”تغيير مسار الطريق“ لويس سيبولفيدا

في يوم الثلاثاء: 17 مايو/أيار، 1980، غادر قطار «أنتوفاغاستا – أورورو» المحطّة التشيلية في رحلة روتينية. تألّفت القافلة من عربة البريد وعربة أخرى لشحن السلع وعربتَين لمسافري الدرجتين: الأولى والثانية،على التوالي.

كان عدد قليل جدًّا من الركّاب يسافرون فيه، ونزل معظمهم في «كالاما»، في منتصف الطريق الطويل حتى حدود «بوليفيا». وأولئك الذين بقوا، هم أربعة في عربة الدرجة الأولى، وثمانية في عربة الدرجة الثانية، استعدّوا للنوم متمدّدين على المقاعد، يهدهدهم، بمسرّة، اهتزاز القطار الذي سيصعد، ببطء متعب، ثلاثة آلاف من الأمتار بزيادة قليلة، إلى أن يصل إلى سفح بركان «أولاغوي» والمدينة التي تحمل الاسم نفسه.

وهنالك، كان على المسافرين الذين يرغبون في مواصلة رحلتهم إلى «أورورو» أن يركبوا قطارًا بوليفيًا، وسيستمرّ قطار «أنتوفاغاستا – أورورو» السريع، في سيره لمسافة مئة كيلومتر أخرى، تقريبًا، عبر الأراضي التشيلية حتى التوقّف في «أوخينا»، محطّة نهاية الرحلة. لماذا كان يُطلَق على القطار السريع اسم «أنتوفاغاستا – أورورو»، وليس- ببساطة- «أنتوفاغاستا – أوخينا»؟؛ ذلك شيء لم يفهمه أحد، على الإطلاق، ولا يزال الأمر مستمرًّا على هذا النحو.

كانت رحلة مملّة. لقد ماتت سهول «بامبا ملح البارود» منذ فترة طويلة، ولم تقدّم القرى المهجورة، حتى من قِبَل أشباح عمال المناجم، أيّ مشهد جدير بالذكر. حتى «الغواناكو»، الذين كانوا يعانون من السأم، أحيانًا، وهم يشاهدون عبور القطار بملامح تعبير بلهاء، كانوا ضجرين. كان المرء يرى واحدًا منهم كما لو أنه يراهم جميعًا.

كان يسافر، في عربة الدرجة الأولى، رجل وامرأة متزوّجان حديثًا. كانا يرغبان في التعرّف إلى بوليفيا (كانا يخططان للوصول حتى تياهواناكو)، وتاجر ملابس داخلية لديه قضايا عالقة في «أورورو»، ودارس متعلّم لحلاقة الشعر كان قد فاز بتذكرة ذهاب وإياب إلى «أوخينا» في مسابقة بالراديو. سافر حلّاق المســتقبل غير المقتنع كثيرًا بأن مثل هذه الجائزة تكافئ- إلى حدّ، ما وبشكل عادل- الإجابة الصحيحة على الأسئلة العشرين في مسابقة «السينما وأنت».

في عربة الدرجة الثانية، كان يحاول النوم ملاكمٌ من وزن «ويلتر»، والذي سيكون عليه، بعد ثلاثة أيّام، أن يواجه في «أورورو» بطل الهواة البوليفي من فئة الوزن نفسه، ومعه وكيله، والمدلّك، وخمس أخوات راهبات صغيرات من المؤسّسات الخيرية. لم تكن الراهبات ينتمين إلى الوفد الرياضي، فقد بقين في «أوياغوي» لممارسة بعض طقوس الخلوة الروحية.

كان القطار يحمل سائقين للقطارات، والمكلّف بعربة البريد، ومراقب التذاكر.

كانت قاطرة الديزل تسحب قافلة العربات بسلاسة، ودونما مشاكل. لقد قضوا، خلال رحلتهم، ثماني عشرة ساعة منذ أن غادروا «أنتوفاغاستا»، وكانوا يمضون بمحاذاة المنحدرات الأولى التي تحرس بركان «سان بيدرو» وارتفاعاته التي تشارف ستّة آلاف متر، تقريبًا. بقيتْ حوالي خمس ساعات أخرى من السفر، حتى يدخلوا «أوياغوي» مقلقين الخفافيش في أبراج الأجراس.

لاحظ سائق القطار الذي كان في القيادة، بغتةً، ظهور كتل من الضباب، لكنه لم يهتمّ بالأمر. لقد كانت كتل الضباب تشكّل تفاصيل روتينية، لكنه- تحسُّبًا لكلّ طارئ- أبطأ سرعة القطار. قائد القطار الآخر كان نائمًا وهو جالس، وعندما شعر بالحركة التي قام بها زميله، فتح عينيه.

– ماذا يحدث؟ اللامات المتوحّشة، مرّةً أخرى؟

– هناك ضباب كثيف جدّاً.

– تصرّفْ بشكل عاديّ. لا أقلّ ولا أكثر.

اقتحمت القاطرة كتل الضباب مثل سهم، واكتشف قائد القطار شيئًا غير عاديّ. شعاع ضوء العاكس لم يكن يخترق الضباب، بل كان يرتسم دائريًّا، كما لو كان يسقط على جدار رماديّ ورطب. وبشكل غريزي، زاد السائق تقليص السرعة إلى الحدّ الأدنى، وفتح رفيقه عينيه مرّةً أخرى.

– ماذا يحدث؟

– الضباب. لا شيء يُرى. لم يسبق لي أن رأيت ضبابًا بمثل هذه الكثافة.

– أنت على حقّ. من الأفضل أن توقف الآلة.

وهذا ما فعلاه. تراجع القطار بضع سنتيمترات، ثم توقّف.

فتح سائق القطار الذي في غرفة القيادة نافذة، وأطلّ برأسه محاولاً النظر نحو الحزمة الضوئية للشعاع، لكنه لم يرَ حزمة الضوء القويّة للأضواء الأمامية. في الواقع، لم يرَ شيئًا على الإطلاق. وفي حال من الذعر، أدخل من جديد رأسه. وعندما نظر إلى الأمام، لم يستطع، أيضًا، أن يرى العاكس مشتعلًا.

– يا للقرف! لقد احترقت شمعة الإشعال.

أخذوا شمعة إشعال جديدة وخرجوا إلى الممشى يحملان صندوق أدوات العدّة. كان الرجلان يحملان في أيديهما مصباحَيْن يدويَّيْن. أوّل الخارجين تقدّم خطوتَيْن ثم توقّف. كان يعتقد أن مصباحه قد تعطّل، لكنه لمّا وجّهَه نحو الأعلى، تأكّد من أنه كان مشتعلًا. لم يكن الضوء يتمكّن من اختراق الضباب، فقد كان يسلّط على بعد بضعة ميلليمترات من الزجاج، ثم يموت.

– شريكي، هل أنت هناك؟

– نعم، أنا خلفك، لكني لا أراك.

– أنا مفزوع . أعطني يدك.

تحسّسا المكان في الظلام الدامس، وأمسك كلّ منهما بيد الآخر، وبجسديهما التصقا بدرابزين الممشى، ثم تقدّما حتى العاكس. لقد كان مشتعلًا. وعند تمرير اليد فوق الزجاج الواقي، كانت حزمة الضوء القويّة تصير شفّافة، لكنها لا تستطيع اختراق حتى سنتيمتر واحد في الضباب.

– دعنا نرجع. لا ينبغي أن ننتظر أكثر من ذلك، ليس أكثر من ذلك.

وعند العودة إلى قمرة القيادة، شغل القائد الثاني للقطار مقبض الراديو للإبلاغ عن التوقّف، وعن التأخير المحتمل في الوصول إلى محطّة «أوياغوي».

– يا لها من لعنة كبرى!

– والآن، ماذا هنالك؟

– الراديو. لقد مات! إنه لا يعمل.

– لم يعد ينقصنا سوى هذا. ماذا نفعل؟

– يجب أن ننتظر، ونصبر.

بدأت الساعات تمضي بطيئة، كما هو الحال في جميع وضعيات الالتباس. حلّت الساعة الرابعة صباحًا، ثم الساعة السادسة، ثم الساعة المحتمَلة للوصول إلى «أوياغوي»: الساعة السابعة. لقد اكتملت أربع وعشرون ساعة منذ أن غادروا «أنتوفاغاستا». واستمرّ الضباب على حاله، كثيفًا، لدرجة أنه كان يمنع مرور ضوء النهار، ولمعان الضوء الممزِّقُ للصباحات الأنديزية.

– يجب التحدّث إلى المسافرين.

– حسنًا. ولكن، دعنا نذهب معًا.

ونزل سائقا القطار من القاطرة، يمسك أحدهما بيد زميله، ملصقَيْن جسدَيْهما إلى القطار، ووصلا حتى عربة البريد. لقد ابتهج المسؤول عندما سمعهما، وأوصلهما إلى عربة الدرجة الأولى، فصعدا إليها. المراقب، الذي كان يرفع صوته، وهو يحاول تقديم تفسيرات لتاجر الملابس الداخلية، استقبلهما بارتياح.

– حتّامَ سنظلّ متوقّفين؟ أنا تنتظرني أعمال مهمّة في «أورورو»، تحجّجَ الرجل.

– ألم تطلّ من النافذة؟ ألا ترى الضباب الموجود في الخارج؟ قال أحد السائقين.

– وماذا بعد؟ مسارات السكك تستمرّ على الأرض، أضاف.

– كن متعقّلًا. قائدا القطار يعرفان ما يفعلانه، قالت المتزوّجة حديثًا.

– شريكي، اذهب للبحث عن ركّاب الدرجة الثانية. من الأفضل أن يكونوا كلّهم مجتمعين.

عبَر المشار إليه إلى العربة الأخرى، وكان أوّل من ظهر هم: الملاكم والتقنيان المرافقان له. أبقى الملاكم الباب مفتوحًا لكي تمرّ الراهبات.

دارت مناقشة قصيرة، كشفت عن أن المتزوّجَيْن حديثًا، ومتعلّم الحلاقة كانوا هم الوحيدين الذين يتمتّعون بالصبر داخل المجموعة، وتمّ الاتفاق على الخطّة التي يجب أن يتّبعوها.

ووفقاً لحسابات قائدي القطار، كانوا موجودين في مكان قريب جدًّا من بركان «سان بيدرو»، في جزء من المنحنيات الحادّة التي يُنصح فيها بعدم تحريك القطار وسط ذلك الضباب، ولكن من المحتمل، أيضًا، أن كتل الضباب لن تكون جدّ واسعة. ولربّما تنتهي في المنعطف التالي، وإذا كان الأمر كذلك، فإنهما مستعدّان لاستئناف الإقلاع عندما يعبرون المنعطف. لكن، قبل ذلك، يجب أن يكونوا في أمان؛ ولهذا ينبغي أن يكون هنالك متطوّع يرافق أحد قائدي القطار مشيًا، للاستكشاف عبر مسار السكّة. تطوّع الملاكم للتوّ، معلّلًا بأن قليلًا من الحركة سيكون مفيدًا له.

وحتى لا يكونا مضطرَّيْن للسير، ممسك أحدهما بيد الآخر، ربط الملاكم والقائد الثاني للقطارجسديهما، عند الخصر، بحبل، كما يفعل متسلّقو الجبال، وشرعا في السير. لكن ما إن خطَوَا أكثر من خطوة حتى افتقدهما المسافرون، ولم يعودوا يروهما. لكن الغياب لم يدم طويلًا.

وهو يسحب الملاكمَ الذي لم يفهم سبب قرار الرجوع، عاد قائد القطار إلى الجماعة.

– نحن فوق جسر، قال السككي.

– ماذا؟ ليس هناك أيّ جسر في مسار الرحلة كلّها! قال الآخر.

– أعرف ذلك، مثلك تمامًا، لكننا الآن فوق جسر. تعال معي.

فكّوا رباط الملاكم، وتمّ ربط السائقين معًا بواسطة الحبل.

لم يكن كلّ من الرجلين يرى الآخر. وكانت رطوبة الضباب تجعل التنفّس صعباً.

– دُس النائمين. سوف نخطو خطوتين. أنت جاهز؟. حاول الآن وضع قدمك ما بين النائمين.

كان السككي الآخر على وشك فقدان توازنه. اجتازت قدمه الضباب، دون أن تجد مقاومة.

– يا للمصيبة! هذا صحيح. أين نحن؟

– هل لديك شيء ثقيل؟ أريد أن أعرف إن كان ثمّة ماء في الأسفل.

– فهمت. انتبه. سوف ألقي المصباح اليدوي.

انتظرا، وهما يحبسان أنفاسهما، كلّ الوقت، ما استطاعا ذلك، لكنهما لم يسمعا الضوضاء.

– حسنًا. يبدو أنه عالٍ. أين نحن؟

عادا إلى العربة، ووجهاهما الحائران أخرسا المسافرين.

وزّعت الراهبات ما تبقّى من القهوة التي كنّ قد حملنها معهنّ في (الترمس)، وراجع تاجر الملابس الداخلية جدول التزاماته.أما العروسان فقد أمسك كلّ منهما بيد الآخر، ومشى الملاكم بعصبية من طرف العربة إلى الطرف الآخر، بينما كان مدبّر أعماله يلعب لعبة الداما مع المدلّك، بينما أخرج متعلّم حلاقة الشعر، في خجل، راديو ترانزستور من حقيبته.

– فكرة جيّدة! ربّما هناك أخبار عن أحوال الطقس، فالساعة الآن، هي السابعة صباحًا، وقد حان موعد الأخبار، صرخ أحد السائقين.

احتشدوا قرب الفتى. وبالفعل، استمعوا إلى نشرة الأخبار، بتكذيب، أوّلاً، وبعدئذ باشمئزاز، وأخيرًا بخضوع أمام الوضوح.

تحدّث المذيع عن الانحراف المأساوي لقطار «أنتوفاغاستا – أورورو» عن سكّته، والذي حدث في الليلة الماضية بالقرب من بركان «سان بيدرو». يبدو أن سائق قافلة العربات المقطورة، وبسبب عطب في نظام الكبح، قد قفز عن مساره، وسقط في منحدر، ولم يكن هناك بين المسافرين ناجون، وكان من بين الضحايا الرياضي البارز …

نظر كلّ منهم إلى الآخر في صمت. لا أحد منهم سينفّذ خططه أو سيصل، في الوقت المناسب، إلى موعده المحدّد. دعوة أخرى غامضة وغريبة، مع مرور الوقت، سوف تستدعيهم للعبور إلى الجانب الآخر من الجسر، عندما سيتلاشى الضباب.


حقّق لويس سيبولفيدا شهرة عالمية من خلال أعماله السردية، وخاصّة روايته «العجوز الذي كان يقرأ روايات الحب» (1988). عاش فترة الاعتقال السياسي بعد انقلاب «بينوشيه»، ثم تجربة المنفى في العديد من دول أميركا الجنوبية وأميركا الوسطى، وعاش اللحظات الحاسمة لانتصار الثورة السندينية في «نيكاراغوا»، قبل أن ينخرط في حركة النضال من أجل البيئة. من أشهر أعماله: باتاغونيا اكسبرس (1995)، اسم مصارع ثيران (1994)، عالم نهاية العالم (1996)، حكاية النورس والقطّ الذي علّمه الطيران (1996)، حكايات هامشية (2000)، الخطّ الساخن (2000)، أسوأ حكايات الأخوين غريم، ومصباح علاء الدين (2008)، ظلّ ما كنّاه (2009)، حكاية الكلب المسمّى ليال (2016)، قصّة الحلزون الذي اكتشف أهمّيّة البطء (2018)، قصّة حوت أبيض (2019) . توفّي نتيجة إصابته بفيروس (كورونا  19)، في 16 أبريل/ نيسان، 2020.

”حُلم الضابط الأميركيّ“ جبّار ياسين

كان يمكن أن تكون هذه الواقعة عاديّة، لو لم تكن توجد هناك نبوءة. بدأ كلّ شيء بحلم منذ وقت طويل، في مكان آخر قَصيّ. لم يُرَ، في الحلم، لا وجه ولا رُتْبة، كما لو كان كلّ شيء يُرى من بعيد. كانت رأس الضابط الأميركي تظهر وسط الأشجار، كانت هيئته تذكّر بهيئة ممثّلي سينما الخمسينيّات. كان اللقاء في حديقة غامضة، أشجارها ضخمة، ترسم ظلالاً على أرض خضراء، اُعْتُنيَ بها جيّدًا، وتمتدّ إلى ما لا نهاية. كان كلّ شيء رماديًّا محْمرًّا كأنه وقت هبوط الغسق. كنت أراني واقفًا، لا أزال شابًّا، أكتسي بالأسود، و بقايا المحادثات تدور حول حرائق معامل تكرير بغداد، وبعض التلميحات عن كهوف ما قبل التاريخ. فجأةً، توارى وجه الضابط، فوجدتني وسط ميدان دائريّ، تحيط بي منازل خاوية على عروشها. كان صوت صفّارات الإنذار يُدوّي، وراحت السماء تُظلم، وبعض الطائرات القاصفة تمرّ، وهي تشعل السماء. صرختُ:

– معامل تكرير بغداد تحترق! 

والتفعت بغبار الميدان الخاوي. 

*** 

بعد ذلك بسنوات، كنت أجرجر قدميَّ وسط الأنقاض، أعبر الشوارع التي احترقت واجهات منازلها، وحيث كانت السماء تضطرم جرّاء ذهاب وإياب الطائرات، وطائرات «الهيلوكوبتر». مارًّا بالميدان الدائري، كنت أشمّ رائحة الحرب وصيحات السكّان الذين يصفون رحيل الأدخنة التي تجعل السماء حالكة السواد. 

عدت إلى بغداد عام 2003، ذات ظهيرة، عَقب غياب دام سبعة وعشرين عامًا. المكان الذي كنت فيه كان حقيقيًّا، و- للمّرة الأولى- كنت أرى دوريّات الجنود الأميركان تتبع أقدامي، التي كنت أعتقد أنها طاهرة. 

رأيت عائلتي، وبعض الأقارب، وهكذا انقضى أسبوع. اجتاحتني الرغبة في رؤية البيت الذي ولدتُ فيه، مرّة أخرى، في الأسبوع الثاني. كنت أعلم أن البيت كان قد هُدّم، عندما كنت في الرابعة من عمري. كنت أحتفظ بأمواج من ذكريات الجرّافات الصفراء التي كانت تشبه حيوانات ما قبل التاريخ، وهي تلتهم الجدران. كانت تُحْدث صخبًا فظيعًا، وأنا أتخيّل تنفُّس هذه الوحوش. كان لزامًا، إذن، الذهاب إلى ما صار، بعد دخول الأميركان، «المنطقة الخضراء». كان هذا مستحيلاً، لقد حظر الجنود الأميركان دخول أيّ شخص لا يرفع شارة النجاة التي منحتها مصلحتهم الإدارية. أصبح وجود المنطقة ملموسًا، أكثر ممّا كانت عليه، حتى في عهد صدّام حسين. كان مراسلون من التليفزيون الفرنسي يرافقونني كي يصوّروا معي فيلمًا تسجيليًّا في هذا المكان، حيثما ولدتُ منذ سبعة وأربعين عامًا. كانت هذه المنطقة، آنذاك، منطقة متواضعة، كانت بساتين الخضروات تفصل ما بين البيوت التي كانت تحاذي نهر دجلة. 

شرحت هذا للضابط الأميركي، الذي لم تكن لديه نيّة لأن يسمع شيئًا. مواجهة دامت، بينه وبيني، لعدّة لحظات. 

– لقد وُلد هنا، وله الحقّ في أن يرى هذا المكان مرّة أخرى! احتجّ أحد المراسليْن، لكن من دون طائل. 

بعد عدّة أيّام، قابلت «ديفيد جروس»، مصوّر أميركي، لطيف وفضولي في الوقت ذاته. تعرفت إليه في فندق (الحمراء)، معسكر تجمّع الصحافيّين من كلّ أنحاء العالم. بسرعة، صرنا صديقَيْن، تناولنا القهوة معًا، دعاني إلى نزهة إلى القصر الرئاسي. حتى أننا ذهبنا إليه بعد الظهر. كنّا متلازمَيْن بامتداد الشارع الرئاسي، الذي كان نظيفًا تحفّه الأشجار. الحقّ يُقال: لقد دخلنا دون صعوبة. فيما كان «ديفيد» يثرثر مع ضابط، كنت أسير رويدًا رويدًا، كأنني أريد أن أستعيد كلّ لحظة من لحظات سنواتي الأربع التي عشتها في هذا المكان. كنت أعلم أن البيت لم يعد كائنًا هناك، ولم أكن قادرًا على تحديد المكان، بدقّة، حيث يوجد البيت. غير أني كنت أدرك أنني على مقربة من المكان الذي كنت ألعب فيه في ما مضى، مُرتبًّا القراميد، بعضها فوق بعض، متخيّلاً نفسي مهندسًا معماريًّا. 

كان الجنود الأميركان ينجزون عملهم الرتيب في ذهاب الدوريات وإيابها، كانوا يتوقّفون من وقت إلى آخر، وينظرون دون أن يوجّهوا سؤالاً. آنذاك، كان، «ديفيد جروس» بمفرده، بعد أن انفصل عن الضابط، ليس بعيدًا عني. وبينما كان هو يلتقط بعض الصور لأشياء صغيرة مبعثرة أرضًا، رحت أنا أُحصي عددًا من الذكريات. 

– ذات يوم، كنت على وشك الغرق في النهر… كنت أسبح مع أبي، حين انغرزت في الماء. منذ ذلك الوقت، صار نهر دجلة يخيفني. 

ابتسم «ديفيد»، توقّف ليتحدّث مع جنود ملامحهم آسيوية. كان أحدهم يصلّي بجوار سيّارة «ﭽيب». 

***

حين وصلنا إلى المدخل الرئيسي للقصر، توقّفنا أمام التماثيل الأربعة الضخمة لصدّام حسين، التي كانت تشير إلى الجهات الأربع. لم نتمالك أنفسنا من الضحك. كان الهدوء يعمّ المكان، كما لو أن الحرب لم تمرّ من هناك، حتى الجنود كان يبدو عليهم كأنهم خارجين من قيلولة. اقتربنا من جنديّيْن أسودَيْن كانا جالسَيْن في نقطة تفتيش مغطّاة بشبكة للتمويه. لوّحت بإشارة، مادًّا يدي اليمني، فردّ أحدهما عليّ محرّكًا رأسه، ثم دخلنا نطاق القصر. كان كلّ شيء منظّمًا. كانت الأرض خضراء، والعديد من صفوف أشجار الورد، من كلّ الألوان، مُزْهر. عدّة نافورات، هنا وهناك، تروي العشب تحت الشمس نهايةَ هذه الظهيرة. قلت لـ«ديفيد»:

– كان البيت في مكان ما هنا، في هذه الحديقة الكبيرة.. ربّما هناك… 

وأشرت بسبّابتي إلى صفّ ورد دائريّ. ابتسمنا. بعيدًا، وبجوار النهر، كان هناك العديد من الكراسي الطويلة المتناثرة، وكان رجال عراة من النصف العلوي يتمدّدون بجانب الثلّاجات. تمرّ امرأة شقراء ترتدي فستانًا أزرق مكشوف الصدر، تحمل بعض الملفّات بين يديها، تُلقي علينا نظرة خاطفة، ومرافقي يرسل إليها ابتسامة. كنت أقول لـ«ديفيد جروس» إنهم، تقريبًا، كانوا في إجازة، فردّ عليّ:

– تقريبًا، لأن الحرب لم تبدأ بعد. 

منذ أن التقيته في الفندق، ونحن متّفقان، معًا، في أن الحرب لم تبدأ بعد، إلى درجة أنها كانت أسرع من كونها حربًا. 

كنّا قد توغّلنا في الحديقة معجبَيْن بأشجارها القصيرة، ومبانيها الملحقة بالقصر، والتي بُنيت بالأحجار البيضاء، على الطراز الشرقي، لحظة أن قابَلَنا رجل عسكري، نصفه العلوي عارٍ. كان يسير مسرعًا، ناظرًا في الأرض، له شارب كثٌّ كممثّلي السينما الصامتة، وذقن حليقة تمامًا، حاملاً في يده كأسًا ومسقاة صفراء. فجأةً، توقّف محيّيًا إيّانا بالإنجليزية. قدّمني له مُرافقي. رحنا نتبادل النظر صامتين. 

بدأ المساء يلوح في أفق السماء، وأنا أتفرّس الرجل الذي أمامي، فعاودني الحلم. كأن الآخر قد أمسك بخيط أفكاري، نظر إليّ، ثم دعانا للشراب. تقدّم هو دون أن ينتظرنا، ونحن تبعناه. مررنا بين صفوف من الأشجار القصيرة، طلب منّا أن ننتظر برهة. اختفي داخل مبنًى، ثم عاد يكسوه قميص عسكري، تُزيّنه قلنسوة. كان يحمل ثلاث زجاجات جعة، قادنا نحو طاولة بيضاء داخل الحديقة. 

– لقد ولد هنا، قبل أن يُشيّد القصر. كان بيته هنا، في مكان ما. قال «ديفيد». 

– أصحيح هذا؟ 

– نعم.. وفق الأسطورة. رددتُ. 

– لكن أيّة أسطورة؟

– أنت تعرف هذا… لكلّ منّا أسطورته الخاصّة. ولدتُ هنا منذ سبعة وأربعين عامًا، في منطقة متواضعة، لم تعد موجودة الآن. كان هذا، تمامًا، قبل إقامة القصر. 

– نعم.. سمعت من يقول إنه كان قصر الملك السابق. 

– نعم. كان هذا هو القصر الملكي، ثم القصر الجمهوري، وبعدها قصر صدّام. أنا على علم بالفترتَيْن: الأولى، والثانية. حينما استولى صدّام على هذا القصر، كنت أنا منفيًّا في فرنسا، وكان عمري، حينئذٍ، واحدًا وعشرين عامًا. 

كنّا قد أخذنا نشراب على مهل، وهو ينظر إلينا. حكى «ديفيد» حياتي وفق ما سمعه عند الظهيرة، في حين لم يرفع الضابط عينيه عني. بلغنا هدير طائرة «هيلوكوبتر» كانت تطير فوق رصيف مرتفع، حيث كنّا. 

نهض الضابط، نظر خلف صفّ الأشجار القصيرة، ثم عاد إلى مكانه معتذرًا. 

– بلدك في غاية الجمال. قالها باحترام. 

– وهو كذلك بعيد جدًّا. 

راح يضحك، بينما يضيف «ديفيد» أننا أبعد ما نكون عن أميركا. 

– حلمٌ أن أكون هنا. 

– لكن كلّ شيء هنا، هو حلم. أجبت. 

– منذ ثلاثة أشهر، وأنا أتقدّم في هذا البلد، ببطء. عندما توقّفنا في الكويت، كنت أعتقد أن هذه ليست هي العراق.

– أنت تعرف أن هذا هو الشيء نفسه بالنسبة إليّ. بعد سبعة وعشرين عامًا، كلّ شيء مختلف، وبعد سبعة وأربعين عامًا، أكون على مقربة من بيتي الذي ولدتُ فيه، ولست قادرًا على تحديد المكان الذي كان يوجد فيه، بالضبط. حين نكون بعيدين، تنقصنا الدقّة. 

– أدرك هذا. أجابني بنبرة غريبة.

عمّ الصمت المكان، ثم راح «ديفيد» يحكي رحلة تجواله إلى جانب أفواج أميركية. غير أن الضابط قاطعهُ متوجّهًا نحوي. 

– وأنت، ما رأيك في هذا؟ أنا، أنا لا أفهم ما الذي يجري في هذا البلد. 

 إنه الهرج والمرج… ستّة آلاف عام من التاريخ، تلك التي تراها ممتزجة هنا… ليس سهلاً عليك أن تستوعب هذا. 

– نعم. معك حقّ. غير أني طويتُ أكثر من ستّمئة كيلومتر، من الجنوب حتى بغداد. تقدّمنا كثيرًا، لكننا لم نوفّق في أن نفهم. 

– أنت طويت قرنَيْن هنا، في أميركا، ومازلت بحاجة إلى ثمانية وخمسين قرنًا كي تفهم. 

ونحن نجوب الشارع الرئاسي، فهمت الكثير من الأشياء، عن حياتي… 

لكن ليس كلّها، بعد. 

– هل تتحدّث بجدّيّة؟

– نعم. أحتاج إلى وقت كي أفهم. أنا لست متأكّدًا. 

– لستَ متأكّدًا من أيّ شيء؟

– من أن يمكنك الذهاب إلى ما هو أبعد. أنت في حدود الإمبراطورية، حيث تختلط كلّ الأشياء، وحيث نتخيّل الظلال أجسادًا. 

مرّة أخرى، عمَّ الصمت المكان. يُخرج «ديفيد» كاميرا فوتوغرافية من حقيبته، ومشعَلاً. شرع في التقاط صور لأيدينا الموضوعة على الطاولة. راح المساء يهبط أكثر فأكثر، وامتلأت الحدائق من حولنا بجنود كانوا يتحدّثون بصوت عالٍ. 

راح الضابط يتحدّث: 

– حينما كنت شابًّا، رأيت حلمًا: كنت في حديقة كبيرة، في بغداد، حيث كانت هناك سيّدات يرقصن، وسحَرة يتنزّهون. كانت هناك قوافل من الإبل تمرّ، وملك فوق عرش، يُظهر ساعات يد، قارئًا المستقبل في كتاب ضخم مفتوح أمامه. ومنذ ذلك الحين، وأنا تسكنني رغبة المجيء إلى بغداد، لكني لم أكن أعتقد أنني سأجيء بصفة ضابط في جيش الولايات المتّحدة الأميركية. هذا شيء غريب!. 

ردّد الجملة الأخيرة كأنه كان يقرأ صفحاتٍ من كتاب مفتوح أمامه. كان مشعل «ديفيد جروس» يومض فوق أيدينا المرفوعة، أو- بالأحرى- الموضوعة على الطاولة. 

– أرى أنك يجب أن تعود مرّة أخرى. قالها كما لو كان يستيقظ من حلمه، مضيفًا:

– سأستدعي لك جنديًّا ليرافقك حتى الخروج من المنطقة الخضراء. 

اختفي، ثم عاد ومعه جنديّ شابّ. كفَّ «ديفيد» عن اللعب بالضوء الأزرق وبالكاميرا الفوتوغرافية. كان الوقت ليلاً، وكان هناك القليل من النجوم في سماء بغداد المغطّاة بالغبار، في تلك الليلة. قبل مغادرة الأماكن، ألقيت نظرة على الضابط الذي كان ينظر إليّ، وكأنه يحاول أن يتبيَّن وجهي من بين تلك الوجوه التي رآها في حلمه.


جبار ياسين: كاتب وروائي عراقي، يكتب بالفرنسية وبالعربية، ويقيم في فرنسا منذ ما يزيد على أربعين عامًا. له العديد من الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية والشعرية، ترجمت أعماله إلى لغات كثيرة كالأسبانية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية والهندية وغيرها. تُرجمت هذه القصّة إلى لغات عديدة، ولاقت صدًى واسعًا تمثل في كتابة عدّة مقالات عنها في الصحافة العالمية، خاصّة وأنها كُتِبت قبل الغزو الأميركي للعراق.

مارك ألكسندر أوهو بامبي: لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ

يُعَدُّ مارك ألكسندر أوهو بامبي (Marc Alexandre Oho bambe) من أبرز الشُّعراء الذين نشأوا بين أحضان الكتب والقصائد. وُلِدَ سنة 1976، بمدينة دوالا، العاصمة الاقتصادية للكاميرون. تَحَصَّلَ على  جائزة «بول فيرلين» من الأكاديمية الفرنسية، سنة 2015. يقتفي هذا الشاعر آثار الأدباء ذوي النزعة الإنسانية، من قبيل: رينيه شار، وإيمي سيزير..، وتتغنّى قصائده بمجموعة من القيم، من بينها: الإيثار، والحُبّ، والثورة، والبحث عن الإنسان، والحضّ على المشترك الإنساني. تأتي قصيدته «لقد أُلْغِيَ الغَدُ» لتُعيد تجسيد هذه القيم في ظل الأزمة التي نعيشها الآن، حيث نظمها في أثناء الحجر المنزلي الذي صادفَ إقامته بمدينة «أبيدجان».

لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ.

هَلْ هِيَ نِهَايَةُ العَالَمِ

أو، بالأَحْرَى، نِهَايَةُ عَالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

رَحَلَ المُسْتَقْبَلُ.

تَوَقَّفَتِ العَوْلَمَة

إلى أَجَلٍ غيْرِ مُسمَّى.

رُبَّما تَبْدَأُ العَالَمِيَّة..

رُبَّما!

مَا فَائِدَةُ الشِّعْرِ؟

سُؤَالٌ رُوحِيٌّ مَا فَتِئَ يَتَرَدَّدُ في دَوَاخِلِي مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَة.

وفي دَوَاخِلِي، ما يزال صَوْتُ سيزير يُعيدُ على مَسامِعِي جوابَهُ الجَامِعَ المَانِع:

«يُفِيدُنَا الشِّعْرُ في تَحَمُّلِ العالَم».

كُلُّ شَيْءٍ قِيلَ.

ولكنِّي أقول، أيضًا، على خُطَى الأستاذ، والأَمَلِ،  وبكل تواضع:

الشِّعْرُ

يُذَكِّرُنَا

بِأَنْفُسِنَا،

ضُعَفَاءَ

حِينَ تُنْحِلُنَا الهَشَاشةُ

لا مَقرَّ لَنَا.

بشرًا

قادرين

ومُذْنِبِين

بما اقترفَتْ أَيَادِينَا؛ خَيْرًا وَشَرًّا.

أولئك الناسُ الذين يُطِلُّونَ مِنَ النَّوافِذ وَيُغَنُّونَ وَيُصَفِّقُونَ.

هُوَ ذَا الشِّعْرُ:

فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا

مَحْجُورٍ.

كُلُّ مَوْجَاتِ التَّضَامُنِ هَاتِهِ، كُلُّ عِبَارَاتِ المَحَبَّةِ والتَّعَاطُفِ هَاتِهِ، نَحْوَ الخَلاَصِ،

هُوَ ذَا الشِّعْرُ:

كُلُّ تِلْكَ المُبَادَرَاتِ الإِبْدَاعِيَّةِ الخَلَّاقَةِ، التي تُزْهِرُ في الرَّبِيعِ، وَتُبْدِعُ الجَمَالَ  والانْسِجَامَ، تِلْكَ المُشارَكَاتُ، بالآلافِ، لِلْمُوسِيقى،  لِلصُّوَرِ والكلماتِ، لِلْمَشاعِرِ الغَالِيَةِ،  لِلثَّقَافَةِ، التي تُنْهِضُنَا وَتَسْمُو بِنَا؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

كُلُّ الأَيْدِي التي تَقْبِضُ على القُلُوبِ، لِكَوْنِها لا تَمْلِكُ أنْ تَمُدَّ أيَادِيَ تَهُبُّ إلى المُسَاعَدَةِ، إلى المَحَبَّةِ، إلى مَحَبَّةِ المُسَاعَدَة..

هُوَ ذَا الشِّعْرُ؛

الشِّعْرُ الذي يُذَكِّرُنَا

بِأَنْفُسِنَا.

سَنَحْلُمَ

سَنَبْتَكِرُ

أو سنموتُ

معًا.

الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّنَا، أَحْيَانًا، نُعَارِضُ

أَنْفُسَنَا.

إِنَّهُ يَجْعَلُنَا نَقِفُ

وَجْهًا لِوَجْهٍ

أَمَامَ حَالاَتِنَا المُسْتَعْجَلَةِ المَنْسِيَّة

حَيَوَاتِنَا المُزَيَّفَة

أَحْلَامِنَا المَهْزُومَة

مَسَاراتِنَا الدَّاخِليّة الضَّائِعَة

في جُنُونِ الأيَّامِ التي تَمُرُّ

بِنَا أَوْ بِدُونِنَا..

وَجْهًا لِوَجْهٍ

أَمَامَ أَنْفُسِنَا.

إِذَنْ،

بِكُلِّ شَفَافِية وَصَرَاحَة..

دُونَ حِجَابٍ

دُونَ سِتَارٍ

أو أَقْنِعَةِ مَطَرٍ.

وَجْهًا لِوَجْهٍ

أَمَامَ مهازل انْتِظَامِ

اللاَّنِظَامِ العَالَمِيِّ

الذي هُوَ نَفْسُهُ يَسْتَمْتِعُ بِنَا،

ما دَامَ يُجْبِرُنَا على العيْشِ دُونَ البحْثِ عنِ المَعْنَى،

وُجُوهُنَا إلى الأَرْضِ، مُنْكَفِئِينَ على المِقْوَد ،

لِنَرْتَطِمَ بالحَائِطِ، بِسُرْعَةٍ عَالِيَة.

لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ.

هل هي نهاية العالم

أو، بالأحرى، نهاية عالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

في جراند- بسام،

على شاطئ يُعَذَّبُ ،

أَطْفَالٌ يَلْعَبُونَ

سُذَّجٌ بَرِيئُونَ

مِثْلَ جَمِيعِ أَطْفَالِ العَالَمِ.

أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ يَتَقَاسَمُونَ الحَيَاة..

يَرْكُضُونَ جَمِيعًا

خَلْفَ الفَرَحِ الدَّائِرِيِّ

مِثْلَ كُرَةٍ زَاهِيَةِ الأَلْوَانِ،

بِابْتِسَامَةٍ في العَيْنَيْنِ

مُثبتَةٍ على أَفْكَارِي؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

الجَمِيعُ، ذُكُورًا وَإِنَاثًا،

في شُرْفَةِ المَنْزِلِ

مِثْلَمَا كُنَّا أَمْسِ في شُرْفَةِ

ذَوَاتِنَا؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

أَمَامَ الأَسْلِحَةِ الخَارِقَة،

مُوَاطِنَاتٍ، وَمُوَاطِنِينَ،

لَنْ نَنْجُوَ دُونَ أَنْ يُحِسَّ

كُلٌّ مِنَّا بِالآخَرِ؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

مَحْجُورًا

فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى،

مُحَاصَرًا،

أَحْيَانًا،

بِالزَّمَنِ الذي نَفْتَقِدُه

وَبِكُلِّ تِلْكَ الأَشْيَاءِ التي تَحُثُّنَا على الإِسْرَاعِ في الحياة.

وَلَكِنْ، هَلْ هَذِهِ هي الحَيَاة؟

دُونَ فَرَحٍ عَمِيقٍ، فَريسَةً لِلْيَأْسِ،

لِضُغُوطِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ التي نَفْرِضُهَا

على أَنْفُسِنَا طَوَاعِيَة!

الشِّعْرُ يُعِيدُنَا

إِلَى شَاِطئِ أَحْلَامِنَا المُؤَجَّلَة

إِلَى قَافِيَةِ آمَالِنَا المُهَجَّرَة

إِلَى وَقْفِ «أَنَانِيَّتِنَا» المَغْرُورَةِ التي لا نَظِيرَ لَهَا

إِلَى الفَنِّ الذي يَرْبِطُنَا وَيُسْلِمُنَا

إِلَى سِرِّ النُّجُومِ المُلْتَقَطَة

في الطِّينِ أو تَحْتَ الأَحْجَارِ المَرْصُوفَةِ لِهَذَا الشَّاطِئ،

شَاطِئِ إفريقيا الخَالِدَة.

الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا

في وَرَقَاتِ  هِيبْنُوس، وفي صَوْتِ شَار، الجَهْورِيّ،

بِأَنَّ عَلَيْنَا «أَنْ نُحِبَّ نَفْسَنَا كَثِيرًا،  هَذِهِ المَرَّةَ، أيْضًا، وَأَنْ نَتَنَفَّسَ بِقُوَّةٍ تَفُوقُ رِئَةَ الجَلَّاد»

الشِّعْرُ يُذَكِّرُنَا

بِأَنْفُسِنَا

أَحْيَاءً

مُفْعَمِينَ بِالحَيَاة

بَشَرًا فَانِينَ

يتصرَّفُونَ، غالبًا،

وكأنَّهم غَيْرُ وَاعِينَ

بفَنَائِهم،

ساخرين من الأشْخَاصِ الخَيِّرِينَ، الصَّالِحِينَ

الذينَ يَسْعَوْنَ إلى التَّصَرُّفِ بِأَنَاقَةٍ 

مَعَ السَّاخِرينِ والمُبْتَذَلِينَ،

الذينَ هُمْ في صِرَاعٍ مُسْتَمِرٍّ،

في حَرْبٍ

ضِدَّ المَعْنَى

ضِدَّ النُّبْلِ

ضِدَّ السِّلْمِ

ضِدَّ الأَرْضِ

ضِدّنَا جَمِيعًا، رِجَالًا ونِسَاءً، 

وَضِدَّ أَنْفُسِهِمْ،

أَيْضًا،

يَسْتَقِلُّونَ

ظَهْرَ الرِّيحِ

بِابْتِسَاماتٍ مُتَبَادَلَةٍ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأَةِ هُنَاكَ؛

هُوَ ذَا الشِّعْر.

الرَّسَائِلُ النَّصِّيَّةُ الّتِي يَكْتُبُهَا إِلَيَّ فرِيد وأَلْبِير، عَبْرَ وَاتْسَاب، مُنْذُ أُسْبُوعٍ،  تَقْرِيبًا، في نفْسِ السَّاعَةِ الزَّرْقَاءِ، سَاعَتِنَا؛

هُوَ ذَا الشِّعْرُ.

كُلُّ تِلْكَ القُلُوبِ المُكَوَّمَةِ التِي يُعَانِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا،  مُتَقَابِلَة.. كُلُّ أُولَئِكَ الأشْخَاصِ الذينَ يَهَبُونَ فَنَّهُمْ، يَقُومُونَ بِدَوْرِهِمْ، وَيَقِفُونَ دِرْعًا وَاقِيًا في وَجْهِ الخَوْف؛

هُوَ ذَا الشِّعْر.ُ

الأَخُ الرَّفِيقُ الّذي قَابَلْتُهُ قُرْبَ أَدْجَامِي، وَاضِعًا قِنَاعَهُ الوَاقِيَ علَى جَبْهَتِه،  صَائِحًا بِصَوْتٍ قَوِيٍّ وَوَاضِح: «الفيرُوسُ هُنَاكَ، لا يَسْتَطِيعُ الوُصُولَ إِلَى هُنَا،  فَلَدَيْنَا الفُلْفُلُ الحَارّ، غنامنكو والشَّمْس، فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْفيرُوسِ أَنْ يَصِلَ إلى هُنَا؟». قالَ لي ذَلِكَ، وَهُوَ يَطْلُبُ مِنِّي قَلِيلاً مِنْ مُعَقِّمِ اليَدَيْن!

هُوَ ذَا الشِّعْرُ..

فِي القَهْقَهَاتِ الَّتِي تَلَتْ جُمْلَتَهُ المُتَوَهِّجَةَ بِرُوحِ الدُّعَابَة.

لَقَدْ أُلْغِيَ الْغَدُ!

هَلْ هِيَ نِهَايَةُ العَالَمِ

أو، بالأَحْرَى، نِهَايَةُ عَالَمٍ مِنَ العَوالِم؟

رَحَلَ المُسْتَقْبَلُ

تَوَقَّفَتِ العَوْلَمَة

إلى أَجَلٍ غيْرِ مُسمَّى.

رُبَّما تَبْدَأُ العَالَمِيَّة!

رُبَّما!

«مَا الحَاجَةُ إلى الشُّعَرَاءِ فِي زَمَنِ الضِّيقِ وَالشِّدَّة؟»

يَتَسَاءَلُ هُولْدِرْلِين.

وَأَسْمَعُ هُوجُو يُجِيبُ بِكُلِّ إِجْلَال:

«إِنَّ الشَّاعِرَ، فِي الأَيَّامِ الجَاحِدَة، 

قَادِرٌ عَلَى إِعْدَادِ أَيَّامٍ سَعِيدَة؛

فَهُوَ إِنْسَانُ المُدُنِ الفَاضِلَة 

قَدَمَاهُ هُنَا، وَعَيْنَاهُ هُنَاك.

هُوَ الّذِي يَعْتَلِي جَمِيعَ الرُّؤُوس

فِي كُلِّ زَمَانٍ، مِثْلَ الأَنْبِيَاء،

وَفِي يَدِهِ، الّتي يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ كُلَّ شَيْء

يَنْبَغِي،  سَوَاءٌ أَذَمَمْنَاهُ لِذَلِكَ أَمْ مَدَحْنَاه،

يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ المُسْتَقْبَلَ مُتَوَهِّجًا

مِثْلَمَا يَتَوَهَّجُ المِشْعَلُ الّذِي يَهُزُّهُ بِيَدِه».

لَمْ أَنْأَ بِنَفْسِي، يَوْمًا، عَنِ الشِّعْر.

الشِّعْرُ حَقِيقَةٌ وَاحْتِفَاءٌ بِالرُّوحِ،  يَتَغَيَّا إِنْقَاذَ الحَيَاة.

يَمْنَحُ نَفَسًا لِلنَّفَس، يُجَدِّدُ الرُّؤْيَة.

لِهَؤُلاَءِ، المُؤَدْلَجِينَ، المُضْطَهَدِينَ، الذينَ أَعْمَاهُمُ النِّظَامُ الذي انْمَحَى اليَوْمَ،  بَعْدَ أَنْ حَاوَلَ، وكان قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنَى مِنْ أَنْ يَنْجَحَ، تَقْرِيبًا، في مَحْوِ قِيَمِ الكَرَامَة، والرَّأْفَةِ،  وَالتَّعَاطُف، وَاخْتِلَافِ الآخَرِ، والبَشَرِيَّةِ المَسؤولَةِ

مِنْ رُبُوعِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا.

لَسْتُ آبَهُ، إِذَنْ، بِالاتِّهَامَاتِ

تَلْحَقُنِي؛ لأنِّي أَعْتَقِد..

أَعْتَقِد بِأَنَّ الْغَدَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ،

لأَنَّ غَدًا سَيَكُونُ

مِثْلَمَا أَعْدَدْنَاهُ.. سَنُنْجِزُهُ مَعًا.

نَعَمْ لَسْتُ آبَهُ بِالاتِّهَامَاتِ.

«دِفَاعًا عَنْ نَفْسِي، سَأَقُولُ إِنِّي شَاعِر»

مِثْلَمَا يُؤَكِّدُ رُودْنِي،حَامِلُ النَّار.

وَالشِّعْرُ، أَيْضًا، يَدْعُونَا

إلى اصْطِنَاعِ مَسَارَاتٍ جَدِيدَةٍ فَوْقَ البَحْر.

فَوْقَ الحُبّ.

وَالشِّعْرُ يَدْعُونَا

إلى الحَرْبِ

لِنُفَوِّتَ فُرْصَةَ مَوْتِنَا

وَلِنَتَعَلَّمَ العَوْدَةَ إلَى الحَيَاةِ مُجَدَّدًا،

عَلَى قَدْرِ عَزْمِنَا، رِجَالًا ونِسَاءً،

مُتَمَاسِكِينَ وَمُنْصِفِينَ.

هيلاري مانتل: لماذا أصبحتُ روائية تاريخية

«هل هذه القصّة حقيقية؟». القرّاء، لا محالة، يسألون. في أولى محاضراتها، من سلسلة محاضرات «ريث-Reith» التي تقدمها هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، تستكشف المؤلِّفة الحائزة، مرتين، على جائزة «مان بوكر» العلاقة المعقَّدة بين التاريخ، والحقيقة، والخيال.

يقول القديس أوغسطين: الموتى غير مرئيين. إنهم ليسوا غائبين. لستَ بحاجة لأن تؤمن بالأشباح حتى ترى أن هذا صحيح. إننا نحمل جينات أسلافنا وثقافاتهم، وما نعتقده بحقَّهم يشكِّل الطريقة التي نرى بها أنفسنا، والطريقة التي نستوعب بها زماننا ومكاننا. أهذه عصور طيّبة، أم عصور سيئة، أم عصور شائقة؟ نعتمد على التاريخ ليخبرنا. التاريخ والعلم، كذلك، يساعدانا على أن نضع حيواتنا الصغيرة في سياق، لكن إن أردنا لقاء الموتى، وهم في هيئة الأحياء، فإننا نتجه إلى الفنّ.

هناك قصيدة لـ «و.ه. أودن» تدعى «بينما تمشيتُ ذات مساء»:

تدقُّ كتلةُ الجليدِ بالدولاب،

تتنهدُ الصحراءُ في السرير،

والشرخُ في فنجان الشاي يشقُّ

ممرّاً نحو أرض الموتى

هذه المحاضرة غرضها السؤال عمَّا إن كان هذا الممر هو شارعٌ ذو اتجاهين. إننا، في المخيلة نطارد الموتى صارخين: «عودوا!». قد تشتبه الأصوات التي نسمعها بصدى لصوتنا، وتشتبه الحركة التي نراها بظلنا، لكننا نستشعر قوةً حيويةً، ما يزال الموتى يمتلكوها. إن لديهم شيئاً ليخبروننا به، شيئاً نحتاج لفهمه. مستخدمين الأدب والدراما، نحاول اكتساب ذلك الفهم. 

في هذه المحاضرات، آمل أن أبيّن أنه توجد أساليب نستطيع استخدامها. أنا لا أدعي أنه يمكننا سماع الماضي أو رؤيته، إنما أقول: بإمكاننا الإنصات والنظر.

هَمّي- بصفتي كاتبة- هو الذاكرة، الذاكرة الفردية والجماعية: الأموات المؤرَّقون بتفنيد ادعاءاتهم. عائلتي تاريخها شحيح. ذات مرّة، قال لي واحدٌ من الجمهور: «أنا آتٍ من سلالة طويلة من النَكِرات». ففكرت: نعم، وأنا أيضاً. إنني لا أستطيع العودة إلى أبعد من أُمّ جدتي، من ناحية الأم. لكني أود أن أعرّفكم بها، كمثال، لأنها اجتازت الزمن من نهاية القرن التاسع عشر، كي تكوّن وعيي بذاتي، في هذه اللحظة من القرن الحادي والعشرين، حتى النكرات يمكنهم فعل ذلك.

كانت أم جدتي ابنةً لباتريك، وزوجةً لباتريك، وأُمّاً لباتريك. لا جوائز لأجل تخمين أصولها، إذاً(1). كان اسمها كاثرين أوشيه، وحياتها المبكرة أمضتها في بورتلو-Portlaw ، قرية قائمة حول مطحنٍ قرب «ووترفورد- Waterford» في جنوب أيرلندا. كانت بورتلو مكاناً اصطناعيّاً، أُنشئ لغرض من قِبل عائلة تتبع جمعية الأصدقاء الدينية(2)، وتدعى عائلة مالكولمسون، أفرادها يعملون في الشحن والذرة والقطن والكتان. افتُتح المطحن عام 1826. في وقت من الأوقات، كانت بورتلو نشطة جدّاً، حتى أنها استقدمت عمالة من لندن.

كان آل مالكولمسون رأسماليين أخلاقيين، ومولعين بالتحكّم في الحياة الاجتماعية. أُعدَّت قريتهم وفق تخطيطٍ كان مثاليّاً للمراقبة، فبُنيت بحيث يمكن لشرطي واحد متمركز في الميدان، أن يرصد الشوارع الخمسة جميعها. أسس آل مالكولمسون مجتمع ادّخار(3)، ومجتمع إمساك عن الخمر، وصرفوا لعمالهم الأجور، جزئيّاً، في هيئة إيصالات من ورق مقوى، قابلة للاستبدال عند متجر الشركة. حين لمّحت جريدة محلّية إلى أن هذا نوعٌ من العبودية، فقاضاها آل مالكولمسون، وربحوا.

ما إن انقضى القرن التاسع عشر، حتى تراجعت المنسوجات، وخسر آل مالكولمسون أموالهم. وفي عام 1904، أُغلق المطحن؛ الوقت الذي- بحلوله- كانت عائلتي، مثل كثيرين آخرين، قد بدأت هجرةً متثاقلةً، على مراحل.

اثنان من إخوة كاثرين رحلا إلى أميركا، وعلى الطريقة العريقة لم يأتِ منهما نبأٌ، بعد ذلك، مطلقاً. كاثرين كانت شابة متزوّجة، عندما جاءت إلى إنجلترا، إلى قرية أخرى تقوم حول مطحن، هي «هادفيلد – Hadfield». كانت مثل بورتلو، خضراء رطبة ومظلَّلة بالتلال. بقدر ما أعرف، لم تغادرها أبداً؛ لذا لا بدّ من أنها تساءلت: هل العالم كلّه على هذه الشاكلة؟.

بيتها الأوّل كان في شارع يدعى «ووترسايد – Waterside»، لسنوات عديدة، مسرحاً لمعارك طقوسية في ليالي الجُمعات، بين عصابات المحلّيين والوافدين. إنني لا أعرف أي شيء عن حياة كاثرين، تقريباً. أظن أنه عندما يكون لدى امرأة عشرة أطفال، فإنها تقضي على احتفاظها بحياة خاصة. صورة واحدة تبقى لها. تقف عند عتبة منزل مرصوص بجوار غيره، ومبنيّ بالحجارة، تغطيها تنورتها من الخصر إلى الكاحل، شالها الممزق يغطي البقية. لا أستطيع أن أقرأ وجهها أو أن أجد له صلةً بوجهي.

أتصور أنني أعرف أين التُقطت الصورة. كان هناك صف من المنازل المطلة على ووترسايد، ظهرها ضِمن أسوار المطحن. في وقتٍ ما هُدمت المنازل، لكن توجَّب بقاء الواجهات قائمةً؛ لأنها كانت جزءاً من جدار المطحن. سُدَّت النوافذ والأبواب بقوالب من الحجارة؛ وبمرور الوقت، لأكون على قيد الحياة وأراها، كانت هذه الحجارة الجديدة بلون المطحن نفسه: أسود. لكن، كان بإمكانك أن ترى أين كانت الأبواب والنوافذ. عندما كنت طفلة، صعقتني تلك المنازل كنذير شؤم: صورة للخداع والفقدان.

بابُ منزلٍ ما ينبغي أن يؤدِّي إلى بيت. لكن، وراء هذا الباب كان الحيّز العام لباحة المطحن. عن طريق دراسة التاريخ- لنقُل تجربة الهجرة، أو تجارة المنسوجات- يمكنني أن أحدد مكان كاثرين على المستوى العام، لكني عاجزة عن الوصول إلى أفكارها. أُمّ جدتي لم تكن تستطيع القراءة أو الكتابة. بقي قولٌ من أقوالها: «جُعل النهار للأحياء، وجُعل الليل للأموات».

أفترض أن هذا ما كانت تقوله لتحافظ على الأطفال العشرة منضبطين، بعد حلول الظلام. بعد سنواتها الأولى، حسبما أفهم، لم تعد كاثرين تعمل في المطحن، لكن بلغني أنه كان لديها دور محدد في محيطها: كانت المرأة التي تجهّز الموتى قبل الدفن.

لمَ نفعل هذا، أو نعيّن أحداً لفعله؟ لماذا نغسل وجوههم ونلبسهم ثياباً مألوفة؟ إننا نفعل هذا كرمى للأحياء. حتى إن لم يكن لدينا معتقد، فلا نزال نؤمن بأن من هو إنسان يجب أن يظل يُعامل كإنسان. لاحظ السخط إذا دُنّس جثمان، وعذاب أولئك الذين لا أجساد بحوزتهم ليدفنوها. إنه- تقريباً- تعريف أن نكون بشراً: نحن الحيوانات التي تقيم الحِداد. واحد من أهوال الإبادة العنصرية هو المقابر الجماعية، مراكمة الإنسان المحبّ الحييّ مع شيء مشاع ملتبس مجرَّد من الاسم.

التأبين عملية حيوية، وكثيراً ما تكون محل جدال. عندما نخلّد ذكرى الأموات، إنما نكون تواقين، أحياناً، للحقيقة، وأحياناً لوهمٍ مُعَـزٍّ. نحن نتذكر بطريقة فردية، بدعوى الأسى والحاجة. نتذكر، كمجتمع، بأجندة سياسية؛ ننقب في الماضي عن الأساطير المؤسِّسة لعشيرتنا، لأمتنا، ونرسخها بالفخر أو نرسخها بالمظلومية، لكن قلّما نرسخها على حقائق فاترة.

إن الأمم تُبنى على نُسخٍ طموحةٍ من أصولها: قصص من نوعٍ أو آخر، كان أسلافنا فيها عمالقة. هكذا، نعيش في العالم: رومانسيين. يوماً ما، كانت الرومانسية، في معارف أرستقراطيين وهيئةٍ سرّية، هوى أن تكون جزءاً من صفوة. الآن، الرومانسية في الحرمان، والاغتراب، في المسافة الممتدة بين هناك وهنا: أو- لنقُل- بين أم جدتي وأينما أكون أنا، اليوم. إن للحقائق رواجاً أقل، وتأثيراً أقلّ على ما نكونه وما نفعله، ممّا لدى الخيالات التي نصنعها لأنفسنا.

حالما نموت، نصير ضمن عالم الخيال. فقط، اطلبْ من فردَي عائلةٍ، مختلفين، أن يحكيا لك عن أحدٍ توفي مؤخَّراً، وستفهم ما أقصد. ما إن نفقد قدرة التعبير عن أنفسنا، حتى نُؤوَّل. وحين نتذكّر- مثلما يخبرنا كثيراً علماء النفس- أننا لا نعيد إنتاج الماضي، بل نبتكره. بالطبع، قد تقول: بعض الحقائق غير قابلة للفصال، وقائع التاريخ ترشدنا، والوثائق- بالفعل- تأتي ببعض الوقائع والشخصيات التي لا تقبل الخلاف. لكن المؤرِّخ «باتريك كولينسون – Patrick Collinson» كتب: «إنه لمن الممكن أن يصل مؤرِّخون أكفاء إلى استنتاجات مختلفة جذريّاً، استناداً إلى الدليل نفسه. لأن، 99 % من الأدلة، وعلى رأسها الكلام غير المسجَّل، ليست متاحة لنا، بطبيعة الحال».

الأدلة، دائماً، جزئية. الوقائع لا تمثِّل الحقيقة، وإن كانت جزءاً منها؛ فالمعلومات ليست هي المعرفة. والتاريخ ليس الماضي؛ إنه النمط الذي طورناه لتنظيم جهلنا بالماضي. إنه سِجلّ ما تبقَّى مسجَّلاً. إنه مخطَّط المواقع المتخَذة في أثناء الرقص، عندما نوقف الرقصة لندوّنهم. إنه ما يبقى في الغربال حين تكون قد نفذت، خلاله، القرون: القليل من الأحجار، قصاصات من كتابة، قصاصات قماش. إنه ليس «الماضي» إلّا إنْ كانت شهادة الميلاد بمثابة ميلاد، أو أن نَـصّاً هو بمنزلة أداء، أو أن خريطة هي بمنزلة رحلة. إنه التضاعف لأدلة شهود متحيزين وغير معصومين من الخطأ، مخلوطة مع سرديات ناقصة، لأفعال لم تُفهم كليّاً من قِبل مَن قاموا بها. إنه لا يعدو أن يكون أقصى ما بوسعنا، وفي كثير من الأحيان نعجز عن الوفاء بذلك.

المؤرّخون، أحياناً، مدقّقون وواعون بأنفسهم، أحياناً مهملون أو متحيّزون. مع هذا، في كلتا الحالتين، لا نكاد نتبين إحداهما من الأخرى، إننا نتنازل لهم عن المسؤولية الأخلاقية. همّ لا يختلقون عن عمد، ونحن نصدّق أنهم يحاولون تبليغ الحقيقة، لكن الروائيين التاريخيين يواجهون أسئلةً- كما هو متوقَّع- عمّا إذا كان عملهم شرعيّاً. ما من نوع آخر من الكتّاب عليه أن يوضح حرفته مراراً، هكذا، فالقارئ يسأل: أهذه القصّة حقيقية؟.

ذلك يبدو سؤالاً بسيطاً، لكن يجب علينا أن نكشف عنه غطاءه. في كثير من الأحيان، يسأل القارئ: هل بإمكاني أن أتأكد من هذا في كتاب تاريخ؟ هل يتوافق مع سرديات أخرى؟ هل كان سيقرّه معلمي القديم للتاريخ؟

قد تكون الفكرة المحرّكة للروائي هي تفكيك النسخة السائدة، لكن القرّاء مخلصون، بشكلٍ يثير الشفقة، لأوّل تاريخ تعلّموه، وإنْ أنت طعنتَ فيه، فكأنك تسلب منهم طفولتهم. بالنسبة إلى شخص ينشد السلامة والصلاحية الرسمية، فإن التاريخ هو المكان الخطأ لإعمال النظر. أي تاريخٍ ذي شأن يكون في حالة دائمة من المساءلة الذاتية، تماماً، مثلما هو أي أدبٍ ذي شأن. القارئ، إذا سأل الكاتب: «هل لديك أدلة تدعم قصتك؟»، ينبغي أن يكون الجواب: نعم. لكنك تأمل أن القارئ سيكون متفطناً للأنواع العديدة الموجودة من الأدلة، وكيف يمكن استخدامها.

من غير الممكن وضع قاعدة أو معيار للممارسة القويمة، لأنه توجد أنواع عديدة للغاية من الرواية التاريخية. لدى البعض الطابع الوثائقي، آخرون أقرب إلى الخيال. لا يُشغِل كلُّ كاتبٍ نفسَه بالأشخاص الحقيقيين والأحداث الحقيقية. في سلسلة رواياتي الحالية عن أسرة تيودور(4)، أتتبّع- بدقة- السجل التاريخي حتى يتسنى لي تقديم العالم الخارجي بأمانة، رغم هذا، أخبر قارئي بالشائعات، وألمّح إلى أنّ الأخبار، أحياناً، تكون مفبركة.

لكن انشغالي الأساسي يكون بالدراما الداخلية في حيوات شخصياتي. من التاريخ، أعرف ماذا هم فاعلون، لكن لا يمكنني- بأي تأكُّد- معرفة ما يفكرون به أو يشعرون. أية رواية، ما إن تنتهِ منها حتى تعجز عن فصل الواقع عن الخيال. إنها أشبه بمحاولة إرجاع المايونيز للزيت وصفارِ بيض. إن أردتَ أن تعرف كيف أُنشئتْ، سطراً بسطر، فإن ما أخشاه هو أن يكون أملك الوحيد أن تسأل المؤلف.

لهذا السبب، بعض القراء مرتابون- بشدة- من الرواية التاريخية. يقولون: إنها، بطبيعتها، مضللة. لكنني أزعم أن القارئ يعلم طبيعة العقد. عندما تختار روايةً لتحكي لك عن الماضي، فإنك تضع، بين قوسين، السرديات التاريخية، التي قد يتوافق بعضها مع بعضٍ أو لا يتوافق، وتطلب، عازماً، تأويلاً شخصيّاً. أنت لا تشتري مستنسَخاً، ولا حتى نسخةً مصوَّرة أمينة(5). أنت تشتري لوحة فيها ضربات باقية من الفرشاة. للمؤرّخ، يقول القارئ: «خذ هذه الوثيقة، القطعة، الشخص. أخبرني ماذا يعنون؟». للروائي، يقول: «الآن، أخبرني ماذا يعنون أيضاً؟».

تعرف الروائية موقعها. إنها تمضي في عملها عند نقطة تلاقي ما هو قائم بما هو حلم، عند تلاقي السياسة بعلم النفس، وحيثما يلتقي الخاص بالعام. إنني أقف بصحبة أم جدتي عند العتبة. أقتحم السور الزائف. على الجانب الآخر، أربط قصتي الشخصية بالقصّة الجماعية. أتحرك خلال الحيّز المنزلي، وأخرج نحو الحيز التجاري الجامح لباحة المطحن: السوق، ومحل تداول النميمة، والشارع، ومبنى البرلمان.

بدأتُ كتابة الروايات في السبعينيات، عند النقطة التي اكتشفت فيها- للمفارقة- أنني أريد أن أكون مؤرّخة. فكرت أنني بسبب حماقتي، وأنا في عمر السادسة عشرة، لم أكن أعرف ما أكتبه في استمارة تقديمي للجامعة، فقد ضيعت فرصتي؛ لذلك إن كنت أريد العمل مع الماضي، يتعيَّن علي أن أصير روائية، وهو الأمر الذي يمكن، بالطبع، لأي أحمق، أن يفعله.

خلال السنة الأولى أو السنتين الأوليَيْن، تعرضت لشعورٍ بالدونية الحضارية. شعرت بأنني- أخلاقيّاً- أدنى من المؤرخين، وأدنى- فنيّاً- من الروائيين الحقيقيين الذين بوسعهم نسج الحبكات، في حين كان عليَّ، فقط، أن أعرف ماذا حدث.

في تلك الأيام، لم تكن الرواية التاريخية محترمةً أو جديرة بالاحترام. كانت تعني رومانسية تاريخية. لو قرأتَ رواية عبقرية كرواية «أنا، كلوديوس – I, Claudius»، التي تدور أحداثها في روما القديمة، فإنك لا تصمها بالنوع الأدبي؛ تنظر إليها باعتبارها أدباً فحسب؛ لذا كنتُ أخجل من تسمية ما أفعله. على أي حال، لقد بدأت. أردت أن أجد رواية تستهويني عن الثورة الفرنسية. فلم أجد، فشرعت بكتابة واحدة.

لم أكن في سعيٍ لنتائج سريعة. كنت مستعدة للنظر في جميع المواد التي يمكنني العثور عليها، حتى مع علمي أن ذلك قد يستغرق سنوات. لكن الذي لم أكن مستعدة له، كان الفجوات، والمحو، ولحظات الصمت حيث كان ينبغي وجود أدلة.

هذه اللحظات من الصمت والمحو جعلت مني روائية، لكني، في أول الأمر، وجدتها- ببساطة- مربكة. لم أحب أن أختلق أشياء؛ ما سبَّب لي نقطة ضعف. في النهاية، هرعت نحو وضعٍ انتقالي أرضاني. لسوف أختلق لرجلٍ عذاباته الداخلية، لكن ليس، مثلاً، لون ورق الحائط في حجرة الرسم الخاصة به؛ لأن أفكاره يمكن، فقط، تخمينها، حتى إن كان مدوّناً لليوميات أو كاتب اعترافات، فقد يكون ممن يُخضِعون أنفسهم للرقابة الذاتية. أمّا ورق الحائط، فشخصٌ ما، في مكانٍ ما، قد يعلم الشكل واللون، وقد أعرف إذا واصلتُ السعي إليه. وحينها، عندما يعود ثائري إلى بيته مرهقاً، بعد مناظرة دامت 24 ساعة في المؤتمر الوطني(6)، ويرمي بحقيبته في أحد الأركان، سيكون بوسعي أن أدير النظر في الحجرة، من خلال عينيه. حينما صدر كتابي، في نهاية المطاف، بعد سنوات عديدة، إذا بناقدٍ خبيث- وكان يُلزِمني حدودي بوصفي امرأة تكتب عن رجال يخوضون في شؤون سياسية جادة – يشتكي أن في الكتاب الكثيرَ عن ورق الحائط. صدقوني، كنت أعتقد- بكلّ أمانة- أنه أقل كثيراً مما يكفي.

في الوقت المناسب، فهمت أمراً، هو أنك لا تصير روائيّاً لكي تغزل أكاذيبَ مسلية، إنك تصير روائيّاً لتتمكن من قول الحقيقة. أنا أبدأ في ممارسة حرفتي عند النقطة التي تنهار فيها القَناعات تجاه الرواية الرسمية. إن بعض القصص تحتمل أن يعاد حكيها. إنها تفرض إعادة حكيها فرضاً. خذ، مثلاً، الأيام الأخيرة في حياة آن بولين – Anne Boleyn: تستطيع أن تحكي تلك القصّة تم تحكيها مرات عديدة. أن تُخضِعها لمئات التعديلات، ولكن يظل بادياً أن هناك قطعة مفقودة من الأحجية. تقول: «أنا واثقٌ من أنني أستطيع أن أبلي بلاءً أفضل، المرة القادمة»، يم تبدأ من جديد. تنظر إلى النتيجة، فتدرك، مرةً أخرى، أنه بينما كنتَ توثّق وثاق جزءٍ من الحقيقة، فرَّ جزءٌ آخر إلى البرّية.

مع هذا، تطلَّب الأمر مني وقتاً كي أصل إلى أسرة تيودور. خلال غالبية مسيرتي المهنية، كتبتُ عن أناسٍ غريبين وهامشيين: وسطاء روحيين، أو متدينين، أو من ذوي الاحتياجات الخاصة، ونزلاء المصحّات والإصلاحيات ودور الرعاية، أو أخصائيين اجتماعيين، أو فرنسيين. قرّائي كانوا عُصبةً صغيرةً ومنتقاة، إلى أن قررت التقدم نحو منتصف ساحة التاريخ الإنجليزي، وغرستُ راية.

الحقبة التيودورية، بالنسبة إلى الباحثين، لا تزال بؤرةً لجدلٍ محتدم، أمّا بالنسبة إلى العامّة فهي تسلية سائغة. وهناك رفوف كانت ملأى بروايات عن هنري الثامن وزوجاته. لكن لا يمكن لروائي أن يقاوم زاوية غير مستكشَفة. غيّرْ زاوية الرؤية، وستكون القصّة جديدة. من بين كُتاب الأدب القصصي، لم ينازعني أحدٌ على هذه المنطقة. الكل كان مشغولاً، يزرع لنفسه مكانةً كدخيل.

سنوات عديدة، ونحن مهمومون بنزع المركزية عن «سرديتنا الكبرى grand narrative». قد أصبحنا عاطفيين حيال المقطوعين من شجرة، المكسورين، أولئك الذين بلا صوت، ومتشككين حيال الرجال العظماء، مستخفين بالأبطال. هكذا، تطوّر تقصِّينا للدراما البشرية: بدايةً تذهب الآلهة، ثم يذهب الأبطال، ثم إذا بنا متروكون صحبة أنفسنا المدنَّسة المفضوحة.

فيما تكتسب معرفةً وتقنيةً بصفتك كاتباً.. فيما تكتسب وعياً ذاتيّاً ضروريّاً بخصوص حرفتك، تفقد بعضاً من متانة علاقتك بالماضي النابعة من الطفولة. حين كنت طفلة، كان الماضي يبدو لي أنه قريب، وكان يبدو لي أنه أمر شخصي. تحت كلّ تاريخ، يوجد تاريخ آخر، يوجد- على الأقلّ- حياة المؤرِّخ. لهذا دعوتُ أمّ جدتي لهذه المحاضرة، لأنني أعرف أن حياتي تؤثِّر في عملي. بإمكانك اعتبار الروايات جميعها تعويضاً نفسيّاً عن حيواتٍ لم تُعَش؛ فالرواية التاريخية تَنتُج عن نهمٍ في خوض التجارب. فضول عنيف يدفعنا، يأخذنا بعيداً عن زمننا، بعيداً عن شاطئنا، وكثيراً ما يكون خارج نطاق بوصلتنا.

يجعلك السعي وراء الماضي، سواء أكنت روائيّاً أم مؤرخاً، تعي مخاطر لامعصوميتك وتحيُّزك المتأصّل. إن كاتب التاريخ هو أثرٌ يمشي على قدمين، هو شخصٌ مغترب، يستخدم أساليب اليوم ليحاول معرفة أشياء عن الأمس لم يعرفها الأمسُ عن نفسه. يجب عليه أن يحاول العمل متثبِّتاً، مستمعاً إلى كلمات الماضي، متواصلاً لكن بلغةٍ يفهمها الحاضر. المؤرِّخ وكاتب السير وكاتب الروايات يعملون ضمن حدود مختلفة، لكن على نحو مكمِّل، لا متضاد. حرفة الروائي ليست اختلاق الأشياء، فحسب، إطلاقاً.. وحرفة المؤرِّخ ليست تكديس الوقائع، ببساطة، إطلاقاً؛ فحتى أكثر الأبحاث جموداً واعتماداً على البيانات، تتضمّن عامل تأويل. إن بحثاً عميقاً داخل الأرشيفات يمكن تأديته في هيئة جداول أو قوائم، بواسطة مؤرخين فيما يخاطب بعضهم بعضاً. لكنهمّ، لمخاطبة جمهورهم، يستخدمون الأدوات نفسها التي يستخدمها الحكّاءون: الانتقاء، والدمج، والتنسيق الخلاق. قال مؤرِّخ القرن التاسع عشر، «اللورد ماكولي – Lord Macaulay»: «التاريخ يجب أن ينطبع في المخيلة، قبل أن يمكن تلقّيه بالعقل». إذاً، كيف نعلّم التاريخ؟ هل الأمر عبارة عن مجموعة من القصص، أم مجموعة من المهارات؟ كلاهما، أعتقد. نحتاج أن ننقل القصص، وأن نمنح المهارات- أيضاً- لكي نفسِّخ القصص، ونصنع قصصاً جديدة.

لنستعيد التاريخ، نحتاج إلى صرامة، ونزاهة، وإخلاصٍ سخي، ونزوعٍ إلى الشك. لنستعيد الماضي، يُتطلَّب منا كل تلك الفضائل، وشيءٌ زيادة. إن أردنا قيمةً إضافية (أن نتخيل ليس، فقط، كيف كان الماضي، بل كيف بدا من الداخل) فإننا نختار رواية. المؤرِّخ وكاتب السير يقتفيان آثاراً من أدلة، آثاراً ورقية، عادةً. يفعل الروائي هذا، أيضاً، ثم يؤدّي عملاً آخر: يعيد الماضي إلى سيرورته، إلى الحركة، يحرّر الناس من الأرشيف، ويتركهم يهيمون، يجهلون مصائرهم، حيث كلّ أخطائهم لم تقع.

ليس بوسعنا أن ننحّي التنظير جانباً. إنه لمن المستحيل، الآن، كتابة رواية تاريخية ذكية، دون أن تكون رواية تأريخية، رواية تأخذ في الحسبان طريقةَ عملٍ خاصّة بها. لكنني حاولت أن أجد سبيلاً للتحدث عن الماضي دون أن أستعمل، يوميّاً، مصطلحات مثل «التأريخ». لقد أصبحت روائية لأختبر الفضيلة بكلماتٍ، كانت لتتعرف عليها أمّ جدتي، من تلك الرحلة التي قطعتها من أيرلندا إلى إنجلترا، من مكان أخضر رطب إلى آخر: كلماتٍ مثل: خيط، ونول، ولُحمة، وسَداة(7).. كلماتٍ مثل: رصيف الميناء، وسفينة، وبحر، وحجر، وطريق، وبيت. 


المصدر:

أُذيعت عبر راديو بي بي سي، ونُشرت في الغارديان البريطانية، بتاريخ 3 يونيو 2017.

الهوامش:

(1) اسم «باتريك – Patrick» يعتبر أكثر شيوعاً في أيرلندا حيث نشأ، ويُنسب إلى القديس باتريك.

(2) جمعية الأصدقاء الدينية «الكويكرز» هي حركة مسيحية تأسَّست حوالي عام 1650، انتصرت لـ«النور الداخلي»، ورفضت كل أشكال الشعائر والكهانة.

(3) مجتمع يشجع على التقشف والتوفير بحجة استثمار المدخرات لصالح أصحابها.

(4) أسرة تولّت عرش إنجلترا، منذ عام 1485 حتى 1603.

(5) المستنسخ – replica، يكون نسخة مرسومة لتُطابق اللوحة الأصلية. أما النسخة المصورة – photographic reproduction، فتكون صورة فوتوغرافية ملتقطة للوحة الأصلية، ذات جودة عالية، وتُطبع على خامات خاصّة.

(6) المؤتمر الوطني يُعتبر أوّل حكومة بعد الثورة الفرنسية. تأسس في 1792، واستمر حتى 1795.

(7) السداة: الخيوط الطولية في النسيج، عند الحياكة بالنول. اللحمة: الخيوط العرضية في الحياكة.

ميشيل ويلبيك: لا أصدق من يقول ”لا شيء أبداً سيعود كما كان في السابق“

لابدّ لي من أن أعترف بأن الرسائل التي بعثتها أو استقبلتها خلال الأسابيع الماضية كان الهدف منها بالأساس الاطمئنان على أن مخاطبي لم يمت وليس على وشك أن يموت. وبعد ذلك فقط قد يتسنى لنا الخوض في مواضيع مثيرة للاهتمام. مع أن هذا لم يكن بالأمر الهين نظراً لأن الوباء قد نجح في خلق جوٍ مشحون بالقلق والملل في آنٍ واحد. إنه فيروس تافه، غالباً ما يُشبَّه بفيروسات الأنفلونزا التي يكتنفها هي الأخرى غموضٌ كبير، ولا يُعرف الكثير عن الظروف التي يبقى معها على قيد الحياة، كما أن خصائصه تبقى غير مُحدّدة، إذ يوصف بالحميد تارةً، وبالخبيث تارةً أخرى. إنه إذن فيروس يند عن الوصف. إنّ هذا الوباء، وإنْ كان يحصد آلاف الأرواح كلّ يوم إلّا أنه مع ذلك يخلف لدينا الانطباع على نحوٍ غريب بأن لا شيء يحدث حولنا بالفعل. لذلك فإنّ زملائي الكُتَّاب المحترمين (البعض منهم محترم على أية حال) لم يتكلّموا عنه كثيراً، وآثروا الحديث عن تجربة الحَجْر. وأنا أودُّ هنا أن أضيف إسهامي الشخصيّ في بعض ما جاؤوا به من ملاحظات.

يرى «فريديريك بيجبيدر Frédéric Beigbeder» بأن الكاتب في مطلق الأحوال لا يلتقي بالناس كثيراً، وأنه يحيا حياة النُسَّاك وسط كُتبه. لذلك فالحَجْر لا يغيِّر شيئاً بالنسبة له. أتفق معك تماماً، فريديريك، في أن الحَجْر لا يغيِّر شيئاً في حياة الكاتب الاجتماعيّة، إنما هناك نقطة سهوتَ عنها فيما يبدو، (وهذا راجع بلا شك لأنك تعيش في الريف، حيث إجراءات المنع أقلّ قساوة): إن الكاتب يحتاج لممارسة المشي. إن هذا الحَجْر يبدو لي مناسبةً سانحةً للحسم في سجالٍ قديمٍ بين «فلوبير Flaubert» و«نيتشه Nietzsche». لقد قرأت في موضعٍ ما (لم أعد أذكره) نصّاً لفلوبير يؤكِّد فيه بأن المرء لا يمكن أن يفكّر وأن يكتب إلّا في وضعية الجلوس. وقرأت بعدها لنيتشه (في موضعٍ لا أذكره أيضاً) نصّاً يحتج فيه ويسخر من فلوبير، بل يذهب لحدِّ وصفه بالعدمي (لعلّ ذلك تزامن مع الفترة التي بدأ فيها نيتشه يستعمل هذه الكلمة حيثما اتفق). ثم يؤكِّد على أنه أبدع جميع مؤلَّفاته بينما كان يمارس المشي، وأن كلّ إبداع لا يولد أثناء المشي فهو والهباء سيان. ومع أنني شخصيّاً لا أكن كثير إعجاب لنيتشه فلابد لي من الاعتراف بأنه صاحب الرأي الأصوب في هذا المقام. إن مَنْ يحاول الكتابة دون أن يقوم خلال يومه بالمشي لساعاتٍ طويلة وبإيقاع سريع فمن الأجدى له أن يضرب صفحاً عن الكتابة. إذ يستحيل على الكاتب المسكين أن يتخلص مما يتراكم لديه من توترٍ عصبي ومن الأفكار والصور التي تظلّ تدور برأسه وتسبب له الآلام والأوجاع فتزداد عصبيته وربَّما قاده ذلك إلى الجنون.

إن أهمّ شيء هنا هو الإيقاع الميكانيكي والآلي للسير على الأقدام، والذي لا يُرجى منه في المقام الأول انجلاء أفكار جديدة (وإنْ كان ذلك ممكناً في المقام الثاني)، وإنما يتوخَّى منه تهدئة الصراعات التي تنشأ عن اصطدام الأفكار بعضها ببعض عند جلوس الكاتب إلى منضدته. (هنا يبدو لنا بأن فلوبير ليس مخطئاً بشكلٍ كلي). أما حين يحدّثنا نيتشه عن الأفكار التي تشكّلت لديه وهو على المنحدرات الصخرية بأرياف مدينة «نيس Nice» بفرنسا أو في براري منطقة «الإنجادين l’Engadine» السويسرية فأعتقد أن في قوله هذا بعضاً من الهذيان. إن ما يكتشفه الكاتب في دواخله هو أهمّ بكثير من أي منظر خارجي يمكن أن يراه، اللهم إلّا إذا كان يهم بتحرير دليل سياحي.

فيما يتعلّق بالكاتبة «كاثرين مييي Catherine Millet» (التي كانت عند انطلاق الحَجْر الصحيّ لحسن الحظ تتواجد بمنطقة «إستاجيل Estagel» بالجهة الشرقية من جبال «البيرينيه Pyrénées» وإنْ كانت في العادة تقطن بباريس)، فالوضع الراهن يذكرها بالجزء «الاستباقي» من إحدى رواياتي: «احتمال جزيرة La possibilité d’une île». لقد قلت في نفسي بأن من الجيّد أن يكون لدي عددٌ من القُرَّاء. فأنا شخصيّاً لم أعقد هذه المُقارنة، وإنْ كان الشبه واضحاً تماماً. والآن حين أسترجع الأمر أتذكّر بأن هذا تماماً هو السيناريو الذي رُسم بذهني في ما يخص انتهاء البشريّة. سيناريو بعيد جدّاً عمّا تصوِّره الأفلام الضخمة: مشهد رتيب لأشخاصٍ يعيشون في زنازين تعزلهم عن بعضهم البعض دون أن يكون بينهم أي اتصال جسديّ ما عدا بعض الرسائل التي تنتقل عبر الحواسيب. وجود بشريّ يستمر هكذا في الأفول شيئاً فشيئاً.

«إيمانويل كارير Emmanuel Carrère» (الذي يقضي فترة الحَجْر متنقّلاً بين باريس ومنطقة «روايان Royan» في الشمال، لابدّ إذن أن لديه سبباً وجيهاً للتنقّل هكذا في هذه الظروف) يتساءل جديّاً عمّا إذا كانت فترة الحَجْر ستتمخض عن ميلاد كُتب جيّدة بالفعل. وأنا أتساءل معه أيضاً. لقد طرحت السؤال على نفسي بالفعل، ولكنني لا أعتقد أن شيئاً من ذلك سيحدث. الطاعون شكّل موضوعاً لكتاباتٍ عديدة، وكان مصدر إلهام لمُؤلِّفين كثر على مدى قرونٍ طويلة. وفيما يخص الوضع الراهن تراودني الكثير من الشكوك. أولاً أنا لا أميل إلى تصديق التصريحات من قبيل: «لا شيء أبداً سيعود كما كان عليه في السابق». على العكس تماماً، ستبقى الأمور على حالها. إن سيرورة الأحداث في هذه الجَائِحة عادية جدّاً ومتوقّعة لحد يلفت الانتباه. فالغرب لم يعد المنطقة الأغنى والأكثر تطوُّراً في العالم. انتهى كلّ ذلك منذ مدّة طويلة ولم يعد أمره يخفى على أحد. ونحن عندما ندرس سير الأحداث نجد أن فرنسا واجهت الجَائِحة بشكلٍ أفضل قليلاً من إسبانيا وإيطاليا، ولكن أسوأ بكثير من ألمانيا. هنا أيضاً لا ينطوي الأمر على مفاجأة تذكر.

إن أهمّ شيء ستخلفه هذه الجَائِحة سيكون بلا شك التسريع من وتيرة التحوُّلات التي تجري فعلياً في الوقت الراهن. فالطفرات التكنولوجيّة التي انطلقت منذ سنواتٍ عديدة، سواء الصغيرة منها (الأفلام حسب الطلب، الدفع دون استعمال النقود)، أو الكبرى (العمل عن بُعد، الشراء عبر الإنترنت، شبكات التواصل الاجتماعيّ) تفضي إلى النتيجة نفسها (أو ترمي إلى الغاية نفسها؟)، وهي التقليص من الاتصال المادي، وخاصّة الاتصال بين البشر. وهذا يذكرني بمقارنةٍ لامعة عثرت عليها في أحد النصوص المنشورة على الإنترنت، وهو من توقيع مجموعة من النشطاء المُناهضين لتكنولوجيا الإنجاب بالمساعدة الطبيّة يطلقون على أنفسهم «Les Chimpanzés du futur». تقول المُقارنة: «في المستقبل القريب، كلّ مَنْ يودُّ أن ينجب طفلاً بنفسه، مجاناً وعن طريق الصدفة سيبدو تصرُّفه هذا غير لائق ومستهجناً تماماً كمَنْ لا زال اليوم يحاول أن يستوقف سائقاً مجهولاً ويسافر معه دون أن يمر عبر المنصات الإلكترونية المُتخصِّصة في هذا المجال».

لعَلّ من الخطأ القول بأننا مع كورونا أعدنا اكتشاف البُعد التراجيديّ والفناء، وأعدنا اكتشاف الموت. إنّ التوجُّه العام خلال الخمسين سنة الأخيرة، على حسب ما جاءت به الدراسات الرصينة التي أنجزها «فيليب أرييس Philippe Ariès» في هذا المجال، ينحو نحو إخفاء الموت على قدر المستطاع. ولم يحدث أن تمَّ التكتم على الموت قدر ما حدث في الأسابيع الماضية. إذ ينازع الناس في عزلة تامة داخل غرف المستشفيات أو في دور العجزة، يدفنون فوراً أو يتمّ حرقهم (وقد زاد الإقبال على حرق الجثث في الآونة الأخيرة) في سرية تامة ودون دعوة أحد، إذ يصير الضحايا مجرَّد أرقام في الإحصائيات التي تصدر كلّ يوم. وهذا القلق الذي يزداد انتشاراً بين الناس قدر ما يرتفع العدد الإجمالي للضحايا ينطوي في نظري على بُعدٍ مجرَّد يصعب تفسيره.

رقم آخر اتخذ أيضاً أهمِّية كبرى خلال الأسابيع الماضية: يتعلَّق الأمر بسنِّ المرضى. ما هي إذن السنّ التي يظل في حدودها للمريض الحق في أن يستفيد من العلاج ومن جهاز للإنعاش؟ 70، 75، 80؟ يتوقَّف الجواب فيما يبدو على البلد الذي يوجد به المريض. ولكن في مطلق الأحوال لم يسبق للبشريّة أن تحلَّت بهذا القدر من الصفاقة الهادئة في الجهر بأن أرواح الناس ليست لها القيمة نفسها، وأن من بلغ سناً معيّنة (70، 75، 80) يعتبر نوعاً ما في عِدادِ الموتى.

هذه التوجُّهات كلّها هي، كما قلت، موجودة سلفاً، ولم يقم فيروس كورونا سوى بإضفاء نوعٍ من البداهة الجديدة عليها. نحن لن نستيقظ بعد الحَجْر على عَالَمٍ جديد، سيكون نفس العَالَم، إنما أسوأ بقليل.


العنوان الأصلي والمصدر:

Michel Houellebecq, «Je ne crois pas aux déclarations du genre «rien ne sera plus jamais comme avant»

https://bit.ly/2BNCZwJ