حكاية الكائن (إكس)

أخيراً، هأنذا أتنَعَّمُ بالطمأنينة، فالأرض تحتي هادئة كما لم تكن قبل آلاف السنوات، والسماء فوقي صافيةٌ لأوّل مرَّة منذ زمن بعيد، وباردةٌ كما ينبغي لها أن تكون. أمَّا عني، فأنا كما عهدتُ نفسي، مجرَّد ذرّاتٍ عالقة بالهواء، كما كنتُ مذ جئتُ إلى الوجود، لم أتغيَّر مطلقاً، ولم أكتسب أيّ أهمِّية تُذكَر، ما زلتُ غاز نيتروجين عاديّاً يملأ الجو، خفيّاً لا تتذكَّره إلّا قطرات المطر. غير أنَّني اليوم، ولأوّل مرَّةٍ، أشعر بقيمةٍ لوجودي؛ ذلك أنَّني فطِنتُ إلى معرفتي الثرَّة بالحكاية الأولى والأخيرة والأهمِّ في تاريخ هذا الكوكب المغمور؛ الحكاية الطويلة التي احتضنتها هذه النقطة الضئيلة السابحة في فضاء الكون المُتسِع. إنَّها حكاية مُحيِّرةٌ وبسيطة، واضحة وغامضة، ممتعة ومملّة، وعلى سلاستها، هي مأساوية وكئيبة.

لقد شهدتُ ميلاد الحكاية، ورأيتُها تترعرع، ثم تكتسب أحداثاً متتالية حادت بها إلى حيث تنتهي كلّ حكاية، إلى العدم. الحكاية متداخلة ومعقَّدة، ولأنَّ البداية مُبهَمة، فالحكاية ستُروَى من النقطة التي تسبق النهاية بقليل، حيث يتَّضح كلّ شيء، وينقشع الضباب. الزمن هنا مَرِن، يقبل المطَّ والتكوير، يقذف بالأحداث من مختلف محطّاته بلا نظام. المكان هنا بلا حدود، يأتي كعرض جانبي لا أهمِّية له. والأحداث مثل أوراق الحظّ، تتبعثر كيفما اتَّفق، ولا تخضع لتراتيبية نمطيّة. إذاً، وبعد أن عرفتم أنَّ اللعبة بلا قوانين، إليكم بالجزء الذي بين يديّ من الحكاية، قبل أن يفلت:

لقد مضى على الكائن (إكس) ما يربو على أربعة أشهر، وهو يتجوّل وحيداً في المساحات الخالية، حيث لا توجد إلّا ذرّات التراب وجزيئّات الهواء. انتهى به الحال إلى ما كانت عليه البداية قبل آلاف الأعوام، إذ وجد نفسه يطوف الأرض قلِقاً مُجرِّباً شقاءً، لا قِبَل له به. الأكيد أنّ هذا الكائن يعلم أنَّه الامتداد الطبيعي لسلالة عاشت طويلاً بين السماء والأرض، بدأت قصّتها حينما ظهر الكائن (إكس) لأوّل مرَّة، واكتسب اللغة والمهارة، وعَمَّر، وتناسل. الحكاية تعيد نفسها بطريقة ما، لكن على نحو مختلف، فآدمُ هذا الزمن نَسِي اسمه ونوعه، ونَسِي، كذلك، أنَّه يحمل رسالة. لم يعلم أنَّه صار كائناً مغموراً، على حافّة الانقراض، لكن الأسوأ، على الإطلاق، أنَّه ما عاد يعلم إجابة أهمِّ الأسئلة التي تجول بخلده: من أنا؟ ماذا أفعل هنا؟ لماذا أنا؟

لقد كان قلقه من وجوده ينهش روحه، فمنذ أشهر لم يتوقّف عن تمرير أصابعه على الرمال، وتأمُّل السماء، في محاولة منه ليعرف. غير أنّ كلّ تلك المحاولات لم تُؤتِ أُكُلَها، فهو لا يعرف إلّا أنّه الكائن (إكس)، وأنّه وحيد.

لم يجرِّب (آدم الثاني) نعيم الجنّة، ولا يعرف بوجود (إبليس)، لكنه مثل (آدم) ذاق طعم الخطيئة، وبدت له سوءاتُه، غير أنّه لم يُحرِّك ساكناً ليواريها، ذلك أنّها كانت عميقاً بداخله، وتتطلَّب أكثر من رؤيا العين لتُبْصَر، كانت تتطلَّب عين البصيرة، والتي فقدها ضمن ما فقد. ولأنّه لم يذق سوى الشقاء، ظنَّ أنّ هذا هو ما عليه الحال دائماً، ولم يخطر بباله، ولو لمرَّة، أن يوجد شيءٌ ما كالنعيم أو خرافةٌ مُدَوِّخَة كالخلود. ومختلفاً عن (آدم)، لم يشعر بتلك الحوجة إلى كائن من جنسه يُشبِهه ويُكَمِّله، ولأنّه لم يعش لذّة الرفقة، ولم يجرِّب وجود آخر، يجترح وإيّاه خطيئة الاقتراب من الشجرة المُحرَّمة، كان من الطبيعي ألّا يفطن إلى ضرورة البحث عن (حوّاء)، عندما يجد نفسه تائهاً في أصقاع الأرض. (حوّاء) الثانية كانت موجودة بالقرب منه دائماً، تراقبه وتنتظر أن يبحث عنها بقلق، لتُشبِع غرورها الذي تتذكَّره في عمق فؤادها؛ فهي، على الرغم من طول الزمان وتقلُّباته التي جعلت (آدمَ) الكائن (إكس) ينسى كينونته، كانت تحتفظ بجزءٍ أصيلٍ من تكوينها، وكما كانت في أزمنة سحيقة، ما انفكّت تنتبه للتفاصيل وتصطحبها. لكنّ (آدم) ما عاد (آدم) القديم؛ فعندما ملّت (حوّاء) عَيْش دور الأهمِّيّة، وقرَّرتْ- غاضبةً- أن تظهر في أفقه، لم يُكلِّف نفسه سوى عناء الالتفات، فتفَرَّسها بنظرات غريبة، ثمّ مضى.

ولو أنّ «(حوّاء) الكائن (إكس)» لم تحاول أكثر، لكان أفضل. ذلك أنّ آدم المُغَيَّب في عوالمه الغريبة، رأى فيها ما رآه جنس الكائن (إكس) في بعضه؛ رأى فيها الأمر ذاته الذي أدَّى إلى انتهاء قرون من التاريخ والتقدُّم إلى فردَيْن فقط من جنس ذلك الكائن: كان ذلك قبل بضعة أشهر، حدث الأمر كما حدث من قبل، لكن بصورة أكثر غرابةً هذه المرَّة. كانت (حوّاء) قد جاءت إلى (آدم) للمرة السابعة، تحاول- عبثاً- تذكيره بماهيَّته. وكان آدم وقتها مشغولاً بتقطيع الأشجار، وصقل الصخور، ليصنع منها أسلحة. وقد كانت هذه هي المهارة الوحيدة التي تذكَّرها آدم بكلّ تفاصيلها، بعد أن نَسِي كلّ شيء. غرضه من صقل الصخور وتطويع الأخشاب كان بديهياً بالنسبة إليه؛ وهو ما عرفته (حوّاء)، أيضاً، لكنّها ظلَّت تتجاهله. حينما غطَّت (حوّاء) أفقه، راقبها (آدمُ) ببلاهة، وحدجها بنظراتٍ مُتَّقدة، كانت جزءاً من تاريخ الكائن (إكس) في القرون الأخيرة. عندما ابتسم (آدم) بخبث، وهو يُطالِعها، كانت (حوّاء) متوجِّسة، وتُقلِّب في رأسها خيارَيْن، فكّر آدم في أحدهما، بالتأكيد، وسيقدم عليه. دنا منها أكثر، دار حولها ثلاث دورات، تمعَّن في تفاصيلها من أخمص قدميها إلى أعلى رأسها، وأخيراً لمعت عيناه بحزم، فتقدَّم نحوها بخطًى متسارعة.

ضربها بكلّ قوته، غرس صخرة مصقولة في أحشائها، وعندما حاولت الهرب، أحكم قبضته على منابت شعرها، وجرَّها إليه، مُراقِباً سكرات موتها. تدفَّق الدم منها حارّاً وقرمزياً، وانهالت الدموع الدافئة تجري في وجهها الدائري في شكل أربعة مسارات تلتقي عند ذقنها، لتنزل على يدي (آدم) الخشنتَيْن، وقد كان (آدم) يتلقَّف تلك الدموع متلذِّذاً بملوحتها الطاغية. كانت (حوّاء) تعلم أنّ موتها محتمل، لكنّها آثرت المغامرة على أن تعيش وحيدة، وكانت هذه أكبر غلطةٍ ترتكبها (حوّاء)؛ غلطة قديمة لطالما وقعت فيها «(حوّاء) الكائن (إكس)»، ولم تكن (حوّاء) الأخيرة بدعاً منهنّ.

أمّا آدم، فقد شعر بفرحة عميقة، وانفرجت أساريره، وبات ليلته تلك سعيداً ومرتاح البال. لقد رأى (آدم) من (حوّاء) اختلافها عنه، بل إنَّه لم يرَ غير ذلك إطلاقاً؛ فعندما دقَّق فيها النظر وجد جسدها يشبه جسده إلى حدٍّ ما، بيد أنه مختلف، رآها هزيلة بأكتاف ضئيلة، ورأى نفسه ضخماً مفتول العضلات، رأى شعرها الغزير ووجهها الخالي من الشعر، وشاهد صفات جسدية تختلف عنه؛ لذلك ارتأى أنّها- لا بُدّ- مختلفة، فقام من غير تردُّد بوضعها في قائمته السوداء. لم يكن (آدم) ليفهم سبب اختلاف (حوّاء)، إذ كان مُغَيَّباً بالكامل، ومشغولاً بفكرة أنَّه متميّز، وأنَّ من يختلف عنه لا يستحقّ الوجود؛ فهي، بشكلها الرقيق، وبشرتها الناعمة، وهيئتها الجاذبة تلك، لم تكن تعني له سوى مصدر رعب يستدعي أن يُبَاد.

قبل عام، بالضبط، وفي بقعة أخرى، كان (آدم) مُحتفِظاً ببعض ما كانت (حوّاء) تشعر به؛ بالإلفة والميل الفطري تجاه الآخر بين نوعي الكائن (إكس). وقتها، كان في عقل آدم القليل من المنطق، قبل أن يتلاشى إلى الأبد. حينها، كان على هذه الأرض كائنان آخران من نوع (إكس)، إضافةً إلى من سيصيران (آدم) و(حوّاء). وكانت الحرب تدور بين الثلاثة الذكور، بسبب اختلافهم في اللون والشكل أوّلاً؛ فأحدهم كان أبيض البشرة، والثاني كان أقرب إلى لون القمح، والأخير كان أسود بملامح مختلفة، ثم بسبب صراعهم على سبل الحياة، رغم وفرتها بما يكفيهم جميعاً في الواقع. ولم تكن حربهم سوى امتدادٍ لحرب طويلة خاضها جنس الكائن (إكس) منذ وقت غير معروف على وجه الدقّة. لقد اختلف حال هذه الكائنات كثيراً قبل أن تصير إلى ما صارت إليه اليوم، لكن الثابت الوحيد أنَّ جرثومة ما كانت مزروعة في أجسادهم، تنهش داخل قلوبهم، وتقودهم إلى شفا الانقراض. كانت تلك هي الكراهية التي حملها بعضهم للبعض الآخر، لأسباب تافهة وغريبة.

عندما مات أحد الثلاثة، توقَّفت الحرب لبرهة، قبل أن تستعر من جديد. وهذه المرّة، كان وقودها شيئاً مختلفاً تماماً؛ كان صراعاً ملحمياً من أجل حواء!.

كان التاريخ يُعيد نفسه، على نحو ما، وكان أحدهما (والذي سيكون (آدم)، فيما بعد) قد تقمَّص دور (قابيل)، وقتل أخاه، لكن الاختلاف يكمن في أنَّه لم يرَه كأخ، ولم يغالبه الندم، ولم يبكِ على خطيئته، التي كان يراها فضيلة، كما أنّه مزَّق جثّة الآخر وتركها تتعفَّن في العراء، وعندما بان له غرابٌ في الأرجاء؛ قتله، والغراب، بأيِّ حال من الأحوال، لم يكن يريد أن يعلِّمه كيف يواري سوءة الآخر، كان يريد، فقط، أن يقتات من جيفة الآخر؛ الآخر الذي لم يكن، بأيّ شكل من الأشكال، (هابيلَ) جديداً.

بعد أن توقَّفت رحى الحرب الصغيرة، كان (آدم) قد تغيَّر أكثر، ونَسِي- بالفعل- أنّه استمات، مؤخَّراً، من أجل (حوّاء)، وكانت (حوّاء)، من بُعد، تنتظر منه أن يبادر، إلى أن خاضت غمار الاحتمالات، وخرجت منها خاسرة.

قبل أربعة أعوام، كانت الكائنات من النوع (إكس) ما تزال محتفظةً بشيء من الفهم والنزعة إلى الوجود في جماعات يحتمي بعضها بالبعض الآخر. كانت هذه الجماعات، بطبيعة الحال، إثنية، لأنَّ أيّ روابط أخرى جمعتهم فيما مضى، تمزَّقت، ولم يتبقَّ سوى رباط الدم. الحرب كانت الحرب ذاتها التي سيخوضها، فيما بعد، آخر ثلاثة سيعيشون، كانت تُثَار بسبب الإثنية والبحث عن غذاء ومساحات. الأرض كانت الأرض ذاتها، غير أنّها كانت أكثر فتوّةً وشباباً ونقاءً.

وقبل مئة عام، كانوا ضمن منظومة ضخمة تجمعهم، تسمّى (حضارة)، وكانوا يستطيعون التفاهم، عبر أصوات ورموز تدعى (لغة). كانت تلك أشبه بمعجزة خالدة، وُلِدت مع تاريخهم الطويل، لكنَّهم فقدوها، بالكامل، قبل سنوات من اللحظة التي استفزَّتني لسرد الحكاية.

وللحقِّ، كانوا أعظم مخلوقات وطئت الأرض، فقد عمَّروها، وجعلوا منها مكاناً مختلفاً، أكثر أمناً وصلاحيّةً للحياة، أو هكذا خُيِّل إليهم.

لا أحد يعرف متى بدأ الأمر، لكنّ أسوأ المتشائمين لم يكن ليتوقَّع أنَّ الأمور ستؤول إلى ما آلت إليه. قبل قرون، كانت حضارات الكائن (إكس) قد انصهرت جميعها في حضارة واحدة، تسعى إلى التقدُّم والارتقاء. حينها، كانت اللغة في أوج بريقها، وكان التفاهم من البداهات. كان لهم أفكارٌ مُتبَنّاة، وأديان مُعتَنَقة، وحقوق. كلّ ما يظهر على السطح كان يُنبِئ بمستقبل زاهر لتلك الكائنات والتي شرعت، بالفعل، في محاولة استكشاف عوالم أخرى. لكن ما لم يكن يعلمه إلَّا المستبصرون والحكماء هو أنَّ الكارثة قادمة لا محالة؛ ففي تاريخهم اقتتلوا أكثر من مرَّة، وتبادلوا الكره على مرِّ قرون. ورغم ما وصلوا إليه، كانوا سطحيين، لا يتقبّلون اختلافات بعضهم عن بعض، وينبذون الثقافات التي لا تروقهم، ويسعون لفرض قناعة محدَّدة وإيمان مسبوك لكلّ مجتمعات كائنات (الإكس)، على اختلافاتهم الجليَّة.

كلّ تلك التراكمات التحمت، ودفعت حضارتهم إلى الانهيار، وشيئاً فشيئاً عادت بهم أنفسهم إلى طبيعتهم الوحشية؛ التي تعشق التمييز والإقصاء، فظهرت الحروب وعاثت الكائنات (إكس) في الأرض فساداً، وتشتَّتوا في أصقاع الأرض؛ تهدف كلّ جماعة منهم إلى محو غيرها.

وانتهى الأمر بهم إلى كائنات بدائية تبحث عن الملجأ والبقاء، على الرغم من التراث الضخم الذي خلَّفوه، والمسافات الطويلة التي قطعوها في سعيهم إلى القمّة.

ما لا يخفى على جميع الموجودات أنَّ تلك الكائنات، وعندما استشرى بها الغيظ والهمجيّة، هاجمت كلّ أشكال الحياة الأخرى، وقامت بتدمير ممنهج لكلّ ما وقعت عليه أيديهم، فعذَّبوا الطبيعة كما لم تفعل كلّ الكوارث من قبل، وجعلوا من العداء نهجاً مقدَّساً يُورَّثُ إلى الأبناء كفضيلة، تستحقّ الموت في سبيلها.

كلّ تلك السنوات من الغباء والتفريط تمثَّلت في آخر من تبقّى منهم: (آدم الثاني)؛ فهو، بعد أن تخلَّص من غريمه ومن (حوّاء)، وبعد أن فرَّغ طاقات العدائية والكراهية تجاه الحيوانات والنباتات، وجد نفسه قَلِقاً، مسخاً، لا يعرف طريقة يتواصل بها مع العالم، ولا يجد ما سيُفرِّغ فيه ما تبقّى من ميراث عشيرته من كراهية وشحناء وعدائية.

أوّل الأمر، حاول الكائن (إكس) أن يُفرِّغ الأحاسيس المسمومة المكبوتة؛ فكان يجلس معظم وقته يلعن وجود الهواء، ويعيب عليه أنَّه شفَّاف، ويتقزَّز من رائحة المياه، ويسبُّ السماء لأنها بعيدة، ويشرخ التراب في محاولة لإيذاء الأرض. عندما باءت كلّ محاولاته بالفشل، رقد يتلوَّى من الألم. كانت أعضاؤه الداخلية قد بدأت في ملاحظة اختلافاتها العديدة. سَخِر القلبُ من شكل المعدة، والتي- بدورها- عابت على الأمعاء طولها، أرخى المخّ مسامعه، فقبضت العضلات على نهايات الأعصاب لتؤذيه. دارت العيون إلى الداخل لترى ما يعتمل في الجسد، فوجدت بعض الأعضاء تتبادل السخرية، وتلعن اختلافاتها، وشيئاً فشيئاً انخرطت جميع الخلايا في المعركة. كانت اللعنات تحوم في الداخل مختلطةً بالدم وبقايا الخلايا الميِّتة. لم تتوقَّف الأعضاء عن نهش بعضها بعضاً، رغم المحاولات المستميتة من الكائن إكس للسيطرة، وفي غضون دقائق، بدت بطول التاريخ العريض لوجود نوعه، كان الكائن (إكس) قد تمزَّق داخلياً، بالكامل، وبعد أن هدأ كلّ شيء، وتوقَّفت الجلبة.. مات!.

لويز غلوك.. الشاعر والقارئ (خطاب نوبل)

حصلت «لويز غلوك – louise Gluck» على جائزة «نوبل» في الآداب لعام (2020). هذه محاضرة «نوبل»، التي لم تتمكَّن من تقديمها بنفسها، بسبب جائحة (كوفيد- 19).

نص الخطاب:

عندما كنت طفلة صغيرة (خمسة أو ستة أعوام، على ما أذكر)، نظَّمتُ مسابقة في رأسي، مسابقة لتحديد أعظم قصيدة في العالم. وصل اثنان إلى التصفيات النهائية؛ «الولد الأسود الصغير – the Little Black Boy» لـ« بلايك – Blake»، و«نهر البجعة – Swanee» لـ«ستيفن فوستر – Stephen Foster»، كنت أقضي الوقت، صعوداً ونزولاً إلى غرفة النوم الثانية في بيت جدَّتي، في «سيدار هورست – Cedarhurst»، وهي قرية تقع على الشاطئ الجنوبي من «لونغ آيلند – Long Island»، أقرأ في ذهني، كما كنت أفضِّل، لا بفمي، قصيدة «بلايك» التي لا تنسى، وأغنّي أغنية «فوستر» المؤلمة في ذهني، أيضاً. كيف توصَّلت إلى قراءة «بلايك»، يبقى لغزاً. أعتقد أنّه كان هناك بعض المختارات الشعرية في منزل والدي، بين الكتب الشائعة حول السياسة، والتاريخ، والروايات، لكني أربط «بلايك» ببيت جدَّتي.

لم تكن جدَّتي امرأة كتب، لكن كان هناك «بلايك» وأغاني البراءة والتجربة (The Songs of Innocence and Experience)، وأيضاً كتاب صغير من الأغاني، من مسرحيات «شكسبير»، التي حفظت الكثير منها. وقد أحببت -على وجه الخصوص- الأغنية من «Cymberline»، التي -ربَّما- لم أفهم منها كلمة واحدة، لكنّ سماع النغمة، والإيقاعات، وضرورات الإيقاع، كلّها مثيرة لطفل شديد الخجل والخوف. «والشهرة تكون قبل قبرك»، كنت آمل ذلك.

لقد بدت المنافسات من هذا النوع، من أجل الشرف، ومن أجل المكافأة العالية، طبيعية بالنسبة إليَّ، وقد كانت الخرافات التي مثَّلت قراءتي الأولى مليئة بها. أعظم قصيدة في العالم، بدت لي، حتى عندما كنت صغيرة جدّاً، أعلى درجات الشرف. لقد كانت هذه هي الطريقة التي نشأنا بها، أختي وأنا، من أجل إنقاذ فرنسا «جان دارك»، لاكتشاف الرايديوم «ماري كوري». في وقت لاحق، بدأت أفهم مخاطر التفكير الهرمي وقيوده. لكن، في طفولتي، بدا من المهمّ منح جائزة، وشخص واحد سيقف على قمّة الجبل، مرئيّ من بعيد، الشيء الوحيد المثير للاهتمام، على الجبل. الشخص الذي كان أسفل قليلاً، لم يكن مرئياً.

في هذه الحالة قصيدة. شعرت، بالتأكيد، أنّ «بلايك»، بشكل خاصّ، كان على دراية بهذا الحدث، عازماً على حصد نتائجه. كنت أفهم أنّه ميِّت، لكني كنت أشعر أنّه لايزال حيّاً، حيث كنت قادرة على سماع صوته يتحدَّث إليّ متنكِّراً، لكنّه صوت يتحدَّث معي، فقط، أو معي (على وجه الخصوص) كما كنت أشعر. شعرت بالتفرُّد والتميُّز، كما شعرت، أيضاً، بأن «بلايك» هو من كنت أطمح إلى الحديث معه، ومن كنت -بالفعل- أتحدَّث إليه إلى جانب «شكسبير».

كان «بلايك» الفائز في المسابقة، لكنني أدركت، فيما بعد، مدى تشابُه النغمتَيْن. لقد انجذبت، في ذلك الوقت، كما الآن، إلى الصوت البشري المنفرد الذي يُثار في رثاء أو شوق. والشعراء الذين عدت إليهم، عندما كبرت في السنّ، كانوا الشعراء الذين أدّيت في أعمالهم دوراً أساسيّاً، بصفتي المستمع المختار. أعمال حميمة، مغرية، مخفيّة أوسرِّيّة، غالباً. الأمر لا يتعلَّق بشعراء الملاعب، فالشعراء لا يحادثون أنفسهم.

لقد أحببت هذا الميثاق، أحببت الإحساس بأنّ ما كانت القصيدة تقوله هو ضروري وخاص أيضاً، الرسالة التي تلّقاها الكاهن أو المحلِّل.

كان حفل توزيع الجوائز يتمّ في غرفة نوم جدَّتي الثانية، بحكم سرِّيَّته، فهو امتداد لشدّة العلاقة التي أنشأتها القصيدة: امتداد، وليس انتهاكاً.

كان «بلايك» يتحدَّث معي من خلال الطفل الأسود الصغير. لقد كان المصدر الخفيّ لذلك الصوت، ولا يمكن رؤيته، تماماً، مثلما لا يمكن رؤية الولد الأسود الصغير، أو الذي يُرى بشكل غير دقيق، من قِبَل الطفل الأبيض غير المدرك أو المزدري. لكنني عرفت أنّ ما قاله عن جسده الفاني المؤقَّت الذي يحتوي على روح النقاء المضيئة، كان صحيحاً. عرفت هذا لأن ما يقوله الصبيّ الأسود، روايته لأحاسيسه وتجربته، يتضمَّن لوماً، لا رغبةً في الانتقام لنفسه، بل الاعتقاد بالعالم المثالي الذي وُعد به بعد الموت، فحسب. سيتمّ الاعتراف بما هو عليه، وفي فورة من المرح، يحمي الطفل الأبيض الأكثر هشاشةً من الفورة المفاجئة للضوء. ذلك الأمل غير الواقعي الذي يتجاهل الواقع، يجعل من القصيدة محطِّمة للقلب، سياسية، أيضاً، بعمق. الألم والغضب اللذان لا يستطيع الطفل الأسود أن يسمح لنفسه بأن يشعر بهما، وأنّ والدته تحاول تحصينه منهما، أمران يشعر بهما القارئ أو المستمع، حتى عندما يكون القارئ طفلاً.

لكن الشرف العامّ أمر آخر.

القصائد التي استمعت إليها، طيلة حياتي، هي قصائد من النوع الذي وصفته، قصائد من الاختيار أو التواطؤ الحميم، قصائد يقدِّم فيها المستمع أو القارئ مساهمة أساسية، كمتلقٍّ للثقة أو الصراخ، وأحياناً كمتآمر مشارك. تقول «ديكنسون»: «أنا لا أحد! هل أنت لا أحد، أيضاً؟/ ثم هناك زوج منّا – لا تقلْ ذلك !»، أو كما يقول «إليوت – Eliot»: دعونا -إذن- نذهب، أنت وأنا/ عندما ينتشر المساء على السماء/ مثل مريض مثقل على طاولة…». لم يكن «إليوت» يستدعي فرقة الكشّافة، بل كان يطلب شيئاً ما من القارئ، على عكس قول «شكسبير»: «هل أقارنك بيوم صيفي؟»، مثلاً. «شكسبير»، لا يقارنني بيوم صيفي، لقد سمحت لي القصيدة بالاستماع إلى براعة مُبهرة، لكنّ القصيدة لا تتطلَّب حضوري. في الفنّ الذي هو من النوع الذي انجذبت إليه، يكون صوت أو حكم المجموعة خطيراً. هشاشة الحديث الحميم تزيد من قوَّتها ومن قوّة القارئ، الذي، من خلال وكالته، يتمّ تشجيع الصوت في مناشدة، أو في ثقته العاجلة.

ماذا يحدث لشاعر من هذا النوع، عندما تضعف الجماعة، وتقف بدلاً من عزله/ أو تجاهله/ها؟ أودّ أن أقول إنّ مثل هذا الشاعر سيحسّ بالتهديد، بأنه ليس قادراً على المناورة.

هذا هو موضوع (عمل) «ديكنسون». ليس دائماً، بل في الغالب. لقد قرأت لـ «إميلي ديكنسون» بحماس شديد، عندما كنت في سنّ المراهقة، في وقت متأخِّر من الليل، بعد الاستلقاء على أريكة غرفة المعيشة.

«أنا لا أحد. من أنت؟

هل أنت لا أحد، أيضاً؟»

وفي الإصدار، الذي قرأته حينها، ومازلت أفضِّله:

«ثم هناك زوج منا – لا تخبر عن ذلك !

سوف يبعدوننا، كما تعلم…».

«ديكنسون» اختارتني، أو تعرَّفت بي، وأنا جالسة هناك، على الأريكة.

كنّا نخبة، رفقاء في الخفاء، حقيقة معروفة لدينا نحن، فقط، تلك التي أكَّدها كلّ منا للآخر. في العالم، كنّا لا أحد.

لكن، ما الذي يمكن اعتباره نفياً للأشخاص الموجودين كما فعلنا في مكاننا الآمن تحت السجلّ؟

أنا لا أتحدَّث هنا عن التأثير الخبيث لـ «إيميلي ديكينسون» في الفتيات المراهقات، بل أتحدث عن حالة مزاجية لا تثق بالحياة العامّة، أو تعتبرها مجالاً يفتقد فيه التعميم إلى الدقّة، وتحلّ فيه الحقيقة الجزئية محلّ الصراحة والإفصاح المشحون. مثلا، لنفترض أنّ صوت المتآمر، صوت «ديكنسون»، تمَّ استبداله بصوت المحكمة: «نحن لا أحد. من أنتم؟» تصبح الرسالة شرِّيرة، فجأةً.

لقد كانت مفاجأة لي، صبيحة الثامن من أكتوبر؛ أن اشعر بنوع من الذعر الذي كنت أصفه. كان الضوء شديد السطوع، السلَّم شديد الاتِّساع. البعض ممَّن يكتبون الكتب يتمنّون أن تصل إلى الكثيرين، لكنّ بعض الشعراء لا يصلون إلى الكثيرين من الناحية المكانية، مثلما هو عليه الأمر في المدرج المملوء، فهم يصلون إلى الكثيرين مؤقَّتاً، بشكل متتابع. مع مرور الوقت، في المستقبل. لكن، وبشكل عميق، يأتي هؤلاء القرّاء، دوماً، منفردين، واحداً تلو الآخر.

أعتقد أن الأكاديمية السويدية، بمنحي هذه الجائزة، اختارت الصوت الحميم والخاصّ الذي يمكن أن يحسنه الكلام العامّ، وقد يجعله يمتدّ أحياناً، لكنّه لا يحلّ محلَّه أبداً.

 

المصدر:

Louise Gluck, The Poet and the Reader, The New York Review of Books, V. LXVIII, N°1 (January 14th, 2021): p.29

ما بعد المئة

يأخذ نفساً عميقاً، ويخرجه قائلاً: «أستغفرُ الله العظيم»

شيء في فؤاده يضطرب، تتلكَّأ الكلمات وهي خارجة بلهفة الولهان: أستغفرُ الله العظيم، وأتوب إليه.

صراخ الشمس في وسط النهار، يجلب الصداع، وينهك الأعصاب. المدى يبدو خالياً متعباً، صحراء بلا ذرِّيّة، تلعب فيها الرياح مع الرمال لعبتها الأبدية، وتنصب الجنّ عروشها من شجيرات جافّة، ثم تتركها تدور مع الزوابع؛ لتثبت سيطرتها على العراء، وتسقي المدى بالسراب، مستنبتةً مزيداً من الخواء.

شجرة سنط يتيمة، يجلس تحتها رجل وناقة. يُخرج الرجل بعض الماء من جعبته، يشرب، ثم يبلِّل شفتي ناقته الجافَّتين بقليل منه، ويمسح وجهها، فتلوي رقبتها كأنها تعانقه. يبتسم لها بحبّ، ويربِّت على رقبتها الطويلة الغليظة، يعانقها بلطف فتضع رأسها الضخم على كتفه.

– حبيبتي، أنتِ حبيبتي.

الرموش الطويلة والأهداب الكثيفة، تنظر إليه، من خلالها، أنثى رحيمة، أمّ عطوف، نظرات حبّ ورأفة.

– منذ متى تعرفينني، يا (وضحا)؟

– منذ زمن طويل.. فتحت عينيّ على الدنيا لأراك.

– أتراك سعدت عندما رأيتني؟

– طوال عمرك كنت حبيبي ووليّ نعمتي.

– أستغفرُ الله!

أنزلَ عنها حملها لترتاح:

– حملي خفيف، دعه حتى لا تتعب وأنت تعيده.

– وأترككِ ليزيد عليك الحرّ؟! أستغفر الله!

ترك لها الحبل على الغارب.. لن ترحل، يعرف أنها تحبّه أكثر من حوارها.. استلقى إلى جوارها، وغفا.

نسمات مسائية لذيذة؛ أغرت بعض أوراق الشجرة بمداعبة وجهه المغبّر.. استيقظ جافلاً.. هربت الأوراق بشقاوة، عندما رفع رأسه، وضحكت النسمات على شكله المرعوب من لمسة ورقة.

جلس في مكانه متوجِّساً. نظر حوله، فإذا ناقته واقفة تأكل بعض الأوراق من الشجرة، والشمس في زوالها تمطّ ظلّه حتى جعلته طويلاً كرمح بلا ملامح.

شعر بالجوع، وقف يبحث عن طعام في رحاله. أدخل يده في الرحال يفتِّش، ويحاول أن يتذكَّر: هل بقي معه شيء من الزاد؟ وقع في يده قدح نحاسيّ صغير، أخذه ومسَّد ضرع الناقة، الضرع مليء بالخير، حَلَب في القدح قليلاً من اللبن، وشرب حتى ارتوى.

مسح شاربيه اللذين ابيضَّا بفعل السنين لا بفعل اللبن، ومسّد لحيته المشذَّبة، نظرإلى انعكاسه في القدح: العينان السودوان الكحلاوان الواسعتان، الأنف الأشمّ، التقاطيع القويّة الصلبة، الطول الفارع، المنكبان العريضان، القوّة الجسدية الهائلة: كان حريّاً به أن يكون زعيماً لولا… هزّ رأسه بسرعة، ينفض منه الذكريات التي تواردت، ويمنعها من العبور أمام قلبه.

أفرغ ما بقي من لبنٍ في جوفِه، ثم أعاد القدح إلى الرحال. عاد إلى ناقته يمسح رقبتها.

– أستغفرُ الله العظيم! علينا أن نسرعَ لنصلَ إلى صغيرك، لا بدّ أنه جائع جدّاً!

– نسيتَ أنه معنا؟

– صحيح! أتدرين أنني نسيتُ تماماً!؟

استدار لينظر خلفها؛ وإذا بالصغير يعبث ببعض الأغصان، يحاول أن يلوك أوراقها؛ فتستعصي على أسنانه الصغيرة،

– أستغفرُ الله العظيم! ما الذي كنتُ أفكِّر فيه، عندما اصطحبته معنا؟

– كنتَ تفكِّرُ بي.. خِفْتَ أن أحزنَ على فراقه.

– الطريق طويلة.. لا بدَّ أنه تعب!

– لا تخفْ عليه، مادام إلى جواري فإنه لا يشعر بالتعب.

– لكنه رأى ما لا ينبغي لصغير أن يراه.

دمعت عيناها:

– عليه أن يتعوَّد.

– صدّقيني. هذا الأخير.. لم أكن أقصد..

قاطعته:

– أعلم، أعلم، هو استفزَّك.

سمعا قهقهة ساخرة ممطوطة، إنه ظلّه الممتدّ إلى جواره، غريباً طويلاً وهو يلوك الكلمات:

– لا تقلقي. لا يحتاج الى استفزاز ليقتل.

– أستغفر الله العظيم! ما الذي أتى بك إلى هنا؟

– أنا موجود دائماً. أنت تنساني كما نسيت الحوار.

– ولماذا تضحك؟

– على خيبتك الثقيلة!

– أنت لا تعلم شيئاً.

– أعلم، على الأقلّ، أنك تضحك على نفسك بمداومة الاستغفار، أخطاؤك- يا رجل- لا يمحوها استغفار.

– لن أيئس.. لا بدّ لي من مخرج، لا بدّ من أن أرى النور وأتخلَّص منك إلى الأبد.

– تتخلَّص مني؟ ألا تبالغ في تقدير نفسك، عندما تظنّ أن باستطاعتك الخلاص مني؟

سترى!

– بل أنت من سيرى، أنا موجود ما دمتَ أنت موجود.

اخرس، سأروِّضك أيُّها البغيض.

– إن اتَّجهتَ إلى النور بوجهك؛ أكُنْ خلفك، أعبث بما تبقّى لك من ضمير. وإن أوليت النور ظهرك؛ تجدني أمامك أخفي عنك معالم الطريق، وأتركك للتيه.

– أستغفر الله العظيم. قلت لك: اخرس!

– من أنت حتى تجد في نفسك الجسارة كي تستغفر؟

– هذا بيني وبين الله، ما دخلك أنت؟

– يا أخي، صاروا مع قتيل اليوم مئة، وقتيل اليوم لم يكن عاديّاً.

– نعم، لم يكن عاديّاً.

– تقتل عابداً عالماً؟

– هو عابد نعم، لكنه ليس عالماً، بالتأكيد.

– وكتبه التي كانت تملأ الصومعة؟

– ولو قرأ ألف كتاب.

– ألأنه أخبرك بما لا تريد سماعه؟

– ربَّما، أنا مشَّوش. أنا لا أدري لماذا قتلته.

– الغريب أنك، في كلّ مرّة، تخرج منها كالشعرة من العجين.

– أنا دائماً معي حقّ؛ لذلك أنجو.

– بل أنت محظوظ، فقط.

– قد يكون لأنني أستغفر؟

– قلت لك، يا رجل، إن استغفارك كالنافخ في نار الجحيم ليطفئها.

– استغفر الله. أستغفر الله. سأظل أستغفر ولو لأغيظك فقط. هيّا، يا (وضحا)، علينا أن نصل إلى القرية قبل الغسق، أمّا أنت فسوف تأتي العتمة وتبتلعك.

– انتظر، يا سيدي، نتحدَّث قليلاً. أنا لا أريد لك إلّا الخير.

– اخرس!

وضع الرحل على ظهر الناقة، وتأكَّد من إحكامه فوقها، بينما كان الظلّ يثرثر، محاولاً أن ينال منه انتباهة، وهو أصمّ لا يسمع.

غذَّ السير مغرِّباً، والشمس تكاد تعمي عينيه. يشدّ على الناقة فتسرع، فينتبه إلى رغاء حوارها ينادي أمّه، فيسير الهوينى حتى يلحق بهما الصغير، ثم يجلده ضميره بسوطه فيعجِّل. ظلّ هكذا بين شدّ وجذب، حتى وصلا القرية، والنهار يجود بنَفَسِهِ الأخير.

سأل عن عالم القرية فدلّوه على صومعته. أناخ الناقة وحوارها، ثم أخذ سيفه:

– خير لك أن تترك سيفك عندي.

هزَّ رأسه معترضاً:

– أستغفر الله العظيم! خائفةٌ من أن أفعل شيئاً؟

– بل أخاف أن لا تعود إليّ!

– لا تقلقي! سأعود بإذن الله. استغفري ألف مرّة، وستجديني عندك.

– أستغفر الله العظيم. أستغفر الله العظيم. ربَّت على رقبتها الغيداء، ومضى.

في الصومعة رجال دين وطلّاب علم. سأل عن عالم القرية، فمضى به بعض الناس إليه.

كان الشيخ يجلس مع زمرة من مريديه، يتحدَّث عن التوبة. استمع قليلاً ثم سأل:

– أرأيت، يا شيخي، لو أذنبت مئة ذنب؛ أيغفر الله لي؟

– وما يمنع عنك مغفرة الله؟

– مهما كان حجم الذنب، يا شيخي؟

تفرَّس فيه الشيخ، ثم نظر بحنان:

– حتى لو قتلت مئة نفس!

أوجس في نفسه خيفةً: «أتراه عرفني؟ أنا لم أعد أحصي بعد الخمسين، ولولا ذلك الظلّ اللعين؛ لما انتبهتُ إلى أنني وصلتُ اليوم إلى مئة. كيف عرف الشيخ؟» استجمعَ رباطة جأشه لمّا رأى الناس حوله ينتظرون إكمال الحوار:

– وأين أجد باباً لله، أطرقه لأتوب؟

– أكنتَ يوماً في الصحراءِ، وحدك، تقودُ ناقتك وحوارها، حتى إذا صلتكم الشمس، استظللتم بشجرة يتيمة في أرض خلاء؟

زاد الخوفُ في قلبه.. هذا الشيخ يعرف الكثير عنه! وضع يده على مقبض سيفه مستعدّاً لأيّة مباغتة:

– ربَّما!

– هل رأيت للصحراء حولك باباً؟

– كلّا!

– هل رأيت حرساً وحُجَّاباً؟

– أبداً!

– أكنت تشعر بها- رغم اتِّساعها- تضيق بأنفاسك؟

– نعم.

– من أين جاء الضيق؟

– من نفسي، من داخلي.

– وما الذي ضيّق عليك نفسك؟

فكَّر مليّاً، ثم طأطأ رأسه معترفاً:

– ذنبي، يا شيخي، ذنبي.

– ذنبك طوقّك، وأسَرَك!

– وماذا أفعل إذا كنت أنا مَنْ قيَّدت نفسي بذنبي؟

– فكَّ الطوق! تحرَّر من الأسْر، ترَ كل الدنيا مفتوحة إلى الله، بلا أبواب أو حجاب.

– وكيف، يا شيخي، أفكّ القيد وأكسر الطوق؟

– بالمفتاح.

– أيّ مفتاح، يا سيِّدي؟ أنا عاجز تائه! لو كان عندي مفتاح لاستخدمته، ولما جئتك في سفر لأسأل.

– المفتاح هو الذي جاء بك إلينا!

– أستغفر الله العظيم. والله، ما جاء بي إليك، يا شيخي، إلّا عجزي عن إيجاد المفتاح، فكيف تقول إنه جاء بي إليك؟

– إنه معك، وأنت لا تدري.

– أستغفر الله العظيم! أتسخر مني، يا شيخي؟

– ألم تستغفر؟ ألم تندم؟ هذا أوَّل مفاتيح القيد. قل لي، يا بُنيَّ: لماذا تستغفر، مع أنك تذنب في الغدوّ وفي الرواح؟

– أرتاح، يا شيخي.. أرتاح!

– ألا تشعر بأنك تخدع الله بذلك؟

– أستغفر الله العظيم! كلّا، يا شيخي. أنا أستغفر وأنا عازم على ترك الذنب، ثم لا أجد نفسي إلا وهي تعيد فعلتها، مرّةً بعد مرّة.

– هذه ميزة الاستغفار؛ تخطئ، فتستغفر، فتُنقّى، ثم تعود للخطأ يلوِّثك؛ فتستغفر، ثم يعود النقاء.

– ألا يتركنا الله لأنفسنا؟

– كلّا! لا يملّ حتى تملّوا.

– ويغفر لنا؟

– بل يحبّكم على علّاتكم، وينتظر استغفاركم ليقرِّبكم.

– وهذا الظلام الذي يهدِّدني من بين يديَّ، ومن خلفي؟

– سيختفي هذا السواد.

– كيف؟

– إذا أخرجته من قلبك.

– هو أمامي، هو خلفي، عكس النور.. كظلّي لا في قلبي.

– بل إن بدايته من قلبك، وإلّا لما كان غير ظلّ، لا قيمة له.

– ومتى، يا شيخي، أتخلَّص منه؟

– عندما تكون أنت النور!

– أكون نوراً؟

– نعم. بالاستغفار تصبح نوراً، لأنك تتَّصل بالله، النور.

شعر كما لو أنه كان ميِّتاً فعاش، كما لو أنه أصبح نوراً فعلاً. دمعت عيناه.. منذ زمن بعيد لم يحظَ بدمعة في عينه. قلبه طريٌ كالوجد، روحه محلِّقة كالبراءة، سعيد كطفل في يوم عيد. الشيخ يكمل كلاماً جميلاً، يشدّه إلى مكانه.. روحه تطلب المزيد، شعر بالندم على أخطائه، لم يعد يستطيع الجلوس، يريد أن يبدأ من جديد، يريد أن يتنفَّس الحرّيّة بعد عبودية الذنب الطويلة. استأذن الشيخ بالخروج، وهو سعيد كما لم يشعر في حياته. استوقفه الشيخ:

– يا بُنيَّ، لا تعد إلى قريتك التي كنت فيها، إنها قرية سوء.

لا بدّ أن هذا الشيخ يعرفني. هل أقتله؟ كيف أحدث نفسي بالقتل، وأنا- للتوّ- عرفت طريق المغفرة؟ تبدّى الظلّ في خياله، يبتسم ساخراً: «أستغفرَ الله، أستغفر الله»، فاختفت صورة الظلّ الخبيث! «كلّا، سأهرب قبل أن ينادي الحرّاس».

– أستغفرُ الله العظيم! أين أذهب، وكلّ الديار متشابهة؟

– كلّا، ليست كذلك!

– وأين توصيني أن أذهب؟

– إلى الشام، فإلى هناك يأرز الإيمان.

لعلّ الشيخ يريد أن يسقطني في فخّ:

– قريبة هي أم بعيدة؟

– قريبة بقدر شغفك، بعيدة بقدر تسويفك.

– توصيني بشيء، يا شيخي؟

– لا تفقد المفتاح.

– لن أفقد المفتاح.

خرج من عند الشيخ، عجولاً إلى رحاله. جلَبة غير عاديّة في الليل البهيم. «أتراه أرسل الحرّاس ليأخذوني من رحالي كي لا يدنَّسوا الصومعة؟ « بعض مشاعل تغذّي النار، تصنع من ظلال الناس وحوشاً راقصة. تلثّم جيّداً، ووضع يده على مقبض سيفه متأهِّباً، ونادى في الناس المجتمعين، ممثّلاً دور صاحب السلطة:

– ماذا هناك؟ ما الذي يحدث؟

– ناقة! ناقة متوحِّشة عضَّت رأس رجل!

حدَّثَ نفسه، وهو يتخلّل الحشد: «معقول؟ (وضحا) تفعل ذلك؟ (وضحا) لم تؤذِ أحداً في حياتها!».

اخترق الحشد ليجد رجلاً يحاول تخليص رأسه من بين فكَّيْ (وضحا)، بينما تمسك هي به بأسنانها الكبيرة، وترفعه عن الأرض، وحوارها إلى جانبها، خائفاً، يلوذ بساقيها. أناخها بسرعة، واعتلى ظهرها، وهو ينهرها:

– (وضحا)! ضعي الرجل أرضاً بهدوء!

طوَّحت به، تريد أن تلقي به بعيداً، فصرخ فيها:

– بهدوء! قلت بهدوء!

تركت (وضحا) الرجل، فهرع الناس إليه يتفقَّدون إصابته، و يضمِّدون جراحه، بينما أسرعت هي تخبّ بصاحبها، وخلفها الحوار الخائف، يركض جزعاً راغياً. دخل بها إلى سوق القرية الذي ما زال عامراً بالرّواد، ليضلّل أيّة مطاردة محتملة:

– هل كان هذا حقيقة، أم كنت أتخيَّل؟

– لا أدري! أنت أدرى!

– أستغفر الله العظيم! كيف أكون أنا الأدرى؟ أخبريني.. ما الذي حدث؟

– جاء الرجل يخطف حواري، فرفعت صوتي أستنجد بالناس، فلم يجبني أحد. ناديتك، فلم تسمعني، حاولت أن أخيفه فلم يرتدع، فعضضته.

– يستحقّ ما جرى له.

– هل مات؟

– كلّا. لكنه أصيب إصابة بليغة، وأضفتِ إلى مئتي سبباً آخر ليطاردنا العالم.

ماذا حدث معك، عند الشيخ؟

– لم أقتله.

– أعلم.

– تعلمين؟

– لو فعلت لخرج الناس صارخين. إلى أين نذهب الآن؟

– إلى أمّي.

غذّت الناقة السير إلى مكان تعرفه جيّداً. النجوم تسامر الليل، والسماء الصافية تزيِّنها مجرّات رائعة الجمال، وقمر رفيع في آخر عمره، محدودب الظهر، سقيم كعرجون قديم.

بدت قريته، في الأفق، كآثار الجدري في ظهر شيخ أسود. بركت الناقة على حدود القرية، ونزل عنها يتحسَّس مكان سيره، بصعوبة. القبر الذي وقف عنده يسمع منه صوت استغفار!

– هل سمعتِ شيئاً؟

– ربَّما كان جنّاً!

– ربَّما!

– لستُ مجنوناً!

– كلّا، لستَ كذلك.. أنتَ تبالغ في التفكير وتحليل الأمور، فقط.

جلس إلى جانب القبر، وقال: سلام الله عليك يا أمّي. اليوم، فقط، علمت أنك لم تخدعيني، لم تعلِّقيني بأمل زائف أو مخدِّر يوهمني بزوال الألم، والعلّة كامنة لم تزل. الشيء الوحيد الذي علَّمتني إيّاه، يا أمّي، كان هو المفتاح. لم تخبريني، أبداً، أنك أعطيتِني إيّاه، لكني أظنّ أنك لم تكوني تعلمين أنه كذلك.

أتذكرين، يا أمّي، يوم كنتِ ضعيفة صغيرة؟ كنتِ جميلة غضّة، بيضاء كالحليب، وكانت جدَّتي طينية اللون. تحبّك، لكنها تغار من جمالك وبياضك. كانت تسمِّيك (بهاق)! ربَّما نسيتِ، لكن الطفل الذي كنتهُ لم ينسَ كرهه لضعفك، ساعتها. أنا ورثت عنها لونها الموحل؛ فكانت لا تناديني إلّا (الغالي). وأبي؟ هل تذكرين كيف كان يسخر من ضآلة حجمك، وقصر قامتك، ويتفاخر بي لأنني ضخم الجثّة مثله؟ لم أنسَ كيف كنت أشعر بالقهر منكِ، لأنك لم تكوني تردِّين عليهم، أبداً. أحياناً قليلة، كنتُ أضبطك فيها تمسحين أثر الدموع، وأنت تستغفرين، فأسألك: أنت تستغفرين، يا أمّي؟ هم الذين عليهم أن يستغفروا! هم المذنبون، لا أنتِ! كنت تبتسمين وتقولين: كلّنا بحاجة للاستغفار، الاستغفار يجعلني أرتاح، يجعلني أتذكَّر أن لي ربّاً يحميني، ويقف معي، الاستغفار يحييني بعدَ أن يقتلوا في داخلي الرغبة في الحياة.. ثم تمسكين خديّ بيديك قائلة: يكفيني من الاستغفار أنه أتى بك.

من استسلامك هذا؛ تعلَّمت أن أبطش لأكون محترماً. الناس لا يحترمون الضعفاء، ربَّما يشفقون عليهم، لكن لا يقيمون لهم وزناً.

أتذكرين يوم صرتُ فتًى يقف في وجوههم، ويجعلهم يحترمونك، كيف صارت جدَّتي تناديك: الغالية أمّ الغالي، بينما صار أبي يعاملك كدميته؟ يومها، فهمت أن استغفاركِ جعلني أعمل لحمايتك، وأنني، أنا القويّ الكاسر الذي جئت باستغفار، مسخَّر لتعيشي أنت، الضعيفة المسكينة، كريمة باستغفار.

يومها، يا أمّي، قرّرت أنني مهما فعلتُ فلن أترك الاستغفار. وها قد أثبتت الأيّام أنك كنت على حقّ. سأرحل، يا أمّي، بعيداً كما لم أبعدْ من قبل، وربَّما لن أعود مرّة أخرى. سامحيني، يا أمّي. أحبّك، يا أمّي، أحبّك!.

أنهى كلماته، ثم أخذ بعضاً من تراب القبر، عَفَّر بها رأسه، ثم قام واقفاً.

نظر إلى القرية الغارقة في سباتها، وأشار بيده مودِّعاً:

وداعاً، يا أبي. كنتَ تحبُّني أكثر من نفسك، لكنك كنتَ تسيء في الحبّ التعبير. أنا هنا، يا أبي، كلّما حاولت الوقوف وجدت من يعرقلني، يستكثر عليَّ موقفاً جيّداً، أو نخوة صادقة. أنا في نظرهم، ما عدت إنساناً، أنا وحش متعطِّش للدما،ء فقط. لا يتوقَّعون مني إلّا الأذى، ولا يقابلونني إلّا بالخوف والرهبة، لم يعطني أحد فرصة، لم تسمح لي أيّة جماعة بالانضمام إليهم. لماذا، إذن، آسى على فراقهم؟ أنت، فقط، بعد موت أمّي، كنت ما زلت ترى فيَّ النور الذي اختفى تحت طبقات من خطايا ارتكبتها على مدار عمري. أنت، فقط، الذي نظرت إلى الطيبة الكامنة خلف هذه القشرة العنيدة. أنا راحل يا أبي. اعذرني، فلن أعود. هنا كنتُ مجرماً بسبب أخطاء لم أرتكبها، وأخطاء أصررت عليها. أنا أرحل اليوم، خالعاً كلّ هذا الحمل الثقيل عن كاهلي، باحثاً عن أرض نقيّة، تفتح لي صفحة جديدة، بدون أحكام مسبقة، ولا توقّعات متفوّقة.

وقف ساهماً لحظةً، ثم وضع يده على موضع قلبه كأنه يمنعه من الهروب، وأخذ نفساً عميقاً.. ثم غادر.

رأته الناقة قادماً، فتهيَّأت، وانتظرته حتى اعتلى ظهرها، فقامت.. هرع إليها الحوار يريد أن يرضع:

– يا له من شره!

– مسكين.. لم يرضع كثيراً، سنمشي في الليل؟

– نعم، فكُحْله أرحم من أتون النهار.

– إلى أين ؟

– إلى الشام.

– ماذا في الشام؟

– أستغفر الله العظيم! تسألين كثيراً، اليوم.

– لن أسألك أيّ سؤال بعد الآن، لكن قلبي يكاد ينخلع من فرط ندمي على إيذاءالرجل، فأشغل نفسي بالحديث.

أخذ نفساً عميقاً من هواء الصحراء الساكن في لياليها الساهرة. أصوات غريبة لكائنات لا تبدو للعيان، خشخشات قريبة لحيوانات تبحث عن زادها، تجعل الجوَّ مليئاً بالرهبة والترقُّب. الحديث في هكذا جوّ، يبعد التفكير في المخاوف:

– سأحدّثك عن أوَّل قِتلة قتلتها.

– ألا يكفيني وجعي؟

– الحديث سيسلِّيك.

– حدثِّني.. على الأقلّ، نقطع الطريق الطويلة!

كانت السوق ممتلئة بالناس، يبيعون ويشترون ويتنادرون. لم أكن أتممت عقدي الثاني بعد. شابٌّ بكلّ العنفوان والقوّة. كنت قد تزوَّجت، حديثاً، من فتاة كالقمر. أمّي وأبي يعيشان معي بعد أن توفِّيت جدِّتي قبلها بثلاث سنوات، وأمارس تجارة واعدة، والحياة تبدو أمامي مفتوحة بالطول وبالعرض.

وكعادتي؛ كنتُ، في ذلك الصباح، أنتظر زبونيَ الأوَّل، وأقضي الوقت بمشاكسة جاري العجوز، سليط اللسان الذي يعرف في كلّ الأمور. مرَّت أمامنا فتاة تتلفَّت حولها قلقةً، وتابعتها بنظري، وإذا بشابّ يتحرَّش بها. في البداية، حاولت أن تتفلَّت منه لكن من غير فائدة. لاحظ الناس ما يفعله ذلك الشابّ، وصاروا يضحكون ويتندَّرون، والفتاة تحاول التخلُّص منه. في النهاية، استنجدت بالحاضرين، الجميع أشغلَ نفسه بشيء ما، ليبدو أنه لم ينتبه لاستغاثتها. تصوَّرت أن هذه الفتاة هي عروسي الجميلة، ففار الدم في عروقي، واندفعت إليه زاجراً:

– اترك الفتاة!

– ما دخلك أنت؟

«لماذا يبدو أصحاب الباطل أقوياء بوقاحة، رغم أنهم يعرفون أنهم على باطل؟»

– لأن الفتاة استنجدت بنا!

قال مستهزئاً:

– وكلّ من استنجد بك تلبّيه؟

– نعم!

– إذن، أنجدني وأعطني هذه الفتاة!

لم أتحمَّل وقاحته فوكزته، فَقُضِيَ عليه. تجمَّع الناس وهربت أنا. عدت إلى البيت سريعاً وأخبرتهم بما حصل. أخذت أجمع الضروري من أغراضي وبعض الزاد. أبي يصرخ بي مؤنِّباً، أمّي تبكي، وعروسي تلطم، أمسكت يديها كي لا تؤذي الوجه التفّاحي الجميل، وضممتها إليّ، بشدة، أريد أن اعتصرها لتبقى معي، ونظرت إليها بوَلَهٍ، وقلت: لا أريد أن أظلمك. إن لم أعد خلال سنة، فأنت طالق. شهقت وأعولت، وتمسَّكت بيدي بشدّة، قائلة: خذني معك، ما يحدث لك يحدث لي. تفلَّتُّ منها، وأشحت بوجهي مهرِّباً دموعاً اغرورقت بها عيناي. ركبت فرساً لي سبّاقة، وهربت من القرية. وهكذا، بدأت جرائمي!

الثانية كانت دفاعاً عن فرسي: نزلت أشتري شيئاً، فسمعت صهيلها، عدت وإذا بالسارق قد سار بها، فلحقته. رفض أن يعيدها لي؛ فأرديته.

وإذا أردتِ الحقيقة لم أكن، دائماً، على حقّ، لكنني، في كلّ مرّة، أكون ساعتها على حقّ. الحقّ، يا عزيزتي، نسبيٌّ ما لم يكن إلهيّاً. ما ترينه سرقة أراه استعادة مال، وما ترينه اعتداءً أراه تأديباً. من يملك القوّة يملك الحقّ.

بعد القتيل العاشر (وربَّما التاسع)  صار الأمر أسهل. لم أعد أفكّر في الأمر مرَّتَيْن، ولم أعد أسأل عن دافع المخطئ قبل أن أقتله. النقاش، دائماً، عقيم في ظلّ أناس لا يرون في الحقّ إلّا ما يرونه هم. لماذا أفتح نقاشاً وأرهق نفسي بـ(قيل وقال)؟ القتل أسهل.

سكتَ بعدها طويلاً، وهو يفكِّر بعذاب الضمير المستديم الذي يلازمه. كلّا إنه يغالط شعوره.. لم يصبح أسهل! ربَّما بحكم الخبرة والتعوُّد صار القتل أسرع وأنظف وأتقن، لكن الألم صار أكبر، صار له ألوان وأشكال جديدة، ينسى بعضها فيذكِّره بها عابر سبيل، أو كلمة غير مقصودة، أو لحظة صفاء. أيّ صفاء؟ حياته أبعد ما تكون عن الصفاء.

لمع الخيط الأبيض في أفق السماء، وأعلن الفجر للكائنات فكّ الحصار الذي ضربه عليهم الليل الضرير، فقامت الكائنات إلى حاجاتها سعيدة، آملة بيوم جميل.

– تستطيعين السير بعد؟ حتى ترتفع الشمس، فقط. أعدك.

– لا تقلق. أنا بخير، لكنني خائفة على الصغير.

– أستغفر الله العظيم. نسيته، تماماً.

– تظلّ تنساه!

– يبدو أنني كبرت في العمر.

سارا، والشمس تلعب بظلِّه الذي انشغل، بعبثها، عن الحديث مع صاحبه. الحُوار يجرّ نفسه جرّاً، حتى الناقة صارت خطواتها متقاربة.

– في طريقنا بئر ماء عذبة، أظنّنا نصله قبل الزوال.

– إنه بعيد!

– أستغفر الله العظيم! كلّا. ليس بعيداً جدّاً.

– دعنا نسترحْ قليلاً.

– أين؟ هل ترين، على المدى، مكاناً يصلح لذلك؟

الصحراء كما هي دائماً؛ قاسية ملساء كسكّين. في الأفق، بدت بعض الشجيرات الباهتة الاخضرار.

– أتصلح هذه طعاماً لك؟

قالت، والتعب يهدّها:

– تصلح، تصلح. المهمّ أن أجلس قليلاً!

– أستغفر الله العظيم! قلت لك إن المكان ليس بعيداً!

– لكن هذه صالحة، حقّاً!

سارت به حيث الشجيرات القاسية. نزل عنها، بينما أخذ الحوار يرضع مغتبطاً. أخرج قدحه، وحلب شيئاً من اللبن وشرب. رفع يده اليمنى يظلِّل حاجبيه. هذه الصحراء يعرفها ككفّ يده، تصادقت معه لكثرة ما هرب والتجأ إليها، يحبّها وتحبّه. لم يتُهْ فيها مرّة، شيء ما فيها يدلّه على معالمها، ويسوقه إلى هدفه في كلّ مرّة. يظنون أن لديه موهبة، وهو يعلم أن تقديره لهذه الصحراء؛ حبّه لها؛ جعل قلبها ينبض من أجله. الصحراء القاسية اللئيمة، في ظاهرها، تخفي قلباً مليئاً بالكنوز. الرمل الذي يكوِّن تلالها، ويطغى كالموج العاتي على كلّ حياة فيها.. حبيباته جواهر صغيرة، وقلبها يحفظ الماء للأحباب وكنوزاً أخرى.

الصحراء أكبر شيء يدلّك على أن المكتوب ليس، دائماً، يدلّ عليه عنوانه، وأن الحكم الأوليّ على الأشياء ليس صادقاً دائماً، وليس صحيحاً حتماً، بل يحمل كثيراً من التجنّي والأحكام المسبقة.

شعر بالنشاط والحيوية:

– نسير؟

– نسير. هيّا بنا، قالتها بكسل.

– أستغفر الله العظيم! إذا أردتِ أن نبقى قليلاً بعد؛ فلنبقَ.

– كلّا، كلّا. أخاف أن يبدأ ظلّك بالحديث.

– أستغفر الله العظيم! لا تذكِّريني به، أظنّه، الآن، مشغولاً بخوفه وهو يتناقص.

– أنا هنا، أسمعكم.

– ما الذي أيقظك، أيُّها التافه؟

– لم أكن نائماً، بل كنت مشغولاً!

– بالقلق على مستقبلك؟

– لا تدّعي أنك لا تقلق على مستقبلك!

– أنا أحمل روحي على راحتي، وسكني على راحلتي، فممَّ أقلق؟

– وأنا مثلك؛ الشمس تهبني حياة غير كاملة، تعطيني وتنمِّيني، فأظنّ أنني أثيرٌ لديها، ثم ما تلبث أن تأخذ مني طولي وتقزِّمني، حتى لا أكاد أظهر. وعندما أيْئس؛ تعود لتعطيني وتمدّني، فأظنّها ابتسمت لي من جديد، فتسلِّمني للعتمة تزهق روحي. هذه حياتي: دورة تتكرَّر كلّ يوم، لا تملّ هي من العطاء ثم الأخذ، وصولاً إلى الخيانة، ولا أملّ أنا من الأمل واليأس، وصولاً إلى الرضا بما أنا عليه.

– هيّا، يا (وضحا).. هيّا قبل أن نعلق معه.

مشت الناقة تخبّ مسرعةً؛ ليس بسبب الشبع، بل بسبب العطش، صارت أحرص منه على الوصول إلى تلك البئر التي أخبرها عنها. وكانت كلَّما جرت أكثر، عطشت أكثر، فأسرعت أكثر، حتى صار هو يلجمها لتنتظر صغيرها.

وصلا البئر، وهما لا يكادان يريان الظلّ:

– هل يعقل أن هذه بئر حيّة.. انظر حولك، لا بشر ولا حيوانات، ولا حتى نباتات!

– أستغفر الله العظيم! ألا تصدِّقينني؟

– ليس كذلك، ولكني لا أرى علامات الحياة التي يجلبها الماء معه.

– هذه البئر مياهها عميقة، لكنك لن تذوقي مثل عذوبتها، أبداً. انتظري وسترين.

دلو قديم ظمآن معلَّق على البئر، كمشنوق ليس له من أنشوطته فكاك، ألقاه في البئر فخرج مليئاً بالماء العذب، تتراقص على سطحه شمس الصحراء، فيبدو كرحيق الجنّة. يقولون إن فاقد الشيء لا يعطيه، لكنهم نسوا أن فاقد الشيء هو أكثر شخص يشعر بقيمته. مدَّت رأسها لتشرب قبله، ابتسم لها وأمسك بالدلو، بشدّة، ليمكِّنها من الشرب، دون أن ينسكب الماء، سبقها حوارها، فتركته يشربه في ثوانٍ، أنزل الدلو ثانيةً، وثالثةً، وفي كلّ مرّة يطلب الحوار المزيد. في الدلو الرابع منعه، وأعطاه للناقة،

– أستغفر الله العظيم! يا لأنانيَّته! اشربي أنت.

– بل اشرب أنت!

– تعلمين أن قدحاً صغيراً يكفيني.

– إذن، أحضر قدحك!

– بل أشرب من الدلو مباشرةً.

شربَ قليلاً. شعر بأن حلقه أرض طينية جافّة متشقَّقة، جاء إليها الماء يملأ شقوقها، فأينعت. الماء بارد كأنه ليس في الصحراء، ويكاد يقسم أن هذا الماء حلو «حلاوة» العسل. شرب، ثم أعطاه لها. أنعشها الماء.

– المزيد. المزيد. المزيد.

ظلَّ يدلي بدلوه ويسقيها حتى ارتوت. نظرت إليه؛ فإذا هو مبتلّ بعرقه تماماً.

– الحمد لله، لقد ارتويت.

أدلى بالدلو مرَّة أخيرة، وشرب شرب شرب حتى ظنّ أنه سيأتي على ما في الدلو، وعندما ارتوى سكب باقي الماء على جسده.

أحياه الماء.. نظر حوله.. يبدو أن العطش كان يعميه ويعشي ناقته،، كان هناك بضع شجرات صبورة تتناثر في المكان، لم يرياها ساعة وصولهم، أكثر ممّا هو شائع في هذه الصحراء. أناخ راحلته عند أقرب شجرة.

– انظر! تلك الشجرة أكبر، وظلّها سيمتدّ، الآن، باتِّجاه الشام.

– أستغفر الله العظيم! ما بالك تعترضين كثيراً، هذه الأيّام؟

– لست أعترض. كلّ ما هنالك أنها أقرب إلى الشام!.

ضحك منها.

– أقرب بمئة خطوة؟

– نعم!

– كما تريدين. دعيني أملأ القربَ بالماء.

شجيرة عوسج جميلة ممتدّة الأغصان، قريبة من شجرة السنط التي اختارتها (وضحا).. ابتسمَ. ربَّما ترغب فيها طعاماً، لذلك أغرتني بجارتها.

أناخ راحلته وحوارها، الذي صار نشيطاً مرحاً يلفّ ويلعب، بعد أن ارتوى.

ترك لها الحبل على الغارب. لن ترحل، يعرف أنها تحبّه أكثر من حوارها. استلقى الى جوارها، وغفا.. لكنه، هذه المرّة، لم يستيقظ.

يتحدَّث الناس، في بلادنا، منذ ألف سنة، عن شجرة سنط مزهرة على مدار العام، تحتها رجل نائم، وقربها بئر ماء، وعندها ناقة وحوار، يحرسانها من مئة ظلّ، ومئة خطيئة.

مو يان: «العمّ فوكنر، كيف حالك؟»

يصادف هذا اليوم، الذكرى الـ 123 لميلاد الكاتب الأميركي «ويليام فوكنر» (25-9-1897 /6-7-1962). ويعتبر «فوكنر» الشخصية التمثيلية لتيّار أدب الوعي في الولايات المتَّحدة، فقد حاز على جائزة «نوبل» في الآداب عام 1949، وتمثِّل رائعته «الصخب والعنف» أشهر أعماله.
ذكر «مو يان» «فوكنر» عدَّة مرّات، في خطاباته ومقالاته، ويمكن القول إن «فوكنر» كان معلِّماً مهمّاً، للغاية، في مسيرة «مويان» الإبداعية، يتذكَّر «مويان»، بوضوح، لقاءهما الأوَّل، قائلاً: «كان عصر يوم، تتساقط فيه نُتف الثلج بغزارة في كانون الأوَّل/ ديسمبر، من عام 1984، حيث استعرت من زميل لي كتاب «الصخب والعنف» لـ«فوكنر».
وفي مارس، عام 2000، ألقى «مويان» كلمة في جامعة «كاليفورنيا» بعنوان «أيُّها العمّ «فوكنر»، كيف حالك؟». وفي تلك الأثناء، لم يكن المعلِّم «مويان» حتماً، يتوقَّع أنه سيحصل على جائزة «نوبل» في الآداب، بعدها باثنَىْ عشر عاماً.
عندما كنت ألقي خطاباً في جامعة «ستانفورد»، قبل بضعة أيّام، قلت إن قراءة كاتب لأعمال كاتب آخر، هي في الواقع بمنزلة محادثة، حتى أنها قد ترتقي إلى عاطفة حبّ، فلو نجحت المحادثة لغدا من المرجح أن يصبحا رفيقَيْن، مدى الحياة، ولو كانت محادثة مزعجة، فسيمضي كلٌّ منهما في دربه الخاصّ.
واليوم، سأتحدَّث، على وجه التحديد، عن محادثاتي مع الكُتّاب من جميع أنحاء العالم، حيث يمكن الحديث، أيضاً، عن مسيرة الحبّ التي جمعتني بهم. في رأيي، الكاتب الجيّد خالد أبداً، وسيتحوَّل جسده، بالطبع، إلى تراب كما الأشخاص العاديِّين، تماماً، إن عاجلاً أم آجلاً، بينما تبقى روحه خالدة، ما انتشرت أعماله.
من الواضح أنه من غير المناسب قول مثل هذه الكلمات في مجتمع اليوم، الغارق في البذخ والترف، ذلك أن ثمّة الكثير من المغريات التي تطغى على القراءة، بينما تدفعني رغبتي في طمأنة ذاتي، وحثِّها على مواصلة مسيرة الإبداع، حتماً، لقول ذلك.
بدأت مسيرتي في القراءة قبل عدّة عقود، عندما كنت طفلاً مشاكساً أرعى الأغنام والماشية في الأراضي العشبية، في مسقط رأسي. وفي موضعنا النائي المتخلِّف، آنذاك، كانت الكتب من الكماليّات شديدة الندرة. كنت على دراية تامّة بكلّ أسرة لديها أيّ نوع من الكتب، في محيط يضمّ عشرات القرى، في بلدة «شمال شرق قاومي».
ومن أجل الحصول على الحقّ في قراءة هذه الكتب، غالباً ما كنت أعمل لدى هؤلاء الأشخاص ممَّن لديهم الكتب. وفي منزل حجّار من جيراننا، بدت مجموعة «تنصيب الآلهة» المصوّرة، كأنها تحكي تاريخ الصين قبل ثلاثة آلاف عام، لكنها كانت تحكي -في الواقع- قصصَ العديد من الأشخاص الخارقين. على سبيل المثال، القول بأن عينَيْ شخصٍ قد اقتلعتا بفعل آخر، فنَمَت في محجرَيْ عينيه يدان، وقد تبرعمت بهاتَيْن اليدَيْن عينان، يمكن لهاتَيْن العينين رؤية الأشياء على بعد ثلاثة أقدام تحت سطح الأرض؛ ثمّة آخر، يمكنه عزل رأسه عن رقبته ليغنّي في الهواء، حدث أن تحوَّل عدوُّه إلى نسر، فأعاد وضع رأسه على رقبته، بشكل معكوس، ونتيجة ذلك أنَّ ركْضَ هذا الرجل، إلى الأمام، كان، في الواقع، تحرُّكاً للخلف، وركضه إلى الخلف كان يدفع به، في الواقع إلى الأمام.
مثل هذه الكتب لها جاذبية لا تُقاوم، لأطفال مثلي، منغمسين في الخيال طوال اليوم. ومن أجل قراءة هذه المجموعة، كنت أطحن له الدقيق بدفع الرحى، في منزله، طوال فترة الصباح، لأتمكَّن من قراءتها لمدَّة ساعتَيْن، على أن أقرأها في ممرّ الطاحونة، بمنزله.
وعند القراءة، كانت بنت الحجّار تقف خلفي لتراقبني، وبانقضاء الوقت، تأخذها على الفور. ولو كانت لديَّ الرغبة في مواصلة القراءة، فعليَّ الاستمرار في دفع الرحى. لم يكن هناك ساعات في ذلك المكان، آنذاك، فكانت مدّة الساعتَيْن تعتمد على مزاج ابنة الحجّار، فإذا كانت حالتها المزاجية جيِّدة، مَرَّ الوقت متباطئاً، بينما لو كانت في مزاج سيِّئ، فسيمرّ خاطفاً.
ومن أجل إبقاء هذه الفتاة الصغيرة في مزاج سعيد، كان عليّ أن أرتقي شجرة المشمش لدى الجيران، لأسرق ثمارها وأطعمها إيّاها. إن منح شبح جشع مثلي الآخرين مشمشاً مسروقاً، لهو أشبه ما يكون بدفع قطّة جشعة لبصق السمك من فمها، لكنني ظللت أعطي المشمش، الذي أناله بشقّ النفس، للفتاة، وبالطبع، كان جمال ابنة الحجّار الفاتن سبباً مهمّاً، كذلك.
باختصار، لقد دفعت ثمناً باهظاً، في طفولتي، لقراءة كلّ الكتب في عشرات القرى من حولنا. كانت ذاكرتي جيّدة جدّاً آنذاك، إذ لم تكن سرعة القراءة مذهلة، فحسب، بل كنت موهوباً بذاكرة استثنائية. أمّا بالنسبة إلى فكرة التواصل بين المؤلِّف والقارئ، فلم تكن قد تبرعمت آنذاك. في ذلك الوقت، كان الأمر متعلّقاً بشكل محض بقراءة القصّة، فحسب، فقد كنت غارقاً في ثناياها، وغالباً ما أبكي، بحرقة، لمعاناة شخصيات القصّة، بل أقع، في كثير من الأحيان، في حبّ أولئك النسوة الجميلات اللاتي يضمهن نسيجها.
وبعد الانتهاء من قراءة عشرات الكتب في القرى المجاورة، لم أقرأ كتباً، تقريباً، لعدّة عقود. فقد اعتقدت أن تلك العشرات من الكتب هي كلّ ما في العالم من كتب، وإنجاز قراءتها يعادل الانتهاء من قراءة كتب العالم كافّةً. وخلال هذه الفترة، كنت أعمل في الريف، فكان تواصلي مع الأغنام والماشية أكثر كثيراً من تواصلي مع الناس، حتى كدت أنسى تلك الكلمات التي تعلَّمتها في المدرسة. بيد أن قلبي كان مفعماً بالخيال، وتمنَّيت أن أكون كاتباً، أحيا حياة ملؤها السعادة.
عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري، كبرت ابنة الحجّار، فصارت فتاة بالغة، فائقة الجمال، تعقد جديلة كبيرة تتدلّى حتى ردفها، ولها عينان برموش كثيفة، تنبعث منهما نظراتها الناعسة المبهمة. كنت مفتوناً بها، للغاية، وكنت غالباً ما أشتري لها الحلوى، بنقودي الزهيدة التي أجنيها من عملي الدؤوب. كانت حديقتا بيتَيْنا متجاورتَيْن، فكنّا نذهب، عند الغسق، إلى النهر، لجلب الماء وسقي الخضروات. وعندما كنت أراها تحمل دلو الماء، وقد أطلقت لجديلتها العنان لتتراقص خلفها، وتهفو في سبيلها من أعلى ضفّة النهر، تجيش في صدري شتّى الأحاسيس، ويخالجني شعور بأنها أجمل مخلوق على وجه الأرض. كنت أسير خلفها، فأطأ بقدميَّ العاريتَيْن ما تخلِّفه خطواتها من أثار على شاطئ النهر، فيبدو وكأن تيّاراً يسري، عابراً بدني من أخمص قدميَّ وحتى أعلى رأسي، فيفيض قلبي بالسعادة.
استجمعت شجاعتي، ذات غسق، وقلت لها إنني أحبها، وأتمنّى أن تصير زوجة لي. اعترتها الدهشة، ثم انفجرت بالضحك. قالت: «أنت، ببساطة، ضفدع يشتهي لحم بجعة!» شعرت بجرح كبير قد أصاب كرامتي، غير أن افتتاني بها لم يتبدَّل؛ لذا طلبت من زوجة أخي الذهاب إلى منزلها، وعرض الزواج عليها. حملت زوجة أخي رسالة لي؛ فحواها أنها ستتزوَّجني، طالما أمكنني كتابة عمل مثل «تنصيب الآلهة». ذهبت إلى منزلها لأعبِّر لها عن تطلُّعاتي السامية، وأهدافي العظيمة، فلم تخرج لرؤيتي، بل هرع إليَّ كلبهم المتوحِّش الضخم مندفعاً كالنمر.
قلت، قبل بضعة أيّام، في محاضرتي في «ستانفورد»، إنني تحمَّست للكتابة؛ رغبةً في عيش حياة سعيدة، أتناول فيها (الجياوتسي) ثلاث مرّات في اليوم، وفي حقيقة الأمر، وباستثناء (الجياوتسي)، لقد ألهمتني تلك الفتاة في منزل الحجَّار، بعينيها الناعستَيْن. لم أتمكَّن، حتى اليوم، من كتابة مثل هذا الكتاب المشابه لـ «تنصيب الآلهة». وبالفعل تزوَّجت ابنة الحجّار من ابن الحدّاد، وغدت أمّاً لثلاثة أطفال.
كانت معظم قراءاتي عندما كنت أدرس في قسم الآداب بالجامعة، وقد كتبت، آنذاك، الكثير من القصص الرديئة، للغاية. شُدهت عند دخولي الأوَّل إلى مكتبة الجامعة، لم أتوقَّع، حتى في أحلامي، أن العالم -بالفعل- زاخر بالكُتّاب، وملآن بكتبهم. لكنني كنت قد تجاوزت سنّ القراءة في ذلك الوقت، حيث وجدت أنني ما عدت قادراً -بالفعل- على الصبر لقراءة كتاب من أوَّله حتى آخره، وقد انتابني شعور بأن أيّاً من القصص التي تضمُّها هذه الكتب لم تتجاوز مخيِّلتي. فقد كنت أرى المؤلِّف بتصفُّح ما يربو عشر صفحات من الكتاب.
اعترف أن الكثير من الكُتّاب رائعين جدّاً، لكن ليس ثمّة الكثير من اللّغات المشتركة تجمعنا معاً، و-من ثَمَّ- لا تحمل كتبهم لي الكثير من الفائدة، فقراءة كتبهم أشبه ما يكون بتعاملي مع ضيف بشكل مهذَّب وراقٍ، كان ذلك هو الحال حتى وصلت بقراءاتي إلى «فوكنر».
أتذكَّر، بوضوح، أنه كان عصر يوم، تتساقط فيه نُتف الثلج بغزارة في كانون الأول/ ديسمبر، من عام 1984، حيث استعرت من زميل لي كتاب «الصخب والعنف» لـ«فوكنر»، وأمعنت النظر في صفحة الغلاف، فكان ثمّة رجلٌ عجوزٌ يرتدي زيّاً غربيّ الطراز، يُحكِم عليه برابطة عنق، ويقبض بفمه على غليون، لم ترُقْ لي الصورة. ثم بدأت في قراءة تلك المقدِّمة المطوَّلة التي خطَّها مترجم مشهور في الصين. كنت أقرأ فيغمرني الفرح، وتفهَّمت، بشدّة الكثير من سلوكات هذا العجوز الأميركي غير المواكبة للعصر، كما شعرت بالودّ الشديد حيالها، منها -على سبيل المثال- أنه كان لا يقرأ الكتب بجدِّيّة، منذ أن كان طفلاً، وكذلك أنه كان محبّاً للتفوُّه بالترّهات، كما كان يحبّ الكذب، حيث لم يخُض الحرب، بينما ادّعى أنه كان يقود الطائرة ويشتبك مع العدو في السماء، وقد أصيب، جرّاء ذلك، بشظيَّة كبيرة جدّاً في رأسه، وأن هذه الشظيّة، التي اقتحمت دماغه، قد تمخَّضَ عنها أسلوبه اللّغوي المبهم والمتحذلق.
كان مخموراً حينما ذهب لتسلُّم جائزة «نوبل»، حتى أنه ألقى بالميدالية الذهبية في سلّة المهملات؛ ولمّا دعاه الرئيس «كيندي» إلى مأدبة عشاء في البيت الأبيض، قال إن تناول وجبة لا يستحقّ الهرولة إلى البيت الأبيض. لم يكن يعتبر نفسه، في الأساس، كاتباً، بل اعتبر نفسه مزارعاً، بينما فتنتني «مقاطعة يوكناباتوفا» وليدة مخيِّلته. داخلني شعور بأن «فوكنر» يشبه المزارعين القدامى في مسقط رأسي، فقد علَّمني، بنبرة نافذة الصبر، كيف ألجم المِهار بالرسن.
ثم بدأت في قراءة كتبه. اعتقد كثير من الناس أن كتبه غامضة، يصعب فهمها، بينما قرأتها بسهولة بالغة. أشعر أن كُتبه دافئة لطيفة مثل أحاديث أولئك المزارعين القدامى غريبي الأطوار في مسقط رأسي، فلا يهمّني القصص التي يرويها لي، لأن قدرتي على تأليف القصص ليست دون قدرته، لكنّ ما أعجبني هو تلك النبرة، وتلك الطريقة التي يسرد بها القصص.
كان يتصرَّف كما لم يكن، في الساحة، غيره، فيتحدَّث عن ذاته، فحسب، تماماً، مثلما كنت أفعل عندما أرعى الماشية في مراعي مسقط رأسي، حيث أتحدَّث إلى الماشية وطيور السماء، فحسب. قبل ذلك، كنت، دائماً، أكتب الرواية وفقاً للأسلوب المتَّبع في مناهجنا لتعليم الرواية، والتي كانت، حقّاً، عملاً شاقّاً. شعرت بافتقاري لما أودّ كتابته، وفقاً لمناهجنا التعليمية، وإذا انتابني هذا الشعور، فإنه ينبغي عليَّ مواصلة خوض غمار الحياة والتعمُّق فيها.
بعد قراءة «فوكنر»، شعرت كأنني قد استيقظت من حلم، ليتَّضح أمامي أن الروايات يمكن أن تتناول الترَّهات هكذا، وأن الأشياء التافهة التي تحدث في الريف، يمكن أن تنسج خيوط رواية بشكل رائع، فالكاتب لا يمكنه أن يختلق الشخصيّات، ويبتكر القصص، فحسب، بل يمكنه، أيضاً، أن يختلق الجغرافيا.
لذا، ألقيت كُتبه جانباً، والتقطت قلماً لكتابة روايتي الخاصّة. وقد كتبت، بجرأة، على الورقة: «بلدة شمال شرق (قاومي)»، مستوحياً إيّاها من اختلاقه الجغرافي «مقاطعة يوكناباتوفا». إن مقاطعة «يوكناباتوفا» خاصّته هي اختلاق خياليّ محضّ، بينما بلدة «شمال شرق قاومي»، خاصَّتي، هي مكان حقيقيّ. لقد اتَّخذت قراراً بالكتابة عن مسقط رأسي، تلك الرقعة من الأرض التي تشبه، في حجمها، حجم طابع بريد.
كان ذلك، ببساطة، أشبه ما يكون بفتح هوس الذاكرة المتدفِّقة، حيث أنعش حياة الطفولة كاملة، فتذكَّرت ما قلته في تلك السنوات الخوالي، وأنا مستلقٍ على العشب، قبالة الأبقار، والسحائب، والأشجار وطيور السماء، ثم كتبته في رواياتي، كما هو تماماً. ومنذ ذلك الحين، تبدَّد قلقي بشأن عدم العثور على ما أودّ كتابته، وانحصر حول عدم قدرتي على الكتابة. غالباً ما يحدث ذلك، فعندما أكتب رواية، تصرخ في عقلي الكثير من الأفكار الجديدة، كما لو كانت كلباً ينبح خلفي.
وفي وقت لاحق، تعرَّفت إلى أستاذ جامعي أميركي في ندوة «فوكنر» الدولية التي عُقدت في جامعة «بكين»، وكان يدرِّس في جامعة قريبة من مسقط رأس «فوكنر». وقد دعاني هو ورئيس الجامعة لزيارتهما، لكنني لم أذهب، فأرسل إليَّ ألبوم صور لـ«فوكنر»، يحتوي الكثير من الصور الثمينة، من بينها صورة لـ«فوكنر» وهو يقف أمام إسطبل للخيل، مرتدياً ملابس مهترئة، وحذاءً طويل الساق، بالياً. أعادتني صورته هذه، على الفور، إلى بلدة «شمال شرق قاومي»، فذكَّرني بجدّي، وبأبي، وبالكثير من القرويِّين القدامى.
في ذلك الحين، تفكَّكت صورة «فوكنر» بعقلي، باعتباره كاتباً عظيماً تماماً، لأشعر بتلاشي المسافة بيني وبينه. وقد انتابني شعور بأننا قلبان متناغمان، وصديقان حميمان من جيلَيْن مختلفَيْن، لا تنطوي علاقتنا على أسرار. فقد تحدَّثنا معاً عن الطقس، والمحاصيل الزراعية، والماشية، كما دخَّنّا التبغ سويّاً، واحتسينا الخمر، وسمعته يوبِّخ النقّاد الأميركيين أمامي، ويسخر من «همنغواي».
كما سمح لي بتلمُّس تلك الندبة برأسه، وقال إنها نتيجة عضّة فرس أبقع، لكن بالنسبة إلى هؤلاء الحمقى، لابدَّ من القول إنها كانت جرّاء انفجار طائرة ألمانية. ثم انفجر بالضحك منتشياً، وقد علت وجهه ابتسامة مشاكسة وممازحة. أخبرني أن الكاتب يجب أن يكذب بجرأة، ودونما خجل، ليس لإبداع الروايات، فحسب، بل لابتكار تجارب شخصية، أيضاً.
علَّمني، أيضاً، أن الكاتب يجب أن يتجنَّب المدينة المزدهرة، ويستقرَّ في مسقط رأسه، تماماً، مثلما يجب أن تتجذَّر الشجرة في الأرض. وأنا أرغب، حقّاً، في السير على هداه. لكن، في مسقط رأسي، غالباً ما ينقطع التيّار الكهربي، كما يفتقر إلى وسائل التدفئة في الشتاء، علاوةً على مرارة المياه، وطعمها القابض، وأنا أخشى المصاعب؛ لذا، لم أعُد إليها حتى اليوم.
ينبغي أن أعترف، بصراحة، أنني لم أنتهِ من قراءة رواية «فوكنر» «الصخب والعنف» حتى الآن، لكنني أضع ألبوم صوره، الذي أهداني إيّاه ذلك الأستاذ الجامعي الأميركي، على مكتبي، حيث أتحدَّث إليه، حينما أفقد الثقة بنفسي.
أعترف أنه معلِّمي، لكنني قلت له، ذات مرّة، دون خجل: «مرحباً، أيُّها العجوز، ثمّة موضع قد تجاوزتك فيه!»، فرأيت ابتسامة ملؤها السخرية، قد فاض بها وجهه، وعقَّب قائلاً: «قل لي: ما المواضع التي تفوَّقت عليّ فيها؟».
قلت: «مقاطعة يوكناباتوفا، خاصَّتك، هي مقاطعة من البداية وحتى النهاية، بينما بلدة «شمال شرق قاومي»، خاصَّتي، قد حوَّلتها إلى مدينة حديثة، للغاية، في غضون أقلّ من عشر سنوات. ففي عملي «الصدور المرتفعة والأرداف العريضة» جعلت بلدة «شمال شرق قاومي» تشيِّد العديد من المباني الشاهقة، وتضيف المرافق الترفيهية الحديثة. بالإضافة إلى ذلك، أنا أكثر شجاعة منك، فما كتبته أنت كان قاصراً على حدود ذلك المكان، بينما تجرَّأت أنا على نقل أشياء من جميع أنحاء العالم، وتغيير وجهها، وضمّها إلى بلدة «شمال شرق قاومي»، وكأن هذه الأشياء قد حدثت فيها، بالفعل.
لا توجد جبال في بلدة «شمال شرق قاومي» الحقيقية، لكنني حرَّكت جبلاً إليها، بالقوّة، كما أنها لا تضمّ أرضها صحراء، فخلقت لها، بالقوّة، صحراء، ولا يوجد فيها المستنقعات، فجلبت إليها مستنقعاً، علاوةً على الغابات، والبحيرات، والأسود والنمور… وكلّ تلك الأشياء صنعتها من أجلها. وفي السنوات الأخيرة، توالى ذهاب بعض الطلّاب الأجانب والمترجمين إلى بلدة «شمال شرق قاومي»، لرؤية الأشياء التي وصفتها في رواياتي، وعندما وصلوا إلى هناك، أصيبوا جميعاً بخيبة أمل، فما من شيء هنالك، إلّا سهل مقفر، وعلى السهل بعض القرى عديمة الملامح».
قاطعني «فوكنر»، وقال ببرود: «اللصوص الصاعدون، غالباً ما يكونون أكثر جرأةً من اللصوص القدامى!».
تُعَدّ بلدة «شمال شرق قاومي» جمهورية أدبيّة من اختراعي، فهي مملكة، أنا مَلِكها. وكلَّما أُمسك بالقلم، وأكتب قصّة بلدتي «شمال شرق قاومي»، أتذوَّق سعادة الإمساك بتلابيب السلطة؛ فعلى هذه الأرض، يمكنني تحريك الجبال، وملء البحور، وتسيير الرياح، واستدعاء المطر، أُميت من أودّ موته، وأُحيي من أشاء له الحياة. بطبيعة الحال، ثمّة بعض اللصوص الجريئين، أوجدتهم لمعارضتي، بينما يجب عليَّ أن أستسلم لهم.
وبعد ظهور سلسلة رواياتي، التي تدور أحداثها في بلدة شمال «شرق قاومي»، احتجَّ ضدِّي بعض السكّان المحلِّيّين، ووصفوني بالخائن لبلدتي؛ وهو ما دعاني لكتابة عدّة مقالات لشرح الأمر. قلت لهم: بلدة «شمال شرق قاومي» هي مفهوم أدبي، وليست مفهوماً جغرافياً، وهي مفهوم منفتح وغير منغلق، يعتمد على تجربة طفولتي لبناء صرح أدبي خيالي؛ عملت جاهداً لتكون صورة مصغَّرة للصين، واجتهدت لصياغة الفرح والألم هناك، بما يتماشى مع الفرح والألم للبشرية جمعاء، واجتهدت لتؤثِّر القصص التي أنسج أحداثها في بلدة «شمال شرق قاومي»، في القرّاء من جميع البلدان، وسيكون هذا هدفي مدى الحياة.
والآن، وطئت قدماي، أخيراً، أرض معلِّمي، العمّ «فوكنر»، وأتمنّى أن ألمح طيفه في الشارع الصاخب، فأنا أعرف ملابسه المهترئة تلك، وغليونه الكبير ذاك، كما أعرف، جيّداً، رائحة روث الحصان المختلطة برائحة التبغ، التي تفوح منه، وأنا على دراية بخطواته المترنِّحة على إثر سكره.
فلو وجدته، سأصرخ خلفه قائلاً: «أيُّها العمّ «فوكنر»، هأنذا!»

هوامش:

تَمَّ تضمين هذا المقال كتاب «راوي القصص» بـ (المجموعة الكاملة لخطابات مويان)
المصدر:
https://mp.weixin.qq.com/s/3KjMaF6Tc7M6CH-Bv65f8w

”حُلم الضابط الأميركيّ“ جبّار ياسين

كان يمكن أن تكون هذه الواقعة عاديّة، لو لم تكن توجد هناك نبوءة. بدأ كلّ شيء بحلم منذ وقت طويل، في مكان آخر قَصيّ. لم يُرَ، في الحلم، لا وجه ولا رُتْبة، كما لو كان كلّ شيء يُرى من بعيد. كانت رأس الضابط الأميركي تظهر وسط الأشجار، كانت هيئته تذكّر بهيئة ممثّلي سينما الخمسينيّات. كان اللقاء في حديقة غامضة، أشجارها ضخمة، ترسم ظلالاً على أرض خضراء، اُعْتُنيَ بها جيّدًا، وتمتدّ إلى ما لا نهاية. كان كلّ شيء رماديًّا محْمرًّا كأنه وقت هبوط الغسق. كنت أراني واقفًا، لا أزال شابًّا، أكتسي بالأسود، و بقايا المحادثات تدور حول حرائق معامل تكرير بغداد، وبعض التلميحات عن كهوف ما قبل التاريخ. فجأةً، توارى وجه الضابط، فوجدتني وسط ميدان دائريّ، تحيط بي منازل خاوية على عروشها. كان صوت صفّارات الإنذار يُدوّي، وراحت السماء تُظلم، وبعض الطائرات القاصفة تمرّ، وهي تشعل السماء. صرختُ:

– معامل تكرير بغداد تحترق! 

والتفعت بغبار الميدان الخاوي. 

*** 

بعد ذلك بسنوات، كنت أجرجر قدميَّ وسط الأنقاض، أعبر الشوارع التي احترقت واجهات منازلها، وحيث كانت السماء تضطرم جرّاء ذهاب وإياب الطائرات، وطائرات «الهيلوكوبتر». مارًّا بالميدان الدائري، كنت أشمّ رائحة الحرب وصيحات السكّان الذين يصفون رحيل الأدخنة التي تجعل السماء حالكة السواد. 

عدت إلى بغداد عام 2003، ذات ظهيرة، عَقب غياب دام سبعة وعشرين عامًا. المكان الذي كنت فيه كان حقيقيًّا، و- للمّرة الأولى- كنت أرى دوريّات الجنود الأميركان تتبع أقدامي، التي كنت أعتقد أنها طاهرة. 

رأيت عائلتي، وبعض الأقارب، وهكذا انقضى أسبوع. اجتاحتني الرغبة في رؤية البيت الذي ولدتُ فيه، مرّة أخرى، في الأسبوع الثاني. كنت أعلم أن البيت كان قد هُدّم، عندما كنت في الرابعة من عمري. كنت أحتفظ بأمواج من ذكريات الجرّافات الصفراء التي كانت تشبه حيوانات ما قبل التاريخ، وهي تلتهم الجدران. كانت تُحْدث صخبًا فظيعًا، وأنا أتخيّل تنفُّس هذه الوحوش. كان لزامًا، إذن، الذهاب إلى ما صار، بعد دخول الأميركان، «المنطقة الخضراء». كان هذا مستحيلاً، لقد حظر الجنود الأميركان دخول أيّ شخص لا يرفع شارة النجاة التي منحتها مصلحتهم الإدارية. أصبح وجود المنطقة ملموسًا، أكثر ممّا كانت عليه، حتى في عهد صدّام حسين. كان مراسلون من التليفزيون الفرنسي يرافقونني كي يصوّروا معي فيلمًا تسجيليًّا في هذا المكان، حيثما ولدتُ منذ سبعة وأربعين عامًا. كانت هذه المنطقة، آنذاك، منطقة متواضعة، كانت بساتين الخضروات تفصل ما بين البيوت التي كانت تحاذي نهر دجلة. 

شرحت هذا للضابط الأميركي، الذي لم تكن لديه نيّة لأن يسمع شيئًا. مواجهة دامت، بينه وبيني، لعدّة لحظات. 

– لقد وُلد هنا، وله الحقّ في أن يرى هذا المكان مرّة أخرى! احتجّ أحد المراسليْن، لكن من دون طائل. 

بعد عدّة أيّام، قابلت «ديفيد جروس»، مصوّر أميركي، لطيف وفضولي في الوقت ذاته. تعرفت إليه في فندق (الحمراء)، معسكر تجمّع الصحافيّين من كلّ أنحاء العالم. بسرعة، صرنا صديقَيْن، تناولنا القهوة معًا، دعاني إلى نزهة إلى القصر الرئاسي. حتى أننا ذهبنا إليه بعد الظهر. كنّا متلازمَيْن بامتداد الشارع الرئاسي، الذي كان نظيفًا تحفّه الأشجار. الحقّ يُقال: لقد دخلنا دون صعوبة. فيما كان «ديفيد» يثرثر مع ضابط، كنت أسير رويدًا رويدًا، كأنني أريد أن أستعيد كلّ لحظة من لحظات سنواتي الأربع التي عشتها في هذا المكان. كنت أعلم أن البيت لم يعد كائنًا هناك، ولم أكن قادرًا على تحديد المكان، بدقّة، حيث يوجد البيت. غير أني كنت أدرك أنني على مقربة من المكان الذي كنت ألعب فيه في ما مضى، مُرتبًّا القراميد، بعضها فوق بعض، متخيّلاً نفسي مهندسًا معماريًّا. 

كان الجنود الأميركان ينجزون عملهم الرتيب في ذهاب الدوريات وإيابها، كانوا يتوقّفون من وقت إلى آخر، وينظرون دون أن يوجّهوا سؤالاً. آنذاك، كان، «ديفيد جروس» بمفرده، بعد أن انفصل عن الضابط، ليس بعيدًا عني. وبينما كان هو يلتقط بعض الصور لأشياء صغيرة مبعثرة أرضًا، رحت أنا أُحصي عددًا من الذكريات. 

– ذات يوم، كنت على وشك الغرق في النهر… كنت أسبح مع أبي، حين انغرزت في الماء. منذ ذلك الوقت، صار نهر دجلة يخيفني. 

ابتسم «ديفيد»، توقّف ليتحدّث مع جنود ملامحهم آسيوية. كان أحدهم يصلّي بجوار سيّارة «ﭽيب». 

***

حين وصلنا إلى المدخل الرئيسي للقصر، توقّفنا أمام التماثيل الأربعة الضخمة لصدّام حسين، التي كانت تشير إلى الجهات الأربع. لم نتمالك أنفسنا من الضحك. كان الهدوء يعمّ المكان، كما لو أن الحرب لم تمرّ من هناك، حتى الجنود كان يبدو عليهم كأنهم خارجين من قيلولة. اقتربنا من جنديّيْن أسودَيْن كانا جالسَيْن في نقطة تفتيش مغطّاة بشبكة للتمويه. لوّحت بإشارة، مادًّا يدي اليمني، فردّ أحدهما عليّ محرّكًا رأسه، ثم دخلنا نطاق القصر. كان كلّ شيء منظّمًا. كانت الأرض خضراء، والعديد من صفوف أشجار الورد، من كلّ الألوان، مُزْهر. عدّة نافورات، هنا وهناك، تروي العشب تحت الشمس نهايةَ هذه الظهيرة. قلت لـ«ديفيد»:

– كان البيت في مكان ما هنا، في هذه الحديقة الكبيرة.. ربّما هناك… 

وأشرت بسبّابتي إلى صفّ ورد دائريّ. ابتسمنا. بعيدًا، وبجوار النهر، كان هناك العديد من الكراسي الطويلة المتناثرة، وكان رجال عراة من النصف العلوي يتمدّدون بجانب الثلّاجات. تمرّ امرأة شقراء ترتدي فستانًا أزرق مكشوف الصدر، تحمل بعض الملفّات بين يديها، تُلقي علينا نظرة خاطفة، ومرافقي يرسل إليها ابتسامة. كنت أقول لـ«ديفيد جروس» إنهم، تقريبًا، كانوا في إجازة، فردّ عليّ:

– تقريبًا، لأن الحرب لم تبدأ بعد. 

منذ أن التقيته في الفندق، ونحن متّفقان، معًا، في أن الحرب لم تبدأ بعد، إلى درجة أنها كانت أسرع من كونها حربًا. 

كنّا قد توغّلنا في الحديقة معجبَيْن بأشجارها القصيرة، ومبانيها الملحقة بالقصر، والتي بُنيت بالأحجار البيضاء، على الطراز الشرقي، لحظة أن قابَلَنا رجل عسكري، نصفه العلوي عارٍ. كان يسير مسرعًا، ناظرًا في الأرض، له شارب كثٌّ كممثّلي السينما الصامتة، وذقن حليقة تمامًا، حاملاً في يده كأسًا ومسقاة صفراء. فجأةً، توقّف محيّيًا إيّانا بالإنجليزية. قدّمني له مُرافقي. رحنا نتبادل النظر صامتين. 

بدأ المساء يلوح في أفق السماء، وأنا أتفرّس الرجل الذي أمامي، فعاودني الحلم. كأن الآخر قد أمسك بخيط أفكاري، نظر إليّ، ثم دعانا للشراب. تقدّم هو دون أن ينتظرنا، ونحن تبعناه. مررنا بين صفوف من الأشجار القصيرة، طلب منّا أن ننتظر برهة. اختفي داخل مبنًى، ثم عاد يكسوه قميص عسكري، تُزيّنه قلنسوة. كان يحمل ثلاث زجاجات جعة، قادنا نحو طاولة بيضاء داخل الحديقة. 

– لقد ولد هنا، قبل أن يُشيّد القصر. كان بيته هنا، في مكان ما. قال «ديفيد». 

– أصحيح هذا؟ 

– نعم.. وفق الأسطورة. رددتُ. 

– لكن أيّة أسطورة؟

– أنت تعرف هذا… لكلّ منّا أسطورته الخاصّة. ولدتُ هنا منذ سبعة وأربعين عامًا، في منطقة متواضعة، لم تعد موجودة الآن. كان هذا، تمامًا، قبل إقامة القصر. 

– نعم.. سمعت من يقول إنه كان قصر الملك السابق. 

– نعم. كان هذا هو القصر الملكي، ثم القصر الجمهوري، وبعدها قصر صدّام. أنا على علم بالفترتَيْن: الأولى، والثانية. حينما استولى صدّام على هذا القصر، كنت أنا منفيًّا في فرنسا، وكان عمري، حينئذٍ، واحدًا وعشرين عامًا. 

كنّا قد أخذنا نشراب على مهل، وهو ينظر إلينا. حكى «ديفيد» حياتي وفق ما سمعه عند الظهيرة، في حين لم يرفع الضابط عينيه عني. بلغنا هدير طائرة «هيلوكوبتر» كانت تطير فوق رصيف مرتفع، حيث كنّا. 

نهض الضابط، نظر خلف صفّ الأشجار القصيرة، ثم عاد إلى مكانه معتذرًا. 

– بلدك في غاية الجمال. قالها باحترام. 

– وهو كذلك بعيد جدًّا. 

راح يضحك، بينما يضيف «ديفيد» أننا أبعد ما نكون عن أميركا. 

– حلمٌ أن أكون هنا. 

– لكن كلّ شيء هنا، هو حلم. أجبت. 

– منذ ثلاثة أشهر، وأنا أتقدّم في هذا البلد، ببطء. عندما توقّفنا في الكويت، كنت أعتقد أن هذه ليست هي العراق.

– أنت تعرف أن هذا هو الشيء نفسه بالنسبة إليّ. بعد سبعة وعشرين عامًا، كلّ شيء مختلف، وبعد سبعة وأربعين عامًا، أكون على مقربة من بيتي الذي ولدتُ فيه، ولست قادرًا على تحديد المكان الذي كان يوجد فيه، بالضبط. حين نكون بعيدين، تنقصنا الدقّة. 

– أدرك هذا. أجابني بنبرة غريبة.

عمّ الصمت المكان، ثم راح «ديفيد» يحكي رحلة تجواله إلى جانب أفواج أميركية. غير أن الضابط قاطعهُ متوجّهًا نحوي. 

– وأنت، ما رأيك في هذا؟ أنا، أنا لا أفهم ما الذي يجري في هذا البلد. 

 إنه الهرج والمرج… ستّة آلاف عام من التاريخ، تلك التي تراها ممتزجة هنا… ليس سهلاً عليك أن تستوعب هذا. 

– نعم. معك حقّ. غير أني طويتُ أكثر من ستّمئة كيلومتر، من الجنوب حتى بغداد. تقدّمنا كثيرًا، لكننا لم نوفّق في أن نفهم. 

– أنت طويت قرنَيْن هنا، في أميركا، ومازلت بحاجة إلى ثمانية وخمسين قرنًا كي تفهم. 

ونحن نجوب الشارع الرئاسي، فهمت الكثير من الأشياء، عن حياتي… 

لكن ليس كلّها، بعد. 

– هل تتحدّث بجدّيّة؟

– نعم. أحتاج إلى وقت كي أفهم. أنا لست متأكّدًا. 

– لستَ متأكّدًا من أيّ شيء؟

– من أن يمكنك الذهاب إلى ما هو أبعد. أنت في حدود الإمبراطورية، حيث تختلط كلّ الأشياء، وحيث نتخيّل الظلال أجسادًا. 

مرّة أخرى، عمَّ الصمت المكان. يُخرج «ديفيد» كاميرا فوتوغرافية من حقيبته، ومشعَلاً. شرع في التقاط صور لأيدينا الموضوعة على الطاولة. راح المساء يهبط أكثر فأكثر، وامتلأت الحدائق من حولنا بجنود كانوا يتحدّثون بصوت عالٍ. 

راح الضابط يتحدّث: 

– حينما كنت شابًّا، رأيت حلمًا: كنت في حديقة كبيرة، في بغداد، حيث كانت هناك سيّدات يرقصن، وسحَرة يتنزّهون. كانت هناك قوافل من الإبل تمرّ، وملك فوق عرش، يُظهر ساعات يد، قارئًا المستقبل في كتاب ضخم مفتوح أمامه. ومنذ ذلك الحين، وأنا تسكنني رغبة المجيء إلى بغداد، لكني لم أكن أعتقد أنني سأجيء بصفة ضابط في جيش الولايات المتّحدة الأميركية. هذا شيء غريب!. 

ردّد الجملة الأخيرة كأنه كان يقرأ صفحاتٍ من كتاب مفتوح أمامه. كان مشعل «ديفيد جروس» يومض فوق أيدينا المرفوعة، أو- بالأحرى- الموضوعة على الطاولة. 

– أرى أنك يجب أن تعود مرّة أخرى. قالها كما لو كان يستيقظ من حلمه، مضيفًا:

– سأستدعي لك جنديًّا ليرافقك حتى الخروج من المنطقة الخضراء. 

اختفي، ثم عاد ومعه جنديّ شابّ. كفَّ «ديفيد» عن اللعب بالضوء الأزرق وبالكاميرا الفوتوغرافية. كان الوقت ليلاً، وكان هناك القليل من النجوم في سماء بغداد المغطّاة بالغبار، في تلك الليلة. قبل مغادرة الأماكن، ألقيت نظرة على الضابط الذي كان ينظر إليّ، وكأنه يحاول أن يتبيَّن وجهي من بين تلك الوجوه التي رآها في حلمه.


جبار ياسين: كاتب وروائي عراقي، يكتب بالفرنسية وبالعربية، ويقيم في فرنسا منذ ما يزيد على أربعين عامًا. له العديد من الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية والشعرية، ترجمت أعماله إلى لغات كثيرة كالأسبانية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية والهندية وغيرها. تُرجمت هذه القصّة إلى لغات عديدة، ولاقت صدًى واسعًا تمثل في كتابة عدّة مقالات عنها في الصحافة العالمية، خاصّة وأنها كُتِبت قبل الغزو الأميركي للعراق.

مارك ألكسندر أوهو بامبي: لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ

يُعَدُّ مارك ألكسندر أوهو بامبي (Marc Alexandre Oho bambe) من أبرز الشُّعراء الذين نشأوا بين أحضان الكتب والقصائد. وُلِدَ سنة 1976، بمدينة دوالا، العاصمة الاقتصادية للكاميرون. تَحَصَّلَ على  جائزة «بول فيرلين» من الأكاديمية الفرنسية، سنة 2015. يقتفي هذا الشاعر آثار الأدباء ذوي النزعة الإنسانية، من قبيل: رينيه شار، وإيمي سيزير..، وتتغنّى قصائده بمجموعة من القيم، من بينها: الإيثار، والحُبّ، والثورة، والبحث عن الإنسان، والحضّ على المشترك الإنساني. تأتي قصيدته «لقد أُلْغِيَ الغَدُ» لتُعيد تجسيد هذه القيم في ظل الأزمة التي نعيشها الآن، حيث نظمها في أثناء الحجر المنزلي الذي صادفَ إقامته بمدينة «أبيدجان».

لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ.

هَلْ هِيَ نِهَايَةُ العَالَمِ

أو، بالأَحْرَى، نِهَايَةُ عَالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

رَحَلَ المُسْتَقْبَلُ.

تَوَقَّفَتِ العَوْلَمَة

إلى أَجَلٍ غيْرِ مُسمَّى.

رُبَّما تَبْدَأُ العَالَمِيَّة..

رُبَّما!

مَا فَائِدَةُ الشِّعْرِ؟

سُؤَالٌ رُوحِيٌّ مَا فَتِئَ يَتَرَدَّدُ في دَوَاخِلِي مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَة.

وفي دَوَاخِلِي، ما يزال صَوْتُ سيزير يُعيدُ على مَسامِعِي جوابَهُ الجَامِعَ المَانِع:

«يُفِيدُنَا الشِّعْرُ في تَحَمُّلِ العالَم».

كُلُّ شَيْءٍ قِيلَ.

ولكنِّي أقول، أيضًا، على خُطَى الأستاذ، والأَمَلِ،  وبكل تواضع:

الشِّعْرُ

يُذَكِّرُنَا

بِأَنْفُسِنَا،

ضُعَفَاءَ

حِينَ تُنْحِلُنَا الهَشَاشةُ

لا مَقرَّ لَنَا.

بشرًا

قادرين

ومُذْنِبِين

بما اقترفَتْ أَيَادِينَا؛ خَيْرًا وَشَرًّا.

أولئك الناسُ الذين يُطِلُّونَ مِنَ النَّوافِذ وَيُغَنُّونَ وَيُصَفِّقُونَ.

هُوَ ذَا الشِّعْرُ:

فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا

مَحْجُورٍ.

كُلُّ مَوْجَاتِ التَّضَامُنِ هَاتِهِ، كُلُّ عِبَارَاتِ المَحَبَّةِ والتَّعَاطُفِ هَاتِهِ، نَحْوَ الخَلاَصِ،

هُوَ ذَا الشِّعْرُ:

كُلُّ تِلْكَ المُبَادَرَاتِ الإِبْدَاعِيَّةِ الخَلَّاقَةِ، التي تُزْهِرُ في الرَّبِيعِ، وَتُبْدِعُ الجَمَالَ  والانْسِجَامَ، تِلْكَ المُشارَكَاتُ، بالآلافِ، لِلْمُوسِيقى،  لِلصُّوَرِ والكلماتِ، لِلْمَشاعِرِ الغَالِيَةِ،  لِلثَّقَافَةِ، التي تُنْهِضُنَا وَتَسْمُو بِنَا؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

كُلُّ الأَيْدِي التي تَقْبِضُ على القُلُوبِ، لِكَوْنِها لا تَمْلِكُ أنْ تَمُدَّ أيَادِيَ تَهُبُّ إلى المُسَاعَدَةِ، إلى المَحَبَّةِ، إلى مَحَبَّةِ المُسَاعَدَة..

هُوَ ذَا الشِّعْرُ؛

الشِّعْرُ الذي يُذَكِّرُنَا

بِأَنْفُسِنَا.

سَنَحْلُمَ

سَنَبْتَكِرُ

أو سنموتُ

معًا.

الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّنَا، أَحْيَانًا، نُعَارِضُ

أَنْفُسَنَا.

إِنَّهُ يَجْعَلُنَا نَقِفُ

وَجْهًا لِوَجْهٍ

أَمَامَ حَالاَتِنَا المُسْتَعْجَلَةِ المَنْسِيَّة

حَيَوَاتِنَا المُزَيَّفَة

أَحْلَامِنَا المَهْزُومَة

مَسَاراتِنَا الدَّاخِليّة الضَّائِعَة

في جُنُونِ الأيَّامِ التي تَمُرُّ

بِنَا أَوْ بِدُونِنَا..

وَجْهًا لِوَجْهٍ

أَمَامَ أَنْفُسِنَا.

إِذَنْ،

بِكُلِّ شَفَافِية وَصَرَاحَة..

دُونَ حِجَابٍ

دُونَ سِتَارٍ

أو أَقْنِعَةِ مَطَرٍ.

وَجْهًا لِوَجْهٍ

أَمَامَ مهازل انْتِظَامِ

اللاَّنِظَامِ العَالَمِيِّ

الذي هُوَ نَفْسُهُ يَسْتَمْتِعُ بِنَا،

ما دَامَ يُجْبِرُنَا على العيْشِ دُونَ البحْثِ عنِ المَعْنَى،

وُجُوهُنَا إلى الأَرْضِ، مُنْكَفِئِينَ على المِقْوَد ،

لِنَرْتَطِمَ بالحَائِطِ، بِسُرْعَةٍ عَالِيَة.

لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ.

هل هي نهاية العالم

أو، بالأحرى، نهاية عالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

في جراند- بسام،

على شاطئ يُعَذَّبُ ،

أَطْفَالٌ يَلْعَبُونَ

سُذَّجٌ بَرِيئُونَ

مِثْلَ جَمِيعِ أَطْفَالِ العَالَمِ.

أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ يَتَقَاسَمُونَ الحَيَاة..

يَرْكُضُونَ جَمِيعًا

خَلْفَ الفَرَحِ الدَّائِرِيِّ

مِثْلَ كُرَةٍ زَاهِيَةِ الأَلْوَانِ،

بِابْتِسَامَةٍ في العَيْنَيْنِ

مُثبتَةٍ على أَفْكَارِي؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

الجَمِيعُ، ذُكُورًا وَإِنَاثًا،

في شُرْفَةِ المَنْزِلِ

مِثْلَمَا كُنَّا أَمْسِ في شُرْفَةِ

ذَوَاتِنَا؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

أَمَامَ الأَسْلِحَةِ الخَارِقَة،

مُوَاطِنَاتٍ، وَمُوَاطِنِينَ،

لَنْ نَنْجُوَ دُونَ أَنْ يُحِسَّ

كُلٌّ مِنَّا بِالآخَرِ؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

مَحْجُورًا

فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى،

مُحَاصَرًا،

أَحْيَانًا،

بِالزَّمَنِ الذي نَفْتَقِدُه

وَبِكُلِّ تِلْكَ الأَشْيَاءِ التي تَحُثُّنَا على الإِسْرَاعِ في الحياة.

وَلَكِنْ، هَلْ هَذِهِ هي الحَيَاة؟

دُونَ فَرَحٍ عَمِيقٍ، فَريسَةً لِلْيَأْسِ،

لِضُغُوطِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ التي نَفْرِضُهَا

على أَنْفُسِنَا طَوَاعِيَة!

الشِّعْرُ يُعِيدُنَا

إِلَى شَاِطئِ أَحْلَامِنَا المُؤَجَّلَة

إِلَى قَافِيَةِ آمَالِنَا المُهَجَّرَة

إِلَى وَقْفِ «أَنَانِيَّتِنَا» المَغْرُورَةِ التي لا نَظِيرَ لَهَا

إِلَى الفَنِّ الذي يَرْبِطُنَا وَيُسْلِمُنَا

إِلَى سِرِّ النُّجُومِ المُلْتَقَطَة

في الطِّينِ أو تَحْتَ الأَحْجَارِ المَرْصُوفَةِ لِهَذَا الشَّاطِئ،

شَاطِئِ إفريقيا الخَالِدَة.

الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا

في وَرَقَاتِ  هِيبْنُوس، وفي صَوْتِ شَار، الجَهْورِيّ،

بِأَنَّ عَلَيْنَا «أَنْ نُحِبَّ نَفْسَنَا كَثِيرًا،  هَذِهِ المَرَّةَ، أيْضًا، وَأَنْ نَتَنَفَّسَ بِقُوَّةٍ تَفُوقُ رِئَةَ الجَلَّاد»

الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا

بِأَنْفُسِنَا

أَحْيَاءً

مُفْعَمِينَ بِالحَيَاة

بَشَرًا فَانِينَ

يتصرَّفُونَ، غالبًا،

وكأنَّهم غَيْرُ وَاعِينَ

بفَنَائِهم،

ساخرين من الأشْخَاصِ الخَيِّرِينَ، الصَّالِحِينَ

الذينَ يَسْعَوْنَ إلى التَّصَرُّفِ بِأَنَاقَةٍ 

مَعَ السَّاخِرينِ والمُبْتَذَلِينَ،

الذينَ هُمْ في صِرَاعٍ مُسْتَمِرٍّ،

في حَرْبٍ

ضِدَّ المَعْنَى

ضِدَّ النُّبْلِ

ضِدَّ السِّلْمِ

ضِدَّ الأَرْضِ

ضِدّنَا جَمِيعًا، رِجَالًا ونِسَاءً، 

وَضِدَّ أَنْفُسِهِمْ،

أَيْضًا،

يَسْتَقِلُّونَ

ظَهْرَ الرِّيحِ

بِابْتِسَاماتٍ مُتَبَادَلَةٍ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأَةِ هُنَاكَ؛

هُوَ ذَا الشِّعْر.

الرَّسَائِلُ النَّصِّيَّةُ الّتِي يَكْتُبُهَا إِلَيَّ فرِيد وأَلْبِير، عَبْرَ وَاتْسَاب، مُنْذُ أُسْبُوعٍ،  تَقْرِيبًا، في نفْسِ السَّاعَةِ الزَّرْقَاءِ، سَاعَتِنَا؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

كُلُّ تِلْكَ القُلُوبِ المُكَوَّمَةِ التِي يُعَانِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا،  مُتَقَابِلَة.. كُلُّ أُولَئِكَ الأشْخَاصِ الذينَ يَهَبُونَ فَنَّهُمْ، يَقُومُونَ بِدَوْرِهِمْ، وَيَقِفُونَ دِرْعًا وَاقِيًا في وَجْهِ الخَوْف؛

هُوَ ذَا الشِّعْر.ُ

الأَخُ الرَّفِيقُ الّذي قَابَلْتُهُ قُرْبَ أَدْجَامِي، وَاضِعًا قِنَاعَهُ الوَاقِيَ علَى جَبْهَتِه،  صَائِحًا بِصَوْتٍ قَوِيٍّ وَوَاضِح: «الفيرُوسُ هُنَاكَ، لا يَسْتَطِيعُ الوُصُولَ إِلَى هُنَا،  فَلَدَيْنَا الفُلْفُلُ الحَارّ، غنامنكو والشَّمْس، فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْفيرُوسِ أَنْ يَصِلَ إلى هُنَا؟». قالَ لي ذَلِكَ، وَهُوَ يَطْلُبُ مِنِّي قَلِيلاً مِنْ مُعَقِّمِ اليَدَيْن!

هُوَ ذَا الشِّعْرُ..

فِي القَهْقَهَاتِ الَّتِي تَلَتْ جُمْلَتَهُ المُتَوَهِّجَةَ بِرُوحِ الدُّعَابَة.

لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ!

هَلْ هِيَ نِهَايَةُ العَالَمِ

أو، بالأَحْرَى، نِهَايَةُ عَالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

رَحَلَ المُسْتَقْبَلُ

تَوَقَّفَتِ العَوْلَمَة

إلى أَجَلٍ غيْرِ مُسمَّى.

رُبَّما تَبْدَأُ العَالَمِيَّة!

رُبَّما!

«مَا الحَاجَةُ إلى الشُّعَرَاءِ فِي زَمَنِ الضِّيقِ وَالشِّدَّة؟»

يَتَسَاءَلُ هُولْدِرْلِين.

وَأَسْمَعُ هُوجُو يُجِيبُ بِكُلِّ إِجْلَال:

«إِنَّ الشَّاعِرَ، فِي الأَيَّامِ الجَاحِدَة، 

قَادِرٌ عَلَى إِعْدَادِ أَيَّامٍ سَعِيدَة؛

فَهُوَ إِنْسَانُ المُدُنِ الفَاضِلَة 

قَدَمَاهُ هُنَا، وَعَيْنَاهُ هُنَاك.

هُوَ الّذِي يَعْتَلِي جَمِيعَ الرُّؤُوس

فِي كُلِّ زَمَانٍ، مِثْلَ الأَنْبِيَاء،

وَفِي يَدِهِ، الّتي يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ كُلَّ شَيْء

يَنْبَغِي،  سَوَاءٌ أَذَمَمْنَاهُ لِذَلِكَ أَمْ مَدَحْنَاه،

يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ المُسْتَقْبَلَ مُتَوَهِّجًا

مِثْلَمَا يَتَوَهَّجُ المِشْعَلُ الّذِي يَهُزُّهُ بِيَدِه».

لَمْ أَنْأَ بِنَفْسِي، يَوْمًا، عَنِ الشِّعْر.

الشِّعْرُ حَقِيقَةٌ وَاحْتِفَاءٌ بِالرُّوحِ،  يَتَغَيَّا إِنْقَاذَ الحَيَاة.

يَمْنَحُ نَفَسًا لِلنَّفَس، يُجَدِّدُ الرُّؤْيَة.

لِهَؤُلاَءِ، المُؤَدْلَجِينَ، المُضْطَهَدِينَ، الذينَ أَعْمَاهُمُ النِّظَامُ الذي انْمَحَى اليَوْمَ،  بَعْدَ أَنْ حَاوَلَ، وكان قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنَى مِنْ أَنْ يَنْجَحَ، تَقْرِيبًا، في مَحْوِ قِيَمِ الكَرَامَة، والرَّأْفَةِ،  وَالتَّعَاطُف، وَاخْتِلَافِ الآخَرِ، والبَشَرِيَّةِ المَسؤولَةِ

مِنْ رُبُوعِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا.

لَسْتُ آبَهُ، إِذَنْ، بِالاتِّهَامَاتِ

تَلْحَقُنِي؛ لأنِّي أَعْتَقِد..

أَعْتَقِد بِأَنَّ الْغَدَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ،

لأَنَّ غَدًا سَيَكُونُ

مِثْلَمَا أَعْدَدْنَاهُ.. سَنُنْجِزُهُ مَعًا.

نَعَمْ لَسْتُ آبَهُ بِالاتِّهَامَاتِ.

«دِفَاعًا عَنْ نَفْسِي، سَأَقُولُ إِنِّي شَاعِر»

مِثْلَمَا يُؤَكِّدُ رُودْنِي،حَامِلُ النَّار.

وَالشِّعْرُ، أَيْضًا، يَدْعُونَا

إلى اصْطِنَاعِ مَسَارَاتٍ جَدِيدَةٍ فَوْقَ البَحْر.

فَوْقَ الحُبّ.

وَالشِّعْرُ يَدْعُونَا

إلى الحَرْبِ

لِنُفَوِّتَ فُرْصَةَ مَوْتِنَا

وَلِنَتَعَلَّمَ العَوْدَةَ إلَى الحَيَاةِ مُجَدَّدًا،

عَلَى قَدْرِ عَزْمِنَا، رِجَالًا ونِسَاءً،

مُتَمَاسِكِينَ وَمُنْصِفِينَ.

محمّد ديب.. الروائيّ الشّاعر

يُعــدّ الكاتـب الجـزائريّ محمّد ديب، من روّاد الأدب الفرنكوفوني في بلده، كما في البلدان المغاربيّة، وهو ليس مجهولاً تماماً لدى القارئ العربيّ، فقد ترجم له سامي الدّروبي ثلاثيّته الأولى (الدّار الكبيرة- النَّوْل- الحريق) قبل عقود، كما ظهرتْ، بالعربيّة، روايته «صيف إفريقي».وإنْ كان محمّد ديب الشّاعر لمْ يَحْظَ كثيراً باهتمام المترجمين العَرَب، فإن له إنتاجاً في مجالات الرّواية والشّعر والقصّة القصيرة والمسرح والحكاية، كما أنّه ترجم أعمالاً من الفنلنديّة.

وُلِد محمّد ديب في تلمسان، في 21 يوليو، 1920، وتوفّي في ضاحية سانْ-كْلُو الباريسيّة، يوم 2 مايو، 2003. في طفولته، بدأ الدّراسة في تلمسان بالجزائر، وتابعها في مدينة وجدة بالمغرب. مات والدُه سنة 1931، وانطلاقاً من سنة 1934 بدأ يكتب شِعْراً، ويُمارِسُ الرّسم التّشكيلي (الصّباغة، بمعناها الفنّي)، ومارس ديب التّدريس في الابتدائي، من 1938 إلى 1940. بعدها، أصبح مُحاسِباً في مدينة وجدة، ثمّ مترجماً ما بين اللغتين الفرنسيّة والإنجليزيّة لدى جيش الحلفاء في الجزائر العاصمة، خلال سنتَيْ 1943 و1944. وعاد إلى تلمسان في 1945، واشتغل في مجال النّسيج، وقد نشر أوّل قصيدة له سنة 1946، في مجلّة «Les Lettres» (الآداب) السّويسريّة، تحت اسْم «ديابي». بعد ذلك، تعرّف إلى أدباء مثل ألبير كامو، وجان سيناك…، ثمّ أصبح ديب نقابيّاً، وقام بزيارة أولى إلى فرنسا، واشتغل في الصّحافة، وفي سنة 1951، تزوّج من كوليتْ بيليسّان، التي أنجبت له أربعة أطفال. 

سنةَ 1952، صدرتْ له رواية «الدّار الكبيرة» عن منشورات سُويْ في باريس، وهي أولى أجزاء ثلاثيّته الأولى المُشار إليها (الجزءان الآخران منها ظهرا، بالتّتابع، سنتَيْ 1954 و1957). وكانت كتابة ديب، وقتها، تندرج تحت مُسَمّى الواقعيّة، فالكاتب، من هذا المنظور، يلعب دور «شاهد» على بؤس أهل المدن والقرى، وعلى إضرابات عمّال الزّراعة، كما يُعَبِّر عن المطالب الوطنيّة التي كانتْ قد بدأتْ وقتها في الإعلان عن نفسِها، وقد انتقدت الصّحافة الاستعماريّة الرّواية، فيما دافع عنها لويس أراغون. 

في «صيف إفريقيّ» (سُوي، 1959)، تطرّق محمّد ديب، بشكل أكثر صراحةً، إلى حرب التّحرير. وفي سنة صدورها تلك، طردتْه الشّرطة الاستعماريّة من الجزائر، بسبب أنشطته النّضاليّة، فقد كان عضواً في الحزب الشّيوعيّ الجزائريّ، كما كان قريباً من حركة التّحرير، وقد تدخّل أندريه مالرو، وألبير كامو، وجان كايرول لتمكينه من الإقامة في فرنسا، وبالفعل، استقرّ هنالك. وفي 1960، كتب في قصيدة له: «أيا لياليَ باريس الوادِعة، كمْ أجدُك مريرة/ للمنفِيِّ، باريسُ المظلِمة هي جحيم.» 

سنة 1962، ظهرتْ له رواية بعنوان «من يتذكّر البحر»، وفيها ظهر، جَلِيّاً، أنّ محمّد ديب شرع في خَوضِ مغامرة إبداعيّة من صنف جديد؛ فقد تمرّد على قيود الواقعيّة، ونحا في «من يتذكّر البحر» منحىً فانتازتيكياً وحُلُميّاً في معالجة تيمات، كعُنف الاستعمار الفرنسيّ في الجزائر وظهور حركة التّحرير.

سنةَ 1964، ظهرتْ لمحمّد ديب رواية بعنوان «ارْكُضْ على الضّفّة المهجورة»، وفيها يعتمد كتابة حُلُميّة أيضاً، ويفتح فيها للخيال آفاقاً، ويُعالج تيمات الأوضاع الإنسانيّة، والحبّ والموت (لكن، ليس من زاوية واقعيّة، كما أسلفنا).

ما بين سنَتيْ 1974 و1976، درَّسَ ديب في جامعتَيْ لوس أنجوليس، وكاليفورنيا، وابتداءً من 1975، توالتْ أسفاره إلى فنلندا، وهنالك، اشترك مع الشّاعر الفرنسي غِيلفيك في ترجمة أعمال أدبيّة فنلنديّة. ومن إقاماته في فنلندا، استلهم «ثلاثيّة الشّمال»، المنشورة عند ألبان ميشال: «سطوح أورسول» (1985)، و«نوم حوّاء» (1989) و«ثلوج من مرمر» (1990).

وقد بقي محمّد ديب مثابراً على الكتابة حتّى آخر حياته، ففي سنة 2003، وهي سنة وفاته، ظهرتْ له رواية بعنوان «سيمورغ» (ألبان ميشال)، أمّا آخر رواياته، «لايزا»، التي أنهاها قبل موته بأيّام، فقد نُشِرَتْ سنة 2006 عن (ألبان ميشال).

بالطّبع، فحديثنا عن روايات محمّد ديب لن يُنْسِيَنا أنّه كان شاعِراً مقتدراً وكاتب قِصّة قصيرة، ففي شعره نجد احتفاءً بالمرأة، وبالحبّ، وبالبحر، والتقاطاً للحظاتِ الأسى وللّحظات الشّاعريّة في الحياة، والتي تُمكّن القصيدة، وحدها، من التّعبير عنها. ومن أعماله الشّعريّة، نذكر: «ظِلٌّ حارس» (1960)، و«استبيانات» (1970)، و«أومنيروسْ» (1975)، و«نارٌ نارُ جميلة» (1979)…

وله مجموعات قصصيّة: «في المقهى» (1955)، و«الطِّلسم» (1966)، و«الليلة المتوحّشة» (1995). 

وقد حاز جوائز عِدّة، فكان أوّل كاتبِ مغاربيّ يحصل على الجائزة الكبرى للفرنكوفونيّة التي تمنحها الأكاديميّة الفرنسيّة (1994)، كما حصل على جائزة مالارميه في الشّعر (1998).

قالتْ عنه الباحثة الجزائريّة نجاة خَدّة: «إنّ الأعمال الأدبيّة لمحمّد ديب، والتي شرع في إنجازها في نهاية أربعينيّات القرن العشرين، هي الأغزر، اليوم، في نطاق الإنتاج الجزائريّ باللّغة الفرنسيّة، وهي -أيضاً- التي يتبدّى فيها تجديدٌ مستمرّ على مستوى الأشكال والتّيمات، وتسودها استمراريّة وثيقة، ووحدة لا جدال فيها.».

يجد القارئ، رفقة هذه المقالة، قصائد مترجمة لمحمّد ديب، إضافةً إلى مقتطفات من رواية «ارْكُضْ على الضّفّة المهجورة» تشمل الفصل الأوّل منها وفقراتٍ من الفصل الثّاني. ولا بدّ من كلمة، ولو وجيزة، عن هاته الرّواية التي أنجزها ديب، في فترة، كان قد تمرّد فيها على حدود الرّواية الواقعيّة. يمكننا أن نبدأ، هنا، من تذييل، كان محمّد ديب قد كتبه لأوّل رواية له، اعتمد فيها الكتابة الحُلُميّة والفانتازتيكيّة، أعني «من يتذكّر البحر». في ذلك التّذييل، قال ديب إن الكتابة الواقعيّة عن مآسي الحرب الجزائريّة لم تعد ذات تأثير في وجدان القارئ، ذلك أنّها استنفدتْ مفعولها بفعل التّكرار. وكي يقرِّب ديب القارئَ ممّا سعى إليه في روايته المذكورة، عمد إلى الإشارة إلى لوحة بيكاسو، «غرنيكا»، التي هي بمثابة عمل غير واقعيّ ومؤثّرٍ جدّاً، عن مأساة غرنيكا التي دمّرتها طائرات الألمان المقنبلة، سنة 1937.

في «اركُضْ على الضّفّة المهجورة»، يطغى الطّابَع الحُلُمي أيْضاً، دون أن تفقد الرّواية صِلاتها بالواقع، طبعاً. والسّارد فيها رجل في مقتبل العُمر، يُسَمّى إيفن زوهار، ينوي أن يعقد قرانه على المرأة التي يُحِبّ، واسمها راضية، لكنّ كارثةً طبيعيّة تحدث، ويكون إيفن زوهار من النّاجين، إلا أن الكارثة تُفَوّت عليه الزّواج المرغوب فيه، إذ تؤدّي إلى اختفاء راضية. يمضي إيفن زوهار في البحث عنها، وفي لحظةٍ ما، يعتقد أنّه عثر عليها، لكنّ المرأة التي يبدو أنّها تامّة الشّبه براضية ليست إلّا هيلّي، وهي جِنّية، نوعاً ما، تريد أنْ تخدعه فتظهر له في أجواء ساحرة جِدّاً. وبعدها، لن يكفّ عن فقدان راضية والعثور عليها من جديد، بحيثُ تبقى هذه الأخيرة كأنّما يتعذّر العثور عليها فعليّاً. وللتّخييل قوّته في هذه الرّواية، التي تُعتمد فيها أساليب من تلك التي وطّدها السّورّياليّون في مجال الشِّعر.


مقاطع من «ارْكُضْ على الضّفّة المهجورة»

محمّد ديب

مضينا، إذَاً.

كانت مياهٌ وسُحُبٌ اجتاحتْها النّوارس تُهاجم ذَهَب السَّماء دون أن تَبْلُغه – ذَهَبَ السّماء الذي يمتدّ فوقنا، ويتجاوزُ أشجاراً وحدائق فسيحة – لكنّها كانت تنهشُ الأعالي والفيلّات والقِلّة من العابرين الذين كانوا يتباعدون، أو يتقاربون، على خطوطٍ لا نهاية لها. ولجأْنا إلى غابةٍ، كانت السُّبُلُ فيها تتقاطع دون أنْ تُفْضِيَ إلى مخرج، ثمّ عُدْنا نحو الجادّة الكبيرة التي أفرغتها هجمة الأمواج، وإذا بنا أمام عالَمٍ من اللهب.

خلف ظَهْرَينا، زَمْجر التّرولّي سُداسيّ القوائم. مرّ قريباً منّا جِدّاً، وبلا إبطاء ترك الطّريقَ سالكة، وهرعنا نحوه. ينبغي ألّا يَفُوتنا: لقد كان الأخيرَ الذي يُمكننا أنْ نستقلّه، بحسب الرّقم الوحيد المسجَّل على مِينا ساعتِي، وكان قد وصل إلى مكان وقوفه، وثمة أُناسٌ ينزلون منه. كانتْ راضية، متعلّقةً بِذِراعي، تتقافز على كعبي حذائها. وكان شَعْرها، إذْ تهتزّ إلى أعلى، يلطمني على وجهي. 

كان التّرولّي يستعدّ للانطلاق. وبادرْتُ إلى القفز على أرضيّته، جاذباً، في اندفاعتي، راضية التي سقطتْ إلى جانبي وهي تضحك.

لقد جعلتها حركة الانطلاق ترتطم بي، واعتمدتْ كفّيها لتُخَفّف من حِدّة انقذافها، واستمرّتْ في الضّحك، وهي تتعلّقُ برسغي، فيما كانت سرعة المركبة تزداد. 

ووجّهتُ ناظريّ إلى حقيبة صغيرة بلا مقبض، كانت كفّها اليسرى تنقبض عليها.

لا تَخْشَ شيئاً، همستْ إليّ. 

وابتسمتْ وأضافتْ، وقد أشاحتْ ببصرها:

 إنّها المرّة الأولى التي أتزوّج فيها، وهذان الخاتمان، لن أُضيّعهما.

تعالتْ في داخلي صيْحةُ اعترافٍ بالجميل.

وكان الرّجال والنّساء الذين من حَوْلِنا يبدون كشُهودٍ من حجر. وبِيَد مرتفعةٍ إلى حدٍّ ما، كانت راضية تمسك بالحقيبة الصّغيرة أمامها، ومن وقفة إلى وقفة، كان ذو القوائم السّتّ ينزل نحو وسط المدينة.

كنتُ قد بدأتُ أستشعر خشيةً ما، وحضور راضية جعل المخاوف لا تتمكّنُ منّي.

«لماذا؟ ليس هنالك أيّ خطر في أيّ مكان؛ ليس هنالك ما تتخوّف منه.».

لم يُعدّ التّرولّي يسير، وتكاثف العالَم. حاصرتني المياه والسّحب في زوبعة، وأخمدَتْ حواسّي، مُهيّئةً الموجة الباعثة على الدّوار التي لن تنسحب، التي ستأخذني معها. أغلقتُ أجفاني ضاغطاً جيّداً، فتحتها ثانية. كان التّرولّي ما يزال يتقدّم.

«لن تُفصح. لنْ تُفْصِح عن كلّ ما تنتظر، ولا عمّا تُطارده.»

أيكون في هذا وقاية لي؟ أهو أسلوب الاتّقاء الأكثر نجاعة؟

«لن تُفصح. لنْ تُفْصِح عن كلّ مّا تنتظر…»

وكأنّ الأضواء قد نضجتْ؛ فالأشجار مشتعلة في الحدائق، وجمرٌ ينتشر فوق المدينة.

وجّهتُ، إذاً، ابتسامة وداع لِظِلال، ولبيت، كُنْتُ، للتوّ، قد تعرّفتُ إليها من أعماق ضبابٍ كان يسكنني. كانتْ شجرةُ مشمش تَمُدّ فروعها في فِناء الدّار، ومن إحدى الزّوايا، كانت شجرة عنب تعلو حتّى السّطح، ومن هناك، تُلْقي بفروعها حول رأس المرء. كان أبي وأمّي يجلسان، هنالك، متجاورين، ومع ذلك فلا أحد منهما كان يفتح فمه. هل سيقرّران أن يتكلّما في آخِر الأمر؟ كنتُ أُصِيخُ السَّمع، ثمّ فهمت. إنّهما كانا قد تكلّما من قبل. في أيّة لحظة؟ لم أكن أعرف، لمْ أكنْ أعرف. حدث ذلك قبل وقتٍ طويل، بلا شكّ.

هبّتْ عليّ ريحٌ باردة. وتلاشتْ الظّلال التي كانتْ قد انبثقتْ من مدينة قديمة، ولم تترك إلّا لهب البحر يتراقصُ أمام عينيّ. 

وفي نزولِها نحو ذلك البحْرِ الذي لُمِح، كانت المدينة تدور على رِجْلٍ واحدة. تلك كانت دورةُ بنايات، وحدائق تنتصب فيها أشجار، وتظْهرُ جوانبُها في ما يَعكسه الجَوْن. أمّا البحر، فقد كان يقوم بِدَورة أكثر اتّساعاً، مُجَمِّعاً ما تبقّى منْ ضوءٍ مُتلبّث، وكان رفاقنا في الرّحلة، بأحداقهم الميّتة، يحاذون العَدَم. كيف كان هؤلاء الشّهود يَرَوننا: راضية، وأنا؟ وكيف كانوا يرون الأشياء الأخرى؟ هم لم يكونوا يعرفون الطّريق الذي كنّا نمضي فيه تحت أبصارهم. كانتْ لديهم عنه فكرة غامضة، ورأوا فيه الطّريق نفسه الذي كان قدرُهُمْ قد عوّدهم على اتّباعه.

هذه الفكرة جعلتْني أضحك.

وردّت راضية على ضحكتي بضحكةٍ أخرى.

وفوق رؤوسنا، ارتعشتْ سماء سبتمبر.

وجّهتُ صوبها ناظِرَيّ من جديد: كانتْ ساهيةً عمّا حولها… ونال منّي الاضطراب، إذْ رأيْتُ قبالتي واحِدةً، أجهلُ مَن هي! كانت تنتصب أمامي امرأةٌ وحيدة.

كنتُ أتقدّم مُتلمّساً طريقي.

هذه المرأة الضّائعة لم تكنْ راضية. لقد تمّ الإبدال بسرعة شديدة، حدّ أنّ أحداً لم يتنبّه إليه لحظة حدوثه؛ لا أنا ولا الشّهود.

بقيتُ للحظة منكمشاً على نفسي، لا أرى شيئاً.

وباحتياط، فكّرت:

«من الذي سَيُخَلِّصُها؟ من الذي سيتصدّى للُّغز؟ من الذي سيطرد الشّقاء؟ أنا؟ سأعرف كيف أعثر عليها، وسنمشي من جديد، جنباً إلى جنب…»

وشعرتُ برغبةٍ في إيصال أفكاري إليها، لكنّي تراجعت، فقد أدركتُ ما في ذلك من مخاطرات.

«سأخبرها بهذا، بعد أنْ…»

كنتُ أفهم، وأرفض أن أفهم. لم يكن الانفصال هو الذي أنشأ هذه الهوّة بيننا، لم يكن الانفصال وحده هو الذي فَعَل، فتجلّي المظهر لعب دوراً في ذلك، أيضاً.

«هل سيُمكنني، مُسْنَداً بحُبّي، أنْ أُدَمّر المرآة التي تفصلني عنها؟

… هل سنلتقي من جديد، إذْ تنصرم هذه اللحظة؟

… هل سأُدَمَّرُ أنا أيْضاً؟»

وترنّحت المدينة. كانتْ تهيم على وجهها، ولم تُلاقِ نظراتي سوى وُجوه من حجر. وعلى السّواء، كانت وجوه الرّجال والنّساء تحمل التّعبير المستهلَك نفسه. لم تكن تلك السَّحَنات تُعْلِنُ إلّا عن الرّغبة في الموت أو في القتل. واستغللتُ ارتجاجةً للتّرولّي فدنوتُ من راضية للاحتماء من البرد الذي كانت تَبُثّه تلك الوجوه.

وفي اللحظةِ نفسِها، تبدّدت نارُ الهواء، ونارُ البحر، ونارُ المدينة، وصار الجوّ رمادِيّاً، والعالَم بدأَ يهْمي على شكل غبار. كنتُ أراقب الشّهود: ما رأيْتُه تماثيلُ مُفَحَّمَةٌ لفظتها كارثةُ المغيب، وكلّها خرساء.

«عمّا قريب»، قالتْ.

ألقيتُ نظرة على ساعتي. كان عقرباها على وشك الوصول إلى الرّقم الوحيد بِميناها.

تطلَّعَتْ راضية إليّ، وكانت أساريرها قد انبسطت بمفعول ابتسامة تكاد لا تبين، وشددتُ على ذراعها.

عاودتْني الرّعشة، فتماسكتُ، وبذلتُ جهدي لأنطق بالكلمات الأولى التي راودتْ ذهني:

نمضي إلى هناك؟ 

حنتْ رأسها نحو صدري:

نمضي إلى هناك.

اهتزّ التّرولّي إثْر الفرملة، نزل بِضعة أشخاص، ونحنُ أيْضاً. 

***

كان حشد من النّاس منشغلين بالإعدادات الأخيرة للاحتفال، ولم يكونوا يولونني اهتماماً. عليّ أنْ أقول بأنّ قِلّة قليلة من بينهم هم من كنتُ أعرف أسماءهم، وكان يبدو أنّهم يعتبرون إهمال الأزواج أمراً يُضْفي أهمّية كبيرة على الاحتفال بالقِران؛ فلا أحد منهم، من ثَمّ، شَرّفني برفقته. تركتُ الأمور تجري كما قُيِّضَ لها؛ فهم الذين كان بإمكانهم أن يقيموا لي وزناً ما، أو ألّا يأبهوا بي. حقّاً، كان من بينهم من يدنون منّي أحياناً، ويتفحّصون وجهي في صمت، ثمّ يهزّون رؤوسَهم. إنّها الشّفقة، شفقتهم عليّ في يوم كهذا. كنتُ أَقول لنفسي: «إنّهمْ لا يُدركون حقيقة الأمر، فكيف لا يفهمون؟»

وكان مزيد من النّاس يدخلون باستمرار، ومنهم من يتسلّل حتّى إلى القاعة التي جعلوني أقبع فيها والتي بُسِطتْ فيها زربيّة من مُخْمَل في لون النّار، وكانت هنالك قاعات أخرى، تشكّل امتداداً لهاته، وتشبهها فيما يخصّ الدّيكور. ولم يُعَدّ فيها مكان لمدعوّ إضافيّ، وسيكون ظهور العروس، التي كانتْ محروسةً، إيذاناً ببدء الاحتفال الذي كانت تفاصيلُه الصّغيرة، حتى، قد حُدِّدتْ سَلَفاً. (لمْ يكن أحدٌ قد أبِه بإطْلاعي على تلك التّفاصيل، ولم أكنْ أستشِفّ إلّا العناية التي تمّ بها وضعُ كلّ شيء في مكانه)، كما أنّ ذلك الظّهور سيحرّر هؤلاء الفضوليّين من التّرقّب. 

فجأة، انبثق في نفسي شعور مسبق بأنّ كلّ شيء سيجري بخلاف المُتوقّع، ما دامت العروس التي ستلج هذا المكان هي راضية.


صورةٌ تُؤجِّج الهواء

محمّد ديب

(1) في غابةٍ، ما بعد الظّهيرة

 أمام عينيّ صورة

من الضّوء

لطيفة الحركات

إنّها تُؤَجِّج الهواء من حولها.

ولا نَعرف ما سِرُّ الطّقس،

فهو -بأناةٍ- يُحوِّلُ طَميَ المرارة

إلى عسل

ويحسب المرء أنّه يسمع المستقبل؛

فالعمق الأزرق للسّماء يخفق 

والشّوارع، والأشجار

وبنو الإنسان، وكلّ الحياة

تُصيخُ السّمع.

سلامُ العالَم ينساب، ويحلّ دافقاً،

وجمرةُ الشّمس الرّقيقة

تتمدّد على كلّ الطّرقات. 

وهذا اليوم الجميل الهادئ 

البارد قليلاً

والذي يلتمع طويلاً، مع ذلك

يُخَفِّف على القلب المتعب

للخريف.

(2) في المكان نفسه

حيثُ ينعقدُ النّفَس

يهوي الحبّ

أكثر بياضاً من السّاطور

حيثُ ينعقدُ النّفَس

يهوي السّاطور

أكثرَ حُمرةً من الحُبّ

(3) من يستطيعُ أنْ يرى

مُطاردةً من قِبَلِ الصّقيع

فيما كلّ حنان سيرتعش

إذا استيقظْتِ

(4) عاينتُ الجَزع

عاينتُ الجَزع

المتمرّدَ القاتم

وهو يُحْرِق عينيك

فيما، بتأنٍّ،

يهيم وئيداً

لِصْقَ الثّرى،

ويسري في الفضاء

الذي أصبح من رماد

نشيد براءة.

(5) ضوء معاكس

تظهرُ الطّيور

تشتعل شُعلة

وها هي المرأة

بلا اسم ولا ارتباطات ولا شراع

تهيم، بعينين مغمضتين،

المرأة التي 

تغطّيها طراوة البحر.

لكن، فجأةً، تظهر الطّيور من جديد،

وتتمدّد هذه الشّعلة 

التي هي أكثر من ملموحة 

في عمق الغرفة.

وها هو البحر،

البحر بيديه المنوِّمتين 

يحمل الشّمس

وما من مشرق، ولا شرق، 

ما من متراس ولاحاجز، 

إنّه البحر.

وحده البحر المجلّل بالظّلمة، الرّقيقُ

السّاقِط من بين النّجوم، 

الشّاهد على حالات البتر 

التي تتعرّض لها السّماء، 

عزلة، أحاسيس سبقيّة، همس خفيف:

ذاك البحر ولا شيء آخر

بعيونه المُطفأة،

بلا موج ولا ريح ولا شراع

وفجأةً، تظهر الطّيور من جديد.

وها هي المرأة،

إنّها ليست نجمة ولا حُلماً، 

ليستْ عينَ مارّ حارّ

ولا عَجَلةً، المرأة.

وتعود العصافير.

وما من شيء سوى البحر.

(6) كما لوْ أنّي كُنْتُ أحلم

كما لو أنّي كنتُ أحلم…

على نهر وادِعِ الانسياب،

فيما الليل يُنشئ فراغات غريبة

بين المدينة والهواء والماء الدّاكن.

بهدوء، أفقد حياتي في شهر أغسطس هذا.

كما لو أنّي كنتُ أحلم، وتلك هدنة فحسب…

مِن فوق الأرصفة والجسور تَسْري فتنة قاتلة؛

فلا ننطلق، لا ننطلِقْ صارخين

نحو ذاك الذي، من هنالك،

ينزل عبر نهر السّين

في الحُلم.

على فمه اجتذب النّهر ما يُشبه الشّرشف،

فهو يمرّ دون أن يرى شيئاً،

دون أنْ يُنادي أحداً،

حتّى الشّجرة التي ترتعد على الضّفّة.

والقمر، في عالم حيثُ كلّ شيء سيتصلّب،

في عاصمةٍ ذات بياض تائه،

سيحرسه من أعالي الكثير

من بروجِ الحِراسة.

الجائحات

(1)

المرّة الأخيرة التي شغلت فيها ذهني فكرة الموت، كانت في المقبرة، عند دفن صديقنا جبران. وحتى في المقبرة، سرعان ما تخلصت من الفكرة ما إن وصلت بوابة المقبرة، ورميت صدقة في كفّ أوّل متسوّلة. أمّا الآن، وأنا أغادر البيت، فلا سبيل للتخلص منها. الموت مرسوم على خشب الباب الذي فتحتُ، وأنا أخفي يدي في كمّي حتى لا تلامس أصابعي المقبض. على السلَّم، أنزل مهرولًا؛ مخافة أن تُفتح أبواب الشقق. في الزنقة، أبتعد عن العربات التي تمر، والجدران التي تبدو قريبة جدًّا. أسرع الخطو بلا سبب، مبتعدًا عن القطط والكلاب التي تتمطّى في تكاسل. أعبر إلى الرصيف الآخر حتى لا ألتقي بجاري القادم من قاع الزنقة؛ لأنه قد يلقي علي التحية، وأردُّ على تحيته، ويسألني عن العائلة، وأسأله عن العائلة، وكلّ الأسئلة التي لا تضر ولا تنفع. ثم إنه قد يكون حاملًا للموت، وهو – بدوره – لا يرى في هروبي أي حرج، لأنه يعتقد أنني أحمل البلاء نفسه. وكان سيفعل الشيء نفسه لو لم أسبقه وأعبر إلى الضفة الأخرى، ناجيًا بجلدي، وناجيًا بجلده. في الساحة، تحاشيت الاختلاط بالناس. الجائحة ضربتنا جميعًا. على وجوههم كمامات مسودة من كثرة الأيدي التي تداولتها. لقد أخذوها من ذويهم أو انتزعوها من جيرانهم، وسيردونها إليهم عندما يعودون إلى البيت. بالكمامة أو بدونها، كلٌّ يحمل نصيبه من التهديد. بقيت أنصت من بعيد. أسمع ما يتداوله البائعون والمشترون عن المصيبة. يطرحون السؤال نفسه: من أين جاءنا هذا العجب؟ الجواب حاضر في أذهانهم، حتى قبل أن يطرحوه… أمّا الصيدلي فيقول: إن خفاشًا هرب من أحد المختبرات الصينية وهو الذي وزَّع الوباء على سكّان العالم. أعود متحاشيًا الاقتراب من البشر، متحاشيًا الاقتراب من كلّ شيء: من التراب، والماء، والهواء. 

(2)

في نفسي غضب مستعر، فحتى وأنا أتحاشى الاختلاط بهم أو الاقتراب منهم، أفكر منذ الآن، عندما أعود إلى البيت، بأن علي أن أغسل يدي بالماء والصابون ثلاثين ثانية على الأقل، وأنشر ثيابي في السطح حتى تتهوّى. هذه فكرة تبعث على الارتياح، لن أعود بحاجة إلى أن أعانق كلّ شخص أقابله، ويربّت بدوره على كتفي، ويضغط على أصابعي، ثم أطبع على وجهه أربع بوسات. انتهى ذلك العهد يا ولدي. في السابق، كانت بوسة واحدة كافية. أمّا الآن فلا تكفي اثنتين ولا حتى ثلاث بوسات. علاش؟ كما لو أن الواحد مجبر على أن يثبت، في كلّ مرّة، صدق مشاعره وحسن نواياه. ارتحت وأنا أجد نفسي في السطح مرّة أخرى. نجوتُ. أَطلُّ من هذا العلو، وأنا أفكر في كلّ هذه الأمور الجديدة علي. لن أسلّم على أحد، ثم هل أنا بحاجة إلى كلّ تلك الأسئلة التي سيلقيها علي جاري حول صحّتي وصحَّة أولادي؟ انتهى ذلك العهد يا ولدي. تصوّر، كلمة (السلام) وحدها، لم تعد كافية، وهي على أيّة حال لم تكن ذات مصداقية في يوم من الأيام؛ لأنك لا تعرف لِم تطلب السلام من واحد لا تريد أن تتحارب معه. بدل أن تشهر مديتك، تقول له: السلام عليكم. فكرتي هي أنك عندما تلقي السلام فإنك تفكر في الحرب، إنما تؤجلها إلى ما بعد. والآخر عندما يرد السلام فليقول لك إنه هو الآخر ترك مديته في البيت. هذه هي فكرتي. وما لنا على هذا الشي؟ حتى ذلك الإحساس الذي يسمّونه الشفقة، أو الحنان الذي كان يجتاحني بين الفينة والأخرى، لم يعد يغريني. منذ الآن، لن أفتح بابًا لشيخ أو عليل أو امرأة مسنّة. سأسير مرتابًا من كلّ شخص، ومن كلّ شيء. لن أمسك مقبضًا أو أضغط على زر. ارتخت عضلاتي المشدودة، نزعت ثيابي ونشرتها على حبل الغسيل.

(3)

أُطلّ من السطح، ليس بالإحساس السابق، اليومي نفسه؛ إحساس شخص يطل من أعلى سطحه فحسب. أنظر، الآن، إلى الخارج بنوع من الريبة، كما لو تكون المرّة الأولى. كما لو تقول: أطل على عالم لا أعرفه، وهل عرفته في يوم من الأيام؟ أنشغل بالتفكير في أشياء أخرى. أفكر في كلّ هذا الوقت الذي ما يزال أمامي. أنتبه، بنوع من الاستغراب، إلى أن هناك شيئًا اسمه الوقت، وعلي أن أنشغل به قليلًا، وأرى كيف يمر؛ ولهذه الغاية علي – أولًا – أن أمتنع عن مشاهدة التليفزيون، سأكون وصلت إلى نتيجة حسنة إن أمضيت بعض الوقت، دون التفكير في التليفزيون، كما أفعل، الآن، وأنا أطل على الدنيا بشكلٍ مخالف لعاداتي القديمة، وأتعامل مع الوقت، ليس من خلال عقارب الساعة، إنما من خلال النبضات المحيطة التي تمضي دون أن تمضي: اليمامة المتربّعة على عمود الالتقاط الهوائي، أو الحمامة التي تبدأ هديلها في وقت ما من الظهيرة، أو هذا الحلزون المنكمش في أصيص الأزهار. 

(4)

أتصوَّر أنني نجوت، وأنا أعود إلى البيت وأغلق الباب، وأنا أخفي يدي في كمّي حتى لا تلامس أصابعي المقبض، وأتصوّر أنني لم أنجُ تمامًا، رغم كلّ الاحتياطات. أعدُّ الوجوه التي اقتربت منها إلى هذا الحد أو ذاك، والحركات التي قمت بها منذ أن غادرت البيت، المقابض التي لمست يدي، من مقبض الباب حتى مقبض باب الحافلة أو الترام أو البنك أو التاكسي. لم أنتبه، من قبل، إلى كلّ هذا العدد من المقابض: مقبض باب البيت وباب العمارة وباب السيارة وأبواب البقالة والصيدلية والبنك، والأزرار التي ضغطت عليها. أزرار الهواتف، وأزرار الأبواب والشبابيك الأوتوماتيكية، والأوراق المالية والمطبوعات والأكياس والفواتير. لن أعرف، أبدًا، عدد الأبواب التي فتحت يدي لأنها كثيرة، كثيرة بشكلٍ مدوّخ، ولا الجدران التي لمست، ولا القذارات التي وطئت قدماي، والنقود التي عددت قبل أن أخرجها أو أدخلها إلى جيبي. أنهض وأغسل يدي للمرّة الثالثة، ثم أتصوّر أنني مهما فعلت فلن أنجو من البشر.

(5)

رؤية الحلزون، وكلّ الأفكار حول عبوره النهار، دون مجهود، أضحكتني. ماذا يفعل الحلزون بوقته؟ يطل من قوقعته، ويعبر العشرة أمتار التي هي طول السطح، ويكون نهاره قد انقضى. هل أستطيع أن أفعل مثله، إن أنا تدرّبت جيّدًا، وتعلمت كيف أقضي يومًا كاملًا في إنجاز هذا المشروع الهائل؛ عبور السطح من هذا الجدار إلى ذاك الجدار؟ رحت أذرع الغرفة، وأعد خطواتي وأنا أقهقه. ولم أعد أنظر- مرتابًا- إلى البشر. هدأت، كأنما أفرغت على رأسي سطل ماء. لم أكن لأتصور أن الاقتراب من الموت سيهزني إلى هذا الحد، كما حدث لي قبل قليل، وأنا في الساحة، وأتحاشى التحديق في الوجوه، معتقدًا أن هذا كافٍ لأنجو. بالعكس، الوجوه كانت زاهية، وقد تألقت عليها فكرة الموت، كما لو تقول إنها تأنْسنتْ. نعم، والأجساد تتحرَّك أكثر حيوية من الأيام التي سبقت. كلّ هذا لم أنتبه إليه في حينه، وأنا أنتبه إليه، الآن، بتركيز أكبر. كنّا نسير، في تلك اللحظات الاستثنائية. لأوّل مرّة نسير معًا، ترشدنا الفكرة نفسها، اليد في اليد، على السفينة نفسها، نحو الموت. لأوّل مرّة، وأنا بينهم، متذكّرًا كلّ الميتات التي أفلتنا منها. كلّ الآخرين الذين ماتوا بالمجّان، الذي سقطت عليه سلحفاة رماها طفل من نافذة غرفته وهو يلعب، والذي وقع في حفرة تركها عامل البلدية فاغرة فاها ريثما يشرب قهوته. والتي اختنقت بعنبة أو بجرعة ماء، أو بقبلة. كلّ الميتات مضحكة إلّا هذه التي جمعتنا لأوّل مرّة. مستمرّ في قهقهتي، وأنا أذرع الغرفة. قد أحتاج إلى وقت أطول للتفكير في كلّ هذه الأمور الجديدة علي. وأفكر أنني مهما فعلت فلن أنجو من الناس أبدًا. لم أعد قلقًا. هواء السطح أنعشني، وطرد الأفكار السوداء التي اجتاحتني وأنا أغادر البيت. قد نموت قبل أن نصل إلى بيوتنا، وقد نبقى على قيد الحياة. اليقين الوحيد هو الطريق الباقية. كيفما كان الحال، وكيفما كان طولها فسنعبرها معًا. لا داعي للقلق. فكرة الموت تشدني إلى الحياة أكثر من أي وقت آخر. أرى من هذا العلو، ونشيد المساء يملأ رأسي، أننا نسير نحو الحياة. شعور بالقلق يقودنا. نعم، إنما هو قلق بسبب الطريق التي نعبر، متسائلين عن طولها ونوعيتها. نقيس حياتنا على ضوء وعورتها. هذا كلّ ما هنالك. لأوّل مرّة، أرى المستقبل بعين متفائلة. هل سيكفينا الوقت؟

(6)

أفكر في حكاية الخفاش التي سمعت عند الصيدلي. أين هو هذا الطائر المسكين؟ لقد فرَّ ناجيًا بجلده من بين أصابع العلماء. إنه يطل علينا من داخل مغارته، متأسفًا، ويرى أننا حيوانات نشبهه. حيوانات مثله، نموت في مختبرات الأسلحة الفتاكة والأدوية الكيماوية. أين اختفى الخفاش؟ لا وجود لخفاش يا ولدي. الخفافيش هي المختبرات العملاقة التي تزرع الدمار على كلّ أرض تقع عليها. إنها الشركات العابرة للقارات، والبنوك التي تقتل البشر بدون حاجة إلى وباء؛ لأنها هي الوباء. إنها سجون الديكتاتوريات من كلّ نوع. وهذه الجائحات ستبقى، كما ستبقى الرأسمالية العمياء تهددنا إلى الأبد. لكن الخبر الجديد الذي جاء به الخفاش، يا ولدي، هو انتعاش الأنظمة المستبدة التي بدأت تظهر، على قشرتها، الكثير من الشروخ. هذه فرصة لم تكن تحلم بها لترمّم الصدع. لتتغوّل وتجتاحنا من جديد. ها هي هذه الأنظمة المستبدة، بعد أن ظهرت ثقوب معيبة على وجهها، تعود لتشدِّد الرقابة على البلاد والعباد. المراقبة، والتوقيف، والتفتيش، والغرامة، وحبس الضحية بدل المجرم، والإسراع في سَنّ قوانين طوارئ جديدة توسع صلاحيات الاستبداد، وتزيد من صفاقته وشراسته. لا أدري كيف غدر بي فكري، وتوغل بي في هذه الدهاليز الأكثر سوداوية. نهضت وغسلت يدي للمرّة الرابعة. أعود إلى الجلوس، وأفكر بأنني لست حلزونًا، وأشعل التلفاز لأمحو بعض الساعات من حياتي.