حقيبتا «جان جينيه» السرِّيَّتان تكشفان عن نفائسهما

أيّام قليلة قبل وفاته في عام (1986)، عهد «جان جينيه» إلى محاميه وصديقه «رولان دوما» بحقبتَيْن ثمينتَيْن تمتلأان بالمسَوَّدات، من ضمنها سيناريو فيلم، كان «جينيه» قد كُلّف بإنجازه من قِبَل «دافيد بووي». هذا الكنز، الذي تنازل عنه لفائدة «معهد ذاكرات للنشر المعاصر»، يُعرَض، أخيراً، للجمهور، في مقرّ المعهد في «دير أردين»، غير بعيد عن مدينة «كون».

كان الكاتب والشاعر والمسرحي الفرنسي «جان جينيه» دائم الحرص على الاحتفاظ بحقيبتَيْه، وعدم التفريط بهما. أمّا عن محتوى الحقيبتَيْن فكان يتمثَّل في تدوينات نفيسة كتبها، بخطّ اليد، هذا الكاتب المتشِّرد الذي أمضى حياته دون أن يمتلك مكتباً، ودون أن يكون له مقرّ إقامة دائم، بل ظلّ، طيلة حياته، يتنقَّل بين غرف الفنادق هنا وهناك. وبعد مرور أربعة وثلاثين عاماً على تسليمها لمحاميه وصديقه «رولان دوما»، ها هو «معهد الذاكرات للنشر المعاصر» (IMEC)  يعرض، أخيراً، هذه الكنوز في «دير أردين»، بالقرب من مدينة «كون». وكان من المقرَّر افتتاح المعرض في 30 أكتوبر (2020)، قبل أن يتمَّ تأجيله بسبب الظروف التي صاحبت انتشار جائحة «كورونا».

جان جينيه (1985)

ولإدراك الأهمِّيّة الاستثنائية التي تحظى بها محتويات هاتَيْن الحقيبتَيْن، لا بدّ لنا من أن نستحضر أن الكاتب أكَّد، في منتصف الستينيات، أنه تخلّى عن الكتابة نهائيّاً. غير أن هذه المسَوَّدات تبيِّن أنّ الأمر لم يكن كذلك؛ فالكتابة تفيض وتتدفَّق، ولا يملك أن يحتويها، «وجينيه يكتب رغماً عنه ويكتب في كلّ مكان»، وفي كلّ وقت: على أوراق الصحف، وعلى أوراق الرسائل التي توفِّرها الفنادق، و«حتى على أوراق تغليف السكَّر»، كما يقول «ألبير ديشي»، الباحث المتخصِّص في أعمال «جينيه»، وأمين المعرض، وهو يحتفظ بكلّ شيء، مكدَّساً في حقائبه. إن الكشف عن هذه الوثائق غير المنشورة، والتي تتيح لنا النظر إلى نهاية حياة «جينيه» من زاوية مختلفة، لهُوَ حدث كبير.

ما الذي تحويه هاتان الحقيبتان؟

– في المرّة الأولى، التي فتح فيها أمين المعرض «ألبير ديشي» الحقيبتَيْن، كان يحاول تمالك نفسه من شدّة التأثُّر؛ فقد رأى «مغارة علي بابا صغيرة، وفوضى من المسَوَّدات بجميع أنواعها دفاتر من أيّام الدراسة، قصاصات صحافية دُوِّنت على هوامشها بعض الملاحظات، (…) ملصقات، منشورات، صحف خاصّة بحركة «الفهود السود». ثمّ كلّ هذه التدوينات، ما لا نهاية من التدوينات (…) هذه المادّة السير الذاتية التي ينهل منها لكتابة مؤلَّفاته». في هذه الفوضى، يمكن العثور على مقالات عن موسيقى الجاز، أو عن اليابان، ومشاريع كتب عن منظَّمة الفصيل الأحمر المسلَّح، وعن التمرُّد في السجون، وعن حزب الفهود السود، والعديد من المخطوطات التحضيرية لرواية «جان جينيه» التي نُشِرت بعد وفاته، تحت عنوان «أسير عاشق»، ثم تدوينات متناثرة من يوميّاته التي تَمَّ جمعها كاعتراف وحصيلة للحياة التي عاشها.

ولكن حقيبتَيّ الشاعر، الذي عاش على الهامش، ولم يغادر الأحياء الفقيرة، تحتويان، أيضاً، على سيناريوهين سينمائيَّيْن لم يتمّ نشرهما؛ الأوَّل بعنوان «إلهيّة – Divine» والثاني بعنوان «الليل – Nuit»، ومن المرجَّح أن يجد هذان العملان طريقهما للنشر قريباً، إذا وافق على ذلك «جاكي ماغليا» المكلَّف بتنفيذ وصيّة «جينيه». ويُعَدّ سيناريو «إلهيّة» مثيراً للاهتمام، بشكل خاصّ؛ فهو اقتباس سينمائي لرواية «جينيه» الأولى، «نوتردام دي فلور – Notre-Dame des fleurs»، التي صدرت في عام (1947). وقد كُتب هذا الاقتباس في منتصف سبعينيات القرن العشرين بناءً على طلب «دافيد بووي»، الذي كان يحلم بلعب دور البطولة في الفيلم. وقد تَمَّ التخلّي عن المشروع، الذي سمع عنه الكثيرون، دون أن يكون لدىَ أيٍّ منهم دليل على وجوده بالفعل، بسبب نقص في التمويل.

كيف تمكَّن «رولان دوما» من الحصول على هذا الكنز؟

– التقى «رولان دوما» بـ«جان جينيه» في أوائل الستينات، وقد حصل التفاهم سريعاً بين «المحامي الذي يتهافت المثقّفون على الاستفادة من خدماته» وبين «شاعر المعدمين». إذ من المعروف عن الرجلَيْن حبّهما المشترك للفنّ وللعالم العربي، وشغفهما، أيضاً، بتجاوز الحدود التي يقف عندها الآخرون عادةً. وبعد عشرين عاماً (في نيسان/أبريل «1986»)، كان «جان جينيه» منهمكاً، بكلّ طاقته، في العمل على رواية «الأسير العاشق»، مع أنه كان يستشعر، وهو في الخامسة والسبعين من العمر، بأن سرطان الحنجرة، الذي كان يعاني منه، ما كان ليمهله طويلاً، حيث وافته المنيّة في الخامس عشر من (نيسان/أبريل)، في غرفته في فندق بمدينة «باريس».

ذهب، إذاً، إلى منزل «رولان دوما» في جزيرة «سان لوي»، وهناك «وضع على المكتب حقيبتَيْن؛ واحدة مصنوعة من الجلد الطبيعي الأسود، والأخرى من الجلد الصناعي بنِّي اللون»، كانتا محشوَّتَيْن بتدوينات مكتوبة بخطّ اليد، ظلّ «جينيه» حريصاً على الاحتفاظ بهما، ثم توجَّه إلى صديقه قائلاً: «رولان، إليك كلّ أعمالي التي هي في طور الإنجاز، تصرَّف بها كما تريد!». مكثت هاتان الحقيبتان لمدّة (34) عاماً، لا أحد يدري بوجودها في مكتب المحامي الذي كان ينوي نشرها بنفسه في البداية، قبل أن يوافق، أخيراً، على مشاركتها مع آخرين، وفي نوفمبر (2019)، تبرَّع بهما إلى «معهد الذاكرات للنشر المعاصر»، وهناك تَمَّ الكشف، أخيراً، عن كلّ ما تحتويانه من كنوز، أمام الجمهور.

ما الذي كتبه «جينيه» بعد أن توقَّف عن الكتابة؟

– بين آخر إصدار نُشِر له، وهو مسرحية «المَساتِر» التي نشرت عام (1961)، ووفاته التي كانت في سنة (1986)، مرَّت خمس وعشرون سنة، وطوال هذه المدّة كلّها، لم ينشر «جينيه» أيّ شيء. صحيح أنه كان يحرِّر بعض المقالات والبيانات؛ نظراً لأنه كان، دائماً، يدعم نضال الأقلِّيّات والمستضعفين، كحركة «الفهود السود»، والمقاومة الفلسطينية…

اللافت لدى «جينيه» هو أنه في الوقت الذي بدأت فيه مسرحيَّاته تحقِّق له شهرة عالمية واسعة، وبعد انتحار رفيقه «عبد الله بنتاجا»، فنّان السيرك المغربي، بدأ الكاتب ينبذ الأدب، ويؤكِّد، أنه قد تخلَّى عن الكتابة، وأنه لن يلمس قلماً بعد ذلك.

إلامَ يصير كاتب هجَرَ الكتابة إلى غير رجعة؟ ماذا يصبح؟ بمَ يمكن تسميته؟ «ذلك هو السؤال الجوهري الذي تجيب عنه الحقيبتان، بشكل من الأشكال»، بحسب اعتقاد أمين المعرض. إنهما تشهدان على أن قريحة «جينيه» لم تجفّ، ولم ينضب معينها؛ «فرغم أنفه، ورغم ركونه إلى الصمت، غمرته الكتابة كالموج. الكتابة أقوى منه. والحقيبتان تَشِيان بسرّ هذه المعركة الفريدة من نوعها، التي انتهت بانتصار الكتابة على الكاتب». الكتابة انتصرت بالفعل؛ لأن «جينيه» سَلَّم في شهر نوفمبر، سنة (1985)، لدار النشر «غاليمار»، روايته «أسير عاشق»، وهي الرواية التي سجَّلت عودته إلى الأدب، ليحكي فيها عن نضالاته، ويتساءل عن مساره؛ كونه منحرفاً سابقاً، بدأ ممارسة الكتابة داخل أسوار السجون. هذا الكتاب الذي ترك مسَوَّدات تصحيحه على طاولة بجانب سريره، سيعرف، أخيراً، طريقه للنشر في شهر مايو/أيار، سنة (1986)، بعد مرور شهر واحد على وفاة صاحبه.

«هذا الكتاب هو سرد لأسفاره وتنقُّلاته الكثيرة لتتبُّع حركة «الفهود السود» في الولايات المتّحدة ومساندتها، ثمّ في الشرق الأوسط، بشكل خاصّ، حيث حَلَّ في عام (1970) لدعم القضية الفلسطينية»، كما يقول «ديشي». وهو لم يذهب إلى هناك بصفته مؤلِّفاً زائراً، بل بصفته مسافراً وحيداً يعبر الشرق الأدنى (الأردن ودمشق ولبنان والأراضي المحتلّة)، ويقضي فيه حوالي العامَيْن. وقد أقام «جينيه» في المخيَّمات، لأنه أخذ على عاتقه مهمّة تأليف كتاب لدعم النضال الفلسطيني، وهو ما سيتحقَّق من خلال نصّ سمّاه «جينيه» «رحلتي إلى الشرق». هل ينتمي هذا النصّ إلى أدب الاستشراق الذي يتغذّى على الغرائبية والمناظر الطبيعية؟ ألا يكون «جينيه»، في حقيقة الأمر، مجرَّد كاتب فرنسي مفتون بالشرق، الذي سكنه منذ طفولته، خاصّةً أنه كتب في «يوميّات لّص»: «لقد كانت طفولتي تحلم بأشجار النخيل»؟، يتساءل «ديشي» قبل أن يخلص إلى أن رواية «أسير عاشق» تمثِّل رائعة «جينيه» الأهم، لأنها نصّ أدبي «مصنوع من نسيج أحلامه»، بلغة «شكسبير»، وعمل سياسي لصالح الفلسطينيين، كتبه كاتب فرنسي عظيم لا يمكن أن نجادل في قيمته ومكانته، في الوقت نفسه، وهو المؤلِّف الذي يبقى، مع ذلك، على الهامش والذي لم يعثر لنفسه على وطن في أيِّ مكان كان ينتقل إليه، والذي سيقيم، نتيجة لذلك، علاقة خاصّة مع هذا الشعب المرَحّل الذي هو الشعب الفلسطيني».

تجدر الإشارة، في النهاية، إلى أن هذا المعرض قد تُوِّج بإصدار كتاب تحت عنوان «حقيبتا جان جنيه» عن «معهد ذاكرات للنشر المعاصر»، ويضمّ الكتاب مسَوَّدات «جان جينيه»، بعد أن وُضِعت في سياقها من طرف «ألبير ديشي». كما ستنشر بعض النصوص من الحقيبتَيْن في كُتَيِّب عن «دار ليرن» المرموقة والمتخصِّصة في إنجاز مونوغرافيات عن كبار الكُتّاب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لور نارنيون

العنوان الأصلي والمصدر:

Les valises de Jean Genet s’apprêtent à révéler leurs trésors

https://bit.ly/3rxZfzH

الأدب الرقميّ.. نحو تدشين فنّ غريب الأطوار!

لا تزال الصورة الذهنيّة التي يكوِّنها القُرَّاء عن الشِعر والشُعراء مرتبطةً، في كثير من الأحيان، برؤية رومانسيّة للعبقريّة المُنسَلة من ذاكرة التعاطي مع العَثرات والإبداع الوليد تحت وهج الشموع.. والواقع أن هذه الصورة الذهنيّة ربَّما لم تعُد حاضرة في زمننا الرقميّ الحالي، فقد تحوَّل الشِعر اليوم إلى ما هو أبعد من مجرَّد نصّ. لقد صارت هناك مفاهيم حداثية جديدة تربط بين جماليات الأدب والخوارزميات، وهو ما يُعرف بـ «الشِعر الرقميّ» و«روبوتات تويتر»، والصور المُركَّبة عبر «سناب شات».. باختصار، صِرنا نعيش الرقمنة بمختلف مناحيها، حتى أطلّ علينا «الشعر» من شُرفَة الحداثة.

«الشِعر الرقميّ»(1) الذي يُسمَّى بـ«الشِعر الإلكتروني» هو بدعة جديدة نسبياً من الأدب، يتأثَّر بمدرسة الواقعيّة والشعر المرئيّ الذي يعتمد على البنية البصريّة، حيث يتمُّ نظمه باستخدام أجهزة الكمبيوتر بصورةٍ شبة أساسيّة، إذ تبدو سماته وخصائصه مبهمة تماماً ومتداخِلة، نظراً لتداخلها مع أنماط أخرى من الأدب والفنون مثل النصّ التَشعُبي، الفنّ الإلكترونيّ، تقنية الهولوجرام المُجسَمة، الإنشاءات الفنِّيّة المُركَّبة والشِعر الصوتي. علاوة على آلية استخدام وتوظيف مقاطع الفيديو والأفلام.

كذلك تتمحور وضعية الشعر الإلكتروني فيما يخصُّ المساحة الفاصلة بين الكتابة الإبداعيّة وإعادة صياغة الترميز والفَنّ والعلوم الإنسانيّة الرقميّة. كما أن آليات عمله تنأى عن بنية الصحافة التقليديّة المُرتكِزة على الطباعة، ممّا يجعل عملية توثيقه والحفاظ عليه أمراً صعباً، وهو ما أكسب الشِعر الرقميّ سمة التآكُل والزوال السريع من الذاكرة النصّية، إلّا أن محاولات التوثيق الدقيق بإمكانها إنقاذ العديد من النصوص من التحلل التكنولوجيّ الحتمي بفعل الوقت.

من ناحيةٍ أخرى، لا يمكن إغفال أن هناك بعض الفَنَّانين لا يجدون غضاضة في أن تختفي أعمالهم بين عشيةٍ وضحاها، ممّا يجعل قصائدهم مجرَّد مُنتَج عابر على مستوى التصميم والغرض الأدبيّ. ومع ذلك لايزال الشعر الرقميّ يواصل مسيرته في التلاعُب بالكلمات والنصوص، بل ويتطوَّر على صعيد الشكل والمضمون، خاصّة وأن بنيانه، ورموزه، وجماليّته تجعله، بشكلٍ أو بآخر، أكثر أهمِّية من الشعر التقليديّ بفضل مواكبته للواقع اللحظيّ المعيش، ومن ثَمَّ أخذت القصائد الإلكترونيّة تنأى عن الكلمات المُعتاد استخدامها في الدواوين المطبوعة، ممّا جعل الشعر الرقميّ بمثابة تجربة عميقة وملموسة ومواكبة للإحداثيات بصورةٍ يصعب إنكارها، حتى وإنْ لم ترقَ إلى نفس درجة الإبداع.

لقد جادل «رومان برومبوشز»، وهو موسيقيّ بولنديّ وفنَّان وشاعر حداثيّ، فرضية أنه في حالة الشعر السيبرانيّ، ينبغي على المرء أن يتجاهل مفاهيم الشعر المُنتمية للقرن التاسع عشر. وذلك انتصاراً لمبدأ التفكير -بصورةٍ أكثر إغراقاً- في سياق التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر.. والسؤال الذي يطرح نفسه؛ كيف سيبدو القالب التفاعليّ بين الشِعر والتكنولوجيا بالضبط؟ وما الذي سيتمخض عن هذه التبادلية بين تلك الأطياف الإبداعيّة التي كانت في السابق وليدة الإلهام والخيال البشريّ دون تدخُّل الآلة؟

كنزعة مثالية تُذكي من قيمة الانفعال البشريّ والعواطف الإنسانيّة، تقف بعض الدعوات في وجهة اقتحام الآلة لمضمار هذه الأنماط الإبداعيّة الحداثيّة، التي تظلّ مرتكزة، في الأساس، على مُخرجات المكنونات الحسيّة، إلّا أن الإيقاع الحياتي قد اختلف وأصبح يفرض واقعاً جديداً يستلزم المُواكبة.. يمكن التوقُّف عند «الشعر الرقميّ» البولنديّ كنموذج، حيث يُصنَّف «الشعر الرقميّ» البولنديّ، بصفةٍ عامّة، إلى فئتين؛ هما: فئة «الشعر الارتجاليّ» ذات المُحتوى المُواكب للأحداث والمواقف الآنية بحسب درجة الانفعال بها، وفئة «الشعر الأكثر ديمومة» المُرتبط بـ «محفِّزات النَظْم».

يتَّسم الشعر اللحظيّ وقصائد «سناب شات» والومضات أو «تويتر بوت»(2)، بالاستعراضيّة والمُحتوى الخفيف، ولا تتكئ قصائده على قواعد مُنظِمة لعملية النشر، إذ يُنشئ الشعراء الرقميّون منشوراتهم عبر وسائط جديدة وفريدة من نوعها، وأثناء تعديل قواعد منصَّات النشر، تَسهُل إمكانية التلاعب بهذه النصوص. وغالباً ما تركِّز قصائدهم الإلكترونيّة على المشاعر العابرة والمُرتبِكة.

ابتكر شُعراء الرقمنة أيضاً، ومنهم الشاعرة البولنديّة «ناتاليا كريزمنيسكي – Natalia Krzemińska»، منصَّات برمجة، يمكنها توليد توصيات بشأن الأفلام القصيرة بناءً على المُراجعات والقراءات الموجودة بالفعل. إذا يمكن قراءة مراجعة نقديّة لفيلم مكوَّنة من جملتين فحسب، بدلاً من المُراجعات المطولة المليئة بالتفاصيل. والمُثير للدهشة أنّ النُقَّاد أنفسهم أصبح ينتهي بهم الحال إلى التعامل أيضاً مع منصَّات «تويتر بوت».

هناك أيضاً «إيوا سوبوليوسكا – Ewa Sobolewska» التي تقوم، في الوقت الحالي، بإرسال بريد إلكترونيّ عشوائي على (Twitter) بواسطة قراءات وتحليلات لا نهائية تضعها على لسان الشخصيّتين الخياليّتين «شرِك والحمار»، بطلي فيلم الرسوم المُتحرِّكة الشهير «Shrek»، فيما يحظى حسابها على تويتر المُعنون بـ (SzrekoMania / ShrekMania) بأكثر من 3000 تغريدة والعدد في ازدياد، لدرجة أن مستوى التفاعل يدفع للتصوُّر بأنه ذات يوم سيقوم الأبطال الخياليّون (Shrek & Donkey) بالتحكُّم في ردود المُتابعين، بل والمنصَّة بأكملها.. لقد نفَخت الرقمنة «الروح» في فضاءات «الخيال الإلكترونيّ»..!!

أيضاً لدى كلٍّ من الشاعرتين «آنا باناسك – Anna Banasik» و«صوفيا جنيت – Zofia Gnat» وجهتا نظر مختلفتان عن وسائل التواصل الاجتماعيّ، حيث تعكف «آنا» عبر حسابها (flarfworld @) على «انستجرام»، المُعنون بكلمة «توهج»، على إعادة اكتشاف المشاعر المُتضاربة التي يكتنفها الغموض والإرباك، وذلك من خلال قصائدها الإلكترونيّة التي تقوم بإنشائها بواسطة مُكثِّف بحث «Google». كذلك تنسج «صوفيا» قصص حب خياليّة، وتخلط، خلال سردها الشعريّ، ما بين أماكن الحياة الواقعيّة وصور تشبه سندات البورصة وأسهم الأوراق المالية، تماهياً مع مفهوم الصعود والهبوط الشعوريّ، في محاولة خلق روابط أدبيّة ابتكارية ذات مسحة واقعية مواكبة لإحداثيات العصر.

في المُقابل، يثير الشعر الإلكترونيّ على «سناب شات» مزاجاً غرائبياً. فعلى سبيل المثال، تنشر الشاعرة «Aldona Stopa» صوراً لشطائر (3)«Pierogi» التي (تتخذ شكل وجوهاً صغيرة مثل الإيموجي على فيسبوك)، وتضع بجوارها قصائد عاطفيّة تتماشى معها. تُوثِّق هذه الشطائر التعبيريّة الصغيرة، ذات الاقتباس الإلكترونيّ المأخوذ عن مواقع التواصل الاجتماعيّ، فترات مؤلمة وأخرى سعيدة وغيرها غاضبة أو قلقة – كلّ ذلك في سياق الشطيرة التي تحمل الإيموجي المُعبِّر عنها وفق التلازُم الشعريّ الجديد الذي ربط بين المعنى والصورة والرقمنة.

هناك أيضاً مولدات القصائد، وهي أيقونات تَنْظِم قصائد وفق مُدخلات المُستخدِم. هذه القصائد تمزج بين تقنية الوسائط الجديدة واللُّغة المُخلَّقة، إذ تُستخدَم برمجة الكمبيوتر في حياكة النصّ وتوليد معانيه من خلال الاستناد إلى خوارزميات تعتمد على آلية فهم اللُّغة. فهناك فنَّانون، أمثال «كاترزينا جيتسينيسكا – Katarzyna Giełżyńska» ابتكروا شعراً إلكترونيّاً يمزج بين الفَنّ الشبكي والرسوم المُتحرِّكة، حيث استخدمت «جيتسينيسكا» في شعرها ما يُعرَف بفَنّ الأخطاء الإلكترونيّة (4)«glitch art»، بالارتكاز على استخدام الخوارزميات واستدعاء المُحتوى الموجود بالفعل، فضلاً عن فكرة «القص واللصق».

أمّا مشروع الشاعر «غريغ ماروسينسكي» المُسمَّى «مشروع بيسوس»، فهو بمثابة احتفاء بالشخصيّة التليفزيونونيّة البولنديّة الشهيرة «ماجدا جيسلر»، النجمة المحبوبة ومقدِّمة برنامج الطهي البولنديّ الشهير «Kuchenne Rewolucje» (النسخة البولنديّة من برنامج الطهي العالميّ «MasterChef» -حيث ساعدتها شخصيّتها المُتوهِّجة وعلامتها التجارية الشهيرة (taglineshelped) على حشد عدد كبير من المُتابعين. كان «ماروسينيسكي» من بين هؤلاء المُتابعين لبرنامج «جيسلر»- حيث عكف في مشروعه على استدعاء عالَم مصغَّر لـ«جيسلر» بالاستعانة بمولد (5)«HTML»؛ ممّا أسهم في إنتاج مغامرات لا نهائية مع الشيف «ماجدا جيسلر» مزودة بنصوص متغيِّرة ومتنوِّعة باستمرار.

وعن «ليسيزيك أوناك» ومولده الإلكترونيّ المُعنون بـ«الفوز»، فهو يعتمد على أخبار المشاهير وقصصهم، بل ويركِّز تحديداً على المشاهير العالميّين الأكثر إثارة للجدل؛ مثل نجم الأكشن في التسعينيّات «ستيفن سيغال»، والمُمثِّل المسرحيّ الساخر «تشارلي شين»، والمُنتج ومغني الراب «كاني ويست»، وكذلك صاحب شركات الأدوية السابق «مارتن شكريلي»، حيث يعمل مولد النصّ الخاص بـ«أوناك» على خلط تويتات المشاهير مع بعضها البعض. ما يفعله مولد النصوص هو أحد أشكال العبثيّة والسخرية، وغالباً ما يكون المُحتوى عاكساً لمدى الاعتلالات الاجتماعيّة التي يعكسها البعض.

هناك أيضاً دار النشر «Wydawniczy Rozdzielczość Chleba – روزدزيلتشوي شليبا»؛ وهي عبارة عن مركز للنشر تمَّ إنشاؤه بواسطة كلٍّ من «ليسيزك أوناك»، «لوكاس بودجرنيه»، «بيوتر بولدزيان». وكان قيد العمل خلال الفترة من 2011 وحتى 2018. وهي منشأة معنية بإنتاج محتوى اجتماعيّ تكنولوجيّ. نشرت دار «روزدزيلتشوي شليبا» العديد من المجلَّدات الشعريّة. كذلك قامت بنشر روايات صغيرة ومقتطفات وعينات من تشكيلات الكلمات الخاصّة بعالَم ريادة الأعمال، فعلى سبيل المثال كانت شركة «Firmy» تبحث عن أسماءٍ مبتكرة ومبهجة للشركات البولنديّة المُسجَّلة التي غالباً ما تنتهي بكلمة «pol» أو «ex».

كذلك قامت الدار بنشر قصائد بعنوان «Pamiętne Statusy/ حالات لا تُنسى» – وهي مجموعة من المُلاحظات الفريدة من داخل عصرنا الرقميّ الحالي. يروي «لوكاس بودجرنيه»، أحد مؤسّسي الدار: «يمكن استلهام العديد من التجارب الغريبة، إذا ما كنت أحد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعيّ ومُلمّاً بكيفية التعامل معها»، حيث تتلاعب قصائد «بودجرنيه» بأنواعٍ مختلفة ممّا يعرف بـ«فنّ ما بعد الإنترنت»، وهو المزج بين فنّ الأخطاء الإلكترونيّة وفنّ تصميم الواجهات التفاعليّة وفنّ التفاعل البصريّ والموسيقيّ في آنٍ واحد. يستخدم «بودجرنيه» نصوصاً مشتقة من يوميّات (فيسبوك)، ممّا يدل على أن وسائل التواصل الاجتماعيّ يمكن أن تخلق طبقة خادعة (قابلة للتذكّر) من جانب المشاهير الزائفين. فغالباً ما تكون أنماط الشعر الإلكترونيّ غريبة وغامضة، ويمكن أن تخلق سُبلاً لإعادة التعامل مع التكنولوجيا؛ يمكنها أن تكون أيضاً الخطوة الأولى نحو تدشين فنّ رقميّ غريب الأطوار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أولجا تيسكيفيتش

المصدر:

https://culture.pl/en/article/emotional-pierogi-loaves-of-literature-polish-digital-poetry

الهوامش:

1 – الشعر الرقميّ: كلّ شكل شعريّ يستعمل الجهاز المعلوماتيّ وسيطاً ويوظِّف واحدة أو أكثر من خصائص هذا الوسيط.

2 – تويتر بوت: نوعٌ من البرمجة التي يتمُّ التحكُّم فيها من خلال واجهة برمجة التطبيقات. تعملُ حسابات البوت هذه على تنفيذ مجموعةٍ من الإجراءات مثل التغريد، إعادة التغريد، الإعجاب، إلغاء متابعة أو حتّى المُراسلة المُباشرة معَ حسابات أخرى. وتحكمُ هذه البوتات مجموعة من القواعد لتفادي سوء الاستخدام.

Pierogi -3: أحد أشهر الفطائر في دول وسط وشرق أوروبا.

4 – glitch art: تقنية إلكترونيّة تعتمد على استخدام الأخطاء الرقميّة أو التناظرية لأغراضٍ جماليّة.

5 – HTML: لغة ترميز النصّ التشعبيّ، وهي لغة الترميز القياسيّة لإنشاء صفحات الويب. وتصف بنية صفحة الويب.

كيف تغيَّرت الطريقة التي نتحدَّث بها في زمن الجائحة؟

فيما تُواجه عدداً كبيراً من دول العَالَم موجاتٌ متكرِّرة من الإغلاق لتسطيح منحنى العدوى بفيروس كورونا، يعكف خبراء اللُّغويّات حول العَالَم على دراسة «لغة» الجَائِحة. في مارس/آذار 2020، دخلت حياتنا اليوميّة مصطلحات مثل «تباعُد اجتماعيّ» «حَجْر صحيّ» و«عزل». وعلى الرغم من أن تلك المُصطلحات ليست بجديدة، إلّا أنها اكتسبت معاني جديدة تؤثِّر على إدراكنا للعَالَم من حولنا.

منذ منتصف شهر أبريل/نيسان الماضي تقوم «بيتسي سنيلر – Betsy Sneller» -الأستاذ المُساعد في علم اللُّغويّات الاجتماعيّّة بجامعة «ميشيجان» الأميركية (MSU)، بمُساعدة «سوزان واجنر – Suzanne Wagner» المدير المُساعد للمشروع ومعهما فريقٌ من الباحثين- بجمع رسائل صوتيّة من سكّان ولاية «ميشيجان» الأميركيّة لتتبُّع ما طرأ على اللُّغة من تغيُّرات خلال الجَائِحة. ويهدف المشروع الذي أُطلق عليه «يوميات MI» إلى تتبُّع تأثير أجواء التباعُد الاجتماعيّ والتعليم الافتراضيّ على اللُّغة، وذلك سواء على المدى القصير أو البعيد. تقول «سنيلر – Sneller»: «ولكن هناك أيضاً ذلك البُعد الإنسانيّ للأشياء (…) أنت تراقب مشاعر الأشخاص من أسبوعٍ لأسبوع، وكيف تتغيَّر بشكلٍ كبير الموضوعات التي يرغبون في الحديث بها».

في بحثٍ لجامعة «ميشيجان» الأميركيّة، تقوم «واجنر – Wagner» -الأستاذ المُساعد في علم اللُّغويّات- بوصف الحرب العالميّة الثانية بأنها تمثِّل منعطفاً حقيقيّاً في اللُّغة الإنجليزيّة لإحداثها تقارباً بين أناس لم يكن لتوجد بينهم أي علاقة. تقول «واجنر – Wagner»: «كان يتمُّ إرسال الجنود الى القواعد العسكريّة فيما دخلت النساء ساحة العمل لأول مرّة». وعلى العكس من ذلك، أجبرنا «كوفيد – 19» على التباعُد جسديّاً، جاعلاً من التعاملات الافتراضيّة شيئاً طبيعياً.

بدأت «سنيلر – Sneller» عملها في جامعة «ميشيجان» في منتصف شهر مارس/آذار 2020، وهو تقريباً نفس التوقيت الذي أعلنت فيه منظَّمة الصحَّة العالميّة حالة الطوارئ العالميّة بسبب الجَائِحة. مدفوعة بتصميمها على توثيق لحظة تاريخيّة، نجحت كلٌّ من «سنيلر» و«واجنر» في الحصول على موافقة مجلس المُراجعة المؤسَّسية في «ميشيجان» لإجراء الدراسة. وتقوم «واجنر» حالياً بلقاء فريق العمل مرّة أسبوعياً لوضع الأسئلة التي يتمُّ طرحها على المُشاركين. أمثلة لبعض الأسئلة التي يتمُّ طرحها: «ماذا كان شعورك في أول مرّة ارتديت فيها القناع خارج المنزل؟» أو «هل اضطررت أنت أو أحد المُقرَّبين إليك إلى إلغاء خطط مهمَّة؟». على الرغم من تعلُّق معظم الأسئلة المطروحة بالوضع الحالي الذي نعيشه الآن، إلّا أن بعض الأسئلة يتمُّ طرحها للتعرُّف بشكلٍ أكبر على المُشاركين، مثل «ماهي الأشياء التي تُشعرك بالامتنان؟». يقوم المُشاركون بتسجيل مدخلاتهم على هواتفهم الشخصيّة، ومن ثَمَّ تحميلها على تطبيق مشروع يوميات (MI).

تحقِّق تلك المُدخلات هدفاً أبعد من التوثيق اللُّغويّ، فهي تقوم بتتبُّع التغيُّرات الاجتماعيّة التاريخيّة التي طرأت تزامناً مع الجَائِحة. لاحظت «سنيلر» تحوُّلاً في نبرات أصوات المُشاركين خلال فترة الثلاثة أشهر التالية، تلقَّى فيها التطبيق عدداً أكبر من المُدخلات من أناسٍ يشعرون بالإحباط وفقدان الأمل. على الرغم من أن البحث مازال في بداياته، إلّا أن «سنيلر» لديها بعض التنبؤات حول الكيفية التي سيؤثِّر بها التباعُد الاجتماعيّ على طريقة الحديث، وبالأحرى فيما يخصُّ مصطلح «الجَائِحة». في بداية شهر أبريل/نيسان 2020، كان المُشاركون والعَالَم بشكلٍ عام غير متأكِّدين ماذا يطلقون على الفيروس، تقول «سنيلر» «كان لدينا أناسٌ يشيرون إلى الفيروس في جمل تتخلَّلها عبارات مثل «الأوقات السابقة» أو «الأوقات الحالية» أو كلمات مثل «إغلاق» و«حجْر صحيّ»، وأضافت أن الأغلبية متفقة الآن على استخدام مصطلح «الجَائِحة».

كلمات لعام غير مسبوق

في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أصدر قاموس أكسفورد للغة الإنجليزيّة (OED) تقريراً تحت اسم «كلمات لعام غير مسبوق». بعكس الأعوام السابقة، التي كان يتمُّ فيها اختيار كلمة واحدة لتكون كلمة العام (على سبيل المثال كلمة «طوارئ مناخية» لعام 2019) شعر المُحرِّرون باستحالة تلخيص عام 2020 في كلمة واحدة. تضمَّن التقرير عشرات الكلمات مثل «عنصرية ممنهجة/ systemic racism» و«انتقاد متعلِّق بالقناع/mask-shaming» وبالطبع كلمة «فيروس كورونا/Corona virus». وجاء في تحليل التقرير أنه في فترة ما قبل يناير/كانون الثاني 2020 ظهرت كلمة «فيروس كورونا» بمعدل 0.03 مرّة كلّ مليون رمز (وهو مصطلح لُغويّ يشير إلى أصغر وحدات اللُّغة). فيما شهد شهر أبريل/نيسان 2020 قفزةً هائلة في استخدام الكلمة المذكورة -متضمِّنة مشتقاتها مثل كلمة كوفيد- ليصل إلى 1.750 مرّة كلّ مليون رمز لُغويّ، ليصبح بذلك أكثر الأسماء استخداماً في اللُّغة الإنجليزيّة. تجدر الإشارة أيضاً إلى أن التقرير تضمَّن أكثر عشرين كلمة استخداماً في يناير/كانون الثاني 2020، مثل «حرائق غابات – bushfires» و«عزل الرئيس – Impeachment» و«ضربة جوية – airstrike»، أمّا في مارس/آذار 2020 فكانت جميع الكلمات الأكثر استخداماً ذات صلة بكوفيد. ومازال المُحرِّرون في (OED) عاكفين على تتبُّع التغيُّرات اللُّغويّة ذات الصلة بالجَائِحة، حتى أنهم قاموا بإصدار تحديثين إضافيين بخلاف تقريرهم ربع السنويّ المُعتاد. تجدر الإشارة أيضاً إلى وجود مزاعم بأن الكلمة الوحيدة التي تمَّ إفرازها نتيجة الجَائِحة هي الكلمة المُركَّبة «كوفيد – 19».

غير الناطقين باللّغة السائدة هم الأكثر عرضةً لاتخاذ قرارات أَقلّ وعياً

تعزي «الفريدا كايثلر – Elfrieda Lepp-Kaethler»، أستاذة علم النفس اللُّغويّ، هذا التغيير غير المسبوق في اللُّغة إلى السرعة التي انتشر بها الفيروس، والتي دفعتنا دفعاً إلى الفضاء الافتراضيّ. في فترة الإغلاق، بدأت «كايثلر» في إجراء أبحاث عن «الميمات»، فهي من وجهة نظرها أرضٌ خصبة لتغيُّر اللُّغة. تقول «كايثلر»: «تزدهر (الميمات) بناء على وجود أرضية من الفهم المُشترك» وتضيف أن «كوفيد» يمنحنا خلفية مشتركة تمكِّن الجميع من أن يكونوا مشمولين داخل الوضع ذاته، كما تشير إلى أن الجَائِحة أظهرت كيف يستخدم الناس الدعابة للتأقلم مع الأوضاع الصعبة.

في 2019، أنهت «كايثلر» دراستها في العلاج بالفَنّ التعبيريّ، وهو نوعٌ من العلاج يستخدم مختلف أشكال الفَنّ -كالرسم أو الكتابة- للمُساعدة في التشافي والنمو. في رأيها، الميمات شكل من أشكال الفَنّ التعبيريّ، لذلك فهي تحاول إدماج أبحاثها في الفصول التي تقوم بتدريسها. في مارس/آذار 2020، اضطرت «كايثلر» -شأنها في ذلك شأن العديد من الأساتذة- إلى استخدام نموذج التعليم عبر تطبيق «زووم – zoom». بشكلٍ عام، تسبَّب ذلك النموذج التعليميّ في عدد هائل من معوقات الاتصال، والتي أثَّرت سلباً على المُجتمعات المُهمَّشة، خاصّة إذا ما اقترن ذلك بسيل من المعلومات حول الجَائِحة والتي قد يكون معظمها غير دقيق. وقد أوضحت دراسة أميركيّة نشرتها دورية «تدريس اللُّغة الإنجليزيّة لغير ناطقيها /TOESL» في أغسطس/آب الماضي، أن التعليم الافتراضيّ أثَّر سلباً على الطلاب الناطقين بأكثر من لغة. وفي الوقت الذي تدفَّقت فيه المعلومات باللُّغة الإنجليزيّة، كانت هناك إمكانيات أَقلّ لدارسي اللُّغة الإنجليزيّة في أنظمة التعليم الأميركيّة، وذلك بسبب افتقارها للبنية التحتية التكنولوجيّة التي تمكِّنها من إدارة التحوُّل إلى التعليم عبر الإنترنت.

في الوقت نفسه، أقرَّت منظَّمة «مترجمين بلا حدود» (TWB) -والتي تعمل على ترجمة كل ما يختص بالصحَّة العامّة- في موجز سياستها العامّة، بأن المُجتمعات التي لا تتحدَّث اللُّغة السائدة قد لا تتمكن من اتخاذ قرارات واعية حول ماهية التصرُّف الأمثل خلال الجَائِحة. وأوضحت «إيلي كيمب – Ellie Kemp»، رئيس إدارة الاستجابة للأزمات في منظَّمة «مترجمين بلا حدود»، في حديث لمنصّة «ديفيكس – Devex» الإعلاميّة المعنية بمتابعة مؤشّرات التطوُّر العالميّة، أن الكلمات الاصطلاحيّة مثل كلمة «تباعُد اجتماعيّ» يمكنها أن تكون غير مفيدة على الإطلاق، لأن المُصطلح نفسه غير مألوف. وتقترح «كيمب» استخدام عبارات مثل «الحفاظ على مسافة من الآخرين» كبديل للمُساعدة على نقل التعليمات بشكلٍ أوضح. بالإضافة إلى ذلك، قامت منظَّمة «محامي كندا» بِحَثِّ سلطات الصحَّة العامّة على إتاحة كافة المعلومات المُتعلِّقة بلقاح «كوفيد – 19» لغير الناطقين باللُّغة الإنجليزيّة، وذلك نظراً لتزايد انتشار المعلومات المغلوطة حول أمان اللقاح. في الولايات المُتحدة الأميركيّة نجد أن البرنامج الخاصّ بمُراقبة اللقاح -التابع لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها- والمُصمَّم خصيصاً لتتبُّع الأعراض الجانبية للقاح «كوفيد – 19»، متاح فقط باللُّغة الإنجليزيّة.

للغة أهمِّيتها الحتمية

تقول «سنيلر» «نحن نجد أن اللُّغة مرتبطة بشكلٍ عميق بالهويّة الشخصيّة للأفراد، كما أنها غالباً ما تُظهر التاريخ الفرديّ والجمعيّ»، وتضيف مؤكِّدة «للغة أهمِّيتها!». نجد مثالاً واضحاً عندما قام الرئيس الأميركيّ السابق دونالد ترامب بتكرار كلمة «الفيروس الصينيّ». إن اللُّغة التي اختارها للإشارة إلى كوفيد أدت الى ظهور مشاعر معادية للآسيويّين عبر البلاد، وبالتبعية تزايدت حالات الاعتداء اللفظيّ والجسديّ بسبب مخاوف تتعلَّق بفيروس كورونا. واستجابة منها لذلك السيناريو، قامت منظَّمة الصحَّة العالميّة بالتغريد «إن الكلمات قادرة على تخليد أفكار وفرضيات نمطية سلبية، ممّا يعزِّز من إيجاد روابط غير حقيقيّة بين «كوفيد» وبعض العوامل الأخرى، كما تخلق حالة من الخوف واسعة الانتشار وتؤدِّي إلى تجريد المُصابين بالمرض من صفة الإنسانيّة». كان استخدام ترامب للمُصطلح متعمَّداً، وهو ما أكَّده مصوِّر صحافي تابع لجريدة «واشنطن بوست» حين التقط صورةً لمُلاحظات خاصّة بترامب خلال إحدى خطبه في مارس/آذار 2020، وكان قد شطب كلمة «كورونا» بخطٍ أسود عريض ليكتب مكانها كلمة «صينيّ».

استخدام الاستعارات/ التشبيهات ذات الصلة بفكرة «الحرب» خلال الجَائِحة ظاهرة لفتت أنظار خبراء اللُّغويّات، إذ حث أغلبهم على استخدام استعارات غير ذات صلة بفكرة الحرب لتشجيع الأفراد على اتباع احتياطات الأمان. فتشبيهات مثل «الحرب ضد فيروس كورونا» قد تؤدِّي إلى إحداث حالة من القلق لا داعي لها، الأمر الذي دعا اللُّغويّين حول العَالَم إلى التشاور بشأن إيجاد عبارات بديلة، وذلك من خلال تفعيل هاشتاج «#Reframe covid» (أعيدوا صياغة كوفيد). أعطت «كايثلر» مثالاً في استخدام لفظ «أبطال» للإشارة إلى العاملين بالصفوف الأمامية خلال الجَائِحة، مؤكِّدةً أن استخدام ذلك اللفظ يُبعد التركيز عن التحدّيات الإنسانيّة التي يواجها هؤلاء العاملون. وأخيراً، تشير «سنيلر» إلى أن حجم الدراسة النهائي مازال مجهولاً، وذلك لأنه مازال يتعيَّن عليهم الاستمرار في توثيق المزيد من المُشاركات حتى بعد إتاحة اللقاح وانتهاء فترة التباعُد الاجتماعيّ، وهو أمرٌ غير معلوم ميعاده حتى الآن.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

بيا آرانيتا

المصدر:

Tracking the Changing Ways We Talk in the COVID-19 Era

الحدود الحديديّة تجزئة للعَالَم

يشهد تشييد الجدران والحواجز، في القرن الحادي والعشرين، على تطوُّر الحدود في عالَم شديد الحركة، وكذلك على ازدهار سوق حقيقيّ للحدود. كتابه «تجزئة العَالَم»(1) يدرس الجغرافي «ستيفان روزيير»، دلالة الحواجز التي حلَّت محلّ الحدود في بعض المناطق من العَالَم، على غرار الجدران والفواصل في المجر، ثمَّ في الولايات المُتحدة، وإذ تهدف حواجز القرن الحادي والعشرين إلى الاستبعاد أكثر من الحماية، فإنها تعكس حالة من عدم المُساواة والظلم…

تعرض في كتابك «أقدم جدار حدودي» في سورية الحالية، الذي يرجع تاريخه إلى 2400 – 2200 قبل الميلاد، بطول 220 كيلومتراً كيف كان شكل هذا الجدار وما هي أغراضه؟

– اكتشف علماء الآثار الفرنسيّون والسوريّون هذا الجدار في سورية قبل وقتٍ قصير من انتفاضة 2011. ويعود تاريخه إلى أوائل العصر البرونزي الرابع (العصر البرونزي الذي بدأ حوالي 3000 قبل الميلاد). يتراوح عرض السور من 0.8 متر إلى 1.2 متر، وارتفاعه حوالي متر واحد، وبطول 220 كيلومترا، وكان مدعوماً في بعض الأحيان بالقلاع. هذا «الجدار الطويل جدّاً»، كما أطلق عليه علماء الآثار الذين اكتشفوه، ربّما حدَّد منطقة معيَّنة لمُمارسة أنشطة دائمة تجمع بين الزراعة وتربية الحيوانات إلى الغرب من الجدار، قبالة المناطق الواقعة إلى الشرق من الجدار، المُخصَّصة للبدو الرحل والرعاة. يشهد هذا الجدار على وجود قوّة مركزيّة قادرة على إدارة هوامشها على مسافاتٍ كبيرة. سور الصين العظيم، أو بالأحرى الجدران، تستمر في تقدُّمها في منطقة أخرى من العَالَم بأهداف متشابهة (إبقاء البدو على مسافة).

تغيّر معنى وشكل هذه الحواجز بمرور الوقت، مع ظهور الأسلاك الشائكة على وجه الخصوص. في سياق الاستعمار، يندرج الفصل ضمن إطار عالمي من الإكراه. ما هي الحواجز الحدودية التي ترمز لتلك الفترة في نظرك؟

– الحاجز الذي بناه الإيطاليّون على الحدود بين ليبيا ومصر في الثلاثينيّات من القرن الماضي يعتبر أساس التقنيات المُعاصِرة في هذه المنطقة (خط مزدوج من الأسوار المكهربة، معزَّزة بالأسلاك الشائكة، ويحدها طريق دورية). كان العَالَم الاستعماريّ مجالاً للتجارب السياسيّة. لقد نشر العَالَم أشكالاً من الهندسة العرقيّة (التهجير الاستبداديّ للسكّان) على نطاقٍ جديد (ترحيل الهنود إلى أميركا الشماليّة، وتهجير الشعوب الرافضة للنظام الاستعماريّ في الإمبراطوريّات المُختلفة، بما في ذلك ليبيا أو الجزائر، وغالباً للاستيلاء على أراضيها). في مواجهة السكّان الأصليّين المُتمردين، سلَّط الاستعمار أشدَّ أنواع العنف.

لذلك تمَّ اختبار السياج الحدوديّ كأداة للهيمنة الاستعماريّة (من بين أمورٍ أخرى). صمَّمتها دول «الشمال» القويّة للسيطرة على «الجنوب»، لكنها أصبحت لاحقاً أداةً للفصل حتى بين بلدان الشمال خلال «الحرب الباردة» (الستار الحديديّ)، ثمَّ انتشرت في القرن الحادي والعشرين كأداةٍ «سياسيّة بيولوجيّة» لإدارة التنقلات البشريّة. إن مفهوم السياسة – السياسة القائمة على بناء الجدار، يقوم على هذه الأفكار ويحيل بالتحديد إلى هذا الغرض من «الحواجز» التي هي أولاً وقبل كلّ شيء أدوات لإدارة التدفُّقات البشريّة. الغرض من الحاجز هو إجبار الأفراد على التفتيش عند نقاط العبور الحدوديّة أو في نقاط التفتيش بشكلٍ عام.

جدار برلين ترك انطباعاً بمظهره الهائل، وامتداده أيضاً تحت الأرض منذ أن تمَّ تقسيم المدينة إلى قسمين ولما يحمله من أبعادٍ رمزيّة. ومع ذلك، كان يهدف لمنع الأفراد من مغادرة المدينة بدل الدخول إليها. هل ألهم هذا «السياج» الرمزيّ للحرب الباردة الحكومات الأخرى؟

– تمَّ بناء معظم الجدران والحواجز الحدوديّة بشكلٍ فعَّال لمنع دخول محيط معيَّن (المنطق الدفاعيّ السائد في المُجتمعات المُغلقة) بدلاً من المُغادرة (منطق السجن). إذا كان للستار الحديدي في البداية غاية دفاعيّة، فقد تمَّ تحويله بشكلٍ فعَّال إلى أداة سجن، وكان الغرض من جدار برلين بالفعل هو منع هروب الألمان الشرقيّين إلى المناطق الغربيّة من برلين. اليوم، الدول التي تحظر مغادرة أراضيها قليلة جدّاً. بشكلٍ عام، تغلق العديد من الأنظمة حدودها، ليس بالضرورة من خلال بناء الحواجز، ولكن من خلال فرض أنظمة قانونيّة مقيِّدة للغاية بشكلٍ عام للمناطق الحدوديّة. لقد ألهم جدار برلين الحكومات الأخرى من وجهة نظر فنِّيّة، إنه بالفعل نموذج أولي لأسوار المدينة المُعاصِرة (القدس). لاحظ أن تكلفة بناء الجدار أعلى بكثير من بناء السور (بمتوسط ​​سعر لا يقلّ عن مليون دولار لكلّ كيلومتر)، لذلك النسخ المُقلّدة لجدار برلين نادرة.

تُظهر بوضوح أن الحواجز من المُرجَّح أن تمنع التدفُّقات غير المشروعة والإرهاب. إنها تكشف عن عدم تناسق في التنقل، وعادةً ما يكون السكّان الأكثر هشاشة هم العاجزون عن عبور الحدود. ألا يوجد تناقض بين عالَم الحركة الفائقة وتضاعُف الحواجز؟

– حواجز الحدود هي في الواقع، قبل كلّ شيء، أدوات لإدارة ومراقبة التدفُّقات البشريّة – «غير القانونيّين» هم كلّ أولئك الذين يتهرَّبون من المُراقبة. فيما يتعلَّق بانسياب التدفُّق، علينا التفكير في فئات جيّدة. العَالَم متحرِّك للغاية، نعم، ولكن فقط لفئتين من الأفراد: الأفراد «المُناسبون» (أصحاب جوازات سفر جيّدة، ومستوى معيشيّ مرتفع) و«المطلوبون» (أصحاب الدبلومات المُلائمة، والمُؤهلات المطلوبة). في تقسيمه للبشرية إلى قسمين، أشار الجغرافيّ ماثيو سبارك (2006) إلى وجود «مواطنة فئة رجال الأعمال»، تسافر بسهولة وتعبر الحدود دون صعوبة. وفي المُقابل يمكن أن نميِّز بشكلٍ ديالكتيكي فئة «المُواطنة منخفضة التكلفة» التي تتكوَّن من الأفراد الذين أصبح العَالَم بالنسبة لهم أقلّ قابلية «للتنقل والحركة».

يمكن أن يكونوا فئاتٍ اجتماعيّة متوسّطة، لكنهم بدون أوراق، وبالتالي يمكن أن يدفعوا لعصابات المُهرِّبين، أو في أسفل السلم، الفقراء الذين ليست لديهم أوراق، والذين يخضعون فعلياً للإقامة الجبريّة (أو المُحاصرون!) من قِبل نظام الحدود العَالَمي. عبَّرت «آن لوري أميلا سزاري» و«فريديريك جيراوت» (2015) عن درجة مرونة الحدود هذه التي تعتمد على طبيعة الأفراد الراغبين في عبورها، بمُصطلح «قواعد الحدود». إنّ حركيّة الأفراد، أو «قواعد الحدود» هذه، تعتمد الآن على المعلومات الشخصيّة التي نوافق على تقديمها إلى السلطات المُشرفة.

تطوَّرت الحواجز إلى سوقٍ مربح بمواد وتصميمات ومعايير محدَّدة. مَنْ هُم المُستفيدون الرئيسيّون من «تجزئة العَالَم»؟

– كتبت «كلير رودييه» (2012) عن التجارة المُربحة لـ«كره الأجانب». تتجسَّد هذه الأعمال المُتعلِّقة بمراقبة الحدود والقمع من خلال ما يمكن تسميته بالتجمُّع «الأمني ​​الصناعيّ» الذي يعدُّ الفاعل الرئيسيّ في السياسات الاقتصاديّة المُعاصِرة. تتكوَّن قاعدة هذا «المجمع»، وهو تجسيد جديد لـ«المجمع الصناعيّ العسكريّ» للحرب الباردة، من الشركات الخاصّة. في الواقع، تزامن تراجع الحروب بين الدول والتهديدات العسكرية البحتة، أو نهاية «الحروب الكبرى» حسب نظريّات المُؤرِّخ «جون مولر»، مع ظهور تهديدات جديدة: أوسع وأكثر انتشاراً ضمن مفهوم الأمن. ومن المُثير للاهتمام أن الأدوات المُستخدمة للتحكم في الحدود (عند نقاط العبور الحدوديّة وعلى طول خط الترسيم) غالباً ما تكون مماثلة للأدوات المُستخدمة لحماية المطارات والمناطق الحرّة وكلّ منطقة بدخول مقيّد. يمكن أن تكون الأسوار الحدوديّة، مثل الكاميرات وأجهزة الاستشعار، مماثلة تماماً لمناطق التسوُّق العادية. تعتبر الحدود أحد الأسواق من بين أسواق أخرى للشركات في المجمع الصناعي الأمني ​​الذي يلبي احتياجات الأفراد أو المجموعات (على سبيل المثال المُقيمين في مجتمع مسوّر) أو الشركات أو الدول (مثل شركة «Schlage» الأميركيّة التي توفِّر أجهزة الحماية للأسر، وكذلك المُعدات البيومترية لشرطة الحدود).

لا تتوقَّف هذه الحواجز عن التطوُّر حتى أصبح «من غير الممكن اجتيازها»، ولكنها تشكّل أساس إستراتيجيّة كاملة من الحلول البديلة للعابرين. هل الحدود المُغلقة تماماً موجودة حقّاً؟

– لا. لا توجد حواجز يتعذَّر اجتيازها، ولكن مثل الباب الأمامي للمنزل، يمكن أن يكون الاقتحام (أو تجاوز الحواجز) مسألة وقت أطول أو أقصر. إذا استمر الضغط على الممر وقتاً طويلاً، فإنّ «غير القانونيّ» أو السارق يأخذ المزيد من المخاطر. لقد صُدِمت لسماع مدير شركة «Eurotunnel» أثناء زيارة جماعيّة مع الجغرافيّين الآخرين من موقع «Coquelles»، وهو يبيّن أن الأنظمة التي تمَّ إنشاؤها مصمَّمة للإبطاء، للردع، لكن المُهاجر الذي يريد حقّاً المرور، سوف يمر في النهاية. هذا ما يجعلني أعتقد أن الحواجز، التي يتمُّ بناؤها دائماً على حساب دافعي الضرائب، قد لا تكون ضرورية. في الواقع، أنا أتفق مع مفكِّرين مثل «كاثرين ويتول دي ويندين» أو «فرانسوا جيمين» الذين يدافعون عن حرّيّة التنقُّل وفتح حقيقي للحدود، وهو الانفتاح الذي يسمح أيضاً للمُهاجرين بالعودة إلى بلدانهم، بدلاً من حبسهم داخل البلدان المضيفة.

أي الحدود يجسّدها كتابك بشكلٍ أفضل ولماذا؟

– سؤال صعب. يجب أن نختار نموذجاً أصلياً. الآن، ما هو الحاجز الحدودي اليوم؟ بشكلٍ عام، يعدُّ هذا أولاً وقبل كلّ شيء عقبة أمام كبح الهجرة غير المرغوب فيها. تستهدف الحواجز أو «الجدران» تدفُّق المُهاجرين في طريقهم إلى منطقة أكثر فرصاً من تلك التي يأتون منها. في الوقت نفسه، نلاحظ أن البضائع من نفس المناطق مرحب بها (التجارة الحرّة هي عقيدة عالميّة، فقط الحركة الحرّة هي المُشكل، كثيراً ما أكرّر لطلابي أن الإنسان هو حبة الرمل التي تعطّل تروس عولمة البضائع). وبالتالي، أودُّ أن أقول إنّ حدود الاتحاد الأوروبيّ في المُستوطنة الإسبانيّة المُحصنة سبتة ومليلية، بالأسوار العالية والمذهلة (لكن رغم كلّ ذلك تقطعها بانتظام موجات من المُهاجرين) ستكون بلا شكّ أفضل مثال، بالإضافة إلى ذلك، إنها تعكس بشكلها المُذهل للغاية مشهد «تجزئة العَالَم» الحالي (بعبارة العنوان الفرعي لكتابي).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: أنتوني غيون

المصدر:

https://www.nonfiction.fr/article-10716-cloisonner-le-monde.htm

الهامش:

1 – Stéphane Rosière, Frontières de fer: Le cloisonnement du monde, 2020, Syllepse, 181 pages.

ما الذي تكشفه أطروحات المؤامرة خلال وباء «كوفيد – 19»؟

يحلّل «أوليفييه كلاين»، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة بروكسل الحرّة، أسباب انفجار نظريّات المؤامرة منذ بداية الوباء، ونتائجها.

يعتبر نجاح الفيلم (الوثائقي) التآمري، Hold-up، الذي يدّعي كشفه مؤامرة وراء أزمة فيروس كورونا، أحدث أعراض هذا الفكر. منذ بدايته، اقترن وباء «كوفيد 19» بـ «وباء المعلومات»: وباء المعلومات الكاذبة، وخاصّة نظريّات المؤامرة.

وفقاً لهذه الأطروحات التآمرية، تمَّ صنع الفيروس في المختبر، وحظي حتى ببراءة اختراع، وسيحتوي اللقاح على تقنيات النانو، وستعمل الحكومات على تعميمه بهدف التحكّم في السكان…

لفهم أسباب وعواقب هذا الانتشار الواسع في نظريّات المؤامرة، أجرى موقع franceinfo مقابلة مع «أوليفييه كلاين»، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة بروكسل الحرّة، والمتخصّص في المؤامرة.

هل يفاجئك هذا «الوباء المعلوماتي» الذي ندّد به المدير العامّ لمنظَّمة الصحّة العالمية في مارس المنصرم؟

– لا، ليس مفاجئاً. في أوقات الأزمات، تنتشر المعتقدات ذات الطبيعة التآمرية؛ فتستجيب نظريّات المؤامرة إلى ثلاث حاجات نفسية رئيسية؛ أوّلها معرفي، حين يسعى الناس لفهم ما يجري. وتعمل نظرية المؤامرة كشبكة بسيطة لتحليل واقع معقّد. إنها تقدِّم تفسيراً في خضمّ حالة من عدم اليقين. أما الثاني فهو الشعور بالرضا، أيّ أن تكتسب نظرة إيجابية لذاتك. فالأزمة تسبّب حالة من الوهن النفسي. تسمح لنا نظرية المؤامرة باستعادة التحكّم؛ عندها يمكننا التحرّك، كما يمكننا المقاومة. قد نقرّر عدم ارتداء القناع. لم نعد قطيعاً يكتفي باتِّباع تعليمات سلطة، لم نعد نثق بها كثيراً. أمّا الدافع الثالث فهو التواصل مع الآخرين، إذ يجب أن تكون قريباً من أشخاص آخرين. إنها فطرة إنسانية أساسية. مع الحجر المنزلي، يكون الناس أكثر عزلة، وتصبح شبكاتهم الاجتماعية محدودة أو مهدّدة. تسمح لنا المؤامرة بأن نصبح أعضاء في المجتمع. إن مشاركة نظريّات المؤامرة، التي تشكّك في الخطاب السائد، تمكّن من تكوين هويّة قيّمة. ففي كلّ مرّة تشارك فيها غيرك مقطع فيديو جديداً، يستجيب أصدقاؤك وأعضاء المجموعات، وهذا يزيد من شأنك.

فيروسات، لقاحات، 5G، عملة مشفَّرة.. ألا نشهد، مع هذا الوباء، «تشابك نضالات» تآمرية؟

– غالباً ما يؤمن الأشخاص الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة، بالآخرين، لكن ما أذهلني، مع هذا الوباء، هو تقارب المجموعات رغم تباين أصولها كلِّيّاً، وإعلانها، بشكل جماعي، عن نظرية المؤامرة نفسها.

فمن ناحية، نجد مجموعات من اليمين الأميركي، وأقصى اليمين، شعبوية، ترامبية؛ ومن ناحية أخرى، نجد كلّ هذا الفضاء، الذي لا علاقة له بالطبّ البديل والذي يغذّي، بشكل خاصّ، الحركة المضادّة للّقاحات، وهذا ما تطرّق له، بشكل خاصّ، فيلم Hold-up.

طريقة تعامل السياسيين مع الأزمة الصحِّيّة واجهت انتقادات على نطاق واسع. إلى أيِّ مدى يغذّي مناخ عدم الثقة في الحكّام الفكرَ التآمري؟

– فقدان الثقّة في الحكومات تفاقم بسبب هذه الأخطاء الإدارية. لكن هذه المؤامرة قسّمت المجتمع إلى فئتَيْن رئيستين؛ الأولى أناس عاديّون، وأناس بسطاء، وآخرون فضلاء، من ناحية، والنخب الجشعة التي تحاول التحكّم والاستغلال، من ناحية ثانية.

في Hold-up، هناك معارضة شديدة الوضوح. هذه النخب تضمّ السياسيين، كما تضمّ الصحافيين والعلماء والمؤسَّسات أيضاً، وكلّهم من أتباع السلطة.

يشعر المتآمرون أن صحافيِّي وسائل الإعلام التقليدية يوالون الحكومات؛ لذلك هناك فقدان كامل لشرعية الخطاب الصحافي، وهذا -بدوره- يسمح بإضفاء الشرعية على خطاب المؤامرة، لأنه محلّ شكوك الصحافيين.

هناك، أيضاً، في فرنسا، فقدان مقلق للثقّة في العلم والخبراء. والحقيقة أن شخصيات مثل البروفيسور «ديدييه راولت»، و«كريستيان بيرون» (من مؤيِّدي استخدام هيدروكسي كلوروكين كعلاج لفيروس كوفيد – 19) أو صاحب جائزة نوبل للطبّ، «لوك مونتانييه»، (الذي دافع عن أطروحة الفيروس المصنّع في المختبر، انطلاقاً من فيروس الإيدز)، يقدِّمون أنفسهم، أو يتمّ تقديمهم كضحايا للنظام، الذي شجّع على انتقال الخيال التآمري إلى المجال العلمي.

هل هناك صورة اجتماعية أو سياسية نموذجية للمتآمر؟

– من وجهة نظر علم الاجتماع، غالباً ما تنتشر نظريّات المؤامرة لدى الأشخاص الذين لديهم إحساس بالضعف. إنهم ليسوا، بالضرورة، أفقر الناس، بل هم أولئك الذين يشعرون بالهشاشة، الذين لديهم انطباع بأن شيئاً ما قد سُلب منهم أو أُعطِي للآخرين؛ لذلك ليس مستبعَداً أن يتبنّى أصحاب «السترات الصفراء» نظريّات مؤامرة تتوافق مع هذا النوع من البروفايلات. كتب «جوزيف أوسينسكي»، أحد أعظم المتخصّصين في المؤامرة الأميركية، في كتابه: «نظريّات المؤامرة تُصنع للخاسرين»، وهذه العبارة مناسبة للغاية.

من وجهة نظر سياسية، تكون معتقدات المؤامرة أكثر وضوحاً على اليمين منها على اليسار، وأكثر لدى أقصى اليمين منها لدى أقصى اليسار. تتحدّى نظريّات المؤامرة الخطاب السائد؛ لذلك من المنطقي أن يميلوا إلى الأقصى. يحمل اليمين المتطرِّف، أيضاً، أيديولوجية تحرُّرية للغاية، تتوافق مع نظريّات المؤامرة التي ترى أن الدولة ترغب في التحكّم في الأفراد.

متى ننتقل من التساؤل إلى الشكّ، ثم إلى المؤامرة؟

– هناك العديد من المسارات الفردية، لكن يمكننا وصف مسار نموذجي إلى حَدّ ما: نجد أنفسنا في لحظة شكّ، وعدم يقين، فيما يتعلَّق بتجربة شخصية أو وضع اجتماعي، ونسعى للحصول على إجابات. وضع يؤدّي إلى وضع آخر، ولا نتعلّق بالخطابات، فحسب، بل بأصحاب الخطابات، أيضاً.

سوف ننخرط في هذه المجتمعات حين نعمل على مشاركة تلك الخطابات، ويمكن أن يكون مجتمعاً افتراضياً. نرتبط عاطفياً بشبكة من الأشخاص الذين نتفاعل معهم، ونثق بهم، وستسمح لنا هذه الهويّة الجماعية بالشعور بالانتماء. هذا الاعتقاد ينظّم حياتنا الاجتماعية، ويصبح جزءًا من هويَّتنا الاجتماعية.

التنشئة الاجتماعية، في تلك المجتمعات، تعني أننا سننتقل من وضعية الشّك وعدم اليقين إلى التماهي مع تلك الخطابات. ما إن تدخل إلى المجتمعات المذكورة، حتى تجد نفسك في نظام إعلامي معارض كلّيّاً، من شأنه أن يروّج لسلسلة كاملة من المعتقدات، وسيحدّد طبيعة المعلومات التي سنتقبّلها.

هل يمكن إقناع المتآمر بخطاب معقول؟

– إن الدعوة «للإقناع بخطاب معقول» تفترض أننا على صواب، وأنهم مخطئون. الأمل يكمن في تحريك المؤشِّر. ما يمكنك أن تأمل فيه هو أنه، بعد مناقشتهم، يتراجع اعتقادهم بنسختهم بعض الشيء، وتصبح النسخة المقبولة، عموماً، منطقية، في نظرهم، أكثر من ذي قبل. إنه هدف يجب أن نكون قادرين على تحقيقه.

بقولنا: «أنتم متآمرون»، أنت تقول في الوقت نفسه: «أنا لست متآمراً»، وأنت تبني العلاقة كما تَمَّ التعبير عنها في هاتَيْن الهويَّتَيْن المتعارضتَيْن. ابتداءً من اللحظة التي تبدأ فيها نقاشاً قائماً على ما يميّزكما، لن يعتبر ذلك نقاشاً.

للتحدّث مع الأشخاص الذين يتبنّون نظريات المؤامرة يجب، أوَّلاً، إيجاد أرضية مشتركة، ومشاركة ما يوحّدنا عوض ما يفرقنا، في هذه الحالة، يمكننا اعتباره نقاشاً، و- من ثَمَّ- يبدو لي أنه من المهمّ، بشكل خاصّ، تحديد مصدر للانسجام والاتِّفاق، أو، على سبيل المثال تساؤل، أو حتى شعور بعدم الرضا فيما يتعلَّق بطريقة إدارة الوباء. في بعض الأحيان، هذا لا يعمل. هناك أشخاص يتمسَّكون بهويَّاتهم حتى أنهم لا يريدون تعريفاً مختلفاً للعلاقة مع الآخر.

في هذه الحالة، من الصعب، للغاية، تغيير آراء هؤلاء، لأننا لا نشكّك في المعتقدات فحسب، بل في ما يشكّل وجودهم، وينظّمه. يصبح ذلك تشكيكاً في وجودهم كلّه، بدلاً من التشكيك في مثل هذه القناعات. الخطاب العقلاني يجد أمامه سدّاً منيعاً. وهذا يشبه -إلى حَدٍّ ما- محاولات التخلّص من الأفكار المتطرِّفة، التي لا تنجح دائماً.

الآن، إذا ناقشنا الحقائق بحدِّ ذاتها، فإني أنصح بذلك؛ لا على أساس نظرية المؤامرة برمَّتها، بل انطلاقاً من عنصر أو حقيقة تبدو مقنعة بشكل خاصّ، للشخص، وتفكيكها بعمق وبأكبر قدر ممكن من الانفتاح، وهذا يريحنا من عناء الجدال الذي لا ينتهي. إذا حاولنا التحقّق من صحّة كلّ الحجج، فلن نخرج من المتاهة.

هل يعني ذلك أن تدقيق الحقائق، والتحقّق من الوقائع من قِبَل الصحافيين غير مجدٍ؟

– هذا ما كنّا نؤمن به لوقت طويل، لكنه ليس صحيحاً. قبل بضع سنوات، كشفت أبحاث في علم النفس عن وجود تأثير ارتدادي لعملية التحقّق من الحقائق، حيث يتمسّك الناس بأفكارهم أكثر، كلَّما كشفنا تناقضاتها. لكنّ هناك اعتراضاً على هذه الفكرة.

تدقيق الحقائق جهد ضروري. إنه ضروري وعمل جيّد، لكنها واحدة من بين عدّة أدوات أخرى، يجب استخدامها بحذر. مثلاً، عندما ينقل شخص ما خطاباً تآمرياً، قد نقابله بمقال «ندقّق فيه الحقائق» يعمل على تفكيك معتقداته، مصحوباً بتعليق مقتضب، فهذا هو أسوأ طريق للقيام بذلك. من الأفضل إرسال المقال دون اعتباره شكلاً من أشكال الحقيقة المطلقة، بل كمعلومات للنقاش، يمكن، من خلالها، بدء النقاش.

التحقّق من صحّة الحقائق مفيد حقّاً، خاصّةً مع الأشخاص المهمَّشين قليلاً، وغير المقتنعين تماماً. لكن مع المتآمرين الأقوياء، هذا لا يكفي، لأنهم سيعمدون إلى تشويه المصدر نفسه.

ألا تخشون من تعزيز المؤامرة بالرغبة في محاربتها؟

– منذ اللحظة التي تسعى فيها جميع وسائل الإعلام التقليدية إلى الذهاب بعيداً، بقولها إن «هذا الفيلم الذي تحبّونه كثيراً مجرَّد هراء»، يتعزّز شعورنا بأن هذه الوسائط لا تتحدّث عنا.

عندما نسمع جوقة تقوم بتشويه خطاب حقيقي في نظرنا، حتى لو كان مشكوكاً فيه من الناحية الواقعية، فإن ذلك يمكن أن يعزّز شعورنا بالانتماء إلى مجتمعنا.

ولمّا كان الصحافيون يفكّكون الخطاب الذي ينقله المتآمرون، فمن السهل عليهم التشكيك في أيّة محاولة للتحقّق من خطابهم، بالقول إن الصحافيين ووسائل الإعلام في خدمة السلطة والمصالح الخاصّة.

ما الذي يجعل نظريّات المؤامرة جذّابة للبعض؟

– هناك العديد من العناصر التي تجعلها جذّابة؛ فهي تتضمَّن جانباً من القصص الخيالية. نحن نَصفُ عالماً ثنائيّاً، في الغالب، من السهل فهمه أيضاً. من الجيّد أن نشعر بالضياع قليلاً. تستند نظريات المؤامرة، كالتي تضمَّنَها فيلم Hold-up، إلى عناصر غريبة، ومصادفات، بهذه «البيانات المنحرفة»، نبني قصّة تبدو لنا مقنعة جدّاً.

في هذا الصدد، تختلف نظريّات المؤامرة عن كشف المؤامرات الحقيقية، على غرار فضيحة «ووترغيت». هذه الأخيرة تستند، بشكل عامّ إلى تحقيق شامل – صحفي أو قضائي – يفضي إلى اعترافات. البيت الورقي ينهار كليّاً ما إن نسحب ورقة واحدة.

أوليفييه كلاين

كيف تفسّر نجاح بعض الشخصيات التي تنقل هذه الخطابات التآمرية؟

– «جان جاك كريفكور» (متحدِّث بلجيكي، يعارض التطعيم ومؤيِّد للأدوية البديلة، له مقاطع فيديو بلهجات تآمرية على (كوفيد – 19)، وحقّق نجاحاً كبيراً على «يوتيوب») من أكثر الشخصيات التي درستها. إنه يشبه المسيح إلى حَدّ ما. أسلوبه في نشر «خيرِ الكلام» يجعل خطابه مقنعاً بشكل خاصّ. مثل هذه الشخصية تعمل على تعزيز مصداقيَّتها بدايةً، وتؤسّس لجسور من الثقة مع المشاهد ثم تقدّم تأكيدات غير مدعومة، فيتأثر المتلقّي بالخطاب.

إنهم أصحاب بلاغة عالية. يضعون أنفسهم في الموقف الديكارتي. يقولون لك: أنت، رأيك أنت، أنا لا أفرض عليك أيّ شيء. لكن هذا مضلِّل تماماً، لأنهم، في الواقع، لا يملكون الحجج لتوجيه الاتِّهام. إنه التلاعب بعينه. سيقولون لك، أيضاً: «أنا أتحدَّث وفق مستوى فهمك، وبلغتك أنت». غالباً ما تكون مقاطع الفيديو، أيضاً، سيِّئة جدّاً في طريقة إخراجها؛ ما يعزّز الانطباع بأننا أمام أشخاص يشبهوننا.

يستخدم فيلم «Hold-up» تقنية تلاعب معروفة: اقتحم وصعّد الاشتباك.. نقدِّم لك حقيقة، ثم أخرى، وأخرى، الحجّة الجدلية الشهيرة. هذه الحجج ضعيفة، لكنك ما إن تنضمّ إلى الفيلم الوثائقي، وتنخرط فيه لأكثر من ساعتين، حتى تصبح على استعداد لسماع بعض النظريّات الرائعة، تماماً، التي لو قُدِّمت إلينا، منذ البداية، لوضعت حدّاً لرغبتنا في المشاهدة.

جمع فيلم«Hold-up» أكثر من (280) ألف يورو، على منصَّات التمويل الجماعي. ألا يسلّط ذلك الضوء، أيضاً، على المخاطر الاقتصادية للتآمر؟

– الأشخاص الذين أنتجوا Hold-up يشبهون، إلى حَدّ ما، المبلّغين عن المخالفات، ويعملون للمنفعة العامّة، لكن من الواضح أن مشاريعهم مادِّيّة. في البداية، يجب أن تدفع مقابل مشاهدة الفيلم. إذا كان الهدف هو منح الجميع حقّ الوصول إلى نتيجة عملهم، فمن الأجدر وضعه في متناول الجميع، بشكل مباشر، منذ البداية.

هناك جانب مادّي، غالباً ما يتمّ تجاهله عندما نتحدَّث عن المؤامرة. «جان جاك كريفكور» هو مثال جيِّد آخر. بالتوازي مع نشر أفكاره، هو يروّج، أيضاً، لتدريبات مكلفة جدّاً، ضمن مقاطع الفيديو التي يبثّها. يكفي أن يشترك %1، فقط، من الأشخاص الذين يشاهدون أحد أكثر مقاطع الفيديو شعبيّةً، في برامج التدريبات التي يشرف عليها، حتى يكسب مليون يورو على مدار العام.

بشكل عامّ، يقول خطاب المؤامرة إن المنافع المادِّيّة تؤدّي إلى تمويه الحقيقة. نحن نكذب عليك لأننا نريد أن نبيع لك الأدوية. لماذا لا يكون الأمر نفسه بالنسبة إلى مروِّجي نظريّات المؤامرة؟ إن وضع الناس، وجهاً لوجه، مع تناقضاتهم، أسلوب آخر للحدِّ من سيطرة هذا الخطاب.

مجهودات الشبكات الاجتماعية للتصدّي «للأخبار الكاذبة»، من خلال الإبلاغ عن المنشورات المضلّلة، أو حتى من خلال إغلاق الحسابات أو مجموعات الحوار، ألا تنتج، أيضاً، تأثيراً معاكساً؟

– يعتبر حظر البثّ رقابة على المحتوى، بوضوح. التبليغ عن أن المحتوى الذي يشاركونه لأنه يتضمَّن معلومات خاطئة أو مضلّلة، يمكن أن يمنحهم شعوراً بعدم الانتماء إلى هذه الشبكة الاجتماعية، ويدفعهم للبحث عن مكان آخر.

لكن الهدف ليس الوصول إلى المتآمرين أنفسهم بقدر ما هو وصول إلى الأشخاص الذين يشاركون هذا النوع من المحتوى، دون أن يكونوا -بالضرورة- متآمرين. يساعد هذا النهج، بشكل خاصّ، الأشخاص الذين لم يتمّ تحديد انتماءاتهم، بشكل كامل، مع مجموعات تآمرية، على توخّي مزيد من اليقظة، وقد يحدّ ذلك من رغبة الأشخاص المتشكّكين والمتردّدين في نشر هذا النوع من المعلومات.

لكن من الواضح أن الأشخاص المقتنعين، للغاية، بحقيقة هذه المعتقدات التآمرية، سيجدون سبباً للتنديد برقابة «فيسبوك» أو «تويتر» عليهم. التحوّل إلى ضحيّة جزء من الترسانة البلاغية للمتآمرين.

ما الخطر الذي تمثّله نظريّات المؤامرة في مجتمعنا؟

– لدينا شكل جديد ومقلق من المؤامرة، لم يعد قائماً على الحقائق، ونرى ذلك مع «كيو أنون – Q Anon». لا نحتاج حتى لإثبات التآمر، بالطبع، إذ يصبح منيعاً ضدّ عملية «التدقيق في الحقائق». هذا هو النهج الذي يستخدمه «دونالد ترامب» عندما يقول إن الانتخابات مزوَّرة في يوم الانتخابات، في غياب أيّ دليل. داخل شبكته، سيشارك الجميع هذه الرسالة التي ستصبح حقيقة لسلسلة كاملة من الأفراد. هذا يسمّى الفاعلية والشرعية الاجتماعية. الأشخاص الذين أحبُّهم، والمنتمون إلى مجموعتي، يردّدون ذلك، فيصبح، من ثَمَّ، خبراً صحيحاً، لم نعد بحاجة إلى حقائق لتدعيمه.

للمؤامرة عواقب سياسية، والعمل في ديموقراطية مثل ديموقراطيتنا، يفترض أن نؤسّس لواقع مشترك، يجب أن نتفَّق على مجموعة من المبادئ والمعتقدات الأساسية. عندما يندّد «دونالد ترامب» بالانتخابات المزوّرة، فهذا أمر خطير للغاية، لأنه يدعو إلى التشكيك في إمكان وجود أساس من القيم المشتركة، التي تمكِّننا من إرساء نقاش ديموقراطي. ومع تقسيم الفضاء الإعلامي، الذي زادته الشبكات الاجتماعية حدّةً، برز خطر حقيقي في غياب أيّ مرجع مشترك، وفي هذه الحالة، لن يكون هناك أيّ مجال للنقاش.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: لويس سان، وبينوا زغدون

المصدر:

https://bit.ly/37zssCK

في زمن الجائحة وثورة المعلومات.. هل يمكن للثقافة أن تكون عن بعد؟

لا يختلف اثنان على أنّ أهم سمات العصر، هي ثورةُ المعلوماتِ، التي دخلت العصر بشكلٍ سريع، وأحدثت فيه الكثير من المُتغيِّرات بشكلٍ لم يعهده الإنسانُ من قبل. فالثقافةُ قديمة قِدم الإنسان، وهي تتلوَّن بشكلٍ خاص في كلِّ عصر، وقد اجتهد الإنسانُ كثيراً بابتكار وسائل متنوِّعة يُعبِّر بها عن نفسه من جهةٍ، ويتواصل بها مع الآخرين من جهةٍ أخرى، وربّما كان مفهوم المُثاقَفة هو أحد تجلِّيّاتها من حيث التواصُل الإنسانيّ، فهذا المفهوم لا تُكتسَب قيمته إلّا من خلال التواصُل، حيث بدأت مع النخب وأصبحت اليوم في متناول الجميع.

فلم تكن الثقافةُ عن بُعد وليدةَ الحاجة التي فرضها الوباءُ الأخير، بل كانت في صلب الكثير من التجارب الثقافيّة حول العالم، حتى أنها وصلت إلى المُؤسَّسات الأكاديمية والجامعات التي أصبحت تتعامل عن بُعد مع الدارسين. ولا أظن أن هنالك بلداً بالعالم لا يمتلك مثل هذه المُؤسَّسات الأكاديميّة، لكن الحقل الأهمّ في هذا المجال هو حقل الإعلام، فنحن نشهد تحوُّل الكثير من الصحف الكبرى في العالم إلى المُدوَّنة الرقميّة، وهذا يعود لأسبابٍ كثيرة لسنا بصدد الحديث عنها الآن، وإذا كان التعليم أو التعلُّم عن بُعد هو ما تبنَّته مؤسَّسات متنوِّعة فإنه اليوم يتحوَّل إلى ضرورة أُجبر عليها الإنسان والمُؤسَّسات الثقافيّة حول العالم، وذلك بسبب وباء كورونا.

فما زال الصراع محتدماً بين المُتحمِّسين للثقافة عن بُعد والرافضين لها، ولكلِّ فريق حُججه وقناعاته الناتجة عن تجربةٍ ما، فالمُتحمِّسون يرون أن وسائل التواصُل المدعومة بتقنياتٍ حديثة تمكِّن طالب المعرفة من استثمار أقصى طاقاته من حيث لا يستطيع التعليمُ التقليديّ أن يوفِّرها بالاعتماد على الوسائل القديمة. كما يرون أنّ الثقافة عن بُعد تكسر حاجزي الزمان والمكان، وتمضي في آفاقٍ واسعة نحو أكبر شريحة من الناس لا تستطيع أن توفِّرها المُؤسَّسات التقليديّة المحدودة بمكانها، والمحدودة بعدد أفرادها.

أما الرافضون للثقافة عن بُعد فيرون أنها تفتقد إلى المصداقيّة، فهذا الفضاء الواسع المُتاح للجميع لا يُقدِّم الثقافة على حقيقتها لافتقارها إلى الدقة العلميّة والمصداقيّة التي توفّرها الوسائل التقليديّة الأخرى، وعلى رأسها الكتاب الذي مازال إلى يومنا هذا مرجعاً مهمَّاً لكلِّ طالِب معرفة، وترى هذه الفئة أن الأضرار المُترتبة على الثقافة عن بُعد هي أكثر من المنافع، فالمُؤسَّسات التقليديّة تقدِّم خبراتها للمُتلقي عن كثب، لضمانها كافة العناصر المعرفيّة اللازمة.

د. أحمد عبد الملك

هنالك عواملُ مُهمَّةٌ في توصيل الرسالة الثقافيّة

يقول الدكتور والروائي أحمد عبد الملك: كُلُّنا يعلمُ أَنَّ الثقافةَ، في الظروف الطبيعيّة، عادةً ما تكون مُجهِدةً وذاتَ مشَقَّة؛ فيما يتعلَّق بحضور الندوات والفعاليات الثقافيّة؛ فما بالكم مع جائِحة (كورونا) التي فرضت شكلاً جديداً للتواصُل الثقافيّ والإعلاميّ، وهو التواصُل (عن بُعد)؟! وهو أَمرٌ غيرُ مُعتادٍ، خصوصاً في ظلِّ غيابِ التفاعلِ الحقيقيّ بين صاحب الرسالة الثقافيّة والمُتلقي، وهذا ما نُعانيه في التدريس الجامعي أَيضاً.

الأَصلُ، في الرسالة الثقافيّة، أَنْ تحملَ مِيزةَ المُواجهةِ اللازمةِ لإحداثِ التفاعلِ بين المُحاضِر والجمهور، ولئن تحقَّقَ جُزءٌ يَسيرٌ من هذا التفاعل عبر أُسلوبِ (عن بُعد)، إِلَا أَنَّه تظلُّ هنالك عواملُ مُهمَّةٌ في توصيل الرسالة الثقافيّة، وأَهمُّها لغةُ الجسد. إِنَّ إِيماءاتِ المُحاضر وتشديدَه (Stress) على بعض الكلمات والألفاظ، وملاحظتهُ لمدى تأثير صوتهِ وإيماءاتهِ على الجمهور، أَمرٌ مُهمٌّ في توصيل الرسالة واستمراريتِها، وفي اقتناعِ المُحاضرِ باستيعابِ الجمهور لما يقول، أَو دهشتهِ وعدمِ استيعابه لما يقول.

وأَنا أَرى أَنَّه من الصعوبة بمكان، وضعُ مُعادلةٍ تقول: (إِنَّ أَدواتِ التواصُل الاجتماعيّّ، والثقافة، وجهان لعُملةٍ واحدة)، ذلك أَنَّ عُنصُر المُواجهةِ لا يتحقَّقُ في هذا الشكل من التواصُل، ناهيك عن انشغالِ بعض أَفرادِ الجمهور بأُمورٍ أُخرى، خارج دائرةِ المُحاضَرةِ أَو الورشةِ.

لستُ ضدَ استخدامِ أَدوات العصرِ المُتطوِّرة، ولكن لا يُمكنُ تعميمُ جدوى هذه الأَدوات، على جميع مناحي الحياة. كما أَنَّني أُراهنُ على قلّةِ استيعاب المُتلقي للرسالة الثقافيّة، عبرَ أُسلوبِ (عن بُعد)، لأنَّ الثقافةَ دوماً تكون (عن قُرب)!

د. مريم النعيمي

الثقافة لا تُقاس بالبُعد والقُرب

وبدورها قالت الدكتورة مريم النعيمي الأستاذ المساعد / جامعة قطر إنّ الثقافة علاقة تواصلية بين الفرد والمُجتمع، وهذه العلاقة التواصُلية تنشطر بين المُثقَّف ونفسه، وبين الفرد وغيره، والجَائِحة لا تملك أن تؤثِّر على هذه العلاقات، حيث إنَّ المُثقَّف يعتمد اعتماداً كُلياً على البُعد، سواء في قراءاته، أو كتاباته، أو حديثه.

وقبل أن نبني ظلاماً وسواداً حول تأثير الجَائِحة على الثقافة لابد أن نلقي الضوء على مَنْ هو المُثقَّف؟ وما هي الثقافة؟ وهل سيتجه المُثقَّف إلى المعلومة الإلكترونيّة؟

من حُسن حظّ المُثقَّف أن تقوم هذه الثورة الإلكترونيّة التي تعدُّ بذاتها ثورة ثقافيّة، هذه الثورة التكنولوجيّة هي ثقافة قامت على العلم والمعرفة والفكر والبحث والتقصي، وهذه من أهمّ عناصر بناء الثورة التكنولوجيّة، وهي أيضاً من أساسيات بناء المُثقَّف لتكوينه المعرفي، والثورة التكنولوجيّة لا شكَّ أنّ دورها كبير جدّاً أوصلت المُثقَّف لحقائق وآفاقٍ مفتوحة لا يتأثر في الوصول لها بالبُعد أو القُرب.

ثم ما هي الثقافة عن قُرب لعلكم تفيدونني؟ وما أعرفه أن الثقافة كلها عن بُعد ينهل منها المُثقَّف شراباً هنيئاً متى شاء، له الحرّيّة أن يأخذ معلومته من كتابٍ أو من جهازٍ، فكلّ ما يحصل عليه هو عن بُعد. واسمحوا لي أن أُصحح عبارة الثقافة عن بُعد وقُرب، فهناك مَنْ يدير الثقافة وهم مدراء الإدارات والمُوظفون ودورهم يقتصر بالإدارات اللوجستية واستقطاب وسائل الثقافة من الخارج، وأقصد بالخارج الأفراد الذين لهم قلم يكتب، وريشة تبدع، وصوت جميل يشدو، وعازف نغم جميل، ومتحدِّث يحمل شيئاً جديداً فيه إضافات طريفة، وشباب واعد يهوى القراءة وإدارة الحوار المُتقدِّم.. أعتقد هذه بعض أوجه الثقافة التي تأتي من خارج أسوار الوزارات الخاصّة بالثقافة وتُدار باحترافية من المسؤولين داخل هذا السور، وبذلك نعود للعلاقات التواصُلية التي تنمو منها الثقافات ويصقل بها المُثقَّف الذي لا يحتاج لمكانٍ مغلق ليبدع فيه، ولكن آفاق الإبداع والصقل تنشأ من بعيد بالقراءات واختراق المسافات المُكرَّرة، والانطلاق خارج أسوار الروتين الإداري.. والصقل.

أما عن وسائل التواصُل الاجتماعيّّ ودورها في ربط الثقافة بالفرد فأقول إنّ وسائل التواصُل الاجتماعيّّ قتلت الثقافة، لأنها مجرَّد فضاءات للتنفيس عن كلِّ ما يدور في خواطر الأفراد من عباراتٍ، أحياناً تكون تعليقاً، وأحياناً تكون تعبيراً، أما الثقافة فوجهها يحمل الكثير من المعاني العميقة المصقولة، والتي تزهر أشياء ثمينة في قيمتها وجوهرها ومفرداتها فتكون كتاباً نافعاً مرّة، وقصيدة متماسكة مرّة، ولوحة فنَّان مرهف مرّة، وإبداع فكر مثمر مرّة، ومقطوعة موسيقيّة معبِّرة مرّة، ونصّاً مسرحياً هادفاً مرّة، وبهذا كله تتكوَّن منظومة الثقافة المُتكامِلة التي لا ترتبط ببُعد أو قُرب، وبهذا أيضاً تختلف الثقافة عن ما يُكتب يومياً على وسائل التواصُل الاجتماعيّّ في جمل قصيرة أو خواطر ذاتية مُختصَرة.

د. حسن رشيد

الوسيط يفتقر إلى تأثيره المُباشر

أما الناقد الدكتور حسن رشيد فيقول إنّ الثقافة عن بُعد.. إطار إشكاليّ، ذلك أنّ الرسالة ستكون ناقصة جدّاً.. والثقافة بمعناها الشموليّ تستلزم وجود المُرسِل والمُتلقي. فهل يمكن أن يُمارس الشاعر دوره دون جمهور؟ والمُمثِّل يُقدِّم مسرحياته مُعلَّبة.. قِسْ على هذا بقية الفنون. لابد في إطار الثقافة من التلاحم بين المُرسِل والمُتلقي.. نعم قد يكون لبعض الفعاليات تأثيرٌ آنٍ.. ولكن هل يكون تأثير المُحاضِر عبر الوسيط مثل تأثيره وسط الجماهير؟!.. ولكن نظراً للظرف الطارئ وما يمرُّ به العالَم الآن، فقد خُلق واقعٌ مغايرٌ للمألوف أوجد نوعاً من الحراك المختلف في بعض المُجتمعات دون الأخرى.

إنّ الثقافة، في الإطار الأشمل، لها تأثيرها الأكبر في حميمية اللقاء، ذلك أن الوسيط يفتقر إلى تأثيره المُباشر والمُحرِّك للمشاعر.. ولدينا خير مثال في إطار التعليم -مثلاً- عن بُعد.. هناك العديد من السلبيات خاصّة في مجتمعاتنا، ونقيس على هذا في مجال الغناء، والمسرح، والمُحاضرات، ومن ثَمَّ الندوات.. سوف نجد أن تأثيرَ الرسالةِ الثقافيّة واهٍ، والنجاح -وإنْ كان- فأمره نسبي وأَقلّ من المأمول. وهي محاولات لأنّ الظروف قد حتَّمت على العالم هذا الإطار.

فالثقافة عن بُعد تأثيرها هش.. ولكن واقع الحال فرض علينا هذا الأمر.

د. موزا المالكي

لا يمكن الاستغناء عن الكتاب

وبسؤالها قالت الدكتورة موزة المالكي الأستاذة الاستشارية في علم النفس: أعتقد أن ما يُطلَق عليه الثقافة عن بُعد هو جهود تبذل في سبيل الحفاظ على استمرارية الحركة الثقافيّة للاطلاع على الإنتاج الإبداعيّ والمعرفيّ لمُفكِّرين وكُتَّاب ومثقَّفين من دولٍ أخرى، وهذا جزءٌ من تأثيرات الجَائِحة على القطاع الثقافيّ، فمن الطبيعيّ أن تتغيَّر الثقافة التي عهدناها، وثقافة ما بعد كورونا أجبرتنا على تغيير المسار،  فالخوف والقلق والحيرة والتوتر وفقدان السيطرة على الأعصاب كلها عوارض ظهرت مع انتشار فيروس كورونا، فالأزمة النفسيّة ازدادت حدّة لعدم معرفة توقيت انتهاء هذه الأزمة.

كما أنّ إجراءات الحَجْر المنزليّ تدفع لمزيد من التوتر، والخيارات باتت ضئيلة جدّاً مع وجود التباعُد الاجتماعيّّ الذي ضاعف من الحالة المزاجية السيئة التي انعكست على نفسياتنا قبل أجسادنا.

وبذلك اضطر المُثقَّف إلى اللجوء إلى الجهاز للحصول على المعلومة، ليس هذا فقط، بل أصبحت المؤتمرات تُدار عن طريق الهواتف، وطبقت الآلاف من مؤتمرات (الفيديو زوم) الذي تفوَّق على الجميع بشهادة الكثيرين.

ولكلِّ هذه الأسباب -في اعتقادي- أن مواقع التواصُل الاجتماعيّّ هي بمثابة فضاء مفتوح من المعلومات والأخبار المُتدفِّقة، ولولا وجود هذه التقنية لأصبحنا بمعزل عن العالم ما يؤثِّر على تنمية ثقافتنا وشخصيّتنا، كما أن شبكة التواصُل الاجتماعيّ يسَّرت لنا سُبل التواصُل مع المُثقَّفين والأدباء والكُتَّاب والإعلاميّين، فأصبح التعرُّف على ما يكتبون أولاً بأول أكثر يسراً عن ذي قبل، في حين كان هذا الأمر يستغرق الكثير من الوقت في البحث والتجوُّل في أروقة المعارض وبين رفوف المكتبات.

وأي معلومة أو خبر لا يستند إلى مرجعٍ علميّ أو مصدرٍ موثوق لا يُعوَّل عليه، وبالتأكيد زادت هذه الوسائل من ثقافتنا بشرط أن نختار المواقع التي نأخذ منها المعلومات التي تهمنا، إلى جانب الانفتاح على الآراء الأخرى في مختلف المجالات، وبقدر ما أفادتني شبكة التواصُل الاجتماعيّّ، بقدر ما حفَّزتني كذلك على الدخول في عوالم فكريّة وعلميّة جديدة كانت غائبةً عني، والبحث فيها، فالعلم لا حدود له، ومهما تمَّت الاستعانة بوسائل التواصُل الاجتماعيّّ لا يمكن الاستغناء عن الكتاب…

فكما قال المتنبي:

أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ … وَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الأَنَامِ كِتَابُ

د. جاسم السلطان

الجَائِحة فتحت الأفق على استخدامات أوسع للتعلُّم عن بُعد

فيما أكَّد الدكتور جاسم السلطان مدير مركز وجدان الحضاري أن التطوُّر التقني ميزة كبرى لعُشاق الثقافة والفكر والتعلُّم، فما من حقلٍ معرفيّ اليوم إلّا والمادة التدريبيّة والنظريّة المُتاحة فيه وبجودة عالية موجود على أطراف الأصبع، ومع كلِّ تطوُّر تقني كان السؤال يبرز حول الكتاب والصحيفة والتعليم، وأي الوسائل ستختفي وأيها سيبقى؟

وما يحدث عادةً، أو في الغالب، هو التجاور وتغيُّر نسبية الأوزان، وأظن أنّ الكتاب بقي محتفظاً بمكانته طوال هذه الرحلة والتطوُّرات، أما وسائل التواصُل الاجتماعيّّ العادية فعادةً ما تحتلُّ مكان الصدارة في الأخبار الخفيفة وذات الطابع اللحظي، ومَنْ يعتمد عليها كمصدر هي طبقة لم تكن من جمهور الكتاب أصلاً، وبالتالي فهي ليست خصماً من جمهور الكتاب. والغالب بالنسبة للمُثقَّفين هو الاحتفاظ للكتاب بمكانته والاستفادة من التطوُّر التقني في إثراء تلك المعرفة وتوسعة مصادرها وطرق معايرتها.

الجَائِحة فتحت الأفق على استخدامات أوسع للتعلُّم عن بُعد، وعن ممكنات التقنية، ولكنها لن تُغيِّر المُعادلة الأصليّة التي ذكرتها سابقاً فيما أعتقد.

الشاعر عبد الرحيم الصديقي
عبد الرحيم الصديقي

فرق شاسع بين الثقافة الرقميّة والكتاب الرقميّ

ويضيف الشاعر عبد الرحيم الصديقي قائلاً: أعتقد أنّ الثقافة عن بُعد وُلِدَتْ مع عصر التواصُل الاجتماعيّ بين الأشخاص المُبدعين فقط، ولكنها اتّسمت بالمُجاملة، وكان ذلك قبل الجَائِحة بزمنٍ طويل، ولكن ما حدث في زمن الكورونا هو أن التواصُل الثقافيّ للهياكل الحكوميّة أصبح عن بُعد لأسبابٍ صحيّة لوجستيّة، أما عن الكتاب الرقميّ والثقافة الرقميّة فما زالت خجولة في وطننا العربيّ علماً بأنها نشطة جدّاً في أرجاء أخرى من العالم.

شخصياً مازلت أفضِّل الكِتاب الورقيّ عن الرقميّ كون اقتناءه يعني لي الكثير، حُب التملك، ولكنه سوف يجتازنا شئنا أم أبينا.. لن نستطيع أن نقف في وجه التكنولوجيا، وأعتقد أن الجيل الحالي لا يعني له الكتاب الورقيّ الكثير.. هو جيل رقميّ عن بكرة أبيه.

ولكن هناك فرقاً شاسعاً بين وسائل التواصُل الاجتماعيّ كونها مبنية على الثرثرة والمُجاملات، وبين الثقافة الرقميّة والكتاب الرقميّ.

منى البدر

رُبّ ضارةٍ نافعة

وأضافت الفنَّانة التشكيليّة منى البدر قائلةً: مهما تغيَّر علينا الوقت والزمن ستكون هناك حاجة ماسة للثقافة المُدوَّنة على الورق، وذلك لعدّة أسبابٍ، ومن أهمها أن التكنولوجيا لازالت غير متوفِّرة عند بعض الدول وبعض الأفراد، وأيضاً لا يمكننا الحصول على الكثير من الموارد المقروءة والتاريخيّة عبر الإنترنت، ولكن وبالرغم من ذلك ومع انتشار جائِحة «كوفيد – 19» أصبح هناك وعيٌ وإدراكٌ من جميع أفراد المُجتمع بمختلف الأعمار بأهمية استخدام التكنولوجيا وتوظيفها في حياتنا اليومية للبحث عن المعلومة والوصول لأكبر عدد ممكن من الموارد الثقافيّة، ناهيك عن إمكانية امتلاك هذه الموارد بسرعة البرق وتحقيق الانتشار لها في شتّى بقاع الأرض.

وجود الموارد الثقافيّة وتوفُّرها عبر شاشة واحدة سهَّلا في إنجاز الكثير من الأمور المُتعلِّقة بالخدمات، وأصبح الفرد متمكِّناً من الوصول للمعلومة، ولكن هناك بعض العوائق المُعطلة لإمكانية الوصول، ومن أهمها شرط وجود خدمة الإنترنت فائق السرعة في كل زمانٍ ومكان، وأهمّية اتصاله بأجهزة الحاسوب المُختلفة، وهذا الشيء يُعرِّض خصوصية الفرد للانتهاك عبر العديد من القنوات على شبكة الإنترنت.

(رُبَّ ضارةٍ نافعة) من وجهه نظري، فهذه الأزمة جعلت الأفراد مثقَّفين بشكلٍ واسع، وفتحت الكثير من الآفاق للمعرفة لاسيما أنّ كلَّ فرد أصبح يأخذ على عاتقه أن يثقَّف نفسه بطريقة استخدام التكنولوجيا وتوظيفها في مجاله العمليّ والتعليميّ واليوميّ أيضاً.

«الفاكنيوز».. وباء مُضاعف

حسب التعريف المُتداول تتمثَّل الأخبار الزائفة في «إنشاء معلومات كاذبة أو تمَّ التلاعب بها ومشاركتها لخداع الجمهور وتضليله إمّا بهدف دفعهم للوقوع في الخطأ واتخاذ قرارات خاطئة أو لتحقيق مكاسب سياسيّة أو شخصيّة أو ماليّة». وهي بذلك تؤثِّر بشكلٍ سيئ على قرارات الدول والأفراد على السواء، وقد تساهم في اضطرابات سياسيّة واقتصاديّة، وفي حروبٍ أحياناً.

عندما يجلس أحدهم خلف شاشة الحاسوب، ويفكِّر في نشر خبر يعرف أنه غير حقيقيّ، فهو في الغالب لا يكون على وعي بكلّ الآثار التي ستترتَّب عنه، وأحياناً ينشره فقط ليرفِّه عن نفسه أو يمزح مع أصدقائه. ما يحدثُ أن هذا النوع من الأخبار الزائفة تنتشر بسرعة أكبر ممّا يتخيَّله صانعوها، سواء كان الخبر يهم فرداً أو جماعة صغيرة، أو كان يضع علامات استفهام بخصوص قضايا تهمّ الدولة أو قضايا حيويّة في السياسة الدوليّة.

قبل بسط بعض الآثار المُترتِّبة عن الأخبار الزائفة في علاقاتها بالاقتصاد في العالم، لابدّ من الإشارة إلى أن صناعتها ليست دائماً من اختصاص أفراد «أشرار» أو عابثين وفكهين أو متهورين، بل إن الدول تصنع أخبارها الزائفة أيضاً للتأثير في مجرى الأحداث أو تحقيق مكاسب سياسيّة أو اقتصاديّة، أو توجيه الرأي العام داخلياً نحو قضايا بعينها. ويمكن، في هذا السياق، العودة إلى فيلم روبرت دي نيرو «ذيل الكلب» (1997) لمُشاهدة نموذج فنّي لهذه الظاهرة، ذي دلالة بشأن كيف يمكن تحويل اتجاهات الرأي العام وتضليلهُ لتحقيق أهداف شخصيّة مثل الفوز في الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة. كما يمكن، للاستزادة، العثور على عناصر وافية في كتاب «لماذا يكذب القادة؟، حقيقة الكذب في السياسة الدوليّة» لجون جي ميرشمير الصادر في ترجمة عربيّة ضمن سلسلة عالم المعرفة.

إن ظاهرة الأخبار الزائفة تنتشر أكثر في الحالات التي تسود فيها الحيرةُ والقلقُ، خاصّة إذا كان ذلك مقروناً بتدفُّق لا محدود للمعلومات التي تنهمر من كلِّ حدبٍ وليس فقط من الجهاتِ ذات التخصُّص كما حدث طيلة سنة 2020. فما من شكّ في أنّ جائِحة كورونا رافقتها جائِحة لا تقل خطراً تمثَّلت في الكمّ الهائل من الأخبار غير المُؤسَّسة والإشاعات بخلفيات وأهداف مختلفة مع التعتيم على المعلومات الحقيقيّة أو التلاعب فيها. لقد غذَّت الأخبار الزائفة حجم الذعر الذي عاشه العَالَم خلال سنة 2020، ولكنها بالمُقابل ربّما تكون ساهمت في التراخي الذي تعامل به بعض الناس مع الوباء نتيجة تضارب المعلومات ونتائج الدراسات التي تنتجها هيئات يفترض أنها تشتغل بشكلٍ علميّ صرف، من قبيل منظَّمة الصحّة العالميّة، ممّا ساعد على زيادة انتشاره وفتكه.

بيد أن آثار الأخبار الزائفة تتعدَّى هذه الصورة، على قتامتها، إلى ما هو أكثر خطورة خاصّة على الاقتصاد الوطنيّ لكلّ دولة وأيضاً على الاقتصاد العالميّ. آثار قد تؤثِّر على توجُّهات المُستهلكين والمُستثمرين على السواء، وعلى حركة رؤوس الأموال والأسواق الماليّة مع ما لكلّ ذلك من انعكاسات بالتبعية على المُستويين الاجتماعيّ والسياسيّ. وتزداد حدة هذه الانعكاسات السلبيّة مع سرعة الانتشار والتداول التي تغذّيها شبكات التواصل الاجتماعيّ.

ويصنِّف المُنتدى الاقتصاديّ العالميّ الأخبار الزائفة ضمن المخاطر الكبرى التي تواجه الاقتصاد العالميّ، إلى جانب ارتفاع معدَّلات البطالة وضعف الاستثمارات وهشاشة البنيات التحتية وانهيار الأنظمة المالية وغيرها. إن هذا التصنيف مؤشِّر في غاية الأهمِّية للوقوف على تأثير هذا النوع من الأخبار على الاقتصاد، بل إنها قد تشكِّل أحد الأسباب الرئيسيّة في تفاقم المخاطر الأخرى المذكورة بالنظر لارتباطها ببعضها أحياناً. فمثلاً قد يتسبَّب خبر زائف حول وجود تهديدات إرهابية في بلد معيَّن وهشاشة أجهزته الأمنيّة في تذبذب ثقة المُستثمرين والامتناع عن إنشاء مشروعات استثماريّة في هذا البلد، أو سحب استثمارات قائمة، ممّا يؤدِّي إلى تفاقم البطالة على سبيل المثال، وأيضاً قد يتسبَّب الخبر ذاته في تراجع أعداد السياح وتأثُّر سلسلة المهن المُرتبطة بهذا القطاع، وكذلك الشأن بالنسبة للأخبار المُتعلِّقة بالكوارث الطبيعيّة أو عدم الاستقرار السياسيّ أو الاستعدادات العسكريّة وغير ذلك.

في دراسة لجامعة بالتيمور الأميركيّة تمَّ نشرها في أواخر سنة 2019، قُدِّرت الخسائر المُباشرة للاقتصاد العالميّ، نتيجة هذا النزع من الأخبار، بنحو 78 مليار دولار سنويّاً (و100 مليار إذا أضيفت الخسائر غير المُباشرة)، موزَّعة على عدّة قطاعات مثل البورصة والصحّة والنفقات السياسيّة وحماية السمعة (الأشخاص والماركات التجاريّة) على الإنترنت وغيرها. فعلى سبيل المثال تسبَّبت الأخبار الزائفة في خسائر للقطاع الصحّي قُدِّرت بنحو تسعة ملايير دولار. وهذه التقديرات قد تكون صالحة فقط إلى غاية نهاية 2019، حيث كان وباء كورونا مجرَّد فيروس في مدينة ووهان الصينيّة.

بيد أن انتشاره بعد ذلك والضبابية التي كان سبباً فيها والشكوك المُثارة بشأنه على مستويات عدّة غذّت أكثر فأكثر الشائعات وأنتج كمَّاً هائلاً من الأخبار المُتضاربة الصادرة ليس فقط عن مؤسَّسات دوليّة ووطنيّة وعن خبراء في الصحّة والاقتصاد وعن سياسيّين، بل كذلك من تلك الأخبار التي صنعها أفراد عابثون وآخرون بأهداف تخريبيّة كما يحتمل أن تكون شاركت في إنتاجها وحدات صناعة الأدوية منذ ظهور الوباء. كلّ ذلك من المُحتمل أن تكون له بالإضافة إلى الانعكاسات الصحّية بسبب التشكيك في فعالية اللقاحات التي تمَّ إنتاجها، مثلاً، وأيضاً في «نوايا» صنَّاعها بما في ذلك فكرة «المُؤامرة»، انعكاساتٌ اقتصاديّة، حيث سيكون على الدول إنفاق مزيد من الأموال على الحملات التواصلية لإقناع الناس بأهمِّية اللقاحات وكذلك على حملات مطاردة الأخبار الزائفة ومروّجيها التي تتطلَّب موارد مالية وبشريّة إضافية، دون الحديث عن تراجع مردوديّة العاملين والمُوظَّفين بسبب الخوف والقلق.

لذلك إذا كانت الأزمة الصحّية قد خرَّبت بقدرٍ كبير مقوِّمات الاقتصاد العالميّ، خلال سنة 2020 بأكملها، وألقت بشكوك عالية حول إمكانيات تعافيه على المدى القصير فإن الأخبار الزائفة من شأنها أن تعمِّق أمد هذا الخراب، خاصّة أنها تنتشر أسرعَ من كلّ التوقُّعات ومن جهود الدول لمكافحتها، وذلك بمُساعدة الإنترنت عموماً ومواقع التواصل الاجتماعيّ بشكلٍ خاص. إنها تنتشر بشكلٍ مضاعف مقارنةً مع الأخبار الصحيحة، بسبب اتساع هوة عدم ثقة المُواطنين في مؤسَّساتهم، وميلهم بالتالي إلى تصديق وتبنّي أي خطاب أو أخبار تضع ما تقوله هذه المُؤسَّسات موضع شكّ، حتى إن هذه الأخيرة لا يمكن لبياناتها وتصريحاتها أن تصحح المعلومات الزائفة المُنتشرة إلّا في نطاقٍ محدود للغاية. ففي مقال نشرته جريدة «ليزيكو» الفرنسيّة سنة 2018 اعتماداً على دراسة في هذا الشأن، أشارت إلى أن الخبر الزائف يصل إلى عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعيّ أكبر بمئة مرّة من العدد الذي يصل إليه الخبر الصحيح (100000 مقابل 1000)، مع احتمال لتقاسم الأوّل من طرف المُستخدمين بشكلٍ أوسع مقارنةً مع الثاني، والتأكيد على أن هذا التقاسم يقوم به أشخاص طبيعيّون وليس روبوتات (برامج) مُعدَّة لذلك، وهو ما يعني أن للأخبار الزائفة حظاً أوفر لتترسَّخ كحقائق لا يرقى إليها الشكّ مادام تداولها واسعاً إلى هذا الحَدّ، وما دامت مواقع التواصل الاجتماعيّ تحوَّلت إلى مصادر رئيسيّة للأخبار تستعين بها، للمُفارقة، الكثير من وسائل الإعلام التقليديّة!

وإذا كان ثمَّة من حقيقة تجب الإشارة إليها في النهاية فهي أنّ الدولَ فقدت احتكارها للتضليل الإعلاميّ مع تنامي الشبكات الاجتماعيّة على الإنترنت، وبالتالي تحوَّلت من منتج «للأكاذيب» والأخبار الزائفة، كما قدَّمها بتفصيل كتاب «لماذا يكذب القادة؟» إلى رهينة أحياناً لهذه المُمارسات التي ينفِّذها في الغالب أفرادٌ ساخطونَ أو جماعاتٌ مناوئة للتوجُّهات الحكوميّة القائمة. وفي الحالينِ، تدفع الدول ثمناً باهظاً، جزءٌ كبيرٌ منه مخصَّص لمُلاحقة هؤلاء والحدّ من انتشار ما يدوِّنونه، وهي عمليّاتٌ لا تحقّق إلّا نتائج ضعيفة، وعادةً ما تُواجَه باستنكار الرأي العام الذي يعتبرها تضييقاً على حرّيّة التعبير. لذلك وأمام عجز الإجراءات القانونيّة والإداريّة التي يمكن للدول أن تتبنَّاها في مواجهة الأخبار الزائفة (قانون ديسمبر 2018 لمُكافحة الأخبار الزائفة في فرنسا مثلاً)، من المُحتمل أن تجد هذه الدولُ نفسها مجبرةً على التعامل بحَدٍّ أقصى من الشفافية سواء مع مواطنيها أو مع شركائها، والشركاتُ مع مستهلكي منتوجاتها وعموم زبائنها ومموليها. وقد يكون ذلك حلاً أنسبَ للتقليص من حجم الأخبار الزائفة، وبالتالي من الخسائر المُترتِّبة عنها.

ليونورا ميانو: «لا بدَّ لإفريقيا من أن تستعيد اعتبارها أمام نفسها»

من أين يتأتَّى احترام الآخرين لنا؟ من استقامتنا دون تصلُّب، ومن قوّة صوتنا دون ارتفاعه، كما أن احترام الناس لنا لا يتأتَّى من خلال احترامنا لأنفسنا، أوَّلاً؛ هذا ما توحي لنا به الكاتبة «ليونورا ميانو» من خلال حضورها، ومن خلال مقالتها التي صدرت هذا الخريف تحت عنوان «أفروبيا. يوتوبيا ما بعد غربية وما بعد عنصرية» (منشورات غراسيه). وللحديث عن ذلك، التقينا بها في أحد المطاعم الباريسية، وقد خلعت كمامتها، وطلبت شاياً أخضر. وعلى الجدران، صور زيتية لأعيان أوروبيين من زمن آخر، يراقبونها من داخل إطاراتهم المذهَّبة.

لمَنْ كنتِ تنوين التوجُّه بكتابك «أفروبيا»، عندما كنت بصدد تصميم مشروع كتابته؟

–  بعد أن عشت، لفترة طويلة، في فرنسا، حيث أنجبت طفلة فرنسية وقمت بتربيتها، كان من الطبيعي أن أنشغل بهموم الأَقلّيّة الأفرو أوروبية. أردت أن أرى ابنتي تكبر وتتفتَّق شخصيتها داخل مجتمع يقدِّم الممكنات نفسها للجميع؛ ذلك يتوجَّه الكتاب إلى مجتمع أصبح، الآن، مجتمعي نظراً لوجود آصرة الأمومة تلك، كما يتوجَّه، بشكلٍ خاصّ، للشباب المنحدر من مجموعات ينظر إليها على أنها أقلّيّة. إن قلَّة الصبر والغضب اللذيْن نلمحهما لدى هؤلاء، أمر مفهوم.

ما سبب هذا الغضب؟

–  سببه هو غياب الإنصات في مجتمع، يريد الجميع فيه أن يُسمِع صوته للجميع، دون أن يبذل هو أيّ جهد لفهم الآخرين. مع ذلك، يمكن أن يفضي الغضب إلى أمور غير محمودة. على المرء أن يفرض وجوده وشرعيَّته، ولكن ذلك يحتاج، أيضاً، لشيء من الحبّ. إذا كنت تكره مَنْ حولك، وإذا كنت لا ترى فيهم جزءأ منك، فلن يكون بمقدورك أن تغيّر فيهم شيئاً. وإذا لم تتمكَّن من اعتبار الآخر شبيهاً لك فلن يكون بوسعك أن تطالبه بأيّ شيء.

ماذا تقصدين بعبارة «أفروبيا»؟

–  أقصد بها تلك الشبكة البشرية التي تتكوَّن من الأشخاص الأوروبيين المنحدرين من إفريقيا جنوب الصحراء، وأيضاً، جميع الأقلّيّات الموجودة في المجتمعات الغربية والتي لا تجد لها مكاناً داخلها، وهي أقلِّيّات تعود أصولها، أساساً، للتاريخ الاستعماري. جزء كبير من هؤلاء السكّان يعيشون، هنا، نظراً لأن أوروبا الغربية كانت قد بدأت تغزو العالم منذ نهاية القرن الخامس عشر. ورغبةً منها في الاستيلاء على العالم، أسلمت نفسها له؛ ولذلك هي مضطرّة، الآن، إلى قبول مختلف أشكال الاختلاط الناتجة عن الغزوات الاستعمارية.

ليونورا ميانو

حسناً، لكن كيف يمكننا أن «ننصهر في مجتمع واحد» في ظلّ وجود هذا الماضي؟

–  التحدّي هو بناء شكل جديد من الارتباط بين الأنا والآخر، لا يحاكي ارتباط الفرس مع الحصان. إلغاء الهيمنة هو اختيار. ليس عليك أن تسحق الآخرين، وأن تجرِّدهم ممّا يملكون لكي تحقِّق لنفسك الرخاء. يمكنك اختيار المشاركة والاختلاط بالآخرين. وبالنسبة إلى المجتمعات الأوروبية، لن تتسنّى إعادة التوازن هذه للعلاقات إلّا عبر اختيار الطريقة التي تتحمَّل، من خلالها، مسؤولية تدبير النتائج الداخلية للتاريخ الاستعماري، وأعني بذلك، على وجه الخصوص، وجود سكّان من أصول إفريقية في المجتمع الأوروبي.

كيف تنظرين إلى حراك ربيع 2020، الذي رفع شعار «حياة السود مهمّة»؟

–  من السهل قياس مدى أهمِّيّة حياة «السود» بالنسبة إلى الغربيين الذين روَّعتهم جريمة فظيعة، ولكن أسلوب حياتهم ما زال يعتمد على السرقة المؤسَّسية؛ لأن هؤلاء الناس الذين احتشدوا ضدّ العنصرية يصوّتون، بانتظام، لصالح الأنظمة السياسية التي تهدف إلى تجريد شعوب النصف الجنوبي للكرة الأرضية ممّا يملكون، وتحويل بلدانهم إلى مكبّ للنفايات. وفيما يتعلَّق بالأفراد المنحدرين من إفريقيا والذين هم مواطنون لبلدان غربية ما زالت تهمِّشهم وتقابلهم بالعنف، في كثير من الأحيان، أنا أفهم زخم الاحتجاج هذا، و- من ناحية أخرى- أنا لا أحبّ هذا الشعار. ويمكنني أن أقبل به كشهادة على ممارسات حبّ الذات التي لا بدَّ من ترسيخها في المجتمعات المضطهدة التي تواجه مجتمعات معادية. وخارج إطار الجماعة، هذه الكلمات تنبئ باستمرار الهزيمة: إذ في اليوم الذي ستكون فيه حياتنا مهمّة، في نظرنا نحن، أوَّلاً، أؤكِّد لكم أنه لن نحتاج إلى رفع الصوت عالياً بهذا الشعار. فحينئذ سنكون قد ضمنا وجود قوّة تقف وراء أضعف ضعفائنا. إذن، لن يسمح أحد لنفسه بقتلنا في وضح النهار مثل الكلاب؛ لذلك هناك حاجة ملحّة إلى أن نستعيد قوَّتنا نحن. وبالنسبة إليَّ، إن الجزء الأهمّ من هذه القوّة يجب أن ينبثق من إفريقيا. إن النبذ والإقصاء الذي يعانيه الأفراد المنحدرون من أصل إفريقي، له ارتباط بمكانة قارَّتنا في مخيال العالم وعلى الرقعة الجيوسياسية.

كيف يُمكّن تلقين تاريخ أكثر صحَّةً من معالجة الوضع؟

–  حين يتعلَّق الأمر بجريمة ضدّ الإنسانية، من عيار جريمة الترحيل عبر المحيطات وأمام حجم الجروح التي لم تندمل بعد، سيكون شرفاً للدول الأوروبية أن تتشاور فيما بينها لتحدِّد ما يجب القيام به من أجل تصحيح التاريخ، وتلقينه على أفضل وجه ممكن. ومن المهمّ تسليط الضوء على آراء المضطهدين، وكذا مختلف ردود الفعل التي قاموا بها للحفاظ على كرامتهم الإنسانية وتحرير أنفسهم. يجب أن نعبِّر عن مدى الفظاعة، أيضاً، وعن مدى المرونة والإبداع والنبل الذي أبان عنه أولئك، الذين اعتقد الأوروبيون أنهم قد أفلحوا في تجريدهم من الإنسانية. إن تكوين المعلّمين يبقى أمراً ضرورياً حتى لا يتمّ اختزال البعض في وضع الجلّاد، والبعض الآخر في وضع الضحيّة.

وكيف يمكن للأدب أن يساعدنا؟

– يمكنه أن يشكِّل أحد «الأسلحة الخارقة» التي تحدَّث عنها «إيمي سيزير»، شرط أن يكون قد تمَّ الاشتغال، بجدِّيّة، على مسألة تمثِّل الآخر. في رواياتي، أعمل كثيراً على أفكار الشخصيات، وحميميَّتها، وبعدها الكوني. لكن مجرَّد حقيقة أن القصّة تدور في إفريقيا يشكِّل، بالنسبة إلى العديد من القرّاء، عائقاً أمام تماهيهم مع الشخوص. يتعيَّن على الأوروبيين أن يتعلَّموا، من جديد، كيف يعيشون بوصفهم جنساً بشرياً ضمن أجناس أخرى.

ألم تخلِّف روايتك «Rouge impératrice» صدًى طيِّباً، ورشِّحت لجائزة «غونكور»، وهي الرواية التي تجري أحداثها في إفريقيا فيدرالية تتمتَّع بالرخاء وبالسيادة؟

– نعم، ولم أكن أتوقَّع ذلك، على الإطلاق. هذا يعني أننا يجب ألّا نفقد الأمل، تماماً، في أوروبا، وفي قدرتنا على خلق عالم مختلف. علينا، فقط، أن نطرح سبلاً للوصول إلى ذلك. كثيرون يرغبون في التغيير، لكنهم يجهلون الطريقة. وعلى الرغم من كلّ ما شهده التاريخ من عنف، نحن ما زلنا هنا. يمكننا أن نقرِّر خلق واقع مختلف، ثم إن الظروف تجبرنا على القيام بذلك. فنحن نعلم أن المناخ يتَّجه نحو مزيد من الاحترار، وأن الموارد محدودة. وسيتعيَّن على المناطق الأكثر اعتدالاً أن تستقبل الشعوب التي ستهاجر إليها. الناس لن يسلّموا أنفسهم للموت، دون أن يجرِّبوا حظَّهم في مكان آخر.

كثير من الناس يريدون عالماً مختلفاً، أيضاً، في مجال التسامح، وعلاقات هادئة بين الرجال والنساء، ويريدون الابتعاد عن إصدار الأحكام والأفكار النمطية. هل لدى شخصيّاتك ما تقدِّمه في هذا الشأن، أيضاً؟

–  نعم. يمكن لأيّ شخص الشعور بهذا النوع من الغموض في داخله. نحن جميعاً مزدوجون بعض الشيء، كلّنا متعدِّدون. في ثقافة دول جنوب الصحراء الإفريقية، أو لنقل لدى قبائل (البانتو)، على الأَقلّ، يُعتَقد أن في داخل كلّ إنسان طاقات أنثوية وأخرى ذكورية. وأنا أسمع، اليوم، أن بعض الناس لا يريدون إلغاء الفئات المتعلِّقة بالنوع، فحسب، بل الفئات الجنسانية، أيضاً. شخصيّاً، لم أصل إلى هذا الحَدّ، ولكنني مهتمّة بفكرة تعدّدية الأنواع.

يمكننا، إذن، قراءة كتاب «أفروبيا» على أنه بيان سياسي. هل يغريك عالم السياسة؟

–  لا. أنا أعرّف هذه المقالة بأنها تأمُّل سياسي. إن كتابة بيان أفروأوروبي ليست مسؤوليتي أنا، ولم يعد عمري يسمح بذلك… أنا شغوفة بالسياسة، لكنني لن أتمكَّن من الارتباط بفضاء وحيد. لديَّ انتماءات متعدِّدة، وأفضّل أن أُوجَدَ في مكان، أستطيع فيه العمل لصالح مواطنين قادمين من عدّة قارات.

في روايتك «Crépuscule du tourment»، تسأل إحدى الشخصيّات، وهي معالجة اسمها «سيسكو»، الشابّة «تيكي»: «ماذا تنتظرين من الحياة؟ ماذا تقدّمين للحياة؟». ماذا لو طرحنا عليك السؤالين كليهما؟

–  ما أنتظره من الحياة هو أن تستعيد إفريقيا اعتبارها أمام نفسها؛ هذا ما أعمل عليه. فما إن تعيد اكتشاف طريقة أكثر إيجابيّةً للنظر إلى نفسها، فستتمكَّن من استعادة سلطتها، وستجد الطريقة التي تمارس، من خلالها، هذه السلطة. ماذا أقدِّم للحياة؟ الكثير من الفرح! أنا سعيدة جدّاً لوجودي هنا، وأتطلَّع بنفاد صبر إلى عيد ميلادي الخمسين.

حوار: سيليا هيرون، ترجمة: إلهام إد عبد الله أومبارك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العنوان الأصلي والمصدر:

«Léonora Miano L’Afrique doit se réhabiliter à ses propres yeux».

https://www.letemps.ch/societe/leonora-miano-lafrique-se-rehabiliter-propres-yeux

مالكوم فردناند: منعتنا المركزية الغربية من رؤية وجهات نظر أخرى عن العالم

لا ينفصل تدمير البيئة عن علاقات الهيمنة العرقية والاستعمارية، إنه ينبع من طريقة استيطاننا للأرض، ومن حقِّنا في الاستيلاء على الكوكب؛ وهو ما يعني، في مجمله، أن علينا إعادة صياغة الماضي. حول هذه الصياغة، كان حوارنا مع «مالكوم فرديناند» صاحب كتاب «إيكولوجيا تفكيك الاستعمار – Une écologie décoloniale»، الذي فاز بجائزة مؤسَّسة أدب البيئة السياسية، عام 2019.

لويس روبلين، وأورور شايلو: غالباً ما نلقي اللوم، نتيجة التدمير البيئي الحالي، على الأنشطة البشرية في العصر الصناعي. لكنك تسلِّط الضوء على طريقة إخفاء هذا التأطير لعلاقات الهيمنة التي كانت موجودة منذ قرون. هل يزيل الخيال الغربي حول الأزمة البيئية دلائل الاستعمار؟

–  مالكوم فرديناند: لست، بأيّ حال، أوَّل من أشار إلى العلاقة بين عدم المساواة الاجتماعية والتدمير البيئي؛ بل يدخل هذا في صميم الإيكولوجيا الاجتماعية، والإيكولوجيا السياسية، والنسوية الإيكولوجية. لكن ما يهمّني هو ربط هذه الأسئلة بإرث العنصرية والاستعمار، والذي ما يزال قليل الاستكشاف (باستثناء حركات العدالة البيئية). لطالما كان التدمير البيئي والقمع الاجتماعي يسيران جنباً إلى جنب. مع ذلك، بما أننا مطالبون بمعالجة حالة الطوارئ المناخية، لا نزال نرى شعارات خالية من الفكر الاجتماعي، وهو ما يسمح للآخرين باستغلال الضرورة البيئية والدعوة إلى استجابة تكنوقراطية، مثل مكافحة التلوُّث وندرة الموارد عبر الهندسة الجيولوجية أو أسواق الكربون.

لقد تتبَّعتَ أصول الأزمة البيئية، بالعودة إلى القرن الخامس عشر وعصر الاستعمار.

–  لقد شهدنا تحوُّلات سريعة في تدمير البيئة، بخاصة في القرنَيْن: التاسع عشر، والعشرين، لكن الأزمة البيئية بدأت قبل ذلك. لقد انبثقت من طريقة معيَّنة لاستيطان الأرض، ومن اعتقاد البعض بأحقّيّة قلَّة قليلة في تخصيص الأرض لصالحها. يعود تاريخ «الاستيطان الاستعماري» هذا إلى نهاية القرن الخامس عشر (ابتداءً من منطقة البحر الكاريبي) عندما وصل «كريستوفر كولومبوس» إلى أميركا…

أنت تقارن «الأنثروبوسين»بـ«النيغروسين»(1)، على أساس «الاستيطان الاستعماري». هل يختلف هذا عن الاستغلال الرأسمالي؟

– لم يكن الأشخاص الذين تمَّ استغلالهم في أثناء وجود الاستعمار عدميِّين: على الرغم من أن الفلّاحين الفرنسيِّين كانوا، أيضاً، ضحايا للعنف الاجتماعي، إلّا أنهم كانوا، دائماً، يعتبرون أنفسهم متفوِّقين على السود. مسألة العنصرية، غالباً ما تكون غائبة عن السياسة البيئية الفرنسية. أختلف، حول هذه المسألة، مع بعض الماركسيين الإيكولوجيين الذين يعتمدون على الرأسمالية في شرح كلّ شيء أو الذين يزعمون أن عدم المساواة الاجتماعية والعنصرية البنيوية شيء واحد و أوحد. في حين أن الاستعمار والعبودية كانا مدفوعَيْن، أيضاً، بالمنطق الرأسمالي. استندت هذه العمليات، قبل كلّ شيء، إلى وجهة نظر استعمارية للعالم اخترعت التسلسل الهرمي بين الأجناس والأراضي المختلفة في العالم.

كانت أراضي الأميركتَيْن في الحقبة الاستعمارية، تابعة لأراضي أوروبا، وكان يُنظر إليها بوصفها وسيلة لإسعاد المساهمين، وهو ما أضفى الشرعية على أيّة ممارسة. وحتى التدابير المتَّخذة لحماية خصوبة الأرض، كانت تهدف، في النهاية، إلى الحفاظ على استغلالها. كان يُعتقد أن هذه الأراضي مختلفة عن تلك الموجودة في فرنسا. لقد كانت عملية عنيفة وكارهة للنساء، وطريقة مروِّعة للعيش على الأرض التي ساهم في تطويرها المستعمِر؛ من أجل هذا الأخير تمَّ تجريد البشر الآخرين من إنسانيَّتهم، ومن أجله كان للأراضي المستعمرة وغير البشر الذين يسكنونها أهمِّية أَقلّ من رغباته؛ هذا ما أسمِّيه «الاستيطان الاستعماري»، الذي يُعَدّ طريقة عنيفة لسكن الأرض وإخضاع الأراضي والبشر وغير البشر لرغبات المستعمر.

ثم يتمّ نسج مجموعة من الروايات والممارسات التبريرية، بالاعتماد على الدين والميتافيزيقا والقانون والثقافة، وما إلى ذلك. في عام 1848، على سبيل المثال، كان الإلغاء الثاني للعبودية، في فرنسا ومستعمراتها، بلا شكّ، معلماً سياسياً وقانونياً رئيسياً. ومع ذلك، تمَّ استخدام العديد من القصص الخيالية للإبقاء على العبيد السابقين في المزارع والحدّ من تطوُّر الفلّاحين. إن مُلّاك الأراضي، الذين اضطروا إلى زراعة نوع واحد من المحاصيل على أراضيهم، في ظلّ الأنموذج الاستعماري، قد حافظوا على موطن استعماري بعد عام 1848؛ ومنه ظلَّت عقليّة الاستيلاء والتسلسل الهرمي دون تغيير.

إن هذه الطريقة في الاستيطان، التي يمكن تصوّرها، الآن، بدون عبودية، تنشر ممارساتها إلى أماكن أخرى. نمت حقول الموز، والعمل في مزارع الحرير، وكذلك التعدين، في جميع أنحاء الإمبراطورية الفرنسية. وفيما يخصّ قضيّة التلوُّث بالكلورديكون الشائن في جزر المارتينيك وجوادلوب الفرنسية، أدَّت هذه الممارسات، في غضون 20 عاماً، فقط، إلى تلويث الأراضي لعدّة قرون، وتسمُّم آلاف الأشخاص من أجل ملء صناديق عدد قليل منهم. أظهر عملي أننا يمكن أن ننشغل بقراءة تكنوقراطية للمشاكل البيئية. إذا ما كنّا نعاني من مادّة كيميائية سامّة فلنخرجها من السوق، وإذا ما كنّا نعاني من الكثير من التلوُّث، فلنقم بتنظيم حلّ تقني أو تنفيذه. لكن «التابعين» لا يريدون، فقط، أن يتمّ تطهيرهم من التلوُّث أو حتى إحلال العدالة لجريمة بهذا الحجم، وبدلاً من ذلك، ومع عدم وجود لائحة اتِّهام حتى الآن، بعد خمسة قرون، فإن الأمر يتعلَّق، فقط، بتغيير الطريقة التي نستوطن بها الأراضي.

عندما تتحدَّث عن «التابعين»، من تقصد؟ أتقصد الناس المضطهدين، بشكلٍ عامّ، أم الطبقة العاملة، أم النساء، أم الأقلّيّات؟

–  أستخدم كلمة «زنجي»، بحرِّيّة، إلى حدّ ما (في كلمة «نيغروسين»، على سبيل المثال). التابعون هم الزنوج «المزارعون» الحاليّون، بغضّ النظر عن جنسهم أو لون بشرتهم. لقد أوسمنا الزنجي، بشكل أساسي، بصفة (أسود)؛ وأتت الكلمة من اللغة الإسبانية، فالكلمتان متماثلتان. لكن ليس السود وحدهم مَنْ عانوا في المزارع، وما زالوا يعانون هناك. تمَّ تجريد هذه الكلمة من معناها، أوّلاً، من قِبَل الكتاب. «الزنجي» هو من يقوم بعمل شخص آخر، دون أن يتمَّ الاعتراف به.

يلفت مصطلح «النيغروسين» الانتباه إلى كلّ تلك الكائنات التي تمّ استخدام قوّة حياتها لإشباع الرغبات الأنانية للآخرين. لطالما تمَّ تجاهل تاريخ استعباد السود في فرنسا؛ وما يزال يُنظر إليه، بشكل أساسي، من حيث العلاقات الاجتماعية أو العلاقات بين الجنسَيْن. لكننا نتغاضى عن كيفيّة ارتباطه بالتاريخ البيئي. نحن بحاجة إلى ربط استغلال الجثث باستغلال الأراضي. إذا بدأنا من المبدأ غير الحديث، القائل بوجود استمرارية بين الأجسام والنظم البيئية، فإننا ندرك أن إيذاء أحدهما هو إيذاء الآخر. يساعدنا هذا «الانعكاس» على فهم الثورات ضدّ العبودية أيضاً كمقاومة لهذا الاستيطان الاستعماري. هروب العبيد من المزارع هو أمر أساسي لعملي، لأنه طريقة أخرى للسكن. يتجاوز العبيد الفارّون مقاومة العبودية إلى تبنّي علاقة مختلفة مع الأرض ومع غير البشر.

ما هي عواقب هذا «الصمت الاستعماري»، اليوم؟

– أرى مشكلتَيْن؛ فمن ناحية لم نبدأ في التفكير في الاعتراف بما حدث إلّا بعد مرور 150 عاماً على إلغاء العبودية… من ناحية أخرى، يتمّ بناء فكر الحماية البيئية بشكل مختلف عن العنصرية، وصحيح، أيضاً، أن النشطاء البيئيين هم- في الغالب- من البيض (كما يعترفون بذلك).

أودّ أن أقول، إذن، إن الصمت الاستعماري يسهم في «الانقسام المزدوج» (الذي يفصل بين التفكير البيئي والتفكير الاستعماري)، ويستبعد شريحة كاملة من الناس الذين يستوطنون الأرض. ومع ذلك، يمكن للأشخاص الذين تَمَّ استعمارهم أن يسهموا، أيضاً، في التفكير في حماية البيئة. إننا، من خلال الاستمرار في الاعتقاد بأن الأشخاص الذين يتعرَّضون للعنصرية ليسوا مهتمِّين بالبيئة، نواصل إقصاءهم وإقصاء الطريقة التي يتصوُّرون بها المجالات والساحات الطبيعية للتفكير في حماية البيئة، ومنه يتولَّد لديهم عدم الثقة بسبب هذا الإقصاء. عملَ الخيال المبنيّ حول حماية البيئة، منذ البداية، على محو أدوار الآخرين، وكلماتهم.

علاوة على ذلك، يعني الانقسام الاستعماري التقليل من أهمِّيّة القضايا البيئية. يحاول كتابي، «إيكولوجيا تفكيك الاستعمار»، ربط الجسر بين حماية البيئة وإنهاء الاستعمار، لأنه يضرّ بكليهما. أحاول، على عكس روايات علم الانهيار، إظهار أنه منذ عام 1492، كانت هناك، بالفعل، انهيارات، وقد اقترحت العديد من المجتمعات علاقات بديلة مع العالم، لكن لم يُسمع صوتها، وبخاصّة في حركة حماة البيئة. مع ذلك، من خلال الاستمرار في نشر مختارات من نصوص حماة البيئة التي لا يظهر فيها أيّ مؤلّف أسود واحد، نحن نكرِّس أسطورة حماية البيئة التي يقودها البيض من الشمال العالمي، وأسطورة غياب التفكير البيئي عند الشعوب التي كانت مستعمَرة و مستعبَدة.

كيف يجب أن نفكر في العدالة الاجتماعية، ومكافحة العنصرية، والحفاظ على النظم البيئية، معاً؟ هل يسمح إعادة تعريف مفهوم الطبيعة بعمل هذا الارتباط؟

–  لقد منعتنا المركزية الأوروبية والمركزية الغربية من رؤية وجهات نظر أخرى عن العالم. وإذا ما أشرنا إليها، فمن باب الرومانسية: «أوه! فقط، لو تمكنّا جميعاً من العيش مثل شعب الغواراني!»، ومع ذلك، لا يمكننا الاحتفال بأسلوب حياتهم دون الاعتراف بتاريخهم وتهميشهم الاجتماعي، والسياسي…؛ لذا، يجب أن نترك وجهات نظرهم عن العالم تتحدّانا، دون أن ننسى تاريخ هذه الشعوب وما يطلبونه. ما هي المصطلحات التي يستخدمها هؤلاء الأشخاص لتأكيد علاقتهم بالعالم. هذه هي الطريقة التي سنعمل بها على سدّ فجوة الانقسام المزدوج للعدالة البيئية. يخلق الحديث عن الإبادة البيئية، على سبيل المثال، نسيجاً بين الأجيال (نربط أفعالنا بحياة أطفالنا، ونتحمَّل مسؤولية إرثنا، ونتفاوض بشأن إرث والدينا)، ولكن ينظر إلى هذا النسيج من منظور حماة البيئة، بدلاً من منظور اجتماعي، ومنظور سياسي. ومع ذلك، فإن فهم حقيقة أن التدمير كان ممكناً بفضل استغلال الشعوب الأصلية، يعني الاعتراف بحاجة هذه الشعوب إلى العدالة، فضلاً عن المطالبة بتعويضات العبودية.

يولي صنّاع القرار السياسي والاقتصادي، اليوم، اهتماماً كبيراً بالاستمرار في إخفاء هذا البعد الاستعماري

–  نحن بحاجة ماسّة إلى جعل فكر الحفاظ على البيئة حول العالم: في أيّ عالم نريد أن نعيش؟ يجب علينا أن ندرك الثقافة واللون، بدلاً من مجرَّد معالجة المشكلة من خلال الإدارة البيئية التقنية. هذا ما أعنيه عندما أتحدَّث «إيكولوجيا تفكيك الاستعمار».

هذا التغيير في الأنموذج يشبه، إلى حَدّ كبير، تغيير في الخيال. كتابك مكتوب بأسلوب أدبي، تقريباً.

–  لقد حصلت على إجازة أدبية من أجل أن أجعل الأمور محسوسة، بدل إظهارها، فحسب. نحتاج- «للتأثير في العالم»- إلى قيم مثل الحبّ والعدالة. إن بناء عالم بعد الاستعمار والعبودية، لن يكون إلّا بتقاربنا. أعرض، في جانب من كتابي، شخصيّات فرُّوا (بسبب العنف الذي تعرَّضوا له)، وفي جانب آخر شخصيّات تنكر نصيب الآخرين من هذا العالم. لكنني أتحدَّث، أيضاً، عن أولئك الذين قرَّروا البقاء على متن السفينة التي تشترك فيها جميع الكائنات. نحن جميعاً، في النهاية، على متن القارب نفسه، بعد كلّ شيء.

حوار: من أورور شايلو، ولويس روبلين، ترجمة: أحمد منصور

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

Why We Need a Decolonial Ecology

هامش:

1 – العصر الجيولوجي الحالي، الذي يُنظر إليه على أنه الفترة التي كان النشاط البشري خلالها، هو التأثير المهيمن على المناخ والبيئة.

 

نعوم تشومسكي: علينا تغيير الوعي

عاش نعوم تشومسكي، بكلّ المقاييس، حياةً استثنائيّةً للغاية. في أحد الفهارس، تمَّ تصنيفه في المرتبةِ الثامنة بين أكثر الأشخاص الذين يتمُّ الاستشهاد بهم في التاريخ، مع أرسطو، وشكسبير، وماركس، وأفلاطون وفرويد. في سن الـ91، وبالإضافة إلى عشرات المُؤلَّفات، لا يتوقَّف عن الكتابة وإجراء المُقابلات لوسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم.

وُلدت عام 1928، بعد عقدٍ من تفشي «الأنفلونزا الإسبانيّة» في العالم، التي تسبَّبت في وفاة مئات الآلاف من الولايات المُتحدة وعِدّة ملايين حول العالم. أوّل حالة تمَّ الإبلاغ عنها كانت في قاعدة عسكرية أميركيّة في كنساس في عام 1918. عندما كنت صبيّاً في فيلادلفيا، هل تحدَّث الناس عنها؟ هل لديك أي ذاكرة عنها؟

– أنت محق. بدأ التفشّي في قاعدة عسكرية في كنساس، عندما ذهب الجنود الأميركيّون إلى أوروبا نشروها هناك، ثم انتشرت في كلّ مكان. لقد وُلدت بعد 10 سنوات، 1928. لم أسمع كلمة واحدة عنها. علمت عنها لاحقاً، عندما كنت أبحث في كتب التاريخ. وبعد مرور 10 سنوات، لم ألتقِ مطلقاً بأي شخصٍ يتحدَّث عنها.

لنتحدَّث عن الوباء الحالي، الذي أدَّى إلى وفاة ما يقرب من ربع مليون أميركيّ وملايين الحالات، وهي أرقام من المُؤكَّد أنها أعلى من ذلك بكثير. وقد تعرَّض النظام في واشنطن لانتقاداتٍ واسعة، لا سيما من الأوساط العلميّة والطبيّة. وصفت مجلة «The New England Journal of Medicine» الصادرة في 7 أكتوبر/تشرين الأول أسلوب تعامل النظام مع الوباء بأنه «غير كفؤ للغاية». لقد «حوَّل الأزمة إلى مأساة. وبدلاً من الاعتماد على الخبرة، لجأت الإدارة إلى «قادة الرأي» والدجَّالين غير المُطلعين الذين يحجبون الحقيقة ويسهِّلون نشر الأكاذيب الصريحة». ودعت مجلة «The Lancet» البريطانيّة المرموقة الأميركيّين إلى عدم انتخاب ترامب مجدّداً. ما هو شعورك تجاه ما يحدث واستجابة واشنطن؟

– في الأساس، هُم لا يهتمون. إنه لأمر مدهش للغاية أن المجلة الطبيّة الأميركيّة الكبرى، «The New England Journal of Medicine»، والتي كانت موجودة منذ أكثر من قرنين من الزمان، ولأوّل مرّة في تاريخها اتّخذت موقفاً من الانتخابات. «Scientific American» نفس الشيء، وقد سبقتهم «The Lancet» منذ بضعة أشهر. وهو أمرٌ شائن.

في الواقع، إذا نظرنا إلى التاريخ، فسيكون الأمر أكثر إثارةً للغضب. الأمر يستحق النظر إلى السجل، لأننا نواجه الموقف نفسه مرّةً أخرى الذي واجهناه في عام 2003. من الأفضل أن نفهم كيف حدث هذا إذا كنّا نأمل في منع حدوثه مجدّداً. ويمكن أن تكون المرحلة التالية أسوأ بكثير. لقد كنّا محظوظين نوعاً ما حتى الآن. فيروسات كورونا شديدة العدوى، ولكنها ليست قاتلة للغاية، مثل هذه الفيروسات؛ كانت شديدة الخطورة، ولكنها ليست شديدة العدوى، مثل الإيبولا. المرحلة التالية، على حدِّ علمنا، قد تكون شديدة العدوى وقاتلة للغاية، وقد نعود إلى شيء مثل الموت الأسود. من المُحتمل جدّاً أن يحدث ذلك.

الطريقة التي يجب أن نكون مستعدين لها هي دراسة فيروسات كورونا، وإيجاد لقاحات محتمَلة، ووضع أنظمة استجابة، بحيث تكون جاهزاً للتحرُّك عندما تأتي. لا يكفي أن تكون لديك المعرفة، بل الشخص المناسب ليقوم بشيء ما، المرشَّح الواضح.شركات الأدوية، لديها أرباح طائلة، ومختبرات ضخمة، والكثير من الموارد، لكن المنطق الرأسماليّ، الذي مازال قائماً، يقف سداً منيعاً. أنت لا تضع المال في شيء قد ينجح بعد عامين من الآن، وبالتأكيد لا تضع المال في اللقاحات، التي يستخدمها الناس مرّةً واحدة ثمَّ ينتهي الأمر. تضع أموالك في أشياء يمكنك جني الأرباح منها غداً. هذا هو المنطق الرأسمالي. لذا فقد تراجعت شركات الأدوية.

بعد ذلك تأتي الحكومة، مرّة أخرى، موارد كثيرة، ومختبرات رائعة. لكنهم محاصرون بشيء يُسمَّى النيوليبرالية، وهي نسخة متوحِّشة من الرأسمالية. تمَّ إنتاج جوهرها في جملتين في خطاب تنصيب رونالد ريغان: «الحكومة هي المشكل وليس الحل». بمعنى أننا نزيل القرارات من الحكومة، التي تستجيب جزئياً للسكّان، ونضع القرارات في أيدي القطاع الخاص، غير الخاضعين للمُساءلة على الإطلاق، قطاع الشركات. سوف يتخذون القرارات.

لكن دعونا نعد إلى الوباء. شركات الأدوية مُستبعَدة من قِبل المنطق الرأسماليّ، الحكومة مُستبعَدة من النسخة النيوليبرالية للرأسماليّة الوحشية. ماذا تبقى؟ القادة، الذين قد يفعلون أو لا يفعلون شيئاً. تذكر بوب وودوارد، الصحافي الشهير في واشنطن بوست ذائع الصيت في فضيحة «ووترغيت». ما رأيك في قراره الذي تضمَّنه كتابه «Rage» بعدم الكشف عن المعلومات التي ذكرها ترامب «كوفيد – 19 قاتل … إنه الطاعون». لقد احتفظ بهذه المعلومات لأشهرٍ وأشهر.

– لقد قدَّم أسبابه. حكمي الخاص، كان غير لائق تماماً. تعلّل بأنه لم يتم التحقّق من صحّة المعلومات، لقد أراد التأكد من صحّتها. حسناً، هذه حجّة إذا كنت تكتب كتاباً لمصالح المُستقبل. لكن هنا مئات الآلاف من الأرواح معرَّضة للخطر. شعوري الخاص هو أنه في هذه المرحلة، من المُفيد الإفصاح عن المعلومات، حتى لو لم يتم التحقّق منها بالكامل.

ماذا عن اللقاحات المُحتمَلة التي يتمُّ تطويرها للتصدي لفيروس كورونا، ومَنْ سيقوم بإعطائها، وكم تكلفتها، وهل ستجني شركات الأدوية الكبرى الأرباح؟

– الأمر بأيدينا. ليس هناك سبب وراء قيام شركات الأدوية الكبرى بجني الأرباح. إذا نظرت إلى اللقاحات والمُستحضرات الصيدلانية بشكلٍ عام، فإن الكثير من الأعمال الرئيسية تقوم بها الحكومة، إما من قِبل المعاهد الوطنية للصحَّة أو عن طريق المنح المُباشرة إلى شركات الأدوية من الحكومة. حسناً، هناك بالفعل قانون -قانون بيرش بايه لعام 1981 – ينصّ على أنه إذا كان للحكومة دورٌ كبير في تطوير الأدوية واللقاحات، فيجب عرضها للعموم في سعرٍ تنافسي، لا أرباح. هذا ما هو مدوَّن. أعتقد أنه ربّما تمَّ إلغاؤه الآن، لكنه كان موجوداً. وهذا يعني عدم السعي وراء الأرباح.

يجب أن أقول إننا خُنقنا أيضاً بواحدة من هدايا كلينتون العظيمة للنيوليبرالية ، قواعد منظَّمة التجارة العالمية، التي توفِّر ما يُسمَّى بحقوق الملكية الفكريّة وحقوق براءات الاختراع من النوع الذي لم يكن موجوداً في الماضي. إنها ترقى إلى حقوق التسعير الاحتكارية الضخمة. بالنسبة لصناعة المُستحضرات الصيدلانية، فهي بمثابة ثروة كبيرة. تساعد الحكومة، وتدفع أجزاء مهمَّة من تطوير بعض الأدوية، ثمَّ تخبر شركات الأدوية، يمكنك جني الأرباح منها والاحتفاظ بها إلى الأبد.

حرائق الغابات والأعاصير والفيضانات وذوبان الجليد في القطب الشمالي وغرينلاند. كان سبتمبر/أيلول الشهر الأكثر سخونة على الإطلاق. سجّل وادي الموت أعلى درجة حرارة مسجّلة على سطح الأرض: 54 درجة مئوية. نحن نتجه نحو كارثةٍ مناخية.

– كل تنبؤات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ بدت متحفِّظة للغاية، ولم تكن مثيرة للقلق بالشكل الكافي. يحذرنا العلماء البارزون أننا في مرحلة الخطر الآن. الآثار المُميتة للكارثة البيئية ليست بعيدة. ارتفاع هائل في مستوى سطح البحر، سيحدث ببطء، ليس غداً. إنّ العلامات المُبكِّرة للكارثة موجودة حولنا بالفعل، كما ذكرت. ستزداد الأمور سوءاً. لا نعرف حجمها. هناك هامش خطأ. لكن كلّ تحليل جاد يتنبأ بخطرٍ شديد، وربّما نهاية لإمكانية الحياة البشريّة المنظّمة. ليس غداً، ربّما في نهاية القرن، ربّما بعد قرون.

لكن مصير المُستقبل بين أيدينا. ربّما أمامنا 10 أو 20 سنة للتحكُّم فيه. وسائل التغلب عليها متاحة. أجرى المُؤلِّف المُشارك، روبرت بولين، الاقتصاديّ بجامعة ماساتشوستس، دراسات دقيقة ومفصَّلة للغاية. ويتمُّ تنفيذها في بعض البلدان. هناك أدلة مقنعة للغاية على أنه ربّما بنسبة 2 % إلى 3 % من الناتج المحلي الإجماليّ يمكننا من السيطرة على كلّ هذا. توصّل محلّلون آخرون، مثل جيفري ساكس في كولومبيا، باستخدام نماذج مختلفة نوعاً ما، إلى تقديراتٍ مماثلة تماماً. هناك احتمال كبير جدّاً أنه إذا اعتمدنا التدابير الصحيحة، المُتاحة والمُمكنة، يمكننا أن نوقف السباق نحو الكارثة -وهذا أمرٌ حاسم- نخلق عالماً أفضل بكثير، عالم به وظائف أفضل، حياة أفضل، وظروف عيش أفضل، ومؤسَّسات أفضل.

ذكرت روبرت بولين. لقد ألَّفت معه كتاباً جديداً بعنوان «أزمة المناخ والصفقة الخضراء العالمية الجديدة». تستشهد فيه بالمُلاحظة الشهيرة لأنطونيو غرامشي حول «القديم يحتضر والجديد لا يمكن أن يُولد؛ في فترة الاستراحة هذه، تظهر مجموعة كبيرة ومتنوِّعة من الأعراض المرضية». ثم تكتب، «لكن مثل هذه الأعراض المرضية يقابلها تحرُّك متزايد بشأن تغيُّر المناخ والعديد من الجبهات الأخرى. الجديد لم يولد بعد، لكنه آخذ في الظهور بعدّة طرق معقَّدة، وليس من الواضح ما هو الشكل الذي سيتخذه». من حيث طبيعة التحرُّك المطلوب الآن والحركات الضرورية ومشاركة المواطنين، كيف نكسر قبضة ما تسمّيه «المنطق الرأسمالي»؟

– لا يمكنك كسر القبضة تماماً، لكن يمكنك تعديلها. هذا ليس سراً. ما يُسمَّى بالرأسمالية هو في الواقع نوع من رأسمالية الدولة. لا يوجد بلد رأسمالي. المُجتمع الرأسمالي سوف يدمِّر نفسه بنفسه بسرعة، بحيث لا يمكن أن يوجد. أصحاب المصالح لن يسمحوا بذلك. لذا، فإن كلّ مجتمع هو شكل أو آخر من أشكال رأسمالية الدولة. يمكن أن يكونوا أكثر حقداً، ويمكن أن يكونوا أكثر إحساناً. في غضون الفترة الزمنية الحالية، بعد عقدين من الزمن، لن نطيح بالمُؤسَّسات الرأسمالية.

يمكننا تغييرها بجدية. من المُمكن تماماً، على سبيل المثال، فرض ضريبة كربون ليس من النوع الذي تمَّ اقتراحه، ولكن ضريبة كربون حقيقية والتي ،على سبيل المثال، ستعود بـ 75 % من الإيرادات إلى العاملين والأشخاص الذين يحتاجون إليها، ضريبة الكربون الخاصّة بإعادة التوزيع. حاول ماكرون فرض زيادة في ضرائب الوقود، لكن وقع تمرُّد من الناس الذين يقولون بحق، نحن ضحايا ذلك. إنّ الفقراء والعاملين هُم مَنْ يدفعون هذا المبلغ بشكلٍ مبالغ فيه، وهُم الذين يحتاجون إلى الإغاثة وليس العبء الإضافي.

علينا تغيير الوعي. هناك أشياء لا حصر لها يمكن القيام بها في جميع المجالات: فرديّ، حكوميّ، محليّ، اتحاديّ، دوليّ. يجب أن يكون هناك جهدٌ دوليٌّ. لا توجد حدود للاحتباس الحراري. يجب أن نضع في اعتبارنا أن ما يقرب من نصف الانبعاثات في المُستقبل ستأتي من ما يُسمَّى بالمُجتمعات النامية، المُجتمعات الأفقر. إنهم بحاجة إلى مساعدة. إنهم بحاجة إلى المُساعدة في الانتقال إلى طاقة أكثر كفاءة وأرخص وأكثر فائدة واستدامة. لكن في المراحل الأولى هُم بحاجة إلى المُساعدة للتحرُّك نحو الطاقةِ المُستدامة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: ديفيد بارساميان

المصدر:

lithub.com

27 أكتوبر 2020