فكِّر مثل الفيروس

كان «فريديريك كيك Frédéric Keck» يتعقَّب، لأكثر من عقدٍ من الزَّمن، صيَّادي الفيروسات ويُلاحظ، من خلال ممارساتهم، العلاقات الأصليَّة التي تتشكَّل بين البشر وغير البشر. وألقت جائِحة (كوفيد – 19) من جديد الضَّوء على أهمّية أبحاثه.

هو طالب سابق بالمدرسة العليا، ومُبرَّز في الفلسفة، وحائز على الميداليَّة البرونزيَّة من المركز الوطنيّ للبحث العلميّ CNRS، ومدير أبحاث في مختبر الأنثروبولوجيا الاجتماعيَّة (CNRS/ كوليج دوفرانس Collège de France/ EHESS مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعيَّة) … مسار فريديريك كيك يبعث على الإعجاب! لكن الرَّجل، الذي يتمتَّع بقدرٍ كبير من الوِدِّ، سيستقبلنا بكلِّ بساطة حول فنجان قهوة في منزله، على حافة غابة Fontaine bleu، فمنذ بداية وباء (كوفيد – 19) كان على اتصال مستمر مع وسائل الإعلام. ورغم ذلك، فهو لا يفقد سعادته في مناقشة أبحاثه السَّابقة والحاليَّة والمُستقبليَّة. ويروي أنَّه بدأ بأعمال ترتبط بتاريخ الأنثروبولوجيا الفرنسيَّة في علاقاتها بالفلسفة («ليفي بروهل Lévy-Bruhl»، و«دوركايم Durkheim»، و«بيرجسون Bergçon»، و«ليفي شتراوس Lévi-Strauss»). وبعد ذلك، وبسرعة، وبعد انضمامه إلى المركز الوطنيّ للبحث العلميّ CNRS في عام 2005، شرع في إجراء دراسات استقصائيَّة إثنوغرافيَّة في آسيا عن الأزمات الصحيَّة المُتَّصلة بالأمراض الحيوانيَّة. وهنا طوَّر مفهوم «الحارس»/ Sentinelle لوصف الحيوانات التي تُبلِّغ عن خطر العدوى الذي يُهدِّد الحياة. «إنَّ المغزى من الانتقال من الفلسفة إلى الأنثروبولوجيا، كما يُقرّ ببساطة، هو أنَّنا نجد مفاهيم في المُمارسات التي نلاحظها!». وعمله ذو أهميَّة بالنسبة للفلسفة. وسيراً على نهج عالِم الأنثروبولوجيا «فيليب ديسكولا Philippe Descola»، يُعتَبر «ف.كيك» جزءاً من جيل جديد من الأنثروبولوجيّة الفرنسيَّة التي تسعى جاهدةً إلى التفكير في مجتمعات «تتجاوز الطبيعة والثقافة». لقد قاده اهتمامه بالعلاقة بين البشر والفيروسات، بواسطة الحيوانات، إلى سرد قصَّة عالميَّة للإنسانيَّة انطلاقاً من حدودها مع الأنواع الأخرى. وهذا هو عنوان العمل الجماعي الذي نُشِر في شهر مارس/آذار الماضي: «الخفافيش. في الحدود بين الأنواع/ Les chauve-souris. Aux frontières entre les espèces. إنَّه برنامج عمل واسع النطاق.

فريديريك كيك

كيف كان ردّ فعلك عندما أصبح موضوع دراستك، الوباء، حالةً علميَّةً «آخِذَة في الظهور»؟

– لعِدّة سنوات، قِيل لي:«أنتَ تعمل على الأوبئة، إنَّه أمرٌ ممتعٌ للغاية!»، فأجبتُ: «أنا لا أعمل على الأوبئة، بل على الأمراض الحيوانيَّة/ zoonoses؛ أي مجموعة من الأمراض الـمُعْدِيَة التي تنتقل طبيعيّاً من الحيوانات إلى البشر»، بمعنى العمل على عبُور مُسبِّبات الأمراض للحواجز التي تحُول بين الأنواع، إذْ يمكن لهذه الأمراض الحيوانيَّة أنْ تُسبِّب الأوبئة لأنَّنا لا نملك مناعةً كاملةً لمُسبِّبات الأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان. لقد استفدنا من قَرْنَين من المناعة الصِّناعيَّة بفضل باستور Pasteur والصحة العموميَّة، لكن نتيجة للتَّغيُّرات في الظروف المعيشيَّة للحيوانات البريَّة والأليفة، فإنَّ الأمراض الحيوانيَّة آخِذة في الازدياد، وتؤدي إلى خطر الجَائِحة. ولطالما اعتبرت الوباء أُفقاً افتراضيّاً، وطريقةً لتعميم قضيَّة محليَّة تهمُّني. في عام (2009)، كان وباء (H1N1) أوَّل تحقُّق للسيناريو، دون حدوث اضطرابات عالميَّة كبيرة، في عالَم مُصاب بالأنفلونزا/ un monde grippé، اقترحتُ إذاً الفرضيَّة القائلة بأنَّ الوباء أسطورة، بمعنى قصّة كارثيَّة تتطلَّب الاهتمام بظروف انتقال مُسبِّبات الأمراض من الحيوانات إلى البشر. في عام 2020، أصبحت الأسطورة حقيقة، لقد حدث سيناريو الكارثة بالفعل! كنتُ مندهشاً مثل الجميع. يفاجئنا الوباء دائماً بقدرته على قلب كلّ شيء. كنتُ أعملُ منذ خمسة عشر عاماً مع علماء الفيروسات الذين أخذوا هذا السيناريو على محمل الجدّ.

هل يمكننا الاستعداد لمثل هذا «الخطر» الوبائي؟

– في هونغ كونغ Hong Kong، وتايوان Taiwan، وسنغافورة Singapour، تمكَّنتُ من ملاحظة بعض المُمارسات التي دفعتني إلى الإصرار على الاستعداد بوصفه أسلوباً استراتيجيّاً. هذا النَّوع من التَّحضير يؤدّي إلى محاكاة الأوبئة في المُستشفيات، أو قرارات الصحة العموميَّة مثل تخزين اللقاحات والأقنعة. وخلافاً للمبدأ الوقائي، فإنَّ الاستعداد لا يحسب المخاطر، ولكنَّه يتخيَّل أنَّ الكارثة موجودة بالفعل ويرسم أفقاً للعمل وفقاً لذلك. ويتصدَّى لتهديدات مثل الهجمات النَّوويَّة، أو الإرهابيَّة، أو الأمراض الـمُعْدية النَّاشئة، أو اضطرابات تغيُّر المناخ. فرضيَّتي هي أنَّ المبدأ الوقائي، كما تمَّ تحديده في أوروبا، يقوم على توازن دقيق بين تقييم المخاطر وإدارتها، وقدرة الخُبراء وصُنَّاع القرار.

فمن ناحيةٍ، نفتح المجال للمُناقشة بالقول إنَّ هناك خطراً جديداً ينبغي تحديده من خلال تقاسم المعارف. ومن ناحيةٍ أخرى، يتمُّ إغلاقه من خلال المُطالبة، على سبيل المثال، بالذَّبح الجماعيّ للحيوانات الـمُصابَة. إنَّها مرحلة انتقاليَّة بين الوقاية، حيث تُؤكِّد الدولة سيطرتها على السّكان بواسطة سلطة الخبراء، والاستعداد، الذي يدعو إلى التَّشكيك في قُدرات الدَّولة. وبدلاً من ذلك، يستند التَّحضير إلى أساس تقاسم المعارف بدءاً من كتابة سيناريو الكارثة التي نحاول تفاديها.

في كِتاب حُرَّاس الأوبئة / Les Sentinelles des pandémies، تقترح «جينيالوجيا موازية للأنثروبولوجيا الاجتماعيَّة والطّب البيطري». ماذا سنكتشف من خلال هذا التاريخ الـمُوازي للتَّخصُّصات؟

– لقد كتبتُ هذه الجينيالوجيا لأنَّ الطب البيطري والصحة العموميَّة يستدعيان الأنثروبولوجيا الاجتماعيَّة لمُحاسبة سلوك الـمُربِّين عندما تظهر أمراض جديدة عند الحيوانات. إنَّها فكرة فهم العقبات المعرفيَّة من أجل تحديد السلوكيّات التي يمكن تغييرها. ومنذ القرن التاسع عشر وُجِّه هذا الطَّلب إلى الأنثروبولوجيا «التَّطوُّريَّة»، لكن هذا يعطي الأولويَّة للقواعد النَّظريَّة على السلوك «البدائي» والشَّعبي. يرمي تاريخ الأنثروبولوجيا الاجتماعيَّة إلى انتقاد الفكرة القائلة بأنَّ الـمُربِّين لا يعرفون كيفيَّة التعامل مع المرض. في المُمارسة العمليَّة، يبني المُربُّون معرفتهم الخاصَّة بالأمراض، لذلك يجب أن نحاول مقارنتها بالمعارف العِلميَّة. تسمح الأنثروبولوجيا الاجتماعيَّة ببناء مجال أوسع من الترجمة بين المعرفة العالِمَة والشَّعبيَّة من خلال الحيوانات الموجودة على الحدود بين الحيوانات الأليفة والمُفترسة. هذه هي الحيوانات التي أسمِّيها «الـحُرَّاس»، والتي، في كلِّ المُجتمعات، تمكِّننا من إدراك علامات التَّحذير مسبقاً، ثمَّ تسعى الأنثروبولوجيا الاجتماعيَّة إلى مقارنة الكيفيَّة التي يتمُّ بها توزيع هذه العلامات المُشتركة بين البشر وغير البشر حسب المُجتمعات.

داخليّاً، وظيفتي هي تحديد الطرائق المُختلفة لإدراك إشارات التَّحذير. وخارجيَّاً، أحاولُ أنْ أوضِّح أنَّ الظواهر الأنثروبولوجيَّة الرَّئيسيّة تلعب دوراً في عمليَّات عبور حواجز الأنواع. ما يهمُّني هو أن أرى كيف يؤدِّي عبور حواجز الأنواع، في بيئات مختلفة، إلى إصدار إنذار بشأن التهديدات العالميَّة اعتماداً على الظروف المحليَّة، وهذا ما أفعله مع الجمعيَّات التي تكافح العنف ضد الحيوانات، أو المُربِّين الذين يريدون منَّا أن نشرح لعامَّة النَّاس أهميَّة الأمراض الحيوانيَّة بالنسبة للأنواع في بيئتها.

كيف توصَّلتَ إلى فكرة «حارس» الأوبئة؟

– عندما كنتُ أقوم بدراسات استقصائيَّة في هونغ كونغ، بناءً على أسئلة حول إدارة الأمراض الحيوانيَّة، اكتشفتُ ممارسات الحُرَّاس هذه في المزارع، حيث يتمُّ اكتشاف الأمراض التي يمكن أن تصبح وبائيَّة أو حتى وباءً مسبقاً. فعلى سبيل المثال، يتمُّ وضعُ بعض الدَّجاج غير الـمُلقَّح في مكانٍ خاص في المزرعة، ويولي الـمُربِّي اهتماماً خاصّاً لِفكِّ تشفير الإشارات، ثمَّ اكتشفتُ بعد ذلك أنَّ المنطقة برُمَّتها كانت تُعَرَّفُ حينها بِوَصْفِها حَارسةً فيما يتعلَّق بالصين. وحتى في مفهوم الجهاز المناعي، نجد «خلايا حارسة» تلتقط مُسبِّبات الأمراض لِنَقْل معلوماتها إلى بقيَّة الجهاز المَناعي. ومن هناك، قمتُ بتعميم كلّ هذه السّمات من خلال التَّأكيد أنَّ الحارس هو كائن حيٌّ ينتقل إلى الحدود، حيث يرى علامات التَّهديدات التي سوف يُبلِّغ بها بقيَّة الجماعة (كائن حي، إقليم، مجموعة، أو حتى عالَم). إنَّه مثل الجندي الذي يذهب إلى خطّ الجبهة ويبلِّغ عن إشارات العدو. يقع مصطلح الحارس عند مفترق طرق تقنيَّات المُربِّين وتهديدات الصحة العموميَّة والمخاوف العسكريَّة، وكلّها تتموضع في قلب أنظمة الأمن البيولوجيّ، لكنني سعيتُ إلى تجريد هذا المفهوم من الصّفة العسكريَّة لجعله بالأحرى أساس شكل من أشكال التضامن بين البشر وغير البشر الذين يواجهون تهديدات مشتركة.

لكن يبدو أنَّ الحارس يعيش فقط ليُبلِّغنا بالتَّهديدات التي تعرَّض لها والتي نريد حماية أنفسنا منها…

– يجبُ أن نميِّز فأر التَّجارب عن الحارس؛ ففأر التَّجارب هو جزء من بروتوكول لدينا سؤالٌ بشأنه، ونملك إجابةً مُسبقة عنه. والحارس هو جزء من مجموعة، وبالتالي يتمُّ تجنيده للمُراقبة، حيث نعلم أنَّ هناك تهديدات دون أنْ نعرف ما نوعها. الموت ليس الإشارة الوحيدة التي يرسلها. يمكننا فكّ شفرة الإشارة انطلاقاً من عيِّنات بسيطة كما نفعل في حالة الفيروس غرب النيل. وهناك أيضاً طيور الحراسة التي نراقبها لمعرفة ما إذا كانت تلتقط البكتيريا المُقاومة، كما نفعل في جزر أوسترال Australes.

لكن يظل الحارس فكرة محفوفة بالمخاطر. وهناك مجموعات بشريَّة يمكن أنْ تطلب منها أن تكون حُرَّاساً. وبوسعنا أن نتصوَّر سياسة بيولوجيَّة مُرعِبَة: مُنظَّمة استراتيجيَّة تضم مجموعات سكانيَّة مَحْميَّة في المركز، وعلى الهوامش مجموعات حِراسة مُعرَّضة للخطر، والتي يتمثَّل دورها في إبلاغ المعلومات إلى المركز.

لإعطاء معنى لهذا الوباء، قام البعض من تلقاء أنفسهم بتعبئة مُخيّلَة عِقابِيَّة للطبيعة أو تَخيُّلٍ بوليسيّ عن المُؤامرة. ماذا يعني هذا لعلاقة مجتمعنا بالطبيعة؟

– في حالة القصَّة من نوع «انتقام الطبيعة»، فإنَّها تُقدَّم على أنها قُوَّة سعينا إلى تَطوِيعها، ولكنَّها تمرَّدتْ من خلال الطفرات العشوائيّة. إنَّها بلا شكّ رسالة إيكولوجيَّة قويَّة، لكن عيبها هو أنَّها تقترح تفسيراً أُحادي الجانب يُشير إلى «الطبيعة فقط». وفي حالة قصَّة المُؤامرة، يُقال إنَّ الوباء اخْتُرِع لتلبيَّة الصناعات الصَّيدلانيَّة، والدول البوليسيَّة، وما إلى ذلك. قد تكون رسالة سياسيَّة، لكن هذه المرَّة لها عيبٌ هو كونها في جانب واحد من الطَّبيعة. أعتقد أنَّه يمكننا الوقوف، مع علماء البيئة، وعلماء الفيروسات، وعلماء الطيور، على العتبة الفاصلة بين البشر وغير البشر لنرى المُمارسات التي تضطلع بها. يدفعنا الخيال نحو الجنون إذا اختصرناه في مساحاتٍ شاسعة مثل الطبيعة أو الدولة! ولكن يمكنه أن يصبح شكلاً من أشكال العمل إذا تمَّ وَضعه على حدود هذه المجالات، من خلال تَصوُّرات دقيقة تعطينا معرفة أفضل به.

أهميَّة الخيال هذه، هي ما يُفسِّر كذلك اهتمامك بأعمال الفنَّانين المُختلفة في كتابك الأخير: إشارات التَّحذير/ Signaux d’alerte؟

– لقد أدهشني بالفعل عمل الفنَّانين الذين يستخدمون الخيال بطريقةٍ غير استراتيجيَّة، مثل فنَّانة الشارع إنفادير Invader، التي تُنتج صوراً فيروسيَّة، أو لينا بوي Lena Bui، التي تتخيَّل نفسها طائراً عندما ترى سكَّان قرية فِيتنامِيَّة يتلاعبون بالرِّيش. وبدلاً من تتبُّع الفيروس، فإنَّهم يُغيِّرون وجهة النَّطر من خلال جعل الفيروس رؤية إلى العالَم البشريّ. إنَّهم يلعبون بخيال انتقام الطَّبيعة، ولكن بطريقة تُخلِّف تأثيراً لا مركزيّاً من خلال تَبنِّي وجهة نظر الفيروس أو الحيوان. فمن الـمُغْري السَّعي إلى اعتماد منظور الفيروس، لأنه يحتوي على حمولة تخريبيَّة قويَّة من خلال طمس الحدود الفاصلة بين الأحياء وغير الأحياء. ومع ذلك فالفيروس عدوّ يسعى إلى التَّعايش معنا. أنا أحاول القيام بعمليَّة مماثلة على نحوٍ أكثر مفاهيميَّة: رؤية من منظور فيروس أو طائر أو خفَّاش. هذا أيضاً هو نهج المُجتمعات الشَّامانِيَّة من خلال طقوسها: يجب على الصَّياد توقُّع نتيجة الصَّيد من خلال أخذ وجهة نظر الحيوان الـمُطَارَد، مع منع الحيوان الـمُصَاد من الانتقام.

هل يمكن للدولة أنْ تصبح صيَّاد فيروسات؟

– من الواضح أنَّ هذا الوباء أَحْرَج الدُّول؛ فهو يتطلَّب منها أن تُدبِّر الأمور بطريقة تستبق الأحداث، على سبيل المثال في مشكلة مخزون الأقنعة. وهذا يتعارض مع المنطق الليبيراليّ الجديد الذي يُفضِّلُ التَّداول بدلاً من التَّخزين. الدولة الحديثة مَبْنِيَّة على الوقاية، من خلال تقييم توزيع المخاطر بين السُّكان. إنَّ الحاجة إلى التَّحضير تُفسِد هذا المنطق، لأنَّه من الضَّروري أنْ تكون هناك مرونة بالِغَة في التَّصدّي لطفرات الفيروسات، إذ إنَّها يمكن أنْ تنتقل إلى حيوان وتعود إلينا في شكلٍ آخر. وهذا لم يتم دَمْجُه في نهج الدول الحديثة. ولهذا السَّبب يجب أنْ تنفتح على بُعدٍ تاريخيّ أكثر رحابةً بكثير. فقد أدَّى التَّحوُّل من مجتمعات الصَّيد إلى المُجتمعات الرَّعوِيَّة إلى شكلٍ من أشكال إدارة مخاطر الأمراض، ولكن بما أنَّ الأمراض الجديدة تأتي من تحوُّلات عالَم الحيوان، فيجب أنْ نجد شيئاً من قوة فنّ الصيد، والقدرات المعرفيَّة، وبالتالي القدرات السياسيَّة لمُجتمعات الصيد قصد مواجهتها.

وآمُلُ أن يكون لدينا شيء نتعلَّمه من تجارب مجتمعات مثل التَّايوان وسنغافورة وهونغ كونغ، وبلا شكّ العديد من البُلدان الأخرى، وتشكِّل هذه المُجتمعات أقاليم حِراسة لأنها اضطرَّت إلى ابتكار أشكالٍ سياسيَّة لكي تتكيَّف مع التَّغيُّرات البَيْئيَّة التي كانت تمرُّ بها. تايوان، على سبيل المثال، تشكِّل نموذجاً للحَكَامَة: مجتمع مُتعدِّد الثقافات وديموقراطيّ.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: ليو فابيوس

المصدر:

مجلة «Sciences Humaines» الفرنسية، عدد (336)، مايو 2021، ص: (26 – 27 – 28 – 29).

الأرض ستفرغ قريباً من سكّانها!

لن يكون الرهانُ الحاسم في العقود المُقبلة مرتبطاً بالاكتظاظ السكّاني، بل على العكس بتراجع كبير في ساكنة المعمورة، حيث يوضِّح الباحثان الكنديان «جون إبيتسون» و«داريل بريكر» في مقالتهما الآسرة «الكوكب الفارغ»(1) بأن معدَّل المواليد أصبح بالفعل يعرف انحداراً سريعاً في جميع القارات تقريباً، وستكون لذلك نتائج راديكاليّة جيوسياسيّة واقتصاديّة وأخرى متعلِّقة بحركة المُهاجرين. ومنذ صدور كتابهما هذا في عام 2020، ما فتئت المُعطيات الجديدة تؤكِّد هذه الأطروحة التي تقلب جميع أفكارنا المسبقة رأساً على عقب.. الحوار:

منذ ظهور «نظرية مالثوس»، أصبحنا جميعاً نخشى الاكتظاظ السكّاني، ولكن أطروحة كتابكما تقول بعكس ذلك، أي أن الحدث الأهم في القرن الحادي والعشرين سيكون هو التراجع الحتميّ للديموغرافيا العالميّة…

– داريل بريكر: وفقاً لتوقُّعات الأمم المُتحدة، ينتظر أن يبلغ عدد السكّان ذروته في نهاية القرن الحادي والعشرين بنحو 11 مليار نسمة. ولكن هذا النموذج لا يبدو واقعياً. وبدلاً من ذلك، من المُتوقَّع أن يبلغ عدد السكّان ذروته عند 8 إلى 9 ملايير نسمة بحلول منتصف القرن، قبل أن يشهد انخفاضاً كبيراً بعد ذلك. ولا أحد يعرف إلى أي مدى سيذهب هذا الانخفاض. بكلّ بساطة لأننا نحن البشر قد اخترنا أن لا ننجب قدر ما كان ينجبه أسلافنا من الأطفال. وثمَّة عنصرٌ رئيسيٌّ آخر هو أن حجم سكّان العَالَم ليس وحده الذي سيخضع لتغيُّرات جذريّة، بل أيضاً بنيته، وبالتالي فإننا سوف نواجه الشيخوخة السريعة. كما أن رحيل جيل طفرة الإنجاب، أي الذين وُلِدوا قبل منتصف الستينيات، سيكون بمثابة انقراض جماعي. (يضحك). ولذلك لن نشهد انخفاضاً تدريجياً، بل هبوطاً حادّاً. نحن حقّاً بحاجة إلى إعادة النظر في مستقبلنا، لأن تصوُّراتنا الحالية خاطئة تماماً.

أكَّدت دراسة نُشِرت العام الماضي في مجلّة «لانسيت» أنه يمكن الوصول إلى ذروة السكّان انطلاقاً من عام 2064.. هل سيعزِّز «كوفيد- 19» هذا التوجُّه؟

– داريل بريكر: أصبحت فكرة الكوكب الذي سيفرغ من سكّانه تفرض نفسها أكثر وأكثر. وحتى الأمم المُتحدة قامت بمُراجعة توقُّعاتها في عام 2019، حيث توقَّعت انخفاضاً سكّانياً مقارنةً بالأرقام التي سبق وأعلنت عنها يصل إلى 300 مليون نسمة بحلول نهاية القرن. أمّا بالنسبة لـ«كوفيد»، فقد أظهرت الإحصائيات في الصين والمملكة المُتحدة وفرنسا انخفاضاً كبيراً في عدد الولادات خلال الجَائِحة. وفي الولايات المُتحدة، قدَّرت مؤسَّسة «بروكينغز إنستيتيوشن» أن هناك (300.000) طفل لم يولدوا بسبب «كوفيد- 19». وبعد الجَائِحة شاهدنا ارتفاعاً طفيفاً في معدَّل الولادات، إنما من المُرجَّح جدّاً أن يكون «كوفيد» قد كشف فقط عن اتجاه دائم، وهو انخفاض معدَّلات الخصوبة. ويجب أن ندرك بأن استمرار عدد سكّان العَالَم في النمو اليوم لا يرجع السبب فيه للزيادة في عدد الولادات، بل لأن البشر أصبحوا يعيشون لمدة أطول من ذي قبل.

الكوكب الفارغ، داريل بريكر وجون إبيستون، منشورات ليزارين، 04 مارس 2020.

ما هي برأيك الأسباب الرئيسيّة لهذا الانخفاض الكبير في معدَّلات الخصوبة في جميع أنحاء العَالَم؟

– جون إبيتسون: الجواب بسيط؛ إنه التمدين. ففي عام 1950، كان 30 في المئة فقط من سكّان العَالَم يسكنون بالمدن. أمّا في 2007، ولأول مرّة في التاريخ، تجاوز عدد سكّان المدن عدد سكّان المناطق الريفيّة. وبحلول عام 2050، من المُتوقَّع أن يعيش ثلثا ساكنة العَالَم في المناطق الحضريّة. والحال أن الأطفال في الريف يمثِّلون رصيداً اقتصاديّاً وسواعد للعمل في الحقول. ولكن عند الانتقال إلى المدينة فهم يتحوَّلون إلى عبءٍ مالي.

وعلاوة على ذلك، وربّما الأهم من ذلك، فإنّ التمدين يعزِّز فرص تعلُّم النساء من خلال النظام المدرسي، والإنترنت، والمكتبات، ووسائل الإعلام، وأيضاً وجود نساء أخريات. وبمجرَّد أن تحصلن على الحرّيّة، ترغبن في التحكم بحياتهن وبأجسادهن كذلك، ممّا يعني إنجاب عددٍ أَقلّ من الأطفال.

سمحت الصين مؤخَّراً للأزواج بأن ينجبوا ثلاثة أطفال في محاولة منها لوقف انخفاض الولادات.. هل سيكون لهذا الإجراء أيُّ أثر؟

– داريل بريكر: السماح للناس بأن ينجبوا أطفالاً هم لا يرغبون أصلاً في إنجابهم لن يغيِّر كثيراً من الوضع. (يضحك). قد يكون له بالمُقابل تأثيرٌ ضئيل على معدَّلات الخصوبة في المناطق الريفيّة، ولكنه لن يعكس الاتجاه. والصين مثالٌ نموذجيّ لبلد تمدَّن بسرعة. ففي عام (1960)، 16 في المئة فقط من سكّان هذا البلد كانوا يعيشون في المناطق الحضريّة. واليوم وصل هذا الرقم إلى 54 %.

يتوقَّع أن تصير الولايات المُتحدة القوة العُظمى الوحيدة التي سيزداد عدد سكّانها بحلول نهاية القرن نتيجة للهجرة.. هل يشكِّل ذلك ميزة مهمَّة؟

– جون إبيتسون: سوف تشهد الصين تراجعاً سريعاً. وإذا تأكَّد معدَّل الخصوبة البالغ (1.3) حسب إحصاء 2020، فإنّ هذا البلد قد يفقد نصف سكّانه خلال هذا القرن، من (1.4) مليار نسمة إلى 700 مليون. روسيا، التي لديها معدَّل ولادة منخفض، وأمد حياة منخفض أيضاً، لديها اليوم فعليّاً عدد سكّان أَقلّ ممّا كان عليه في نهاية الحقبة الشيوعيّة. أمّا الولايات المُتحدة فتمثِّل تاريخيّاً القوة العُظمى الأكثر انفتاحاً على الهجرة. وإذا استمرَّت الأمور بالسير في هذا الاتجاه -وهو أمرٌ غير مؤكَّد في ضوء المُعارضة المُتزايدة لموضوع الهجرة من جانب بعض الأميركيّين- فإنّ عدد سكّانها يمكن أن يرتفع ببضعة ملايين من السكّان في عام 2100. وسيكون لذلك بالطبع تأثيرٌ جيوسياسيّ واضح.

في اليابان، البلد الأكثر شيخوخة في العَالَم، ينتمي مواطن واحد من أصل أربعة إلى فئة كبار السن. هل يمكن للروبوتات والذَّكاء الاصطناعيّ تعويض ما ينتج عن ذلك من انخفاض في عدد السكّان النشطين؟

– داريل بريكر: يمكنك بالتأكيد تعويض الإنتاجية بالتكنولوجيا، ولكن لن يمكنك أن تفعل شيئاً لمُواجهة انخفاض الاستهلاك. فمَنْ الذي سيشتري المُنتجات الجديدة حين ينخفض عدد سكّان اليابان، كما تقول التوقُّعات، من 125 إلى 80 مليون نسمة، أو حتى إلى 60 مليون نسمة في عام 2100؟ يتوفَّر هذا البلد حقّاً على أكبر عدد من الروبوتات الخادمة في العَالَم، ولكن الآلات لا تملك أيّة قوة شرائية. ووفقاً لـ«تشارلز جونز»، الخبير الاقتصاديّ في جامعة ستانفورد، فإنّ انخفاض عدد السكّان سوف تكون له نتيجتان سلبيتان رئيسيّتان. الأولى هي أن انخفاض عدد المُستهلكين يعني انخفاضاً في النمو. وهذا أمرٌ لا مفَرّ منه. والثانية هي خطوة إلى الوراء في مجال الابتكار.

من المُتوقَّع أن ينخفض عدد سكّان المجر بأكثر من (10 %) بحلول عام 2050. ما يفسِّر اهتمام زعيمها «فيكتور أوربان» بالديموغرافيا وسياسته الهادفة إلى الرفع من عدد الولادات…

– داريل بريكر: «أوربان» لديه إرادة قويّة لِسَنّ سياسات تشجِّع على الزيادة في عدد المواليد، ولكن البيانات الواردة من بلدانٍ أخرى تبيِّن أنه يمكنك إبطاء وتيرة انخفاض الولادات، ولكن من الصعب عكس الاتجاه كلياً. وهذا ما يعرف باسم «فخ الخصوبة المُنخفضة»، حيث بمجرَّد ما يصبح إنجاب طفل أو طفلين هو القاعدة، فإنه يظلُّ كذلك. وبالإضافة إلى انخفاض معدَّل المواليد، تواجه المجر مشكلة أخرى وهي هجرة شبابها. هناك جالية مجرية كبيرة في جميع أنحاء أوروبا. ونتيجة لذلك، شهد سكّان هذا البلد انخفاضاً منذ الثمانينيات. وأنا لا أعتقد أن الإعانات المُشجِّعة على الإنجاب ستُحدِث فرقاً كبيراً في هذا الأمر.

لازالت منطقة إفريقيا جنوب الصحراء تمثِّل استثناء اليوم. فبلد مثل النيجر لا زال يسجِّل معدَّل خصوبة يفوق (7)…

– داريل بريكر: هذا الجزء من العَالَم لن يفلت هو الآخر من انخفاض معدَّل الولادات. السؤال الحقيقيّ الوحيد يرتبط بالسرعة التي سيحدث بها ذلك. لقد استغرق الأمر من أوروبا مئة وخمسين عاماً للوصول إلى معدَّلات الخصوبة الحالية. وبالنسبة لأميركا اللاتينيّة، استغرق الأمر خمسين عاماً. وفي إفريقيا، سيؤدِّي التمدين السريع وزيادة فرص الحصول على التكنولوجيا إلى جعل هذا التحوُّل يحصل في وقتٍ أقصر. فنحن نرى، على سبيل المثال، بأن هذا المعدَّل في كينيا كان يقدر بـ(8) خلال الستينيات في حين لم يعد يتعدَّى (3) اليوم. إنها مسألة وقت فقط.

ولكن خلال هذه الفترة، ستشهد إفريقيا جنوب الصحراء طفرةً ديموغرافيّة.. هل ينبغي لنا إذن أن نتوقَّع موجات هجرة أقوى من تلك التي نشهدها اليوم؟

– داريل بريكر: على عكس الاعتقاد السائد، فقد انخفضت نسبة المُهاجرين من العدد الإجماليّ لسكّان العَالَم، ويرجع ذلك جزئياً إلى زيادة الثروات. وقد انخفض عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقرٍ مدقع من (1.8) مليار في عام 1990 إلى أَقلّ من (800) مليون في عام 2015. إنما على الرغم من ذلك، سيكون هناك دائماً أشخاصٌ يبحثون عن فرص أفضل في أماكن أخرى. بعض الأماكن على هذا الكوكب جذَّابة للغاية، وتجذب المُهاجرين. فإذا كنت تعيش في «لاغوس»، فإن سعيك للهجرة إلى باريس يمكن أن يكون أمراً منطقياً. ولكن إذا استمرَّت التنمية الاقتصاديّة في إفريقيا واستقرَّت الأنظمة السياسيّة فيها، فإنّ ضغط الهجرة سيكون أَقلّ حدة.

في انتظار ذلك، تمثِّل الهجرة اليوم واحداً من أكثر المواضيع إثارةً للخلاف في قلب المُجتمعات الغربيّة…

– جون إبيتسون: لا يتعيَّن علينا ككنديّين أن نحدِّد ما ينبغي أن تفعله البلدان الأوروبيّة بشأن الهجرة. نحن نعلم تماماً أن هذا الموضوع يخلق توترات ثقافيّة وهويّاتيّة قويّة. إنّ بلداً مثل اليابان يفضِّل مواجهة انحدار ديموغرافيّ مؤكَّد بدلاً من تبنِّي سياسة مفتوحة في مجال الهجرة. ويبدو أنّ الكوريّين الجنوبيّين قد اعتمدوا النهج نفسه، في الوقت الذي نزل فيه معدَّل الخصوبة لديهم ولأول مرّة إلى أَقلّ من (1). لذلك فالمُعادلة اليوم بسيطة جدّاً: إمّا أن نقبل الهجرة والتعدُّدية الثقافيّة، أو نستسلم للتقهقر الديموغرافيّ.

يبدو أن تراجع عدد السكّان يشِّكل خبراً ساراً للبيئة أو التعليم، وخبراً سيئاً للاقتصاد…

– داريل بريكر: فيما يخصُّ مسألة البيئة، أعتقد أننا بحاجة إلى تغيير أفكارنا بسرعة. لأنك إذا ركَّزت على الاكتظاظ السكّاني واعتقدت أن البشر يدمِّرون الكوكب، فما الذي سيحدث عندما ينخفض عدد السكّان بشكلٍ كبير في غضون بضعة عقود؟ مسألة التغيُّرات المناخيّة لا تأخذ -عادةً- في الاعتبار هذا التطوُّر الأساسيّ. ونحن لا نزال حبيسي المنطق الذي تمَّ الترويج له في نهاية الستينيات من قِبل عالِم الأحياء «بول ر. ايرليش» في كتابه الذي لاقى نجاحاً كبيراً «قنبلة السكّان»، والذي تنبَّأ فيه بموت الملايين من سكّان العَالَم جرَّاء المجاعة التي سيتسبب فيها الانفجار السكّاني…

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: توما ماهلر

العنوان الأصلي والمصدر:

La terre va bientôt se vider de ses habitants

مجلة «L’Express» عدد 1 يوليو 2021.

Planète vide, Darrell Bricker, John Ibbitson, Ed. Les Arènes, 04 mars 2020

موسوعة تحرير العالم.. الباب المفتوح لـ «ويكيبيديا»

هناك قصَّتان، يمكن أن ترويهما عن «ويكيبيديا»؛ الأولى أنه، قبل 20 عاماً، تَمَّ إطلاق «مورد ويب»، فهدَّد الأوساط الأكاديمية ووسائل الإعلام، وأزاح مصادر المعرفة القائمة. كانت موسوعة يمكن لأيٍّ كان تحريرها: من أطفال، وجهلة عنيدون، وأزواج سابقون غاضبون. إذا قمتُ بتحرير الصفحة الخاصّة بفيزياء الجسيمات، وأدّعي أنها تتعلّق بدراسة «طائر البط»، فسيتمّ نشر التغيير على الفور. وإذا قمت بتحرير صفحتك، واتُّهِمت فيها بانتهاك حرمة الأطفال، فسيتمّ نشر ذلك أيضاً. والأسوأ من ذلك أنه يمكن لأي شخص تعديل المحتوى، إلا أن الجميع لا يفعل ذلك: فالمحرّرون هم مجموعة ممَّن اختاروا أنفسهم لهذه المهمّة، وهم من المتحذلقين وأصحاب المعرفة بكلّ شيء، ومن الرجال، بأغلبية ساحقة. أدى كلّ هذا إلى التحيّز في ما أصبح يعرف بأوَّل مصدر في العالم للبحث عن أيّ شيء. دون تردّد، اعترف «لاري سانجر»، المؤسّس المشارك للموقع، بأن «المتصيّدون قد استولوا على المنفذ، والسجناء يبحثون عن اللجوء».

لكن هناك قصّة أخرى أكثر قابلية للتصديق، وهي أن «ويكيبيديا» هي آخر معقل لمثالية الشبكة العالمية الأولى. منذ لحظة تقديم ورقة «تيم بيرنرز» لي، عام (1989)، ومقترحها حول كيفية ربط المعلومات، وإتاحتها عبر ارتباط تشعُّبي، بدأ الحامون في تخيّل نوع من الديموقراطية العالمية، حيث يمكن لأيِّ كان، في أي مكان، استخدام الكمبيوتر لاكتشاف العالم. وسط سلسلة من التطوُّرات المعروفة باسم «Web 2.0»، التي لم تسمح للجميع باستهلاك المحتوى، فحسب، بل حتى إنشائه، كان البعض يحلمون بأن يصبح الجميع مواطنين رقميّين، ويزعزعوا سلطة الأثرياء على وسائل الإعلام القائمة، وغيرها من التدرُّجات الهرمية النخبوية.

لكن، شيئاً فشيئاً، خذلتنا معظم مواقع الويب. نعم. لقد حصلنا على صوت، لكنه لم يأتِ مجّاناً. تحصد مواقع الويب مثل (فيسبوك)، بياناتنا من أجل استقطاب المعلِنين، وقد أصبح المشهد السائد: إدمان الشاشة، والقبليّة المستعرة، والتصيّد، والتضليل. كما أصبح المليارديرات في مجال التكنولوجيا، أكثر ثراءً ممّا كان عليه أباطرة الصحافة القدامى، والبقية مجموعات إلكترونية متمكِّنة، والشركات التي تريد استهدافنا تحصّلت على بياناتنا.

ولكن، رغم أنها سابع أكثر المواقع زيارةً في العالم، في عام (2020)، لا تزال «ويكيبيديا» مختلفة عن المشهد السائد. إنها المؤسّسة الوحيدة غير الربحية في المراكز العشرة الأولى، حيث لا توجد إعلانات، ولا تجميع بيانات، أو مدير تنفيذي ملياردير. يقوم مئات الآلاف من المتطوِّعين بصيانة الصفحات، وإنشائها مجّاناً، ويصحّح بعضهم للبعض الآخر، ويسهرون ليكون الموقع على درجة عالية من الموثوقية. في وقت مبكِّر من عام (2005)، كشفت المجلّة العلمية «Nature» أن «ويكيبيديا» تضاهي، في دقَّتها، (Encyclopedia Britannica)، عبر الإنترنت، (وهو ما أثار استياء محرّري بريتانيكا). في ذلك الوقت، تضمّنت «ويكيبيديا» الفتيّة أربعة أخطاء لكلّ مدخل علمي، مقابل ثلاثة في «بريتانيكا». ربَّما لم تصل «ويكيبيديا» إلى العالم المثالي في نظر «جيمي ويلز»، المؤسّس المشارك الأبرز للموقع، «عالَم، يُمنح فيه كلّ شخص على هذا الكوكب حرِّيّة الوصول إلى مجموع المعارف البشرية»، لكن ليس ببعيد. في فبراير (2020)، صنّفت «Wired» موقع «ويكيبيديا» بأنه «آخر أفضل موقع على الإنترنت».

وبينما تغادر «ويكيبيديا» سنوات المراهقة، يأتي السؤال: أيّ القصَّتَيْن أكثر موثوقية؟

قد يبدو منشئو «ويكيبيديا» كثوّار غير متوقّعين. كان «جيمي ويلز»، الذي نشأ في هنتسفيل، ألاباما، حيث ولد في عام 1966، مغرماً بموسوعته الشخصية. كان يجلس مع والدته المنشغلة بتحديثات الدخول التي يرسلها الناشر، والتي تحيل القارئ إلى مدخل أكثر دقّةً في إصدار لاحق، متحدّثاً من علِّيّة منزله في «كوتسوولدز». في أثناء الإغلاق الأخير، أخبرني «ويلز» أن أحد المدخلات يحتاج إلى التحديث، وهو مدخل القمر، ولسبب وجيه هو أن «الناس قد هبطوا على سطحه لأوَّل مرّة».

درس «ويلز» الماليّة، ثم عَمِل متداولاً. كان يستند، في فكره، على الروائي والفيلسوف «آين راند»، ورجل اقتصاد السوق الحرّة النمساوي «فريدريك هايك»، صاحب كتاب «طريق إلى العبودية»، المفضّل لدى «مارجريت تاتشر». قضى وقتاً كبيراً من فراغه على الإنترنت المبكِّر، يتسلّى بألعاب خيالية، ويتصفَّح الإنترنت، وأعجب بإمكاناته. استقال من وظيفته، وأسّس مع شريكَيْن موقع «Bomis»، كدليل للمعلومات في البداية، لكنه تطوَّر إلى موقع للإثارة، لاحقاً.

قرّر «ويلز» إنشاء موسوعة افتراضية مجّانية يمكن تحديثها في الوقت، ومتاحة للجميع، وهي، مثل سابقاتها، ستكون مصدراً ثانوياً لا أوَّليّاً، وسوف تستشهد بمعلومات من وسائل الإعلام أو الأوراق الأكاديمية، بدلاً من نشر بحث أصلي، وستكون الموافقات صارمة. يقول: «لقد كان مشروعاً رسمياً للغاية، ومن أعلى إلى أسفل، وكان لا بدّ من الحصول على الموافقة لكتابة أيّ شيء، وكان من المتوقَّع أن يقدّم المتطوّع مقالة كاملة». تَمَّ إطلاق («Nupedia») في أكتوبر (1999)، مع «لاري سانجر»، وهو طالب دراسات عليا في الفلسفة، التقى به «ويلز» عبر الإنترنت عبر القوائم البريدية للفلسفة، بوصفه رئيس تحرير.

بالنظر إلى طول عملية التقديم، نشر الموقع (21) مقالة، فقط، بعد عام. في غضون ذلك، توصل «سانجر»، و«ويلز» إلى مفهوم «الويكي» – صفحات ويب تعاونية وقابلة لإعادة الكتابة بحرِّيّة، ويمكن استخدامها لتشغيل مشاريع جماعية أو جمع الملاحظات أو تشغيل قاعدة بيانات («ويكي»، تعني «السريع» في هاواي). على سبيل التجربة، أسّسا موسوعة أخرى في (15) يناير (2001)، مهّدت الطريق لمقاربة تشبه الويكي: ويكيبيديا.

تَمَّ تصميم الموقع الجديد ليكون ضمن العرض الجانبي لـ«Nupedia». يتذكّر «ويلز»: «أحد الأشياء المثيرة للاهتمام أن الناس، في الأيّام الأولى، بدأوا في كتابة أشياء جيِّدة جدّاً. لقد كانت قصيرة جدّاً، وبسيطة، وخالية من الأخطاء». يوجد، الآن، أكثر من (300) موقع «ويكيبيديا»، بلغات مختلفة، وأكثر من ستّة ملايين مدخل على موقع اللّغة الإنجليزية، فقط. بمرور الوقت، وضعت ثلاث سياسات أساسية: يجب أن تتَّخذ الصفحات وجهة نظر محايدة؛ لا تتضمّن أيّ بحث أصلي، وتكون قابلة للتحقّق؛ ما يعني أنه يمكن للزوّار الآخرين التحقُّق من المعلومات المتأتِّية من مصدر موثوق. ومن المثير للاهتمام أن أيّاً من هذه المبادئ تضمَّنت جانب «الدقّة»: فالموقع يستعين بمصادر خارجية، بالأساس، من خلال الاعتماد على الاستشهادات.

تعطَّل اثنان من خوادم الموقع في يوم عيد الميلاد عام (2004)، واضطرَّ «ويلز» إلى إبقاء الموقع «يتعرّج» وحده. بعد فترة وجيزة، أطلق حملة لجمع التبرُّعات. اليوم، تجلب الحملات النشطة المنتظمة، والتي تظهر، بشكل كبير، عند النقر على (إدخال)، أكثر من (100) مليون دولار، سنوياً، لويكيبيديا ولغيرها من مشاريع مؤسَّسة و«يكيميديا» ​​المشرفة، معظمها من التبرُّعات الصغيرة – بمتوسِّط (15) دولاراً.

ورغم صفحاتها الهائلة، يوجد عدد أقلّ ممّا نعتقد من المحرّرين النشطين: على موقع «ويكيبيديا»، باللّغة الإنجليزية، قام (51.000) محرّر، فقط، بإجراء خمسة تعديلات أو أكثر في ديسمبر (2020). وجدت دراسة عام (2017) أنه، في العقد الأوَّل للموقع، كان (%1) من محرّري «ويكيبيديا» مسؤولين عن (%77) من تعديلاتها. يمكن أن يكون التعديل صغيراً كالتعديل في التنسيق، أو يمكن أن يكون إنشاء صفحة جديدة.

الآن، أصبح الموقع شاسعاً، يتضمّن أكثر من (55) مليون مقالة – يمكن أن يؤلِّف محتوى «ويكيبيديا»، باللّغة الإنجليزية، وحده، (90) ألف كتاب؛ ما يمنحه حجماً مشابهاً (لكن ليس، دائماً، بالجودة المطلوبة) لمكتبة كلِّيّة «أوكسبريدج» النموذجية، وهو متاح، مجَّاناً، لجميع مستخدمي الإنترنت، سواء أكان المستخدم مزارع أرز في بنغلاديش، أو طالب فيزياء بكتب مدرسية قديمة. الأكثر مدعاة للإعجاب هو سرعة الموقع: يتمّ تحرير المقالات (350) مرّة في الدقيقة. يقول «ويلز»: إن إحدى اللحظات الأولى التي رأى فيها، حقّاً، إمكانات «ويكيبيديا»، كانت في (11) سبتمبر، فبينما كانت الأخبار التلفزيونية تنقل لقطات للأبراج المتساقطة، كانت شبكة المتطوِّعين في «ويكيبيديا» تعكف على شيء مختلف: «كان الناس يكتبون عن الهندسة المعمارية لمركز التجارة العالمي وتاريخه».

حقّق الموقع نجاحاً كبيراً في أثناء وباء «كوفيد – 19»، أيضاً، حيث يتحرَّك بسرعة أكبر بكثير من المنشورات المعمول بها: منذ ديسمبر (2019)، كان هناك ما يعادل (110) تعديلات، في الساعة، على مقالات «كوفيد – 19»، بواسطة (97000) محرِّر، تقريباً.

إن شغف محرّري «ويكيبيديا» وتفانيهم في العمل، لا يَخْفيان على أحد، لكن هذا لا يعني، بالضرورة، أنهم بارعون، دائماً، في مهامِّهم. أحد الاكتشافات الحديثة والمروّعة تتعلَّق بإدخالات في اللّغة الأسكتلندية، وهي قريبة إلى اللغة الإنجليزية، يتمّ التحدُّث بها، بشكل أساسي، في الأراضي المنخفضة الأسكتلندية (يجب عدم الخلط بينها وبين الغيلية الأسكتلندية). تَمَّ إنشاء الآلاف من صفحات «ويكيبيديا» باللّغة الأسكتلندية، من قِبَل شخص لا يتحدَّث بها؛ إنه مستخدم مراهق يسمّى «أمارلس جاردنر» من ولاية «كارولينا» الشمالية. كانت بعض الكلمات لا تزال باللّغة الإنجليزية، ويبدو أن البعض الآخر ترجم إلى الأسكتلندية عبر قاموس ضعيف، على الإنترنت. اعتقد «أمارلس جاردنر» أن ذلك كان مفيداً، وعلّق على موقع «ويكيبيديا» أنه بدأ في تحرير الصفحات عندما كان في الثانية عشرة من عمره، لكنها «دُمِّرت» بسبب احتجاج و(إساءة استخدام) كما اعتبره محرِّرون آخرون. يخبرني «ريان ديمبسي»، وهو متحمّس للُّغة الأسكتلندية من أيرلندا الشمالية، والذي أبلغ عن الأخطاء، لأوَّل مرّة، على Reddit، أنه كان يعتقد أن الأخطاء لم تصحّح لفترة طويلة لأن الاسكتلندية غير متداولة على نطاق واسع، ولا تزال أقلّ اللّغات قراءةً، وبأن «أولئك الذين يتحدَّثونها، بطلاقة، من المرجَّح أن يكونوا أكبر سنّاً أو من الريفيِّين؛ لذا يكون حضورهم أقلّ على الإنترنت». بعد استبعاد «أمارلس جاردنر»، عُرف أن هناك «العديد من المحرّرين الآخرين الذين كانوا أسوأ بكثير»، على موقع الأسكتلنديين.

انتشرت القصّة في جميع أنحاء العالم، لكنها ليست أفضل مثال على فاعليّة «ويكيبيديا»: الترجمات الخاطئة (خاصّة في اللّغات قليلة القراءة)، من المرجَّح أن تظلّ أكثر من الأخطاء الواقعية، نظراً لشرط الاستشهاد بالحقائق، بكلّ دقّة .

ومع ذلك، حدثت العديد من الخلافات الأخرى حول دقّة المحتوى. تعرَّض اللورد «جاستيس ليفيسون» لانتقادات شديدة عام (2012)، بعد أن أدرج تقريره عن الثّقافة والأخلاق (والدقّة) في الصحافة البريطانية، من أحد مؤسّسي صحيفة «إندبندنت»، على أنه «بريت ستراوب»، شخصية غير معروفة، ظهرت بالخطأ على صفحة «ويكيبيديا» في الجريدة.

المشكلة الأخرى في سياسة تحرير الباب المفتوح لويكيبيديا؛ هي أنه لا يوجد الكثير لإيقاف أولئك الذين لديهم مصلحة خاصّة من التأثير على الإدخالات. تحذِّر إرشادات «ويكيبيديا» من تحرير صفحتك الخاصّة، أو نيابة عن العائلة أو الأصدقاء أو صاحب العمل، لكن هذا الأمر صعب التحقّق في أرضية تعتمد الأسماء المجهولة، ويمكن أن يكون الإغراء قويّاً. في الواقع، انكشف جدل هزلي، عندما قام «ويلز» بتغيير المدخل الخاصّ به لمحو كلّ إشارة إلى «سانجر» كمؤسّس مشارك لويكيبيديا، ومن ثَمَّ يصبح هو المؤسّس الوحيد. تمّ استدعاؤه في عام (2005)، وعبّر عن أسفه، لاحقاً، لـ «Wired»: «أتمنّى لو لم أفعل ذلك. إنه ليس من الذوق». كشف مكتب الصحافة الاستقصائية في عام (2012) عن إجراء آلاف التعديلات على «ويكيبيديا» من داخل مجلس العموم. اعترفت النائبة السابقة «جوان رايان»، التي تركت حزب العمل لصالح مجموعة «إندبندنت»، بتحرير صفحتها الخاصّة، بداعي تصحيح «معلومات مضلِّلة أو غير صحيحة».

وبينما يركّز النقد والثناء، غالباً، على الادّعاء بأن التحرير مجّاني للجميع، لم يعد الحال كذلك، تماماً. يكشف «توماس ليتش»، مؤلِّف «ويكيبيديا U»، أن «فولكلور ويكيبيديا يكمن في أنها موسوعة الجميع. والممارسة ديموقراطية، ويمكن لأيّ كان التحرير. هذا ليس صحيحاً؛ فبهدف التعديل لا يمكنك أن تكون شخصاً قام بتصحيح صفحة، أو تَمَّ تصحيحها بشكل خاطئ، من وجهة نظر «ويكيبيديا»، بشكل متكرّر، ممّا يؤدّي إلى حظرك؛ أو شخصاً أساء إلى محرّر. يجب عليك التفكير أو التصرُّف وفقاً للقواعد الموضوعة، حتّى تتمكَّن من التعديل على «ويكيبيديا».

بينما يمكن لأيّ شخص إنشاء حساب «ويكيبيديا»، والنقر فوق «تحرير» على أيِّ صفحة، تقريباً، فمن المحتمل أن يتمّ إبطال تعديلك بواسطة محرّر آخر، إذا لم يلتزم بمعايير معيَّنة. وإذا نشأت نزاعات (عند إجراء تعديلات وإبطالها، بشكل متكرّر، أو انتقل النقاش، بشكل سيِّئ، إلى صفحات المناقشة المصاحبة لكلّ مقالة) يمكن، حينها، حظر المستخدمين من قِبَل المشرفين، أو يمكن «تعطيل» كلّ عمليات التحرير غير الخاضعة للإشراف.

قد تكون العيون الصارمة للمحرّرين ذوي الخبرة مبرّرةً في بعض الحالات، لكن هناك عواقب وخيمة. تُظهر الاستطلاعات أن المحرّرين على موقع اللّغة الإنجليزية، هم، بأغلبية ساحقة، من الشباب؛ وهذا يتطابق كثيراً مع سياسات وادي السيليكون.

حدّدت «مؤسّسة ويكيميديا – Wikimedia Foundation» هدفاً في عام (2011)، يتمثَّل في الوصول إلى (25) في المئة من التحرير، بواسطة الإناث، على مدار أربع سنوات. في عام 2014، اضطُرَّت المديرة التنفيذية «سو غاردنر» للاعتراف بأنها «فشلت» في ذلك. في عام (2018)، كان تسعة من كلّ (10) محرّرين من الذكور.

وكشف «ويلز» عن خيبة أمله من التقدُّم «غير الكافي»، واعتبر أن المؤسّسة «لا يزال أمامها الكثير لتتعلَّمه». كان يأمل في أن يؤدِّي العمل بمحرّر النصوص المرئي (أي أن تظهر الصفحة التي تقوم بتحريرها كنسخة منشورة) إلى جذب المزيد من المحرِّرين المتنوِّعين، لكن ذلك لم يحدث.

ما هو على المحكّ مع التنوُّع، بكلمات «ويلز» الخاصّة، ليس فقط «دقّة السياسية العشوائية، بل التأثير في المحتوى». عندما يهيمن المساهمون الذكور، تحصل على أنواع معيَّنة من الإدخالات والتعديلات: في عام (2013)، لاحظت «أماندا فيليباتشي»، الصحافية في «نيويورك تايمز»، أن شخصاً ما، أو مجموعة من الأشخاص، كانوا ينقلون النساء، تدريجيّاً، من فئة «الروائيِّين الأميركيِّين» إلى فئة أخرى تُسمّى «الروائيّات الأميركيّات»؛ ما يعني أن القائمة الرئيسية للمؤلِّفين الأميركيِّين تتألَّف من الذكور، فقط.

في ظلّ عدم وجود استمارة لكونك محرِّراً، ومع احتمال أن تكون ملفّات التعريف مجهولة، ومن دون جنس، تظلّ هذه المشكلة قائمة أمام المراقبة التصحيحية التقليدية. «جيسيكا وايد»، عالمة الفيزياء ومحرّرة «ويكيبيديا»، تلقي باللوم، نتيجة هذا الانحراف، على عالم التكنولوجيا الذي يهيمن عليه الذكور، والذي منه نشأ الموقع: «عندما تأسّس المجتمع، لم يكن متنوِّعاً، ولم يرحّب بأشخاص من المجموعات الممثّلة تمثيلاً ناقصاً».

عندما تحاول النساء أو الأقلِّيّات التعديل (بحسب قولها)، يمكن أن يواجهن أياديَ قديمة «لا تشجّع الناس بما يكفي لحثّهم على البقاء. لا يمكن أن يصمد كلّ شخص إذا تمَّ إخباره بأن الصفحة التي أدرجها هي القمامة، أو أنه لم يقتبس شيئاً بشكل صحيح».

بعد أن انخرطت في تحرير «ويكيبيديا» بنفسها، صُدمت «وايد» بقلَّة إدخالات العالِمات. لقد حدّدت لنفسها هدفاً صعباً: إنشاء صفحة جديدة لعالمة أو عالمة من الأقلِّيّات، كلّ يوم. وبدءاً من أوائل عام (2018)، كانت تعمل على ذلك، دون انقطاع. أثار مشروعها بعض التذمّر، ودفعها أحد العلماء للتشكيك في نفسها: «قالوا إنني كنت بصدد إضعاف «ويكيبيديا»، وإلحاق ضرر بالمجتمع، من خلال وضع هذه الإدخالات هناك. لقد أزعجني ذلك، حقّاً». لكنها سرعان ما تستدرك، مع ذلك، أن غالبية المجتمع داعمة لها، وبأن متعة التعاون، والاستيقاظ بعد ليلة من التحرير، ورؤية المساهمين على الجانب الآخر من العالم، وقد أضافوا تعديلات أو صوراً مفيدة إلى مشاركتك، تغنيك عن سلبيّاتها.

أمّا الانحراف المهمّ الآخر في مساهمات «ويكيبيديا»، فهو التوزيع الجغرافي: حوالي (68) في المئة من المساهمين هم من أميركا والمملكة المتَّحدة؛ يتوقَّع «ويلز» أن التغييرات الكبيرة في «ويكيبيديا» للعشرين عاماً القادمة، ستكون غير مرئية، إلى حَدّ كبير، على الموقع الإنجليزي: «ويكيبيديا في لغات العالم النامي [ستكون] جزءاً كبيراً، حقّاً، من مستقبلنا – كيف ندعم أيّ قيود تكنولوجيّة قد يواجهها الأفراد؟»

يعتقد «ويلز» أن «سمعة «ويكيبيديا» قد تحسَّنت بشكل كبير، على مرّ السنين». في البداية، تبيّن أن العواصف المتعلّقة بالتعديلات الفردية السخيفة كانت محبطة، لكنها تراجعت، الآن. «هذا يشبه المجموعة الكاملة من القصص حول موقع «eBay»: شخص يبيع سلاحاً، أو أب يبيع أطفاله، أو يبيع روحه. قبل أن يدرك الجميع أنه يمكنهم نشر أيّ شيء يريدونه على موقع «eBay»، ثم يقوم شخص آخر بالإبلاغ عنه، ويتمّ حذفه. الأمر ليس بهذه الإثارة».

وفي الوقت نفسه، إن قصص المحاضرين الذين يحذّرون الطلّاب من الاستشهاد بويكيبيديا، ينسون أنهم سيقولون الشيء نفسه عن أيّة موسوعة أخرى، لأنها ليست من المصادر الأوَّلية. أوصي العديد ممن تحدَّثت إليهم بانتظام، بالرجوع إلى «ويكيبيديا» بصفته موقعاً متميّزاً لبدء البحث في أي موضوع، لأنها تمكّنك من الوصول إلى المصادر الأولية من خلال الروابط. جعل «إليس جونز»، أستاذ علم الاجتماع، تحريرَ صفحات «ويكيبيديا» الخاصّة بمنظِّرين اجتماعيِّين، جزءاً من منهجه الدراسي: «إنها أحد أكثر الأشياء إثارةً في الدورة، بالنسبة إلى الطلاب؛ تسمح لهم بالمساهمة ببعض المعرفة الصغيرة للجمهور، رغم أنهم ليسوا خبراء».

ويجادل «ليتش»، مؤلِّف «ويكيبيديا U»، بأن الهديّة العظيمة لويكيبيديا هي الطريقة التي تعلِّمنا بها التشكيك في مصادر السلطة. «نعم. بالطبع، علينا طرح أسئلة حول «ويكيبيديا». ولكن، بينما نحن في صدد هذا الموضوع، ألا ينبغي لنا أن نطرح تلك الأسئلة حول التعليم الليبرالي في جميع صوره الرمزية؟ «خذ عمليّة مراجعة الأقران، على سبيل المثال: وجدت دراسة أُجريت عام (2017) تضمَّنت مجموعة من التحيّزات: كانت المرأة ممثّلة تمثيلاً ناقصاً، ويميل كلّ من الرجال والنساء إلى تفضيل العمل، بحسب جنس كلٍّ منهم.

«لا تكن شرِّيراً»، كان شعار «غوغل» السابق، وقد اتَّخذته «ويكيبيديا» شعاراً لها. وبدلاً من وصف «Wired» لويكيبيديا على أنها «آخر أفضل مكان على الإنترنت»، أفضّل وصف «توم فورث»، أحد محرِّري «ويكيبيديا» بأنها «أقلّ الأماكن سوءاً على الإنترنت»، فيها من العيوب الكثير، لكنها أقلّ بكثير من المواقع الضخمة الأخرى.

ومن المفارقات بالنسبة إلى أولئك الذين يعتبرون «ويكيبيديا» أداة معطّلة، أن بعضاً من أكبر مشاكلها تنبع من المؤسّسات القديمة التي تعتمد عليها في الاستشهادات. «معايير الجدارة» الخاصّة بها، تعني أن المصادر «حسنة السمعة» يجب أن تدرك أهمِّيّة الموضوع قبل «ويكيبيديا». عندما سألت «جيمي ويلز» عن مخاوفه بشأن الأخبار المزيَّفة، ذكر لي مشكلة أكبر بكثير: الانخفاض الحادّ في وسائل الإعلام المحلِّيّة؛ ما يعني أن الموقع لا يمكنه تغطية الموضوعات المحلِّيّة، على الإطلاق.

ومع ذلك، ليست العلاقة بين المورد والعالم الذي يعكسه طريقاً أحادي الاتِّجاه. قد يتبادر إلى ذهن المستخدم أنه إذا لم يجد ما يبحث عنه في «ويكيبيديا»، فلن يجده في أيّ مكان آخر. على العكس من ذلك، يمكن للصفحات الأحدث كالتي أنشأتها «جيسيكا وايد» لفائدة العلماء من النساء والأقلِّيّات العرقية، بأساليب بسيطة، التخلّص من التحيّزات في العالم بأسره. في (2020)، شرعت الأخيرة، وعالِم آخر في إنشاء صفحات «ويكيبيديا» للباحثين في الوباء، وسرعان ما لاحظت انخفاضاً تدريجيّاً في التحيّز للخبراء من الذكور البيض، الذين يتمّ الاستشهاد بهم في وسائل الإعلام.

إحدى الصفحات الأولى التي كتبتها «جيسيكا وايد»، كانت عن «غلاديس ويست»، العالِمة الأميركية من أصل أفريقي والرائدة في تقنية GPS. كانت الصفحة صغيرة في البداية، حيث لم يكن يُعرف سوى القليل عن حياتها، ثم تطوَّرت على مرّ السنين، وتَمَّ التعريف بها، مؤخَّراً، في صحيفة «الغارديان». بالنسبة إلى «وايد»، هذا الأمر يجسّد متعة التحرير: «عندما أرى صفحات لأشخاص أنشأتها لهم، وحصلوا على التقدير والتكريم والاحتفاء، يسرّني ذلك. إنه أفضل يوم على الإطلاق. هذا أعظم شيء على الإطلاق. القوّة التي تكتسبها من الجلوس ليلاً مع الكمبيوتر المحمول، استثنائية».

هناك جانب رومانسي لا يمكن إنكاره؛ عندما يقوم آلاف الأشخاص بتجميع معارفهم عبر الإنترنت؛ ليس من أجل المال أو الشهرة، بل لهدف أسمى. أرسل لي أحد المحرّرين الذين تحدَّثت إليهم رابطاً يقود إلى موقع «استمع إلى ويكيبيديا»، وهو موقع «ويب» يعزف النوتات الموسيقية كما يبدو، في الوقت الفعلي، وتصاحب الصفحات التي يتمّ تحديثها: أصوات أجراس للإضافات، وأوتار للحذف، ونوتات أعمق للتعديلات الكبيرة، ونغمات أعلى للتعديلات الصغيرة، وموسيقات عامِّيّة متنوّعة، وكلمات بِلُغات لا أفهمها بسرعة. كلما شاهدت أكثر، تبيّن لي أنه أقلّ الأماكن سوءاً على الإنترنت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كاتبة المقال هي باربرا سبيد، محرِّرة التكنولوجيا والثّقافة الرقمية في «i.newspaper».

المصدر: مجلّة Prospect، مارس (2021).

بيتر أدامسون: الفلسفة الإسلاميّة جزءٌ من الفلسفة الغربيّة

«بيتر أدامسون» أكاديمي أميركيّ وأستاذ الفلسفة العربيّة والقديمة المُتأخرة بجامعة «لودفيج ماكسيميليان» في ميونخ. أصدر عدداً من الكُتب المُهمَّة في الفلسفتين القديمة والقروسطية؛ لاسيما الأفلاطونيّة المحدثة «Neoplatonism» والفلسفة في العالَم الإسلاميّ، من بينها سلسلة من الكُتب بعنوان «تاريخ للفلسفة من دون ثغرات» كان آخرها كتاب عن «الفلسفة الهنديّة الكلاسيكيّة» (2020)، و«الفلسفة في العالم الإسلاميّ: مقدمة موجزة» عن دار نشر جامعة «أكسفورد» (2015)، و«دراسات في الفلسفة العربيّة القديمة» عن دار «روتليدج» (2016)، وآخر كُتبه «إياك أن تفكِّر بنفسك: السلطان والاعتقاد في الفلسفة القروسطيّة» عن دار نشر جامعة «نوتردام»، وكتاب«الرّازي» الذي صدر في مارس/آذار الماضي (2021) عن دار نشر جامعة «أكسفورد».

هل كان مرماك الرئيس من شرح الفلسفة الإسلاميّة بلغةٍ سهلة في كتابِك «الفلسفة في العالَم الإسلاميّ» (المُجلّد الثالث من كتاب «تاريخ للفلسفة من دون ثغرات») الترويج للفلسفة الإسلاميّة، أم استمالة الباحثين في الحقل الأكاديمي أيضاً؟

– أدامسون: يستهدف الكِتاب القارئ العادي لحدٍّ بعيد، لكنّي أظن رغم ذلك أنّ النهج المُفصَّل الذي اتبعه الكِتاب يجعله مفيداً للمُتخصِّصين؛ ذلك أنّي أودُّ على نحوٍ خاص أن يتبنّى باحثون آخرون بعض الأفكار المطروحة في الكتاب، مثل دمج دراسة الفلسفة اليهوديّة ضمن تصوُّر الفلسفة في العالم الإسلاميّ، وإيلاء مزيد من الاهتمام بالتفكير ما بعد الكلاسيكيّ، خاصّة كلّ ما جرى بعد القرن الثاني عشر الميلادي.

في رأيك ما هي أسباب إهمال الفلسفة الإسلامية طيلة التاريخ الحديث؟

– لم تُهمَل الفلسفة الإسلاميّة في كلّ البقاع بطبيعة الحال؛ إذْ دائماً ما كانت البلدان الإسلاميّة تشهد اهتماماً بالأعراف الفلسفيّة القديمة. لكن في أوروبا برزت رغبة لتبجيل الشخصيّات التي تُرجمت كتاباتها إلى اللّغة اللاتينيّة إبّان القرون الوسطى، مثل ابن سينا وابن رشد؛ بسبب ما لتلك الشخصيّات من تأثير على الفلسفة الأوروبيّة. أمّا الفلاسفة العظام الذين جاءوا لاحقاً مثل فخر الدين الرازي أو صدر الدين الشيرازي؛ مِمَّنْ لم يُترجَم لهم شيء لأي من اللُّغات الأوروبيّة، فلم يسترعوا انتباه الباحثين بتلك اللُّغات.

هل ترى أنّ فلسفات كثير من الثقافات لم تُدمج في تاريخ الفلسفة في الغرب؟ أو أنّ الفلسفة الإسلاميّة طُرحت هنا باعتبارها أحد «فلسفات العالم» إلى جانب الفلسفات الصينيّة والبوذيّة والهنديّة، وغيرها من الفلسفات؟

– نعم، هذا صحيح؛ إذْ لا يزال هناك اتجاهٌ في أوروبا وشمال أميركا لجمع كلّ التقاليد غير الأوروبيّة في شيء واحد أطلقوا عليه اسم «الفلسفة غير الغربيّة» أو «الفلسفة العالميّة» (World Philosophy). لا اعتراض لديَّ على ذلك من بعض النواحي؛ إذْ تبدو خطوة أولى مفيدة في سبيل جذب الاهتمام إلى تلك الفلسفات. لكن الاطلاع على الفلسفة الهنديّة لا تربطه صِلة حقيقيّة بالاطلاع على الفلسفتين الإفريقيّة أو الأميركيّة اللاتينيّة، وما نحتاج إليه في واقع الأمر هو بحث أكاديمي ينقطع لدراسة كلّ فلسفة على حِدة، وهذا ما يجري الآن بصورةٍ متزايدة. لكن وضع الفلسفة الإسلاميّة يُثير العجب بشكلٍ خاص؛ حيثُ يُنظر إليها في الغالب باعتبارها واحدة من الفلسفات غير الغربية، رغم أنّها -أي الفلسفة الإسلاميّة- ردٌّ على الفلسفة الأوروبيّة لحدٍّ كبير، ولا سيما أرسطو، على نقيض ما نجده في الهند أو الصين أو إفريقيا أو الأميركتين فترة ما قبل الاستعمار.

هل لاصطلاح «الفلسفة الغربيّة» دلالة حقّاً؟ وهل ترى أنّ الاصطلاح ليس سوى إحالة لذهنية كولونياليّة؟

– إشكالية هذه العبارة هي التباس ما ينبغي أن يندرج تحت «الفلسفة الغربيّة»، فلو كان المقصود إحالة لمنطقة جغرافيّة؛ بمعنى كلّ الفلسفات التي ظهرت في أوروبا، وبعدئذ في أميركا الشماليّة والبلدان «الغربيّة» الأخرى، فلابد آنئذ أن تشمل «الفلسفة الغربيّة» جانباً كبيراً من الفلسفة الإسلاميّة؛ لأنّ المُسلمين ببساطة حكموا إسبانيا لفترةٍ طويلة، وبعض المُفكِّرين المُسلمين واليهود ألَّفوا كُتباً هُناك باللّغة العربيّة، ومع ذلك لا تُعَدُّ الفلسفة الإسلاميّة في الغالب جزءاً من الفكر«الغربيّ». أمّا لو كان المقصود من «الفلسفة الغربيّة» كلّ الفلسفات التي تعود أصولها للإغريقيّين، فلابدّ أن تندرج تحتها شخصيّات مثل ابن سينا الذي عاش في آسيا الوسطى؛ وهي منطقة شهدت نفوذاً هائلاً للثقافة الهلينيّة.

كيف ترى ما ذهب إليه (المُؤرِّخ والكاتِب الفرنسي) «أرنست رينو Ernest Renan» أنّ الفلسفة الإسلاميّة «تحتقر» العلم، رغم ما قاله نبي الإسلام محمد (صلّى الله عليه وسلّم): «فضل العالِم على العابِد كفضلي على أدناكم»، و: «العلماء ورثة الأنبياء»؟

– فكرة أنّ الفلسفة أو العلم يدعمهما الوحي تعود إلى القرون الوسطى في واقع الأمر؛ إذْ تستطيع أن تجدها في كتابات ابن رشد على سبيل المثال، وبوجهٍ عام لا شكّ أنّه إبّان الفترتين الكلاسيكيّة والقروسطيّة اعتقد كثيرٌ من المُفكِّرين المُسلمين أنّ الإسلام يحثّ على الاستكشاف العقلانيّ للعالم. لكنّي أودُّ أن أتحرَّى الدقة هُنا ولا أفترض غياب اتجاهات أخرى داخل الإسلام. فعلى سبيل المثال ظهر فقهاء آخرون لم يشجعوا على الاستعانة بالمصادر العلميّة الأجنبيّة، أو قالوا إنّ كلّ ما نحتاجه من معرفة موجود في الوحي القرآني والأحاديث النبويّة. ومن ثَمَّ فالمشهد معقَّد.

كيف برَّر الفلاسفة المُسلمون دراسة أفلاطون وأرسطو؟ تُشير إلى ردّ الكندي على منتقديه الذين عارضوا الاستعانة بالنصوص الفلسفيّة الإغريقيّة، وتقول إنّ الكندي حاجج بضرورة احترام الحقيقة أينما نجدها. لكن رغم أنّ الفلاسفة لم يشكّكوا في الوحي، إلّا أنّهم اضطروا لتوضيح لِمَ كانت دراسة الفلسفة الإغريقيّة ليست زائدة على الحاجة؛ حتّى وإن كانت تعاليمها صحيحة. بكلماتٍ أخرى؛ ألا تكفي دراسة القرآن والكتاب المُقدَّس؟ هذه مسألة جوهريّة لفهم تفاعل العالَم الإسلاميّ مع الفلسفة الإغريقيّة.

– هذه حقيقة. وكما قلت فقد عارض بعض الفقهاء في حينه دراسة الفلسفة الإغريقيّة. نحنُ نجهل هويّة الرجل الذي كان يردّ عليه الكندي بدفاعه عن الاستعانة بالحكمة الإغريقيّة، لكنّ هناك مثالاً آخر يتعلَّق بالجدل الذي دار حول قيمة المنطق. فهَهُنا النحوي أبو سعيد السيرافي الذي نفى وجود ما يدعو لدراسة المُؤلَّفات التي وضعها الإغريق عن المنطق.

أظنُّ أنّ ثمَّة شكلين اثنين في حقيقة الأمر يُمكن أن تتبنّاهما مناوأة الفلسفة الإغريقيّة: الأول هو التشكّي ممّا بين الفلسفة الإغريقيّة والإسلام من تعارُض، إذْ تؤكِّد الأولى على أبدية العالَم مثلاً في حين يؤمن المُسلمون أنّ العالَم مخلوق، والثاني هو أنّ الفلسفة الإغريقيّة زائدة على الحاجة، لأنّ كلّ ما فيها من حقائق موجود في الوحي أيضاً. وقد ردّ الفلاسفة على كلتا التهمتين بطبيعة الحال؛ من خلال تقديم حجج فلسفيّة ضد أبدية العالَم، أو إنكار تقيُّد القرآن بعالَم زائل. أمّا بالنسبة لتهمة الزيادة على الحاجة، فإنّ ردّهم المُعتاد هو المُحاججة بأنّ الفلسفة أداة مفيدة في واقع الأمر لفهم وتأويل القرآن، وأنّ الفلاسفة ربّما هم أفضل مَنْ يفسّرونه. هذا هو ما رأينا ابن الرشد يفعله لاحقاً على سبيل المثال، كذلك كتب الكندي أطروحتين حول استعمالات الفلسفة في تفسير القرآن.

هل ترى أنّ يحيى بن عدي جسر بين الفلسفة الإسلاميّة وورثتها في الفلسفة المسيحيّة؟

– ليس لهذا الحدّ، لكن ابن عدي يُظهر أنّ الفلسفة في أواخر عصر التكوين القروسطي كانت مشروعاً متعدِّد الأديان؛ ذلك أنّ المسيحيّين واليهود تعاونوا مع المُسلمين في ترجمة وتأويل الفلسفة اليونانيّة. ولِكم يسترعي الانتباه كذلك المدى الذي بلغه استعمال الفلسفة في النقاشات بين الأديان المُختلفة، مثل تفنيد ابن عدي لمآخذ الكندي على التثليث.

هل ترى أنّ نظرة «هيجل» للتاريخ باعتباره تقدّم الوعي بالذات، يُمكن تبريرها تاريخيّاً؟ أو بشكلٍ أكثر تحديداً، هل يمكن تمييز الفلسفة إلى عصرين اثنين؛ عصر الفلسفة القديمة وعصر الفلسفة المسيحيّة الحديثة، ومن ثَمَّ المثالية الألمانيّة؟

– كلا، لا أقبل بهذه المُقاربة الغائية لتاريخ الفلسفة؛ إذْ لا أعتقد أنّ الفلسفة ترتقي وفق مسار مُقرَّر سلفاً، أو حتّى متوقَّع، صوب بتّ «Resolution» قاطع ما.

في واقع الأمر، لم يكن «هيجل» وحده مَنْ يظن أنّ الفلسفة تتجه صوب بتٍّ ما. إذْ يُمكن العثور على هذه الفكرة في كتابات فلاسفة التحليليّة الجُدد، الذين يفترضون أنّ مقاربتهم تجعل كلّ الفلسفات السابقة عليهم منقضية، ولعَلّ مردّ ذلك استرشاد الفلسفة التحليليّة بالعلوم الحديثة. لكني لا أقبل هذه النظرة أيضاً، بل أعتقد أنّ لكلّ عصر وثقافة في تاريخ الفلسفة حكايته الخاصّة، وأنّه في احتياج لتقييمه وفق مفرداته الخاصّة؛ ذلك أنّ النواميس المُختلفة تُثير أسئلة مختلفة بدلاً من محاولة الإجابة عن نفس الأسئلة دائماً.

كيف ترى الدهرية؟ وهل تعتقد أنّ أبا بكر الرازي مثلاً كان يُنكر النبوة؟

– لديَّ قراءة مُغايرة لموقف الرازي، مفادها أنّه لم يكن يتطاول على النبوة إجمالاً في واقع الأمر، بل أراد الهجوم على مذاهب بعينها داخل الإسلام يبدو أنّ الشيعة الإسماعيليّة واحدة منها، ذلك أنّه كان يعتقد أنّ هذا النهج يعول على سلطان الأئمة أكثر ممّا يلزم. ومن ثَمَّ أرى أنّ خصوم الرازي من الإسماعيليّين شوهوا نقاشاً مشروعاً داخل إطار الإسلام، وصوروه على أنّه يتطاول على الوحي وعلى النبوة.

أغفلت في الجزء الخاص بالفلسفة الإسلاميّة الحديثة في الكِتاب، بعض أهمّ الفلاسفة المُعاصِرين من أمثال أحمد فارديد ومرتضى المطهري وجواد طباطبائي وحسين نصر. لِمَ لَمْ تتناول الفلسفة الإسلاميّة المُعاصِرة؟ هل لإغراقها في السياسة؟

– أشرت في واقع الأمر إلى طباطبائي ونصر، لكن ما تقوله صحيح عن مروري السريع على فلسفة القرن العشرين، وإغفالي الفلسفة الإسلاميّة خلال القرن الحادي والعشرين. ومردُّ ذلك سببان اثنان؛ أولهما أنّي لست على دراية واسعة بالموضوع، وثانيهما اتّساع مادته الهائل. وأتصوَّر أنّ الكتابة بشكلٍ صحيح عن الفلسفة الإسلاميّة المُعاصِرة تحتاج إلى كتابٍ كامل منفصل. لذلك حاولت التعليق على بعض المُفكِّرين المُحدثين الذين استلهموا المرويات التاريخيّة المُبكِّرة التي غطّاها الكِتاب؛ مثل محمد أركون ومحمد عبده وحسين نصر.

ما هو هدفك التالي؟ وهل تودُّ الاستمرار بنفس النهج؟

– هذا هو الكِتاب الثالث من سلسلة طويلة أطمح في الانتهاء منها في المُستقبل. وقد صدر منها حتّى الآن خمسة كُتب، منها كتاب عن الفلسفة الهنديّة المُعاصِرة شارك في تأليفه «جوناردون جانيري Jonardon Ganeri». وسوف تتضمَّن الكُتب القادمة الفلسفة الإفريقيّة والصينيّة، إضافة إلى التطوُّرات اللاحقة التي شهدتها الفلسفة الأوروبيّة.

في رأيك، ما هي الأوضاع الراهنة للفلسفة الإسلاميّة؟

– حسناً؛ مرّة أخرى، لست مُلمّاً على نحوٍ كاف بالوضع الراهن للفلسفة الإسلاميّة، لكن لديَّ انطباع أنّه يختلف كثيراً من دولةٍ لأخرى. إذْ لا يزال لدى إيران مثلاً تقليد لافت للنظر هو الاشتباك مع أفكار الماضي؛ لاسيما في المدرسة الصدرية، حيثُ لا تزال شخصيّات مثل السهروردي وابن سينا مؤثِّرة هُناك. لكن ثمَّة باحثين إيرانيين أيضاً يُمارسون الفلسفة التحليليّة أو يدرسون «كانط» و«هايدجر»، وتقترن أحياناً هذه الدراسة باستحضار صدر الدين الشيرازي. وهذه إيران فحسب!

أعتقد بوجهٍ عام أنّ الفلسفة في العالَم الإسلاميّ ديناميّة ومتشابكة كما هو الحال في أوروبا أو أميركا الشماليّة. لكن ما أودّ أن أراه هو مزيد من الحوار والتبادل بين العالَمين (الغربيّ والإسلاميّ)؛ كي تتعلَّم الأوساط الأكاديميّة من بعضها البعض. ولهذا سرّتني كثيراً الدعوة للحديث معك، لهذا السبب تحديداً!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حاوره: أمير علي مالكي

المصدر:

مجلّة «Philosophy Now»، العدد (143)، أبريل – مايو 2021م.

https://philosophynow.org/issues/143/Peter_Adamson

المُنعطف الأخلاقيّ.. في علاقة المُؤلِّف بأعماله

عاد النقاشُ مجدَّداً إلى الساحةِ الفنِّيّة والثقافيّة، حول علاقة بعض المُؤلِّفين المُتورطين في قضايا سياسيّة أو أخلاقيّة، بأعمالهم وإبداعاتهم، مثل «رومان بولانسكي – Roman Polanski»، «بيتر هاندكه – Peter Handke»، «ميشيل ويلبيك – Michel Houellebecq»، «غابرييل ماتزنيف – Gabriel Matzneff»، وهو ما يذكِّر بحالات أخرى سابقة، مثل حالة «سيلين – Céline» أو حالة «هايدغر – Heidegger». ماذا عن مصير أعمال هؤلاء، وما هو الموقف الذي يجب اتخاذه إزاءها؟ هل يجب قبولها كاملةً كأعمال، بغض النظر عن التورُّط الأخلاقيّ أو السياسيّ لأصحابها، أم يجب رفضها والإعراض عنها كما يميل إلى ذلك أنصار ثقافة المحو والإلغاء؟

هل يحقّ للزوجةِ السابقة للكاتِب «إيمانويل كارير Emmanuel Carrère» منعه من استحضارها وذكرها في مؤلَّفاته؟ وهل وجب منح «رومان بولانسكي» جائزة «سيزار – César» في الوقت الذي يُتابَع فيه بتهمة الاغتصاب؟ وكذا منح جائزة نوبل لـ«بيتر هاندكه» وقد ساند الصرب خلال حرب يوغوسلافيا؟ وهل فلسفة «هايدغر» معادية للسامية؟ هل يجب منع إعادة نشر كتيبات «سيلين»، وفرض الرقابة على أغاني الراب المُروِّجة لكراهية النساء للرابور «أورلسان – Orelsan»، وسحب لوحات «غوغان Gauguin» من المتاحف بذريعة أنه أساء إلى عارضاته الصغيرات؟ هل ويلبيك معادٍ للإسلام؟ وهل كان نقَّاد الأدب مذنبين في تساهلهم إزاء بيدوفيليا الكاتِب غابرييل ماتزنيف؟ اللائحة طويلة لأمثال هذه «القضايا» التي نودُّ أن يكون لنا فيها موقفٌ أخلاقيّ سديد وحازم وقابل للتعميم. إلّا أن مثل هذا الموقف لا يمكن أن يقوم على ثنائية من «مع» ومن «ضد»، وإنما على أساس أن كلَّ حالة يجب معالجتها على حدة، رغم أنها، جميعها، تضعنا أمام السؤال الذي اختارته «جيزيل سابيرو – Gisèle Sapiro» عنواناً لكتابها الأخير: «هل يمكن الفصل بين العمل والمُؤلِّف؟»(1)، محاولة الجواب من خلال الوقوف على كلّ حالة على حدة وأيضاً استخدام كلّ معيار للحكم على حدة، توخياً للشمول والدقة، ورغبة في تجاوز الطابع الثنائي للسجالات السائدة. ورغم أننا لا نهدف إلى تقديم مراجعة لهذا الكتاب، إلّا أن ذلك لا يمنع من إلقاء الضوء على ما هو أساسيّ فيه: منطلقاته، منهجه، ونتائجه.

بعد أن تشكَّل الأدبُ منذ القرن التاسع عشر كمجالٍ مستقلّ عن الأخلاق، وقد دأب على الفصل التام والنهائيّ بين الجمال والخير «الفَنّ والأخلاق»، وجد نفسه اليوم في قبضة ما يمكن تسميته بـ«المُنعطف الإتيقي – le tournant éthique»: يفترض حتماً في الآداب أنها منتجة لقيم ومسؤولة عمّا يترتَّب عنها من نتائج. كما أن الحساسية المُعاصِرة التي يغذّيها رفض المظالم وإغراء اللجوء المنظم إلى القانون وكذا مساءلة مبدأ استقلاليّة الأعمال الجماليّة، لم تعد تستثني المُبدعين أنفسهم من هذه المسؤوليّات القانونيّة. لقد أصبح الكاتِب قابلاً للتجريم بعد أن فقد الحماية التي كان يحيطه بها ذلك التمييز الذي أقامه «مارسيل بروست Marcel Proust» بين الشخص الاجتماعيّ والكاتِب. فبعد زمنٍ طويل من التقدير والحماية التي حظي بها الكُتَّاب، نجد اليوم كاتِباً مثل «ماتزنيف»، وبعد أن تمتَّع بالامتيازات المُرتبطة بالبراديغم الحديث في الاختراق الفنّي، قد أصبح يعيش مأساة هذا التحوُّل في البراديغم، وصار خلال بضعة أسابيع فقط، رمزاً لبيدوفيليا راقية، تعامل معها بعض النُقَّاد بتسامح كبير، في حين أن المكان الطبيعيّ لصاحبها هو السجن في نظر البعض الآخر. صحيح أن هناك تخوُّفات كثيرة من انحراف طهرانية الإلزامات الإتيقية التي تستهدف الكُتَّاب والمُبدعين ووضع أعمالهم تحت مجهر التحقيق، بحيث أصبحنا نعيش اليوم حروباً، أو بالأحرى صدامات عنيفة، بين معسكر الطهرانية الإتيقية ومعسكر حرّيّة وحصانة الكاتِب والمُبدع في حياتهما الشخصيّة، ولعَلّ ظاهرة كهذه تفرض إيجاد حلّ لهذه الخلافات وتقديم أدوات إجرائيّة مناسبة لتحليلها.

يكشف هذا السجال حول إتيقا الإبداع عن توجُّهين يمثِّلان نموذجين مثاليين لعلاقة المُؤلِّف بعمله: نموذج أول يدعو إلى الفصل التام بينهما، في مقابل نموذج ثانٍ يربط بينهما ويبني على أساس ذلك حكمه الأخلاقيّ والسياسيّ، وهو ما يتجلَّى بوضوح في حالة بولانسكي والأحداث التي رافقت تسلمه جائزة «سيزار» في فبراير/شباط 2020، وكذا حالة «هايدغر» بعد نشر النصوص التي كان قد أوصى بعدم نشرها إلّا بعد وفاته، والتي صدرت تباعاً ابتداءً من 2014 تحت عنوان «الدفاتر السوداء»، الشيء الذي جعل بعض الدارسين يعتبرون فلسفته، ليس فقط معادية للسامية، وإنما إقحام للنازية في الفلسفة. إن ربط العمل بالمُؤلِّف، واعتبارهما وحدةً لا تقبل الانفصال، كان من دون شكّ أساساً لرفع العديد من الدعاوى القضائيّة، منذ نهاية القرن التاسع عشر، ضدّ مجموعة من المُؤلِّفين الذين اعتُبروا غير أخلاقيّين، لأنهم كانوا واقعيّين بإفراط. هكذا سيتابع كلٌّ من «بودلير – Baudelaire» و«فلوبير – Flaubert» و«آل غونكور – les Goncourt» ليدافعوا عن أنفسهم، أي عن حقّهم في التعبير بحرّيّة. ولعَلّ هذا ما عبَّرت عنه «سابيرو» بإيجاز قائلةً: «في الأدب كما في الغناء، وفي السينما والمسرح أو الأوبرا، تشكِّل وجهة نظر السارد والشخوص فضاءً علائقيّاً معقَّداً، تصير فيه العلاقات مع شخصيّة المُؤلِّف، حياته وقيمه، محجوبةً عنّا أحياناً بفعل عمل التخييل… ومصرَّحاً بها أحياناً أخرى» (ص 56 – 57). هكذا، ومن زاوية النظر هذه، تصبح العلاقة «مؤلِّف-نصّ» أكثر تعقيداً بالضرورة.

لقد لعبت الروايةُ الحديثة والمُعاصِرة، ولا تزال تلعب اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، دور السجل أو القائمة التي تحتوي على المُمكنات المُختلفة التي تهيمن على المجال الروائيّ، خاصّة من حيث الثيمات أو الموضوعات الأساسيّة. هكذا أصبحنا نجد مؤلِّفين مثل «بروست»، و«جيد – Gide» أو «ليريس – Leiris» قد تحرَّروا بفضل إسهامات التحليل النفسيّ وتجرؤوا على طرح اكتشافهم للجنسانيّة كثيمة أساسيّة لتخييلاتهم. كما أن كاتِباً مثل «ويلبيك» يلجأ إلى الخداع والمُراوغة في معالجة العلاقة بين المُؤلِّف وشبيهه المُتخيَّل أو المُفترض، ذلك أنه يعتبر ميثاق السيرة الذاتية جزئياً فقط، ومن ثَمَّ فالتطابق بين المُؤلِّف وبطله يظلّ ناقصاً على الدوام. لا بدّ إذن من عناصر خارجيّة بالنسبة للعمل ومؤلِّفه من أجل توضيح الموقف الحقيقيّ للكاتِب، وهي عناصر ترتبط من جهةٍ، بـ«الهابيتوس» الفرديّ لهذا الأخير، «ما اعتاده من سلوكات وممارسات»، ومن جهةٍ أخرى، باختيارات ثيماتية وإستطيقيّة يجب تحديدها وتمييزها داخل متن العمل نفسه. وفي حالات أخرى يتمُّ الاستناد إلى الدوافع الداخليّة لنوايا ومقاصد العمل، من منظورٍ سارتري نوعاً ما. هكذا تمَّت محاكمة أعمال «أوجين سو – Eugène Sue» و«بودلير – Baudelaire»، والعديد من المُثقَّفين، بعد الحرب، على أساس ضلوعهم في التخابر مع العدو، مع تمتيعهم بـ«الحق في الخطأ»، وهذا الأمر يتوقَّف على المعنى والمكانة التي يعطيها هؤلاء لأعمالهم حسب اللحظة التاريخيّة أو العصر.

قد لا يتَّسع المقام لعرض مختلف النماذج التي عالجتها سابيرو في القسم الثاني من كتابها؛ وإذا نحن اقتصرنا على حالة بولانسكي فإن القضية المطروحة بحدة هي: هل تتويج العمل هو تبرئة لصاحبه؟ لا شكّ أن جواب الجمعيّات النسويّة هو «نعم»: إن تكريم بولانسكي هو تبرئة له، أو بالأحرى تحجيم وتقزيم رمزيّ لخطورة العنف الذكوريّ. فهذه الجمعيات ترفض فصل العمل عن صاحبه كشخص، أو فصل الفنَّان عن الشخص. والمُشكل بالنسبة إليها لا يكمن في العمل، وإنما في «دلالة التتويج». وتستند حجيّة هذا الموقف إلى صحة قيمة الحكم الأخلاقيّ دون الدعوة إلى إلغاء الفنَّانين والمُثقَّفين مبدئياً. إنهم لا يعيشون خارج المُجتمع، كما أنهم يتحمَّلون مسؤوليّة شخصيّة، شأنهم في ذلك شأن الجميع. إلّا أن موقفاً كهذا يمكن أن يعبِّد الطريق أمام فرض المزيد من الرقابة على الأعمال الإبداعيّة لأسبابٍ خارجيّة، سياسيّة أو أخلاقيّة، تتعلَّق إمّا بسياق التلقي أو بالحكم على الأفكار المُتضمّنة فيها أو بشخص المُؤلِّف نفسه. إن «ثقافة الإلغاء – Cancel Culture» التي تطالب بمحو وإقصاء بعض الأعمال السابقة نظراً لحساسية أخلاقيّة وسياسيّة راهنة، أو التي تحظر مثلاً على فنَّان أو مبدع أبيض أن يكتب عن العبوديّة، تمثِّل الشطط الأقصى لهذا الدمج بين العمل والمُؤلِّف. إن عدم الإقرار بأية استقلاليّة للعمل الفنّي يؤدّي إلى محاكمة الفَنّ نفسه. أمّا أنصار «بولانسكي» فإنهم يؤكِّدون على ضرورة الحكم على العمل في ذاته، والنظر إلى قيمته الداخليّة، أي الفنِّيّة، والتي لا دخل فيها للسلوكات الصادرة عن شخص المُؤلِّف. إنهم يفصلون العمل عن المُؤلِّف، ويفكُّون الارتباط بين أخلاقيّة العمل وأخلاقيّة المُؤلِّف، ويدافعون عن استقلاليّة العمل باسم حرّيّة الفَنّ. كما أنهم يفكُّون الارتباط بين الفَنّ والعدالة أيضاً، على أساس أن الحكم الفنّي يجب أن يكون مستقلاً تماماً عن الحكم القضائيّ أو الحكم الاجتماعيّ، وهذا هو ما تسمّيه سابيرو «الموقف الجماليّ الخالص – position esthète»، وهو تقليد قديم في الثقافة الغربيّة، رغم أن الهيئات المُدافِعة عن حرّيّة الفَنّ لم تحصل على أي اعتراف قانونيّ يمنح للعمل أو للفنَّان وضعاً استثنائيّاً. يظل الفنَّان خاضعاً للقواعد التي تحد وتحصر حرّيّة التعبير «التحريض على الكراهية أو العنف ضدّ أفراد أو مجموعات بسبب أصولهم أو ديانتهم أو لونهم أو غير ذلك». ربّما من حسنات هذا الموقف الجماليّ أنه يعمل على حماية الحرّيّة الفكريّة والجماليّة من أي تدخل لسلطة خارجيّة عن الحقل الثقافيّ، سواء كانت أخلاقيّة أو سياسيّة أو اجتماعيّة. في هذا السياق يقول الناقِد «بيير جورد – Pierre Jourde» مدافعاً عن «بولانسكي»: «يعجُّ تاريخ الفَنّ بهؤلاء الأوغاد الذين هم أيضاً فنَّانون كبار، والأخلاق لا دخل لها في الإبداع». إلّا أن تقديس الفَنّ وسيادة الحكم الذوقي بعيداً عن أي اعتراض سياسيّ أو أخلاقيّ يمكن أن يقود إلى «الشطط في استخدام السلطة»، كما حدث مثلاً مع الكاتِب «ماتزنيف» الذي ظلّ لمدة طويلة يدافع عن ممارساته المَرضيّة وفي تساهل تام من جانب النُقَّاد بذريعة حرّيّة الفَنّ. ورغم كلّ هذا فقد تمَّ قبول «بولانسكي» عضواً في أكاديمية الفنون وتقنيات السينما «أكاديمية المُتوَّجين بجائزة سيزار»، وذلك في 15 سبتمبر/أيلول 2020.

أمّا موقف «سابيرو» من هذا السجال، فيمكن أن نستشفه من خلال قولها: «لا يمكننا الفصل بين المُؤلِّف وعمله، لأن العمل يحمل أثر رؤيته للعالَم ولمواقفه الإتيقية-السياسيّة، وقد تمَّ إعلاؤها وإضفاء صورة مجازية عليها من خلال الشكل الذي يقدِّم به عمله» (ص 232). هكذا تميل «سابيرو» إلى إقرار مسؤوليّة واقعيّة للمُؤلِّف مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار قيمة الأعمال المُنجزة، فهل انتهى زمن البراءة، وهل فقد المُؤلِّف مناعته وحصانته؟ هل يكون هذا هو ثمن الحفاظ على الفَنّ والآداب كقوى فاعلة، تساهم في النقاش الاجتماعيّ كما في التربية الأخلاقيّة للأفراد؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- Gisèle Sapiro, «Peut-on dissocier l’œuvre de l’auteur ?» Seuil,2020.

إمبراطوريّة الاكتئاب.. تاريخ جديد لـ«جائِحة القرن»

يأتي كتاب «إمبراطوريّة الاكتئاب: تاريخ جديد – The Empire of Depression: A New History» لمُؤرِّخ الطب «جوناثان سادوسكي – Jonathan Sadowsky» لمُحاولة رسم الخطوط العريضة لتاريخ معاصِر لمرض الاكتئاب في علاقته بالجماعات العلميّة، المنظومة الرأسماليّة، الثورة التقنية، نمط الحياة المُعاصِرة والمرضى أنفسهم. فكيف أسهمت الثورة التقنية والصناعيّة الجديدة في تعاظم «خطر» الاكتئاب؟ وإلى أي حدّ استطاعت المنظومة الرأسماليّة الهيمنة على مخرجات الطب التجريبيّ وربط الحزن الإنسانيّ بالاكتئاب من أجل تحرير سوق الأدوية؟ وأي تأثير لصدمة الجَائِحة على الصحّة العقليّة والنفسيّّة للإنسانيّة؟

أسهمت الثورات الصناعيّة والتقنية التي عايشتها البشريّة طيلة القرون الثلاثة الأخيرة في دفع أنماط الحياة الاجتماعيّة والنفسيّّة للإنسان نحو حدودها القصوى. فمنذ ظهور التصنيع والتمدين، وصولاً إلى الحياة الدائمة الاتصال وثورة البيانات الضخمة (The Big Data)، أصبحت الإنسانيّة تتفاعل مع قدر كبير من المُعطيات، المعلومات، التقنيات وأنماط الحياة الجديدة التي لم تعايشها طيلة (316) ألف سنة من وجودها. فوحده الانتقال من نمط الحياة القروية نحو الحياة الحضرية والتفاعل اليومي مع مليارات المعلومات بعالم الأنفوسفير، كفيل بأن يغيّر نظرة الإنسان لذاته، للعالم وللآخرين. وفي نفس الوقت، يرفع من درجة وحدة «الضغوطات» الشعورية واللاشعورية التي تنتج عن هذا التفاعل المُستمر مع «العصر الجديد». إضافة إلى ذلك، وتحت ضغط رهان الرفع من القدرة الإنتاجية للتنظيمات الصناعية، تمَّ توجيه جهود البحث العلمي والطبي نحو تطوير القدرات البدنية وعلاج الأمراض والأوبئة، التي تكبح سيرورة الإنتاج والاستهلاك بالضرورة، في تغافل شبه تام عن الأمراض والاضطرابات النفسيّّة. وتبعاً لذلك، لم يكن هناك اهتمام كبير بالطب النفسيّ، نظراً لمحدودية الأثر الاقتصاديّ لهذا النمط من البحث العلمي من جهةٍ، وانتشار التمثُّلات الثقافيّة والاجتماعيّة السلبية حول هذه الاضطرابات نفسها من جهةٍ أخرى. لهذا، ورغم ترافق تطوُّر حدّة الاضطرابات النفسيّّة بضغوط العمل والحياة الحضرية الجديدة، إلّا أنه كان علينا الانتظار إلى لحظة تطور الطب التجريبي خلال النصف الثاني من القرن الماضي وانتباه المنظومة الرأسماليّة للإمكانات التي يوفّرها سوق الأدوية والأمراض النفسيّة لتزايد الاهتمام بها. نتيجة لكلّ ذلك، ستطفو على السطح «إمبراطورية الاكتئاب» بوصفها لحظة مصالحة إنسانية مع الأمراض النفسيّة في ثوب يتداخل فيه الاقتصاديّ بالعلميّ والنفسيّّ بالثقافيّ ليصنع أحد أهمّ ألغاز العصر؛ سواء فيما يخص التشخيص أو العلاج.

في الواقع، تعد مختلف الأمراض والاضطرابات النفسيّّة، بما فيها الاكتئاب، ملازمة لتاريخ البشريّة وعايشتها جلّ الحضارات الإنسانيّة. صحيح أن الثورات التقنية والصناعية قد رفعت من حدة هذه الاضطرابات، إلّا أنها لم تصنعها بالضرورة بقدر ما فتحت المجال أمام الدماغ البشريّ للتفاعل مع ضغوطات الحياة الحضرية والتقنية الجديدة. وتبعاً لهذا، وبما أن الانتقال من نمط الزراعة إلى التصنيع قد مرّ بشكلٍ سريع، مقارنة بآلاف السنين التي قضاها الإنسان بالعيش على الصيد والثمار، فإن العلوم العصبية تذكرنا بأن التركيبة العصبية للدماغ البشري لـ«إنسان الراهن» غير قادرة على التعامل مع هذا القدر الكبير من الضغوطات والمعلومات التي ولدتها الثورات الصناعيّة والتقنية خلال القرون الثلاثة الأخيرة. إضافة إلى أن عالم الأنفوسفير قد كان له دورٌ كبير في رفع نسبة التفاعلات والبيانات التي يتلقّاها الإنسان بالعالم الرقميّ. لذلك، كان من الطبيعيّ أن تنخرط الإنسانية في «أزمة الصحة النفسيّة» طيلة القرنين الماضيين. لكن، لماذا يتمُّ ربط هذه الضغوطات والتفاعلات الرقميّة، التي يتعايشها الإنسان بشكل يومي، بمرض الاكتئاب؟

في نفس السياق، يهدف المُؤرِّخ الأميركيّ «جوناثان سادوسكي» في كتابه «إمبراطوريّة الاكتئاب: تاريخ جديد»(1) إلى محاولة وضع تأريخ معاصِر للحدود النفسيّّة والاجتماعيّة الفاصلة بين الحزن، السوداوية والكآبة ومرض الاكتئاب. أمام تطوُّر الطب التجريبيّ والقبول الاجتماعيّ لمقولات المرض النفسيّّ، ازدادت نسب الإصابة، الكشف، البحث عن العلاج والنقاشات العامة حول مرض الاكتئاب في جل أرجاء العالم. لهذا، يؤكِّد سادوسكي على أن الاكتئاب ليس وليد ثقافة المركز بقدر ما هو ظاهرة عرفتها وتعايشها جلّ المُجتمعات(2)، فضلاً عن إسهام الشروط الثقافيّة والاجتماعيّة في تعزيزه بنفس درجة المُحددات البيولوجيّة والنفسيّّة. ففي نهاية المطاف، يظل المرض بناء اجتماعيّاً مرتبطاً بالثقافة التي «تقرِّر ما هو طبيعيّ وما هو غير طبيعيّ»(3) بالنسبة للفرد. في الواقع، وفي سياق هذا القبول المُجتمعيّ لمقولات المرض النفسيّّ، أصبحت مختلف الاضطرابات النفسيّة اليوميّة والبسيطة تدرج في خانة «المرض النفسيّ»، نظراً لصعوبة التشخيص من جهةٍ، وخصوبة سوق الأدوية النفسيّة من جهةٍ أخرى. لذلك، وبقدر الخطورة التي يشكِّلها الاكتئاب على الحياة النفسيّة للإنسان المُعاصِر، فإن هذا الهوس الجمعيّ بالمرض قد أسهم في بناء «إمبراطوريّة الاكتئاب» التي يتداخل فيها الثقافيّ بالنفسيّ، العلميّ والاقتصاديّ(4) لتحويل الحزن الاعتياديّ إلى اضطراب ومرض تحت ثقل الثقافة الاجتماعيّة للمرض أكثر من المرض نفسه.

جوناثان سادوسكي

بعد أن كان الكلّ مضطرباً بالأمس من وصم المرض النفسيّ، أصبح الجميع اليوم خائفاً من هذه الأمراض في سياق مجتمع المخاطر المُنعدمة. لهذا، أضحى الناس يقبلون، بطواعية، على كشوفات نفسيّة -متغيّرة المعايير باستمرار وغير واعدة فيما يخص النتائج- من أجل البحث عن علاج لحالات كآبة وحزن ظلَّت طبيعيّة واعتيادية طيلة تاريخ البشريّة الطويل. صحيح أن حدة هذه الاضطرابات قد زادت، كما أن ثقافة المرض النفسيّ لازالت غير منتشرة على نطاقٍ واسع، إلّا أن المنظومات الرأسماليّة قد انخرطت لعقود في صراعات طويلة مع الجماعات العلمية لربط علاج الأمراض النفسيّة بالعقارات وتحرير سوق الطب النفسيّ بالضرورة. وعليه، وأمام ربط اشتغال الطب التجريبيّ والعقارات التجريبية بالمنطق الوقائي قبل العلاجي، أصبحت إمبراطورية الاكتئاب تشتغل على الحدود الفاصلة بين عالم الحزن وعالم المرض النفسيّ. وفي ظل هذه الضبابية، تزايدت حدة الانقسامات بين الجماعات العلميّة، الساسة، رجال الاقتصاد والعموم، ولم تسهم سوى في تضخيم الصورة الجمعية للمرض عوض البحث عن بناء تشخيص دقيق وعلاجات واعدة له.

ليس المرض النفسيّ دائماً سيئاً. وفقاً لهذا المنظور، تمَّ ربط مختلف الاضطرابات النفسيّة بالمقولات الفلسفيّة للإبداع. لكن، وفي الآن نفسه، تمَّ فتح المجال أمام تزكية المركزية الغربية في بناء هذه الأمراض. لطالما ساد الاعتقاد بأن الاكتئاب مقترن بالثقافة الغربيّة(5)، نمط الحياة الحضرية أو جغرافيا الفكر (الشمالي)، التقنية والثورة الصناعيّة بالضرورة. إضافة إلى ذلك، لازال الصراع القائم بين الجماعات العلميّة منحصراً حول البحث عن الشرط العضويّ أو النفسيّ للمرض. كما أن «الهوس» الرأسماليّ بالطب التجريبيّ أعاد التشكيك في مصداقية وفعالية الطب النفسيّ وتصوُّر المرض النفسيّ بالأساس. استناداً إلى هذا الوضع، يشير «سادوسكي» إلى ضرورة تجاوز هذه الثنائيات السطحية(6) والتأكيد على أن لكلّ مقاربة أو تفسير علمي ما يقدِّمه، سواء تعلَّق الأمر بالطبيعيات أو الاجتماعيات. ففي نهاية المطاف، تستهلك هذه الثنائيات جزءاً كبيراً من جهود الجماعات العلمية وتنعكس سلباً على تطوُّر المُقاربات والنظريّات العلميّة بالمجال وتسهم كذلك في مزيد من نزع الشرعية الاجتماعيّة والاقتصاديّة عن مختلف التخصُّصات القابعة على الحدود بين الاجتماعيّات والإنسانيّات.

ختاماً، اقترن الاهتمام العلميّ والمُجتمعيّ بالاكتئاب بثورة الطب التجريبيّ وانفتاحه على قطاع الأدوية والعقاقير. صحيح أن هذا المرض ملازم لتاريخ الإنسانيّة بالضرورة، في حين أن الثورات التقنية والصناعيّة لم تعمل سوى على الرفع من وتيرته وتعزيز المُصالحة الجمعية مع الأمراض النفسيّة على حساب الحالات الاعتيادية والسوية، إلّا أنه لازال إلى اليوم بلا تشخيص دقيق أو علاج واعد. لقد أسهمت الثنائيات المُحايثة لتطوُّر النظر العلميّ إلى المرض (العضويّ/النفسيّ، الاقتصاديّ/الثقافيّ، وغيرها) في تزايد الانقسام الحاصل بين الجماعات العلميّة بالشكل الذي ضخَّم من الصورة المُجتمعية للمرض. وعليه، أصبح الاكتئاب خلال القرنين الماضيين قابعاً بين حدود القلق والكآبة أكثر من الاكتئاب نفسه. اليوم، أعادت الجَائِحة تسليط الضوء على هشاشة الصحّة النفسيّة والعقليّة للإنسان المُعاصِر بالشكل الذي سيعمِّق من حدة الانقسامات الحاصلة بين الجماعات العلمية، مع ارتفاع رقم معاملات شركات الأدوية والعقارات، دون أن تنتهي هذه السجالات بتوافق فيما بينها حول النهج المُتداخل الاختصاصي والتفكير في مسابقة الزمن لعلاج المرض بالأساس. إن صراعنا الطويل مع الاكتئاب ظلّ صراعاً مع خوفنا منه. لهذا، يجب على سجالات ما بعد الجَائِحة أن تتجاوز الانقسامات والرهانات الاقتصاديّة للبحث عن علاجات واعدة لأمراض العصر (الاكتئاب، السرطان، السيدا، الزهايمر، وغيرها) التي تهدِّد صحّتنا العامة ونوعنا البشريّ في المُستقبل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

  • Jonathan Sadowsky, The Empire of Depression: A New History, Polity, 2020.
  • https://www.psychiatrictimes.com/view/people-history-depression
  • China Mills, When is sorrow sickness? A history of depression : A book traces the shifting lines between sadness and illness, but not who gets to, Nature 587, pp. 541-542 (2020).
  • Jonathan Sadowsky, The Empire of Depression: A New History, Op. Cit, p : 7-8.
  • ibid, p : 51.
  • China Mills, When is sorrow sickness? A history of depression : A book traces the shifting lines between sadness and illness, but not who gets to, Op. Cit, p : 542.

لوك فيري: نحن نعيش ثورة صناعيّة ثالثة

في مقالته الأخيرة، «الثورة ما بعد الإنسانيّة» (منشورات بلون)، يرى «لوك فيري» أن الآفاق التي تفتحتها أمامنا الابتكارات التكنولوجيّة والعلميّة مبهجة ومقلقة على حد السواء. فيما يلي حوار أجريناه مع هذا الفيلسوف، في وقتٍ أصبح فيه الذكاء الاصطناعيّ يُثير العديد من الأسئلة حول مستقبل الإنسان والكوكب.

هل يجب أن نشعر بالخوف من الابتكار العلمي التقني ومن الذكاء الاصطناعي؟

– لوك فيري: إن النزوع نحو ما بعد الإنسانيّة هو ما يطرح مشكلة على نحو خاص. فهذا تيار فكري فلسفي وعلمي يأتينا من الولايات المُتحدة. وأوروبا لم تتعرَّف عليه بعد بشكلٍ جيّد. فبفضل التمويلات الضخمة اليي تمنحها العديد من الجهات من ضمنها شركة «جوجل»، والتي تعدُّ بملايير الدولارات، اتخذ هذا التيار أهمِّيّة كبرى على الضفة الأخرى من المُحيط الأطلسي، وحرّرت حوله آلاف الإصدارات وأقيمت له العديد من الحلقات الدراسية، كما دارت بشأنه مناقشات ساخنة بين كبار المُفكِّرين أمثال فرانسيس فوكوياما، ميكاييل سانديل أو يورغن ها برماس. وهو يهدف أولاً إلى الانتقال من الطب العلاجي التقليدي -الذي ظلّ لآلاف السنين يرمي إلى غرض واضح وهو العلاج أي «إصلاح» الأجسام المُصابة أو المريضة- إلى نموذج «زيادة» أو تحسين الإمكانات الوراثية للجنس البشريّ. ومن هنا جاء الطموح إلى مكافحة الشيخوخة والزيادة في أمد الحياة لدى الإنسان، ليس فقط من خلال محاولة القضاء على الوفيات المُبكِّرة، كما دأب على ذلك الأطباء منذ القرن الثامن عشر، ولكن باستخدام التطبيب التكنولوجي والهندسة الوراثية والتهجين البشري/الآلي، لجعل البشر يعيشون لفترة أطول بكثير. والهدف النهائي من ذلك هو التوفيق بين الشباب والشيخوخة.

هل هي إذن محاولة للحصول في آنٍ واحد على قوة الشباب والحكمة التي لا تتأتَّى إلّا مع التقدُّم في العمر؟

– ل. ف.: هذه النقطة تعجبني كثيراً. فإذا افترضنا أننا سنتمكن يوماً ما من أن نعيش وقتاً أطول بكثير، إذن سيكون بمقدورنا أن نشهد ميلاد إنسانية ستكون شابة ومسنة في الآن نفسه، غنية بالعديد من التجارب التي يتيحها العيش المديد، ولكنها تتمتَّع بكامل الصحة الجسديّة والفكريّة. في الوقت الحالي، لا يوجد دليل فعلي على أن هذا سيكون ممكناً بالنسبة للبشر، على الرغم من أن بعض الباحثين في جامعة «روتشستر Rochester» قد نجحوا في إطالة عمر بعض الفئران المُعدَّلة وراثياً بنسبة 50 %. ومع ذلك، فمَنْ ذا الذي يستطيع أن يتنبأ بما ستكون عليه التقانة الطبية والتكنولوجيا المتناهية الصغر والذكاء الاصطناعيّ والجراحة الحيوية في القرن المُقبل؟ يجب علينا أن نستبق منذ الآن المشاكل الأخلاقيّة والسياسيّة والميتافيزيقيّة التي ستثيرها هذه المُقاربة الجديدة لمُمارسة الطب. وأضيف أن هناك جانباً آخر من المشروع الما بعد إنسانيّ يبدو مثيراً للاهتمام بالنسبة لي: فبعد الصراع ضد عدم المُساواة الاجتماعيّة المُرتبطة بقيام دولة الرفاه الاجتماعيّ، يعتزم أنصار التيار الما بعد إنسانيّ أن يصارعوا ضد اللاتكافؤات الطبيعيّة. فاليانصيب الجيني لا يرى ولا يحس، وهو غير أخلاقيّ وغير عادل، وإذا كانت الإرادة الحرّة للإنسان قادرة على تصحيح ذلك فسيكون ذلك نعمة عظيمة.

هل يمكن أن يكون فيه تهديد للبشريّة؟

– ل. ف.: في رأيي، يكمن الخطر في المُنافسة بين الأمم والجيوش، ثُمَّ بين الأسر، وهي منافسة قد تقودنا عن غير قصد إلى تغيير الجنس البشريّ. دعونا نأخذ مثالاً على ذلك: اخترعت شركة ألمانيّة رقاقة يمكن زرعها خلف شبكية العين لإعادة البصر للأشخاص الذين أصبحوا عميان بسبب المرض، ومع أن هؤلاء الأشخاص لم يستردوا قدرتهم الكاملة على الرؤية إلّا أن حياتهم قد تحسنت بشكلٍ كبير. تخيل أن هذه الشريحة تطوَّرت في المُستقبل حتى أصبحت حدة النظر لدينا تضاهي الصقور، فإن الجيوش سوف تسابق بعضها في صنع كتائب من الجنود «المعززين». وإذا قامت إحدى الأسر بتزويد طفلها بمثل هذه الأداة، فهناك احتمالٌ كبير أن الأسرة المُجاورة سترغب هي الأخرى في فعل الشيء نفسه. ولذلك يجب أن تكون الكلمة الفصل هي «التنظيم عبر القانون»، أن يُحَدّد بالضبط ما الذي سيسمح به وما الذي سيتمُّ حظره؟

على أيّة أسس يجب أن نختار بين هذه الإمكانات المُقدَّمة للبشريّة؟

– ل. ف.: بدايةً يجب أن نعرف بأنه لا مناص لنا من القيام بذلك، ولكن الأمر سيكون من الصعوبة بمكان لأسباب أجملها في ثلاثة: التكنولوجيّات الجديدة عالية التعقيد وفائقة السرعة، وهي تقنيات مُعولمة، ممّا يجعل التشريعات الوطنيّة بالية وغير فعّالة أمامها. لذلك فالثورة التكنولوجيّة ستؤدي إلى ارتفاع مهول في حجم السياحة الطبيّة. وأي تنظيم قانوني لا يشمل مداه التراب الأوروبي بالكامل، بل التراب العالميّ سيكون دون أيّة جدوى. وقد بدأت كلّ من المُفوضية الأوروبيّة ومجلس النواب الأوروبيّ في معالجة هذه المُشكلة، من خلال تقريرين مهمَّين عمّا بعد الإنسانيّة، ولكن ذلك إن لم يتم عبر التعاون مع الدول كلّ واحدة على حدة فإن شيئاً لن يتحقَّق. وعلى مستوى فرنسا، ينبغي أن يشكِّل التفكير في مسألة الابتكار واحدة من أهمّ القضايا السياسيّة. وكما لا يخفى عليكم، ففي الوقت الحالي، شركات الجافا (جوجل وآبل وأمازون وفيسبوك) كلّها شركات أميركيّة. أمّا الأوروبيّون فلم يكتشفوا المشاكل التي تفرضها الثورة الصناعيّة الثالثة إلّا متأخرين جدّاً. ولهذا ألَّفت هذا الكتاب: لأدق على مسامعهم ناقوس الخطر.

هل أنت إذن مثل بيير رابحي تدعو إلى شكل من أشكال «القناعة السعيدة»؟

– ل. ف.: النجدة، ساعدوني! لا مطلقاً. أنا مثل فولتير، أحب العالم الحديث أكثر من أي شيء آخر، وأحب الديموقراطيّة وجوانبها الحميدة. بيير رابحي هو بالتأكيد يتحلَّى بقدرٍ كبير من المسؤوليّة، ولكن تطبيق مبادئه سيكون بالنسبة لي مثل جلب الجحيم إلى هذه الأرض. وعلاوة على ذلك، أعتقد أن كلّ هذه الكراهية للحداثة هي إلى حدّ كبير مسألة موقف، وأنه لا أحد، وخاصة النساء، يريد حقّاً أن يعود إلى العصور الوسطى، إلى تلك الظلامية الحمقاء التي يدعو إليها أنصار البيئة، وخاصة الأصوليّون منهم. فعندما تتعرَّض لحادث أو يلم بك مرضٌ خطير، فإنك تشعر بالارتياح لأنك تملك حظوة العيش في بلد متقدِّم تتوفَّر داخله التكنولوجيا العالية والوسائل التي بإمكانها أن تنقذ حياتك. وعلى النقيض من هذه الكآبة المُنتشرة بين العديد من الناس، فإنني أزعم أن حضارتنا الأوروبيّة الحديثة أكثر جمالاً من أي وقتٍ مضى. فاليوم، تبدو أوروبا الحديثة والعلميّة والعلمانيّة والتي تنعم بالرخاء ثمينة وضرورية. وما سيدمِّرها ليس هو الليبرالية، بل بالعكس، ما سيودي بها هو الافتقار إلى المزيد من الليبراليّة. ولأننا عالقون في بركة وحل اسمها مناهضة الحداثة فإننا معرَّضون لأن نفقد كلّ شيء في الوقت الذي يحسدنا فيه العالَم أجمع على نموذج الحرّيّة الذي لدينا باستثناء بعض المُتعصبين.

هل نموذجنا هو النموذج الأصح؟

– ل. ف.: إن به قدراً من الغباء والابتذال. هل يقضي على القيم التقليديّة؟ هل يخلق عدم المُساواة؟ نعم، بالطبع، لكنه يترك لنا مع ذلك مساحات كبيرة لتوجيه النقد وللمقاومة، للعودة إلى الوراء وتصحيح أخطائنا، كما أنه يمنحنا الفرصة لنجد بأنفسنا معنى لحياتنا. فهل يكون هذا الحظ العظيم الذي نحظى به والذي هو فريد من نوعه على مستوى التاريخ وعلى مستوى الجغرافيا أيضاً، مخيفاً للدرجة التي تضطرنا إلى التنكُّر لما نحن عليه؟ الحقيقة هي أن ميلنا الطبيعيّ يتجه نحو التشاؤم تماماً مثل الوعي الشقي الذي يحب ألّا يحب شيئاً. على النقيض من التفاؤل، فإنه يعطي أجنحة وأسلوباً للتفكير السلبي. حيث أصبح هذا السلوك هو مرض هذا العصر الذي تكاثرت فيه أعداد المقالات التي تعلن مطولاً عن هزيمة الفكر، وتراجع الغرب، وانحسار المدنية، وانتحار القارة العجوز، والفظاعة الليبراليّة، وحماقات أخرى أسوأ من ذلك بكثير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العنوان الأصلي والمصدر:

«Luc Ferry: «Nous vivons une troisième révolution industrielle

مجلة «Presse littéraire» العدد 13، الصفحات 30 – 31.

حقيبتا «جان جينيه» السرِّيَّتان تكشفان عن نفائسهما

أيّام قليلة قبل وفاته في عام (1986)، عهد «جان جينيه» إلى محاميه وصديقه «رولان دوما» بحقبتَيْن ثمينتَيْن تمتلأان بالمسَوَّدات، من ضمنها سيناريو فيلم، كان «جينيه» قد كُلّف بإنجازه من قِبَل «دافيد بووي». هذا الكنز، الذي تنازل عنه لفائدة «معهد ذاكرات للنشر المعاصر»، يُعرَض، أخيراً، للجمهور، في مقرّ المعهد في «دير أردين»، غير بعيد عن مدينة «كون».

كان الكاتب والشاعر والمسرحي الفرنسي «جان جينيه» دائم الحرص على الاحتفاظ بحقيبتَيْه، وعدم التفريط بهما. أمّا عن محتوى الحقيبتَيْن فكان يتمثَّل في تدوينات نفيسة كتبها، بخطّ اليد، هذا الكاتب المتشِّرد الذي أمضى حياته دون أن يمتلك مكتباً، ودون أن يكون له مقرّ إقامة دائم، بل ظلّ، طيلة حياته، يتنقَّل بين غرف الفنادق هنا وهناك. وبعد مرور أربعة وثلاثين عاماً على تسليمها لمحاميه وصديقه «رولان دوما»، ها هو «معهد الذاكرات للنشر المعاصر» (IMEC)  يعرض، أخيراً، هذه الكنوز في «دير أردين»، بالقرب من مدينة «كون». وكان من المقرَّر افتتاح المعرض في 30 أكتوبر (2020)، قبل أن يتمَّ تأجيله بسبب الظروف التي صاحبت انتشار جائحة «كورونا».

جان جينيه (1985)

ولإدراك الأهمِّيّة الاستثنائية التي تحظى بها محتويات هاتَيْن الحقيبتَيْن، لا بدّ لنا من أن نستحضر أن الكاتب أكَّد، في منتصف الستينيات، أنه تخلّى عن الكتابة نهائيّاً. غير أن هذه المسَوَّدات تبيِّن أنّ الأمر لم يكن كذلك؛ فالكتابة تفيض وتتدفَّق، ولا يملك أن يحتويها، «وجينيه يكتب رغماً عنه ويكتب في كلّ مكان»، وفي كلّ وقت: على أوراق الصحف، وعلى أوراق الرسائل التي توفِّرها الفنادق، و«حتى على أوراق تغليف السكَّر»، كما يقول «ألبير ديشي»، الباحث المتخصِّص في أعمال «جينيه»، وأمين المعرض، وهو يحتفظ بكلّ شيء، مكدَّساً في حقائبه. إن الكشف عن هذه الوثائق غير المنشورة، والتي تتيح لنا النظر إلى نهاية حياة «جينيه» من زاوية مختلفة، لهُوَ حدث كبير.

ما الذي تحويه هاتان الحقيبتان؟

– في المرّة الأولى، التي فتح فيها أمين المعرض «ألبير ديشي» الحقيبتَيْن، كان يحاول تمالك نفسه من شدّة التأثُّر؛ فقد رأى «مغارة علي بابا صغيرة، وفوضى من المسَوَّدات بجميع أنواعها دفاتر من أيّام الدراسة، قصاصات صحافية دُوِّنت على هوامشها بعض الملاحظات، (…) ملصقات، منشورات، صحف خاصّة بحركة «الفهود السود». ثمّ كلّ هذه التدوينات، ما لا نهاية من التدوينات (…) هذه المادّة السير الذاتية التي ينهل منها لكتابة مؤلَّفاته». في هذه الفوضى، يمكن العثور على مقالات عن موسيقى الجاز، أو عن اليابان، ومشاريع كتب عن منظَّمة الفصيل الأحمر المسلَّح، وعن التمرُّد في السجون، وعن حزب الفهود السود، والعديد من المخطوطات التحضيرية لرواية «جان جينيه» التي نُشِرت بعد وفاته، تحت عنوان «أسير عاشق»، ثم تدوينات متناثرة من يوميّاته التي تَمَّ جمعها كاعتراف وحصيلة للحياة التي عاشها.

ولكن حقيبتَيّ الشاعر، الذي عاش على الهامش، ولم يغادر الأحياء الفقيرة، تحتويان، أيضاً، على سيناريوهين سينمائيَّيْن لم يتمّ نشرهما؛ الأوَّل بعنوان «إلهيّة – Divine» والثاني بعنوان «الليل – Nuit»، ومن المرجَّح أن يجد هذان العملان طريقهما للنشر قريباً، إذا وافق على ذلك «جاكي ماغليا» المكلَّف بتنفيذ وصيّة «جينيه». ويُعَدّ سيناريو «إلهيّة» مثيراً للاهتمام، بشكل خاصّ؛ فهو اقتباس سينمائي لرواية «جينيه» الأولى، «نوتردام دي فلور – Notre-Dame des fleurs»، التي صدرت في عام (1947). وقد كُتب هذا الاقتباس في منتصف سبعينيات القرن العشرين بناءً على طلب «دافيد بووي»، الذي كان يحلم بلعب دور البطولة في الفيلم. وقد تَمَّ التخلّي عن المشروع، الذي سمع عنه الكثيرون، دون أن يكون لدىَ أيٍّ منهم دليل على وجوده بالفعل، بسبب نقص في التمويل.

كيف تمكَّن «رولان دوما» من الحصول على هذا الكنز؟

– التقى «رولان دوما» بـ«جان جينيه» في أوائل الستينات، وقد حصل التفاهم سريعاً بين «المحامي الذي يتهافت المثقّفون على الاستفادة من خدماته» وبين «شاعر المعدمين». إذ من المعروف عن الرجلَيْن حبّهما المشترك للفنّ وللعالم العربي، وشغفهما، أيضاً، بتجاوز الحدود التي يقف عندها الآخرون عادةً. وبعد عشرين عاماً (في نيسان/أبريل «1986»)، كان «جان جينيه» منهمكاً، بكلّ طاقته، في العمل على رواية «الأسير العاشق»، مع أنه كان يستشعر، وهو في الخامسة والسبعين من العمر، بأن سرطان الحنجرة، الذي كان يعاني منه، ما كان ليمهله طويلاً، حيث وافته المنيّة في الخامس عشر من (نيسان/أبريل)، في غرفته في فندق بمدينة «باريس».

ذهب، إذاً، إلى منزل «رولان دوما» في جزيرة «سان لوي»، وهناك «وضع على المكتب حقيبتَيْن؛ واحدة مصنوعة من الجلد الطبيعي الأسود، والأخرى من الجلد الصناعي بنِّي اللون»، كانتا محشوَّتَيْن بتدوينات مكتوبة بخطّ اليد، ظلّ «جينيه» حريصاً على الاحتفاظ بهما، ثم توجَّه إلى صديقه قائلاً: «رولان، إليك كلّ أعمالي التي هي في طور الإنجاز، تصرَّف بها كما تريد!». مكثت هاتان الحقيبتان لمدّة (34) عاماً، لا أحد يدري بوجودها في مكتب المحامي الذي كان ينوي نشرها بنفسه في البداية، قبل أن يوافق، أخيراً، على مشاركتها مع آخرين، وفي نوفمبر (2019)، تبرَّع بهما إلى «معهد الذاكرات للنشر المعاصر»، وهناك تَمَّ الكشف، أخيراً، عن كلّ ما تحتويانه من كنوز، أمام الجمهور.

ما الذي كتبه «جينيه» بعد أن توقَّف عن الكتابة؟

– بين آخر إصدار نُشِر له، وهو مسرحية «المَساتِر» التي نشرت عام (1961)، ووفاته التي كانت في سنة (1986)، مرَّت خمس وعشرون سنة، وطوال هذه المدّة كلّها، لم ينشر «جينيه» أيّ شيء. صحيح أنه كان يحرِّر بعض المقالات والبيانات؛ نظراً لأنه كان، دائماً، يدعم نضال الأقلِّيّات والمستضعفين، كحركة «الفهود السود»، والمقاومة الفلسطينية…

اللافت لدى «جينيه» هو أنه في الوقت الذي بدأت فيه مسرحيَّاته تحقِّق له شهرة عالمية واسعة، وبعد انتحار رفيقه «عبد الله بنتاجا»، فنّان السيرك المغربي، بدأ الكاتب ينبذ الأدب، ويؤكِّد، أنه قد تخلَّى عن الكتابة، وأنه لن يلمس قلماً بعد ذلك.

إلامَ يصير كاتب هجَرَ الكتابة إلى غير رجعة؟ ماذا يصبح؟ بمَ يمكن تسميته؟ «ذلك هو السؤال الجوهري الذي تجيب عنه الحقيبتان، بشكل من الأشكال»، بحسب اعتقاد أمين المعرض. إنهما تشهدان على أن قريحة «جينيه» لم تجفّ، ولم ينضب معينها؛ «فرغم أنفه، ورغم ركونه إلى الصمت، غمرته الكتابة كالموج. الكتابة أقوى منه. والحقيبتان تَشِيان بسرّ هذه المعركة الفريدة من نوعها، التي انتهت بانتصار الكتابة على الكاتب». الكتابة انتصرت بالفعل؛ لأن «جينيه» سَلَّم في شهر نوفمبر، سنة (1985)، لدار النشر «غاليمار»، روايته «أسير عاشق»، وهي الرواية التي سجَّلت عودته إلى الأدب، ليحكي فيها عن نضالاته، ويتساءل عن مساره؛ كونه منحرفاً سابقاً، بدأ ممارسة الكتابة داخل أسوار السجون. هذا الكتاب الذي ترك مسَوَّدات تصحيحه على طاولة بجانب سريره، سيعرف، أخيراً، طريقه للنشر في شهر مايو/أيار، سنة (1986)، بعد مرور شهر واحد على وفاة صاحبه.

«هذا الكتاب هو سرد لأسفاره وتنقُّلاته الكثيرة لتتبُّع حركة «الفهود السود» في الولايات المتّحدة ومساندتها، ثمّ في الشرق الأوسط، بشكل خاصّ، حيث حَلَّ في عام (1970) لدعم القضية الفلسطينية»، كما يقول «ديشي». وهو لم يذهب إلى هناك بصفته مؤلِّفاً زائراً، بل بصفته مسافراً وحيداً يعبر الشرق الأدنى (الأردن ودمشق ولبنان والأراضي المحتلّة)، ويقضي فيه حوالي العامَيْن. وقد أقام «جينيه» في المخيَّمات، لأنه أخذ على عاتقه مهمّة تأليف كتاب لدعم النضال الفلسطيني، وهو ما سيتحقَّق من خلال نصّ سمّاه «جينيه» «رحلتي إلى الشرق». هل ينتمي هذا النصّ إلى أدب الاستشراق الذي يتغذّى على الغرائبية والمناظر الطبيعية؟ ألا يكون «جينيه»، في حقيقة الأمر، مجرَّد كاتب فرنسي مفتون بالشرق، الذي سكنه منذ طفولته، خاصّةً أنه كتب في «يوميّات لّص»: «لقد كانت طفولتي تحلم بأشجار النخيل»؟، يتساءل «ديشي» قبل أن يخلص إلى أن رواية «أسير عاشق» تمثِّل رائعة «جينيه» الأهم، لأنها نصّ أدبي «مصنوع من نسيج أحلامه»، بلغة «شكسبير»، وعمل سياسي لصالح الفلسطينيين، كتبه كاتب فرنسي عظيم لا يمكن أن نجادل في قيمته ومكانته، في الوقت نفسه، وهو المؤلِّف الذي يبقى، مع ذلك، على الهامش والذي لم يعثر لنفسه على وطن في أيِّ مكان كان ينتقل إليه، والذي سيقيم، نتيجة لذلك، علاقة خاصّة مع هذا الشعب المرَحّل الذي هو الشعب الفلسطيني».

تجدر الإشارة، في النهاية، إلى أن هذا المعرض قد تُوِّج بإصدار كتاب تحت عنوان «حقيبتا جان جنيه» عن «معهد ذاكرات للنشر المعاصر»، ويضمّ الكتاب مسَوَّدات «جان جينيه»، بعد أن وُضِعت في سياقها من طرف «ألبير ديشي». كما ستنشر بعض النصوص من الحقيبتَيْن في كُتَيِّب عن «دار ليرن» المرموقة والمتخصِّصة في إنجاز مونوغرافيات عن كبار الكُتّاب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لور نارنيون

العنوان الأصلي والمصدر:

Les valises de Jean Genet s’apprêtent à révéler leurs trésors

https://bit.ly/3rxZfzH

الأدب الرقميّ.. نحو تدشين فنّ غريب الأطوار!

لا تزال الصورة الذهنيّة التي يكوِّنها القُرَّاء عن الشِعر والشُعراء مرتبطةً، في كثير من الأحيان، برؤية رومانسيّة للعبقريّة المُنسَلة من ذاكرة التعاطي مع العَثرات والإبداع الوليد تحت وهج الشموع.. والواقع أن هذه الصورة الذهنيّة ربَّما لم تعُد حاضرة في زمننا الرقميّ الحالي، فقد تحوَّل الشِعر اليوم إلى ما هو أبعد من مجرَّد نصّ. لقد صارت هناك مفاهيم حداثية جديدة تربط بين جماليات الأدب والخوارزميات، وهو ما يُعرف بـ «الشِعر الرقميّ» و«روبوتات تويتر»، والصور المُركَّبة عبر «سناب شات».. باختصار، صِرنا نعيش الرقمنة بمختلف مناحيها، حتى أطلّ علينا «الشعر» من شُرفَة الحداثة.

«الشِعر الرقميّ»(1) الذي يُسمَّى بـ«الشِعر الإلكتروني» هو بدعة جديدة نسبياً من الأدب، يتأثَّر بمدرسة الواقعيّة والشعر المرئيّ الذي يعتمد على البنية البصريّة، حيث يتمُّ نظمه باستخدام أجهزة الكمبيوتر بصورةٍ شبة أساسيّة، إذ تبدو سماته وخصائصه مبهمة تماماً ومتداخِلة، نظراً لتداخلها مع أنماط أخرى من الأدب والفنون مثل النصّ التَشعُبي، الفنّ الإلكترونيّ، تقنية الهولوجرام المُجسَمة، الإنشاءات الفنِّيّة المُركَّبة والشِعر الصوتي. علاوة على آلية استخدام وتوظيف مقاطع الفيديو والأفلام.

كذلك تتمحور وضعية الشعر الإلكتروني فيما يخصُّ المساحة الفاصلة بين الكتابة الإبداعيّة وإعادة صياغة الترميز والفَنّ والعلوم الإنسانيّة الرقميّة. كما أن آليات عمله تنأى عن بنية الصحافة التقليديّة المُرتكِزة على الطباعة، ممّا يجعل عملية توثيقه والحفاظ عليه أمراً صعباً، وهو ما أكسب الشِعر الرقميّ سمة التآكُل والزوال السريع من الذاكرة النصّية، إلّا أن محاولات التوثيق الدقيق بإمكانها إنقاذ العديد من النصوص من التحلل التكنولوجيّ الحتمي بفعل الوقت.

من ناحيةٍ أخرى، لا يمكن إغفال أن هناك بعض الفَنَّانين لا يجدون غضاضة في أن تختفي أعمالهم بين عشيةٍ وضحاها، ممّا يجعل قصائدهم مجرَّد مُنتَج عابر على مستوى التصميم والغرض الأدبيّ. ومع ذلك لايزال الشعر الرقميّ يواصل مسيرته في التلاعُب بالكلمات والنصوص، بل ويتطوَّر على صعيد الشكل والمضمون، خاصّة وأن بنيانه، ورموزه، وجماليّته تجعله، بشكلٍ أو بآخر، أكثر أهمِّية من الشعر التقليديّ بفضل مواكبته للواقع اللحظيّ المعيش، ومن ثَمَّ أخذت القصائد الإلكترونيّة تنأى عن الكلمات المُعتاد استخدامها في الدواوين المطبوعة، ممّا جعل الشعر الرقميّ بمثابة تجربة عميقة وملموسة ومواكبة للإحداثيات بصورةٍ يصعب إنكارها، حتى وإنْ لم ترقَ إلى نفس درجة الإبداع.

لقد جادل «رومان برومبوشز»، وهو موسيقيّ بولنديّ وفنَّان وشاعر حداثيّ، فرضية أنه في حالة الشعر السيبرانيّ، ينبغي على المرء أن يتجاهل مفاهيم الشعر المُنتمية للقرن التاسع عشر. وذلك انتصاراً لمبدأ التفكير -بصورةٍ أكثر إغراقاً- في سياق التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر.. والسؤال الذي يطرح نفسه؛ كيف سيبدو القالب التفاعليّ بين الشِعر والتكنولوجيا بالضبط؟ وما الذي سيتمخض عن هذه التبادلية بين تلك الأطياف الإبداعيّة التي كانت في السابق وليدة الإلهام والخيال البشريّ دون تدخُّل الآلة؟

كنزعة مثالية تُذكي من قيمة الانفعال البشريّ والعواطف الإنسانيّة، تقف بعض الدعوات في وجهة اقتحام الآلة لمضمار هذه الأنماط الإبداعيّة الحداثيّة، التي تظلّ مرتكزة، في الأساس، على مُخرجات المكنونات الحسيّة، إلّا أن الإيقاع الحياتي قد اختلف وأصبح يفرض واقعاً جديداً يستلزم المُواكبة.. يمكن التوقُّف عند «الشعر الرقميّ» البولنديّ كنموذج، حيث يُصنَّف «الشعر الرقميّ» البولنديّ، بصفةٍ عامّة، إلى فئتين؛ هما: فئة «الشعر الارتجاليّ» ذات المُحتوى المُواكب للأحداث والمواقف الآنية بحسب درجة الانفعال بها، وفئة «الشعر الأكثر ديمومة» المُرتبط بـ «محفِّزات النَظْم».

يتَّسم الشعر اللحظيّ وقصائد «سناب شات» والومضات أو «تويتر بوت»(2)، بالاستعراضيّة والمُحتوى الخفيف، ولا تتكئ قصائده على قواعد مُنظِمة لعملية النشر، إذ يُنشئ الشعراء الرقميّون منشوراتهم عبر وسائط جديدة وفريدة من نوعها، وأثناء تعديل قواعد منصَّات النشر، تَسهُل إمكانية التلاعب بهذه النصوص. وغالباً ما تركِّز قصائدهم الإلكترونيّة على المشاعر العابرة والمُرتبِكة.

ابتكر شُعراء الرقمنة أيضاً، ومنهم الشاعرة البولنديّة «ناتاليا كريزمنيسكي – Natalia Krzemińska»، منصَّات برمجة، يمكنها توليد توصيات بشأن الأفلام القصيرة بناءً على المُراجعات والقراءات الموجودة بالفعل. إذا يمكن قراءة مراجعة نقديّة لفيلم مكوَّنة من جملتين فحسب، بدلاً من المُراجعات المطولة المليئة بالتفاصيل. والمُثير للدهشة أنّ النُقَّاد أنفسهم أصبح ينتهي بهم الحال إلى التعامل أيضاً مع منصَّات «تويتر بوت».

هناك أيضاً «إيوا سوبوليوسكا – Ewa Sobolewska» التي تقوم، في الوقت الحالي، بإرسال بريد إلكترونيّ عشوائي على (Twitter) بواسطة قراءات وتحليلات لا نهائية تضعها على لسان الشخصيّتين الخياليّتين «شرِك والحمار»، بطلي فيلم الرسوم المُتحرِّكة الشهير «Shrek»، فيما يحظى حسابها على تويتر المُعنون بـ (SzrekoMania / ShrekMania) بأكثر من 3000 تغريدة والعدد في ازدياد، لدرجة أن مستوى التفاعل يدفع للتصوُّر بأنه ذات يوم سيقوم الأبطال الخياليّون (Shrek & Donkey) بالتحكُّم في ردود المُتابعين، بل والمنصَّة بأكملها.. لقد نفَخت الرقمنة «الروح» في فضاءات «الخيال الإلكترونيّ»..!!

أيضاً لدى كلٍّ من الشاعرتين «آنا باناسك – Anna Banasik» و«صوفيا جنيت – Zofia Gnat» وجهتا نظر مختلفتان عن وسائل التواصل الاجتماعيّ، حيث تعكف «آنا» عبر حسابها (flarfworld @) على «انستجرام»، المُعنون بكلمة «توهج»، على إعادة اكتشاف المشاعر المُتضاربة التي يكتنفها الغموض والإرباك، وذلك من خلال قصائدها الإلكترونيّة التي تقوم بإنشائها بواسطة مُكثِّف بحث «Google». كذلك تنسج «صوفيا» قصص حب خياليّة، وتخلط، خلال سردها الشعريّ، ما بين أماكن الحياة الواقعيّة وصور تشبه سندات البورصة وأسهم الأوراق المالية، تماهياً مع مفهوم الصعود والهبوط الشعوريّ، في محاولة خلق روابط أدبيّة ابتكارية ذات مسحة واقعية مواكبة لإحداثيات العصر.

في المُقابل، يثير الشعر الإلكترونيّ على «سناب شات» مزاجاً غرائبياً. فعلى سبيل المثال، تنشر الشاعرة «Aldona Stopa» صوراً لشطائر (3)«Pierogi» التي (تتخذ شكل وجوهاً صغيرة مثل الإيموجي على فيسبوك)، وتضع بجوارها قصائد عاطفيّة تتماشى معها. تُوثِّق هذه الشطائر التعبيريّة الصغيرة، ذات الاقتباس الإلكترونيّ المأخوذ عن مواقع التواصل الاجتماعيّ، فترات مؤلمة وأخرى سعيدة وغيرها غاضبة أو قلقة – كلّ ذلك في سياق الشطيرة التي تحمل الإيموجي المُعبِّر عنها وفق التلازُم الشعريّ الجديد الذي ربط بين المعنى والصورة والرقمنة.

هناك أيضاً مولدات القصائد، وهي أيقونات تَنْظِم قصائد وفق مُدخلات المُستخدِم. هذه القصائد تمزج بين تقنية الوسائط الجديدة واللُّغة المُخلَّقة، إذ تُستخدَم برمجة الكمبيوتر في حياكة النصّ وتوليد معانيه من خلال الاستناد إلى خوارزميات تعتمد على آلية فهم اللُّغة. فهناك فنَّانون، أمثال «كاترزينا جيتسينيسكا – Katarzyna Giełżyńska» ابتكروا شعراً إلكترونيّاً يمزج بين الفَنّ الشبكي والرسوم المُتحرِّكة، حيث استخدمت «جيتسينيسكا» في شعرها ما يُعرَف بفَنّ الأخطاء الإلكترونيّة (4)«glitch art»، بالارتكاز على استخدام الخوارزميات واستدعاء المُحتوى الموجود بالفعل، فضلاً عن فكرة «القص واللصق».

أمّا مشروع الشاعر «غريغ ماروسينسكي» المُسمَّى «مشروع بيسوس»، فهو بمثابة احتفاء بالشخصيّة التليفزيونونيّة البولنديّة الشهيرة «ماجدا جيسلر»، النجمة المحبوبة ومقدِّمة برنامج الطهي البولنديّ الشهير «Kuchenne Rewolucje» (النسخة البولنديّة من برنامج الطهي العالميّ «MasterChef» -حيث ساعدتها شخصيّتها المُتوهِّجة وعلامتها التجارية الشهيرة (taglineshelped) على حشد عدد كبير من المُتابعين. كان «ماروسينيسكي» من بين هؤلاء المُتابعين لبرنامج «جيسلر»- حيث عكف في مشروعه على استدعاء عالَم مصغَّر لـ«جيسلر» بالاستعانة بمولد (5)«HTML»؛ ممّا أسهم في إنتاج مغامرات لا نهائية مع الشيف «ماجدا جيسلر» مزودة بنصوص متغيِّرة ومتنوِّعة باستمرار.

وعن «ليسيزيك أوناك» ومولده الإلكترونيّ المُعنون بـ«الفوز»، فهو يعتمد على أخبار المشاهير وقصصهم، بل ويركِّز تحديداً على المشاهير العالميّين الأكثر إثارة للجدل؛ مثل نجم الأكشن في التسعينيّات «ستيفن سيغال»، والمُمثِّل المسرحيّ الساخر «تشارلي شين»، والمُنتج ومغني الراب «كاني ويست»، وكذلك صاحب شركات الأدوية السابق «مارتن شكريلي»، حيث يعمل مولد النصّ الخاص بـ«أوناك» على خلط تويتات المشاهير مع بعضها البعض. ما يفعله مولد النصوص هو أحد أشكال العبثيّة والسخرية، وغالباً ما يكون المُحتوى عاكساً لمدى الاعتلالات الاجتماعيّة التي يعكسها البعض.

هناك أيضاً دار النشر «Wydawniczy Rozdzielczość Chleba – روزدزيلتشوي شليبا»؛ وهي عبارة عن مركز للنشر تمَّ إنشاؤه بواسطة كلٍّ من «ليسيزك أوناك»، «لوكاس بودجرنيه»، «بيوتر بولدزيان». وكان قيد العمل خلال الفترة من 2011 وحتى 2018. وهي منشأة معنية بإنتاج محتوى اجتماعيّ تكنولوجيّ. نشرت دار «روزدزيلتشوي شليبا» العديد من المجلَّدات الشعريّة. كذلك قامت بنشر روايات صغيرة ومقتطفات وعينات من تشكيلات الكلمات الخاصّة بعالَم ريادة الأعمال، فعلى سبيل المثال كانت شركة «Firmy» تبحث عن أسماءٍ مبتكرة ومبهجة للشركات البولنديّة المُسجَّلة التي غالباً ما تنتهي بكلمة «pol» أو «ex».

كذلك قامت الدار بنشر قصائد بعنوان «Pamiętne Statusy/ حالات لا تُنسى» – وهي مجموعة من المُلاحظات الفريدة من داخل عصرنا الرقميّ الحالي. يروي «لوكاس بودجرنيه»، أحد مؤسّسي الدار: «يمكن استلهام العديد من التجارب الغريبة، إذا ما كنت أحد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعيّ ومُلمّاً بكيفية التعامل معها»، حيث تتلاعب قصائد «بودجرنيه» بأنواعٍ مختلفة ممّا يعرف بـ«فنّ ما بعد الإنترنت»، وهو المزج بين فنّ الأخطاء الإلكترونيّة وفنّ تصميم الواجهات التفاعليّة وفنّ التفاعل البصريّ والموسيقيّ في آنٍ واحد. يستخدم «بودجرنيه» نصوصاً مشتقة من يوميّات (فيسبوك)، ممّا يدل على أن وسائل التواصل الاجتماعيّ يمكن أن تخلق طبقة خادعة (قابلة للتذكّر) من جانب المشاهير الزائفين. فغالباً ما تكون أنماط الشعر الإلكترونيّ غريبة وغامضة، ويمكن أن تخلق سُبلاً لإعادة التعامل مع التكنولوجيا؛ يمكنها أن تكون أيضاً الخطوة الأولى نحو تدشين فنّ رقميّ غريب الأطوار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أولجا تيسكيفيتش

المصدر:

https://culture.pl/en/article/emotional-pierogi-loaves-of-literature-polish-digital-poetry

الهوامش:

1 – الشعر الرقميّ: كلّ شكل شعريّ يستعمل الجهاز المعلوماتيّ وسيطاً ويوظِّف واحدة أو أكثر من خصائص هذا الوسيط.

2 – تويتر بوت: نوعٌ من البرمجة التي يتمُّ التحكُّم فيها من خلال واجهة برمجة التطبيقات. تعملُ حسابات البوت هذه على تنفيذ مجموعةٍ من الإجراءات مثل التغريد، إعادة التغريد، الإعجاب، إلغاء متابعة أو حتّى المُراسلة المُباشرة معَ حسابات أخرى. وتحكمُ هذه البوتات مجموعة من القواعد لتفادي سوء الاستخدام.

Pierogi -3: أحد أشهر الفطائر في دول وسط وشرق أوروبا.

4 – glitch art: تقنية إلكترونيّة تعتمد على استخدام الأخطاء الرقميّة أو التناظرية لأغراضٍ جماليّة.

5 – HTML: لغة ترميز النصّ التشعبيّ، وهي لغة الترميز القياسيّة لإنشاء صفحات الويب. وتصف بنية صفحة الويب.

كيف تغيَّرت الطريقة التي نتحدَّث بها في زمن الجائحة؟

فيما تُواجه عدداً كبيراً من دول العَالَم موجاتٌ متكرِّرة من الإغلاق لتسطيح منحنى العدوى بفيروس كورونا، يعكف خبراء اللُّغويّات حول العَالَم على دراسة «لغة» الجَائِحة. في مارس/آذار 2020، دخلت حياتنا اليوميّة مصطلحات مثل «تباعُد اجتماعيّ» «حَجْر صحيّ» و«عزل». وعلى الرغم من أن تلك المُصطلحات ليست بجديدة، إلّا أنها اكتسبت معاني جديدة تؤثِّر على إدراكنا للعَالَم من حولنا.

منذ منتصف شهر أبريل/نيسان الماضي تقوم «بيتسي سنيلر – Betsy Sneller» -الأستاذ المُساعد في علم اللُّغويّات الاجتماعيّّة بجامعة «ميشيجان» الأميركية (MSU)، بمُساعدة «سوزان واجنر – Suzanne Wagner» المدير المُساعد للمشروع ومعهما فريقٌ من الباحثين- بجمع رسائل صوتيّة من سكّان ولاية «ميشيجان» الأميركيّة لتتبُّع ما طرأ على اللُّغة من تغيُّرات خلال الجَائِحة. ويهدف المشروع الذي أُطلق عليه «يوميات MI» إلى تتبُّع تأثير أجواء التباعُد الاجتماعيّ والتعليم الافتراضيّ على اللُّغة، وذلك سواء على المدى القصير أو البعيد. تقول «سنيلر – Sneller»: «ولكن هناك أيضاً ذلك البُعد الإنسانيّ للأشياء (…) أنت تراقب مشاعر الأشخاص من أسبوعٍ لأسبوع، وكيف تتغيَّر بشكلٍ كبير الموضوعات التي يرغبون في الحديث بها».

في بحثٍ لجامعة «ميشيجان» الأميركيّة، تقوم «واجنر – Wagner» -الأستاذ المُساعد في علم اللُّغويّات- بوصف الحرب العالميّة الثانية بأنها تمثِّل منعطفاً حقيقيّاً في اللُّغة الإنجليزيّة لإحداثها تقارباً بين أناس لم يكن لتوجد بينهم أي علاقة. تقول «واجنر – Wagner»: «كان يتمُّ إرسال الجنود الى القواعد العسكريّة فيما دخلت النساء ساحة العمل لأول مرّة». وعلى العكس من ذلك، أجبرنا «كوفيد – 19» على التباعُد جسديّاً، جاعلاً من التعاملات الافتراضيّة شيئاً طبيعياً.

بدأت «سنيلر – Sneller» عملها في جامعة «ميشيجان» في منتصف شهر مارس/آذار 2020، وهو تقريباً نفس التوقيت الذي أعلنت فيه منظَّمة الصحَّة العالميّة حالة الطوارئ العالميّة بسبب الجَائِحة. مدفوعة بتصميمها على توثيق لحظة تاريخيّة، نجحت كلٌّ من «سنيلر» و«واجنر» في الحصول على موافقة مجلس المُراجعة المؤسَّسية في «ميشيجان» لإجراء الدراسة. وتقوم «واجنر» حالياً بلقاء فريق العمل مرّة أسبوعياً لوضع الأسئلة التي يتمُّ طرحها على المُشاركين. أمثلة لبعض الأسئلة التي يتمُّ طرحها: «ماذا كان شعورك في أول مرّة ارتديت فيها القناع خارج المنزل؟» أو «هل اضطررت أنت أو أحد المُقرَّبين إليك إلى إلغاء خطط مهمَّة؟». على الرغم من تعلُّق معظم الأسئلة المطروحة بالوضع الحالي الذي نعيشه الآن، إلّا أن بعض الأسئلة يتمُّ طرحها للتعرُّف بشكلٍ أكبر على المُشاركين، مثل «ماهي الأشياء التي تُشعرك بالامتنان؟». يقوم المُشاركون بتسجيل مدخلاتهم على هواتفهم الشخصيّة، ومن ثَمَّ تحميلها على تطبيق مشروع يوميات (MI).

تحقِّق تلك المُدخلات هدفاً أبعد من التوثيق اللُّغويّ، فهي تقوم بتتبُّع التغيُّرات الاجتماعيّة التاريخيّة التي طرأت تزامناً مع الجَائِحة. لاحظت «سنيلر» تحوُّلاً في نبرات أصوات المُشاركين خلال فترة الثلاثة أشهر التالية، تلقَّى فيها التطبيق عدداً أكبر من المُدخلات من أناسٍ يشعرون بالإحباط وفقدان الأمل. على الرغم من أن البحث مازال في بداياته، إلّا أن «سنيلر» لديها بعض التنبؤات حول الكيفية التي سيؤثِّر بها التباعُد الاجتماعيّ على طريقة الحديث، وبالأحرى فيما يخصُّ مصطلح «الجَائِحة». في بداية شهر أبريل/نيسان 2020، كان المُشاركون والعَالَم بشكلٍ عام غير متأكِّدين ماذا يطلقون على الفيروس، تقول «سنيلر» «كان لدينا أناسٌ يشيرون إلى الفيروس في جمل تتخلَّلها عبارات مثل «الأوقات السابقة» أو «الأوقات الحالية» أو كلمات مثل «إغلاق» و«حجْر صحيّ»، وأضافت أن الأغلبية متفقة الآن على استخدام مصطلح «الجَائِحة».

كلمات لعام غير مسبوق

في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أصدر قاموس أكسفورد للغة الإنجليزيّة (OED) تقريراً تحت اسم «كلمات لعام غير مسبوق». بعكس الأعوام السابقة، التي كان يتمُّ فيها اختيار كلمة واحدة لتكون كلمة العام (على سبيل المثال كلمة «طوارئ مناخية» لعام 2019) شعر المُحرِّرون باستحالة تلخيص عام 2020 في كلمة واحدة. تضمَّن التقرير عشرات الكلمات مثل «عنصرية ممنهجة/ systemic racism» و«انتقاد متعلِّق بالقناع/mask-shaming» وبالطبع كلمة «فيروس كورونا/Corona virus». وجاء في تحليل التقرير أنه في فترة ما قبل يناير/كانون الثاني 2020 ظهرت كلمة «فيروس كورونا» بمعدل 0.03 مرّة كلّ مليون رمز (وهو مصطلح لُغويّ يشير إلى أصغر وحدات اللُّغة). فيما شهد شهر أبريل/نيسان 2020 قفزةً هائلة في استخدام الكلمة المذكورة -متضمِّنة مشتقاتها مثل كلمة كوفيد- ليصل إلى 1.750 مرّة كلّ مليون رمز لُغويّ، ليصبح بذلك أكثر الأسماء استخداماً في اللُّغة الإنجليزيّة. تجدر الإشارة أيضاً إلى أن التقرير تضمَّن أكثر عشرين كلمة استخداماً في يناير/كانون الثاني 2020، مثل «حرائق غابات – bushfires» و«عزل الرئيس – Impeachment» و«ضربة جوية – airstrike»، أمّا في مارس/آذار 2020 فكانت جميع الكلمات الأكثر استخداماً ذات صلة بكوفيد. ومازال المُحرِّرون في (OED) عاكفين على تتبُّع التغيُّرات اللُّغويّة ذات الصلة بالجَائِحة، حتى أنهم قاموا بإصدار تحديثين إضافيين بخلاف تقريرهم ربع السنويّ المُعتاد. تجدر الإشارة أيضاً إلى وجود مزاعم بأن الكلمة الوحيدة التي تمَّ إفرازها نتيجة الجَائِحة هي الكلمة المُركَّبة «كوفيد – 19».

غير الناطقين باللّغة السائدة هم الأكثر عرضةً لاتخاذ قرارات أَقلّ وعياً

تعزي «الفريدا كايثلر – Elfrieda Lepp-Kaethler»، أستاذة علم النفس اللُّغويّ، هذا التغيير غير المسبوق في اللُّغة إلى السرعة التي انتشر بها الفيروس، والتي دفعتنا دفعاً إلى الفضاء الافتراضيّ. في فترة الإغلاق، بدأت «كايثلر» في إجراء أبحاث عن «الميمات»، فهي من وجهة نظرها أرضٌ خصبة لتغيُّر اللُّغة. تقول «كايثلر»: «تزدهر (الميمات) بناء على وجود أرضية من الفهم المُشترك» وتضيف أن «كوفيد» يمنحنا خلفية مشتركة تمكِّن الجميع من أن يكونوا مشمولين داخل الوضع ذاته، كما تشير إلى أن الجَائِحة أظهرت كيف يستخدم الناس الدعابة للتأقلم مع الأوضاع الصعبة.

في 2019، أنهت «كايثلر» دراستها في العلاج بالفَنّ التعبيريّ، وهو نوعٌ من العلاج يستخدم مختلف أشكال الفَنّ -كالرسم أو الكتابة- للمُساعدة في التشافي والنمو. في رأيها، الميمات شكل من أشكال الفَنّ التعبيريّ، لذلك فهي تحاول إدماج أبحاثها في الفصول التي تقوم بتدريسها. في مارس/آذار 2020، اضطرت «كايثلر» -شأنها في ذلك شأن العديد من الأساتذة- إلى استخدام نموذج التعليم عبر تطبيق «زووم – zoom». بشكلٍ عام، تسبَّب ذلك النموذج التعليميّ في عدد هائل من معوقات الاتصال، والتي أثَّرت سلباً على المُجتمعات المُهمَّشة، خاصّة إذا ما اقترن ذلك بسيل من المعلومات حول الجَائِحة والتي قد يكون معظمها غير دقيق. وقد أوضحت دراسة أميركيّة نشرتها دورية «تدريس اللُّغة الإنجليزيّة لغير ناطقيها /TOESL» في أغسطس/آب الماضي، أن التعليم الافتراضيّ أثَّر سلباً على الطلاب الناطقين بأكثر من لغة. وفي الوقت الذي تدفَّقت فيه المعلومات باللُّغة الإنجليزيّة، كانت هناك إمكانيات أَقلّ لدارسي اللُّغة الإنجليزيّة في أنظمة التعليم الأميركيّة، وذلك بسبب افتقارها للبنية التحتية التكنولوجيّة التي تمكِّنها من إدارة التحوُّل إلى التعليم عبر الإنترنت.

في الوقت نفسه، أقرَّت منظَّمة «مترجمين بلا حدود» (TWB) -والتي تعمل على ترجمة كل ما يختص بالصحَّة العامّة- في موجز سياستها العامّة، بأن المُجتمعات التي لا تتحدَّث اللُّغة السائدة قد لا تتمكن من اتخاذ قرارات واعية حول ماهية التصرُّف الأمثل خلال الجَائِحة. وأوضحت «إيلي كيمب – Ellie Kemp»، رئيس إدارة الاستجابة للأزمات في منظَّمة «مترجمين بلا حدود»، في حديث لمنصّة «ديفيكس – Devex» الإعلاميّة المعنية بمتابعة مؤشّرات التطوُّر العالميّة، أن الكلمات الاصطلاحيّة مثل كلمة «تباعُد اجتماعيّ» يمكنها أن تكون غير مفيدة على الإطلاق، لأن المُصطلح نفسه غير مألوف. وتقترح «كيمب» استخدام عبارات مثل «الحفاظ على مسافة من الآخرين» كبديل للمُساعدة على نقل التعليمات بشكلٍ أوضح. بالإضافة إلى ذلك، قامت منظَّمة «محامي كندا» بِحَثِّ سلطات الصحَّة العامّة على إتاحة كافة المعلومات المُتعلِّقة بلقاح «كوفيد – 19» لغير الناطقين باللُّغة الإنجليزيّة، وذلك نظراً لتزايد انتشار المعلومات المغلوطة حول أمان اللقاح. في الولايات المُتحدة الأميركيّة نجد أن البرنامج الخاصّ بمُراقبة اللقاح -التابع لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها- والمُصمَّم خصيصاً لتتبُّع الأعراض الجانبية للقاح «كوفيد – 19»، متاح فقط باللُّغة الإنجليزيّة.

للغة أهمِّيتها الحتمية

تقول «سنيلر» «نحن نجد أن اللُّغة مرتبطة بشكلٍ عميق بالهويّة الشخصيّة للأفراد، كما أنها غالباً ما تُظهر التاريخ الفرديّ والجمعيّ»، وتضيف مؤكِّدة «للغة أهمِّيتها!». نجد مثالاً واضحاً عندما قام الرئيس الأميركيّ السابق دونالد ترامب بتكرار كلمة «الفيروس الصينيّ». إن اللُّغة التي اختارها للإشارة إلى كوفيد أدت الى ظهور مشاعر معادية للآسيويّين عبر البلاد، وبالتبعية تزايدت حالات الاعتداء اللفظيّ والجسديّ بسبب مخاوف تتعلَّق بفيروس كورونا. واستجابة منها لذلك السيناريو، قامت منظَّمة الصحَّة العالميّة بالتغريد «إن الكلمات قادرة على تخليد أفكار وفرضيات نمطية سلبية، ممّا يعزِّز من إيجاد روابط غير حقيقيّة بين «كوفيد» وبعض العوامل الأخرى، كما تخلق حالة من الخوف واسعة الانتشار وتؤدِّي إلى تجريد المُصابين بالمرض من صفة الإنسانيّة». كان استخدام ترامب للمُصطلح متعمَّداً، وهو ما أكَّده مصوِّر صحافي تابع لجريدة «واشنطن بوست» حين التقط صورةً لمُلاحظات خاصّة بترامب خلال إحدى خطبه في مارس/آذار 2020، وكان قد شطب كلمة «كورونا» بخطٍ أسود عريض ليكتب مكانها كلمة «صينيّ».

استخدام الاستعارات/ التشبيهات ذات الصلة بفكرة «الحرب» خلال الجَائِحة ظاهرة لفتت أنظار خبراء اللُّغويّات، إذ حث أغلبهم على استخدام استعارات غير ذات صلة بفكرة الحرب لتشجيع الأفراد على اتباع احتياطات الأمان. فتشبيهات مثل «الحرب ضد فيروس كورونا» قد تؤدِّي إلى إحداث حالة من القلق لا داعي لها، الأمر الذي دعا اللُّغويّين حول العَالَم إلى التشاور بشأن إيجاد عبارات بديلة، وذلك من خلال تفعيل هاشتاج «#Reframe covid» (أعيدوا صياغة كوفيد). أعطت «كايثلر» مثالاً في استخدام لفظ «أبطال» للإشارة إلى العاملين بالصفوف الأمامية خلال الجَائِحة، مؤكِّدةً أن استخدام ذلك اللفظ يُبعد التركيز عن التحدّيات الإنسانيّة التي يواجها هؤلاء العاملون. وأخيراً، تشير «سنيلر» إلى أن حجم الدراسة النهائي مازال مجهولاً، وذلك لأنه مازال يتعيَّن عليهم الاستمرار في توثيق المزيد من المُشاركات حتى بعد إتاحة اللقاح وانتهاء فترة التباعُد الاجتماعيّ، وهو أمرٌ غير معلوم ميعاده حتى الآن.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

بيا آرانيتا

المصدر:

Tracking the Changing Ways We Talk in the COVID-19 Era