ما الذي تكشفه أطروحات المؤامرة خلال وباء «كوفيد – 19»؟

يحلّل «أوليفييه كلاين»، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة بروكسل الحرّة، أسباب انفجار نظريّات المؤامرة منذ بداية الوباء، ونتائجها.

يعتبر نجاح الفيلم (الوثائقي) التآمري، Hold-up، الذي يدّعي كشفه مؤامرة وراء أزمة فيروس كورونا، أحدث أعراض هذا الفكر. منذ بدايته، اقترن وباء «كوفيد 19» بـ «وباء المعلومات»: وباء المعلومات الكاذبة، وخاصّة نظريّات المؤامرة.

وفقاً لهذه الأطروحات التآمرية، تمَّ صنع الفيروس في المختبر، وحظي حتى ببراءة اختراع، وسيحتوي اللقاح على تقنيات النانو، وستعمل الحكومات على تعميمه بهدف التحكّم في السكان…

لفهم أسباب وعواقب هذا الانتشار الواسع في نظريّات المؤامرة، أجرى موقع franceinfo مقابلة مع «أوليفييه كلاين»، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة بروكسل الحرّة، والمتخصّص في المؤامرة.

هل يفاجئك هذا «الوباء المعلوماتي» الذي ندّد به المدير العامّ لمنظَّمة الصحّة العالمية في مارس المنصرم؟

– لا، ليس مفاجئاً. في أوقات الأزمات، تنتشر المعتقدات ذات الطبيعة التآمرية؛ فتستجيب نظريّات المؤامرة إلى ثلاث حاجات نفسية رئيسية؛ أوّلها معرفي، حين يسعى الناس لفهم ما يجري. وتعمل نظرية المؤامرة كشبكة بسيطة لتحليل واقع معقّد. إنها تقدِّم تفسيراً في خضمّ حالة من عدم اليقين. أما الثاني فهو الشعور بالرضا، أيّ أن تكتسب نظرة إيجابية لذاتك. فالأزمة تسبّب حالة من الوهن النفسي. تسمح لنا نظرية المؤامرة باستعادة التحكّم؛ عندها يمكننا التحرّك، كما يمكننا المقاومة. قد نقرّر عدم ارتداء القناع. لم نعد قطيعاً يكتفي باتِّباع تعليمات سلطة، لم نعد نثق بها كثيراً. أمّا الدافع الثالث فهو التواصل مع الآخرين، إذ يجب أن تكون قريباً من أشخاص آخرين. إنها فطرة إنسانية أساسية. مع الحجر المنزلي، يكون الناس أكثر عزلة، وتصبح شبكاتهم الاجتماعية محدودة أو مهدّدة. تسمح لنا المؤامرة بأن نصبح أعضاء في المجتمع. إن مشاركة نظريّات المؤامرة، التي تشكّك في الخطاب السائد، تمكّن من تكوين هويّة قيّمة. ففي كلّ مرّة تشارك فيها غيرك مقطع فيديو جديداً، يستجيب أصدقاؤك وأعضاء المجموعات، وهذا يزيد من شأنك.

فيروسات، لقاحات، 5G، عملة مشفَّرة.. ألا نشهد، مع هذا الوباء، «تشابك نضالات» تآمرية؟

– غالباً ما يؤمن الأشخاص الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة، بالآخرين، لكن ما أذهلني، مع هذا الوباء، هو تقارب المجموعات رغم تباين أصولها كلِّيّاً، وإعلانها، بشكل جماعي، عن نظرية المؤامرة نفسها.

فمن ناحية، نجد مجموعات من اليمين الأميركي، وأقصى اليمين، شعبوية، ترامبية؛ ومن ناحية أخرى، نجد كلّ هذا الفضاء، الذي لا علاقة له بالطبّ البديل والذي يغذّي، بشكل خاصّ، الحركة المضادّة للّقاحات، وهذا ما تطرّق له، بشكل خاصّ، فيلم Hold-up.

طريقة تعامل السياسيين مع الأزمة الصحِّيّة واجهت انتقادات على نطاق واسع. إلى أيِّ مدى يغذّي مناخ عدم الثقة في الحكّام الفكرَ التآمري؟

– فقدان الثقّة في الحكومات تفاقم بسبب هذه الأخطاء الإدارية. لكن هذه المؤامرة قسّمت المجتمع إلى فئتَيْن رئيستين؛ الأولى أناس عاديّون، وأناس بسطاء، وآخرون فضلاء، من ناحية، والنخب الجشعة التي تحاول التحكّم والاستغلال، من ناحية ثانية.

في Hold-up، هناك معارضة شديدة الوضوح. هذه النخب تضمّ السياسيين، كما تضمّ الصحافيين والعلماء والمؤسَّسات أيضاً، وكلّهم من أتباع السلطة.

يشعر المتآمرون أن صحافيِّي وسائل الإعلام التقليدية يوالون الحكومات؛ لذلك هناك فقدان كامل لشرعية الخطاب الصحافي، وهذا -بدوره- يسمح بإضفاء الشرعية على خطاب المؤامرة، لأنه محلّ شكوك الصحافيين.

هناك، أيضاً، في فرنسا، فقدان مقلق للثقّة في العلم والخبراء. والحقيقة أن شخصيات مثل البروفيسور «ديدييه راولت»، و«كريستيان بيرون» (من مؤيِّدي استخدام هيدروكسي كلوروكين كعلاج لفيروس كوفيد – 19) أو صاحب جائزة نوبل للطبّ، «لوك مونتانييه»، (الذي دافع عن أطروحة الفيروس المصنّع في المختبر، انطلاقاً من فيروس الإيدز)، يقدِّمون أنفسهم، أو يتمّ تقديمهم كضحايا للنظام، الذي شجّع على انتقال الخيال التآمري إلى المجال العلمي.

هل هناك صورة اجتماعية أو سياسية نموذجية للمتآمر؟

– من وجهة نظر علم الاجتماع، غالباً ما تنتشر نظريّات المؤامرة لدى الأشخاص الذين لديهم إحساس بالضعف. إنهم ليسوا، بالضرورة، أفقر الناس، بل هم أولئك الذين يشعرون بالهشاشة، الذين لديهم انطباع بأن شيئاً ما قد سُلب منهم أو أُعطِي للآخرين؛ لذلك ليس مستبعَداً أن يتبنّى أصحاب «السترات الصفراء» نظريّات مؤامرة تتوافق مع هذا النوع من البروفايلات. كتب «جوزيف أوسينسكي»، أحد أعظم المتخصّصين في المؤامرة الأميركية، في كتابه: «نظريّات المؤامرة تُصنع للخاسرين»، وهذه العبارة مناسبة للغاية.

من وجهة نظر سياسية، تكون معتقدات المؤامرة أكثر وضوحاً على اليمين منها على اليسار، وأكثر لدى أقصى اليمين منها لدى أقصى اليسار. تتحدّى نظريّات المؤامرة الخطاب السائد؛ لذلك من المنطقي أن يميلوا إلى الأقصى. يحمل اليمين المتطرِّف، أيضاً، أيديولوجية تحرُّرية للغاية، تتوافق مع نظريّات المؤامرة التي ترى أن الدولة ترغب في التحكّم في الأفراد.

متى ننتقل من التساؤل إلى الشكّ، ثم إلى المؤامرة؟

– هناك العديد من المسارات الفردية، لكن يمكننا وصف مسار نموذجي إلى حَدّ ما: نجد أنفسنا في لحظة شكّ، وعدم يقين، فيما يتعلَّق بتجربة شخصية أو وضع اجتماعي، ونسعى للحصول على إجابات. وضع يؤدّي إلى وضع آخر، ولا نتعلّق بالخطابات، فحسب، بل بأصحاب الخطابات، أيضاً.

سوف ننخرط في هذه المجتمعات حين نعمل على مشاركة تلك الخطابات، ويمكن أن يكون مجتمعاً افتراضياً. نرتبط عاطفياً بشبكة من الأشخاص الذين نتفاعل معهم، ونثق بهم، وستسمح لنا هذه الهويّة الجماعية بالشعور بالانتماء. هذا الاعتقاد ينظّم حياتنا الاجتماعية، ويصبح جزءًا من هويَّتنا الاجتماعية.

التنشئة الاجتماعية، في تلك المجتمعات، تعني أننا سننتقل من وضعية الشّك وعدم اليقين إلى التماهي مع تلك الخطابات. ما إن تدخل إلى المجتمعات المذكورة، حتى تجد نفسك في نظام إعلامي معارض كلّيّاً، من شأنه أن يروّج لسلسلة كاملة من المعتقدات، وسيحدّد طبيعة المعلومات التي سنتقبّلها.

هل يمكن إقناع المتآمر بخطاب معقول؟

– إن الدعوة «للإقناع بخطاب معقول» تفترض أننا على صواب، وأنهم مخطئون. الأمل يكمن في تحريك المؤشِّر. ما يمكنك أن تأمل فيه هو أنه، بعد مناقشتهم، يتراجع اعتقادهم بنسختهم بعض الشيء، وتصبح النسخة المقبولة، عموماً، منطقية، في نظرهم، أكثر من ذي قبل. إنه هدف يجب أن نكون قادرين على تحقيقه.

بقولنا: «أنتم متآمرون»، أنت تقول في الوقت نفسه: «أنا لست متآمراً»، وأنت تبني العلاقة كما تَمَّ التعبير عنها في هاتَيْن الهويَّتَيْن المتعارضتَيْن. ابتداءً من اللحظة التي تبدأ فيها نقاشاً قائماً على ما يميّزكما، لن يعتبر ذلك نقاشاً.

للتحدّث مع الأشخاص الذين يتبنّون نظريات المؤامرة يجب، أوَّلاً، إيجاد أرضية مشتركة، ومشاركة ما يوحّدنا عوض ما يفرقنا، في هذه الحالة، يمكننا اعتباره نقاشاً، و- من ثَمَّ- يبدو لي أنه من المهمّ، بشكل خاصّ، تحديد مصدر للانسجام والاتِّفاق، أو، على سبيل المثال تساؤل، أو حتى شعور بعدم الرضا فيما يتعلَّق بطريقة إدارة الوباء. في بعض الأحيان، هذا لا يعمل. هناك أشخاص يتمسَّكون بهويَّاتهم حتى أنهم لا يريدون تعريفاً مختلفاً للعلاقة مع الآخر.

في هذه الحالة، من الصعب، للغاية، تغيير آراء هؤلاء، لأننا لا نشكّك في المعتقدات فحسب، بل في ما يشكّل وجودهم، وينظّمه. يصبح ذلك تشكيكاً في وجودهم كلّه، بدلاً من التشكيك في مثل هذه القناعات. الخطاب العقلاني يجد أمامه سدّاً منيعاً. وهذا يشبه -إلى حَدٍّ ما- محاولات التخلّص من الأفكار المتطرِّفة، التي لا تنجح دائماً.

الآن، إذا ناقشنا الحقائق بحدِّ ذاتها، فإني أنصح بذلك؛ لا على أساس نظرية المؤامرة برمَّتها، بل انطلاقاً من عنصر أو حقيقة تبدو مقنعة بشكل خاصّ، للشخص، وتفكيكها بعمق وبأكبر قدر ممكن من الانفتاح، وهذا يريحنا من عناء الجدال الذي لا ينتهي. إذا حاولنا التحقّق من صحّة كلّ الحجج، فلن نخرج من المتاهة.

هل يعني ذلك أن تدقيق الحقائق، والتحقّق من الوقائع من قِبَل الصحافيين غير مجدٍ؟

– هذا ما كنّا نؤمن به لوقت طويل، لكنه ليس صحيحاً. قبل بضع سنوات، كشفت أبحاث في علم النفس عن وجود تأثير ارتدادي لعملية التحقّق من الحقائق، حيث يتمسّك الناس بأفكارهم أكثر، كلَّما كشفنا تناقضاتها. لكنّ هناك اعتراضاً على هذه الفكرة.

تدقيق الحقائق جهد ضروري. إنه ضروري وعمل جيّد، لكنها واحدة من بين عدّة أدوات أخرى، يجب استخدامها بحذر. مثلاً، عندما ينقل شخص ما خطاباً تآمرياً، قد نقابله بمقال «ندقّق فيه الحقائق» يعمل على تفكيك معتقداته، مصحوباً بتعليق مقتضب، فهذا هو أسوأ طريق للقيام بذلك. من الأفضل إرسال المقال دون اعتباره شكلاً من أشكال الحقيقة المطلقة، بل كمعلومات للنقاش، يمكن، من خلالها، بدء النقاش.

التحقّق من صحّة الحقائق مفيد حقّاً، خاصّةً مع الأشخاص المهمَّشين قليلاً، وغير المقتنعين تماماً. لكن مع المتآمرين الأقوياء، هذا لا يكفي، لأنهم سيعمدون إلى تشويه المصدر نفسه.

ألا تخشون من تعزيز المؤامرة بالرغبة في محاربتها؟

– منذ اللحظة التي تسعى فيها جميع وسائل الإعلام التقليدية إلى الذهاب بعيداً، بقولها إن «هذا الفيلم الذي تحبّونه كثيراً مجرَّد هراء»، يتعزّز شعورنا بأن هذه الوسائط لا تتحدّث عنا.

عندما نسمع جوقة تقوم بتشويه خطاب حقيقي في نظرنا، حتى لو كان مشكوكاً فيه من الناحية الواقعية، فإن ذلك يمكن أن يعزّز شعورنا بالانتماء إلى مجتمعنا.

ولمّا كان الصحافيون يفكّكون الخطاب الذي ينقله المتآمرون، فمن السهل عليهم التشكيك في أيّة محاولة للتحقّق من خطابهم، بالقول إن الصحافيين ووسائل الإعلام في خدمة السلطة والمصالح الخاصّة.

ما الذي يجعل نظريّات المؤامرة جذّابة للبعض؟

– هناك العديد من العناصر التي تجعلها جذّابة؛ فهي تتضمَّن جانباً من القصص الخيالية. نحن نَصفُ عالماً ثنائيّاً، في الغالب، من السهل فهمه أيضاً. من الجيّد أن نشعر بالضياع قليلاً. تستند نظريات المؤامرة، كالتي تضمَّنَها فيلم Hold-up، إلى عناصر غريبة، ومصادفات، بهذه «البيانات المنحرفة»، نبني قصّة تبدو لنا مقنعة جدّاً.

في هذا الصدد، تختلف نظريّات المؤامرة عن كشف المؤامرات الحقيقية، على غرار فضيحة «ووترغيت». هذه الأخيرة تستند، بشكل عامّ إلى تحقيق شامل – صحفي أو قضائي – يفضي إلى اعترافات. البيت الورقي ينهار كليّاً ما إن نسحب ورقة واحدة.

أوليفييه كلاين

كيف تفسّر نجاح بعض الشخصيات التي تنقل هذه الخطابات التآمرية؟

– «جان جاك كريفكور» (متحدِّث بلجيكي، يعارض التطعيم ومؤيِّد للأدوية البديلة، له مقاطع فيديو بلهجات تآمرية على (كوفيد – 19)، وحقّق نجاحاً كبيراً على «يوتيوب») من أكثر الشخصيات التي درستها. إنه يشبه المسيح إلى حَدّ ما. أسلوبه في نشر «خيرِ الكلام» يجعل خطابه مقنعاً بشكل خاصّ. مثل هذه الشخصية تعمل على تعزيز مصداقيَّتها بدايةً، وتؤسّس لجسور من الثقة مع المشاهد ثم تقدّم تأكيدات غير مدعومة، فيتأثر المتلقّي بالخطاب.

إنهم أصحاب بلاغة عالية. يضعون أنفسهم في الموقف الديكارتي. يقولون لك: أنت، رأيك أنت، أنا لا أفرض عليك أيّ شيء. لكن هذا مضلِّل تماماً، لأنهم، في الواقع، لا يملكون الحجج لتوجيه الاتِّهام. إنه التلاعب بعينه. سيقولون لك، أيضاً: «أنا أتحدَّث وفق مستوى فهمك، وبلغتك أنت». غالباً ما تكون مقاطع الفيديو، أيضاً، سيِّئة جدّاً في طريقة إخراجها؛ ما يعزّز الانطباع بأننا أمام أشخاص يشبهوننا.

يستخدم فيلم «Hold-up» تقنية تلاعب معروفة: اقتحم وصعّد الاشتباك.. نقدِّم لك حقيقة، ثم أخرى، وأخرى، الحجّة الجدلية الشهيرة. هذه الحجج ضعيفة، لكنك ما إن تنضمّ إلى الفيلم الوثائقي، وتنخرط فيه لأكثر من ساعتين، حتى تصبح على استعداد لسماع بعض النظريّات الرائعة، تماماً، التي لو قُدِّمت إلينا، منذ البداية، لوضعت حدّاً لرغبتنا في المشاهدة.

جمع فيلم«Hold-up» أكثر من (280) ألف يورو، على منصَّات التمويل الجماعي. ألا يسلّط ذلك الضوء، أيضاً، على المخاطر الاقتصادية للتآمر؟

– الأشخاص الذين أنتجوا Hold-up يشبهون، إلى حَدّ ما، المبلّغين عن المخالفات، ويعملون للمنفعة العامّة، لكن من الواضح أن مشاريعهم مادِّيّة. في البداية، يجب أن تدفع مقابل مشاهدة الفيلم. إذا كان الهدف هو منح الجميع حقّ الوصول إلى نتيجة عملهم، فمن الأجدر وضعه في متناول الجميع، بشكل مباشر، منذ البداية.

هناك جانب مادّي، غالباً ما يتمّ تجاهله عندما نتحدَّث عن المؤامرة. «جان جاك كريفكور» هو مثال جيِّد آخر. بالتوازي مع نشر أفكاره، هو يروّج، أيضاً، لتدريبات مكلفة جدّاً، ضمن مقاطع الفيديو التي يبثّها. يكفي أن يشترك %1، فقط، من الأشخاص الذين يشاهدون أحد أكثر مقاطع الفيديو شعبيّةً، في برامج التدريبات التي يشرف عليها، حتى يكسب مليون يورو على مدار العام.

بشكل عامّ، يقول خطاب المؤامرة إن المنافع المادِّيّة تؤدّي إلى تمويه الحقيقة. نحن نكذب عليك لأننا نريد أن نبيع لك الأدوية. لماذا لا يكون الأمر نفسه بالنسبة إلى مروِّجي نظريّات المؤامرة؟ إن وضع الناس، وجهاً لوجه، مع تناقضاتهم، أسلوب آخر للحدِّ من سيطرة هذا الخطاب.

مجهودات الشبكات الاجتماعية للتصدّي «للأخبار الكاذبة»، من خلال الإبلاغ عن المنشورات المضلّلة، أو حتى من خلال إغلاق الحسابات أو مجموعات الحوار، ألا تنتج، أيضاً، تأثيراً معاكساً؟

– يعتبر حظر البثّ رقابة على المحتوى، بوضوح. التبليغ عن أن المحتوى الذي يشاركونه لأنه يتضمَّن معلومات خاطئة أو مضلّلة، يمكن أن يمنحهم شعوراً بعدم الانتماء إلى هذه الشبكة الاجتماعية، ويدفعهم للبحث عن مكان آخر.

لكن الهدف ليس الوصول إلى المتآمرين أنفسهم بقدر ما هو وصول إلى الأشخاص الذين يشاركون هذا النوع من المحتوى، دون أن يكونوا -بالضرورة- متآمرين. يساعد هذا النهج، بشكل خاصّ، الأشخاص الذين لم يتمّ تحديد انتماءاتهم، بشكل كامل، مع مجموعات تآمرية، على توخّي مزيد من اليقظة، وقد يحدّ ذلك من رغبة الأشخاص المتشكّكين والمتردّدين في نشر هذا النوع من المعلومات.

لكن من الواضح أن الأشخاص المقتنعين، للغاية، بحقيقة هذه المعتقدات التآمرية، سيجدون سبباً للتنديد برقابة «فيسبوك» أو «تويتر» عليهم. التحوّل إلى ضحيّة جزء من الترسانة البلاغية للمتآمرين.

ما الخطر الذي تمثّله نظريّات المؤامرة في مجتمعنا؟

– لدينا شكل جديد ومقلق من المؤامرة، لم يعد قائماً على الحقائق، ونرى ذلك مع «كيو أنون – Q Anon». لا نحتاج حتى لإثبات التآمر، بالطبع، إذ يصبح منيعاً ضدّ عملية «التدقيق في الحقائق». هذا هو النهج الذي يستخدمه «دونالد ترامب» عندما يقول إن الانتخابات مزوَّرة في يوم الانتخابات، في غياب أيّ دليل. داخل شبكته، سيشارك الجميع هذه الرسالة التي ستصبح حقيقة لسلسلة كاملة من الأفراد. هذا يسمّى الفاعلية والشرعية الاجتماعية. الأشخاص الذين أحبُّهم، والمنتمون إلى مجموعتي، يردّدون ذلك، فيصبح، من ثَمَّ، خبراً صحيحاً، لم نعد بحاجة إلى حقائق لتدعيمه.

للمؤامرة عواقب سياسية، والعمل في ديموقراطية مثل ديموقراطيتنا، يفترض أن نؤسّس لواقع مشترك، يجب أن نتفَّق على مجموعة من المبادئ والمعتقدات الأساسية. عندما يندّد «دونالد ترامب» بالانتخابات المزوّرة، فهذا أمر خطير للغاية، لأنه يدعو إلى التشكيك في إمكان وجود أساس من القيم المشتركة، التي تمكِّننا من إرساء نقاش ديموقراطي. ومع تقسيم الفضاء الإعلامي، الذي زادته الشبكات الاجتماعية حدّةً، برز خطر حقيقي في غياب أيّ مرجع مشترك، وفي هذه الحالة، لن يكون هناك أيّ مجال للنقاش.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: لويس سان، وبينوا زغدون

المصدر:

https://bit.ly/37zssCK

في زمن الجائحة وثورة المعلومات.. هل يمكن للثقافة أن تكون عن بعد؟

لا يختلف اثنان على أنّ أهم سمات العصر، هي ثورةُ المعلوماتِ، التي دخلت العصر بشكلٍ سريع، وأحدثت فيه الكثير من المُتغيِّرات بشكلٍ لم يعهده الإنسانُ من قبل. فالثقافةُ قديمة قِدم الإنسان، وهي تتلوَّن بشكلٍ خاص في كلِّ عصر، وقد اجتهد الإنسانُ كثيراً بابتكار وسائل متنوِّعة يُعبِّر بها عن نفسه من جهةٍ، ويتواصل بها مع الآخرين من جهةٍ أخرى، وربّما كان مفهوم المُثاقَفة هو أحد تجلِّيّاتها من حيث التواصُل الإنسانيّ، فهذا المفهوم لا تُكتسَب قيمته إلّا من خلال التواصُل، حيث بدأت مع النخب وأصبحت اليوم في متناول الجميع.

فلم تكن الثقافةُ عن بُعد وليدةَ الحاجة التي فرضها الوباءُ الأخير، بل كانت في صلب الكثير من التجارب الثقافيّة حول العالم، حتى أنها وصلت إلى المُؤسَّسات الأكاديمية والجامعات التي أصبحت تتعامل عن بُعد مع الدارسين. ولا أظن أن هنالك بلداً بالعالم لا يمتلك مثل هذه المُؤسَّسات الأكاديميّة، لكن الحقل الأهمّ في هذا المجال هو حقل الإعلام، فنحن نشهد تحوُّل الكثير من الصحف الكبرى في العالم إلى المُدوَّنة الرقميّة، وهذا يعود لأسبابٍ كثيرة لسنا بصدد الحديث عنها الآن، وإذا كان التعليم أو التعلُّم عن بُعد هو ما تبنَّته مؤسَّسات متنوِّعة فإنه اليوم يتحوَّل إلى ضرورة أُجبر عليها الإنسان والمُؤسَّسات الثقافيّة حول العالم، وذلك بسبب وباء كورونا.

فما زال الصراع محتدماً بين المُتحمِّسين للثقافة عن بُعد والرافضين لها، ولكلِّ فريق حُججه وقناعاته الناتجة عن تجربةٍ ما، فالمُتحمِّسون يرون أن وسائل التواصُل المدعومة بتقنياتٍ حديثة تمكِّن طالب المعرفة من استثمار أقصى طاقاته من حيث لا يستطيع التعليمُ التقليديّ أن يوفِّرها بالاعتماد على الوسائل القديمة. كما يرون أنّ الثقافة عن بُعد تكسر حاجزي الزمان والمكان، وتمضي في آفاقٍ واسعة نحو أكبر شريحة من الناس لا تستطيع أن توفِّرها المُؤسَّسات التقليديّة المحدودة بمكانها، والمحدودة بعدد أفرادها.

أما الرافضون للثقافة عن بُعد فيرون أنها تفتقد إلى المصداقيّة، فهذا الفضاء الواسع المُتاح للجميع لا يُقدِّم الثقافة على حقيقتها لافتقارها إلى الدقة العلميّة والمصداقيّة التي توفّرها الوسائل التقليديّة الأخرى، وعلى رأسها الكتاب الذي مازال إلى يومنا هذا مرجعاً مهمَّاً لكلِّ طالِب معرفة، وترى هذه الفئة أن الأضرار المُترتبة على الثقافة عن بُعد هي أكثر من المنافع، فالمُؤسَّسات التقليديّة تقدِّم خبراتها للمُتلقي عن كثب، لضمانها كافة العناصر المعرفيّة اللازمة.

د. أحمد عبد الملك

هنالك عواملُ مُهمَّةٌ في توصيل الرسالة الثقافيّة

يقول الدكتور والروائي أحمد عبد الملك: كُلُّنا يعلمُ أَنَّ الثقافةَ، في الظروف الطبيعيّة، عادةً ما تكون مُجهِدةً وذاتَ مشَقَّة؛ فيما يتعلَّق بحضور الندوات والفعاليات الثقافيّة؛ فما بالكم مع جائِحة (كورونا) التي فرضت شكلاً جديداً للتواصُل الثقافيّ والإعلاميّ، وهو التواصُل (عن بُعد)؟! وهو أَمرٌ غيرُ مُعتادٍ، خصوصاً في ظلِّ غيابِ التفاعلِ الحقيقيّ بين صاحب الرسالة الثقافيّة والمُتلقي، وهذا ما نُعانيه في التدريس الجامعي أَيضاً.

الأَصلُ، في الرسالة الثقافيّة، أَنْ تحملَ مِيزةَ المُواجهةِ اللازمةِ لإحداثِ التفاعلِ بين المُحاضِر والجمهور، ولئن تحقَّقَ جُزءٌ يَسيرٌ من هذا التفاعل عبر أُسلوبِ (عن بُعد)، إِلَا أَنَّه تظلُّ هنالك عواملُ مُهمَّةٌ في توصيل الرسالة الثقافيّة، وأَهمُّها لغةُ الجسد. إِنَّ إِيماءاتِ المُحاضر وتشديدَه (Stress) على بعض الكلمات والألفاظ، وملاحظتهُ لمدى تأثير صوتهِ وإيماءاتهِ على الجمهور، أَمرٌ مُهمٌّ في توصيل الرسالة واستمراريتِها، وفي اقتناعِ المُحاضرِ باستيعابِ الجمهور لما يقول، أَو دهشتهِ وعدمِ استيعابه لما يقول.

وأَنا أَرى أَنَّه من الصعوبة بمكان، وضعُ مُعادلةٍ تقول: (إِنَّ أَدواتِ التواصُل الاجتماعيّّ، والثقافة، وجهان لعُملةٍ واحدة)، ذلك أَنَّ عُنصُر المُواجهةِ لا يتحقَّقُ في هذا الشكل من التواصُل، ناهيك عن انشغالِ بعض أَفرادِ الجمهور بأُمورٍ أُخرى، خارج دائرةِ المُحاضَرةِ أَو الورشةِ.

لستُ ضدَ استخدامِ أَدوات العصرِ المُتطوِّرة، ولكن لا يُمكنُ تعميمُ جدوى هذه الأَدوات، على جميع مناحي الحياة. كما أَنَّني أُراهنُ على قلّةِ استيعاب المُتلقي للرسالة الثقافيّة، عبرَ أُسلوبِ (عن بُعد)، لأنَّ الثقافةَ دوماً تكون (عن قُرب)!

د. مريم النعيمي

الثقافة لا تُقاس بالبُعد والقُرب

وبدورها قالت الدكتورة مريم النعيمي الأستاذ المساعد / جامعة قطر إنّ الثقافة علاقة تواصلية بين الفرد والمُجتمع، وهذه العلاقة التواصُلية تنشطر بين المُثقَّف ونفسه، وبين الفرد وغيره، والجَائِحة لا تملك أن تؤثِّر على هذه العلاقات، حيث إنَّ المُثقَّف يعتمد اعتماداً كُلياً على البُعد، سواء في قراءاته، أو كتاباته، أو حديثه.

وقبل أن نبني ظلاماً وسواداً حول تأثير الجَائِحة على الثقافة لابد أن نلقي الضوء على مَنْ هو المُثقَّف؟ وما هي الثقافة؟ وهل سيتجه المُثقَّف إلى المعلومة الإلكترونيّة؟

من حُسن حظّ المُثقَّف أن تقوم هذه الثورة الإلكترونيّة التي تعدُّ بذاتها ثورة ثقافيّة، هذه الثورة التكنولوجيّة هي ثقافة قامت على العلم والمعرفة والفكر والبحث والتقصي، وهذه من أهمّ عناصر بناء الثورة التكنولوجيّة، وهي أيضاً من أساسيات بناء المُثقَّف لتكوينه المعرفي، والثورة التكنولوجيّة لا شكَّ أنّ دورها كبير جدّاً أوصلت المُثقَّف لحقائق وآفاقٍ مفتوحة لا يتأثر في الوصول لها بالبُعد أو القُرب.

ثم ما هي الثقافة عن قُرب لعلكم تفيدونني؟ وما أعرفه أن الثقافة كلها عن بُعد ينهل منها المُثقَّف شراباً هنيئاً متى شاء، له الحرّيّة أن يأخذ معلومته من كتابٍ أو من جهازٍ، فكلّ ما يحصل عليه هو عن بُعد. واسمحوا لي أن أُصحح عبارة الثقافة عن بُعد وقُرب، فهناك مَنْ يدير الثقافة وهم مدراء الإدارات والمُوظفون ودورهم يقتصر بالإدارات اللوجستية واستقطاب وسائل الثقافة من الخارج، وأقصد بالخارج الأفراد الذين لهم قلم يكتب، وريشة تبدع، وصوت جميل يشدو، وعازف نغم جميل، ومتحدِّث يحمل شيئاً جديداً فيه إضافات طريفة، وشباب واعد يهوى القراءة وإدارة الحوار المُتقدِّم.. أعتقد هذه بعض أوجه الثقافة التي تأتي من خارج أسوار الوزارات الخاصّة بالثقافة وتُدار باحترافية من المسؤولين داخل هذا السور، وبذلك نعود للعلاقات التواصُلية التي تنمو منها الثقافات ويصقل بها المُثقَّف الذي لا يحتاج لمكانٍ مغلق ليبدع فيه، ولكن آفاق الإبداع والصقل تنشأ من بعيد بالقراءات واختراق المسافات المُكرَّرة، والانطلاق خارج أسوار الروتين الإداري.. والصقل.

أما عن وسائل التواصُل الاجتماعيّّ ودورها في ربط الثقافة بالفرد فأقول إنّ وسائل التواصُل الاجتماعيّّ قتلت الثقافة، لأنها مجرَّد فضاءات للتنفيس عن كلِّ ما يدور في خواطر الأفراد من عباراتٍ، أحياناً تكون تعليقاً، وأحياناً تكون تعبيراً، أما الثقافة فوجهها يحمل الكثير من المعاني العميقة المصقولة، والتي تزهر أشياء ثمينة في قيمتها وجوهرها ومفرداتها فتكون كتاباً نافعاً مرّة، وقصيدة متماسكة مرّة، ولوحة فنَّان مرهف مرّة، وإبداع فكر مثمر مرّة، ومقطوعة موسيقيّة معبِّرة مرّة، ونصّاً مسرحياً هادفاً مرّة، وبهذا كله تتكوَّن منظومة الثقافة المُتكامِلة التي لا ترتبط ببُعد أو قُرب، وبهذا أيضاً تختلف الثقافة عن ما يُكتب يومياً على وسائل التواصُل الاجتماعيّّ في جمل قصيرة أو خواطر ذاتية مُختصَرة.

د. حسن رشيد

الوسيط يفتقر إلى تأثيره المُباشر

أما الناقد الدكتور حسن رشيد فيقول إنّ الثقافة عن بُعد.. إطار إشكاليّ، ذلك أنّ الرسالة ستكون ناقصة جدّاً.. والثقافة بمعناها الشموليّ تستلزم وجود المُرسِل والمُتلقي. فهل يمكن أن يُمارس الشاعر دوره دون جمهور؟ والمُمثِّل يُقدِّم مسرحياته مُعلَّبة.. قِسْ على هذا بقية الفنون. لابد في إطار الثقافة من التلاحم بين المُرسِل والمُتلقي.. نعم قد يكون لبعض الفعاليات تأثيرٌ آنٍ.. ولكن هل يكون تأثير المُحاضِر عبر الوسيط مثل تأثيره وسط الجماهير؟!.. ولكن نظراً للظرف الطارئ وما يمرُّ به العالَم الآن، فقد خُلق واقعٌ مغايرٌ للمألوف أوجد نوعاً من الحراك المختلف في بعض المُجتمعات دون الأخرى.

إنّ الثقافة، في الإطار الأشمل، لها تأثيرها الأكبر في حميمية اللقاء، ذلك أن الوسيط يفتقر إلى تأثيره المُباشر والمُحرِّك للمشاعر.. ولدينا خير مثال في إطار التعليم -مثلاً- عن بُعد.. هناك العديد من السلبيات خاصّة في مجتمعاتنا، ونقيس على هذا في مجال الغناء، والمسرح، والمُحاضرات، ومن ثَمَّ الندوات.. سوف نجد أن تأثيرَ الرسالةِ الثقافيّة واهٍ، والنجاح -وإنْ كان- فأمره نسبي وأَقلّ من المأمول. وهي محاولات لأنّ الظروف قد حتَّمت على العالم هذا الإطار.

فالثقافة عن بُعد تأثيرها هش.. ولكن واقع الحال فرض علينا هذا الأمر.

د. موزا المالكي

لا يمكن الاستغناء عن الكتاب

وبسؤالها قالت الدكتورة موزة المالكي الأستاذة الاستشارية في علم النفس: أعتقد أن ما يُطلَق عليه الثقافة عن بُعد هو جهود تبذل في سبيل الحفاظ على استمرارية الحركة الثقافيّة للاطلاع على الإنتاج الإبداعيّ والمعرفيّ لمُفكِّرين وكُتَّاب ومثقَّفين من دولٍ أخرى، وهذا جزءٌ من تأثيرات الجَائِحة على القطاع الثقافيّ، فمن الطبيعيّ أن تتغيَّر الثقافة التي عهدناها، وثقافة ما بعد كورونا أجبرتنا على تغيير المسار،  فالخوف والقلق والحيرة والتوتر وفقدان السيطرة على الأعصاب كلها عوارض ظهرت مع انتشار فيروس كورونا، فالأزمة النفسيّة ازدادت حدّة لعدم معرفة توقيت انتهاء هذه الأزمة.

كما أنّ إجراءات الحَجْر المنزليّ تدفع لمزيد من التوتر، والخيارات باتت ضئيلة جدّاً مع وجود التباعُد الاجتماعيّّ الذي ضاعف من الحالة المزاجية السيئة التي انعكست على نفسياتنا قبل أجسادنا.

وبذلك اضطر المُثقَّف إلى اللجوء إلى الجهاز للحصول على المعلومة، ليس هذا فقط، بل أصبحت المؤتمرات تُدار عن طريق الهواتف، وطبقت الآلاف من مؤتمرات (الفيديو زوم) الذي تفوَّق على الجميع بشهادة الكثيرين.

ولكلِّ هذه الأسباب -في اعتقادي- أن مواقع التواصُل الاجتماعيّّ هي بمثابة فضاء مفتوح من المعلومات والأخبار المُتدفِّقة، ولولا وجود هذه التقنية لأصبحنا بمعزل عن العالم ما يؤثِّر على تنمية ثقافتنا وشخصيّتنا، كما أن شبكة التواصُل الاجتماعيّ يسَّرت لنا سُبل التواصُل مع المُثقَّفين والأدباء والكُتَّاب والإعلاميّين، فأصبح التعرُّف على ما يكتبون أولاً بأول أكثر يسراً عن ذي قبل، في حين كان هذا الأمر يستغرق الكثير من الوقت في البحث والتجوُّل في أروقة المعارض وبين رفوف المكتبات.

وأي معلومة أو خبر لا يستند إلى مرجعٍ علميّ أو مصدرٍ موثوق لا يُعوَّل عليه، وبالتأكيد زادت هذه الوسائل من ثقافتنا بشرط أن نختار المواقع التي نأخذ منها المعلومات التي تهمنا، إلى جانب الانفتاح على الآراء الأخرى في مختلف المجالات، وبقدر ما أفادتني شبكة التواصُل الاجتماعيّّ، بقدر ما حفَّزتني كذلك على الدخول في عوالم فكريّة وعلميّة جديدة كانت غائبةً عني، والبحث فيها، فالعلم لا حدود له، ومهما تمَّت الاستعانة بوسائل التواصُل الاجتماعيّّ لا يمكن الاستغناء عن الكتاب…

فكما قال المتنبي:

أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ … وَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الأَنَامِ كِتَابُ

د. جاسم السلطان

الجَائِحة فتحت الأفق على استخدامات أوسع للتعلُّم عن بُعد

فيما أكَّد الدكتور جاسم السلطان مدير مركز وجدان الحضاري أن التطوُّر التقني ميزة كبرى لعُشاق الثقافة والفكر والتعلُّم، فما من حقلٍ معرفيّ اليوم إلّا والمادة التدريبيّة والنظريّة المُتاحة فيه وبجودة عالية موجود على أطراف الأصبع، ومع كلِّ تطوُّر تقني كان السؤال يبرز حول الكتاب والصحيفة والتعليم، وأي الوسائل ستختفي وأيها سيبقى؟

وما يحدث عادةً، أو في الغالب، هو التجاور وتغيُّر نسبية الأوزان، وأظن أنّ الكتاب بقي محتفظاً بمكانته طوال هذه الرحلة والتطوُّرات، أما وسائل التواصُل الاجتماعيّّ العادية فعادةً ما تحتلُّ مكان الصدارة في الأخبار الخفيفة وذات الطابع اللحظي، ومَنْ يعتمد عليها كمصدر هي طبقة لم تكن من جمهور الكتاب أصلاً، وبالتالي فهي ليست خصماً من جمهور الكتاب. والغالب بالنسبة للمُثقَّفين هو الاحتفاظ للكتاب بمكانته والاستفادة من التطوُّر التقني في إثراء تلك المعرفة وتوسعة مصادرها وطرق معايرتها.

الجَائِحة فتحت الأفق على استخدامات أوسع للتعلُّم عن بُعد، وعن ممكنات التقنية، ولكنها لن تُغيِّر المُعادلة الأصليّة التي ذكرتها سابقاً فيما أعتقد.

الشاعر عبد الرحيم الصديقي
عبد الرحيم الصديقي

فرق شاسع بين الثقافة الرقميّة والكتاب الرقميّ

ويضيف الشاعر عبد الرحيم الصديقي قائلاً: أعتقد أنّ الثقافة عن بُعد وُلِدَتْ مع عصر التواصُل الاجتماعيّ بين الأشخاص المُبدعين فقط، ولكنها اتّسمت بالمُجاملة، وكان ذلك قبل الجَائِحة بزمنٍ طويل، ولكن ما حدث في زمن الكورونا هو أن التواصُل الثقافيّ للهياكل الحكوميّة أصبح عن بُعد لأسبابٍ صحيّة لوجستيّة، أما عن الكتاب الرقميّ والثقافة الرقميّة فما زالت خجولة في وطننا العربيّ علماً بأنها نشطة جدّاً في أرجاء أخرى من العالم.

شخصياً مازلت أفضِّل الكِتاب الورقيّ عن الرقميّ كون اقتناءه يعني لي الكثير، حُب التملك، ولكنه سوف يجتازنا شئنا أم أبينا.. لن نستطيع أن نقف في وجه التكنولوجيا، وأعتقد أن الجيل الحالي لا يعني له الكتاب الورقيّ الكثير.. هو جيل رقميّ عن بكرة أبيه.

ولكن هناك فرقاً شاسعاً بين وسائل التواصُل الاجتماعيّ كونها مبنية على الثرثرة والمُجاملات، وبين الثقافة الرقميّة والكتاب الرقميّ.

منى البدر

رُبّ ضارةٍ نافعة

وأضافت الفنَّانة التشكيليّة منى البدر قائلةً: مهما تغيَّر علينا الوقت والزمن ستكون هناك حاجة ماسة للثقافة المُدوَّنة على الورق، وذلك لعدّة أسبابٍ، ومن أهمها أن التكنولوجيا لازالت غير متوفِّرة عند بعض الدول وبعض الأفراد، وأيضاً لا يمكننا الحصول على الكثير من الموارد المقروءة والتاريخيّة عبر الإنترنت، ولكن وبالرغم من ذلك ومع انتشار جائِحة «كوفيد – 19» أصبح هناك وعيٌ وإدراكٌ من جميع أفراد المُجتمع بمختلف الأعمار بأهمية استخدام التكنولوجيا وتوظيفها في حياتنا اليومية للبحث عن المعلومة والوصول لأكبر عدد ممكن من الموارد الثقافيّة، ناهيك عن إمكانية امتلاك هذه الموارد بسرعة البرق وتحقيق الانتشار لها في شتّى بقاع الأرض.

وجود الموارد الثقافيّة وتوفُّرها عبر شاشة واحدة سهَّلا في إنجاز الكثير من الأمور المُتعلِّقة بالخدمات، وأصبح الفرد متمكِّناً من الوصول للمعلومة، ولكن هناك بعض العوائق المُعطلة لإمكانية الوصول، ومن أهمها شرط وجود خدمة الإنترنت فائق السرعة في كل زمانٍ ومكان، وأهمّية اتصاله بأجهزة الحاسوب المُختلفة، وهذا الشيء يُعرِّض خصوصية الفرد للانتهاك عبر العديد من القنوات على شبكة الإنترنت.

(رُبَّ ضارةٍ نافعة) من وجهه نظري، فهذه الأزمة جعلت الأفراد مثقَّفين بشكلٍ واسع، وفتحت الكثير من الآفاق للمعرفة لاسيما أنّ كلَّ فرد أصبح يأخذ على عاتقه أن يثقَّف نفسه بطريقة استخدام التكنولوجيا وتوظيفها في مجاله العمليّ والتعليميّ واليوميّ أيضاً.

«الفاكنيوز».. وباء مُضاعف

حسب التعريف المُتداول تتمثَّل الأخبار الزائفة في «إنشاء معلومات كاذبة أو تمَّ التلاعب بها ومشاركتها لخداع الجمهور وتضليله إمّا بهدف دفعهم للوقوع في الخطأ واتخاذ قرارات خاطئة أو لتحقيق مكاسب سياسيّة أو شخصيّة أو ماليّة». وهي بذلك تؤثِّر بشكلٍ سيئ على قرارات الدول والأفراد على السواء، وقد تساهم في اضطرابات سياسيّة واقتصاديّة، وفي حروبٍ أحياناً.

عندما يجلس أحدهم خلف شاشة الحاسوب، ويفكِّر في نشر خبر يعرف أنه غير حقيقيّ، فهو في الغالب لا يكون على وعي بكلّ الآثار التي ستترتَّب عنه، وأحياناً ينشره فقط ليرفِّه عن نفسه أو يمزح مع أصدقائه. ما يحدثُ أن هذا النوع من الأخبار الزائفة تنتشر بسرعة أكبر ممّا يتخيَّله صانعوها، سواء كان الخبر يهم فرداً أو جماعة صغيرة، أو كان يضع علامات استفهام بخصوص قضايا تهمّ الدولة أو قضايا حيويّة في السياسة الدوليّة.

قبل بسط بعض الآثار المُترتِّبة عن الأخبار الزائفة في علاقاتها بالاقتصاد في العالم، لابدّ من الإشارة إلى أن صناعتها ليست دائماً من اختصاص أفراد «أشرار» أو عابثين وفكهين أو متهورين، بل إن الدول تصنع أخبارها الزائفة أيضاً للتأثير في مجرى الأحداث أو تحقيق مكاسب سياسيّة أو اقتصاديّة، أو توجيه الرأي العام داخلياً نحو قضايا بعينها. ويمكن، في هذا السياق، العودة إلى فيلم روبرت دي نيرو «ذيل الكلب» (1997) لمُشاهدة نموذج فنّي لهذه الظاهرة، ذي دلالة بشأن كيف يمكن تحويل اتجاهات الرأي العام وتضليلهُ لتحقيق أهداف شخصيّة مثل الفوز في الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة. كما يمكن، للاستزادة، العثور على عناصر وافية في كتاب «لماذا يكذب القادة؟، حقيقة الكذب في السياسة الدوليّة» لجون جي ميرشمير الصادر في ترجمة عربيّة ضمن سلسلة عالم المعرفة.

إن ظاهرة الأخبار الزائفة تنتشر أكثر في الحالات التي تسود فيها الحيرةُ والقلقُ، خاصّة إذا كان ذلك مقروناً بتدفُّق لا محدود للمعلومات التي تنهمر من كلِّ حدبٍ وليس فقط من الجهاتِ ذات التخصُّص كما حدث طيلة سنة 2020. فما من شكّ في أنّ جائِحة كورونا رافقتها جائِحة لا تقل خطراً تمثَّلت في الكمّ الهائل من الأخبار غير المُؤسَّسة والإشاعات بخلفيات وأهداف مختلفة مع التعتيم على المعلومات الحقيقيّة أو التلاعب فيها. لقد غذَّت الأخبار الزائفة حجم الذعر الذي عاشه العَالَم خلال سنة 2020، ولكنها بالمُقابل ربّما تكون ساهمت في التراخي الذي تعامل به بعض الناس مع الوباء نتيجة تضارب المعلومات ونتائج الدراسات التي تنتجها هيئات يفترض أنها تشتغل بشكلٍ علميّ صرف، من قبيل منظَّمة الصحّة العالميّة، ممّا ساعد على زيادة انتشاره وفتكه.

بيد أن آثار الأخبار الزائفة تتعدَّى هذه الصورة، على قتامتها، إلى ما هو أكثر خطورة خاصّة على الاقتصاد الوطنيّ لكلّ دولة وأيضاً على الاقتصاد العالميّ. آثار قد تؤثِّر على توجُّهات المُستهلكين والمُستثمرين على السواء، وعلى حركة رؤوس الأموال والأسواق الماليّة مع ما لكلّ ذلك من انعكاسات بالتبعية على المُستويين الاجتماعيّ والسياسيّ. وتزداد حدة هذه الانعكاسات السلبيّة مع سرعة الانتشار والتداول التي تغذّيها شبكات التواصل الاجتماعيّ.

ويصنِّف المُنتدى الاقتصاديّ العالميّ الأخبار الزائفة ضمن المخاطر الكبرى التي تواجه الاقتصاد العالميّ، إلى جانب ارتفاع معدَّلات البطالة وضعف الاستثمارات وهشاشة البنيات التحتية وانهيار الأنظمة المالية وغيرها. إن هذا التصنيف مؤشِّر في غاية الأهمِّية للوقوف على تأثير هذا النوع من الأخبار على الاقتصاد، بل إنها قد تشكِّل أحد الأسباب الرئيسيّة في تفاقم المخاطر الأخرى المذكورة بالنظر لارتباطها ببعضها أحياناً. فمثلاً قد يتسبَّب خبر زائف حول وجود تهديدات إرهابية في بلد معيَّن وهشاشة أجهزته الأمنيّة في تذبذب ثقة المُستثمرين والامتناع عن إنشاء مشروعات استثماريّة في هذا البلد، أو سحب استثمارات قائمة، ممّا يؤدِّي إلى تفاقم البطالة على سبيل المثال، وأيضاً قد يتسبَّب الخبر ذاته في تراجع أعداد السياح وتأثُّر سلسلة المهن المُرتبطة بهذا القطاع، وكذلك الشأن بالنسبة للأخبار المُتعلِّقة بالكوارث الطبيعيّة أو عدم الاستقرار السياسيّ أو الاستعدادات العسكريّة وغير ذلك.

في دراسة لجامعة بالتيمور الأميركيّة تمَّ نشرها في أواخر سنة 2019، قُدِّرت الخسائر المُباشرة للاقتصاد العالميّ، نتيجة هذا النزع من الأخبار، بنحو 78 مليار دولار سنويّاً (و100 مليار إذا أضيفت الخسائر غير المُباشرة)، موزَّعة على عدّة قطاعات مثل البورصة والصحّة والنفقات السياسيّة وحماية السمعة (الأشخاص والماركات التجاريّة) على الإنترنت وغيرها. فعلى سبيل المثال تسبَّبت الأخبار الزائفة في خسائر للقطاع الصحّي قُدِّرت بنحو تسعة ملايير دولار. وهذه التقديرات قد تكون صالحة فقط إلى غاية نهاية 2019، حيث كان وباء كورونا مجرَّد فيروس في مدينة ووهان الصينيّة.

بيد أن انتشاره بعد ذلك والضبابية التي كان سبباً فيها والشكوك المُثارة بشأنه على مستويات عدّة غذّت أكثر فأكثر الشائعات وأنتج كمَّاً هائلاً من الأخبار المُتضاربة الصادرة ليس فقط عن مؤسَّسات دوليّة ووطنيّة وعن خبراء في الصحّة والاقتصاد وعن سياسيّين، بل كذلك من تلك الأخبار التي صنعها أفراد عابثون وآخرون بأهداف تخريبيّة كما يحتمل أن تكون شاركت في إنتاجها وحدات صناعة الأدوية منذ ظهور الوباء. كلّ ذلك من المُحتمل أن تكون له بالإضافة إلى الانعكاسات الصحّية بسبب التشكيك في فعالية اللقاحات التي تمَّ إنتاجها، مثلاً، وأيضاً في «نوايا» صنَّاعها بما في ذلك فكرة «المُؤامرة»، انعكاساتٌ اقتصاديّة، حيث سيكون على الدول إنفاق مزيد من الأموال على الحملات التواصلية لإقناع الناس بأهمِّية اللقاحات وكذلك على حملات مطاردة الأخبار الزائفة ومروّجيها التي تتطلَّب موارد مالية وبشريّة إضافية، دون الحديث عن تراجع مردوديّة العاملين والمُوظَّفين بسبب الخوف والقلق.

لذلك إذا كانت الأزمة الصحّية قد خرَّبت بقدرٍ كبير مقوِّمات الاقتصاد العالميّ، خلال سنة 2020 بأكملها، وألقت بشكوك عالية حول إمكانيات تعافيه على المدى القصير فإن الأخبار الزائفة من شأنها أن تعمِّق أمد هذا الخراب، خاصّة أنها تنتشر أسرعَ من كلّ التوقُّعات ومن جهود الدول لمكافحتها، وذلك بمُساعدة الإنترنت عموماً ومواقع التواصل الاجتماعيّ بشكلٍ خاص. إنها تنتشر بشكلٍ مضاعف مقارنةً مع الأخبار الصحيحة، بسبب اتساع هوة عدم ثقة المُواطنين في مؤسَّساتهم، وميلهم بالتالي إلى تصديق وتبنّي أي خطاب أو أخبار تضع ما تقوله هذه المُؤسَّسات موضع شكّ، حتى إن هذه الأخيرة لا يمكن لبياناتها وتصريحاتها أن تصحح المعلومات الزائفة المُنتشرة إلّا في نطاقٍ محدود للغاية. ففي مقال نشرته جريدة «ليزيكو» الفرنسيّة سنة 2018 اعتماداً على دراسة في هذا الشأن، أشارت إلى أن الخبر الزائف يصل إلى عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعيّ أكبر بمئة مرّة من العدد الذي يصل إليه الخبر الصحيح (100000 مقابل 1000)، مع احتمال لتقاسم الأوّل من طرف المُستخدمين بشكلٍ أوسع مقارنةً مع الثاني، والتأكيد على أن هذا التقاسم يقوم به أشخاص طبيعيّون وليس روبوتات (برامج) مُعدَّة لذلك، وهو ما يعني أن للأخبار الزائفة حظاً أوفر لتترسَّخ كحقائق لا يرقى إليها الشكّ مادام تداولها واسعاً إلى هذا الحَدّ، وما دامت مواقع التواصل الاجتماعيّ تحوَّلت إلى مصادر رئيسيّة للأخبار تستعين بها، للمُفارقة، الكثير من وسائل الإعلام التقليديّة!

وإذا كان ثمَّة من حقيقة تجب الإشارة إليها في النهاية فهي أنّ الدولَ فقدت احتكارها للتضليل الإعلاميّ مع تنامي الشبكات الاجتماعيّة على الإنترنت، وبالتالي تحوَّلت من منتج «للأكاذيب» والأخبار الزائفة، كما قدَّمها بتفصيل كتاب «لماذا يكذب القادة؟» إلى رهينة أحياناً لهذه المُمارسات التي ينفِّذها في الغالب أفرادٌ ساخطونَ أو جماعاتٌ مناوئة للتوجُّهات الحكوميّة القائمة. وفي الحالينِ، تدفع الدول ثمناً باهظاً، جزءٌ كبيرٌ منه مخصَّص لمُلاحقة هؤلاء والحدّ من انتشار ما يدوِّنونه، وهي عمليّاتٌ لا تحقّق إلّا نتائج ضعيفة، وعادةً ما تُواجَه باستنكار الرأي العام الذي يعتبرها تضييقاً على حرّيّة التعبير. لذلك وأمام عجز الإجراءات القانونيّة والإداريّة التي يمكن للدول أن تتبنَّاها في مواجهة الأخبار الزائفة (قانون ديسمبر 2018 لمُكافحة الأخبار الزائفة في فرنسا مثلاً)، من المُحتمل أن تجد هذه الدولُ نفسها مجبرةً على التعامل بحَدٍّ أقصى من الشفافية سواء مع مواطنيها أو مع شركائها، والشركاتُ مع مستهلكي منتوجاتها وعموم زبائنها ومموليها. وقد يكون ذلك حلاً أنسبَ للتقليص من حجم الأخبار الزائفة، وبالتالي من الخسائر المُترتِّبة عنها.

ليونورا ميانو: «لا بدَّ لإفريقيا من أن تستعيد اعتبارها أمام نفسها»

من أين يتأتَّى احترام الآخرين لنا؟ من استقامتنا دون تصلُّب، ومن قوّة صوتنا دون ارتفاعه، كما أن احترام الناس لنا لا يتأتَّى من خلال احترامنا لأنفسنا، أوَّلاً؛ هذا ما توحي لنا به الكاتبة «ليونورا ميانو» من خلال حضورها، ومن خلال مقالتها التي صدرت هذا الخريف تحت عنوان «أفروبيا. يوتوبيا ما بعد غربية وما بعد عنصرية» (منشورات غراسيه). وللحديث عن ذلك، التقينا بها في أحد المطاعم الباريسية، وقد خلعت كمامتها، وطلبت شاياً أخضر. وعلى الجدران، صور زيتية لأعيان أوروبيين من زمن آخر، يراقبونها من داخل إطاراتهم المذهَّبة.

لمَنْ كنتِ تنوين التوجُّه بكتابك «أفروبيا»، عندما كنت بصدد تصميم مشروع كتابته؟

–  بعد أن عشت، لفترة طويلة، في فرنسا، حيث أنجبت طفلة فرنسية وقمت بتربيتها، كان من الطبيعي أن أنشغل بهموم الأَقلّيّة الأفرو أوروبية. أردت أن أرى ابنتي تكبر وتتفتَّق شخصيتها داخل مجتمع يقدِّم الممكنات نفسها للجميع؛ ذلك يتوجَّه الكتاب إلى مجتمع أصبح، الآن، مجتمعي نظراً لوجود آصرة الأمومة تلك، كما يتوجَّه، بشكلٍ خاصّ، للشباب المنحدر من مجموعات ينظر إليها على أنها أقلّيّة. إن قلَّة الصبر والغضب اللذيْن نلمحهما لدى هؤلاء، أمر مفهوم.

ما سبب هذا الغضب؟

–  سببه هو غياب الإنصات في مجتمع، يريد الجميع فيه أن يُسمِع صوته للجميع، دون أن يبذل هو أيّ جهد لفهم الآخرين. مع ذلك، يمكن أن يفضي الغضب إلى أمور غير محمودة. على المرء أن يفرض وجوده وشرعيَّته، ولكن ذلك يحتاج، أيضاً، لشيء من الحبّ. إذا كنت تكره مَنْ حولك، وإذا كنت لا ترى فيهم جزءأ منك، فلن يكون بمقدورك أن تغيّر فيهم شيئاً. وإذا لم تتمكَّن من اعتبار الآخر شبيهاً لك فلن يكون بوسعك أن تطالبه بأيّ شيء.

ماذا تقصدين بعبارة «أفروبيا»؟

–  أقصد بها تلك الشبكة البشرية التي تتكوَّن من الأشخاص الأوروبيين المنحدرين من إفريقيا جنوب الصحراء، وأيضاً، جميع الأقلّيّات الموجودة في المجتمعات الغربية والتي لا تجد لها مكاناً داخلها، وهي أقلِّيّات تعود أصولها، أساساً، للتاريخ الاستعماري. جزء كبير من هؤلاء السكّان يعيشون، هنا، نظراً لأن أوروبا الغربية كانت قد بدأت تغزو العالم منذ نهاية القرن الخامس عشر. ورغبةً منها في الاستيلاء على العالم، أسلمت نفسها له؛ ولذلك هي مضطرّة، الآن، إلى قبول مختلف أشكال الاختلاط الناتجة عن الغزوات الاستعمارية.

ليونورا ميانو

حسناً، لكن كيف يمكننا أن «ننصهر في مجتمع واحد» في ظلّ وجود هذا الماضي؟

–  التحدّي هو بناء شكل جديد من الارتباط بين الأنا والآخر، لا يحاكي ارتباط الفرس مع الحصان. إلغاء الهيمنة هو اختيار. ليس عليك أن تسحق الآخرين، وأن تجرِّدهم ممّا يملكون لكي تحقِّق لنفسك الرخاء. يمكنك اختيار المشاركة والاختلاط بالآخرين. وبالنسبة إلى المجتمعات الأوروبية، لن تتسنّى إعادة التوازن هذه للعلاقات إلّا عبر اختيار الطريقة التي تتحمَّل، من خلالها، مسؤولية تدبير النتائج الداخلية للتاريخ الاستعماري، وأعني بذلك، على وجه الخصوص، وجود سكّان من أصول إفريقية في المجتمع الأوروبي.

كيف تنظرين إلى حراك ربيع 2020، الذي رفع شعار «حياة السود مهمّة»؟

–  من السهل قياس مدى أهمِّيّة حياة «السود» بالنسبة إلى الغربيين الذين روَّعتهم جريمة فظيعة، ولكن أسلوب حياتهم ما زال يعتمد على السرقة المؤسَّسية؛ لأن هؤلاء الناس الذين احتشدوا ضدّ العنصرية يصوّتون، بانتظام، لصالح الأنظمة السياسية التي تهدف إلى تجريد شعوب النصف الجنوبي للكرة الأرضية ممّا يملكون، وتحويل بلدانهم إلى مكبّ للنفايات. وفيما يتعلَّق بالأفراد المنحدرين من إفريقيا والذين هم مواطنون لبلدان غربية ما زالت تهمِّشهم وتقابلهم بالعنف، في كثير من الأحيان، أنا أفهم زخم الاحتجاج هذا، و- من ناحية أخرى- أنا لا أحبّ هذا الشعار. ويمكنني أن أقبل به كشهادة على ممارسات حبّ الذات التي لا بدَّ من ترسيخها في المجتمعات المضطهدة التي تواجه مجتمعات معادية. وخارج إطار الجماعة، هذه الكلمات تنبئ باستمرار الهزيمة: إذ في اليوم الذي ستكون فيه حياتنا مهمّة، في نظرنا نحن، أوَّلاً، أؤكِّد لكم أنه لن نحتاج إلى رفع الصوت عالياً بهذا الشعار. فحينئذ سنكون قد ضمنا وجود قوّة تقف وراء أضعف ضعفائنا. إذن، لن يسمح أحد لنفسه بقتلنا في وضح النهار مثل الكلاب؛ لذلك هناك حاجة ملحّة إلى أن نستعيد قوَّتنا نحن. وبالنسبة إليَّ، إن الجزء الأهمّ من هذه القوّة يجب أن ينبثق من إفريقيا. إن النبذ والإقصاء الذي يعانيه الأفراد المنحدرون من أصل إفريقي، له ارتباط بمكانة قارَّتنا في مخيال العالم وعلى الرقعة الجيوسياسية.

كيف يُمكّن تلقين تاريخ أكثر صحَّةً من معالجة الوضع؟

–  حين يتعلَّق الأمر بجريمة ضدّ الإنسانية، من عيار جريمة الترحيل عبر المحيطات وأمام حجم الجروح التي لم تندمل بعد، سيكون شرفاً للدول الأوروبية أن تتشاور فيما بينها لتحدِّد ما يجب القيام به من أجل تصحيح التاريخ، وتلقينه على أفضل وجه ممكن. ومن المهمّ تسليط الضوء على آراء المضطهدين، وكذا مختلف ردود الفعل التي قاموا بها للحفاظ على كرامتهم الإنسانية وتحرير أنفسهم. يجب أن نعبِّر عن مدى الفظاعة، أيضاً، وعن مدى المرونة والإبداع والنبل الذي أبان عنه أولئك، الذين اعتقد الأوروبيون أنهم قد أفلحوا في تجريدهم من الإنسانية. إن تكوين المعلّمين يبقى أمراً ضرورياً حتى لا يتمّ اختزال البعض في وضع الجلّاد، والبعض الآخر في وضع الضحيّة.

وكيف يمكن للأدب أن يساعدنا؟

– يمكنه أن يشكِّل أحد «الأسلحة الخارقة» التي تحدَّث عنها «إيمي سيزير»، شرط أن يكون قد تمَّ الاشتغال، بجدِّيّة، على مسألة تمثِّل الآخر. في رواياتي، أعمل كثيراً على أفكار الشخصيات، وحميميَّتها، وبعدها الكوني. لكن مجرَّد حقيقة أن القصّة تدور في إفريقيا يشكِّل، بالنسبة إلى العديد من القرّاء، عائقاً أمام تماهيهم مع الشخوص. يتعيَّن على الأوروبيين أن يتعلَّموا، من جديد، كيف يعيشون بوصفهم جنساً بشرياً ضمن أجناس أخرى.

ألم تخلِّف روايتك «Rouge impératrice» صدًى طيِّباً، ورشِّحت لجائزة «غونكور»، وهي الرواية التي تجري أحداثها في إفريقيا فيدرالية تتمتَّع بالرخاء وبالسيادة؟

– نعم، ولم أكن أتوقَّع ذلك، على الإطلاق. هذا يعني أننا يجب ألّا نفقد الأمل، تماماً، في أوروبا، وفي قدرتنا على خلق عالم مختلف. علينا، فقط، أن نطرح سبلاً للوصول إلى ذلك. كثيرون يرغبون في التغيير، لكنهم يجهلون الطريقة. وعلى الرغم من كلّ ما شهده التاريخ من عنف، نحن ما زلنا هنا. يمكننا أن نقرِّر خلق واقع مختلف، ثم إن الظروف تجبرنا على القيام بذلك. فنحن نعلم أن المناخ يتَّجه نحو مزيد من الاحترار، وأن الموارد محدودة. وسيتعيَّن على المناطق الأكثر اعتدالاً أن تستقبل الشعوب التي ستهاجر إليها. الناس لن يسلّموا أنفسهم للموت، دون أن يجرِّبوا حظَّهم في مكان آخر.

كثير من الناس يريدون عالماً مختلفاً، أيضاً، في مجال التسامح، وعلاقات هادئة بين الرجال والنساء، ويريدون الابتعاد عن إصدار الأحكام والأفكار النمطية. هل لدى شخصيّاتك ما تقدِّمه في هذا الشأن، أيضاً؟

–  نعم. يمكن لأيّ شخص الشعور بهذا النوع من الغموض في داخله. نحن جميعاً مزدوجون بعض الشيء، كلّنا متعدِّدون. في ثقافة دول جنوب الصحراء الإفريقية، أو لنقل لدى قبائل (البانتو)، على الأَقلّ، يُعتَقد أن في داخل كلّ إنسان طاقات أنثوية وأخرى ذكورية. وأنا أسمع، اليوم، أن بعض الناس لا يريدون إلغاء الفئات المتعلِّقة بالنوع، فحسب، بل الفئات الجنسانية، أيضاً. شخصيّاً، لم أصل إلى هذا الحَدّ، ولكنني مهتمّة بفكرة تعدّدية الأنواع.

يمكننا، إذن، قراءة كتاب «أفروبيا» على أنه بيان سياسي. هل يغريك عالم السياسة؟

–  لا. أنا أعرّف هذه المقالة بأنها تأمُّل سياسي. إن كتابة بيان أفروأوروبي ليست مسؤوليتي أنا، ولم يعد عمري يسمح بذلك… أنا شغوفة بالسياسة، لكنني لن أتمكَّن من الارتباط بفضاء وحيد. لديَّ انتماءات متعدِّدة، وأفضّل أن أُوجَدَ في مكان، أستطيع فيه العمل لصالح مواطنين قادمين من عدّة قارات.

في روايتك «Crépuscule du tourment»، تسأل إحدى الشخصيّات، وهي معالجة اسمها «سيسكو»، الشابّة «تيكي»: «ماذا تنتظرين من الحياة؟ ماذا تقدّمين للحياة؟». ماذا لو طرحنا عليك السؤالين كليهما؟

–  ما أنتظره من الحياة هو أن تستعيد إفريقيا اعتبارها أمام نفسها؛ هذا ما أعمل عليه. فما إن تعيد اكتشاف طريقة أكثر إيجابيّةً للنظر إلى نفسها، فستتمكَّن من استعادة سلطتها، وستجد الطريقة التي تمارس، من خلالها، هذه السلطة. ماذا أقدِّم للحياة؟ الكثير من الفرح! أنا سعيدة جدّاً لوجودي هنا، وأتطلَّع بنفاد صبر إلى عيد ميلادي الخمسين.

حوار: سيليا هيرون، ترجمة: إلهام إد عبد الله أومبارك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العنوان الأصلي والمصدر:

«Léonora Miano L’Afrique doit se réhabiliter à ses propres yeux».

https://www.letemps.ch/societe/leonora-miano-lafrique-se-rehabiliter-propres-yeux

مالكوم فردناند: منعتنا المركزية الغربية من رؤية وجهات نظر أخرى عن العالم

لا ينفصل تدمير البيئة عن علاقات الهيمنة العرقية والاستعمارية، إنه ينبع من طريقة استيطاننا للأرض، ومن حقِّنا في الاستيلاء على الكوكب؛ وهو ما يعني، في مجمله، أن علينا إعادة صياغة الماضي. حول هذه الصياغة، كان حوارنا مع «مالكوم فرديناند» صاحب كتاب «إيكولوجيا تفكيك الاستعمار – Une écologie décoloniale»، الذي فاز بجائزة مؤسَّسة أدب البيئة السياسية، عام 2019.

لويس روبلين، وأورور شايلو: غالباً ما نلقي اللوم، نتيجة التدمير البيئي الحالي، على الأنشطة البشرية في العصر الصناعي. لكنك تسلِّط الضوء على طريقة إخفاء هذا التأطير لعلاقات الهيمنة التي كانت موجودة منذ قرون. هل يزيل الخيال الغربي حول الأزمة البيئية دلائل الاستعمار؟

–  مالكوم فرديناند: لست، بأيّ حال، أوَّل من أشار إلى العلاقة بين عدم المساواة الاجتماعية والتدمير البيئي؛ بل يدخل هذا في صميم الإيكولوجيا الاجتماعية، والإيكولوجيا السياسية، والنسوية الإيكولوجية. لكن ما يهمّني هو ربط هذه الأسئلة بإرث العنصرية والاستعمار، والذي ما يزال قليل الاستكشاف (باستثناء حركات العدالة البيئية). لطالما كان التدمير البيئي والقمع الاجتماعي يسيران جنباً إلى جنب. مع ذلك، بما أننا مطالبون بمعالجة حالة الطوارئ المناخية، لا نزال نرى شعارات خالية من الفكر الاجتماعي، وهو ما يسمح للآخرين باستغلال الضرورة البيئية والدعوة إلى استجابة تكنوقراطية، مثل مكافحة التلوُّث وندرة الموارد عبر الهندسة الجيولوجية أو أسواق الكربون.

لقد تتبَّعتَ أصول الأزمة البيئية، بالعودة إلى القرن الخامس عشر وعصر الاستعمار.

–  لقد شهدنا تحوُّلات سريعة في تدمير البيئة، بخاصة في القرنَيْن: التاسع عشر، والعشرين، لكن الأزمة البيئية بدأت قبل ذلك. لقد انبثقت من طريقة معيَّنة لاستيطان الأرض، ومن اعتقاد البعض بأحقّيّة قلَّة قليلة في تخصيص الأرض لصالحها. يعود تاريخ «الاستيطان الاستعماري» هذا إلى نهاية القرن الخامس عشر (ابتداءً من منطقة البحر الكاريبي) عندما وصل «كريستوفر كولومبوس» إلى أميركا…

أنت تقارن «الأنثروبوسين»بـ«النيغروسين»(1)، على أساس «الاستيطان الاستعماري». هل يختلف هذا عن الاستغلال الرأسمالي؟

– لم يكن الأشخاص الذين تمَّ استغلالهم في أثناء وجود الاستعمار عدميِّين: على الرغم من أن الفلّاحين الفرنسيِّين كانوا، أيضاً، ضحايا للعنف الاجتماعي، إلّا أنهم كانوا، دائماً، يعتبرون أنفسهم متفوِّقين على السود. مسألة العنصرية، غالباً ما تكون غائبة عن السياسة البيئية الفرنسية. أختلف، حول هذه المسألة، مع بعض الماركسيين الإيكولوجيين الذين يعتمدون على الرأسمالية في شرح كلّ شيء أو الذين يزعمون أن عدم المساواة الاجتماعية والعنصرية البنيوية شيء واحد و أوحد. في حين أن الاستعمار والعبودية كانا مدفوعَيْن، أيضاً، بالمنطق الرأسمالي. استندت هذه العمليات، قبل كلّ شيء، إلى وجهة نظر استعمارية للعالم اخترعت التسلسل الهرمي بين الأجناس والأراضي المختلفة في العالم.

كانت أراضي الأميركتَيْن في الحقبة الاستعمارية، تابعة لأراضي أوروبا، وكان يُنظر إليها بوصفها وسيلة لإسعاد المساهمين، وهو ما أضفى الشرعية على أيّة ممارسة. وحتى التدابير المتَّخذة لحماية خصوبة الأرض، كانت تهدف، في النهاية، إلى الحفاظ على استغلالها. كان يُعتقد أن هذه الأراضي مختلفة عن تلك الموجودة في فرنسا. لقد كانت عملية عنيفة وكارهة للنساء، وطريقة مروِّعة للعيش على الأرض التي ساهم في تطويرها المستعمِر؛ من أجل هذا الأخير تمَّ تجريد البشر الآخرين من إنسانيَّتهم، ومن أجله كان للأراضي المستعمرة وغير البشر الذين يسكنونها أهمِّية أَقلّ من رغباته؛ هذا ما أسمِّيه «الاستيطان الاستعماري»، الذي يُعَدّ طريقة عنيفة لسكن الأرض وإخضاع الأراضي والبشر وغير البشر لرغبات المستعمر.

ثم يتمّ نسج مجموعة من الروايات والممارسات التبريرية، بالاعتماد على الدين والميتافيزيقا والقانون والثقافة، وما إلى ذلك. في عام 1848، على سبيل المثال، كان الإلغاء الثاني للعبودية، في فرنسا ومستعمراتها، بلا شكّ، معلماً سياسياً وقانونياً رئيسياً. ومع ذلك، تمَّ استخدام العديد من القصص الخيالية للإبقاء على العبيد السابقين في المزارع والحدّ من تطوُّر الفلّاحين. إن مُلّاك الأراضي، الذين اضطروا إلى زراعة نوع واحد من المحاصيل على أراضيهم، في ظلّ الأنموذج الاستعماري، قد حافظوا على موطن استعماري بعد عام 1848؛ ومنه ظلَّت عقليّة الاستيلاء والتسلسل الهرمي دون تغيير.

إن هذه الطريقة في الاستيطان، التي يمكن تصوّرها، الآن، بدون عبودية، تنشر ممارساتها إلى أماكن أخرى. نمت حقول الموز، والعمل في مزارع الحرير، وكذلك التعدين، في جميع أنحاء الإمبراطورية الفرنسية. وفيما يخصّ قضيّة التلوُّث بالكلورديكون الشائن في جزر المارتينيك وجوادلوب الفرنسية، أدَّت هذه الممارسات، في غضون 20 عاماً، فقط، إلى تلويث الأراضي لعدّة قرون، وتسمُّم آلاف الأشخاص من أجل ملء صناديق عدد قليل منهم. أظهر عملي أننا يمكن أن ننشغل بقراءة تكنوقراطية للمشاكل البيئية. إذا ما كنّا نعاني من مادّة كيميائية سامّة فلنخرجها من السوق، وإذا ما كنّا نعاني من الكثير من التلوُّث، فلنقم بتنظيم حلّ تقني أو تنفيذه. لكن «التابعين» لا يريدون، فقط، أن يتمّ تطهيرهم من التلوُّث أو حتى إحلال العدالة لجريمة بهذا الحجم، وبدلاً من ذلك، ومع عدم وجود لائحة اتِّهام حتى الآن، بعد خمسة قرون، فإن الأمر يتعلَّق، فقط، بتغيير الطريقة التي نستوطن بها الأراضي.

عندما تتحدَّث عن «التابعين»، من تقصد؟ أتقصد الناس المضطهدين، بشكلٍ عامّ، أم الطبقة العاملة، أم النساء، أم الأقلّيّات؟

–  أستخدم كلمة «زنجي»، بحرِّيّة، إلى حدّ ما (في كلمة «نيغروسين»، على سبيل المثال). التابعون هم الزنوج «المزارعون» الحاليّون، بغضّ النظر عن جنسهم أو لون بشرتهم. لقد أوسمنا الزنجي، بشكل أساسي، بصفة (أسود)؛ وأتت الكلمة من اللغة الإسبانية، فالكلمتان متماثلتان. لكن ليس السود وحدهم مَنْ عانوا في المزارع، وما زالوا يعانون هناك. تمَّ تجريد هذه الكلمة من معناها، أوّلاً، من قِبَل الكتاب. «الزنجي» هو من يقوم بعمل شخص آخر، دون أن يتمَّ الاعتراف به.

يلفت مصطلح «النيغروسين» الانتباه إلى كلّ تلك الكائنات التي تمّ استخدام قوّة حياتها لإشباع الرغبات الأنانية للآخرين. لطالما تمَّ تجاهل تاريخ استعباد السود في فرنسا؛ وما يزال يُنظر إليه، بشكل أساسي، من حيث العلاقات الاجتماعية أو العلاقات بين الجنسَيْن. لكننا نتغاضى عن كيفيّة ارتباطه بالتاريخ البيئي. نحن بحاجة إلى ربط استغلال الجثث باستغلال الأراضي. إذا بدأنا من المبدأ غير الحديث، القائل بوجود استمرارية بين الأجسام والنظم البيئية، فإننا ندرك أن إيذاء أحدهما هو إيذاء الآخر. يساعدنا هذا «الانعكاس» على فهم الثورات ضدّ العبودية أيضاً كمقاومة لهذا الاستيطان الاستعماري. هروب العبيد من المزارع هو أمر أساسي لعملي، لأنه طريقة أخرى للسكن. يتجاوز العبيد الفارّون مقاومة العبودية إلى تبنّي علاقة مختلفة مع الأرض ومع غير البشر.

ما هي عواقب هذا «الصمت الاستعماري»، اليوم؟

– أرى مشكلتَيْن؛ فمن ناحية لم نبدأ في التفكير في الاعتراف بما حدث إلّا بعد مرور 150 عاماً على إلغاء العبودية… من ناحية أخرى، يتمّ بناء فكر الحماية البيئية بشكل مختلف عن العنصرية، وصحيح، أيضاً، أن النشطاء البيئيين هم- في الغالب- من البيض (كما يعترفون بذلك).

أودّ أن أقول، إذن، إن الصمت الاستعماري يسهم في «الانقسام المزدوج» (الذي يفصل بين التفكير البيئي والتفكير الاستعماري)، ويستبعد شريحة كاملة من الناس الذين يستوطنون الأرض. ومع ذلك، يمكن للأشخاص الذين تَمَّ استعمارهم أن يسهموا، أيضاً، في التفكير في حماية البيئة. إننا، من خلال الاستمرار في الاعتقاد بأن الأشخاص الذين يتعرَّضون للعنصرية ليسوا مهتمِّين بالبيئة، نواصل إقصاءهم وإقصاء الطريقة التي يتصوُّرون بها المجالات والساحات الطبيعية للتفكير في حماية البيئة، ومنه يتولَّد لديهم عدم الثقة بسبب هذا الإقصاء. عملَ الخيال المبنيّ حول حماية البيئة، منذ البداية، على محو أدوار الآخرين، وكلماتهم.

علاوة على ذلك، يعني الانقسام الاستعماري التقليل من أهمِّيّة القضايا البيئية. يحاول كتابي، «إيكولوجيا تفكيك الاستعمار»، ربط الجسر بين حماية البيئة وإنهاء الاستعمار، لأنه يضرّ بكليهما. أحاول، على عكس روايات علم الانهيار، إظهار أنه منذ عام 1492، كانت هناك، بالفعل، انهيارات، وقد اقترحت العديد من المجتمعات علاقات بديلة مع العالم، لكن لم يُسمع صوتها، وبخاصّة في حركة حماة البيئة. مع ذلك، من خلال الاستمرار في نشر مختارات من نصوص حماة البيئة التي لا يظهر فيها أيّ مؤلّف أسود واحد، نحن نكرِّس أسطورة حماية البيئة التي يقودها البيض من الشمال العالمي، وأسطورة غياب التفكير البيئي عند الشعوب التي كانت مستعمَرة و مستعبَدة.

كيف يجب أن نفكر في العدالة الاجتماعية، ومكافحة العنصرية، والحفاظ على النظم البيئية، معاً؟ هل يسمح إعادة تعريف مفهوم الطبيعة بعمل هذا الارتباط؟

–  لقد منعتنا المركزية الأوروبية والمركزية الغربية من رؤية وجهات نظر أخرى عن العالم. وإذا ما أشرنا إليها، فمن باب الرومانسية: «أوه! فقط، لو تمكنّا جميعاً من العيش مثل شعب الغواراني!»، ومع ذلك، لا يمكننا الاحتفال بأسلوب حياتهم دون الاعتراف بتاريخهم وتهميشهم الاجتماعي، والسياسي…؛ لذا، يجب أن نترك وجهات نظرهم عن العالم تتحدّانا، دون أن ننسى تاريخ هذه الشعوب وما يطلبونه. ما هي المصطلحات التي يستخدمها هؤلاء الأشخاص لتأكيد علاقتهم بالعالم. هذه هي الطريقة التي سنعمل بها على سدّ فجوة الانقسام المزدوج للعدالة البيئية. يخلق الحديث عن الإبادة البيئية، على سبيل المثال، نسيجاً بين الأجيال (نربط أفعالنا بحياة أطفالنا، ونتحمَّل مسؤولية إرثنا، ونتفاوض بشأن إرث والدينا)، ولكن ينظر إلى هذا النسيج من منظور حماة البيئة، بدلاً من منظور اجتماعي، ومنظور سياسي. ومع ذلك، فإن فهم حقيقة أن التدمير كان ممكناً بفضل استغلال الشعوب الأصلية، يعني الاعتراف بحاجة هذه الشعوب إلى العدالة، فضلاً عن المطالبة بتعويضات العبودية.

يولي صنّاع القرار السياسي والاقتصادي، اليوم، اهتماماً كبيراً بالاستمرار في إخفاء هذا البعد الاستعماري

–  نحن بحاجة ماسّة إلى جعل فكر الحفاظ على البيئة حول العالم: في أيّ عالم نريد أن نعيش؟ يجب علينا أن ندرك الثقافة واللون، بدلاً من مجرَّد معالجة المشكلة من خلال الإدارة البيئية التقنية. هذا ما أعنيه عندما أتحدَّث «إيكولوجيا تفكيك الاستعمار».

هذا التغيير في الأنموذج يشبه، إلى حَدّ كبير، تغيير في الخيال. كتابك مكتوب بأسلوب أدبي، تقريباً.

–  لقد حصلت على إجازة أدبية من أجل أن أجعل الأمور محسوسة، بدل إظهارها، فحسب. نحتاج- «للتأثير في العالم»- إلى قيم مثل الحبّ والعدالة. إن بناء عالم بعد الاستعمار والعبودية، لن يكون إلّا بتقاربنا. أعرض، في جانب من كتابي، شخصيّات فرُّوا (بسبب العنف الذي تعرَّضوا له)، وفي جانب آخر شخصيّات تنكر نصيب الآخرين من هذا العالم. لكنني أتحدَّث، أيضاً، عن أولئك الذين قرَّروا البقاء على متن السفينة التي تشترك فيها جميع الكائنات. نحن جميعاً، في النهاية، على متن القارب نفسه، بعد كلّ شيء.

حوار: من أورور شايلو، ولويس روبلين، ترجمة: أحمد منصور

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

Why We Need a Decolonial Ecology

هامش:

1 – العصر الجيولوجي الحالي، الذي يُنظر إليه على أنه الفترة التي كان النشاط البشري خلالها، هو التأثير المهيمن على المناخ والبيئة.

 

نعوم تشومسكي: علينا تغيير الوعي

عاش نعوم تشومسكي، بكلّ المقاييس، حياةً استثنائيّةً للغاية. في أحد الفهارس، تمَّ تصنيفه في المرتبةِ الثامنة بين أكثر الأشخاص الذين يتمُّ الاستشهاد بهم في التاريخ، مع أرسطو، وشكسبير، وماركس، وأفلاطون وفرويد. في سن الـ91، وبالإضافة إلى عشرات المُؤلَّفات، لا يتوقَّف عن الكتابة وإجراء المُقابلات لوسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم.

وُلدت عام 1928، بعد عقدٍ من تفشي «الأنفلونزا الإسبانيّة» في العالم، التي تسبَّبت في وفاة مئات الآلاف من الولايات المُتحدة وعِدّة ملايين حول العالم. أوّل حالة تمَّ الإبلاغ عنها كانت في قاعدة عسكرية أميركيّة في كنساس في عام 1918. عندما كنت صبيّاً في فيلادلفيا، هل تحدَّث الناس عنها؟ هل لديك أي ذاكرة عنها؟

– أنت محق. بدأ التفشّي في قاعدة عسكرية في كنساس، عندما ذهب الجنود الأميركيّون إلى أوروبا نشروها هناك، ثم انتشرت في كلّ مكان. لقد وُلدت بعد 10 سنوات، 1928. لم أسمع كلمة واحدة عنها. علمت عنها لاحقاً، عندما كنت أبحث في كتب التاريخ. وبعد مرور 10 سنوات، لم ألتقِ مطلقاً بأي شخصٍ يتحدَّث عنها.

لنتحدَّث عن الوباء الحالي، الذي أدَّى إلى وفاة ما يقرب من ربع مليون أميركيّ وملايين الحالات، وهي أرقام من المُؤكَّد أنها أعلى من ذلك بكثير. وقد تعرَّض النظام في واشنطن لانتقاداتٍ واسعة، لا سيما من الأوساط العلميّة والطبيّة. وصفت مجلة «The New England Journal of Medicine» الصادرة في 7 أكتوبر/تشرين الأول أسلوب تعامل النظام مع الوباء بأنه «غير كفؤ للغاية». لقد «حوَّل الأزمة إلى مأساة. وبدلاً من الاعتماد على الخبرة، لجأت الإدارة إلى «قادة الرأي» والدجَّالين غير المُطلعين الذين يحجبون الحقيقة ويسهِّلون نشر الأكاذيب الصريحة». ودعت مجلة «The Lancet» البريطانيّة المرموقة الأميركيّين إلى عدم انتخاب ترامب مجدّداً. ما هو شعورك تجاه ما يحدث واستجابة واشنطن؟

– في الأساس، هُم لا يهتمون. إنه لأمر مدهش للغاية أن المجلة الطبيّة الأميركيّة الكبرى، «The New England Journal of Medicine»، والتي كانت موجودة منذ أكثر من قرنين من الزمان، ولأوّل مرّة في تاريخها اتّخذت موقفاً من الانتخابات. «Scientific American» نفس الشيء، وقد سبقتهم «The Lancet» منذ بضعة أشهر. وهو أمرٌ شائن.

في الواقع، إذا نظرنا إلى التاريخ، فسيكون الأمر أكثر إثارةً للغضب. الأمر يستحق النظر إلى السجل، لأننا نواجه الموقف نفسه مرّةً أخرى الذي واجهناه في عام 2003. من الأفضل أن نفهم كيف حدث هذا إذا كنّا نأمل في منع حدوثه مجدّداً. ويمكن أن تكون المرحلة التالية أسوأ بكثير. لقد كنّا محظوظين نوعاً ما حتى الآن. فيروسات كورونا شديدة العدوى، ولكنها ليست قاتلة للغاية، مثل هذه الفيروسات؛ كانت شديدة الخطورة، ولكنها ليست شديدة العدوى، مثل الإيبولا. المرحلة التالية، على حدِّ علمنا، قد تكون شديدة العدوى وقاتلة للغاية، وقد نعود إلى شيء مثل الموت الأسود. من المُحتمل جدّاً أن يحدث ذلك.

الطريقة التي يجب أن نكون مستعدين لها هي دراسة فيروسات كورونا، وإيجاد لقاحات محتمَلة، ووضع أنظمة استجابة، بحيث تكون جاهزاً للتحرُّك عندما تأتي. لا يكفي أن تكون لديك المعرفة، بل الشخص المناسب ليقوم بشيء ما، المرشَّح الواضح.شركات الأدوية، لديها أرباح طائلة، ومختبرات ضخمة، والكثير من الموارد، لكن المنطق الرأسماليّ، الذي مازال قائماً، يقف سداً منيعاً. أنت لا تضع المال في شيء قد ينجح بعد عامين من الآن، وبالتأكيد لا تضع المال في اللقاحات، التي يستخدمها الناس مرّةً واحدة ثمَّ ينتهي الأمر. تضع أموالك في أشياء يمكنك جني الأرباح منها غداً. هذا هو المنطق الرأسمالي. لذا فقد تراجعت شركات الأدوية.

بعد ذلك تأتي الحكومة، مرّة أخرى، موارد كثيرة، ومختبرات رائعة. لكنهم محاصرون بشيء يُسمَّى النيوليبرالية، وهي نسخة متوحِّشة من الرأسمالية. تمَّ إنتاج جوهرها في جملتين في خطاب تنصيب رونالد ريغان: «الحكومة هي المشكل وليس الحل». بمعنى أننا نزيل القرارات من الحكومة، التي تستجيب جزئياً للسكّان، ونضع القرارات في أيدي القطاع الخاص، غير الخاضعين للمُساءلة على الإطلاق، قطاع الشركات. سوف يتخذون القرارات.

لكن دعونا نعد إلى الوباء. شركات الأدوية مُستبعَدة من قِبل المنطق الرأسماليّ، الحكومة مُستبعَدة من النسخة النيوليبرالية للرأسماليّة الوحشية. ماذا تبقى؟ القادة، الذين قد يفعلون أو لا يفعلون شيئاً. تذكر بوب وودوارد، الصحافي الشهير في واشنطن بوست ذائع الصيت في فضيحة «ووترغيت». ما رأيك في قراره الذي تضمَّنه كتابه «Rage» بعدم الكشف عن المعلومات التي ذكرها ترامب «كوفيد – 19 قاتل … إنه الطاعون». لقد احتفظ بهذه المعلومات لأشهرٍ وأشهر.

– لقد قدَّم أسبابه. حكمي الخاص، كان غير لائق تماماً. تعلّل بأنه لم يتم التحقّق من صحّة المعلومات، لقد أراد التأكد من صحّتها. حسناً، هذه حجّة إذا كنت تكتب كتاباً لمصالح المُستقبل. لكن هنا مئات الآلاف من الأرواح معرَّضة للخطر. شعوري الخاص هو أنه في هذه المرحلة، من المُفيد الإفصاح عن المعلومات، حتى لو لم يتم التحقّق منها بالكامل.

ماذا عن اللقاحات المُحتمَلة التي يتمُّ تطويرها للتصدي لفيروس كورونا، ومَنْ سيقوم بإعطائها، وكم تكلفتها، وهل ستجني شركات الأدوية الكبرى الأرباح؟

– الأمر بأيدينا. ليس هناك سبب وراء قيام شركات الأدوية الكبرى بجني الأرباح. إذا نظرت إلى اللقاحات والمُستحضرات الصيدلانية بشكلٍ عام، فإن الكثير من الأعمال الرئيسية تقوم بها الحكومة، إما من قِبل المعاهد الوطنية للصحَّة أو عن طريق المنح المُباشرة إلى شركات الأدوية من الحكومة. حسناً، هناك بالفعل قانون -قانون بيرش بايه لعام 1981 – ينصّ على أنه إذا كان للحكومة دورٌ كبير في تطوير الأدوية واللقاحات، فيجب عرضها للعموم في سعرٍ تنافسي، لا أرباح. هذا ما هو مدوَّن. أعتقد أنه ربّما تمَّ إلغاؤه الآن، لكنه كان موجوداً. وهذا يعني عدم السعي وراء الأرباح.

يجب أن أقول إننا خُنقنا أيضاً بواحدة من هدايا كلينتون العظيمة للنيوليبرالية ، قواعد منظَّمة التجارة العالمية، التي توفِّر ما يُسمَّى بحقوق الملكية الفكريّة وحقوق براءات الاختراع من النوع الذي لم يكن موجوداً في الماضي. إنها ترقى إلى حقوق التسعير الاحتكارية الضخمة. بالنسبة لصناعة المُستحضرات الصيدلانية، فهي بمثابة ثروة كبيرة. تساعد الحكومة، وتدفع أجزاء مهمَّة من تطوير بعض الأدوية، ثمَّ تخبر شركات الأدوية، يمكنك جني الأرباح منها والاحتفاظ بها إلى الأبد.

حرائق الغابات والأعاصير والفيضانات وذوبان الجليد في القطب الشمالي وغرينلاند. كان سبتمبر/أيلول الشهر الأكثر سخونة على الإطلاق. سجّل وادي الموت أعلى درجة حرارة مسجّلة على سطح الأرض: 54 درجة مئوية. نحن نتجه نحو كارثةٍ مناخية.

– كل تنبؤات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ بدت متحفِّظة للغاية، ولم تكن مثيرة للقلق بالشكل الكافي. يحذرنا العلماء البارزون أننا في مرحلة الخطر الآن. الآثار المُميتة للكارثة البيئية ليست بعيدة. ارتفاع هائل في مستوى سطح البحر، سيحدث ببطء، ليس غداً. إنّ العلامات المُبكِّرة للكارثة موجودة حولنا بالفعل، كما ذكرت. ستزداد الأمور سوءاً. لا نعرف حجمها. هناك هامش خطأ. لكن كلّ تحليل جاد يتنبأ بخطرٍ شديد، وربّما نهاية لإمكانية الحياة البشريّة المنظّمة. ليس غداً، ربّما في نهاية القرن، ربّما بعد قرون.

لكن مصير المُستقبل بين أيدينا. ربّما أمامنا 10 أو 20 سنة للتحكُّم فيه. وسائل التغلب عليها متاحة. أجرى المُؤلِّف المُشارك، روبرت بولين، الاقتصاديّ بجامعة ماساتشوستس، دراسات دقيقة ومفصَّلة للغاية. ويتمُّ تنفيذها في بعض البلدان. هناك أدلة مقنعة للغاية على أنه ربّما بنسبة 2 % إلى 3 % من الناتج المحلي الإجماليّ يمكننا من السيطرة على كلّ هذا. توصّل محلّلون آخرون، مثل جيفري ساكس في كولومبيا، باستخدام نماذج مختلفة نوعاً ما، إلى تقديراتٍ مماثلة تماماً. هناك احتمال كبير جدّاً أنه إذا اعتمدنا التدابير الصحيحة، المُتاحة والمُمكنة، يمكننا أن نوقف السباق نحو الكارثة -وهذا أمرٌ حاسم- نخلق عالماً أفضل بكثير، عالم به وظائف أفضل، حياة أفضل، وظروف عيش أفضل، ومؤسَّسات أفضل.

ذكرت روبرت بولين. لقد ألَّفت معه كتاباً جديداً بعنوان «أزمة المناخ والصفقة الخضراء العالمية الجديدة». تستشهد فيه بالمُلاحظة الشهيرة لأنطونيو غرامشي حول «القديم يحتضر والجديد لا يمكن أن يُولد؛ في فترة الاستراحة هذه، تظهر مجموعة كبيرة ومتنوِّعة من الأعراض المرضية». ثم تكتب، «لكن مثل هذه الأعراض المرضية يقابلها تحرُّك متزايد بشأن تغيُّر المناخ والعديد من الجبهات الأخرى. الجديد لم يولد بعد، لكنه آخذ في الظهور بعدّة طرق معقَّدة، وليس من الواضح ما هو الشكل الذي سيتخذه». من حيث طبيعة التحرُّك المطلوب الآن والحركات الضرورية ومشاركة المواطنين، كيف نكسر قبضة ما تسمّيه «المنطق الرأسمالي»؟

– لا يمكنك كسر القبضة تماماً، لكن يمكنك تعديلها. هذا ليس سراً. ما يُسمَّى بالرأسمالية هو في الواقع نوع من رأسمالية الدولة. لا يوجد بلد رأسمالي. المُجتمع الرأسمالي سوف يدمِّر نفسه بنفسه بسرعة، بحيث لا يمكن أن يوجد. أصحاب المصالح لن يسمحوا بذلك. لذا، فإن كلّ مجتمع هو شكل أو آخر من أشكال رأسمالية الدولة. يمكن أن يكونوا أكثر حقداً، ويمكن أن يكونوا أكثر إحساناً. في غضون الفترة الزمنية الحالية، بعد عقدين من الزمن، لن نطيح بالمُؤسَّسات الرأسمالية.

يمكننا تغييرها بجدية. من المُمكن تماماً، على سبيل المثال، فرض ضريبة كربون ليس من النوع الذي تمَّ اقتراحه، ولكن ضريبة كربون حقيقية والتي ،على سبيل المثال، ستعود بـ 75 % من الإيرادات إلى العاملين والأشخاص الذين يحتاجون إليها، ضريبة الكربون الخاصّة بإعادة التوزيع. حاول ماكرون فرض زيادة في ضرائب الوقود، لكن وقع تمرُّد من الناس الذين يقولون بحق، نحن ضحايا ذلك. إنّ الفقراء والعاملين هُم مَنْ يدفعون هذا المبلغ بشكلٍ مبالغ فيه، وهُم الذين يحتاجون إلى الإغاثة وليس العبء الإضافي.

علينا تغيير الوعي. هناك أشياء لا حصر لها يمكن القيام بها في جميع المجالات: فرديّ، حكوميّ، محليّ، اتحاديّ، دوليّ. يجب أن يكون هناك جهدٌ دوليٌّ. لا توجد حدود للاحتباس الحراري. يجب أن نضع في اعتبارنا أن ما يقرب من نصف الانبعاثات في المُستقبل ستأتي من ما يُسمَّى بالمُجتمعات النامية، المُجتمعات الأفقر. إنهم بحاجة إلى مساعدة. إنهم بحاجة إلى المُساعدة في الانتقال إلى طاقة أكثر كفاءة وأرخص وأكثر فائدة واستدامة. لكن في المراحل الأولى هُم بحاجة إلى المُساعدة للتحرُّك نحو الطاقةِ المُستدامة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: ديفيد بارساميان

المصدر:

lithub.com

27 أكتوبر 2020

لماذا تمثّل «الشعبويّة الفكريّة» لميشيل أونفراي إشكاليّة حقيقيّة؟

عندما صادفت نصّاً للفيلسوف «كورنيليوس كاستورياديس» ذات يوم، قرأته فأدركت، على ضوء المُؤلّف، أن انزعاجي كان كبيراً، بل وكان مصدر قلق سياسي عميق. وبصفتي فيلسوفاً وأستاذاً للفلسفة في التعليم العالي، فإنّ «عمل» «ميشيل أونفراي» لم يثر اهتمامي أبداً، وذلك لثلاثة أسباب فلسفيّة، هي:
أولاً؛ لطالما أراد «أونفراي» (الذي أستخدم اسمه لتيسير الحديث عن العمل) اختزال الفلسفة إلى مجرَّد مدرسةٍ للحكمة. لكن إنْ كانت الحكمة هي تشكيل حياة تدّعي أنها نموذجيّة، فإن الفلسفة حينها ستكون شيئاً آخر غير ما هي عليه الآن. إنّه في مواجهة اللّغز الراديكاليّ للعالَم، يسعى الفيلسوف إلى الإجابة عنه من خلال الإعداد اللامُتناهي للعمل المفاهيميّ. لكن بالنسبة لفيلسوفنا المزعوم، فإنّ الحياة لا تكون مستنيرة بمساعدة المفاهيم: أي إنّها في حدِّ ذاتها ستكون مفيدة لأولئك الذين يريدون رؤيتها. أمّا المظهر الفلسفيّ المزعوم الذي يعتقد أنه يمكن أن يتبنّى عبره حقيقة يمكن أن يعتمد عليها، فإنه مشكوك فيه.
ثانياً؛ يدّعي «أونفراي» دائماً أنّه يفضح «التاريخ المُضاد» للفلسفة؛ لكنّه مع ذلك يفترض هذا «التاريخ المُضاد» مسبقاً، بحكم تعريفه، التاريخ الذي يدّعي رفضه: أي ما يُسمَّى بالتاريخ «الرسمي» للفلسفة الذي يدرسه الأكاديميّون. بعبارةٍ أخرى، منذ البداية، يروي «أونفراي» (بنفسه) القصص، ملفِّقاً من الصفر خطاباً مهيمناً، والذي يمكن أن يؤكِّد موقف «المُتمردين».
هكذا، أمكن لـ«أونفراي» تصفية حساباته مع الظواهر الثقافيّة المعروضة له في بضع دقائق فقط، وذلك بتناولها على أنها ذات «أبعادٍ مفهومية» فقط (أو هكذا يعتقد). إنّها نوعٌ من المعرفة الشعبويّة لديه، رغم كلّ ما يزعمه من كونها حكمةً شعبيّة.
ثالثاً؛ باعتبار ذلك طريقته المُفضّلة، يتخيَّل «أونفراي» بأنّ الفكر يعكس بالضرورة حياة مؤلّفه. إلّا أنّه، وحسب هذا الأمر، أصبح على «أونفراي» التفكير، على سبيل المثال، في أنّه كان من الممكن كتابة عملٍ فكريٍّ رائع حتى في ظلّ وضعية وجوديّة مزرية. لذلك، ولضمان المُلاءمة، دون خلط بين عمل وحياة المُؤلّف الذي يسعى «أونفراي» إلى تشكيل سيرته، راكم هذا الأخير الأخطاء الكثيرة على عدّة أصعدة: اختصارات، اقتباسات خارج السياق، تفسيرات خاطئة، إهمال المصادر، ملاحظات لا أساس لها، إلخ. وكلّ ذلك تمَّ لديه باعتماد أسلوب قائم على مبدأ ثنائي يتعلَّق: إمّا بالثناء، أو باللوم المُفرط.
لقد أدركت في عام 2008 عندما نشر «أونفراي» «حلم أيخمان» تماماً هذا الاحتيال. ونظراً لكون المُدَان في القدس أثناء المُحاكمة قد أعلن، في دفاعه، أنّه قام فقط «بواجبه بالمعنى الكانطي»، فإنّ الفيلسوف المُتمرِّد لم يحتج إلى المزيد للهجوم على الفيلسوف «إمانويل كانط» وإظهار أن فكره هو الذي أدّى في الواقع إلى ظهور النازية. وأيضاً في سنة 2017، في كتابه «الانحطاط – Décadence»، ذهب «أونفراي» إلى حدِّ تحميل مسؤولية الإبادة الجماعية للقديس بولس.
تعهّد «كلود أباديا» بأدبٍ شديد بإثبات، بطريقةٍ دقيقة، حدود هذا التحامُل المجنون على «كانط». لكن، المُشكلة في هذه الحالة لا تكمن فقط في أنّ «أونفراي» ينشر كثيراً، بل في كون كثير ممّا يكتبه مجرَّد هراء، وهي مع ذلك تترجَم إلى عشرات اللّغات حول العالَم، وتباع منها مئات الآلاف من النسخ. لذلك، هناك أكثر من سببٍ للذعر بهذا الخصوص.
إن التظاهر النرجسي للفيلسوف الزائف، الذي تأسره دائماً تخيُّلاته الفكريّة الخاصّة، يشكِّل عرضاً لشر يتجاوز شخصه، ويؤثِّر، كما سنرى، على الوجود المُشترك.
من «برنارد هنري ليفي» إلى «أونفراي»
إذا كان «أونفراي» يهنئ نفسه، بطريقةٍ ما، على كونه منبوذاً من العالم الأكاديمي والمؤسّسي، في عام 2019، جنباً إلى جنب مع «بلانشو»، و«هايدجر»، و«ليفيناس»، و«فرويد»، و«فوكو»، و«ريكور»، وما إلى ذلك، فإنّه، وهو فيلسوف زائف حقيقة، قد تقوَّى بدخول كتب المئة التي تمَّ نشرها بالفعل في المجموعة المرموقة للغاية من «دفاتر ليرن» (Cahiers de L’Herne).
إن التكريم الممنوح للمُؤلّف يعني بالنسبة لنا شيئاً يتجاوز الذعر في اتجاه الخراب: هكذا قد ولّى الفكر الذي كانت ترمز إليه كراسات ليرن، وهجر بالفعل. لكن، ثم يساعدنا الفيلسوف «كورنيليوس كاستورياديس» (1922 – 1997) في فهم ما يبدو في حدِّ ذاته غير مفهوم.
في عام 1979، في مجلّة «الملاحظ الجديد – Nouvel Observateur»، ردّ «كاستورياديس» على «برنارد هنري ليفي» الذي هاجم للتو «بيير فيدال ناكيه». لقد انتقد المُؤرِّخ بشدّة بالفعل عهد الله، وأبلغ عن التقريبات والأخطاء والاختصارات الأخرى لمُمثِّل «الفلسفة الجديدة» المزعوم. وجد «كاستورياديس» أن استجابة «برنارد هنري ليفي» كانت سيئة السمعة مثل كتابه.
من اللافت للنظر لنا أن انعكاسات «كاستورياديس» يمكن نقلها اليوم إلى قضية «أونفراي». هذا لأن الفيلسوف اليوناني يدرك الروح، أو بالأحرى نقص الروح، في عصر – عصرنا.
الديموقراطيّة تحت المُساءلة
تتمثَّل إحدى الأفكار الرئيسيّة لنصّ «كاستورياديس» في تذكيرنا بأنه لا يوجد أمام فكر غير قابل للتغيير أيّ غطاء يبرّر خلوده؛ كما لا يمكن أن يكون وجود الفكر في المجتمع إلّا نتيجة السلوك النشط. بعبارةٍ أخرى، فإنّ الفكر هو مسألة مسؤولية بعضنا على البعض؛ لكن، هذا يعني أيضاً أنّه بسبب نقص المسؤوليات، يمكن تخريب الفكر حقّاً.
عندما يرتبط الفكر ارتباطاً وثيقاً بالفضاء العام، عندها يتمُّ إجراء حوارات بشكلٍ مشترك للمُناقشة والنقد، وهذا ما يطلق عليه بالفكر الديموقراطيّ.
ولئن لم تكن الفلسفة هي الطريق إلى الحكمة -سؤالها ظلّ دوماً يتعلَّق بمعنى المعنى- بما يتماشى مع عبقرية اليونان الكلاسيكيّة، فإنّه يجب عليها مع ذلك إظهار الفضائل. وبما أنّ «كاستورياديس» يصرّ بشكلٍ خاصّ على التواضع، إدراكاً منه أن الفكر يشارك في نشر الفضاء العام، فإن المُؤلِّف الجدير بهذا الاسم يمارس الانضباط الذاتي، وذلك حتى لا يسمح لنفسه بالذهاب ليقول أي شيء. خلافاً لذلك، وتحت طائلة ازدراء جمهوره، وفي ظلّ ديموقراطيّة تحترم نفسها، فإنّه عند ذلك يخضع إنتاج المُؤلِّف للنقد، بل ولنقد معيَّن، وذلك مثل المُحرِّرين الذين تتمثَّل وظيفتهم في ضمان الصرامة التي تشكل مهنة المُفكِّر.
وهكذا، فعندما يتمُّ امتصاص الفضاء العام في كثيرٍ من الأحيان من قِبَل أولئك المُدافعين المأذون لهم من طرف الأشخاص الذين لا ينبغي الترويج لهم، وذلك بقصد التخلص من نفاياتهم بكثرة؛ فإن ذلك يعدُّ محواً للديموقراطيّة نفسها.
استبداد البضاعة
إنّ آلية المحو لصالح ما يُسمَّى «الدمقرطة»، هي، في الواقع، تسليع «الفكر»، وهذا ما تديره حصرياً الحالات الحسّاسة للسلطة، وذلك للإيقاع واحتلال مساحات خاضعة لأخبار مفبركة قبلياً، بهدف توسيع رأسمالها الرمزيّ والاقتصاديّ.
يحذِّر «كاستورياديس» بأنّ الرقابة هنا لا تنفع؛ وهذه، أوّلاً وقبل كلّ شيء، هي حقيقة التسليع المذكورة التي تمنع عملياً أي مؤلِّف من تأكيد الطابع المُتأنّي للفكر عبر وسائل الإعلام ذات الطابع التقني والتجاريّ. ذلك أنّه، وكما قال «دولوز»، فإن «المفهوم» هنا يصبح من اختصاص المُعْلِنين.
دعونا نترك الأرضية لـ«كاستورياديس»: في عمله «جمهورية الآداب»، حيث كانت هناك -قبل ظهور المُحتالين- أخلاقٌ وقواعد ومعايير. فإذا لم يحترمها أحدٌ، يكون الأمر عندها متروكاً للآخرين لاستدعائه وتحذير الجمهور منه، أمّا إذا لم يتم ذلك، فإنّه من المعروف منذ فترةٍ طويلة أن الديماغوجيّة غير المُنضبطة هي التي تؤدِّي إلى الاستبداد، فتولِّد الدمار وتجعله يتسيَّد المشهد. لذلك، من المُفيد التأكيد على أنّ الأعراف والسلوكيات الفعَّالة والعامّة والاجتماعيّة هي أهمّ ما يفترضه البحث المُشترك عن الحقيقة.
لا يفوّت «أونفراي» أيّة فرصة، في الفضاء العام وعبر المنابر المُختلفة، دون أن يتحدَّث ويدعو عبر أسطوانته المشروخة إلى تشكيل «جبهة شعبيّة – Front Populaire». إنّها الدعاية الأيديولوجيّة التي تعبِّر عن العنوان السياسيّ لفكره.


كاتب المقال:
جان سيباستيان فيليبارت Jean-Sébastien Philippart حائز على شهادة DEA في الفلسفة وشريك (UCLouvain)، باحث مستقل، ومساهم، من بين آخرين، في مجلات ومراكز بحث، منها: عوالم فرانكوفونيّة MondesFrancophones.com وتداعيات فلسفيّة Implications-philosophiques.org.
المصدر:
https://www.lalibre.be
الرابط المختصر:
https://bit.ly/3l44ioK
13-08-2020

أمين معلوف: «أنقذوا لبنان من الموت»

وُلِد في بيروت عام 1949، تحصَّل على جائزة «غونكور» عن رواية «صخرة تانيوس»، عام 1993، انتُخِب للأكاديمية الفرنسية عام 2011، في كرسي «كلود ليفي شتراوس – Claude Lévi-Strauss».
أمين معلوف، روائي وكاتب دراساتٍ تتميَّز بملاحظة واضحة للعالم وآليّاته. حذّر في كتابه «الهويّات القاتلة» (1998)، بناءً على تجاربه مع الحرب الأهلية في لبنان، من خطر الادِّعاء الهويّاتي الذي يؤدِّي إلى إلغاء الآخر. في كتابه الأخير «غرق الحضارات» الحائز على جائزة «توداي – Today» لعام 2019، حلّل معلوف، بوضوح، الأزمة في العالمَيْن: العربي، والغربي. ما الذي تُلهمه المأساة الجديدة التي أصابت بلده الأمّ؟ هل مازال الوعد بحلم جديد أكثر انفتاحاً، نقلته أرض الأرز من خلال وجودها ذاته، كما لاحظ الجنرال «ديغول»، مناسباً، اليوم؟ الكاتب الكبير وافق على الاعتراف لـ«لوبوان».
لوبوان: كيف كان شعورك أمام هذه الصورة الرهيبة لبيروت، والتي تبدو كأنها تغرق، من جديد، في مشاهد الحرب؟
– أمين معلوف: تطلَّب مني الأمر يوماً كاملاً، أمام الشاشات، لفهم أنّ الذي حدث في بيروت ليس صفحة إضافية في النزاع اللامنتهي الذي يصيب بلدي الأمّ. الأمر لا يتعلَّق بانفجار نووي كما هو واضح، بل لا يتعلَّق، كذلك، بانفجار «غير تقليدي». لتوضيح ما قلت، أقدِّم مقارنة: تفجير «أوكلاهوما سيتي»، عام 1995، وهو الهجوم الأكثر دمويّةً الذي تَمَّ ارتكابه على أراضي الولايات المتَّحدة، قبل أحداث 11 سبتمبر/أيلول، كان سببه قنبلة محلّية الصُنع تحتوي، هي الأخرى، على نترات الأمونيوم، كانت تزن ثلاثة أطنان. «القنبلة»، في مرفأ بيروت، تزن ألف مرّة أكثر منها! لابدّ من أخذ هذه الأرقام بعين الاعتبار لفهم معنى الصور التي انكشفت أمامنا. كيف يمكن تفسير أن هذا المستودع بقي مليئاً بالمواد المتفجّرة لفترة طويلة؟ إهمال؟ إشارة لدولة لاتزال قابلة للانفجار؟ حتى وإن كان يمكن أن تنفجر «القنبلة»، عرضيّاً، فما حدث ليس «كارثة طبيعية»، بالتأكيد. الصدفة والحظّ السيِّئ لا علاقة لهما بهذه المأساة، إلّا لتحديد أنّها حدثت هذا العام، لا العام الماضي أو الذي سبقه. ما تسبَّب في هذه الدراما هو الفساد، هو الإهمال. إن وجود هذه الشحنة من النترات، في هذا المكان، أصلاً، ولعدّة سنوات، لا يمكن تفسيره إلّا بإرادة بعض المافيا المحلّية بيعَ هذا المنتج، عندما تصبح الفرصة سانحة. وإذا لم تتدخَّل السلطات، بالرغم من التحذيرات التي وُجِّهت إليها، فلأن البلاد مليئة بالمناطق الخارجة عن القانون، حيث تنخرط الفصائل المختلفة في التهريب المربح. لا شيء من هذا عَرضيّ، طبيعيّ، أو يُعزى إلى سوء الحظّ…
كيف لأرض الأرز، التي كانت تمثِّل وعداً اقتصاديّاً وطائفيّاً، وعداً للحرّية وتقارباً بين الشرق والغرب، أن تصل إلى هنا، مع أن نصف سكّانها تحت عتبة الفقر، والفوضى تزداد تفاقماً؟
– ليس من السهل تفسير الانحراف، لكنّه ليس عصيّاً على التفسير. من بين عديد العوامل التي لعبت دوراً سلبياً، غالباً ما يُلقى اللوم على البيئة الإقليمية، التي هي كارثية، فعلاً. لكن، إن اضطررت إلى الإشارة، بإصبعي، إلى العامل الأكثر تحديداً، الذي يفسِّر أكثر من غيره، لماذا لم تتمكَّن لبنان من مواجهة التحدِّيات العديدة التي واجهتها منذ ولادتها، فسأشير- دون تردُّد- إلى الطائفية. ما يشكِّل مشكلة ليس وجود أقلّيّات عديدة وغير متشابهة؛ فهذا أمر واقع، وهو سبب وجود البلد، وكان ميّزة أساسية لنجاح النموذج اللبناني وإشعاعه. المشكلة، في نظري، هي المشروع الوطني…الذي يرتكز على تجاوز مختلف الانتماءات للأقلّيّات نحو انتماء وطني مشترك، والذي لم تتمّ متابعته بالطاقة والوضوح اللازمَيْن، بالشكل الذي جعل المواطنين يصبحون ملزمين، وأحياناً رهائن للزعماء السياسيين والدينيين لأقلّياتهم، الذين هم- بدورهم- أصبحوا ملزمين ورهائن للأجانب الذين يحمونهم. بالإضافة إلى ذلك، هناك ظرف مشدّد: الاقتصاد الليبرالي القائم على الخدمات، والذي يضمن- بلا شكّ- ازدهار البلاد خلال سنوات عديدة، لكن لم تصاحبه دولة قويّة تحاول فرض تشريعات ملزمة وممارسة جبائية كبيرة، من أجل التمكُّن من أداء دورها بالكامل. في لبنان، دفعنا، لفترة طويلة من الزمن، قدراً قليلاً من الضرائب، بالشكل الذي جعل السلطات العامّة لا تمتلك، إطلاقاً، الموارد لتزويد البلد بنظام تعليمي حديث، وصحّة عامّة أو حماية اجتماعية. مع التراجع، من الواضح أنّ وجود دولة قويّة وحاضرة، فقط، هو ما يمكنه أن يوحِّد الشعب اللبناني، يقويّ الروابط بين المواطنين والسلطات العامّة، ويقلِّص من شكل اعتماد اللبنانيين على زعماء أقلّيّاتهم. وقد أدّى انعدام الثقة في دور الدولة، إلى تقويض هذا التطوُّر الذي يُعَدّ ضرورياً.
الكلمات التي قالها «ديغول» سنة 1965، حول لبنان: «هي أمّة مستقلّة، مزدهرة ومثقَّفة» ترنّ، بمرارة، اليوم. هل يمكن للبنان أن يدّعي أيّاً من كلماته، اليوم؟
– أنتم محقّون في القول إن تلك الكلمات ترنّ، بمرارة، هذه الأيّام. عندما قالها، كان يبدو أنّ البلد يقترب من هذا المثل الأعلى. لكن هذه الكلمات المنطقية ترسم، في نظري، المستقبل الذي يمكن أن يأمله اللبنانيون وأصدقاء لبنان.
ما رأيك في أن نبدأ بـ«أمّة»؟
– من ناحيتي، لا يمكنني أن أستسلم لهذه الفكرة المنتشرة، اليوم، في كلّ القارات، وهي أنّ الأمّة يجب أن تقوم على انتماء ديني مشترك. تأسيس أمّة على أساس انتماء ديني، أو عرقي أو عنصري، هو فكرة جدّ خاطئة، سبَّبت الكثير من المآسي عبر التاريخ، وستكون- بالتأكيد- غير متوافقة مع روح بلدي الأمّ. الفكرة التي سادت تأسيس لبنان، هي فكرة جعل الناس من جميع الطوائف، وكلّ الأصول، يعيشون معاً، بتنظيم علاقاتهم بالشكل الذي يجعل من كلّ شخص من بينهم يحسّ بأنّ البلد، بأكمله، يعود إليه. لا أدّعي، بالتأكيد، أنّ التجربة نجحت أبعد من ذلك، لكنّي لم أستسلم، أبداً، للحكمة المتواضعة والكسولة التي تقوم إن مثل هذا التعايش مستحيل.
العالم كلّه عبارة عن فسيفساء من الأقلّيّات: أوروبا فسيفساء، أميركا وآسيا، أيضاً. وإذا أخضعناهم لمنطق التجزئة، فسيأتي وعد الألف نزاع. السؤال ليس معرفة ما إن كان الأفراد المختلفون، من حيث اللون أو من خلال الاعتقاد، يمكنهم العيش معاً، أو أن يطلق عليهم (مواطنون). السؤال يتعلّق بمعرفة كيفية جعلهم يعيشون معاً، وكيف نجعلهم يحسّون بأنهم جزء من أمّة واحدة. وفي هذه المسألة، التجربة اللبنانية (حتى وإن لم تنجح حتى الآن) يجب أن تبدأ، من جديد، في لبنان وفي أماكن أخرى، حتى تبلغ النجاح.
ما معنى «مستقلّ»؟ هل تعني أن البلد يبدو، على الدوام، لعبة للقوى الخارجية التي تعمل داخله، ربّما، منذ إنشائه، مثل إيران التي يعتمد عليها حزب الله القوي مباشرة؟
– أن تكون مستقلّاً، اليوم، بالنسبة إلى بلد مثل لبنان، يعني أن تكون قادراً على قول «لا»، عندما يكون هناك سعي لإقحامها، بالقوّة أو بالتهديد، في نزاعات ليس لها الرغبة في خوضها، وليس لها، بوضوح، مصلحة في المشاركة فيها. هذا الاستقلال فقدته لبنان منذ سنوات، ومن الواجب أن تستعيده. ولقول الأشياء بصراحة، بلدي الأمّ ليس له ميل ليكون مركزاً عسكرياً متقدِّماً في الصراع الإسرائيلي العربي. ليست له أيّ مصلحة في أن يتمّ استغلاله، لا من قِبَل القادة الإيرانيين، ولا من قِبَل أولئك الذين يعملون على خنقهم. ولم تكن له أيّ مصلحة، أمس، في التدخُّل في الحرب الأهلية السورية؛ لا من أجل مساعدة نظام الأسد، ولا لمساعدة الثوّار. كلّ هذه الأخطاء ناتجة عن فقدان لبنان القدرة على اتّخاذ قراره بنفسه باعتباره راشداً.
دعنا نواصل العَدّ: «تزدهر» وهي متضرّرة اقتصادياً، اليوم؟ مثقَّفة؟
– أنتم محقّون في الإشارة إلى أنّ كلّ هذه الكلمات ترنّ، بشكل مخزٍ، إلى جانب صور الدمار المادّي والدمار المعنوي اللذين نراهما بأعيننا، اليوم. لكن، لنأخذ قسطاً من الراحة، وندع أرواحنا تتجوَّل، للحظات، خارج المسار المحطَّم. ألا تستطيع هذه المأساة الهائلة أن تجلب التقدُّم للبنانيِّين، لكلّ الأقلّيّات مجتمعةً، ولباقي العالم؟
لتحقيق هذا التقدُّم، لا بدّ من مبادرة عالمية، يشارك فيها الأعضاء الخمسة الدائمون لدى مجلس الأمن في الأمم المتَّحدة: فرنسا، والولايات المتَّحدة، وروسيا، والصين والمملكة المتَّحدة. أصرّ: الخمسة جميعهم، معاً، وفي البداية، لا أحد سواهم، باستثناء الاتِّحاد الأوروبي، ربَّما، معاً يؤسّسون إدارة مؤقَّتة مكلَّفة بإعادة بناء البلد المنكوب في كلّ القطاعات التي لم تعد تعمل. البدء بإصلاح البنى التحتية، وشبكة الكهرباء، وتسيير النفايات، وإصلاحات الطرقات، والموانئ والمطارات.. إعادة إحياء الاقتصاد ليصبح مزدهراً، والذي هو متوقّف، اليوم، من خلال إعادة إقامة البنى التحتية الاجتماعية، والصحّية، والتعليمية، ثم عصرنة المؤسَّسات السياسية للبلد، من خلال تنظيم انتخابات حرّة، عندما يحين الوقت…كلّ دولة من الدول الخمسة «الكبار» سترسل إلى الموقع مجموعة تقنّيين ومديرين ذوي مستوى عالٍ، بالإضافة إلى وحدة عسكرية من أجل الحفاظ على السلم المدني. وستحظى هذه الإدارة الدولية المؤقَّتة، بتمويل كبير، ستستمرّ لسنوات، وستكون، في المقام الأوّل، تحت مسؤولية السلطات الدولية مجتمعةً.
لكن الجميع سيصرخون من أجل التدخُّل، وقد سبق لـ«ماكرون» أن تعرَّض لذلك، خلال زيارته لبيروت، لأنّه تجرُّأ على الخروج إلى الشوارع، والتحدُّث عن «محاربة الفساد»، ورأى البعض، في موقفة، ذكرى الانتداب الفرنسي على لبنان.
– لا مكان لمفاهيم مثل «تدخُّل» أو «انتداب» في الرؤية التي أقترح. يجب ألّا نخطئ في القرن! الأمم المتَّحدة مهمَّتها المجيء لمساعدة البلدان التي تكون في حاجة إليها. لبنان، التي هي عضو مؤسِّس، والتي كانت أحد مصمّمي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، هي اليوم في ضائقة، ولها الحقّ في كلّ المساعدة اللازمة لتقف على قدمها، ثانيةً. يجب مساعدة لبنان في احترام سيادته وكرامة كلّ مواطنيه.
إنّ وجود قوى أساسية في العالم، اليوم، سيضمن أنّه لن تكون أيّة تصفية حسابات مع الفصائل المحلِّيّة، ولا مع مختلف القوى الإقليمية، ولا حاجة إلى اللجوء إلى القوّة المسلحة…ربّما هذا مجرَّد حلم، لكنني مقتنع بأنّ جميع الأطراف، دون إستثناء، في لبنان وفي المنطقة وفي العالم، سيكسبون كثيراً بوضع آليّة مماثلة. ويبدو لي أنّ فرنسا، التي أبدت تعاطفاً كبيراً مع لبنان، بعد هذه المحنة الأخيرة، خاصّة مع زيارة الرئيس «ماكرون»، يمكن أن تكون حجر الزاوية لمثل هذه المبادرة العالمية التوافقية. عملية الإنقاذ هذه لن تكون الطريق الوحيد الممكن لإنقاذ لبنان من الموت، ستشكَّل، أيضاً، خطوة حاسمة نحو إعادة بناء نظام دولي جدير بهذا الاسم، وغيابه مؤلم جدّاً، اليوم، تحت كلّ السماوات.
ما معنى أن تكون لبنانياً؟
– أن تكون لبنانياً معناه أن تؤمن، بعمق، بالحاجة الملحّة إلى تعايش مشترك منسجم، و- ربَّما- حتى اندماجي، بين مختلف مكوِّنات الإنسانية… وفي هذا، أنا لبناني، وسأبقى كذلك إلى آخر نَفَس.


المصدر:
Christophe ONO-DIT-BIOT, Amin Maalouf «Empêcher le Liban de mourir.» Le Point, N°2503 (13 Aout 2020), pp.93-96

بيروت أو جروح الضوء!

كانت الهزّات التي عرفَها لبنان وعرفتْها، بوَجه خاصّ، مدينة بيروت، مُنذ الحرب الأهليّة مُنتصَف سبعينيّات القرن الماضي وما تلاها من اجتياحات إسرائيليّة سافرة، تُضاعفُ جُروحَ ذاكرة المدينة، وتُضاعفُ، في الآن ذاته، الحاجة الدائمة إلى ضَوء الثقافة الحُرّ والمُقاوم، الذي إليه انتسبَت بيروت في الزّمن الحديث، وأسْهمَت، بقوّة، في إشعاعه باعتبار ما اضطلعَت به المدينة، على هذا المستوى، عربيّاً. إنّه الضّوء الذي به تمكّنَت بيروت، لعواملَ عديدة، من أنْ تصيرَ، في خمسينيّات وستينيّات القرن الماضي، مدينةً ذات سُلطة ثقافيّة في مُحيطها العربيّ، أي أن تصيرَ مدينةً لإنتاج الأفكار والرُّؤى والتصوّرات الحداثية، وتأمين امتداد هذا الإنتاج وترسيخ تأثيره خارج لبنان. بهذا الضوء، أيضاً، تمكّنَت بيروت، لا من أنْ تُمدِّدَ إشعاعَها في المُحيط العربيّ وحسب، بل من أنْ تضطلعَ كذلك بمسؤوليّة الضيافة الثقافيّة، التي لم تتسنّ تاريخيّاً إلاّ لمُدُن مَحدودة في العالَم، أي أنْ تصيرَ فضاءً حرّاً، ووِجهةً للمُبدعين والكتّاب والمفكّرين العرب، بما جعلَ بيروت مدينةَ لقاء فكريٍّ وأدبيٍّ. إنّه لقاءُ الضيافة الذي أغنَى الأفكارَ والرؤى، واتّسعَ للاختلاف، ورَسّخَه في أفُق يَنشدُ الحُرّية، وساهمَ في تقويّة تنوُّع المدينة الثقافيّ وفي اكتسابها وَضعاً اعتباريّاً ظلَّ غيرَ مُنفصل عن كلِّ ما هَيّأها لاستحقاق ريادتها الثقافيّة. إلى جانب هذه الضيافة، التي تحتاجُ كلُّ مدينة مُهيَّأةٍ للاضطلاع بها إلى بنية ثقافيّة ومناخ حُرّ، نَهضَت بيروت، أيضاً، انطلاقاً من انتصارها لفكرة التصدّي والمُمانعة، بضيافةِ أصوات المُقاوَمة، وذلك باحتضانها للمنفيّين، وللفدائيّين الفلسطينيّين. وقد شكّلَ هذا الوجهُ الثاني للضيافة جانباً من وَجه المدينة المُشرق، الذي ترتّبت عليه، هو كذلك، تبعاتُ الانتصار للحرّيّة في مُحيط مشحون بالصّراعات.
لا يتحقّقُ الاضطلاع بالضيافة الثقافيّة، الذي تسنّى لبيروت، إلاّ للمُدن التي يَقترنُ اسمُها بما هو ثقافيّ، بل تكونُ الحياةُ في هذه المُدن قائمةً، أساساً، على البُعد الثقافيّ، بوَصفه حاجةً وُجوديّة تَسري في تفاصيل الفضاء اليَوميّ، وبوَصفه، أيضاً، حصانةَ العيش المُشترك، ودِعامةَ مفهوم الاجتماع الحُرّ والحداثيّ الذي ظلّت لبنان، دَوماً، تَنشده. إنّه المفهوم الذي استوعَبتْه بيروت بوُعُود الحُرّيّة التي كانت تترسّخ فيها، وبشرارات الضّوء الثقافي المُستقبليّة التي كانت تشعّ من فَضائها، وإنْ بقيَ مفهومُ الاجتماع الحُرّ، وصيَغُ تحقُّقه وترسُّخه في الحياة اليوميّة، مُحاصَراً، دوماً، في هذه المدينة، وفي لبنان، على نحو عامّ، بعتمة السياسة. ظلّ الاجتماع، الذي كانت بيروت ترسمُهُ لحياة حُرّة هَشّاً أمام صلابة السياسة، لأنّه بقيَ دوماً مُهَدَّداً بمُوجِّهات المُحدِّد الطائفي الذي تسلّل إلى النظام السياسيّ للبلد، ومُعطَّلاً بضيق الحسابات السياسيّة، وبالعوائق التي تعترضُ تأسيسَ مُواطَنة حداثيّة مُتحرِّرة من المُحدِّد الديني أو الطائفيّ؛ مواطَنة قائمة على مبادئ حُقوق الإنسان الكونيّة التي لا تتقيّدُ، لا بالعرقيّ ولا بالطائفيّ ولا بالدينيّ. إنّ جانباً من تاريخ بيروت الحديث يُمكنُ أنْ يُقرأَ انطلاقاً من مَسار عوائق السياسة لوُعُود الثقافة. كثيراً ما تأتّى لعَمَى السياسة وعتمتها أنْ يَحجُبا ضوءَ الآفاق التي تنشدُها الثقافة، وأنْ يُطفِئا شرارةَ الوُعود التي يرسُمها الفكرُ الحُرّ. لذلك لم يَتمكّن الضّوء الثقافي، الذي أشعّ في بيروت في خمسينيّات وستينيّات القرن الماضي، مِن أنْ يَمنعَ حُدوثَ الحرب الأهليّة التي أنْهكَت البلدَ في السبعينيّات لمدّةِ عَقد ونصف. كانت هذه الحَربُ شاهدةً على الإخفاق في إرساء المفهوم الحداثيّ للمُواطنة الذي كان مُضمَراً في الديناميّة الثقافيّة للعَقدَيْن السابقَيْن؛ أي المفهوم الذي يُحقّقُ العيشَ المُشترك القائمَ على استيعاب الاختلاف، بوصفه قوّةً وإغناءً لهذا العيش، لا بوصفه تأجيجاً للإقصاء وللصراعات الدمويَّة. فرغم أنّ الضّوءَ الثقافيّ يبقى، دوماً، أكثر شسوعاً من ضيق السياسة، بما تُتيحُه رَحابةُ الفنّ وسعةُ الخيال الأدبيّ وأسئلةُ الفكر، لهذا الضّوء، من إشعاع، فإنّ ضَيقها كثيراً ما حاصرَ هذا الشسوع، وقلّصَهُ، وعرقلَ امتداداته في الاجتماع، أي في الحياة اليَوميّة وتفاصيلها.
نادرةٌ هي المُدُن التي تَهيّأ لها، تاريخيّاً، أن تكونَ مَركزاً ثقافيّاً، وأن تكون فضاءً للضيافة الثقافيّة، أي فضاءً حُرّاً يَستقبلُ المفكّرين والكتّاب والمُبدعين من بُلدان مُختلفة، ويُهيِّئ لهُم المناخ الفكريَّ والاجتماعيَّ والسياسيّ المُحفِّز على الكتابة والإنتاج، ويُتيحُ لهُم الحرّيّة التي بها تحيَا الكتابة. فلبنان الذي عُرفَ، مُنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بهجرة مُثقّفيه إلى بقاع العالَم، وبإسْهامهم التاريخيّ في تأسيس ما عُرف بأدَب المهجر الذي أنتجَ مُبدعاً من قيمةِ جبران خليل جبران، هو عينُه لبنان الذي هيّأ بيروت، بناءً على ما تسنّى لها مِن عوامل، كي تكونَ فضاءً لاستقبال المُثقّفين من العالم العربيّ، ومكّنَها من الاضطلاع بمسؤوليّة الضيافة الثقافيّة الحُرّة. فكانت بيروت بمَوقعها المتوسّطي، وباحتضانها للثقافة المتوسّطيّة القائمة على أسُس العيش المُشترك، مُؤهَّلة حتى جغرافيّاً لأنْ تنفتحَ على الضفّتيْن، وأن تُهيِّئَ من هذا الانفتاح ما صنعَ وَضْعها الاعتباريّ، الذي تحقّق، من جهة، استناداً إلى تجاوُبها، ثقافيّاً، مع الزمن المعرفيّ للضّفة الأخرى، واستناداً إلى إسهامها، من جهة أخرى، في إرساءِ ثقافةِ التحديث في ضفّتها، أي داخل لبنان وفي البلدان العربيّة، بوَجه عامّ.
لا يَستقيمُ التفكير في مُحاولات النهوض الثقافيّ الحداثيّ في العالم العربيّ، مُنذ النصف الثاني مِن القرن التاسع عشر إلى ستينيّات القرن العشرين، دون استحضار الدور الرياديّ لمدينة القاهرة، ولمدينة بيروت بَعدها، على نحو غدا معه التاريخُ الحديث لبيروت غيرَ مُنفصل، بجُروحه وآلامه، عن دَورها الثقافيّ. فقد اضطلعَت بيروت، في الزمن الحديث، بدَور رياديّ بيِّن على المُستوى الثقافيّ، إذ شكّلت، إلى جانب القاهرة، مَصدراً ثقافيّاً امتدّ أثرُه إلى مُختلف بلدان العالم العربيّ. وهي، بذلك، من المُدُن التي اضطلعَت تاريخيّاً بمهمّة التأثير الثقافيّ الذي لا يَستقيم إلاّ بتوفّر عوامل إحداثه، وفي مُقدِّمتها التوفّر على مُؤسَّسات ثقافيّة. تجسّدَت هذه المؤسَّسات، من بَين ما تجسَّدت فيه، في تطوّر صناعة الكتاب، وفي التوفّر على نخبة مثّقفة مؤهَّلة لإنتاج خطاب فكريّ وأدبيّ مُتجاوب مع زَمن المعرفة، على النّحو الذي أهّلَ المدينة، كما تقدّمَت الإشارة إلى ذلك، لأن تُشكّلَ فضاءَ لقاء فكريٍّ وأدبيٍّ، وأهّلها لأن تُشكّل، في الآن ذاته، منارةً ثقافيّة تمتدُّ خارجَ حُدودها. تبدَّت هذه القدرة على التأثير، الذي اضطلعَت به بيروت، من ديناميّة دُور النّشر في صناعة الكتاب، ومن احتضان هذه الدُّور لأسماء فكريّة وأدبيّة وازنة من داخل لبنان ومِن مُختلف الأقطار العربيّة، حتى لقد تحوّلَ نشرُ المؤلّفين لكتُبهم في لبنان، إلى تزكيّة معرفيّةً، بحُكم السلطة الثقافيّة التي اكتسبَتْها مدينة بيروت، وبحُكم السّمعة العلميّة التي حظيَت بها مُؤسَّساتُ دُور النشر فيها. بهذه المُؤسّسات التي اهتمّت بالطّبع والنشر، غدَت بيروت مصدراً للكتاب الثقافيّ المُنحاز للرّؤى الحداثيّة ورافداً للتصوّرات النازعة إلى التغيير، إذ اضطلعَت العديدُ من المؤلّفات، التي تكفّلت دُور النشر في بيروت بطبْعها وتوزيعها في بلدان العالم العربيّ، بإنجاز دالٍّ في تاريخ الثقافة العربيّة الحديثة، وبعَمل حَيويّ في التثقيف وإرساءِ فِعل القراءة، وفي ترسيخ رُؤى حداثية وتصوُّرات جديدة. عرَفت المؤلّفات المنشورة في بيروت، التي أنتجَها مفكّرون وأدباء من داخل لبنان وخارجه، امتدادَها الفكريّ والأدبيّ بتوزيعها في العالم العربيّ، وهو ما ترتّب عليه أثرٌ تثقيفيّ مُتشعِّب. فبقدر ما تسنّى لهذه المؤلّفات أنْ تخلقَ قُرّاء في مُختلف بلدان العالم العربيّ، تأتّى لها، أيضاً، أن تُحدثَ، في هذه البلدان، تفاعُلاً ثقافيّاً مع قضايا التحديث والتجديد، ومع أسئلة الفنّ والإبداع، وأسئلةِ الأجناس الأدبيّة والنقد الفكريّ والأدبيّ، فكان امتدادُ بيروت خارج لبنان ضَوءاً ثقافيّاً، وكرَماً فكريّاً أفادَت منه القراءةُ في مُختلف البلدان العربيّة، فكثيرٌ منَ المثقّفين، اليوم، يَعترفون بما تعلّموه مِنْ كرَم بيروت المعرفيّ وبما تحصّلَ لهُم مِن ضَوئها الثقافيّ.
إلى جانب ما اضطلعَت به دورُ النشر البيروتيّة في التثقيف والتحديث، أسهمَت، أيضاً،المؤسَّسات الصِّحافيّة التي شهدَتها هذه المدينة في إغناء البُعد الثقافيّ وتقويّة حيَويّته. وهي الحيَويّة التي كان لها دَورُها، أيضاً، في إكساب المدينة وَضْعَها الاعتباريّ، إذ شكّلت التجربة الصِّحافيّة، في بيروت، لحظةً رئيسَة في تاريخ الصِّحافة العربيّة، حتّى ليتعذّرُ الحديث عن الصِّحافة في الزّمن الحديث بالعالم العربيّ، وبوَجه خاصّ الصِّحافة الثقافيّة، دُون استحضار مُنجَزَها وديناميّتها في مدينة القاهرة، أوّلاً، وفي مدينة بيروت بَعدها، التي تميّزَ نشاطُها الصِّحافيّ بإسهام المُثقفين وبحرصهم النقديّ على إغناء هذا النشاط وجَعْل الصّوت الإعلاميّ مُحَصَّناً بالمَعرفة. إنّهُ ملمحٌ آخَر من مَلامح الضّوء الثقافيّ في بيروت، الذي اخترقَ التجربةَ الصِّحافيّة وحصّنَ الإعلامَ، في فترة تاريخيّة، من آفةِ تحويل الكلام إلى كتابة، ومن كارثةِ الاستخفاف بالمَعرفة، ذلك أنّ الانحدار الذي عرفَته، فيما بَعد، الصِّحافةُ المكتوبة، بوَجه خاصّ، والإعلام، بوَجه عامّ، في كلّ الأقطار العربيّة، راجعٌ، إلى جانب عواملَ أخرى، إلى تَحَلُّل الإعلام من الثقافة ومن المعرفة، وإلى التجرُّؤ، في الآن ذاته، على الحديث باسْمهما، بما أتاحَ ظهورَ نَمط من الصّحافيّين لا ثقافةَ لهُم، بل ما يُوجِّههم، أساساً، هو مُمارَسة الإعلام بمُعاداةِ الثقافة. كما لو أنّ المسارَ التاريخيّ للصِّحافة العربيّة كان يَتحقّق، متى استحْضَرنا ضَوءَ القاهرة وضَوء بيروت المُشعَّيْن، وهو يَرسمُ مَنحى انحداريّاً بالانفصال التدريجيّ عن الثقافة. فبانقضاء كلِّ عَقد زَمنيّ، كان يتعمّقُ الانحدارُ أكثر، بإصرار غريب على الابتعاد، تدريجيّاً، عن الثقافة، حتى غدا الإعلامُ المكتوب والإعلام المَرئيّ مُضادّيْن للثقافة، وحَريصَيْن على تَسفيهها وهَدمها باسْم الثقافة نفسِها.
مِن تجلّيات الديناميّة الثقافيّة المُتعدِّدة في بيروت، ما شهدَتهُ هذه المدينة، أيضاً، من تجمُّعات وحركات فكريّة وأدبيّة راهنَت على التحديث في الفكر والأدب، وشكّلَ تأسيسُها، وامتداداتُها عبر منشوراتها، لحظات رَئيسة في بناءِ ذاكرة الثقافة العربيّة الحديثة، إذ يتعذّرُ التأريخُ للأفكار الحديثة، في العالم العربيّ، دون استحضار هذه الحركات والتجمّعات، وما اضطلعَت به من أدوار. من النماذج القويّة لهذه الحركات، يُمْكن استحضار مجلّة «الآداب» التي أسّسها سهيل إدريس في النصف الأوّل من خمسينيّات القرن الماضي، ومجلّة «شعر» التي أسّسَها يوسف الخال بمعيّة أدونيس في النصف الثاني من هذا العَقد نفسه. وقد نهضَت المجلّتان بدور تحديثيّ في إذكاء ضَوء بيروت الثقافيّ؛ ارتبطَت الأولى منهُما بالأدب، بوَجه عامّ، فيما توَجّهت المجلّة الثانية إلى الشعر، وظلّتا معاً، من داخل الاختلاف الذي تولّدَ بينهما فيما بعد، مُنشغلتيْن بقضايا تحديث الرّؤية إلى الإنسان والاجتماع، ومُنشغلتيْن بقضايا اللغة والأدَب والشعر، بل يُمكنُ النظر حتى إلى السّجال الذي حكمَ العلاقة بين المجلّتيْن بوصفه مظهراً من مظاهر الاختلاف الثقافيّ. كان تأسيسُ مجلة الآداب، زَمَنئذ، مُستجيباً للزمن المعرفي الذي به تأثرَ سُهيل إدريس في أثناء إقامته بباريس، ولا سيَّما تأثره بمجلّة «الأزمنة الحديثة» التي كان يُصدرُها «سارتر». هكذا، كانت حمولة المذهب الوُجوديّ واضحة في مفهوم المجلّة، عن «الالتزام» في الكتابة كما كانت حمولة المفهوم مشدودة، أيضاً، إلى التَوجُّه القَوميّ الذي ارتضتْه المجلّة ودافعَت عنه. أمّا مجلّة «شعر» فقد جسَّدَت تفاعُلاً قويّاً مع زَمنها المعرفيّ، وفتحَت لتحديث القصيدة، الذي انطلقَ من العراق، مسالكَ حاسمة في ما عرَفتْه الكتابة الشعريّة، لا في لبنان وحسب، بل في العالم العربيّ بصورة عامّة.
إنّ ضوء بيروت الثقافي، الذي تمّ الإلماح إلى بَعض المظاهر التي جسّدَتْه في القرن الماضي، كان مُهيَّأً، بحُكم التنوّع والتعدّد اللذيْن يُميّزان تركيبة لبنان، لأنْ يقودَ إلى بناء مُجتمع حداثيّ يَستثمرُ تعدُّدَه في إرساء مُواطَنة قائمة على القيَم الكونيّة لا على اعتبارات دينيّة وطائفيّة، أي أنّ ضوءَ الثقافة والفكر الحُرّ كان مُؤهّلاً لأنْ يُسهمَ في ترسيخ نظام سياسيّ لا يرتهنُ إلى التوازنات الدينيّة والطائفيّة. فكلّما كانت تركيبة مُجتمع من المُجتمعات مُتنوِّعة ومُتعدِّدة، كان أفقه مُشرعاً على احتماليْن؛ إما أنْ يتحوّلَ هذا التعدّد والتنوّع إلى إمكان خَصيب لبناء مجتمع حداثيّ مُستند إلى قيَم العَيش المُشترك الكونيّة، وإمّا أن يغدوَ هذا التعدّد والتنوّع عائقاً أمام كلّ بناء حداثيّ. والحال أنّ جُروح بيروت، مُنذ القرن الماضي، لا تنفكُّ تكشفُ أنّ ضوءَها ظلّ يَصطدمُ، دوماً، بعتمة النظام السياسيّ الذي احتكمَ إلى بنية التوازنات، بما جعلَ بيروت رهينةَ، لا توازُنات سياسيّة داخليّة وحسب، بل رهينةَ حسابات خارجيّة، أيضاً.
عندما تغدو ذاكرةُ المدينة، أيِّ مدينة، مُثقلةً بالجراح أكثر من علامات الضّوء الصادر من صَوتها الحُرّ، فذلك معناه أنّ المدينة تحتاجُ لأنْ تخرُج من نَفسها، وتتحرّرَ ممّا يَحجبُها عن ذاتها. لقد كان مشهدُ بيروت المأسوي، في الرابع من غشت/ أغسطس، 2020 وهي تحترق بَعد الانفجار المُهول، دالّاً، بمعنى من المعاني، على استفحال عوامل تجفيف ضَوئها، الذي كان، دوماً، وَعداً مستقبليّاً. مُفجعٌ أن تقترنَ بيروت، هذه الأيّام، في شاشات العالَم، بالخراب والدمار، هي المدينة التي كان ضوؤُها الثقافيّ ينتصرُ للحياة، ويُنيرُ المسالكَ التي تُقوّي الأملَ في المُستقبل.

أزمةُ سوقِ الكِتاب أمْ أزمةُ تضخُّمِ إنتاجِ الكُتب؟

سُلِّطتْ الأضواء، منذ اجتياح فيروس كورونا للعَالَم، على أزمة الكِتاب والمنشورات الورقيّة، وعلى معاناة سوق وسائط التثقيف ومنتوجات الإبداع المُختلفة. والواقع أنّ أزمة سوق الكِتاب بخاصّة، مطروحة منذ سنواتٍ بسبب عوامل تعود إلى منافسة الوسائط الرقميّة والإلكترونيّة التي تتفوَّقُ في جذبِ المُستهلكين أكثر ممّا تستطيعه الكُتب. وجاءت مناسبة كورونا لتؤكِّد تفوُّق المساحات الرقميّة الشاسعة على بقية وسائط التثقيف الأخرى. تأكَّد ذلك، خاصّةً، من خلال فتح تلك المساحات الرقميّة مجاناً أمام طُلاب الثقافة والتسلية، بلْ ونقلها إلى داخل البيوت والمكَاتِب.

مثلُ هذه الأحداث والتحوُّلات في وسائط الثقافة تفرض، ولا شكّ، إعادة التحليل واستقصاء المُتحوِّل والثابت، وانعكاس ذلك على مجال جوهريّ يتمثَّل في تنشيط الحقل الثقافيّ وتفعيل مسالكه. يمكن، إذن، أن ننطلق من التحليل الذكيّ الذي أنجزته الروائيّة البريطانيّة فيرجينيا وولف (1882 – 1941) في كِتابها «غرفةٌ تخصّ المرء»، حيث اشترطتْ عنصريْن اثنيْن لتتمكَّن المُبدعة أو المُبدع من الكِتابة؛ وهُما: امتلاكُ غرفةٍ خاصّة تتيح الاختلاء بالنفس والإنصات إلى الذات، ثمّ التوفُّر على مبلغ مالي شهري، يكفلُ العيش اللائق لِمَنْ أراد أن يتفرَّغ للإبداع. بعبارةٍ ثانية، هي تؤكِّد على الشروط الماديّة الضروريّة التي لا مناص منها لمَنْ يريد أن يُغامِر في فضاء الكِتابة والإبداع. لكنها لا تتوقَّف في كتابها عند هذا الجانب، بل تلامس أيضاً الحالة النفسيّة المُتيحة لانبثاق النصوص الجديرة بأن تُعتَبَر حاملةً لإضافةٍ فنّيّة أو فكريّة… غير أن هذا الجانب يبتعدُ بنا عن الموضوع الذي نعالجه الآن. لنقُلْ بأن كلَّ كاتِب، مهما كان وضعه الاجتماعيّ، مطالبٌ بأن يُؤمِّن تلك الغرفة الخاصّة مع موردٍ ماليّ ثابت يسمح له بالتفرُّغ للكتابة. وهذه ليست مسألةً سهلة، وكثيراً ما كان غيابُها يؤول إلى وأدِ مواهب واعدة، وتعطيل إبداعاتٍ لم تكتمل الشروط الماديّة لولادتها…

مهما يكنْ، استطاع الكِتابُ خلال عِدّة قرون، أن يضطلع بدورٍ أساس في نقلِ وحفظِ العلوم والنظريّات، وتوصيل الإبداعات على اختلاف أجناسها التعبيريّة، وأن يكون وسيلةً لا مناص منها في تشييدِ ثقافاتِ الأمم ومَدّ حِبالِ الوصل بينها. لكنْ، منذ الرّبْع الأخير من القرن العشرين، ومع الإنجازات المُذهلة، المُتواصلة في مجال الإنترنتْ والرقمنة واختراع وسائط للقراءة والكِتابة بعيداً عن الورق والقلم، أصبح الكِتَابُ في مهبِّ التنافُس والمُزاحَمة والإبدال، وبات مُهدَّدا بأن يُحال على مخازن حفظ الأشياء القديمة التي لم تَعُدْ صالحةً للاستعمال. إلّا أن الكِتاب استطاع أن يُقاوم وأن يصمد في وجهِ الوسائط الإلكترونيّة والرقميّة، مُحتفظاً بتلك الخصوصيّة التي تجعل منه تميمةً حميمة يختلي بها القارئ ليُمارس جزءاً من حرّيّته المُصادَرة، وذلك عبْر القراءة وتقليب الصفحات، والتعليق على ما يستثيرُ حاسّته النقديّة والعودة إلى فقراتٍ ظلّتْ تلاحق فكره وخياله… لِنَقُلْ إنّ قراءةَ الكُتب متعةٌ استثنائيّة تُوهِمُ القارئ أنه يُحقِّق ما لا يستطيع أن يفعله من خلال وسائط القراءة غير الورقيّة التي أصبحتْ مشاعاً بين الجميع. ولعَلّ هذا من أهمّ الأسباب التي جعلت الكِتاب لا يزال حيّاً يُرزَق ويُرزِق، حريصاً على تطوير الإخراج وأناقة الطبْع.

محمد برادة

مع ذلك، أخذتْ أزمة سوق الكِتاب تعبِّر عن نفسها في مجالٍ حيويّ وحساس، يتعلَّق بانخفاض المبيعات، وتقلّص مساحة تخزين الكُتب، وتقلّص عدد الكُتَّاب الذين يتعيّشون من إنتاجهم، خاصّة في مجال الإبداع الأدبيّ. وطبعاً حديثنا هنا، هو عن الأقطار التي تغلّبتْ على الأُميّة ولها تقاليد عريقة في تشييدِ الحقلِ الأدبيّ وترسيخ عادة القراءة وعادة شراء الكُتب. في مثل هذه الأقطار، أعلنت الأزمة عن نفسها من خلال ظاهرة تضخُّم إنتاج كميّة الكُتب السنويّة، بخاصّة في حقل الإبداع الروائيّ. وإذا كان للكُتب العلميّة والأكاديميّة جمهورها المُتخصِّص، فإن كُتب الإبداع الأدبيّ ليس لها جمهور مُحدَّد، وقرَّاء مواظبون على اقتنائها، لأن مُنتجيها يتجدَّدون كلّ سنة، ولأن الحاجةَ إلى متابعة الإبداع لا تخضعُ لقانون الطلب؛ ومن ثمَّ فإن العرضَ لا يُلبِّي طلباً محدَّداً كما الحال في بقية مجالات الاقتصاد. بعبارةٍ ثانية، كُتَّابُ الأدب يكتبون وفق تجربتهم وذوقهم الجماليّ ومستواهم الثقافيّ، والقُرَّاء الذين يشترون الكُتب يختارون ما يُلائم ذوقهم وتكوينهم المعرفيّ. وتتجلّى أهمِّية هذا العنصر المُتحكِّم في سوق الكُتب، وبخاصّةٍ الإبداعيّة منها، من خلال ما تسجله المبيعات التي دأبتْ منذ عقودٍ، على تأكيد تفوُّق الرواية على غيرها من الأجناسِ الأدبيّة والفكريّة. ونجد ذلك واضحاً ومُتواتراً في سوقِ الكُتب بفرنسا، حيث بلغ عدد الروايات المعروضة كلّ سنة ما يفوقُ خمسمئة رواية، علاوة على النصوص المُترجَمَة. أمام هذا الإنتاج السنويّ، يحارُ القارئ وتصبح طاقته الشرائيّة قاصرة عن اقتناء ما يستحق القراءة والاعتبار. نتيجة لذلك لم يَعُدْ عدد لا بأس به من الروائيّين، بخاصّةٍ الجدُد منهم، يحظون بالبيع والرّواج. وفي حوارات واستطلاعات نشرتها الصحف الفرنسيّة، منذ أشهر، أعربَ الناشرون والكُتَّاب وأصحاب المكتبات عن هذه الأزمة، موضحين أنها تعود أساساً إلى ظاهرتيْن: الأولى تتمثَّل في الكساد النسبيّ الذي أضحتْ سوق الرواية تعرفه نتيجة لتضخُّم العرض وصعوبة الاختيار، خاصّة أن وسائط التعريف والنقد لم تَعُدْ قادرةً على ملاحقة كلّ ما تلفظه المطابعُ سنوياً. والظاهرة الثانية تتمثَّل في تقلّص عدد الكُتَّاب الذين يتعيّشون من أقلامهم، إذ قلَّ عددُ الذين يبيعون ما بين خمسين ألفاً ومئة ألف نسخة. لكنْ، في الآن نفسه تستمرّ ظاهرةُ الإقبال على الرواية «الأكثر مبيعاً» (البيستْ سيلر)، وإنْ كان عددُ المُستفيدين منها لا يُجاوز أصابع اليد. والمحظوظون من هؤلاء الروائيين يبيعون ما بين خمسمئة ألف ومليون ونصف المليون نسخة. ومعروف أن هذا النوع من الروايات يتوخَّى التسلية، واعتماد الحبكة المُشوِّقة، واللّغة السهلة المسكوكة…

أمام هذه الأزمة التي تواجهُ الكُتبَ الجيّدة، انقسم مَنْ يعملون ويُنتجون في هذا المجال إلى فريقيْن: الفريق الأول يرى أنّ من الضروري أن تستمرّ دُورُ النشر في طبع ما تجدُه مُستحقاً للقراءة، خاصّة من إنتاج الشباب، لكيْ يظلّ الأدب والفكر مرآةً للتحوُّلات المُتبلورة في أعماقِ المُبدعين، والتي لا تجد متنفّساً إلّا في كتابة النصوص الجيّدة…

والفريق الثاني، يدعو الناشرين إلى أن يُمارسوا المزيد من التدقيق والغربَلة عند اختيار ما يستحق النشر، لكيْ لا يؤدِّي تضخُّم عدد الكُتب المنشورة إلى تناقص عدد القُرَّاء وإلى الحيلولة دون تواجد كُتَّابٍ مُحترفين يُراهنون على الإبداع لكسْب قوتِهم والاستمرار في بلورة رؤاهم الفنّيّة والفكريّة…

نحن أمام مأزقٍ دقيق لا يمكن الخروج منه بالاختيار بين الاستمرار في نشر النصوص الجيّدة أو تقليص عددها لحماية دُور النشر وصناعة الكِتاب. ذلك أن «مهنة الكتابة والشعر» هي ذاتُ طبيعة خاصّة تعلو بها على مستوى العرض والطلب، لأنها تلامس المشاعر والأفكار والمُعتقدات، وتنحو صوْبَ: «تكسير بحر الجليد الرابض بأعماقنا»، على حَدِّ تعبير كافكا. إنّ الكِتابة التي تستحق الاعتبار، تعانق بذور الرفض وتدعو إلى تخطي الحدود المُصطنعة الرامية إلى مصادرة الحرّيّة. من ثمَّ، فهي لا يمكن أن تصادف القبول لدى أغلبيّة المُجتمع الملهوفة على مُعانقَة وَهْمِ «السعادة» في الدنيا قَبل الآخرة. لكنْ، لحُسنِ الحظ، أن النصوص الجيّدة تلاقي، في نهاية المطاف، الاعتراف والتقدير والإقبال على قراءتها، غالباً بعد موت مُبدعيها، حين يلتفت النُقَّادُ والحقلُ الثقافيّ إلى أهمِّيّتها. من هذا المنظور، جازَ القولُ بأنّ الكِتابة ليست مهنة مثل باقي المِهَن، بل هي مغامرة واستكشاف ومُجابَهة، يخوض المرءُ غمارَها إذا أراد أن يجهر بمشاعر وحقائق تُحرِّر النفوس والعقول، لا أن يتخذها مهنةً تضمن العيش الرغيد. وإذا أصبحت الكِتابةُ مُطابقةً للمُراوغة، حريصةً على تملُّق جُمهورٍ يبحث عن السهولة والسعادة الوهميّة، فإنها تُصنَّفُ حينئذٍ ضمن المِهَن العَضَليّة!!!