هشام جعيط.. إصلاح الحياة!

لماذا لا تساهم الثقافة العربيّة في المجهود البشريّ لفهم عقل العالم الإنسانيّ؛ في تاريخه واقتصاده وقوانينه الاجتماعيّة وسُننه اللُّغويّة، وفي تجديد التفكير الفلسفيّ العالَمي؟ كان هذا السؤال من بين الأسئلة الفكريّة والتاريخيّة المُؤرِّقة التي انشغل بها المُؤرِّخ والمُفكِّر التونسيّ هشام جعيط، الذي فقدته الساحة الثقافيّة العربيّة في يونيو/حزيران المُنصرم، بعد مسيرة علميّة حافلة بالحيويّة النقديّة في سبيل أن يكون للفكر ما يكفي من «التحديث والسيرورة العربيّة نحو المُستقبل».

أبصر المُؤرِّخ والمُفكِّر الراحل هشام جعيط النور في تونس العاصمة في ديسمبر/ كانون الأول 1935. بدأ تعليمه في جامعة «الزيتونة»، ثمَّ في المدرسة الصادقيّة، قبل أن يقرِّر حفيد آل جعيط، المعروفين بالجاه والعلم، تغيير طريقه، وشيئاً فشيئاً نحو بادرة الرفض التي ستسمح لتفكيره بالتقدُّم والتجدُّد. فبعد استقلال تونس عام (1956) يحكي جعيط أن: «آل جعيط فقدوا مكانتهم الاجتماعيّة المرموقة بعدما صار كلّ شيء يدور حول الدولة الجديدة، ولمّا قام الرئيس الحبيب بورقيبة بغلق جامعة «الزيتونة» بعد الاستقلال.. كان هَمّ أبي أن أدخل في النظام الجديد، ولم أكن أوافقه على هذا؛ لأن لي مهجة البحث كما علَّمتني العائلة ذلك منذ الصغر. وبدا لي عندما طلبت مني أسرتي، التي انحدرت اجتماعيّاً، ولم تعد لها نفس المكانة المرموقة في المُجتمع التونسيّ الجديد، أن أنصهر في التجربة التونسيّة وليدة الاستقلال وكأنها قد انقلبت عليّ. لكني آمنت بالبحث الفكريّ والعلميّ، واتبعت هذا السبيل طوال حياتي، ولم أهتم بأمور السياسة. أمّا بالنسبة لتأثير العائلة فقد تواصل حتى بلوغي سن الـ 25، ثمَّ سافرت إلى فرنسا، واتبعت طريقي الخاص»(1).

في فترةٍ مبكِّرة فطن جعيط إلى أن الكلمة الصحيحة تشحذ العقل، وأن كلّ شيء في الفكر يصبح في المُقابل وحيداً وبطيئاً كما يُقال؛ فبعد عودته من باريس، يصف المناخ الأكاديميّ في الجامعة التونسيّة قائلاً: «عندما دخلت الجامعة التي عُدت إليها عام 1976، لم يكن يوجد أي مؤرِّخ أو أي فيلسوف يهتم بالتاريخ الإسلاميّ العام أو بالفلسفة الإسلاميّة»(2). ففي هذه الفترة، يضيف جعيط: «انشغل الباحثون التونسيّون بالدولة الوطنيّة حديثة النشأة تحت التأثير البورقيبي، إلى جانب اهتمامهم بالمسار الجامعي الوظيفيّ»، الأمر الذي أخر انتباه النخبة وجمهور القُرَّاء في تونس، إلى كتب هشام جعيط ونصوصه الأولى التي كانت تحظى باهتمام الصحافة في فرنسا، وكذلك في لبنان، وفي بلدان الشرق عموماً في تلك الفترة. كما لم يكن مجدياً، وصول صداها عبر التأثير الفرنسيّ، ففي رأي جعيط أن كتبه الأولى: لم تُقرأ حقّاً في تونس، ولم يكن لها صدى حقيقيّ، ولم يقع تحليلها، والاستفادة منها(3).

(1)

تتحدَّد خطوط مشروع هشام جعيط، على مستويين، تتفرَّع عنهما، في كثير من الأحيان، مستويات أخرى متداخلة التشخيص والنقد واقتراح الحلول. فبين الخط الأول الفكريّ، والثاني التاريخيّ، تتأصل مواقفه تجاه المشاكل الآنية واشتباكاته مع الأيديولوجيّات السياسيّة والفكريّة، لكنه قبل أن يطرق أبواب التاريخ ويكتب أطروحته التاريخيّة الدقيقة، كان أول ما ألّفه كتباً فكريّة بنَفسٍ فلسفيّ، تخوض في حال العالَم العربيّ والإسلاميّ، وفلسفة الدين، وهي الكتب التي رسمت معالم ومرجعيات خطّه الفكريّ في كتابيه: «الشخصيّة العربيّة الإسلاميّة والمصير العربيّ»، و«أوروبا والإسلام» الذي وقف عند المُقارنة بين الحضارتين في الماضي.

أمّا الخطّ التاريخيّ في مشروع جعيط، الخطّ الإسلاميّ تحديداً، فهو كالسهم الذي يوضع على القوس! وقد اختصَّ به منذ 1981 في أطروحته المُوسَّعة «الكوفة في القرنين الأول والثاني للهجرة» حول الحضارة الإسلاميّة، والمدينة في الإسلام، واستكمله في كتبه الستة عن التاريخ الإسلاميّ الأوّلي التي راجع فيها العديد من المُسلَّمات التاريخيّة، بنظرة نقديّة تعيد النظر في المصادر التي اهتمَّت بتاريخ الإسلام(4). ويصرِّح جعيط في هذا الصدد: «فيما يخص التاريخ الدقيق أردت فيه محاكاة المُستشرقين القدامى وتحسين الرؤية لهذه الحضارة؛ لأني لا أعدهم قاموا بعملٍ جيّد لترويج الصورة القريبة من الحقيقة التاريخيّة والبعيدة من التأثيرات السياسيّة والأيديولوجيّة إلّا البعض»(5). في حين نجد دراسته للمشاكل الراهنة قد بدأت قبل ذلك واستمرَّت مواكبة أهمّ الأحداث والمراحل الحاسمة، على غرار كتابه «أزمة الثقافة الإسلاميّة». وقد كان جعيط في الثمانينيات من القرن الماضي منشغلاً بالواقع الثقافيّ والأيديولوجيّ العربيّ، سواء بالمُشاركة الدؤوبة في ملتقيات مراكز ووحدات البحث العربيّة. أو بالكتابة في مجلّات عربيّة وأجنبيّة حول الواقع الحديث… انطلاقاً من إيمانه بأهمِّيّة «تحقيق التوازن بين الهويّة الجماعيّة والدخول في التاريخ المُعاصِر، وفي هذا المنحى حدَّد جعيط خطوط انشغالاته متمسِّكاً بقناعته الثابتة بكون «الإيمان بالهويّة ورسوخها في التاريخ العميق لا يمكن أن يحصل بدون أن ندخل بجدية في التحديث والسيرورة العربيّة نحو المُستقبل»(6) وما دون ذلك لا خير فيه، وإنما مآله الشر المكتوب في فراغ الفكر!

(2)

يهمنا في الجانب المُتعلِّق بنصوصه الفكريّة، إبراز تشخيص جعيط للواقع العربيّ، ولأزمة الفكر الإسلاميّ المُعاصِر. وكذلك تقييمه للأيديولوجيّات التي شكَّلت هذا الواقع، وحلوله المُقترحة من أجل ما يسمِّيه، تجاوز مستوى فكر النهضة وصدمة الحداثة، وخلق كيان علميّ وفكريّ لعرب اليوم. وفي هذا الجانب يتنقَّل جعيط في تشخيصه الفكريّ لواقع الثقافة العربيّة، بين أربع مراحل حاسمة على الأَقلّ، الأولى: حملة «بونابارت» وصدمة التقاء العرب بالغرب حوالي 1800م، والثانية: حركة النهضة العربيّة، والثالثة: ما بعد الحرب العالمية الثانية، أمّا الرابعة، فهي مرحلة الستينيات وصولاً إلى الزمن الراهن. وفي كلّ تلك المراحل يربط جعيط تداعيات كلّ مرحلة بما قبلها وما بعدها في سياقٍ نقديّ أفقيّ ومتصل على مستوى بنية التحوُّلات الفكريّة والثقافيّة. لقد فهم المُسلمون، في تشخيص جعيط لمرحلة الالتقاء بالغرب، أن: «الأوروبيّين قد تجاوزوهم على مستوى العظمة، وفهموا أيضاً أنهم تفوَّقوا عليهم على مستويات الاقتصاد والحضارة المادية وتنظيم المدرسة والحاضرة، وكلّ العناصر التي شكَّلوها في مفهوم التمدن»، غير أن صدمة الالتقاء بالأوروبيّ لم تكن في تقديره، لحظة إنتاج وعي مماثل، ذلك أن أحد المساعي الفكريّة الأولى الناتجة عن الصدمة كان هو مسعى الإنصات للغير والانتباه إليه كموقف استدعاء للإصلاح والتغيُّر. وحجته في ذلك أن المُسلمين «لم يفكِّروا في ظاهرة الحداثة كمعانٍ للقطيعة مع الماضي، وإنما كمعانٍ لارتباط جديد معه»، فكان هذا الاستدعاء محفِّزاً للتفكير، ومنبِّهاً لحدوده في الوقت نفسه في إطار قضايا فرضت على المُثقَّف العربيّ ثنائيات متقابلة من قبيل: أصالة/ حداثة، عروبة/ إسلام، سلطة/ ديموقراطيّة، نهضة/ حضارة، شورى، عدالة، حرّيّة، استشراق/ استغراب…

لكن جعيط، وهو بصدد تشخيص تبعات هذه المرحلة، يقرُّ بما هو إيجابيّ في نظره؛ فتجاوز الوثوقيّة وإحلال الروح النقديّة سيترتَّب عنهما أكثر فأكثر بروز، ما يصفه بـ: «عقل عربيّ، عقل نقديّ أو متفهم للاثنين معاً، يتجاوز بجدة عقل العقلانيين القدامى بامتصاص قوي لإسهامات الفكر الغربيّ، كما لو أن ذلك تعلَّق بانخراط أكثر ضمانة في جذور الأنا العربيّ الإسلاميّ». لكن هذا البروز لعقلٍ عربيّ نقديّ، وإنْ كان بمقدوره تجديد إشكاليّاته، ومنهجيته، فإنه يبقى، في تحليل جعيط، ناقصاً من أجل أن يكون للفكر ما يكفي، بل إنه «أَقلّ إبداعيّة في نظام المفاهيم أو في ميدان المخيال. وكمصاب بالشلل بمجرَّد ما تعلَّق الأمر بتفكير الكونية. إنه لا يزال عقل معركة، غاطساً في عالمه، رغم تهميشه الفعلي.. بهذه المُوارَبة»(7). ولهذا التحليل حصيلة أخرى، وهي أن حركة النهضة العربيّة، التي انبثقت على إثر الصدمة التي أحدثتها حملة «بونابارت» على الفكر الشرقيّ، لم تصل بالثقافة العربيّة الإسلاميّة إلى المُستوى العالميّ لتضاهي إنتاج روائع الفكر البشريّ المُعاصِر، فعلى الرغم من جهود لا تُجحَد لشخصيّات لامعة إلّا أنها، في نظر جعيط، بقيت في حدودها النسبية تمثِّل نهضةً إقليميّة ومحلّيّة يبرز فضلها بالمُقارنة مع عصر الانحطاط المهول(8). ولنلاحظ هنا، أن جعيط، في المُقابل، وضعنا أمام مفارَقة حين كتب مقالاً يخلص فيه إلى أنه: بعد أكثر من قرن من ظهور حركة النهضة، لم يبرز ولا فيلسوفاً واحداً من طراز متوسط، وأن التقليد الفلسفيّ العربيّ الإسلاميّ مات خلال عصور الانحطاط دون أن يخلف شيئاً، بل إن جعيط يبدي تعجُّبَه من كون «لا أحد من جيل العشرينيات والثلاثينيات تتلمذ على أحد كبار الفلاسفة الغرب وهُم على قيد الحياة من أمثال «برغسون» و«هوسرل» و«هايدغر»…»(9)، ولعَلّنا نستخلص هنا، بأن جعيط، وقف من جديد أمام مسافة أخرى في إطار اللقاء بالغرب، مسافة إمّا أن تُلزم المُفكِّر العربيّ بالبحث في التاريخ الفكريّ العربيّ الخاص، وتحديداً الثورة العلميّة في الأندلس باعتبارها تراكماً حضارياً ساهم في بناء الحداثة الغربيّة، أو بالاستكانة إلى الواقع والاستسلام له. وفي تقدير جعيط أن الخيار الأول على المُستوى التاريخيّ: بدأ منذ النهضة العربيّة بالنبش في التراث، ونشر أمهات الكتب، والاهتمام بماضي العرب وثقافتهم وصولاً إلى الجيل الريادي في الكتابة التاريخيّة الذي مثَّله طه حسين، أحمد أمين، جرجي زيدان، حسن إبراهيم، وجواد علي… وهي كتابات أرادت لنفسها، بتعبير جعيط، تجديد الرؤية للماضي، إلّا أن مجهودها انحسر كمّيّاً في الستينيات. أمّا على المُستوى الفكريّ: فلم يقع بصفة جديّة إلّا بعد الستينيات مع صدور كتب حول التراث الفلسفيّ، منها: «فلسفة ابن خلدون السياسيّة» لمحسن مهدي، و«الفكر الواقعيّ عند ابن خلدون» لناصيف نصار، وكتاب محمد أركون حول فلسفة ابن مسكويه(10)….

(3)

شهدت مرحلة الستينيات، التي يوليها جعيط تشخيصاً بنيوياً عميقاً، بروز عدّة جامعات فتية في البلاد العربيّة، ومعاهد فكريّة ممولة، كما نشطت فيها حركة النشر والترجمة والإنتاج الفكريّ، ونتج عن ذلك، كما يقول جعيط: ظهور بعض المُؤرِّخين الجديين على رأسهم: عبد العزيز الدوري (1919 – 2010) صاحب «تاريخ العراق الاقتصاديّ في القرن الرابع الهجري»، وصالح أحمد العلي (1918 – 2003)  «التنظيمات الاجتماعيّة والاقتصاديّة في البصرة في القرن الأول الهجري»، ومحمد عبد الحي محمد شعبان (1926 – 1992) «ثورة العباسيين»، وفاروق عمر فوزي (1938) «طبيعة الدعوة العباسية: العباسيون الأوائل»، ثمَّ نسج هشام جعيط على منوال صالح أحمد العلي والدوري، أطروحته عن «الكوفة في القرنين الأول والثاني للهجرة». وهكذا، يلاحظ جعيط بأنه: فيما بين 1948، تاريخ بروز أطروحة الدوري، و1981 تاريخ بروز أطروحته، أي طوال مدة ربع قرن لا نجد إلّا خمسة مؤرِّخين اختصوا في الفترة الكلاسيكيّة الكبيرة، أي القرون الأربعة الأولى وهي فترة لها دلالة خاصة.

وإذا كان جعيط قد اعتبر بأن: كتابات هؤلاء المُؤرِّخين الخمسة هي -تقريباً- الوحيدة في كلّ الإنتاجِ العربيّ في ميدان العلوم الإنسانيّة المُعترَف بها عالميّاً كبحوثٍ جديّة، تجاوزت ما قبلها وما بعدها، فإنها، تبقى في نظره، نزراً يسيراً جدّاً، مبرراً ذلك؛ بتعذُّر تكوين مدرسة تاريخيّة، ولانصراف معظم الباحثين عن كلّ ما هو تراثي «لقلّة طموحهم ولقلّة تفتحهم للإنسانيّة العالميّة ولاستكانتهم، بل وكسلهم وفقدهم للمُثل الفكريّة العليا»(11). كما أنه، باستثناء المجهودات المُحترَمة لعبد الله العروي، والحبيب الجنحاني، ومحمد الطالبي… فيما يخصُّ جغرافيّات وفترات تاريخيّة أخرى، بما في ذلك جهود الأثريّين في استكشاف الحضارات القديمة بمصر والعراق… فإنّ نظرة جعيط إلى المُؤرِّخين المُولعين بالحديث والقريب تبقى ناقصة، لكون هذا الولع في تقديره لم يأتِ بثمارٍ جديّة، متسائلاً: «هل لنا تاريخٌ جديّ لرقعة الهلال الخصيب منذ قرن؟ في هذا المضمار ما زلنا عالةً على كتاب جورج أنطونيوس»(12).

لقد كان لتسارع الأحداث بعد الاستقلال، حرب (حزيران)، النكسة، حرب 1973، القضية الفلسطينيّة… بالغ الأثر على دور الفكر العربيّ، فالاصطدام هذه المرّة لم يحدث بالغرب، وإنما مع الأيديولوجيّات والإشكالات الداخليّة المُتفاقمة بحدّة بعد سيطرة العامل السياسيّ الآني على الأفق العربيّ، وهيمنة وسائل الإعلام، على حساب قدسية الفكر ومجاله الحيويّ الذي كان إلى حدود الخمسينيات يزخر بأسماء «من نمط الشخصيّة الكبيرة ذات التأثير الواسع على الجماهير والنخب كطه حسين والعقاد…». ولن يكون من باب الزيادة في الكلام، ونحن نستنتج من خلال جعيط، وجه الشبه العام بين الأمس واليوم؛ صورة الستينيات وما تلاها مستعادة في وسط فكريّ متعدِّد الروافد، يتمُّ فيه تهميش دور المُفكِّر، على الرغم من تجاوزه الحدود النظريّة، والعمل الأكاديميّ البحت، إلى التفكير في مجمل المشاكل العربيّة. إذ بفضل مثقَّفين «آمنوا بالفكر والثقافة، وقليلاً ما حظوا بتشجيع مع الحكومات أو الجماهير.. حصل في الجملة تقدُّمٌ نظريّ في معالجة مشاكل العالَم العربيّ من الوجهة الفكريّة. فلم نعد عالةً على المُستشرقين في دراسة تاريخنا، ولا على الخبراء الأجانب في دراسة اقتصادنا… والخطر اليوم أن يهدَر هذا المجهود، وأن ينقرض علماؤنا دون أن يتمكَّنوا من تكوين أجيال جديدة على ما يلزم من حب للمعرفة ومنهجية كاملة. هذا تخوُّف ليس مصدره التشاؤم وإنما حقيقة الأمور»(13).

في تشخيصاته لواقع الثقافة والفكر في البلاد العربيّة، حمل جعيط مسؤولية التهميش إلى الساسة والجماهير معاً، وبنبرة أكثر حدّة يلقي باللائمة على مستويات الوعي العربيّ العام، وقبله وعي النخبة الأكاديميّة، أو الجامعيّة التي تنصرف إلى اختصاصاتها، دون مثابرة على البحث المُتخصص والمُجدي، ولهذا فالأستاذ الجامعي يظهر، في تصوُّر جعيط، بمظهر العالِم المُختص لكن بمظهر المدرس الصغير! وهنا نصل مع جعيط إلى: «نقطة استفهام وإبهام؛ فالوعي العربيّ لا يحسن التمييز الصارم المضبوط بين العالِم المُختص في أحد ميادين العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وبين المُفكِّر الحقيقيّ صاحب النظرة الشموليّة المُتجاوز للاختصاصات، والذي يأتي برؤية وبمفاهيم مع عمق في النظر واستقلالية في منابع التفكير. ليس كلّ مَنْ يفكِّر مفكِّراً، وليس كلّ مختص عالماً»(14).

 

(4)

لم تكن رحلة جعيط في البحث عن جواب لتساؤله: لماذا لا تساهم الثقافة العربيّة في المجهود البشريّ لفهم عقل العالم الإنسانيّ؛ في تاريخه واقتصاده وقوانينه الاجتماعيّة وسُننه اللُّغويّة، وفي تجديد التفكير الفلسفيّ العالَميّ؟ مسألة سهلة، ولا مستحيلة، فهي بقدر انفتاحها على المُستقبل وتفاعلها مع الفكر العالميّ، إجابة بصوت مرتفع تؤكِّد استحقاقنا الفكر الذي لدينا، وقد وجد جعيط نواة إجابته متجذِّرة في الثقافة العربيّة التي هي بالأساس؛ ثقافة فكريّة وذهنيّة، لذلك فمن المنطقيّ «أن يكون الميدان الفكريّ والتاريخيّ أخصب ميادين الإنتاج لما اتّسمت به الحضارة العربيّة من عمقٍ تاريخيّ، وأيضاً من تقاليد تاريخيّة عريقة في ميادين التحليل والعلم الإنسانيّ، والقانون، والتاريخ، والاقتصاد»(15). وإذ تبدو رحلة البحث، قد استُؤنفت منهجياً باتجاه الماضي لإعادة اكتشاف طرقه، واستنطاق فراغاته التاريخيّة، فإنّ جعيط، وهو في مقام مَنْ يقول: أين الفكر هناك القوة، قد مضى في رحلته الطويلة، وعينه على مستقبل العقل العربيّ المفقود، والذي يتطلَّب العناء والمشقة لاستعادة ما يمكن استعادته من الينابيع الأولى؛ و«إن كلّ عمل في سبيل إحياء هذا الاستعداد وخلق كيان علميّ وفكريّ لعرب اليوم هو عمل ذو بُعدٍ مصيري، لأن الأمّة قامت على فكرة مجدها الثقافيّ… ولا يمكن البتة أن ينحصر هذا المجد في الماضي، بل علينا أن نؤسِّس مجداً جديداً يعطي الأمّة العربيّة مقامها بين الأمم». وبما أن هذا المجد كان شعريّاً وعقليّاً، وليس أدبيّاً خياليّاً إلّا في العنصر الشعبيّ الحكائيّ، فلن ينبغ عرب اليوم، في الميدان المسرحيّ أو الروائيّ أو الفنّيّ عموماً؛ إننا نفخر، يستطرد جعيط: بابن سينا، والطبري، والمقدسي، والبيروني، بينما يفخر الإنجليز بشكسبير، والفرنسيون بروائيّيهم أو كُتَّاب التراجيديا عندهم (…) وإذا عجز العرب عن إنشاء علوم إنسانيّة بالمعنى الصحيح، فهم في غير ذلك أعجز!، والشاهد في ذلك عند جعيط كون، التقليد الثقافيّ يسيطر على مناهج الإبداع، بما يجعل النبوغ العربيّ متاحاً وممكناً، بتفكيرٍ أشمل وأعمق، لكن في الميادين المعهودة التي كان العرب يسمّونها بالحكمة، وهي بلغة اليوم علوم إنسانيّة واجتماعيّة.

نصل الآن إلى نقطة أساسيّة في اشتباك جعيط بالمشاكل الراهنة، ألا وهي تشخيصه النقديّ لاختلاط الأيديولوجيّات بالثقافة، بداية من تحديده لسمات الثقافة العربيّة المُعاصِرة بوصفها «ثقافة أمّة تتساءل عن مصيرها، وعن علاقتها بالعَالَم الخارجيّ، وبماضيها على السواء، وليست ثقافة إبداعيّة بالمعنى الذي تحمل فيه نظريّات عامة حول الإنسان والتاريخ والمُجتمع عامة»، وصولاً إلى رصد نتائج ذلك على كافة القضايا المصيريّة؛ حيث بدا لجعيط أن الثقافة العربيّة في الأزمنة المُعاصِرة اختُرقت من طرف تيارات سياسيّة ومذهبيّة أكثر من كونها مدارس فكريّة. فمن القوميّ إلى الإقليميّ، ومن الإسلاميّ إلى العلمانيّ ومن التحديثيّ إلى التراثيّ… فإنّ تحصيل الحاصل هنا، ليس فكراً يُزرع في الاختلاف، وإنما ذلك السؤال الذي نحته شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ الذي يستعيده جعيط متأمِّلاً ثقافة عربيّة مازالت تخاصم نفسها والدنيا حول إشكاليّاتها الأساسيّة، دون أن تتمكَّن من تجاوز صدمتها بالحداثة. وإذا كان جعيط يقرُّ بأنه من غير المُنصف، بل قد يكون من باب المُستحيلات، ونضيف إليها اللامبالاة، مطالبة «الثقافة العربيّة الفكريّة اليوم بأن تتخلَّى عن المناخ الذي تعيش فيه، كما عن الإشكاليّات الموروثة»، فإنه في المُقابل يتحدَّث بما يقيسه من فروقات في أدق التفاصيل، عن ثقافة عربيّة، لا يراها تساهم اليوم: في المجهود البشريّ لفهم عقل العالَم الإنسانيّ في تاريخه واقتصاده وقوانينه الاجتماعيّة وسُننه اللُّغويّة وتجديد التفكير الفلسفيّ فيه(16).

 

(5)

من سياقات متعدِّدة في كتابات جعيط، يتضح أن الانخراط في فهم العالَم الإنسانيّ، لا يتأتى إلّا بتوفُّر شرطين أساسيّين؛ الأول: ثقافة جمعية متميِّزة، والثاني: حداثة مرتبطة بالهويّة. ويمكن الاستنتاج فيما يخصُّ متطلَّبات تحققهما، أن الأول مقترن بالحاجة المُلحة إلى «جهاز فلسفيّ يصالح مصالحة نهائية بين حاجات النفس البشريّة المُعاصِرة بما فيها العلم وبين الروح الدينيّة»(17). ومن شأن ذلك أن يرشد الثقافة العربيّة إلى: خوض المعارك الفكريّة العامة وما يترتَّب عنها من تعميق أكثر للأمور وحذق أدق للمنهجيات، مع ضرورة التمييز: «بين الإنتاج الأيديولوجيّ المُوجَّه للجماهير (الذي قد يكون لازماً) والذي ينتج العدد الأوفر من الكتب والدوريات، وبين الإنتاج العلميّ الجيّد أو الإنتاج الفكريّ العام ذي المرتبة الرفيعة»(18).  وتجدر الإشارة في هذا الصدد، أنَّ جعيط أجاز وجود فكر فلسفيّ – أيديولوجيّ عربيّ مهتم بالإشكاليّات السياسيّة والحضاريّة والثقافيّة، وهو في تصنيفه الكمّي له يمثِّل: إسهاماً مهمَّاً، في خطاب السياسيّ كما في خطاب الصحافيّ، وإنْ كانت هذه الإشكاليّات من حيث المضمون لا تتجاوز الأفق العربيّ – الإسلاميّ إلى نطاق التنظير العام، كما أنها لا تأخذ بُعدها الفلسفيّ النظريّ إلّا عند القليل، ومنهم هشام جعيط نفسه، وعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون وناصيف نصار والطيب تيزيني.

أمّا الشرط الثاني، وهو الحداثة المُرتبطة بالهويّة، فيجد تأصيله المبدئي عند جعيط؛ من منطلق دور الهويّة في مقاومة الهيمنة الإمبرياليّة والاقتصاديّة؛ وانطلاقاً من اعتقاده بضرورة التمسُّك بخصوصيّاتنا، وبالعناصر الأساسيّة التي انبنت عليها هويّتنا وحضارتنا. لكن الهويّة عند جعيط، كموضوعٍ للبحث وبناء الذات والمُستقبل، تتخطَّى النبش في التاريخ والانغماس في التراث، كما لا تقوم على الذاكرة فحسب، وإنما تعني الهويّة كذلك: «احتكاك الهويّات الفرديّة، وانفتاحها على الأخلاقيّات التي تقرِّب بين البشر وتبني القيم، التي تفتح آفاقاً أمام الإنسان، وتعطي لحياته معنى، وتجعل منها قيمة عالية»(19).

إعطاء معنى للحياة، هو إصلاح لها، كانت هذه رسالة هشام جعيط، وقد وصفها في إحدى انزياحاته الشعريّة: «إصلاح الحياة! رسالة عظمى أثقلت كواهل عظماء من المُحرِّرين، والقادة، والمُفكِّرين، والأدباء.. إصلاح الحياة باسم نداءٍ داخليّ في قلب الإنسان المُتحيِّر.. نزوع إلى بناء المُستقبل، ولكن أيضاً وفاء بالماضي.. تفتح أمام هذه النسبيّة الغريزة المُنبسطة أمامنا والتي هي حاضرنا.. احترام لوساطة الكلمة حتى لا يبتلع الهدف الوسيلة.. إيمان حقّ بالقيم ولو نبذها المُجتمع، شعور بسوء النية ورفضها.. الحب دوماً والرحمة دوماً والذهاب إلى الغير(20)…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 – ھشام جعیط: الفكر یلزمه فترات من الدعة والعالم الیوم في تغیُّر واضطراب/ مجلة الفیصل، العدد: 477، یولیو 2016.

2 – نفس المرجع السابق.

3 – نفس المرجع السابق.

4 – ھشام جعیط: الفكر یلزمه فترات من الدعة والعالم الیوم في تغیُّر واضطراب/ مجلة الفیصل، العدد: 477، یولیو 2016.

5 – نفس المرجع السابق.

6 – نفس المرجع السابق.

7 – ھشام جعیط: فلسفة الأنوار والفكر العربيّ الإسلاميّ/ مجلة التبیین، العدد: 14، أبریل 1999.

8 – ھشام جعیط: أزمة الفكر الإسلاميّ المُعاصِر/ مجلة الفكر العدد: 1، أكتوبر 1965.

9 – ھشام جعیط: الإنتاج الفكريّ العربيّ منذ عشرین سنة/ مجلة فكر وفنون، العدد: 42، یونیو 1985.

10 – نفس المرجع السابق.

11 – ھشام جعیط: أزمة الفكر الإسلاميّ المُعاصِر/ مجلة الفكر العدد: 1، أكتوبر 1965.

12 – ھشام جعیط: الإنتاج الفكريّ العربيّ منذ عشرین سنة/ مجلة فكر وفنون، العدد: 42، یونیو 1985.

13 – نفس المرجع السابق.

14 – نفس المرجع السابق.

15 – نفس المرجع السابق.

16 – نفس المرجع السابق.

17 – ھشام جعیط: أزمة الفكر الإسلاميّ المُعاصِر/ مجلة الفكر العدد: 1، أكتوبر 1965.

18 – ھشام جعیط: الإنتاج الفكري العربي منذ عشرین سنة/ مجلة فكر وفنون، العدد: 42، یونیو 1985.

19 – ھشام جعیط: الفكر یلزمه فترات من الدعة والعالم الیوم في تغیر واضطراب/ مجلة الفیصل، العدد: 477، یولیو 2016.

20 – ھشام جعیط: آراء نقدیة في الأدب المعاصر/ مجلة الفكر، العدد: 4، ینایر 1967.

الثقافة الإسلاميّّة.. خصوصيّة وعالميّة ترسَّخت في مجرى التاريخ

إنّ القضية التي نصدر عنها وننتصر لها هنا تتمثَّل في أن التعايش بين الثقافات الإنسانيّة هو طوق النجاة المُنقذ و«خشبة الخلاص» الوحيدة من طبول الحرب التي يدقها أصحاب النهايات (نهاية التاريخ، نهاية الأيديولوجيا، نهاية الفلسفة، نهاية الإنسان، صراع الحضارات،). وإذا كانت الحرب بين الثقافات هي ميزة عصور التخلُّف والانحطاط والانعزال والتقوقع والانسداد الكبير. فإنّ التواصل بين الثقافات و«العيش المُشترك»، هو ميزة عصور الرقي والتقدُّم والمدنيّة والبناء، وأيام «العز والصولة».

ماذا نقصد بالثقافة الإسلاميّّة أولاً؟ يجيبنا أحد الباحثين قائلاً: «الثقافة الإسلاميّّة أو الثقافة من حيث نسبتها إلى المُجتمع الإسلاميّ […] هي مجموع النسيج الحضاريّ الشموليّ الذي قوامه الدين الإسلاميّ: لا من حيث هو عقيدة وشريعة فحسب، بل من حيث هو حضارة وفعل إنسانيّ تضافَرَ في إبداعه مجموع الشعوب التي التقى بها الإسلام عن طريق الفتح، والتجارة والاتصال، وعن طريق الترجمة والآداب والحِكم المُقتبَسة (ذلك هو الشأن في الأثر اليونانيّ خاصة، وفي الأثر الذي يتفاعل معه عامة). ومن هذه الجهة فقد اغتنت الثقافة الإسلاميّّة بكلّ المُكوِّنات التي كانت قاعدة لها (وهذه هي العربيّة وما تعلَّق بها، علوم كان الإسلام نفسه سبباً في تقعيدها وتنظيمها أولاً وفي تطويرها ثانياً)، ثمَّ اغتنت بعد ذلك بما أدركته من آداب الفرس والرومان والكلدانيّين، وبما اقتدرت على استيعابه من الأثر الإغريقيّ (مع غِناه وتعدُّده)، ثمَّ من هذه الجهة أيضاً، أمكن للثقافة العربيّة الإسلاميّّة في أبعادها الكثيرة هذه أن تسهم في بناء الصرح الحضاريّ الإنسانيّ، وأن تعمل على حفظها من الضياع أولاً (في مراحل الهمجيّة والعنف)، ثمَّ أن تسعى إلى تطويرها وحثها على العطاء الجديد (العلوم العربيّة الإسلاميّّة، العلوم «الدقيقة»، الفلسفة الإسلاميّّة، الفكر الاجتماعيّ والسياسيّ عند كبار مفكِّري الإسلام…). وبالجملة فنحن نقصد بالثقافة الإسلاميّّة الثقافة في دلالتها الأنثروبولوجيّة الفسيحة من جانب أول، ونقصد بها تلك الثقافة من حيث كونها سمةً للمُجتمع الإسلاميّ «المفتوح»، وبالتالي فهي الثقافة وقد كانت انفتاحاً على «الآخر» وقبولاً له (مع الوعي بالاستقلال الروحي والتمايُز الحضاري، وهي الثقافة وقد كانت اتجاهاً نحو المُستقبل وقبولاً له وإقبالاً عليه»(1). وقد خصَّص سعيد بنسعيد العلوي الفصل الأول من كتاب (أوروبا في مرآة الرحلة) للحديث عن «الآخر» بالنسبة للثقافات الإنسانيّة، قائلاً: «تحمل كلّ الثقافات والحضارات الإنسانيّة المُختلفة صورةً ما لـ«الآخر». و«الآخر» هو كلُّ ما ترى «الذات» أنه مخالف لها أو مختلف عنها… الآخر إذن هو ذاك الذي تقضي الذات بمخالفته لها وتحكم باختلافه عنها في نظم الحياة كلّها: في العادات، والتقاليد، والأذواق، واللسان، والدين… يؤول الأمر في رسم صورة «الآخر»، وفي تعيين دلالته ومعناه، إلى الثقافة التي يكون إليها انتماء «الأنا» أو «الذات» التي تتحدَّث عن الغير المخالف»(2). فالغرب الأوروبيّ والغرب الأميركيّ هو الذي يشكِّل الآخر للثقافة الإسلاميّّة، وليس الآسيويّين أو الأفارقة من البلدان غير العربيّة. «الآخر» في الوعي الثقافيّ العربيّ الإسلاميّ، لا يخرج عن «الغرب»: فهو الغرب الأوروبيّ تارةً أولى، وهو الغرب الأميركيّ تارةً ثانية»(3).

وبناءً على هذا التحديد، فالقاعدة أو القانون الذي يحكم الثقافة الإسلاميّّة المُركَّبة المُتعدِّدة العناصر هو قانون التعايش المُشترك والتواصل والانفتاح والتمدن والتفاعل والتلاقح والتسامح والحوار الإيجابيّ مع الثقافات الأخرى المُخالفة والمُغايرة لها قديماً وحديثاً، لها خصوصياتها وملامحها وقيمها ومقوِّماتها الحضاريّة والتاريخيّة التي تجعلها غير قابلة للسيطرة والهيمنة والاتباع والذوبان في الثقافات الأخرى المُخالفة. فقد أنتجت الثقافة الإسلاميّّة بكلِّ حرّيّة نظامها القيميّ ورأسمالها الرمزيّ الخاص بمجتمعاتها، وتبنَّت القيم الأخلاقيّة والدينيّة والثقافيّة المُلائمة لها دون اضطرار لتقليد الآخرين أو الانطلاق من حداثتهم لبناء حداثتها الخاصة. فهي رؤية للعَالَم ونمط للعيش ونظام للقيم، متجذِّر في التاريخ البعيد والجغرافيا الصلبة، تتميَّز بالتمثل والهضم والاستيعاب الإيجابيّ للثقافات الأخرى بروح الحوار وآداب البحث، مع الخلق والإبداع والإضافة من موقع الندية والتوازن والحوار المُتكافئ بأسلوب الحجاج والمُناظرة وطلب الاقتناع والحرص على البرهنة، بعيداً عن أجواء الخضوع لأحكام «العجز والضرورة»، كما يقول الفقهاء. و«لابد من الانتباه إذن، إلى أن خصوصيّة العَالَم العربيّ الإسلاميّ المُعاصِر لا زالت تشهد نوعاً من التفاعل بين ماضي وشعوب ذلك الماضي وحاضرها المعيش. ممّا يفرض القول أن كلَّ تأمُّل في حاضر هذه الشعوب وتطلع نحو إصلاح مستقبلها يستوجب استحضار ذلك الماضي بما يمثله من قيم ومقاصد وتصوُّرات للحياة ترسَّخت في مجرى التاريخ، وذلك لأجل إعادة تمثل بعضها وتوظيفه بما يسمح بذلك الإصلاح المنشود، أو لأجل إبداء رؤى نقديّة تجاه بعضها الآخر، فيصير هذا النقد المُعاصِر لبعض تلك التصوُّرات والمفاهيم نقداً ضمنيّاً للواقع المعيش الذي يتفاعل مع تراثه»(4).

فالعلاقة بين الثقافة الإسلاميّّة والثقافات المُخالفة المُختلفة لا تخلو من الصلات الاستلزاميّة بين الأنا والآخر و«سريان» الخصوصيّ في العموميّ جنباً إلى جنب مع «سريان» العموميّ في الخصوصيّ في المُجتمع الإسلاميّ، الذي نقصد به «الوجود الحضاريّ والثقافيّ لجملة من الشعوب والأقوام والمُكوِّنات الثقافيّة واللسانيّة والإقليميّة تلتقي عند انتسابها إلى الدين الإسلاميّ من جهتي العقيدة والشريعة، دون أن تنفي مَنْ كان على غير المِلة الإسلاميّّة (وهذا هو الشأن في العرب المسيحيّين تخصيصاً). هذا المُجتمع يخضع بـ«الضرورة» لحتميات التاريخ والحضارة ويعرض له ما يعرض للمُجتمعات الإنسانيّة كلّها، وتلك سُنَّة الله في الخلق»(5). فدراسة «الخصوصيّة» في الثقافة الإسلاميّّة دون الالتفات إلى «الكونيّة»، أو دراسة «الكونيّة» فيها دون الالتفات إلى «الخصوصيّة»، لهي تجريد للازم من ملزومه، وذلك اقتناعاً منّا بأن كلّ دراسة تجهل أو تتجاهل هذه الصلات الاستلزاميّة بين الأصيل والدخيل، والمحليّ والكونيّ والخاص والعام في الثقافة الإسلاميّّة، ولا تومئ من قريب أو بعيد إلى الخصوصيّ ككونيّ، والكونيّ كخصوصيّ، ستظلُّ دراسةً ناقصة وقاصرة، إن لم نقل عرجاء وبتراء. وبالجملة، لا ينبغي التفاضل بين الثقافات، والانتصار لثقافة على أخرى، والانفصال عن «الرؤية التوحيديّة للثقافات» بالانغلاق داخل ثقافة واحدة، وكأنها جزر معزولة عن ثقافات أخرى مجاورة لها ومتداخلة معها بشكلٍ أو بآخر، لدرجة يمكن القول معها بأن كلّ ثقافة تدين في حيويتها وابتكاريتها إلى الثقافات المُخالفة والمُتغايرة معها. فلا بد من الانتباه بما فيه الكفاية إلى أهمِّية التواصل والدور الإيجابيّ للتعايش بين الثقافة الإسلاميّّة والثقافات الأخرى، وذلك بغية تقييم مفهوم الثقافة الإسلاميّّة التعدُّدية والدياليكتيكيّة. فالاعتراف بالخصوصيّة هو ألفباء الوصول إلى الكونيّة بالنسبة للثقافة الإسلاميّّة، ولكلّ الثقافات الأخرى التي تحتكُّ في ما بينها وتغترف من معين بعضها البعض، ممّا يجعل كلّ ثقافة خاصة ثمرةً للفعل والانفعال مع الثقافات الأخرى التي تشكِّل «أغياراً» متنوِّعة الكيف لها، وفي مقدِّمتها الثقافة الإسلاميّّة التي استوعبت كلّ الثقافات واللُّغات والأعراف والحضارات، والتجارب الإنسانيّة وأنماط التمدن الإنسانيّ. «فأما «الغير» فهو حسب إفادة علم الكلام ودلالة اللّغة العربيّة «المُخالف» في الدين والثقافة والحضارة، وليس «المُختلف» فقط، إنه النقيض أو «الآخر» -كما نقول في لغتنا المُعاصِرة-، و«الآخر» هو ذاك الذي نراه ضداً لنا، ونجد أن صورتنا تتحدَّد من حيث إنها نقيضه. فنظرنا إليه هو نظرنا لما نرى أنه غير الذات، والنحو الذي يتمُّ به إدراكنا له هو، في حقيقة الأمر وعي بوجودنا الذاتيّ وإدراك له»(6).

إنّ العلاقة بين الثقافة الإسلاميّّة والثقافات الأخرى علاقة أخذ وعطاء، وإذا كان التفاعل بين العروق يولِّد عناصر جديدة وفعَّالة من الناحية البيولوجيّة والاجتماعيّة، لدرجة أنه حتى الفلّاح في مزرعته يعرف هذه الحقيقة فيستورد الثيران الفحلة الفتية ليحسِّن نسل أبقاره، ويعرض عن المرضى العجاف الضعاف من الثيران المحليّة. فإنه قد تجدر الإشارة إلى أن الثيران الفحلة الفتية التي تحسِّن نسل أبقارنا قد تكون محلّيّة أيضاً، بينما قد تكون الثيران الخارجية من طينة المرضى العجاف الضعاف التي يجب الإعراض عن استيرادها بين حينٍ وآخر. وإن دلَّ هذا على شيء، فإنما يدلُّ بوضوح على أنه لا ينبغي الحط من شأن الأنا مقابل الإعلاء من شأن الآخر، أو نقد الأنا دون الآخر حتى لا نرجِّح كفة الآخر على الأنا فنفقد التوازن والتكامل ونرتطم أرضاً. وكان «الخير كلّه يأتي من الآخر […] والشر كلّه يأتي من الأنا […] فنقع في الأحكام المُطلقة: الخير كلّه من الغير، والشر كلّه من النفس»(7). ذلك أن الدفاع عن الخصوصيّة لا ينطوي على أي مظهر من مظاهر الدونية، كما قد توهم الثقافة الغربيّة التي تحاول الهيمنة عندما تنعت الثقافة الإسلاميّّة بأوصاف قدحية تندرج ضمن قاموس السباب والشتم لمُحاصرة الخصم. «وأصبح كلّ مَنْ يدافع عن الخصوصيّة والأصالة والهويّة الثقافيّة والاستقلال الحضاريّ رجعيّاً ظلاميّاً أصوليّاً إرهابيّاً متخلِّفاً ماضويّاً سلفيّاً […] ويتمُّ تخطيط كلّ شيء بحيث يختفي الخاص لصالح العام الذي كان في بدايته خاصاً ثمَّ أصبح عاماً بفعل القوة»(8). فالثقافة لا يمكنها إلّا أن تكون خاصة في أصلها وبدايتها وانطلاقها. وأمّا الثقافة العالميّة فهي «أسطورة لا وجود لها، خلقتها أجهزة الإعلام الغربيّة حتى يتمَّ تطويع الخارجين على سلطان الغرب. الثقافة تنبع من الهويّة الثقافيّة وليس من التغريب الثقافيّ، والنخبة لا تكون إلّا وطنيّة تعبِّر عن رؤية حضارتها الخاصة، ولا توجد نخبة عالميّة إلّا نخبة الارتزاق»(9). فالمُفكِّر المصريّ «حسن حنفي» يحكم بالخصوصيّة على كلّ الحضارات الإنسانيّة بما فيها الحضارة الغربيّة ذاتها، حيث يقول أيضاً: «إن العلاقة بين الأنا والآخر ليست علاقة بين الخصوصيّة والعالميّة وإلّا أعطينا أنفسنا أَقلّ ممّا نستحق، وأعطينا الآخر أكثر ممّا يستحق. فكلّ حضارة خاصة ولا توجد حضارة عامة تمثل الحضارات جميعاً، وإن تراكم الإبداعات البشريّة في آخر مرحلة من مراحل تطوُّر البشريّة في الغرب الحديث لا يجعل باقي الحضارات تُصاب بالدوار وبفقدان التوازن، لأن لها في هذا التراكم دوراً سابقاً وإسهاماً تاريخيّاً غير منظور. وإن علوم الصين والهند وفارس وحضارات ما بين النهرين، وكنعان ومصر القديمة والإسلام، لهي أحد المُكوِّنات التاريخيّة والروافد العلميّة للغرب الحديث»(10). ولذلك ينبغي تصحيح المفاهيم، وتوضيح معنى الخصوصيّة حتى لا تستأسد أو تتنمَّر عليها العالميّة التي تخفي ماضيها الخاص. «تعني الخصوصيّة البداية بالأنا قبل الآخر، وبالقريب قبل البعيد، وبالموروث قبل الوافد […] تعني الخصوصيّة أدبيّاً، البداية بالجذور قبل الثمار، وبالجذع قبل الأوراق، وبالطين قبل الماء، وبالأرض قبل السماء»(11).

وتبعاً لذلك، فالثقافة الإسلاميّّة لا تلغي الآخر، بل تعترف به وتتعامل معه، كما ينبهنا إلى ذلك «ابن رشد» بقوله: «فالمذاهب في العَالَم ليست تتباعد كلّ التباعد حتى يكفر بعضها ولا يكفر، فإن الآراء التي شأنها هذا يجب أن تكون في الغاية من التباعد، أعني أن تكون متقابلة»(12). وإن دلَّ هذا على شيء، فإنما يدلُّ على أن الثقافة الإسلاميّّة تقدِّم درساً مفيداً في التعايش الفكريّ والدينيّ والسياسيّ، والعناية بالعلوم الفلسفيّة، ومجالس المُناظرة والتحاجج، وصقل الآراء، والأخذ والاقتباس عن «آداب الحكماء اليونانيّين»، ومقابلة المعارف وإظهار الحقّ بالتي هي أحسن، بعيداً عن التعصب والأهواء والأطماع، فالإنسان المُتدين الحقيقيّ هو الذي يرتفع عن العصبيات. «وهكذا فالتسامح واعتماد التي هي أحسن وأيسر واجتناب الغلو والتطرُّف والتعصب… كلّ ذلك يعطي لحق الاختلاف مضمونه الإيجابيّ البنَّاء الذي يقي الناس الفتنة والاقتتال وينمي التنوُّع السليم، مصدر الخصوبة والإبداع»(13).

ولذلك نعلن جهاراً أن الثقافة الإسلاميّّة ثقافة مرنة وخصبة، ترفض الخضوع لأي وصاية أو حجر، اغتنت بالسؤال والنقاش، ورفضت الاعتقادات الدوغمائيّة اليابسة والمُتحجرة والمُتكلسة، لم تنشئ محاكم التفتيش، ولم تضطهد العلماء والمُفكِّرين، بل رحَّبت بالعلماء ونالتهم الحظوة. وقد نظرت الثقافة الإسلاميّّة قديماً بعينين متكاملتين: العين الإسلاميّّة والعين اليونانيّة، واغترفت من معينين أو مثابتين: مثابة المِلة ومثابة الحكمة، فتآلف النقل مع العقل، وأثبت «الشارح الأكبر» لأرسطو كما سمَّاه اللاتين، شرعية الفلسفة باللجوء إلى الخطاب الفقهيّ الأصوليّ، وبذلك تأصَّلت الفلسفة في الثقافة الإسلاميّّة، وتمَّت إزاحة العلاقة المُتوترة بين علوم الأنا وعلوم الآخر، وخرج الإنسان من الحجر إلى الرشد. ولابد من استئناف السير في هذا الطريق الآن والهنا من خلال الاتصال بآفاقٍ أخرى في عالمنا الأوسع والأرحب والمُتغيِّر، والاستفادة من منجزات العصر، ومكتسبات الحداثة بالمُساهمة في إكمال مشروعها وتتميمه. لأن الثقافة الإسلاميّّة هي ثقافة عالميّة في كلياتها ومبادئها أو اتجاهاتها العامة، تنحو من خلال تفاعلها، وتأثيرها وتأثرها، وفعلها وانفعالها نحو الكمال الإنسانيّ «إنّ ما نعنيه بالتأصيل الثقافيّ لحقوق الإنسان في فكرنا العربيّ المُعاصِر هو إيقاظ الوعي بعالميّة حقوق الإنسان داخل ثقافتنا، وذلك بإبراز عالميّة الأسس النظريّة التي تقوم عليها والتي لا تختلف جوهرياً عن الأسس التي قامت عليها حقوق الإنسان في الثقافة الغربيّة. ومن هنا يبرز الطابع العالميّ – الشموليّ، الكليّ، المُطلق لحقوق الإنسان من داخل الخصوصيّة الثقافيّة نفسها، ويتأكَّد مرّة أخرى أن الخصوصيّة والعالميّة ليستا على طرفي نقيض، بل بالعكس، هما متداخلتان متضايفتان، في كلّ «خاص» شيء ما من «العام»، كما أن «العام» ليس كذلك إلّا لكونه يضمُّ ما هو «عام» في كلّ نوعٍ من أنواع «الخاص»(14). وهكذا نلاحظ بأن العلاقة بين الخاص والعام هي علاقة التناغم وليست علاقة التوتر والتنازع. وإذا كانت الخصوصيّة والعالميّة تتفقان على «كلمة سواء»، فإن ما يستدعي التنبيه عليه هو السياسة الغربيّة التي تكيل بأكثر من مكيال في تعاملها مع الدول والأنظمة السياسيّة المُستبدة والمُعادية لحقوق الإنسان. «بمعنى أن حقوق الإنسان أصبحت تُستخدَم اليوم كلافتة أيديولوجيّة من أجل تصفية الأنظمة السياسيّة المُزعجة للغرب بحجة أنها معادية لحقوق الإنسان والسكوت عن أنظمة أخرى لا تقلُّ عنها عداءً ولكنها «صديقة» للغرب. لقد فقدت «حقوق الإنسان» براءتها الأولى عندما أعلنت لأول مرّة في أثناء الثورة الفرنسيّة. وبدلاً من أن تُوظَّف لخدمة حقوق الإنسان بالفعل أصبحت تُستخدَم لخدمة مصالح الغرب واستراتيجياته»(15).

ومن هنا يصح القول بأن عدم عدول الغرب عن هيمنته وسياساته الخاطئة في منطقتنا الجغرافيّة وفي النظر إلى قضايانا الكبرى هو مورد النزاع الأكبر بيننا وبينه، ودون تصحيح ذلك (خَرْطُ القَتَادِ)، كما يقول أهل اللّغة! ذلك أن «أسباب التوتر والصراع لا ترجع إلى اختلاف الثقافات طالما أنها مجرَّد رؤى للعَالَم وأنماط للعيش وأنظمة للقيم، وإنما ترجع إلى روح الهيمنة التي تمارسها الثقافة الغربيّة على العَالَم على أساس من الظلم الغاشم، والتي تتجلَّى في الغزو الاقتصاديّ، وفي التعامل بمعايير مزدوجة، وفي عدم احترام الآخر في خصوصيّته الثقافيّة، وفي التدخل في مصائر الأمم والدول، إلخ»(16). ولذلك كنّا وما زلنا أشد حملاً على الحداثة كسياسة، وأشد دفاعاً عن الحداثة كقيمة. فالحداثة بما هي قيمة فوق الشك، أمّا الحداثة بما هي سياسة فينبغي أن تتهم، فالعلاقات الدوليّة ليست علاقات حداثيّة، وهذا لا يرجع إلى مفهوم الحداثة بقدر ما يرجع إلى تجليها السياسيّ. «قيام المشروع الحضاري العربيّ من حيث هو مشروع حضاري قوامه الإسلام ووجهته المُستقبل، لا يتأتى مع إقفال النوافذ والأبواب في وجه «الآخر» والانصراف عنه، ولو كان ظالماً وخاطئاً في نظره إلينا، كما أن قيام ذلك المشروع لا يقوم مع إغلاق النوافذ والدعوة إلى رفض الآخر والانزواء، ولكنه يكون بالحوار»(17). فالتقابل بين العَالَم العربيّ الإسلاميّ والعَالَم الغربيّ على الصعيد المعرفيّ ليس تشكيكاً في الحداثة، ولا ينبغي أن نفهم منه موقفاً سلفيّاً. وهنا نقطة الخطورة التي يجب أن نضع تحتها الخطوط، وهذه المسألة تحتاج إلى «تحرير محل النزاع» بيننا وبين الغرب الذي ينحاز إلى الأنظمة السياسيّة المُستبِدة بدل الانحياز لشعوبها المقهورة الثائرة. فقضايا حقوق الإنسان، والديموقراطيّة والحرّيّات العامة والعدالة الاجتماعيّة، لا تتعارض مع الإسلام، وإنما مع تأويلات معيَّنة للإسلام، وهي قضايا عصرنا، ولا ينبغي أن تكون قضايا مؤجَّلة، لأنها لا تحتمل التأجيل أو التسويف، بل يجب أن تكون على سُلَّم أولويات المُعارضة والمُجتمع المدنيّ في العَالَم الإسلاميّ.

صحيح أن الثقافة الغربيّة تريد فرض هيمنتها ونمط حياتها وعيشها بالقوة الخشنة تارةً والقوة المرنة تارةً أخرى، على الثقافات المُخالفة والأمم الضعيفة المغلوبة على أمرها من خلال «العولمة»، وفرض الطريقة الغربيّة والأميركيّة، في الحياة باعتبارها الطريقة المُثلى الوحيدة المُمكنة، بالنظر إلى أن الغرب هو الأقوى ثقافيّاً وعسكريّاً ويحتل المركز، بينما الأمم الأخرى هي الأضعف وتحتل الهامش. ممّا يجعلنا وجهاً لوجه أمام جملة من التحدّيات الثقافيّة التي تطرحها العولمة باعتبارها الاسم الحركيّ للأمركة، التي أصبحت تهدِّد التنوُّع الثقافيّ… بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك، والقول مع محمد عابد الجابري بأن الغرب اليوم لا تحرِّكه المصالح الاقتصاديّة فحسب، بل تحرِّكه أيضاً الذاكرة الثقافيّة الدينيّة الأوروبيّة الحديثة التي مازالت تفعل فعلها في صُنَّاع القرار والسياسة، وفي هذا الصدد نورد قول المرحوم الجابري: «سنكون مخطئين إذا نحن اعتقدنا أن الغرب قد تحرَّر من تلك الخلفيات الثقافيّة الدينيّة التي كانت توجِّه فلاسفة التاريخ والمُستشرقين، وأنه الآن غرب علمانيّ خالص، عقلانيّ براغماتيّ لا غير، سنكون مخطئين إذا نحن جرَّدنا الغرب من ذاكرته الثقافيّة الدينيّة، ذلك لأنه إذا كانت هذه الذاكرة تفعل بصورة واعية في الكنسيين والمُتطرفين العنصريّين في كلّ من أوروبا وأميركا، فهي تفعل كذلك بصورة لا واعية في العلمانيّين والليبراليّين، وهي تميط اللثام عن نفسها بين حينٍ وآخر من خلال ردود فعلٍ معيَّنة، غير مراقبة»(18). وهكذا أصبح العَالَم الغربيّ متهمَّاً من طرف العَالَم غير الغربيّ انطلاقاً من سلوكاته السياسيّة وسلبه للعوالم الأخرى بما فيها العَالَم العربيّ الإسلاميّ حقها في التحديث، ممّا يقود البعض إلى رفض الحداثة. فالغرب كان أداة الحداثة بالفعل منذ عصر النهضة، إلّا أنه أصبح الآن عائقاً في مسلسل التحديث. وبعبارةٍ أدق: إن الغرب أصبح محافظاً على العلاقات الدوليّة، ويتجلَّى هذا الطابع المُحافظ في سهره على استمرار عدم اكتمال الحداثة وتعميمها.

وإذا كنّا نتفق مع الجابري في الخلفية الدينيّة اللاشعوريّة التي مازال الغرب أسيراً لها حتى اليوم، فإننا نعتقد بأن نقد المركزيّة الأوروبيّة، والهيمنة الأميركيّة، وسياساتها الخاطئة في العَالَم غير الغربيّ، لا يعني الدعوة إلى الصعود إلى «جبل قاف»، والعيش في جزيرة دونها «جزيرة حي بن يقظان». فالتعايُش بين الثقافة الإسلاميّّة والثقافات الأخرى أصبح اليوم ضرورةً حضارية، أكثر من أي وقتٍ مضى، بعد أن أصبح العَالَم قريةً صغيرة تحتم علينا التعاون والتآزر، ممّا يجعل من الضروري والحاجي (كما يقول علماء الأصول) أن تتعاون جميع الثقافات في صُنع الإنسان «الكونيّ» و«الكامل» انطلاقاً من خصوصيّاته، حتى تكتمل إنسانيّة الإنسان وسعادته باعتباره أنبل المخلوقات وأعظمها، والمُساهمة في صُنع التاريخ الجديد الذي لا تكون كتابته حكراً على الأقوى والأجمح، بعيداً عن التفاضل بين الثقافات الإنسانيّة، والدخول في «المُزايدة المُحاكاتية» بينها، بالرغم من بعض المآخذ التي يمكن أن ننبه إليها بين الفينة والأخرى في ما يتعلَّق بالحداثة المُتوحشة، والعقلانيّة الأداتيّة…

إنّ التعايش هو لُبُّ الثقافة الإسلاميّّة ولُبابها، فهي ثقافة التواصل بالجوهر وبالذات، لا بالعرض والمظهر، بالرغم من أن التعايش بين الثقافات هو العملة الصعبة في عالَم منقسم وغير متوازن بين عالَم اليسر والفائض الذي يرفض اقتسام الثروات التي يستأثر بالقسط الأوفر منها 80 في المئة (الشمال) ويقصي مساحات شاسعة من الشعوب من الحداثة التي يحتكرها. وعالَم العسر والعجز (الجنوب) الذي يرفض الإمبرياليّة والهيمنة ويطالب بتوزيع عادل للثروات، وبتعميم الحداثة وعدم حكرنتها، وأعزُّ ما يطلب في الوعاء الزمنيّ الذي تسوده نظريّة المركز والهامش، في جغرافيّة تتخفَّى فيها الأمركة والغربنة خلف العولمة والعالميّة. ومع ذلك، فالثقافة الإسلاميّّة تملك من المُقوِّمات والأسس ما يجعلها جديرةً بحيِّز خاص بها في عالَم الحداثة المُشترك المُتعدد، بعيداً عن كلّ محاولات الغرب للاستئثار بهذه الحداثة واحتكارها، فقد أنتجت الثقافة الإسلاميّّة حداثتها الخاصة بها مع مفكِّرين عظام منذ زمنٍ بعيد، وبلونيات مختلفة، وكانت النموذج الأمثل للتعايُش بين الثقافات الإنسانيّة، ونشر التفاهم بين البشريّة، وبذلك حقَّقت الثقافة الإسلاميّّة «الوجود الأشرف» فضلاً عن «الوجود الضروريّ». وذلك في حدود المُمكن والمُتاح لها في الإبيستيميّ الوسطويّ، وفي حدود ما تسمح به الأطر الاجتماعيّة لمعرفة عصر النظار وحملة الأقلام القدماء، والتي كان من المُتعذِّر عليهم القفز عليها. فالتنوُّع الثقافيّ رصيدٌ وإرث عام مشترك بين البشريّة وشعوب الأرض جميعاً، يجب أن يعمل الجميع على صيانته والمُحافظة عليه لتعزيز التعايُش والتعاون والاحترام والاعتراف المُتبادَل بين الشعوب والأمم والحضارات بدل الصدام والصراع والحرب بينها. أمّا طغيان ثقافة القوي والغالب على ثقافة الضعيف والمغلوب، فهو أقرب الدروب الخبيثة إلى معانقة نظام شموليّ وتفقيريّ يضعف الإنسانيّة بدل أن يقويها. وبذلك يصبح الكوجيطو الثقافيّ الإسلاميّ: «أنا أتعايش إذن أنا موجود».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 – سعيد بنسعيد العلوي، الإسلام وأسئلة الحاضر، منشورات الزمن، العدد 22 يناير 2001، ص 11 – 12.

2 – سعيد بنسعيد العلوي، أوروبا في مرآة الرحلة: صورة الآخر في أدب الرحلة المغربيّة المُعاصِرة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بالرباط، سلسلة بحوث ودراسات رقم 12، الطبعة الأولى 1416هـ/1995م، ص 11 – 12 – 13.

3 – سعيد بنسعيد العلوي، الإسلام وأسئلة الحاضر، سبق ذكره، ص 10.

4 – عبد المجيد الصغير، في البدء كانت السياسة: إشكالية التأصيل للنهضة والديموقراطيّة في المُجتمع المغربيّ، منشورات رمسيس، العدد 7، يونيو 1999، ص 8 – 9.

5 – سعيد بنسعيد العلوي، الإسلام وأسئلة الحاضر، سبق ذكره، ص 107.

6 – سعيد بنسعيد العلوي، الإسلام وأسئلة الحاضر، سبق ذكره، ص 43.

7 – حسن حنفي، العقل والحرّيّة بين فرح أنطون ومحمد عبده: سجال «الجامعة» و«المنار»، مجلّة «المُستقبل العربيّ»، العدد 359، يناير/كانون الثاني 1/2009.، ص 142 و147.

8 – حسن حنفي، ما العولمة، (حوارات لقرنٍ جديد)، تأليف حسن حنفي وصادق جلال العظم، دار الفكر، دمشق – سوريّة، الطبعة الثانية 1421هـ/2000م.، ص 47 – 48 و53.

9 – المرجع نفسه، ص 254.

10 – حسن حنفي، حوار المشرق والمغرب: نحو إعادة بناء الفكر القوميّ العربيّ، حسن حنفي، محمد عابد الجابري، المُؤسَّسة العربيّة للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1990، ص 80 – 81.

11 – حسن حنفي، ما العولمة، سبق ذكره، ص 58 – 59.

12 – ابن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، دراسة وتحقيق محمد عمارة، الطبعة الثالثة 1986م، ص 42.

13 – محمد عابد الجابري، الديموقراطيّة وحقوق الإنسان، مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطبعة الأولى، بيروت، نوفمبر/تشرين الثاني 1994، ص 218.

14 – محمد عابد الجابري، الديموقراطيّة وحقوق الإنسان، سبق ذكره، ص 144.

15 – هاشم صالح، أين هو الفكر الإسلاميّ المُعاصِر؟ تأليف محمد أركون، ترجمة وتعليق هاشم صالح، الطبعة الثالثة 2006، دار الساقي، ص 73.

16 – محمد المصباحي، نعم ولا: ابن عربي والفكر المُنفتح، منشورات ما بعد الحداثة، الطبعة الأولى 2006، ص 57 – 58.

17 – سعيد بنسعيد العلوي، الإسلام وأسئلة الحاضر، سبق ذكره، ص 120.

18 – محمد عابد الجابري، «مسألة الهويّة، العروبة والإسلام… والغرب»، مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطبعة الأولى، أبريل 1995، ص 136 – 137.