شادي عبْد السَّلام.. سينِما المُهَندِس المِعْماري

مِن عبق المسار الأركيولوجيّ، تنبعث روح شادي عبد السلام لتظلّ حاضرةً بالفعل والقوة على الدوام، إذ ألَّف أَبْلَغ الصور التي تنسج العلاقة العضوية بين السينما والتاريخ عبر أعماله السينمائيّة، وخاصّة منها مُنجزه المُفارق «المومياء» الذي بات يتصدَّر أهمّ الأفلام العربيّة والعالمية، غير أن ملامسة عمق رؤيته وفكره تدعونا لتفكيك سَيْرِهِ البيوغرافي المُكابِر والمُتَعدِّد.
منذ اقتراب انطلاق الاستعراض الفنّي لمَوْكِب المومياوات الملكية الخاصّ بنقل 22 ملكاً فرعونياً (18 ملكاً و4 ملكات)، من المتحف المصريّ القديم إلى المتحف القومي للحضارة المصريّة بالقاهرة (3 أبريل/ نيسان 2021)، تعالت أصوات العديد من المُهتمِّين من مصر بخاصّة والعَالَم العربيّ بعامّة، باستحضار المُخرج شادي عبد السلام الذي جسَّد في فيلمه «المومياء» الأحداث الواقعة في 1871 بقبيلة «الحربات» التي تحترف التنقيب عن الآثار الفرعونيّة وبيعها، ليتمكَّن أحد الأبناء الذي وعى بقيمة تراث بلده من إبلاغ بِعثة الآثار، بعد وقائع عقب وفاة شيخ القبيلة. وهي الأحداث نفسها التي تستعيد مومياوات الملوك التي سُرِقَتْ وتمّ العثور عليها عام 1871 بالدير البحري، ليتم نقلها في موكب مهيب عام 1881، تحت إشراف عالِم الآثار المصريّ أحمد كامل باشا (1851 – 1923)، إلى متحف بولاق بالقاهرة، أحد أقدم المتاحف المصريّة.

 

شادي عبد السلام في موقع التصوير

التاريخ كأداة لاستشراف المُستقبل
دأب شادي عبد السلام (1930 – 1986) على الاستغراق الواعي في الحضارة المصريّة القديمة، من خلال قراءة مصادرها ومُتونها العربيّة والأجنبيّة التي تملأ خزانته الخاصّة، مع العمل على تعميق دراسة مفرداتها ومكوِّناتها بناءً على ثقافة الفنون المُتنوِّعة التي طالما حفر في علومها، سعياً إلى استشراف المُستقبل بالاستناد إلى الماضي الفرعوني لتحقيق قِيَم الحَقّ التي أَجْهَر بها في شريطه القصير «الفلاح الفصيح» (20 دقيقة، 1970)، وهو الفيلم الذي حصل بموجبه على الجائزة الكبرى بمهرجان «فينيسيا» للأفلام القصيرة في سنة إنتاجه. وقد استوحى المُخرج فيلمه من بردية قديمة بعنوان «شكوى الفلاح الفصيح»، ضمن الأدب الفرعوني للدولة الوسطى (2200 ق.م)، حيث تدور الحكاية حول فلاح مصري سُلِب منه حقّه، فعزم على مقابلة الحاكم ومواجهته بجرأة نادرة: «أيها الحاكم خلصني من شقائي، أيها الإله ذو الوجهين يا ابن الشمس الخالد للخلد، إن إقامة العدل كالتنفس، أقم العدل، فالعدل أخو الخلود (…)». يضعنا الفيلم أمام خيارات المُخرج الصعبة في اشتغاله على الدواخل النفسيّة واستغوارها من خلال البناء المُتماسك للظّاهر الذي يُفشي كَوامِن الباطن، بالتأكيد على الرِّداء المُضاعَف الكامن في الملبس والمسكن (العمارة)، أي هيئة «الإبصار» الذي يغلِّف الجسد ويحتويه. من ثمّة، ففي حالة تَسْليمنا بإلْغاء المُفاضلة بين الأفلام القصيرة ونظيرتها الطويلة، فإن فيلم «الفلاح الفصيح» لا يقلّ أهمِّية عن «المومياء»، إذ عمل فيه شادي على استنباط لغة سينمائيّة مغايرة، تستدرج المعنى داخل التعبير، باستنبات البُعد الشِّعري في كلّ خطوة تقنية معمولة بسلطة العقل الذي لا يتوارى عن ترشيد التفاصيل وفجواتها.
في المُقابل، نَتَلَمَّس الهاجس الاستشرافيّ عنده في تقريبنا من العصر الحديث، مثلما يُحيل على ذلك عنوان فيلمه التسجيلي «آفاق» (1984)، الذي عرض من خلاله شادي حينها «الآفاق الثقافيّة المُختلفة التي ظهرت في المُجتمع المصريّ، وتناول فيه عرضاً لأوركسترا القاهرة السمفوني، وبعض الفَنَّانين التشكيليّين، وصناعة السجاد، وفنّ الباليه ووكالة الغوري، والمُوسيقى العربيّة، واستوديو المُمثِّل لمحمد صبحي. ولقد قدَّم، بحقّ، في هذا الفيلم رؤية شاملة لآفاق الثقافة المصريّة»(1). وهذا دَيْدَنُه في عديد أفلامه التسجيليّة التي ينسج فيها رؤيته الخاصّة التي تدفعنا لإثارة الأسئلة باستفسار صور الواقع والنفاذ إلى عمقه وخلفياته. ولعَلّ هذا التوجُّه نحو الفنون وعموم أجناسها، يُحيلنا على انْجِذابه المُبَكِّر للمُوسيقى والرسم والتصوير والنحت وهندسة الديكور، علماً أنه صَمَّم ديكورات وأزياء العديد من الأعمال السينمائيّة العالمية من قبيل «وا إسلاماه» من إخراج «أندرو مارتون»، و«كيلوباترا» لـ«جوزيف مانكوفيتش»، و«الصراع من أجل البقاء» لـ«روبرتو روسيليني»، وأكثر من عشرة أفلام عربيّة (بين 1960 و 1967)(2)، وعلى رأسها فيلم «الناصر صلاح الدين» لـ«يوسف شاهين» الذي تَمَيَّز بهندسة الديكور التي نفَّذها شادي عبد السلام بروح خَلَّاقَة، ما أضفى على المَشاهِد أجواءً بصريّة شاعريّة منحت الفيلم خصوصيّة مَشْهَدِيَّة في غاية التوافق والتأثير.

لقطة من فيلم المومياء

المعمار كأداة لهندسة الصورة
إذا كانت هذه الإنجازات قد جعلت منه مصمِّم ديكور موصوفاً بالمهارة والإبداعيّة، فإن براعته وشِعْريَّتَه تَتَّكِئان على تخصُّصِه المعماري، وهو المُهندس المعماري الذي تخرّج من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة في 1955، والدارس لفنون المسرح بلندن (1949 – 1950)، بعد أن تخرَّج من كلية فيكتوريا بالإسكندرية (أحد أقدم المدارس الإنجليزيّة بمصر). من ثمّة، لا يمكن مقاربة المُعطيات الإبداعيّة في أفلامه القصيرة الروائية والتسجيليّة بعامّة(3) وفيلمه الروائي الطويل «المومياء» (1969) بخاصّة، دون استحضار تكوينه المعماري، خاصّة وقد درس على يد معلّم المعماريين حسن فتحي الذي تشرَّب معه جماليات العمارة الإسلاميّة والعربيّة والقبطيّة، وكذا النظر إلى الفنّ المعماري من جانب ارتباطه الوثيق بالفنون التشكيليّة التي يتحقَّق تَمَكّنها كخَلْفِية مِعْيارية في هندسة الصورة التي أتت بتأطيرات (Cadrages) محسوبة وموزونة بدقة شديدة، على مستوى الاتساق والتوازن وتوزيع الكتل كما على صعيد التعبير، لكونها تخضع إلى ذائقة حَداثِيَّة، تتخذ فيها الذّاتِيَّة قُطب الرَّحى. من ثمّة، يُشير الناقِد حمادي كيروم، في مقارنة نَبيهة، إلى أن تاريخ السينما «عرف المُخرج السوفياتيّ «شيرغي إزنشتاين» الذي يكفيه فخراً أن أخرج الفيلم الخالد «المدرعة بوتمكين»، هذا الفيلم الذي حرمه النقد الأيديولوجيّ قيمته الجمالية لعقودٍ من الزمن، لأن قوة هذا الفيلم تكمن في النبوغ الهندسي الذي نفّذه مهندس القناطر «إزنشتاين»، لهذا لا يمكن القبض على عمق وقوة وصلابة البناء الفنّي لأعمال شادي عبد السلام الوثائقيّة والروائية القصيرة والطويلة، دون الأخذ بعين الاعتبار نبوغه كمهندس معماري وكمصمِّم للديكور وللملابس»(4). ذلك أن صاحب «المومياء» تَوفَّق بوضع العمارة الفرعونيّة في بوتقة الفنون، وإظهار بنياتها وخطوطها ضمن هندستها البنائية الفخمة التي أَنْفَق حياته في استكشاف أسرارها وأعماقها، إذ أصَرَّ على إبرازها من مختلف المناحي والزوايا، ومنها النظرة السّاقِطة من فَوْق (Vue plongeante) لإعادة تشكيل البسيطة وتفصيلها، في اتجاه رسم هويّتها المصريّة بسخاءٍ إبداعي يُغطي تراثاً مادياً هائلاً، أحاطت به كاميراته العنيدة التي تَتَقَصّى المَشاهِد والمساحات والأبعاد (Les plans) بالفِكر واليَقظة اللَّذَيْن لا يَهْمِلان الجزئيات والمُلحقات، بل حتى الكُتل البشريّة، يعمل على توزيعها في الفراغ كي تكون مندمجة ومتناغمة مع الإيقاع المعماري وتَشَكّلاته. هكذا تَتَوحَّد العمارة الفرعونيّة مع ثقافة ومناخ زمانها، بإعادة ترتيب زخارف وموتيفات معابدها وسراديبها، ودوْزَنَة ألوانها في تلاؤُمِيَّة ناصِعَة مع مجموع الأيقونات والمُفردات والعلامات، بما فيها النقوش الحائطيّة وكتابات البرديّات، ضمن سَرْدِيَّة بصريّة مفتوحة على التلقي المقروء والمسموع والمحسوس في آن.
لسنا هنا بصدد مَعارف المعماري بحَصْر المعنى، بل نحن أمام نبوغ المُهندس الفنَّان الذي يَتَشَخَّص نبوغه أيضاً في مقاربته الكروماتيكيّة المطبوعَة بمَيْل إقْلالي، إذ جعل من الشمس فرشاته اللونيّة التي تعيدنا إلى حساسية الانطباعيّين (Les impressionnistes)، لاسيما وأنه صَوَّر جلّ المَشاهِد في المواقع الخارجيّة بعيداً عن الإنارة الكهربائيّة، بحيث يختار اللون الطبيعيّ وتدرُّجاته (Dégradations) عبر متغيِّرات النهار الضوئيّة من الصباح الباكر إلى ما بعد الغروب وحتى الليل، طبقاً لمواعيد ضوئية محدَّدة بدقةٍ متناهية، تسمح له بإبراز تبايُنات حِياكات ومَلامِس (Textures) الجدران والنقوش والشُّقوق والجِلْد الآدمي، وكذا توليف الظِلال الساقِطة والتَّضادّات (Les contrastes) القوية والبديعة، وهي الإِبْدالات اللَّونِيّة والضَّوئِيّة التي جعلت الفيلم موسوماً بهَيْمَنَة الأزرق والبنفسجي الميَّال إلى الحمرة، انسجاماً مع توليف الأجواء المُناسبة لطبيعة المكان، والتي تصل إلى حدِّ اللقطات التي يكتفي فيها بالأبيض والأسود فقط (مشهد النساء بملابسهن السوداء).
إذا كانت هذه السرديّات المرئيّة تتعلَّق هنا بـ«حَكْي الزمن»، فإن هذا الحَكْي الموصوف بالبُعد الروائيّ (Fiction) في السينما، فإنه يحمل معنى الوصف والمُحاكاة، ذلك أن «من خاصيات السينما أنها تحكي، في مشروعها، الالتقاء مع التاريخ، تحكي وتُحاكي في آنٍ واحد»، كما يرى الناقِد الراحل نور الدين الصايل، مؤكِّداً على أنه «يمكن في مرحلة أولى، أن نكتفي بالقول إن الفيلم الذي يُسمّى بالتاريخيّ ما هو إلّا فِعْل حَكْي لشيء سبقه وفِعْل حَكْي بمُحاكاة ما سبق، أي إعادة إنتاج بوسائل سينمائيّة، من سينوغرافيا وفنون وتقنيات وميكانيزمات، ونجد في هذا الصنف، كلّ ما يُسمّى بأفلام الملابس (Les films de costumes) وأفلام اللوحات (Les filmes fresques). إنها إعادة إنتاج ما سبق أن كان، بوسائل الديكور والإنارة وأجساد المُمثّلين»(5). لعلّها الميكانزمات التي سلكها شادي عبد السلام بكَعْب عالٍ، بداية من الكاستينغ، بحيث انتقى ملامح الوجوه بعناية كبيرة، لتتجاوب مع تقاسيم الأصل الفرعونيّ، كما قَوَّمَ التقاسيم ونفَّذَ التصحيحات بالماكياج الدقيق، ليزيد من شحذ صورة الجسد الفرعونيّ بالإكسسوارات والملابس المدروسة، التي أخضعها لبحوث عبر الرسم والتلوين اليَدَوِيَّيْن، وهي على شاكلة اللوحات التحضيريّة التي طالما أعدَّها ضمن تحليل وتحديد الكادرات واللقطات بشكلٍ قبلي. بينما حركة الكاميرا، تبقى بدورها من المُقَوِّمات الرئيسَة في بناء المَشاهِد، بين ثَبات وتحريك مُتأنٍّ ومُتوازن، عبر تَقاطُعات ومحاور هندسيّة تسمح باسْتِجْلاب مَرِن للشخوص والكُتل والظلال والخَيالات، ضمن سَيَران مرئي يروم رَصْد وتَتَبُّع التصميم الجُدْراني والنَّحْتي القديم بالمُعادل الحيوي الذي يقحمنا بسلاسة في صلب الحدث وزمانه، وعلى هذا النحو، «نستمر لنتأمَّل التحريك الإبداعيّ الذي يشكِّله شادي من خلال دراساته وخبراته كمهندس معماري فنَّان، حيث ينقلنا في مسار عجيب عبر أبنية المعبد مستخدماً زوايا التصوير وإيقاع الحركة مع التمازج والتبادل بين اللقطات بحيث يحقّق تتابعها استمرارية عبقرية تجعلنا نشعر كأننا نعبر مدينة فرعونيّة بأكملها»(6).
فضلاً عن أعماله السينمائيّة الخالدة، خَلَّف المُخرج والمهندس والرسَّام شادي عبدالسلام العديد من القِطع الفنِّيّة المُوازية التي عملت على تقديمها مكتبة الإسكندرية سنة 2005 بمُناسبة اليوبيل الماسي لهذا الأخير، في إطار تنظيم معرض فنّي لصور فوتوغرافيّة ولقطات ولوحات ورسيمات «المومياء»(7) وأعمال أخرى ضَمَّت (39) لوحة أصليّة ورسوماً ملوَّنة لملابس شخصيّات تاريخيّة تعود إلى عديد الأفلام السابقة الذكر، إضافة إلى رسومات فيلمه القصير «الفلاح الفصيح»، وتصاميم مشاهد فيلمه الكبير «إخناتون» الذي أعَدَّ له السيناريو وعمل على تعديله وتنقيحه على امتداد أكثر من عشر سنوات، كما نَفَّذ عدداً من تصاميم ديكوراته، فلَمْ يُقَدَّر له إنجازه بحلول الأجل المحتوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1 – نجوى محروس، «السينما التسجيليّة: قضاياها ومشكلاتها»، مجلّة «الفنّ المُعاصر»، أكاديمية الفنون بالقاهرة، المُجلَّد الثاني، العددان 1 و 2، 1988، ص 24.
2 – من بينها: «أمير الدهاء» لـ«هنري بركات»، «حكاية حب» لحلمي حليم، «بين القصرين» لحسن الإمام، «السمان والخريف» لحسام الدين مصطفى، «رابعة العدوية» لـ«نيازي مصطفى».
3 – إضافة إلى «الفلاح الفصيح» و«آفاق»، له: «جيوش الشمس» (1974)، «كرسي توت عنخ آمون الذهبي» (1982)، «الأهرامات وما قبلها» (1984)، «رع رمسيس الثاني» (1986).
4 – حمادي كيروم، «شادي عبد السلام: الفلاح الفصيح»، الجزيرة الوثائقيّة، 31 مارس/ آذار 2016. https://doc.aljazeera.net/portrait –
5 – نور الدين الصايل، «حكي الزمن»، التاريخ والسينما -أشغال الندوة المُنظَّمة من 16 إلى 24 فبراير/ شباط 1990، جامعة الحسن الثاني بالمحمدية- كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بنمسيك بالدار البيضاء، مطبعة دار النشر المغربيّة، الدار البيضاء، 1993، ص 16.
6 – جورج أنسي، «عالمية الفيلم المصريّ بين شادي وشاهين»، القاهرة: مجلّة «الفكر والفنّ المُعاصر» (خاصّ: 100 عام من السينما – قرن من الأحلام)، الهيئة المصريّة العامّة للكِتاب، القاهرة، العددان 169 – 170، ديسمبر- يناير 1997، ص 234.
7 – نال «المومياء» عِدّة جوائز منها جائزة «جورج سادول» في باريس (1970)، واختارته المُؤسَّسة العالمية للسينما كواحد من أهمّ الأفلام في تاريخ السينما، وقامت بترميم النسخة الأصليّة في 2009، تاريخ الاحتفاء بشادي عبد السلام في مهرجان «كان».

في نقد العباراتُ المسكوكة.. تصلّبُ اللّغة إفقارٌ للحياة

تُصابُ اللّغةُ بالشلَل مثلما يُصابُ الجسد، لأنّ للغةِ أيضًا جسدًا، كلّما تصلّبَ فيه طرَفٌ سرَى الموتُ كي يُجمِّد أطرافًا أخرى، على نحو يوسِّعُ مساحة الشلل، ويُهدِّد بموتِ اللّغة حتى وإنْ اتّخذ هذا الموتُ صورةَ حياة مُقنّعةٍ بتداوُلٍ مُفرط. فتداولُ التراكيب اللّغويّة التي سرَى التصلّبُ فيها لا يُزكّي الموتَ ويتستّرُ عليه وحسب، بل يغدو هو ذاتُه موتًا مُتشبِّهًا بالحياة. ما يُشلّ في اللّغة ويُصابُ بالجمود يجعلُ المُتصلّبَ فيها شبيهًا بحال الجثّة، غير أنّها جثّة تظلُّ مُقنّعة بالحياة عبْر ما يؤمِّنُ لها الاستمرارَ في التداول. وإذا كانت البشريّة قد حرصَت على مواراة الجُثث مُنذ أن التقطَت درسَ الغراب في الزمن الغابر، فإنّ تراكيبَ لغويّةً وصيَغًا في بناء هذه التراكيب لا تكفّ، حتى عندما يَسكنُها الموتُ وتغدو مجرّد مسكوكات، عن الإصرار على الاحتفاظ بتداولها الذي يشتغلُ ضدّ الفكر وضدّ الحياة، مُحصَّنًا بتكرارٍ مُفرَغٍ من المعنى.
يتعذَّرُ حصْرُ العوامل المُسْهمة في تصلّب اللّغة وشلَلها، لا لتعدُّد هذه العوامل وحسب، بل أكثر من ذلك، لتعقّدها وتشعّبها. من بين هذه العوامل في الزمن الحديث، ثمّة تشبّهُ الكلام بالكتابة. تشبّهٌ ما فتئ يتنامَى بعد أن يَسَّرَت التقنيةُ سُبُلَ هذا التشبّه ومكّنت الكلام، الذي يَروج في أقصى صوَر اليَوميّ المُبتذلة، مِن أن «يُحرَّرَ»، بالمعنى المُضاعَف لهذه الكلمة، مُنتقلًا بهذا «التحرير» من وضعيّة الأصوات إلى وضعيّة الحروف. المُضاعَفُ، وَفق ما تُتيحهُ اللّغة العربيّة من تعدُّد في معنى الكلمة، يُمكّنُ من فهْم «التحرير» في هذا السياق بوَصفه، في معنى أوّل، تحرّرًا من الحصانة الفكريّة التي كانت تُلزمُ، في فترات معيّنة، كلَّ عُبور إلى الكتابة بالاستناد إلى المقوِّمات التي يتطلّبُها هذا العبور، بعيدًا عن الابتذال الذي طال دلالة الحرّيّة وأبعدَها عن المسؤولية التي بها تتحدّدُ في الكتابة، ويُمكّنُ في معنى ثان، من فهْم «التحرير» بوصفه تدوينًا سمحَ للأصوات بأن تأخُذ صورةَ الحروف، وهو ما يُصيبُ تراكيبَ الكتابة بالاجترار الذي يحكمُ صيَغ الكلام. لربّما يعودُ تشبُّه الكلام بالكتابة في الأصل، قبْل أن يتشعَّب أمرُ هذا التشبُّه اعتمادًا على الإمكانات التي تُتيحُها التقنية، إلى انتحال اللّغة الإعلاميّة، باعتبارها أقرب إلى الكلام، صفةَ اللّغة الفكريّة، وما يترتّبُ على هذا الانتحال من لَبْس مُخلّ ومن تبعات مُعقّدة. لا تُشكّلُ اللّغة الأولى، أي لغة الإعلام، إزعاجًا فكريًّا إلّا عندما تدّعي الاضطلاعَ بما لا تقوَى عليه، مُتناسيةً حدودَها، خصوصًا عندما تريدُ أنْ تقوم مقام الفكر، وعندما تغدو أداةً لاختطاف المعنى ولترسيخ البلاهة بمُختلف صوَرها، وعندما تغدو أيضًا مُختبَرًا لإطلاق الأحكام وتَوجيه معنى القيمة.
لهذا المنحى، القائم على الانتحال، آثارُه في شلِّ اللّغة وإفقارها وإفراغها من الفكر. غير أنّ ثمّة مناحيَ أخرى لرصْد شلل اللّغة؛ منها اختزال اللّغة، بوجه عامّ، في الإخبار والتواصل، على نحو يرومُ إدمْاجَها هي أيضًا ضمْن آلةِ الاستهلاك المُخترقة لكلّ تفاصيل الحياة الحديثة، بما يكرّسُ عدَّ اللّغة مجرّد أداة. إنّ من بين ما تعملُ لغةُ الأدب والفكر على التصدّي له هو هذا الإدماجُ نفسُه، لأنّ لغتَهما لا تقومُ على التواصل، وحتى إذا كان لازمًا الاحتفاظ بهذا المُصطلح في الحديث عنهما، فإنّ هذا اللزوم لا يستقيمُ إلّا بتفكيك حمولة المُصطلح وإعادة صَوغها بتعارُض تامٍّ مع حمولته السائدة. فكلّما ارتكزَ الفهمُ والتأويل، في توَجّههما إلى لغة الأدب والفكر، على مفهوم التواصل، انحصرَا في ما ليس جوهريًّا في هذه اللّغة. لعلّ جانبًا من هذا الأمر هو ما شدَّدَ عليه والتر بنيامين في نصّه الشهير «مهمة المُترجم»، مُفكّكًا، في ضَوئه، مفهومَ الترجمة نفسه. لقد شدَّد بنيامين في هذا النصّ، الذي شكّلَ في ظهوره الأوّل تقديمًا للترجمة التي أنجزَها لـ«مشاهد باريسية – Tableaux parisiens» لـ«بودلير»، أنّ الجوهريّ في «العمل الأدبيّ» ليس التواصل والإخبار، لذلك عندما تريدُ الترجمة أن تكون عمليّة نقْل، فإنّها لا يُمكنُ أن تنقلَ سوى التواصل والإبلاغ، أي أنّها لن تنقلَ إلّا «ما ليس جوهريًّا» في العمل الأدبيّ. وهكذا، فتحصينُ لغة الأدب والفكر من الاستسهال الذي ينطوي عليه مفهومُ التواصل، ومن الاختزال الذي يحكمُ أيضًا مفهوم التعبير، يُعَدُّ أسّ المقاوَمة التي تنهضُ بها لغة الأدب ولغة الفكر حتى في انشغالهما بتفاصيل اليَوميّ. مُقاومةٌ ترومُ التصدّي لإفقار الحياة عبْر التصدّي لإفقار اللّغة ولِما يعملُ على تحويل مجهولها إلى معلوم. إنّ المقاومة داخل اللّغة هي أساسًا مقاومةٌ لصوَر إفقار الوجود، فكلُّ ما يَتصلّبُ في تصوّر اللّغة وفي تراكيبها، ويُحتفظ له بتداوُله وَفق التكرار والاجترار، يُشكّلُ وجهًا من وُجوه شلِّ اللّغة، وحَجْبِ بُعدها الوجوديّ الذي به تتحدَّد، وبه تتمنّعُ على كلّ اختزالٍ لها في مُجرّد أداة.
لا حدَّ لِما يُصيبُ جسدَ اللّغة من تصلّبات. وهي تصلّبات لم تكفّ، منذ القديم، عن الحدوث اعتمادًا على اشتغال شديد التعقيد، بل إنّ اشتغال هذه التصلّبات يشهدُ تجدّدًا وَفق السياقات العامّة للأزمنة والعُصور، لأنّ للتصلّب أيضًا ما به يُجدِّدُ تحقّقاته. تُسهمُ في هذا التصلّب راهنًا المؤسّساتُ الرسميّة، ويُرسّخهُ التكرار المُفرِغ للمعنى والمُفرَغُ منه في الآن ذاته. لربّما كان تاريخُ التأويل نفسهُ مُنطويًا، في تصوّره للغة، على مَنحييْن؛ منحى حَرصَ دومًا على منْع اللّغة من التصلّب وعلى تمكينها من التجدّد؛ فيه تحقّقَ التأويلُ بوصفه رافدًا من روافد إغناء الحياة بإغناء اللّغة وتجديدها، ومنحى آخر عمِلَ باستمرار على تصلُّب اللّغة، بل عدَّ نفسَه وصيًّا على تأمين تحقّق هذا التصلّب انطلاقًا من تضييق المسافة بين الاسم والمُسمّى، وتقييد الاحتمال الذي يحكمُ المسافة بين الكلمات، بما يجعلُ التأويلَ آليةً لتكريس التصلّب.
لمَسار تصلّبات اللّغة وُجوهٌ عديدةٌ؛ من هذه التصلّبات ما يمَسّ علاقة اللفظ بالمعنى، وما يرتبط بعلاقة الكلمة بالكلمة، وما يخصّ علاقة التركيب اللّغويّ بما يُحيلُ عليه. وهذا المسارُ هو عينُهُ ما يكشفُ بالمُقابل المُهمّةَ التي بها اضطلعَت لغةُ الأدب والفكر والتصوّف في تصدّيها لِما لا يكفّ يُشَلُّ في اللّغة عبْر التصلّبات التي تحدُثُ فيها. لا حصْرَ للتصلّبات التي تتسرَّبُ إلى جسد اللّغة، ابتداءً من مُكوّناتها الصغرى حتى صيَغ التركيب فيها. من نماذج هذه التصلّبات، في المُستوى اللفظيّ، انغلاق المسافة بين اللفظ وما لا ينتهي فيه من احتمال، خصوصًا عندما يُقيَّدُ لفظّ ما في معنى قبليٍّ جامد، أو عندما يُستعملُ اللفظُ في سياق المُحافظة والمُهادنة كي يكون مُستعمِلهُ شخصًا «ملائمًا ومحبوبًا» على حدّ قول «غوستاف فلوبير» في تصدّيه للبلاهة من موقعِ ما يَصيرُ جاهزًا في اللفظ. إنّ هذا الوَجه من التصلّب، بخطورته التي تمسّ الحياة، هو ما يكشفُ حيَويّة تأليف فلوبير لـ«قاموس الأفكار الجاهزة – Dictionnaire des idées reçues». فقد انطوى هذا القاموس، في رصْده للبلاهة انطلاقًا من تصلّب معاني الكلمات وتقيّدها بتباهٍ فارغ وتماهٍ مُبتذل مع رأي عامّ، على مقاوَمةٍ لِما يُضيّقُ الوجود من داخل اللّغة. والمسارُ الذي قطعهُ فلوبير في تأليف هذا القاموس دون أن يتمكّن من إنهائه دالٌّ في ذاته، إذ تبدَّى منه أنّ اشتغال التصلّب في اللّغة، بما هو بلاهة، لا حدّ له ولا نهاية يُمْكن أن يبلغَها، لأنّ التصلّب لا يتوَقّفُ أبدًا عن تجديدِ آلياته. لقد بدأ فلوبير التفكيرَ في إعداد هذا القاموس مُنذ عام 1847، ولم يَظهر الكتاب إلّا عام 1911، بعد وفاة فلوبير بثلاثين سنة، أي أنّ القاموس لم يتسنَّ له أنْ ينتهي، بل لم يكُن انتهاؤه مُمكنًا، تبعًا لما يَحكمُ اشتغالَ البلاهة في اللّغة وما يحكمُ إنتاجَها للجاهز انطلاقًا من تفاعُل معقّدٍ مع ما يتصلّبُ فيها. انتفاءُ الانتهاء من التأليف هو ما ألمحَ إليه «فيليب ميير – Philippe Meyer» في تساؤل دالٍّ صاغهُ على النحو التالي: أكان مُمكنًا لهذا القاموس أن ينتهي؟. قطعًا لا. فالأمرُ يتعلّقُ بـ«منطق» اشتغال التصلّب في اللّغة، وبالتآزُر القائم بين تصلّب اللّغة وإدامةِ البلاهة التي لا تكفُّ عن تطوير آلياتِ اشتغالها وتوسيع قِلاعها وتحصين استمرارها. إنّ فكرة هذا القاموس تجعلهُ شبيهًا بعَيْن مُؤتمَنة على حراسةِ منطقة من مناطق اللّغة؛ إنّها العينُ التي يتوجّبُ أنْ تظلّ ساهرةً على رَصْد ما لا يكفُّ عن التصلّب في اللّغة، باعتبار هذا التصلّب وَجهًا من وُجوه البلاهة.
إلى جانب هذا الملمح المُجسِّد للتصلّب، ثمّة ملمحُهُ الأعلى الذي تُجسّدُه العباراتُ المسكوكة، أي العباراتُ التي تنغلقُ فيها العلاقةُ بين الألفاظ داخل تراكيب جامدة، بما يترتّب على هذا الانغلاق من شَلل ومَوت. تُلقي العباراتُ المسكوكة، التي شُلّت فيها الصلاتُ بين الكلمات، بالتركيب في الماضي الذي لا مُستقبل له، وتُخضعُ هذا التركيبَ للتكرار والاجترار. وهي بذلك، تشتغلُ، على المُستوى الفكريّ، ضدّ الفكر، لأنّها لا تقودُ التركيبَ اللّغويّ إلى الجمود وحسب، بل إلى التكرار الذي يُفقدُ العبارةَ المسكوكة كلَّ مدلول، ويُحوِّلها إلى بداهة، أي يحوِّلها إلى ما يَمنعُ الفكر. وقد عزا رولان بارث، في كتابه «لذة النصّ» هذا التكرار إلى ما يَحكمُ كلَّ المؤسّسات الرّسميّة، مُشيرًا إلى ما يُوَجِّهُ المدرسة والرياضة والإشهار والإعلام، حيث تُعيدُ هذه المؤسّسات دومًا، كما يقول بارث، البنية ذاتَها، والمعنى ذاته. لعلّ ما يكتسي حيَويّةً في هذا السياق هو إشارة بارث إلى ما ينطوي عليه المسكوكُ في اللّغة من خُطورة، إذ ذهبَ إلى أنّ «المسكوك في اللّغة واقعةٌ سياسيّة»، بل عدّهُ «الصورة الكبرى للأيديولوجيّة». إنّ هذه الإشارة المُنيرة، إذ تُلمحُ إلى أبعادِ اللّغة وإلى ما يَتجاوَزُ المُستوى التركيبي فيها، تشقّ في الآن ذاته مسلكًا خصيبًا لتأويلِ المسكوكات اللّغويّة فكريًّا ولتفكيك ما يحكمُ اشتغالها.
لا نهاية، إذًا، لاشتغال التصلّب في اللّغة ولا حدّ له، لذلك يُعَدُّ التصدّي لهذا التصلّب سيرورةً مُتجدّدةً دومًا، لأنّ آلية التصلّب لا تتوَقّف أبدًا. ومن ثمّ، كان التفكيكُ في اللّغة والتفكيكُ باللّغة عملًا مُضاعَفًا منذورًا للشعراء والمُفكّرين والصوفية، ضمن مسؤوليّة تتطلّبُ منهم مُراقبةً يقِظة لاشتغال التصلّب في اللّغة والتصدّي له بجعْل العلاقة بين الكلمات لا متناهيةً وغيرَ قابلة للتصلّب. إنّها مسؤوليةُ حراسة اللّغة بما تقتضيه من يَقظة، لأنّ ما به تتمّ هذه الحراسة مُهدَّدٌ هو أيضًا بأن يتسرّبَ التصلّبُ إليه، مادامت آلةُ شلّ اللّغة لا تتوقّفُ عن العمل. تكفي الإشارة في هذا السياق، مثلًا، للاستعارات الشعريّة التي ترومُ أساسًا، وهي تُوسِّعُ العلاقة بين الألفاظ وتوسِّعُ العلاقة بين الأشياء، فتْحَ ما يصِلُ بين ألفاظ التراكيب اللّغويّة ومنْعَ هذه الصِّلة من الانغلاق، ولكن ما إنْ تتحوّل استعارةٌ ما إلى مسكوك، إلّا وتسقطُ في الاجترار القاتل للمعنى، فتغدو هي ذاتُها ما سمّاه البلاغيون بالاستعارات الميّتة، أي الاستعارات التي ابتلعها التصلّب بتسرُّب الموت إلى الخيال الذي شكّلَ خصوبتها الأولى. الأمرُ ذاته يَصدقُ على التأويل الفكريّ؛ فما إنْ يتوقّف التأويل عن فتْح العلاقة بين عناصر التراكيب اللّغويّة، وعن فتْح صلةِ هذه التراكيب بالمعنى، يغدو هو ذاته شكلًا من أشكال التصلّب.
لربّما الخطيرُ في مسار هذا التصلّب هو أنّه يُنتجُ الموتَ لكنّه لا يموت، حتى لقد عدَّ بارث أنّ المسكوك في اللّغة هو استحالةُ المَوت المُثيرة للغثيان؛ الاستحالة التي تتكشّف في حالةٍ يكونُ فيها الموتُ خلاصًا. فالتصلّب الذي يَشلّ اللّغةَ يُقاومُ الحياةَ بما يتعيّنُ، أصلًا، أن يموت. ومن ثمّ، يُعَدُّ رصْد مسار تصلّب اللّغة وتفكيكُ اشتغال هذا التصلّب عملًا فكريًّا بأبعاد مُتشعّبة، لأنّ هذا التفكيك لا يفصلُ اللّغة عن الوجود الإنسانيّ بَعد أن يُحرّرَها من الاختزال الذي حصرَها في مُجرّد أداة للتواصل. لعلّ هذا الأساس الفكريّ هو أحد العناصر التي جعلت بارث يدعو إلى تخيُّل لسانيات مُنشغلة لا بدراسةِ أصْل الكلمات واشتقاقاتها وقاموسها، بل بدراسة ما يتصلّبُ على امتداد الخطاب التاريخيّ. ليست دراسةُ ما لا يكفُّ عن التصلّب في اللّغة أمرًا لغويًّا بالمعنى اللسانيّ، إنّها مهمّةٌ فكريّة تُتيحُ رَصْدَ خطورة تصلّب العبارات وتحوُّلها إلى تراكيب مسكوكة، انطلاقًا من الكشْف عمّا يُحدثهُ هذا التحوّل وهو يَنقلُ الاحتمالَ، الذي حكمَ صلة الألفاظ في استعمالٍ أوّل قائمٍ على الانفتاح، إلى بداهة مُغلقة، أي تحوُّل التركيب اللُّغويّ إلى صلةٍ ضروريّةٍ لا حُجّة على ضرورَتها سوى الإفراطِ في تكرار هذا التركيب. إنّ هذا التكرار، الذي تضطلعُ به المؤسّسات الرسميّة، يمنعُ اللّغة من المُتعة، وذلك بجعْل التركيب المسكوك بداهةً، على نحو يُثيرُ الغثيان كما يقول بارث في كتابه «لذة النصّ»، ويُلزمُ، تبعًا لذلك، بهجران ما صارَت له وضعيّة البداهة. صحيحٌ أنّ بارث لم يستبعد عن التكرار إمكانَ توليد المُتعة، لكن ليس التكرار الفاقد لكلّ معنى، أي ليس التكرار الذي تُجسِّدُهُ المسكوكات اللُّغويّة المؤازِرة للبلاهة.
من الحيَويّ الإشارة، في سياق تأمّل ما يتصلّبُ في اللّغة، إلى نقد بارث لمفهوم الجُملة نفسه. فقد ذهبَ بعيدًا في تفكيكه للمسكوك في اللّغة، إلى حدِّ تفكيك مفهوم الجُملة، لا مِن موقع ما عُرفَ بالانتقال من لسانيات الجُملة إلى لسانيات الخطاب، بل من موقعٍ آخَر مشدودٍ إلى ما حكمَ، ابتداءً من مُستهلّ سبعينيّات القرن الماضي، تحوُّلَ رُؤية بارث الثقافيّة بوَجه عامّ. من ملامح هذا التفكيك، ثمّة، مثلاً، إشارةُ بارث إلى اللاجملة non-phrase، أي تلك الحالة الداخليّة التي تَعبُرُ فيها الكلماتُ والتراكيبُ ذاتَ الكاتب دون أن تتشكّلَ أيُّ جملة. اللاجملة، عند بارث، «ليست أبدًا شيئًا فاقدًا لقوّةِ أن يكون جُملةً ولا سابقًا على تكوُّن الجُملة، بل ما هو، بصورة دائمة ورائعة، خارج الجُملة»؛ المُتمنّعُ عليها باستمرار. إنّ استيعابَ ما لا يتشكّلُ في جُملة، ولا يتحقّقُ بها، يَستحضرُ بالمُقابل ما يتصلّب في صيغةٍ جامدة ليصيرَ مسكوكًا، أي تركيبًا مشلولاً مُفرَغًا من المعنى ومانعًا من الفكر. وهي التراكيب المشلولة التي عليها يقومُ، بوجْه رئيس، الخطابُ الإعلاميّ، والخطابُ السياسيّ، وكلُّ خطاب محكوم بالكيتش وبالمُهادنة وإرضاء صَوت عامّ.
إنّ المسكوك لا يُجرِّدُ اللّغة من المُتعة وحسب بل يمنعُها من الفكر ويجعلها آلةً للجاهز، أي لتضييق الحياة وإفقارها. فمن تجليات خطورة هذا التكرار، الذي يُفرغُ التركيبَ اللُّغويَّ من الاحتمال ويُرسِّخ تصلّبَهُ بوَصفه بداهة، تجريدُ اللّغة من كلّ قُدرة على التفكير، لأنّ المُتصلّبَ فيها يَصيرُ تابعًا لمعنى قبليّ. خطورةُ التركيب المسكوك في اللّغة ناجمةٌ، بمعنى ما، عن صِلةِ هذا التركيب المُعقّدة مع ما يُرادُ له أن يكون بدهيًّا، وعن صِلته بالأفكار الجاهزة، التي لا تكرِّسُ البلاهة وتَرْعاها فحسب، بل تُحوِّلُ مجهولَ الحياة اللامتناهي إلى معلوم ضيّق ومحدود. يتكشّف، إذًا، أنّ تصلّب اللّغة، المُجسَّد في المسكوكات، ليس مُجرّد شلل يُصيبُ تراكيبَ لغويّة ولا هو عطبٌ يَمتدُّ إلى أداة، بل هو تضييق للحياة وإجهازٌ على مناطق المجهول فيها. اللّغة ليست أداةً، إنّها «مأوى الوجود»، وكلّ إفقار لها هو إفقارٌ للحياة وللوجود. فجعْلُ اللامتناهي في العلاقة بين الكلمات متناهيًا وإلزامُ هذه العلاقة بصيغة مسكوكة ليس سوى إطفاءٍ لنور اللّغة، وحجْبٍ لمجهولها الذي هو عينه مجهول الحياة.

التشخيص والتجريد في تجربة الراحل رفيق الكامل

فقدت الساحة الفنِّيّة، العربيّة، والتونسية، مؤخَّراً، فنَّانّاً تشكيليّاً متفرِّداً، بَصَمَ مساره الجمالي بكثير من العطاء والإبداع؛ يتعلَّق الأمر بالفَنَّان التشكيلي التونسي رفيق الكامل الذي وافته المنيّة يوم الجمعة: (12 مارس/ آذار 2021)، عن سنّ تناهز (77) عاماً. وقد ترك رحيله الموجع فراغاً إبداعيّاً كبيراً في بلده بالنظر إلى مساره الفنّي الحافل بالعطاء، فضلاً عن دوره في تكوين أجيال كاملة من الرسَّامين والفنَّانين..

تحصَّلَ رفيق الكامل على دبلوم التخرُّج من (مدرسة الفنون الجميلة) في تونس، عام (1967). عقب ذلك، استفاد من إقامة فنِّيّة بمدينة الفنون «باريس». وفي عام (1970)، نال دبلوم التخرُّج من (المدرسة العليا للفنون الزخرفية) في باريس، قبل أن يشتغل أستاذاً في (المعهد التكنولوجي للفنّ والهندسة المعمارية والتعمير) في تونس، حتى عام (2005). وفي رصيده العديد من المعارض الفنِّيّة؛ الفردية والجماعية التي أقامها أو اشترك فيها في كلٍّ من تونس، وباريس، وميونيخ، فضلاً عن مدن إسبانية وبلجيكية وألمانية أخرى. وفي عام (1984)، نال- باستحقاق- الجائزة الأولى لمدينة تونس، والجائزة الأولى للمعرض السنوي للفنّ المعاصر في المدينة نفسها.
مَثَّلَ رفيق الكامل أحد أقطاب موجة التجريد، أو الفنّ اللاشكلي – Informel، الذي عمَّ الصباغة والتعبير التشكيلي في تونس، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي وبداية سبعينياته، مستفيداً، في ذلك، من دراساته ومتابعاته لما يجري في العالم من تحوُّل متسارع في الفنّ الحديث. ومنذ ذلك الوقت، لمع اسمه بوصفه فنَّاناً طلائعيّاً شَكَّل أحد روّاد الحداثة الفنِّيّة في بلده، أقام لفترة بمرسم الفنان الفرنسي «جاك ديسبيير – J. Despierre»، خلال إقامته في باريس. وفي عام 1975، أسَّس، رفقة بعض زملائه الفنَّانين، «قاعة ارتسام»، منهم محمود السهيلي، ورضا عبد الله، ونجيب بلخوجة، وعبد الحميد بودن، وقد لعبت هذه القاعة دوراً مهمّاً في تنشيط الساحة التشكيلية في تونس.
اعتُبِر الفَنَّان رفيق الكامل من آخر المنتسبين إلى «مدرسة تونس» التي تأسَّست سنة (1949)، على يَدِ الرسام المستشرق الفرنسي «بيير بوشارل – P. Bocherle» (1894- 1988)؛ بهدف إيجاد رسم تونسي أصيل يتَّجه نحو إبراز الهويّة وإثباتها من خلال الاشتغال على الموروث الثقافي المحلّي. وقد صدرت حول فنّه ورسمه عدّة أبحاث ودراسات، من بينها كتاب مونوغرافي باللُّغة الفرنسية، بعنوان «رفيق الكامل»، أنجزه الكاتب زبير الأصرم(1)، إلى جانب كتابات ومقاربات كلّ من: يوسف الصديق، ولحبيب بيدة، وعلي اللواتي، وعبد الجليل بن المسعودي، وعماد الجميّل، وفاتح بن عامر(2)، وخليل قويعة(3)..، وغيرهم. لوحاته، عموماً تتأرجح بين التشخيصية المحدثة والتجريد الإيحائي، الكثير منها ممزوج بكولاجات مندمجة مع (الكانفا) وصبغات الأكريليك..

الراحل رفيق الكامل

لوحات الفَنَّان رفيق الكامل التشخيصية مشاهد مستوحاة من اليومي، ومن إيقاعات العيش في البلد: دروب وحوارٍ شعبية، عربات الباعة المتجوِّلون، جزارون، متاجر قديمة، أسواق ومقاهي شعبية، نسوة تونسيات بلباسهن التقليدي، مبانٍ عتيقة مطليّة بالجير الأبيض الناصع، وأخرى مصبوغة بألوان ترابية تكسوها حمرة ياجورية، مناشط الصيَّادين والحوَّاتين، إلى جانب بورتريهات بألوان مضبَّبة، وغير ذلك من المواضيع التي تؤرِّخ لمشاهد من البيئة المحلّيّة ببنياتها وأناسها، في حركات دؤوبة ومستمرّة تعكس نبض الحياة بالشكل الذي سجله الفنَّان في مخيِّلته، لتلتقطه العين، بعد ذلك، بأمانة إبداعية تيمُّناً بقول الفَنَّان «مايكل أنجلو»: «المرء يرسم بعقله لا بيده».
هذه الفضاءات المعمارية شكَّلت جزءاً من ذاكرة الفَنَّان رفيق الكامل، التي أراد، من خلال رسمها وتلوينها، إظهار حبِّه الحقيقي والصادق لها، بدءاً من تصوُّره البصري للفضاء والمكان، مروراً بعشقه الخالص لأمكنته وأفضيته المفضَّلة. كما حرص، في معظم لوحاته التشخيصية، على الاهتمام ببعض تفاصيل اللوحة وتميَّزَ بتمكُّنه من التوظيف الملائم بين مناطق الضوء والظلّ – Clair- obscure، في الرسم والتلوين. ففي لوحاته سرديّات بصرية تعكس مرانه المتقدِّم في الرسم، والتصوير الذي يخالف النمط الكلاسيكي السائد والمألوف، حيث ظلَّ يرسم ويلوِّن بتقنية مغايرة تجمع بين الواقعية الحسّيّة والتأثيرية الجديدة، وفيها تبدو النماذج المرسومة في شكل خيالات وأطياف بفعل «الضبابية اللونية» التي ينهجها، وهو أسلوب صباغي حداثي عصيّ في التصوير، لا يتقنه سوى المهرة من الفنَّانين والرسامين.
الكثير من شخوصه أصدقاء يعرفهم، أو جيران عايشهم، وتقاسم معهم حياة اجتماعية بسيطة؛ لذلك ظلّوا يسكنون فنَّه، وقلبه الذي لم يكن يعرف الحقد والكراهية والمنافسة المجَّانية، بقدر قناعته بمساعدته للناس المحتاجين، والإنصات إليهم.. هكذا، أدرك، ومنذ بواكيره الفنّيّة وانخراطه الفعلي في مجال الإبداع، رسالةَ الفنّ، وانتبه مبكِّراً إلى دوره الحيوي فنَّاناً عضويّاً، في الارتقاء بالوجدان الجمالي المشترك، فضلاً عن كون الفنّ أداة فاعلة ومؤثِّرة في إثراء التجربة الإنسانية، على أكثر من صعيد..

أمَّا في لوحاته التجريدية، فتبرز تكوينات لونيّة حركيّة بجانب كتل متراصّة محاطة بخطوط غليظة ومنثالة، في شكل بقايا صباغة قَبْلِيّة، تنبعث من عمقها أشكال هندسية مندمجة مع أخرى عضوية مثل كائنات طائرة وسابحة نحو سماوات رحبة. أشكال ظاهرة، وأخرة ضامرة وقد لفَّتْها تسريحات لونية عريضة وممتدّة على شكل تواقيع وإمضاءات كبيرة، تسودها -في أغلب التطبيقات- الزرقة والرماديات الملوَّنة- Gris colorés… هنا، بَدَا الفنَّان كمن يضع اللون فوق اللون، لا ليمحو الثاني الأوَّل، بل ليمنح اللوحة أبعاداً بصرية جديدة تعجُّ بشرائح لونية، تحيا وتتعايش في ما بينها، بعناوين ومفاهيم متحوِّلة على إيقاع القراءات والتأويلات..
في هذا المنحى الصباغي التجريدي، تميَّز الفنَّان رفيق الكامل كثيراً بميوله الطيفي نحو اللون الأحادي (مونوكروم) المائل نحو الرّمادي المنصهر داخل أطياف وتكوينات عضوية متشاكلة، أظهرت دخوله في حوارات تجريبية مباشرة مع اللوحة التجريدية الحديثة، تنطلق من الأشياء البسيطة، انسجاماً مع قول الفنَّان «فاسيللي كاندانسكي»: «كلّ شيء يبدأ من نقطة صغيرة».
في هذه التجربة، تتمازج الألوان في لوحاته الفنّيّة، وتتكوَّم مثل رمال هادئة في صحراء ممتدّة، سرعان ما تتفجَّر وتتعدَّد، لتنبعث، من عمقها، ألوان وتكوينات طيفية تمضي نحو اتّجاهات متنوِّعة، لكنها- مع ذلك- بقيت محافظة على تراصّها وتماسكها..
ألوان شفيفة تذوب في لجّة أخرى داكنة، وألوان أخرى غامقة تعانق الفواتح من الألوان.. تآلف قزحيّ جماليّ مفعم بالشاعرية اللونية، يصعب فصله عن فكر الفنَّان الذي آمن طوال حياته، بثقافة الاندماج والتلاحم من أجل القوّة والتكامل؛ من ثَمَّ عُدَّ فنّه- كحياته- مبدعاً إنساناً، وإنساناً مبدعاً يفيض بالكثير من القيم الإنسانية النبيلة..
ضمن هذا الأفق الجمالي، تتبدَّى الآثار اللونية، في لوحاته، متراكبة يعمُّها الاندماج والانصهار، فهي أنجزت على مراحل، قد تكون متباعدة أو متقاربة التنفيذ، بحسب طقوس الاشتغال وحالات التأمُّل والتشكيل التي عاشها الفنَّان، والأكيد أنها تظلُّ، في كلّ هذه الحالات، نابعة من الفكر الذي يؤسِّس للإبداع بما يستلزمه الأمر من انسجام تامّ يضمن الحدّ الأدني من خصائص التصوير الحديث والمعاصر.
وبكثير من المزامنة – Contemporanéité، تعايشت التوليفات اللونية والكتل المتعاضدة في لوحاته، على إيقاع التجريد الموسوم بالتشخيص والتجريدات الصباغية المدعَّمة بالطباعة والتقطيع والتغرية/ Découpage-Collage المدمجة في ثنايا اللون، وفي جسد اللوحة. وقد «ساعدت أعمال التّلصيق الفنَّان الكامل على قراءة فضائه وعلى صياغته بحكمة كبيرة؛ ذلك أنّ الفضاء التّشكيلي، للوحة الكامل، مَصوغ بنوع من التّقليص في الألوان والتّركيز في الاختيار حتّى صارت اللّوحة إلى فضاء لونيّ موحّد تطفو الأشكال على سطحه كما تبرز من رحمه، في تباين ضوئيّ، وفي تقارب لونيّ واضحَيْن»(4).
أمّا ذهن الفنَّان، فظلَّ يشتغل بحسٍّ لونيّ يقظ، يتَّجه نحو إعادة صياغة المشاهد والمعاينات المرئية صياغة تجريدية ظهرت نتائجها طويلاً فوق السند؛ بذلك ظلَّ المبدع رفيق الكامل «يختبر أنظارنا، ويترجم -بلا كلل – مشاعرنا وأحلامنا»، كما قال «جاك لانغ – J. Lang» وزير الثقافة الفرنسي الأسبق، والمدير الحالي لمعهد العالم العربي في «باريس»، مضيفاً، في شهادة خلال تكريمه؛ كون «إتقانه الأنيق للألوان وذكاء ملامحه، جعله أحد أكثر الرسّامين تأثيراً في المشهد الفنّي العربي المعاصر»(5).
فمن يرى فنّ هذا الرسّام المبدع سيدرك أن يده أتقنت، بالفعل، دروب التشخيص والتجريد، حيث أجاد الرسم والتصوير بمثل إتقانه للتعبير باللون والتحكُّم في تحوُّلاته البصرية فوق السند، بذكاء إبداعي نادر جعل لوحاته وتصاويره محطّ أنظار النُقَّاد والمتلقِّين. وسط هذه الدروب، تتوارى دلالات أيقونية عديدة؛ الأمر الذي يحتاج إلى أدوات خاصّة لاستيعاب المعاني بالشكل الذي نسجها فيه الفنَّان بإبداع واسع، وبمعرفة فنّيّة وافية.
في السنوات الأخيرة من عمره، تضاءلت النشاطات الإبداعية الخارجية للفنَّان رفيق الكامل؛ جرَّاء التعب والإعياء، قبل أن يعتزل وينهي مشواره الفنّي هادئاً، صموتاً ومعتكفاً داخل مرسمه الكائن في المرسى، غير بعيدٍ عن تونس العاصمة، إلى أن رحل رحلته الأبدية كبيراً مثلما عاش متواضعاً، وبقيت إبداعاته وجماليّاته الرَّاقية شاهدة على فنّه وإنسانيَّته..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هوامش:
1 – Zoubeir Lasram: Rafik El Kamel. Éditeur: Ceres- Tunis (1 janvier 2003).
2 – فاتح بن عامر: «رفيق الكامل: قضايا الفضاء التّشكيلي بين خطاب التّقنية وحسّية التّجريد ومقتضيات الانتماء»، مقتطف من من أطروحة «التجريد بتونس في الستينات والسبعينات: مبحث جمالي ونقدي» التي نوقشت يوم 8 أبريل/ نيسان (2005)، في المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس.
3 – خليل قويعة: «أسفار الرؤية ومدارات التجربة التشكيلية لدى الفنَّان رفيق الكامل»- مجلّة الحياة الثقافية، العدد (108) – السنة (24)، تونس، أكتوبر/تشرين الأول 1999.
4 – فاتح بن عامر مصدر سابق.
5 – واردة ضمن شهادة مؤرَّخة بتاريخ (16) مارس/ آذار (2021).

عز الدين المناصرة.. الشعر في استجلاء التاريخ البعيد

عاشَ الشاعر الفلسطينيّ عز الدين المناصرة (1946 – 2021) منفيًا عن أرضه مُبْعَدًا عنها، وهي المُفارقة التي تكشفُ عُمقَ الجُرح الفلسطينيّ بوَجه عامّ، وعمقَ غُربة الشاعر بوجه خاصّ. غربةٌ تردَّدت أصداؤها لا في نصوص الشاعر وحسب، بل أيضًا في حُلمه الأخير بأنْ «يُدفَنَ تحت دالية خليليّة قبالة البحر الميت»، كما لو أنّ النداء الذي به سمَّى مجموعته الشعريّة الأولى «يا عِنبَ الخليل» ظلّ مفتوحًا في الزمن، وممتدًّا بَعد الموت.

يكشفُ مسارُ الشاعر الراحل عز الدين المناصرة عن ثلاثة مَناحٍ مُتداخلة؛ أوّلها المنحى الشعريّ الذي به اقترنَ اسمُهُ بوَجه عامّ مُنذ ستينيّات القرن الماضي، وثانيها الانخراط في المُقاومة الفلسطينيّة إلى حدّ حمْل السلاح، في فترة مُعيَّنة، دفاعًا عن المُخيّمات وعن الجنوب اللبنانيّ، وثالثها الانشغال الصحافيّ والأكاديميّ، سواء في تحمُّل الشاعر لمَسؤوليّة التحرير في جرائد ومجلّات أم في اضطلاعه بمُهمّة التدريس الجامعيّ والتأليف النقديّ. لعَلّ هذا المسار، بمُختلف مناحيه وانشغالاته، هو ما جسّدَتْهُ، من جهة، تنقّلاتُ الشاعر في بلدان عديدة بعيدًا عن أرضه، وأضمرَتْه، من جهة أخرى، الأسئلة والقضايا الثاوية في إصداراته الشعريّة والنقديّة. وقد شهدَت هذه المناحي الثلاثة تفاعُلات حيَويّة سَرَتْ في وجهات نظره السياسيّة والثقافيّة وفي كتاباته الشعريّة، بل يُمكن عَدّ هذه التفاعلات عنصرًا مركزيًّا في فهْم رُؤيته للقضية الفلسطينيّة، وفي استجلاء تصوُّره الشعريّ وما أنجزتْه كتابتهُ الشعريّة وهي ترومُ تجسيدَ هذا التصوُّر نصّيًّا. فالبُعد الثقافيّ الذي وسَمَ مسارَ عز الدين المناصرة وشغلَ اهتماماته وتآليفَه شكَّل، إلى جانب قضية الأرض وفي تداخُل معها، مُوَجِّهًا رئيسًا للمَسلك الشعريّ الذي شقّتْهُ تجربتُه، إذ كان لهذا البُعد أثرٌ حيَويّ في تصوُّر عز الدين المناصرة للشعر، وفي اختياره المدارَ الذي اتّخذتْه قصائدُه في بناء الدلالة وفي المُقاومة من داخل الشعر. وكثيرًا ما تحوّلَ التوازي النقديّ والشعريّ في كتاباته، الذي جسّدتْهُ مُزاوَجتُه بين التأليف الأكاديميّ والكتابة الشعريّة، إلى تفاعل نصّيٍّ مُتشعِّب في ثنايا قصائده وطيّاتها، على نحو جعلَ هذه القصائد ذات حمولة ثقافيّة بيِّنة، بل إنّ المُوجِّه الثقافيّ فيها ذو امتدادات وتشعُّبات، حتى وإنْ ظلّ صامتًا وخفيًّا وراء الطابع الرّعويّ الذي وسمَ هذه القصائد.

لهذا التفاعُل، الذي شكّل عنصرًا بنائيًّا في شعر عز الدين المناصرة ملامحُ عديدة؛ منها المُحاورات النصيّة التي أقامتْها نُصوصهُ الشعريّة مع تجارب من الشعر العالميّ الحديث، ومع الثقافة العربيّة القديمة، ومع الأساطير الكنعانيّة والعربيّة بصورة خاصّة، على نحو حوّلَ علاماتٍ ثقافيّة وشعريّة وأساطيرَ كنعانية إلى مُرتكزات للبناء النصّي والدلاليّ في شعره، بما جعلَ هذا الشعرَ مُنطويًا على أصداء ثقافيّة عديدة. لعَلّ جانبًا من هذه المُحاوَرات هو ما تجلّى، مثلًا، في الحضور القويّ لاسْم امرئ القيس، ضمن أسماء أعلام أخرى عديدة في مُنجزَ الشاعر عز الدين المناصرة، انطلاقًا من حرْصِه على استدعاء هذا الاسم في سياقات عديدة بحمولات دلاليّة تقومُ على التحيين. غير أنّ الملمح الأقوى للتفاعلات النصّية في شعر عز الدين المناصرة تجسَّدَ بصورة واضحة في علاقةِ شعره بالتاريخ، وتحديدًا التاريخ الكنعانيّ، حتى ليُمكنُ اعتبار قصائد عز الدين المناصرة من المُتون الشعريّة التي تسمحُ لدارس الشعر العربيّ المُعاصِر بتعرُّفِ وَجهٍ من وُجوه الإشكاليّة المُعقَّدة التي تُثيرُها علاقة الشعر بالتاريخ، لأنّ نبرة عز الدين المناصرة الشعريّة تحدَّدَت بوَجه عامّ انطلاقًا من هذه المنطقة الكتابيّة، أي انشغال الشّعر بالتاريخ وبالحفْر في جذوره البعيدة، من جهة، واستثمار هذا الحفر، من جهة أخرى، في البناء النصّيّ، وفي بناء الرؤية إلى أرض فلسطين التي شكَّلت مدارَ العلاقة بين الشعر والتاريخ في نُصوص الشاعر.

لقد كانت المنطقةُ التي منها انتصرَ شعرُ عز الدين المناصرة للأرض مشدودةً إلى عُمق التاريخ الكنعانيّ الضارب في القِدم. من داخل هذا العُمق، كان الشاعر يَبني القصيدةَ، فيما هو يَبني، في الآن ذاته، الرؤيةَ إلى الأرض بوَصفها تاريخًا ذا جُذور مُوغلة في أدغال الزمن البعيد، ومُوغلة في أدغال الاجتماع الإنسانيّ بعلاقاته المُعقَّدة وتمثُّلاته. كانت اللغة الشعريّة في قصائد عز الدين المناصرة تبني صورةَ الأرض اعتمادًا على امتداداتها في الزمن وفق ما يُتيحهُ الشعُر لاستثمار هذا الامتداد، ولاستثمار جذور الاجتماع الإنسانيّ لأبناء الأرض، الذي يغدو هو الأرض نفسُها، لأنّها لا تنفصل عنه ولا ينفصل عنها. فقضيّة الأرض التي جمَعتْ على المُستوى الكتابي، في البدء، مَنْ عُرفوا بشعراء المُقاومة، حسب التوصيف الذي رسّخهُ غسان كنفاني، وشكَّلت نُقطة تقاطُعهم هي عينُها التي انطوَت على ما فرَّقَ بينهُم، لا فقط في تصوُّرهم للأرض ولاستشراف أفُقها، بل في طرائق بنائهم الشعريّ لقضيّتها، وفي الأسُس المعرفيّة لهذا البناء، وفي صيَغه الجَمالية. ضمن هذه الطرائق التي رسَمتْ لِمَنْ عُرفوا بشعراء المُقاومة سبُلًا شعريّة مُتباينة، شكَّلَ تاريخُ الأرض وما يَصلُها بجذورها البعيدة، التي تمتدّ قبل الميلاد بقُرون عديدة، المدارَ الكتابيّ الذي إليه انحازَ شعرُ عز الدين المناصرة، دون أن يكفَّ هذا الانحيازُ عن التبلْوُر والتوسّع في نصوص الشاعر منذ أن تبدَّت نواتُه في مجموعته الشعريّة الأولى أواخر ستينيّات القرن الماضي. إنّه المَدار الذي رسَم المسارَ الشعريّ عند عز الدين المناصرة في مُختلف الأطوار التي قطعتْها تجربتُه، إذ لم تنفصل هذه التجربة عن رهان شعريّ يستجلي التاريخَ الكنعاني الساري في أرض فلسطين، بما يُضيءُ الحضارةَ التي إليها تَنتسبُ هذه الأرض، ويستجلي عبر الصوَر الشعريّة هذا السريانَ في الموروث الشعبيّ لأبناء الأرض، وهو ما جعلَ قصيدة عز الدين المناصرة مُنطويةً على صيَغ عديدة لتفاعُل الماضي البعيد بالحاضر، وَفق ما يتطلّبهُ هذا التفاعلُ من معرفة بالتاريخ ومن قُدرة على تحويله شعريًّا، بناءً على ما يقتضيه الصَّوغ الشعريّ.

مُنذ مجاميع عز الدين المناصرة الشعريّة الأولى، بَدا حضورُ الأرض بصورة قويّة، لا في ثنايا القصائد وحسب، بل أساسًا في التسمية التي اعتمدَها الشاعرُ في وَسْم مجاميعه. بالأرض تسمَّت مجموعتهُ الشعريّة الأولى «يا عِنبَ الخليل»، 1968، وبما يُميِّزُ هذه الأرض تسمَّت مجموعتهُ الشعريّة الثانية «الخروج من البحر الميت»، 1969، قبل أن يتعدَّدَ هذا المُميِّزُ كي يَصيرَ تاريخًا مُمتدَّ الجذور، لن تكفَّ القصائدُ، على امتداد مسار الشاعر الكتابيّ، عن رَصْده في العلاقات الإنسانيّة لأبناء الأرض وفي مُتخيَّلهم وتمثلاتهم وأحزانهم وأحلامهم، بما يكشفُ عن التلاحم الرمزيّ بين الأرض وأهلها. لقد انحازَ شعرُ عز الدين المناصرة، مُنذ البدء، إلى الأرض، ولكن لا بوَصفها فضاءً جغرافيًّا، بل بوَصفها تاريخًا يَصونُ ذاكرَتهُ البعيدة في أشدِّ التفاصيل الحياتيّة لأهل الأرض، مُمتدًّا في لهجاتهم، وفي طقوسهم الحياتيّة، وفي علاقاتهم وتمثّلاتهم، التي اتّخذ منها الشاعرُ مادّةً لاستجلاء أصداء التاريخ وللحفْر فيه عبْرها. ومن ثَمَّ، بقدْر ما تُتيحُ قصائدُ عز الدين المناصرة الاقترابَ من أحَد وُجوه العلاقة المُعقَّدة بين الشعر والتاريخ، تُتيحُ في الآن ذاته مُصاحبةَ التداخُل والتشابك بين الجغرافيا والتاريخ والكيفيّة التي بها يَسري الثاني في الأولى لتكُفّ بامتداده فيها عن أن تكونَ مُجرّد مساحة أرضيّة. اِنطلاقًا من قضايا هذا التشابك، كانت قصيدةُ عز الدين المناصرة تبني عالمَها الشعريّ الذي ظلّت تتردّدُ فيه أصداءُ التاريخ الكنعاني البعيد. أصداء تجلَّت، عبْر الشعر، مُتجذّرةً في تفاصيل الجغرافيا وفي مَعيش مَن سَكنَها وسكنَتْهُ في الآن ذاته.

بين الجغرافيا والتاريخ من الوشائج ما يَجعلُ الأولى ذات ذاكرة تحملُها في كلّ مُكوِّناتها، فهو ما يَصنعُ ذاكرتَها وجذورَها الرمزيّة وتكوينَ مُتخيّلها، ويجعلُ ممّا يَصنعهُ في كلّ تفاصيلها مُقاومةً صامتةً لكلّ طمْسٍ يرومُ مَحوَ المُتجذِّر في هذه الجغرافيا، أي محو امتدادها في التاريخ وحتى في ما قبل التاريخ. فتجذُّرُ التاريخ في الجغرافيا هو ما يمنحُها صلابَتها الرّمزيّة ويمنعُ ما تجذَّرَ فيها من الاقتلاع والاجتثات، لأنّ ما تجذَّرَ فيها حياتيًّا ورمزيًّا هو ما يصنعُ تمثُّلات أبنائها وعلاقاتهم وأحلامَهم. من هنا تتكشّفُ المُقاومة التي يُتيحها التاريخ للأرض، ضدًّا على كلّ تحريف وتزوير. إنّها المقاومةُ بما تكوّنَ في الزّمن، وبما يَمنعُ الأرضَ من أن تُفصلَ عمّا تجذَّر فيها وعمّا يَجري في تفاصيلها، اجتماعًا وتمثُّلًا وألمًا وفرحًا وحُلمًا.  لعَلّ هذا التصوُّر عمّا يَصلُ الجغرافيا بالتاريخ هو أسُّ الرّهان الثقافيّ الذي نهضَتْ به قصيدةُ عز الدين المناصرة وهي تختارُ بناءَ نبرَتها اعتمادًا على الحفْر في التاريخ الكنعانيّ المُحصِّن للسرديّة الفلسطينيّة من كلّ تَزوير ومن كلّ اختطاف، لأنّ ما يَعتمدهُ الاستعمارُ في سلْب الأرض ينطلقُ من طمْس التاريخ واختلاق سرديّة تنهضُ على الأكاذيب. إنّه التحصين الذي به آمنَ الشاعر عز الدين المناصرة وحرصَ على صَوغه شعريًّا عبْر تفاصيلَ اقتضاها عملُ القصيدة وهي تنْبَني على التاريخ، وبه تبْني، في الآن ذاته، الدلالة الشعريّة، أي الرّؤية الشعريّة إلى الأرض. فقد كانت المُقاومة الشعريّة التي اضطلعَت بها قصيدةُ عز الدين المناصرة ذات بُعد ثقافيّ راهنَ على التاريخ، إذ تحدَّدَت المسؤوليّة الشعريّة في هذه القصيدة انطلاقًا من العمَل على ترسيخ سرديّة تقومُ على الكشْف عن الجذور الكنعانيّة السحيقة لأرض فلسطين.

في ضَوء هذا التصوُّر العامّ لعلاقة الجغرافيا بالتاريخ، يُمكنُ قراءة رهان الشاعر عز الدين المناصرة على التاريخ الكنعانيّ في بناء قصيدته ورَسْم المنطقة الشعريّة التي منها أنتجَ المعنى ونحتَ نبرتَهُ الخاصّة. فقد ربطَ الشاعر عز الدين المناصرة قصيدته بمُقاومةٍ تستجلي الذاكرةَ البعيدةَ للأرض، وذلك بالحفْر في الجذور الكنعانية التي تمتدُّ حتى إلى ما قبل التاريخ. وهو المُوجِّه الذي يُفسّرُ انشغال قصيدته بالموروث الشعبيّ، بوَصف هذا الموروث سيرورةَ تكوينٍ تحقّق في التاريخ مُنذ زمنٍ ضارب في العتاقة، لذلك كانت أصداءُ هذه السيرورة أثرًا حرصت قصيدةُ عز الدين المناصرة على اقتفائه واستجلائه عبر دوالّها وصوَرها وإشاراتها. فقد كانت قصيدتهُ مُضمِرةً، حتى في غنائيّتها، لحفْر صامت في البعيد، لذلك كانت الأصداءُ التي تُسْمِعُها القصيدةُ قادمةً من البعيد السحيق الذي اتّخذَتهُ مكانًا للحفْر.

إذا كان شعرُ عز الدين المناصرة قد لفتَ قُرَّاءَهُ ودارسيه إلى نبرةٍ ثقافيّة تجلّت بوَجه عامّ في التفاعلات النصيّة وفي أصداء التاريخ الكنعاني، بما هو عنصرٌ حيَويٌّ استثمرَتْهُ القصائد في إنتاج المعنى وفي بنائها لصورة الأرض، فإنّه لفتَ، فضلًا عن ذلك، إلى خصيصة في بنية اللغة التي بها تحقّقَ هذا الشعر، تجلّت في إدماج الشاعر عز الدين المناصرة ألفاظًا عاميّة في شعره وحرصه على «تفصيحها». لم تكُن هذه الخصيصة عرَضيّةً في شعره، بل شكّلت عُنصرًا في بنية لغته، على نحو تبدَّى من سَريانها في مُعظم قصائده، بصورة تدعو إلى التأمّل والتأويل. إذا كان استثمارُ الكلمات العامية في شعر عز الدين المناصرة مُشْرعًا على دراسات دقيقة لاستجلاء وظائفه البنائيّة والدلاليّة، فإنّه يسمحُ، في سياق علاقة الشعر بالتاريخ واستثمارِ الأوّل للثاني، بتأمّله عبْر افتراض الوشيجة التي تَصِلهُ برِهان قصائد الشاعر على التاريخ الكنعاني. يتأتّى هذا التأمّل بالانطلاق من عدِّ العاميّة جُزءًا مِن الموروث الشعبيّ، على نحو يسمَحُ بالنظر إليها بوَصفها مُنطويةً على أصداء التاريخ البعيد مثلما تنطوي باقي عناصر الموروث الشعبيّ على هذه الأصداء. فاستثمارُ التاريخ في الشعر يَحتفظ بما يُميّزه، وبما يمنعُ التاريخ من أن يحضُر في القصيدة عبْر وقائع وأحداث أو عبر تسلسل كرونولوجيّ وإلّا كفّ الشعرُ عن أن يكون شعرًا، لذلك كان استثمارُ عز الدين المناصرة للتاريخ الكنعانيّ شعريًّا يمُرُّ عبْر الأساطير والعلامات، ويتحقّقُ اعتمادًا على إدماج الموروث الشعبيّ الذي هو الحافظ لصدَى ما تَغلغلَ في وجدان أبناء الأرض، وهو أيضًا ما يَمتدّ في اللغة العامية التي تحملُ في أصواتها الأثرَ الكنعاني البعيد. ومن ثَمَّ، كانت الكلمات العاميّة في شعر عز الدين المناصرة جُزءًا من بناءِ اللغة الشعريّة، وعُنصرًا لإسماع الصّدى الكنعاني البعيد في القصائد. إنّه الاستثمارُ الذي يَضمنُ للمُقاومة صفَتَها الشعريّة وبُعدَها الجماليّ.

إنّ اختيار الشاعر عز الدين المناصرة الوَشيجة التي تصلُ الأرضَ بالتاريخ منطقةً لإنتاج الشعر وإنتاج المعنى أتاح لهُ أن يَشقّ مسارَ كتابته اعتمادًا على ملمح شعريٍّ اقترنَ باسمه. وقد كانت المنطقة، التي منها كتبَ الشاعر، تُغْني تجربته وتخلقُ في نصوصه تفاعلات بين الحاضر والتاريخ، فيما هي تولِّد، في الآن نفسه، أسئلةً خَصيبة. لربّما ما أضاءَته تجربة عز الدين المناصرة الشعريّة هو الامتدادات التي كشفتْها في العلاقة بين التاريخ والأرض، إذ كشفَت أنّ الأرض ليست هي فقط المُتجذِّرة في التاريخ، بل هو أيضًا مُتجذِّرٌ فيها، لأنّ الإقامة في الأرض نَسبٌ تاريخيّ، لا ينفصلُ فيه الرَّمزيّ عن الماديّ. هكذا كان انشغال شعر عز الدين المناصرة بالمكوّن الكنعاني في الهويّة الفلسطينيّة مُقاومَةً تتصدَّى لتزييف التاريخ. مقاومةٌ اختارَت الموروثَ الشعبيّ بوصفه خزّانًا رمزيًّا للتاريخ، فيه تكفّ كلُّ عناصر الأرض عن أن تكون عناصرَ ماديّة وحسب، لتتحصّن بذاكرةٍ تسري في مختلف تفاصيل الحياة التي يعيشها أبناء الأرض. بهذا المعنى، تحضرُ عناصرُ الأرض في شعر عز الدين المناصرة مُتشابكة بالرَّمزيّ فيها؛ يَحضر الحجرُ والجبال والكروم والبحر الميت وغيرها من العناصر موشومةً بالرَّمزيّ السحيق، بل يحضرُ كلّ ما يَسِمُ قصيدةَ عز الدين المناصرة بصفةِ الرَّعويّ مُتشابكًا مع حياة الناس وأحلامهم، أي مُتشابكًا بما لا يقبلُ الاقتلاع.

لقد أنجزَتْ قصيدة عز الدين المناصرة مقاومتَها اعتمادًا على منطقة شعريّة تُنصتُ للسحيق وتقتفي السّلالات البعيدة في التفاصيل. من داخل هذه المنطقة الشعريّة، حرصَت قصيدتُه على استجلاء تجذُّر التاريخ في الأرض وتجذُّر الأرض في التاريخ، ترسيخًا لذاكرة الأرض وصَونًا لسرديّة مُستمدَّة من شرعيّةِ التاريخ السحيق. في الرهان على هذا التجذُّر المُضاعَف وفي صَوغه شعريًّا، عاشَ الشاعر عز الدين المناصرة منفيًا عن أرضه مُبْعَدًا عنها، وهي المُفارقة التي تكشفُ عُمقَ الجُرح الفلسطينيّ بوَجه عامّ، وعمقَ غُربة الشاعر بوَجه خاصّ. غربةٌ تردَّدت أصداؤها لا في نصوص الشاعر وحسب، بل أيضًا في حُلمه الأخير بأنْ «يُدفَنَ تحت دالية خليليّة قبالة البحر الميت»، كما لو أنّ النداء الذي به سمَّى مجموعته الشعريّة الأولى «يا عِنبَ الخليل» ظلّ مفتوحًا في الزمن، وممتدًّا بَعد الموت.

جماليّة الخيبات في رواية «حبس قارة»

«حبس قارة» عنوان الرواية الجديدة للكاتب والأكاديمي المغربي سعيد بنسعيد العلوي (المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء – بيروت، 2021). عنوان يحيل على سجن أسطوري، بناه، في القرن الثامن عشر، السلطان مولاي إسماعيل بمدينة مكناس، انتسجت عنه، في المخيال المغربي، نوادر وحكايات.

لأوَّل وهلة، قدّرتُ، بالتخمين، أن «حبس قارة» سيكون فضاءً مركزيّاً تدور فيه أحداث الرواية. لكن توقُّعي هذا أخذ يتلاشى، شيئاً بعد شيء، كلّما تقدّمتُ في القراءة، ليس لأن الرواية عمدت إلى اتخاذ أفضية أخرى مسرحاً للأحداث فحسب، بل، أيضاً وخاصّةً، لأنها لم تجعل من فضاء الحبس موضوعاً حصرياً لخطابها الوصفي والسردي.

بالفعل، تدور كلّ الأحداث المحكيّة، أساساً، في مدينَتْي طنجة، ومكناس، من خلال نظرة الرسَّام الفرنسي «أوجين دولاكروا» (1863-1798) المنبهرة إلى الطبيعة الخلّابة فيهما، وإلى عادات السكّان وطقوسهم الاحتفالية، وإلى بنياتهم الذهنية ورؤياتهم للعالم. وتكاد الفصول المرصودة لهذا الموضوع تحتلّ نصف الرواية، البالغ عدد صفحاتها (325) صفحة. تنضاف إلى هاتين المدينتين، وفي صفحات قليلة، مدينة «وليلي» الأثرية المغيرة، التي ستكون عرضةً لحدث غير متوقَّع، لا يخلو من غرابة محيِّرة، وهو ما اقتضى صفحات قليلة. وستستأثر شخصية عبد الجبار، السارد الثاني، بباقي الفصول، مستعذباً حياته وسط الأسرة، أو غارقاً في مونولوجات داخلية، أو مرخياً العنان لذكرياته، أو متفرِّغاً لاهتماماته البحثية الأكاديمية؛ ما يعني، إذن، أن حبس قارة لا يؤدّي أيّ دور في بناء المتخيّل الحكائي للرواية.

كما أن الحبس نفسه لم يحظَ، في الرواية، بأيّ خطاب توثيقي واستدلالي يستعرض فيه كلا الساردَيْن، من حيث هما سلطتان علميَّتان جديران بالثقة، أسيقة بنائه التاريخية، والغايات الأمنية والأيديولوجية من تشييده. كلّ ما يعرفه القارئ عنه هو متناثر، بالصدفة، في أنحاء الرواية من خلال ما تلوكه ألسنة الشخصيات من خرافات وإشاعات وتكهُّنات غير متيقَّن من صحّتها. فبين زاعم أنه «سجن العفاريت العامِّيّة» (ص24)، ومؤكِّد أن «له سراديب وامتدادات في جوف الأرض، حيث لا تسمع سوى فحيح الأفاعي وهمس العفاريت، وأعين الشياطين تلتمع في الظلام» (ص75)، ومتطيّر يقول إنه «سجن يضاهي سطح الأرض والعياذ بالله» (ص238)، ومُدَّعٍ أن «ما تحت الأرض ليس سجناً، وإنما هو عالم ينتشر شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، ينغرز في أحشاء المدينة» (ص288) – بين هؤلاء وسواهم من الغوغاء، تضيع حقيقة حبس قارة!.

ألا يحقّ للقارئ، والحال هذه، أن يستغرب كيف أمكن للمؤلّف ألّا يمحض هذا الحبس التاريخي الملغز ما يليق به من اهتمام، لاسيَّما أنه اختار، بسبق تصميم، أن يُعَنْوِن روايته باسمه المهيب، مهيِّئاً قارئه المفترض إلى ارتياد فضاء يَعِدُهُ بأسرار ومفاجآت كفيلة بإرضاء فضوله المعرفي؟ ألم يكن حريّاً به عدم خذلانه بإحباط أفق توقُّعاته؟

هذه كانت، إذن، خيبتي الأولى، التي ستعقبها خيبات أخرى لا تقلّ عنها أثراً حاسماً في تكييف قراءتي لهذه الرواية.

لكن، ما الذي جيء بالرسَّام الفرنسي «دولاكروا»، فجأةً، إلى المغرب الذي لا يعرف عنه شيئا؟ أيّ سرّ أغراه بترك مرسمه في وقت كان يزهو فيه أيَّما زهو بكون لوحاته الباذخة كانت، بحسب النُقَّاد، إيذاناً بتَبْلور المدرسة الرومانسية في فنّ التشكيل الفرنسي، والعالمي؟.

محض صدفة ما جعله يشدّ الرحال إلى أرض المغرب؛ ذلك أن السلطان مولاي عبد الرحمان أوجس خيفةً من فرنسا التي احتلَّت الجزائر في (1830)؛ ما جعله يرسل قوّاته إلى الحدود معها درءاً لكلّ خطر اجتياحي محتمل؛ ما أدّى بملك فرنسا، آنذاك، لوي فيليب، إلى إيفاد بعثة دبلوماسية إلى المغرب بقيادة «الكونت دومورني» من أجل طمأنة السلطان على مملكته، وإبرام اتفاقية سلام معه تضمن حياد المغرب. وشاءت الصدفة أن تعرض عشيقة «الكونت دومورني»، على الرسَّام الشهير، أن ينضم إلى البعثة، وهي عادة دأبت عليها فرنسا في بعثاتها الدبلوماسية وحملاتها العسكرية الاستطلاعية، حيث كانت تحرص على أن يرافقها كتَّاب وفنَّانون بمهمّة تدوين مشاهداتهم، وتوثيق استكشافاتهم.

وقد كان لإقامة الرسَّام بالمغرب، من يناير/كانون الثاني إلى يوليو/تموز (1832)، مفعول الصعقة الانفعالية القويّة التي فتحت عينيه على جمال المغرب وروحانيته، بما هي عوامل تخصيب لخياله، سيكون من آثارها الحاسمة، كما اعترف بنفسه في مذكراته، القطيعة مع المدرسة الكلاسية في فنّ التشكيل، السائدة منذ عصر النهضة. كيف لا، وقد أصابه المغرب بلفحات من دفئه، ونفحات من شمسه ستضيء ألوانه، بقدر ما ستجعله يقطع، كذلك، مع حركة الاستشراق التصويري المزدهرة في القرن التاسع عشر؟. «ما أبعد طنجة عن (…) تلك العوالم التي ترسمها ريشة الرسَّامين (…) عن سحر الشرق (…). الشرق ذاك غريب عن طنجة، ليس يشبهها في شيء، لا تمتّ إلى طنجة بشيء. طنجة كتاب عارٍ مكشوف. غير أن فيها ما لا يدرك (ص 86).

ولهذا، ليس غريباً أن يطوي النسيان، نهائياً، المهمّة الرسمية التي انتُدِب من أجلها. ألم يعترف هو نفسه، صراحة: «إن الشأن (في المهمّة) لا يعنيني (…) فليس هذا ممّا يكدر صفوي أو يُذهِب النوم من عيني» (ص 285)، فالرواية لا تلتفت إليه إلّا وهو متفرّغ، تماماً، إلى إيداع كناشاته الصغيرة، ومشاهداته، وشوارده، وسوانحه بما هي عناصر خام للوحاته. ومن ثَمَّ، إن انسحابه من المهمة بطريقة لم تبررها الرواية، كان مصدر خيبتي الثانية.

ولن تقلّ عنها شدّةً خيبة أخرى غير أخيرة كانت هذه المرّة بسبب عبد الجبار، السارد الثاني في الرواية؛ فباستثناء إشارات متفرِّقة إلى حياته وسط أفراد أسرته، فإن صورته المهيمنة في النصّ هي أنه طالب جامعي بالغ الجدِّيّة، تشغل باله أمور تحضير بحث لنيل شهادة الليسانس في التاريخ، يتعلَّق «بالضبط بحياة السجناء الأوروبيين في حبس قارة» (ص 49)، ولكي يكون جديراً بثقة أستاذه المشرف فيه، اضطرّ إلى الاطِّلاع على عدد كبير من الكتب والوثائق والمخطوطات، باللغات؛ العربية، والفرنسية، والإنجليزية، وإلى استقصاء كثير من التقاييد والمستنسخات والخرائط والروايات الشفوية والقطع النقدية. وهو ما جعله، في مناجاة لذاته، يقول بغير قليل من «الزهو الباطني»: «لا شكّ في أنك، يا عبد الجبار، ستحظى من الأستاذ المشرف، ثم من لجنة المناقشة، بعد ذلك، بما سينقلك إلى مستوًى عالٍ جدّاً. سيرفع ذكرَك البحثُ عالياً. سيفتح أمامك طريق البحث العلمي، فتمضي فيه غير هيّاب ولا متردِّد» (ص 48)، لكن المفاجأة التي لم أكن أتوقُّعها، وستكون سبباً في خيبتي الثالثة، هي أن هذه الأماني كانت مجرَّد أضغاث أحلام لم تجعل منه هذا الباحث المأمول، حيث سيتخلّى عن مشروع البحث بدعوى عدم أهمِّيته: «تافه جدّاً، سخيف كلّيّةً، ساذج تماماً، شأن البحث والنقطة والامتحان».

سعيد بنسعيد العلوي

وكما لو أن الحنين إلى عالم البحث قد استبدّ به، بعد شهور، سيقرِّر الاهتمام، هذه المرّة، بالحياة اليومية لـ«أوجين دولاكروا» في مكناس، باعتبار هذا الرسَّام «هو قدرك، أحببتَ أم كرهت، يا عبد الجبار، الذي لا تملك أن تفلت منه»، وهي اللازمة التي سيظلّ صديقه عبد الحميد يرددها عليه (ص: 143 – 145 – 151 – 325). لكنه سرعان ما سيعاكس هذا القدر، حيث لم يتمخَّض البحث عن أيّ شيء تذكره الرواية، وسيكون تكتُّمها على السبب مصدر خيبتي الرابعة.

وسينصحه صديقه، على أثر هذا الفشل، بالضرب صفحاً عن البحث التاريخي، وشجونه: «ما رأيك، يا عبد الجبار، لو قذفت بكلّ كتب التاريخ في النار، وعكفت على كتابة رواية؟ أقسم بالله أنك ستكون، نوعاً ما، «بلزاك» المغرب، حتى ولو لم تكن قد نشرت حتى الآن نصّاً واحداً. الجنون لذيذ، يا عبد الجبار، فهل تكره أن تكون مجنوناً؟ المجانين هم، دون غيرهم، العظماء، حقّاً، في هذا الوجود» (ص.148). وسيكون خامس الخيبات هو أنني لم أعثر، في الرواية، على ما يفيد أنه عمل بنصيحة صاحبه.

أمّا السادسة، فهي أن عبد الجبار، وبفعل نزوة خرقاء لم أتوقَّعها، بل ولم تسعفني الرواية بما يعينني على فهمها، سيصبح- يا للعجب العجاب!- مرشداً سياحياً في مكناس. كان هذا، فعلاً، منتهى الجنون، لكنه لم يجعل منه شخصاً عظيماً في الوجود، بل متّهماً في قضيّة قد تقود إلى اعتقاله وسجنه في حبس قارة، بالذات. والحكاية وما فيها هي أن رجلاً إنجليزياً، اسمه «مستر سميث»، حَلّ بمكناس بحثاً عن مرشد سياحي يرافقه إلى مدينة «وليلي» الأثرية، لكي يساعده على استكشاف مآثرها الرومانية، وتحديد المواقع والمناظر التي ستكون خلفيّة مكانيّة لشريط سينمائي، فكان أن وقع الاختيار على عبد الجبار. لكن ما حدث هو أن «مستر سميث» هذا اختفى فجأةً، ودون سابق إشعار، في اليوم نفسه الذي اختفى فيه تمثال «باخوس»، عرّاب «وليلي»، بطريقة غير مفهومة كذلك. وستحوم الشكوك- أوّلاً- حول المستر سميث الذي لم يظهر له أثر، ثم- ثانياً- حول مرافقه عبد الجبار الذي سيتمّ اعتقاله واستنطاقه. وستنتهي الرواية بالإفراج عنه، بعد أن عاد «باخوس» إلى الظهور في مكانه الأصلي بكيفية لا تقلّ إلغازاً.

هي، إذن، ثلاثة مشاريع؛ بحثية، وأسرية، ووجودية، تَقلَّبَ بينها عبد الجبار، دون أن يحالفها النجاح، بل من غير أن تكشف الرواية عن أسباب فشلها.

استراتيجية التخييب

يقول «كلود سيمون»: «إن روايةً لا تعمد إلى تخييب كلّ مِن جنسها الجامع وانتظارات قرّائها، ليست رواية». فيا لحسن حظّ رواية سعيد بنسعيد العلوي!، فهي تتلاءم مع هذا الحكم القطعي، الصادر عن أحد أبرز كتَّاب «الرواية الجديدة» في فرنسا، الذي اشتُهرت رواياته بالضبط، تلك التي خوَّلته أن يحرز جائزة «نوبل» للآداب في (1985)، بحسن تدبيرها لاستراتيجية التخييب هذه (la déception)!.

لقد قامت «حبس قارة» بتخييب جنسها الجامع مرَّات عديدة، وفي كلّ مرّة بكيفية مختلفة. فلقد عمدت إلى خرق أحد أركان الرواية الكلاسيّة المحافظة، وهو التماسك. فهي عبارة عن توليفة غير منسجمة، قوامها محكيّات متراكبة ومتناوبة متنافرة؛ شكلاً وأسلوباً وتخييلاً. يعود بعض هذه المحكيّات على الرسَّام «دولاكروا»، الذي هيَّمَه عشق المغرب حدّ الهوس، ويعود بعضها الآخر على عبد الجبار، الذي مُنِيَت مشاريعه بالفشل، وبعضها الأخير على لغز اختفاء تمثال «باخوس»، ثم ظهوره من جديد.

ثم إن الرواية عرّضت كلّاً من هذه المحكيات المتنافرة إلى تشظية دقيقة، أسفرت عن تشكّل النصّ الكلّي من متواليات سردية، ليست من غير أن تذكّر القارئ بالجمالية الشذرية في روايات الحساسية الجديدة. وتوجد بين هذه المحكيّات نفسها علاقة اكتناف وتنافذ، علاقة تباعد وتنابذ، تجعل أحدهما متضمَّناً في الآخر بالتناوب، وهو ما يعطل السريان الأفقي الانسيابي المعتمد في الشكل الكلاسيّ.

ويترجّح، عندي، أن المؤلِّف قد اطَّلع على مذكِّرات «أوجين دولاكروا» بالمغرب، وكذا على مراسلاته مع صديقه «بييري»، وعمَد عمداً، أي من غير نيّة انتحالية، إلى تضمين أجزاء كبرى منها في روايته، منقولة- بعناية- إلى اللُّغة العربيّة، ومن غير إشارة إلى مصدرها أو إلى صاحبها؛ وهو ما يجعل من نصّ «حبس قارة» فسيفساء من النصوص المتداخلة فيما بينها. وهذا يذكّر القارئ، حتماً، كذلك، بتقنية الكولاج الحداثية الشهيرة عند الرسَّامين التكعيبيِّين والدادائيِّين، الذين كانوا يرصِّعون أقمشة لوحاتهم الزيتية بتصاوير وقصاصات جرائد، ورقع ثوب أو جلد، وسوى هذا من الموادّ الجاهزة والمتنافرة، وذلك بغاية تخييب أوهام وحدة النصّ التشكيلي وشفافيَّته واستكفائه بذاته، والاحتفاء، عوض هذا، بانفتاحه على أشكال وشيفرات سيميائية أخرى ليست من جنسه.

وإذا أضفنا إلى هذه الربيكة المدوِّخة من عوامل التنافر واللاتجانس، أن الرواية تتباهى، أخيراً، بافتقارها إلى نواة حكائية صلبة تكون بمثابة حبكة درامية موحَّدة ومشتركة بين محكيّاتها، فسنكون قد استوفينا أشكال خرقها لنسَقها الأجناسي الجامع، ويكون مفهوم التخييب نفسه قد تحوّل إلى تخريب وتجريب، بالمعنى الاصطلاحي للكلمتَيْن، الدالّ على إستراتيجية فنِّيّة عقلانية، تروم تحصيل حداثة نصّية تزدهي بكلّ ما لا يوحي بالاتِّساق والائتلاف.

أمّا عن دلالة «التخييب»، في علاقته بأفق انتظار القارئ، فالظاهر أن «حبس قارة» يحلو لها أن تناصب مَنْ دَعَته مرَّات عديدة، بـ«قارئها المفترض» إحباطاً تلوَ إحباط. فمن خلال تشريح النصّ، يكون قد اتِّضح أن محكيّاته، وما تناسل منها من متواليات، تُعاكس تطلُّعه إلى معرفة تطوُّر الأحداث المحكيّة ومآلاتها، لأن الأصوات المتناوبة على السرد تعمَّدت أن تبقيها بدون منافذ أو- بالأحرى- أن تتركها مشرَّعة على خواء. وهو ما يتجافى ظاهرياً مع الحسّ السليم، ويتنافى- في العمق- مع الجمالية الكلاسيّة نفسها، التي تحرص على أن تكون الأحداث مفضية، عادةً، إلى نهاية سعيدة أو نهاية شقيّة. وهذه تقنية دأبت نصوص الحساسية الروائية الجديدة على توظيفها؛ بقصد استفزاز القارئ وتخييب توقُّعاته، ثم تحريضه على التدخُّل، تأويليّاً.

فمحكيّات «أوجين دولاكروا»، مثلاً، تزدان بنسيج من البياضات التي تنبض بهذه الأسئلة: هل تمَّت إقالة الرسَّام، أم استقال، تلقائياً، من البعثة الدبلوماسية الفرنسية إلى المغرب؟، بل ما هو مصير رغبة فرنسا في عقد اتفاقية مع المغرب تضمن لها حياده في احتلاله للجزائر؟ وإذا ما أبرمت هذه الاتَّفاقية، ما هي مغانم المغرب، ومنافعه منها؟، ثم لماذا حرصت عشيقة «الكونت دومورني»، قائد البعثة، على أن يرافقها «دولاكروا» في الرحلة إلى المغرب؟ هل كانت بينهما مغامرة ما؟ وهل تزوَّج بالمغنيّة «سيلفانا حاييم» أم لم يتزوَّج بها؟

كما أن محكيّات عبد الجبار لم يفُتْها أن ترصِّع جسدها بِصُمُوتٍ تتطلَّع إلى من يستنطقها، من قبيل: هل تكون لعنة حبس قارة المشؤوم قد أصابته، حين أراد الدخول إليه، تمهيداً لبحثه الجامعي حول حياة الأسرى الأوروبيِّين فيه؛ وهو ما جعله ينصرف، نهائيّاً، عن مشروع البحث؟ هل يكون قَدَر «أوجين دولاكروا» الذي يلاحقه، هو ما جعله يستبدل موضوع الحياة اليومية للأسرى الأوروبيين في الحبس، بموضوع الحياة اليومية للرسَّام الفرنسي في مكناس؟ ولماذا تحاشت الرواية الكشف عن نتائج هذا البحث؟ وهل استجاب إلى رغبة صديقه عبد الحميد في أن يتحوَّل إلى كاتب روايات؟، ثم كيف يمكن لباحث أكاديمي في التاريخ أن يتحوَّل دون تبرير إلى مرشد سياحي؟، وما هو مصير الشريط السينمائي حول «وليلي»؟، ولماذا اختفى مخرجه المستر «سميث»، فجأةً، عن الأنظار؟

أمّا المحكيّات المتعلِّقة بتمثال «باخوس» هذا، فلا تمثِّل استثناءً لقاعدة تكتُّم الرواية عن التفاصيل، حيث تخلَّلتها هي، كذلك، ثقوب تطفح بهذه الأسئلة: كيف تَمَّ اختفاء «باخوس»؟، وهل هو محض اتَّفاق أن يختفي المستر «سميث» والتمثال في يوم واحد؟، وما هي نتائج البحث عن «باخوس» الذي باشرته، بأمر ملكيّ، كلّ من الأنتربول واليونسكو ولجنة بحث وتحرٍّ عليا؟، وما السرّ في عودة التمثال، بقدرة قادر، إلى مكانه الأصلي؟

يتأكَّد، إذن، أن الرواية لا تريد، عن قصد، أن تشفي غليل القارئ لمعرفة مصير مجريات الأحداث. فبالاستناد إلى نظرية جمالية التلقّي (ياوس، إيزر) وسيميائية القراءة (بارث، إيكو)، سنقول إنها عمدت إلى تجهيز ذاتها بفيض من مواقع اللاتحديد، باعتبارها عوامل إحباط تعرِّض القارئ- حتماً- لخيبات أمل تشعره بالخذلان. لكنه- وهنا مكمن أصالة التخييب كخطة إنتاجية مبرمجة- عوض أن يستكين ويقرّ بهزيمته حيالها، يستوعب هذه الخيبات على نحو إيجابي، إذ يجعل منها، بالضبط، عوامل تخيُّل وإبداع، ومن ثَمَّ وسائط تجاوز؛ بهذا المعنى، تكون جميع الخيبات والإحباطات التي تعرَّض لها فرصاً مواتية نادرة ليثبت ذاته قارئاً غير سلبي.

تاريخ التعب: من العصور الوسطى إلى حاضرنا

شهد عصرنا الحالي امتداداً غير مسبوق للتعب، الذي بدا إمكان كبحه أو حتى تطويقه، صعب للغاية. يمتدّ هذا التعب من مكان العمل إلى المنزل، ومن أوقات الفراغ إلى السلوك اليومي. تعدَّدت أشكاله مع مرور الوقت، وتعدَّدت معها التفسيرات والتبريرات، متَّخذة مجموعة من المظاهر التي تعبِّر عن الكسل والإنهاك والإرهاق الذهني والإجهاد البدني والألم … وقد يزداد الأمر تفاقماً إلى درجة «متلازمة التعب المزمن».

شكَّل هذا الموضوع محور عمل «جورج فيجاريلو – Georges Vigarello»، الذي سلَّط فيه الضوء على التعب، من خلال تقديم عرض تاريخي وفلسفي وأنثروبولوجي وسيكولوجي في كتابه «تاريخ التعب: من العصور الوسطى إلى حاضرنا – Histoire de la fatigue : Du Moyen Âge à nos jours» الصادر، مؤخّراً، عن دار النشر «سوي». ويُعَدّ «فيجاريلو» مؤِّرخاً وأنثروبولوجيّاً متخصِّصاً في القضايا المتعلِّقة بالصحّة والجسد، وتأثيرهما على ثقافتنا عبر الزمن، كما يشغل منصب مدير مدرسة الدراسات العليا في العلوم  الاجتماعية (Ecole des Hautes Etudes en Sciences Sociales)، نشر العديد من الكتب، بتعاون مع «آلان كوربين – Alain Corbin» و«جان جاك كورتين – J – J Courtine»، أبرزها: «تاريخ الجسد» (2006)، و«تاريخ الرجولة» (2011)، و«تاريخ العواطف» (2016).

من الناسك المنهك إلى المسؤول التنفيذي المرهق

كيف اختبر الغرب موضوع التعب؟ وكيف وصفوه، وفكروا فيه؟ بأيّة وسائل حاولوا علاجه والتغلُّب عليه؟، وكيف أسهم الإقرار التدريجي بمفهوم التعب، في تشكيل حياتنا، وعلاقاتنا بالجهد، وتنظيم العمل؟

يتتبَّع «جورج فيجاريلو» كلّ ذلك، من العصور الوسطى إلى حاضرنا، ويستند، في تحقيقه هذا، إلى عدد من القصص الدينية، والعسكرية، والعلمية، والثّقافيّة، وقصص التقنيات، والحساسيات، والأفكار، والأدب، ومجموعة من الوثائق المعروفة والأرشيفات النادرة، في محاولة للإجابة عن أسئلة، ظلَّت تؤِّرق الجميع لقرون، ولنفض الغبار عن تاريخ للتعب، ما زال يلفّه الكثير من الغموض.

يشير الباحث إلى أن الشعور بالتعب والإرهاق يختلف من عصر إلى آخر؛ ففي العصور الوسطى، عُدَّ تعب الحاجّ المنهك الذي يشقّ طريقه بين الجبال، للوصول إلى الدير أو الخلوة، عبادة، كما عُدَّ تعب المقاتل في المعارك تعباً نبيلاً، في حين قُوبل تعب المزارع في الحقول بنوع من الازدراء، وقد تطلَّب الأمر تطوُّراً بطيئاً لتتغيَّر هذه النظرة. أمّا في القرن التاسع عشر، ومع ولادة المجتمع الصناعي، فقد عُدَّ إرهاق العمال موضوع تقييم ومحاولة تبرير، غير أنه، في نهاية هذا القرن، وبداية القرن العشرين، بدأ التفكير في التغلُّب على هذا الإرهاق ومقاومة التعب والإجهاد من خلال أنشطة جديدة متمثِّلة في الرياضة والاسترخاء والاستجمام. وخلال الحرب العالمية الثانية، سيتمّ تحدّي التعب من خلال إنتاج الأمفيتامينات، للسماح للجنود بالقتال دون نوم، وستمجِّد بعض الأنظمة، عبر دعايتها، العامل الذي لا يكلّ ولا يتعب؛ كما هو الحال بالنسبة إلى العامل المنجمي السوفياتي «أليكسي ستاخانوف» الملقَّب بـ«سيزيف الأحمر» (1906 – 1977)، الذي يمثِّل الأنموذج الأسطوري لـ «رجل جديد» أكثر صلابةً من أيّ وقت مضى. أمّا في العقود الأخيرة، فقد أصبح التعب سمة بارزة لا تقتصر على المحارب أو العامل أو الموظَّف، بل تشمل كلّ فئات المجتمع كافّةً، إذ غدا المسؤول التنفيذي لشركة أو مقاولة يدخل غمار منافسة مجمومة أكثر إرهاقاً وتعباً.

كائنات متعبة!

يقول «فيجاريلو»: «عليك أن تتخيَّل «سيزيف»، وقد أنهكه التعب، وهو يتخلَّى عن دحرجة حجره؛ سنشعر، آنذاك، بأننا قريبون منه. لطالما حلمت البشرية بالأفعال الأكثر إسرافاً، والأكثر عظمةً، مهما كانت متعِبة». لقد أشار «أرسطو» إلى أن «كلّ الكائنات البشرية غير قادرة على أن تكون في نشاط مستمرّ»، فقد عرفنا، دائماً، أن المشي لساعات، دون راحة، وقضاء عدّة ليالٍ بلا نوم، وحتى القراءة والمراقبة، والاستغراق في التفكير، كلّها أمور ترهقنا، وهذا الإرهاق هو علامة على محدوديَّتنا، ومؤشِّر على شيخوختنا وموتنا، وجميع القيود المفروضة على قوَّتنا التي تفرضها مادِّيّة أجسادنا وعقولنا، فنحن كائنات متعبة. إنها ملاحظة أنثروبولوجية، لكنها ذات حمولة فلسفية،  أيضاً.

من التعب الجسدي إلى العبء النفسي:

يقول «فيجاريلو»: «لدينا شعور بأن التعب موجود دائماً. في الواقع، لقد مرَّ هذا الإحساس بالكثير من التغييرات؛ ففي الأزمنة السابقة، كان التعب جسديّاً: إنه تعب المسافر أو المقاتل أو رجل الدين، ثم -وبشكل غير محسوس- برز مظهر تكون فيه الذات محطّ استجواب، وذلك في سياق زيادة الوعي بأنفسنا، وهذا خلق شكلاً جديداً من التعب». لقد ازدادت أهمِّيّة الإرهاق النفسي، وتعدَّدت أسبابه، كاشفةً عن جوانب مختلفة من مجتمعنا: تغيَّرت ظروف العمل، وتحوَّل المجتمع الواحد إلى مجتمعات مركَّبة؛ الأمر الذي يفرض خلق علاقة مع الآخرين؛ ما يؤدّي إلى إرهاق نفسي بحت. يركز «فيجاريلو» على هذا النوع من الإرهاق الذي يصفه بـ«العبء النفسي»، الذي يؤثِّر، مثلاً، على النساء اللائي يقعن، دائماً، ضحايا التوزيع غير المتكافئ للأعمال المنزلية، وتعليم الأطفال، ومعاناة الولادة المتتالية.

لقد ركَّزت بعض الدراسات على ما يعانيه مقدِّمو الرعاية الصحِّيّة والاجتماعية، ذلك أنهم يتعرَّضون لعوامل إرهاق متعِّددة: عوامل جسدية، ونفسية، أيضاً. ومن بين الأسئلة التي وجَّهت الدراسة: «كيف يتمّ التفاعل مع حدث الموت الدائم؟ من وجهة النظر هذه، إن إجهادهم هو إجهاد مضاعف. إن هذه الرحلة الهائلة، من العصور الوسطى إلى يومنا هذا، لتخبرنا كيف أن العصر الحديث، بتقدَّمه التقني، أنتج -بشكل متناقض- رجلاً وامرأة متعبَيْن من تفاهة الأيّام، فمع التقدَّم ينمو «الشعور بالذات» والوعي الحيّ بالضعف البشري. يقول «فيجاريلو» في هذا الصدد: «لم يعد التعب الجسدي يغزو العقل إلى حَدٍّ يطارده، بل إن التعب النفسي يغزو الجسم إلى درجة تحطيمه».

لماذا نحن أكثر تعباً من فرسان العصور الوسطى؟

يجيب «جورج فيجاريلو» على هذا السؤال قائلاً: «لأن لدينا وعياً شديداً بالتعب. لم يُستنفد فارس العصور الوسطى بالطريقة نفسها التي استنفدت بها مدام دي مينتينون في بلاط لويس الرابع عشر، أو عامل الثورة الصناعية أو المدير التنفيذي المنهك اليوم. الأهمّ من ذلك، أنهم لا يتحدَّثون عنها بالطريقة نفسها». يلاحظ الباحث أنه، في الآونة الأخيرة، انتشرت العديد من الألفاظ والعبارات، بمعانيها الحقيقية، والمجازية التي تشير إلى الظهور البطيء للإرهاق الذي لا يؤثِّر في الجسد فحسب، بل يؤثِّر، أيضاً، في العقل، والروح، وفي نفسية الفرد، ومن أبرز معالم ذلك: «استنفاد للقوى» من خلال الإجهاد، وهو إجهاد عصبي يترتَّب عنه ظهور ما يُعرف بـ«الوهن العصبي».

تستحضر الفصول الأخيرة من الكتاب الجوانب الحديثة للتعب، وسبل إدراكه. يقول الباحث: «لقد أصبح التعب، والضعف المنتشر، وعدم الرضا المبهم، والقصور العنيد، إحدى طرائق الوجود في عصرنا»، يكفي لإلقاء مزيد من الضوء على النقاشات المعاصرة، للغاية، حول تعريف صعوبة العمل في إصلاح المعاشات التقاعدية، أو «العبء النفسي» الذي يثقل كاهل النساء، أو احتمال أن الذكاء الاصطناعي ينير العقول والأجساد. فمع اشتداد الأزمة الصحِّيّة التي شهدها العالم بفعل جائحة «كورونا»، يشعر الكثير منّا بالتعب الشديد؛ إرهاق مقدِّمي الرعاية، والتعب المستمرّ للمرضى، وحتى أولئك الذين تعافوا من هذا الفيروس… إنها فرصة لإلقاء نظرة على تاريخ هذا الشعور.

في نهاية المطاف، يشكِّل التعب ظاهرة لا يستطيع تفسيرها سوى تحليل متكامل يقارب الموضوع من زوايا عدّة، وهذا ما يلمسه القارئ في هذه البانوراما التاريخية لمفهوم التعب والاكتئاب والمعاناة الأخلاقية ومختلف الأمراض الجسدية الناتجة عن التعب. لقد ربط المؤلِّف بين تطوُّر هذه المفاهيم وتطوُّر المجتمعات البشرية، في رحلة مثيرة تتقاطع مع تاريخ الجسد والحساسيات والبنى الاجتماعية والعمل والحرب والرياضة، وصولاً إلى علاقاتنا الحميمة. هي نظرة مغايرة لشعور وسَمَ حاضرنا في ظلِّ التحوُّلات التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، والتي تجعلنا نكتشف إلى أيِّ مدى تطوَّر إدراك التعب من النفي إلى الإقرار. لقد عزَّز «جورج فيجاريلو» هذا التحقيق المليء بالتحوُّلات والمفاجآت والممتدّ على مدى عشرة قرون، بعدد من الأفكار والنظريات التي سعت لقياس درجة التعب وإمكانية مكافحته وتجاوزه. ولا يخلو هذا الكتاب من تقديم بعض الاقتراحات والحلول لمشكلة، عُدَّت، منذ فترة طويلة، مستعصية؛ كتغيير نمط الحياة، وتقبُّلها بإيجابية، ومداومة الأنشطة الرياضية، والتغذية الصحِّيّة، والخلود للراحة، وتنظيم الوقت، وتحسين إيقاعات العمل، والتخطيط، والإجازة، والاسترخاء، وتوطيد العلاقات الإنسانية، واستثمار ما توفِّره لنا التكنولوجيا..

علوية صبح في “حبٌّ يتحدّى التصدّعات”

في روايتها الرابعة (أنْ تعشق الحياة، دار الآداب، 2020)، تتشبّث علوية صبح بعاطفة الحبّ عنصراً محوريّاً في نسيج السّرد وتوجيه الفعل، لكنها تنقله إلى سياق إنساني واجتماعي بالغ التعقيد والتشابُك، جرّاءَ ما يعرفه العالم والفضاءُ العربي من تحوُّلات كابوسية تطمس الرؤية، وتخلخل السلوك…

في مطلع تجربة حبِّها الذي يكتسي طابع الافتراض، هذه المرّة، تكتب «بسمة»، من خلال حكْيها لحبيبها «حبيب اليوسفي»، وقائع عاشتها قبل أن تتعرَّف إليه من خلال التراسُل الإلكتروني، اتسمتْ بالمأسوية والحزن، لكنها استطاعت أن تواجهها بعشق الحياة والتشبُّث بالحبّ لمُواجهة المرض البدني والمرض النفسي، ورفض ما أصابَ المجتمع من اختلالات اجتماعية وسياسية انعكست على سلوك الأفراد.

تحكي «بسمة»، عبْر اثنيْن وعشرين فصلاً، لـ «حبيب»، دون أن تتقيّد بالتسلسل الزمني؛ لأنها في وضعٍ نفسي خاصّ يجعلها تتدفَّق في السرد، مُراوحةً بين التفاصيل واللحظات الشعورية المشتعلة، والحوارات الكلامية باللّغة الدارجة التي تحمل نكهة النطق اللبناني للكلام المتحدِّر من العربيّة الفصحى…

من ثمّ، أميل إلى أن أعتبر رواية «أن تعشق الحياة» صادرة عن رحِمِ «المحكيّ النفسيّ» الذي يسعى إلى استعادة الأحداث والذكريات والانفعالات والمواقف، من خلال سرد مُتدفِّق تتجاور فيه «رواية العائلة» مع التجربة العاطفية: مع أحمد، الكاتب الذي مات قبل أن تكتمل روايته، ثم مع يوسف، الرسّام المبدع الذي رسمها في تجليات رائعة قبل أن ينتكس ويهجر الفنّ والحبيبة، ليلتحق بطائفةٍ دينية؛ تتجاور أيضاً مع تجربة بسمة في مجال الثّقافة والفنّ والسياسة، إذْ رَاهنتْ، منذ بداية شبابها، على مُعانقة الحداثة والتحرُّر من وصاية ذكورة الرجل…

على هذا النحو، تبدو بسمة البؤرةَ التي تتجمّع عندها الخيوط لتصبح هي الشخصية-الأساس، ومركز المأساة التي تفجّر الأسئلة الشائكة المتدفّقة في المحكي النفسي المتنقّل عبْر اللحظات والذكريات، لاستجماع عناصر التجربة القاسية التي بدأت بالمَرض العضال الذي أصابها، وكاد أن يُحطِّم حياتها، ويُحوّلها إلى رماد. لقد عثرتْ بسمة على نقطة الارتكاز لمقاومة المرض، وفشل حبِّها ليوسف، في ما كان يردّده حبيبها الأوَّل الراحل: «موتُ حبٍّ لا يَضعُ نهاية لقدرتنا على الحبّ». وعندما بدأت تتحدّى المرض الذي شلّ بعض أعضائها، وأصابها بتشنّجاتٍ، حَارَ الأطبّاءُ في علاجها، ووجدتْ نفسها تسترجع مسار حياتها منذ الطفولة، وتنتقل من فترة إلى أخرى، بحسب تدفُّق الذاكرة: «.. ومن قال إن الكلام هو، دائماً، مستقيم حين نحكي عن حياتنا وذكرياتنا؟ الزمن هو نفسه دائري، بين الحياة والموت، ويبدو لي أنه يسير مُتعرّجاً أو مستقيماً، يهبط ويرتفعُ، يطلع وينزل، يُزوْبعُ أو يهدأ…» (ص 23).

مع انسياب الذاكرة، تأخذنا بسمة إلى طفولتها، وعلاقتها بأمِّها المتشدّدة في معاملتها للأب الذي كانتْ تحبُّه، وحزنتْ لانتحاره الذي خلَّف لديْها جُرحاً لا يندمل. واستطاعت بسمة أن تتحرَّر عندما ساعدها خالها المهاجر في أن تلتحق بمدرسة الرقص الحديث، حيث حققتْ نجاحاً كبيراً، ووجدت في الفنّ وسيلة للتعلُّق بالحياة والتشبُّث بها. وقد ازدادت تعلُّقاً بالحياة من خلال صداقتها مع «أنيسة» الروائية، وأمينة «العانس» الخاضعة للماضي. وبقدْر ما وجدتْ في أنيسة، سنداً أسْعفها على مقاومة المرض، كانت أمينة أنموذجاً لما ترفضه بسمة لدى المرأة. ومن هذه الزاوية، تبدو الصديقات الثلاث كأنهنّ نماذج أساسية في المجتمع الذي يرفضُ تَحرُّر المرأة… لكن العنصر الأساس، في تجربة بسمة، وفي تحدّيها للمرض ولردّةِ المجتمع الذي تعيش فيه، هو تجربة حبِّها مع يوسف الرسّام، لأنه أتاح لها أن تعيش تجربة عميقة تكلَّلتْ بالزواج، وعزفتْ خلالها سيمفونية العشق والوئام: «.. كيف أنسى يوسف؟ كان كلَّما ينهي لوحة يقول: أنا، فقط، أجمع نظراتي إليكِ في ألوانٍ يعشق بعضها بعضاً على القماشة كما أعشقكِ أنتِ. أنظر إليها ثمّ إليكِ وأقول لنفسي: أحتاجُ أن أنظر إليكِ أكثر.. أحتاجُ أن أحملكِ في عيني كيْ تصير اللوحة شبيهة بكِ» (ص 202). أصبح التناغمُ العِشقي بين بسمة ويوسف سفينة تُبحِرُ بهما إلى أجواء مُجتمع مُتوازن، يضمن للفرد الحرّيّة والاطمئنان. إلّا أن هذا الحلم لم يكتمل، إذ أجْهضَ الربيعُ العربي، واستعادت القوى الحاكمة والطوائف سُلطتها، وانتشر الإرهاب، وعادت الفتاوى لتحاصر النساء، وخيّمَ كابوسُ الخوف والعنف ومُصادرة الحرِّيّات… تستعيدُ بسمة ذلك المناخ، لأنه كان وراء تحوُّلِ يوسف، زوجها، من فنّان مُرهف العاطفة، عاشق لبسمة إلى مُتزمّت يأمرها بما عليها أن تفعل. تقول بسمة، بعد أن أصبح يوسف متقمّصاً شخصية الرجل المعادي لتحرُّر المرأة: «عندما أفكَّر بيوسف، يتأكّد لي أن موت الحبّ في علاقةٍ بين اثنيْن ليس هو الموتُ الأنجع، إنما هو الصعقة القاتلة التي تصيبُ الأوطان. مَنْ قال إن حكايا البشر وأجسادهم ليست كحكايا مُدُنهم، أوْ أن الأجساد لا تشبه مُدنها؟ كيف أصدّق أن جسدي باتَ عدوّي الذي يفتكُ بي؟» (ص 295).

يبدو، من هذا التحليل لثيمات الرواية، أن «بسمة» تضطلع بدوْر البطلة الإشكالية التي تتشبَّث بقيم الحرّيّة وحقوق المرأة… وهي، في سبيل ذلك، تقبَلُ الافتراقَ عن زوجها الذي تخلَّى عن قيَمِهما المشتركة، وَخَضَع لسطوة الجهات التي مارستْ تأثيرها السّلبي على قطاعات واسعة من الرأي العامّ، عبْر أداة التلفزيون التي تقوم بغسل الأدمغة؛ لذلك قرّرتْ أن تقاوم الردّة، وتقاوم المرض، وتبحث عن حبّ جديد يُعيد لها التوازن الداخلي، ويُعطي لحياتها معنى. تتحدّى بسمة كلّ تلك العقبات، مُقتديةً بتجربة صديقتها أنيسة التي استطاعت أن تتخلَّص من أنانية زوجها، وتستعيد حرِّيَّتها لكتابة روايتها…: بسمة وأنيسة كلتاهما، تخوضان معركة ضدّ مؤسَّسات المجتمع المُعاكسة لتحرّر المرأة، غير أن هذا الصراع لا يقف عند حدود ما هو اجتماعي وسياسي، بل يتعدّاه ليُلامس ما يتعلَّق بالمرض والموت وهشاشة الإنسان؛ من هنا تقترح علينا علوية صبح أن نعانق «عِشق الحياة» لكيْ نجدّد الإرادة، ونعود إلى مدار الوجود، ونبتدع لحظات السعادة على هذه الأرض قبل الممات. لا شيء يستطيع أن يحول بيننا وبين مُعاودة الحبّ والعشق والاستمتاع بالوجود؛ حتى مرض الطاعون لا يستطيع أن يحول بيننا وبين الاستمتاع بالحياة، كما قال صاحب رواية «الحبّ في زمن الكوليرا»: «يزدهر الحبّ في زمن الطاعون، ودقيقة زمنية من العتمة لا تجعلنا عُمياناً».

في «أن تعشق الحياة»، عناصر كثيرة تشدّ القارئ ليخوضَ المعركة التي خاضتْها بسمة وهي تواجه الفقر في طفولتها، والمرض في مطلع شبابها، والردّة الإيديولوجية وهي متزوّجة وفنّانة لامعة. ومن خلال تجاربها التي أسعدتْها، وإصرارها على أن تتشبَّث بالحبّ ولو في صيغته الافتراضية «لأن في الحبّ احتمالات كثيرة»، ترسم بسمة الطريق إلى ما هو قادر على رأب تصدّعاتها.

لقد استطاعت علوية صبح أن تعزف، من خلال روايتها «أن تعشق الحياة»، سيمفونية للعشق بوصفه وسيلة لمقاومة المصير البشري الخاضع لمجابهات، كثيراً ما تصيبه بالجروح والعطَب. وإذا كان المصير يبدو أقوى لأنه كثيراً ما يسند المؤسَّسات والجهلاء، فإن سلاح الحبّ والتعلّق بالحياة يظلّ قادراً على انتزاع لحظات متميّزة من بين فكَّي المصير الغشُوم..

رفعت سلام.. البحث عن مجهول البناء الشعريّ

استناداً إلى خلفيّته المعرفيّة، كان الشاعر المصري الراحل رفعت سلام (1951 – ديسمبر 2020) يَعي أنّ الشعر ليس جماهيريّاً ولا هو نقدٌ مُباشرٌ لِما لا يكفُّ يَحدثُ في الحياة وفي اليوميّ؛ كان يعي أنّ الشعر بحثٌ قادمٌ من المُستقبل بنبرة نقديّة، لكنّها ليْست هي ما يُكسِبُ البناءَ النصّيّ شعريّتَهُ، بل هو ما يُكسِبُها شعريّتها. وقد كان في هذا التصوّر يَغتذي من مقروئه ومن إدراكه لقيمةِ الترجمة في تحديث اللّغة، وفي إغناء الشعر، وفي اختبار هباتِ العُبور بين اللّغات. لذلك لم تكُن ترجمته لأعمال كفافيس وبودلير، ورامبو، وويتمان الكاملة مُنفصلة عن مَسار بَحثه عن مَجهول الشكل الشعريّ.

بين مجموعة رفعت سلام الشعريّة الأولى «وردة الفوضى الجميلة» الصادرة عام (1987) وعمله الشعريّ الأخير «أرعى الشياه على المياه» الصادر عام (2018)، مسارٌ كتابيّ يَحكمُهُ هاجسُ اكتشاف مَناطقَ جديدة في المجهول الشاسع لأراضي الشعر، ويحكمُه، بوَجه رئيس، هاجسُ البحث عن بناءٍ نصيٍّ غيرِ مُقيّدٍ بقبليّات جاهزة. لعلّ تحوُّلَ هذا الهاجس الأخير إلى مُوَجّهٍ للكتابة الشعريّة، لدى رفعت سلام، هو ما جعلَ مُمارستَهُ النصيّة تتحدّدُ بوَصفها بحثاً دؤوباً عن تجدُّد احتمالات تحقّقها، مثلما جعلَ تصوّرَ الشاعر لإنجاز الكتابة يتحدّدُ في ضَوء البحث لها عن بناء مُحتمَل ضمْن الوُعود اللانهائيّة التي يقدِّمُها هذا البحثُ نفسُه. هكذا ظلّت مُمارسته تحملُ، في عناصر تشكّلها وطرائق بنائها، وُشومَ هذا البحث الذي يُعدُّ حيَويّاً في قراءةِ مسار هذا الشاعر، وفي الاقتراب من الآفاق الكتابيّة التي كان يَنشدُها.

استناداً إلى ذلك، لم تنفصل الكتابة، عند الشاعر رفعت سلام، عن البحث عمّا به تُجدّدُ المُمارسةُ النصيّة بناءَها. وهو ما مكّنَه من كتابة نصّ شعريّ مُنشغلٍ بالعثور على احتمالاتِ الشكل لا في عناصرَ قبليّة، بل في عناصرَ يجودُ بها الشعرُ وهو يتحقّقُ، في المُمارسة النصيّة، بإحدى الصيَغ المُمكنة لهذا التحقّق الذي يبقى شكلهُ مفتوحاً على اللانهائيّ. لعلّ ذلك ما وجّهَ كتابةَ الشاعر في حِرصها على التفاعُل مع المعرفة الشعريّة، من جهة، وعلى المُحاورَة الصامتة، من جهة أخرى، لتجاربَ شعريّة عربيّة وعالميّة.

كثيرةٌ هي المؤشّرات التي يُمكنُ أن تقودَ التأويلَ إلى عدِّ مُمارسةِ الشاعر رفعت سلام للكتابة، بوَصفها بحثاً مُتجدّداً عن شكل مُنفلت، أسَّ تصوّره للكتابة وأسّ مُوجِّهات القراءات التي أنجزَها أيضاً عن الشعر. تبدّت بذرةُ هذا التصوّر، أوّلَ ما تبدّت، مُنذ إسهام الشاعر رفعت سلام، رفقة الشعراء حلمي سالم، وجمال القصاص، وحسن طلب، في إصدار مجلّة «إضاءة 77»، التي انحازَت إلى مَنحى المُغايَرة في الكتابة الشعريّة المُعاصرة، تجاوُباً، من جهة، مع مَن أرْسوا هذا المَنحى الذي كانت مَسالكهُ تُشَقُّ في المَشهد الشعريّ العربيّ المعاصر، وتعارُضاً، من جهة أخرى، مع مَن انطوَت تجاربُهم على ما يُهدِّدُ بتضييق الأفُق الشعريّ وبحَصْر احتمالاتِ تحقّقه التي لا تقبلُ الحصْرَ أصلاً.

تبدو مُمارسةُ الشاعر رفعت سلام النصيّة، في انحيازها إلى التجديد، كما لو أنّها تبحثُ عن شَيء مُنفلت شعريّاً، تبحثُ عنه لا خارجَها بل في بنائها النصّيّ، وفي ما يَضمنُ لهذا البناء أنْ يُشكّلَ جُزءاً من المُحتمَل المعماريّ الذي كانَت مُمارَسة رفعت سلام الشعريّة تَعي انفتاحَه، ولا نهائيّتَه، وتعدُّدَ طرائق تحقّقه. مُنذ أن وَعى الشاعر أنّ الوزن ليس هو الشعر، وأنّه مُجرّد عُنصُر يتحقّق الشعرُ من داخله ومن خارجه في الآن ذاته، دون أن يكونَ شرطاً حاسماً لهذا التحقّق، رسّخَ كتابتَهُ، بَعد أن انحازَ إلى بناء شعريّةِ نُصوصه من خارج الوزن، بوَصفها بحثاً عن معمار مُتولِّدٍ بهذا البحث ذاته وبما يقودُ إليه. بذلك ظلّ المعمار، المُبتغى لاستواء النصّ الشعريّ لديه، مُنتسباً، وَفق هذا التصوّر، إلى المُستقبل وإلى المجهول الذي إليه تُفضي المُمارَسة النصِّيّة. وظلّ أثرُ هذا البحث عن شكل مُستقبليّ مجدِّدٍ للبناء النصّي سارياً في العناصر التي بها تحقّقَ هذا البناء، من جهة، وبما لم يتحقّق أيضاً، من جهة أخرى، لكنّه بقيَ، حتى من داخل تمنُّع تحقّقه، شاهداً على ملامح غيابٍ كانت تنشدُهُ كتابةُ الشاعر رفعت سلام، وتتوقُ إليه. استناداً إلى هذا النزوع في مُمارسة الكتابة بوصفها بحثاً، تُهيّئُ تجربتُه للقارئ أن يَرصدَ شعابَ البحث عن الشعر في الكتابة؛ تحقّقاً، وتملّصاً، وأثراً. فمسارُ رفعت سلام الكتابيّ يَحملُ وُشومَ البحث عن الشعر في كلّ تحقّق بنائيّ يُجسِّدُه عملٌ من أعماله الشعريّة التسعة، سواء بما تحقّقَ في هذا البناء أم بما ظلّ حُلماً ببناءٍ تَشهدُ عليه علاماتُ سَعْي العُبور إليه.

تبدّت وُشومُ البحث عن صيَغٍ مُتجدّدة للبناء الشعريّ، التي كانت ترتسمُ منذ سبعينيّات القرن الماضي في كتابة الشاعر رفعت سلام، عبْر تجلّيات عديدة؛ منها الانتسابُ إلى منحى المُغايرة والتجديد في المشهد الشعريّ العربيّ المعاصر، ونقد المَنحى الذي أخذَ يميلُ، في هذا المشهد نفسه، إلى تضييق حرّيّة الكتابة الشعريّة، وإلى ترسيخ تماهٍ بين الشّعر والوزن انطلاقاً مِن عَدِّ الثاني مُحدِّداً حاسماً للأوّل. ترسيخٌ انطوَى على نُزوع لا يُمكنُ، في الأخير، إلاّ أن ينتصِرَ للجُمود وللجاهز، بجَعْل الشعر رهينَ قبليّات ومُسبّقات، لا وليدَ مجهول يُصرّ على أنْ يبقى مجهولاً. تجسّدَ نقدُ رفعت سلام لهذا المَنحى الثاني بصيغتَيْن مُتفاعلتَيْن؛ إحداهما مُباشِرة أفصحَتْ عنها دراساتهُ، وحواراتُه، واختياراتُه في ترجمة الشعر. أمّا الصيغة الأخرى فتحقّقَت بصورة صامتة، إذ تكشّفتْ من بَحثِ مُمارَسته النصيّة عن شكل شعريٍّ غير معلومٍ بصورة قبليّة؛ شكلٍ لا يُوجدُ خارجَ الكتابة وخارج وُعود شِعابها ومجهولها. ذلك ما جعلَ الكتابة تتحقّقُ، في هذه المُمارسة، بوَصفها بحثاً عن بناء نصّيٍّ ضمن الاحتمالات اللانهائيّة لهذا البناء. ومن ثمّ، لم يكُن انتسابُ الشاعر رفعت سلام إلى مَنحى المُغايرة مُنفصلاً عن هذه المُساءلة النقديّة بصيغَتيْها السابقتيْن. لقد حرصَ الشاعر، استناداً إلى وَعيه النظريّ، على أن يُسهمَ في إرساء تعدُّد البناء الشعريّ مِن موقعِ توسيع شعريّةِ النثر وتمكين الشعر مِن تحقّقاته التي لا تتقيّدُ بالوَزن، لأنّ الشعريَّ يَفيضُ عن مُمْكن الوَزن وعن حُدوده.

هكذا يُتيحُ السعيُ الدؤوب، في كتابة رفعت سلام، إلى تجديدِ البناء النصيّ وإلى استثمار المناطق التي تُهيَّأ للشعر من خارج الوزن، عدَّ مُنجَزه الشعريّ كتابةً بحثيّة، ولكن دون تجريد ذهنيّ ولا إغراق للنصّ في نُزوع تأمّليّ صرف. إنّها كتابة مُنشغلة ببنائها وبمُحاورة نُصوصها الغائبة بقدر انشغالها بإنتاج معنى مُتفاعل مع توَتّرات الزّمن الحديث، ومع حركيّة اليوميّ، ومع القيَم التي انتصرَ لها الشاعر، بصورة يبدو فيها الانشغالُ بالبناء النصيّ كما لو أنّه مُتخلّقٌ على نحو سَلِس لا تكلّف فيه، لكنّه لا يُفرّطُ، في الآن ذاته، في أسُسه النظريّة ومُوجِّهاته المعرفيّة التي تقودهُ نحو مجهول الشكل الشعريّ. لقد اختبرَت كتابة رفعت سلام، من بين ما اختبرَتْهُ في انشغالها بتجديد البناء النصّيّ، ما يَهبُهُ التضايُف بين الشعر والنثر من احتمالات شعريّة، وما تُوفّرُهُ الإمكاناتُ التي يَعِدُ بها توليدُ الشعرُ من داخل النثر، اعتماداً على تحرُّر كتابيّ لا يتقيّدُ بالقبليّ والمُسبق، ولا يتوَجّهُ إلى أفُق معلومِ الملامح. وهذه خصيصةُ مُمارسة الكتابة بما هي بحثٌ مُتجدّد. لذلك هيّأ مُنجَزُ رفعت سلام الشعريّ، من حيث البناءُ النصّيّ، مَتناً لاستجلاءِ صيَغٍ مِن صيَغ توليدِ الشعر من النثر، مثلما هيّأ، من حيث بناءُ المعنى، صيَغ تفاعُل الشاعر مع قضايا زمنه برُؤية نقديّة ظلّت سارية في نُصوصه.

للتدليل على السّمة البحثيّة في كتابة رفعت سلام، يُمكن الإشارة، على سبيل التمثيل، إلى عمله الشعريّ الأخير «أرعى الشياه على المياه» الصادر عام (2018). فيه تجلّى، بصُورة بَيّنة، الملمحُ البَحثيّ في اختبار احتمالاتِ الشكل الكتابيّ وفي استثمار الإمكان المفتوح للبناء النصيّ، إذ تبدّى أثرُ الانشغال بالبناء النصّيّ، أوّل ما تبدّى، مِن فضاء الصفحة. فقد وزّعَ الشاعرُ رفعت سلام فضاءَ الصفحة إلى عمودَيْن مُتجاورَيْن، على نحوٍ جعلَ الصفحة مُضاعَفة بكلّ ما يَستتبعهُ ذلك على مُستوى صَوغ الشكل الكتابيّ، وعلى مُستوى إنتاج المعنى. إنّها المُضاعفة التي كشفَت عن استثمار الشاعر للمُجاوَرة بين العمودَيْن واتّخاذها مُوَجِّهاً بنائيّاً للعمل الشعريّ. وبذلك غدَت هذه المُجاوَرة، التي إليها احتكمَ البناء، مُنتجةً للمعنى وموَجِّهةً، أيضاً، لكلّ قراءة تَرومُ الإنصات للعمل الشعريّ «أرعى الشياه على المياه»، إذ يتعذّرُ التفاعُلُ مع هذا العمل وتأوُّله دون استحضار رهانات المُجاوَرة المُضاعِفة للصّفحة وللمَعنى في الآن ذاته. كان واضحاً اختلافُ العمودَيْن المُتجاورَيْن في الصفحة من حيث نوعُ الخطّ، كما كان واضحاً تبادُلهما لمَوقعيْهما من صفحة إلى أخرى. ومع تنامي المُجاورة، يتكشّفُ أنّها ليست سوى الملمحِ الظاهر لعلاقة قائمة على التداخل بمُختلف تشعّباته، على نحو يرسُم فيه العمل الشعريّ «أرعى الشياه على المياه»، لقارئه، سبيلاً تأويليّاً متعدّدَ التفرّعات والاحتمالات. سبيلٌ ينتقلُ من المُجاوَرة إلى التداخل اعتماداً على نَفَس طويل، وينتقلُ، أبعد من ذلك، من المُضاعَفة إلى التعدُّد، لأنّ الشاعر لا يقتصرُ على العمودَيْن المتجاورَيْن – المتداخليْن، بل يُدمجُ مؤشّرات أخرى في فضاء الصفحة، التي تحوّلت أحياناً إلى شاشةٍ اتّسعتْ لاستيعاب العديد من العلامات الدالّة، حتّى لقد غدت «المُجاوَرة» بين عمودَي الصفحة مُجرّد عُنصُر بنائيّ ضمْن عناصرَ أخرى عديدة؛ منها تذييلُ الصفحة بهوامش، وإدماجُ إطار مُتضمِّن لمقطع شعريّ في قلب الصفحة أو أعلاها أو أسفلها، وملءُ الصفحة بإطارات مُقتصِرة على جُمل شعريّة، وغيرها من العناصر التي كانت دالّة على الانشغال بالبناء النصّيّ. كما لو أنّ الشاعر رفعت سلام رامَ، بالعناصر المُشار إليها وبغيرها، استثمارَ «الحريّة المُطلقة» التي يُتيحُها شعرُ النثر؛ الحريّة التي قادتْهُ، دوماً، في بَحثه عن مُمكن ضمْن المُمكنات اللانهائيّة للشكل الشعريّ. وهو نفسُهُ كان يَعي، على المُستوى النظريّ، هِباتِ هذه الحُرّيّة وخُطورَتها التي سبقَ لبودلير أن ألمح إليها. إنّه الوعي الذي تكشّفَ من المُقدّمة التي صدّرَ بها رفعت سلام ترجمتَه لأعمال بودلير الكاملة، لمّا توقّفَ عند خطورة هذه الحُرّيّة المُطلقة، بوَصفها توجُّهاً لا من معلوم إلى معلوم، بل من مجهول إلى مجهول، وبوَصفها، أيضاً، اختباراً يتطلّبُ لاستحقاقها مسؤوليّةً كتابيّة.

لقد كان استثمارُ مُمكنات البناء النصّيّ، اعتماداً على ما يُتيحُهُ توليدُ الشعر من قلب النثر، خَصيصةً لافتة في أعمال الشاعر رفعت سلام بلغَت أقصاها في عمله الأخير «أرعى الشياه على المياه»، وإنْ ضيّقَت فيه صَوتَ الصّمت الشعريّ الذي حاصرَهُ امتلاء الصفحة. إنّها الخصيصة التي ظلّت، دوماً، مُتفاعلة، في شعر رفعت سلام، مع نبْرته النقديّة التي اعتمدَت في هذا العمل الأخير مُتخيّلاً قياميّاً. ذلك أنّ الشاعر استهلّه بمشهد قياميّ، حتّى وإن أنكرَ الهامشُ الوارد في صفحة البداية ذلك. مشهدٌ ينهضُ على الخراب والأطلال قبل أن يُعاودَ الظهور بصيَغ عديدة، منها مثلاً قول الشاعر: «والشمسُ احتجبَتْ فلم تَعُد تضيءُ، والناس يتخبّطون في الظلام، تائهين، بلا صُراخ أو أنين، مصروعين». لكن المُتخيّل القياميّ المُوجِّه للنبرة النقديّة لم يكُن، في عمل رفعت سلام الشعريّ الأخير، نهاية ميتافيزيقيّة، بل كان كشفاً عمّا أصاب الحياةَ وقادَها إلى خرابها الذي لا يكفُّ عن الامتداد بأطلاله وبتمديدها، دُون نهاية مُحتمَلة.

لم يتنازل الشاعر رفعت سلام، وهو ينحازُ في مُمارسته النصيّة إلى استثمار مُمكنات التضايُف بين الشعر والنثر في توسيع الشعريّ، عن نقْد ما يَعوقُ الحياةَ الحديثة بمُختلف وُجوهها. لم يكُن انشغالهُ بالبناء النصّيّ مفصولاً لديه عن هذه النبرة النقديّة التي سرَت في نُصوصه. وقد كان لافتاً أنّ الشاعر رفعت سلام أمّنَ لمُمارَسته النصيّة شعريّتَها اعتماداً على رهانات البناء وقضايا الشكل الكتابيّ، بما لم يُحوِّل النبرة النقديّة، في إنتاج المعنى، إلى مُحدِّدٍ للشعريّ في هذه المُمارسة. كان رفعت سلام يَعي، استناداً إلى خلفيّته المعرفيّة، أنّ الشعر ليس جماهيريّاً ولا هو نقدٌ مُباشرٌ لِما لا يكفُّ يَحدثُ في الحياة وفي اليوميّ؛ كان يعي أنّ الشعر بحثٌ قادمٌ من المُستقبل بنبرة نقديّة، لكنّها ليْست هي ما يُكسِبُ البناءَ النصّيّ شعريّتَهُ، بل هو ما يُكسِبُها شعريّتها. وقد كان في هذا التصوّر يَغتذي من مقروئه ومن إدراكه لقيمةِ الترجمة في تحديث اللّغة، وفي إغناء الشعر، وفي اختبار هباتِ العُبور بين اللّغات. لذلك لم تكُن ترجمته لأعمال كفافيس، وبودلير، ورامبو، وويتمان الكاملة مُنفصلة عن مَسار بَحثه عن مَجهول الشكل الشعريّ.

لقد انتسبَ رفعت سلام إلى الكتابة الشعريّة من موقع «الحُرّيّة المطلقة»، ومن الوعي بخُطورة هذه الحُرّيّة التي لا تتّكئُ على القبْليّ والمعلوم، ولا تعرفُ إلى أين يُمكنُ أن يقودَ البحثُ داخلها، لكنّها لا تفرِّطُ في مسؤوليّتها الشعريّة التي تجعلُ منها حُرّيّةً خليقةً بنسَبها إلى الكتابة.

محمد المليحي.. ألف موجة وموجة!

برحيل الفنَّان التشكيليّ محمد المليحي مساء الأربعاء 28 أكتوبر/تشرين الأول 2020 بأحد مشفيات باريس في فرنسا إثر تأثّره بمُضاعَفات فيروس كورونا «كوفيد – 19»، وعن سنٍّ تناهز 84 سنة، تكون الساحة التشكيليّة العربيّة والمغربيّة قد فقدت واحداً من الرواد الذين أبدعوا طويلاً في مجال إنتاج اللوحة الصباغية والمنحوتة، إلى جانب الكتابة والتعليم الفنّي، وكذا الفوتوغرافيا والتصميم المعماري والغرافيكي المُتمثِّل في إنجاز المطبوعات والمُلصقات الفنِّيّة.

على امتداد ما يُقارب ستة عقود من الإنتاج والعطاء المُثمر والمُشرِّف، ظلَّ المليحي يواصل إبداعاته مستفيداً من رحلاته وتكويناته الفنِّيّة في كبريات المعاهد والأكاديميّات العالمية المُتخصِّصة في الفنون الجميلة، الأمر الذي منحه خبراتٍ إضافية لسبر أغوار الفنّ التشكيليّ في تعدُّد روافده ودروبه. فهو لم يحصر هذه الخبرات في الإنتاج داخل المحترف، بل سعى رفقة نخبة من مجايليه الفنَّانين إلى أن تكون متاحة لجمهور الفنّ وفي خدمة المُتلقي، سواء عبر تنظيم المعارض الفنِّيّة (الفرديّة والمُشتركة)، أو عبر تفعيل الدرس الجماليّ بمُراعاة الهويّة البصريّة والخصوصية المحلِّيّة، إلى غير ذلك من الأسئلة والقضايا الإبداعية التي راهن عليها مشروعه الجماليّ بمعية فنَّاني مدرسة الدار البيضاء.

تلقى المليحي تكوينه الفنّي الأول في رحاب المدرسة التحضيريّة للفنون الجميلة بتطوان (1953 – 1955)، ليُعمِّق هذا التكوين لاحقاً وتباعاً في كبريات مدارس ومعاهد الفنون الجميلة في العالم، بكلٍّ من المدرسة العليا للفنون الجميلة سانتا إيزابيل دي هنغاريا في إشبيلية (1955)، أكاديميّة الفنون الجميلة سان فرناندو في مدريد (1956)، أكاديميّة الفنون الجميلة بروما «تخصُّص نحت» ومعهد ستاتالي Statale للفنون الجميلة في المدينة نفسها (1960)، المدرسة الوطنيّة للفنون الجميلة في باريس (1960 – 1962) وجامعة كولومبيا بالولايات المُتحدة الأميركيّة عقب حصوله عام 1962 على منحة دراسية من طرف مؤسسة «روكفلير» Rockefeller- Foundation.

 

 

إلى جانب ذلك، للفنَّان المليحي مشاركات متنوِّعة في العديد من التظاهرات الفنِّيّة العربيّة والعالميّة، برزت منذ حضوره في بينالي الإسكندرية (1958)، بينالي الشباب في نسختين بباريس (1959 و1961)، المهرجان العالميّ للفنون الزنجية Arts nègres في دكار (السنغال، 1966)، مهرجان الواسطي في بغداد (1972)، وأيضاً مشاركته في «المعرض الدولي للفنون من أجل فلسطين» الذي أقامته منظَّمة التحرير الفلسطينيّة ربيع عام 1978 في جامعة بيروت العربيّة، بينالي ساو باولو في البرازيل (1987)، لتتوالى مشاركاته القارية والدوليّة هنا وهناك، مروراً بمعارضه الفنِّيّة الكثيرة في أوروبا وأميركا وآسيا وإفريقيا، منها عرض بعض لوحاته الصباغية عام 2013 بمتحف جورج بومبيدو في فرنسا، دون الحديث عن معارضه الفنِّيّة الفرديّة، أبرزها المعارض التي أقامها بالرواق الوطنيّ باب الرواح في الرباط بين عامي 1965 و1997، معرض بمتحف برونكس في نيويورك، المعرض الاستيعادي الذي نظَّمه معهد العالم العربيّ في باريس (يونيو – أغسطس 1995)، وغير ذلك من المعارض المُماثلة بقاعات وغاليرهات عربيّة ودوليّة كثيرة، فضلاً عن اشتغاله أستاذاً محاضراً بمدرسة مينيابوليس للفنون -تخصُّص الرسم، مينيابوليس- الولايات المُتحدة مينيسوتا عام 1962 وتعيينه مندوباً عاماً على الجناح المغربيّ بمعرض 92 في إشبيلية (1988 – 1992)، وكذا تحمُّله عدَّة مسؤوليات، منها شغله في ما بين عامي 1985 و1992 مديراً للفنون بوزارة الثقافة، ومستشاراً ثقافيّاً لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون في ما بين عامي 1999 و2000. عقب ذلك بثمان سنوات، وشَّحه الملك محمد السادس بوسام الاستحقاق.

عودة إلى الجذور

عقب مسارٍ فنّي أكاديمي حافل بالعطاء والتكوين في الخارج، سيعود الفنَّان محمد المليحي إلى بلده المغرب في أكتوبر/تشرين الأول من عام 1964 وعمره لا يتجاوز أربعة وعشرين عاماً ليمتهن التدريس في مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، إذ عمل أستاذاً للصباغة والنحت والتصوير الضوئيّ، إلى جانب فريقٍ تربويّ متكامل قاده الفنَّان الراحل فريد بلكاهية سنة 1962 بعد أن أنيطت له مهمَّة إدارة المدرسة خلفاً للفرنسيّ «موريس أراما – M. Arama»، وذلك باقتراح من النقابيّ المغربيّ المحجوب بن الصديق (الأمين العام لنقابة الاتحاد المغربيّ للشغل). وكان من بين المُشتغلين بجانب المليحي الفنَّانون: محمد شبعة، محمد حميدي، ومصطفى حفيظ، إضافة إلى «طوني مارايني – T. Maraini» التي كُلِّفَتْ بإعطاء دروس في تاريخ الفنّ، في ما شغل الجَمَّاع الهولنديّ «بيرت فلينت – Bert Flint» مهمَّة تدريس تاريخ الفنون التقليديّة الشعبيّة باعتماد الصور الشفافة الثابتة «الديابوزيتيف». كما كُلِّفَ الرسَّام الفرنسيّ «جاك أزيما – J. Azima» بإدارة المرسم. وبفضل هذه المجموعة المُنسجمة، انتظمت مدرسة الدار البيضاء عام 1967.

 

 

وقد تقاسم الفنَّان المليحي رفقة زملائه داخل رحاب مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء غداة الاستقلال حلم البناء بـ«التمرُّد» على الموروث الفنّي الغربيّ انطلاقاً من القاعدة البيداغوجيّة والانفتاح على الفنون الشعبيّة وإدماج الحِرف والصنائع والمشغولات اليدويّة التقليديّة في منظومة التعليم الفنّي. من ثَمَّ، باتت هذه المدرسة تعتمد خطة ديداكتيكية مُغايرة ترُوم دعم خطاب العودة إلى الجذور التراثية، حيث استبدلت القطع والنماذج الفريكو-لاتينيّة بنماذج من التراث المغربيّ الأندلسيّ والأمازيغيّ، كالخشب المزوق والحلي والإبداعات اليدويّة الشعبيّة ذات الوظائف النفعية والجمالية، كما تمّ تشجيع الدرس النظريّ وإعداد الطلبة لمُمارسة النقد الجماعي والنقد الذاتي وتدريبهم على تحليل القطع والأعمال الفنِّيّة، وكانت مجلّة «مغرب آرت – Maghreb Art» التي تصدر عن المدرسة آنذاك تعكس كلّ هذه التحوُّلات والاهتمامات.

في هذا الصدد، ظلَّ الفنَّان محمد المليحي يقول ويردِّد: «كانت رحاب مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء فضاء نطبق فيه هذه الأفكار والمبادئ.. وفي دروسنا لطلبة الفنون أخرجنا التماثيل الإغريقيّة من حيِّز الدراسة واستبدلناها بالزخرفة والمعمار الإسلاميّ، وأدخلنا مواد الصناعات والحِرف الشعبيّة الوطنيّة لدراستها كفنٍّ وتصميم. من هنا خلقنا فنّاً للاستهلاك الجماعي مرتبطاً بوعي سياسيّ وأخلاقية متقدِّمة» (من حوار للفنَّان المليحي مع صحيفة «الجمهورية» العراقيّة في السبعينيّات).

لقد جسَّد هذا التغيير نوعاً من المُصالحة مع التقاليد البصريّة في المغرب، لكن من منظورٍ إبداعيّ حديث يمتد لهذه العودة التراثية الحاسمة بالشكل الذي خطّط له الفنَّان المليحي وزملاؤه داخل جماعة الدار البيضاء التي عُرفت بتبرُّمها ورفضها للأساليب الكولونياليّة الكلاسيكيّة والاستشراقيّة المُتبعة حينذاك في المغرب، ما دفعهم في أكثر من مناسبة إلى إعلان موقفهم من الاحتواء البرَّاني للوحة الفطريّة المغربيّة وتحويلها إلى مادة للتهكم والسخرية، على حدِّ انتباههم.

وكان لهذا التحوُّل في تاريخ المدرسة ما يبرِّره، حيث كان المناخ الإبداعيّ العام ملائماً لبلورة هذه الأفكار، الأمر الذي مكَّن الفنَّان المليحي من تجذير الحداثة الإستتيقيّة في الثقافة البصريّة بالمغرب، بمثل ما حفل به مساره الفنّي من مساهماتٍ رائدة في تأسيس وتنشيط بعض المنابر الثقافيّة، من بينها أساساً مجلة «أنفاس» (Souffles) إلى جانب عبد اللطيف اللعبي، ومصطفى النيسابوري، ومحمد خير الدين، والتي شكَّلت مختبراً للكتابة ومحضناً للإنتاج الفنّي، وقد أفردت عدداً مزدوجاً خاصّاً للفنون التشكيليّة في المغرب (العدد 8/7 أغسطس/آب 1967)، إلى جانب إصداره لمجلّة «أنتغرال – Intégral» المُتخصِّصة في الفنون التشكيليّة (توقفت عام 1977)، والتي كان ينشطها برفقته كلّ من طوني مارايني، مصطفى النيسابوري، والطاهر بنجلون، وكذا مساهمته في تأسيس دار «شوف – Shoof» للنشر والتوزيعات الفنِّيّة والثقافيّة والإنتاجات السينمائيّة، وإصدار مجموعة من الكتابات الفنِّيّة والأعمال السينمائيّة، فضلاً عن دوره الفعَّال عضواً ورئيساً داخل الجمعية المغربية للفنون التشكيليّة منذ تأسيسها عام 1972 بتشجيع وتزكية من الفنَّان الفلسطينيّ الرَّاحل إسماعيل شموط، الذي كان يشغل آنذاك منصب الأمين العام لاتحاد الفنَّانين التشكيليّين العرب وبمُبادرة مجموعة من الفنَّانين المغاربة.

وإلى جانب دعم الدرس الجماليّ انطلاقاً من أساس بيداغوجيّ، عمل الفنَّان محمد المليحي إلى جانب فنَّاني «جماعة الدار البيضاء» المُسمَّاة أيضاً بـ«جماعة 65» على الانفتاح إبداعيّاً على الجمهور من خلال إقامة أنشطة فنِّيّة خارج أسوار قاعات العرض المُغلقة، وقد تمثَّلت في بعض المعارض التشكيليّة المفتوحة بالهواء الطلق، أبرزها تظاهرة جامع لفناء في مراكش، أو المعرض البيان Expo./manifeste لعام 1969 (أو تجربة «الفنّ الواضح») التي ظهرت كردِّ فعلٍ وكاحتجاجٍ حضاريٍّ ضِدَّ ضعف التسيير الإداري للشؤون الفنِّيّة وهيمنة المراكز الثقافيّة الأجنبيّة وندرة قاعات العرض الوطنيّة، كما أبرز ذلك الفنَّانون المُشاركون في هذه التظاهرة، وهمّ: محمد شبعة، محمد المليحي، فريد بلكاهية، محمد حميدي، مصطفى حفيظ، ومحمد أطاع الله المُلقَّب بـ«رومان»..

 

 

سمات المُنجز التشكيليّ

في تجربته الصباغية، ظلَّ الفنَّان محمد المليحي وفيّاً للصبوات الهندسيّة والغرافيكيّة لجماعة «الباوهاوس» (Bauhaus) وفنَّاني التجريد اللوني البصري في أميركا، لذلك يُمكن تصنيف تشكيلاته وهندسيّاته اللونيّة ضمن تصويريّة جماليّة وتعبيريّة موسومة ببُعدٍ صباغي مسطح أحادي البُعد، والتي تتقاطع كثيراً مع لوحات فنَّاني جماعة «الحد الصلب» (Hard Edg)، وبخاصّة أعمال الفنَّان «فرانك ستيلا – F. Stella» المطبوعة بجماليّة جديدة صافية ونقية قائمة على توليفات مبسطة في الخطوط وفي الألوان الصرفة، وهي تجربة فنِّيّة لها أبعادها الخاصّة تُعَدُّ في الأصل امتداداً لتجربتين إبداعيتين ميَّزتا بداية المشوار التشكيليّ للفنَّان: تجربة روما (1957 – 1961) الموسومة بإلصاقات (كولاج) سادتها ألوان رمادية وكحلية (أواخر الخمسينيّات)، وتجربة نيويورك (1962 – 1964) التي عكست تأثّره بالفنّ البصري/الأوب آرت والفنّ الاختزالي والحركي (Cinétique) الذي ميَّز الإبداع التشكيليّ العالميّ في ذلك الوقت..

في أعمال الفنَّان المليحي، القديم منها والجديد، هندسيّات بصريّة دينامية ذات جذورٍ غربية ناتجة عن توظيفات طيفية وتوليفات قزحية حسية أكثر منها مرئية.. ووجدانية متحرِّكة وفق ريتمات متدرِّجة ظهرت أكثر خصوصاً بعد عودة الفنَّان من نيويورك إلى المغرب (الانفتاح تجريديّاً على البيئة)، حيث أصبحنا نرى في أعماله الفنِّيّة مشاهد طبيعيّة تجريديّة موسومة بنَفَسٍ رومانسيّ وتكوِّنها مفردات تعبيريّة جديدة مختزلة ومبسَّطة هندسيّاً تتصدَّرها الموجة المُلتهبة التي ترمز إلى المرأة بعد أن تسلَّلت للوحاته منذ الفترة الأخيرة التي قضاها في الديار الأميركيّة لتشكِّل بذلك بداية تكسير الصرامة الهندسيّة التي سادت لوحاته طيلة سنوات. هكذا، ستنتقل اللوحة عند الفنَّان المليحي من وضعٍ ساكن/ستاتيكيّ إلى وضعٍ حركيّ/ديناميّ، الأمر الذي حرَّر الموجة لتتحرَّك بشكلٍ أوسع ولتتشابك أحياناً من مفردات تعبيريّة أخرى مستوحاة من عالَم الفلك، كالهلال والليل والنجوم.. وغير ذلك من المُفردات الفنِّيّة التي تكثر فيها الانحناءات والاستدارات والتقويسات الإيروسية، وكذا بعض التحويرات الهندسيّة المُتناغمة المأخوذة من المعمار الإسلاميّ والزخارف والمشربيات.

 

 

هي بالتأكيد سلسلة لوحات تجريديّة مخصوصة بتكوينات هندسيّة ممتدة بلمسات صامتة ذات هوية لونية تعبيريّة واصطلاحية تحيا بداخلها منتخبات طيفية لمعية يشتعل فيها الأحمر الداكن والأصفر الساجي والبرتقالي الناصع والأزرق الكوبلتي على إيقاعات بصريّة مثل نوتات ونغمات متتالية تمتد لاهتمامات الفنَّان المُوسيقيّة، وبخاصة موسيقى الجاز التي عشقها منذ إقامته النيويوركيّة، وهي أيضاً تكوينات وهندسيّات ممنهجة قائمة على التسطير والتصميم بشكلٍ يُبرز شغفه بالأضداد التي «تتجاذبه وتجذبه على اختلافها: الحرّيّة والانضباط، المسؤولية والإنصاف، الواقعية والشاعرية، التشبُّث بالتراث والانفتاح على العصر. ويبقى المليحي في خضم هذا المَدّ والجزر وفيّاً أبداً لذاته ولبحثه الدائم عن سرّ الجمال والكمال»، كما قالت زوجته السابقة الناقدة اللبنانيّة فاتن صفي الدين، التي سبق لها عام 1995 أنْ أنجزت رفقة محمد بوعلام فيلماً وثائقيّاً حول تجربته الفنِّيّة يحمل عنوان «المليحي، موجة رُوح».. «Melehi, la vague dans l’âme».

 

«في انتظار البرابرة» الشخصيّة الكولونياليّة في عُزلتها وتمرُّدها

في خاتِمة فيلم «في انتظار البرابرة» الذي يحيل عنوانه إلى قصيدة شهيرة للشاعر اليوناني كافافي، يحلّ الطفل الصغير محلّ فزّاعة الجندي المُرابِطة عند زاوية الحصن الذي يتوسّط ساحة البلدة. ما الذي تريد هذه الصورة السينمائيّة قوله؟ هناك في تلك الربوع الخالية قد سحب المُستعمرون آخر جنودهم بعد أن نهبوا ما استطاعوا نهبه، المكان مدمَّر والناس في هياجٍ وغضب، أمّا عزيمة الطفل الذي يتسلَّق جدار الحصن فإنها تلمِّح إلى أن بوسعنا كأناسٍ أحرار حماية أنفسنا من الأعداء ولا حاجة بنا إلى مَنْ يحمينا تحت أيّة ذريعة كانت.

مع كلّ معالجة سينمائيّة لعملٍ روائي يحتدم الجدل بشأن مديات اقتراب الفيلم من حدود الرواية، ويتوالى طرح الأسئلة؛ إلى أي حدٍّ وُفِّقَ الفيلم في إيفاء النصّ الروائيّ حقّه؟ هل كان الفيلم السينمائيّ بمستوى النصّ الروائيّ؟ هل تمكَّن المُمثِّلون من تجسيد الشخصيّات الروائية واستيعاب خواصها وأبعادها؟

مع متوالية تلك الأسئلة، وجلّها مسكونٌ بآلية المُقارنة التي تغفل في الغالب فرضية أساسيّة تقول إن لكلّ فنٍّ لغته وأسلوبه وجماليّاته الخاصّة، سنرى أن ثمَّة وجوهاً ومعطياتٍ أخرى يثيرها هذا النقاش من قبيل رؤية المُخرج للعمل الأدبيّ (الحذف والإضافة والاختصار) بمعنى قراءته الخاصّة للرواية، فمهما سعى الفيلمُ إلى أن يكون وفيّاً للرواية (أيّة رواية) فهو لا ينتج في نهاية الأمر سوى فهمه الخاص للرواية، وليس الرواية ذاتها.
بكلّ الأحوال سنضع جانباً هذا الجدل المُتناسِل، لاسيما أن كاتب الرواية (الروائي الجنوب إفريقي «ج. كوتزي» الحائز على جائزتي نوبل والبوكر) هو نفسه واضع سيناريو فيلم «في انتظار البرابرة» للمُخرج الكولومبي الشاب «تشيرو جيرا» وعليه فهو من تصدَّى لمسؤولية اختيار هذه المساحة النصّية من أحداث وشخصيّات روايته لتكون ملائمة للمُعالجة السينمائيّة على الشاشة. ولكن حتى لو كانت الكتابة السينمائيّة لفيلم «في انتظار البرابرة» الذي عُرض للمرّة الأولى في مهرجان فينيسيا 2019 هي مسؤولية كاتب الرواية، فذلك لن يعفيها من أن تكون عُرضةً لفحص جودتها وإمكاناتها الفنّيّة.

الحدث والشخصيّة

إلى أي حدٍّ كان سيناريو «كوتزي» موفَّقاً في خلق عملٍ سينمائيّ متوازن يحكي قصّة عصرنا برمزية بيّنة؟ في الوقت الذي ظهر فيه السيناريو حريصاً على تقديم بدائل مرئية للسرد الأدبيّ هناك الكثير من الهنات التي تسرَّبت إليه وأضعفت الشريط السينمائيّ فجعلته مملاً، مساحات إطالة غير مبرَّرة أفقدت الفيلم إيقاعه المُرتجى، خاصّة الفصل الطويل نسبياً الذي يفرده الفيلم لعلاقة القاضي بالفتاة البربرية الكفيفة (كلمة برابرة في معناها الأوسع تشمل كلّ السكّان المحليّين)، رغم أن هذه العلاقة ستتسبب بالمصير المأساوي الذي يتعرَّض له القاضي المدني على يد ضباط الإمبراطوريّة.
الفيلم في المُحصِّلة غير ملزم بمخطَّطات الرواية وطريقة سردها للأحداث، فزمنه محدود، وعناصره تقتضي التماسك، وانتقالاته، وكذا رسم شخصيّاته يتطلَّبان الإقناع، وهو ما لم تتم مراعاته بشكلٍ جيّد في أحداث الربع الأخير من الفيلم، والتي جاءت -على عكس نصفه الأول- بوتيرة متسارعة خلقت نوعاً من عدم الرضا والإيجاز غير المُوفَّق، بشكلٍ يؤكِّد حقيقة أن الرواية والفيلم مهما تقاربا لا يرويان القصّة بطريقةٍ واحدة ولغة متطابقة. في المقابل أنقذت جهود المُصوِّر البريطاني المخضرم «كريس مينجيز» إيقاع الفيلم في الكثير من محطّاته وخفَّفت إلى حدٍّ ما شيئاً من قتامة الحكاية المأساوية بإظهارها في مشاهد عِدّة سحر البرية وصفاء الليالي المُقمرة وجماليات الصحراء بأسلوبٍ موحي خلق على مستوى الصورة عنصراً بصريّاً مضاداً لشبح العُزلة الذي يهيمن على المكان ويضع شخصيّاته بمواجهة أقدارها المحتومة. ربّما يُعَدُّ مشهد العاصفة الرملية، التي تعرَّض لها القاضي وبعض مساعديه، وهم يعبرون الصحراء بمعية الفتاة البربرية، أكثر مشاهد الفيلم إتقاناً وتعبيراً عن قسوة الطبيعة وضعف الإنسان أمام سطوتها المهيبة وإنْ كان خبيراً استعمارياً!
المكان كعنصر بنائي متفرِّد هو البطل الحقيقيّ في هذه الرواية وهو ما يحيلنا لتذكر أعمال أخرى سابقة اشتغلت على نحوٍ مقارب على ثيمات من هذا النوع (إظهار عزلة الشخصيّات في أمكنة محصنة) كما في رواية «صحراء التتار» للإيطالي «بوتزاتي» -تحوَّلت إلى فيلم سينمائي عام 1976 – التي بقيت شخصيّاها أسيرة القلعة النائية التي يمضي الرجال فيها أفضل سني حياتهم.

أعداء الإمبراطوريّة ورجالاتها

تبقى الشخصيّة الإشكالية الأكثر إثارة في هذا (الفيلم-الرواية) هي شخصيّة القاضي (المُمثِّل مارك ريلانس) كونها صورة مكثّفة للعُقدة الروائيّة. الأهم من ذلك أنها الشخصيّة المُفضَلة في أدب ما بعد الكولونياليّة. الشخصيّة الماثلة أمامنا أمضت زمناً طويلاً في تعاطيها مع المُجتمع المحليّ (بلدة حدودية ما) الذي تديره الإمبراطوريّة فانسجمت تدريجياً مع تقاليد الناس وتفهَّمت طبيعة حيواتهم ومعتقداتهم، كلّ ذلك أفضى إلى أن تكون ببعديها النفسيّ والثقافيّ شخصيّةً إنسانيّةً مقبولةً ومرحَّباً بها أكثر من غيرها. لكنها أيضاً في معيار المصائر الروائيّة ضحية من ضحايا الإمبراطوريّة، بل يمكن القول إنها أسيرة حرب دائرة، وحكاية الأسرى هي جزءٌ لا يتجزأ من حكاية الحرب ذاتها. إلّا أن تلك الشخصيّة من ناحيةٍ أخرى يمكن اعتبارها أنموذجاً وجدانياً للرحَّالة التائه، المهووس بـ«الآخر»، قُل المكتشف والباحث عن اطمئنان وتصالح داخلي في ربوع هذه الصحراء الشاسعة بغموضها وجلالها الآسر. وبسبب ذلك كلّه فالقاضي ليس الشخص المُناسب لتأدية مهمَّة استعماريّة.

منزل القاضي الآمن إلى حدٍّ ما -مع خدم وموظفين محليّين- يتحوَّل بمرور الوقت إلى ما يشبه المُتحف (كتابات قديمة وتماثيل ولُقى وأدوات مختلفة لها أسرارها وقيمتها التاريخيّة) لذا فهو العقل الشغوف بتراث هذه المدينة، الباحث عن معنى حضارتها (الآثار بوصفها ملتقى ثقافات وبوتقة هويّة إنسانيّة جامعة)، ولكن بحكم عمله كموظف في إدارة الإمبراطوريّة فإنه يحاول في المُقابل أن يخلق علاقة قُربى بين السكّان المحليّين والثقافة المُهيمنة عبر سُنن وشرائع يجدها فعّالة لحكم هؤلاء الناس وإدارة شؤونهم. من هذه الزاوية يبدو القاضي بقلبه المُلتاع عاطفياً رجل الإمبراطوريّة المُهادن ، الرجل الذي يغلب هوسه الشخصي-الثقافيّ على تحقيق مصالح الإمبراطوريّة التي ترى فيه خائناً يستحقّ العقاب.

على عكسه تماماً يبدو العقيد «جول» بنظارته الشمسيّة المُريبة وتعابيره القاسية شخصيّة مؤمنة بقيم الاستعمار وأحقية مشروعه في النهب القاري الذي يحتِّم السيطرة التامّة على هؤلاء الناس المُتخلّفين الذين يحتاجون مَنْ يحكمهم. شخصيّة باردة ومتغطرسة هي انعكاس شكلي لحكام الإمبراطوريّة (أيّة إمبراطوريّة). سلوك القاضي لا يروق للعقيد جول (المُمثِّل جوني ديب)، ويجده الأخير غير فعَّال، بل إنه مضر بمصالح الإمبراطوريّة التي تريد أن تحمي حدودها من هجمات محتمَلة للبرابرة. لا بد إذن من وضع خططٍ محكمة لترهيب الناس لكي لا يفكِّروا مطلقاً بالتعاون مع الأعداء، فضلاً عن استجواب السجناء بأشدّ الطرق قسوة لانتزاع المعلومات الأمنية منهم. السجناء أناس بسطاء تمَّ إيداعهم السجن لأسبابٍ تافهة ليست لها أدنى علاقة بالتمرُّد على سيطرة الإمبراطوريّة.

بحكم عمله يفرض العقيد «جول» طرقاً جديدة للاستجواب وانتزاع الاعترافات من المساجين. لذا يعتبر أن الألم هو الحقيقة الوحيدة وأيّ شيء آخر هو موضع شكّ. من هذه الزاوية ستذكِّرنا شخصيّة «جول» بالكولونيل «ماثيو» في فيلم «معركة الجزائر» للمُخرج الإيطالي «بونتيكورفو»، والذي أوفدته الحكومة الفرنسيّة للقضاء على حركة التحرُّر الوطنيّ في الجزائر بعد عجز السلطات عن مواجهة هجمات الثوار المُتكرِّرة على المصالح الفرنسيّة. لكن عند التمعُّن بهذه المُقارنة سنكتشف أن «جول» رغم صلابته الظاهرة، شخصيّة هزيلة، انتهازية، تبحث عن مجدٍ شخصيٍّ ليس إلّا، فيما كان الكولونيل «ماثيو» الذي عاملته الكاميرا بسخاءٍ ملحوظ، رجل دولة يعرف ماذا يريد وكيف يصل إلى مبتغاه. يقول «إدوارد سعيد» في مقابلته الشهيرة مع «بونتيكورفو» إن ماثيو في فيلم «معركة الجزائر» ووليم ووكر في فيلم «احتراق» هما بالنسبة للمُخرج نمطان عقلانيان وجديان استوجبا التعامل معهما بمنطق واضح يقدرهما، وإن أفضى المسار الدراميّ في الفيلمين المذكورين إلى نبذهما واحتقارهما كشخصيّتين استعماريّتين بغيضتين.

من عزم الجنرال على تصفية القاضي إلى الاكتفاء بحبسه، تغيَّرت صورة الأخير وانقلبت رأساً على عقب لتصبح صورة عن شخصيّة هشّة منقادة لقدرها المحتوم بعد أن كانت متمرِّدة على سياسة الإمبراطوريّة وأساليبها القمعية بوعي أخلاقيٍّ ملحوظ. القاضي في نهاية الأمر وبفعل الإذلال الذي تعرَّض له يصبح ضائعاً بلا ميزة أو مرتبة ذات شأن، ضحية أخرى من ضحايا الإمبراطوريّة. ونحن نقترب من نهايته يتصاعد إيقاع الفيلم تدريجياً بعد ورود أخبار عن هجوم محتمَل للبرابرة على حدود الإمبراطوريّة وهي مكان مقفر متخيَّل أريد له أن يكون غامضاً من دون ملامح زمنيّة أو جغرافيّة محدَّدة. على الإمبراطوريّة إذن أن تغيِّر قواعد اللعبة تحسباً لما قد يحصل على حدودها الصحراوية. وإنْ بظهورٍ محدود يصبح العقيد «جول» ومساعده مانديل (المُمثِّل روبرت باتنسون) في قلب الأحداث الجارية، سعياً لمُعالجة الأمر الطارئ ووضع قواعد الحسم الأمنيّ للخطر المُحتمَل.

رجل كويتزي وإله كونراد

يتساءل القاضي الذي يشكّك في ولائه للإمبراطوريّة: إذا كان كلّ شيء مستتب في ربوع الإمبراطوريّة لماذا لا تتركون الناس وشأنهم؟ لماذا تقسون عليهم وتنغصون حياتهم طالما أنهم لم يعترضوا على النظام الذي وضعتموه لتسيير شؤون الحياة في هذه البلدة الصحراوية؟ وبمواجهة العقيد «جول» تخف لهجة القاضي وتصبح أسئلته مثل رجاءٍ أخوي لموظف خبير في إدارة شؤون الناس وفهم أنماط تفكيرهم. ربما أراد «كويتزي» أن يعلمنا بحقيقة أنّ الخداع والمُخاتلة يسهمان في تدمير روح الإنسان ويجعلانه بعيداً عن إحراز أي نصرٍ شخصيّ. من هنا سيصعب على قارئ هذه الشخصيّة استبعاد كلّ ما لها من سمات الرجل الأبيض (صورة استشراقيّة نمطية)، كما لا يمكن إنقاذ هذه الشخصيّة المُثيرة والمُتقلِّبة من سمات الجبن اللصيقة بالمُثقَّف الذي يتمسَّك بلعب أدواره التقليديّة في ظروفٍ عصيبة.

تلك السمات الشخصيّة اللينة للقاضي (أدى المُمثِّل مارك ريلانس دوره ببراعة) ستدفعنا إلى تقدير دوافع القوة والأنانية والتمايُز الفردانيّ لدى شخصيّة أدبيّة وسينمائيّة أخرى تقف على مسافة ليست بعيدة هي شخصيّة «كورتز» في رواية قلب الظلام لكونراد (1857 – 1924) التي اقتبس روحها العميقة المُخرج «فرانسيس فورد كوبولا» في فيلمه ذائع الذكر (الرؤيا الآن 1979). كان كورتز شخصيّة إشكاليّة مثيرة (موظف في شركة للبحث عن العاج) انسلخت من جسد الإمبراطوريّة التي تسبَّبت عدوانيتها بالمزيد من المجازر بحقّ السكّان المحليّين.

كورتز الذي يعتقد أنه يخدم الحقيقة المُغيَّبة بفعل أضاليل المُستعمرين سيندغم مع الطابع الأسطوريّ لمُعتقدات السكّان المحليّين بعد انهيار الركائز الأخلاقيّة للإمبراطوريّة المُتوحّشة التي خدمها طويلاً، يقرِّر النأي بنفسه والعيش بين هؤلاء الذين تصوِّرهم الأدبيّات الكولونياليّة كأقوام من البدائيين السذج. وبحكم ذاتيته المُكرِّسة للقوة (الشيء الذي تفتقده شخصيّة القاضي) يشعر كورتز أنه إله مُطاع عند قومه المُسالمين وعليه أن يخلق مملكته الخاصّة مثل قدر أوروبيّ يمكث في لاوعي السكّان ويتحكَّم بعواطفهم وحاجاتهم. هل كان كورتز والحال كذلك نسخة مضللة لاستعمارٍ جديدٍ ناعم؟

كان القاضي راضياً بعمله وإنْ بدا مشكّكا في غاياته، لكن الأمر الذي أطفأ ثقته بصواب عمله هو مقدم الجنرال «جول» الذي يعرف تماماً قدرات القاضي ونقاط ضعفه. فهو بالنسبة إليه عشية التحقيق معه بتهمة التعاون مع البرابرة، ليس أكثر من شخصٍ حالم أجهزت أشباح الصحراء على صواب عقله. على العكس تماماً من قوة كورتز المُلهمة، كان القاضي الشخص الذي يمكن للإمبراطوريّة التخلّي عنه بسهولة لصالح رجل أمن بلا خبرة، لكنه أكثر ولاءً وقسوة، وذاك هو التعبير الأمثل عن حلم الإمبراطوريّة في بسط سيادتها على العالم.

الإمبراطورية: صورة أخيرة

خلال التحقيق معه يسأل الضابط الشاب «مانديل» القاضي العليم بشؤون المُستعمرة الصحراويّة، ما هو برأيك سبب نقمة البرابرة علينا؟ ما سبب كلّ هذه المشاكل؟ يحيلنا هذا السؤال الاستعماريّ القديم والمُتجدِّد إلى سؤالٍ مماثل طرحه الأميركيّون عشية أحداث 11 سبتمبر: لماذا يكرهوننا؟

يجيب القاضي أن لا مشاكل تُذكر هنا قبل أن يأتي الغرباء بآلاتهم المُزمجرة وضجيج أسلحتهم لاعتراض مصالح الناس البسطاء واستغلالهم. يوماً ما سيحقُّ لهؤلاء الناس الدفاع عن حياتهم ومصالحهم. ألم يشي النقش البربري النادر بكلمة «انتقام» وتعني إذا قلبت اللوح «العدالة» ولا ندري أيهما المعنى المقصود؟ إلّا أن كلّ ذلك لا يقنع بحالٍ من الأحوال عقلاً استعماريّاً كعقل العقيد «جول» الذي يعتقد أن لا تاريخ هنا. هذا المكان هو لا شيء. نفاية لن يتذكّرها أحد.

أسوة بعقائد الإمبراطوريّات السالفة ليست أفكار العقيد «جول» صائبة دوماً وممكنة النجاح. في تاريخ الكولونياليّات بقيت العديد من الأسئلة غير مُجاب عنها. هذه الأفلام وتلك الروايات التي وثَّقت بصيغٍ مختلفة مراحل واقعيّة أو متخيَّلة من عصر الإمبراطوريّات الكبرى سعت جاهدة «لإعادة الثقة بالمُستقبل بقدر طرحها للعديد من الأسئلة المُزعجة التي لا جواب لها» بتعيبر إدوارد سعيد