”حُلم الضابط الأميركيّ“ جبّار ياسين

كان يمكن أن تكون هذه الواقعة عاديّة، لو لم تكن توجد هناك نبوءة. بدأ كلّ شيء بحلم منذ وقت طويل، في مكان آخر قَصيّ. لم يُرَ، في الحلم، لا وجه ولا رُتْبة، كما لو كان كلّ شيء يُرى من بعيد. كانت رأس الضابط الأميركي تظهر وسط الأشجار، كانت هيئته تذكّر بهيئة ممثّلي سينما الخمسينيّات. كان اللقاء في حديقة غامضة، أشجارها ضخمة، ترسم ظلالاً على أرض خضراء، اُعْتُنيَ بها جيّدًا، وتمتدّ إلى ما لا نهاية. كان كلّ شيء رماديًّا محْمرًّا كأنه وقت هبوط الغسق. كنت أراني واقفًا، لا أزال شابًّا، أكتسي بالأسود، و بقايا المحادثات تدور حول حرائق معامل تكرير بغداد، وبعض التلميحات عن كهوف ما قبل التاريخ. فجأةً، توارى وجه الضابط، فوجدتني وسط ميدان دائريّ، تحيط بي منازل خاوية على عروشها. كان صوت صفّارات الإنذار يُدوّي، وراحت السماء تُظلم، وبعض الطائرات القاصفة تمرّ، وهي تشعل السماء. صرختُ:

– معامل تكرير بغداد تحترق! 

والتفعت بغبار الميدان الخاوي. 

*** 

بعد ذلك بسنوات، كنت أجرجر قدميَّ وسط الأنقاض، أعبر الشوارع التي احترقت واجهات منازلها، وحيث كانت السماء تضطرم جرّاء ذهاب وإياب الطائرات، وطائرات «الهيلوكوبتر». مارًّا بالميدان الدائري، كنت أشمّ رائحة الحرب وصيحات السكّان الذين يصفون رحيل الأدخنة التي تجعل السماء حالكة السواد. 

عدت إلى بغداد عام 2003، ذات ظهيرة، عَقب غياب دام سبعة وعشرين عامًا. المكان الذي كنت فيه كان حقيقيًّا، و- للمّرة الأولى- كنت أرى دوريّات الجنود الأميركان تتبع أقدامي، التي كنت أعتقد أنها طاهرة. 

رأيت عائلتي، وبعض الأقارب، وهكذا انقضى أسبوع. اجتاحتني الرغبة في رؤية البيت الذي ولدتُ فيه، مرّة أخرى، في الأسبوع الثاني. كنت أعلم أن البيت كان قد هُدّم، عندما كنت في الرابعة من عمري. كنت أحتفظ بأمواج من ذكريات الجرّافات الصفراء التي كانت تشبه حيوانات ما قبل التاريخ، وهي تلتهم الجدران. كانت تُحْدث صخبًا فظيعًا، وأنا أتخيّل تنفُّس هذه الوحوش. كان لزامًا، إذن، الذهاب إلى ما صار، بعد دخول الأميركان، «المنطقة الخضراء». كان هذا مستحيلاً، لقد حظر الجنود الأميركان دخول أيّ شخص لا يرفع شارة النجاة التي منحتها مصلحتهم الإدارية. أصبح وجود المنطقة ملموسًا، أكثر ممّا كانت عليه، حتى في عهد صدّام حسين. كان مراسلون من التليفزيون الفرنسي يرافقونني كي يصوّروا معي فيلمًا تسجيليًّا في هذا المكان، حيثما ولدتُ منذ سبعة وأربعين عامًا. كانت هذه المنطقة، آنذاك، منطقة متواضعة، كانت بساتين الخضروات تفصل ما بين البيوت التي كانت تحاذي نهر دجلة. 

شرحت هذا للضابط الأميركي، الذي لم تكن لديه نيّة لأن يسمع شيئًا. مواجهة دامت، بينه وبيني، لعدّة لحظات. 

– لقد وُلد هنا، وله الحقّ في أن يرى هذا المكان مرّة أخرى! احتجّ أحد المراسليْن، لكن من دون طائل. 

بعد عدّة أيّام، قابلت «ديفيد جروس»، مصوّر أميركي، لطيف وفضولي في الوقت ذاته. تعرفت إليه في فندق (الحمراء)، معسكر تجمّع الصحافيّين من كلّ أنحاء العالم. بسرعة، صرنا صديقَيْن، تناولنا القهوة معًا، دعاني إلى نزهة إلى القصر الرئاسي. حتى أننا ذهبنا إليه بعد الظهر. كنّا متلازمَيْن بامتداد الشارع الرئاسي، الذي كان نظيفًا تحفّه الأشجار. الحقّ يُقال: لقد دخلنا دون صعوبة. فيما كان «ديفيد» يثرثر مع ضابط، كنت أسير رويدًا رويدًا، كأنني أريد أن أستعيد كلّ لحظة من لحظات سنواتي الأربع التي عشتها في هذا المكان. كنت أعلم أن البيت لم يعد كائنًا هناك، ولم أكن قادرًا على تحديد المكان، بدقّة، حيث يوجد البيت. غير أني كنت أدرك أنني على مقربة من المكان الذي كنت ألعب فيه في ما مضى، مُرتبًّا القراميد، بعضها فوق بعض، متخيّلاً نفسي مهندسًا معماريًّا. 

كان الجنود الأميركان ينجزون عملهم الرتيب في ذهاب الدوريات وإيابها، كانوا يتوقّفون من وقت إلى آخر، وينظرون دون أن يوجّهوا سؤالاً. آنذاك، كان، «ديفيد جروس» بمفرده، بعد أن انفصل عن الضابط، ليس بعيدًا عني. وبينما كان هو يلتقط بعض الصور لأشياء صغيرة مبعثرة أرضًا، رحت أنا أُحصي عددًا من الذكريات. 

– ذات يوم، كنت على وشك الغرق في النهر… كنت أسبح مع أبي، حين انغرزت في الماء. منذ ذلك الوقت، صار نهر دجلة يخيفني. 

ابتسم «ديفيد»، توقّف ليتحدّث مع جنود ملامحهم آسيوية. كان أحدهم يصلّي بجوار سيّارة «ﭽيب». 

***

حين وصلنا إلى المدخل الرئيسي للقصر، توقّفنا أمام التماثيل الأربعة الضخمة لصدّام حسين، التي كانت تشير إلى الجهات الأربع. لم نتمالك أنفسنا من الضحك. كان الهدوء يعمّ المكان، كما لو أن الحرب لم تمرّ من هناك، حتى الجنود كان يبدو عليهم كأنهم خارجين من قيلولة. اقتربنا من جنديّيْن أسودَيْن كانا جالسَيْن في نقطة تفتيش مغطّاة بشبكة للتمويه. لوّحت بإشارة، مادًّا يدي اليمني، فردّ أحدهما عليّ محرّكًا رأسه، ثم دخلنا نطاق القصر. كان كلّ شيء منظّمًا. كانت الأرض خضراء، والعديد من صفوف أشجار الورد، من كلّ الألوان، مُزْهر. عدّة نافورات، هنا وهناك، تروي العشب تحت الشمس نهايةَ هذه الظهيرة. قلت لـ«ديفيد»:

– كان البيت في مكان ما هنا، في هذه الحديقة الكبيرة.. ربّما هناك… 

وأشرت بسبّابتي إلى صفّ ورد دائريّ. ابتسمنا. بعيدًا، وبجوار النهر، كان هناك العديد من الكراسي الطويلة المتناثرة، وكان رجال عراة من النصف العلوي يتمدّدون بجانب الثلّاجات. تمرّ امرأة شقراء ترتدي فستانًا أزرق مكشوف الصدر، تحمل بعض الملفّات بين يديها، تُلقي علينا نظرة خاطفة، ومرافقي يرسل إليها ابتسامة. كنت أقول لـ«ديفيد جروس» إنهم، تقريبًا، كانوا في إجازة، فردّ عليّ:

– تقريبًا، لأن الحرب لم تبدأ بعد. 

منذ أن التقيته في الفندق، ونحن متّفقان، معًا، في أن الحرب لم تبدأ بعد، إلى درجة أنها كانت أسرع من كونها حربًا. 

كنّا قد توغّلنا في الحديقة معجبَيْن بأشجارها القصيرة، ومبانيها الملحقة بالقصر، والتي بُنيت بالأحجار البيضاء، على الطراز الشرقي، لحظة أن قابَلَنا رجل عسكري، نصفه العلوي عارٍ. كان يسير مسرعًا، ناظرًا في الأرض، له شارب كثٌّ كممثّلي السينما الصامتة، وذقن حليقة تمامًا، حاملاً في يده كأسًا ومسقاة صفراء. فجأةً، توقّف محيّيًا إيّانا بالإنجليزية. قدّمني له مُرافقي. رحنا نتبادل النظر صامتين. 

بدأ المساء يلوح في أفق السماء، وأنا أتفرّس الرجل الذي أمامي، فعاودني الحلم. كأن الآخر قد أمسك بخيط أفكاري، نظر إليّ، ثم دعانا للشراب. تقدّم هو دون أن ينتظرنا، ونحن تبعناه. مررنا بين صفوف من الأشجار القصيرة، طلب منّا أن ننتظر برهة. اختفي داخل مبنًى، ثم عاد يكسوه قميص عسكري، تُزيّنه قلنسوة. كان يحمل ثلاث زجاجات جعة، قادنا نحو طاولة بيضاء داخل الحديقة. 

– لقد ولد هنا، قبل أن يُشيّد القصر. كان بيته هنا، في مكان ما. قال «ديفيد». 

– أصحيح هذا؟ 

– نعم.. وفق الأسطورة. رددتُ. 

– لكن أيّة أسطورة؟

– أنت تعرف هذا… لكلّ منّا أسطورته الخاصّة. ولدتُ هنا منذ سبعة وأربعين عامًا، في منطقة متواضعة، لم تعد موجودة الآن. كان هذا، تمامًا، قبل إقامة القصر. 

– نعم.. سمعت من يقول إنه كان قصر الملك السابق. 

– نعم. كان هذا هو القصر الملكي، ثم القصر الجمهوري، وبعدها قصر صدّام. أنا على علم بالفترتَيْن: الأولى، والثانية. حينما استولى صدّام على هذا القصر، كنت أنا منفيًّا في فرنسا، وكان عمري، حينئذٍ، واحدًا وعشرين عامًا. 

كنّا قد أخذنا نشراب على مهل، وهو ينظر إلينا. حكى «ديفيد» حياتي وفق ما سمعه عند الظهيرة، في حين لم يرفع الضابط عينيه عني. بلغنا هدير طائرة «هيلوكوبتر» كانت تطير فوق رصيف مرتفع، حيث كنّا. 

نهض الضابط، نظر خلف صفّ الأشجار القصيرة، ثم عاد إلى مكانه معتذرًا. 

– بلدك في غاية الجمال. قالها باحترام. 

– وهو كذلك بعيد جدًّا. 

راح يضحك، بينما يضيف «ديفيد» أننا أبعد ما نكون عن أميركا. 

– حلمٌ أن أكون هنا. 

– لكن كلّ شيء هنا، هو حلم. أجبت. 

– منذ ثلاثة أشهر، وأنا أتقدّم في هذا البلد، ببطء. عندما توقّفنا في الكويت، كنت أعتقد أن هذه ليست هي العراق.

– أنت تعرف أن هذا هو الشيء نفسه بالنسبة إليّ. بعد سبعة وعشرين عامًا، كلّ شيء مختلف، وبعد سبعة وأربعين عامًا، أكون على مقربة من بيتي الذي ولدتُ فيه، ولست قادرًا على تحديد المكان الذي كان يوجد فيه، بالضبط. حين نكون بعيدين، تنقصنا الدقّة. 

– أدرك هذا. أجابني بنبرة غريبة.

عمّ الصمت المكان، ثم راح «ديفيد» يحكي رحلة تجواله إلى جانب أفواج أميركية. غير أن الضابط قاطعهُ متوجّهًا نحوي. 

– وأنت، ما رأيك في هذا؟ أنا، أنا لا أفهم ما الذي يجري في هذا البلد. 

 إنه الهرج والمرج… ستّة آلاف عام من التاريخ، تلك التي تراها ممتزجة هنا… ليس سهلاً عليك أن تستوعب هذا. 

– نعم. معك حقّ. غير أني طويتُ أكثر من ستّمئة كيلومتر، من الجنوب حتى بغداد. تقدّمنا كثيرًا، لكننا لم نوفّق في أن نفهم. 

– أنت طويت قرنَيْن هنا، في أميركا، ومازلت بحاجة إلى ثمانية وخمسين قرنًا كي تفهم. 

ونحن نجوب الشارع الرئاسي، فهمت الكثير من الأشياء، عن حياتي… 

لكن ليس كلّها، بعد. 

– هل تتحدّث بجدّيّة؟

– نعم. أحتاج إلى وقت كي أفهم. أنا لست متأكّدًا. 

– لستَ متأكّدًا من أيّ شيء؟

– من أن يمكنك الذهاب إلى ما هو أبعد. أنت في حدود الإمبراطورية، حيث تختلط كلّ الأشياء، وحيث نتخيّل الظلال أجسادًا. 

مرّة أخرى، عمَّ الصمت المكان. يُخرج «ديفيد» كاميرا فوتوغرافية من حقيبته، ومشعَلاً. شرع في التقاط صور لأيدينا الموضوعة على الطاولة. راح المساء يهبط أكثر فأكثر، وامتلأت الحدائق من حولنا بجنود كانوا يتحدّثون بصوت عالٍ. 

راح الضابط يتحدّث: 

– حينما كنت شابًّا، رأيت حلمًا: كنت في حديقة كبيرة، في بغداد، حيث كانت هناك سيّدات يرقصن، وسحَرة يتنزّهون. كانت هناك قوافل من الإبل تمرّ، وملك فوق عرش، يُظهر ساعات يد، قارئًا المستقبل في كتاب ضخم مفتوح أمامه. ومنذ ذلك الحين، وأنا تسكنني رغبة المجيء إلى بغداد، لكني لم أكن أعتقد أنني سأجيء بصفة ضابط في جيش الولايات المتّحدة الأميركية. هذا شيء غريب!. 

ردّد الجملة الأخيرة كأنه كان يقرأ صفحاتٍ من كتاب مفتوح أمامه. كان مشعل «ديفيد جروس» يومض فوق أيدينا المرفوعة، أو- بالأحرى- الموضوعة على الطاولة. 

– أرى أنك يجب أن تعود مرّة أخرى. قالها كما لو كان يستيقظ من حلمه، مضيفًا:

– سأستدعي لك جنديًّا ليرافقك حتى الخروج من المنطقة الخضراء. 

اختفي، ثم عاد ومعه جنديّ شابّ. كفَّ «ديفيد» عن اللعب بالضوء الأزرق وبالكاميرا الفوتوغرافية. كان الوقت ليلاً، وكان هناك القليل من النجوم في سماء بغداد المغطّاة بالغبار، في تلك الليلة. قبل مغادرة الأماكن، ألقيت نظرة على الضابط الذي كان ينظر إليّ، وكأنه يحاول أن يتبيَّن وجهي من بين تلك الوجوه التي رآها في حلمه.


جبار ياسين: كاتب وروائي عراقي، يكتب بالفرنسية وبالعربية، ويقيم في فرنسا منذ ما يزيد على أربعين عامًا. له العديد من الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية والشعرية، ترجمت أعماله إلى لغات كثيرة كالأسبانية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية والهندية وغيرها. تُرجمت هذه القصّة إلى لغات عديدة، ولاقت صدًى واسعًا تمثل في كتابة عدّة مقالات عنها في الصحافة العالمية، خاصّة وأنها كُتِبت قبل الغزو الأميركي للعراق.

مارك ألكسندر أوهو بامبي: لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ

يُعَدُّ مارك ألكسندر أوهو بامبي (Marc Alexandre Oho bambe) من أبرز الشُّعراء الذين نشأوا بين أحضان الكتب والقصائد. وُلِدَ سنة 1976، بمدينة دوالا، العاصمة الاقتصادية للكاميرون. تَحَصَّلَ على  جائزة «بول فيرلين» من الأكاديمية الفرنسية، سنة 2015. يقتفي هذا الشاعر آثار الأدباء ذوي النزعة الإنسانية، من قبيل: رينيه شار، وإيمي سيزير..، وتتغنّى قصائده بمجموعة من القيم، من بينها: الإيثار، والحُبّ، والثورة، والبحث عن الإنسان، والحضّ على المشترك الإنساني. تأتي قصيدته «لقد أُلْغِيَ الغَدُ» لتُعيد تجسيد هذه القيم في ظل الأزمة التي نعيشها الآن، حيث نظمها في أثناء الحجر المنزلي الذي صادفَ إقامته بمدينة «أبيدجان».

لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ.

هَلْ هِيَ نِهَايَةُ العَالَمِ

أو، بالأَحْرَى، نِهَايَةُ عَالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

رَحَلَ المُسْتَقْبَلُ.

تَوَقَّفَتِ العَوْلَمَة

إلى أَجَلٍ غيْرِ مُسمَّى.

رُبَّما تَبْدَأُ العَالَمِيَّة..

رُبَّما!

مَا فَائِدَةُ الشِّعْرِ؟

سُؤَالٌ رُوحِيٌّ مَا فَتِئَ يَتَرَدَّدُ في دَوَاخِلِي مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَة.

وفي دَوَاخِلِي، ما يزال صَوْتُ سيزير يُعيدُ على مَسامِعِي جوابَهُ الجَامِعَ المَانِع:

«يُفِيدُنَا الشِّعْرُ في تَحَمُّلِ العالَم».

كُلُّ شَيْءٍ قِيلَ.

ولكنِّي أقول، أيضًا، على خُطَى الأستاذ، والأَمَلِ،  وبكل تواضع:

الشِّعْرُ

يُذَكِّرُنَا

بِأَنْفُسِنَا،

ضُعَفَاءَ

حِينَ تُنْحِلُنَا الهَشَاشةُ

لا مَقرَّ لَنَا.

بشرًا

قادرين

ومُذْنِبِين

بما اقترفَتْ أَيَادِينَا؛ خَيْرًا وَشَرًّا.

أولئك الناسُ الذين يُطِلُّونَ مِنَ النَّوافِذ وَيُغَنُّونَ وَيُصَفِّقُونَ.

هُوَ ذَا الشِّعْرُ:

فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا

مَحْجُورٍ.

كُلُّ مَوْجَاتِ التَّضَامُنِ هَاتِهِ، كُلُّ عِبَارَاتِ المَحَبَّةِ والتَّعَاطُفِ هَاتِهِ، نَحْوَ الخَلاَصِ،

هُوَ ذَا الشِّعْرُ:

كُلُّ تِلْكَ المُبَادَرَاتِ الإِبْدَاعِيَّةِ الخَلَّاقَةِ، التي تُزْهِرُ في الرَّبِيعِ، وَتُبْدِعُ الجَمَالَ  والانْسِجَامَ، تِلْكَ المُشارَكَاتُ، بالآلافِ، لِلْمُوسِيقى،  لِلصُّوَرِ والكلماتِ، لِلْمَشاعِرِ الغَالِيَةِ،  لِلثَّقَافَةِ، التي تُنْهِضُنَا وَتَسْمُو بِنَا؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

كُلُّ الأَيْدِي التي تَقْبِضُ على القُلُوبِ، لِكَوْنِها لا تَمْلِكُ أنْ تَمُدَّ أيَادِيَ تَهُبُّ إلى المُسَاعَدَةِ، إلى المَحَبَّةِ، إلى مَحَبَّةِ المُسَاعَدَة..

هُوَ ذَا الشِّعْرُ؛

الشِّعْرُ الذي يُذَكِّرُنَا

بِأَنْفُسِنَا.

سَنَحْلُمَ

سَنَبْتَكِرُ

أو سنموتُ

معًا.

الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّنَا، أَحْيَانًا، نُعَارِضُ

أَنْفُسَنَا.

إِنَّهُ يَجْعَلُنَا نَقِفُ

وَجْهًا لِوَجْهٍ

أَمَامَ حَالاَتِنَا المُسْتَعْجَلَةِ المَنْسِيَّة

حَيَوَاتِنَا المُزَيَّفَة

أَحْلَامِنَا المَهْزُومَة

مَسَاراتِنَا الدَّاخِليّة الضَّائِعَة

في جُنُونِ الأيَّامِ التي تَمُرُّ

بِنَا أَوْ بِدُونِنَا..

وَجْهًا لِوَجْهٍ

أَمَامَ أَنْفُسِنَا.

إِذَنْ،

بِكُلِّ شَفَافِية وَصَرَاحَة..

دُونَ حِجَابٍ

دُونَ سِتَارٍ

أو أَقْنِعَةِ مَطَرٍ.

وَجْهًا لِوَجْهٍ

أَمَامَ مهازل انْتِظَامِ

اللاَّنِظَامِ العَالَمِيِّ

الذي هُوَ نَفْسُهُ يَسْتَمْتِعُ بِنَا،

ما دَامَ يُجْبِرُنَا على العيْشِ دُونَ البحْثِ عنِ المَعْنَى،

وُجُوهُنَا إلى الأَرْضِ، مُنْكَفِئِينَ على المِقْوَد ،

لِنَرْتَطِمَ بالحَائِطِ، بِسُرْعَةٍ عَالِيَة.

لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ.

هل هي نهاية العالم

أو، بالأحرى، نهاية عالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

في جراند- بسام،

على شاطئ يُعَذَّبُ ،

أَطْفَالٌ يَلْعَبُونَ

سُذَّجٌ بَرِيئُونَ

مِثْلَ جَمِيعِ أَطْفَالِ العَالَمِ.

أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ يَتَقَاسَمُونَ الحَيَاة..

يَرْكُضُونَ جَمِيعًا

خَلْفَ الفَرَحِ الدَّائِرِيِّ

مِثْلَ كُرَةٍ زَاهِيَةِ الأَلْوَانِ،

بِابْتِسَامَةٍ في العَيْنَيْنِ

مُثبتَةٍ على أَفْكَارِي؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

الجَمِيعُ، ذُكُورًا وَإِنَاثًا،

في شُرْفَةِ المَنْزِلِ

مِثْلَمَا كُنَّا أَمْسِ في شُرْفَةِ

ذَوَاتِنَا؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

أَمَامَ الأَسْلِحَةِ الخَارِقَة،

مُوَاطِنَاتٍ، وَمُوَاطِنِينَ،

لَنْ نَنْجُوَ دُونَ أَنْ يُحِسَّ

كُلٌّ مِنَّا بِالآخَرِ؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

مَحْجُورًا

فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى،

مُحَاصَرًا،

أَحْيَانًا،

بِالزَّمَنِ الذي نَفْتَقِدُه

وَبِكُلِّ تِلْكَ الأَشْيَاءِ التي تَحُثُّنَا على الإِسْرَاعِ في الحياة.

وَلَكِنْ، هَلْ هَذِهِ هي الحَيَاة؟

دُونَ فَرَحٍ عَمِيقٍ، فَريسَةً لِلْيَأْسِ،

لِضُغُوطِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ التي نَفْرِضُهَا

على أَنْفُسِنَا طَوَاعِيَة!

الشِّعْرُ يُعِيدُنَا

إِلَى شَاِطئِ أَحْلَامِنَا المُؤَجَّلَة

إِلَى قَافِيَةِ آمَالِنَا المُهَجَّرَة

إِلَى وَقْفِ «أَنَانِيَّتِنَا» المَغْرُورَةِ التي لا نَظِيرَ لَهَا

إِلَى الفَنِّ الذي يَرْبِطُنَا وَيُسْلِمُنَا

إِلَى سِرِّ النُّجُومِ المُلْتَقَطَة

في الطِّينِ أو تَحْتَ الأَحْجَارِ المَرْصُوفَةِ لِهَذَا الشَّاطِئ،

شَاطِئِ إفريقيا الخَالِدَة.

الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا

في وَرَقَاتِ  هِيبْنُوس، وفي صَوْتِ شَار، الجَهْورِيّ،

بِأَنَّ عَلَيْنَا «أَنْ نُحِبَّ نَفْسَنَا كَثِيرًا،  هَذِهِ المَرَّةَ، أيْضًا، وَأَنْ نَتَنَفَّسَ بِقُوَّةٍ تَفُوقُ رِئَةَ الجَلَّاد»

الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا

بِأَنْفُسِنَا

أَحْيَاءً

مُفْعَمِينَ بِالحَيَاة

بَشَرًا فَانِينَ

يتصرَّفُونَ، غالبًا،

وكأنَّهم غَيْرُ وَاعِينَ

بفَنَائِهم،

ساخرين من الأشْخَاصِ الخَيِّرِينَ، الصَّالِحِينَ

الذينَ يَسْعَوْنَ إلى التَّصَرُّفِ بِأَنَاقَةٍ 

مَعَ السَّاخِرينِ والمُبْتَذَلِينَ،

الذينَ هُمْ في صِرَاعٍ مُسْتَمِرٍّ،

في حَرْبٍ

ضِدَّ المَعْنَى

ضِدَّ النُّبْلِ

ضِدَّ السِّلْمِ

ضِدَّ الأَرْضِ

ضِدّنَا جَمِيعًا، رِجَالًا ونِسَاءً، 

وَضِدَّ أَنْفُسِهِمْ،

أَيْضًا،

يَسْتَقِلُّونَ

ظَهْرَ الرِّيحِ

بِابْتِسَاماتٍ مُتَبَادَلَةٍ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأَةِ هُنَاكَ؛

هُوَ ذَا الشِّعْر.

الرَّسَائِلُ النَّصِّيَّةُ الّتِي يَكْتُبُهَا إِلَيَّ فرِيد وأَلْبِير، عَبْرَ وَاتْسَاب، مُنْذُ أُسْبُوعٍ،  تَقْرِيبًا، في نفْسِ السَّاعَةِ الزَّرْقَاءِ، سَاعَتِنَا؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

كُلُّ تِلْكَ القُلُوبِ المُكَوَّمَةِ التِي يُعَانِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا،  مُتَقَابِلَة.. كُلُّ أُولَئِكَ الأشْخَاصِ الذينَ يَهَبُونَ فَنَّهُمْ، يَقُومُونَ بِدَوْرِهِمْ، وَيَقِفُونَ دِرْعًا وَاقِيًا في وَجْهِ الخَوْف؛

هُوَ ذَا الشِّعْر.ُ

الأَخُ الرَّفِيقُ الّذي قَابَلْتُهُ قُرْبَ أَدْجَامِي، وَاضِعًا قِنَاعَهُ الوَاقِيَ علَى جَبْهَتِه،  صَائِحًا بِصَوْتٍ قَوِيٍّ وَوَاضِح: «الفيرُوسُ هُنَاكَ، لا يَسْتَطِيعُ الوُصُولَ إِلَى هُنَا،  فَلَدَيْنَا الفُلْفُلُ الحَارّ، غنامنكو والشَّمْس، فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْفيرُوسِ أَنْ يَصِلَ إلى هُنَا؟». قالَ لي ذَلِكَ، وَهُوَ يَطْلُبُ مِنِّي قَلِيلاً مِنْ مُعَقِّمِ اليَدَيْن!

هُوَ ذَا الشِّعْرُ..

فِي القَهْقَهَاتِ الَّتِي تَلَتْ جُمْلَتَهُ المُتَوَهِّجَةَ بِرُوحِ الدُّعَابَة.

لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ!

هَلْ هِيَ نِهَايَةُ العَالَمِ

أو، بالأَحْرَى، نِهَايَةُ عَالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

رَحَلَ المُسْتَقْبَلُ

تَوَقَّفَتِ العَوْلَمَة

إلى أَجَلٍ غيْرِ مُسمَّى.

رُبَّما تَبْدَأُ العَالَمِيَّة!

رُبَّما!

«مَا الحَاجَةُ إلى الشُّعَرَاءِ فِي زَمَنِ الضِّيقِ وَالشِّدَّة؟»

يَتَسَاءَلُ هُولْدِرْلِين.

وَأَسْمَعُ هُوجُو يُجِيبُ بِكُلِّ إِجْلَال:

«إِنَّ الشَّاعِرَ، فِي الأَيَّامِ الجَاحِدَة، 

قَادِرٌ عَلَى إِعْدَادِ أَيَّامٍ سَعِيدَة؛

فَهُوَ إِنْسَانُ المُدُنِ الفَاضِلَة 

قَدَمَاهُ هُنَا، وَعَيْنَاهُ هُنَاك.

هُوَ الّذِي يَعْتَلِي جَمِيعَ الرُّؤُوس

فِي كُلِّ زَمَانٍ، مِثْلَ الأَنْبِيَاء،

وَفِي يَدِهِ، الّتي يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ كُلَّ شَيْء

يَنْبَغِي،  سَوَاءٌ أَذَمَمْنَاهُ لِذَلِكَ أَمْ مَدَحْنَاه،

يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ المُسْتَقْبَلَ مُتَوَهِّجًا

مِثْلَمَا يَتَوَهَّجُ المِشْعَلُ الّذِي يَهُزُّهُ بِيَدِه».

لَمْ أَنْأَ بِنَفْسِي، يَوْمًا، عَنِ الشِّعْر.

الشِّعْرُ حَقِيقَةٌ وَاحْتِفَاءٌ بِالرُّوحِ،  يَتَغَيَّا إِنْقَاذَ الحَيَاة.

يَمْنَحُ نَفَسًا لِلنَّفَس، يُجَدِّدُ الرُّؤْيَة.

لِهَؤُلاَءِ، المُؤَدْلَجِينَ، المُضْطَهَدِينَ، الذينَ أَعْمَاهُمُ النِّظَامُ الذي انْمَحَى اليَوْمَ،  بَعْدَ أَنْ حَاوَلَ، وكان قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنَى مِنْ أَنْ يَنْجَحَ، تَقْرِيبًا، في مَحْوِ قِيَمِ الكَرَامَة، والرَّأْفَةِ،  وَالتَّعَاطُف، وَاخْتِلَافِ الآخَرِ، والبَشَرِيَّةِ المَسؤولَةِ

مِنْ رُبُوعِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا.

لَسْتُ آبَهُ، إِذَنْ، بِالاتِّهَامَاتِ

تَلْحَقُنِي؛ لأنِّي أَعْتَقِد..

أَعْتَقِد بِأَنَّ الْغَدَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ،

لأَنَّ غَدًا سَيَكُونُ

مِثْلَمَا أَعْدَدْنَاهُ.. سَنُنْجِزُهُ مَعًا.

نَعَمْ لَسْتُ آبَهُ بِالاتِّهَامَاتِ.

«دِفَاعًا عَنْ نَفْسِي، سَأَقُولُ إِنِّي شَاعِر»

مِثْلَمَا يُؤَكِّدُ رُودْنِي،حَامِلُ النَّار.

وَالشِّعْرُ، أَيْضًا، يَدْعُونَا

إلى اصْطِنَاعِ مَسَارَاتٍ جَدِيدَةٍ فَوْقَ البَحْر.

فَوْقَ الحُبّ.

وَالشِّعْرُ يَدْعُونَا

إلى الحَرْبِ

لِنُفَوِّتَ فُرْصَةَ مَوْتِنَا

وَلِنَتَعَلَّمَ العَوْدَةَ إلَى الحَيَاةِ مُجَدَّدًا،

عَلَى قَدْرِ عَزْمِنَا، رِجَالًا ونِسَاءً،

مُتَمَاسِكِينَ وَمُنْصِفِينَ.

محمّد ديب.. الروائيّ الشّاعر

يُعــدّ الكاتـب الجـزائريّ محمّد ديب، من روّاد الأدب الفرنكوفوني في بلده، كما في البلدان المغاربيّة، وهو ليس مجهولاً تماماً لدى القارئ العربيّ، فقد ترجم له سامي الدّروبي ثلاثيّته الأولى (الدّار الكبيرة- النَّوْل- الحريق) قبل عقود، كما ظهرتْ، بالعربيّة، روايته «صيف إفريقي».وإنْ كان محمّد ديب الشّاعر لمْ يَحْظَ كثيراً باهتمام المترجمين العَرَب، فإن له إنتاجاً في مجالات الرّواية والشّعر والقصّة القصيرة والمسرح والحكاية، كما أنّه ترجم أعمالاً من الفنلنديّة.

وُلِد محمّد ديب في تلمسان، في 21 يوليو، 1920، وتوفّي في ضاحية سانْ-كْلُو الباريسيّة، يوم 2 مايو، 2003. في طفولته، بدأ الدّراسة في تلمسان بالجزائر، وتابعها في مدينة وجدة بالمغرب. مات والدُه سنة 1931، وانطلاقاً من سنة 1934 بدأ يكتب شِعْراً، ويُمارِسُ الرّسم التّشكيلي (الصّباغة، بمعناها الفنّي)، ومارس ديب التّدريس في الابتدائي، من 1938 إلى 1940. بعدها، أصبح مُحاسِباً في مدينة وجدة، ثمّ مترجماً ما بين اللغتين الفرنسيّة والإنجليزيّة لدى جيش الحلفاء في الجزائر العاصمة، خلال سنتَيْ 1943 و1944. وعاد إلى تلمسان في 1945، واشتغل في مجال النّسيج، وقد نشر أوّل قصيدة له سنة 1946، في مجلّة «Les Lettres» (الآداب) السّويسريّة، تحت اسْم «ديابي». بعد ذلك، تعرّف إلى أدباء مثل ألبير كامو، وجان سيناك…، ثمّ أصبح ديب نقابيّاً، وقام بزيارة أولى إلى فرنسا، واشتغل في الصّحافة، وفي سنة 1951، تزوّج من كوليتْ بيليسّان، التي أنجبت له أربعة أطفال. 

سنةَ 1952، صدرتْ له رواية «الدّار الكبيرة» عن منشورات سُويْ في باريس، وهي أولى أجزاء ثلاثيّته الأولى المُشار إليها (الجزءان الآخران منها ظهرا، بالتّتابع، سنتَيْ 1954 و1957). وكانت كتابة ديب، وقتها، تندرج تحت مُسَمّى الواقعيّة، فالكاتب، من هذا المنظور، يلعب دور «شاهد» على بؤس أهل المدن والقرى، وعلى إضرابات عمّال الزّراعة، كما يُعَبِّر عن المطالب الوطنيّة التي كانتْ قد بدأتْ وقتها في الإعلان عن نفسِها، وقد انتقدت الصّحافة الاستعماريّة الرّواية، فيما دافع عنها لويس أراغون. 

في «صيف إفريقيّ» (سُوي، 1959)، تطرّق محمّد ديب، بشكل أكثر صراحةً، إلى حرب التّحرير. وفي سنة صدورها تلك، طردتْه الشّرطة الاستعماريّة من الجزائر، بسبب أنشطته النّضاليّة، فقد كان عضواً في الحزب الشّيوعيّ الجزائريّ، كما كان قريباً من حركة التّحرير، وقد تدخّل أندريه مالرو، وألبير كامو، وجان كايرول لتمكينه من الإقامة في فرنسا، وبالفعل، استقرّ هنالك. وفي 1960، كتب في قصيدة له: «أيا لياليَ باريس الوادِعة، كمْ أجدُك مريرة/ للمنفِيِّ، باريسُ المظلِمة هي جحيم.» 

سنة 1962، ظهرتْ له رواية بعنوان «من يتذكّر البحر»، وفيها ظهر، جَلِيّاً، أنّ محمّد ديب شرع في خَوضِ مغامرة إبداعيّة من صنف جديد؛ فقد تمرّد على قيود الواقعيّة، ونحا في «من يتذكّر البحر» منحىً فانتازتيكياً وحُلُميّاً في معالجة تيمات، كعُنف الاستعمار الفرنسيّ في الجزائر وظهور حركة التّحرير.

سنةَ 1964، ظهرتْ لمحمّد ديب رواية بعنوان «ارْكُضْ على الضّفّة المهجورة»، وفيها يعتمد كتابة حُلُميّة أيضاً، ويفتح فيها للخيال آفاقاً، ويُعالج تيمات الأوضاع الإنسانيّة، والحبّ والموت (لكن، ليس من زاوية واقعيّة، كما أسلفنا).

ما بين سنَتيْ 1974 و1976، درَّسَ ديب في جامعتَيْ لوس أنجوليس، وكاليفورنيا، وابتداءً من 1975، توالتْ أسفاره إلى فنلندا، وهنالك، اشترك مع الشّاعر الفرنسي غِيلفيك في ترجمة أعمال أدبيّة فنلنديّة. ومن إقاماته في فنلندا، استلهم «ثلاثيّة الشّمال»، المنشورة عند ألبان ميشال: «سطوح أورسول» (1985)، و«نوم حوّاء» (1989) و«ثلوج من مرمر» (1990).

وقد بقي محمّد ديب مثابراً على الكتابة حتّى آخر حياته، ففي سنة 2003، وهي سنة وفاته، ظهرتْ له رواية بعنوان «سيمورغ» (ألبان ميشال)، أمّا آخر رواياته، «لايزا»، التي أنهاها قبل موته بأيّام، فقد نُشِرَتْ سنة 2006 عن (ألبان ميشال).

بالطّبع، فحديثنا عن روايات محمّد ديب لن يُنْسِيَنا أنّه كان شاعِراً مقتدراً وكاتب قِصّة قصيرة، ففي شعره نجد احتفاءً بالمرأة، وبالحبّ، وبالبحر، والتقاطاً للحظاتِ الأسى وللّحظات الشّاعريّة في الحياة، والتي تُمكّن القصيدة، وحدها، من التّعبير عنها. ومن أعماله الشّعريّة، نذكر: «ظِلٌّ حارس» (1960)، و«استبيانات» (1970)، و«أومنيروسْ» (1975)، و«نارٌ نارُ جميلة» (1979)…

وله مجموعات قصصيّة: «في المقهى» (1955)، و«الطِّلسم» (1966)، و«الليلة المتوحّشة» (1995). 

وقد حاز جوائز عِدّة، فكان أوّل كاتبِ مغاربيّ يحصل على الجائزة الكبرى للفرنكوفونيّة التي تمنحها الأكاديميّة الفرنسيّة (1994)، كما حصل على جائزة مالارميه في الشّعر (1998).

قالتْ عنه الباحثة الجزائريّة نجاة خَدّة: «إنّ الأعمال الأدبيّة لمحمّد ديب، والتي شرع في إنجازها في نهاية أربعينيّات القرن العشرين، هي الأغزر، اليوم، في نطاق الإنتاج الجزائريّ باللّغة الفرنسيّة، وهي -أيضاً- التي يتبدّى فيها تجديدٌ مستمرّ على مستوى الأشكال والتّيمات، وتسودها استمراريّة وثيقة، ووحدة لا جدال فيها.».

يجد القارئ، رفقة هذه المقالة، قصائد مترجمة لمحمّد ديب، إضافةً إلى مقتطفات من رواية «ارْكُضْ على الضّفّة المهجورة» تشمل الفصل الأوّل منها وفقراتٍ من الفصل الثّاني. ولا بدّ من كلمة، ولو وجيزة، عن هاته الرّواية التي أنجزها ديب، في فترة، كان قد تمرّد فيها على حدود الرّواية الواقعيّة. يمكننا أن نبدأ، هنا، من تذييل، كان محمّد ديب قد كتبه لأوّل رواية له، اعتمد فيها الكتابة الحُلُميّة والفانتازتيكيّة، أعني «من يتذكّر البحر». في ذلك التّذييل، قال ديب إن الكتابة الواقعيّة عن مآسي الحرب الجزائريّة لم تعد ذات تأثير في وجدان القارئ، ذلك أنّها استنفدتْ مفعولها بفعل التّكرار. وكي يقرِّب ديب القارئَ ممّا سعى إليه في روايته المذكورة، عمد إلى الإشارة إلى لوحة بيكاسو، «غرنيكا»، التي هي بمثابة عمل غير واقعيّ ومؤثّرٍ جدّاً، عن مأساة غرنيكا التي دمّرتها طائرات الألمان المقنبلة، سنة 1937.

في «اركُضْ على الضّفّة المهجورة»، يطغى الطّابَع الحُلُمي أيْضاً، دون أن تفقد الرّواية صِلاتها بالواقع، طبعاً. والسّارد فيها رجل في مقتبل العُمر، يُسَمّى إيفن زوهار، ينوي أن يعقد قرانه على المرأة التي يُحِبّ، واسمها راضية، لكنّ كارثةً طبيعيّة تحدث، ويكون إيفن زوهار من النّاجين، إلا أن الكارثة تُفَوّت عليه الزّواج المرغوب فيه، إذ تؤدّي إلى اختفاء راضية. يمضي إيفن زوهار في البحث عنها، وفي لحظةٍ ما، يعتقد أنّه عثر عليها، لكنّ المرأة التي يبدو أنّها تامّة الشّبه براضية ليست إلّا هيلّي، وهي جِنّية، نوعاً ما، تريد أنْ تخدعه فتظهر له في أجواء ساحرة جِدّاً. وبعدها، لن يكفّ عن فقدان راضية والعثور عليها من جديد، بحيثُ تبقى هذه الأخيرة كأنّما يتعذّر العثور عليها فعليّاً. وللتّخييل قوّته في هذه الرّواية، التي تُعتمد فيها أساليب من تلك التي وطّدها السّورّياليّون في مجال الشِّعر.


مقاطع من «ارْكُضْ على الضّفّة المهجورة»

محمّد ديب

مضينا، إذَاً.

كانت مياهٌ وسُحُبٌ اجتاحتْها النّوارس تُهاجم ذَهَب السَّماء دون أن تَبْلُغه – ذَهَبَ السّماء الذي يمتدّ فوقنا، ويتجاوزُ أشجاراً وحدائق فسيحة – لكنّها كانت تنهشُ الأعالي والفيلّات والقِلّة من العابرين الذين كانوا يتباعدون، أو يتقاربون، على خطوطٍ لا نهاية لها. ولجأْنا إلى غابةٍ، كانت السُّبُلُ فيها تتقاطع دون أنْ تُفْضِيَ إلى مخرج، ثمّ عُدْنا نحو الجادّة الكبيرة التي أفرغتها هجمة الأمواج، وإذا بنا أمام عالَمٍ من اللهب.

خلف ظَهْرَينا، زَمْجر التّرولّي سُداسيّ القوائم. مرّ قريباً منّا جِدّاً، وبلا إبطاء ترك الطّريقَ سالكة، وهرعنا نحوه. ينبغي ألّا يَفُوتنا: لقد كان الأخيرَ الذي يُمكننا أنْ نستقلّه، بحسب الرّقم الوحيد المسجَّل على مِينا ساعتِي، وكان قد وصل إلى مكان وقوفه، وثمة أُناسٌ ينزلون منه. كانتْ راضية، متعلّقةً بِذِراعي، تتقافز على كعبي حذائها. وكان شَعْرها، إذْ تهتزّ إلى أعلى، يلطمني على وجهي. 

كان التّرولّي يستعدّ للانطلاق. وبادرْتُ إلى القفز على أرضيّته، جاذباً، في اندفاعتي، راضية التي سقطتْ إلى جانبي وهي تضحك.

لقد جعلتها حركة الانطلاق ترتطم بي، واعتمدتْ كفّيها لتُخَفّف من حِدّة انقذافها، واستمرّتْ في الضّحك، وهي تتعلّقُ برسغي، فيما كانت سرعة المركبة تزداد. 

ووجّهتُ ناظريّ إلى حقيبة صغيرة بلا مقبض، كانت كفّها اليسرى تنقبض عليها.

لا تَخْشَ شيئاً، همستْ إليّ. 

وابتسمتْ وأضافتْ، وقد أشاحتْ ببصرها:

 إنّها المرّة الأولى التي أتزوّج فيها، وهذان الخاتمان، لن أُضيّعهما.

تعالتْ في داخلي صيْحةُ اعترافٍ بالجميل.

وكان الرّجال والنّساء الذين من حَوْلِنا يبدون كشُهودٍ من حجر. وبِيَد مرتفعةٍ إلى حدٍّ ما، كانت راضية تمسك بالحقيبة الصّغيرة أمامها، ومن وقفة إلى وقفة، كان ذو القوائم السّتّ ينزل نحو وسط المدينة.

كنتُ قد بدأتُ أستشعر خشيةً ما، وحضور راضية جعل المخاوف لا تتمكّنُ منّي.

«لماذا؟ ليس هنالك أيّ خطر في أيّ مكان؛ ليس هنالك ما تتخوّف منه.».

لم يُعدّ التّرولّي يسير، وتكاثف العالَم. حاصرتني المياه والسّحب في زوبعة، وأخمدَتْ حواسّي، مُهيّئةً الموجة الباعثة على الدّوار التي لن تنسحب، التي ستأخذني معها. أغلقتُ أجفاني ضاغطاً جيّداً، فتحتها ثانية. كان التّرولّي ما يزال يتقدّم.

«لن تُفصح. لنْ تُفْصِح عن كلّ ما تنتظر، ولا عمّا تُطارده.»

أيكون في هذا وقاية لي؟ أهو أسلوب الاتّقاء الأكثر نجاعة؟

«لن تُفصح. لنْ تُفْصِح عن كلّ مّا تنتظر…»

وكأنّ الأضواء قد نضجتْ؛ فالأشجار مشتعلة في الحدائق، وجمرٌ ينتشر فوق المدينة.

وجّهتُ، إذاً، ابتسامة وداع لِظِلال، ولبيت، كُنْتُ، للتوّ، قد تعرّفتُ إليها من أعماق ضبابٍ كان يسكنني. كانتْ شجرةُ مشمش تَمُدّ فروعها في فِناء الدّار، ومن إحدى الزّوايا، كانت شجرة عنب تعلو حتّى السّطح، ومن هناك، تُلْقي بفروعها حول رأس المرء. كان أبي وأمّي يجلسان، هنالك، متجاورين، ومع ذلك فلا أحد منهما كان يفتح فمه. هل سيقرّران أن يتكلّما في آخِر الأمر؟ كنتُ أُصِيخُ السَّمع، ثمّ فهمت. إنّهما كانا قد تكلّما من قبل. في أيّة لحظة؟ لم أكن أعرف، لمْ أكنْ أعرف. حدث ذلك قبل وقتٍ طويل، بلا شكّ.

هبّتْ عليّ ريحٌ باردة. وتلاشتْ الظّلال التي كانتْ قد انبثقتْ من مدينة قديمة، ولم تترك إلّا لهب البحر يتراقصُ أمام عينيّ. 

وفي نزولِها نحو ذلك البحْرِ الذي لُمِح، كانت المدينة تدور على رِجْلٍ واحدة. تلك كانت دورةُ بنايات، وحدائق تنتصب فيها أشجار، وتظْهرُ جوانبُها في ما يَعكسه الجَوْن. أمّا البحر، فقد كان يقوم بِدَورة أكثر اتّساعاً، مُجَمِّعاً ما تبقّى منْ ضوءٍ مُتلبّث، وكان رفاقنا في الرّحلة، بأحداقهم الميّتة، يحاذون العَدَم. كيف كان هؤلاء الشّهود يَرَوننا: راضية، وأنا؟ وكيف كانوا يرون الأشياء الأخرى؟ هم لم يكونوا يعرفون الطّريق الذي كنّا نمضي فيه تحت أبصارهم. كانتْ لديهم عنه فكرة غامضة، ورأوا فيه الطّريق نفسه الذي كان قدرُهُمْ قد عوّدهم على اتّباعه.

هذه الفكرة جعلتْني أضحك.

وردّت راضية على ضحكتي بضحكةٍ أخرى.

وفوق رؤوسنا، ارتعشتْ سماء سبتمبر.

وجّهتُ صوبها ناظِرَيّ من جديد: كانتْ ساهيةً عمّا حولها… ونال منّي الاضطراب، إذْ رأيْتُ قبالتي واحِدةً، أجهلُ مَن هي! كانت تنتصب أمامي امرأةٌ وحيدة.

كنتُ أتقدّم مُتلمّساً طريقي.

هذه المرأة الضّائعة لم تكنْ راضية. لقد تمّ الإبدال بسرعة شديدة، حدّ أنّ أحداً لم يتنبّه إليه لحظة حدوثه؛ لا أنا ولا الشّهود.

بقيتُ للحظة منكمشاً على نفسي، لا أرى شيئاً.

وباحتياط، فكّرت:

«من الذي سَيُخَلِّصُها؟ من الذي سيتصدّى للُّغز؟ من الذي سيطرد الشّقاء؟ أنا؟ سأعرف كيف أعثر عليها، وسنمشي من جديد، جنباً إلى جنب…»

وشعرتُ برغبةٍ في إيصال أفكاري إليها، لكنّي تراجعت، فقد أدركتُ ما في ذلك من مخاطرات.

«سأخبرها بهذا، بعد أنْ…»

كنتُ أفهم، وأرفض أن أفهم. لم يكن الانفصال هو الذي أنشأ هذه الهوّة بيننا، لم يكن الانفصال وحده هو الذي فَعَل، فتجلّي المظهر لعب دوراً في ذلك، أيضاً.

«هل سيُمكنني، مُسْنَداً بحُبّي، أنْ أُدَمّر المرآة التي تفصلني عنها؟

… هل سنلتقي من جديد، إذْ تنصرم هذه اللحظة؟

… هل سأُدَمَّرُ أنا أيْضاً؟»

وترنّحت المدينة. كانتْ تهيم على وجهها، ولم تُلاقِ نظراتي سوى وُجوه من حجر. وعلى السّواء، كانت وجوه الرّجال والنّساء تحمل التّعبير المستهلَك نفسه. لم تكن تلك السَّحَنات تُعْلِنُ إلّا عن الرّغبة في الموت أو في القتل. واستغللتُ ارتجاجةً للتّرولّي فدنوتُ من راضية للاحتماء من البرد الذي كانت تَبُثّه تلك الوجوه.

وفي اللحظةِ نفسِها، تبدّدت نارُ الهواء، ونارُ البحر، ونارُ المدينة، وصار الجوّ رمادِيّاً، والعالَم بدأَ يهْمي على شكل غبار. كنتُ أراقب الشّهود: ما رأيْتُه تماثيلُ مُفَحَّمَةٌ لفظتها كارثةُ المغيب، وكلّها خرساء.

«عمّا قريب»، قالتْ.

ألقيتُ نظرة على ساعتي. كان عقرباها على وشك الوصول إلى الرّقم الوحيد بِميناها.

تطلَّعَتْ راضية إليّ، وكانت أساريرها قد انبسطت بمفعول ابتسامة تكاد لا تبين، وشددتُ على ذراعها.

عاودتْني الرّعشة، فتماسكتُ، وبذلتُ جهدي لأنطق بالكلمات الأولى التي راودتْ ذهني:

نمضي إلى هناك؟ 

حنتْ رأسها نحو صدري:

نمضي إلى هناك.

اهتزّ التّرولّي إثْر الفرملة، نزل بِضعة أشخاص، ونحنُ أيْضاً. 

***

كان حشد من النّاس منشغلين بالإعدادات الأخيرة للاحتفال، ولم يكونوا يولونني اهتماماً. عليّ أنْ أقول بأنّ قِلّة قليلة من بينهم هم من كنتُ أعرف أسماءهم، وكان يبدو أنّهم يعتبرون إهمال الأزواج أمراً يُضْفي أهمّية كبيرة على الاحتفال بالقِران؛ فلا أحد منهم، من ثَمّ، شَرّفني برفقته. تركتُ الأمور تجري كما قُيِّضَ لها؛ فهم الذين كان بإمكانهم أن يقيموا لي وزناً ما، أو ألّا يأبهوا بي. حقّاً، كان من بينهم من يدنون منّي أحياناً، ويتفحّصون وجهي في صمت، ثمّ يهزّون رؤوسَهم. إنّها الشّفقة، شفقتهم عليّ في يوم كهذا. كنتُ أَقول لنفسي: «إنّهمْ لا يُدركون حقيقة الأمر، فكيف لا يفهمون؟»

وكان مزيد من النّاس يدخلون باستمرار، ومنهم من يتسلّل حتّى إلى القاعة التي جعلوني أقبع فيها والتي بُسِطتْ فيها زربيّة من مُخْمَل في لون النّار، وكانت هنالك قاعات أخرى، تشكّل امتداداً لهاته، وتشبهها فيما يخصّ الدّيكور. ولم يُعَدّ فيها مكان لمدعوّ إضافيّ، وسيكون ظهور العروس، التي كانتْ محروسةً، إيذاناً ببدء الاحتفال الذي كانت تفاصيلُه الصّغيرة، حتى، قد حُدِّدتْ سَلَفاً. (لمْ يكن أحدٌ قد أبِه بإطْلاعي على تلك التّفاصيل، ولم أكنْ أستشِفّ إلّا العناية التي تمّ بها وضعُ كلّ شيء في مكانه)، كما أنّ ذلك الظّهور سيحرّر هؤلاء الفضوليّين من التّرقّب. 

فجأة، انبثق في نفسي شعور مسبق بأنّ كلّ شيء سيجري بخلاف المُتوقّع، ما دامت العروس التي ستلج هذا المكان هي راضية.


صورةٌ تُؤجِّج الهواء

محمّد ديب

(1) في غابةٍ، ما بعد الظّهيرة

 أمام عينيّ صورة

من الضّوء

لطيفة الحركات

إنّها تُؤَجِّج الهواء من حولها.

ولا نَعرف ما سِرُّ الطّقس،

فهو -بأناةٍ- يُحوِّلُ طَميَ المرارة

إلى عسل

ويحسب المرء أنّه يسمع المستقبل؛

فالعمق الأزرق للسّماء يخفق 

والشّوارع، والأشجار

وبنو الإنسان، وكلّ الحياة

تُصيخُ السّمع.

سلامُ العالَم ينساب، ويحلّ دافقاً،

وجمرةُ الشّمس الرّقيقة

تتمدّد على كلّ الطّرقات. 

وهذا اليوم الجميل الهادئ 

البارد قليلاً

والذي يلتمع طويلاً، مع ذلك

يُخَفِّف على القلب المتعب

للخريف.

(2) في المكان نفسه

حيثُ ينعقدُ النّفَس

يهوي الحبّ

أكثر بياضاً من السّاطور

حيثُ ينعقدُ النّفَس

يهوي السّاطور

أكثرَ حُمرةً من الحُبّ

(3) من يستطيعُ أنْ يرى

مُطاردةً من قِبَلِ الصّقيع

فيما كلّ حنان سيرتعش

إذا استيقظْتِ

(4) عاينتُ الجَزع

عاينتُ الجَزع

المتمرّدَ القاتم

وهو يُحْرِق عينيك

فيما، بتأنٍّ،

يهيم وئيداً

لِصْقَ الثّرى،

ويسري في الفضاء

الذي أصبح من رماد

نشيد براءة.

(5) ضوء معاكس

تظهرُ الطّيور

تشتعل شُعلة

وها هي المرأة

بلا اسم ولا ارتباطات ولا شراع

تهيم، بعينين مغمضتين،

المرأة التي 

تغطّيها طراوة البحر.

لكن، فجأةً، تظهر الطّيور من جديد،

وتتمدّد هذه الشّعلة 

التي هي أكثر من ملموحة 

في عمق الغرفة.

وها هو البحر،

البحر بيديه المنوِّمتين 

يحمل الشّمس

وما من مشرق، ولا شرق، 

ما من متراس ولاحاجز، 

إنّه البحر.

وحده البحر المجلّل بالظّلمة، الرّقيقُ

السّاقِط من بين النّجوم، 

الشّاهد على حالات البتر 

التي تتعرّض لها السّماء، 

عزلة، أحاسيس سبقيّة، همس خفيف:

ذاك البحر ولا شيء آخر

بعيونه المُطفأة،

بلا موج ولا ريح ولا شراع

وفجأةً، تظهر الطّيور من جديد.

وها هي المرأة،

إنّها ليست نجمة ولا حُلماً، 

ليستْ عينَ مارّ حارّ

ولا عَجَلةً، المرأة.

وتعود العصافير.

وما من شيء سوى البحر.

(6) كما لوْ أنّي كُنْتُ أحلم

كما لو أنّي كنتُ أحلم…

على نهر وادِعِ الانسياب،

فيما الليل يُنشئ فراغات غريبة

بين المدينة والهواء والماء الدّاكن.

بهدوء، أفقد حياتي في شهر أغسطس هذا.

كما لو أنّي كنتُ أحلم، وتلك هدنة فحسب…

مِن فوق الأرصفة والجسور تَسْري فتنة قاتلة؛

فلا ننطلق، لا ننطلِقْ صارخين

نحو ذاك الذي، من هنالك،

ينزل عبر نهر السّين

في الحُلم.

على فمه اجتذب النّهر ما يُشبه الشّرشف،

فهو يمرّ دون أن يرى شيئاً،

دون أنْ يُنادي أحداً،

حتّى الشّجرة التي ترتعد على الضّفّة.

والقمر، في عالم حيثُ كلّ شيء سيتصلّب،

في عاصمةٍ ذات بياض تائه،

سيحرسه من أعالي الكثير

من بروجِ الحِراسة.

الجائحات

(1)

المرّة الأخيرة التي شغلت فيها ذهني فكرة الموت، كانت في المقبرة، عند دفن صديقنا جبران. وحتى في المقبرة، سرعان ما تخلصت من الفكرة ما إن وصلت بوابة المقبرة، ورميت صدقة في كفّ أوّل متسوّلة. أمّا الآن، وأنا أغادر البيت، فلا سبيل للتخلص منها. الموت مرسوم على خشب الباب الذي فتحتُ، وأنا أخفي يدي في كمّي حتى لا تلامس أصابعي المقبض. على السلَّم، أنزل مهرولًا؛ مخافة أن تُفتح أبواب الشقق. في الزنقة، أبتعد عن العربات التي تمر، والجدران التي تبدو قريبة جدًّا. أسرع الخطو بلا سبب، مبتعدًا عن القطط والكلاب التي تتمطّى في تكاسل. أعبر إلى الرصيف الآخر حتى لا ألتقي بجاري القادم من قاع الزنقة؛ لأنه قد يلقي علي التحية، وأردُّ على تحيته، ويسألني عن العائلة، وأسأله عن العائلة، وكلّ الأسئلة التي لا تضر ولا تنفع. ثم إنه قد يكون حاملًا للموت، وهو – بدوره – لا يرى في هروبي أي حرج، لأنه يعتقد أنني أحمل البلاء نفسه. وكان سيفعل الشيء نفسه لو لم أسبقه وأعبر إلى الضفة الأخرى، ناجيًا بجلدي، وناجيًا بجلده. في الساحة، تحاشيت الاختلاط بالناس. الجائحة ضربتنا جميعًا. على وجوههم كمامات مسودة من كثرة الأيدي التي تداولتها. لقد أخذوها من ذويهم أو انتزعوها من جيرانهم، وسيردونها إليهم عندما يعودون إلى البيت. بالكمامة أو بدونها، كلٌّ يحمل نصيبه من التهديد. بقيت أنصت من بعيد. أسمع ما يتداوله البائعون والمشترون عن المصيبة. يطرحون السؤال نفسه: من أين جاءنا هذا العجب؟ الجواب حاضر في أذهانهم، حتى قبل أن يطرحوه… أمّا الصيدلي فيقول: إن خفاشًا هرب من أحد المختبرات الصينية وهو الذي وزَّع الوباء على سكّان العالم. أعود متحاشيًا الاقتراب من البشر، متحاشيًا الاقتراب من كلّ شيء: من التراب، والماء، والهواء. 

(2)

في نفسي غضب مستعر، فحتى وأنا أتحاشى الاختلاط بهم أو الاقتراب منهم، أفكر منذ الآن، عندما أعود إلى البيت، بأن علي أن أغسل يدي بالماء والصابون ثلاثين ثانية على الأقل، وأنشر ثيابي في السطح حتى تتهوّى. هذه فكرة تبعث على الارتياح، لن أعود بحاجة إلى أن أعانق كلّ شخص أقابله، ويربّت بدوره على كتفي، ويضغط على أصابعي، ثم أطبع على وجهه أربع بوسات. انتهى ذلك العهد يا ولدي. في السابق، كانت بوسة واحدة كافية. أمّا الآن فلا تكفي اثنتين ولا حتى ثلاث بوسات. علاش؟ كما لو أن الواحد مجبر على أن يثبت، في كلّ مرّة، صدق مشاعره وحسن نواياه. ارتحت وأنا أجد نفسي في السطح مرّة أخرى. نجوتُ. أَطلُّ من هذا العلو، وأنا أفكر في كلّ هذه الأمور الجديدة علي. لن أسلّم على أحد، ثم هل أنا بحاجة إلى كلّ تلك الأسئلة التي سيلقيها علي جاري حول صحّتي وصحَّة أولادي؟ انتهى ذلك العهد يا ولدي. تصوّر، كلمة (السلام) وحدها، لم تعد كافية، وهي على أيّة حال لم تكن ذات مصداقية في يوم من الأيام؛ لأنك لا تعرف لِم تطلب السلام من واحد لا تريد أن تتحارب معه. بدل أن تشهر مديتك، تقول له: السلام عليكم. فكرتي هي أنك عندما تلقي السلام فإنك تفكر في الحرب، إنما تؤجلها إلى ما بعد. والآخر عندما يرد السلام فليقول لك إنه هو الآخر ترك مديته في البيت. هذه هي فكرتي. وما لنا على هذا الشي؟ حتى ذلك الإحساس الذي يسمّونه الشفقة، أو الحنان الذي كان يجتاحني بين الفينة والأخرى، لم يعد يغريني. منذ الآن، لن أفتح بابًا لشيخ أو عليل أو امرأة مسنّة. سأسير مرتابًا من كلّ شخص، ومن كلّ شيء. لن أمسك مقبضًا أو أضغط على زر. ارتخت عضلاتي المشدودة، نزعت ثيابي ونشرتها على حبل الغسيل.

(3)

أُطلّ من السطح، ليس بالإحساس السابق، اليومي نفسه؛ إحساس شخص يطل من أعلى سطحه فحسب. أنظر، الآن، إلى الخارج بنوع من الريبة، كما لو تكون المرّة الأولى. كما لو تقول: أطل على عالم لا أعرفه، وهل عرفته في يوم من الأيام؟ أنشغل بالتفكير في أشياء أخرى. أفكر في كلّ هذا الوقت الذي ما يزال أمامي. أنتبه، بنوع من الاستغراب، إلى أن هناك شيئًا اسمه الوقت، وعلي أن أنشغل به قليلًا، وأرى كيف يمر؛ ولهذه الغاية علي – أولًا – أن أمتنع عن مشاهدة التليفزيون، سأكون وصلت إلى نتيجة حسنة إن أمضيت بعض الوقت، دون التفكير في التليفزيون، كما أفعل، الآن، وأنا أطل على الدنيا بشكلٍ مخالف لعاداتي القديمة، وأتعامل مع الوقت، ليس من خلال عقارب الساعة، إنما من خلال النبضات المحيطة التي تمضي دون أن تمضي: اليمامة المتربّعة على عمود الالتقاط الهوائي، أو الحمامة التي تبدأ هديلها في وقت ما من الظهيرة، أو هذا الحلزون المنكمش في أصيص الأزهار. 

(4)

أتصوَّر أنني نجوت، وأنا أعود إلى البيت وأغلق الباب، وأنا أخفي يدي في كمّي حتى لا تلامس أصابعي المقبض، وأتصوّر أنني لم أنجُ تمامًا، رغم كلّ الاحتياطات. أعدُّ الوجوه التي اقتربت منها إلى هذا الحد أو ذاك، والحركات التي قمت بها منذ أن غادرت البيت، المقابض التي لمست يدي، من مقبض الباب حتى مقبض باب الحافلة أو الترام أو البنك أو التاكسي. لم أنتبه، من قبل، إلى كلّ هذا العدد من المقابض: مقبض باب البيت وباب العمارة وباب السيارة وأبواب البقالة والصيدلية والبنك، والأزرار التي ضغطت عليها. أزرار الهواتف، وأزرار الأبواب والشبابيك الأوتوماتيكية، والأوراق المالية والمطبوعات والأكياس والفواتير. لن أعرف، أبدًا، عدد الأبواب التي فتحت يدي لأنها كثيرة، كثيرة بشكلٍ مدوّخ، ولا الجدران التي لمست، ولا القذارات التي وطئت قدماي، والنقود التي عددت قبل أن أخرجها أو أدخلها إلى جيبي. أنهض وأغسل يدي للمرّة الثالثة، ثم أتصوّر أنني مهما فعلت فلن أنجو من البشر.

(5)

رؤية الحلزون، وكلّ الأفكار حول عبوره النهار، دون مجهود، أضحكتني. ماذا يفعل الحلزون بوقته؟ يطل من قوقعته، ويعبر العشرة أمتار التي هي طول السطح، ويكون نهاره قد انقضى. هل أستطيع أن أفعل مثله، إن أنا تدرّبت جيّدًا، وتعلمت كيف أقضي يومًا كاملًا في إنجاز هذا المشروع الهائل؛ عبور السطح من هذا الجدار إلى ذاك الجدار؟ رحت أذرع الغرفة، وأعد خطواتي وأنا أقهقه. ولم أعد أنظر- مرتابًا- إلى البشر. هدأت، كأنما أفرغت على رأسي سطل ماء. لم أكن لأتصور أن الاقتراب من الموت سيهزني إلى هذا الحد، كما حدث لي قبل قليل، وأنا في الساحة، وأتحاشى التحديق في الوجوه، معتقدًا أن هذا كافٍ لأنجو. بالعكس، الوجوه كانت زاهية، وقد تألقت عليها فكرة الموت، كما لو تقول إنها تأنْسنتْ. نعم، والأجساد تتحرَّك أكثر حيوية من الأيام التي سبقت. كلّ هذا لم أنتبه إليه في حينه، وأنا أنتبه إليه، الآن، بتركيز أكبر. كنّا نسير، في تلك اللحظات الاستثنائية. لأوّل مرّة نسير معًا، ترشدنا الفكرة نفسها، اليد في اليد، على السفينة نفسها، نحو الموت. لأوّل مرّة، وأنا بينهم، متذكّرًا كلّ الميتات التي أفلتنا منها. كلّ الآخرين الذين ماتوا بالمجّان، الذي سقطت عليه سلحفاة رماها طفل من نافذة غرفته وهو يلعب، والذي وقع في حفرة تركها عامل البلدية فاغرة فاها ريثما يشرب قهوته. والتي اختنقت بعنبة أو بجرعة ماء، أو بقبلة. كلّ الميتات مضحكة إلّا هذه التي جمعتنا لأوّل مرّة. مستمرّ في قهقهتي، وأنا أذرع الغرفة. قد أحتاج إلى وقت أطول للتفكير في كلّ هذه الأمور الجديدة علي. وأفكر أنني مهما فعلت فلن أنجو من الناس أبدًا. لم أعد قلقًا. هواء السطح أنعشني، وطرد الأفكار السوداء التي اجتاحتني وأنا أغادر البيت. قد نموت قبل أن نصل إلى بيوتنا، وقد نبقى على قيد الحياة. اليقين الوحيد هو الطريق الباقية. كيفما كان الحال، وكيفما كان طولها فسنعبرها معًا. لا داعي للقلق. فكرة الموت تشدني إلى الحياة أكثر من أي وقت آخر. أرى من هذا العلو، ونشيد المساء يملأ رأسي، أننا نسير نحو الحياة. شعور بالقلق يقودنا. نعم، إنما هو قلق بسبب الطريق التي نعبر، متسائلين عن طولها ونوعيتها. نقيس حياتنا على ضوء وعورتها. هذا كلّ ما هنالك. لأوّل مرّة، أرى المستقبل بعين متفائلة. هل سيكفينا الوقت؟

(6)

أفكر في حكاية الخفاش التي سمعت عند الصيدلي. أين هو هذا الطائر المسكين؟ لقد فرَّ ناجيًا بجلده من بين أصابع العلماء. إنه يطل علينا من داخل مغارته، متأسفًا، ويرى أننا حيوانات نشبهه. حيوانات مثله، نموت في مختبرات الأسلحة الفتاكة والأدوية الكيماوية. أين اختفى الخفاش؟ لا وجود لخفاش يا ولدي. الخفافيش هي المختبرات العملاقة التي تزرع الدمار على كلّ أرض تقع عليها. إنها الشركات العابرة للقارات، والبنوك التي تقتل البشر بدون حاجة إلى وباء؛ لأنها هي الوباء. إنها سجون الديكتاتوريات من كلّ نوع. وهذه الجائحات ستبقى، كما ستبقى الرأسمالية العمياء تهددنا إلى الأبد. لكن الخبر الجديد الذي جاء به الخفاش، يا ولدي، هو انتعاش الأنظمة المستبدة التي بدأت تظهر، على قشرتها، الكثير من الشروخ. هذه فرصة لم تكن تحلم بها لترمّم الصدع. لتتغوّل وتجتاحنا من جديد. ها هي هذه الأنظمة المستبدة، بعد أن ظهرت ثقوب معيبة على وجهها، تعود لتشدِّد الرقابة على البلاد والعباد. المراقبة، والتوقيف، والتفتيش، والغرامة، وحبس الضحية بدل المجرم، والإسراع في سَنّ قوانين طوارئ جديدة توسع صلاحيات الاستبداد، وتزيد من صفاقته وشراسته. لا أدري كيف غدر بي فكري، وتوغل بي في هذه الدهاليز الأكثر سوداوية. نهضت وغسلت يدي للمرّة الرابعة. أعود إلى الجلوس، وأفكر بأنني لست حلزونًا، وأشعل التلفاز لأمحو بعض الساعات من حياتي.