَّق الأمر بالجغرافيات المهملة، أم تعلَّق بالممارسات الاجتماعية غير التقليدية والمسلَّم بها، أو حتى بالأدوار المرسومة فيما يتعلَّق بالجنس أو النوع، تتبدّى وكأنها تجسيد للتخلُّف والخطر والوحشية.

ومع الرحلات الثلاث، تميّز الرواية بين ثلاثة فضاءات: فضاء النخبة العربيّة السواحيليّة، الذي ينتمي إليه «السيِّد عزيز»، ويتَّسم بالثقافة والحصافة والثراء، الذي تجسِّد رقيَّه الفني وتحضره حديقة بيت «السيد» عزيز الفردوسية؛ والفضاء البيني الذي تجسّده مدينة «كاوا»، حيث تمتزج فيه بعض ملامح التحضُّر الساحلي بجلافة وعنف الأدغال غير المطروقة، والتي تقع على حدود الدكّان تقريباً؛ أمّا الفضاء الثالث فهو فضاء قلب إفريقيا البكر المثقل بالصخب والعنف والصراع من أجل الحياة التي تتهدّدها قوى خارجية غير مفهومة. لكن كلّ تلك الفضاءات المختلفة تقع في الرواية تحت وطأة عنف يهدِّدها جميعاً، ويتمثَّل في الاستعمار الألماني الذي يستوي لديه تحضُّر الساحل وهمجية العمق القارّي، وعنفه، فكلاهما- في نظره- بربري، ولا ينتمي إلى الجنس الأبيض/ الأرقى/ الآري. فالرواية كلّها واقعة في قبضة أنواع متباينة من القهر، والعنف، والتحلّل، والتمييز العنصري.

لكن أكثر أجزاء الحبكة الروائية دراميّةً هو ذلك المتعلِّق برحلة «السيِّد عزيز» عبر البحيرة الكبرى «بحيرة فيكتوريا» إلى قلب إفريقيا، أي إلى عاصمة الرئيس الإفريقي القوي «تشاتو – Chief Chatu» الشهير بقسوته وتعطُّشه للدم، وهي الرحلة التي تبلغ غايتها، حينما يصل ببضائعه التي يريد أن يبادلها بالعاج، كي يحقِّق أرباحاً وفيرة منها، إلى أرض رئيس القبيلة «تشاتو»، ويعسكر بالقرب منه. لكن «تشاتو» يهاجم معسكر «السيد عزيز» ليلاً، ويقتل أغلب مَنْ فيه من رجال عزيز، وينهب كلّ ما معهم من متاع وعتاد وبضائع. وكان «عزيز» محظوظاً لأنه نجح في الهرب مع «يوسف»، وقليل من رجال قافلته. وتوشك تعرية «السيِّد عزيز» تلك أن تدفع القارئ للتفكير في حقيقته، واكتشاف مكامن ضعفه؛ لأن «عزيز» التاجر القويّ والمسيطر، إذا لم يستطع شركاؤه الوفاء بديونهم لديه، فإنه يأخذ أبناءهم أو بناتهم رهائن (rehani) أو -بالأحرى- عبيداً لديه، ونحن نعرف، من سياق السرد، أن لديه ثلاثة عبيد: يوسف ، وأمينة -الزوجة/ الجارية- ومزيع حمداني، البستاني، وخليل مدير الدكّان. كما نعرف، أيضاً، أن «عزيز» لم يبنِ ثروته بالعمل الجادّ، إنما بخضوعه لغوايات زوجته الأولى، وإغراءاتها، حينما كانت تغمره بالعطايا والأموال من أجل أن يتزوّجها، واعتمد، بعد زواجه منها، على ثروتها ليطوِّر تجارته، ثم تمادى بعد ذلك في إهمالها. وحتى زوجته الثانية «أمينة»، التي لاتزال صبيّة، فإنه لم يخترها، أيضاً، كما يختار الرجل الحقّ المرأة التي يريدها، ويوقعها في غرامه أو ويتزوَّجها، بل قُدِّمت إليه وفاءً لدين أبيها له. وما يؤكِّد موقف الرواية السلبي من رجولة «عزيز»، برغم كلّ ما له من جاه وسلطان، هو أنه لم ينجب ابناً يحمل اسمه؛ وهو الأمر الذي ينتقص من رجولة الرجل في ذلك النوع من المجتمعات.

وإذا ما عدنا، من جديد، إلى «يوسف» -راوي الرواية وبطلها الأساسي ومحلّ جذب كثير من شخصياتها، لجماله وصباه- سنجد أن رحلته مع النضج والتكوين، ومع مفهوم الرجولة والحرّيّة معاً، من أكثر الرحلات أهمّيّةً في هذه الرواية، فقد جعلته الرواية محلّ عناية الكثير من شخصيّاتها، إن سلباً أو إيجاباً. بدءاً بالعلاقة القويّة بين «يوسف»، و«خليل» الذي يبدو وكأنه الوحيد الذي يعامل «يوسف» بشكل سيِّئ أو صادم، أحياناً. ولكن علاقته به تتكشفَّ عن علاقة رفقة وأخوّة، ووعي بالمصير المشترك، تحدوها رغبة «خليل» في أن ينقل ما علّمته الحياة إلى «يوسف» كي يتجنَّب مزالقها الكثيرة، فيعلّمه ما يجب أن يفعله، وما عليه أن يتجنَّبه، كما أنه ينقل له كلّ ما عرفه عن «السيّد عزيز» من محاسن أو مساوئ. و«خليل» هو الذي ينبِّه «يوسف» الذي توهَّم أن «عزيز» عمد إلى وضعه كعبد في منزل «يوسف».

وعندما يعير «السيِّد عزيز» «يوسف» لأسرة «حميد»، يذهل الأسرة كلّها، فحميد لم يذهب إلى المدرسة كي يتعلَّم القرآن، لأن أبناء الساحل من المسلمين يدعون أنفسهم أهل الشرف (waungwana) باللّغة السواحيلية؛ الشرف النابع من وعيهم برقيّ ديانتهم وقيمهم في عالم من الوثنيِّين والبرابرة، والفرق بين الإسلام وما ينتشر في إفريقيا من صيغ بدائية من الوثنية أو الأرواحية (Animism) وعبادة الأحجار أو الأشجار. والواقع أن «حميد» يلعب مع «يوسف» دور الأب، ويشجّعه على أن تكون له حديقته الخاصّة، ويرسله إلى المدرسة كي يتعلَّم القراءة والكتابة، ويحفظ القرآن، كما يصحبه في رحلاته إلى المدينة كي يؤدِّي معه صلاة الجمعة في مسجدها، وكي يلعب فيها، أيضاً، كرة القدم، أو يمارس السباحة، ويبحر مع الصيادين، وكأنه يقوم بدور الأب البديل الذي يحرص على أن يرتقي به في دروب الحياة الوعرة، ويقوده إلى الطريق القويم، أو -بالأحرى- يجتاز به طقوس العبور إلى مرحلة الرجولة والمسؤولية الدينية منها، والاجتماعية، والأخلاقية التي تجعل منه رجلاً يحتلّ مكانه المحترم في هذا المجتمع.

وهذا هو الحال مع «ما عجوزة» التي تذكِّرنا، إلى حَدّ ما، بفاطمة بنت محجوب في رائعة الطيّب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال) في جرأتها، وثورتها على الدور السلبي المخصَّص للنساء في هذا المجتمع، ورفقتها للرجال، وكأنها واحد منهم، بل توشك أن تكون امرأة مقلوبة (أو رجلاً متخفِّياً) بضخامتها، وقوَّتها، وصوتها الآمر الذي يذعن له الكثيرون، وأهمّ من هذا كلّه بقيامها بدور الرجل الذي يعلن شغفه بمن يحبّ وهي تصرّح بشغفها بـ«يوسف»، وتقبض عليه في حضنها بقوّة توشك أن تقضقض عظامه، بينما يجهد هو في التملُّص منها، وهي تعلن أنه حبيبها وزوجها… إنها (رجل مقلوب)، فهي في الأربعين، وتعلن عن رغبتها في الاقتران بصبيّ يخطو نحو المراهقة، وهو الأمر المقبول بالنسبة إلى رجل في هذا المجتمع، لا بالنسبة إلى امرأة.

أمّا الفردوس الذي يؤطِّره عنوان الرواية، فإنه أقرب ما يكون إلى الفردوس المقلوب، حتى في أكثر تجلِّياته جمالاً في حديقة «العمّ عزيز» الملحقة بقصره الساحلي المنيف، والمقسّمة إلى أربعة أقسام، تتوسَّطها بركة عامرة بالأسماك والنباتات المائية المزهرة من الزنابق والسوسن، تتدفَّق منها قنوات إلى أرجائها الأربعة، وتتوزّع في أنحائها الأشجار والغياض والأزهار والنباتات العطرية والرياحين وشجيرات الحنّة والصبّار. لكن هذا المنظر الخلاب يخفي وراءه بنية قائمة على القهر الاجتماعي، والتمييز العرقي؛ لأن «مزيع حمداني» الذي يرعى ما تعجّ به الحديقة من نباتات، ويتفانى في إبراز جمالها، لا يزيد عن أن يكون عبداً، يعامله السيِّد كما يعامل أيّ حيوان لديه. أمّا زوجة «العمّ عزيز» الأولى، والتي تشوَّه وجهها، فإن جولاتها المتكرّرة في تلك الحديقة الغنّاء تحيلها إلى فضاء مسكون بشبحها الغريب. تخفي تشوُّهات وجهها المفتوحة بالشادور الذي لا ينجح في إخفاء المرض الأكبر الذي يعشش في كلّ أرجاء بيت «عزيز». كما أن غرامها بـ«يوسف»، ومحاولاتها للإيقاع به يوشك أن يكون نوعاً من الشذوذ. أمّا زوجة «عزيز» الجديدة، الصبيّة الصغيرة «أمينة»، والتي يغرم بها «يوسف»، فإنها مثله قُدِّمت لعزيز سداداً لدين أبيها، وهو غرام لا أملَ منه. وهكذا، إن ما يبدو أنه فردوس يتكشَّف لنا، في حقيقة الأمر، عن جحيم إنساني، استطاع أن يأسر جلّ الشخصيات التي استعبدها «السيِّد عزيز»، وأن يزرع العبودية في أغوارهم. فلا يتصوَّر أيٌّ من عبيده (خليل وأمينة، ومزيع) أن باستطاعتهم الهرب، بل يعتقدون بأن الهرب منافٍ للشرف، وأن عليهم البقاء في تلك العبودية سداداً لديون آبائهم له. إلّا «يوسف» الذي تدفعه رحلته مع النضج إلى الهرب.

وهناك الفردوس المضادّ الذي يمتدّ وراء متجر «حميد سليمان» في سفح الجبل، والذي تحوَّل إلى مكبّ للنفايات ومأوى للثعابين والحيوانات البرِّية، وتتصاعد منه سموم التحلُّل وجحافل من الجراثيم. وبدلاً من الظلال الوارفة، والأزهار التي تعمر حديقة «مزيع حمداني» الفردوسية، نجد هنا تلك الحيوات السرِّية المترعة بالأخطار والسموم. أمّا الفردوس المضادّ الآخر الذي يتبدّى في تلك المناظر الطبيعية الخلّابة، في أثناء رحلة «العمّ عزيز» التجارية إلى قلب إفريقيا، فهو فردوس الطبيعة الحوشية، بما فيها من جمال ومخاطر.

وفي نهاية الرواية، يوشك وقوع «يوسف» في أسر ضابط التجنيد الألماني -برغم وعيه بما ينطوى عليه التجنيد في الجيش الألماني، من قسوة وعنصرية- أن يكون رسالة تخبرنا بأنه اختار أهوَن الشرَّيْن، وأن عنف السلطة الاستعمارية الغاشم قد يبدو، بالنسبة إليه، أقلّ من جحيم الحياة في ذلك الفردوس السواحيلي المقلوب؛ وهو الأمر الذي يجعل الخيط السردي، الذي تتبلور عبره قصّة «يوسف»، في الرواية، نوعاً من روايات التكوين، أو رحلة أوجاع عملية التنشئة والتطوُّر. بينما يوازي خطَّ هذه الرحلة الصاعد، خطٌّ سرديٌّ آخر نازلٌ، يجسِّد لنا عمليّة التحلّل والتدهور اللذين عاشهما مجتمع الساحل الإفريقي، قبيل الاستعمار، في تلك الفترة من تاريخه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

1- John Speke Discovery of the Sources of the Nile (1863).

2- Richard Burton’s The Lake Regions of Central Africa (1860).

دون كيخوطي.. من مجهول الكُتب إلى مجهول العَالَم

يبدو الأفق، الذي تفتحُهُ رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا» للتأويل، كما لو أنّه متاهةٌ لا حدّ لأغوارها. وهي عُموماً صفةُ ما يَبقى ويدومُ في الكتابة وبها، أي الديمومة التي تؤمِّنها الكتابةُ بما تَهَبُهُ من إمكانات للتأويل والتمديد. فأراضي هذه الرواية، المُشرَعة باستمرار على التأويلِ المُديم للمعنى، لا تنتهي؛ منها، تمثيلاً، أرض الحُريّة التي انتصرَت لها هذه الرواية، وأرض الكتابة فوق الكتابة، وأرض تشظّي الحقيقة، وأرض اختراق القراءة لجدار كلِّ مَنع، وأرض «الظاهر» الذي لا يَظهر إلّا ليكون غيْرَ ذاته، وأرض الخيال وهو يتصدَّى لفَسادِ العَالَمِ عبْر الحُلمِ باستنبات قيَمٍ تبدو دوماً في طَور الاندحار.

تبدو شخصيّة دون كيخوطي دي لامنتشا، في عمل سرفانتس الروائيّ الموسوم باسْم هذه الشخصيّة ذاتها، كما لو أنّها خارجةٌ أصلاً من الكُتُب، ومصوغةٌ، في البَدء، بالخيال الكتابيِّ المُمتدّ في الخيال القرائيّ كي تؤدّيَ، في هذا العمل الروائيّ، دوراً «واقعيّاً» ينبضُ بالحياة. إنّ لهذه الشخصيّة نسَباً مكيناً إلى خيال القراءة؛ منه تشكّلتْ، وبه نمَتْ، وإليه احتكمَ مصيرُها. لعلّ ما يوضِّحُ هذا الأمرَ هو كوْن دون كيخوطي لا يحتكمُ في أفعاله ومواقفه إلّا إلى مقروئه، ولا يرَى إلاّ بهذا المقروء، ولا يتصرَّفُ إلّا في ضَوئه. فأفعالهُ ومواقفهُ ناجمةٌ عن القراءة، بما يجعلهُ مشدوداً في الأصل، أي قبْل انطلاق حُضوره في نماء الرواية التي تسمَّت باسْمه، إلى عالم الكُتُب، حتّى لقد اعتقد القسيس بيرو بيرث والحلاق نيكولاس وابنة أخت دون كيخوطي والخادمة أنّ «جُنون» دون كيخوطي، الذي وجّهَ مُختلف مُغامراته، يعودُ أساساً إلى الكتُب التي أفسدَت عقله. ذلك طبعاً ما سوَّغ اشتراك هؤلاء الشخوص في المحرقة التي أجهَزوا بها على كتُب الفروسيّة التي منها خرجَ دون كيخوطي. وهو أيضاً ما سوَّغ إقبارَهُم، في مشهد دالٍّ بَعد المحرقة، ما تبقّى من كتُبه بواسطة الجدار الذي بنَوهُ مكانَ باب غُرفة الكُتب لئلّا يهتديَ إليها دون كيخوطي. جدارٌ بُنيَ كي يمْنعَ التأثيرَ الذي تُحدثهُ الكُتُب ويمْنعَ خيالَ القراءة مِن أنْ يَسريَ في الرؤية إلى العَالَم.

ومع ذلك كلّه، تميَّزَت شخصيّة دون كيخوطي، القادمة من عالَم الكُتُب والمُنتسبة من زوايا عديدة إلى الخيال، بتشعُّب حيَويٍّ كبير داخل عمَل سرفانتس، ممّا وفّرَ لها ديناميّةً لافتةً و«وجوداً» يكادُ يكونُ واقعيّاً، إذ بدَت هذه الشخصيّةُ في سيرورةِ نمائها نابضةً بحياة تكادُ تُبعدُ احتمالَ كونها مُتخيّلة، كما لو أنّ كثافة الخيال الباني لها جعلَها، على نحو مُفارق، أكثرَ إقناعاً بوُجودها الفعليّ. صحيحٌ أنّ كلّ شخصيّة روائيّة ليسَت سوى كائنٍ مُتخيَّل، غير أنّ الأمرَ مُضاعَفٌ فيما يخصّ شخصيّة دون كيخوطي. فالفعلُ الذي يَصدرُ عن هذه الشخصيّة يوَجِّههُ خيالُها المَصوغُ بالقراءة. عَن فِعل القراءة وعمّا تحصّل منها، تأخذُ الوقائعُ والأحداثُ معناها في رواية سرفانتس. وبذلك، ليست شخصيّةُ دون كيخوطي مُتخيَّلة، كما هي حال كلّ شخصيّة روائيّة، وحسب، بل إنّها تحيا، فضلاً عن ذلك، بالخيال القرائيّ، وتحتكمُ إليه في كلّ ما يَصدرُ عنها بوَصفها تجسيداً لعَالَم الكُتب. رغم ذلك كلّه، احتفَظتْ هذه الشخصيّة، وهذا أمرٌ خصيبٌ إبداعيّاً في بنائها، بنبْضها الذي يبلغُ بالقارئ حدَّ تخيُّلها شخصيّةً حيّة، على نحو ما يُجسِّدهُ رُسوخُها في الذاكرة بقوّة. لعلّ هذا ما يُستفادُ من قول كونديرا إنّ دون كيخوطي يكاد «لا يُتصوَّرُ بوَصفه كائناً حيّاً. ومع ذلك، فأيّ الشخصيّات، في ذاكرتنا، أكثر حياةً منه؟».

إنّ قدومَ هذه الشخصيّة من عالَم الكتُب وتشكُّلَ حِكمتِها أو جنونِها من داخل خيال القراءة أمران دالّان في رواية «النبيل الألمعيّ دون كيخوطي دي لامنتشا». بالمُمكن القرائيِّ واحتمالاته وعوالمه، كانت شخصيّةُ دون كيخوطي تُبْدلُ الرؤيةَ إلى الأشياء، وتُحدِثُ قلباً في ماهيّةِ كلّ ما يُرى، ضمْن تداخُل دالٍّ بين الخياليِّ والواقعيِّ بلغَ حدَّ الالتباسِ الباني للغُموض بوَصفه حقيقةَ كلّ شيء. إنّه الغموضُ الذي شكّل أحدَ الرهانات الكبرى في هذه الرواية، وفي فنّ الرواية بَعدها بوَجه عامّ، حسب تصوُّر كونديرا لهذا الفنّ. ومن ثمَّ، يمكنُ الحديث، بمُوازاة مع خروج دون كيخوطي المُتكرِّر إلى العَالَم الذي كان موضوعَ تأمّل في بعض الدراسات، عن خُروجه هو ذاته من الكتُب بَعد أن فعلَتْ فيه القراءةُ فِعْلَها السّحريّ. من مجهول الكُتب إلى مجهول العَالَم، يتحدّدُ مسارُ المُغامرة على حُدود الخطر عند دون كيخوطي، دون أن ينفصلَ مصدرُ الخروج عن الوجْهة التي قصدَها، حتى وإنْ أُريدَ بالجدار، الذي حلَّ مكانَ باب غُرفة الكتُب، أنْ يفصلَ دون كيخوطي عن الرّحم التي فيها تشكَّلت شخصيّته قبْل الخروج إلى العَالَم، ذلك أنّه ظلّ يحملُ عالمَ الكتُب بداخله لمُواجَهة عالَم آخَر بدا غريباً لدون كيخوطي مثلما بدا فيه هو نفسُه أيضاً غريباً. وهذا دليلٌ على قوّة القراءة في اختراق أيِّ جدار يُريدُ عزْلَها عن أرْضها، وتجفيفَ نبْعها، ومنْعَ تدفّق الماء الذي منه تأتي. يتعلَّق الأمرُ، إذاً، في شخصيّة دون كيخوطي بخُروجيْن؛ خُروج من عالم الكُتُب التي ظلّ دون كيخوطي يحملُ خيالَها ويُجسِّده، وخروج إلى العَالَم الذي كفّ، في رواية سرفانتس، عن أن يظلّ مُتماسكاً أو خاضعاً لحقيقة واحدة بَعد أنْ تشظّى، وبَعد أن شطّبَ غموضُهُ كلَّ وُضوح مُتوَهَّم. من هُنا الحيَويّة التي تُجسِّدها طريقةُ بناء شخصيّة دون كيخوطي في عمل سرفانتس، ويُجسّدُها، من جهة أخرى، البُعدُ الفكريّ لهذه الشخصيّة في تحديد قوّة هذا العمل الروائيّ.

لقد ركّزَت بعضُ الدراسات التي تناولَت عملَ سرفانتس، في رَسْمها لقوّة هذا العمل وعُمقه ودَوره التأسيسيّ، على الإبداع الذي وَسمَ بناءَ الشخصيّة الروائيّة فيه. غير أنّ ثمَّة مَنْ استجْلى قوّةَ هذا العمل وعُمقَه من زاوية البُعد الفكريّ المُضمَر في سَيرورة هذه الشخصيّة، والساري في ثنايا الرواية، إلى حدّ أنّ مِن الكُتَّاب مَنْ شدَّدَ على حيَويّةِ هذا البُعد، وعلى المعرفة التي يُنتِجُها، مِن مَوقعِ الاشتغال الروائيّ للفكر، أي مِن موقعِ فكر الرواية. ذلك، مثلاً، ما أضاءهُ كونديرا الذي يقول بتكثيف شديد: «إنّ مؤسِّس الأزمنة الحديثة، بالنسبة إليّ، ليس ديكارت وحسب، بل أيضاً سرفانتس». بهذا الاستنتاج المُكثَّف، يُلمحُ كونديرا إلى ما أسّسهُ سرفانتس عبْر فنّ الرواية، إذ ذهبَ كونديرا، في سياق هذا الاستنتاج الذي يُوازي بين الرواية والفكر، إلى أنّ فنّ الرواية، الذي أرسَتْ أسُسَهُ رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا»، عالجَ في القرون الأربعة التالية على ظهور هذه الرواية التأسيسيّة كلَّ الموضوعات التي حلّلها هايدغر في كتابه «الوجود والزمان». فقد أسّس سرفانتس لفنّ نهضَ باستكشاف الوُجود المَنسيّ، وهو الاستكشاف الذي لم يلتفت إليه، حسب كونديرا، لا هوسرل ولا هايدغر في نقدهما للأزمنة الحديثة التي كرّسَت في نظرهما نسيانَ الوجود. وبذلك، كان كونديرا يُشدّدُ على مَسلك قرائيٍّ يقومُ على الإنصات لفكر الرواية، وللمعرفة التي أنتجَتها مُنذ هذا العمل التأسيسيّ.

تساءلَ كونديرا، في الفصل الذي عَنونَهُ «إرث سرفانتس المذموم» ضمن كتابه «فنّ الرواية»، قائلاً: «ما الذي تريدُ رواية سرفانتس الكبيرة قوله؟». وفي استجلائه لقضايا هذا السؤال الذي شغلَ دارسين كثر قبْله، ميّزَ، في البحوث التي أثارَت هذا الموضوع، بين جوابيْن؛ الأوّل يَرى أنّ هذه الرواية نقدٌ عقلانيّ لمثاليّة دون كيخوطي الغامضة، والثاني يَرى في الرواية تمجيداً لهذه المثاليّة ذاتها. في سياق ذلك، عدّ كونديرا التأويليْن معاً خاطئيْن، لأنّهما لا يرومان العثورَ في أساس الرواية على سُؤال مفتوح، بل على حُكم أخلاقيٍّ جاهز، وهو ما يتعارضُ أصلاً مع «روح الرواية». فالتحرُّرُ من الأحكام، الذي أرستْهُ رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا» رهانٌ روائيٌّ مُرتبطٌ بفكر الرواية، وهو أيضاً رهانٌ قرائيّ يُعلِّمُ آدابَ تأويل الرواية؛ تأويلها بمنأى عن الأحكام، وبالاستناد إلى السؤال، والارتياب، ودرجة التعقيد. فرواية «دون كيخوطي دي لامنتشا» من الأعمال التي تُتيحُ الإنصاتَ لفكر الرواية مِن أكثر من زاوية، أي الإنصات للفكر الذي ينمو، وهو يتقاطعُ مع انشغالات المُفكِّرين، جماليّاً بالأساس؛ ينمو من داخل قوانين الفنّ الذي إليه يَنتسب.

للبُعد الفكريّ، الذي تنطوي عليه رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا» تفرُّعاتٌ مُتشعِّبة بتشعُّب «المفهومات الفكريّة» التي تشتغلُ روائيّاً في هذا العمل، وبتشعُّب الأراضي الوُجوديّة التي استكشفَتْها هذه الرواية من داخل الحكي. لعلّ أوّل ملامح هذا البُعد الفكريّ هو التعقيد الذي به قدّمَتْ رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا» العَالَم، وبه أرسى سرفانتس ما سمَّاه كونديرا، «روح التعقيد»، التي هي «روح الرواية» بوجه عامّ، أي تمكين الأشياء، بما فيها الأشياء التي تبدو في العادة بسيطةً، من الانطواء على غُموض شديد لا ينفكّ يُجدّدُ مجهولَهُ باستمرار، ولا يتوقّفُ عن الإفصاح عن طيّات هذا المجهول التي لا تنتهي. لا ينفصلُ هذا الملمحُ الفكريّ عن سَيرورة الغامض في رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا»، كاشفاً، عبْر «روح التعقيد» أنّ حقيقة الشيء في تشظٍّ دائم، بل إنّ اشتغال الغامض يبلغُ حدّاً يجعلُ كلّ شَيء مُلتبساً بضدّه، حتى لقد تحوَّل هذا الالتباسُ ذو الملمح الضدّيّ نفسُه إلى موضوعةٍ تواترتْ في هذه الرواية، وتخلّلت الحكيَ وحوارات الشخوص. تجلّى هذا الالتباس، الذي فيه يمتزجُ الشيءُ بضدّه، بصورة لافتة في كلِّ ما يَبدو ويظهر. فكثيراً ما بدا السوادُ، في هذه الرواية، بياضاً والبياضُ سواداً، والخيرُ شرّاً والشرّ خيراً، وغيرها من الالتباسات التي زعزَعَت الثنائيات، وحدّتْ من انفصال طرَفيْها لصالح الالتباس الذي يقبلُ اجتماعَ الأضداد وتداخُلَها. لعلّ الالتباس الأكثر جلاءً في رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا» هو الذي تجسَّد، في كلّ مسار هذه الرواية، عبْر التداخل القائم بين الجُنون والحكمة، وكان مُحدِّداً رئيساً في بناء شخصيّة دون كيخوطي وفي صوغ البُعد الفكريّ الذي انطوَت عليه. إنّه التداخلُ الذي لا يستقيمُ في ضوئه عدّ دون كيخوطي، حكيماً طوراً ومجنوناً طوراً آخرَ وَفق ما تبدَّى من التقييمات التي رجّحَها كلُّ الشخوص الذين التقى بهم دون كيخوطي. لربّما المُرجَّح أكثر، استناداً إلى عُمق الالتباس الباني للغامض الذي سعَت الرواية إلى استنباته في كلِّ شيء، هو عدّ دون كيخوطي مجنوناً حكيماً في الآن ذاته، دون أيِّ فصْل بين الحكمة والجُنون، لأنّ هذا الالتباسَ القائمَ على لقاء الضدّيّ يسمحُ، بناءً على منْع الحقيقة من التماسُك والامتلاء، بالحديث عن الجُنون الحكيم، ويُتيحُ أيضاً إعادةَ النظر في مفهوم الجنون نفسه وهو ينسبُه، من موقع الغامض في العَالَم، إلى الحكمة العالية.

إنّها الحكمة المشدودة بوشائجَ عديدة إلى قوّة الأثر الذي تُحدثهُ القراءة وإلى طاقتها على الفِعل، إلى الحدّ الذي تبدو فيه هذه الطاقةُ جنوناً، لأنّ الجُنون الحكيمَ من سِمات القراءة ومُحدِّدات هُويّتها. أثمّة قارئٌ، وَفق ما يُمكنُ استنتاجُهُ من شخصيّة دون كيخوطي ومن موضوعةِ جُنون القراءة، لمْ تُخرجْهُ القراءةُ عن «صوابه» أو عن «عمائه»، ولم تجعلهُ يتحدَّثُ إلى نفسه بصَوتٍ خفيض وحتى بصَوتٍ مُرتفع قد يبلغ حدَّ الصراخ؟ أثمّة مَنْ لم تجعلْه القراءةُ يَضحكُ ويبكي، ويُلامسُ التناقض الباني لكيانه؟ أثمّة مَنْ لم تُره القراءةُ الشيءَ في غير الصورة التي تكرّس بها في العادة؟ لا حدّ إذاً لجنون القراءة، لكنّه جنونٌ حكيمٌ يُفكّكُ المعنى المُعتادَ للجنون، ويفكّكُ وَهْمَ الحقيقة الوحيدة، ويُلقي بمعنى الحقيقة في التشظّي المانع للامتلاء. إنّ هذا التفكيك أحدُ رهانات استنبات الغموض في كلّ شيء. أمّا التأويل الذي ذهب إلى أنّ عمل سرفانتس رامَ نقْد كُتُب الفروسيّة فيبدو اختزاليّاً إلى أبْعد الحدود، على نحو ما تنبّهَ إليه بعضُ الدارسين، مُعتبرين أنّ كتُب الفروسيّة لم تكُن، في هذا العمل، سوى لعبةٍ كتابيّة، لأنّ البُعد الفكريّ في عمل سرفانتس ذو تفرُّعات شديدةِ التشعُّب، وهو أوسع من استقصاءِ كلّ مَلامحه.

الملمح الثاني الذي يُمكنُ الإشارة إليه في استجلاء البُعد الفكريّ في رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا» غيرُ مُنفصل عن سابقه؛ يتجلّى أساساً في حِرص الرواية على التشديد أن لا شيء يتحدّدُ بصورَته التي بها يبدو ويَظهر. كلُّ ما يظهرُ هو غيرُ ذاته. وبذلك، فإنّ هذه الرواية تطرحُ بصَمتٍ سرديٍّ سؤالاً فكريّاً شديدَ التعقيد، هو «ما الظاهر؟»، وتستبعدُ، في الآن نفسه، إمكانَ الجواب عنه اعتماداً على افتراض باطنٍ ما لهذا الظاهر، إذ تُغلِّبُ، وَفق الاحتمالات التي يُتيحُها التأويل، ترجيحَ أنّ كلّ ظاهر هو غيرُ حقيقته باستمرار، ولا يُحيلُ، تبعاً لذلك، على حقيقة وحيدة. «الظاهرٌ»، أيُّ «ظاهر» شاهدٌ على أنّه علامةٌ على ما لا ينفكّ يتبدَّل ويتلوَّن. فرواية «دون كيخوطي دي لامنتشا» تُسائلُ الظاهرَ لا لتكشفَ أنّه ينطوي على باطن قارّ، بل لتُشدِّد على أنّ كلّ ظاهر مُغايرٌ لذاته. فما يَظهرُ، في كلّ ظهور، ليس، وَفق التصوُّر الارتيابي الذي تبنيه الرواية، هو نفسهُ. إنّه مُنطوٍ على التباسٍ لا يرتفع، وعلى غموضٍ مُتجدِّد، وعلى شُسوعِ المجهول. فتكرار تعامُل دون كيخوطي، مثلاً، مع مظاهرَ من خارج صورَتها الأولى يكشفُ، من زاوية، عن الوَهم المُوَجِّه دوماً للإدراك، ويوضِّحُ، من زاوية ثانية، أنّ الشيءَ هو غيرُ ذاته، وأنّ الحقيقة في تشظٍّ دائم، وغير قابلة للالتئام في معنى وحيد مُمتلئ ومُغلق. استناداً إلى ذلك، تنتصرُ رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا» للمعرفة المُنفلتة، ولِما يُسمّيه كونديرا «حكمة اللايقين»، التي هي حكمة الرواية بوَجه عامّ. تنتصرُ الرواية لهذه المعرفية وَفق مقوِّمات الفنّ الذي يجعلُ منها رواية، ووَفق الوشائج المُتشابكة التي ينسجُها هذا الفنّ بطرائقه الخاصّة. في سياق الإلماح إلى هذه الوشائج الصامتة التي تشتغلُ في رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا»، يُمكنُ الإشارة إلى ما يصِلُ موضوعة السِّحر بما يظهر من الأشياء مُنفصلاً عن نفسه. فالحُضورُ القويّ لموضوعة السِّحر في رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا» ليس أمراً عرَضيّاً، إنّ له وشائجَ قويّةً بالبُدُوّ الخادع، وبظهور الشيء في غير صورَته «الأصليّة» (هل للشيء أساساً صورةٌ أصليّة؟). تنمو موضوعة السِّحر في الرواية بانسجام تامّ مع قابليّة الشيء للتلوُّن في ظهوره وبظهوره. وكثيراً ما استحضرَ دون كيخوطي السِّحرَ لتعليلِ ما لا يستقيمُ استيعابُه، أو لإقناع رفيقه سانتشو بعكس ما يبدو له، أو لتسويغ تمكينِ خيالِ القراءة من أنْ يسريَ في الوقائع. إنّ بَين موضوعة السِّحر وموضوعة الجنون وموضوعة الخيال وموضوعة الظاهر المُنفصل عن نفسه وشائجَ تتشابكُ خيوطُها على امتداد رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا»، إذ لا حدّ للوشائج في هذه الرواية، ولا حدّ للاحتمالات التي تُمكّنُ التأويلَ من تمديد هذه الوشائج والإسْهام في تعقيد تشابُكاتها.

عن السؤال الفكريّ المُتعلِّق بالظاهر، تتولَّدُ، في عمل سرفانتس، أسئلةٌ فكريّة أخرى، منها بصورة رئيسة سؤال «ما الواقع؟»، و«ما حُدود الخيال فيه؟»، و«أثمّة فاصلٌ بينهما؟». إنّ تنامي هذه الأسئلة وتداخُلها هُما أيضاً أحدُ تجليات الالتباس الذي ينتصرُ للغامض. تبدو هذه الأسئلة، التي توَلِّدُها الرواية وَفق ما يَحتكمُ إليه فكرُها جماليّاً، كما لو أنّها ترومُ قلبَ الرؤية الاعتياديّة للأشياء، على نحو يجعلُ الواقعَ وليدَ الخيال لا العكس. فالخارقُ أو الخياليّ لا يتحدّدُ، مِن منظور دون كيخوطي، بحُدوث وقائعَ غريبة، بل بحُدوث وقائعَ لا تنضبطُ لمَنطق كتُب الفروسيّة ولمَنطق مُغامرة الفرسان الجوّالة، أي لا تنضبط لخيال القراءة. فكثيراً ما كان دون كيخوطي يُبدي حيرتَهُ لرفيقه سانتشو تجاه «وقائع» مُعيَّنة، لا لشيء إلّا لأنّه لم يَسبق أنْ قرأ مثلَها في كُتُب الفروسيّة. كما لو أنّ على الوقائع أنْ تنتظمَ وَفق خيال القراءة، بما ينطوي عليه هذا الأمر من احتمال كون الواقع خيالاً محجوباً، انسجاماً مع مفهوم الظاهر الذي لا يَظهرُ إلّا لينفصلَ عن نفسه، حتّى وإنْ بدا ثابتاً في صورة واحدة. تبدو الأسئلة السابقة مُوجَّهةً بالسؤال الأكبر الذي شكّلَ مدار الرواية الصامت، أي سُؤال تشظّي الحقيقة. فعن سُؤال «الظاهر» وسؤال «الواقع» المُعقّديْن، يَنبثقُ، في كلّ فُصول رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا» بقسْمَيْها، سؤالٌ فكريّ مِن صميم «روح التعقيد»؛ إنّه سؤال «ما الحقيقة؟» المُتشابك، في أحداث الرواية، مع الوَهم الذي يلتبسُ بموضوع هذا السؤال ويمنعُ الجواب عنه من أيِّ إقرار. فقد حرَصت رواية «دون كيخوطي دي لامنتشا» على تفكيك مفهوم الحقيقة عبْر الحكي، فكانت الحقيقة، على امتداد الرواية، تتشظّى لا بالحَكي وحسب، ولكن أيضاً بالمَرح المُستنِد إلى قُدرةِ الضحك على زعزعة انغلاق هُويّةِ الأشياء. يُنتجُ مَرحُ هذه الرواية الضّحكَ فيما هو يَسخرُ من الأشياء الجامدة والرؤى الثابتة، ويُمكّنُ الأشياءَ والرؤى من أنْ تُضاء بإحداث شقوق فيها. إنّه مسلكٌ تأويليٌّ آخَر مِن بَين المسالك اللانهائيّة التي يُتيحُها عملُ سرفانتس الكبير للقراءة والتمديد.

«النار ما تورِّث إلّا رماد»: هيمنة ثقافة المطابقة على المغايرة

«النارْ ما تورِّث إلّا رماد»، صيغة يمنية لمَثَل عربي يتمّ تدواله في العديد من البلدان العربية، تقريباً، بصيغ متقاربة، ويراد به وصم الأبناء الذين تنكَّبوا سيرة آبائهم، وسلكوا طريقاً خاصّاً، مبتعدين عمّا قد يُعتَبر ميراث الآباء في النباهة أو النجابة أو المجد. وكما يظهر، صيغة المثل مزدوجة ملحونة، فلا هي فصحى ولا هي عامِّيّة، إذ تحافظ مفرداته على بنيتها الصرفية الفصحى من غير قواعد إعراب، مع بساطة التركيب الذي تنطوي عليه الجملة في العامِّيّة؛ وهذا قد يدفع إلى الاعتقاد أن هذه الصيغة قد تكون مجرَّد تحوير لمثَل عربي قديم؛ لا بسبب صياغته اللغوية، فحسب، بل بالنظر إلى تعلُّق محتواه بموضوعات النسب والميراث التي كانت تلقى عناية كبيرة في المجتمعات العربية القديمة، أيضاً. لكننا حين عدنا إلى بعض مدوَّنات الأمثال العربية القديمة ككتاب «الأمثال» للضبي، و«مجمع الأمثال» للميداني و«جمهرة الأمثال» للعسكري، لم نظفر بما كنّا نعتقده أصلاً للمثَل أو مقارباً له في المعنى.

من السهولة ملاحظة ما ينطوي عليه المثَل من تعميم، ونزوع سلبي تجاه الأبناء، والتقليل من شأن كلّ خَلَف جديد يحيد عن الطريق المرسوم سلفاً، بشكل مطلق. ويبدو أن هذا المعنى لم يكن مستساغاً لدى العرب القدماء، ولا يصدرون عنه في أمثالهم، بل كانوا -على العكس من ذلك، تماماً- يظهرون اهتماماً بالغاً بالأبناء، وتوريثهم مكارم الأخلاق والسؤدد؛ لا على جهة المطابقة بل على جهة التفرُّد، ويتبدّى ذلك، بوضوح، فيما ضمّه الأدب العربي القديم من مقولات وأمثال ووصايا تعزِّز من ثقة الأبناء بأنفسهم وقدرتهم على الاهتداء إلى طريقتهم الخاصّة في العيش. ومن المقولات التي تُنسَب إلى عمر بن الخطاب، أوردها الجاحظ في إحدى رسائله: «الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم»، ويُفهَم منها الحضّ على تربية الأبناء وتهيئتهم لزمنٍ غير زمن الآباء، فهي مقولة مناقضة، تماماً، لمنطوق المثل العامّي المتأخِّر؛ لأنها تعكس وعياً عالياً بتغيُّر الشروط واختلاف الظروف التي يعيشها كلّ جيل، وينعكس أثرها على سلوكه ومسارات حياته.

وهذا لا يعني أن المجتمع العربي القديم لم يكن يهتمّ بأن يَخْلِف الأبناء آباءهم من ذوي النباهة والفضل، فهذا جانب طبيعي يتوق إليه كلّ أب حقَّق قدراً من النجاح والشهرة. والعرب القدماء كانوا من أكثر الشعوب حضّاً على التمسُّك بتقاليد الشرف وميراث الآباء وأمجادهم، لكن لم يكن لديهم هذا الميل إلى التقليل من شأن الأبناء، وبث روح الإحباط في نفوسهم، على النحو الذي يكشف عنه هذا المثل المتأخِّر. فلكلِّ خَلَف ظروفه ولياقته النفسية، والفكرية ليكون هو نفسه لا مجرَّد تابع لسلفه أو صورة مشوَّهة منه، فإنْ (وَقَعَ الحَافرُ على الحافر)، وسلك الابن طريق أبيه اعتبروا المشابهة أمراً طبيعياً ونسبياً، ولم ينظروا إليه بصفته أمراً حتميّاً. ويتجلّى هذا النزوع المتحفِّظ تجاه المشابهة في المثل العربي الشهير: «مَنْ أَشْبَه أباه فما ظَلَم». وقد اختلف القدماء في تفسير هذا المثل ومدار الاختلاف حول الفعل «ظَلَم»، إذ يذكر الميداني في أحد الأقوال أنه يجوز: أن يُراد (فما ظَلَمَ الأبُ)، أي أن الأب لم يظْلِم حين وضع زرعه حيث أدَّى إليه الشبه، وهذا تفسير بعيد نوعاً ما عن مقتضى البناء اللغوي للمثل، وهذا البعد في التفسير ينطبق، أيضاً، على ما ذهب إليه آخرون أن مفعول الفعل «ظَلَمَ» محذوف، ويُفهم من السياق حيث الأصل في الكلام: من يشابه أباه فما ظَلَمَ أَمَّه. وواضح من التفسير الأخير أن أصحابه قد فهموا الشبه على أنه شبه الشكل واللون والملامح لا شبه المسلك والفعل، وهذا فهم غريب وغير مقبول؛ لا في العرف ولا في الشرع، فليس هناك من جعل شبه الابن لأبيه أو عدم المشابهة دليلاً على استقامة الأمّ أو عدم استقامتها، بل المقصود الشبه في السلوك والصفات الخُلُقية، ويرجِّح هذا القصد تضمين المثل في بيت شعر قديم في مديح عدي بن حاتم الطائي:

بأَبِهِ اقتدى عَدِيٌّ في الكَرَمْ

ومن يُشابه أَبَهُ فما ظَلَمْ

إن حصر هذا الاقتداء في خلّة الكرم دليل واضح على أن الشبه المقصود هو شبه في المسلك والفعل لا في الشكل والملامح، ومنطوق المثل يشير إلى أن حصول المشابهة واحتذاء الابن لخطوات والده ليس أمراً حتميّاً بل هو نسبي، وحين يأتي مسلك الابن مشابهاً لأبيه فهو بذلك لم يجاوز الحدّ بل وضع الشبه في موضعه الصحيح، فالظلم، كما يذكر أبو هلال العسكري، هو وضع الشيء في غير موضعه. وكأن هذا المثل القديم يقول لنا من طرف خفّي: إن التقليد نمط سيِّئ أو نوع من مجاوزة الحدّ، فالأصل في البشر التفرُّد، وأن كلّ فرد لا بدَّ أن يكون نسيجاً لوحده، وأن تقليد الابن لفعال والده هو ممّا يُغتفر، ولا يدخل في دائرة الظلم.

وبناءً على ما سبق، يظهر لنا أن المعنى الذي تضمَّنه مثلنا العامّيّ هو معنى مولّد أفرزته ثقافة المتأخّرين، ولم يعرفه العرب القدماء. وبحسب تتبُّعنا لصيغ هذا المثل، عثرنا على صيغة تعود إلى القرن الرابع الهجري، حيث يورد القاضي التنوخي في كتابه «نشوار المحاضرة» (الجزء3، ص73) حكايةً لأحد معاصريه النابهين، يُظهِر فيها تحسُّراً شديداً على تأخُّر ابنه في النباهة والعلم، فيقول:«خَلَفُ النَّار الرماد»، وهذه صيغة لا تظهر عليها طلاوة الكلام العربي الفصيح، إنما هي من كلام مثقَّفي القرن الرابع الذين داخَلَ لسانَهم الكثيرُ من الهجنة. في حين تطالعنا أحدث صيغة للمثَل في كتاب «الأمثال العامِّيّة» لأحمد تيمور باشا: «ولا تلد النارُ غيرَ الرماد» مضمَّنةً في بيتيَنْ من الشعر، مجهولَيّ النسبة. وبالمقارنة بين صيغة مثلنا العامّي، وما ورد في كتاب تيمور، نجد أن ليس ثمّة اختلاف كبير بينهما إلّا في تغيير تركيب جملة المثَل، فتحوَّلت، في العامِّيّة، إلى جملة اسمية بالإضافة إلى استبدال الفعل «تورّث» بالفعل «تلد»، وهو اختلاف ناتج عن ميل العامِّيّة إلى التخفُّف من قوّة المجاز في كلمة «الولادة»، والاكتفاء بمعنى الورث أي ما يبقى عن توهُّج النار.

يقول الشاعر:

إذا ما رأيتَ فتى ماجدّاً

فكُن بابنه سيِّئ الاعتقاد

فلستَ ترى من نجِيبٍ نجيباً

ولا تلد النارُ غيرَ الرماد

ففي البيت الأوَّل منهما لم يقطع الشاعر، تماماً، بأنه لن يأتي من الماجد ماجدٌ بل ترك فسحة للنظر، ودعا إلى الشكّ والتحقَّق، وكأنه بذلك يوحي بأن توريث المجد مجرَّد احتمال ضئيل، وأمر نادر. لكنه في البيت الثاني ينتهي إلى انتفاء أن تقع على نجيب من نجيب كما هو شأن النار التي لا يتولَّد عنها سوى الرماد. فهل المجد مرادف للنجابة؟ هل ينظر الشاعر إلى المجد والنجابة كشيء واحد أم كمعنيَيْن مختلفَيْن؟ وهل إثبات وجود نسبة ضئيلة في توريث المجد، ونفي توريث النجابة في البيتين، يعنيان أن الشاعر يفرِّق بينهما؟ قد يستخدم النجيب مكان الماجد غير أن الكلمتَيْن لا تتردافان تماماً، فالمجد هو العزّ والرفعة، في حين تنصرف دلالة النجيب إلى النفيس في نوعه. يبدو أن الشاعر لا يعتبرهما شيئاً واحداً بل يفرِّق بينهما، فمن لوازم المجد الوصول إلى مرتبة عالية في الزعامة والمُلك أو في العلم والأدب، وتعني النجابةُ الشمائل أو الطاقات الخُلقُية والسلوكية، وبهذا يصحّ معه إثبات وجود نسبة ضئيلة في توريث المجد، وانتفاء توريث الشمائل لأن كلّ شخص يمثِّل نسخة وحيدة من السلوك والصفات الخُلقية التي لا يمكن أن تتكرَّر، في حين أن المجد قد يتمّ توارثه لمواضعات تتجاوز اختيارات الفرد. وهناك نماذج وافرة من هؤلاء الأبناء الذين كانوا ورثة لآبائهم في العلم والمعرفة، على نحو ما نجده في الكثير من الأسَر العلمية التي استمرَّ لأجيال عديدة في ثقافتنا العربية، وبعض هؤلاء فاقا والديهم علماً وشهرةً، كالمؤرِّخ والفقيه عبد الوهاب السُّبكي، ووالده تقي الدين السُّبكي، والكاتب محمَّد المويلحي، ووالده إبراهيم المويلحي، والشاعر اليمني عبد الله عبد الوهاب نعمان ووالده القاضي عبد الوهاب نعمان. وفي مجال الزعامة السياسية توجد الكثير من النماذج أمثال الخليفة العباسي المهدي وخليفتيه هارون الرشيد، وابنه المأمون وبعض أبناء السلالات الحاكمة كالأمويين في الأندلس والمماليك والعثمانيين، والشواهد كثيرة لدى مختلف الشعوب والأمم، أشهرها ملك مقدونيا «فيليب الثاني» وابنه «الإسكندر الكبير»، وكلّ هذه شواهد تقف على الضدّ من منطوق المثَل العامّيّ أو البيت الشعري.

يتمّ التركيز، في المثل، بصيغتيه: الفصحى، والعامِّيّة، على الخلَف لا على السلَف، فالفتى الماجد هو، في الأصل، خلف لأب خامل، ولا ضير أن يأتيَ خاملٌ من ماجد؛ لأن هذه سنّة الحياة ودورتها الطبيعية بما يكتنفها من مؤثِّرات وعوامل، يغدو بها المرء ماجدّاً أو خاملاً، فالمسألة، في نهاية الأمر، تخضع لمجموعة كبيرة من الظروف التي لا يستطيع الفرد التحكُّم فيها أحياناً. فلماذا يتمّ التركيز، فقط، على ابن الماجد لا على سَلَفه الخامل الذي انحدر منه؟ إن بزوغ فتًى ماجد من أب خامل هو ما يلفت الانتباه، لأن هذه الحالة تعني انتقالاً من السكون إلى الحركة، ومفارقة للمألوف المتمثِّل في أن يكون الابن خاملاً كأبيه، لكنه تَجَاوَزَ الشروطَ المحيطة به، فغدا شيئاً مختلفاً عن أبيه؛ من هنا يصبح الماجد معياراً ومقياساً لما يتلوه، ولذلك كان التركيز موجَّهاً إلى خَلَف الماجد لا إلى سَلَفه.

غير أن استخدام المثَل في بيئتنا المحلِّيّة، كثيراً ما يأتي كردَّة فعل تجاه المسار الذي يسلكه بعض الأبناء، مبتعدين عن مسالك آبائهم، وغالباً ما يكون الغرض من ترديد المثَل محاولة النَّيْل من هؤلاء الأبناء، وذمِّهم، والحدّ من سلوكهم المغاير، بغضّ النظر عن طبيعته، سواء أكان إيجابياً أو كان سلبياً. ولا شكَّ في أن تداول المثَل في مثل هذه المواقف لا يعني سوى حشر الابن داخل إطار صورة الأب التي ترسَّخت في محيطه الاجتماعي، وعُرف بها، فتتحوَّل هذه الصورة إلى معيار يتمّ، من خلاله، قياس سلوك الابن، وردّه إليها، فالابن يُنظَر إليه، دوماً، بوصفه امتداداً لوالده، وليس شخصية مستقلّة بذاتها، لها طموحها الخاصّ وتصوُّرها المختلف للحياة، وللدور الذي ينبغي تقوم به. وهذا الموقف الذي يتَّخذه المجتمع تجاه الابن يعبِّر، بشكل واضح، عن ميل إلى التنميط واعتبار كلّ خَلَف مجرَّد تابع للسلَف، كما يعبر، أيضاً، عن نزوع جماعي إلى قمع كلّ سلوك جديد أو مغاير يسعى إلى معاكسة ما قد تعتبره الجماعة من الثوابت التي استقرّت عليها، حتى وإن كان هذا الثابت ممثَّلاً في صورة فرد واحد هو الأب. وقد يكون موقف الجماعة الرافض لتوجُّه الابن نابعاً من الشعور بالتهديد من مسلك الابن، للمكتسبات التي راكمها والده ضمن محيطه، أو ضياع للمصالح التي كانت تجنى من خلال الأب.

إذاً، إن تداول المثَل كثيراً ما يتحوّل إلى سوط يُجلَد به الأبناء كلّما صدر عنهم تصرُّف أو اختيار طريق مغاير لسلوك آبائهم، وفي الغالب لا يكون الباعث على تداوله مراعاة الصالح العامّ، بل شعور الأفراد أو الجماعة المحيطة بأن مسلك الابن يتعارض معها، ولا يحقِّق رغباتها، فتلجأ -بوعي أو بغير وعي- إلى التباكي على صورة الأب وميراثه؛ ذمّاً للابن، وتقليلاً من شأنه، واستصغاراً لمسلكه. وقد يسفر هذا التوجُّه الجماعي عن واحدة من ثلاث نتائج؛ فإمّا أن يتمّ تحويل الابن إلى مسخ مشوَّه من والده، وقد يفقد الابن بوصلة الطريق ويتحطَّم. وهناك قلّة، فقط، من هؤلاء الأبناء، ينجحون في الوقوف في وجه والديهم والجماعة المحيطة، وفرض شخصياتهم وخياراتهم التي تتجاوب مع طموحاتهم، وتطلُّعاتهم الفريدة. ولا شكّ في أن هذا المثَل يحتاج إلى مزيد من التحليل لاكتناه الأبعاد الاجتماعية والأبعاد السياسية التي تشكَّلَ فيها، والكشف عن ترسُّبات المنظومة الثقافية في العصور الإسلامية المتأخِّرة، التي ما تزال تلقي بأثرها على مجتمعنا، وتتحكَّم في الكثير من ممارساتنا ومسالكنا في التفكير والحياة.

شادي عبْد السَّلام.. سينِما المُهَندِس المِعْماري

مِن عبق المسار الأركيولوجيّ، تنبعث روح شادي عبد السلام لتظلّ حاضرةً بالفعل والقوة على الدوام، إذ ألَّف أَبْلَغ الصور التي تنسج العلاقة العضوية بين السينما والتاريخ عبر أعماله السينمائيّة، وخاصّة منها مُنجزه المُفارق «المومياء» الذي بات يتصدَّر أهمّ الأفلام العربيّة والعالمية، غير أن ملامسة عمق رؤيته وفكره تدعونا لتفكيك سَيْرِهِ البيوغرافي المُكابِر والمُتَعدِّد.
منذ اقتراب انطلاق الاستعراض الفنّي لمَوْكِب المومياوات الملكية الخاصّ بنقل 22 ملكاً فرعونياً (18 ملكاً و4 ملكات)، من المتحف المصريّ القديم إلى المتحف القومي للحضارة المصريّة بالقاهرة (3 أبريل/ نيسان 2021)، تعالت أصوات العديد من المُهتمِّين من مصر بخاصّة والعَالَم العربيّ بعامّة، باستحضار المُخرج شادي عبد السلام الذي جسَّد في فيلمه «المومياء» الأحداث الواقعة في 1871 بقبيلة «الحربات» التي تحترف التنقيب عن الآثار الفرعونيّة وبيعها، ليتمكَّن أحد الأبناء الذي وعى بقيمة تراث بلده من إبلاغ بِعثة الآثار، بعد وقائع عقب وفاة شيخ القبيلة. وهي الأحداث نفسها التي تستعيد مومياوات الملوك التي سُرِقَتْ وتمّ العثور عليها عام 1871 بالدير البحري، ليتم نقلها في موكب مهيب عام 1881، تحت إشراف عالِم الآثار المصريّ أحمد كامل باشا (1851 – 1923)، إلى متحف بولاق بالقاهرة، أحد أقدم المتاحف المصريّة.

 

شادي عبد السلام في موقع التصوير

التاريخ كأداة لاستشراف المُستقبل
دأب شادي عبد السلام (1930 – 1986) على الاستغراق الواعي في الحضارة المصريّة القديمة، من خلال قراءة مصادرها ومُتونها العربيّة والأجنبيّة التي تملأ خزانته الخاصّة، مع العمل على تعميق دراسة مفرداتها ومكوِّناتها بناءً على ثقافة الفنون المُتنوِّعة التي طالما حفر في علومها، سعياً إلى استشراف المُستقبل بالاستناد إلى الماضي الفرعوني لتحقيق قِيَم الحَقّ التي أَجْهَر بها في شريطه القصير «الفلاح الفصيح» (20 دقيقة، 1970)، وهو الفيلم الذي حصل بموجبه على الجائزة الكبرى بمهرجان «فينيسيا» للأفلام القصيرة في سنة إنتاجه. وقد استوحى المُخرج فيلمه من بردية قديمة بعنوان «شكوى الفلاح الفصيح»، ضمن الأدب الفرعوني للدولة الوسطى (2200 ق.م)، حيث تدور الحكاية حول فلاح مصري سُلِب منه حقّه، فعزم على مقابلة الحاكم ومواجهته بجرأة نادرة: «أيها الحاكم خلصني من شقائي، أيها الإله ذو الوجهين يا ابن الشمس الخالد للخلد، إن إقامة العدل كالتنفس، أقم العدل، فالعدل أخو الخلود (…)». يضعنا الفيلم أمام خيارات المُخرج الصعبة في اشتغاله على الدواخل النفسيّة واستغوارها من خلال البناء المُتماسك للظّاهر الذي يُفشي كَوامِن الباطن، بالتأكيد على الرِّداء المُضاعَف الكامن في الملبس والمسكن (العمارة)، أي هيئة «الإبصار» الذي يغلِّف الجسد ويحتويه. من ثمّة، ففي حالة تَسْليمنا بإلْغاء المُفاضلة بين الأفلام القصيرة ونظيرتها الطويلة، فإن فيلم «الفلاح الفصيح» لا يقلّ أهمِّية عن «المومياء»، إذ عمل فيه شادي على استنباط لغة سينمائيّة مغايرة، تستدرج المعنى داخل التعبير، باستنبات البُعد الشِّعري في كلّ خطوة تقنية معمولة بسلطة العقل الذي لا يتوارى عن ترشيد التفاصيل وفجواتها.
في المُقابل، نَتَلَمَّس الهاجس الاستشرافيّ عنده في تقريبنا من العصر الحديث، مثلما يُحيل على ذلك عنوان فيلمه التسجيلي «آفاق» (1984)، الذي عرض من خلاله شادي حينها «الآفاق الثقافيّة المُختلفة التي ظهرت في المُجتمع المصريّ، وتناول فيه عرضاً لأوركسترا القاهرة السمفوني، وبعض الفَنَّانين التشكيليّين، وصناعة السجاد، وفنّ الباليه ووكالة الغوري، والمُوسيقى العربيّة، واستوديو المُمثِّل لمحمد صبحي. ولقد قدَّم، بحقّ، في هذا الفيلم رؤية شاملة لآفاق الثقافة المصريّة»(1). وهذا دَيْدَنُه في عديد أفلامه التسجيليّة التي ينسج فيها رؤيته الخاصّة التي تدفعنا لإثارة الأسئلة باستفسار صور الواقع والنفاذ إلى عمقه وخلفياته. ولعَلّ هذا التوجُّه نحو الفنون وعموم أجناسها، يُحيلنا على انْجِذابه المُبَكِّر للمُوسيقى والرسم والتصوير والنحت وهندسة الديكور، علماً أنه صَمَّم ديكورات وأزياء العديد من الأعمال السينمائيّة العالمية من قبيل «وا إسلاماه» من إخراج «أندرو مارتون»، و«كيلوباترا» لـ«جوزيف مانكوفيتش»، و«الصراع من أجل البقاء» لـ«روبرتو روسيليني»، وأكثر من عشرة أفلام عربيّة (بين 1960 و 1967)(2)، وعلى رأسها فيلم «الناصر صلاح الدين» لـ«يوسف شاهين» الذي تَمَيَّز بهندسة الديكور التي نفَّذها شادي عبد السلام بروح خَلَّاقَة، ما أضفى على المَشاهِد أجواءً بصريّة شاعريّة منحت الفيلم خصوصيّة مَشْهَدِيَّة في غاية التوافق والتأثير.

لقطة من فيلم المومياء

المعمار كأداة لهندسة الصورة
إذا كانت هذه الإنجازات قد جعلت منه مصمِّم ديكور موصوفاً بالمهارة والإبداعيّة، فإن براعته وشِعْريَّتَه تَتَّكِئان على تخصُّصِه المعماري، وهو المُهندس المعماري الذي تخرّج من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة في 1955، والدارس لفنون المسرح بلندن (1949 – 1950)، بعد أن تخرَّج من كلية فيكتوريا بالإسكندرية (أحد أقدم المدارس الإنجليزيّة بمصر). من ثمّة، لا يمكن مقاربة المُعطيات الإبداعيّة في أفلامه القصيرة الروائية والتسجيليّة بعامّة(3) وفيلمه الروائي الطويل «المومياء» (1969) بخاصّة، دون استحضار تكوينه المعماري، خاصّة وقد درس على يد معلّم المعماريين حسن فتحي الذي تشرَّب معه جماليات العمارة الإسلاميّة والعربيّة والقبطيّة، وكذا النظر إلى الفنّ المعماري من جانب ارتباطه الوثيق بالفنون التشكيليّة التي يتحقَّق تَمَكّنها كخَلْفِية مِعْيارية في هندسة الصورة التي أتت بتأطيرات (Cadrages) محسوبة وموزونة بدقة شديدة، على مستوى الاتساق والتوازن وتوزيع الكتل كما على صعيد التعبير، لكونها تخضع إلى ذائقة حَداثِيَّة، تتخذ فيها الذّاتِيَّة قُطب الرَّحى. من ثمّة، يُشير الناقِد حمادي كيروم، في مقارنة نَبيهة، إلى أن تاريخ السينما «عرف المُخرج السوفياتيّ «شيرغي إزنشتاين» الذي يكفيه فخراً أن أخرج الفيلم الخالد «المدرعة بوتمكين»، هذا الفيلم الذي حرمه النقد الأيديولوجيّ قيمته الجمالية لعقودٍ من الزمن، لأن قوة هذا الفيلم تكمن في النبوغ الهندسي الذي نفّذه مهندس القناطر «إزنشتاين»، لهذا لا يمكن القبض على عمق وقوة وصلابة البناء الفنّي لأعمال شادي عبد السلام الوثائقيّة والروائية القصيرة والطويلة، دون الأخذ بعين الاعتبار نبوغه كمهندس معماري وكمصمِّم للديكور وللملابس»(4). ذلك أن صاحب «المومياء» تَوفَّق بوضع العمارة الفرعونيّة في بوتقة الفنون، وإظهار بنياتها وخطوطها ضمن هندستها البنائية الفخمة التي أَنْفَق حياته في استكشاف أسرارها وأعماقها، إذ أصَرَّ على إبرازها من مختلف المناحي والزوايا، ومنها النظرة السّاقِطة من فَوْق (Vue plongeante) لإعادة تشكيل البسيطة وتفصيلها، في اتجاه رسم هويّتها المصريّة بسخاءٍ إبداعي يُغطي تراثاً مادياً هائلاً، أحاطت به كاميراته العنيدة التي تَتَقَصّى المَشاهِد والمساحات والأبعاد (Les plans) بالفِكر واليَقظة اللَّذَيْن لا يَهْمِلان الجزئيات والمُلحقات، بل حتى الكُتل البشريّة، يعمل على توزيعها في الفراغ كي تكون مندمجة ومتناغمة مع الإيقاع المعماري وتَشَكّلاته. هكذا تَتَوحَّد العمارة الفرعونيّة مع ثقافة ومناخ زمانها، بإعادة ترتيب زخارف وموتيفات معابدها وسراديبها، ودوْزَنَة ألوانها في تلاؤُمِيَّة ناصِعَة مع مجموع الأيقونات والمُفردات والعلامات، بما فيها النقوش الحائطيّة وكتابات البرديّات، ضمن سَرْدِيَّة بصريّة مفتوحة على التلقي المقروء والمسموع والمحسوس في آن.
لسنا هنا بصدد مَعارف المعماري بحَصْر المعنى، بل نحن أمام نبوغ المُهندس الفنَّان الذي يَتَشَخَّص نبوغه أيضاً في مقاربته الكروماتيكيّة المطبوعَة بمَيْل إقْلالي، إذ جعل من الشمس فرشاته اللونيّة التي تعيدنا إلى حساسية الانطباعيّين (Les impressionnistes)، لاسيما وأنه صَوَّر جلّ المَشاهِد في المواقع الخارجيّة بعيداً عن الإنارة الكهربائيّة، بحيث يختار اللون الطبيعيّ وتدرُّجاته (Dégradations) عبر متغيِّرات النهار الضوئيّة من الصباح الباكر إلى ما بعد الغروب وحتى الليل، طبقاً لمواعيد ضوئية محدَّدة بدقةٍ متناهية، تسمح له بإبراز تبايُنات حِياكات ومَلامِس (Textures) الجدران والنقوش والشُّقوق والجِلْد الآدمي، وكذا توليف الظِلال الساقِطة والتَّضادّات (Les contrastes) القوية والبديعة، وهي الإِبْدالات اللَّونِيّة والضَّوئِيّة التي جعلت الفيلم موسوماً بهَيْمَنَة الأزرق والبنفسجي الميَّال إلى الحمرة، انسجاماً مع توليف الأجواء المُناسبة لطبيعة المكان، والتي تصل إلى حدِّ اللقطات التي يكتفي فيها بالأبيض والأسود فقط (مشهد النساء بملابسهن السوداء).
إذا كانت هذه السرديّات المرئيّة تتعلَّق هنا بـ«حَكْي الزمن»، فإن هذا الحَكْي الموصوف بالبُعد الروائيّ (Fiction) في السينما، فإنه يحمل معنى الوصف والمُحاكاة، ذلك أن «من خاصيات السينما أنها تحكي، في مشروعها، الالتقاء مع التاريخ، تحكي وتُحاكي في آنٍ واحد»، كما يرى الناقِد الراحل نور الدين الصايل، مؤكِّداً على أنه «يمكن في مرحلة أولى، أن نكتفي بالقول إن الفيلم الذي يُسمّى بالتاريخيّ ما هو إلّا فِعْل حَكْي لشيء سبقه وفِعْل حَكْي بمُحاكاة ما سبق، أي إعادة إنتاج بوسائل سينمائيّة، من سينوغرافيا وفنون وتقنيات وميكانيزمات، ونجد في هذا الصنف، كلّ ما يُسمّى بأفلام الملابس (Les films de costumes) وأفلام اللوحات (Les filmes fresques). إنها إعادة إنتاج ما سبق أن كان، بوسائل الديكور والإنارة وأجساد المُمثّلين»(5). لعلّها الميكانزمات التي سلكها شادي عبد السلام بكَعْب عالٍ، بداية من الكاستينغ، بحيث انتقى ملامح الوجوه بعناية كبيرة، لتتجاوب مع تقاسيم الأصل الفرعونيّ، كما قَوَّمَ التقاسيم ونفَّذَ التصحيحات بالماكياج الدقيق، ليزيد من شحذ صورة الجسد الفرعونيّ بالإكسسوارات والملابس المدروسة، التي أخضعها لبحوث عبر الرسم والتلوين اليَدَوِيَّيْن، وهي على شاكلة اللوحات التحضيريّة التي طالما أعدَّها ضمن تحليل وتحديد الكادرات واللقطات بشكلٍ قبلي. بينما حركة الكاميرا، تبقى بدورها من المُقَوِّمات الرئيسَة في بناء المَشاهِد، بين ثَبات وتحريك مُتأنٍّ ومُتوازن، عبر تَقاطُعات ومحاور هندسيّة تسمح باسْتِجْلاب مَرِن للشخوص والكُتل والظلال والخَيالات، ضمن سَيَران مرئي يروم رَصْد وتَتَبُّع التصميم الجُدْراني والنَّحْتي القديم بالمُعادل الحيوي الذي يقحمنا بسلاسة في صلب الحدث وزمانه، وعلى هذا النحو، «نستمر لنتأمَّل التحريك الإبداعيّ الذي يشكِّله شادي من خلال دراساته وخبراته كمهندس معماري فنَّان، حيث ينقلنا في مسار عجيب عبر أبنية المعبد مستخدماً زوايا التصوير وإيقاع الحركة مع التمازج والتبادل بين اللقطات بحيث يحقّق تتابعها استمرارية عبقرية تجعلنا نشعر كأننا نعبر مدينة فرعونيّة بأكملها»(6).
فضلاً عن أعماله السينمائيّة الخالدة، خَلَّف المُخرج والمهندس والرسَّام شادي عبدالسلام العديد من القِطع الفنِّيّة المُوازية التي عملت على تقديمها مكتبة الإسكندرية سنة 2005 بمُناسبة اليوبيل الماسي لهذا الأخير، في إطار تنظيم معرض فنّي لصور فوتوغرافيّة ولقطات ولوحات ورسيمات «المومياء»(7) وأعمال أخرى ضَمَّت (39) لوحة أصليّة ورسوماً ملوَّنة لملابس شخصيّات تاريخيّة تعود إلى عديد الأفلام السابقة الذكر، إضافة إلى رسومات فيلمه القصير «الفلاح الفصيح»، وتصاميم مشاهد فيلمه الكبير «إخناتون» الذي أعَدَّ له السيناريو وعمل على تعديله وتنقيحه على امتداد أكثر من عشر سنوات، كما نَفَّذ عدداً من تصاميم ديكوراته، فلَمْ يُقَدَّر له إنجازه بحلول الأجل المحتوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1 – نجوى محروس، «السينما التسجيليّة: قضاياها ومشكلاتها»، مجلّة «الفنّ المُعاصر»، أكاديمية الفنون بالقاهرة، المُجلَّد الثاني، العددان 1 و 2، 1988، ص 24.
2 – من بينها: «أمير الدهاء» لـ«هنري بركات»، «حكاية حب» لحلمي حليم، «بين القصرين» لحسن الإمام، «السمان والخريف» لحسام الدين مصطفى، «رابعة العدوية» لـ«نيازي مصطفى».
3 – إضافة إلى «الفلاح الفصيح» و«آفاق»، له: «جيوش الشمس» (1974)، «كرسي توت عنخ آمون الذهبي» (1982)، «الأهرامات وما قبلها» (1984)، «رع رمسيس الثاني» (1986).
4 – حمادي كيروم، «شادي عبد السلام: الفلاح الفصيح»، الجزيرة الوثائقيّة، 31 مارس/ آذار 2016. https://doc.aljazeera.net/portrait –
5 – نور الدين الصايل، «حكي الزمن»، التاريخ والسينما -أشغال الندوة المُنظَّمة من 16 إلى 24 فبراير/ شباط 1990، جامعة الحسن الثاني بالمحمدية- كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بنمسيك بالدار البيضاء، مطبعة دار النشر المغربيّة، الدار البيضاء، 1993، ص 16.
6 – جورج أنسي، «عالمية الفيلم المصريّ بين شادي وشاهين»، القاهرة: مجلّة «الفكر والفنّ المُعاصر» (خاصّ: 100 عام من السينما – قرن من الأحلام)، الهيئة المصريّة العامّة للكِتاب، القاهرة، العددان 169 – 170، ديسمبر- يناير 1997، ص 234.
7 – نال «المومياء» عِدّة جوائز منها جائزة «جورج سادول» في باريس (1970)، واختارته المُؤسَّسة العالمية للسينما كواحد من أهمّ الأفلام في تاريخ السينما، وقامت بترميم النسخة الأصليّة في 2009، تاريخ الاحتفاء بشادي عبد السلام في مهرجان «كان».

في نقد العباراتُ المسكوكة.. تصلّبُ اللّغة إفقارٌ للحياة

تُصابُ اللّغةُ بالشلَل مثلما يُصابُ الجسد، لأنّ للغةِ أيضًا جسدًا، كلّما تصلّبَ فيه طرَفٌ سرَى الموتُ كي يُجمِّد أطرافًا أخرى، على نحو يوسِّعُ مساحة الشلل، ويُهدِّد بموتِ اللّغة حتى وإنْ اتّخذ هذا الموتُ صورةَ حياة مُقنّعةٍ بتداوُلٍ مُفرط. فتداولُ التراكيب اللّغويّة التي سرَى التصلّبُ فيها لا يُزكّي الموتَ ويتستّرُ عليه وحسب، بل يغدو هو ذاتُه موتًا مُتشبِّهًا بالحياة. ما يُشلّ في اللّغة ويُصابُ بالجمود يجعلُ المُتصلّبَ فيها شبيهًا بحال الجثّة، غير أنّها جثّة تظلُّ مُقنّعة بالحياة عبْر ما يؤمِّنُ لها الاستمرارَ في التداول. وإذا كانت البشريّة قد حرصَت على مواراة الجُثث مُنذ أن التقطَت درسَ الغراب في الزمن الغابر، فإنّ تراكيبَ لغويّةً وصيَغًا في بناء هذه التراكيب لا تكفّ، حتى عندما يَسكنُها الموتُ وتغدو مجرّد مسكوكات، عن الإصرار على الاحتفاظ بتداولها الذي يشتغلُ ضدّ الفكر وضدّ الحياة، مُحصَّنًا بتكرارٍ مُفرَغٍ من المعنى.
يتعذَّرُ حصْرُ العوامل المُسْهمة في تصلّب اللّغة وشلَلها، لا لتعدُّد هذه العوامل وحسب، بل أكثر من ذلك، لتعقّدها وتشعّبها. من بين هذه العوامل في الزمن الحديث، ثمّة تشبّهُ الكلام بالكتابة. تشبّهٌ ما فتئ يتنامَى بعد أن يَسَّرَت التقنيةُ سُبُلَ هذا التشبّه ومكّنت الكلام، الذي يَروج في أقصى صوَر اليَوميّ المُبتذلة، مِن أن «يُحرَّرَ»، بالمعنى المُضاعَف لهذه الكلمة، مُنتقلًا بهذا «التحرير» من وضعيّة الأصوات إلى وضعيّة الحروف. المُضاعَفُ، وَفق ما تُتيحهُ اللّغة العربيّة من تعدُّد في معنى الكلمة، يُمكّنُ من فهْم «التحرير» في هذا السياق بوَصفه، في معنى أوّل، تحرّرًا من الحصانة الفكريّة التي كانت تُلزمُ، في فترات معيّنة، كلَّ عُبور إلى الكتابة بالاستناد إلى المقوِّمات التي يتطلّبُها هذا العبور، بعيدًا عن الابتذال الذي طال دلالة الحرّيّة وأبعدَها عن المسؤولية التي بها تتحدّدُ في الكتابة، ويُمكّنُ في معنى ثان، من فهْم «التحرير» بوصفه تدوينًا سمحَ للأصوات بأن تأخُذ صورةَ الحروف، وهو ما يُصيبُ تراكيبَ الكتابة بالاجترار الذي يحكمُ صيَغ الكلام. لربّما يعودُ تشبُّه الكلام بالكتابة في الأصل، قبْل أن يتشعَّب أمرُ هذا التشبُّه اعتمادًا على الإمكانات التي تُتيحُها التقنية، إلى انتحال اللّغة الإعلاميّة، باعتبارها أقرب إلى الكلام، صفةَ اللّغة الفكريّة، وما يترتّبُ على هذا الانتحال من لَبْس مُخلّ ومن تبعات مُعقّدة. لا تُشكّلُ اللّغة الأولى، أي لغة الإعلام، إزعاجًا فكريًّا إلّا عندما تدّعي الاضطلاعَ بما لا تقوَى عليه، مُتناسيةً حدودَها، خصوصًا عندما تريدُ أنْ تقوم مقام الفكر، وعندما تغدو أداةً لاختطاف المعنى ولترسيخ البلاهة بمُختلف صوَرها، وعندما تغدو أيضًا مُختبَرًا لإطلاق الأحكام وتَوجيه معنى القيمة.
لهذا المنحى، القائم على الانتحال، آثارُه في شلِّ اللّغة وإفقارها وإفراغها من الفكر. غير أنّ ثمّة مناحيَ أخرى لرصْد شلل اللّغة؛ منها اختزال اللّغة، بوجه عامّ، في الإخبار والتواصل، على نحو يرومُ إدمْاجَها هي أيضًا ضمْن آلةِ الاستهلاك المُخترقة لكلّ تفاصيل الحياة الحديثة، بما يكرّسُ عدَّ اللّغة مجرّد أداة. إنّ من بين ما تعملُ لغةُ الأدب والفكر على التصدّي له هو هذا الإدماجُ نفسُه، لأنّ لغتَهما لا تقومُ على التواصل، وحتى إذا كان لازمًا الاحتفاظ بهذا المُصطلح في الحديث عنهما، فإنّ هذا اللزوم لا يستقيمُ إلّا بتفكيك حمولة المُصطلح وإعادة صَوغها بتعارُض تامٍّ مع حمولته السائدة. فكلّما ارتكزَ الفهمُ والتأويل، في توَجّههما إلى لغة الأدب والفكر، على مفهوم التواصل، انحصرَا في ما ليس جوهريًّا في هذه اللّغة. لعلّ جانبًا من هذا الأمر هو ما شدَّدَ عليه والتر بنيامين في نصّه الشهير «مهمة المُترجم»، مُفكّكًا، في ضَوئه، مفهومَ الترجمة نفسه. لقد شدَّد بنيامين في هذا النصّ، الذي شكّلَ في ظهوره الأوّل تقديمًا للترجمة التي أنجزَها لـ«مشاهد باريسية – Tableaux parisiens» لـ«بودلير»، أنّ الجوهريّ في «العمل الأدبيّ» ليس التواصل والإخبار، لذلك عندما تريدُ الترجمة أن تكون عمليّة نقْل، فإنّها لا يُمكنُ أن تنقلَ سوى التواصل والإبلاغ، أي أنّها لن تنقلَ إلّا «ما ليس جوهريًّا» في العمل الأدبيّ. وهكذا، فتحصينُ لغة الأدب والفكر من الاستسهال الذي ينطوي عليه مفهومُ التواصل، ومن الاختزال الذي يحكمُ أيضًا مفهوم التعبير، يُعَدُّ أسّ المقاوَمة التي تنهضُ بها لغة الأدب ولغة الفكر حتى في انشغالهما بتفاصيل اليَوميّ. مُقاومةٌ ترومُ التصدّي لإفقار الحياة عبْر التصدّي لإفقار اللّغة ولِما يعملُ على تحويل مجهولها إلى معلوم. إنّ المقاومة داخل اللّغة هي أساسًا مقاومةٌ لصوَر إفقار الوجود، فكلُّ ما يَتصلّبُ في تصوّر اللّغة وفي تراكيبها، ويُحتفظ له بتداوُله وَفق التكرار والاجترار، يُشكّلُ وجهًا من وُجوه شلِّ اللّغة، وحَجْبِ بُعدها الوجوديّ الذي به تتحدَّد، وبه تتمنّعُ على كلّ اختزالٍ لها في مُجرّد أداة.
لا حدَّ لِما يُصيبُ جسدَ اللّغة من تصلّبات. وهي تصلّبات لم تكفّ، منذ القديم، عن الحدوث اعتمادًا على اشتغال شديد التعقيد، بل إنّ اشتغال هذه التصلّبات يشهدُ تجدّدًا وَفق السياقات العامّة للأزمنة والعُصور، لأنّ للتصلّب أيضًا ما به يُجدِّدُ تحقّقاته. تُسهمُ في هذا التصلّب راهنًا المؤسّساتُ الرسميّة، ويُرسّخهُ التكرار المُفرِغ للمعنى والمُفرَغُ منه في الآن ذاته. لربّما كان تاريخُ التأويل نفسهُ مُنطويًا، في تصوّره للغة، على مَنحييْن؛ منحى حَرصَ دومًا على منْع اللّغة من التصلّب وعلى تمكينها من التجدّد؛ فيه تحقّقَ التأويلُ بوصفه رافدًا من روافد إغناء الحياة بإغناء اللّغة وتجديدها، ومنحى آخر عمِلَ باستمرار على تصلُّب اللّغة، بل عدَّ نفسَه وصيًّا على تأمين تحقّق هذا التصلّب انطلاقًا من تضييق المسافة بين الاسم والمُسمّى، وتقييد الاحتمال الذي يحكمُ المسافة بين الكلمات، بما يجعلُ التأويلَ آليةً لتكريس التصلّب.
لمَسار تصلّبات اللّغة وُجوهٌ عديدةٌ؛ من هذه التصلّبات ما يمَسّ علاقة اللفظ بالمعنى، وما يرتبط بعلاقة الكلمة بالكلمة، وما يخصّ علاقة التركيب اللّغويّ بما يُحيلُ عليه. وهذا المسارُ هو عينُهُ ما يكشفُ بالمُقابل المُهمّةَ التي بها اضطلعَت لغةُ الأدب والفكر والتصوّف في تصدّيها لِما لا يكفّ يُشَلُّ في اللّغة عبْر التصلّبات التي تحدُثُ فيها. لا حصْرَ للتصلّبات التي تتسرَّبُ إلى جسد اللّغة، ابتداءً من مُكوّناتها الصغرى حتى صيَغ التركيب فيها. من نماذج هذه التصلّبات، في المُستوى اللفظيّ، انغلاق المسافة بين اللفظ وما لا ينتهي فيه من احتمال، خصوصًا عندما يُقيَّدُ لفظّ ما في معنى قبليٍّ جامد، أو عندما يُستعملُ اللفظُ في سياق المُحافظة والمُهادنة كي يكون مُستعمِلهُ شخصًا «ملائمًا ومحبوبًا» على حدّ قول «غوستاف فلوبير» في تصدّيه للبلاهة من موقعِ ما يَصيرُ جاهزًا في اللفظ. إنّ هذا الوَجه من التصلّب، بخطورته التي تمسّ الحياة، هو ما يكشفُ حيَويّة تأليف فلوبير لـ«قاموس الأفكار الجاهزة – Dictionnaire des idées reçues». فقد انطوى هذا القاموس، في رصْده للبلاهة انطلاقًا من تصلّب معاني الكلمات وتقيّدها بتباهٍ فارغ وتماهٍ مُبتذل مع رأي عامّ، على مقاوَمةٍ لِما يُضيّقُ الوجود من داخل اللّغة. والمسارُ الذي قطعهُ فلوبير في تأليف هذا القاموس دون أن يتمكّن من إنهائه دالٌّ في ذاته، إذ تبدَّى منه أنّ اشتغال التصلّب في اللّغة، بما هو بلاهة، لا حدّ له ولا نهاية يُمْكن أن يبلغَها، لأنّ التصلّب لا يتوَقّفُ أبدًا عن تجديدِ آلياته. لقد بدأ فلوبير التفكيرَ في إعداد هذا القاموس مُنذ عام 1847، ولم يَظهر الكتاب إلّا عام 1911، بعد وفاة فلوبير بثلاثين سنة، أي أنّ القاموس لم يتسنَّ له أنْ ينتهي، بل لم يكُن انتهاؤه مُمكنًا، تبعًا لما يَحكمُ اشتغالَ البلاهة في اللّغة وما يحكمُ إنتاجَها للجاهز انطلاقًا من تفاعُل معقّدٍ مع ما يتصلّبُ فيها. انتفاءُ الانتهاء من التأليف هو ما ألمحَ إليه «فيليب ميير – Philippe Meyer» في تساؤل دالٍّ صاغهُ على النحو التالي: أكان مُمكنًا لهذا القاموس أن ينتهي؟. قطعًا لا. فالأمرُ يتعلّقُ بـ«منطق» اشتغال التصلّب في اللّغة، وبالتآزُر القائم بين تصلّب اللّغة وإدامةِ البلاهة التي لا تكفُّ عن تطوير آلياتِ اشتغالها وتوسيع قِلاعها وتحصين استمرارها. إنّ فكرة هذا القاموس تجعلهُ شبيهًا بعَيْن مُؤتمَنة على حراسةِ منطقة من مناطق اللّغة؛ إنّها العينُ التي يتوجّبُ أنْ تظلّ ساهرةً على رَصْد ما لا يكفُّ عن التصلّب في اللّغة، باعتبار هذا التصلّب وَجهًا من وُجوه البلاهة.
إلى جانب هذا الملمح المُجسِّد للتصلّب، ثمّة ملمحُهُ الأعلى الذي تُجسّدُه العباراتُ المسكوكة، أي العباراتُ التي تنغلقُ فيها العلاقةُ بين الألفاظ داخل تراكيب جامدة، بما يترتّب على هذا الانغلاق من شَلل ومَوت. تُلقي العباراتُ المسكوكة، التي شُلّت فيها الصلاتُ بين الكلمات، بالتركيب في الماضي الذي لا مُستقبل له، وتُخضعُ هذا التركيبَ للتكرار والاجترار. وهي بذلك، تشتغلُ، على المُستوى الفكريّ، ضدّ الفكر، لأنّها لا تقودُ التركيبَ اللّغويّ إلى الجمود وحسب، بل إلى التكرار الذي يُفقدُ العبارةَ المسكوكة كلَّ مدلول، ويُحوِّلها إلى بداهة، أي يحوِّلها إلى ما يَمنعُ الفكر. وقد عزا رولان بارث، في كتابه «لذة النصّ» هذا التكرار إلى ما يَحكمُ كلَّ المؤسّسات الرّسميّة، مُشيرًا إلى ما يُوَجِّهُ المدرسة والرياضة والإشهار والإعلام، حيث تُعيدُ هذه المؤسّسات دومًا، كما يقول بارث، البنية ذاتَها، والمعنى ذاته. لعلّ ما يكتسي حيَويّةً في هذا السياق هو إشارة بارث إلى ما ينطوي عليه المسكوكُ في اللّغة من خُطورة، إذ ذهبَ إلى أنّ «المسكوك في اللّغة واقعةٌ سياسيّة»، بل عدّهُ «الصورة الكبرى للأيديولوجيّة». إنّ هذه الإشارة المُنيرة، إذ تُلمحُ إلى أبعادِ اللّغة وإلى ما يَتجاوَزُ المُستوى التركيبي فيها، تشقّ في الآن ذاته مسلكًا خصيبًا لتأويلِ المسكوكات اللّغويّة فكريًّا ولتفكيك ما يحكمُ اشتغالها.
لا نهاية، إذًا، لاشتغال التصلّب في اللّغة ولا حدّ له، لذلك يُعَدُّ التصدّي لهذا التصلّب سيرورةً مُتجدّدةً دومًا، لأنّ آلية التصلّب لا تتوَقّف أبدًا. ومن ثمّ، كان التفكيكُ في اللّغة والتفكيكُ باللّغة عملًا مُضاعَفًا منذورًا للشعراء والمُفكّرين والصوفية، ضمن مسؤوليّة تتطلّبُ منهم مُراقبةً يقِظة لاشتغال التصلّب في اللّغة والتصدّي له بجعْل العلاقة بين الكلمات لا متناهيةً وغيرَ قابلة للتصلّب. إنّها مسؤوليةُ حراسة اللّغة بما تقتضيه من يَقظة، لأنّ ما به تتمّ هذه الحراسة مُهدَّدٌ هو أيضًا بأن يتسرّبَ التصلّبُ إليه، مادامت آلةُ شلّ اللّغة لا تتوقّفُ عن العمل. تكفي الإشارة في هذا السياق، مثلًا، للاستعارات الشعريّة التي ترومُ أساسًا، وهي تُوسِّعُ العلاقة بين الألفاظ وتوسِّعُ العلاقة بين الأشياء، فتْحَ ما يصِلُ بين ألفاظ التراكيب اللّغويّة ومنْعَ هذه الصِّلة من الانغلاق، ولكن ما إنْ تتحوّل استعارةٌ ما إلى مسكوك، إلّا وتسقطُ في الاجترار القاتل للمعنى، فتغدو هي ذاتُها ما سمّاه البلاغيون بالاستعارات الميّتة، أي الاستعارات التي ابتلعها التصلّب بتسرُّب الموت إلى الخيال الذي شكّلَ خصوبتها الأولى. الأمرُ ذاته يَصدقُ على التأويل الفكريّ؛ فما إنْ يتوقّف التأويل عن فتْح العلاقة بين عناصر التراكيب اللّغويّة، وعن فتْح صلةِ هذه التراكيب بالمعنى، يغدو هو ذاته شكلًا من أشكال التصلّب.
لربّما الخطيرُ في مسار هذا التصلّب هو أنّه يُنتجُ الموتَ لكنّه لا يموت، حتى لقد عدَّ بارث أنّ المسكوك في اللّغة هو استحالةُ المَوت المُثيرة للغثيان؛ الاستحالة التي تتكشّف في حالةٍ يكونُ فيها الموتُ خلاصًا. فالتصلّب الذي يَشلّ اللّغةَ يُقاومُ الحياةَ بما يتعيّنُ، أصلًا، أن يموت. ومن ثمّ، يُعَدُّ رصْد مسار تصلّب اللّغة وتفكيكُ اشتغال هذا التصلّب عملًا فكريًّا بأبعاد مُتشعّبة، لأنّ هذا التفكيك لا يفصلُ اللّغة عن الوجود الإنسانيّ بَعد أن يُحرّرَها من الاختزال الذي حصرَها في مُجرّد أداة للتواصل. لعلّ هذا الأساس الفكريّ هو أحد العناصر التي جعلت بارث يدعو إلى تخيُّل لسانيات مُنشغلة لا بدراسةِ أصْل الكلمات واشتقاقاتها وقاموسها، بل بدراسة ما يتصلّبُ على امتداد الخطاب التاريخيّ. ليست دراسةُ ما لا يكفُّ عن التصلّب في اللّغة أمرًا لغويًّا بالمعنى اللسانيّ، إنّها مهمّةٌ فكريّة تُتيحُ رَصْدَ خطورة تصلّب العبارات وتحوُّلها إلى تراكيب مسكوكة، انطلاقًا من الكشْف عمّا يُحدثهُ هذا التحوّل وهو يَنقلُ الاحتمالَ، الذي حكمَ صلة الألفاظ في استعمالٍ أوّل قائمٍ على الانفتاح، إلى بداهة مُغلقة، أي تحوُّل التركيب اللُّغويّ إلى صلةٍ ضروريّةٍ لا حُجّة على ضرورَتها سوى الإفراطِ في تكرار هذا التركيب. إنّ هذا التكرار، الذي تضطلعُ به المؤسّسات الرسميّة، يمنعُ اللّغة من المُتعة، وذلك بجعْل التركيب المسكوك بداهةً، على نحو يُثيرُ الغثيان كما يقول بارث في كتابه «لذة النصّ»، ويُلزمُ، تبعًا لذلك، بهجران ما صارَت له وضعيّة البداهة. صحيحٌ أنّ بارث لم يستبعد عن التكرار إمكانَ توليد المُتعة، لكن ليس التكرار الفاقد لكلّ معنى، أي ليس التكرار الذي تُجسِّدُهُ المسكوكات اللُّغويّة المؤازِرة للبلاهة.
من الحيَويّ الإشارة، في سياق تأمّل ما يتصلّبُ في اللّغة، إلى نقد بارث لمفهوم الجُملة نفسه. فقد ذهبَ بعيدًا في تفكيكه للمسكوك في اللّغة، إلى حدِّ تفكيك مفهوم الجُملة، لا مِن موقع ما عُرفَ بالانتقال من لسانيات الجُملة إلى لسانيات الخطاب، بل من موقعٍ آخَر مشدودٍ إلى ما حكمَ، ابتداءً من مُستهلّ سبعينيّات القرن الماضي، تحوُّلَ رُؤية بارث الثقافيّة بوَجه عامّ. من ملامح هذا التفكيك، ثمّة، مثلاً، إشارةُ بارث إلى اللاجملة non-phrase، أي تلك الحالة الداخليّة التي تَعبُرُ فيها الكلماتُ والتراكيبُ ذاتَ الكاتب دون أن تتشكّلَ أيُّ جملة. اللاجملة، عند بارث، «ليست أبدًا شيئًا فاقدًا لقوّةِ أن يكون جُملةً ولا سابقًا على تكوُّن الجُملة، بل ما هو، بصورة دائمة ورائعة، خارج الجُملة»؛ المُتمنّعُ عليها باستمرار. إنّ استيعابَ ما لا يتشكّلُ في جُملة، ولا يتحقّقُ بها، يَستحضرُ بالمُقابل ما يتصلّب في صيغةٍ جامدة ليصيرَ مسكوكًا، أي تركيبًا مشلولاً مُفرَغًا من المعنى ومانعًا من الفكر. وهي التراكيب المشلولة التي عليها يقومُ، بوجْه رئيس، الخطابُ الإعلاميّ، والخطابُ السياسيّ، وكلُّ خطاب محكوم بالكيتش وبالمُهادنة وإرضاء صَوت عامّ.
إنّ المسكوك لا يُجرِّدُ اللّغة من المُتعة وحسب بل يمنعُها من الفكر ويجعلها آلةً للجاهز، أي لتضييق الحياة وإفقارها. فمن تجليات خطورة هذا التكرار، الذي يُفرغُ التركيبَ اللُّغويَّ من الاحتمال ويُرسِّخ تصلّبَهُ بوَصفه بداهة، تجريدُ اللّغة من كلّ قُدرة على التفكير، لأنّ المُتصلّبَ فيها يَصيرُ تابعًا لمعنى قبليّ. خطورةُ التركيب المسكوك في اللّغة ناجمةٌ، بمعنى ما، عن صِلةِ هذا التركيب المُعقّدة مع ما يُرادُ له أن يكون بدهيًّا، وعن صِلته بالأفكار الجاهزة، التي لا تكرِّسُ البلاهة وتَرْعاها فحسب، بل تُحوِّلُ مجهولَ الحياة اللامتناهي إلى معلوم ضيّق ومحدود. يتكشّف، إذًا، أنّ تصلّب اللّغة، المُجسَّد في المسكوكات، ليس مُجرّد شلل يُصيبُ تراكيبَ لغويّة ولا هو عطبٌ يَمتدُّ إلى أداة، بل هو تضييق للحياة وإجهازٌ على مناطق المجهول فيها. اللّغة ليست أداةً، إنّها «مأوى الوجود»، وكلّ إفقار لها هو إفقارٌ للحياة وللوجود. فجعْلُ اللامتناهي في العلاقة بين الكلمات متناهيًا وإلزامُ هذه العلاقة بصيغة مسكوكة ليس سوى إطفاءٍ لنور اللّغة، وحجْبٍ لمجهولها الذي هو عينه مجهول الحياة.

التشخيص والتجريد في تجربة الراحل رفيق الكامل

فقدت الساحة الفنِّيّة، العربيّة، والتونسية، مؤخَّراً، فنَّانّاً تشكيليّاً متفرِّداً، بَصَمَ مساره الجمالي بكثير من العطاء والإبداع؛ يتعلَّق الأمر بالفَنَّان التشكيلي التونسي رفيق الكامل الذي وافته المنيّة يوم الجمعة: (12 مارس/ آذار 2021)، عن سنّ تناهز (77) عاماً. وقد ترك رحيله الموجع فراغاً إبداعيّاً كبيراً في بلده بالنظر إلى مساره الفنّي الحافل بالعطاء، فضلاً عن دوره في تكوين أجيال كاملة من الرسَّامين والفنَّانين..

تحصَّلَ رفيق الكامل على دبلوم التخرُّج من (مدرسة الفنون الجميلة) في تونس، عام (1967). عقب ذلك، استفاد من إقامة فنِّيّة بمدينة الفنون «باريس». وفي عام (1970)، نال دبلوم التخرُّج من (المدرسة العليا للفنون الزخرفية) في باريس، قبل أن يشتغل أستاذاً في (المعهد التكنولوجي للفنّ والهندسة المعمارية والتعمير) في تونس، حتى عام (2005). وفي رصيده العديد من المعارض الفنِّيّة؛ الفردية والجماعية التي أقامها أو اشترك فيها في كلٍّ من تونس، وباريس، وميونيخ، فضلاً عن مدن إسبانية وبلجيكية وألمانية أخرى. وفي عام (1984)، نال- باستحقاق- الجائزة الأولى لمدينة تونس، والجائزة الأولى للمعرض السنوي للفنّ المعاصر في المدينة نفسها.
مَثَّلَ رفيق الكامل أحد أقطاب موجة التجريد، أو الفنّ اللاشكلي – Informel، الذي عمَّ الصباغة والتعبير التشكيلي في تونس، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي وبداية سبعينياته، مستفيداً، في ذلك، من دراساته ومتابعاته لما يجري في العالم من تحوُّل متسارع في الفنّ الحديث. ومنذ ذلك الوقت، لمع اسمه بوصفه فنَّاناً طلائعيّاً شَكَّل أحد روّاد الحداثة الفنِّيّة في بلده، أقام لفترة بمرسم الفنان الفرنسي «جاك ديسبيير – J. Despierre»، خلال إقامته في باريس. وفي عام 1975، أسَّس، رفقة بعض زملائه الفنَّانين، «قاعة ارتسام»، منهم محمود السهيلي، ورضا عبد الله، ونجيب بلخوجة، وعبد الحميد بودن، وقد لعبت هذه القاعة دوراً مهمّاً في تنشيط الساحة التشكيلية في تونس.
اعتُبِر الفَنَّان رفيق الكامل من آخر المنتسبين إلى «مدرسة تونس» التي تأسَّست سنة (1949)، على يَدِ الرسام المستشرق الفرنسي «بيير بوشارل – P. Bocherle» (1894- 1988)؛ بهدف إيجاد رسم تونسي أصيل يتَّجه نحو إبراز الهويّة وإثباتها من خلال الاشتغال على الموروث الثقافي المحلّي. وقد صدرت حول فنّه ورسمه عدّة أبحاث ودراسات، من بينها كتاب مونوغرافي باللُّغة الفرنسية، بعنوان «رفيق الكامل»، أنجزه الكاتب زبير الأصرم(1)، إلى جانب كتابات ومقاربات كلّ من: يوسف الصديق، ولحبيب بيدة، وعلي اللواتي، وعبد الجليل بن المسعودي، وعماد الجميّل، وفاتح بن عامر(2)، وخليل قويعة(3)..، وغيرهم. لوحاته، عموماً تتأرجح بين التشخيصية المحدثة والتجريد الإيحائي، الكثير منها ممزوج بكولاجات مندمجة مع (الكانفا) وصبغات الأكريليك..

الراحل رفيق الكامل

لوحات الفَنَّان رفيق الكامل التشخيصية مشاهد مستوحاة من اليومي، ومن إيقاعات العيش في البلد: دروب وحوارٍ شعبية، عربات الباعة المتجوِّلون، جزارون، متاجر قديمة، أسواق ومقاهي شعبية، نسوة تونسيات بلباسهن التقليدي، مبانٍ عتيقة مطليّة بالجير الأبيض الناصع، وأخرى مصبوغة بألوان ترابية تكسوها حمرة ياجورية، مناشط الصيَّادين والحوَّاتين، إلى جانب بورتريهات بألوان مضبَّبة، وغير ذلك من المواضيع التي تؤرِّخ لمشاهد من البيئة المحلّيّة ببنياتها وأناسها، في حركات دؤوبة ومستمرّة تعكس نبض الحياة بالشكل الذي سجله الفنَّان في مخيِّلته، لتلتقطه العين، بعد ذلك، بأمانة إبداعية تيمُّناً بقول الفَنَّان «مايكل أنجلو»: «المرء يرسم بعقله لا بيده».
هذه الفضاءات المعمارية شكَّلت جزءاً من ذاكرة الفَنَّان رفيق الكامل، التي أراد، من خلال رسمها وتلوينها، إظهار حبِّه الحقيقي والصادق لها، بدءاً من تصوُّره البصري للفضاء والمكان، مروراً بعشقه الخالص لأمكنته وأفضيته المفضَّلة. كما حرص، في معظم لوحاته التشخيصية، على الاهتمام ببعض تفاصيل اللوحة وتميَّزَ بتمكُّنه من التوظيف الملائم بين مناطق الضوء والظلّ – Clair- obscure، في الرسم والتلوين. ففي لوحاته سرديّات بصرية تعكس مرانه المتقدِّم في الرسم، والتصوير الذي يخالف النمط الكلاسيكي السائد والمألوف، حيث ظلَّ يرسم ويلوِّن بتقنية مغايرة تجمع بين الواقعية الحسّيّة والتأثيرية الجديدة، وفيها تبدو النماذج المرسومة في شكل خيالات وأطياف بفعل «الضبابية اللونية» التي ينهجها، وهو أسلوب صباغي حداثي عصيّ في التصوير، لا يتقنه سوى المهرة من الفنَّانين والرسامين.
الكثير من شخوصه أصدقاء يعرفهم، أو جيران عايشهم، وتقاسم معهم حياة اجتماعية بسيطة؛ لذلك ظلّوا يسكنون فنَّه، وقلبه الذي لم يكن يعرف الحقد والكراهية والمنافسة المجَّانية، بقدر قناعته بمساعدته للناس المحتاجين، والإنصات إليهم.. هكذا، أدرك، ومنذ بواكيره الفنّيّة وانخراطه الفعلي في مجال الإبداع، رسالةَ الفنّ، وانتبه مبكِّراً إلى دوره الحيوي فنَّاناً عضويّاً، في الارتقاء بالوجدان الجمالي المشترك، فضلاً عن كون الفنّ أداة فاعلة ومؤثِّرة في إثراء التجربة الإنسانية، على أكثر من صعيد..

أمَّا في لوحاته التجريدية، فتبرز تكوينات لونيّة حركيّة بجانب كتل متراصّة محاطة بخطوط غليظة ومنثالة، في شكل بقايا صباغة قَبْلِيّة، تنبعث من عمقها أشكال هندسية مندمجة مع أخرى عضوية مثل كائنات طائرة وسابحة نحو سماوات رحبة. أشكال ظاهرة، وأخرة ضامرة وقد لفَّتْها تسريحات لونية عريضة وممتدّة على شكل تواقيع وإمضاءات كبيرة، تسودها -في أغلب التطبيقات- الزرقة والرماديات الملوَّنة- Gris colorés… هنا، بَدَا الفنَّان كمن يضع اللون فوق اللون، لا ليمحو الثاني الأوَّل، بل ليمنح اللوحة أبعاداً بصرية جديدة تعجُّ بشرائح لونية، تحيا وتتعايش في ما بينها، بعناوين ومفاهيم متحوِّلة على إيقاع القراءات والتأويلات..
في هذا المنحى الصباغي التجريدي، تميَّز الفنَّان رفيق الكامل كثيراً بميوله الطيفي نحو اللون الأحادي (مونوكروم) المائل نحو الرّمادي المنصهر داخل أطياف وتكوينات عضوية متشاكلة، أظهرت دخوله في حوارات تجريبية مباشرة مع اللوحة التجريدية الحديثة، تنطلق من الأشياء البسيطة، انسجاماً مع قول الفنَّان «فاسيللي كاندانسكي»: «كلّ شيء يبدأ من نقطة صغيرة».
في هذه التجربة، تتمازج الألوان في لوحاته الفنّيّة، وتتكوَّم مثل رمال هادئة في صحراء ممتدّة، سرعان ما تتفجَّر وتتعدَّد، لتنبعث، من عمقها، ألوان وتكوينات طيفية تمضي نحو اتّجاهات متنوِّعة، لكنها- مع ذلك- بقيت محافظة على تراصّها وتماسكها..
ألوان شفيفة تذوب في لجّة أخرى داكنة، وألوان أخرى غامقة تعانق الفواتح من الألوان.. تآلف قزحيّ جماليّ مفعم بالشاعرية اللونية، يصعب فصله عن فكر الفنَّان الذي آمن طوال حياته، بثقافة الاندماج والتلاحم من أجل القوّة والتكامل؛ من ثَمَّ عُدَّ فنّه- كحياته- مبدعاً إنساناً، وإنساناً مبدعاً يفيض بالكثير من القيم الإنسانية النبيلة..
ضمن هذا الأفق الجمالي، تتبدَّى الآثار اللونية، في لوحاته، متراكبة يعمُّها الاندماج والانصهار، فهي أنجزت على مراحل، قد تكون متباعدة أو متقاربة التنفيذ، بحسب طقوس الاشتغال وحالات التأمُّل والتشكيل التي عاشها الفنَّان، والأكيد أنها تظلُّ، في كلّ هذه الحالات، نابعة من الفكر الذي يؤسِّس للإبداع بما يستلزمه الأمر من انسجام تامّ يضمن الحدّ الأدني من خصائص التصوير الحديث والمعاصر.
وبكثير من المزامنة – Contemporanéité، تعايشت التوليفات اللونية والكتل المتعاضدة في لوحاته، على إيقاع التجريد الموسوم بالتشخيص والتجريدات الصباغية المدعَّمة بالطباعة والتقطيع والتغرية/ Découpage-Collage المدمجة في ثنايا اللون، وفي جسد اللوحة. وقد «ساعدت أعمال التّلصيق الفنَّان الكامل على قراءة فضائه وعلى صياغته بحكمة كبيرة؛ ذلك أنّ الفضاء التّشكيلي، للوحة الكامل، مَصوغ بنوع من التّقليص في الألوان والتّركيز في الاختيار حتّى صارت اللّوحة إلى فضاء لونيّ موحّد تطفو الأشكال على سطحه كما تبرز من رحمه، في تباين ضوئيّ، وفي تقارب لونيّ واضحَيْن»(4).
أمّا ذهن الفنَّان، فظلَّ يشتغل بحسٍّ لونيّ يقظ، يتَّجه نحو إعادة صياغة المشاهد والمعاينات المرئية صياغة تجريدية ظهرت نتائجها طويلاً فوق السند؛ بذلك ظلَّ المبدع رفيق الكامل «يختبر أنظارنا، ويترجم -بلا كلل – مشاعرنا وأحلامنا»، كما قال «جاك لانغ – J. Lang» وزير الثقافة الفرنسي الأسبق، والمدير الحالي لمعهد العالم العربي في «باريس»، مضيفاً، في شهادة خلال تكريمه؛ كون «إتقانه الأنيق للألوان وذكاء ملامحه، جعله أحد أكثر الرسّامين تأثيراً في المشهد الفنّي العربي المعاصر»(5).
فمن يرى فنّ هذا الرسّام المبدع سيدرك أن يده أتقنت، بالفعل، دروب التشخيص والتجريد، حيث أجاد الرسم والتصوير بمثل إتقانه للتعبير باللون والتحكُّم في تحوُّلاته البصرية فوق السند، بذكاء إبداعي نادر جعل لوحاته وتصاويره محطّ أنظار النُقَّاد والمتلقِّين. وسط هذه الدروب، تتوارى دلالات أيقونية عديدة؛ الأمر الذي يحتاج إلى أدوات خاصّة لاستيعاب المعاني بالشكل الذي نسجها فيه الفنَّان بإبداع واسع، وبمعرفة فنّيّة وافية.
في السنوات الأخيرة من عمره، تضاءلت النشاطات الإبداعية الخارجية للفنَّان رفيق الكامل؛ جرَّاء التعب والإعياء، قبل أن يعتزل وينهي مشواره الفنّي هادئاً، صموتاً ومعتكفاً داخل مرسمه الكائن في المرسى، غير بعيدٍ عن تونس العاصمة، إلى أن رحل رحلته الأبدية كبيراً مثلما عاش متواضعاً، وبقيت إبداعاته وجماليّاته الرَّاقية شاهدة على فنّه وإنسانيَّته..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هوامش:
1 – Zoubeir Lasram: Rafik El Kamel. Éditeur: Ceres- Tunis (1 janvier 2003).
2 – فاتح بن عامر: «رفيق الكامل: قضايا الفضاء التّشكيلي بين خطاب التّقنية وحسّية التّجريد ومقتضيات الانتماء»، مقتطف من من أطروحة «التجريد بتونس في الستينات والسبعينات: مبحث جمالي ونقدي» التي نوقشت يوم 8 أبريل/ نيسان (2005)، في المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس.
3 – خليل قويعة: «أسفار الرؤية ومدارات التجربة التشكيلية لدى الفنَّان رفيق الكامل»- مجلّة الحياة الثقافية، العدد (108) – السنة (24)، تونس، أكتوبر/تشرين الأول 1999.
4 – فاتح بن عامر مصدر سابق.
5 – واردة ضمن شهادة مؤرَّخة بتاريخ (16) مارس/ آذار (2021).

عز الدين المناصرة.. الشعر في استجلاء التاريخ البعيد

عاشَ الشاعر الفلسطينيّ عز الدين المناصرة (1946 – 2021) منفيًا عن أرضه مُبْعَدًا عنها، وهي المُفارقة التي تكشفُ عُمقَ الجُرح الفلسطينيّ بوَجه عامّ، وعمقَ غُربة الشاعر بوجه خاصّ. غربةٌ تردَّدت أصداؤها لا في نصوص الشاعر وحسب، بل أيضًا في حُلمه الأخير بأنْ «يُدفَنَ تحت دالية خليليّة قبالة البحر الميت»، كما لو أنّ النداء الذي به سمَّى مجموعته الشعريّة الأولى «يا عِنبَ الخليل» ظلّ مفتوحًا في الزمن، وممتدًّا بَعد الموت.

يكشفُ مسارُ الشاعر الراحل عز الدين المناصرة عن ثلاثة مَناحٍ مُتداخلة؛ أوّلها المنحى الشعريّ الذي به اقترنَ اسمُهُ بوَجه عامّ مُنذ ستينيّات القرن الماضي، وثانيها الانخراط في المُقاومة الفلسطينيّة إلى حدّ حمْل السلاح، في فترة مُعيَّنة، دفاعًا عن المُخيّمات وعن الجنوب اللبنانيّ، وثالثها الانشغال الصحافيّ والأكاديميّ، سواء في تحمُّل الشاعر لمَسؤوليّة التحرير في جرائد ومجلّات أم في اضطلاعه بمُهمّة التدريس الجامعيّ والتأليف النقديّ. لعَلّ هذا المسار، بمُختلف مناحيه وانشغالاته، هو ما جسّدَتْهُ، من جهة، تنقّلاتُ الشاعر في بلدان عديدة بعيدًا عن أرضه، وأضمرَتْه، من جهة أخرى، الأسئلة والقضايا الثاوية في إصداراته الشعريّة والنقديّة. وقد شهدَت هذه المناحي الثلاثة تفاعُلات حيَويّة سَرَتْ في وجهات نظره السياسيّة والثقافيّة وفي كتاباته الشعريّة، بل يُمكن عَدّ هذه التفاعلات عنصرًا مركزيًّا في فهْم رُؤيته للقضية الفلسطينيّة، وفي استجلاء تصوُّره الشعريّ وما أنجزتْه كتابتهُ الشعريّة وهي ترومُ تجسيدَ هذا التصوُّر نصّيًّا. فالبُعد الثقافيّ الذي وسَمَ مسارَ عز الدين المناصرة وشغلَ اهتماماته وتآليفَه شكَّل، إلى جانب قضية الأرض وفي تداخُل معها، مُوَجِّهًا رئيسًا للمَسلك الشعريّ الذي شقّتْهُ تجربتُه، إذ كان لهذا البُعد أثرٌ حيَويّ في تصوُّر عز الدين المناصرة للشعر، وفي اختياره المدارَ الذي اتّخذتْه قصائدُه في بناء الدلالة وفي المُقاومة من داخل الشعر. وكثيرًا ما تحوّلَ التوازي النقديّ والشعريّ في كتاباته، الذي جسّدتْهُ مُزاوَجتُه بين التأليف الأكاديميّ والكتابة الشعريّة، إلى تفاعل نصّيٍّ مُتشعِّب في ثنايا قصائده وطيّاتها، على نحو جعلَ هذه القصائد ذات حمولة ثقافيّة بيِّنة، بل إنّ المُوجِّه الثقافيّ فيها ذو امتدادات وتشعُّبات، حتى وإنْ ظلّ صامتًا وخفيًّا وراء الطابع الرّعويّ الذي وسمَ هذه القصائد.

لهذا التفاعُل، الذي شكّل عنصرًا بنائيًّا في شعر عز الدين المناصرة ملامحُ عديدة؛ منها المُحاورات النصيّة التي أقامتْها نُصوصهُ الشعريّة مع تجارب من الشعر العالميّ الحديث، ومع الثقافة العربيّة القديمة، ومع الأساطير الكنعانيّة والعربيّة بصورة خاصّة، على نحو حوّلَ علاماتٍ ثقافيّة وشعريّة وأساطيرَ كنعانية إلى مُرتكزات للبناء النصّي والدلاليّ في شعره، بما جعلَ هذا الشعرَ مُنطويًا على أصداء ثقافيّة عديدة. لعَلّ جانبًا من هذه المُحاوَرات هو ما تجلّى، مثلًا، في الحضور القويّ لاسْم امرئ القيس، ضمن أسماء أعلام أخرى عديدة في مُنجزَ الشاعر عز الدين المناصرة، انطلاقًا من حرْصِه على استدعاء هذا الاسم في سياقات عديدة بحمولات دلاليّة تقومُ على التحيين. غير أنّ الملمح الأقوى للتفاعلات النصّية في شعر عز الدين المناصرة تجسَّدَ بصورة واضحة في علاقةِ شعره بالتاريخ، وتحديدًا التاريخ الكنعانيّ، حتى ليُمكنُ اعتبار قصائد عز الدين المناصرة من المُتون الشعريّة التي تسمحُ لدارس الشعر العربيّ المُعاصِر بتعرُّفِ وَجهٍ من وُجوه الإشكاليّة المُعقَّدة التي تُثيرُها علاقة الشعر بالتاريخ، لأنّ نبرة عز الدين المناصرة الشعريّة تحدَّدَت بوَجه عامّ انطلاقًا من هذه المنطقة الكتابيّة، أي انشغال الشّعر بالتاريخ وبالحفْر في جذوره البعيدة، من جهة، واستثمار هذا الحفر، من جهة أخرى، في البناء النصّيّ، وفي بناء الرؤية إلى أرض فلسطين التي شكَّلت مدارَ العلاقة بين الشعر والتاريخ في نُصوص الشاعر.

لقد كانت المنطقةُ التي منها انتصرَ شعرُ عز الدين المناصرة للأرض مشدودةً إلى عُمق التاريخ الكنعانيّ الضارب في القِدم. من داخل هذا العُمق، كان الشاعر يَبني القصيدةَ، فيما هو يَبني، في الآن ذاته، الرؤيةَ إلى الأرض بوَصفها تاريخًا ذا جُذور مُوغلة في أدغال الزمن البعيد، ومُوغلة في أدغال الاجتماع الإنسانيّ بعلاقاته المُعقَّدة وتمثُّلاته. كانت اللغة الشعريّة في قصائد عز الدين المناصرة تبني صورةَ الأرض اعتمادًا على امتداداتها في الزمن وفق ما يُتيحهُ الشعُر لاستثمار هذا الامتداد، ولاستثمار جذور الاجتماع الإنسانيّ لأبناء الأرض، الذي يغدو هو الأرض نفسُها، لأنّها لا تنفصل عنه ولا ينفصل عنها. فقضيّة الأرض التي جمَعتْ على المُستوى الكتابي، في البدء، مَنْ عُرفوا بشعراء المُقاومة، حسب التوصيف الذي رسّخهُ غسان كنفاني، وشكَّلت نُقطة تقاطُعهم هي عينُها التي انطوَت على ما فرَّقَ بينهُم، لا فقط في تصوُّرهم للأرض ولاستشراف أفُقها، بل في طرائق بنائهم الشعريّ لقضيّتها، وفي الأسُس المعرفيّة لهذا البناء، وفي صيَغه الجَمالية. ضمن هذه الطرائق التي رسَمتْ لِمَنْ عُرفوا بشعراء المُقاومة سبُلًا شعريّة مُتباينة، شكَّلَ تاريخُ الأرض وما يَصلُها بجذورها البعيدة، التي تمتدّ قبل الميلاد بقُرون عديدة، المدارَ الكتابيّ الذي إليه انحازَ شعرُ عز الدين المناصرة، دون أن يكفَّ هذا الانحيازُ عن التبلْوُر والتوسّع في نصوص الشاعر منذ أن تبدَّت نواتُه في مجموعته الشعريّة الأولى أواخر ستينيّات القرن الماضي. إنّه المَدار الذي رسَم المسارَ الشعريّ عند عز الدين المناصرة في مُختلف الأطوار التي قطعتْها تجربتُه، إذ لم تنفصل هذه التجربة عن رهان شعريّ يستجلي التاريخَ الكنعاني الساري في أرض فلسطين، بما يُضيءُ الحضارةَ التي إليها تَنتسبُ هذه الأرض، ويستجلي عبر الصوَر الشعريّة هذا السريانَ في الموروث الشعبيّ لأبناء الأرض، وهو ما جعلَ قصيدة عز الدين المناصرة مُنطويةً على صيَغ عديدة لتفاعُل الماضي البعيد بالحاضر، وَفق ما يتطلّبهُ هذا التفاعلُ من معرفة بالتاريخ ومن قُدرة على تحويله شعريًّا، بناءً على ما يقتضيه الصَّوغ الشعريّ.

مُنذ مجاميع عز الدين المناصرة الشعريّة الأولى، بَدا حضورُ الأرض بصورة قويّة، لا في ثنايا القصائد وحسب، بل أساسًا في التسمية التي اعتمدَها الشاعرُ في وَسْم مجاميعه. بالأرض تسمَّت مجموعتهُ الشعريّة الأولى «يا عِنبَ الخليل»، 1968، وبما يُميِّزُ هذه الأرض تسمَّت مجموعتهُ الشعريّة الثانية «الخروج من البحر الميت»، 1969، قبل أن يتعدَّدَ هذا المُميِّزُ كي يَصيرَ تاريخًا مُمتدَّ الجذور، لن تكفَّ القصائدُ، على امتداد مسار الشاعر الكتابيّ، عن رَصْده في العلاقات الإنسانيّة لأبناء الأرض وفي مُتخيَّلهم وتمثلاتهم وأحزانهم وأحلامهم، بما يكشفُ عن التلاحم الرمزيّ بين الأرض وأهلها. لقد انحازَ شعرُ عز الدين المناصرة، مُنذ البدء، إلى الأرض، ولكن لا بوَصفها فضاءً جغرافيًّا، بل بوَصفها تاريخًا يَصونُ ذاكرَتهُ البعيدة في أشدِّ التفاصيل الحياتيّة لأهل الأرض، مُمتدًّا في لهجاتهم، وفي طقوسهم الحياتيّة، وفي علاقاتهم وتمثّلاتهم، التي اتّخذ منها الشاعرُ مادّةً لاستجلاء أصداء التاريخ وللحفْر فيه عبْرها. ومن ثَمَّ، بقدْر ما تُتيحُ قصائدُ عز الدين المناصرة الاقترابَ من أحَد وُجوه العلاقة المُعقَّدة بين الشعر والتاريخ، تُتيحُ في الآن ذاته مُصاحبةَ التداخُل والتشابك بين الجغرافيا والتاريخ والكيفيّة التي بها يَسري الثاني في الأولى لتكُفّ بامتداده فيها عن أن تكونَ مُجرّد مساحة أرضيّة. اِنطلاقًا من قضايا هذا التشابك، كانت قصيدةُ عز الدين المناصرة تبني عالمَها الشعريّ الذي ظلّت تتردّدُ فيه أصداءُ التاريخ الكنعاني البعيد. أصداء تجلَّت، عبْر الشعر، مُتجذّرةً في تفاصيل الجغرافيا وفي مَعيش مَن سَكنَها وسكنَتْهُ في الآن ذاته.

بين الجغرافيا والتاريخ من الوشائج ما يَجعلُ الأولى ذات ذاكرة تحملُها في كلّ مُكوِّناتها، فهو ما يَصنعُ ذاكرتَها وجذورَها الرمزيّة وتكوينَ مُتخيّلها، ويجعلُ ممّا يَصنعهُ في كلّ تفاصيلها مُقاومةً صامتةً لكلّ طمْسٍ يرومُ مَحوَ المُتجذِّر في هذه الجغرافيا، أي محو امتدادها في التاريخ وحتى في ما قبل التاريخ. فتجذُّرُ التاريخ في الجغرافيا هو ما يمنحُها صلابَتها الرّمزيّة ويمنعُ ما تجذَّرَ فيها من الاقتلاع والاجتثات، لأنّ ما تجذَّرَ فيها حياتيًّا ورمزيًّا هو ما يصنعُ تمثُّلات أبنائها وعلاقاتهم وأحلامَهم. من هنا تتكشّفُ المُقاومة التي يُتيحها التاريخ للأرض، ضدًّا على كلّ تحريف وتزوير. إنّها المقاومةُ بما تكوّنَ في الزّمن، وبما يَمنعُ الأرضَ من أن تُفصلَ عمّا تجذَّر فيها وعمّا يَجري في تفاصيلها، اجتماعًا وتمثُّلًا وألمًا وفرحًا وحُلمًا.  لعَلّ هذا التصوُّر عمّا يَصلُ الجغرافيا بالتاريخ هو أسُّ الرّهان الثقافيّ الذي نهضَتْ به قصيدةُ عز الدين المناصرة وهي تختارُ بناءَ نبرَتها اعتمادًا على الحفْر في التاريخ الكنعانيّ المُحصِّن للسرديّة الفلسطينيّة من كلّ تَزوير ومن كلّ اختطاف، لأنّ ما يَعتمدهُ الاستعمارُ في سلْب الأرض ينطلقُ من طمْس التاريخ واختلاق سرديّة تنهضُ على الأكاذيب. إنّه التحصين الذي به آمنَ الشاعر عز الدين المناصرة وحرصَ على صَوغه شعريًّا عبْر تفاصيلَ اقتضاها عملُ القصيدة وهي تنْبَني على التاريخ، وبه تبْني، في الآن ذاته، الدلالة الشعريّة، أي الرّؤية الشعريّة إلى الأرض. فقد كانت المُقاومة الشعريّة التي اضطلعَت بها قصيدةُ عز الدين المناصرة ذات بُعد ثقافيّ راهنَ على التاريخ، إذ تحدَّدَت المسؤوليّة الشعريّة في هذه القصيدة انطلاقًا من العمَل على ترسيخ سرديّة تقومُ على الكشْف عن الجذور الكنعانيّة السحيقة لأرض فلسطين.

في ضَوء هذا التصوُّر العامّ لعلاقة الجغرافيا بالتاريخ، يُمكنُ قراءة رهان الشاعر عز الدين المناصرة على التاريخ الكنعانيّ في بناء قصيدته ورَسْم المنطقة الشعريّة التي منها أنتجَ المعنى ونحتَ نبرتَهُ الخاصّة. فقد ربطَ الشاعر عز الدين المناصرة قصيدته بمُقاومةٍ تستجلي الذاكرةَ البعيدةَ للأرض، وذلك بالحفْر في الجذور الكنعانية التي تمتدُّ حتى إلى ما قبل التاريخ. وهو المُوجِّه الذي يُفسّرُ انشغال قصيدته بالموروث الشعبيّ، بوَصف هذا الموروث سيرورةَ تكوينٍ تحقّق في التاريخ مُنذ زمنٍ ضارب في العتاقة، لذلك كانت أصداءُ هذه السيرورة أثرًا حرصت قصيدةُ عز الدين المناصرة على اقتفائه واستجلائه عبر دوالّها وصوَرها وإشاراتها. فقد كانت قصيدتهُ مُضمِرةً، حتى في غنائيّتها، لحفْر صامت في البعيد، لذلك كانت الأصداءُ التي تُسْمِعُها القصيدةُ قادمةً من البعيد السحيق الذي اتّخذَتهُ مكانًا للحفْر.

إذا كان شعرُ عز الدين المناصرة قد لفتَ قُرَّاءَهُ ودارسيه إلى نبرةٍ ثقافيّة تجلّت بوَجه عامّ في التفاعلات النصيّة وفي أصداء التاريخ الكنعاني، بما هو عنصرٌ حيَويٌّ استثمرَتْهُ القصائد في إنتاج المعنى وفي بنائها لصورة الأرض، فإنّه لفتَ، فضلًا عن ذلك، إلى خصيصة في بنية اللغة التي بها تحقّقَ هذا الشعر، تجلّت في إدماج الشاعر عز الدين المناصرة ألفاظًا عاميّة في شعره وحرصه على «تفصيحها». لم تكُن هذه الخصيصة عرَضيّةً في شعره، بل شكّلت عُنصرًا في بنية لغته، على نحو تبدَّى من سَريانها في مُعظم قصائده، بصورة تدعو إلى التأمّل والتأويل. إذا كان استثمارُ الكلمات العامية في شعر عز الدين المناصرة مُشْرعًا على دراسات دقيقة لاستجلاء وظائفه البنائيّة والدلاليّة، فإنّه يسمحُ، في سياق علاقة الشعر بالتاريخ واستثمارِ الأوّل للثاني، بتأمّله عبْر افتراض الوشيجة التي تَصِلهُ برِهان قصائد الشاعر على التاريخ الكنعاني. يتأتّى هذا التأمّل بالانطلاق من عدِّ العاميّة جُزءًا مِن الموروث الشعبيّ، على نحو يسمَحُ بالنظر إليها بوَصفها مُنطويةً على أصداء التاريخ البعيد مثلما تنطوي باقي عناصر الموروث الشعبيّ على هذه الأصداء. فاستثمارُ التاريخ في الشعر يَحتفظ بما يُميّزه، وبما يمنعُ التاريخ من أن يحضُر في القصيدة عبْر وقائع وأحداث أو عبر تسلسل كرونولوجيّ وإلّا كفّ الشعرُ عن أن يكون شعرًا، لذلك كان استثمارُ عز الدين المناصرة للتاريخ الكنعانيّ شعريًّا يمُرُّ عبْر الأساطير والعلامات، ويتحقّقُ اعتمادًا على إدماج الموروث الشعبيّ الذي هو الحافظ لصدَى ما تَغلغلَ في وجدان أبناء الأرض، وهو أيضًا ما يَمتدّ في اللغة العامية التي تحملُ في أصواتها الأثرَ الكنعاني البعيد. ومن ثَمَّ، كانت الكلمات العاميّة في شعر عز الدين المناصرة جُزءًا من بناءِ اللغة الشعريّة، وعُنصرًا لإسماع الصّدى الكنعاني البعيد في القصائد. إنّه الاستثمارُ الذي يَضمنُ للمُقاومة صفَتَها الشعريّة وبُعدَها الجماليّ.

إنّ اختيار الشاعر عز الدين المناصرة الوَشيجة التي تصلُ الأرضَ بالتاريخ منطقةً لإنتاج الشعر وإنتاج المعنى أتاح لهُ أن يَشقّ مسارَ كتابته اعتمادًا على ملمح شعريٍّ اقترنَ باسمه. وقد كانت المنطقة، التي منها كتبَ الشاعر، تُغْني تجربته وتخلقُ في نصوصه تفاعلات بين الحاضر والتاريخ، فيما هي تولِّد، في الآن نفسه، أسئلةً خَصيبة. لربّما ما أضاءَته تجربة عز الدين المناصرة الشعريّة هو الامتدادات التي كشفتْها في العلاقة بين التاريخ والأرض، إذ كشفَت أنّ الأرض ليست هي فقط المُتجذِّرة في التاريخ، بل هو أيضًا مُتجذِّرٌ فيها، لأنّ الإقامة في الأرض نَسبٌ تاريخيّ، لا ينفصلُ فيه الرَّمزيّ عن الماديّ. هكذا كان انشغال شعر عز الدين المناصرة بالمكوّن الكنعاني في الهويّة الفلسطينيّة مُقاومَةً تتصدَّى لتزييف التاريخ. مقاومةٌ اختارَت الموروثَ الشعبيّ بوصفه خزّانًا رمزيًّا للتاريخ، فيه تكفّ كلُّ عناصر الأرض عن أن تكون عناصرَ ماديّة وحسب، لتتحصّن بذاكرةٍ تسري في مختلف تفاصيل الحياة التي يعيشها أبناء الأرض. بهذا المعنى، تحضرُ عناصرُ الأرض في شعر عز الدين المناصرة مُتشابكة بالرَّمزيّ فيها؛ يَحضر الحجرُ والجبال والكروم والبحر الميت وغيرها من العناصر موشومةً بالرَّمزيّ السحيق، بل يحضرُ كلّ ما يَسِمُ قصيدةَ عز الدين المناصرة بصفةِ الرَّعويّ مُتشابكًا مع حياة الناس وأحلامهم، أي مُتشابكًا بما لا يقبلُ الاقتلاع.

لقد أنجزَتْ قصيدة عز الدين المناصرة مقاومتَها اعتمادًا على منطقة شعريّة تُنصتُ للسحيق وتقتفي السّلالات البعيدة في التفاصيل. من داخل هذه المنطقة الشعريّة، حرصَت قصيدتُه على استجلاء تجذُّر التاريخ في الأرض وتجذُّر الأرض في التاريخ، ترسيخًا لذاكرة الأرض وصَونًا لسرديّة مُستمدَّة من شرعيّةِ التاريخ السحيق. في الرهان على هذا التجذُّر المُضاعَف وفي صَوغه شعريًّا، عاشَ الشاعر عز الدين المناصرة منفيًا عن أرضه مُبْعَدًا عنها، وهي المُفارقة التي تكشفُ عُمقَ الجُرح الفلسطينيّ بوَجه عامّ، وعمقَ غُربة الشاعر بوَجه خاصّ. غربةٌ تردَّدت أصداؤها لا في نصوص الشاعر وحسب، بل أيضًا في حُلمه الأخير بأنْ «يُدفَنَ تحت دالية خليليّة قبالة البحر الميت»، كما لو أنّ النداء الذي به سمَّى مجموعته الشعريّة الأولى «يا عِنبَ الخليل» ظلّ مفتوحًا في الزمن، وممتدًّا بَعد الموت.

جماليّة الخيبات في رواية «حبس قارة»

«حبس قارة» عنوان الرواية الجديدة للكاتب والأكاديمي المغربي سعيد بنسعيد العلوي (المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء – بيروت، 2021). عنوان يحيل على سجن أسطوري، بناه، في القرن الثامن عشر، السلطان مولاي إسماعيل بمدينة مكناس، انتسجت عنه، في المخيال المغربي، نوادر وحكايات.

لأوَّل وهلة، قدّرتُ، بالتخمين، أن «حبس قارة» سيكون فضاءً مركزيّاً تدور فيه أحداث الرواية. لكن توقُّعي هذا أخذ يتلاشى، شيئاً بعد شيء، كلّما تقدّمتُ في القراءة، ليس لأن الرواية عمدت إلى اتخاذ أفضية أخرى مسرحاً للأحداث فحسب، بل، أيضاً وخاصّةً، لأنها لم تجعل من فضاء الحبس موضوعاً حصرياً لخطابها الوصفي والسردي.

بالفعل، تدور كلّ الأحداث المحكيّة، أساساً، في مدينَتْي طنجة، ومكناس، من خلال نظرة الرسَّام الفرنسي «أوجين دولاكروا» (1863-1798) المنبهرة إلى الطبيعة الخلّابة فيهما، وإلى عادات السكّان وطقوسهم الاحتفالية، وإلى بنياتهم الذهنية ورؤياتهم للعالم. وتكاد الفصول المرصودة لهذا الموضوع تحتلّ نصف الرواية، البالغ عدد صفحاتها (325) صفحة. تنضاف إلى هاتين المدينتين، وفي صفحات قليلة، مدينة «وليلي» الأثرية المغيرة، التي ستكون عرضةً لحدث غير متوقَّع، لا يخلو من غرابة محيِّرة، وهو ما اقتضى صفحات قليلة. وستستأثر شخصية عبد الجبار، السارد الثاني، بباقي الفصول، مستعذباً حياته وسط الأسرة، أو غارقاً في مونولوجات داخلية، أو مرخياً العنان لذكرياته، أو متفرِّغاً لاهتماماته البحثية الأكاديمية؛ ما يعني، إذن، أن حبس قارة لا يؤدّي أيّ دور في بناء المتخيّل الحكائي للرواية.

كما أن الحبس نفسه لم يحظَ، في الرواية، بأيّ خطاب توثيقي واستدلالي يستعرض فيه كلا الساردَيْن، من حيث هما سلطتان علميَّتان جديران بالثقة، أسيقة بنائه التاريخية، والغايات الأمنية والأيديولوجية من تشييده. كلّ ما يعرفه القارئ عنه هو متناثر، بالصدفة، في أنحاء الرواية من خلال ما تلوكه ألسنة الشخصيات من خرافات وإشاعات وتكهُّنات غير متيقَّن من صحّتها. فبين زاعم أنه «سجن العفاريت العامِّيّة» (ص24)، ومؤكِّد أن «له سراديب وامتدادات في جوف الأرض، حيث لا تسمع سوى فحيح الأفاعي وهمس العفاريت، وأعين الشياطين تلتمع في الظلام» (ص75)، ومتطيّر يقول إنه «سجن يضاهي سطح الأرض والعياذ بالله» (ص238)، ومُدَّعٍ أن «ما تحت الأرض ليس سجناً، وإنما هو عالم ينتشر شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، ينغرز في أحشاء المدينة» (ص288) – بين هؤلاء وسواهم من الغوغاء، تضيع حقيقة حبس قارة!.

ألا يحقّ للقارئ، والحال هذه، أن يستغرب كيف أمكن للمؤلّف ألّا يمحض هذا الحبس التاريخي الملغز ما يليق به من اهتمام، لاسيَّما أنه اختار، بسبق تصميم، أن يُعَنْوِن روايته باسمه المهيب، مهيِّئاً قارئه المفترض إلى ارتياد فضاء يَعِدُهُ بأسرار ومفاجآت كفيلة بإرضاء فضوله المعرفي؟ ألم يكن حريّاً به عدم خذلانه بإحباط أفق توقُّعاته؟

هذه كانت، إذن، خيبتي الأولى، التي ستعقبها خيبات أخرى لا تقلّ عنها أثراً حاسماً في تكييف قراءتي لهذه الرواية.

لكن، ما الذي جيء بالرسَّام الفرنسي «دولاكروا»، فجأةً، إلى المغرب الذي لا يعرف عنه شيئا؟ أيّ سرّ أغراه بترك مرسمه في وقت كان يزهو فيه أيَّما زهو بكون لوحاته الباذخة كانت، بحسب النُقَّاد، إيذاناً بتَبْلور المدرسة الرومانسية في فنّ التشكيل الفرنسي، والعالمي؟.

محض صدفة ما جعله يشدّ الرحال إلى أرض المغرب؛ ذلك أن السلطان مولاي عبد الرحمان أوجس خيفةً من فرنسا التي احتلَّت الجزائر في (1830)؛ ما جعله يرسل قوّاته إلى الحدود معها درءاً لكلّ خطر اجتياحي محتمل؛ ما أدّى بملك فرنسا، آنذاك، لوي فيليب، إلى إيفاد بعثة دبلوماسية إلى المغرب بقيادة «الكونت دومورني» من أجل طمأنة السلطان على مملكته، وإبرام اتفاقية سلام معه تضمن حياد المغرب. وشاءت الصدفة أن تعرض عشيقة «الكونت دومورني»، على الرسَّام الشهير، أن ينضم إلى البعثة، وهي عادة دأبت عليها فرنسا في بعثاتها الدبلوماسية وحملاتها العسكرية الاستطلاعية، حيث كانت تحرص على أن يرافقها كتَّاب وفنَّانون بمهمّة تدوين مشاهداتهم، وتوثيق استكشافاتهم.

وقد كان لإقامة الرسَّام بالمغرب، من يناير/كانون الثاني إلى يوليو/تموز (1832)، مفعول الصعقة الانفعالية القويّة التي فتحت عينيه على جمال المغرب وروحانيته، بما هي عوامل تخصيب لخياله، سيكون من آثارها الحاسمة، كما اعترف بنفسه في مذكراته، القطيعة مع المدرسة الكلاسية في فنّ التشكيل، السائدة منذ عصر النهضة. كيف لا، وقد أصابه المغرب بلفحات من دفئه، ونفحات من شمسه ستضيء ألوانه، بقدر ما ستجعله يقطع، كذلك، مع حركة الاستشراق التصويري المزدهرة في القرن التاسع عشر؟. «ما أبعد طنجة عن (…) تلك العوالم التي ترسمها ريشة الرسَّامين (…) عن سحر الشرق (…). الشرق ذاك غريب عن طنجة، ليس يشبهها في شيء، لا تمتّ إلى طنجة بشيء. طنجة كتاب عارٍ مكشوف. غير أن فيها ما لا يدرك (ص 86).

ولهذا، ليس غريباً أن يطوي النسيان، نهائياً، المهمّة الرسمية التي انتُدِب من أجلها. ألم يعترف هو نفسه، صراحة: «إن الشأن (في المهمّة) لا يعنيني (…) فليس هذا ممّا يكدر صفوي أو يُذهِب النوم من عيني» (ص 285)، فالرواية لا تلتفت إليه إلّا وهو متفرّغ، تماماً، إلى إيداع كناشاته الصغيرة، ومشاهداته، وشوارده، وسوانحه بما هي عناصر خام للوحاته. ومن ثَمَّ، إن انسحابه من المهمة بطريقة لم تبررها الرواية، كان مصدر خيبتي الثانية.

ولن تقلّ عنها شدّةً خيبة أخرى غير أخيرة كانت هذه المرّة بسبب عبد الجبار، السارد الثاني في الرواية؛ فباستثناء إشارات متفرِّقة إلى حياته وسط أفراد أسرته، فإن صورته المهيمنة في النصّ هي أنه طالب جامعي بالغ الجدِّيّة، تشغل باله أمور تحضير بحث لنيل شهادة الليسانس في التاريخ، يتعلَّق «بالضبط بحياة السجناء الأوروبيين في حبس قارة» (ص 49)، ولكي يكون جديراً بثقة أستاذه المشرف فيه، اضطرّ إلى الاطِّلاع على عدد كبير من الكتب والوثائق والمخطوطات، باللغات؛ العربية، والفرنسية، والإنجليزية، وإلى استقصاء كثير من التقاييد والمستنسخات والخرائط والروايات الشفوية والقطع النقدية. وهو ما جعله، في مناجاة لذاته، يقول بغير قليل من «الزهو الباطني»: «لا شكّ في أنك، يا عبد الجبار، ستحظى من الأستاذ المشرف، ثم من لجنة المناقشة، بعد ذلك، بما سينقلك إلى مستوًى عالٍ جدّاً. سيرفع ذكرَك البحثُ عالياً. سيفتح أمامك طريق البحث العلمي، فتمضي فيه غير هيّاب ولا متردِّد» (ص 48)، لكن المفاجأة التي لم أكن أتوقُّعها، وستكون سبباً في خيبتي الثالثة، هي أن هذه الأماني كانت مجرَّد أضغاث أحلام لم تجعل منه هذا الباحث المأمول، حيث سيتخلّى عن مشروع البحث بدعوى عدم أهمِّيته: «تافه جدّاً، سخيف كلّيّةً، ساذج تماماً، شأن البحث والنقطة والامتحان».

سعيد بنسعيد العلوي

وكما لو أن الحنين إلى عالم البحث قد استبدّ به، بعد شهور، سيقرِّر الاهتمام، هذه المرّة، بالحياة اليومية لـ«أوجين دولاكروا» في مكناس، باعتبار هذا الرسَّام «هو قدرك، أحببتَ أم كرهت، يا عبد الجبار، الذي لا تملك أن تفلت منه»، وهي اللازمة التي سيظلّ صديقه عبد الحميد يرددها عليه (ص: 143 – 145 – 151 – 325). لكنه سرعان ما سيعاكس هذا القدر، حيث لم يتمخَّض البحث عن أيّ شيء تذكره الرواية، وسيكون تكتُّمها على السبب مصدر خيبتي الرابعة.

وسينصحه صديقه، على أثر هذا الفشل، بالضرب صفحاً عن البحث التاريخي، وشجونه: «ما رأيك، يا عبد الجبار، لو قذفت بكلّ كتب التاريخ في النار، وعكفت على كتابة رواية؟ أقسم بالله أنك ستكون، نوعاً ما، «بلزاك» المغرب، حتى ولو لم تكن قد نشرت حتى الآن نصّاً واحداً. الجنون لذيذ، يا عبد الجبار، فهل تكره أن تكون مجنوناً؟ المجانين هم، دون غيرهم، العظماء، حقّاً، في هذا الوجود» (ص.148). وسيكون خامس الخيبات هو أنني لم أعثر، في الرواية، على ما يفيد أنه عمل بنصيحة صاحبه.

أمّا السادسة، فهي أن عبد الجبار، وبفعل نزوة خرقاء لم أتوقَّعها، بل ولم تسعفني الرواية بما يعينني على فهمها، سيصبح- يا للعجب العجاب!- مرشداً سياحياً في مكناس. كان هذا، فعلاً، منتهى الجنون، لكنه لم يجعل منه شخصاً عظيماً في الوجود، بل متّهماً في قضيّة قد تقود إلى اعتقاله وسجنه في حبس قارة، بالذات. والحكاية وما فيها هي أن رجلاً إنجليزياً، اسمه «مستر سميث»، حَلّ بمكناس بحثاً عن مرشد سياحي يرافقه إلى مدينة «وليلي» الأثرية، لكي يساعده على استكشاف مآثرها الرومانية، وتحديد المواقع والمناظر التي ستكون خلفيّة مكانيّة لشريط سينمائي، فكان أن وقع الاختيار على عبد الجبار. لكن ما حدث هو أن «مستر سميث» هذا اختفى فجأةً، ودون سابق إشعار، في اليوم نفسه الذي اختفى فيه تمثال «باخوس»، عرّاب «وليلي»، بطريقة غير مفهومة كذلك. وستحوم الشكوك- أوّلاً- حول المستر سميث الذي لم يظهر له أثر، ثم- ثانياً- حول مرافقه عبد الجبار الذي سيتمّ اعتقاله واستنطاقه. وستنتهي الرواية بالإفراج عنه، بعد أن عاد «باخوس» إلى الظهور في مكانه الأصلي بكيفية لا تقلّ إلغازاً.

هي، إذن، ثلاثة مشاريع؛ بحثية، وأسرية، ووجودية، تَقلَّبَ بينها عبد الجبار، دون أن يحالفها النجاح، بل من غير أن تكشف الرواية عن أسباب فشلها.

استراتيجية التخييب

يقول «كلود سيمون»: «إن روايةً لا تعمد إلى تخييب كلّ مِن جنسها الجامع وانتظارات قرّائها، ليست رواية». فيا لحسن حظّ رواية سعيد بنسعيد العلوي!، فهي تتلاءم مع هذا الحكم القطعي، الصادر عن أحد أبرز كتَّاب «الرواية الجديدة» في فرنسا، الذي اشتُهرت رواياته بالضبط، تلك التي خوَّلته أن يحرز جائزة «نوبل» للآداب في (1985)، بحسن تدبيرها لاستراتيجية التخييب هذه (la déception)!.

لقد قامت «حبس قارة» بتخييب جنسها الجامع مرَّات عديدة، وفي كلّ مرّة بكيفية مختلفة. فلقد عمدت إلى خرق أحد أركان الرواية الكلاسيّة المحافظة، وهو التماسك. فهي عبارة عن توليفة غير منسجمة، قوامها محكيّات متراكبة ومتناوبة متنافرة؛ شكلاً وأسلوباً وتخييلاً. يعود بعض هذه المحكيّات على الرسَّام «دولاكروا»، الذي هيَّمَه عشق المغرب حدّ الهوس، ويعود بعضها الآخر على عبد الجبار، الذي مُنِيَت مشاريعه بالفشل، وبعضها الأخير على لغز اختفاء تمثال «باخوس»، ثم ظهوره من جديد.

ثم إن الرواية عرّضت كلّاً من هذه المحكيات المتنافرة إلى تشظية دقيقة، أسفرت عن تشكّل النصّ الكلّي من متواليات سردية، ليست من غير أن تذكّر القارئ بالجمالية الشذرية في روايات الحساسية الجديدة. وتوجد بين هذه المحكيّات نفسها علاقة اكتناف وتنافذ، علاقة تباعد وتنابذ، تجعل أحدهما متضمَّناً في الآخر بالتناوب، وهو ما يعطل السريان الأفقي الانسيابي المعتمد في الشكل الكلاسيّ.

ويترجّح، عندي، أن المؤلِّف قد اطَّلع على مذكِّرات «أوجين دولاكروا» بالمغرب، وكذا على مراسلاته مع صديقه «بييري»، وعمَد عمداً، أي من غير نيّة انتحالية، إلى تضمين أجزاء كبرى منها في روايته، منقولة- بعناية- إلى اللُّغة العربيّة، ومن غير إشارة إلى مصدرها أو إلى صاحبها؛ وهو ما يجعل من نصّ «حبس قارة» فسيفساء من النصوص المتداخلة فيما بينها. وهذا يذكّر القارئ، حتماً، كذلك، بتقنية الكولاج الحداثية الشهيرة عند الرسَّامين التكعيبيِّين والدادائيِّين، الذين كانوا يرصِّعون أقمشة لوحاتهم الزيتية بتصاوير وقصاصات جرائد، ورقع ثوب أو جلد، وسوى هذا من الموادّ الجاهزة والمتنافرة، وذلك بغاية تخييب أوهام وحدة النصّ التشكيلي وشفافيَّته واستكفائه بذاته، والاحتفاء، عوض هذا، بانفتاحه على أشكال وشيفرات سيميائية أخرى ليست من جنسه.

وإذا أضفنا إلى هذه الربيكة المدوِّخة من عوامل التنافر واللاتجانس، أن الرواية تتباهى، أخيراً، بافتقارها إلى نواة حكائية صلبة تكون بمثابة حبكة درامية موحَّدة ومشتركة بين محكيّاتها، فسنكون قد استوفينا أشكال خرقها لنسَقها الأجناسي الجامع، ويكون مفهوم التخييب نفسه قد تحوّل إلى تخريب وتجريب، بالمعنى الاصطلاحي للكلمتَيْن، الدالّ على إستراتيجية فنِّيّة عقلانية، تروم تحصيل حداثة نصّية تزدهي بكلّ ما لا يوحي بالاتِّساق والائتلاف.

أمّا عن دلالة «التخييب»، في علاقته بأفق انتظار القارئ، فالظاهر أن «حبس قارة» يحلو لها أن تناصب مَنْ دَعَته مرَّات عديدة، بـ«قارئها المفترض» إحباطاً تلوَ إحباط. فمن خلال تشريح النصّ، يكون قد اتِّضح أن محكيّاته، وما تناسل منها من متواليات، تُعاكس تطلُّعه إلى معرفة تطوُّر الأحداث المحكيّة ومآلاتها، لأن الأصوات المتناوبة على السرد تعمَّدت أن تبقيها بدون منافذ أو- بالأحرى- أن تتركها مشرَّعة على خواء. وهو ما يتجافى ظاهرياً مع الحسّ السليم، ويتنافى- في العمق- مع الجمالية الكلاسيّة نفسها، التي تحرص على أن تكون الأحداث مفضية، عادةً، إلى نهاية سعيدة أو نهاية شقيّة. وهذه تقنية دأبت نصوص الحساسية الروائية الجديدة على توظيفها؛ بقصد استفزاز القارئ وتخييب توقُّعاته، ثم تحريضه على التدخُّل، تأويليّاً.

فمحكيّات «أوجين دولاكروا»، مثلاً، تزدان بنسيج من البياضات التي تنبض بهذه الأسئلة: هل تمَّت إقالة الرسَّام، أم استقال، تلقائياً، من البعثة الدبلوماسية الفرنسية إلى المغرب؟، بل ما هو مصير رغبة فرنسا في عقد اتفاقية مع المغرب تضمن لها حياده في احتلاله للجزائر؟ وإذا ما أبرمت هذه الاتَّفاقية، ما هي مغانم المغرب، ومنافعه منها؟، ثم لماذا حرصت عشيقة «الكونت دومورني»، قائد البعثة، على أن يرافقها «دولاكروا» في الرحلة إلى المغرب؟ هل كانت بينهما مغامرة ما؟ وهل تزوَّج بالمغنيّة «سيلفانا حاييم» أم لم يتزوَّج بها؟

كما أن محكيّات عبد الجبار لم يفُتْها أن ترصِّع جسدها بِصُمُوتٍ تتطلَّع إلى من يستنطقها، من قبيل: هل تكون لعنة حبس قارة المشؤوم قد أصابته، حين أراد الدخول إليه، تمهيداً لبحثه الجامعي حول حياة الأسرى الأوروبيِّين فيه؛ وهو ما جعله ينصرف، نهائيّاً، عن مشروع البحث؟ هل يكون قَدَر «أوجين دولاكروا» الذي يلاحقه، هو ما جعله يستبدل موضوع الحياة اليومية للأسرى الأوروبيين في الحبس، بموضوع الحياة اليومية للرسَّام الفرنسي في مكناس؟ ولماذا تحاشت الرواية الكشف عن نتائج هذا البحث؟ وهل استجاب إلى رغبة صديقه عبد الحميد في أن يتحوَّل إلى كاتب روايات؟، ثم كيف يمكن لباحث أكاديمي في التاريخ أن يتحوَّل دون تبرير إلى مرشد سياحي؟، وما هو مصير الشريط السينمائي حول «وليلي»؟، ولماذا اختفى مخرجه المستر «سميث»، فجأةً، عن الأنظار؟

أمّا المحكيّات المتعلِّقة بتمثال «باخوس» هذا، فلا تمثِّل استثناءً لقاعدة تكتُّم الرواية عن التفاصيل، حيث تخلَّلتها هي، كذلك، ثقوب تطفح بهذه الأسئلة: كيف تَمَّ اختفاء «باخوس»؟، وهل هو محض اتَّفاق أن يختفي المستر «سميث» والتمثال في يوم واحد؟، وما هي نتائج البحث عن «باخوس» الذي باشرته، بأمر ملكيّ، كلّ من الأنتربول واليونسكو ولجنة بحث وتحرٍّ عليا؟، وما السرّ في عودة التمثال، بقدرة قادر، إلى مكانه الأصلي؟

يتأكَّد، إذن، أن الرواية لا تريد، عن قصد، أن تشفي غليل القارئ لمعرفة مصير مجريات الأحداث. فبالاستناد إلى نظرية جمالية التلقّي (ياوس، إيزر) وسيميائية القراءة (بارث، إيكو)، سنقول إنها عمدت إلى تجهيز ذاتها بفيض من مواقع اللاتحديد، باعتبارها عوامل إحباط تعرِّض القارئ- حتماً- لخيبات أمل تشعره بالخذلان. لكنه- وهنا مكمن أصالة التخييب كخطة إنتاجية مبرمجة- عوض أن يستكين ويقرّ بهزيمته حيالها، يستوعب هذه الخيبات على نحو إيجابي، إذ يجعل منها، بالضبط، عوامل تخيُّل وإبداع، ومن ثَمَّ وسائط تجاوز؛ بهذا المعنى، تكون جميع الخيبات والإحباطات التي تعرَّض لها فرصاً مواتية نادرة ليثبت ذاته قارئاً غير سلبي.

تاريخ التعب: من العصور الوسطى إلى حاضرنا

شهد عصرنا الحالي امتداداً غير مسبوق للتعب، الذي بدا إمكان كبحه أو حتى تطويقه، صعب للغاية. يمتدّ هذا التعب من مكان العمل إلى المنزل، ومن أوقات الفراغ إلى السلوك اليومي. تعدَّدت أشكاله مع مرور الوقت، وتعدَّدت معها التفسيرات والتبريرات، متَّخذة مجموعة من المظاهر التي تعبِّر عن الكسل والإنهاك والإرهاق الذهني والإجهاد البدني والألم … وقد يزداد الأمر تفاقماً إلى درجة «متلازمة التعب المزمن».

شكَّل هذا الموضوع محور عمل «جورج فيجاريلو – Georges Vigarello»، الذي سلَّط فيه الضوء على التعب، من خلال تقديم عرض تاريخي وفلسفي وأنثروبولوجي وسيكولوجي في كتابه «تاريخ التعب: من العصور الوسطى إلى حاضرنا – Histoire de la fatigue : Du Moyen Âge à nos jours» الصادر، مؤخّراً، عن دار النشر «سوي». ويُعَدّ «فيجاريلو» مؤِّرخاً وأنثروبولوجيّاً متخصِّصاً في القضايا المتعلِّقة بالصحّة والجسد، وتأثيرهما على ثقافتنا عبر الزمن، كما يشغل منصب مدير مدرسة الدراسات العليا في العلوم  الاجتماعية (Ecole des Hautes Etudes en Sciences Sociales)، نشر العديد من الكتب، بتعاون مع «آلان كوربين – Alain Corbin» و«جان جاك كورتين – J – J Courtine»، أبرزها: «تاريخ الجسد» (2006)، و«تاريخ الرجولة» (2011)، و«تاريخ العواطف» (2016).

من الناسك المنهك إلى المسؤول التنفيذي المرهق

كيف اختبر الغرب موضوع التعب؟ وكيف وصفوه، وفكروا فيه؟ بأيّة وسائل حاولوا علاجه والتغلُّب عليه؟، وكيف أسهم الإقرار التدريجي بمفهوم التعب، في تشكيل حياتنا، وعلاقاتنا بالجهد، وتنظيم العمل؟

يتتبَّع «جورج فيجاريلو» كلّ ذلك، من العصور الوسطى إلى حاضرنا، ويستند، في تحقيقه هذا، إلى عدد من القصص الدينية، والعسكرية، والعلمية، والثّقافيّة، وقصص التقنيات، والحساسيات، والأفكار، والأدب، ومجموعة من الوثائق المعروفة والأرشيفات النادرة، في محاولة للإجابة عن أسئلة، ظلَّت تؤِّرق الجميع لقرون، ولنفض الغبار عن تاريخ للتعب، ما زال يلفّه الكثير من الغموض.

يشير الباحث إلى أن الشعور بالتعب والإرهاق يختلف من عصر إلى آخر؛ ففي العصور الوسطى، عُدَّ تعب الحاجّ المنهك الذي يشقّ طريقه بين الجبال، للوصول إلى الدير أو الخلوة، عبادة، كما عُدَّ تعب المقاتل في المعارك تعباً نبيلاً، في حين قُوبل تعب المزارع في الحقول بنوع من الازدراء، وقد تطلَّب الأمر تطوُّراً بطيئاً لتتغيَّر هذه النظرة. أمّا في القرن التاسع عشر، ومع ولادة المجتمع الصناعي، فقد عُدَّ إرهاق العمال موضوع تقييم ومحاولة تبرير، غير أنه، في نهاية هذا القرن، وبداية القرن العشرين، بدأ التفكير في التغلُّب على هذا الإرهاق ومقاومة التعب والإجهاد من خلال أنشطة جديدة متمثِّلة في الرياضة والاسترخاء والاستجمام. وخلال الحرب العالمية الثانية، سيتمّ تحدّي التعب من خلال إنتاج الأمفيتامينات، للسماح للجنود بالقتال دون نوم، وستمجِّد بعض الأنظمة، عبر دعايتها، العامل الذي لا يكلّ ولا يتعب؛ كما هو الحال بالنسبة إلى العامل المنجمي السوفياتي «أليكسي ستاخانوف» الملقَّب بـ«سيزيف الأحمر» (1906 – 1977)، الذي يمثِّل الأنموذج الأسطوري لـ «رجل جديد» أكثر صلابةً من أيّ وقت مضى. أمّا في العقود الأخيرة، فقد أصبح التعب سمة بارزة لا تقتصر على المحارب أو العامل أو الموظَّف، بل تشمل كلّ فئات المجتمع كافّةً، إذ غدا المسؤول التنفيذي لشركة أو مقاولة يدخل غمار منافسة مجمومة أكثر إرهاقاً وتعباً.

كائنات متعبة!

يقول «فيجاريلو»: «عليك أن تتخيَّل «سيزيف»، وقد أنهكه التعب، وهو يتخلَّى عن دحرجة حجره؛ سنشعر، آنذاك، بأننا قريبون منه. لطالما حلمت البشرية بالأفعال الأكثر إسرافاً، والأكثر عظمةً، مهما كانت متعِبة». لقد أشار «أرسطو» إلى أن «كلّ الكائنات البشرية غير قادرة على أن تكون في نشاط مستمرّ»، فقد عرفنا، دائماً، أن المشي لساعات، دون راحة، وقضاء عدّة ليالٍ بلا نوم، وحتى القراءة والمراقبة، والاستغراق في التفكير، كلّها أمور ترهقنا، وهذا الإرهاق هو علامة على محدوديَّتنا، ومؤشِّر على شيخوختنا وموتنا، وجميع القيود المفروضة على قوَّتنا التي تفرضها مادِّيّة أجسادنا وعقولنا، فنحن كائنات متعبة. إنها ملاحظة أنثروبولوجية، لكنها ذات حمولة فلسفية،  أيضاً.

من التعب الجسدي إلى العبء النفسي:

يقول «فيجاريلو»: «لدينا شعور بأن التعب موجود دائماً. في الواقع، لقد مرَّ هذا الإحساس بالكثير من التغييرات؛ ففي الأزمنة السابقة، كان التعب جسديّاً: إنه تعب المسافر أو المقاتل أو رجل الدين، ثم -وبشكل غير محسوس- برز مظهر تكون فيه الذات محطّ استجواب، وذلك في سياق زيادة الوعي بأنفسنا، وهذا خلق شكلاً جديداً من التعب». لقد ازدادت أهمِّيّة الإرهاق النفسي، وتعدَّدت أسبابه، كاشفةً عن جوانب مختلفة من مجتمعنا: تغيَّرت ظروف العمل، وتحوَّل المجتمع الواحد إلى مجتمعات مركَّبة؛ الأمر الذي يفرض خلق علاقة مع الآخرين؛ ما يؤدّي إلى إرهاق نفسي بحت. يركز «فيجاريلو» على هذا النوع من الإرهاق الذي يصفه بـ«العبء النفسي»، الذي يؤثِّر، مثلاً، على النساء اللائي يقعن، دائماً، ضحايا التوزيع غير المتكافئ للأعمال المنزلية، وتعليم الأطفال، ومعاناة الولادة المتتالية.

لقد ركَّزت بعض الدراسات على ما يعانيه مقدِّمو الرعاية الصحِّيّة والاجتماعية، ذلك أنهم يتعرَّضون لعوامل إرهاق متعِّددة: عوامل جسدية، ونفسية، أيضاً. ومن بين الأسئلة التي وجَّهت الدراسة: «كيف يتمّ التفاعل مع حدث الموت الدائم؟ من وجهة النظر هذه، إن إجهادهم هو إجهاد مضاعف. إن هذه الرحلة الهائلة، من العصور الوسطى إلى يومنا هذا، لتخبرنا كيف أن العصر الحديث، بتقدَّمه التقني، أنتج -بشكل متناقض- رجلاً وامرأة متعبَيْن من تفاهة الأيّام، فمع التقدَّم ينمو «الشعور بالذات» والوعي الحيّ بالضعف البشري. يقول «فيجاريلو» في هذا الصدد: «لم يعد التعب الجسدي يغزو العقل إلى حَدٍّ يطارده، بل إن التعب النفسي يغزو الجسم إلى درجة تحطيمه».

لماذا نحن أكثر تعباً من فرسان العصور الوسطى؟

يجيب «جورج فيجاريلو» على هذا السؤال قائلاً: «لأن لدينا وعياً شديداً بالتعب. لم يُستنفد فارس العصور الوسطى بالطريقة نفسها التي استنفدت بها مدام دي مينتينون في بلاط لويس الرابع عشر، أو عامل الثورة الصناعية أو المدير التنفيذي المنهك اليوم. الأهمّ من ذلك، أنهم لا يتحدَّثون عنها بالطريقة نفسها». يلاحظ الباحث أنه، في الآونة الأخيرة، انتشرت العديد من الألفاظ والعبارات، بمعانيها الحقيقية، والمجازية التي تشير إلى الظهور البطيء للإرهاق الذي لا يؤثِّر في الجسد فحسب، بل يؤثِّر، أيضاً، في العقل، والروح، وفي نفسية الفرد، ومن أبرز معالم ذلك: «استنفاد للقوى» من خلال الإجهاد، وهو إجهاد عصبي يترتَّب عنه ظهور ما يُعرف بـ«الوهن العصبي».

تستحضر الفصول الأخيرة من الكتاب الجوانب الحديثة للتعب، وسبل إدراكه. يقول الباحث: «لقد أصبح التعب، والضعف المنتشر، وعدم الرضا المبهم، والقصور العنيد، إحدى طرائق الوجود في عصرنا»، يكفي لإلقاء مزيد من الضوء على النقاشات المعاصرة، للغاية، حول تعريف صعوبة العمل في إصلاح المعاشات التقاعدية، أو «العبء النفسي» الذي يثقل كاهل النساء، أو احتمال أن الذكاء الاصطناعي ينير العقول والأجساد. فمع اشتداد الأزمة الصحِّيّة التي شهدها العالم بفعل جائحة «كورونا»، يشعر الكثير منّا بالتعب الشديد؛ إرهاق مقدِّمي الرعاية، والتعب المستمرّ للمرضى، وحتى أولئك الذين تعافوا من هذا الفيروس… إنها فرصة لإلقاء نظرة على تاريخ هذا الشعور.

في نهاية المطاف، يشكِّل التعب ظاهرة لا يستطيع تفسيرها سوى تحليل متكامل يقارب الموضوع من زوايا عدّة، وهذا ما يلمسه القارئ في هذه البانوراما التاريخية لمفهوم التعب والاكتئاب والمعاناة الأخلاقية ومختلف الأمراض الجسدية الناتجة عن التعب. لقد ربط المؤلِّف بين تطوُّر هذه المفاهيم وتطوُّر المجتمعات البشرية، في رحلة مثيرة تتقاطع مع تاريخ الجسد والحساسيات والبنى الاجتماعية والعمل والحرب والرياضة، وصولاً إلى علاقاتنا الحميمة. هي نظرة مغايرة لشعور وسَمَ حاضرنا في ظلِّ التحوُّلات التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، والتي تجعلنا نكتشف إلى أيِّ مدى تطوَّر إدراك التعب من النفي إلى الإقرار. لقد عزَّز «جورج فيجاريلو» هذا التحقيق المليء بالتحوُّلات والمفاجآت والممتدّ على مدى عشرة قرون، بعدد من الأفكار والنظريات التي سعت لقياس درجة التعب وإمكانية مكافحته وتجاوزه. ولا يخلو هذا الكتاب من تقديم بعض الاقتراحات والحلول لمشكلة، عُدَّت، منذ فترة طويلة، مستعصية؛ كتغيير نمط الحياة، وتقبُّلها بإيجابية، ومداومة الأنشطة الرياضية، والتغذية الصحِّيّة، والخلود للراحة، وتنظيم الوقت، وتحسين إيقاعات العمل، والتخطيط، والإجازة، والاسترخاء، وتوطيد العلاقات الإنسانية، واستثمار ما توفِّره لنا التكنولوجيا..