جيني أوديل: أسطورة الاعتماد على الذات (مصادفتي لمقالات إيمرسون)

توجد في الحيّ الذي أعيش فيه مكتبة، كأنها وضعت هناك بشكل ماكر، بحيث لا يمكنني مغادرة شقَّتي للذهاب إلى أيّ مكان، تقريباً، دون أن أمرّ بمحاذاتها، اسمها «والدن بوند بوكس»، وهي مجاورة للمقهى الذي أرتاده عادةً، وحتى لو لم أقرِّر دخولها عند مروري بها، للوهلة الأولى، فربَّما أفعل عند مروري بها ثانيةً. والعديد من مراجع كتابي، «تعلَّمْ ألّا تفعل أيَّ شيء: مقاومة اقتصاد الانتباه»، صادفتها هناك، في كتب، منها: «جَدْلُ العُشب الحُلو-Braiding Sweetgrass»، و«تعويذة الحسّي-Spell of the Sensuous»، و«عبقريّة الطيور – The Genius of Birds». لقد كان تأثير تلك المكتبة قويّاً جدّاً؛ إذ جعلني أعتبر كتابي، عندما أراه معروضاً هناك، فطراً نما فيها.

في تشرين الأوَّل (أكتوبر) الماضي، وجدت نفسي في المكتبة، أنظر إلى طبعة لكتاب «مقالات» لـ«رالف والدو إيمرسون»، أصدرتها «دار ﭬينتيدج بوكس»، عام (1990). وبما أنني لم أكن قد قرأت الكثير من كتب «إيمرسون»، حتى بصفتي متخصّصة في اللّغة الإنجليزية، فقد انجذبت، سريعاً، إلى ما كتبه عن الوقت والإدراك: «الطبيعة سحابة قابلة للتغيُّر، وهي هي لا تتغيَّر أبداً، ولا تكون هي نفسها أبداً»، وكانت المهمّة هي (اكتشاف) الفرد الثابت من خلال الذبابة، من خلال اليسروع، من خلال اليرقة، من خلال البيضة، والأنواعَ الثابتة من خلال عدد لا يحصى من الأفراد، والنوع من خلال العديد من الأنواع،؛ والنوع الصامد من خلال كلّ الأنواع، والوحدة الأزلية من خلال كلّ ممالك الحياة المنظَّمة. ألفيتها تحقِّق لي انتشاءً حَظِي باعترافي وإعجابي.

لم تكن قراءة مقالات «إيمرسون» تشبه قراءة كتب أخرى. لاحقاً، سألت أحد الأصدقاء، عندما حاولت وصف التجربة له: «هل سبق لك أن قرأت كتاباً جعلك تشعر كأنك في حالة سُكْر؟». أقوال «إيمرسون» قويّة، وإيقاعاته مذهلة، وجاذبيته لإرادة الفرد مغرية. أنا -عادةً- أقرأ بانتظام، أقرأ فصلاً في اليوم، وأضع وريقات ملوَّنة صغيرة كعلامة عند أهمّ الأقوال، ثمَّ أقوم، لاحقاً، برَقْن أكثرها أهمِّيّةً. لكن نسختي من كتاب «مقالات» لـ«إيمرسون» تحتوي على علامة واحد، فقط، في المقدِّمة التي كتبها «دوغلاس كرييز» (وهي اقتباس من «إيمرسون»: «يبدو أن الدرس الوحيد الذي يعلِّمنا إيّاه هذا العالم المعجز، ويعلِّمه للمقدَّس، هو أن نقف بمعزل، ولا نسمح لأيّ رجل أو أيّة عادة، ولا لأية طريقة في التفكير بأن يقتحموا علينا عالمنا، ويحرمونا من لانهايتنا»). بعد ذلك، دخلت في حالة انخطاف، أصبحت لا أفارق الكتاب، أضع خطوطاً تحت الأقوال، أو دوائر حولها، منكبّة عليه، ووجهي شديد القرب من الصفحة.

لقد كنت مهيّأة لفهم رؤية «إيمرسون» للتعالي. قبل شهر، كنت قد قمت برحلتي السنوية إلى محميّة مستنقع قرن الإلكة القوميّة عند مصبّ النهر شمال «مونتيري»، في «كاليفورنيا». كان هدفي المزعوم هو رؤية طيور الشاطئ المهاجرة، بما في ذلك طيور الرمل، التي تحتوي أسرابها الغامضة على أكثر من مجرَّد شيء قليل من المتعالي، كما كان هدفي، أيضاً، هو التعافي، وسماع نفسي وأنا أفكِّر. لم يسبق لي أن كنت أبداً شخصية عمومية، وقد فوجئت بالدعاية التي حظي بها كتابي «تعلَّم ألّا تفعل أيّ شيء». وسرعان ما وجدتني غارقة وسط كَمٍّ من الالتزامات والآراء التي أعقبت ذلك. أصبحت أشعر، أحياناً، بأنني لم أعد أعرف موضوع كتابي، أو ما الذي فكرت فيه، بالفعل، وقد شعرت بحاجة ماسّة إلى تقديم نوع من التوضيح.

بعد تجوُّلي في تلال مستنقع قرن الإلكة، إلى حين إغلاق المحميّة في الساعة الخامسة، قرَّرت -باندفاع- عدم العودة إلى المنزل مباشرةً.  بدلاً من ذلك، اتَّجهت بسيّارتي ناحيةَ الشرق، وعلى الرغم من أن درجة الحرارة كانت (100) درجة، وكنت قد مشيت طيلة اليوم، فقد شرعت في صعود طريق شديد الارتفاع بالقرب من قمّة «فريمونت» في «سان خوان باوتيستا». كنت مدفوعة بأكثر من مجرَّد فضول؛ كنت أحاول التخلُّص من شيء ما. لم تكن هناك رحمة في جانب التلّ الجافّ والعاري من الأشجار، وفيه تهبّ ريح حارّة استمدَّت صوتها الخشن والمخشخِش من قطيع بقرات حلوب غريبة المظهر. شعرت بأنني ألهث لكي أستطيع التنفُّس؛ بالمعنى المادّي، وبالمعنى المجازي. عندما وصلت إلى قمّة الطريق، كانت الشمس قد بدأت تغيب عن سلسلة جبال «ديابلو» عبر الوادي، ملقيةً عليها بظلّ أرجوانيّ من عالم آخر. كنت مفعمة بمزيج متقلِّب من المشاعر. كتبت في دفتر ملاحظاتي، وقد بدأ عَرَقي يجفّ، أن «الألم الذي أشعر به هو محاولة الرغبةِ الإقدامَ على الفعل» وأن «الذات الحقيقية، إن تَمَّ تحريرها من القفص، ترفض أن تعود إليه مرّةً أخرى».

«الإرادة» التي كتبت عنها لم تكن إرادتي أنا، تحديداً، بل كانت إرادة فنّان، وتردُّداً خارج النطاق، يجب بذل مجهود كبير للإنصات إليه. تناولَتْ «مقالات» «إيمرسون» هذه الذات المستمعة، وحفَّزتها، وخاصّة مقالة «الروح المتعالية». شعرت بالانجذاب إلى أنموذجه اللاهوتي للتخلّي عن الذات، والتجلّي، وهو ما لا يختلف عن الطريقة التي وصفت بها الكاتبة -Simone Weil» الحبّ والاهتمام، أو الطريقة التي ينتظر بها الرسّام «أغنيس مارتن»، وحيداً، طيلة أيّام وأسابيع، من أجل رؤية الكمال. كتَبَ «إيمرسون» يقول: «تَهَبُ الروح نفسَها، وحيدَة، أصليّة وطاهرة، للوحيد الأصيل والطاهر الذي، بهذا الشرط، يستوطنها بكلّ سرور، ويقودها ويتحدَّث من خلالها». لقد أدركت اشتياقي للوضوح المطلق، ورحلتي التي تقطع الأنفاس، في وصف «إيمرسون» لـ «ارتقاء الحال»، حيث «مع كلّ دافع إلهي يمزِّق العقل قشرة المرئي والمحدود الرقيقة، ويخرج إلى الخلود، ويلهم أجواءه وينهيها».

رالف والدو إيمرسون
(1803-82)

«الروح المتعالية» هي مقالتي المفضَّلة، لكن «إيمرسون» اشتُهر بـمقالة «الاعتماد على الذات»، تلك المقالة الشهيرة التي يمجِّد فيها الفردانية، المقالة التي يعلنُ فيه «إيمرسون» أنه «مَنْ يريد أن يكون رجلاً عليه أن يكون مخالفاً للآخرين»، ويحتقرُ المجتمعَ، باعتباره «شركة مساهمة، يتَّفق فيها الأعضاء، من أجل تأمين الخبز، بشكل أفضل، لكلّ مساهم، على أن يتنازل الآكِلُ عن حرِّيّته وثقافته». مرّة أخرى، نجد الكتابة هنا مغرية، فأيّ شخص يمضي على غير هدى، في هذا العالم، سيشعر بالطمأنينة حين يسمع: «لا شيء يمكن أن يجلب لك السلام غير نفسك»، أو أن الإرادة العقلية يمكن أن تنتصر على القدر. يمكن أن يكون الأمر بهذه البساطة حقّاً: «في الإرادة، اعمل واكتسب، فبذلك تقيِّد عجلة الحظّ، وبعد ذلك ستركن للجلوس خوفاً من أن تعود للدوران». لم أكن محصَّنة ضدّ هذا المقال. لقد وضعت سطراً تحت «الرجل العظيم هو الذي في وسط الحشد يحافظ، بكلّ لطف، على استقلالية العزلة». ولكني كلّما نظرت إلى هذه الكلمات، لاحقاً، دخلت في صراع مع نقطة المقال الغامضة. لم أدركها على الفور، لأن تلك النقطة الغامضة كانت نقطتي أنا، أيضاً.

بدأ الصراع عندما عدت إلى المنزل للاحتفال بعيد الشكر. تكون تجمُّعات عائلتي صغيرة: نجتمع أنا ووالدي وعمّي في منزل جدَّتي، وهو واحد من مجموعة منازل صغيرة مخصَّصة للمسنِّين. هذا العام. ما إن دخلنا إلى المنزل حتى واجهتني معضلة. التحقت والدتي، على الفور، بجدَّتي في المطبخ، بينما عبر والدي فناء المنزل إلى غرفة كان يجلس فيها عمّي. عندما سألت أمّي عمّا إذا كانت تحتاج إلى المساعدة في المطبخ، طردتني؛ لذلك توجَّهت إلى الفناء الضيِّق لأنتظر على هامش حديث يدور حول الانتخابات التمهيدية المقبلة. هذا التقسيم مألوف لدى الكثيرين: النساء يعملن في المطبخ، والرجال يتحدّثون عن السياسة في الغرفة المجاورة.

اتَّكأتُ، بشكل محرج، على الجدّار، لأنه لم يكن هناك كرسيّ ثالث، واستمرَّ الحوار كما لو أنني غير موجودة هناك. جُلت بنظري في الغرفة، فوقع على لوحة مهمّة. كان هناك، على الرفّ، شيء لم أنتبه لوجوده أبداً: نسخة من رواية «النافورة» لـ«آين راند»، الرواية المفضَّلة لدى معتنقي الحرِّيّة الفردية. الشخصية الرئيسية هي مهندس معماري متمرِّد، عنيد، عصامي وحداثي، شاركه «إيمرسون» ازدراءه للمجتمع، واتَّبع نصيحته بكلّ تأكيد: «لا تسمح لأيّ رجل أو أيّة عادة، ولا لأيّة طريقة في التفكير أن تقتحم عليك عالمك وتحرمك من لانهايتك».

بجانب «النافورة»، كانت هناك، وسط إطار، صورة لنورَس أسود الرأس، مرسومة، بعناية، بقلم رصاص. بعد التحديق فيها لبضع لحظات، أدركت -أخيراً- أنني أنا التي رسمت تلك الصورة. تساءلت عمّا قد يكون دفعني لأن أرسم لجدَّتي طائر نورس أسود الرأس، طائر الساحل الشرقي الذي ربَّما لم أره أبداً، ثم أدركت أنني رسمته منذ سنوات، قبل أن أصبح مولعة بمراقبة الطيور. ربَّما كنت أبحث عن موضوع لطيف وعامّ للرسم، وبحثت عن «نورس بحري» على «جوجل»، فرسمت طائراً، بناءً على إحدى نتائج البحث، دون التمييز بين الطيور. (من الناحية الفنِّيّة، لا يوجد شيء اسمه «نورس بحري». هناك، فقط، أنواع مختلفة من النوارس.

بشكل غير متوقَّع، تجمَّد كلّ شيء في تلك اللحظة: الغرف المختلفة، الرسم، «النافورة»، «الاعتماد على الذات»، والنقد الذي رأيته حول كتابي «تعلَّم ألّا تفعل أيّ شيء». تماماً كما كنت قد أعدت رسم شكل النورس دون أن أعرف ما هو، رأيت أنني قد أخذت من عائلتي، ومن طريقة تنشئتها لي، نوعاً معيَّناً من الفردانية، وأنني أقوم بتثمينها ونقلها للآخرين دون أن أعلم. لقد فعلت ذلك طوال حياتي، وخاصّةً في كتابي « تعلَّم ألَّا تفعل أي شيء». حول صيغ العزلة التأمُّلية المفضَّلة لديّ، الشبيهة -إلى حَدٍّ بعيد- بعزلة «إيمرسون» التأمُّلية، برزت مجموعة كاملة من الظروف، مثل شيء أخذ يحتلّ بؤرة التركيز. وجود النساء في المطبخ جعل محادثة الرجال ممكنة، تماماً، كما ارتكزت رحلتي إلى الجبل، وكلّ الوقت الذي قضيته في المشي، والمراقبة، ومراودة «الروح المتعالية»، على قائمة طويلة من الامتيازات؛ من الخاصّة (امتلاك سيارة، امتلاك الوقت)، إلى العامّة (امتلاك قدرة جسدية، الانتماء لطبقة متوسطة عليا، نصفي من عرق أبيض والنصف الآخر «من الأقلِّيّة الناجحة»، وأن أقطن حيّاً أمشي فيه، بأمان، في المدينة التي أريد، وأكثر من ذلك). كانت هناك بنية تحتية أحاطت بتجربتي للحرّيّة، وكنت مشغولة جدّاً بالسعي وراءها إلى درجة أنني لم أرَها.

كنت قد شاهدت، في الليلة السابقة، وثائقي «حياة تحت المجهر» لـ «أسترا تايلر»، وهي سلسلة من المقابلات مع فلاسفة معاصرين، في أماكن مختلفة. بينما يظهر ضيوف الفيلم الوثائقي الآخرين بمفردهم، تتجوَّل «جوديث بُتلر» في مقاطعة «ميشن» في «سان فرانسيسكو» مع «سونورا تايلر»، الناشطة في مجال الإعاقة وحقوق الحيوان. وُلدت تايلور مصابة بمرض التهاب المفاصل، وهي تستخدم كرسيّاً متحرِّكاً للتنقُّل. في لحظة ما، تقول «بُتلر»، «أفكِّر، فقط … في أنه لا أحد يذهب في نزهة دون أن يكون هناك شيء يدعم ذلك الذهاب خارج أنفسنا، وأنه  كانت لدينا -ربَّما- فكرة خاطئة، مفادها أن الشخص القادر، جسديّاً، يتمتَّع بالاكتفاء الذاتي بشكل كلِّي».

«تايلر»، التي تؤثِّر إعاقتها في استخدامها ليديها، أخبرت «بتلر» عن الوقت الذي عاشت فيه في «بروكلين»، وكيف تجد نفسها ملزَمَة بأن تقضي، في حديقة ما، ساعات من الإعداد النفسي؛ قصد الحصول على قهوة دون مساعدة. تقول: «إنه نوع من الاحتجاج السياسي، بالنسبة إليَّ، أن أدخل إلى المقهى، فأطلب قهوة، وأطلب المساعدة، لأن المساعدة -بكلّ ببساطة، في رأيي- هي شيء نحتاجه كلُّنا». بعد توقُّفهما في متجر لبيع الملابس العتيقة لشراء سترة لـ«تايلر»، لأن البرد أصبح قارساً، تعود «بتلر» للحديث عن هذه القصّة:

«أرى أن ما هو على المحكّ، هنا، حقّاً، هو إعادة التفكير في الإنسان كنوع يعتمد أفراده، بعضهم على بعض. وأعتقد أنه عندما تدخل المقهى… وتطلب القهوة، أو تطلب المساعدة للحصول على القهوة، فأنت -أساساً- تطرح السؤال التالي: هل نعيش في عالم، يساعد فيه بعضنا بعضاً، أم لا؟ هل يُساعد بعضنا بعضاً بخصوص احتياجاتنا الأساسية، أم لا؟ وهل الاحتياجات الأساسية قد وُجدت لنتَّخذ القرار بشأنها كشأن اجتماعي، لا كمسألة شخصية أو فردية تخصّني أنا أو تخصّك أنت، فحسب؟ إذن، هناك تحدٍّ للفردانية، يحدث في اللحظة التي تطلب فيها شيئاً من المساعدة مع فنجان قهوة. أتمنّى أن يتبنّى الناس ذلك، فيقول أحدهم: نعم. أنا، أيضاً، أعيش في هذا العالم… الذي أدرك فيه أن بعضنا بحاجة إلى البعض الآخر لتلبية احتياجاتنا الأساسية. وأريد تنظيم عالم اجتماعي، وسياسي على أساس هذا الاعتراف».

تذكَّرت هذا الحوار في ذلك المنزل الصغير، في عيد الشكر. جدَّتي، التي تتمتَّع بصحّة جيّدة، تَمَّ -مؤخَّراً- تشخيص مرض «باركنسون» لديها. بعد أن اجتمعنا كلّنا في غرفة المعيشة، أرتني جهاز الإنذار الطبّي (المعروف، أيضاً، باسم «زر الذعر») المعلَّق حول رقبتها، وأشارت إلى وحدة تحكُّم صغيرة في زاوية الغرفة، يمكن الاتصال بوالديّ، من خلال الضغط على الزرّ. قبل ذلك بأسابيع كانت قد سقطت في غرفة المعيشة هذه، وبما أنها لم تتمكَّن من التحرُّك أو الوصول إلى الهاتف، فقد ظلَّت مستلقية على الأرض، لساعات عديدة، إلى أن جاء والدي ليزورها كعادته.

فور علمي بقصَّتها، وبذلك الزرّ، انتابني الرعب ممّا قد يحدث كلّه. لقد جعل هذا جدّتي تبدو معتمدة على غيرها، بشكل فريد. ولكن، عندما فكَّرت في (زرّ الذعر) في سياق «تحدّي الفردانية» الذي طرحته «بتلر»، بدا لي وكأنه نسخة متقدِّمة وملموسة من حالة الاعتماد على الآخرين، بشكل أو بآخر، التي نعيشها منذ الولادة. إذا كانت جدَّتي، الآن، معلَّقة بهذا الخيط المحدَّد، فقد سلَّطتِ الضوء، ببساطة، على العديد من الخيوط الأخرى التي تبقينا كلّنا مرفوعين عالياً. لقد كان، أيضاً، توضيحاً مادِّيّاً قويّاً للطريقة التي يتمّ بها تقييد الحرِّيّة بواسطة عوامل خارجة عن سيطرة الفرد – «عجلة الحظّ» ذاتها، التي اعتقد «إيمرسون» أنه بوسعنا تجاهلها.

في عام (1930)، كتب «جيمس تروسلو آدامز»، الكاتب الذي ابتكر مصطلح «الحلم الأميركي»، مقالاً بعنوان «إعادة قراءة إيمرسون»، حاول فيه تفسير سبب إعجابه بمقالات «إيمرسون»، عندما كان شابّاً، ولكنه لمّا أصبح رجلاً وجدها فارغة. ويقول إن صورة الاستقلالية هذه تبدو سهلة للغاية، مشيراً إلى أن «الشرور الاقتصادية لا تزعج حكيمنا بتاتاً». يشير «آدامز» إلى أن اعتماد «إيمرسون» على نفسه كان جزءاً من تيَّار متفائل في الفكر الأميركي، كان مواكباً للوفرة المادِّيّة، والتوسُّع في اتِّجاه الغرب. وقد تمَّت، بالفعل، كتابة «الاعتماد على الذات» قبل خمس سنوات من ابتكار مصطلح «القدَرُ الواضح»، وهي حقبة مجَّدت المستكشف القادر الذي ينطلق وحيداً لترويض برية (مفترضة). غالباً ما كان التقليد التأمُّلي يحظى بالدعم من الخارج، وهي ميزة يتيحها للناس وقت الفراغ (تماماً، كما كانت الفلسفة تعتمد، في اليونان القديمة، على طبقة العبيد)، ومفهوم الاعتماد على الذات قد اعتمد، دائماً، على شيء آخر.

لا يعني أيُّ شيء من هذا أن «الاعتماد على الذات» ليس مفيداً، بوصفه أنموذجاً للرفض والالتزام. كان «إيمرسون»، في زمانه، معارضاً صريحاً للعبودية، وللحرب المكسيكية الأميركية، ولطرد الأميركيِّين الأصليِّين من أراضيهم. في عصرنا، يمكننا -بكلّ تأكيد- استخدام ما يُذكِّرُنا من أجل فحص علاقتنا بالرأي العامّ، والحفاظ على شعور بالحدس المبدئي. أفضل صيغة لفردانية «إيمرسون» تنعشنا، كرَشِّ الماء البارد على الوجه، أو كهزّ صديق لكتفينا، ليخرجنا من غيبوبة. بالنسبة إليَّ، كما بالنسبة إلى الكثيرين غيري، كلّ شيء خارج الذات يتلاشى، بسرعة كبيرة، داخل «الاعتماد على الذات»؛ كلّ الظروف، وكلّ الأشخاص الذين أثَّروا في تجربة الاستقلالية لديَّ، وتصوُّري لنفسي، وحتى في المصطلحات التي أستخدمها في تفكيري. وهذا يخفي الخسائر التي تبدو كمكاسب حقَّقتُها. وبرفع الإرادة مقاماً عالياً فوق الظروف، يَعْرِضُ صورة غير صادقة لتكافؤ الفرص، الذي كان على التعساء أن يبذلوا معه جهداً أكبر.

لم يكن من السهل، أبداً، إيجاد حلّ للتوتُّرات بين الفاعل والوضع، وبين الفرد والجماعة. إنني أحاول أن أتعلَّم كيف أعيش في الفضاء الموجود بينهما، وهزّ فضاء تعمّه الفوضى. هنا، يمكنك أن تكون مملوكاً لنفسك وغير مملوك لها، أن تكون مسؤولاً أمام الجماعات، دون أن تبرز التفكير الجماعي المخيف، وتتقيَّد بالتزام واحد: التحقُّق من التزاماتك، على الدوام.  في بعض الأحيان (أحيان عديدة)، أكون مخطئاً، وعندها يكون الوقت مناسباً للإنصات إلى الآخرين، وليس لـ«الحفاظ على استقلاليّة العزلة، بعذوبة تامّة». يذكِّرني هذا بمعنى قديم لاسم «الاعتماد»، حيث يعني عكس المعتمِد؛ كان الاعتماد هو الشخص الذي تعتمِد عليه. عندما أفحص هويَّتي، أرى روحاً غير قابلة للتصرُّف تتشبَّث باللانهاية. لكني، في تلك الهويّة نفسها، أرى كذلك تقاطع قوًى موجِّهة، تاريخية وثقافية، تعيقها شبكة لا نهاية لها من اعتماد بعضها على بعض.

تحتوي كتابات «إيمرسون» على نسخة من مفارقة الذات غير الذاتية، حتى لو كانت عيناها موجَّهتَيْن نحو الأعلى والداخل، لا نحو الخارج. في نهاية المطاف، الشيء الآخر المرتبط أكثر بـ«إيمرسون»، إلى جانب «الاعتماد على الذات»، هي الفلسفة المتعالية، والتي يمكن أن تستلزم تعالي الذات بقدر استلزامها للتعالي على المجتمع؛ هذا هو الشيء الذي جعلني أشعر بالانتشاء، إنه اختراق حدود الذات عند الالتقاء بشيء آخر. في «الروح المتعالية» «تنزل علينا كينونتنا من حيث لا نعلم … أجدني مضطرّة، في كلّ لحظة، للاعتراف بأنَّ أصل الأحداث أسمى ممّا أدعوه (إرادتي). في «الدوائر». نجد الكون «مائعاً ومتقلِّباً»؛ الروح «تنفجر متجاوزة ذلك الحدّ من كلّ الجوانب»؛ والقلب «يرفض أن يكون سجيناً؛ ففي أولى نبضاته، وأضيَقها، نجده يميل -بالفعل- نحو الخارج، بقوّة هائلة، ونحو توسُّعات هائلة لا حصر لها». في «التاريخ»، لا نجد الفرد كياناً واحداً، بل «باقة علاقات، وعُجْرَة جُذور، زهرتها وثمرتها هي العالم».

عندما يكتب «إيمرسون» أن «الأفكار تأتي إلى أذهاننا، من خلال طرق لم نتركها مفتوحة أبداً، و… تغادر عقولنا من خلال طرق لم نفتحها طوعاً، أبداً»، يبدو كأنه يصف ذلك اليوم في مكتبة «والدن بوند بوكس»، يوم وجد كتابُه «مقالات» طريقَه إلى يديَّ اللتَيْن لم تستشعرا الخطر. أفكِّر في فِطْر كتابي الذي ينمو هناك، «زهرة وثمار» لقاءاتي حتى الآن. إنها قصَّتي وقصّة من اعتمدت عليهم. سأستمرّ في العودة إلى المكتبة، والانعزال في الجبل، وإجراء مقابلات، والجلوس وحيدة، متتبِّعة مساراً هو حلزونيٌّ أكثر من كونه خطّاً مستقيماً. ومهما يكن اجتهادي في العمل كبيراً، فإنني لن أكون، بذلك، عصامية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*«جيني أوديل – Jenny Odell»: هي مؤلفة كتاب «تعلَّم ألّا تفعل أيَّ شيء: مقاومة اقتصاد الانتباه»، وهي أستاذة تُدرِّسُ «فنّ الاستوديو»، في جامعة «ستانفورد» الأميركية.

العنوان الأصلي والمصدر:

The Myth of Self-Reliance

مجلّة The Paris review، خريف (2020).

https://www.theparisreview.org/blog/2020/01/15/the-myth-of-self-reliance

لويز غلوك.. الشاعر والقارئ (خطاب نوبل)

حصلت «لويز غلوك – louise Gluck» على جائزة «نوبل» في الآداب لعام (2020). هذه محاضرة «نوبل»، التي لم تتمكَّن من تقديمها بنفسها، بسبب جائحة (كوفيد- 19).

نص الخطاب:

عندما كنت طفلة صغيرة (خمسة أو ستة أعوام، على ما أذكر)، نظَّمتُ مسابقة في رأسي، مسابقة لتحديد أعظم قصيدة في العالم. وصل اثنان إلى التصفيات النهائية؛ «الولد الأسود الصغير – the Little Black Boy» لـ« بلايك – Blake»، و«نهر البجعة – Swanee» لـ«ستيفن فوستر – Stephen Foster»، كنت أقضي الوقت، صعوداً ونزولاً إلى غرفة النوم الثانية في بيت جدَّتي، في «سيدار هورست – Cedarhurst»، وهي قرية تقع على الشاطئ الجنوبي من «لونغ آيلند – Long Island»، أقرأ في ذهني، كما كنت أفضِّل، لا بفمي، قصيدة «بلايك» التي لا تنسى، وأغنّي أغنية «فوستر» المؤلمة في ذهني، أيضاً. كيف توصَّلت إلى قراءة «بلايك»، يبقى لغزاً. أعتقد أنّه كان هناك بعض المختارات الشعرية في منزل والدي، بين الكتب الشائعة حول السياسة، والتاريخ، والروايات، لكني أربط «بلايك» ببيت جدَّتي.

لم تكن جدَّتي امرأة كتب، لكن كان هناك «بلايك» وأغاني البراءة والتجربة (The Songs of Innocence and Experience)، وأيضاً كتاب صغير من الأغاني، من مسرحيات «شكسبير»، التي حفظت الكثير منها. وقد أحببت -على وجه الخصوص- الأغنية من «Cymberline»، التي -ربَّما- لم أفهم منها كلمة واحدة، لكنّ سماع النغمة، والإيقاعات، وضرورات الإيقاع، كلّها مثيرة لطفل شديد الخجل والخوف. «والشهرة تكون قبل قبرك»، كنت آمل ذلك.

لقد بدت المنافسات من هذا النوع، من أجل الشرف، ومن أجل المكافأة العالية، طبيعية بالنسبة إليَّ، وقد كانت الخرافات التي مثَّلت قراءتي الأولى مليئة بها. أعظم قصيدة في العالم، بدت لي، حتى عندما كنت صغيرة جدّاً، أعلى درجات الشرف. لقد كانت هذه هي الطريقة التي نشأنا بها، أختي وأنا، من أجل إنقاذ فرنسا «جان دارك»، لاكتشاف الرايديوم «ماري كوري». في وقت لاحق، بدأت أفهم مخاطر التفكير الهرمي وقيوده. لكن، في طفولتي، بدا من المهمّ منح جائزة، وشخص واحد سيقف على قمّة الجبل، مرئيّ من بعيد، الشيء الوحيد المثير للاهتمام، على الجبل. الشخص الذي كان أسفل قليلاً، لم يكن مرئياً.

في هذه الحالة قصيدة. شعرت، بالتأكيد، أنّ «بلايك»، بشكل خاصّ، كان على دراية بهذا الحدث، عازماً على حصد نتائجه. كنت أفهم أنّه ميِّت، لكني كنت أشعر أنّه لايزال حيّاً، حيث كنت قادرة على سماع صوته يتحدَّث إليّ متنكِّراً، لكنّه صوت يتحدَّث معي، فقط، أو معي (على وجه الخصوص) كما كنت أشعر. شعرت بالتفرُّد والتميُّز، كما شعرت، أيضاً، بأن «بلايك» هو من كنت أطمح إلى الحديث معه، ومن كنت -بالفعل- أتحدَّث إليه إلى جانب «شكسبير».

كان «بلايك» الفائز في المسابقة، لكنني أدركت، فيما بعد، مدى تشابُه النغمتَيْن. لقد انجذبت، في ذلك الوقت، كما الآن، إلى الصوت البشري المنفرد الذي يُثار في رثاء أو شوق. والشعراء الذين عدت إليهم، عندما كبرت في السنّ، كانوا الشعراء الذين أدّيت في أعمالهم دوراً أساسيّاً، بصفتي المستمع المختار. أعمال حميمة، مغرية، مخفيّة أوسرِّيّة، غالباً. الأمر لا يتعلَّق بشعراء الملاعب، فالشعراء لا يحادثون أنفسهم.

لقد أحببت هذا الميثاق، أحببت الإحساس بأنّ ما كانت القصيدة تقوله هو ضروري وخاص أيضاً، الرسالة التي تلّقاها الكاهن أو المحلِّل.

كان حفل توزيع الجوائز يتمّ في غرفة نوم جدَّتي الثانية، بحكم سرِّيَّته، فهو امتداد لشدّة العلاقة التي أنشأتها القصيدة: امتداد، وليس انتهاكاً.

كان «بلايك» يتحدَّث معي من خلال الطفل الأسود الصغير. لقد كان المصدر الخفيّ لذلك الصوت، ولا يمكن رؤيته، تماماً، مثلما لا يمكن رؤية الولد الأسود الصغير، أو الذي يُرى بشكل غير دقيق، من قِبَل الطفل الأبيض غير المدرك أو المزدري. لكنني عرفت أنّ ما قاله عن جسده الفاني المؤقَّت الذي يحتوي على روح النقاء المضيئة، كان صحيحاً. عرفت هذا لأن ما يقوله الصبيّ الأسود، روايته لأحاسيسه وتجربته، يتضمَّن لوماً، لا رغبةً في الانتقام لنفسه، بل الاعتقاد بالعالم المثالي الذي وُعد به بعد الموت، فحسب. سيتمّ الاعتراف بما هو عليه، وفي فورة من المرح، يحمي الطفل الأبيض الأكثر هشاشةً من الفورة المفاجئة للضوء. ذلك الأمل غير الواقعي الذي يتجاهل الواقع، يجعل من القصيدة محطِّمة للقلب، سياسية، أيضاً، بعمق. الألم والغضب اللذان لا يستطيع الطفل الأسود أن يسمح لنفسه بأن يشعر بهما، وأنّ والدته تحاول تحصينه منهما، أمران يشعر بهما القارئ أو المستمع، حتى عندما يكون القارئ طفلاً.

لكن الشرف العامّ أمر آخر.

القصائد التي استمعت إليها، طيلة حياتي، هي قصائد من النوع الذي وصفته، قصائد من الاختيار أو التواطؤ الحميم، قصائد يقدِّم فيها المستمع أو القارئ مساهمة أساسية، كمتلقٍّ للثقة أو الصراخ، وأحياناً كمتآمر مشارك. تقول «ديكنسون»: «أنا لا أحد! هل أنت لا أحد، أيضاً؟/ ثم هناك زوج منّا – لا تقلْ ذلك !»، أو كما يقول «إليوت – Eliot»: دعونا -إذن- نذهب، أنت وأنا/ عندما ينتشر المساء على السماء/ مثل مريض مثقل على طاولة…». لم يكن «إليوت» يستدعي فرقة الكشّافة، بل كان يطلب شيئاً ما من القارئ، على عكس قول «شكسبير»: «هل أقارنك بيوم صيفي؟»، مثلاً. «شكسبير»، لا يقارنني بيوم صيفي، لقد سمحت لي القصيدة بالاستماع إلى براعة مُبهرة، لكنّ القصيدة لا تتطلَّب حضوري. في الفنّ الذي هو من النوع الذي انجذبت إليه، يكون صوت أو حكم المجموعة خطيراً. هشاشة الحديث الحميم تزيد من قوَّتها ومن قوّة القارئ، الذي، من خلال وكالته، يتمّ تشجيع الصوت في مناشدة، أو في ثقته العاجلة.

ماذا يحدث لشاعر من هذا النوع، عندما تضعف الجماعة، وتقف بدلاً من عزله/ أو تجاهله/ها؟ أودّ أن أقول إنّ مثل هذا الشاعر سيحسّ بالتهديد، بأنه ليس قادراً على المناورة.

هذا هو موضوع (عمل) «ديكنسون». ليس دائماً، بل في الغالب. لقد قرأت لـ «إميلي ديكنسون» بحماس شديد، عندما كنت في سنّ المراهقة، في وقت متأخِّر من الليل، بعد الاستلقاء على أريكة غرفة المعيشة.

«أنا لا أحد. من أنت؟

هل أنت لا أحد، أيضاً؟»

وفي الإصدار، الذي قرأته حينها، ومازلت أفضِّله:

«ثم هناك زوج منا – لا تخبر عن ذلك !

سوف يبعدوننا، كما تعلم…».

«ديكنسون» اختارتني، أو تعرَّفت بي، وأنا جالسة هناك، على الأريكة.

كنّا نخبة، رفقاء في الخفاء، حقيقة معروفة لدينا نحن، فقط، تلك التي أكَّدها كلّ منا للآخر. في العالم، كنّا لا أحد.

لكن، ما الذي يمكن اعتباره نفياً للأشخاص الموجودين كما فعلنا في مكاننا الآمن تحت السجلّ؟

أنا لا أتحدَّث هنا عن التأثير الخبيث لـ «إيميلي ديكينسون» في الفتيات المراهقات، بل أتحدث عن حالة مزاجية لا تثق بالحياة العامّة، أو تعتبرها مجالاً يفتقد فيه التعميم إلى الدقّة، وتحلّ فيه الحقيقة الجزئية محلّ الصراحة والإفصاح المشحون. مثلا، لنفترض أنّ صوت المتآمر، صوت «ديكنسون»، تمَّ استبداله بصوت المحكمة: «نحن لا أحد. من أنتم؟» تصبح الرسالة شرِّيرة، فجأةً.

لقد كانت مفاجأة لي، صبيحة الثامن من أكتوبر؛ أن اشعر بنوع من الذعر الذي كنت أصفه. كان الضوء شديد السطوع، السلَّم شديد الاتِّساع. البعض ممَّن يكتبون الكتب يتمنّون أن تصل إلى الكثيرين، لكنّ بعض الشعراء لا يصلون إلى الكثيرين من الناحية المكانية، مثلما هو عليه الأمر في المدرج المملوء، فهم يصلون إلى الكثيرين مؤقَّتاً، بشكل متتابع. مع مرور الوقت، في المستقبل. لكن، وبشكل عميق، يأتي هؤلاء القرّاء، دوماً، منفردين، واحداً تلو الآخر.

أعتقد أن الأكاديمية السويدية، بمنحي هذه الجائزة، اختارت الصوت الحميم والخاصّ الذي يمكن أن يحسنه الكلام العامّ، وقد يجعله يمتدّ أحياناً، لكنّه لا يحلّ محلَّه أبداً.

 

المصدر:

Louise Gluck, The Poet and the Reader, The New York Review of Books, V. LXVIII, N°1 (January 14th, 2021): p.29

مو يان: «العمّ فوكنر، كيف حالك؟»

يصادف هذا اليوم، الذكرى الـ 123 لميلاد الكاتب الأميركي «ويليام فوكنر» (25-9-1897 /6-7-1962). ويعتبر «فوكنر» الشخصية التمثيلية لتيّار أدب الوعي في الولايات المتَّحدة، فقد حاز على جائزة «نوبل» في الآداب عام 1949، وتمثِّل رائعته «الصخب والعنف» أشهر أعماله.
ذكر «مو يان» «فوكنر» عدَّة مرّات، في خطاباته ومقالاته، ويمكن القول إن «فوكنر» كان معلِّماً مهمّاً، للغاية، في مسيرة «مويان» الإبداعية، يتذكَّر «مويان»، بوضوح، لقاءهما الأوَّل، قائلاً: «كان عصر يوم، تتساقط فيه نُتف الثلج بغزارة في كانون الأوَّل/ ديسمبر، من عام 1984، حيث استعرت من زميل لي كتاب «الصخب والعنف» لـ«فوكنر».
وفي مارس، عام 2000، ألقى «مويان» كلمة في جامعة «كاليفورنيا» بعنوان «أيُّها العمّ «فوكنر»، كيف حالك؟». وفي تلك الأثناء، لم يكن المعلِّم «مويان» حتماً، يتوقَّع أنه سيحصل على جائزة «نوبل» في الآداب، بعدها باثنَىْ عشر عاماً.
عندما كنت ألقي خطاباً في جامعة «ستانفورد»، قبل بضعة أيّام، قلت إن قراءة كاتب لأعمال كاتب آخر، هي في الواقع بمنزلة محادثة، حتى أنها قد ترتقي إلى عاطفة حبّ، فلو نجحت المحادثة لغدا من المرجح أن يصبحا رفيقَيْن، مدى الحياة، ولو كانت محادثة مزعجة، فسيمضي كلٌّ منهما في دربه الخاصّ.
واليوم، سأتحدَّث، على وجه التحديد، عن محادثاتي مع الكُتّاب من جميع أنحاء العالم، حيث يمكن الحديث، أيضاً، عن مسيرة الحبّ التي جمعتني بهم. في رأيي، الكاتب الجيّد خالد أبداً، وسيتحوَّل جسده، بالطبع، إلى تراب كما الأشخاص العاديِّين، تماماً، إن عاجلاً أم آجلاً، بينما تبقى روحه خالدة، ما انتشرت أعماله.
من الواضح أنه من غير المناسب قول مثل هذه الكلمات في مجتمع اليوم، الغارق في البذخ والترف، ذلك أن ثمّة الكثير من المغريات التي تطغى على القراءة، بينما تدفعني رغبتي في طمأنة ذاتي، وحثِّها على مواصلة مسيرة الإبداع، حتماً، لقول ذلك.
بدأت مسيرتي في القراءة قبل عدّة عقود، عندما كنت طفلاً مشاكساً أرعى الأغنام والماشية في الأراضي العشبية، في مسقط رأسي. وفي موضعنا النائي المتخلِّف، آنذاك، كانت الكتب من الكماليّات شديدة الندرة. كنت على دراية تامّة بكلّ أسرة لديها أيّ نوع من الكتب، في محيط يضمّ عشرات القرى، في بلدة «شمال شرق قاومي».
ومن أجل الحصول على الحقّ في قراءة هذه الكتب، غالباً ما كنت أعمل لدى هؤلاء الأشخاص ممَّن لديهم الكتب. وفي منزل حجّار من جيراننا، بدت مجموعة «تنصيب الآلهة» المصوّرة، كأنها تحكي تاريخ الصين قبل ثلاثة آلاف عام، لكنها كانت تحكي -في الواقع- قصصَ العديد من الأشخاص الخارقين. على سبيل المثال، القول بأن عينَيْ شخصٍ قد اقتلعتا بفعل آخر، فنَمَت في محجرَيْ عينيه يدان، وقد تبرعمت بهاتَيْن اليدَيْن عينان، يمكن لهاتَيْن العينين رؤية الأشياء على بعد ثلاثة أقدام تحت سطح الأرض؛ ثمّة آخر، يمكنه عزل رأسه عن رقبته ليغنّي في الهواء، حدث أن تحوَّل عدوُّه إلى نسر، فأعاد وضع رأسه على رقبته، بشكل معكوس، ونتيجة ذلك أنَّ ركْضَ هذا الرجل، إلى الأمام، كان، في الواقع، تحرُّكاً للخلف، وركضه إلى الخلف كان يدفع به، في الواقع إلى الأمام.
مثل هذه الكتب لها جاذبية لا تُقاوم، لأطفال مثلي، منغمسين في الخيال طوال اليوم. ومن أجل قراءة هذه المجموعة، كنت أطحن له الدقيق بدفع الرحى، في منزله، طوال فترة الصباح، لأتمكَّن من قراءتها لمدَّة ساعتَيْن، على أن أقرأها في ممرّ الطاحونة، بمنزله.
وعند القراءة، كانت بنت الحجّار تقف خلفي لتراقبني، وبانقضاء الوقت، تأخذها على الفور. ولو كانت لديَّ الرغبة في مواصلة القراءة، فعليَّ الاستمرار في دفع الرحى. لم يكن هناك ساعات في ذلك المكان، آنذاك، فكانت مدّة الساعتَيْن تعتمد على مزاج ابنة الحجّار، فإذا كانت حالتها المزاجية جيِّدة، مَرَّ الوقت متباطئاً، بينما لو كانت في مزاج سيِّئ، فسيمرّ خاطفاً.
ومن أجل إبقاء هذه الفتاة الصغيرة في مزاج سعيد، كان عليّ أن أرتقي شجرة المشمش لدى الجيران، لأسرق ثمارها وأطعمها إيّاها. إن منح شبح جشع مثلي الآخرين مشمشاً مسروقاً، لهو أشبه ما يكون بدفع قطّة جشعة لبصق السمك من فمها، لكنني ظللت أعطي المشمش، الذي أناله بشقّ النفس، للفتاة، وبالطبع، كان جمال ابنة الحجّار الفاتن سبباً مهمّاً، كذلك.
باختصار، لقد دفعت ثمناً باهظاً، في طفولتي، لقراءة كلّ الكتب في عشرات القرى من حولنا. كانت ذاكرتي جيّدة جدّاً آنذاك، إذ لم تكن سرعة القراءة مذهلة، فحسب، بل كنت موهوباً بذاكرة استثنائية. أمّا بالنسبة إلى فكرة التواصل بين المؤلِّف والقارئ، فلم تكن قد تبرعمت آنذاك. في ذلك الوقت، كان الأمر متعلّقاً بشكل محض بقراءة القصّة، فحسب، فقد كنت غارقاً في ثناياها، وغالباً ما أبكي، بحرقة، لمعاناة شخصيات القصّة، بل أقع، في كثير من الأحيان، في حبّ أولئك النسوة الجميلات اللاتي يضمهن نسيجها.
وبعد الانتهاء من قراءة عشرات الكتب في القرى المجاورة، لم أقرأ كتباً، تقريباً، لعدّة عقود. فقد اعتقدت أن تلك العشرات من الكتب هي كلّ ما في العالم من كتب، وإنجاز قراءتها يعادل الانتهاء من قراءة كتب العالم كافّةً. وخلال هذه الفترة، كنت أعمل في الريف، فكان تواصلي مع الأغنام والماشية أكثر كثيراً من تواصلي مع الناس، حتى كدت أنسى تلك الكلمات التي تعلَّمتها في المدرسة. بيد أن قلبي كان مفعماً بالخيال، وتمنَّيت أن أكون كاتباً، أحيا حياة ملؤها السعادة.
عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري، كبرت ابنة الحجّار، فصارت فتاة بالغة، فائقة الجمال، تعقد جديلة كبيرة تتدلّى حتى ردفها، ولها عينان برموش كثيفة، تنبعث منهما نظراتها الناعسة المبهمة. كنت مفتوناً بها، للغاية، وكنت غالباً ما أشتري لها الحلوى، بنقودي الزهيدة التي أجنيها من عملي الدؤوب. كانت حديقتا بيتَيْنا متجاورتَيْن، فكنّا نذهب، عند الغسق، إلى النهر، لجلب الماء وسقي الخضروات. وعندما كنت أراها تحمل دلو الماء، وقد أطلقت لجديلتها العنان لتتراقص خلفها، وتهفو في سبيلها من أعلى ضفّة النهر، تجيش في صدري شتّى الأحاسيس، ويخالجني شعور بأنها أجمل مخلوق على وجه الأرض. كنت أسير خلفها، فأطأ بقدميَّ العاريتَيْن ما تخلِّفه خطواتها من أثار على شاطئ النهر، فيبدو وكأن تيّاراً يسري، عابراً بدني من أخمص قدميَّ وحتى أعلى رأسي، فيفيض قلبي بالسعادة.
استجمعت شجاعتي، ذات غسق، وقلت لها إنني أحبها، وأتمنّى أن تصير زوجة لي. اعترتها الدهشة، ثم انفجرت بالضحك. قالت: «أنت، ببساطة، ضفدع يشتهي لحم بجعة!» شعرت بجرح كبير قد أصاب كرامتي، غير أن افتتاني بها لم يتبدَّل؛ لذا طلبت من زوجة أخي الذهاب إلى منزلها، وعرض الزواج عليها. حملت زوجة أخي رسالة لي؛ فحواها أنها ستتزوَّجني، طالما أمكنني كتابة عمل مثل «تنصيب الآلهة». ذهبت إلى منزلها لأعبِّر لها عن تطلُّعاتي السامية، وأهدافي العظيمة، فلم تخرج لرؤيتي، بل هرع إليَّ كلبهم المتوحِّش الضخم مندفعاً كالنمر.
قلت، قبل بضعة أيّام، في محاضرتي في «ستانفورد»، إنني تحمَّست للكتابة؛ رغبةً في عيش حياة سعيدة، أتناول فيها (الجياوتسي) ثلاث مرّات في اليوم، وفي حقيقة الأمر، وباستثناء (الجياوتسي)، لقد ألهمتني تلك الفتاة في منزل الحجَّار، بعينيها الناعستَيْن. لم أتمكَّن، حتى اليوم، من كتابة مثل هذا الكتاب المشابه لـ «تنصيب الآلهة». وبالفعل تزوَّجت ابنة الحجّار من ابن الحدّاد، وغدت أمّاً لثلاثة أطفال.
كانت معظم قراءاتي عندما كنت أدرس في قسم الآداب بالجامعة، وقد كتبت، آنذاك، الكثير من القصص الرديئة، للغاية. شُدهت عند دخولي الأوَّل إلى مكتبة الجامعة، لم أتوقَّع، حتى في أحلامي، أن العالم -بالفعل- زاخر بالكُتّاب، وملآن بكتبهم. لكنني كنت قد تجاوزت سنّ القراءة في ذلك الوقت، حيث وجدت أنني ما عدت قادراً -بالفعل- على الصبر لقراءة كتاب من أوَّله حتى آخره، وقد انتابني شعور بأن أيّاً من القصص التي تضمُّها هذه الكتب لم تتجاوز مخيِّلتي. فقد كنت أرى المؤلِّف بتصفُّح ما يربو عشر صفحات من الكتاب.
اعترف أن الكثير من الكُتّاب رائعين جدّاً، لكن ليس ثمّة الكثير من اللّغات المشتركة تجمعنا معاً، و-من ثَمَّ- لا تحمل كتبهم لي الكثير من الفائدة، فقراءة كتبهم أشبه ما يكون بتعاملي مع ضيف بشكل مهذَّب وراقٍ، كان ذلك هو الحال حتى وصلت بقراءاتي إلى «فوكنر».
أتذكَّر، بوضوح، أنه كان عصر يوم، تتساقط فيه نُتف الثلج بغزارة في كانون الأول/ ديسمبر، من عام 1984، حيث استعرت من زميل لي كتاب «الصخب والعنف» لـ«فوكنر»، وأمعنت النظر في صفحة الغلاف، فكان ثمّة رجلٌ عجوزٌ يرتدي زيّاً غربيّ الطراز، يُحكِم عليه برابطة عنق، ويقبض بفمه على غليون، لم ترُقْ لي الصورة. ثم بدأت في قراءة تلك المقدِّمة المطوَّلة التي خطَّها مترجم مشهور في الصين. كنت أقرأ فيغمرني الفرح، وتفهَّمت، بشدّة الكثير من سلوكات هذا العجوز الأميركي غير المواكبة للعصر، كما شعرت بالودّ الشديد حيالها، منها -على سبيل المثال- أنه كان لا يقرأ الكتب بجدِّيّة، منذ أن كان طفلاً، وكذلك أنه كان محبّاً للتفوُّه بالترّهات، كما كان يحبّ الكذب، حيث لم يخُض الحرب، بينما ادّعى أنه كان يقود الطائرة ويشتبك مع العدو في السماء، وقد أصيب، جرّاء ذلك، بشظيَّة كبيرة جدّاً في رأسه، وأن هذه الشظيّة، التي اقتحمت دماغه، قد تمخَّضَ عنها أسلوبه اللّغوي المبهم والمتحذلق.
كان مخموراً حينما ذهب لتسلُّم جائزة «نوبل»، حتى أنه ألقى بالميدالية الذهبية في سلّة المهملات؛ ولمّا دعاه الرئيس «كيندي» إلى مأدبة عشاء في البيت الأبيض، قال إن تناول وجبة لا يستحقّ الهرولة إلى البيت الأبيض. لم يكن يعتبر نفسه، في الأساس، كاتباً، بل اعتبر نفسه مزارعاً، بينما فتنتني «مقاطعة يوكناباتوفا» وليدة مخيِّلته. داخلني شعور بأن «فوكنر» يشبه المزارعين القدامى في مسقط رأسي، فقد علَّمني، بنبرة نافذة الصبر، كيف ألجم المِهار بالرسن.
ثم بدأت في قراءة كتبه. اعتقد كثير من الناس أن كتبه غامضة، يصعب فهمها، بينما قرأتها بسهولة بالغة. أشعر أن كُتبه دافئة لطيفة مثل أحاديث أولئك المزارعين القدامى غريبي الأطوار في مسقط رأسي، فلا يهمّني القصص التي يرويها لي، لأن قدرتي على تأليف القصص ليست دون قدرته، لكنّ ما أعجبني هو تلك النبرة، وتلك الطريقة التي يسرد بها القصص.
كان يتصرَّف كما لم يكن، في الساحة، غيره، فيتحدَّث عن ذاته، فحسب، تماماً، مثلما كنت أفعل عندما أرعى الماشية في مراعي مسقط رأسي، حيث أتحدَّث إلى الماشية وطيور السماء، فحسب. قبل ذلك، كنت، دائماً، أكتب الرواية وفقاً للأسلوب المتَّبع في مناهجنا لتعليم الرواية، والتي كانت، حقّاً، عملاً شاقّاً. شعرت بافتقاري لما أودّ كتابته، وفقاً لمناهجنا التعليمية، وإذا انتابني هذا الشعور، فإنه ينبغي عليَّ مواصلة خوض غمار الحياة والتعمُّق فيها.
بعد قراءة «فوكنر»، شعرت كأنني قد استيقظت من حلم، ليتَّضح أمامي أن الروايات يمكن أن تتناول الترَّهات هكذا، وأن الأشياء التافهة التي تحدث في الريف، يمكن أن تنسج خيوط رواية بشكل رائع، فالكاتب لا يمكنه أن يختلق الشخصيّات، ويبتكر القصص، فحسب، بل يمكنه، أيضاً، أن يختلق الجغرافيا.
لذا، ألقيت كُتبه جانباً، والتقطت قلماً لكتابة روايتي الخاصّة. وقد كتبت، بجرأة، على الورقة: «بلدة شمال شرق (قاومي)»، مستوحياً إيّاها من اختلاقه الجغرافي «مقاطعة يوكناباتوفا». إن مقاطعة «يوكناباتوفا» خاصّته هي اختلاق خياليّ محضّ، بينما بلدة «شمال شرق قاومي»، خاصَّتي، هي مكان حقيقيّ. لقد اتَّخذت قراراً بالكتابة عن مسقط رأسي، تلك الرقعة من الأرض التي تشبه، في حجمها، حجم طابع بريد.
كان ذلك، ببساطة، أشبه ما يكون بفتح هوس الذاكرة المتدفِّقة، حيث أنعش حياة الطفولة كاملة، فتذكَّرت ما قلته في تلك السنوات الخوالي، وأنا مستلقٍ على العشب، قبالة الأبقار، والسحائب، والأشجار وطيور السماء، ثم كتبته في رواياتي، كما هو تماماً. ومنذ ذلك الحين، تبدَّد قلقي بشأن عدم العثور على ما أودّ كتابته، وانحصر حول عدم قدرتي على الكتابة. غالباً ما يحدث ذلك، فعندما أكتب رواية، تصرخ في عقلي الكثير من الأفكار الجديدة، كما لو كانت كلباً ينبح خلفي.
وفي وقت لاحق، تعرَّفت إلى أستاذ جامعي أميركي في ندوة «فوكنر» الدولية التي عُقدت في جامعة «بكين»، وكان يدرِّس في جامعة قريبة من مسقط رأس «فوكنر». وقد دعاني هو ورئيس الجامعة لزيارتهما، لكنني لم أذهب، فأرسل إليَّ ألبوم صور لـ«فوكنر»، يحتوي الكثير من الصور الثمينة، من بينها صورة لـ«فوكنر» وهو يقف أمام إسطبل للخيل، مرتدياً ملابس مهترئة، وحذاءً طويل الساق، بالياً. أعادتني صورته هذه، على الفور، إلى بلدة «شمال شرق قاومي»، فذكَّرني بجدّي، وبأبي، وبالكثير من القرويِّين القدامى.
في ذلك الحين، تفكَّكت صورة «فوكنر» بعقلي، باعتباره كاتباً عظيماً تماماً، لأشعر بتلاشي المسافة بيني وبينه. وقد انتابني شعور بأننا قلبان متناغمان، وصديقان حميمان من جيلَيْن مختلفَيْن، لا تنطوي علاقتنا على أسرار. فقد تحدَّثنا معاً عن الطقس، والمحاصيل الزراعية، والماشية، كما دخَّنّا التبغ سويّاً، واحتسينا الخمر، وسمعته يوبِّخ النقّاد الأميركيين أمامي، ويسخر من «همنغواي».
كما سمح لي بتلمُّس تلك الندبة برأسه، وقال إنها نتيجة عضّة فرس أبقع، لكن بالنسبة إلى هؤلاء الحمقى، لابدَّ من القول إنها كانت جرّاء انفجار طائرة ألمانية. ثم انفجر بالضحك منتشياً، وقد علت وجهه ابتسامة مشاكسة وممازحة. أخبرني أن الكاتب يجب أن يكذب بجرأة، ودونما خجل، ليس لإبداع الروايات، فحسب، بل لابتكار تجارب شخصية، أيضاً.
علَّمني، أيضاً، أن الكاتب يجب أن يتجنَّب المدينة المزدهرة، ويستقرَّ في مسقط رأسه، تماماً، مثلما يجب أن تتجذَّر الشجرة في الأرض. وأنا أرغب، حقّاً، في السير على هداه. لكن، في مسقط رأسي، غالباً ما ينقطع التيّار الكهربي، كما يفتقر إلى وسائل التدفئة في الشتاء، علاوةً على مرارة المياه، وطعمها القابض، وأنا أخشى المصاعب؛ لذا، لم أعُد إليها حتى اليوم.
ينبغي أن أعترف، بصراحة، أنني لم أنتهِ من قراءة رواية «فوكنر» «الصخب والعنف» حتى الآن، لكنني أضع ألبوم صوره، الذي أهداني إيّاه ذلك الأستاذ الجامعي الأميركي، على مكتبي، حيث أتحدَّث إليه، حينما أفقد الثقة بنفسي.
أعترف أنه معلِّمي، لكنني قلت له، ذات مرّة، دون خجل: «مرحباً، أيُّها العجوز، ثمّة موضع قد تجاوزتك فيه!»، فرأيت ابتسامة ملؤها السخرية، قد فاض بها وجهه، وعقَّب قائلاً: «قل لي: ما المواضع التي تفوَّقت عليّ فيها؟».
قلت: «مقاطعة يوكناباتوفا، خاصَّتك، هي مقاطعة من البداية وحتى النهاية، بينما بلدة «شمال شرق قاومي»، خاصَّتي، قد حوَّلتها إلى مدينة حديثة، للغاية، في غضون أقلّ من عشر سنوات. ففي عملي «الصدور المرتفعة والأرداف العريضة» جعلت بلدة «شمال شرق قاومي» تشيِّد العديد من المباني الشاهقة، وتضيف المرافق الترفيهية الحديثة. بالإضافة إلى ذلك، أنا أكثر شجاعة منك، فما كتبته أنت كان قاصراً على حدود ذلك المكان، بينما تجرَّأت أنا على نقل أشياء من جميع أنحاء العالم، وتغيير وجهها، وضمّها إلى بلدة «شمال شرق قاومي»، وكأن هذه الأشياء قد حدثت فيها، بالفعل.
لا توجد جبال في بلدة «شمال شرق قاومي» الحقيقية، لكنني حرَّكت جبلاً إليها، بالقوّة، كما أنها لا تضمّ أرضها صحراء، فخلقت لها، بالقوّة، صحراء، ولا يوجد فيها المستنقعات، فجلبت إليها مستنقعاً، علاوةً على الغابات، والبحيرات، والأسود والنمور… وكلّ تلك الأشياء صنعتها من أجلها. وفي السنوات الأخيرة، توالى ذهاب بعض الطلّاب الأجانب والمترجمين إلى بلدة «شمال شرق قاومي»، لرؤية الأشياء التي وصفتها في رواياتي، وعندما وصلوا إلى هناك، أصيبوا جميعاً بخيبة أمل، فما من شيء هنالك، إلّا سهل مقفر، وعلى السهل بعض القرى عديمة الملامح».
قاطعني «فوكنر»، وقال ببرود: «اللصوص الصاعدون، غالباً ما يكونون أكثر جرأةً من اللصوص القدامى!».
تُعَدّ بلدة «شمال شرق قاومي» جمهورية أدبيّة من اختراعي، فهي مملكة، أنا مَلِكها. وكلَّما أُمسك بالقلم، وأكتب قصّة بلدتي «شمال شرق قاومي»، أتذوَّق سعادة الإمساك بتلابيب السلطة؛ فعلى هذه الأرض، يمكنني تحريك الجبال، وملء البحور، وتسيير الرياح، واستدعاء المطر، أُميت من أودّ موته، وأُحيي من أشاء له الحياة. بطبيعة الحال، ثمّة بعض اللصوص الجريئين، أوجدتهم لمعارضتي، بينما يجب عليَّ أن أستسلم لهم.
وبعد ظهور سلسلة رواياتي، التي تدور أحداثها في بلدة شمال «شرق قاومي»، احتجَّ ضدِّي بعض السكّان المحلِّيّين، ووصفوني بالخائن لبلدتي؛ وهو ما دعاني لكتابة عدّة مقالات لشرح الأمر. قلت لهم: بلدة «شمال شرق قاومي» هي مفهوم أدبي، وليست مفهوماً جغرافياً، وهي مفهوم منفتح وغير منغلق، يعتمد على تجربة طفولتي لبناء صرح أدبي خيالي؛ عملت جاهداً لتكون صورة مصغَّرة للصين، واجتهدت لصياغة الفرح والألم هناك، بما يتماشى مع الفرح والألم للبشرية جمعاء، واجتهدت لتؤثِّر القصص التي أنسج أحداثها في بلدة «شمال شرق قاومي»، في القرّاء من جميع البلدان، وسيكون هذا هدفي مدى الحياة.
والآن، وطئت قدماي، أخيراً، أرض معلِّمي، العمّ «فوكنر»، وأتمنّى أن ألمح طيفه في الشارع الصاخب، فأنا أعرف ملابسه المهترئة تلك، وغليونه الكبير ذاك، كما أعرف، جيّداً، رائحة روث الحصان المختلطة برائحة التبغ، التي تفوح منه، وأنا على دراية بخطواته المترنِّحة على إثر سكره.
فلو وجدته، سأصرخ خلفه قائلاً: «أيُّها العمّ «فوكنر»، هأنذا!»

هوامش:

تَمَّ تضمين هذا المقال كتاب «راوي القصص» بـ (المجموعة الكاملة لخطابات مويان)
المصدر:
https://mp.weixin.qq.com/s/3KjMaF6Tc7M6CH-Bv65f8w

تورغوت أويار: «حبّي يؤلمني من التعاسة المتكاملة لبني البشر»

ينتمي الشاعر التركي «تورغوت أويار» إلى حركة شعرية طليعية بدأت في الخمسينات من القرن الماضي، وعُرِفت باسم (الحداثة الثانية) أو (الجيل الثاني)، أضفت ملامح جديدة على الشعر التركي، فأدرجت التعدُّدية في الشكل، والمعنى، والصورة، ورفضت التعبير عن المواقف السياسية المباشرة في الشعر، ونزعت إلى الرغبة في الحياة الفردية دون تدخل سياسي، والتوق إلى عالم آخر كما تصوِّره أبياتهم الشعرية السوريالية، وما زال لهذه الحركة تأثير عميق في الشعر التركي، حتى يومنا هذا.
كتب «أورهان باموك» في مجلَّة «دي زايت الألمانية»:… كنت في صباي أُمضي جُلَّ وقتي في قراءة الكتب المختلفة، ومنها لشعراء «الحداثة الثانية» مثل «تورغوت أويار»، وآخرين، ورغم أن شعرهم عصيٌّ على الفهم، لكنه مؤثِّر وبليغ. كنت أحاول كتابة الشعر مثلهم، فأجلس إلى الطاولة، وبعد أن أكتب بعض الأبيات الشعرية، أُدرك سذاجة من يشاهد لوحة تجريدية، فيذهب به الظنّ إلى أنه قادر على رسم لوحة مشابهة…»

وُلِد «تورغوت أويار» في أغسطس، 1927، في أنقرة. كان الطفل الخامس بين ستّة أطفال. نشأ في أجواء عسكرية، فوالده كان ضابطاً، وحياته الدراسية أمضاها في المدارس العسكرية الداخلية أيضاً، وخدم بصفة عسكرية في الوظيفة الحكومية، لمدّة ست سنوات، بعد أن أنهى خدمته العسكرية الإلزامية. رغم كلّ تلك الأجواء العسكرية التي نشأ وترعرع فيها، لم يقتفِ أثر أسلافه في كتابة الشعر الملحمي، والوطني، والسياسي الذي كان مهيمناً على شعر مَنْ سبقوه من كبار الشعراء الأتراك، بل فتح آفاقاً جديدة في الشعر التركي، واستخدم أحاديث النفس الداخلية، وتخلَّص من الوزن والقافية، وأكسب الشعر سرعة جديدة، ووجَّه شعره نحو مجالات غير مسبوقة، وساهم، بشكل كبير، في تطويره.

توفِّي «تورغوت أويار» في اغسطس، 1986، تاركاً خلفه 14 كتاب شعر. وكانت وصيَّته لزوجته الكاتبة «تومريس أويار» أن تمزِّق كلّ ما كتبه بخطّ يده، ولم يُنشر من أشعاره، وقد نَفَّذت وصيَّته كما أراد.

يعكس «تورغوت أويار»، في معظم قصائده، وطأة ضغوط معايير التحضّر وأنماط الحياة العصرية، وعزلة الفرد في المدينة، وتأثير نمط المعيشة فيها في تشكيل حياة الفرد، والشوق والحنين إلى حياة الريف والطبيعة رغم صعوبتها؛ لما تمثِّله من حريّة غير مقيَّدة، وانفتاح للعلاقات الاجتماعية بين أفرادها، فيقول في قصيدته «تلك القرية لا تزال في أحلامه»:

على جبال آرسيان المُهيبة، ذات يوم
أُنهِكتُ، وأُنهِكَ حصاني.
عاصفٌ وصاعقٌ ذاتَ عصرِ يوم،
حين أطلقتُ العنانَ لحصاني، تحتَ المطر
ونزلتُ في قرية «بَنارْهيف»..

في غرفةِ المختارِ، أنا وغربيانِ اثنان،
كأنّنا نَعرِفُ بعضَنا منذُ سنوات!
جفّفنا ثِيابَنا، وشرِبنا الشايَ، وتسامرنا.
بعيداً عن الذئابِ، والطيورِ، والضباب..
كإنسانٍ، في قرارةِ نفسي،
كمْ فرِحتُ، وشَعرتُ بالحبور!.

ما إنْ وَرَدتْ سيرةُ المرأةِ في حديثِنا،
حتى انتابني شعورٌ غريب.
قدْ لا تصدّقونَ ما أسمعُه في الظلام!
أسمع أصواتاً في البعيدِ البعيد.
دخلتُ السريرَ، وتَلحّفت
في قريةِ «بَنارْهيف»، في غرفةِ المختار
إلى جوارِ أحلامي، والناس..
استغرقتُ في النّومِ حتى الصّباح..
في دفءِ أجواءِ تِلكَ القرية،
أعلمُ أنْ لا شيءَ قدْ تغيّر مذ ذهبت.
ليهنأوا جميعُهم بالمياهِ وأسماكِ السَلَمون.
تلكَ القريةُ لا تَزالُ في أحلامِه.

ويصف القرية، في قصيدته «إحياء ذكرى»، بأنها أرض الحكايات الخيالية الجميلة، ويحنّ إلى الحياة فيها، رغم صعوبتها، بأمطارها الممتعة، وهي أقرب إلى نفسه من حياة المدينة:

كانتْ لِيَ أيامٌ مُمْتِعةٌ مبلّلةٌ بالمَطر،
وليالٍ لي جميلةٌ ومليئَةٌ بالحِكايات.
كلُّ شيءٍ، كلُّ شيءٍ كانَ جميلاً: الدموعُ والدنيا والزمان،
وما التقطْتُه مِنْ توتِ العلّيق، في طريقِ القريةِ المُغْبَرّ، المُقْفِر،
كانتْ لِيَ أيامٌ مُمْتِعةٌ مبلّلةٌ بالمَطر.

كنتُ أُتابِعُ القَمَرَ يكبَرُ، كلَّ يومٍ، في السّماء،
والمقابِر الدارِسة مِنْ جِدارِ القَلْعَة،
والصّخرَةَ التي أخالُها عملاقاً مخيفاً،
وما تشبِكَه أمّي منْ تمائِمَ زرْقاء.
كنتُ أُتابِعُ القَمَرَ يكبرُ كلَّ يومٍ، في السّماء.

مصباحُ الكيروسينِ مُضاءٌ في وَسَطِ الغُرْفَة..
وأحياناً، بِوهجِ الصواعِق، تُضاءُ الليالي.
عشُّ اللقلقِ المُقامُ أعلى مِدخَنَتِنا،
كمْ كانَ جميلاً! وكمْ هي جميلةٌ الحكاياتُ والأحاجي!
مصباحُ الكيروسينِ مُضاءٌ في وَسَطِ الغُرْفَة.
ولّتْ بهجةُ أيّامي الماضِية..
كانتْ لِيَ أيامٌ مُمْتِعةٌ مبلّلةٌ بالمَطر،
حيثُ وُلِدتُ في بلادٍ مُقْفِرة،
احترقتْ في مصابيحِ الحكاياتِ لا في مصابيح الكيروسين،
ولّتْ بهجةُ أيّامي الماضِية…

ويعرض «تورغوت أويار»، في قصيدته «عن الأقدار البعيدة»، صوراً من الهروب والتشاؤم والموت، والحاجة إلى المحبّة، لكن الحبّ والآلام متلازمان، وبُعْدَ أفراد مجتمع القرن العشرين عن أنفسهم، والاضطراب الداخلي، والشعور بالوحدة يلازمهم باستمرار. الحياة في المدينة وهمية كزيف أضواء النيون. والخلاص من الشعور بالوحدة، والعزلة بالجلوس في حانة على شاطئ البحر والبكاء، ليسا سوى تخدير للقلب والروح، بانتظار مغادرة الدنيا إلى مكان مجهول:

ذاتَ يومٍ ماطرٍ،
سأغادرُ عائلتي، دون رغبةٍ منّي.
بقلبٍ لم يملَّ الحبّ،
أعرفُ أنّي سأغادرُ وحيداً.

القرنُ، هو القرنُ العشرون، آمنّا.
أحملُ محبّتي إلى جانبي، وأحملُ وجعي إلى جانبي الآخر،
أضواءُ النيونِ تُضفي العتمةَ على ليالينا..
البعيدُ يزداد بعداً،
كدفينةٍ تخرجُ من بين الصخورِ، منذ عهد آدم..
أنا بحاجةٍ إلى محبّةٍ دافِئة.

سأغادرُ ذاتَ يومٍ، وحيداً..
لتلمع النجومُ، لتخلُ الطرقات، الطرقات..
ليلفَّ وسطي شالٌ دافئٌ، أزرق
بعدَ نهايةٍ حزينةٍ، بلا أُغنيات،
لتنحنِ أحلامي في نُزُلٍ منسيّة،
أمام شفتَيْنِ مفعمتَيْنِ بالعاطفة، ولامستا الكثير.

ما عادَ يطيق حالَه عمري،
ليتني أعيشُ قَدَرَ كلّ إنسان على حدة،
عشقٌ دمويٌ في بلادِ الغربة،
طفولةٌ تعيسة في إحدى القرى النائية،
في الفجرِ الأكثرِ بعداً،
في العصرِ الأكثرِ قرباً،
ومساءٌ عاطفيٌّ في حانةٍ على شاطئ البحر،
ليتني أبكي، ولا أتوقفُ عن الشراب..

كيف يمكنُ اختزاله؟ لا أدري!
بينما الكلُّ يريدُ حصَّتَه من المتاعب.
مياهُ الأقدارِ البعيدةِ تُخرخرُ الآن،
والنجومُ تتساقطُ إلى ما لانهايةٍ، من داخلنا.

ذاتَ يومٍ، بينما كنت أجلسُ في الحديقة،
عرفت أن يداً ستلمس كَتفي مع المطر،
وزوجاً من الأعينِ، ودعوةَ ضيافةٍ، وقلباً،
سأتخلّى عن عائلتي.

أوراقُ الشجرِ ستتساقط، والأزهارُ ستذبل،
ذاتَ ربيعٍ، وذاتَ صباحٍ، ومطرٌ سيهطُل،
عابقاً برائحة الإنسانِ والتُراب.
في حالةِ ثَمَلٍ مصحوبٍ بالعويلِ، منذ سنوات،
سأغادرُ وحيداً.

ويخاطب «أويار» طائر الكركي في عدد من قصائده، إذ يمثِّل، بالنسبة إليه، رمزاً للحريّة والانعتاق من كلّ قيد، والانطلاق بلا حدود، ويصل به الأمر إلى أن يتمنّى أن يكون ريشة في جناحه كي يطير معه وينطلق بلا قيود، في قصيدته «معك يا طائري الكركي» :

استسلمتُ لعاصفةٍ وتجاوزْتُها،
خارج أنقرة واستانبول.
أتقولون: كمجنونِ ليلى، أو لبنى
يسعى خلفَ كركيّ ذي ريش؟

آه، أيُّها الكركيّ! ليتني ريشةً من جناحِيك.
فلا تتركني هائماً في الطّرقات.
احملني كأحدِ همومِكَ، كأحدِ فِرَاخِك.
آه، أيُّها الكركيّ! ليتني ريشةً من جناحِيك…

في عمقِ دغلٍ، على قمّةِ جبل،
أنامُ القيلولة.
يا أيُّها الكركيّ! يا روحي أيُّها الكركيّ! يا سيِّدي أيُّها الكركي!
تعلمُ أنّي غريبٌ، أنّي ضعيف…

لا غابت عنّي ظِلالُك، ولا عَصْفُك.
تلكَ الأيامُ، كانت ناراً تستعِرُ في داخلي.
حينَ كنّا نهبطُ من قريةِ «صاكالْتوتان»، عندَ الصّباح،
كانت بلدةُ «قارْص» قد استفاقت للتّو…

إلى أيّ مكان كان، أستودعكم الله،
بلدنا تلك تأخذ بالأبصار، أيُّها الكركي!
الطريقُ سالكٌ، بعد أن أزيلت قرية «داغدفيران» بالتسوية،
والذهاب إلى قرية «باسينْلِر» بِلَيرَتَيْن ونصف، يا الله!

في نَزل علي أفندي في «باسينْلِر»،
استغْرقتُ في نومٍ عميق.
على الحصيرِ، كمْ شعرتُ بالراحةِ، دون قلق،
إلى جانبِ القَرَويّ مصطفى!.
لو أجلسُ وأبكي حتى الصّباح،
طرقاتٌ تَمورُ في داخلي.. طرقاتٌ قريبةٌ، وبعيدة.
يا حسرتي، لم أكْتفِ بعد، لم أكْتفِ، لم أكْتفِ.
ألا ليتَ، أيُّها الكركي.. ألا ليتَه لا يكون حُلماً..

لِمَ أنا حزينٌ هكذا؟، لستُ أدري!
آلاف النجوم تجري في دمي.
أهيمُ منذ سنواتٍ، منذ قرون،
حرّاً، سيراً على الأقدامِ، زائغَ النّظرِ، في وطني..
يا ليتني ريشةً من جناحَيك ، أيُّها الكركي
اخطفني، خذني معكَ ولا تتركني.
خذني إلى بلدةِ «قارْصْ»، أو «سيفاسْ»، أو «أَدِرْنَةّ»
لا يعنيني من طبيعَتِها الخضراءَ شيئاً، ولا من محيطِها.
احملني.. ليتني قملةً، ليتني عبداً لك،
مِثلَ حبّةَ شعيرٍ في حوصَلَتِك…

لا ينسى، أيضاً، مدى تأثير حياة المدينة على المرأة، من خلال كونها زوجةً لموظَّف بسيط في إحدى الدوائر الحكومية، فكتب قصيدة بعنوان «زوجة الموظَّف»، وأهداها إلى زوجته:

ترتدينَ من الحريرِ أَسوأَه.
أنتِ زوجةُ موظَّفٍ من الدَّرجةِ العاشِرة..
امرأةٌ مكابِدةٌ، وفيّةٌ، ونِصفُ قلبي….
سعياً وراءَ نظرةٍ، أو وعد،
راضيةً بالنَّصيبِ، أحنَيْتِ رأسَكِ خضوعاً.
سيِّدتي، أصبحَت امرأةً في الخامِسةِ عشرة…

لا تُلِمّين كثيراً بالموْضَة..
لمْ تَطْلي أظافرَكِ منذُ زفافك،
وتَلِفتْ يداكِ من مساحيقِ الغسيل.

لا أحلامٌ كبيرةٌ، كبيرةٌ، لديكِ،
تجمعين القرشَ على القرش،
تأملين بعلاوةٍ أو مكافأة…

هدرتِ عمرَكِ على قِممِ الجبال.
أصبحتِ أُمّاً قبلَ بلوغكِ الثلاثين.
خمسةُ أطفالٍ لديكِ، في الثامنةِ من عمرهم…

تذهبين مرّةً في السنة،
إلى مدينة الملاهي، أو الجزُر، أو البحر..
تُمضين السنة كلَّها بجوربٍ وفستانٍ واحد…

أنتِ زوجةُ موظَّفٍ من الدرجةِ العاشرة..
امرأةٌ مكابدةٌ، وفيّةٌ، ونصفُ قلبي.
مهما قلتُ، فلن أوفيكِ حقّك.
ويلجأ، في قصيدته «يؤلم»، إلى غير المألوف في التعبير عن شدّة تعاسة البشر، فيصفها بالرأسية والأفقية والمتكاملة، بينما يعبّر عن حبّه لبني البشر، ومدى ألمه من تعاستهم بـ«حبّي يؤلمني»، فيقول:
أريدُ التّحدّثَ عن التعاسة
عن التعاسةِ الرأسيةِ والأفقية
عن التعاسةِ المتكاملة لبني البشر.
حبّي يُؤلِمني!
لقد عِشنا أشياءَ مليئةً بالغموض،
وهم عاشوا هناك، أيضاً.
يخطئون حينَ يظنّونَ أنّ تعرُّج الجبلِ
ابتهاج.
التعاسةُ، قبلَ كلّ شيء،
تُشبِه حانةً في بلدةٍ صغيرةٍ، لا ريب،
تضرِبُ ضحكتُها ضوءَ النهارِ،
دونَ انعكاسٍ هنا وهناك..
أي أنَّ امرأً قد أصابَه الزُّهريُّ مِنْ وردةٍ ذابلةٍ،
وآخرَ قد أصابَه السُّلُّ من امرأةٍ أخرى.
بتأريخ كلّ المباني
وتأريخ كلّ الوعود،
حبّي يُؤلِمني.
«أشفق على حبّي»، يقول أحدهم.
حتى الطفلُ ذو العيون الجميلة،
لا صيفَ محميٌّ له.
ليسَ لديَّ أيّ فكرةٍ عمّا ينبغي قولَه.
حبّي يُؤلِمني.
السفنُ لا تزالُ تمرُّ وتمضي،
والجبالُ ستُظلِمُ وتُضيء..
وهذا هو كلُّ شيء.
شأوي هو العثورُ على شيءٍ، ومِنْ ثَمّ الابتهاج.
حلَّ الخريفُ أيُّها الحزنُ..
وحلَّ الشتاءُ، أيُّها الحزنُ الأسود
يا أذكى إنسانٍ في الدنيا!
حبّي يُؤلمني،
في وضحِ النهارِ في عزِّ الصيفِ، أحياناً.
لا يَهُمُّني مَنْ أحبّ،
ولا يَهُمُّني من يحبُّني.
ها قد حزم أيلول حقائبه، وذهب..
وتشرين وغيره، سيذهبون على النحو ذاته.
الخيول الضخمة الغارقة في التاريخ..
والغرق في التاريخ، هذا هو كلّ شيء.

لويز غلوك.. تجاوز الخسارات

(في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2020، أعلنت الأكاديمية السويدية منح الشاعرة الأميركية «لويز غلوك» جائزة «نوبل» في الأدب، وأوضحت الأكاديمية السويدية للعلوم في حيثيات قرارها أن «غلوك» مُنِحت الجائزة «لصوتها الشاعري المميَّز الذي يحمل جمالاً مجرَّداً يضفي، بجماله، طابعاً عالميّاً على الوجود الفردي»، وهي الشاعرة الأميركية الثانية التي تحصل على «نوبل» في الأدب بعد بوب ديلان خلال القرن الحالي).

لماذا مُنحت جائزة «نوبل» في الأدب، للشاعرة الأميركية لويز غلوك، ولم تُمنَح لهاروكي موراكامي، أو مارغريت آتوود؟

من هي لويز غلوك؟ لماذا تمكّنت من الحصول على «نوبل» في الأدب؟ من خلال هذا المقال، سنلقي نظرة فاحصة على ألمع الشعراء الأميركيين المعاصرين، لتكون نقطة الانطلاق للتعرّف إلى الماضي، والواقع المتعلِّق بجائزة «نوبل» في الأدب.

من هي لويز غلوك؟ هي أعظم شاعرة أميركية بعد ديكنسون، وبيشوب

كشفت لويز غلوك عن فلسفتها الشعرية قائلة: «أقع دائماً في حيرة، بسبب الحذف والإيجاز، وعدم الإفصاح، والإيحاءات، والبلاغة، والصمت الهادئ». وبالنسبة إلى القرّاء الصينيين ليس اسم الشاعرة لويز غلوك مألوفاً بينهم، بينما في الولايات المتَّحدة الأميركية، هي إحدى النجوم المبهرة في عالم الشعر، في الوقت الراهن، وهي الأكثر شهرةً بعد ديكنسون، وماريان مور، وبيشوب، وقد كرَّست قصائدها لإعادة بناء العلاقة مع الحياة، واستكشاف الأصوات النسائية الثريّة، مع الاحتفاظ بالتجارب اليومية، كما تفتح قصائدها آفاقاً شعرية جديدة، يتسربل بها الثراء والعمق والغموض، وقد بلغت أعلى درجات الإتقان والإجادة في مجموعتها «حياة الريف». حتى الآن (الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول، 2020) صدرت ثلاثة أعمال لها داخل الصين؛ «حتى يعكس العالم أعمق احتياجات الروح» الصادر عن مجموعة شنغهاي سينشري للنشر/ دار الشعب في شنغهاي، و«سبائك القمر»، و«مختارات لويز غلوك»، التي صدرت عن جمعية ييتشانغ للشعر الحديث، في عام 2015.

يُعَدّ وجود لويز غلوك في عالم الشعر الأميركي أشبه بالكلاسيكيات الحيّة. ولدت في عام 1943 في عائلة مجرية يهودية الديانة، وفي السابعة عشرة تركت المدرسة بسبب فقدان الشهية، وبدأت تتلقّى العلاج النفسي لمدّة سبع سنوات، ثم درست الشعر في رابطة الشعر، في جامعة كولومبيا، وفي عام 1968، نشرت ديوانها الأوَّل «الوليد الأوَّل»، ثم انطلق مشوارها الشعري. في طفولتها، كان العالم يعاني ويلات الحرب العالمية الثانية، وكان، وقتها، «روزفلت» الشهير، رئيس الولايات المتَّحدة الأميركية، لكنها حصلت، الآن، على جائزة الشاعر الأميركي، وجائزة بوليتزر، وجائزة الكتاب المتميز، وجائزة النقَّاد الوطنية، وجائزة بولينجن، فلا شيء يبقى على حاله، وخارج النافذة تتغيّر، دائماً، صورة العالم، فظهرت أمامها أميركا المستقطبة، لكنها لم تتعامل مع الأمورالسياسية بشكل مباشر، بل كانت تتعامل مع مشاعر إنسانية لتجارب أعمق وأكثر سرِّيّةً تسكن حنايا القلب.

لويز غلوك، شاعرة غنائية من طراز أصيل، وينقسم إبداعها الشعري إلى مرحلتَيْن؛ المرحلة الأولى هي مرحلة تدريب الشاعر، وكان معظم نتاجها الشعري نابعاً من تجارب حياتية ممثّلة في ديوانها «صورة متداعية» (1980)، وقد أدرجت موادّ لتجاربها الذاتية في كلمات الأغاني المنطوقة، وغذَّت حساسيّتها المرهفة وروحانيَّتها العالية قصائدها، وأضحى التردُّد والتشوُّق إلى الحبّ موضوعات مشتركة تتجسَّد في قصائدها.

على سبيل المثال، في ديوان «الصيف»، قالت: «ضعنا أنا وأنت، ألا تشعر؟»، وفي «إيثاكا»: «المحبوب ليس في حاجة إلى الحياة.. المحبوب يحيا في عقل الحبيب»، وفي «انتصارات أخيل» وصفت الحزن الذي انغمس به «أخيل»، وتفهُّم الآلهة لحالته: «هو، بالفعل، شخص ميِّت، والجزء الذي سيحبّ، هو ذات الجزء الذي سيموت».

وفيما يتعلَّق بالإبداع الشعري، أقرَّت لويز غلوك قائلة: «أنا على يقين تامّ بأنني أتعلّم كتابة الشعر، فليس ضرورياً أن تكون الصور الشعرية انعكاساً لصور ذاتية تمور داخلي، دون السماح بتوليد صور حيّة بسيطة، دون تعقيد.. توليد الصور دون أن تقف الروح عائقاً أمامها، بل لابدّ من استخدام الروح لاستكشاف الأثر الشعري، والفصل بين الضحالة والعمق، وانتقاء أشياء على قدر من العمق».

ويمكن أن نتَّخذ من مجموعتها «الزنبقة البرِّيّة» الحاصلة على جائزة «بوليتزر» للشعر، مثالاً على أنها تسير على درب من النضج، فلم تجسِّد قصائد المجموعة علم النفس البشري الدقيق، فحسب، بل كان لها السبق في استخدام الإحالات الأسطورية، والتزاوج بين الأساطير والخرافات والشعر، للكشف عن المشاكل الأساسية للوجود البشري؛ مثال ذلك في ديوان «عتاب» الذي يتحدَّث فيه الشاعر مع إله الحبّ «إيروس» في الأساطير اليونانية، وفي «مقتطفات أسطورية» اقتبست قصّة إله الشمس «أبوللو» وهو يلاحق «دافني»، ابنة إله النهر «يينيوس»، وأكثر ما أثنت عليه غلوك التمازج بين الأساطير وأسرار الحياة، فنجدها تقول في «أسطورة الوفاء»:

انتظر سنوات طوال

وخلق عالماً، وراح يراقب بيرسيفوني.

راحت بيرسيفوني تتشمَّم وتتذوَّق

الأشياء من حولها.

وفكَّر: آهٍ، لو كنت تمتلكين شهية جيّدة

لتتمتعتي بكلّ ما هو موجود

ألا يشتهي كلّ حبيب أن يلمس؟

البوصلة ونجمة الشمال.

استمعي إلى الأنفاس وهي تردِّد:

«أنا على قيد الحياة»؛

وهذا يعني أنك على قيد الحياة؛

لأنك لحديثي تستمعين.

حطَّمت غلوك عمود الأنماط التعبيرية التقليدية التي وضعها الشعراء الرجال، وخلقت صوتاً خاصّاً بالمرأة، ومن خلال كتابات شعرية دقيقة بالغة الحساسية، وغير مألوفة، جسَّدت التجربة الحياتية النسائية، وحاولت المزج بين الشعر الحديث واللاهوت الكلاسيكي، لفتح آفاق أكثر رحابة وعمقاً أمام معاني القصيدة.

في الكتابات الأدبية التقليدية، عادة ما يُقمع الصوت النسائي، وتتعلم النساء المزيد من الصبر والتسامح، وقد شجَّعت كتابات «صافو» المرأة على الحديث عن تجربتها العاطفية الحقيقية، والتعبير، بشجاعة، عن «لحظة عدم الاحتمال». وقد سارت غلوك على نهج ديكنسوت، وسيمون ويل، وسارت، ورغم نتاجها الشعري الكبير ومكانتها في الحركة الشعرية الأميركية، لا تزال محدودة الانتشار، وما زالت معروفة على نطاق ضيِّق جدّاً في الصين.

وفي ديوانها «زنبقة برِّيّة» الحاصل على جائزة «بوليتزر»، لم تعد لويز غلوك راضية عن الدور الوصفي للقصيدة، بل راحت تستخدم الاستعارات لتضفي روحانية إلى كلّ الأشياء، من خلال الصور اليوميّة، و- من ثَمَّ- يتسنّى لها أن تنقل المعاني الفلسفية. في مجموعتها «جليد الربيع»، استعارت جليد الربيع، ونظمت قصيدة على غرار «الشعر الطائفي»، قائلة:

انظر إلى سماء الليل.

أمتلك ذاتَيْن،

وأملك قوَّتَيْن.

أنا هنا معك، بجوار الشرفة،

وأراقب ردّة فعلك.

بالأمس، ارتفع القمر فوق الأرض الرطبة،

وهوى داخل بستاني.

في هذي اللحظة، أضاءت الأرض كقمر منير

مثل شيء ميّت مغطّى بشعاع نور.

في هذي اللحظة، فتحت عينيك

وسمعت صرختك المدوِّيّة،

وصرخات ملتاعة من أمامك،

وغاية تبغاها..

وأريتك ما تتلهَّف لكي تراه

ليس ثقةً فيك،

بل هو استسلام،

استسلام للطغيان.

لويز غلوك، شاعرة تتَّخذ من الحياة والموت نواة أساسية لقصائدها، وتضجّ كتاباتها بالنقاش حول الموت، على سبيل المثال: «هدوء يقابل هدوء، لا مبالاة تقابل لامبالاة، البقاء على قيد الحياة، الحياة تحت الأرض، الموت، من يموت، يموت بلا معاناة». تبدو قصائد لويز غلوك كسكاكين صغيرة تضيء، وسط العتمة الجامحة، بضوء فضّي، فهي لا تتجنَّب تناول الموضوعات الدسمة، فالموت، بالنسبة إليها، ليس أمراً مؤقَّتاً، بل عمليّة بطئية ومتكرّرة، فنجدها تقول: «الميلاد وليس الموت، هو خسارة لا تحتمل، أريد أن أخبرك بشيء: كلّ يوم، الناس يموتون، وهذه ليست سوى البداية».

ومن منظور علم الأنساب الشعرية، تقترب لويز غلوك من إيميلي ديكنسون، وماريان مور، بيشوب، وكاتولوس. وبالعودة إلى الشعر الكلاسيكي، نجدها الأقرب إلى الشاعرة اليونانية القديمة صافو، فهؤلاء الشعراء يولون اهتماماً بالتجربة الحسِّيّة للجسد، ويجمعون بين التجارب الروحية، والاستكشافات الفنِّيّة الشعرية، كما ابتكروا قوالب شعرية جديدة، وتناولت قصائدهم موضوعات افتراضية خلود العالم البشري، مثل الخسارة والفقد والحبّ والوحدة والموت والحياة، حتى هذه العلاقة بين الواقع والخيال. وداخل الأوساط الأدبية الأميركية، التي تنخرط في السياسة على نحو كبير، نجد أن لويز غلوك تسلك منحى آخر، فهي تعود إلى الصمت، وتبحث، في الكتابة والصمت، عن «لحظة الوعي»، وهذا لا يعني أن الشاعر لا يولي عناية بالسياسة، لكنه يعي أن البداية المتلهِّفة قد تكون غير مناسبة، ووسط خضمّ الضجيج، يكون للتراجع إلى الوراء قيمة كبيرة.

الاهتمام بالإنجازات الأدبية وتحقيق التوازن الجنسي والجغرافي

على الرغم من أن لويز غلوك تحظى بمكانة أدبية، لا يمكن لغيرها أن يشغلها، لكن الشعراء العظماء في عالمنا ليسوا قليلين، فلماذا، إذن، فضَّلتها الأكاديمية السويدية عمَّن سواها من الشعراء؟

في ظاهرة مثيرة للاهتمام، في يوم إعلان نتيجة جائزة «نوبل» في الأدب، ارتفعت احتمالات فوزها، رغم أنها لم تكن، فيما قبل، من المرشَّحين الأقوياء لنيل الجائزة. وإستناداً إلى المعلومات بشأن الاحتمالات السابقة، والإنجازات الأدبية، والطبيعة الجغرافية، يتسنّى إعداد قائمة بالمرشّحين، ولم تكن لويز غلوك واحدة المرشّحين، ومنهم آنا كارسون، ونغوجي، وغروسمان، ولازلو، وآخرون، وجميعهم يفوقونها في عدد الجوائز، وخاصّةً بعد تتويج بوب ميلان، في عام 2016، بالجائزة، فكان احتمالية حصول شاعر أميركي آخر، على المدى القصير، منخفضةً إلى حدٍّ ما.

ورغم ذلك، حصولها على الجائزة أمر معقول، لأنها شاعرة لا يمكن إغفال وجودها في المنطقة الناطقة باللغة الإنجليزية، والمنطقة غير الأوروبية، وبعد حادث الاعتداء الجنسي، كان من المنطق أن تفكِّر بها لجنة التحكيم؛ لتحقيق توازن جنسي وجغرافي. وكما هو معروف لدى الجميع، أن جائزة «نوبل» في الأدب تُمنح إلى أكثر كاتب تتمتَّع أعماله بالمثالية في المجال الأدبي، لكن بعد حادث الاعتداء الجنسي في عام 2018، باتت جائزة «نوبل» في الأدب تعاني أزمة ثقة.

وفي عام 2019، تَمَّ استبدال الحكّام في لجنة التحكيم، وإضافة أكاديميين نساء جدد، تختلف ذائقتهم الأدبية عن الحكّام السابقين، و- من ثَمَّ، وبكلّ واقعيّة- لم تساعد نتائج الجائزة، قبل عام 2018، في التنبُّؤ بجائزة هذا العام، لكن ما مكَّنَنا حقّاً، من وضع أيدينا على الأدلّة، هو بيان لجنة التحكيم، والجوائز المرجعية لجائزة «نوبل» في 2019. وقد جاء في هذا البيان تعهُّد الحكّام ببذل الجهود لتحقيق المساواة بين الجنسين، وكذلك التوزان الجغرافي، ومنحت توكار تشوك الجائزة في عام 2018، وهذا برهان ساطع على حُسْن اتِّجاه سير جائزة «نوبل»، وفي المستقبل ستتضمَّن قائمة الترشيحات المزيد من الكاتبات.

تغيُّر طفيف قد طرأ على الجائزة، هو أن «نوبل»، في السنوات الأخيرة، صارت أكثر ارتباطاً بجائزة «بوكر» العالمية، و«جائزة الأكاديمية الجديدة»؛ فجائزة «بوكر» جائزة موثوقة في المجال الأدبي، وتثني على الكتّاب الجادّين والمعنيِّين بالقضايا العامّة. على سبيل المثال، قبل حصول توكار تشوك على «نوبل»، صارت المفضَّلة الجديدة لدى جائزة «بوكر» العالمية، والأمر المثير للاهتمام، هو أن رواية الكاتبة «تسان شويه» «حكاية حب القرن الجديد» قد أُدرجت ضمن قائمة «بوكر» الطويلة، وذلك لأن تسان شويه، في العام الفائت، كانت ضمن أعلى خمسة احتمالات في قائمة «Nicer Odds» قبيل إعلان نتيجة جائزة «نوبل»، مع الأخذ في الاعتبار أن الكاتب الياباني «كازوو إيشيغورو» كان ضمن هؤلاء الخمسة المرشَّحين، فضلاً على أن الجائزة، لمدّة ثلاث سنوات متتالية، مُنحت لأدباء من أوروبا، وحُرِم من التتويج بها، منذ أمد طويل، كتَّاب من أسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية وأستراليا، و- من ثَمَّ- كان الهدف، هذا العام، هو حصول كاتب يحظى باحترام كبير من منطقة غير أوروبية، لاستعادة جائزة «نوبل» لسمعتها، وانطلاقاً من هذا المنطق، إن حصول لويز غلوك على الجائزة، هذا العام، أمر معقول جدّاً!

لماذا ظلَّ هاروكي موراكامي وآخرون، في مضمار سباق «نوبل»، فترات طويلة؟

وعند الحديث عن ترشيحات «نوبل»، سنتطرَّق إلى سؤال، وهو: لماذا ظلَّت أسماء، منها هاروكي موراكامي، وأدونيس، ونغوجي، وآتوود في مضمار سباق «نوبل» فترات طويلة؟

في البداية، ينبغي توضيح أمر، هو أن لجنة تحكيم جائزة «نوبل» لا تعلن عن قائمة الترشيحات، وكلّ ما نطالعه على شبكة الإنترنت هو ترشيحات وكلاء شركات المراهنات. على سبيل المثال، تضع شركات الألعاب الرياضية الشهيرة وشركات أخرى، على قوائمها، هاروكي موراكامي، على قائمة الاحتمالات كلّ عام، وذات مرّة، في العام الماضي، وضعت تسان شويه على قائمة الاحتمالات، مما أحدثَ ضجّة كبيرة في وسائل الإعلام الصينية، لكن هذا، في الواقع، ليس له علاقة بلجنة تحكيم الجائزة. لا تعلن اللجنة عن قائمة الترشيحات، لكنها تعلن عن قائمة المرشَّحين قبل خمسين عاماً؛ وذلك بسبب الحفاظ على مبدأ السرِّيّة لمدّة خمسين عاماً، وكلّ ما نراه متداول على شبكة الإنترنت، هو ترشيحات عام 1969 (بينما ترشيحات عام 1970 سيتمّ الكشف عنها في الأوَّل من يناير/ كانون الثاني، عام 2021)، وما يتسنّى مطالعته، الآن، هي الأسماء قبل عام 1970.

واللافت للانتباه، أن قائمة الترشيحات تتضمَّن اسم تولستوي ستَّة عشر مرّة (يمكن ترشيح الاسم الواحد من قِبَل محكِّمين مختلفين، عدة مرَّات، خلال العام الواحد) كما تَمَّ ترشيح مولرو، وغراهام جرين، وماغام ، وأودن، لكنهم لم يحصلوا على الجائزة، ولم يتمّ ترشيح أساتذة الأدب اللامعين مثل تشيخوف، وبروست، وكافكا.

بينما، في الصين، كان من الكتَّاب الذين ترشَّحوا، بالفعل، هم: هو شي، ولين يي تانغ، أمّا بالنسبة إلى ترشيح لاو شيه، ولوشون، فهذه مجرَّد شائعات لا أساس لها من الصحّة، وفي السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى مويان، ومن بين الكتَّاب المؤثِّرين على المستوى العالمي، الذي تتردّد شائعات عن احتمالية حصولهم على «نوبل»: يوهوا، وجيا بينغ وا، وتسان شويه، ووانغ آني، ويان ليان كه، ولي روي، ووتساو ناي تشيان. أمّا بالنسبة إلى مشاركة هاروكي موراكامي وغيره في مضمار السباق، فلا شكَّ في أن لجنة تحكيم «نوبل» لن تفصح عن الأسباب، لكن، بسبب طبيعة جائزة «نوبل» ذاتها، وسمات الكتاب، ما زالت أسباب الترشُّح قائمة.

ولتحرّي الصدق، لا يُعَدّ أدب هاروكي موراكامي جديداً بالنسبة إلى لجنة تحكيم جائزة «نوبل»، فمن المحتمل أن الطرق التعبيرية تبدو قديمة بعض الشيء، حتى صارت قوالب وتقاليد لا تلبّي توقّعات لجنة التحكيم إزاء الابتكارات الأدبية، فروايات هاروكي موراكامي متوارثة من التراث الأدبي لدوستويفسكي، وسكوت فيتسجيرالد ، وريموند تشاندلر. وعلى الرغم من أنه ياباني الجنسية، هو يميل إلى أسلوب كتابة الأدب الأميركي في القرن العشرين، وهو الوريث الياباني للكتابات السردية خلال عصر الجاز، وبعد الألفية. لم يعد حكّام لجنة تحكيم «نوبل» يولون اهتماماً بالأدب الأميركي، وعلى الرغم من أن الولايات المتَّحدة بلدٌ أدبي كبير، فاز، في السنوات العشر الماضية، بوب ديلان، فقط، بجائزة «نوبل» في الأدب، وكتّاب عظماء مثل دون ديليلو، وروبرت روس، وجيمس أوتس، وكورماك مكارثي، وبول أوستر، بينما غيرهم آخرون فاتتهم جميعاً جائزة «نوبل»، وحتى الكتّاب العظماء، مثل فيليب روز، لم يعتدّ بهم من قِبَل حكام جائزة «نوبل»، فضلاً عن هاروكي موراكامي.

وبعد حصول الكاتب كازوو إيشيغورو على الجائزة، باعتباره كاتباً بريطانياً ويابانياً في آن معاً، تقلَّصت فرصة حصول هاروكي موراكامي على «نوبل»، والأقرب للترشيح من هاروكي موراكامي، الكاتبة اليابانية يوكو تاوادا، وهي متخصِّصة في كتابة الشعر والروايات، وتتبع طريقة الكتابة التجريبية، وتمتلك حسّاً بالتطوُّر الأدبي، وتعيش، حاليّاً، في ألمانيا

لم يتمكَّن أدونيس، ونغوجي، وبيتر كاري، وغيرهم من الحصول على «نوبل» لأسباب مماثلة، وجميعم بارزون في مناطقهم الخاصّة، ويرمزون إلى قوّة أدبية في المناطق الهامشية للعالم الأدبي التقليدي، ومنها: سورية وإفريقيا وأستراليا، وحصولهم على «نوبل» لن يثار حوله الجدل أو اللغط، لكن، من منظور الابتكارات الأدبية، ما زال بشأنهم تحفّظات من قِبَل لجنة التحكيم.

ومن بين الكتّاب الصينيين المتوقَّع أن يتنافسوا على الترشيح للجائزة ؛ يان ليان كه، وتسان شويه، ولي روي، ويو هوا. ومن المرجح، نسبيّاً، أن يتنافس يان ليان كه، وتسان شويه، على الجائزة، لان أسلوبهما الأدبي يقترب من نكهة الجوائز الأوروبية الكبرى؛ فهما يسيران على خطى الأدب الحديث الذي ابتكره كافكا، وجويس، وفولكنر، وغيرهم آخرون. ومن حيث المحتوى الأدبي، تجسِّد أعمالهم مفهوم «الصين في عيون الغرب»، وهي أعمال ستلتمع أمام أعين حكّام الأدب الأوروبيين، ورغم هذا فإن احتمال فوزهم، في السنوات الأخيرة، كان ضئيلاً جدّاً، لأن أعمالهم الأدبية لا ترقى فوق مستوى كتَّاب آسيا وأوروبا، و- ربَّما- كتَّاب هذه المناطق هم في أمَسَّ الحاجة لحصد الجائزة.

تاريخ جائزة «نوبل» والجدل: المركزية الأوروبية وأدبيات التدخُّلات السياسية

بعد تغيير لجنة تحكيم الجائزة، بدأت تولي عناية أكبر من الناحية الجغرافية بالكتاب، حيث المناطق غير الناطقة بالإنجليزية، لكن- بشكل عام- ما زال أدب المناطق الناطقة بالإنجليزية هو محور اهتمام جائزة «نوبل»، وعلى مدار التاريخ، كانت المركزية الأوروبية أمراً واضحاً. قبل الحرب العالمية الثانية، كانت جائزة «نوبل»، في الأساس، لعبة أوروبية، قبل عام 1939 – باستثناء طاغور، من الهند (فاز بالجائزة عام 1913)، وسيم لويس، من الولايات المتَّحدة (فاز بالجائزة في عام 1930) – كان بقيّة الفائزين من الأوروبيين، وتركَّزوا في أوروبا الغربية وشمال أوروبا.

بين عامَيْ 1901 و 1939 ، مُنحت جائزة «نوبل» للفرنسيين، ست مرَّات (برودوم، وفردريك ميسترال، وموريس ماترلينك،  ورومان رولان، وأناتول فرانس، وروجه مارتين دوغار)، تَمَّ منحها ثلاث مرّات للسويديين (لاغرلوف، وهايدنستام، وألفيلد)، كما مُنحت للنرويجيين (يورنستيارنه بيورنسون، وكنوت همسون، وسيغريد آوندست) ثلاث مرّات. والآن، راح هؤلاء الكتَّاب في غياهب النسيان، ولم يعد أحد يتذكَّرهم، وفي الوقت الذي فضَّلهم فيه حكام جائزة «نوبل»، كانوا قد نحّوا كلّاً من تشيخوف، وبروست، وكافكا، وجويس، وتولستوي، ولوشون، جانباً. منذ عام 1950، كانت أكثر الدول تفضيلاً لجائزة «نوبل» هي المملكة المتَّحدة (سبعة فائزين: راسل، وتشرشل، وكانيتي، وويليام جولدينج، ونايبول، وليسينج، وكازوو إيشيغورو)، ثم فرنسا (ثمانية فائزين: مورياك، وكامو، وسانت جوان بيس، وسارتر، وكلود سيمون، وجاو شينغ جيان، وكليزيو​​، وموديانو)، ثم الولايات المتَّحدة الأميركية (همنغواي، وشتاينبك، وسول بيلو، وسينجر، وبرودسكي، وتوني موريسون، وبوب ديلان)، وبلدان أخرى تأتي في المرتبة الوسطى، بينما تأتي كلٌّ من إيطاليا وإسبانيا والسويد في المرتبة الثانية. ومن حيث المساواة بين الجنسين، تفوق الرجال على النساء، فقد انعكست معاناة المرأة في الأدب في تحكيم جائزة «نوبل»، وفي الأربعة عشرة سنة، الأخيرة، تبوَّأ الكتَّاب الرجال تسعة مقاعد من أصل أربعة عشر مقعداً، لكن الأمر الذي يدعو إلى الأمل، هو أنه، خلال سبع سنوات، حصدت الجائزةَ ثلاثُ كاتبات، وهذا يشير إلى أن جائزة «نوبل» شرعت تولي اهتمامها بالمرأة. يطمح العديد من الكتَّاب إلى الحصول على جائزة «نوبل»، وفي الوقت نفسه هناك بعض الكتَّاب يجرؤون على رفض الجائزة أو الاستخفاف بها والتقليل من شأنها، فقد سبق أن رفض المفكِّر الفرنسي سارتر الجائزة، وبعد أن علم الكاتب الإفريقي كوتزي أنه حصل على الجائزة، قال في استخفاف: «هذا أمر غير متوقَّع، على الإطلاق. لم أكن أعلم حتى بأمر الإعلان عن الجائزة».

في الذكرى المئة والعشرون لجائزة «نوبل»، ماذا تعني «نوبل» للكُتّاب، ودور النشر، والقرّاء العاديِّين؟

تصادف، هذا العام، الذكرى المئة والعشرون لجائزة «نوبل». ولكونها جائزة أدبية عريقة، وعلى الرغم من الجدل الواسع الذي شهدته، ما زالت، حتى اليوم، أكثر مؤشِّر أدبي يتمتَّع بقوّة تأثير عالمية. أمّا بالنسبة إلى الكتَّاب الجادّين، فهي فرصة ذهبية لزيادة مبيعاتهم، وبالنسبة إلى القرّاء العاديِّين، تجعلهم يتعرَّفون، بصورة أكبر، على أعمال أدبية شائقة، وبالنسبة إلى دور النشر، ليست فرصة لبيع الكتب، فحسب، بل هي فرصة لتقديم الأدب الجيّد، والترويج للكتَّاب الكلاسيكيِّين. وعلى الرغم من أن الكاتب النرويجي لازلو بولغار يتمتَّع بشهرة عالية، داخل أوروبا، ويُعَدّ رائداً من روّاد الأدب الكلاسيكي، لم تترجَم، حتى الآن، سوى ثلاث روايات، فقط، من أعماله، وتَمَّ نشرها في الصين، بينما الكاتب كازوو إيشيغورو، الحاصل على «نوبل»، في 2017، تُرجِمت روايته من سنوات، ونشرتها دار نشر (ييلين). لكنها لم تحقِّق مبيعات مُرضِية، وعندما حصل على «نوبل»، تساءل الكثير من الصينيين: «من هو كازوو إيشيغورو؟»؛ ما يفسِّر أن الطريق أمام الترويج للأدب العالمي ما زال طويلاً، أمّا بالنسبة إلى المحرِّرين التسوقيِّين والمحرّرين المسؤولين، فتقع على عاتقهم مسؤولية بيع الكتب الجيّدة، والترويج لها بين القرّاء، ولأن جائزة «نوبل» تأتي، مرّة واحدةً، كلّ عام، من الصعب أن يفوّتوا هذه الفرصة.

وبعد جائزة «نوبل»، عمل محرّرو دور النشر على الترويج لبوب ديلان، وتوكار تشوك، وبيترهانديك؛ لأن هذا هو الوقت الذي يمكن أن ترى أعمالهم في يد العديد من القرّاء خارج دور النشر، والأوساط العلمية، ووسائل الإعلام. قبل فوز توكار تشوك بـ«نوبل»، لم تتخطَّ المبيعات، داخل الصين، سوى بضعة آلاف نسخة، لكن نسبة البيع قد تضاعفت بعد حصولها على الجائزة، وفجأةً قفزت إلى عدّة أضعاف، وخلف هذه المبيعات، ربَّما، هناك عشرات الآلاف من الأشخاص لم يقرأوا أعمالها، طيلة حياتهم، لكن، في النهاية، سيتسنّى لهم قراءتها، بينما لا يولون اهتماماً بالكتّاب الذين لم يحالفهم الحظّ، وحصلوا على الجائزة. العالم، بأسره، يهتمّ بالجوائز، خاصّة الجوائز الرسمية المعترف بها على المستوى العالمي، وإذا فكَّرنا في الأمر، بعض الشيء، فسنجد أن حصول الكاتب على جائزة أمرٌ يدعو إلى الفخر، ويمكن التباهي به، فربَّما لم يختلف المستوى الأدبي للكاتب، هذا العام، عن العام الفائت، لكن- بسبب حصوله على الجائزة- ينظر إليه العالم بعيون مغايرة. وهناك البعض يروِّجون الشائعات حول دخول بعض الكتَّاب الصينيين إلى قائمة الترشيحات لـ«نوبل»، ليثيروا فرحة الشعب الصيني، لكن إذا تَمَّ الكشف عن حقيقة هذه الشائعات، فسيصاب المتابعون بخيبة أمل كبيرة، وكأن الكاتب قد فقد شيئاً، لأنه خيَّب توقّعاته. وعلى الرغم من أن الكتَّاب العظماء مثل كافكا، وجيمس جويس، وبروست، وهيرمان بلوخ، لم يحصلوا على جائزة «نوبل»، لم يضرّ هذا بأدبهم، بل- على العكس- قد أظهر حيويّة أعمالهم، وقوَّتها.

بعد مئة عام، بعضٌ ممّن نالوا الجائزة قد خبا نجمهم الساطع، لكن أعمالهم ظلَّت باقية تسطع وتنير للأجيال اللاحقة، وصاروا أفضل بكثير من أقرانهم الذين تجاوزوهم شهرةً، وطغت قوَّتهم في تلك السنوات المنقضية، وعندما نفكِّر في الأمر، سنجد أن التقدير الذي يمنحه الزمن للكاتب، هو أغلى ثناء يحظى به.

لي مو ياو، ترجمة: ميرا أحمد

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

■■

عن الشعر، والشيخوخة، ومفاجأة «نوبل»

«إنني اجتماعية للغاية، وكوني أكره إجراء الحوارات لا يعني، بالضرورة، أنني شخص انطوائي». «لويز غلوك»، قبل إجراء الحوار.

في صباح يوم الثلاثاء، الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، 2020، فازت «لويز غلوك» بجائزة «نوبل» للآداب. اصطفَّ الصحافيون في الشارع حول منزلها، في كامبريدج، بماساتشوستس، ولم يتوقَّف هاتفها لحظةً عن الرنين. كان الأمر أشبه بهجوم ضارٍ، وقد وصفته «غلوك» بأنه «كابوس».

ولكن، من الآن فصاعداً، يجب أن تعتاد على الإشادة بها. ففي مسيرتها، التي استمرَّت لأكثر من خمسة عقود، نشرت أكثر من عشرة مجلَّدات شعرية، وحصلت، تقريباً، على كلّ جائزة أدبية مرموقة، من بينها  جائزة «بوليترز» عن مجموعتها «القزحية المتوحِّشة» عام 1992، وجائزة «ناشيونال بوك كريتيك سيركل» عن مجموعة «انتصار آخيل» عام 1985، بالإضافة إلى جائزة الكتاب الوطنية، والوسام الوطني للعلوم الإنسانية، وجوائز أخرى.

يقول «جوناثان جالاسي»، صديقها المقرَّب ومحرِّر أعمالها، ورئيس شركة «فارار وستراوس وجيرو» للنشر: «شِعرها يشبه حواراً داخليّاً- ربّما- يجري بينها وبين نفسها، وربّما بينها وبيننا، وهناك مفارقة في هذا الأمر. أمّا الشيء الوحيد الثابت، في كلّ أعمالها، فهو وجود ذلك الصوت داخلها».

كانت الأشهر القليلة الماضية، في حياة، «غلوك» عصيبة، فهي المُطلَّقة التي تعيش بمفردها، والتي كانت معتادة- قبل الوباء- أن تتناول عشاءها، مع أصدقائها، ستّ ليال في الأسبوع. وقد حاولت، عبثاً، أن تكتب خلال أشهر الربيع، ثمّ عادت لكتابة القصائد، مرّة أخرى، في أواخر الصيف، فكانت النتيجة مجموعة شعرية جديدة تحت عنوان «Winter Recipes From the Collective»، والتي تخطِّط شركة «فارار وستراوس وجيرو» لإصدارها في العام المقبل.

«كلّ ما آمله هو أن يُختَم شقاؤنا بمعنًى جميل يرضينا ويُسعدنا». – لويز غلوك

تحدَّثت «غلوك» إلى صحيفة «التايمز» بعد ساعات قليلة من إعلان فوزها بجائزة «نوبل». وفيما يلي مقتطفات من الحوار:

 

كيف كان وقع الخبر عليك، في أوَّل الأمر؟

– في هذا اليوم، تلقَّيت مكالمة هاتفية في حوالي السابعة إلّا ربعاً، صباحاً، وكنت قد استيقظت للتوّ. وعندما رفعت سمّاعة الهاتف، قدَّم المتَّصل نفسه قائلاً إنه أمين عام الأكاديمية السويدية التي تمنح جائزة «نوبل»، وأردف قائلاً: «أهاتفك لأخبرك بأنك، اليوم، فزتِ بجائزة «نوبل» للآداب». لا أتذكَّر، بالضبط، ماذا قلت له، لكنني شككتُ في الأمر، برمَّته. أظنّ أنني لم أكن مهيَّأة لتلقّي خبر كهذا.

كيف كان شعورك بعد إدراكك أن الأمر حقيقي؟

– شعرت باندهاش تامّ؛ ذلك أنهم اختاروا كاتبة شعر غنائي، أميركية، وبيضاء، أيضاً! هذا غير منطقي. والآن، يعجّ الشارع الذي أقطن فيه بالصحافيين، ويستمرّ الناس في إخباري بأنني متواضعة، لكنني، في حقيقة الأمر، لستُ كذلك؛ فأنا، فقط، أنتمي إلى دولة مرموقة، لا يسعني أن أفكِّر فيها بطريقة حميمية، الآن، كما أنني امرأة بيضاء، ونحن- البيض- نحصل على غالبية الجوائز غالباً، ومع ذلك، فقد ظننت أن فُرصتي للفوز بمثل هذه الجائزة ضعيفة، للغاية.

كيف كانت حياتك طيلة هذه الأوقات العصيبة، والعزلة التي دامت، لشهور، في ظلّ الجائحة؟ هل تمكَّنت من الكتابة خلالها؟

– إنني أكتب على نحو متقطِّع، في العموم؛ لذلك ليست الكتابة عندي نظاماً ثابتاً. فقد استغرق مني كتاب واحد ما يقرب من أربع سنوات، وقد أرّقني هذا الأمر. ثم في أواخر يوليو/تموز، وأغسطس/آب، تدفَّق مني سيل من القصائد، بشكلٍ غير متوقَّع، وتراءى لي، فجأةً، كيف يمكنني تهيئة هذه المخطوطة وإنهاؤها. كان الأمر أشبه بمعجزة!، ولكن «كوفيد» أودى بشعوري بالنشوة والارتياح؛ حيث كنت أخوض معارك يوميّة مع الخوف والقيود اللازمة التي فُرضت على حياتي اليوميّة.

ما موضوع المجموعة الشعرية الجديدة؟

– موضوعها هو الانهيار. هناك الكثير من الرثاء في هذا الكتاب، والكثير من الهزل، أيضاً، والقصائد نفسها سريالية، للغاية.

منذ عهدي بالكتابة وأنا أكتب عن الموت؛ فبالرغم من أني كنت طفلة مفعمة بالحياة، كنت كثيراً ما أكتب عن الموت منذ بلوغي سنّ العاشرة. أمّا عن الشيخوخة، فهي أكثر تعقيداً؛ إنها ليست مجرَّد حقيقة، مفادها أنك أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الموت، بل مفادها أن جميع الملكات العقلية التي اعتمدت، دوماً، على صحّة الجسد والعقل أصبحت، الآن، عرضةً للخطر والتهديد، ومجرَّد التفكير في هذا الأمر والكتابة عنه يثير اهتمامي، بشكلٍ كبير.

تستمدِّين الإلهام من الأساطير الكلاسيكية في الكثير من أعمالك، وتنسجين، في قصائدك، شخصيات أسطورية مع القصائد الحميمة التي تدور حول الروابط العائلية والعلاقات العاطفية. ما الذي يجذبك إلى تلك الشخصيات الأسطورية؟ وكيف يمكن لهذه القصص أن تعزّز ما تحاولين استكشافه، والتواصل معه، من خلال شعرك؟

– يقتات كلّ كاتب على ذكرياته القديمة، كالأشياء التي دفعته نحو التغيير، أو لمست قلبه، أو غمرته بالسعادة العارمة. أمّا عن طفولتي، أنا (شخصياً)، فقد تركت الأساطير الكلاسيكية، التي قرأها لي والدي، بصماتها، في وقت مبكِّر، فكنت أقرأ الأساطير اليونانية بأعين والديَّ، وواصلت قراءتها، بمفردي، بعدما تعلَّمت القراءة. كانت شخصيات الآلهة والأبطال أكثر وضوحاً، بالنسبة إليّ، منها بالنسبة إلى الأطفال الصغار الآخرين الذين يقطنون جزيرة «لونغ آيلاند»؛ أي أن الأمر لا يعني أنني مشدوهة لأمور اكتشفتها مؤخَّراً وأردت إدراجها في أعمالي، لأمنح قصائدي نوعاً من الصقل؛ إنما كانت تلك الأساطير هي القصص التي تُروى لي قبل النوم في طفولتي. وبعض من هذه القصص كان لها تأثيرها الخاصّ، لا سيَّما قصّة «بيرسيفون»(1)، فأصبحت أكتب عنها، من آن إلى آخر، على مدار خمسين عاماً. وكنت كثيرة الشجار مع والدتي، شأني في ذلك شأن كلّ الفتيات الطموحات. وأعتقد أن هذه الأسطورة، بالذات، أضافت جانباً جديداً إلى تلك المشاجرات؛ فكنت، عندما أكتب، لا أشكو من والدتي، إنما أشكو من «ديميتري»(2).

البعض يقارن أعمالك بأعمال «سيلفيا بلاث»، كما يصفون أشعارك بأنها طائفية وحميمة. إلى أيّ مدى أوردت تجاربك الشخصية في أعمالك؟ وإلى أيّ مدى تستقصين القضايا الإنسانية العالمية؟

– غالباً ما يعتمد المرء على تجاربه الشخصية، بدءاً من مرحلة الطفولة، لأنها هي جوهر الحياة. أمّا أنا، فأنقّب في التجارب التوراتية، وأعتقد أن معاناتي وسعادتي ليستا فريدتَيْن من نوعهما، كما أنني لست مهتمّة بتسليط الضوء على نفسي أو على حياتي الشخصية، بل على معاناة البشرية، وسعادتها جمعاء؛ حيث يجيء المرء إلى الحياة بغير إرادته، ويخرج منها بغير إرادته أيضاً. أعتقد أنني أكتب كثيراً عن الفناء، ربَّما، لأن وقع الصدمة عليَّ كان رهيباً عندما أدركت، في طفولتي، أن هذا كلّه لا يدوم إلى الأبد، ولن يدوم.

لقد جرَّبت أنماطاً شعرية مختلفة خلال مسيرتك المهنية، ومع ذلك يظلّ صوتك الشعري متميّزاً، ولا لبس فيه. فهل كان هذا الجهد متعمَّداً وبوعيٍ منكِ، لتحفيز نفسك عن طريق تجربة أنماط شعرية مختلفة؟

– نعم. أفعل هذا دائماً؛ فالمرء يكتب ليصبح مغامراً، وأنا أعشقُ الترحال إلى أماكن لا أعرف عنها شيئاً، وأرغب في أن أكون غريبة على أرضٍ غريبة. ومن الأشياء الجيّدة القليلة التي أودّ قولها، عن الشيخوخة، أنها تمنحك تجربة جديدة. رغم أن التضاؤل ليس بالأمر الممتع الذي يترقَّبه الجميع، إلّا أن هناك أموراً جديدة تحدث خلال هذه المرحلة، وهذه الأمور، بالنسبة إلى الشاعر أو الكاتب، لا تُقَدَّر بثمن. أعتقد أنه يجب عليَّ أن أكون متفاجئة، دائماً، وأن أكون- بطريقة ما- مبتدئًة، مرّة أخرى، وإلّا فسأنفجر باكية. وهناك أوقات، كما تعلم، أفكِّر فيها في كتابة قصيدة ما، وبعد الانتهاء منها أدرك أن هذه القصيدة قد كتبتها من قبل.

ما الطُّرق التي جعلتك تشعرين بأن الشيخوخة دفعتك لاستكشاف مناطق جديدة، بوصفك شاعرة؟

– مثلاً، أن أجد نفسي، من حين إلى آخر، قد نسيت بعض الأسماء، وأن العبارات مليئة بالثغرات الشاسعة في منتصفها، وبذلك يتوجَّب عليَّ؛ إمّا إعادة هيكلة الجملة، أو إقصاؤها. ولكن بيت القصيد، هنا، هو خوض هذه التجربة، فمثل هذه الأمور لم تكن تحدث لي من قبل. وعلى الرغم من أنها تجربة كئيبة ومزعجة ولا تُبشِّر بالخير، إلا أنها لا تزال مثيرة وجديدة من وجهة نظر كلّ فنَّان.

غالباً ما يوصف أسلوبك بأنه متقطِّع أو مختصر. هل هذا هو الصوت الداخلي الذي يأتي إليك، بشكل طبيعي، في أوقات الكتابة، أم أنها مهارة طوَّرتِها وشذَّبتِها بنفسكِ؟

– قد تكون أشعاري مختصرة، في بعض الأحيان، وهذا صحيح؛ لأنني، أحياناً، أكتب بشكل تحاوري، ولكن هذا الصوت الداخلي لا يمكنني مجاراته دائماً؛ ولذلك تجد الجملة لنفسها طريقة ما للتحدُّث عن نفسها، ومن الصعب مناقشة هذه المسألة المتعلِّقة بالصوت؛ ذلك أن هذا الصوت، غالباً ما يكون مبهماً، للغاية. أظنّ أنني شغوفة بالأساليب الشعرية، وأشعر، دائماً، بمتانتها؛ فالقصائد التي هزَّتني، كليّّاً، لم تكن الأثرى بألفاظها، وهذا تمثَّل بشعراء، منهم «بلايك»، و«ميلتون»، ممَّن برعوا بأسلوبهم، وهذا ماكان سبباً لانتشار أساليبهم الشعرية.

قمتِ بالتدريس في جامعة «ييل»، وتحدَّثتِ عن دور التدريس في مساعدتك للتغلُّب على الصعوبات التي واجهتِها في أثناء كتاباتك. حدِّثيني عن دور التدريس في حياتك، بوصفك شاعرة؟

– يجب أن ينصبّ تفكير المُعلم، باستمرار، على ما هو جديد وغير متوقَّع، كما يجب عليه إعادة ترتيب أفكاره حتى يتمكَّن من استخلاص ما يثير اهتمام الطلّاب. كان طلّابي يُدهشونني، بل يُبهرونني!، وعلى الرغم من أنني لم أستطيع الكتابة، بشكل دائم، لكنني قادرة، دوماً، على قراءة كتابات الآخرين.

شكراً جزيلاً على وقتك. هل تودِّين إضافة المزيد؟

– أردتُ ألّا أنبس بكلمة، ولكنكِ جئتِ وجعلتِني أفيض بما كتمت، ولم يُكفِك هذا، بل تريدين المزيد! لا مزيد عندي. وإذا كانت هناك حاجة ملحّة لقول شيء ما، فإنه يخرج مني في شكل قصائد. أمّا البقيّة، فما هو إلّا مجرَّد ترفيه.

 

حوار: ألكسندرا ألتر، ترجمة: قمر عبدالحكيم

المصدر:

صحيفة ذا نيويورك تايمز

هوامش:

1 – «بيرسيفون»، هي ابنة «زيوس»، و«ديميتري» في الأساطير الإغريقية.

2 – «ديميتري»، إلهة الطبيعة والنبات والفلاحة عند الإغريق.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

■■■

القليل من الشّعر في عالم المتنمِّرين

 

عندما فاز «شاول بيلو» بجائزة «نوبل» في الأدب، عام 1976، قال: «بداخلي طفل مسرور، وراشد متشكّك». واعتبرها «إهانة خفيّة لبعض كتَّاب القرن العظماء الذين لم يحصلوا عليها». ولطالما كانت «لويز غلوك»، التي فازت بالجائزة، هذه السنة، متشكّكة، منذ فترة طويلة، من كلّ الثناء على أعمالها. في مقابلة، عام 2009، قالت: «عندما قيل لي إن عدد قرّائي كبير، قلت في نفسي: هذا رائع ، سأصبح «هنري وادزورث لونغفيلو» الجديد: شخص يسهل فهمه، يسهل الإعجاب به، من نوع التجربة المخفّفة المتاحة للكثيرين. لكني لا أريد أن أكون «هنري وادزورث لونغفيلو». آسفة، يا هنري، لكنني لست كذلك، فقد اعتقدت أن الثناء على عملي، ربَّما، كان بسبب عيب فيه».

بعد خمس سنوات صاخبة اتَّسمت بالجدل والفضائح الأخلاقية، تكافئ أكاديمية «نوبل»، هذه السنة، «لويز غلوك»، الشاعرة التي نالت استحساناً، بالإجماع، وهي- بذلك- أوّل شاعرة تفوز بجائزة «نوبل» في الأدب، منذ فوز السويدي «توماس ترانسترومر» بها عام 2011، وأوّل أميركية تفوز منذ فوز «توني موريسون» عام 1993. ويتَّفق الجميع على أنه كان من الصعب، للغاية، توقُّع اسم صاحب الجائزة هذا العام، وسط تخمينات واحتمالات شتّى. هل ستختار الأكاديمية السويدية، التي أزعجها النقَّاد، شخصية أكثر توافقيَّة، أكثر أصالة، أم أنها ستواصل في نهجها، حيث التمثيل الزائد للكتَّاب الأوروبيِّين (خمسة من أصل جوائزها الأخيرة الستة)؟ في الأخير، اختارت الأكاديمية المرشَّحين الغامضين بالنسبة إلى المشاهير، رغم تداول أسماء كبيرة مثل «موراكامي» أو «ميلان كونديرا» الفرنسي- التشيكي، دون جدوى.

الشاعرة الأقلّ إزعاجاً على (انستغرام)

لا يمكن أن تسبِّب «لويز غلوك» ضجّة، بالحجم نفسه الذي كان للمتوَّجين في السنوات القليلة الماضية؛ فهذه الشاعرة الأميركية المعاصرة قد حصلت، بالفعل، على العديد من الجوائز المرموقة، بما في ذلك جائزة «بوليتسر»، في عام 1993، عن مجموعتها «L’Iris sauvage». وفي تعليقه على الحدث، كتب الناقد الأميركي «أليكس شيبارد»، بأسلوبه الناعم، عن «لويز غلوك»: «لقد كانت أقلّ الشعراء، الذين يتمّ الاستشهاد بهم على (انستغرام)، إزعاجاً».

وُلِدَت «لويز غلوك» عام 1943، في «نيويورك»، لعائلة يهودية مجريّة، ونشأت في «لونغ آيلاند». وفي سنوات المراهقة، عانت من فقدان الشهية، لفترة طويلة، وهي تجربة صعبة عطّلت دراستها طويلاً، لكنها آثرت كتاباتها. وفي عام 1968، ظهرت على الساحة الأدبية، بمجموعة أولى، عنوانها «البكر».

وفي غضون 50 عاماً، نشرت «لويز غلوك» عشرات المجموعات، بما في ذلك «أفيرنو» (2006) ، وهي تفسير رؤيوي لأسطورة «بيرسفوني»، ونزولها إلى الجحيم بعد أن يأسرها «هاديس» إله الموت، وكذلك «الليل الصادق والفاضل». تتميّز قصائدها بطابعها الشخصي، للغاية، وغالباً ما تكون بضمير المتكلّم، وتميل إلى التحليل النفسي بقدر ما تتأثَّر بأبيات «إميلي ديكنسون» أو «ريلكه»، بموضوع الخسارة، وكذلك بدوافع كلٍّ من الطبيعة، والأنوثة، بأسلوب واضح وبعيد عن التكلّف. الطفولة، والأسرة، والعلاقة الوثيقة مع الوالدين والأشقّاء، هي أفكار رئيسية في أعمال «لويز غلوك». ركَّزت «غلوك»، في عملها، على إلقاء الضوء على جوانب الصدمة، والرغبة، والطبيعة، واشتهر شعرها بتعبيراته الصريحة عن الحزن والعزلة. وركَّز النقَّاد، أيضاً، على بنائها للشخصيات الشعرية، والعلاقة في قصائدها بين السيرة الذاتية والأسطورة الكلاسيكية.

ويمكن أن نرى تشابهاً كبيراً وارتباطاً واسعاً بين «غلوك» والسويدي «توماس ترانسترومر»، الحائز على جائزة «نوبل» في الأدب، عام 2011، بتركيزهما على مشاكل الحياة اليومية بدل المشاركة المباشرة في القضايا السياسية، والقضايا الاجتماعية. في الظاهر، رغم ذلك، لا يبدو «موريسون» و«غلوك» أكثر اختلافاً، حيث يكشف عمل «موريسون» عن الندوب الدائمة والطابع الراسخ للصدمة الأميركية، في حين يتميّز عمل «غلوك» بالهدوء والمحلِّيّة، ويفتقر- على ما يبدو- إلى تلك اللوحة الواسعة، والمشاركة الاجتماعية، والمشاركة السياسية.

لكننا، بالنظر إلى ما وراء السطح، نتبيّن صلات بين الكاتبَيْن، ونقاط تشابه كثيرة. منذ بدايات قصائدها، اهتمَّت «غلوك» برسم ما يعنيه أن تعيش، بوصفك فرداً، في أميركا. إنه شكل دقيق ومحكوم من الشعر الغنائي، يهتمّ بما لم يكن من الممكن قوله مثل ما قيل، وبالطرق التي يطارد بها الأخير الأوّل، ويشكّله. تكتب «غلوك»: «لا أحبّ أن أكون محكومة باليقين». نحن نعيش في عصر، يسود فيه اليقين على أيّ شيء آخر، تقريباً. يبدو أننا نرغب، على سبيل المثال، في التأكُّد من وجود لقاح ضدّ «كوفيد 19»، واليقين بأن الوباء سينتهي، واليقين بأننا لن نموت.. على الأقلّ، ليس الآن، وليس هكذا.لكن هناك شيئاً مهمّاً للغاية: عندما نتذكّر أن الحياة، بكلّ أشكالها: الاجتماعية، والسياسية، والشخصية، تظلّ غير مكتملة، وغير مؤكَّدة، ومعدّلة إلى ما لا نهاية. في «حكاية البجع»، ضمن مجموعتها، لعام 1996، «Meadowlands – ميدولاندز»، تعيش بجعة وزوجها «على بحيرة صغيرة خارج / خريطة العالم». يقضي زوج البجع الكثير من الوقت في تأمُّل ذاتيّ، وأحياناً يتأمَّل أحدهما الآخر. بعد عشر سنوات «هاجما / الماء اللزج».

وتكمل:

عاجلاً أم آجلاً، في فترة طويلة

من الحياة معاً، يواجه كلّ زوجَيْن

بعض الطوارئ كهذه: شكل

من الدراما التي توقعنا

في أذى.

إنها حكاية عن الحياة الأسريّة، مدمِّرة في صراحتها، وأكثر دماراً عندما نعلم بوجود مثل هذه الحالات الدرامية خلف معظم الأبواب المغلقة، والتي لا تظهر إلّا عند فتح الباب، فقط، لنظهر بوجه عامّ لا يعرض سوى التملُّك والاطمئنان.

الفرد المُعَولَم

بعد إعلان تتويجها، رحّبت لجنة «نوبل» بالشاعرة «غلوك»، وأشادت «بصوتها الشعري المميَّز، والذي يُضفي- بجماله المجرَّد- طابعاً كونيّاً على الوجود الفردي»، وهو توصيف شامل، يمكن قوله عن الكثير من الشعر الغنائي. ولكن اهتمام «غلوك» بالتجربة الفردية كان مميّزاً، على مَرّ السنين، فهي تؤكّد أن كلّ شيء، حتى في حياتنا الخاصّة، يتأثَّر (ويتشكّل) بالمجال العامّ. وبغضّ النظر عمّا قد يدَّعيه البعض من أفكار عكس ذلك، فنحن جميعاً نتاج العالم من حولنا.

وتسلّط «لويز غلوك» هذا الضوء على مثل هذه التأثيرات والعواقب؛ لا بدافع إخبارنا، فحسب، بل لتكشف لنا عن كيفية القيام بذلك. إنه تصحيح متواضع لخطابات السّلطة، التي غالباً ما تكون ذكورية، والتي تصبغ أشياء كبيرة ممّا يتم تشجيعنا على اعتبارها مهمّة، وتفسدها. كلّ فرد من المجتمع مسؤول عن الطريقة التي يختار العيش بها، أو كما قالت الشاعرة في «حكاية البجع»: «الحبّ هو عمل المرء».

بعيداً عن الجدل

ويبدو أن جائزة «نوبل» تسعى إلى ترميم صورتها، بعد الكثير من الانتقادات التي وُجِّهت لها على خلفيّة اتّهامها بالتمييز والتحيُّز؛ ما طرح الكثير من التساؤل حول مدى التزام المؤسَّسة بالشفافية والنزاهة والمساواة. وبعد عامين من الخلافات الداخلية، والقرارات غير المفهومة، اختارت لجنة «نوبل» أن تسند الجائزة، هذه المرّة، إلى شاعرة، لم تكن مثيرة للجدل. وفي جانب آخر، اختارت اللجنة، عن قصد، تجنُّب ما كان يمكن أن يكون تدخُّلاً مباشراً مؤثّراً في المناقشات الضرورية حول التنوُّع والشمولية – مناقشات قد لا تتمّ بسبب رغبة بعض السياسيين المؤثّرين، على اعتبارهم يشنّون حرباً ضدّ الوباء.

لا شكّ في أن هذه الحجج ستجد صدى من هذا الجانب أو ذاك، لكن انتقاد الجائزة، على كلتا الجبهتين، يعني، أيضاً، إهمال الصفات، والصدى الخاصّ بعمل «لويز غلوك». إن تميّزها في الشعر الغنائي، يكشف عن جانب محدّد، للغاية، لطبيعة الحياة التي نختار أن نعيشها.

تكتب الشاعرة في السطور الأخيرة من قصيدة «الفجر»، عام 2008:

تصل إلى المنزل، فتلاحظ العفن.

بعبارة أخرى، فات الأوان.

وبكشفها المستور، تسمح لنا «غلوك» برؤية ما يتمّ تجاهله في كثير من الأحيان، والعواقب التي تنشأ من التهوّر، بسبب عدم الاهتمام بأنفسنا، والطريقة التي نعيش بها في هذا العالم.

نيكولاي دافي، ترجمة: مروى بن مسعود

المصدر:

theconversation.com

2020/10/9

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

■■■■

خسارة مُتجاوَزَة

 

يكتنفها الضوء والظلام في الوقت نفسه، الفائزة الأخيرة بجائزة «نوبل» في الأدب، تطلق صوتها دون صخب. لا تفرض يأسها الداخلي. قصائدها مضبوطة وصريحة، لكنها ليست أقلّ حدّةً وسرِّيّة. الوضوح مجرَّد مظهر. الصُّور تتسلّق، وتسمو، وترتقي مثل فصل الربيع الذي ينبع من الأرض، والذي لا يمكننا فهمه، أحياناً.

الحبّ في قصائد «لويز غلوك» (نيويورك، 1943)، لا يتجاهل نهايته أبداً، حتى عندما يكون كلّ شيء في بدايته. ما يمكن حبّه ينتهي به الأمر إلى التدمير على يد الإنسان. لا شيء ينجو. العلاقات الأسريّة، كما في ديوانها «أرارات»، مشحونة بالحزن؛ ربّما لأنها مليئة بالرغبات التي لم تتحقَّق، والموت الذي طرق أبواب المنزل في وقت مبكِّر جدّاً، وأحرق بمرورِه  كلّ أحلام البراءة.  قصائدها تصدح؛ «حيثُ يوجَدُ الانْشِقاق، يوجَدُ انْكِسار». نساء مجروحات  أصبحن قويَّات من خلال الاستيعاب في ذواتهن، وخاصّةً المرأة التي تحمل فراغ والدها، والتي تنظر إلى جمال والدتها، الذي يتحدَّث عنه الجميع.

الحسد موجود، أيضاً، في هذه العلاقات، مثل علاقة أختَيْن لم تتفاهما مُطلَقاً، أو الحسد الحتميّ للغضب، مقابل سعادة البشر، كما  نجدها في تلك القصيدة المسمّاة «اعتراف». ديوان «أرارات» هو تأريخ لعائلة «متخصِّصة في لزوم الصمت»؛ هي متخصِّصة  في تمثيل الأدوار الزائفة التي تنتهي بانقراض اللغة، أيضاً. هذا الطَّبع قد تَمَّ ارتداؤه منذ وقت مبكِّر، منذ أصبحت الذاكرة تعمل، و- ربَّما- أضحى ضروريّاً إنشاءُ لغة جديدة تقول «لويز غلوك»:

«الذي يَعود /

يَعودُ مِنَ النَّسْيان /

لِلعُثورِ على صَوْت».

بأسلوب أكثر تركيزاً على السمة السردية لأبياتها، على الرغم من أنه في الخطّ التأمُّلي العميق نفسه، هناك ديوان آخر يسمّى «ريّاض»، حيث يحضر النشوز نتيجة زواج غير متكافئ، والشعور بالوحدة  لتلك «القِوى المتعارضة» تحت أنظار الابن، في تجسُّد «تلماك»، الذي يترك العلاقة بين والدَيْه: «أوديسيوس»، و«بينيلوب» مُصاغةً ببعض الشفقة؛ والديه اللذين- بدورهما- يتناولان الكلمة للمُرافعة.

الرّوح، الجسد، الأشواك، الخطيئة، الذنب، المغفرة.. هي السِّمات، والفُتات الذي يبقى على طريق القراءة، علامات تربطها بعالم الدين وكلّ ما يعنيه فقدان الإيمان أو ما يتطلَّب ذلك. تفاهة الوجود. تظهر السماء التي يتمّ النظر إليها، دائماً، بحثاً عن شيء ما، «الأنت» التي لا تنتهي، أبداً، من الظهور، أو تفعل ذلك بصوتها الذي لا يرحم:

«كمْ مَرَّةٍ يَجِبُ أَنْ أُدَمِّرَ خَلْقي

لِأُعَلِّمَكَ

أنَّ عِقابك هذا هو:

إيماءَةٌ واحِدَةٌ تَكْفيني أنْ تَسْتَقِرّ

في الزَّمان وفي الجَنَّة»!

حُبٌّ قاسٍ وحَنون مثل كلِّ حبٍّ إلهي، والذي يتطلَّب، حتى يكونَ مُتَبادَلاً،

«تَعَلُّم الحُبّ،

والظَّلام، والصَّمْت»

«لويز غلوك»، مؤلِّفة أحد عشر كتاباً؛ سبعة منها مترجمة إلى الإسبانية من قِبَل دار النشر «Pre-Textos»، كما أنها أستاذة جامعية، تُعيد كتابة الأساطير وقراءة التقاليد التي كانت تتأمَّلها منذ أن كانت صغيرة، وتستلزِم ملاحظة حادّة لجوانب وتفاصيل معيَّنة لشخصيَّاتها. كما لو أن هذه الأشكال التي أدخلتها، في كتاباتها، كانت- بطريقة ما- الأصوات التي تجسِّد المناطق الغامضة للذات، وتترجمها. تُظهِر الحياة اليوميّة للحبّ، والطفولة المُصابة بالضَّرر، ولكن من منظور جديد يتضمّن صوّراً أخرى، هي صور حاضرها. يمرّ الوقت في قصائدها:

«من الفِعْلِ إِلى الدَّافِع /

وإِلى الأَمامِ، اتِّجاه قَرارٍ عادِل».

من الدواوين الأخرى التي تستخدم الأساطير للتحدُّث عن الحبّ والرغبة في الذات المنكسِرة، على سبيل المثال،«حياة جديدة أو أفيرنو»، التي نجد فيها قصائد تتحدَّث عن الكارثة، ومن خلالِها تحاول الشّاعرة تخليد آثار الحبّ؛ وتسمو كتابة هذه الأبيات كشكل من أشكال مقاومة القلب الذي تَصَلَّبَ بحكم الضرورة،  من أجل الاحتِماء من الضَّرَر، كما نجده، أيضاً. الحاجة إلى خداع النفس والاعتقاد بأن هذا الخداع، غالباً ما يُشكِّل سعادة، هي فكرة تتجاوز هذه الدواوين وغيرها؛ حاجة لحضور الحبّ، للاستمرار فترةً، ربَّما، بدافع الرغبة، بسبب الجزَع، قبل أن يُدَمَّر كلّ شيء. ومع ذلك، تحيا الأشياء، ولا شيء يمنع ظهور ومضات معيَّنة في الظلام «الخلفية الثابتة للقلب».

«غلوك»، باللغة الألمانية، تعني السعادة. ففي نهاية المطاف، الحبّ هو خطوة عبر النار التي تلتهم كلّ شيء، ومع ذلك، لا يمكنك أن تكون غافلاً، يمكنُك المشي بمفردك. دائماً، الصوت مفرد، وملفوف بالنور والظلام، في الوقت نفسه، تُخرجه الشاعرة لأنه من الضروري القيام بذلك، لبناء:

«كلّ شَيء، شَيْءٌ جَميل، صورَة /

قادِرَةٌ عَلى العَيْشِ بِمُفْرَدِها».

«لويز غلوك»، التي يقال عنها إنها تميل إلى الوحدة والانطواء، تطلق صوتها دون صخب، لا تفرض يأسها الداخلي. قصائدها مضبوطة وصريحة، لكنها ليست قليلة الحدّة والسرِّيَّة؛ كما لو كنّا، في قراءة أبياتها، نتعمَّق أكثر في حياتها أو في انعكاس حياتها على حياتنا، فهي تتوالى حتى يظهر (واحد أو اثنان أو ثلاثة) ليكسر التسلسل السردي بغرابته، ويكشف الصورة التي تحتويه، ويحمل معنى القصيدة بأكملها. الوضوح مجرَّد مظهر. الصُّور تتسلَّق، وتسمو، وترتقي مثل فصل الربيع الذي ينبع من الأرض، والذي لا يمكننا فكّ رموزه مرّات عديدة، و- مع ذلك- يمكننا أن نقدِّر روعته. مثل ذلك الحبّ الآخر أو نقص الحبّ، بالقدر نفسه من الشدَّة، ولكن الأكثر غموضاً، يحضر «الأنتَ» الذي يغطّي كلّ شيء، في خفائه إيمانٌ، و- ربُّما- ألوهية غير مسمّاة، ولكنها محسوسة في أبيات أحد دواوينها الأكثر أهمِّيةً وقوّةً، الذي جعلها فازت بجائزة «بوليتزر»، عام 1993، وهو «السوسن البرّي».

الطبيعَة، كانت، دائماً، شيئاً جوهريّاً في شعرها، ففي ديوان «السوسن البرِّي» لا تبدو الطبيعة أجمل، ولا حياديّةً أكثر من مواجهة الألم البشري. الفُقدان الذي يخترق الصفحات يزيد من لمعان الأوراق، والأنهار، وتغريد، الطيور وزهور السوسن؛ ولكننا، في الوقت نفسه، يمكننا- بالفعل- أن نُسقِط ذلك على بقية أعمالها.

كما بالنسبة إلى «إميلي ديكنسون – Emily Dickinson»، التي كانت حديقتها، قبل كلّ شيء، هي عالمها وعالم شِعرها، ومن هذا التأمُّل كانت ترى الباقي، وكلّ شيء؛  في قصائد «لويز غلوك»، الشيء الوحيد الذي يبقى، ويضيء عالمها هو رؤية الطبيعة التي نراها تتحوَّل وتزدهر وتذبل في دورة حياتها. وبطريقة ما، يُبقى الأمل، لدى الشاعرة، أمل الإبداع، ربَّما، هو الشيء نفسه الذي يترسَّب في الأحلام، ذلك العالم حيث لا حاجة فيه إلى أكثر من جسد الحالم، وروحه.

 

قصائد مختارة:

 

الرِّداء

(من ديوان «حياة جديدة»)

 

جَفَّت روحي..

مِثْلَ روحٍ أُلْقِيَتْ في النّار

ولَكِنْ لِيْسَ تَماماً..

لَيْسَ حَدّ الفَناء. مُتَعَطِّشَة

مَضَتْ قُدُماً. مُتَشَنِّجَة،

ليسَ بِسَبَبِ الوَحْدَة، ولَكِن بسبب عَدَمِ الثِّقَة،

نَتيجَةَ العُنْف.

الرُّوحُ، مَدْعُوَّة لِمُغادَرَة الجَسَد،

لِتَبْقى مَكْشوفَة، لِلَحْظَة،

تَرْتَعِشُ، كما كانَتْ مِن قبل…

تَمَّت غِوايَةُ الرُّوحِ، بسَبب وَحْدَتها،

بِوَعْدِ الصَّفْح.

كَيْفَ يُمْكِنُك أَنْ تَثِقَ، مَرَّةً، أُخْرى،

في حُبِّ كائِنٍ آخَرَ؟

ذَبُلَتْ روحي وتَقَلَّصَت.

أصْبَحَ الجَسَدُ رِداءً، أيضاً،

كبيراً

لها.

وعِندَما اِسْتَعادَت الأَمَل،

كان أمَلاً مُخْتَلِفاً تماماً.

 

 

السوسن البرّي

(من ديوان «السوسن البرِّيّ»)

 

 

في نهاية المُعاناة

باب في انتظاري.

اسمعني جيّداً: ما تسمِّيه الموت

أتذكَّره.

هناك، في الأعلى، ضوضاء، وأغصان الصنوبر تقشعرّ،

ثم لا شيء. الشمس الضعيفة

ترتجف على السطح الجافّ.

رهيب هو البقاء على قيد الحياة،

كضمير

مدفون تحت أرض مظلمة.

ثم انتهى كلّ شيء: ما كنتَ تخشاه:

أن تصير روحاً غير قادرة على الكلام،

ينتهي فجأةً. الأرض الصلبة

تنحني قليلاً، وما خِلتَه طيوراً

تغرق مثل أسهم في الشجيرات الواطئة.

أنت الذي لا تتذكَّر

مرور عالم آخر، أقول لك:

يمكن أن يتكلَّم، مرّةً أخرى، ما يأتي

من النسيان يعودُ

للعثور على صوت:

من وسط حياتي نبتَ

ربيع طريّ، وظلال زرقاء

وعميقة في زبرجد أزرق.

 

 

اعتِراف

 

القَولُ بِعدَمِ الخوفِ مِن أيّ شَيء

استِهانة بالحَقيقَة.

المرَض، الذُّلّ،

يُخيفانَني.

لديَّ أحْلام، مِثْلَ أيِّ شَخصٍ آخَر.

لكِنَّني تَعَلَّمتُ إخْفاءها

لِحِمايَتي

من الكَمال: السَّعادَة

تَجذِب  الغضَب.

إنَّهُنَّ أخَوات مُتَوَحِّشات،

أؤلئك اللّاتي ليْسَ لَدَيهنَّ مَشاعِر،

إلّا الحَسَد.

 

ميلاغروس أبالو، ترجمة: عبد اللطيف شهيد

 

المصدر:

https://bit.ly/3bgejgn

”تغيير مسار الطريق“ لويس سيبولفيدا

في يوم الثلاثاء: 17 مايو/أيار، 1980، غادر قطار «أنتوفاغاستا – أورورو» المحطّة التشيلية في رحلة روتينية. تألّفت القافلة من عربة البريد وعربة أخرى لشحن السلع وعربتَين لمسافري الدرجتين: الأولى والثانية،على التوالي.

كان عدد قليل جدًّا من الركّاب يسافرون فيه، ونزل معظمهم في «كالاما»، في منتصف الطريق الطويل حتى حدود «بوليفيا». وأولئك الذين بقوا، هم أربعة في عربة الدرجة الأولى، وثمانية في عربة الدرجة الثانية، استعدّوا للنوم متمدّدين على المقاعد، يهدهدهم، بمسرّة، اهتزاز القطار الذي سيصعد، ببطء متعب، ثلاثة آلاف من الأمتار بزيادة قليلة، إلى أن يصل إلى سفح بركان «أولاغوي» والمدينة التي تحمل الاسم نفسه.

وهنالك، كان على المسافرين الذين يرغبون في مواصلة رحلتهم إلى «أورورو» أن يركبوا قطارًا بوليفيًا، وسيستمرّ قطار «أنتوفاغاستا – أورورو» السريع، في سيره لمسافة مئة كيلومتر أخرى، تقريبًا، عبر الأراضي التشيلية حتى التوقّف في «أوخينا»، محطّة نهاية الرحلة. لماذا كان يُطلَق على القطار السريع اسم «أنتوفاغاستا – أورورو»، وليس- ببساطة- «أنتوفاغاستا – أوخينا»؟؛ ذلك شيء لم يفهمه أحد، على الإطلاق، ولا يزال الأمر مستمرًّا على هذا النحو.

كانت رحلة مملّة. لقد ماتت سهول «بامبا ملح البارود» منذ فترة طويلة، ولم تقدّم القرى المهجورة، حتى من قِبَل أشباح عمال المناجم، أيّ مشهد جدير بالذكر. حتى «الغواناكو»، الذين كانوا يعانون من السأم، أحيانًا، وهم يشاهدون عبور القطار بملامح تعبير بلهاء، كانوا ضجرين. كان المرء يرى واحدًا منهم كما لو أنه يراهم جميعًا.

كان يسافر، في عربة الدرجة الأولى، رجل وامرأة متزوّجان حديثًا. كانا يرغبان في التعرّف إلى بوليفيا (كانا يخططان للوصول حتى تياهواناكو)، وتاجر ملابس داخلية لديه قضايا عالقة في «أورورو»، ودارس متعلّم لحلاقة الشعر كان قد فاز بتذكرة ذهاب وإياب إلى «أوخينا» في مسابقة بالراديو. سافر حلّاق المســتقبل غير المقتنع كثيرًا بأن مثل هذه الجائزة تكافئ- إلى حدّ، ما وبشكل عادل- الإجابة الصحيحة على الأسئلة العشرين في مسابقة «السينما وأنت».

في عربة الدرجة الثانية، كان يحاول النوم ملاكمٌ من وزن «ويلتر»، والذي سيكون عليه، بعد ثلاثة أيّام، أن يواجه في «أورورو» بطل الهواة البوليفي من فئة الوزن نفسه، ومعه وكيله، والمدلّك، وخمس أخوات راهبات صغيرات من المؤسّسات الخيرية. لم تكن الراهبات ينتمين إلى الوفد الرياضي، فقد بقين في «أوياغوي» لممارسة بعض طقوس الخلوة الروحية.

كان القطار يحمل سائقين للقطارات، والمكلّف بعربة البريد، ومراقب التذاكر.

كانت قاطرة الديزل تسحب قافلة العربات بسلاسة، ودونما مشاكل. لقد قضوا، خلال رحلتهم، ثماني عشرة ساعة منذ أن غادروا «أنتوفاغاستا»، وكانوا يمضون بمحاذاة المنحدرات الأولى التي تحرس بركان «سان بيدرو» وارتفاعاته التي تشارف ستّة آلاف متر، تقريبًا. بقيتْ حوالي خمس ساعات أخرى من السفر، حتى يدخلوا «أوياغوي» مقلقين الخفافيش في أبراج الأجراس.

لاحظ سائق القطار الذي كان في القيادة، بغتةً، ظهور كتل من الضباب، لكنه لم يهتمّ بالأمر. لقد كانت كتل الضباب تشكّل تفاصيل روتينية، لكنه- تحسُّبًا لكلّ طارئ- أبطأ سرعة القطار. قائد القطار الآخر كان نائمًا وهو جالس، وعندما شعر بالحركة التي قام بها زميله، فتح عينيه.

– ماذا يحدث؟ اللامات المتوحّشة، مرّةً أخرى؟

– هناك ضباب كثيف جدّاً.

– تصرّفْ بشكل عاديّ. لا أقلّ ولا أكثر.

اقتحمت القاطرة كتل الضباب مثل سهم، واكتشف قائد القطار شيئًا غير عاديّ. شعاع ضوء العاكس لم يكن يخترق الضباب، بل كان يرتسم دائريًّا، كما لو كان يسقط على جدار رماديّ ورطب. وبشكل غريزي، زاد السائق تقليص السرعة إلى الحدّ الأدنى، وفتح رفيقه عينيه مرّةً أخرى.

– ماذا يحدث؟

– الضباب. لا شيء يُرى. لم يسبق لي أن رأيت ضبابًا بمثل هذه الكثافة.

– أنت على حقّ. من الأفضل أن توقف الآلة.

وهذا ما فعلاه. تراجع القطار بضع سنتيمترات، ثم توقّف.

فتح سائق القطار الذي في غرفة القيادة نافذة، وأطلّ برأسه محاولاً النظر نحو الحزمة الضوئية للشعاع، لكنه لم يرَ حزمة الضوء القويّة للأضواء الأمامية. في الواقع، لم يرَ شيئًا على الإطلاق. وفي حال من الذعر، أدخل من جديد رأسه. وعندما نظر إلى الأمام، لم يستطع، أيضًا، أن يرى العاكس مشتعلًا.

– يا للقرف! لقد احترقت شمعة الإشعال.

أخذوا شمعة إشعال جديدة وخرجوا إلى الممشى يحملان صندوق أدوات العدّة. كان الرجلان يحملان في أيديهما مصباحَيْن يدويَّيْن. أوّل الخارجين تقدّم خطوتَيْن ثم توقّف. كان يعتقد أن مصباحه قد تعطّل، لكنه لمّا وجّهَه نحو الأعلى، تأكّد من أنه كان مشتعلًا. لم يكن الضوء يتمكّن من اختراق الضباب، فقد كان يسلّط على بعد بضعة ميلليمترات من الزجاج، ثم يموت.

– شريكي، هل أنت هناك؟

– نعم، أنا خلفك، لكني لا أراك.

– أنا مفزوع . أعطني يدك.

تحسّسا المكان في الظلام الدامس، وأمسك كلّ منهما بيد الآخر، وبجسديهما التصقا بدرابزين الممشى، ثم تقدّما حتى العاكس. لقد كان مشتعلًا. وعند تمرير اليد فوق الزجاج الواقي، كانت حزمة الضوء القويّة تصير شفّافة، لكنها لا تستطيع اختراق حتى سنتيمتر واحد في الضباب.

– دعنا نرجع. لا ينبغي أن ننتظر أكثر من ذلك، ليس أكثر من ذلك.

وعند العودة إلى قمرة القيادة، شغل القائد الثاني للقطار مقبض الراديو للإبلاغ عن التوقّف، وعن التأخير المحتمل في الوصول إلى محطّة «أوياغوي».

– يا لها من لعنة كبرى!

– والآن، ماذا هنالك؟

– الراديو. لقد مات! إنه لا يعمل.

– لم يعد ينقصنا سوى هذا. ماذا نفعل؟

– يجب أن ننتظر، ونصبر.

بدأت الساعات تمضي بطيئة، كما هو الحال في جميع وضعيات الالتباس. حلّت الساعة الرابعة صباحًا، ثم الساعة السادسة، ثم الساعة المحتمَلة للوصول إلى «أوياغوي»: الساعة السابعة. لقد اكتملت أربع وعشرون ساعة منذ أن غادروا «أنتوفاغاستا». واستمرّ الضباب على حاله، كثيفًا، لدرجة أنه كان يمنع مرور ضوء النهار، ولمعان الضوء الممزِّقُ للصباحات الأنديزية.

– يجب التحدّث إلى المسافرين.

– حسنًا. ولكن، دعنا نذهب معًا.

ونزل سائقا القطار من القاطرة، يمسك أحدهما بيد زميله، ملصقَيْن جسدَيْهما إلى القطار، ووصلا حتى عربة البريد. لقد ابتهج المسؤول عندما سمعهما، وأوصلهما إلى عربة الدرجة الأولى، فصعدا إليها. المراقب، الذي كان يرفع صوته، وهو يحاول تقديم تفسيرات لتاجر الملابس الداخلية، استقبلهما بارتياح.

– حتّامَ سنظلّ متوقّفين؟ أنا تنتظرني أعمال مهمّة في «أورورو»، تحجّجَ الرجل.

– ألم تطلّ من النافذة؟ ألا ترى الضباب الموجود في الخارج؟ قال أحد السائقين.

– وماذا بعد؟ مسارات السكك تستمرّ على الأرض، أضاف.

– كن متعقّلًا. قائدا القطار يعرفان ما يفعلانه، قالت المتزوّجة حديثًا.

– شريكي، اذهب للبحث عن ركّاب الدرجة الثانية. من الأفضل أن يكونوا كلّهم مجتمعين.

عبَر المشار إليه إلى العربة الأخرى، وكان أوّل من ظهر هم: الملاكم والتقنيان المرافقان له. أبقى الملاكم الباب مفتوحًا لكي تمرّ الراهبات.

دارت مناقشة قصيرة، كشفت عن أن المتزوّجَيْن حديثًا، ومتعلّم الحلاقة كانوا هم الوحيدين الذين يتمتّعون بالصبر داخل المجموعة، وتمّ الاتفاق على الخطّة التي يجب أن يتّبعوها.

ووفقاً لحسابات قائدي القطار، كانوا موجودين في مكان قريب جدًّا من بركان «سان بيدرو»، في جزء من المنحنيات الحادّة التي يُنصح فيها بعدم تحريك القطار وسط ذلك الضباب، ولكن من المحتمل، أيضًا، أن كتل الضباب لن تكون جدّ واسعة. ولربّما تنتهي في المنعطف التالي، وإذا كان الأمر كذلك، فإنهما مستعدّان لاستئناف الإقلاع عندما يعبرون المنعطف. لكن، قبل ذلك، يجب أن يكونوا في أمان؛ ولهذا ينبغي أن يكون هنالك متطوّع يرافق أحد قائدي القطار مشيًا، للاستكشاف عبر مسار السكّة. تطوّع الملاكم للتوّ، معلّلًا بأن قليلًا من الحركة سيكون مفيدًا له.

وحتى لا يكونا مضطرَّيْن للسير، ممسك أحدهما بيد الآخر، ربط الملاكم والقائد الثاني للقطارجسديهما، عند الخصر، بحبل، كما يفعل متسلّقو الجبال، وشرعا في السير. لكن ما إن خطَوَا أكثر من خطوة حتى افتقدهما المسافرون، ولم يعودوا يروهما. لكن الغياب لم يدم طويلًا.

وهو يسحب الملاكمَ الذي لم يفهم سبب قرار الرجوع، عاد قائد القطار إلى الجماعة.

– نحن فوق جسر، قال السككي.

– ماذا؟ ليس هناك أيّ جسر في مسار الرحلة كلّها! قال الآخر.

– أعرف ذلك، مثلك تمامًا، لكننا الآن فوق جسر. تعال معي.

فكّوا رباط الملاكم، وتمّ ربط السائقين معًا بواسطة الحبل.

لم يكن كلّ من الرجلين يرى الآخر. وكانت رطوبة الضباب تجعل التنفّس صعباً.

– دُس النائمين. سوف نخطو خطوتين. أنت جاهز؟. حاول الآن وضع قدمك ما بين النائمين.

كان السككي الآخر على وشك فقدان توازنه. اجتازت قدمه الضباب، دون أن تجد مقاومة.

– يا للمصيبة! هذا صحيح. أين نحن؟

– هل لديك شيء ثقيل؟ أريد أن أعرف إن كان ثمّة ماء في الأسفل.

– فهمت. انتبه. سوف ألقي المصباح اليدوي.

انتظرا، وهما يحبسان أنفاسهما، كلّ الوقت، ما استطاعا ذلك، لكنهما لم يسمعا الضوضاء.

– حسنًا. يبدو أنه عالٍ. أين نحن؟

عادا إلى العربة، ووجهاهما الحائران أخرسا المسافرين.

وزّعت الراهبات ما تبقّى من القهوة التي كنّ قد حملنها معهنّ في (الترمس)، وراجع تاجر الملابس الداخلية جدول التزاماته.أما العروسان فقد أمسك كلّ منهما بيد الآخر، ومشى الملاكم بعصبية من طرف العربة إلى الطرف الآخر، بينما كان مدبّر أعماله يلعب لعبة الداما مع المدلّك، بينما أخرج متعلّم حلاقة الشعر، في خجل، راديو ترانزستور من حقيبته.

– فكرة جيّدة! ربّما هناك أخبار عن أحوال الطقس، فالساعة الآن، هي السابعة صباحًا، وقد حان موعد الأخبار، صرخ أحد السائقين.

احتشدوا قرب الفتى. وبالفعل، استمعوا إلى نشرة الأخبار، بتكذيب، أوّلاً، وبعدئذ باشمئزاز، وأخيرًا بخضوع أمام الوضوح.

تحدّث المذيع عن الانحراف المأساوي لقطار «أنتوفاغاستا – أورورو» عن سكّته، والذي حدث في الليلة الماضية بالقرب من بركان «سان بيدرو». يبدو أن سائق قافلة العربات المقطورة، وبسبب عطب في نظام الكبح، قد قفز عن مساره، وسقط في منحدر، ولم يكن هناك بين المسافرين ناجون، وكان من بين الضحايا الرياضي البارز …

نظر كلّ منهم إلى الآخر في صمت. لا أحد منهم سينفّذ خططه أو سيصل، في الوقت المناسب، إلى موعده المحدّد. دعوة أخرى غامضة وغريبة، مع مرور الوقت، سوف تستدعيهم للعبور إلى الجانب الآخر من الجسر، عندما سيتلاشى الضباب.


حقّق لويس سيبولفيدا شهرة عالمية من خلال أعماله السردية، وخاصّة روايته «العجوز الذي كان يقرأ روايات الحب» (1988). عاش فترة الاعتقال السياسي بعد انقلاب «بينوشيه»، ثم تجربة المنفى في العديد من دول أميركا الجنوبية وأميركا الوسطى، وعاش اللحظات الحاسمة لانتصار الثورة السندينية في «نيكاراغوا»، قبل أن ينخرط في حركة النضال من أجل البيئة. من أشهر أعماله: باتاغونيا اكسبرس (1995)، اسم مصارع ثيران (1994)، عالم نهاية العالم (1996)، حكاية النورس والقطّ الذي علّمه الطيران (1996)، حكايات هامشية (2000)، الخطّ الساخن (2000)، أسوأ حكايات الأخوين غريم، ومصباح علاء الدين (2008)، ظلّ ما كنّاه (2009)، حكاية الكلب المسمّى ليال (2016)، قصّة الحلزون الذي اكتشف أهمّيّة البطء (2018)، قصّة حوت أبيض (2019) . توفّي نتيجة إصابته بفيروس (كورونا  19)، في 16 أبريل/ نيسان، 2020.

”حُلم الضابط الأميركيّ“ جبّار ياسين

كان يمكن أن تكون هذه الواقعة عاديّة، لو لم تكن توجد هناك نبوءة. بدأ كلّ شيء بحلم منذ وقت طويل، في مكان آخر قَصيّ. لم يُرَ، في الحلم، لا وجه ولا رُتْبة، كما لو كان كلّ شيء يُرى من بعيد. كانت رأس الضابط الأميركي تظهر وسط الأشجار، كانت هيئته تذكّر بهيئة ممثّلي سينما الخمسينيّات. كان اللقاء في حديقة غامضة، أشجارها ضخمة، ترسم ظلالاً على أرض خضراء، اُعْتُنيَ بها جيّدًا، وتمتدّ إلى ما لا نهاية. كان كلّ شيء رماديًّا محْمرًّا كأنه وقت هبوط الغسق. كنت أراني واقفًا، لا أزال شابًّا، أكتسي بالأسود، و بقايا المحادثات تدور حول حرائق معامل تكرير بغداد، وبعض التلميحات عن كهوف ما قبل التاريخ. فجأةً، توارى وجه الضابط، فوجدتني وسط ميدان دائريّ، تحيط بي منازل خاوية على عروشها. كان صوت صفّارات الإنذار يُدوّي، وراحت السماء تُظلم، وبعض الطائرات القاصفة تمرّ، وهي تشعل السماء. صرختُ:

– معامل تكرير بغداد تحترق! 

والتفعت بغبار الميدان الخاوي. 

*** 

بعد ذلك بسنوات، كنت أجرجر قدميَّ وسط الأنقاض، أعبر الشوارع التي احترقت واجهات منازلها، وحيث كانت السماء تضطرم جرّاء ذهاب وإياب الطائرات، وطائرات «الهيلوكوبتر». مارًّا بالميدان الدائري، كنت أشمّ رائحة الحرب وصيحات السكّان الذين يصفون رحيل الأدخنة التي تجعل السماء حالكة السواد. 

عدت إلى بغداد عام 2003، ذات ظهيرة، عَقب غياب دام سبعة وعشرين عامًا. المكان الذي كنت فيه كان حقيقيًّا، و- للمّرة الأولى- كنت أرى دوريّات الجنود الأميركان تتبع أقدامي، التي كنت أعتقد أنها طاهرة. 

رأيت عائلتي، وبعض الأقارب، وهكذا انقضى أسبوع. اجتاحتني الرغبة في رؤية البيت الذي ولدتُ فيه، مرّة أخرى، في الأسبوع الثاني. كنت أعلم أن البيت كان قد هُدّم، عندما كنت في الرابعة من عمري. كنت أحتفظ بأمواج من ذكريات الجرّافات الصفراء التي كانت تشبه حيوانات ما قبل التاريخ، وهي تلتهم الجدران. كانت تُحْدث صخبًا فظيعًا، وأنا أتخيّل تنفُّس هذه الوحوش. كان لزامًا، إذن، الذهاب إلى ما صار، بعد دخول الأميركان، «المنطقة الخضراء». كان هذا مستحيلاً، لقد حظر الجنود الأميركان دخول أيّ شخص لا يرفع شارة النجاة التي منحتها مصلحتهم الإدارية. أصبح وجود المنطقة ملموسًا، أكثر ممّا كانت عليه، حتى في عهد صدّام حسين. كان مراسلون من التليفزيون الفرنسي يرافقونني كي يصوّروا معي فيلمًا تسجيليًّا في هذا المكان، حيثما ولدتُ منذ سبعة وأربعين عامًا. كانت هذه المنطقة، آنذاك، منطقة متواضعة، كانت بساتين الخضروات تفصل ما بين البيوت التي كانت تحاذي نهر دجلة. 

شرحت هذا للضابط الأميركي، الذي لم تكن لديه نيّة لأن يسمع شيئًا. مواجهة دامت، بينه وبيني، لعدّة لحظات. 

– لقد وُلد هنا، وله الحقّ في أن يرى هذا المكان مرّة أخرى! احتجّ أحد المراسليْن، لكن من دون طائل. 

بعد عدّة أيّام، قابلت «ديفيد جروس»، مصوّر أميركي، لطيف وفضولي في الوقت ذاته. تعرفت إليه في فندق (الحمراء)، معسكر تجمّع الصحافيّين من كلّ أنحاء العالم. بسرعة، صرنا صديقَيْن، تناولنا القهوة معًا، دعاني إلى نزهة إلى القصر الرئاسي. حتى أننا ذهبنا إليه بعد الظهر. كنّا متلازمَيْن بامتداد الشارع الرئاسي، الذي كان نظيفًا تحفّه الأشجار. الحقّ يُقال: لقد دخلنا دون صعوبة. فيما كان «ديفيد» يثرثر مع ضابط، كنت أسير رويدًا رويدًا، كأنني أريد أن أستعيد كلّ لحظة من لحظات سنواتي الأربع التي عشتها في هذا المكان. كنت أعلم أن البيت لم يعد كائنًا هناك، ولم أكن قادرًا على تحديد المكان، بدقّة، حيث يوجد البيت. غير أني كنت أدرك أنني على مقربة من المكان الذي كنت ألعب فيه في ما مضى، مُرتبًّا القراميد، بعضها فوق بعض، متخيّلاً نفسي مهندسًا معماريًّا. 

كان الجنود الأميركان ينجزون عملهم الرتيب في ذهاب الدوريات وإيابها، كانوا يتوقّفون من وقت إلى آخر، وينظرون دون أن يوجّهوا سؤالاً. آنذاك، كان، «ديفيد جروس» بمفرده، بعد أن انفصل عن الضابط، ليس بعيدًا عني. وبينما كان هو يلتقط بعض الصور لأشياء صغيرة مبعثرة أرضًا، رحت أنا أُحصي عددًا من الذكريات. 

– ذات يوم، كنت على وشك الغرق في النهر… كنت أسبح مع أبي، حين انغرزت في الماء. منذ ذلك الوقت، صار نهر دجلة يخيفني. 

ابتسم «ديفيد»، توقّف ليتحدّث مع جنود ملامحهم آسيوية. كان أحدهم يصلّي بجوار سيّارة «ﭽيب». 

***

حين وصلنا إلى المدخل الرئيسي للقصر، توقّفنا أمام التماثيل الأربعة الضخمة لصدّام حسين، التي كانت تشير إلى الجهات الأربع. لم نتمالك أنفسنا من الضحك. كان الهدوء يعمّ المكان، كما لو أن الحرب لم تمرّ من هناك، حتى الجنود كان يبدو عليهم كأنهم خارجين من قيلولة. اقتربنا من جنديّيْن أسودَيْن كانا جالسَيْن في نقطة تفتيش مغطّاة بشبكة للتمويه. لوّحت بإشارة، مادًّا يدي اليمني، فردّ أحدهما عليّ محرّكًا رأسه، ثم دخلنا نطاق القصر. كان كلّ شيء منظّمًا. كانت الأرض خضراء، والعديد من صفوف أشجار الورد، من كلّ الألوان، مُزْهر. عدّة نافورات، هنا وهناك، تروي العشب تحت الشمس نهايةَ هذه الظهيرة. قلت لـ«ديفيد»:

– كان البيت في مكان ما هنا، في هذه الحديقة الكبيرة.. ربّما هناك… 

وأشرت بسبّابتي إلى صفّ ورد دائريّ. ابتسمنا. بعيدًا، وبجوار النهر، كان هناك العديد من الكراسي الطويلة المتناثرة، وكان رجال عراة من النصف العلوي يتمدّدون بجانب الثلّاجات. تمرّ امرأة شقراء ترتدي فستانًا أزرق مكشوف الصدر، تحمل بعض الملفّات بين يديها، تُلقي علينا نظرة خاطفة، ومرافقي يرسل إليها ابتسامة. كنت أقول لـ«ديفيد جروس» إنهم، تقريبًا، كانوا في إجازة، فردّ عليّ:

– تقريبًا، لأن الحرب لم تبدأ بعد. 

منذ أن التقيته في الفندق، ونحن متّفقان، معًا، في أن الحرب لم تبدأ بعد، إلى درجة أنها كانت أسرع من كونها حربًا. 

كنّا قد توغّلنا في الحديقة معجبَيْن بأشجارها القصيرة، ومبانيها الملحقة بالقصر، والتي بُنيت بالأحجار البيضاء، على الطراز الشرقي، لحظة أن قابَلَنا رجل عسكري، نصفه العلوي عارٍ. كان يسير مسرعًا، ناظرًا في الأرض، له شارب كثٌّ كممثّلي السينما الصامتة، وذقن حليقة تمامًا، حاملاً في يده كأسًا ومسقاة صفراء. فجأةً، توقّف محيّيًا إيّانا بالإنجليزية. قدّمني له مُرافقي. رحنا نتبادل النظر صامتين. 

بدأ المساء يلوح في أفق السماء، وأنا أتفرّس الرجل الذي أمامي، فعاودني الحلم. كأن الآخر قد أمسك بخيط أفكاري، نظر إليّ، ثم دعانا للشراب. تقدّم هو دون أن ينتظرنا، ونحن تبعناه. مررنا بين صفوف من الأشجار القصيرة، طلب منّا أن ننتظر برهة. اختفي داخل مبنًى، ثم عاد يكسوه قميص عسكري، تُزيّنه قلنسوة. كان يحمل ثلاث زجاجات جعة، قادنا نحو طاولة بيضاء داخل الحديقة. 

– لقد ولد هنا، قبل أن يُشيّد القصر. كان بيته هنا، في مكان ما. قال «ديفيد». 

– أصحيح هذا؟ 

– نعم.. وفق الأسطورة. رددتُ. 

– لكن أيّة أسطورة؟

– أنت تعرف هذا… لكلّ منّا أسطورته الخاصّة. ولدتُ هنا منذ سبعة وأربعين عامًا، في منطقة متواضعة، لم تعد موجودة الآن. كان هذا، تمامًا، قبل إقامة القصر. 

– نعم.. سمعت من يقول إنه كان قصر الملك السابق. 

– نعم. كان هذا هو القصر الملكي، ثم القصر الجمهوري، وبعدها قصر صدّام. أنا على علم بالفترتَيْن: الأولى، والثانية. حينما استولى صدّام على هذا القصر، كنت أنا منفيًّا في فرنسا، وكان عمري، حينئذٍ، واحدًا وعشرين عامًا. 

كنّا قد أخذنا نشراب على مهل، وهو ينظر إلينا. حكى «ديفيد» حياتي وفق ما سمعه عند الظهيرة، في حين لم يرفع الضابط عينيه عني. بلغنا هدير طائرة «هيلوكوبتر» كانت تطير فوق رصيف مرتفع، حيث كنّا. 

نهض الضابط، نظر خلف صفّ الأشجار القصيرة، ثم عاد إلى مكانه معتذرًا. 

– بلدك في غاية الجمال. قالها باحترام. 

– وهو كذلك بعيد جدًّا. 

راح يضحك، بينما يضيف «ديفيد» أننا أبعد ما نكون عن أميركا. 

– حلمٌ أن أكون هنا. 

– لكن كلّ شيء هنا، هو حلم. أجبت. 

– منذ ثلاثة أشهر، وأنا أتقدّم في هذا البلد، ببطء. عندما توقّفنا في الكويت، كنت أعتقد أن هذه ليست هي العراق.

– أنت تعرف أن هذا هو الشيء نفسه بالنسبة إليّ. بعد سبعة وعشرين عامًا، كلّ شيء مختلف، وبعد سبعة وأربعين عامًا، أكون على مقربة من بيتي الذي ولدتُ فيه، ولست قادرًا على تحديد المكان الذي كان يوجد فيه، بالضبط. حين نكون بعيدين، تنقصنا الدقّة. 

– أدرك هذا. أجابني بنبرة غريبة.

عمّ الصمت المكان، ثم راح «ديفيد» يحكي رحلة تجواله إلى جانب أفواج أميركية. غير أن الضابط قاطعهُ متوجّهًا نحوي. 

– وأنت، ما رأيك في هذا؟ أنا، أنا لا أفهم ما الذي يجري في هذا البلد. 

 إنه الهرج والمرج… ستّة آلاف عام من التاريخ، تلك التي تراها ممتزجة هنا… ليس سهلاً عليك أن تستوعب هذا. 

– نعم. معك حقّ. غير أني طويتُ أكثر من ستّمئة كيلومتر، من الجنوب حتى بغداد. تقدّمنا كثيرًا، لكننا لم نوفّق في أن نفهم. 

– أنت طويت قرنَيْن هنا، في أميركا، ومازلت بحاجة إلى ثمانية وخمسين قرنًا كي تفهم. 

ونحن نجوب الشارع الرئاسي، فهمت الكثير من الأشياء، عن حياتي… 

لكن ليس كلّها، بعد. 

– هل تتحدّث بجدّيّة؟

– نعم. أحتاج إلى وقت كي أفهم. أنا لست متأكّدًا. 

– لستَ متأكّدًا من أيّ شيء؟

– من أن يمكنك الذهاب إلى ما هو أبعد. أنت في حدود الإمبراطورية، حيث تختلط كلّ الأشياء، وحيث نتخيّل الظلال أجسادًا. 

مرّة أخرى، عمَّ الصمت المكان. يُخرج «ديفيد» كاميرا فوتوغرافية من حقيبته، ومشعَلاً. شرع في التقاط صور لأيدينا الموضوعة على الطاولة. راح المساء يهبط أكثر فأكثر، وامتلأت الحدائق من حولنا بجنود كانوا يتحدّثون بصوت عالٍ. 

راح الضابط يتحدّث: 

– حينما كنت شابًّا، رأيت حلمًا: كنت في حديقة كبيرة، في بغداد، حيث كانت هناك سيّدات يرقصن، وسحَرة يتنزّهون. كانت هناك قوافل من الإبل تمرّ، وملك فوق عرش، يُظهر ساعات يد، قارئًا المستقبل في كتاب ضخم مفتوح أمامه. ومنذ ذلك الحين، وأنا تسكنني رغبة المجيء إلى بغداد، لكني لم أكن أعتقد أنني سأجيء بصفة ضابط في جيش الولايات المتّحدة الأميركية. هذا شيء غريب!. 

ردّد الجملة الأخيرة كأنه كان يقرأ صفحاتٍ من كتاب مفتوح أمامه. كان مشعل «ديفيد جروس» يومض فوق أيدينا المرفوعة، أو- بالأحرى- الموضوعة على الطاولة. 

– أرى أنك يجب أن تعود مرّة أخرى. قالها كما لو كان يستيقظ من حلمه، مضيفًا:

– سأستدعي لك جنديًّا ليرافقك حتى الخروج من المنطقة الخضراء. 

اختفي، ثم عاد ومعه جنديّ شابّ. كفَّ «ديفيد» عن اللعب بالضوء الأزرق وبالكاميرا الفوتوغرافية. كان الوقت ليلاً، وكان هناك القليل من النجوم في سماء بغداد المغطّاة بالغبار، في تلك الليلة. قبل مغادرة الأماكن، ألقيت نظرة على الضابط الذي كان ينظر إليّ، وكأنه يحاول أن يتبيَّن وجهي من بين تلك الوجوه التي رآها في حلمه.


جبار ياسين: كاتب وروائي عراقي، يكتب بالفرنسية وبالعربية، ويقيم في فرنسا منذ ما يزيد على أربعين عامًا. له العديد من الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية والشعرية، ترجمت أعماله إلى لغات كثيرة كالأسبانية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية والهندية وغيرها. تُرجمت هذه القصّة إلى لغات عديدة، ولاقت صدًى واسعًا تمثل في كتابة عدّة مقالات عنها في الصحافة العالمية، خاصّة وأنها كُتِبت قبل الغزو الأميركي للعراق.

مارك ألكسندر أوهو بامبي: لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ

يُعَدُّ مارك ألكسندر أوهو بامبي (Marc Alexandre Oho bambe) من أبرز الشُّعراء الذين نشأوا بين أحضان الكتب والقصائد. وُلِدَ سنة 1976، بمدينة دوالا، العاصمة الاقتصادية للكاميرون. تَحَصَّلَ على  جائزة «بول فيرلين» من الأكاديمية الفرنسية، سنة 2015. يقتفي هذا الشاعر آثار الأدباء ذوي النزعة الإنسانية، من قبيل: رينيه شار، وإيمي سيزير..، وتتغنّى قصائده بمجموعة من القيم، من بينها: الإيثار، والحُبّ، والثورة، والبحث عن الإنسان، والحضّ على المشترك الإنساني. تأتي قصيدته «لقد أُلْغِيَ الغَدُ» لتُعيد تجسيد هذه القيم في ظل الأزمة التي نعيشها الآن، حيث نظمها في أثناء الحجر المنزلي الذي صادفَ إقامته بمدينة «أبيدجان».

لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ.

هَلْ هِيَ نِهَايَةُ العَالَمِ

أو، بالأَحْرَى، نِهَايَةُ عَالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

رَحَلَ المُسْتَقْبَلُ.

تَوَقَّفَتِ العَوْلَمَة

إلى أَجَلٍ غيْرِ مُسمَّى.

رُبَّما تَبْدَأُ العَالَمِيَّة..

رُبَّما!

مَا فَائِدَةُ الشِّعْرِ؟

سُؤَالٌ رُوحِيٌّ مَا فَتِئَ يَتَرَدَّدُ في دَوَاخِلِي مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَة.

وفي دَوَاخِلِي، ما يزال صَوْتُ سيزير يُعيدُ على مَسامِعِي جوابَهُ الجَامِعَ المَانِع:

«يُفِيدُنَا الشِّعْرُ في تَحَمُّلِ العالَم».

كُلُّ شَيْءٍ قِيلَ.

ولكنِّي أقول، أيضًا، على خُطَى الأستاذ، والأَمَلِ،  وبكل تواضع:

الشِّعْرُ

يُذَكِّرُنَا

بِأَنْفُسِنَا،

ضُعَفَاءَ

حِينَ تُنْحِلُنَا الهَشَاشةُ

لا مَقرَّ لَنَا.

بشرًا

قادرين

ومُذْنِبِين

بما اقترفَتْ أَيَادِينَا؛ خَيْرًا وَشَرًّا.

أولئك الناسُ الذين يُطِلُّونَ مِنَ النَّوافِذ وَيُغَنُّونَ وَيُصَفِّقُونَ.

هُوَ ذَا الشِّعْرُ:

فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا

مَحْجُورٍ.

كُلُّ مَوْجَاتِ التَّضَامُنِ هَاتِهِ، كُلُّ عِبَارَاتِ المَحَبَّةِ والتَّعَاطُفِ هَاتِهِ، نَحْوَ الخَلاَصِ،

هُوَ ذَا الشِّعْرُ:

كُلُّ تِلْكَ المُبَادَرَاتِ الإِبْدَاعِيَّةِ الخَلَّاقَةِ، التي تُزْهِرُ في الرَّبِيعِ، وَتُبْدِعُ الجَمَالَ  والانْسِجَامَ، تِلْكَ المُشارَكَاتُ، بالآلافِ، لِلْمُوسِيقى،  لِلصُّوَرِ والكلماتِ، لِلْمَشاعِرِ الغَالِيَةِ،  لِلثَّقَافَةِ، التي تُنْهِضُنَا وَتَسْمُو بِنَا؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

كُلُّ الأَيْدِي التي تَقْبِضُ على القُلُوبِ، لِكَوْنِها لا تَمْلِكُ أنْ تَمُدَّ أيَادِيَ تَهُبُّ إلى المُسَاعَدَةِ، إلى المَحَبَّةِ، إلى مَحَبَّةِ المُسَاعَدَة..

هُوَ ذَا الشِّعْرُ؛

الشِّعْرُ الذي يُذَكِّرُنَا

بِأَنْفُسِنَا.

سَنَحْلُمَ

سَنَبْتَكِرُ

أو سنموتُ

معًا.

الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّنَا، أَحْيَانًا، نُعَارِضُ

أَنْفُسَنَا.

إِنَّهُ يَجْعَلُنَا نَقِفُ

وَجْهًا لِوَجْهٍ

أَمَامَ حَالاَتِنَا المُسْتَعْجَلَةِ المَنْسِيَّة

حَيَوَاتِنَا المُزَيَّفَة

أَحْلَامِنَا المَهْزُومَة

مَسَاراتِنَا الدَّاخِليّة الضَّائِعَة

في جُنُونِ الأيَّامِ التي تَمُرُّ

بِنَا أَوْ بِدُونِنَا..

وَجْهًا لِوَجْهٍ

أَمَامَ أَنْفُسِنَا.

إِذَنْ،

بِكُلِّ شَفَافِية وَصَرَاحَة..

دُونَ حِجَابٍ

دُونَ سِتَارٍ

أو أَقْنِعَةِ مَطَرٍ.

وَجْهًا لِوَجْهٍ

أَمَامَ مهازل انْتِظَامِ

اللاَّنِظَامِ العَالَمِيِّ

الذي هُوَ نَفْسُهُ يَسْتَمْتِعُ بِنَا،

ما دَامَ يُجْبِرُنَا على العيْشِ دُونَ البحْثِ عنِ المَعْنَى،

وُجُوهُنَا إلى الأَرْضِ، مُنْكَفِئِينَ على المِقْوَد ،

لِنَرْتَطِمَ بالحَائِطِ، بِسُرْعَةٍ عَالِيَة.

لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ.

هل هي نهاية العالم

أو، بالأحرى، نهاية عالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

في جراند- بسام،

على شاطئ يُعَذَّبُ ،

أَطْفَالٌ يَلْعَبُونَ

سُذَّجٌ بَرِيئُونَ

مِثْلَ جَمِيعِ أَطْفَالِ العَالَمِ.

أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ يَتَقَاسَمُونَ الحَيَاة..

يَرْكُضُونَ جَمِيعًا

خَلْفَ الفَرَحِ الدَّائِرِيِّ

مِثْلَ كُرَةٍ زَاهِيَةِ الأَلْوَانِ،

بِابْتِسَامَةٍ في العَيْنَيْنِ

مُثبتَةٍ على أَفْكَارِي؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

الجَمِيعُ، ذُكُورًا وَإِنَاثًا،

في شُرْفَةِ المَنْزِلِ

مِثْلَمَا كُنَّا أَمْسِ في شُرْفَةِ

ذَوَاتِنَا؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

أَمَامَ الأَسْلِحَةِ الخَارِقَة،

مُوَاطِنَاتٍ، وَمُوَاطِنِينَ،

لَنْ نَنْجُوَ دُونَ أَنْ يُحِسَّ

كُلٌّ مِنَّا بِالآخَرِ؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

مَحْجُورًا

فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى،

مُحَاصَرًا،

أَحْيَانًا،

بِالزَّمَنِ الذي نَفْتَقِدُه

وَبِكُلِّ تِلْكَ الأَشْيَاءِ التي تَحُثُّنَا على الإِسْرَاعِ في الحياة.

وَلَكِنْ، هَلْ هَذِهِ هي الحَيَاة؟

دُونَ فَرَحٍ عَمِيقٍ، فَريسَةً لِلْيَأْسِ،

لِضُغُوطِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ التي نَفْرِضُهَا

على أَنْفُسِنَا طَوَاعِيَة!

الشِّعْرُ يُعِيدُنَا

إِلَى شَاِطئِ أَحْلَامِنَا المُؤَجَّلَة

إِلَى قَافِيَةِ آمَالِنَا المُهَجَّرَة

إِلَى وَقْفِ «أَنَانِيَّتِنَا» المَغْرُورَةِ التي لا نَظِيرَ لَهَا

إِلَى الفَنِّ الذي يَرْبِطُنَا وَيُسْلِمُنَا

إِلَى سِرِّ النُّجُومِ المُلْتَقَطَة

في الطِّينِ أو تَحْتَ الأَحْجَارِ المَرْصُوفَةِ لِهَذَا الشَّاطِئ،

شَاطِئِ إفريقيا الخَالِدَة.

الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا

في وَرَقَاتِ  هِيبْنُوس، وفي صَوْتِ شَار، الجَهْورِيّ،

بِأَنَّ عَلَيْنَا «أَنْ نُحِبَّ نَفْسَنَا كَثِيرًا،  هَذِهِ المَرَّةَ، أيْضًا، وَأَنْ نَتَنَفَّسَ بِقُوَّةٍ تَفُوقُ رِئَةَ الجَلَّاد»

الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا

بِأَنْفُسِنَا

أَحْيَاءً

مُفْعَمِينَ بِالحَيَاة

بَشَرًا فَانِينَ

يتصرَّفُونَ، غالبًا،

وكأنَّهم غَيْرُ وَاعِينَ

بفَنَائِهم،

ساخرين من الأشْخَاصِ الخَيِّرِينَ، الصَّالِحِينَ

الذينَ يَسْعَوْنَ إلى التَّصَرُّفِ بِأَنَاقَةٍ 

مَعَ السَّاخِرينِ والمُبْتَذَلِينَ،

الذينَ هُمْ في صِرَاعٍ مُسْتَمِرٍّ،

في حَرْبٍ

ضِدَّ المَعْنَى

ضِدَّ النُّبْلِ

ضِدَّ السِّلْمِ

ضِدَّ الأَرْضِ

ضِدّنَا جَمِيعًا، رِجَالًا ونِسَاءً، 

وَضِدَّ أَنْفُسِهِمْ،

أَيْضًا،

يَسْتَقِلُّونَ

ظَهْرَ الرِّيحِ

بِابْتِسَاماتٍ مُتَبَادَلَةٍ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأَةِ هُنَاكَ؛

هُوَ ذَا الشِّعْر.

الرَّسَائِلُ النَّصِّيَّةُ الّتِي يَكْتُبُهَا إِلَيَّ فرِيد وأَلْبِير، عَبْرَ وَاتْسَاب، مُنْذُ أُسْبُوعٍ،  تَقْرِيبًا، في نفْسِ السَّاعَةِ الزَّرْقَاءِ، سَاعَتِنَا؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

كُلُّ تِلْكَ القُلُوبِ المُكَوَّمَةِ التِي يُعَانِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا،  مُتَقَابِلَة.. كُلُّ أُولَئِكَ الأشْخَاصِ الذينَ يَهَبُونَ فَنَّهُمْ، يَقُومُونَ بِدَوْرِهِمْ، وَيَقِفُونَ دِرْعًا وَاقِيًا في وَجْهِ الخَوْف؛

هُوَ ذَا الشِّعْر.ُ

الأَخُ الرَّفِيقُ الّذي قَابَلْتُهُ قُرْبَ أَدْجَامِي، وَاضِعًا قِنَاعَهُ الوَاقِيَ علَى جَبْهَتِه،  صَائِحًا بِصَوْتٍ قَوِيٍّ وَوَاضِح: «الفيرُوسُ هُنَاكَ، لا يَسْتَطِيعُ الوُصُولَ إِلَى هُنَا،  فَلَدَيْنَا الفُلْفُلُ الحَارّ، غنامنكو والشَّمْس، فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْفيرُوسِ أَنْ يَصِلَ إلى هُنَا؟». قالَ لي ذَلِكَ، وَهُوَ يَطْلُبُ مِنِّي قَلِيلاً مِنْ مُعَقِّمِ اليَدَيْن!

هُوَ ذَا الشِّعْرُ..

فِي القَهْقَهَاتِ الَّتِي تَلَتْ جُمْلَتَهُ المُتَوَهِّجَةَ بِرُوحِ الدُّعَابَة.

لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ!

هَلْ هِيَ نِهَايَةُ العَالَمِ

أو، بالأَحْرَى، نِهَايَةُ عَالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

رَحَلَ المُسْتَقْبَلُ

تَوَقَّفَتِ العَوْلَمَة

إلى أَجَلٍ غيْرِ مُسمَّى.

رُبَّما تَبْدَأُ العَالَمِيَّة!

رُبَّما!

«مَا الحَاجَةُ إلى الشُّعَرَاءِ فِي زَمَنِ الضِّيقِ وَالشِّدَّة؟»

يَتَسَاءَلُ هُولْدِرْلِين.

وَأَسْمَعُ هُوجُو يُجِيبُ بِكُلِّ إِجْلَال:

«إِنَّ الشَّاعِرَ، فِي الأَيَّامِ الجَاحِدَة، 

قَادِرٌ عَلَى إِعْدَادِ أَيَّامٍ سَعِيدَة؛

فَهُوَ إِنْسَانُ المُدُنِ الفَاضِلَة 

قَدَمَاهُ هُنَا، وَعَيْنَاهُ هُنَاك.

هُوَ الّذِي يَعْتَلِي جَمِيعَ الرُّؤُوس

فِي كُلِّ زَمَانٍ، مِثْلَ الأَنْبِيَاء،

وَفِي يَدِهِ، الّتي يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ كُلَّ شَيْء

يَنْبَغِي،  سَوَاءٌ أَذَمَمْنَاهُ لِذَلِكَ أَمْ مَدَحْنَاه،

يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ المُسْتَقْبَلَ مُتَوَهِّجًا

مِثْلَمَا يَتَوَهَّجُ المِشْعَلُ الّذِي يَهُزُّهُ بِيَدِه».

لَمْ أَنْأَ بِنَفْسِي، يَوْمًا، عَنِ الشِّعْر.

الشِّعْرُ حَقِيقَةٌ وَاحْتِفَاءٌ بِالرُّوحِ،  يَتَغَيَّا إِنْقَاذَ الحَيَاة.

يَمْنَحُ نَفَسًا لِلنَّفَس، يُجَدِّدُ الرُّؤْيَة.

لِهَؤُلاَءِ، المُؤَدْلَجِينَ، المُضْطَهَدِينَ، الذينَ أَعْمَاهُمُ النِّظَامُ الذي انْمَحَى اليَوْمَ،  بَعْدَ أَنْ حَاوَلَ، وكان قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنَى مِنْ أَنْ يَنْجَحَ، تَقْرِيبًا، في مَحْوِ قِيَمِ الكَرَامَة، والرَّأْفَةِ،  وَالتَّعَاطُف، وَاخْتِلَافِ الآخَرِ، والبَشَرِيَّةِ المَسؤولَةِ

مِنْ رُبُوعِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا.

لَسْتُ آبَهُ، إِذَنْ، بِالاتِّهَامَاتِ

تَلْحَقُنِي؛ لأنِّي أَعْتَقِد..

أَعْتَقِد بِأَنَّ الْغَدَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ،

لأَنَّ غَدًا سَيَكُونُ

مِثْلَمَا أَعْدَدْنَاهُ.. سَنُنْجِزُهُ مَعًا.

نَعَمْ لَسْتُ آبَهُ بِالاتِّهَامَاتِ.

«دِفَاعًا عَنْ نَفْسِي، سَأَقُولُ إِنِّي شَاعِر»

مِثْلَمَا يُؤَكِّدُ رُودْنِي،حَامِلُ النَّار.

وَالشِّعْرُ، أَيْضًا، يَدْعُونَا

إلى اصْطِنَاعِ مَسَارَاتٍ جَدِيدَةٍ فَوْقَ البَحْر.

فَوْقَ الحُبّ.

وَالشِّعْرُ يَدْعُونَا

إلى الحَرْبِ

لِنُفَوِّتَ فُرْصَةَ مَوْتِنَا

وَلِنَتَعَلَّمَ العَوْدَةَ إلَى الحَيَاةِ مُجَدَّدًا،

عَلَى قَدْرِ عَزْمِنَا، رِجَالًا ونِسَاءً،

مُتَمَاسِكِينَ وَمُنْصِفِينَ.

هيلاري مانتل: لماذا أصبحتُ روائية تاريخية

«هل هذه القصّة حقيقية؟». القرّاء، لا محالة، يسألون. في أولى محاضراتها، من سلسلة محاضرات «ريث-Reith» التي تقدمها هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، تستكشف المؤلِّفة الحائزة، مرتين، على جائزة «مان بوكر» العلاقة المعقَّدة بين التاريخ، والحقيقة، والخيال.

يقول القديس أوغسطين: الموتى غير مرئيين. إنهم ليسوا غائبين. لستَ بحاجة لأن تؤمن بالأشباح حتى ترى أن هذا صحيح. إننا نحمل جينات أسلافنا وثقافاتهم، وما نعتقده بحقَّهم يشكِّل الطريقة التي نرى بها أنفسنا، والطريقة التي نستوعب بها زماننا ومكاننا. أهذه عصور طيّبة، أم عصور سيئة، أم عصور شائقة؟ نعتمد على التاريخ ليخبرنا. التاريخ والعلم، كذلك، يساعدانا على أن نضع حيواتنا الصغيرة في سياق، لكن إن أردنا لقاء الموتى، وهم في هيئة الأحياء، فإننا نتجه إلى الفنّ.

هناك قصيدة لـ «و.ه. أودن» تدعى «بينما تمشيتُ ذات مساء»:

تدقُّ كتلةُ الجليدِ بالدولاب،

تتنهدُ الصحراءُ في السرير،

والشرخُ في فنجان الشاي يشقُّ

ممرّاً نحو أرض الموتى

هذه المحاضرة غرضها السؤال عمَّا إن كان هذا الممر هو شارعٌ ذو اتجاهين. إننا، في المخيلة نطارد الموتى صارخين: «عودوا!». قد تشتبه الأصوات التي نسمعها بصدى لصوتنا، وتشتبه الحركة التي نراها بظلنا، لكننا نستشعر قوةً حيويةً، ما يزال الموتى يمتلكوها. إن لديهم شيئاً ليخبروننا به، شيئاً نحتاج لفهمه. مستخدمين الأدب والدراما، نحاول اكتساب ذلك الفهم. 

في هذه المحاضرات، آمل أن أبيّن أنه توجد أساليب نستطيع استخدامها. أنا لا أدعي أنه يمكننا سماع الماضي أو رؤيته، إنما أقول: بإمكاننا الإنصات والنظر.

هَمّي- بصفتي كاتبة- هو الذاكرة، الذاكرة الفردية والجماعية: الأموات المؤرَّقون بتفنيد ادعاءاتهم. عائلتي تاريخها شحيح. ذات مرّة، قال لي واحدٌ من الجمهور: «أنا آتٍ من سلالة طويلة من النَكِرات». ففكرت: نعم، وأنا أيضاً. إنني لا أستطيع العودة إلى أبعد من أُمّ جدتي، من ناحية الأم. لكني أود أن أعرّفكم بها، كمثال، لأنها اجتازت الزمن من نهاية القرن التاسع عشر، كي تكوّن وعيي بذاتي، في هذه اللحظة من القرن الحادي والعشرين، حتى النكرات يمكنهم فعل ذلك.

كانت أم جدتي ابنةً لباتريك، وزوجةً لباتريك، وأُمّاً لباتريك. لا جوائز لأجل تخمين أصولها، إذاً(1). كان اسمها كاثرين أوشيه، وحياتها المبكرة أمضتها في بورتلو-Portlaw ، قرية قائمة حول مطحنٍ قرب «ووترفورد- Waterford» في جنوب أيرلندا. كانت بورتلو مكاناً اصطناعيّاً، أُنشئ لغرض من قِبل عائلة تتبع جمعية الأصدقاء الدينية(2)، وتدعى عائلة مالكولمسون، أفرادها يعملون في الشحن والذرة والقطن والكتان. افتُتح المطحن عام 1826. في وقت من الأوقات، كانت بورتلو نشطة جدّاً، حتى أنها استقدمت عمالة من لندن.

كان آل مالكولمسون رأسماليين أخلاقيين، ومولعين بالتحكّم في الحياة الاجتماعية. أُعدَّت قريتهم وفق تخطيطٍ كان مثاليّاً للمراقبة، فبُنيت بحيث يمكن لشرطي واحد متمركز في الميدان، أن يرصد الشوارع الخمسة جميعها. أسس آل مالكولمسون مجتمع ادّخار(3)، ومجتمع إمساك عن الخمر، وصرفوا لعمالهم الأجور، جزئيّاً، في هيئة إيصالات من ورق مقوى، قابلة للاستبدال عند متجر الشركة. حين لمّحت جريدة محلّية إلى أن هذا نوعٌ من العبودية، فقاضاها آل مالكولمسون، وربحوا.

ما إن انقضى القرن التاسع عشر، حتى تراجعت المنسوجات، وخسر آل مالكولمسون أموالهم. وفي عام 1904، أُغلق المطحن؛ الوقت الذي- بحلوله- كانت عائلتي، مثل كثيرين آخرين، قد بدأت هجرةً متثاقلةً، على مراحل.

اثنان من إخوة كاثرين رحلا إلى أميركا، وعلى الطريقة العريقة لم يأتِ منهما نبأٌ، بعد ذلك، مطلقاً. كاثرين كانت شابة متزوّجة، عندما جاءت إلى إنجلترا، إلى قرية أخرى تقوم حول مطحن، هي «هادفيلد – Hadfield». كانت مثل بورتلو، خضراء رطبة ومظلَّلة بالتلال. بقدر ما أعرف، لم تغادرها أبداً؛ لذا لا بدّ من أنها تساءلت: هل العالم كلّه على هذه الشاكلة؟.

بيتها الأوّل كان في شارع يدعى «ووترسايد – Waterside»، لسنوات عديدة، مسرحاً لمعارك طقوسية في ليالي الجُمعات، بين عصابات المحلّيين والوافدين. إنني لا أعرف أي شيء عن حياة كاثرين، تقريباً. أظن أنه عندما يكون لدى امرأة عشرة أطفال، فإنها تقضي على احتفاظها بحياة خاصة. صورة واحدة تبقى لها. تقف عند عتبة منزل مرصوص بجوار غيره، ومبنيّ بالحجارة، تغطيها تنورتها من الخصر إلى الكاحل، شالها الممزق يغطي البقية. لا أستطيع أن أقرأ وجهها أو أن أجد له صلةً بوجهي.

أتصور أنني أعرف أين التُقطت الصورة. كان هناك صف من المنازل المطلة على ووترسايد، ظهرها ضِمن أسوار المطحن. في وقتٍ ما هُدمت المنازل، لكن توجَّب بقاء الواجهات قائمةً؛ لأنها كانت جزءاً من جدار المطحن. سُدَّت النوافذ والأبواب بقوالب من الحجارة؛ وبمرور الوقت، لأكون على قيد الحياة وأراها، كانت هذه الحجارة الجديدة بلون المطحن نفسه: أسود. لكن، كان بإمكانك أن ترى أين كانت الأبواب والنوافذ. عندما كنت طفلة، صعقتني تلك المنازل كنذير شؤم: صورة للخداع والفقدان.

بابُ منزلٍ ما ينبغي أن يؤدِّي إلى بيت. لكن، وراء هذا الباب كان الحيّز العام لباحة المطحن. عن طريق دراسة التاريخ- لنقُل تجربة الهجرة، أو تجارة المنسوجات- يمكنني أن أحدد مكان كاثرين على المستوى العام، لكني عاجزة عن الوصول إلى أفكارها. أُمّ جدتي لم تكن تستطيع القراءة أو الكتابة. بقي قولٌ من أقوالها: «جُعل النهار للأحياء، وجُعل الليل للأموات».

أفترض أن هذا ما كانت تقوله لتحافظ على الأطفال العشرة منضبطين، بعد حلول الظلام. بعد سنواتها الأولى، حسبما أفهم، لم تعد كاثرين تعمل في المطحن، لكن بلغني أنه كان لديها دور محدد في محيطها: كانت المرأة التي تجهّز الموتى قبل الدفن.

لمَ نفعل هذا، أو نعيّن أحداً لفعله؟ لماذا نغسل وجوههم ونلبسهم ثياباً مألوفة؟ إننا نفعل هذا كرمى للأحياء. حتى إن لم يكن لدينا معتقد، فلا نزال نؤمن بأن من هو إنسان يجب أن يظل يُعامل كإنسان. لاحظ السخط إذا دُنّس جثمان، وعذاب أولئك الذين لا أجساد بحوزتهم ليدفنوها. إنه- تقريباً- تعريف أن نكون بشراً: نحن الحيوانات التي تقيم الحِداد. واحد من أهوال الإبادة العنصرية هو المقابر الجماعية، مراكمة الإنسان المحبّ الحييّ مع شيء مشاع ملتبس مجرَّد من الاسم.

التأبين عملية حيوية، وكثيراً ما تكون محل جدال. عندما نخلّد ذكرى الأموات، إنما نكون تواقين، أحياناً، للحقيقة، وأحياناً لوهمٍ مُعَـزٍّ. نحن نتذكر بطريقة فردية، بدعوى الأسى والحاجة. نتذكر، كمجتمع، بأجندة سياسية؛ ننقب في الماضي عن الأساطير المؤسِّسة لعشيرتنا، لأمتنا، ونرسخها بالفخر أو نرسخها بالمظلومية، لكن قلّما نرسخها على حقائق فاترة.

إن الأمم تُبنى على نُسخٍ طموحةٍ من أصولها: قصص من نوعٍ أو آخر، كان أسلافنا فيها عمالقة. هكذا، نعيش في العالم: رومانسيين. يوماً ما، كانت الرومانسية، في معارف أرستقراطيين وهيئةٍ سرّية، هوى أن تكون جزءاً من صفوة. الآن، الرومانسية في الحرمان، والاغتراب، في المسافة الممتدة بين هناك وهنا: أو- لنقُل- بين أم جدتي وأينما أكون أنا، اليوم. إن للحقائق رواجاً أقل، وتأثيراً أقلّ على ما نكونه وما نفعله، ممّا لدى الخيالات التي نصنعها لأنفسنا.

حالما نموت، نصير ضمن عالم الخيال. فقط، اطلبْ من فردَي عائلةٍ، مختلفين، أن يحكيا لك عن أحدٍ توفي مؤخَّراً، وستفهم ما أقصد. ما إن نفقد قدرة التعبير عن أنفسنا، حتى نُؤوَّل. وحين نتذكّر- مثلما يخبرنا كثيراً علماء النفس- أننا لا نعيد إنتاج الماضي، بل نبتكره. بالطبع، قد تقول: بعض الحقائق غير قابلة للفصال، وقائع التاريخ ترشدنا، والوثائق- بالفعل- تأتي ببعض الوقائع والشخصيات التي لا تقبل الخلاف. لكن المؤرِّخ «باتريك كولينسون – Patrick Collinson» كتب: «إنه لمن الممكن أن يصل مؤرِّخون أكفاء إلى استنتاجات مختلفة جذريّاً، استناداً إلى الدليل نفسه. لأن، 99 % من الأدلة، وعلى رأسها الكلام غير المسجَّل، ليست متاحة لنا، بطبيعة الحال».

الأدلة، دائماً، جزئية. الوقائع لا تمثِّل الحقيقة، وإن كانت جزءاً منها؛ فالمعلومات ليست هي المعرفة. والتاريخ ليس الماضي؛ إنه النمط الذي طورناه لتنظيم جهلنا بالماضي. إنه سِجلّ ما تبقَّى مسجَّلاً. إنه مخطَّط المواقع المتخَذة في أثناء الرقص، عندما نوقف الرقصة لندوّنهم. إنه ما يبقى في الغربال حين تكون قد نفذت، خلاله، القرون: القليل من الأحجار، قصاصات من كتابة، قصاصات قماش. إنه ليس «الماضي» إلّا إنْ كانت شهادة الميلاد بمثابة ميلاد، أو أن نَـصّاً هو بمنزلة أداء، أو أن خريطة هي بمنزلة رحلة. إنه التضاعف لأدلة شهود متحيزين وغير معصومين من الخطأ، مخلوطة مع سرديات ناقصة، لأفعال لم تُفهم كليّاً من قِبل مَن قاموا بها. إنه لا يعدو أن يكون أقصى ما بوسعنا، وفي كثير من الأحيان نعجز عن الوفاء بذلك.

المؤرّخون، أحياناً، مدقّقون وواعون بأنفسهم، أحياناً مهملون أو متحيّزون. مع هذا، في كلتا الحالتين، لا نكاد نتبين إحداهما من الأخرى، إننا نتنازل لهم عن المسؤولية الأخلاقية. همّ لا يختلقون عن عمد، ونحن نصدّق أنهم يحاولون تبليغ الحقيقة، لكن الروائيين التاريخيين يواجهون أسئلةً- كما هو متوقَّع- عمّا إذا كان عملهم شرعيّاً. ما من نوع آخر من الكتّاب عليه أن يوضح حرفته مراراً، هكذا، فالقارئ يسأل: أهذه القصّة حقيقية؟.

ذلك يبدو سؤالاً بسيطاً، لكن يجب علينا أن نكشف عنه غطاءه. في كثير من الأحيان، يسأل القارئ: هل بإمكاني أن أتأكد من هذا في كتاب تاريخ؟ هل يتوافق مع سرديات أخرى؟ هل كان سيقرّه معلمي القديم للتاريخ؟

قد تكون الفكرة المحرّكة للروائي هي تفكيك النسخة السائدة، لكن القرّاء مخلصون، بشكلٍ يثير الشفقة، لأوّل تاريخ تعلّموه، وإنْ أنت طعنتَ فيه، فكأنك تسلب منهم طفولتهم. بالنسبة إلى شخص ينشد السلامة والصلاحية الرسمية، فإن التاريخ هو المكان الخطأ لإعمال النظر. أي تاريخٍ ذي شأن يكون في حالة دائمة من المساءلة الذاتية، تماماً، مثلما هو أي أدبٍ ذي شأن. القارئ، إذا سأل الكاتب: «هل لديك أدلة تدعم قصتك؟»، ينبغي أن يكون الجواب: نعم. لكنك تأمل أن القارئ سيكون متفطناً للأنواع العديدة الموجودة من الأدلة، وكيف يمكن استخدامها.

من غير الممكن وضع قاعدة أو معيار للممارسة القويمة، لأنه توجد أنواع عديدة للغاية من الرواية التاريخية. لدى البعض الطابع الوثائقي، آخرون أقرب إلى الخيال. لا يُشغِل كلُّ كاتبٍ نفسَه بالأشخاص الحقيقيين والأحداث الحقيقية. في سلسلة رواياتي الحالية عن أسرة تيودور(4)، أتتبّع- بدقة- السجل التاريخي حتى يتسنى لي تقديم العالم الخارجي بأمانة، رغم هذا، أخبر قارئي بالشائعات، وألمّح إلى أنّ الأخبار، أحياناً، تكون مفبركة.

لكن انشغالي الأساسي يكون بالدراما الداخلية في حيوات شخصياتي. من التاريخ، أعرف ماذا هم فاعلون، لكن لا يمكنني- بأي تأكُّد- معرفة ما يفكرون به أو يشعرون. أية رواية، ما إن تنتهِ منها حتى تعجز عن فصل الواقع عن الخيال. إنها أشبه بمحاولة إرجاع المايونيز للزيت وصفارِ بيض. إن أردتَ أن تعرف كيف أُنشئتْ، سطراً بسطر، فإن ما أخشاه هو أن يكون أملك الوحيد أن تسأل المؤلف.

لهذا السبب، بعض القراء مرتابون- بشدة- من الرواية التاريخية. يقولون: إنها، بطبيعتها، مضللة. لكنني أزعم أن القارئ يعلم طبيعة العقد. عندما تختار روايةً لتحكي لك عن الماضي، فإنك تضع، بين قوسين، السرديات التاريخية، التي قد يتوافق بعضها مع بعضٍ أو لا يتوافق، وتطلب، عازماً، تأويلاً شخصيّاً. أنت لا تشتري مستنسَخاً، ولا حتى نسخةً مصوَّرة أمينة(5). أنت تشتري لوحة فيها ضربات باقية من الفرشاة. للمؤرّخ، يقول القارئ: «خذ هذه الوثيقة، القطعة، الشخص. أخبرني ماذا يعنون؟». للروائي، يقول: «الآن، أخبرني ماذا يعنون أيضاً؟».

تعرف الروائية موقعها. إنها تمضي في عملها عند نقطة تلاقي ما هو قائم بما هو حلم، عند تلاقي السياسة بعلم النفس، وحيثما يلتقي الخاص بالعام. إنني أقف بصحبة أم جدتي عند العتبة. أقتحم السور الزائف. على الجانب الآخر، أربط قصتي الشخصية بالقصّة الجماعية. أتحرك خلال الحيّز المنزلي، وأخرج نحو الحيز التجاري الجامح لباحة المطحن: السوق، ومحل تداول النميمة، والشارع، ومبنى البرلمان.

بدأتُ كتابة الروايات في السبعينيات، عند النقطة التي اكتشفت فيها- للمفارقة- أنني أريد أن أكون مؤرّخة. فكرت أنني بسبب حماقتي، وأنا في عمر السادسة عشرة، لم أكن أعرف ما أكتبه في استمارة تقديمي للجامعة، فقد ضيعت فرصتي؛ لذلك إن كنت أريد العمل مع الماضي، يتعيَّن علي أن أصير روائية، وهو الأمر الذي يمكن، بالطبع، لأي أحمق، أن يفعله.

خلال السنة الأولى أو السنتين الأوليَيْن، تعرضت لشعورٍ بالدونية الحضارية. شعرت بأنني- أخلاقيّاً- أدنى من المؤرخين، وأدنى- فنيّاً- من الروائيين الحقيقيين الذين بوسعهم نسج الحبكات، في حين كان عليَّ، فقط، أن أعرف ماذا حدث.

في تلك الأيام، لم تكن الرواية التاريخية محترمةً أو جديرة بالاحترام. كانت تعني رومانسية تاريخية. لو قرأتَ رواية عبقرية كرواية «أنا، كلوديوس – I, Claudius»، التي تدور أحداثها في روما القديمة، فإنك لا تصمها بالنوع الأدبي؛ تنظر إليها باعتبارها أدباً فحسب؛ لذا كنتُ أخجل من تسمية ما أفعله. على أي حال، لقد بدأت. أردت أن أجد رواية تستهويني عن الثورة الفرنسية. فلم أجد، فشرعت بكتابة واحدة.

لم أكن في سعيٍ لنتائج سريعة. كنت مستعدة للنظر في جميع المواد التي يمكنني العثور عليها، حتى مع علمي أن ذلك قد يستغرق سنوات. لكن الذي لم أكن مستعدة له، كان الفجوات، والمحو، ولحظات الصمت حيث كان ينبغي وجود أدلة.

هذه اللحظات من الصمت والمحو جعلت مني روائية، لكني، في أول الأمر، وجدتها- ببساطة- مربكة. لم أحب أن أختلق أشياء؛ ما سبَّب لي نقطة ضعف. في النهاية، هرعت نحو وضعٍ انتقالي أرضاني. لسوف أختلق لرجلٍ عذاباته الداخلية، لكن ليس، مثلاً، لون ورق الحائط في حجرة الرسم الخاصة به؛ لأن أفكاره يمكن، فقط، تخمينها، حتى إن كان مدوّناً لليوميات أو كاتب اعترافات، فقد يكون ممن يُخضِعون أنفسهم للرقابة الذاتية. أمّا ورق الحائط، فشخصٌ ما، في مكانٍ ما، قد يعلم الشكل واللون، وقد أعرف إذا واصلتُ السعي إليه. وحينها، عندما يعود ثائري إلى بيته مرهقاً، بعد مناظرة دامت 24 ساعة في المؤتمر الوطني(6)، ويرمي بحقيبته في أحد الأركان، سيكون بوسعي أن أدير النظر في الحجرة، من خلال عينيه. حينما صدر كتابي، في نهاية المطاف، بعد سنوات عديدة، إذا بناقدٍ خبيث- وكان يُلزِمني حدودي بوصفي امرأة تكتب عن رجال يخوضون في شؤون سياسية جادة – يشتكي أن في الكتاب الكثيرَ عن ورق الحائط. صدقوني، كنت أعتقد- بكلّ أمانة- أنه أقل كثيراً مما يكفي.

في الوقت المناسب، فهمت أمراً، هو أنك لا تصير روائيّاً لكي تغزل أكاذيبَ مسلية، إنك تصير روائيّاً لتتمكن من قول الحقيقة. أنا أبدأ في ممارسة حرفتي عند النقطة التي تنهار فيها القَناعات تجاه الرواية الرسمية. إن بعض القصص تحتمل أن يعاد حكيها. إنها تفرض إعادة حكيها فرضاً. خذ، مثلاً، الأيام الأخيرة في حياة آن بولين – Anne Boleyn: تستطيع أن تحكي تلك القصّة تم تحكيها مرات عديدة. أن تُخضِعها لمئات التعديلات، ولكن يظل بادياً أن هناك قطعة مفقودة من الأحجية. تقول: «أنا واثقٌ من أنني أستطيع أن أبلي بلاءً أفضل، المرة القادمة»، يم تبدأ من جديد. تنظر إلى النتيجة، فتدرك، مرةً أخرى، أنه بينما كنتَ توثّق وثاق جزءٍ من الحقيقة، فرَّ جزءٌ آخر إلى البرّية.

مع هذا، تطلَّب الأمر مني وقتاً كي أصل إلى أسرة تيودور. خلال غالبية مسيرتي المهنية، كتبتُ عن أناسٍ غريبين وهامشيين: وسطاء روحيين، أو متدينين، أو من ذوي الاحتياجات الخاصة، ونزلاء المصحّات والإصلاحيات ودور الرعاية، أو أخصائيين اجتماعيين، أو فرنسيين. قرّائي كانوا عُصبةً صغيرةً ومنتقاة، إلى أن قررت التقدم نحو منتصف ساحة التاريخ الإنجليزي، وغرستُ راية.

الحقبة التيودورية، بالنسبة إلى الباحثين، لا تزال بؤرةً لجدلٍ محتدم، أمّا بالنسبة إلى العامّة فهي تسلية سائغة. وهناك رفوف كانت ملأى بروايات عن هنري الثامن وزوجاته. لكن لا يمكن لروائي أن يقاوم زاوية غير مستكشَفة. غيّرْ زاوية الرؤية، وستكون القصّة جديدة. من بين كُتاب الأدب القصصي، لم ينازعني أحدٌ على هذه المنطقة. الكل كان مشغولاً، يزرع لنفسه مكانةً كدخيل.

سنوات عديدة، ونحن مهمومون بنزع المركزية عن «سرديتنا الكبرى grand narrative». قد أصبحنا عاطفيين حيال المقطوعين من شجرة، المكسورين، أولئك الذين بلا صوت، ومتشككين حيال الرجال العظماء، مستخفين بالأبطال. هكذا، تطوّر تقصِّينا للدراما البشرية: بدايةً تذهب الآلهة، ثم يذهب الأبطال، ثم إذا بنا متروكون صحبة أنفسنا المدنَّسة المفضوحة.

فيما تكتسب معرفةً وتقنيةً بصفتك كاتباً.. فيما تكتسب وعياً ذاتيّاً ضروريّاً بخصوص حرفتك، تفقد بعضاً من متانة علاقتك بالماضي النابعة من الطفولة. حين كنت طفلة، كان الماضي يبدو لي أنه قريب، وكان يبدو لي أنه أمر شخصي. تحت كلّ تاريخ، يوجد تاريخ آخر، يوجد- على الأقلّ- حياة المؤرِّخ. لهذا دعوتُ أمّ جدتي لهذه المحاضرة، لأنني أعرف أن حياتي تؤثِّر في عملي. بإمكانك اعتبار الروايات جميعها تعويضاً نفسيّاً عن حيواتٍ لم تُعَش؛ فالرواية التاريخية تَنتُج عن نهمٍ في خوض التجارب. فضول عنيف يدفعنا، يأخذنا بعيداً عن زمننا، بعيداً عن شاطئنا، وكثيراً ما يكون خارج نطاق بوصلتنا.

يجعلك السعي وراء الماضي، سواء أكنت روائيّاً أم مؤرخاً، تعي مخاطر لامعصوميتك وتحيُّزك المتأصّل. إن كاتب التاريخ هو أثرٌ يمشي على قدمين، هو شخصٌ مغترب، يستخدم أساليب اليوم ليحاول معرفة أشياء عن الأمس لم يعرفها الأمسُ عن نفسه. يجب عليه أن يحاول العمل متثبِّتاً، مستمعاً إلى كلمات الماضي، متواصلاً لكن بلغةٍ يفهمها الحاضر. المؤرِّخ وكاتب السير وكاتب الروايات يعملون ضمن حدود مختلفة، لكن على نحو مكمِّل، لا متضاد. حرفة الروائي ليست اختلاق الأشياء، فحسب، إطلاقاً.. وحرفة المؤرِّخ ليست تكديس الوقائع، ببساطة، إطلاقاً؛ فحتى أكثر الأبحاث جموداً واعتماداً على البيانات، تتضمّن عامل تأويل. إن بحثاً عميقاً داخل الأرشيفات يمكن تأديته في هيئة جداول أو قوائم، بواسطة مؤرخين فيما يخاطب بعضهم بعضاً. لكنهمّ، لمخاطبة جمهورهم، يستخدمون الأدوات نفسها التي يستخدمها الحكّاءون: الانتقاء، والدمج، والتنسيق الخلاق. قال مؤرِّخ القرن التاسع عشر، «اللورد ماكولي – Lord Macaulay»: «التاريخ يجب أن ينطبع في المخيلة، قبل أن يمكن تلقّيه بالعقل». إذاً، كيف نعلّم التاريخ؟ هل الأمر عبارة عن مجموعة من القصص، أم مجموعة من المهارات؟ كلاهما، أعتقد. نحتاج أن ننقل القصص، وأن نمنح المهارات- أيضاً- لكي نفسِّخ القصص، ونصنع قصصاً جديدة.

لنستعيد التاريخ، نحتاج إلى صرامة، ونزاهة، وإخلاصٍ سخي، ونزوعٍ إلى الشك. لنستعيد الماضي، يُتطلَّب منا كل تلك الفضائل، وشيءٌ زيادة. إن أردنا قيمةً إضافية (أن نتخيل ليس، فقط، كيف كان الماضي، بل كيف بدا من الداخل) فإننا نختار رواية. المؤرِّخ وكاتب السير يقتفيان آثاراً من أدلة، آثاراً ورقية، عادةً. يفعل الروائي هذا، أيضاً، ثم يؤدّي عملاً آخر: يعيد الماضي إلى سيرورته، إلى الحركة، يحرّر الناس من الأرشيف، ويتركهم يهيمون، يجهلون مصائرهم، حيث كلّ أخطائهم لم تقع.

ليس بوسعنا أن ننحّي التنظير جانباً. إنه لمن المستحيل، الآن، كتابة رواية تاريخية ذكية، دون أن تكون رواية تأريخية، رواية تأخذ في الحسبان طريقةَ عملٍ خاصّة بها. لكنني حاولت أن أجد سبيلاً للتحدث عن الماضي دون أن أستعمل، يوميّاً، مصطلحات مثل «التأريخ». لقد أصبحت روائية لأختبر الفضيلة بكلماتٍ، كانت لتتعرف عليها أمّ جدتي، من تلك الرحلة التي قطعتها من أيرلندا إلى إنجلترا، من مكان أخضر رطب إلى آخر: كلماتٍ مثل: خيط، ونول، ولُحمة، وسَداة(7).. كلماتٍ مثل: رصيف الميناء، وسفينة، وبحر، وحجر، وطريق، وبيت. 


المصدر:

أُذيعت عبر راديو بي بي سي، ونُشرت في الغارديان البريطانية، بتاريخ 3 يونيو 2017.

الهوامش:

(1) اسم «باتريك – Patrick» يعتبر أكثر شيوعاً في أيرلندا حيث نشأ، ويُنسب إلى القديس باتريك.

(2) جمعية الأصدقاء الدينية «الكويكرز» هي حركة مسيحية تأسَّست حوالي عام 1650، انتصرت لـ«النور الداخلي»، ورفضت كل أشكال الشعائر والكهانة.

(3) مجتمع يشجع على التقشف والتوفير بحجة استثمار المدخرات لصالح أصحابها.

(4) أسرة تولّت عرش إنجلترا، منذ عام 1485 حتى 1603.

(5) المستنسخ – replica، يكون نسخة مرسومة لتُطابق اللوحة الأصلية. أما النسخة المصورة – photographic reproduction، فتكون صورة فوتوغرافية ملتقطة للوحة الأصلية، ذات جودة عالية، وتُطبع على خامات خاصّة.

(6) المؤتمر الوطني يُعتبر أوّل حكومة بعد الثورة الفرنسية. تأسس في 1792، واستمر حتى 1795.

(7) السداة: الخيوط الطولية في النسيج، عند الحياكة بالنول. اللحمة: الخيوط العرضية في الحياكة.

ميشيل ويلبيك: لا أصدق من يقول ”لا شيء أبداً سيعود كما كان في السابق“

لابدّ لي من أن أعترف بأن الرسائل التي بعثتها أو استقبلتها خلال الأسابيع الماضية كان الهدف منها بالأساس الاطمئنان على أن مخاطبي لم يمت وليس على وشك أن يموت. وبعد ذلك فقط قد يتسنى لنا الخوض في مواضيع مثيرة للاهتمام. مع أن هذا لم يكن بالأمر الهين نظراً لأن الوباء قد نجح في خلق جوٍ مشحون بالقلق والملل في آنٍ واحد. إنه فيروس تافه، غالباً ما يُشبَّه بفيروسات الأنفلونزا التي يكتنفها هي الأخرى غموضٌ كبير، ولا يُعرف الكثير عن الظروف التي يبقى معها على قيد الحياة، كما أن خصائصه تبقى غير مُحدّدة، إذ يوصف بالحميد تارةً، وبالخبيث تارةً أخرى. إنه إذن فيروس يند عن الوصف. إنّ هذا الوباء، وإنْ كان يحصد آلاف الأرواح كلّ يوم إلّا أنه مع ذلك يخلف لدينا الانطباع على نحوٍ غريب بأن لا شيء يحدث حولنا بالفعل. لذلك فإنّ زملائي الكُتَّاب المحترمين (البعض منهم محترم على أية حال) لم يتكلّموا عنه كثيراً، وآثروا الحديث عن تجربة الحَجْر. وأنا أودُّ هنا أن أضيف إسهامي الشخصيّ في بعض ما جاؤوا به من ملاحظات.

يرى «فريديريك بيجبيدر Frédéric Beigbeder» بأن الكاتب في مطلق الأحوال لا يلتقي بالناس كثيراً، وأنه يحيا حياة النُسَّاك وسط كُتبه. لذلك فالحَجْر لا يغيِّر شيئاً بالنسبة له. أتفق معك تماماً، فريديريك، في أن الحَجْر لا يغيِّر شيئاً في حياة الكاتب الاجتماعيّة، إنما هناك نقطة سهوتَ عنها فيما يبدو، (وهذا راجع بلا شك لأنك تعيش في الريف، حيث إجراءات المنع أقلّ قساوة): إن الكاتب يحتاج لممارسة المشي. إن هذا الحَجْر يبدو لي مناسبةً سانحةً للحسم في سجالٍ قديمٍ بين «فلوبير Flaubert» و«نيتشه Nietzsche». لقد قرأت في موضعٍ ما (لم أعد أذكره) نصّاً لفلوبير يؤكِّد فيه بأن المرء لا يمكن أن يفكّر وأن يكتب إلّا في وضعية الجلوس. وقرأت بعدها لنيتشه (في موضعٍ لا أذكره أيضاً) نصّاً يحتج فيه ويسخر من فلوبير، بل يذهب لحدِّ وصفه بالعدمي (لعلّ ذلك تزامن مع الفترة التي بدأ فيها نيتشه يستعمل هذه الكلمة حيثما اتفق). ثم يؤكِّد على أنه أبدع جميع مؤلَّفاته بينما كان يمارس المشي، وأن كلّ إبداع لا يولد أثناء المشي فهو والهباء سيان. ومع أنني شخصيّاً لا أكن كثير إعجاب لنيتشه فلابد لي من الاعتراف بأنه صاحب الرأي الأصوب في هذا المقام. إن مَنْ يحاول الكتابة دون أن يقوم خلال يومه بالمشي لساعاتٍ طويلة وبإيقاع سريع فمن الأجدى له أن يضرب صفحاً عن الكتابة. إذ يستحيل على الكاتب المسكين أن يتخلص مما يتراكم لديه من توترٍ عصبي ومن الأفكار والصور التي تظلّ تدور برأسه وتسبب له الآلام والأوجاع فتزداد عصبيته وربَّما قاده ذلك إلى الجنون.

إن أهمّ شيء هنا هو الإيقاع الميكانيكي والآلي للسير على الأقدام، والذي لا يُرجى منه في المقام الأول انجلاء أفكار جديدة (وإنْ كان ذلك ممكناً في المقام الثاني)، وإنما يتوخَّى منه تهدئة الصراعات التي تنشأ عن اصطدام الأفكار بعضها ببعض عند جلوس الكاتب إلى منضدته. (هنا يبدو لنا بأن فلوبير ليس مخطئاً بشكلٍ كلي). أما حين يحدّثنا نيتشه عن الأفكار التي تشكّلت لديه وهو على المنحدرات الصخرية بأرياف مدينة «نيس Nice» بفرنسا أو في براري منطقة «الإنجادين l’Engadine» السويسرية فأعتقد أن في قوله هذا بعضاً من الهذيان. إن ما يكتشفه الكاتب في دواخله هو أهمّ بكثير من أي منظر خارجي يمكن أن يراه، اللهم إلّا إذا كان يهم بتحرير دليل سياحي.

فيما يتعلّق بالكاتبة «كاثرين مييي Catherine Millet» (التي كانت عند انطلاق الحَجْر الصحيّ لحسن الحظ تتواجد بمنطقة «إستاجيل Estagel» بالجهة الشرقية من جبال «البيرينيه Pyrénées» وإنْ كانت في العادة تقطن بباريس)، فالوضع الراهن يذكرها بالجزء «الاستباقي» من إحدى رواياتي: «احتمال جزيرة La possibilité d’une île». لقد قلت في نفسي بأن من الجيّد أن يكون لدي عددٌ من القُرَّاء. فأنا شخصيّاً لم أعقد هذه المُقارنة، وإنْ كان الشبه واضحاً تماماً. والآن حين أسترجع الأمر أتذكّر بأن هذا تماماً هو السيناريو الذي رُسم بذهني في ما يخص انتهاء البشريّة. سيناريو بعيد جدّاً عمّا تصوِّره الأفلام الضخمة: مشهد رتيب لأشخاصٍ يعيشون في زنازين تعزلهم عن بعضهم البعض دون أن يكون بينهم أي اتصال جسديّ ما عدا بعض الرسائل التي تنتقل عبر الحواسيب. وجود بشريّ يستمر هكذا في الأفول شيئاً فشيئاً.

«إيمانويل كارير Emmanuel Carrère» (الذي يقضي فترة الحَجْر متنقّلاً بين باريس ومنطقة «روايان Royan» في الشمال، لابدّ إذن أن لديه سبباً وجيهاً للتنقّل هكذا في هذه الظروف) يتساءل جديّاً عمّا إذا كانت فترة الحَجْر ستتمخض عن ميلاد كُتب جيّدة بالفعل. وأنا أتساءل معه أيضاً. لقد طرحت السؤال على نفسي بالفعل، ولكنني لا أعتقد أن شيئاً من ذلك سيحدث. الطاعون شكّل موضوعاً لكتاباتٍ عديدة، وكان مصدر إلهام لمُؤلِّفين كثر على مدى قرونٍ طويلة. وفيما يخص الوضع الراهن تراودني الكثير من الشكوك. أولاً أنا لا أميل إلى تصديق التصريحات من قبيل: «لا شيء أبداً سيعود كما كان عليه في السابق». على العكس تماماً، ستبقى الأمور على حالها. إن سيرورة الأحداث في هذه الجَائِحة عادية جدّاً ومتوقّعة لحد يلفت الانتباه. فالغرب لم يعد المنطقة الأغنى والأكثر تطوُّراً في العالم. انتهى كلّ ذلك منذ مدّة طويلة ولم يعد أمره يخفى على أحد. ونحن عندما ندرس سير الأحداث نجد أن فرنسا واجهت الجَائِحة بشكلٍ أفضل قليلاً من إسبانيا وإيطاليا، ولكن أسوأ بكثير من ألمانيا. هنا أيضاً لا ينطوي الأمر على مفاجأة تذكر.

إن أهمّ شيء ستخلفه هذه الجَائِحة سيكون بلا شك التسريع من وتيرة التحوُّلات التي تجري فعلياً في الوقت الراهن. فالطفرات التكنولوجيّة التي انطلقت منذ سنواتٍ عديدة، سواء الصغيرة منها (الأفلام حسب الطلب، الدفع دون استعمال النقود)، أو الكبرى (العمل عن بُعد، الشراء عبر الإنترنت، شبكات التواصل الاجتماعيّ) تفضي إلى النتيجة نفسها (أو ترمي إلى الغاية نفسها؟)، وهي التقليص من الاتصال المادي، وخاصّة الاتصال بين البشر. وهذا يذكرني بمقارنةٍ لامعة عثرت عليها في أحد النصوص المنشورة على الإنترنت، وهو من توقيع مجموعة من النشطاء المُناهضين لتكنولوجيا الإنجاب بالمساعدة الطبيّة يطلقون على أنفسهم «Les Chimpanzés du futur». تقول المُقارنة: «في المستقبل القريب، كلّ مَنْ يودُّ أن ينجب طفلاً بنفسه، مجاناً وعن طريق الصدفة سيبدو تصرُّفه هذا غير لائق ومستهجناً تماماً كمَنْ لا زال اليوم يحاول أن يستوقف سائقاً مجهولاً ويسافر معه دون أن يمر عبر المنصات الإلكترونية المُتخصِّصة في هذا المجال».

لعَلّ من الخطأ القول بأننا مع كورونا أعدنا اكتشاف البُعد التراجيديّ والفناء، وأعدنا اكتشاف الموت. إنّ التوجُّه العام خلال الخمسين سنة الأخيرة، على حسب ما جاءت به الدراسات الرصينة التي أنجزها «فيليب أرييس Philippe Ariès» في هذا المجال، ينحو نحو إخفاء الموت على قدر المستطاع. ولم يحدث أن تمَّ التكتم على الموت قدر ما حدث في الأسابيع الماضية. إذ ينازع الناس في عزلة تامة داخل غرف المستشفيات أو في دور العجزة، يدفنون فوراً أو يتمّ حرقهم (وقد زاد الإقبال على حرق الجثث في الآونة الأخيرة) في سرية تامة ودون دعوة أحد، إذ يصير الضحايا مجرَّد أرقام في الإحصائيات التي تصدر كلّ يوم. وهذا القلق الذي يزداد انتشاراً بين الناس قدر ما يرتفع العدد الإجمالي للضحايا ينطوي في نظري على بُعدٍ مجرَّد يصعب تفسيره.

رقم آخر اتخذ أيضاً أهمِّية كبرى خلال الأسابيع الماضية: يتعلَّق الأمر بسنِّ المرضى. ما هي إذن السنّ التي يظل في حدودها للمريض الحق في أن يستفيد من العلاج ومن جهاز للإنعاش؟ 70، 75، 80؟ يتوقَّف الجواب فيما يبدو على البلد الذي يوجد به المريض. ولكن في مطلق الأحوال لم يسبق للبشريّة أن تحلَّت بهذا القدر من الصفاقة الهادئة في الجهر بأن أرواح الناس ليست لها القيمة نفسها، وأن من بلغ سناً معيّنة (70، 75، 80) يعتبر نوعاً ما في عِدادِ الموتى.

هذه التوجُّهات كلّها هي، كما قلت، موجودة سلفاً، ولم يقم فيروس كورونا سوى بإضفاء نوعٍ من البداهة الجديدة عليها. نحن لن نستيقظ بعد الحَجْر على عَالَمٍ جديد، سيكون نفس العَالَم، إنما أسوأ بقليل.


العنوان الأصلي والمصدر:

Michel Houellebecq, «Je ne crois pas aux déclarations du genre «rien ne sera plus jamais comme avant»

https://bit.ly/2BNCZwJ