خطاب نوبل.. عبد الرزاق قرنح متحدثا عن الكتابة

في السابع من ديسمبر/كانون الأوَّل (2021)، ألقى عبد الرزاق قرنح هذا الخطاب بمناسبة فوزه بجائزة «نوبل» في الأدب، وفيما يلي نصّ الترجمة:

«طالما كانتْ الكتابةُ مصدرَ سعادتي. حتى عندما كنتُ طفلاً في المدرسة، كنتُ أتشوّق إلى درس الكتابة أكثر من أيّ درس آخر في الجدول الدراسي؛ ففيه كنّا نكتب القصّة أو أيّ شيء آخر، يعتقد معلّمونا أنه سيثير اهتمامنا، ما إن يبدأ يغرق الجميع يغرقون في غياهب الصمت، ينكبّون على طاولاتهم، محاولين استدعاء ما يستحقّ السّرد من الذاكرة والخيال. في هذه المحاولات المُبكِّرة، لم تكن ثمّة رغبة في قول شيء ما، على وجه الخصوص، أو تذكُّر تجربة غير قابلة للنسيان، أو تعبير عن قناعات راسخة، أو بوح بشكوى حارقة. أيضاً، لم تتطلّب هذه المحاولات أيَّ قارئ سوى المعلِّم الذي نظر إلى هذه الكتابات بوصفها تمريناً سيحسِّن مهاراتنا الخطابية. لقد كتبتُ لأنه قد طُلب مني أن أكتب، ولأنني وجدتُ متعةً في هذا التمرين.

بعد سنوات، عندما صرت مُعلِّماً، كان مكتوباً عليّ أن أمرَّ بالتجربة نفسها، ولكن من منظور عكسي، حيث أجلس في فصل يطبق عليه الصمتُ، بينما ينكبّ التلاميذ على عملهم. لقد ذكَّرني ذلك بقصيدة «أفضل ما في المدرسة» التي كتبها «دي إتش لورانس»، والتي سأقتبس منها، الآن، بضعة أسطر:

بينما أجلس على ضفاف الفصل، وحدي

أشاهد الأطفال، في ستراتهم الصيفية،

يواصلون الكتابة، وقد انحنت رؤوسهم المستديرة على أوراقهم..

يستيقظ رأس تلو الآخر..

وجهه يحدّق فيَّ

يتأمَّلني بهدوء شديد..

يقلّب عينيه دون أن يرى شيئاً،

ثم يستدير مرّةً أخرى، بقليل من السعادة.

لقد استمدَّ تشويق عمله مني مجدَّداً.

لقد وجد مبتغاه. لقد حصل على ما كان ينبغي أن يحصل عليه.

الكتابةُ التي كنت أتحدَّث عنها، والتي تستدعيها هذه القصيدة، لم تكن الكتابةُ التي سأتبيّنها لاحقاً. إنها كتابةٌ غير مُقادة أو موجَّهة، أو مُحسّنة، أو خاضعة لإعادة التنظيم مرَّات ومرَّات، في هذه المحاولات المبكِّرة، كتبتُ على خطّ مستقيم، إذا جاز التعبير، دون تردُّد أو كثير من التصحيح، بهذه البراءة. قرأتُ، أيضاً، بنوع من النهم، وبالمثل، دون أيّ توجيه، لم أكن أعرف، في ذلك الوقت، حدود الوشائج الوثيقة بين هاتَيْن المهارتَيْن. في بعض الأحيان، عندما لم أكن مُضطّراً للاستيقاظ مبكّراً للذهاب إلى المدرسة، كنت أظلّ أقرأ إلى وقت متأخِّر جدّاً من الليل، حتى أن والدي، الذي كان يعاني من الأرق، كان يضطرّ إلى القدوم إلى غرفتي، ليطلب مني إطفاء الضوء. لا يمكنك أن تقول له -حتى لو تجرّأتَ-: أنت لا تزال مُستيقظاً، أو تسأله: لماذا لا تنام أنت، أيضاً؟؛ فليست هذه الطريقة التي يمكن أن تخاطب بها والدك، على أيّ حال، لقد كان يعاني من أرقه في الظلام، فيطفئ الضوء حتى لا يزعج والدتي، لذا فإن تعليمات إطفاء الضوء كانت ستظلّ قائمة.

على الرغم من أن الكتابة والقراءة اللتين مارستهما لاحقاً، كانتا أكثر تنظيماً، مُقارنةً بتجربة الشباب العشوائية، لم تتوقّفا عن كونهما متعةً لم ينتابني خلالها أيّ شعور بالمعاناة. تدريجيّاً، أصبح لتلك المتعة معنًى جديداً؛ معنًى لم أدركه تماماً حتى ذهبتُ للعيش في إنجلترا. هناك، في غربتي، ووسط مُكابدات حياة الغرباء، بدأت أتفكّر في الكثير ممّا لم أفكِّر فيه من قبل. في تلك الفترة الطويلة من الفقر والعُزلة، بدأتُ نوعاً مُختلفاً من الكتابة. لقد اتَّضح لي أن هناك شيئاً يجب أن أقوله، وأن ثمّة مَهمّة عليّ القيام بها، وأن هناك مآسيَ ومظالم يجب استخلاصها وإعادة النظر فيها.

في المقام الأوَّل، فكَّرتُ فيما خلّفته ورائي في رحلتي المتهوّرة من وطني. حلّت فوضى عميقة في حياتنا في منتصف الستينيات من القرن المُنصرم، وانعدم التمييز بين الصحيح والخطأ بسبب الأعمال الوحشية التي صاحبت التغييرات التي أحدثتها ثورة عام (1964م): الاعتقالات، والإعدامات، والطرد، والقمع، والإهانات؛ الصغيرة والكبيرة التي لا تنتهي. في خضمّ هذه الأحداث، وبعقلية مُراهق، كان من المستحيل التفكير بصفاء في الآثار التاريخية، والمستقبلية لما كان يحدث.

لم أتمكَّن من تدبُّر مثل هذه الأمور إلّا في السنوات الأولى التي عشتُ فيها في إنجلترا، فقد أدركت، حينها، قُبحَ ما كان بعضنا قادراً على إلحاقه ببعضنا الآخر، وأعدتُ النظر في الأكاذيب والأوهام التي طمأنّا بها أنفسنا.. كان تاريخنا متحيّزاً وصامتاً عن العديد من الأعمال الوحشية. كانت سياستنا عنصرية، وأدَّت مباشرةً إلى الاضطهاد الذي أعقب الثورة، عندما ذُبِح الآباء أمام أبنائهم، وتعرَّضت البنات للاعتداء عليهنّ أمام أمَّهاتهم. العيش في إنجلترا، بعيداً عن هذه الأحداث، لم يجنِّب ذهني الشعور العميق بالانزعاج والقلق. ربّما كنتُ أقلّ قدرةً على مقاومة سطوة مثل هذه الذكريات ممّا لو كنتُ بين الناس الذين ما زالوا يعيشون عواقبها، لكنني كنتُ مضطرباً ومنزعجاً، أيضاً، من ذكريات أخرى لا علاقة لها بهذه الأحداث: القسوة التي يمارسها الآباء على أطفالهم، والطريقة التي يُحرِّم بها الناسُ التعبيرَ الحُرّ بسبب العقيدة الاجتماعية، أو الجندرية، والتفاوتات التي تتسامح مع الفقر والتبعية. هذه أمور موجودة في حياة البشر جميعاً، وليست استثنائية بالنسبة إلينا، لكنها ليست، دائماً، في ذهنك حتى تتطلَّب الظروفُ أن تكون على دراية بها. أظنّ أن هذا هو أحد الأعباء التي تثقل كاهل الأشخاص الذين فرّوا من الصدمة، ووجدوا أنفسهم يعيشون بأمان، بعيداً عن أولئك الذين خلّفوهم وراءهم. في النهاية، بدأتُ الكتابة عن بعض هذه التأمُّلات، ليس بطريقة مُنتظمة أو مُنظَّمة، بل من أجل استيضاح بعض الالتباسات والشكوك التي تعتمل في ذهني، فحسب.

مع مرور الوقت، أصبح من الواضح أن أمراً دُبِّر بِلَيْل، كان يحدث. فثمّة تاريخ جديد أكثر سذاجةً يُبنى، تاريخ يحوِّل ما حدث، بل يطمسه، تاريخ تُعاد هيكلته ليناسب حقائق اللحظة الراهنة. لم يكن هذا التاريخ الجديد والمختزل، فقط، ممارسةً لا مفرَّ منها للمنتصرين الذين يتمتَّعون، دائماً، بحرِّيّة بناء سرديّات من اختيارهم، بل كان، أيضاً، ممارسة مناسبة للمعلّقين، والعلماء، وحتى الكُتَّاب الذين لم يكن لديهم اهتمام حقيقي بنا، أو كانوا يشاهدوننا من خلال إطار يتَّفق مع وجهة نظرهم للعالم، وكذلك لأولئك الذين يتغيّون سرداً مألوفاً عن التحرُّر العنصري، والتقدُّم.

أصبح من الضروري، إذن، رفض مثل هذا التاريخ، الذي يتجاهل الوقائع المادِّيّة التي تشهد على مرحلة سابقة، والمباني والإنجازات والعواطف الهادرة التي جعلت الحياة ممكنة.

بعد سنوات عديدة، مشيتُ في شوارع البلدة التي نشأتُ فيها، ورأيت التدهور الذي أصاب الحجر، والبشر الذين يعيشون في فقر مدقع، ويكابدون الحياة، ويخشون طمس ذاكرة الماضي، لقد أصبح من الضروري بذل الجهد للحفاظ على تلك الذاكرة، والكتابة عمّا كان هناك، واستعادة اللحظات والقصص التي عاشها الناس، والتي بها، ومن خلالها، فهموا أنفسهم. كان من الحتميّ أن نكتب عن الاضطهادات والقسوة التي تبادل حُكَّامنا التهاني بالنجاح في محوها من ذاكرتنا.

كان هناك، أيضاً، فهم آخر للتاريخ ينبغي تناوله، فهمٌ صار أكثر وضوحاً لي عندما عشتُ بالقرب من مصدره، هنا، في إنجلترا.. صار أوضح ممّا كان عليه عندما كنت أتلقّى تعليمي الاستعماري في زنجبار. كنّا، نحن -أبناء جيلنا- أبناء للاستعمار، بطريقة لم يكنها آباؤنا، ولم يكنها كذلك أولئك الذين جاؤوا من بعدنا، أو -على الأَقلّ- ليسوا بالدرجة نفسها. لا أعني بذلك أننا نبذنا الأشياء التي حظيتْ بتقدير آبائنا، أو أن الذين جاؤوا بعدنا قد تحرَّروا من التأثير الاستعماري، بل أعني أننا نشأنا وتعلّمنا، في تلك الفترة، من الثقة الاستبدادية القويّة، على الأَقلّ في هذا الجزء من العالم. في تلك الفترة، كانت الرغبة في الهيمنة والسيطرة تتقنَّع بتعبيرات لطيفة، وقد وافقنا -بإرادتنا- على قبول هذه الحيلة. أشير إلى الفترة التي سبقت الخطوات التي حقّقتها حملات إنهاء الاستعمار في المنطقة، وكان من فضلها لفت انتباهنا إلى مفاسد الحكم الاستعماري. أولئك الذين جاؤوا بعدنا، كانت لديهم إحباطات مرحلة ما بعد الاستعمار، ووجدوا السلوى في أوهامهم الذاتية، وربّما لم يروا، بوضوح، أو بعمق كافٍ، الطريقة التي غيرت بها المواجهة الاستعمارية حياتنا، وأن فسادنا، وسوء الحكم -إلى حدٍّ ما- لم يكونا سوى جزء من هذا الإرث الاستعماري.

أصبحت بعض هذه الأمور أكثر جلاءً لي في إنجلترا؛ لا لأنني التقيتُ أشخاصاً أوضحوها لي في محادثتنا أو في داخل القاعات، بل لأنني اكتسبتُ فهماً أفضل للكيفية التي يُظهِرون بها شخصاً مثلي في بعض قصصهم عن أنفسهم، في كتاباتهم أو في خطابهم غير الرسمي، وفي المرح الذي استقبلتُ به النكات العنصرية في التليفزيون وفي أماكن أخرى، وفي العداء غير القسري الذي واجهته في اللقاءات اليومية في المتاجر والمكاتب والحافلات. لم يكن بإمكاني فعل أيّ شيء حيال هذا الأمر. ولكن، كما تعلَّمتُ القراءة بفهم أعمق، نمتْ داخلي الرغبةُ في الكتابة لرفض مثل هذه الصور المختزلة من قِبَل أناس يحتقروننا، ويقلّلون من شأننا.

لكن الكتابة لا يمكن أن تكون مجرَّد سرود عن الصراعات والجدالات، مهما كان ذلك مُحفِّزاً ومُريحاً؛ فالكتابة لا تتعلَّق بشيء واحد، ولا تدور حول هذا الموضوع أو ذاك، أو هذه المخاوف أو تلك، وبما أن اهتمامها هو حياة الإنسان، بطريقة أو بأخرى، فإن القسوة، والحبّ، والضعف هي موضوعاتها، عاجلاً أم آجلاً.

أعتقد أن الكتابة يجب أن تُظهر، أيضاً، ما يمكن أن يكون مسكوتاً عنه، وما لا تستطيع العينُ المستبدّة القاسية رؤيته، وما يجعل الناس، الذين يبدون مهمّشين، يشعرون بالثقة في أنفسهم، بغضّ النظر عن ازدراء الآخرين؛ لذلك وجدتُ أنه من الضروري أن أكتب عن ذلك، أيضاً، وأن أفعل ذلك بصدق، حتى يظهر كلّ من القبح والفضيلة، ويظهر الإنسان بعيداً عن التبسيط والقوالب النمطية. عندما ينجح ذلك، عندها، فقط، سينبثق من الكتابة نوعٌ من الجمال.

تفسح هذه الطريقة في التعاطي مع الكتابة، المجالَ للهشاشة والضعف، للحنان وسط القسوة، للقدرة على العطف في مصادر غير مطروقة؛ لهذه الأسباب كلّها كانت الكتابة، بالنسبة إليَّ، جزءاً ممتعاً وجديراً بالاهتمام من حياتي (بالطبع، هناك أجزاء أخرى، ولكن ليس مقام ذكرها في هذه المناسبة)، والعجيب في الأمر أن متعة الكتابة الشبابية تلك التي تحدَّثت عنها في البداية، لا تزال متوهّجة بعد كلّ هذه العقود.

في الختام، اسمحوا لي بالتعبير عن عميق امتناني للأكاديمية السويدية، لمنحها هذا الشرف العظيم لي ولعملي. ممتنٌّ لكم بشدّة».

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

https://www.nobelprize.org/prizes/literature/2021/gurnah/lecture/

شهرزاد من خلف الكمّامة.. كل عام وأنتم بخير!

نتمنّي عامًا سعيدًا لنا ولأحبّائنا ونحن نودّع سنة ونستقبل أخرى، قريبين في ذلك من شهرزاد وهي تسكت عن الكلام المباح وتستعدّ لاستئنافه في الصباح الموالي. والحقّ أنّ وجوه شبهٍ عديدة تجمعُ بيننا نحن «شهرزادات» ألفِ يومٍ ويومٍ و«شهرزادات» ألف ليلة: كلٌّ منّا يحكي كي يتقدّم من «المحتوم» في الدروب بأكثر ما يمكن من  الفرح في القلوب. ولا مناص لنا من فلاحة الأمل. تلك كانت حكايتنا مع الحكي والحكاية منذ تشكّلت معالم «الهومو سابيانس». وقد يصحُّ أن نقول: تلك كانت حكايتنا مع الحكْي والحكاية منذ تشكّلت معالم «الإنسان الحكَّاء».

كانت شهرزاد الخرافة تحكي لتعيش وفي نهاية كلّ حكاية تتمنّي لشهريارها «ليلة أخرى» سعيدة. أمّا شهرزاد حياتنا اليوميّة فإنّ شهريارَهَا الزمن، وهي بدوْرِها تحكي لتعيش، وأمنيتها أن يسعفها شهريارُها «بِسنة أخرى» تكون هي أيضًا سعيدة. إلاّ أنّ السنة المنقضية أدخلتْ بعضَ الكسر على نسق الحكاية دون إنتاج نسق حكائيّ جديدٍ تمامًا.

نحن في حكاية بين حكايتين على غرار المنزلة بين المنزلتين. لقد أدخلت علينا «الجائحة» ما يُشبه الانقلاب. وما أن ظهرت اللقاحات المضادّة لفيروس الكوفيد حتى خيّل إلى الكثيرين أنّ العالَمَ غادر «مربّع الحَجْر» وشرع الناس في الاستعداد للاحتفال بالسنة الجديدة. أي ما أنّ شرعنا نحن «أبطال الحكاية» في الاستعداد إلى نوع من «النهايات السعيدة» التي اعتدنا عليها أو على «توهُّمها»، حتى ظهرت علامات معاكسة تنذر بإمكانيّة التراجع إلى منطقة العواصف المتقلّبة، حيث النهايات مفاجئة وغير مضمونة.

هكذا بات النسق متردّدًا يصعب معه الاطمئنان إلى نوع النهاية: هل هي نهاية سعيدة فعلًا أم هي نهاية غير واضحة المعالم؟ لقد باتت العبارات المعتادة في نهاية كلّ سنة، قريبة من عبارة «النهاية» التي اعتدنا إدراجها على الشاشات في نهاية الأفلام، أي أنّها تشير في الحقيقة إلى بداية الفيلم الحقيقيّة وليس إلى نهايته.

والحقّ أنّ السنواتِ حكايات ولكلّ حكاية شهرزاد ولكلّ شهرزاد حكاية. لذلك اعتادت شهرزاد الحياة اليوميّة أن تستقبل الغدَ دائمًا بالأمل وتحتفل به أيّما احتفال وتقول بلسانِ أحدنا للآخر: كلّ عام وأنت بخير. لكن هل يظلّ الأمر كذلك في المستقبل ونحن نوشك على الانتقال إلى مرحلة الإنسان الجديد الذي أطلقنا عليه في نصٍّ سابقٍ اسم «الهُومُو كُوفِيدُوس»؟ بأيّ صوت وبأيّ نبرة يمكننا أن نقول الشيء نفسه هذه السنة؟ بأيّ درجة من «الثقة» يمكننا أن نتمنّى لأحبّتنا «سنة سعيدة» كعادتنا في نهاية كلّ عام؟

***

ليس من شكٍّ في أنّنا نشهدُ ظهور شهريارٍ جديد في الفترة الأخيرة. شهريار ماكر ما إن نتوهّم أنّنا عرفناه حتى تظهر له «متحوّرات» لا تحصَى ولا تُعَدُّ، فإذا هو مجهول الهويّة مبهم الصفات خفيّ الملامح لا يمكن أن نتوقَّعَ له ردَّ فعل.

لكأنّنا مع هذا الشهريار في مطلع تاريخ جديد يحتاج إلى حكْيٍ جديد. لا إمكانيّة للتاريخ إن لم نحكِ. ونحن نجهل كلّ حدث لا يتحوّل إلى حكايات. وعلينا أن نعرف كيف ننشئ سياقًا حكائيًّا جديدًا قادرًا على الإيقاع بشهريارنا الجديد في شراك حكاياتنا الجديدة.

إلاّ أنّ هذا السياق لم يطلّ برأسه بعدُ، ولم تُحرث أرضُه البكر حتى الآن. ولا بدّ أن تُحرث تلك الأرض مهما كانت صعبة. ولا بدّ أن تبذر فيها الحكايات وتحصد مهما كان الثمن. وفي انتظار ظهور هذا السياق الحكائيّ الجديد يمكننا أن نسأل: هل ظهرت فينا وبيننا شهرزادُ الجديدة الكفيلة به؟

***

شهرزاد التي نقصدُ في سياق الحال هي هذا العالَمُ الذي يقدّم لنا اليوم حكاياته صوتًا وصورة من وراء قنوات اتّصاله وتواصله. ولعلّنا اليوم أمام شهرزادَيْن: الأولى «سليلة» المرحلة الممتدّة بين «أسمار الجَدّات» و«الإبحار على الأنترنات». والثانية لم تتّضح معالمها تمامًا، لكنّها «وليدة» ما بعد تلك المرحلة بما يرافقها من رواسب المرحلة الأولى وما يصاحبها من إكراهات الجائحة الطارئة ومفاجآتها الداهمة وآفاقها المجهولة.

***

تبدو شهرزاد الأولى هذه الأيّام شبيهةً بالطفل المدلّل الذي ألفَ أن يعوّل دائمًا على الآخرين واعتاد أن يصيح ويبكي فيستجيب أبواه لكافّة طلباته. لقد استبدّ بها الخوف في بداية الجائحة فانضبطت وخفت صوتها، ثمّ سرعان ما عافت الانضباط وضاقت بالحجْر وأصبحت ترى في إجراءات «التباعد الصحيّ» والكمّامات وحتى في اللقاحات «الوجوبيّة» تدخّلاً في حريّاتها الشخصيّة. وها هي في عدّة جهاتٍ من العالَم تجيّش المواقع والمنصّات وتتمرّد على كلّ منطق كلّما اقتربت أعيادٌ أو احتفالات، تعبيرًا عن الغضب ورفضًا لكلّ إجراءات السلامة الصحيّة أذا كانت تعني التخلّي عن نمط حياتها الاجتماعيّة المعهود.

أمّا شهرزاد الثانية فإنّها تتحسّس المكان بخوف من يزوره لأوّل مرّة. وهي تلقي على الأفق نظرات التحسّب والحيطة، فتراه مدجّجًا بأخطار غير واضحة المعالم. لعلّ أقلّها أنّ المستقبل قد لا يعود بنا أصْلاً إلى «خفّةِ» نمط الحياة الاجتماعيّة السابق. لذلك نراها تحاول أن تتكيّف مع إيقاع جديد، قد يكون مبنيًّا على احتفاليّة التباعد، والاقتصاد في الفرح، هذا إن لم تصبح الكمّامة فيه عنصرًا قارًّا من أكسسوارات الخروج إلى الشارع.

***

يمكننا أن نلاحظ أيضًا، أنّ «المواقع» في الحكاية الشهرزاديّة (سواء في ألف ليلة وليلة أو في ألف منصّة ومنصّة) هي في أحيانٍ كثيرة أسوار عالية تحيط بأناس امتُحِنوا في امتحان العيش معًا فسقطوا في الامتحان وانغلقوا على كنوزهم وأصبحت قلاعُهم سجونًا. وهم لا يُبعَثون إلاّ حين يأتي غريب فيقرأ «الشيفرة» ويفتح المرصود. لاحظ استعارة «التشفير» في عالم الخوارزميّات. استعارةٌ حمّالةُ أوجُه تتيحُ القراءة ونقيضها. لكنّها يجب أن تُعلّم الحريّة.

وعلى هذه الحريّة أن تكون حريّة مسؤولة. ذاك هو التحدّي المرفوع أمام شهرزاد «اليوم التالي» أو المرحلة الموالية. مرحلة ما بعد الخفّة وما بعد تبذير الفرح. مرحلة الحكي في ضوء حدث الجائحة الذي بدَا عابرًا وها هو يتأبّد.

ويبدو أن «الهومو كوفيدوس» واقفٌ حتى الآن في منزلة بين المنزلتين بالنسبة إلى هذه الجائحة: منزلة الحدث الفارق ومنزلة الحدث مولّد الحكايات. لذلك تبدو شهرزاد هذه السنة فريسة حيرة شديدة وهي تهتف: سنة سعيدة! كلّ عام وأنتم بخير! مدركة في الوقت نفسه أنّ هذا الفيروس ليس خطأً مطبعيًّا، بل هو وليد فساد واستبداد عالَميّين، وثمرة سقوط قيميّ، ونتيجة خطايا سياساتٍ كلْبيّة وتصنيع مدمّر للبيئة والصحّة، وأنّ علينا أن نراجع جذريًّا الكثير من خياراتنا إذا أردنا أن ننقذ ما يمكن إنقاذه.

***

مهما كان الأمر فإنّ «شهرزاد الكونيّة» شرقيّة كانت أم غربيّة لا تحيد عن القول إنّ «العقل السليم في الجسم السليم» ولا تحيد عن رؤية مستمعيها يواصلون توسعة الفجوة بين الجسم والعقل. وقد ذهب في ظنّ «الجمهور» أنّ العددَ والكثرة يغلبان الكفاءة والنوعيّة. ولعلّ في الإبقاء على هذا الوضع دليلاً كافيًا على صعوبة المصالحة بينهما منذ القِدَم. ومن ثمّ رأينا بعضنا يتصرّف مع الجائحة من نفس المنطق، وكأنّ الجائحة خصم يمكن هزيمته بالاحتجاجات السلميّة أو عن طريق صندوق الاقتراع. وكأنّ في وسعنا الانتصار على الفيروس بكثرتنا وتفوّقنا العدديّ.

وهذا موضوع سأعود إليه في نصّ قادم.

لقد نمت شهرزاد الأولى وامتدّت جذورها وفروعها في الأنستاغرام والفيسبوك وما لفّ لفّها من منصّات مبنيّة على نمط «اقتصاد الانتباه» التي تنتج الإحباط وتربّي على العنف. حتى باتت ذات «شخصيّة قاعديّة» متنمّرة متمرّدة ذات وجهين مثل جانوس: وجه احتفاليّ محموم يرى الحياة «تسلية» في المطاعم والفنادق ووجه استهلاكي هيستيريّ يرى الحياة «تبضّعًا» في المغازات والشوارع. وبين هذا الوجه وذاك «حيتان» متوحّشة انهارت لديها كلّ القِيم واستعبدتها المصالح الماليّة والسياسواتية.

أمّا شهرزاد الثانية فهي تنمو على أنقاض الأولى دون أن تتنكّر لها تمامًا. بل لعلّها تحاول أن تدافع عن «احتفاليّة» الأولى وتسعى إلى الإبقاء على طاقة الفرح.

شهرزادنا هذه الأيّام ترغب في العيش بفرح كأن لا وجود للجائحة، وترغب في العيش بتحسُّب كأنّ الجائحة هي أفق الحياة الجديد. وهذا يعني أنّها فهمت أنّ الإنسان شرع في التغيُّر وأنّه من ثمّ في حاجة إلى سرديّةٍ جديدة وإلى نمطٍ حكائيّ جديد. وفي انتظار ذلك عليها أن تواصل الحكي، وعليها أن تواصل الإقبال على الفرح، دون أن ترى مانعًا من الاحتفال مع احترام مسافات التباعد، ودون أن ترى ضررًا في مخاطبتنا من وراء كمّامة، متمنيّة لنا سنة سعيدة.

عبد الفتاح كيليطو في «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»: أحداث الرواية تنتهي في أغلب الأحيان بالفشل، باضمحلال الأماني وتبخُّر الأوهام

إذا كان لعَالَم «ألف ليلة وليلة» عجائبه، وغموضه، فإن لعَالَم الحكاية في زمنها المُعاش تأمُّلاته والتباساته أيضاً. مؤلَّفات عبد الفتاح كيليطو تتخلل العَالَمين، ومع ذلك يبدو للوهلة الأولى أن كتاب الليالي هو الأكثر إثارة للاهتمام، بصورة تسائلنا ما إذا كان هذا الاتصال بكتاب أَزَلِيّ يبقى ضرورياً وكافياً حتى وإن تعلَّق الأمر بقراءة عميقة ومضاعفة؟ بشكلٍ أو بآخر يجيب كيليطو بأن: الليالي معين لا ينضب للإبداع الأدبي، لكن بشرط الابتعاد عنه بقدر الاقتراب منه.

يصرح كيليطو بأنه «مؤلِّف كتاب واحد لا ينفك يُعاد ويعود»، وكقُرَّاء أو نقَّاد، لطالما أوقفتنا تلك العودة إلى مؤلَّفاته السابقة، ذلك الصدى الذي يخلفه: «مرور الراوي من عَالَم أليف إلى عَالَم غريب». على هذا النحو يأخذنا كيليطو، في روايته «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» الصادرة حديثا عن منشورات «المتوسط»، إلى عَالَم سردي عجيب، ينتهي«في أغلب الأحيان بالفشل، باضمحلال الأماني وتبخُّر الأوهام».

وباعتباره كاتِباً باللّغتين العربيّة والفرنسيّة، تأسَّست للأديب المغربي عبد الفتاح كيليطو قاعدة واسعة من القُرَّاء العرب والأجانب، تجعل كل إصدار جديد له بمثابة حدث أدبي بارز يدعونا للتوقُّف عنده.

في هذا الحوار، يجيب كيليطو عن أسئلة الأستاذ خالد بلقاسم التي يمكن عدها قراءة مضاعفة تنضاف إلى سلسلة قراءاته السابقة:

اتّخذَتْ روايتُك الأخيرة «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» عتبةً لها قولة «كافكا» التالية: «ما كان ينبغي أن أعيشَ على هذا النّحو». لربّما يَسمحُ النّدمُ الذي يَتخلّلُ القولة باستحضار صَدَى كتابك السابق على هذه الرواية، الحامل لعُنوان «في جوّ من الندَم الفكريّ»، وبذلك يَغدو القارئُ أمام ندَميْن غير مُنفصليْن. أيتعلّقُ الأمرُ في هذه العَتبة بندَمٍ يَخصّ مَصيرَ حَياة ما والمَنحَى الذي اتّخذَهُ مَن عاشَها؟ وما مُسوّغُ ذلك؟ فالندّمُ الفكريّ أمرٌ مُستساغٌ لأنّه شَرطُ الفكر، لكنّ الندمَ على الحياة التي عيشتْ يَظلُّ أمرًا مُبهمًا. ما العلاقةُ بين الندميْن، خُصوصًا أنّ القارئ يَعرفُ أنّ الحياةَ التي تحدّثَ عنها كيليطو، في مُجمَل تآليفه، لم تكُن مُنفَصلةً إطلاقًا عن الحَياة بين الكُتُب ومع الكُتُب، بحيثُ يتمنّعُ الفصلُ بين الندميْن؟ فحتّى رواياتُك لا تتحدّثُ إلّا عن الكُتب.

– العلاقة بين خطاب العتبة في «والله»، وعنوان «في جو من الندم الفكري»، مقصودة ومخطط لها. بصفة عامة، أحاول ربط اتصال بين كتبي بهدف تكثيف الدلالة العامة وإثرائها. كلّ كتاب لي يحمل صدى لسابقيه، وفي النهاية أرى أنني مؤلِّف كتاب واحد لا ينفك يعاد ويعود.

عَطْفًا على السّؤال السابق، يَبدو أنّ الكتابَ كان حاسمًا في مَصير الحَياة التي عاشتْها شَخصيّة «حسن ميرو» في رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي». فقراءتُه لرواية «عُصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم هي التي رَسمَتْ هذا المَصيرَ وَفقَ ما تُقرّ به الروايةُ ذاتُها في نهايَتها، وهو ما حاولَ الراوي أنْ يَربطَهُ بالمَصير الذي عاشهُ حسن البصري في «ألف ليلة وليلة»، دُون أنْ نَنسى أيضًا تجلّيات هذه المَوضوعة في الرّواية؛ مَوضوعة الكتاب المُحدِّد لمَصير حَياة ما، سواء تعلّق الأمرُ بتجلّيها في الدّور الذي اضطلعَ به كتاب «مثالب الوزيريْن» للتوحيدي في تَوجيهِ العلاقة بين الشخصيّات، أو بتجلّيها في تَحديد حكاية حسن البصري لمَصير حياة يوليوس موريس. ما مَعنى أن يكونَ الكتابُ حاسمًا في مَصير حياة ما؟ وهل يَمتلك الكتابُ كلّ هذه القوة في تَوجيهِ الحياة؟

– واضح أننا حين نقرأ رواية نندمج مع جوها فنشاطر شخوصها حياتهم، مشاكلهم ومشاغلهم، ننسى أنفسنا وباندماجنا معهم، نتقمَّص هويّات جديدة نسكنها طيلة مدة القراءة. وغالبًا نشعر بحزن عندما ننهي القراءة ونعود إلى أنفسنا. هذا ما كنت أحس به بشدّة حين كنت صغيرًا. كنت طبعًا أتوق إلى نهاية الرواية التي أقرؤها وفي ذات الوقت أتمنّى أن تؤجّل.

مَوضوعة الكتاب أصيلةٌ في نُصوصك، وقد أعادَت رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» تناوُلَ هذه الموضوعة من زاوية «الكتاب المَلعون» التي سبقَ أنْ قارَبْتَها في كتاباتك السابقة، وهي الزاوية التي تحكّمَتْ في جعْل كتاب «مثالب الوزيريْن» للتوحيدي بَطلًا في الرّواية. أبعادُ هذه اللعنة المُصاحِبَة لسُمعة الكتاب تتكشّفُ من قضايا عديدة، منها الخَوف من القراءة، والحِرْص على حمايةِ مَصير الحَياة من لعْنةِ الكتاب، وتحوُّل القلق من مَشاغل الحَياة العادية إلى قلق نابعٍ من أسرار الكُتب ومُقترنٍ بها. غير أنّ اللافتَ في رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» ربْطُها لهذه اللعنة بالشائعة، وبالدّور الذي يُمكنُ أن تُؤدّيَهُ الشائعةُ في تَوجيهِ مَصير الكتاب. ما دورُ الشائعة، الأستاذ كيليطو، في تاريخِ القراءة بوَجهٍ عامّ؟

– الكتابة اليوم في متناول الجميع، لكنها في غابر الأزمان كانت موقوفة على طبقة محدودة وتكتسي صبغة أسطورية وقد ترتبط بطقوس سحرية، كما تكون محل ريبة غامضة. وإلّا لماذا اعتُبر الكتاب في بعض تجلياته شيئًا رهيبًا قد يؤذي ويؤدّي إلى الهلاك؟ تدور رواية «والله» حول كتاب ملعون، موضوع فرض نفسه عليّ وكان نقطة انطلاق، ثمَّ مرّ بمنعرجات مختلفة ومتشعبة إلى أن بلغتُ الخاتمة. سبق أن تطرقت إلى هذا الموضوع، بصيغة مختلفة، في «العين والإبرة»، عندما درست حكاية في «الليالي» عن كتاب مسموم يميت مَن يقلب أوراقه. والمُثير للانتباه أن كتاب «الليالي» نفسه قِيل إن مَن يقرأه بالكامل يُصاب بأذى. غير أن هذه الشائعة لم تثبط عزيمة القُرَّاء الذين أقبلوا عليه بنهم، لم يكن لها تأثيرٌ ولم يُروَ فيما مضى أن شخصًا أصيب بمكروه إثر قراءته. وعلى العكس فإن «مثالب الوزيريْن» لأبي حيان التوحيدي حصل بين يدي شخص متميِّز، ابن خَلِّكان، صاحب «وفيات الأعيان»، فأعلن أنه عانى الأمرَّين بعد قراءته، وأضاف أن العديد من معارفه تضرَّروا بسببه. لم يسبق حسب علمي أن تناول المُؤلِّفون هذه الشائعة. وعودة إلى «الليالي» فإن بورخيس في إحدى قصصه وصف آلام شخص قرأها في الترجمة الألمانية لِـ«غوستاف فايْل»، وكانت نهايته مأساوية.

مِنَ المَوضوعات الرّئيسَة في مُعظَم كُتُبك مَوضوعة «الباب» و«العتبة»، وقد كان لمَوضوعة الباب حُضورٌ لافتٌ في كلّ أطوار الرواية، لأنّ لهذه المَوضوعة دورًا حَيويًّا في حكاية حسن البصري التي شكّلتْ طِرْسًا رئيسًا لروايتك، ولربّما هذا الحُضورُ هو ما تحكّمَ في عَنونةِ أحد فصول الرواية بـ«قدَر المفاتيح». لعَلّ المُثيرَ في الرواية هو التّماهي الذي تحقّقَ بين «الباب» و«الكتاب». ما العلاقة التي تربطُ بين الباب والكتاب؟

– إنه المرور من العالم الأليف إلى العالم الغريب. حين نفتح كتابًا لا ندري أي أرض سنطأ فنشعر برهبة مكتومة لأننا نجهل أين ستقودنا خطواتنا وهل سيكون في مستطاعنا الاندماج مع أجوائه ومع ساكنيه؟.. إنها رحلة إلى بلاد أجنبية لها طقوسها ومقومات وجود خاصة بها. قد يتيسر الاندماج حالًا وقد لا يحصل إلّا بعد بذل مجهود، كما هو الشأن مع روايات بَلْزاك. وأحيانًا يفشل اللقاء بصفة مروعة رغم محاولات متكرِّرة للانخراط في العالم الموصوف. ذلك ما حدث لي مع رواية «أسفل البركان» لِـ«مالكُوم لُوري» التي أثارت الاهتمام وأشاد بها النُقَّاد. بشيءٍ من الخجل أضيف أنني لم أستطع قراءة «الأمير الصغير»، كتاب «سان إكزوبيري» الذي أعجب به الملايين من القُرَّاء أيما إعجاب.

تسمحُ رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، وهي تُدمجُ في بنائها روايةَ «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، بإعادة قراءة رواية الحكيم في ضَوء حكاية روايتك. وإذا جازَ أن نربط رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» بكتاب «مَن نَبحثُ عنه بعيدًا يَقطنُ قربنا»، باعتبار النّسَب الذي يَجمعُهما، أيُمكنُ القول إنّ روايتك ترومُ، من بين ما ترومُه، إضاءةَ حكاية حسن البصري اعتمادًا على رواية «عُصفور من الشرق»؟ خُصوصًا أنّ رواية الحكيم كانت، من جهة، قائمةً على علاقة مَنذورة للانفصال لأنّ شخصيّة سوزي كانت تتحيّنُ لحظة بغاية «التحليق»، كما شكَّلت الأبوابُ في الرواية، من جهة ثانية، أهمّيّةً بالغة، وشكّلت فيها مَوضوعة التحليق، من جهة ثالثة، عُنصرًا محوريًّا على نحو ما تبدَّى من عُنوانها، ومن هَديّةِ مُحسن لسوزي لمّا اختارَ أن يُهديَها طائر الببّغاء.

– أظن أنني قرأت في فترة من حياتي جلّ ما ألّف توفيق الحكيم، كنت مولعًا بما صنف، وعلى الأخص برواياته. كان لا بد أن أختار في روايتي الحديث عن «عصفور من الشرق»، التحليق والطيران، لانسجامها مع الجو العام لما قصدت. ذكرتها في المكانين المهيمنين في الكتاب، أي في البداية والنهاية. وغني عن القول إنه لم يكن من المُمكن الاعتماد على «عودة الروح» أو «يوميات نائب في الأرياف».

مُنذ حكاية المُستَنبِح، في كتابك «الكتابة والتناسخ»، اتّخذَ الحيوانُ حيّزًا حيويًّا في بنائك للمَعنى وفي تَمديد الخيال. وهو الحيّز الذي لم يكُف عن التنوُّع، ففي كتابيْك «الغائب» و«لسان آدم»، كان للحَيّة دورٌ رئيسٌ في التأويل، وفي روايتك «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» يَعثرُ القارئُ على السّلحفاة، والنمل، والضفدع، واللقلاق، والخطاطيف، وهو ما يجعلُ حُضُورَ الحيوان في كتاباتك حُضورًا أصيلًا، دون أن نَنسى مُصاحبَتك الطويلة لـ«كتاب الحيوان» للجاحظ. لماذا هذا الحرصُ على إدماج الحيوان في التأويل وفي الحَكي؟

– المُدهش في الحيوان أنه رغم كونه لا يتكلَّم فإن له لسانًا نفهمه فنتواصل معه إلى حدٍّ ما. إنه يجعلنا وجهًا لوجه مع اللّغة ويحثنا على كشف بعض أسرارها، وذلك ما حاولت الإشارة إليه في حكاية المُستَنبِح التي أشرتَ إليها. أحد الأصدقاء كان له كلب من نوع شْناوْسَر. اختفى فجأة ذات يوم وانقطع خبره، ثمَّ عاد بعد ثمانية شهور وكأن شيئًا لم يكن. منذ ذلك الوقت والصديق يسعى إلى تجاذب الحديث معه في محاولة يائسة لمعرفة أين كان طيلة تلك المدة. كان الكلب ينظر إليه بحزن وكأنه متأسف لكونه لا يستطيع أن يجيب، أن يروي ما جرى له. بالرجوع إلى «والله»، يلاحظ أنها تبتدئ بذكر طيور مختلفة الأنواع وتنتهي بالإشارة إلى سلحفاة، حيوان غريب يحمل مسكنه على ظهره، يختفي لمدة طويلة ثمَّ يظهر من جديد، لا يزعج أحدًا وشعاره التستر والقناعة والصمت.

يُثيرُ الشعرُ في حكاية حسن البصري أسئلةً بشأن اختراقه الكبير للحكاية، وهو أمرٌ عرَضتْ له رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» في استقصائها للصِّلات المُمْكنة بين حسن البَصري وحسن ميرو، وقد أقرّ الراوي وهو يتأمّلُ وضعيّة الشعر في حكاية حسن البصري أنّ الأبيات الشعريّة كانت مُتاحة على الدوام، لذلك كان تأليفُ أبيات جديدة «خارجَ أُفق الحكاية». لا يَعثرُ القارئ في رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» على أبياتٍ شعريّة، خلافًا لما وردَ في روايتك «أنبئوني بالرؤيا»، علمًا أنّ طِرْسَ رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» يقومُ بصُورةٍ لافتةٍ على الشعر الذي كان حاضرًا على امتدادِ الحكاية. لِمَ لمْ تُدْمجِ الرّوايةُ الشعرَ في إعادَةِ كتابةِ طِرْسها؟

– لا تحتمل الرواية الشعر ولا تطيقه، فلا يرد فيها، إنْ ورد، إلّا خلسة المختلس. ذلك ما قد يلاحظ في «أنبئوني بالرؤيا»، حيث وصفت شاعرًا وذكرت بعضًا من شعره. وعلى العكس فإن مقامات بديع الزمان والحريري تدمج النظم بالنثر، وفي «الليالي» تتخلّل الحكايات مقاطع شعرية قد لا يتوقَّف عندها القارئ المُتسرِّع لأنه يكون راغبًا في معرفة ما تؤول إليه الأحداث المُتتالية.

مع أنّ الشعر في الرواية لم يكُن محوريًّا في إعادة كتابة حكاية حسن البصري، فقد كان صَداه ساريًا انطلاقًا من أقوال مُكثّفة صاغتْها الرواية بعُمقٍ كبير، منها تَحديد الشعر بوَصْفه فزعًا من الكون (ص. 24)، وتَحديد القصيدة بوَصفها أرضًا أجنبيّة (ص. 125). أيُمكنُ، الأستاذ كيليطو، أن تُضيءَ أكثر هذيْن القوليْن المُكثّفيْن؟

– يتعلّق الأمر بسر الوجود وحتمية الموت، كما يظهر ذلك جليًّا في ملحمة «جلجامش». ويبدو لي أن «لزوميات» أبي العلاء تدور حول السؤال المحير: لماذا الوجود وليس العدم. وقد يكون هذا هو المعنى العميق لعبارة «لزوم ما لا يلزم»، إنها مفارقة مذهلة.

يُمكنُ عدّ رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، في تَرجيحٍ قرائيٍّ، تأويلًا من داخل الحَكي لحكاية حسن الصائغ البصري في «ألف ليلة وليلة»، حتى ليُمكن للقارئ أن يعتبرَ شَخصيّة «نورا» تجسيدًا لشخصيّة «منار السنا» في حكاية الليالي، غير أنّ نهاية الرّواية قائمةٌ على انفصال وفَقْد، بخلاف ما انتهَت به حكاية الليالي التي انتهَت باستعادَة حسن البصري لزَوجته بعد تجشّم الأهوال من أجل ذلك. في روايتك، حلّقَتْ «نورا» بصورَة نهائيّة دون عَودة. وهو ما شدّدَ عليه الراوي في المَشهد الأخير من الرواية الذي افتتحَهُ بعبارةٍ تتجاوَبُ مع ما وردَ في مُستهلّ الرواية. يقولُ الراوي في افتتاح المَشهد الأخير بنَبرة تحرَّرَت من الارتياب: «ومع ذلك، فإنّ المَرأة المُجنّحة تُوجدُ فوق السطح»، أي في فضاء التّحليق. أبسَبَب هذا الفَقْد لمْ تَنشغل روايتك إلّا بالقسم الأوّل من حكاية حسن البصري؟ لِمَ اقتصَرتْ الرواية على هذا القِسم الأوّل دون الثاني؟ ألِلْأمر صلةٌ بضَمير المُتكلّم المَوجود في عُنوان الرواية؟ وما مُسَوِّغُ الحَذف في التأويل؟ خُصوصًا أنّك اخترتَ في مُجمَل كتاباتك التأويلَ بالحَكي أو الحكيَ اعتمادًا على أسُس تأويليّة.

– تروم «والله» إعادة كتابة قصّة حسن البصري، وترتب عن ذلك الانتقالُ من زمن الحكاية إلى زمن الرواية، من سياقٍ إلى سياقٍ آخر، ومن لغةٍ إلى لغةٍ مختلفة. وفي هذا الصدد ترد مسألة الترجمة، مفارقة الترجمة ومآلها، فلقد قام حسن ميرو بترجمة «حسن البصري» إلى الفرنسيّة، كما شرع «يوليوس موريس» في ترجمة «مثالب الوزيريْن» إلى الإنجليزية. وفي كلتا الحالتين تصبح الترجمة مستحيلة فتتوقَّف أو تظلّ مشروعًا لا ينجز إلّا جزئيًا. ثمَّ إن ما يصدق على الحكاية لا يصدق على الرواية، فأحداث الرواية تنتهي في أغلب الأحيان بالفشل، باضمحلال الأماني وتبخُّر الأوهام.

ظلّت حكايات «ألف ليلة وليلة»، إلى جانب المقامات، مدارَ انشغالك مُنذ كتابك الأوّل «الأدب والغرابة» الصادر مَطلع ثمانينيّات القرن الماضي. لقد خصّصتَ لهذا الانشغال، الذي ظلّت أطيافُهُ سارية في كلّ ما كتبْتَه، كُتبًا بعيْنها، هي «العين والإبرة»، و«أنبئوني بالرؤيا»، و«مَن نبحثُ عنه بعيدًا يقطن قربنا»، و«والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي». وفي كلّ عودة إلى كتاب الليالي، يَتناولُ كيليطو موضوعةً من موضوعات هذا الكتاب أو حكاية من حكاياته، وبذلك يُمكنُ القول إنّ الليالي، ومعها المقامات، شكّلت نصّك اللانهائيّ الذي لا ينفكّ يَعودُ بصورة مُتجدِّدة في كتاباتك. لِمَ هذا «العود الأبديّ» المُتجدِّد لحكايات «ألف ليلة وليلة» في أعمالك؟ ألأنّ الكتابَ يَتمنّعُ على الكتاب الواحد، أم لأنّك اختَرتَ وَفقَ ما سَمّيتَهُ أنتَ نفسُك، استهداءً بمونطيني، باعتماد التفكير بالقفز والوثب خَلفيّةً لمُقارباتك؟ أم لأنّ كتاب الليالي ذاتَه لا يَستقيمُ تأويله إلّا بناءً على التفكير فيه بالقفز والوَثب أم أنّ الأمرَ أبْعد من ذلك؟ ألا يُخفي هذا الأمْرُ رَغبةَ كيليطو في كتابةِ نصّ ليليّ ذي نسَب إلى كتاب الليالي ومُختلفٍ عنه في الآن ذاته؟

– «ألف ليلة وليلة» كتاب يستدرجك للحديث عنه والتعليق على حكاياته، حتى مَن لا يقرأه يخوض في الحديث عنه. لكلّ مَن يكتب عنه أو يستلهمه قصّة خاصة معه، إنه معين لا ينضب للإبداع الأدبيّ، بشرط الابتعاد عنه بقدر الاقتراب منه.

حكاية مَن هذه الحكاية التي اعتمدَتْ صيغة القسَم في عُنوان الرواية كي تُحدّد نِسْبَتَها، التي ظلّتْ مَفتوحةً على ضَمير مُتكلّمٍ مُبْهَم؟

– تحيل العبارة الواردة في العنوان إلى شهريار، في إحدى طبعات «الليالي» المعروفة بطبعة هابخت. فخلافًا للنسخة المُتداولة والتي تعود إلى طبعة بولاق، فإن نسخة هابخت تتميَّز بكون شهرزاد تحكي في النهاية لشهريار قصته، أي ما ورد في افتتاحية «الليالي». والغريب أن الملك لا ينتبه إلى ذلك إلّا والحكاية على وشك الانتهاء، فيصرخ: «والله إنّ هذه الحكاية حكايتي». إنها خاتمة عجيبة تتفوَّق في نظري على النهاية الواردة في طبعة بولاق. ولقد سبق أن أشرت إليها في كتاب «في جو من الندم الفكري». لا يكاد يخلو حديثنا اليومي من عبارة «والله»، نردّدها بلا كلل، وفي الغالب دون أن ننتبه إلى ذلك. وحين يستعملها شهريار فلإقناع نفسه أن الحكاية حكايته، وبفعله هذا يتملّكها بعد أن ضاعت منه لمدة طويلة. فكأنه يسترجع ذاكرته. وبالجملة فإن ما فاه به يفتح آفاقاً متعدِّدة للتفكير.

في روايتك «أنبئوني بالرؤيا»، كان اسمُ إحدى الشخصيات الأستاذ (ك). وفي رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي»، تعودُ هذه الشخصية، وَفقَ ما يُمكنُ أن يُرجّحَهُ التأويل، للظهور من جديد، ولكن تحت اسم الأستاذ (ع). أيتعلّقُ الأمرُ بالشخصيّة ذاتها؟ خصوصًا أنّ لهذه الرواية وشائجَ كثيرةً تربطها برواية «أنبئوني بالرؤيا». وما علاقة هذه الشخصية بكيليطو نفسه؟ لا سيما أنّ الشخصيّة تسمّت في «أنبئوني بالرؤيا» بالحرف الأوّل من اسمك العائليّ، وفي رواية «والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» بالحَرف الأوّل من اسمك الشخصيّ.

– ذلك ما يُسمَّى مفعول الواقع، عدم ذكر الاسم كاملًا أمارة توهم القارئ بأنه يتحرَّك في الواقع وبأن ما يقرأ ليس وليد الخيال.

خورخي لويس بورخيس.. في عالم آخر

في 23 أغسطس، 2021، نشرت «لوس أنجلس رفيو أوف بوكس» حواراً، اكتُشفِ حديثاً، مع الكاتب الأرجنتيني الراحل «خورخي لويس بورخيس»، أجراه معه الروائيّان الأميركيّان؛ مارك تشيلدرس، وتشارلز مكنير، سنة (1982) في مدينة «نيوأورلينز» التي زارها لإلقاء محاضرة فيها عن الإستطيقا ونظرية المعنى.

(…) كان قد قَدِم من «بوينس أيرس» لإلقاء محاضرة في جامعة «تولان» حول الإستطيقا ونظرية المعنى. والمكان الذي أراد، بشدّة، أن نصطحبه إليه هو قاعة المحفوظات، وهي غرفة صغيرة مكتومة غير بعيدة من شارع «بوربون»، لم تزل تؤدَّى فيها البقايا الباقية من موسيقى «ديكسيلاند – Dixieland». وقف في الخلفيّة، تاركاً «موسيقى الجاز» تجتاحه «موجات تلْوَ موجات».

في الصباح الذي قابلناه فيه، سنة 1982، في جناحه بفندق «فيرمونت»، كانت ترافقه «مارينا كوداما»، الموظّفة اليابانية الأرجنتينية اللطيفة التي أصبحت زوجته الثانية فيما بعد (حينما مات سنة 1986، غضبت الأرجنتينة المهذَّبة غضباً مستعراً لأنه أوصى لها بجميع ممتلكاته).

لإجراء حوارنا، جلس «بورخيس» في ضوء الشمس الساطع، بجوار شبّاك مفتوح، متذكِّراً موسيقى الليلة الماضية، ابتسم وأخذ يغنّي، بصوت خافت، ثلاثة أبيات من أغنية «مشفى سان جيمس»، وكان إيقاعه الموسيقي في مثل دقّة لغته الإنجليزية خلال حوارنا. كان كريماً بوقته، وأجاب عن جميع أسئلتنا.

هل حلمت ليلة أمس؟

– أحلم كلّ ليلة. أحلم قبل أن أنام، وأحلم بعد أن أصحو، حينما أبدأ في قول أشياء لا معنى لها، وأرى أشياء لا معنى لها. أتذكَّر أن حلماً أعطاني قصّة. تراءى لى حلم شديد الإرباك، شديد التشابك، ولم أتذكَّر منه إلا هذا: «إنني أبيعك ذاكرة شكسبير»، فكتبت قصّة عن ذلك (هي «ذاكرة شكسبير – La Memoria de Shakespeare».

اسم جميل هو «شكسبير»، أليس كذلك؟ أمّا هو نفسه، فكان رديئاً إلى حَدّ بعيد، ألا تريان هذا؟ هو الرجل الذي كتب «يا إنجلترا، يا نصف جنة». وهي أشبه بنكتة رديئة، صح؟ أعني أن «شكسبير» لا يتوقَّف عن خذلانك طوال الوقت. كاتب شديد التفاوت، لا يُعَوَّل عليه، يعطيك بيتاً جيّداً للغاية، ثم يعطيك، محض بلاغة.

هل تحبّ حضور مسرحيّاته؟

– أحبّ قراءة المسرح، لا مشاهدته. ذلك جزء عظيم من حياتي؛ أعني القراءة. أبذل أقصى جهدي لمواصلة القراءة، أواصل شراء الكتب، وأعيش معها، لكنني لا أستطيع قراءتها، بالطبع.

الكتاب جَوٌّ، أليس كذلك؟ وأنا مطوَّق بالكتب. عميت وأنا أقرأ الشعر: حدث الأمر كلّه حدوث شفق شديد البطء، شديد البطء. ما من لحظة مؤسية بصفة خاصّة. أصبح الناس عديمي الأوجه، والكتب خلت من رسومها، ولم يعد بوسعي أن أرى نفسي في المرآة.

هل تتذكر آخر شيء رأيته؟

– آخر ما رأيته هو الأصفر، اللون الأصفر، لأن أوَّل لونَيْن اختفيا كانا الأسود والأحمر. يحسب الناس أن العميان يعيشون في العتمة. لا. إن أوَّل ما يفقدونه هو الأسود. أتوق كثيراً إلى الأحمر والأسود، وأودّ لو أرى القرمزي.

والآن، أعيش في مركز ضباب وضَّاء من الرماديّ، أو المزرقِّ، أو المخضرِّ. لكنه وضَّاء دائماً.

أبي، أيضاً، أصابه العمى، وجدَّتي الإنجليزية ماتت عمياء، ووالد جدّي الإنجليزي مات أعمى. أعرف أنني الجيل الرابع من العميان. كنت أعرف ما ينتظرني.

هل تقرأ بطريقة «برايل»؟

– لا. للأسف. كان هذا سيغيّر حياتي كلّها. والآن، كبرت على هذا. شاخت يداي.

قلت، مرّةً، إنك تمنَّيت لو أنك لم تغادر، قطّ، مكتبة أبيك التي كنت تقضي فيها وقتك في طفولتك.

– أنا، في الواقع، لم أغادرها. لم أزل هناك. وأنا هنا، أواصل قراءة الكتب نفسها التي قرأتها صبيّاً. وكلَّما قرأتها تغيَّرَتْ، وهي تغيِّرني طبعاً.

ليس لديَّ في البيت كتاب واحد من كتبي، أو كتاب واحد مؤلَّف عني. أكاد لا أعرف ما كتبته. أقرأ لكُتّاب آخرين، أفضل مني. لو أعدت قراءة كتابتي أنا لابتأست. أريد أن أستمرّ في الكتابة، ولا أريد ما يثبِّطني.

كيف تكتب الآن؟

– أواصل الحلم، والترتيب، والتخطيط طوال الوقت. يأتي الناس فأُمَلي عليهم. هذا كلّ ما في وسعي. أعمل بطريقة مبعثرة للغاية، فليس لديَّ منهج. إنما هي طريقة عفوية، وكلّ ما يتّصل بي عفوي.

أبذل أقصى ما في وسعي للكتابة بأسلوب بسيط، كما أبذل أقصى ما في وسعي لاستعمال كلمات بسيطة. أبذل أقصى ما في وسعي للرجوع إلى القاموس. أعتقد أن كتابتي، على السطح، بسيطة. أشعر بنوع من الحاجة الداخلية، نوع من الدافع، وأعيش لإشباع تلك الحاجة، التي تظلّ تقلقني، وحينما أدوِّن، ينتفي القلق.

هل أشبعتَ تلك الحاجة، يوماً؟

– لا، لذلك أواصل الكتابة.

ماذا تكتب حاليّاً؟

– أشياء كثيرة للغاية. عليَّ أن أستمرَّ في العيش حتى أكتب الكثير جدّاً من الكتب، لأكتب كتاباً عن الفيلسوف السويدي «إيمانول سودنبرج»، وأكتب ديوان شعر، وأكتب مجموعة قصصية. درسنا، أنا و«مارينا كوداما»، الإنجليزية القديمة، وندرس، الآن، النورسية القديمة. إنهما لغتان مثيرتان للغاية.

ما لغتك المفضَّلة؟

– أعتقد أنني قد أختار إحدى اللّغتين؛ الإنجليزية أو الألمانية، وربَّما لو كنت أتقن الأيسلندية لاخترتها. أعتقد أن الإسبانية لغة خرقاء بعض الشيء. إليكما، مثلاً، بيت للشاعر البريطاني «روديارد كبلنج»: «انطلقنا من السماء ممتطين القمر الداني»: في اللغة الإسبانية،ليس بالإمكان امتطاء القمر من السماء، فاللغة نفسها لا تسمح بهذا. كم أنتما محظوظان لأنكما ولدتما في الإنجليزية، أليس كذلك؟ هذه لغة رائعة.

كيف يكون إحساسك حينما تقرأ عملاً لك، في ترجمته الإنجليزية؟

– المترجمون يحسِّنونه كثيراً.

لماذا لا تؤلّف بالإنجليزية؟

– أحترم الإنجليزية كثيراً. مَنْ أكون حتى أتطفَّل على الإنجليزية؟

هل تؤمن بالإلهام؟

– نعم. أعتقد أن الأمور، في حالتي أنا، على الأقلّ، تبدأ بالإلهام. شيء ما … نطلق عليه الشبح المقدَّس، أو ربّة الشعر، أو الذاكرة العظيمة، أو اللاوعي. حينما أكتب الشعر، أميل إلى التفكير في شيء آنيّ، مباشر. شعري أكثر حميميّةً لديَّ من نثري. كثير من الناس، في بلدي، يكرهون شعري، ويستمتعون بنثري.

في حالة النثر، عليَّ أن أخترع قصّة، حبكة، أن أخلق شخصيات، وما يماثل هذا. ثم إنني، حينما أحصل على شيء، أحاول الجلوس والمضيّ قدماً. لا أسمح لآرائي الشخصية أن تتداخل مع عملي. أحصل على حكاية، حبكة … فلنرَ، هل يحدث هذا، مثلاً، عند انعطاف القرن العشرين، أم في حياة كحياة «ألف ليلة وليلة»، أم نجعله قد حدث فحسب؟ لعلي أكون في أسكتلندا، أو بيونس أيرس، أو مونتفيدو.

ذكرت في حديثك (اللاوعي). ما رأيك في علم النفس؟

– فيه، ينبغي على  كلّ فرد أن يكره أباه أو أمّه. كان أبي يراه علماً عديم الجدوى تماماً، وأنا، شخصياً، لا أفهم أولئك الذين يزعمون أنهم ضليعون في علم النفس. أشفق عليهم من اهتمامهم البالغ بأنفسهم، بتحليل أنفسهم. أنا، شخصّيّاً، أكاد لا أعرف نفسي، ولا أحد يعرف نفسه.

فقدنا علماً شديد الأهمّيّة: الأخلاق. الناس يعجبون بالكذب، و يعجبون بالغشّ. يعجبون بالرجل حين يصبح مليونيراً، في حين أن الأمور المهمّة، المهمة بحقّ، هي الكتب التي يقرؤها رجل، ومشاعره، وأفعاله، أمّا آراؤه فليست كذلك، لأنها تأتي وتذهب. لقد كنت قوميّاً، وكنت شيوعيّاً، وإلى حَدٍّ ما أناركيّاً.

هل تعني أن الأرجنتين فقدت ضميرها الأخلاقي؟

– لنَرْجُ أن تكون ظاهرة محلِّيّة. الأمر، فقط، أن بلدي بلد مقطوع الأمل. الشيء الوحيد الذي بقي لنا هو حقيقة كوننا مقطوعي الأمل. لا أحد يتوقَّع أيّ شيء. ابتزاز، فساد، واختطاف… الناس يختفون! نحن ننحدر باطِّراد. لو كانت لدينا ديموقراطية، لكنّا اخترنا أحمق أو محتالاً مثل «بيرون»، والرجل الحالي عديم الكفاءة إلى حَدّ بعيد، وما الذي يحمله على أن يكون كفئاً؟

ما تعريفك للأخلاقيّات؟

– ليس عليَّ أن أعرِّفها، فهي تظهر من تلقاء نفسها؛ أعني أنني عندما أقوم بفعل، أعرف أين أنا؛ مصيباً كنت أم مخطئاً. على الأقلّ، أعرف أنني أفعل. هو شعور، شعور داخلي.

هل هذا الإحساس دينيّ، أيضاً؟

– لا أشعر… لا أشغل نفسي بذلك. أنا لاأدري إن كنت سعيداً أم مرحاً. أفترض كلّ يوم أننا في الجنّة، أو أننا في الجحيم، أو أننا في كلّ موضع. أليس كذلك؟ أشعر بشيء ما، وقد أرجو شيئاً ما. لكن، في النهاية، هذه كلّها مسائل شخصية.

الشيء الوحيد الذي خبرته هو السحر،  ولعلّي لم أَخْبَر شيئاً غيره. أتذكَّر مذنَّب هالي، عندما كنت طفلاً. تصوَّرته جزءاً من احتفالات القرن في «بيونس آيرس». أُضيئت المدينة كلّها. تصوَّرت ذلك نوعاً من الألعاب الناريّة السماوية.

هل تنتظر، في شوق، عودة المذنَّب (في عام 1986)؟

– لا. لا، على الإطلاق. لا. لو متّ، الآن، فسيكون هذا هو الفعل الصائب، أليس كذلك؟ جالساً هنا أُكَلِّمُكُمَا، في «نيوأورلينز»؟ ماذا بوسعي أن أفعل غير هذا؟ كلّ الوقت في فراش المرض؟ أفضِّل أن أموت الآن.

لكن، لم تزل لديك قصص كثيرة لتكتبها.

– نعم، لكنني أعتقد أنني حكيت أفضل قصصي. أنا في الثانية والثمانين، ولم يبق لي من مستقبل، أو نوع من مستقبل حلميٍّ، لعل هذا هو المستقبل الوحيد الممكن. ماتت أمّي في نضج التاسعة والتسعين، وكانت تخشى أن تبلغ المئة.

حينما تبلغ الحادية بعد المئة، سترى القرن التالي.

– أوه! أرجو ألّا يحدث هذا. لا تكن متشائماً.

 ألن تستمرّ من خلال أعمالك؟

–  لن أكون موجوداً. سأكون غائباً. سأكون في عالم آخر، ولا أبالي به طرفة عين. أعتقد أن أعمالي سوف تجد طريقها.

هل كنت تريد أن تجيء إليك الشهرة أسرع ممّا جاءت عليه؟

– لا، فأنا غير مستمتع بها، ولا مرتاحاً إليها، ومثلما قال أبي: «أودّ لو أكون رجلاً ثريّاً، خفيّاً». لا أذهب مطلقاً إلى حفلات الكوكتيل، أو الاجتماعات من أيّ نوع: مصافحة الأيدي، الأيدي الثابتة، والقول: «سعيد بمقابلتك، يا سيّدي»، ومثل ذلك الكلام، الذي يتردَّد مراراً وتكراراً، ومقابلة الناس، ممَّن لا أستطيع رؤية وجوههم. أمر رهيب حقّاً هو الاضطرار إلى التبسُّم، والاضطرار إلى الامتنان.

والسفر، هل يتعارض مع كتابتك؟

– بالعكس. أنا ممتنّ له جدّاً. يمكنني أن أشعر بالبلاد. لم أرَ مصر، لكنني ذهبت إليها. لم أرَ اليابان، لكني ذهبت إلى اليابان، وهذا يحدث فارقاً كبيراً. لا أعرف، أيأتي هذا من الحواسّ أم ممّا وراء الحواس؟ أنا، الآن، هنا، وأن أكون في أميركا أمر لا يصَدَّق، وبالغ الروعة، ومختلف عن الوجود في «بيونس أيرس»، المدينة الفاترة تماماً.

متى سترجع إلى أميركا؟

– بأسرع ما أستطيع. أريد أن أسافر دائماً، وأريد، أيضاً، أن أعود إلى البيت. فذلك جزء من السفر. يكون متوقَّعاً، في أيّة لحظة، أن أصل، أو أن أذهب إلى غير رجعة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حوار: مارك تشيلدرس، وتشارلز مكنير

المصدر:

https://lareviewofbooks.org/article/ill-be-in-another-world-a-rediscovered-interview-with-jorge-luis-borges/

«ترافعٌ عن العرب» فؤاد العروي في مواجهة المركزية الأوروبيّة

ما معنى أن يتصدَّى كاتبٌ فرنكوفونيّ مغربيّ يقيم بهولندا للترافُع عن العرب اليوم في كتاب؟ ألا يُعتبر ذلك سباحةً ضد التيار في زمنٍ المُوضةُ فيه -لدى عددٍ من الأدباء العرب المُقيمين في الغرب والذين يكتبون بلُغاته- جَلْدُ الذات وتحقيرُها ومُسايرة التيار الغربيّ الذي يخشى على مستقبل «العَالَم الحُرّ المُتحضِّر» من «الإسلام» و«الإرهاب» والفوضى غير الخلّاقة التي انتهى إليها جنوب وشرق المُتوسط معاً؟ فهل كان فؤاد العروي، صاحب جائزة الكونغور في القصّة القصيرة، يتوقَّع أن تضعه مجازفته خارج مدار الحكاية أمام سلسلة من التحدّيات؟ ربما. لكن، هل كان يتوقَّع مثلاً أن يعيش أول التحدّيات حتى قبل صدور العمل؟ فناشرُه سيُبدي تحفُّظاً صارماً على العنوان: ماذا لو حرَّرناه من كلمة «العرب»؟ على الأَقلّ لكي لا يظن القارئ الفرنسيّ والفرنكوفونيّ العام أن الأمر يتعلَّق بكتابٍ يرمي إلى «تبرير» الإرهاب كفعل وكسياق وكبيئة حاضنة. اعتبر فؤاد العروي إصرار ناشره على حذف كلمة «العرب» من العنوان دليلاً إضافياً على مدى الحاجة إلى هذه المُرافعة، ومدى استعجال ذلك. لذا وعوض تغيير عنوان الكتاب، غيّر الناشر دون عظيم أسف.

يتوجَّه فؤاد العروي بمُرافعته إلى قارئ رهنته الثقافة الفرنسيّة السائدة والإعلام المُهيمن داخل خطاب فرنكفوني منغلق ومتمركز على الذات الأوروبيّة. لذلك جاء بسردية تعيد الاعتبار للعرب وأدوارهم الفكريّة والعلميّة والفلسفيّة في بناء التاريخ الإنسانيّ. ولكي يبني العروي سرديته البديلة، كان عليه أولاً تفكيك الخطابات التي عمدت إلى تهميش العرب والتقليل من شأنهم عن «جهل» أو عن «سوء طوية». هكذا انشغل بخطاب أحد أهم المُستشرقين الغربيّين برنارد لويس المُؤرِّخ الذي نحت مفهوم «صراع الحضارات»، ليكشف لنا العروي في تحليله أن الكثير ممّا يحيل عليه هذا المفهوم ليس في الأصل سوى «صدام جهالات». هذا دون الحديث عن التدليس الذي يحمله خطاب لويس. وفي هذا الإطار يتوقَّف فؤاد العروي مثلاً عند سؤال لويس الشهير: «ماهي أسباب البغض الإسلاميّ؟ وما مبررات هذا العداء العربيّ للغرب؟» السؤال مشروع لولا أن لويس يفاجئنا بجواب طريف. أول هذه الأسباب ألمانيا، وبالضبط «عصابة» ريلكه وهايدغر وإرنست جنغر الذين اعتبروا أميركا حضارةً لا ثقافةَ لها. ثمَّ الماركسيّة في صيغتها السوفياتيّة، وأخيراً الأيديولوجيا العالمثالثية. يلاحظ العروي أن «لويس» يستكثر على العرب والمُسلمين أن يكون غضبهم صادراً عنهم. فدائماً هناك آخرون يفكِّرون من أجلهم ويلهمونهم أفكارهم وتمثّلاتهم، بل ومشاعر غضبهم أيضاً. لكن، هل قرأ العرب «هايدغر» و«ريلكه» حقّاً؟ يتساءل العروي بسخرية. لا أحد يصدِّق أنّ هذه العُصبة الألمانيّة قد قُرِئت بين ظهرانينا بالكثافة والعمق اللازمين ليتحقّق لها كلّ هذا التأثير على الوجدان العربيّ بالشكل الذي ورّطنا في معاداة جماعية للغرب.

إن في الأمر تدليساً لا يخطئه المنطق السليم. فـ«برنارد لويس» يتحدَّث عن «ريلكه» و«هايدغر» والماركسية السوفياتيّة في شقلبات فكريّة المُراد منها طمس الأسباب الحقيقية لهذا العداء، وهي سياسيّة على الأرجح: تبدأ مع اتفاقية سايكس بيكو السرّية التي مزَّقت جزءاً مهمَّاً من الخارطة العربيّة سنة 1916، وعد بلفور المشؤوم سنة 1917، وهلم شرّاً. هكذا يفضح فؤاد العروي كيف يستخدم هذا الخطاب المُلفَّق الفكر ليحتال به على السياسة، ثمَّ يحتال بالسياسة على الفكر في خلط غريب للأوراق بما يجعل الضحية تظهر بمظهر الباغي المُتحامل على العالَم المُتحضِّر من غير وجه حقّ.

Plaidoyer pour les Arabes, Fouad Laroui, Mialet-Barrault Editions, mai 2021

أيضاً ترصَّد العروي في كتابه العديد من الأخطاء المعرفيّة والمُغالطات المنطقيّة في خطاب «برنارد لويس» وتلامذته. ولعَلّ «غوغنهايم» الذي خصّص له فصلاً بعنوان «قضية غوغنهايم» أطرف هؤلاء.

يدعونا فؤاد العروي إلى فتح كتاب «سيلفان غوغنهايم» «أرسطو في جبل سان ميشيل: الجذور اليونانيّة لأوروبّا المسيحيّة» الصّادر بباريس سنة 2008 عن دار (سوي)، حيث يؤكِّد «غوغنهايم» على أنّ «الغيريّة التّصادميّة بين المسيحيّين والمُسلمين هي ما يشكّل هويتَيْ كلتا الحضارتين». وبه «فالغربُ المسيحيّ لا يدين للشرق الإسلاميّ بشيء». فالعَالَم الإسلاميّ ليس عقلانياً وهو فقير إلى التفكير العلميّ، لذلك ظلّ الإسلام واللّغة العربيّة معاً -وهنا يستعيد أطروحة قديمة لـ«إرنست رينان»- عاجزين عجزاً بنيويّاً عن هضم التراث اليونانيّ.

بدأ فؤاد العروي بالتوقُّف عند أخطاء «غونغنهايم» في قضايا تفصيليّة، منها مثلاً خلطُه بين التفسير وعلم الكلام، قبل أن يتحوَّل إلى الترافع عن الدور المحوري الذي لعبه الفلاسفة والمُفكِّرون المُسلمون في نقل الثقافة اليونانيّة إلى الغرب الأوروبيّ. هكذا تحدَّث العروي عن فعالية الترجمة متوقِّفاً بشكلٍ خاص عند مجهود حنين بن إسحاق، مترجم «جالينوس» و«أبقراط» و«أرسطو» من اليونانيّة ومسؤول «بيت الحكمة» و«ديوان الترجمة» في عهد المأمون. قبل أن يسلِّط الضوء على تقليد أساسيّ يكاد يكون جنساً أدبيّاً فكريّاً خاصّاً بالمُسلمين وهو تقليد «الشكوك». هكذا وضع الرازي مقالة «الشكوك على جالينوس»، وألَّف ابن الهيثم «الشكوك على بطليموس». ولقد أبان علماء الإسلام في «شكوكهم» على أنهم نقَّاد مُراجعون مصحِّحون لهم إضافاتهم القيمة، لا مجرَّد مترجمين أو شُرّاحاً، بل إن عدداً من كتابات ابن رشد وابن سينا كانت في الواقع «شكوكاً» على أرسطو نفسه. ويكفي الإلماح هنا إلى كتاب ابن سينا الشهير «الإشارات والتنبيهات».

يشتبك فؤاد العروي في مرافعته مع عدد من كتابات وأفكار ومقولات ابن سينا وابن طفيل وابن رشد وغيرهم من علماء الإسلام قبل أن ينتقل من تفاعلهم النقدي وتطويرهم للتراث اليونانيّ، إلى ما يمكن اعتباره إضافات ملهمة لهم من المُؤسف أنَّ تاريخ الفكر الغربيّ تغاضى عنها. هكذا مثلاً كشف عن فضل ابن رشد وابن طفيل على «سبينوزا»، حيث أدرج العروي عدداً من مقولات الفيلسوف الهولنديّ التي بدت وكأنها استعادة حرفية لبعض مقولات الفيلسوفين العربيّين. كان بالإمكان اعتبار الأمر مجرّد توارد خواطر لولا أنّ رواية «حي بن يقظان» كانت قد تُرجِمت إلى الهولنديّة زمن «سبينوزا» من طرف «جوهانيس بووميستر»، الذي كان صديقاً للفيلسوف الهولنديّ ومقرَّباً منه. قصّة «حي بن يقظان» بالذات سيعود فؤاد العروي لفتحها في فصلٍ آخر لطرح السؤال بخصوص مدى استفادة «دانييل ديفو» منها في تأليف «روبينسون كروزو» سنة 1719، خصوصاً وأن للقصتين معاً نفسَ الفكرة، نفس الحبكة، ونفس القماشة السردية تقريباً.

تخلص قصّة «حي بن يقظان» إلى أن المعرفة المنقولة (النقل) ليست ضروريّة للإنسان إذا سلك سبيل المُلاحظة والتجربة والتأمُّل والتفكير، وكان قادراً على إعمال (العقل). فقد يصل المرءُ إلى الحقيقة، حتى الدينيّة، عن طريق العقل وحده. ذاك أن «الحق لا يُضادُّ الحق» بتعبير ابن رشد في «فصل المقال». لهذا حينما غادر حي بن يقظان جزيرته والتقى بالناس اكتشف أنّ تجربته وتأمُّلاته قادته إلى ذات الخلاصات التي يريدون تعليمه إياها حول الله والعالم والنفس والجسد. فهل كتب «ديفو» قصته دون أن يطّلع على «حي بن يقظان»؟ لا يملك العروي جواباً، لكنه يقدِّم أكثر من دليل على الترجمات التي تعرَّضت لها هذه الرواية (من أهمّها الترجمة اللاتينيّة التي أعدَّها «إدوارد بوكوك» سنة 1671)، وعلى اهتمام عدد من المُفكِّرين الغربيّين بها وتأثيرها الأكيد على فكرهم.

ابن خلدون بدوره كان حاضراً في أكثر من فصل، حيث يخلص العروي إلى أن منهج ابن خلدون في دراسته للمُجتمع والتاريخ يقترب كثيراً من روح العلوم الاجتماعيّة كما تبلورت في أوروبا انطلاقاً من القرن التاسع عشر، كما أن تحليل العروي لبعض مقولات صاحب «المقدمة» حول «الرزق» و«العمل» و«المكاسب» تجعل هذا الأخير يظهر بمظهر مُلهِم حقيقي لعلم الاقتصاد الكلاسيكيّ. وتواصلت مرافعات العروي في الكتاب دفاعاً عن سبقٍ علميّ لا غبار عليه لعلماء عرب في مجالات مختلفة: ابن النفيس مكتشف الدورة الدمويّة الصغرى، ابن زهر الطبيب الجرَّاح الذي كان أول مَنْ استعمل التخدير في الجراحة، عالِم الرياضيات غياث الدين الكاشي مبتكر الكسور العُشرية، ثابت بن قرة أول من بادر إلى «تصحيح مسائل الجبر بالبراهين الهندسية»، جابر بن حيان واضع الأسس العلميّة للكيمياء الحديثة، ابن الهيثم عالِم البصريات الذي أثبت أن الضوء يأتي إلى الأجسام من العين وليس العكس وكان صاحب نظريّة حول انعكاس الضوء على المرايا الكرويّة، وبه يكون هو مَنْ وضع الأسس الأولى لاختراع الكاميرا.

صحيح أن كتاب «ترافعٌ عن العرب» الصادر في مايو/أيار 2021 عن دار (ميالي-بارو) بباريس هو كتاب يحاور الغرب ويجادله، لكنه نافع جدّاً للقارئ العربيّ، حتى أن ترجمته إلى لغة الضاد تكاد تصير مطلباً استعجاليّاً. فمنطق تأليف هذا العمل وكذا الرؤية الفكريّة لصاحبه نحتاجهما معاً في العَالَم العربيّ لتأمين حوارٍ جدّي وندّي مع الغرب. ففؤاد العروي لم يَرُد على المركزية الأوروبيّة بالانغلاق، ولا على الخطاب الشوفينيّ العنصريّ بشوفينيّة معكوسة. على العكس، كان الرجل حريصاً على بناء حجاج يقوم على تفكيك الخطابات وتقديم معطيات معرفية دون التورُّط في الأيديولوجيا. ومعلوم أن «أيديولوجيا العروبة والإسلام» التي تنطلق منها العديد من الكتابات العربيّة في هذا المجال تجعلها عاجزةً عن التقدُّم نحو بلورة خطاب متماسك يحرج الغرب. لهذا مثلاً، أصرَّ العروي على تحديد الإسلام في مقدِّمة كتابه باعتباره حضارةً، ومعلوم أن الحضارة الإسلاميّة اغتنت في تاريخها الذهبيّ بعطاءات علماء وأدباء من شعوبٍ مختلفة: فُرس وأفغان وأتراك وأكراد وهنود وأمازيغ، ومن مختلف الديانات كذلك. كما تعمَّد العروي منذ البداية أن يتجاوز المسألة العرقيّة في تحديده للعرب والعروبة بالتركيز على عنصر اللّغة. العروبة بالنسبة له تتحقّق اليوم في اللّغة العربيّة وعبرها. وطبعاً نحن نتملَّك العَالَم، والعلم أيضاً، من خلال اللّغة. لذلك يطرح العروي العديد من الأسئلة حول واقع اللّغة العربيّة وتدريسها. فيلاحظ مثلاً أن لغتنا تعاني قصوراً على مستويات عدّة من بينهما التسميات والمُصطلحات. وهنا يتوقَّف عند أسماء النباتات مثلاً. فحينما قرَّر «كارل فون ليني» في القرن السابع عشر إنجاز أول موسوعة للكائنات الحيّة في عالَميْ النبات والحيوان كان العرب في سباتٍ حضاري حينها، لذا لم يتم اعتماد أيٍّ من مراجعهم في تصنيف «ليني». وهكذا وجدت التسميات العلميّة القديمة التي اقترحها علماء المُسلمين نفسها خارج هذا التصنيف. والنتيجة هي أننا اليوم عاجزون عن محاورة الغرب في هذا المجال، بل غير قادرين حتى على إطلاق تسميات دقيقة موحَّدة على النباتات في العَالَم العربيّ، بل وحتّى داخل البلد الواحد. فكيف ستتملَّك عالَماً لست قادراً حتى على تسميته بشكلٍ دقيق موحَّد؟ لكن هل يمكننا التسمية اليوم بالاعتماد على لغتنا وحدها، أم أنَّ التسمية لم تعد ممكنة خارج فعالية الترجمة؟ قبل أربعين سنة، نبَّه «جاك بيرك» إلى أن لغتنا العربيّة في حاجة إلى ترجمة 42 ألف كلمة في مجال الطب وحده. فما بالك الآن؟ ثمَّ ماذا عن باقي المعارف والعلوم؟

يؤكِّد العروي أن حاجتنا إلى مضاعفة الجهود في مجال الترجمة العلميّة صارت مُلحّة جدّاً لكي تصير لغتنا علميّة مثلما حصل في العصر العباسيّ حين تحوَّلت «لغة الشعر» و«لغة القرآن» إلى لغة علميّة بفضل مجهودات مترجمي «بيت الحكمة». ويرى أن تأهيل لغتنا للانخراط السلس في هذا المشروع الترجمي الكبير يستدعي إدخال إصلاحات استعجالية على مستوى نحوها وصرفها وتركيبها، وأيضاً على المُستوى المُورفولوجي. كما يدعو إلى الانفتاح على العاميات العربيّة لتغتني العربيّة بها وتجدِّد نفسها عبر هذه الدّوارج كما يجدر بلغة حيّة. هكذا ستقترب من الناس أكثر. فالعرب لا يقرؤون، حسب العروي، لأنهم يحسون اللّغة التي سيقرؤون بها بعيدةً عنهم وعن حياتهم. لكن كلّما أحسوا اللّغة قريبةً منهم سيأنسون لها أكثر، وبالتالي سيجدون المُتعة في القراءة بها. لذا يجب الاشتغال على اللّغة لتجديدها وتقريبها من عامة الشعب ومن لغة العامة. هذا النقاش الجدّي، برأي العروي، يجب ألّا يُترك للسياسيين وحدهم يستخدمونه في سجالاتهم الحزبية والسياسوية. إنّها قضية العلماء والأدباء ورجال الفكر والفلسفة. وفي هذا الإطار يذكِّر العروي بأن المسألة اللُّغويّة كانت في صلب التحوُّلات العلميّة والفكريّة والأدبيّة التي عرفها الغرب. فـ«سبينوزا» كان منهمكاً تماماً في دراسة النحو العبريّ في أفق تطوير العبريّة، نزع القداسة عنها وتحويلها إلى لغة طبيعيّة علمانيّة. «غاليلي» كان حريصاً على أن يُدوِّن أبحاثه، ليس باللاتينيّة، وإنما باللهجة التوسكانية التي ستصير الإيطاليّة فيما بعد. وهي اللهجة نفسها التي كتب بها «دانتي» عمله الأدبيّ الخارق «الكوميديا الإلهية». وأخيراً يسوق العروي مثال «ديكارت» الذي أعلن عن مشروعه الفلسفيّ أول مرّة في نصّه الشهير «مقال عن المنهج» سنة 1936، وجاء المقال بالفرنسيّة وليس باللاتينيّة لغة العلم والتيولوجيا في ذلك الزمن.

قد يختلف القارئ مع عدد من خلاصات فؤاد العروي واستنتاجاته في هذا الكتاب، لكنه لا يملك إلّا أن يحترم جدّيته في طرح قضاياه وبناء حجاجه. حجاجٌ لم يكن ثقيلاً جافّاً، ذاك أن فؤاد العروي عرف كيف يضيف إليه بهارات المُجادلة والمُناكفة بمقدارٍ جعله سائغاً ممتعاً يمارس تأثيراً جميلاً على القارئ. كما أن روح الكاتب الساخرة وبراعته في المُراوحة بين سرد القصص والوقائع الشخصيّة الطريفة والحجاج العلمي الرزين أكسب الكتاب نكهةً خاصّة. إنه مؤلَّف فكريّ رصين يُساجل الذات والآخر، يحاور بالفكر ولغته دون أن يتخلَّى مؤلِّفه عن أسلوبه الأدبيّ الشيّق. لأجل ذلك يُعَدُّ كتاب «ترافعٌ عن العرب» مؤلَّفاً ممتازاً يصلح للقارئ العام من مختلف المُستويات الفكريّة والثقافيّة. ولعَلّ القارئ بالعربيّة لا يقلُّ احتياجاً إلى حُجَّة هذا الكتاب ومنطقه عن القارئ بالفرنسيّة، ومن هنا يصير تعريب الكتاب غايةً مُلحّة.

هشام جعيط.. إصلاح الحياة!

لماذا لا تساهم الثقافة العربيّة في المجهود البشريّ لفهم عقل العالم الإنسانيّ؛ في تاريخه واقتصاده وقوانينه الاجتماعيّة وسُننه اللُّغويّة، وفي تجديد التفكير الفلسفيّ العالَمي؟ كان هذا السؤال من بين الأسئلة الفكريّة والتاريخيّة المُؤرِّقة التي انشغل بها المُؤرِّخ والمُفكِّر التونسيّ هشام جعيط، الذي فقدته الساحة الثقافيّة العربيّة في يونيو/حزيران المُنصرم، بعد مسيرة علميّة حافلة بالحيويّة النقديّة في سبيل أن يكون للفكر ما يكفي من «التحديث والسيرورة العربيّة نحو المُستقبل».

أبصر المُؤرِّخ والمُفكِّر الراحل هشام جعيط النور في تونس العاصمة في ديسمبر/ كانون الأول 1935. بدأ تعليمه في جامعة «الزيتونة»، ثمَّ في المدرسة الصادقيّة، قبل أن يقرِّر حفيد آل جعيط، المعروفين بالجاه والعلم، تغيير طريقه، وشيئاً فشيئاً نحو بادرة الرفض التي ستسمح لتفكيره بالتقدُّم والتجدُّد. فبعد استقلال تونس عام (1956) يحكي جعيط أن: «آل جعيط فقدوا مكانتهم الاجتماعيّة المرموقة بعدما صار كلّ شيء يدور حول الدولة الجديدة، ولمّا قام الرئيس الحبيب بورقيبة بغلق جامعة «الزيتونة» بعد الاستقلال.. كان هَمّ أبي أن أدخل في النظام الجديد، ولم أكن أوافقه على هذا؛ لأن لي مهجة البحث كما علَّمتني العائلة ذلك منذ الصغر. وبدا لي عندما طلبت مني أسرتي، التي انحدرت اجتماعيّاً، ولم تعد لها نفس المكانة المرموقة في المُجتمع التونسيّ الجديد، أن أنصهر في التجربة التونسيّة وليدة الاستقلال وكأنها قد انقلبت عليّ. لكني آمنت بالبحث الفكريّ والعلميّ، واتبعت هذا السبيل طوال حياتي، ولم أهتم بأمور السياسة. أمّا بالنسبة لتأثير العائلة فقد تواصل حتى بلوغي سن الـ 25، ثمَّ سافرت إلى فرنسا، واتبعت طريقي الخاص»(1).

في فترةٍ مبكِّرة فطن جعيط إلى أن الكلمة الصحيحة تشحذ العقل، وأن كلّ شيء في الفكر يصبح في المُقابل وحيداً وبطيئاً كما يُقال؛ فبعد عودته من باريس، يصف المناخ الأكاديميّ في الجامعة التونسيّة قائلاً: «عندما دخلت الجامعة التي عُدت إليها عام 1976، لم يكن يوجد أي مؤرِّخ أو أي فيلسوف يهتم بالتاريخ الإسلاميّ العام أو بالفلسفة الإسلاميّة»(2). ففي هذه الفترة، يضيف جعيط: «انشغل الباحثون التونسيّون بالدولة الوطنيّة حديثة النشأة تحت التأثير البورقيبي، إلى جانب اهتمامهم بالمسار الجامعي الوظيفيّ»، الأمر الذي أخر انتباه النخبة وجمهور القُرَّاء في تونس، إلى كتب هشام جعيط ونصوصه الأولى التي كانت تحظى باهتمام الصحافة في فرنسا، وكذلك في لبنان، وفي بلدان الشرق عموماً في تلك الفترة. كما لم يكن مجدياً، وصول صداها عبر التأثير الفرنسيّ، ففي رأي جعيط أن كتبه الأولى: لم تُقرأ حقّاً في تونس، ولم يكن لها صدى حقيقيّ، ولم يقع تحليلها، والاستفادة منها(3).

(1)

تتحدَّد خطوط مشروع هشام جعيط، على مستويين، تتفرَّع عنهما، في كثير من الأحيان، مستويات أخرى متداخلة التشخيص والنقد واقتراح الحلول. فبين الخط الأول الفكريّ، والثاني التاريخيّ، تتأصل مواقفه تجاه المشاكل الآنية واشتباكاته مع الأيديولوجيّات السياسيّة والفكريّة، لكنه قبل أن يطرق أبواب التاريخ ويكتب أطروحته التاريخيّة الدقيقة، كان أول ما ألّفه كتباً فكريّة بنَفسٍ فلسفيّ، تخوض في حال العالَم العربيّ والإسلاميّ، وفلسفة الدين، وهي الكتب التي رسمت معالم ومرجعيات خطّه الفكريّ في كتابيه: «الشخصيّة العربيّة الإسلاميّة والمصير العربيّ»، و«أوروبا والإسلام» الذي وقف عند المُقارنة بين الحضارتين في الماضي.

أمّا الخطّ التاريخيّ في مشروع جعيط، الخطّ الإسلاميّ تحديداً، فهو كالسهم الذي يوضع على القوس! وقد اختصَّ به منذ 1981 في أطروحته المُوسَّعة «الكوفة في القرنين الأول والثاني للهجرة» حول الحضارة الإسلاميّة، والمدينة في الإسلام، واستكمله في كتبه الستة عن التاريخ الإسلاميّ الأوّلي التي راجع فيها العديد من المُسلَّمات التاريخيّة، بنظرة نقديّة تعيد النظر في المصادر التي اهتمَّت بتاريخ الإسلام(4). ويصرِّح جعيط في هذا الصدد: «فيما يخص التاريخ الدقيق أردت فيه محاكاة المُستشرقين القدامى وتحسين الرؤية لهذه الحضارة؛ لأني لا أعدهم قاموا بعملٍ جيّد لترويج الصورة القريبة من الحقيقة التاريخيّة والبعيدة من التأثيرات السياسيّة والأيديولوجيّة إلّا البعض»(5). في حين نجد دراسته للمشاكل الراهنة قد بدأت قبل ذلك واستمرَّت مواكبة أهمّ الأحداث والمراحل الحاسمة، على غرار كتابه «أزمة الثقافة الإسلاميّة». وقد كان جعيط في الثمانينيات من القرن الماضي منشغلاً بالواقع الثقافيّ والأيديولوجيّ العربيّ، سواء بالمُشاركة الدؤوبة في ملتقيات مراكز ووحدات البحث العربيّة. أو بالكتابة في مجلّات عربيّة وأجنبيّة حول الواقع الحديث… انطلاقاً من إيمانه بأهمِّيّة «تحقيق التوازن بين الهويّة الجماعيّة والدخول في التاريخ المُعاصِر، وفي هذا المنحى حدَّد جعيط خطوط انشغالاته متمسِّكاً بقناعته الثابتة بكون «الإيمان بالهويّة ورسوخها في التاريخ العميق لا يمكن أن يحصل بدون أن ندخل بجدية في التحديث والسيرورة العربيّة نحو المُستقبل»(6) وما دون ذلك لا خير فيه، وإنما مآله الشر المكتوب في فراغ الفكر!

(2)

يهمنا في الجانب المُتعلِّق بنصوصه الفكريّة، إبراز تشخيص جعيط للواقع العربيّ، ولأزمة الفكر الإسلاميّ المُعاصِر. وكذلك تقييمه للأيديولوجيّات التي شكَّلت هذا الواقع، وحلوله المُقترحة من أجل ما يسمِّيه، تجاوز مستوى فكر النهضة وصدمة الحداثة، وخلق كيان علميّ وفكريّ لعرب اليوم. وفي هذا الجانب يتنقَّل جعيط في تشخيصه الفكريّ لواقع الثقافة العربيّة، بين أربع مراحل حاسمة على الأَقلّ، الأولى: حملة «بونابارت» وصدمة التقاء العرب بالغرب حوالي 1800م، والثانية: حركة النهضة العربيّة، والثالثة: ما بعد الحرب العالمية الثانية، أمّا الرابعة، فهي مرحلة الستينيات وصولاً إلى الزمن الراهن. وفي كلّ تلك المراحل يربط جعيط تداعيات كلّ مرحلة بما قبلها وما بعدها في سياقٍ نقديّ أفقيّ ومتصل على مستوى بنية التحوُّلات الفكريّة والثقافيّة. لقد فهم المُسلمون، في تشخيص جعيط لمرحلة الالتقاء بالغرب، أن: «الأوروبيّين قد تجاوزوهم على مستوى العظمة، وفهموا أيضاً أنهم تفوَّقوا عليهم على مستويات الاقتصاد والحضارة المادية وتنظيم المدرسة والحاضرة، وكلّ العناصر التي شكَّلوها في مفهوم التمدن»، غير أن صدمة الالتقاء بالأوروبيّ لم تكن في تقديره، لحظة إنتاج وعي مماثل، ذلك أن أحد المساعي الفكريّة الأولى الناتجة عن الصدمة كان هو مسعى الإنصات للغير والانتباه إليه كموقف استدعاء للإصلاح والتغيُّر. وحجته في ذلك أن المُسلمين «لم يفكِّروا في ظاهرة الحداثة كمعانٍ للقطيعة مع الماضي، وإنما كمعانٍ لارتباط جديد معه»، فكان هذا الاستدعاء محفِّزاً للتفكير، ومنبِّهاً لحدوده في الوقت نفسه في إطار قضايا فرضت على المُثقَّف العربيّ ثنائيات متقابلة من قبيل: أصالة/ حداثة، عروبة/ إسلام، سلطة/ ديموقراطيّة، نهضة/ حضارة، شورى، عدالة، حرّيّة، استشراق/ استغراب…

لكن جعيط، وهو بصدد تشخيص تبعات هذه المرحلة، يقرُّ بما هو إيجابيّ في نظره؛ فتجاوز الوثوقيّة وإحلال الروح النقديّة سيترتَّب عنهما أكثر فأكثر بروز، ما يصفه بـ: «عقل عربيّ، عقل نقديّ أو متفهم للاثنين معاً، يتجاوز بجدة عقل العقلانيين القدامى بامتصاص قوي لإسهامات الفكر الغربيّ، كما لو أن ذلك تعلَّق بانخراط أكثر ضمانة في جذور الأنا العربيّ الإسلاميّ». لكن هذا البروز لعقلٍ عربيّ نقديّ، وإنْ كان بمقدوره تجديد إشكاليّاته، ومنهجيته، فإنه يبقى، في تحليل جعيط، ناقصاً من أجل أن يكون للفكر ما يكفي، بل إنه «أَقلّ إبداعيّة في نظام المفاهيم أو في ميدان المخيال. وكمصاب بالشلل بمجرَّد ما تعلَّق الأمر بتفكير الكونية. إنه لا يزال عقل معركة، غاطساً في عالمه، رغم تهميشه الفعلي.. بهذه المُوارَبة»(7). ولهذا التحليل حصيلة أخرى، وهي أن حركة النهضة العربيّة، التي انبثقت على إثر الصدمة التي أحدثتها حملة «بونابارت» على الفكر الشرقيّ، لم تصل بالثقافة العربيّة الإسلاميّة إلى المُستوى العالميّ لتضاهي إنتاج روائع الفكر البشريّ المُعاصِر، فعلى الرغم من جهود لا تُجحَد لشخصيّات لامعة إلّا أنها، في نظر جعيط، بقيت في حدودها النسبية تمثِّل نهضةً إقليميّة ومحلّيّة يبرز فضلها بالمُقارنة مع عصر الانحطاط المهول(8). ولنلاحظ هنا، أن جعيط، في المُقابل، وضعنا أمام مفارَقة حين كتب مقالاً يخلص فيه إلى أنه: بعد أكثر من قرن من ظهور حركة النهضة، لم يبرز ولا فيلسوفاً واحداً من طراز متوسط، وأن التقليد الفلسفيّ العربيّ الإسلاميّ مات خلال عصور الانحطاط دون أن يخلف شيئاً، بل إن جعيط يبدي تعجُّبَه من كون «لا أحد من جيل العشرينيات والثلاثينيات تتلمذ على أحد كبار الفلاسفة الغرب وهُم على قيد الحياة من أمثال «برغسون» و«هوسرل» و«هايدغر»…»(9)، ولعَلّنا نستخلص هنا، بأن جعيط، وقف من جديد أمام مسافة أخرى في إطار اللقاء بالغرب، مسافة إمّا أن تُلزم المُفكِّر العربيّ بالبحث في التاريخ الفكريّ العربيّ الخاص، وتحديداً الثورة العلميّة في الأندلس باعتبارها تراكماً حضارياً ساهم في بناء الحداثة الغربيّة، أو بالاستكانة إلى الواقع والاستسلام له. وفي تقدير جعيط أن الخيار الأول على المُستوى التاريخيّ: بدأ منذ النهضة العربيّة بالنبش في التراث، ونشر أمهات الكتب، والاهتمام بماضي العرب وثقافتهم وصولاً إلى الجيل الريادي في الكتابة التاريخيّة الذي مثَّله طه حسين، أحمد أمين، جرجي زيدان، حسن إبراهيم، وجواد علي… وهي كتابات أرادت لنفسها، بتعبير جعيط، تجديد الرؤية للماضي، إلّا أن مجهودها انحسر كمّيّاً في الستينيات. أمّا على المُستوى الفكريّ: فلم يقع بصفة جديّة إلّا بعد الستينيات مع صدور كتب حول التراث الفلسفيّ، منها: «فلسفة ابن خلدون السياسيّة» لمحسن مهدي، و«الفكر الواقعيّ عند ابن خلدون» لناصيف نصار، وكتاب محمد أركون حول فلسفة ابن مسكويه(10)….

(3)

شهدت مرحلة الستينيات، التي يوليها جعيط تشخيصاً بنيوياً عميقاً، بروز عدّة جامعات فتية في البلاد العربيّة، ومعاهد فكريّة ممولة، كما نشطت فيها حركة النشر والترجمة والإنتاج الفكريّ، ونتج عن ذلك، كما يقول جعيط: ظهور بعض المُؤرِّخين الجديين على رأسهم: عبد العزيز الدوري (1919 – 2010) صاحب «تاريخ العراق الاقتصاديّ في القرن الرابع الهجري»، وصالح أحمد العلي (1918 – 2003)  «التنظيمات الاجتماعيّة والاقتصاديّة في البصرة في القرن الأول الهجري»، ومحمد عبد الحي محمد شعبان (1926 – 1992) «ثورة العباسيين»، وفاروق عمر فوزي (1938) «طبيعة الدعوة العباسية: العباسيون الأوائل»، ثمَّ نسج هشام جعيط على منوال صالح أحمد العلي والدوري، أطروحته عن «الكوفة في القرنين الأول والثاني للهجرة». وهكذا، يلاحظ جعيط بأنه: فيما بين 1948، تاريخ بروز أطروحة الدوري، و1981 تاريخ بروز أطروحته، أي طوال مدة ربع قرن لا نجد إلّا خمسة مؤرِّخين اختصوا في الفترة الكلاسيكيّة الكبيرة، أي القرون الأربعة الأولى وهي فترة لها دلالة خاصة.

وإذا كان جعيط قد اعتبر بأن: كتابات هؤلاء المُؤرِّخين الخمسة هي -تقريباً- الوحيدة في كلّ الإنتاجِ العربيّ في ميدان العلوم الإنسانيّة المُعترَف بها عالميّاً كبحوثٍ جديّة، تجاوزت ما قبلها وما بعدها، فإنها، تبقى في نظره، نزراً يسيراً جدّاً، مبرراً ذلك؛ بتعذُّر تكوين مدرسة تاريخيّة، ولانصراف معظم الباحثين عن كلّ ما هو تراثي «لقلّة طموحهم ولقلّة تفتحهم للإنسانيّة العالميّة ولاستكانتهم، بل وكسلهم وفقدهم للمُثل الفكريّة العليا»(11). كما أنه، باستثناء المجهودات المُحترَمة لعبد الله العروي، والحبيب الجنحاني، ومحمد الطالبي… فيما يخصُّ جغرافيّات وفترات تاريخيّة أخرى، بما في ذلك جهود الأثريّين في استكشاف الحضارات القديمة بمصر والعراق… فإنّ نظرة جعيط إلى المُؤرِّخين المُولعين بالحديث والقريب تبقى ناقصة، لكون هذا الولع في تقديره لم يأتِ بثمارٍ جديّة، متسائلاً: «هل لنا تاريخٌ جديّ لرقعة الهلال الخصيب منذ قرن؟ في هذا المضمار ما زلنا عالةً على كتاب جورج أنطونيوس»(12).

لقد كان لتسارع الأحداث بعد الاستقلال، حرب (حزيران)، النكسة، حرب 1973، القضية الفلسطينيّة… بالغ الأثر على دور الفكر العربيّ، فالاصطدام هذه المرّة لم يحدث بالغرب، وإنما مع الأيديولوجيّات والإشكالات الداخليّة المُتفاقمة بحدّة بعد سيطرة العامل السياسيّ الآني على الأفق العربيّ، وهيمنة وسائل الإعلام، على حساب قدسية الفكر ومجاله الحيويّ الذي كان إلى حدود الخمسينيات يزخر بأسماء «من نمط الشخصيّة الكبيرة ذات التأثير الواسع على الجماهير والنخب كطه حسين والعقاد…». ولن يكون من باب الزيادة في الكلام، ونحن نستنتج من خلال جعيط، وجه الشبه العام بين الأمس واليوم؛ صورة الستينيات وما تلاها مستعادة في وسط فكريّ متعدِّد الروافد، يتمُّ فيه تهميش دور المُفكِّر، على الرغم من تجاوزه الحدود النظريّة، والعمل الأكاديميّ البحت، إلى التفكير في مجمل المشاكل العربيّة. إذ بفضل مثقَّفين «آمنوا بالفكر والثقافة، وقليلاً ما حظوا بتشجيع مع الحكومات أو الجماهير.. حصل في الجملة تقدُّمٌ نظريّ في معالجة مشاكل العالَم العربيّ من الوجهة الفكريّة. فلم نعد عالةً على المُستشرقين في دراسة تاريخنا، ولا على الخبراء الأجانب في دراسة اقتصادنا… والخطر اليوم أن يهدَر هذا المجهود، وأن ينقرض علماؤنا دون أن يتمكَّنوا من تكوين أجيال جديدة على ما يلزم من حب للمعرفة ومنهجية كاملة. هذا تخوُّف ليس مصدره التشاؤم وإنما حقيقة الأمور»(13).

في تشخيصاته لواقع الثقافة والفكر في البلاد العربيّة، حمل جعيط مسؤولية التهميش إلى الساسة والجماهير معاً، وبنبرة أكثر حدّة يلقي باللائمة على مستويات الوعي العربيّ العام، وقبله وعي النخبة الأكاديميّة، أو الجامعيّة التي تنصرف إلى اختصاصاتها، دون مثابرة على البحث المُتخصص والمُجدي، ولهذا فالأستاذ الجامعي يظهر، في تصوُّر جعيط، بمظهر العالِم المُختص لكن بمظهر المدرس الصغير! وهنا نصل مع جعيط إلى: «نقطة استفهام وإبهام؛ فالوعي العربيّ لا يحسن التمييز الصارم المضبوط بين العالِم المُختص في أحد ميادين العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وبين المُفكِّر الحقيقيّ صاحب النظرة الشموليّة المُتجاوز للاختصاصات، والذي يأتي برؤية وبمفاهيم مع عمق في النظر واستقلالية في منابع التفكير. ليس كلّ مَنْ يفكِّر مفكِّراً، وليس كلّ مختص عالماً»(14).

 

(4)

لم تكن رحلة جعيط في البحث عن جواب لتساؤله: لماذا لا تساهم الثقافة العربيّة في المجهود البشريّ لفهم عقل العالم الإنسانيّ؛ في تاريخه واقتصاده وقوانينه الاجتماعيّة وسُننه اللُّغويّة، وفي تجديد التفكير الفلسفيّ العالَميّ؟ مسألة سهلة، ولا مستحيلة، فهي بقدر انفتاحها على المُستقبل وتفاعلها مع الفكر العالميّ، إجابة بصوت مرتفع تؤكِّد استحقاقنا الفكر الذي لدينا، وقد وجد جعيط نواة إجابته متجذِّرة في الثقافة العربيّة التي هي بالأساس؛ ثقافة فكريّة وذهنيّة، لذلك فمن المنطقيّ «أن يكون الميدان الفكريّ والتاريخيّ أخصب ميادين الإنتاج لما اتّسمت به الحضارة العربيّة من عمقٍ تاريخيّ، وأيضاً من تقاليد تاريخيّة عريقة في ميادين التحليل والعلم الإنسانيّ، والقانون، والتاريخ، والاقتصاد»(15). وإذ تبدو رحلة البحث، قد استُؤنفت منهجياً باتجاه الماضي لإعادة اكتشاف طرقه، واستنطاق فراغاته التاريخيّة، فإنّ جعيط، وهو في مقام مَنْ يقول: أين الفكر هناك القوة، قد مضى في رحلته الطويلة، وعينه على مستقبل العقل العربيّ المفقود، والذي يتطلَّب العناء والمشقة لاستعادة ما يمكن استعادته من الينابيع الأولى؛ و«إن كلّ عمل في سبيل إحياء هذا الاستعداد وخلق كيان علميّ وفكريّ لعرب اليوم هو عمل ذو بُعدٍ مصيري، لأن الأمّة قامت على فكرة مجدها الثقافيّ… ولا يمكن البتة أن ينحصر هذا المجد في الماضي، بل علينا أن نؤسِّس مجداً جديداً يعطي الأمّة العربيّة مقامها بين الأمم». وبما أن هذا المجد كان شعريّاً وعقليّاً، وليس أدبيّاً خياليّاً إلّا في العنصر الشعبيّ الحكائيّ، فلن ينبغ عرب اليوم، في الميدان المسرحيّ أو الروائيّ أو الفنّيّ عموماً؛ إننا نفخر، يستطرد جعيط: بابن سينا، والطبري، والمقدسي، والبيروني، بينما يفخر الإنجليز بشكسبير، والفرنسيون بروائيّيهم أو كُتَّاب التراجيديا عندهم (…) وإذا عجز العرب عن إنشاء علوم إنسانيّة بالمعنى الصحيح، فهم في غير ذلك أعجز!، والشاهد في ذلك عند جعيط كون، التقليد الثقافيّ يسيطر على مناهج الإبداع، بما يجعل النبوغ العربيّ متاحاً وممكناً، بتفكيرٍ أشمل وأعمق، لكن في الميادين المعهودة التي كان العرب يسمّونها بالحكمة، وهي بلغة اليوم علوم إنسانيّة واجتماعيّة.

نصل الآن إلى نقطة أساسيّة في اشتباك جعيط بالمشاكل الراهنة، ألا وهي تشخيصه النقديّ لاختلاط الأيديولوجيّات بالثقافة، بداية من تحديده لسمات الثقافة العربيّة المُعاصِرة بوصفها «ثقافة أمّة تتساءل عن مصيرها، وعن علاقتها بالعَالَم الخارجيّ، وبماضيها على السواء، وليست ثقافة إبداعيّة بالمعنى الذي تحمل فيه نظريّات عامة حول الإنسان والتاريخ والمُجتمع عامة»، وصولاً إلى رصد نتائج ذلك على كافة القضايا المصيريّة؛ حيث بدا لجعيط أن الثقافة العربيّة في الأزمنة المُعاصِرة اختُرقت من طرف تيارات سياسيّة ومذهبيّة أكثر من كونها مدارس فكريّة. فمن القوميّ إلى الإقليميّ، ومن الإسلاميّ إلى العلمانيّ ومن التحديثيّ إلى التراثيّ… فإنّ تحصيل الحاصل هنا، ليس فكراً يُزرع في الاختلاف، وإنما ذلك السؤال الذي نحته شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ الذي يستعيده جعيط متأمِّلاً ثقافة عربيّة مازالت تخاصم نفسها والدنيا حول إشكاليّاتها الأساسيّة، دون أن تتمكَّن من تجاوز صدمتها بالحداثة. وإذا كان جعيط يقرُّ بأنه من غير المُنصف، بل قد يكون من باب المُستحيلات، ونضيف إليها اللامبالاة، مطالبة «الثقافة العربيّة الفكريّة اليوم بأن تتخلَّى عن المناخ الذي تعيش فيه، كما عن الإشكاليّات الموروثة»، فإنه في المُقابل يتحدَّث بما يقيسه من فروقات في أدق التفاصيل، عن ثقافة عربيّة، لا يراها تساهم اليوم: في المجهود البشريّ لفهم عقل العالَم الإنسانيّ في تاريخه واقتصاده وقوانينه الاجتماعيّة وسُننه اللُّغويّة وتجديد التفكير الفلسفيّ فيه(16).

 

(5)

من سياقات متعدِّدة في كتابات جعيط، يتضح أن الانخراط في فهم العالَم الإنسانيّ، لا يتأتى إلّا بتوفُّر شرطين أساسيّين؛ الأول: ثقافة جمعية متميِّزة، والثاني: حداثة مرتبطة بالهويّة. ويمكن الاستنتاج فيما يخصُّ متطلَّبات تحققهما، أن الأول مقترن بالحاجة المُلحة إلى «جهاز فلسفيّ يصالح مصالحة نهائية بين حاجات النفس البشريّة المُعاصِرة بما فيها العلم وبين الروح الدينيّة»(17). ومن شأن ذلك أن يرشد الثقافة العربيّة إلى: خوض المعارك الفكريّة العامة وما يترتَّب عنها من تعميق أكثر للأمور وحذق أدق للمنهجيات، مع ضرورة التمييز: «بين الإنتاج الأيديولوجيّ المُوجَّه للجماهير (الذي قد يكون لازماً) والذي ينتج العدد الأوفر من الكتب والدوريات، وبين الإنتاج العلميّ الجيّد أو الإنتاج الفكريّ العام ذي المرتبة الرفيعة»(18).  وتجدر الإشارة في هذا الصدد، أنَّ جعيط أجاز وجود فكر فلسفيّ – أيديولوجيّ عربيّ مهتم بالإشكاليّات السياسيّة والحضاريّة والثقافيّة، وهو في تصنيفه الكمّي له يمثِّل: إسهاماً مهمَّاً، في خطاب السياسيّ كما في خطاب الصحافيّ، وإنْ كانت هذه الإشكاليّات من حيث المضمون لا تتجاوز الأفق العربيّ – الإسلاميّ إلى نطاق التنظير العام، كما أنها لا تأخذ بُعدها الفلسفيّ النظريّ إلّا عند القليل، ومنهم هشام جعيط نفسه، وعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون وناصيف نصار والطيب تيزيني.

أمّا الشرط الثاني، وهو الحداثة المُرتبطة بالهويّة، فيجد تأصيله المبدئي عند جعيط؛ من منطلق دور الهويّة في مقاومة الهيمنة الإمبرياليّة والاقتصاديّة؛ وانطلاقاً من اعتقاده بضرورة التمسُّك بخصوصيّاتنا، وبالعناصر الأساسيّة التي انبنت عليها هويّتنا وحضارتنا. لكن الهويّة عند جعيط، كموضوعٍ للبحث وبناء الذات والمُستقبل، تتخطَّى النبش في التاريخ والانغماس في التراث، كما لا تقوم على الذاكرة فحسب، وإنما تعني الهويّة كذلك: «احتكاك الهويّات الفرديّة، وانفتاحها على الأخلاقيّات التي تقرِّب بين البشر وتبني القيم، التي تفتح آفاقاً أمام الإنسان، وتعطي لحياته معنى، وتجعل منها قيمة عالية»(19).

إعطاء معنى للحياة، هو إصلاح لها، كانت هذه رسالة هشام جعيط، وقد وصفها في إحدى انزياحاته الشعريّة: «إصلاح الحياة! رسالة عظمى أثقلت كواهل عظماء من المُحرِّرين، والقادة، والمُفكِّرين، والأدباء.. إصلاح الحياة باسم نداءٍ داخليّ في قلب الإنسان المُتحيِّر.. نزوع إلى بناء المُستقبل، ولكن أيضاً وفاء بالماضي.. تفتح أمام هذه النسبيّة الغريزة المُنبسطة أمامنا والتي هي حاضرنا.. احترام لوساطة الكلمة حتى لا يبتلع الهدف الوسيلة.. إيمان حقّ بالقيم ولو نبذها المُجتمع، شعور بسوء النية ورفضها.. الحب دوماً والرحمة دوماً والذهاب إلى الغير(20)…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 – ھشام جعیط: الفكر یلزمه فترات من الدعة والعالم الیوم في تغیُّر واضطراب/ مجلة الفیصل، العدد: 477، یولیو 2016.

2 – نفس المرجع السابق.

3 – نفس المرجع السابق.

4 – ھشام جعیط: الفكر یلزمه فترات من الدعة والعالم الیوم في تغیُّر واضطراب/ مجلة الفیصل، العدد: 477، یولیو 2016.

5 – نفس المرجع السابق.

6 – نفس المرجع السابق.

7 – ھشام جعیط: فلسفة الأنوار والفكر العربيّ الإسلاميّ/ مجلة التبیین، العدد: 14، أبریل 1999.

8 – ھشام جعیط: أزمة الفكر الإسلاميّ المُعاصِر/ مجلة الفكر العدد: 1، أكتوبر 1965.

9 – ھشام جعیط: الإنتاج الفكريّ العربيّ منذ عشرین سنة/ مجلة فكر وفنون، العدد: 42، یونیو 1985.

10 – نفس المرجع السابق.

11 – ھشام جعیط: أزمة الفكر الإسلاميّ المُعاصِر/ مجلة الفكر العدد: 1، أكتوبر 1965.

12 – ھشام جعیط: الإنتاج الفكريّ العربيّ منذ عشرین سنة/ مجلة فكر وفنون، العدد: 42، یونیو 1985.

13 – نفس المرجع السابق.

14 – نفس المرجع السابق.

15 – نفس المرجع السابق.

16 – نفس المرجع السابق.

17 – ھشام جعیط: أزمة الفكر الإسلاميّ المُعاصِر/ مجلة الفكر العدد: 1، أكتوبر 1965.

18 – ھشام جعیط: الإنتاج الفكري العربي منذ عشرین سنة/ مجلة فكر وفنون، العدد: 42، یونیو 1985.

19 – ھشام جعیط: الفكر یلزمه فترات من الدعة والعالم الیوم في تغیر واضطراب/ مجلة الفیصل، العدد: 477، یولیو 2016.

20 – ھشام جعیط: آراء نقدیة في الأدب المعاصر/ مجلة الفكر، العدد: 4، ینایر 1967.

الثقافة الإسلاميّّة.. خصوصيّة وعالميّة ترسَّخت في مجرى التاريخ

إنّ القضية التي نصدر عنها وننتصر لها هنا تتمثَّل في أن التعايش بين الثقافات الإنسانيّة هو طوق النجاة المُنقذ و«خشبة الخلاص» الوحيدة من طبول الحرب التي يدقها أصحاب النهايات (نهاية التاريخ، نهاية الأيديولوجيا، نهاية الفلسفة، نهاية الإنسان، صراع الحضارات،). وإذا كانت الحرب بين الثقافات هي ميزة عصور التخلُّف والانحطاط والانعزال والتقوقع والانسداد الكبير. فإنّ التواصل بين الثقافات و«العيش المُشترك»، هو ميزة عصور الرقي والتقدُّم والمدنيّة والبناء، وأيام «العز والصولة».

ماذا نقصد بالثقافة الإسلاميّّة أولاً؟ يجيبنا أحد الباحثين قائلاً: «الثقافة الإسلاميّّة أو الثقافة من حيث نسبتها إلى المُجتمع الإسلاميّ […] هي مجموع النسيج الحضاريّ الشموليّ الذي قوامه الدين الإسلاميّ: لا من حيث هو عقيدة وشريعة فحسب، بل من حيث هو حضارة وفعل إنسانيّ تضافَرَ في إبداعه مجموع الشعوب التي التقى بها الإسلام عن طريق الفتح، والتجارة والاتصال، وعن طريق الترجمة والآداب والحِكم المُقتبَسة (ذلك هو الشأن في الأثر اليونانيّ خاصة، وفي الأثر الذي يتفاعل معه عامة). ومن هذه الجهة فقد اغتنت الثقافة الإسلاميّّة بكلّ المُكوِّنات التي كانت قاعدة لها (وهذه هي العربيّة وما تعلَّق بها، علوم كان الإسلام نفسه سبباً في تقعيدها وتنظيمها أولاً وفي تطويرها ثانياً)، ثمَّ اغتنت بعد ذلك بما أدركته من آداب الفرس والرومان والكلدانيّين، وبما اقتدرت على استيعابه من الأثر الإغريقيّ (مع غِناه وتعدُّده)، ثمَّ من هذه الجهة أيضاً، أمكن للثقافة العربيّة الإسلاميّّة في أبعادها الكثيرة هذه أن تسهم في بناء الصرح الحضاريّ الإنسانيّ، وأن تعمل على حفظها من الضياع أولاً (في مراحل الهمجيّة والعنف)، ثمَّ أن تسعى إلى تطويرها وحثها على العطاء الجديد (العلوم العربيّة الإسلاميّّة، العلوم «الدقيقة»، الفلسفة الإسلاميّّة، الفكر الاجتماعيّ والسياسيّ عند كبار مفكِّري الإسلام…). وبالجملة فنحن نقصد بالثقافة الإسلاميّّة الثقافة في دلالتها الأنثروبولوجيّة الفسيحة من جانب أول، ونقصد بها تلك الثقافة من حيث كونها سمةً للمُجتمع الإسلاميّ «المفتوح»، وبالتالي فهي الثقافة وقد كانت انفتاحاً على «الآخر» وقبولاً له (مع الوعي بالاستقلال الروحي والتمايُز الحضاري، وهي الثقافة وقد كانت اتجاهاً نحو المُستقبل وقبولاً له وإقبالاً عليه»(1). وقد خصَّص سعيد بنسعيد العلوي الفصل الأول من كتاب (أوروبا في مرآة الرحلة) للحديث عن «الآخر» بالنسبة للثقافات الإنسانيّة، قائلاً: «تحمل كلّ الثقافات والحضارات الإنسانيّة المُختلفة صورةً ما لـ«الآخر». و«الآخر» هو كلُّ ما ترى «الذات» أنه مخالف لها أو مختلف عنها… الآخر إذن هو ذاك الذي تقضي الذات بمخالفته لها وتحكم باختلافه عنها في نظم الحياة كلّها: في العادات، والتقاليد، والأذواق، واللسان، والدين… يؤول الأمر في رسم صورة «الآخر»، وفي تعيين دلالته ومعناه، إلى الثقافة التي يكون إليها انتماء «الأنا» أو «الذات» التي تتحدَّث عن الغير المخالف»(2). فالغرب الأوروبيّ والغرب الأميركيّ هو الذي يشكِّل الآخر للثقافة الإسلاميّّة، وليس الآسيويّين أو الأفارقة من البلدان غير العربيّة. «الآخر» في الوعي الثقافيّ العربيّ الإسلاميّ، لا يخرج عن «الغرب»: فهو الغرب الأوروبيّ تارةً أولى، وهو الغرب الأميركيّ تارةً ثانية»(3).

وبناءً على هذا التحديد، فالقاعدة أو القانون الذي يحكم الثقافة الإسلاميّّة المُركَّبة المُتعدِّدة العناصر هو قانون التعايش المُشترك والتواصل والانفتاح والتمدن والتفاعل والتلاقح والتسامح والحوار الإيجابيّ مع الثقافات الأخرى المُخالفة والمُغايرة لها قديماً وحديثاً، لها خصوصياتها وملامحها وقيمها ومقوِّماتها الحضاريّة والتاريخيّة التي تجعلها غير قابلة للسيطرة والهيمنة والاتباع والذوبان في الثقافات الأخرى المُخالفة. فقد أنتجت الثقافة الإسلاميّّة بكلِّ حرّيّة نظامها القيميّ ورأسمالها الرمزيّ الخاص بمجتمعاتها، وتبنَّت القيم الأخلاقيّة والدينيّة والثقافيّة المُلائمة لها دون اضطرار لتقليد الآخرين أو الانطلاق من حداثتهم لبناء حداثتها الخاصة. فهي رؤية للعَالَم ونمط للعيش ونظام للقيم، متجذِّر في التاريخ البعيد والجغرافيا الصلبة، تتميَّز بالتمثل والهضم والاستيعاب الإيجابيّ للثقافات الأخرى بروح الحوار وآداب البحث، مع الخلق والإبداع والإضافة من موقع الندية والتوازن والحوار المُتكافئ بأسلوب الحجاج والمُناظرة وطلب الاقتناع والحرص على البرهنة، بعيداً عن أجواء الخضوع لأحكام «العجز والضرورة»، كما يقول الفقهاء. و«لابد من الانتباه إذن، إلى أن خصوصيّة العَالَم العربيّ الإسلاميّ المُعاصِر لا زالت تشهد نوعاً من التفاعل بين ماضي وشعوب ذلك الماضي وحاضرها المعيش. ممّا يفرض القول أن كلَّ تأمُّل في حاضر هذه الشعوب وتطلع نحو إصلاح مستقبلها يستوجب استحضار ذلك الماضي بما يمثله من قيم ومقاصد وتصوُّرات للحياة ترسَّخت في مجرى التاريخ، وذلك لأجل إعادة تمثل بعضها وتوظيفه بما يسمح بذلك الإصلاح المنشود، أو لأجل إبداء رؤى نقديّة تجاه بعضها الآخر، فيصير هذا النقد المُعاصِر لبعض تلك التصوُّرات والمفاهيم نقداً ضمنيّاً للواقع المعيش الذي يتفاعل مع تراثه»(4).

فالعلاقة بين الثقافة الإسلاميّّة والثقافات المُخالفة المُختلفة لا تخلو من الصلات الاستلزاميّة بين الأنا والآخر و«سريان» الخصوصيّ في العموميّ جنباً إلى جنب مع «سريان» العموميّ في الخصوصيّ في المُجتمع الإسلاميّ، الذي نقصد به «الوجود الحضاريّ والثقافيّ لجملة من الشعوب والأقوام والمُكوِّنات الثقافيّة واللسانيّة والإقليميّة تلتقي عند انتسابها إلى الدين الإسلاميّ من جهتي العقيدة والشريعة، دون أن تنفي مَنْ كان على غير المِلة الإسلاميّّة (وهذا هو الشأن في العرب المسيحيّين تخصيصاً). هذا المُجتمع يخضع بـ«الضرورة» لحتميات التاريخ والحضارة ويعرض له ما يعرض للمُجتمعات الإنسانيّة كلّها، وتلك سُنَّة الله في الخلق»(5). فدراسة «الخصوصيّة» في الثقافة الإسلاميّّة دون الالتفات إلى «الكونيّة»، أو دراسة «الكونيّة» فيها دون الالتفات إلى «الخصوصيّة»، لهي تجريد للازم من ملزومه، وذلك اقتناعاً منّا بأن كلّ دراسة تجهل أو تتجاهل هذه الصلات الاستلزاميّة بين الأصيل والدخيل، والمحليّ والكونيّ والخاص والعام في الثقافة الإسلاميّّة، ولا تومئ من قريب أو بعيد إلى الخصوصيّ ككونيّ، والكونيّ كخصوصيّ، ستظلُّ دراسةً ناقصة وقاصرة، إن لم نقل عرجاء وبتراء. وبالجملة، لا ينبغي التفاضل بين الثقافات، والانتصار لثقافة على أخرى، والانفصال عن «الرؤية التوحيديّة للثقافات» بالانغلاق داخل ثقافة واحدة، وكأنها جزر معزولة عن ثقافات أخرى مجاورة لها ومتداخلة معها بشكلٍ أو بآخر، لدرجة يمكن القول معها بأن كلّ ثقافة تدين في حيويتها وابتكاريتها إلى الثقافات المُخالفة والمُتغايرة معها. فلا بد من الانتباه بما فيه الكفاية إلى أهمِّية التواصل والدور الإيجابيّ للتعايش بين الثقافة الإسلاميّّة والثقافات الأخرى، وذلك بغية تقييم مفهوم الثقافة الإسلاميّّة التعدُّدية والدياليكتيكيّة. فالاعتراف بالخصوصيّة هو ألفباء الوصول إلى الكونيّة بالنسبة للثقافة الإسلاميّّة، ولكلّ الثقافات الأخرى التي تحتكُّ في ما بينها وتغترف من معين بعضها البعض، ممّا يجعل كلّ ثقافة خاصة ثمرةً للفعل والانفعال مع الثقافات الأخرى التي تشكِّل «أغياراً» متنوِّعة الكيف لها، وفي مقدِّمتها الثقافة الإسلاميّّة التي استوعبت كلّ الثقافات واللُّغات والأعراف والحضارات، والتجارب الإنسانيّة وأنماط التمدن الإنسانيّ. «فأما «الغير» فهو حسب إفادة علم الكلام ودلالة اللّغة العربيّة «المُخالف» في الدين والثقافة والحضارة، وليس «المُختلف» فقط، إنه النقيض أو «الآخر» -كما نقول في لغتنا المُعاصِرة-، و«الآخر» هو ذاك الذي نراه ضداً لنا، ونجد أن صورتنا تتحدَّد من حيث إنها نقيضه. فنظرنا إليه هو نظرنا لما نرى أنه غير الذات، والنحو الذي يتمُّ به إدراكنا له هو، في حقيقة الأمر وعي بوجودنا الذاتيّ وإدراك له»(6).

إنّ العلاقة بين الثقافة الإسلاميّّة والثقافات الأخرى علاقة أخذ وعطاء، وإذا كان التفاعل بين العروق يولِّد عناصر جديدة وفعَّالة من الناحية البيولوجيّة والاجتماعيّة، لدرجة أنه حتى الفلّاح في مزرعته يعرف هذه الحقيقة فيستورد الثيران الفحلة الفتية ليحسِّن نسل أبقاره، ويعرض عن المرضى العجاف الضعاف من الثيران المحليّة. فإنه قد تجدر الإشارة إلى أن الثيران الفحلة الفتية التي تحسِّن نسل أبقارنا قد تكون محلّيّة أيضاً، بينما قد تكون الثيران الخارجية من طينة المرضى العجاف الضعاف التي يجب الإعراض عن استيرادها بين حينٍ وآخر. وإن دلَّ هذا على شيء، فإنما يدلُّ بوضوح على أنه لا ينبغي الحط من شأن الأنا مقابل الإعلاء من شأن الآخر، أو نقد الأنا دون الآخر حتى لا نرجِّح كفة الآخر على الأنا فنفقد التوازن والتكامل ونرتطم أرضاً. وكان «الخير كلّه يأتي من الآخر […] والشر كلّه يأتي من الأنا […] فنقع في الأحكام المُطلقة: الخير كلّه من الغير، والشر كلّه من النفس»(7). ذلك أن الدفاع عن الخصوصيّة لا ينطوي على أي مظهر من مظاهر الدونية، كما قد توهم الثقافة الغربيّة التي تحاول الهيمنة عندما تنعت الثقافة الإسلاميّّة بأوصاف قدحية تندرج ضمن قاموس السباب والشتم لمُحاصرة الخصم. «وأصبح كلّ مَنْ يدافع عن الخصوصيّة والأصالة والهويّة الثقافيّة والاستقلال الحضاريّ رجعيّاً ظلاميّاً أصوليّاً إرهابيّاً متخلِّفاً ماضويّاً سلفيّاً […] ويتمُّ تخطيط كلّ شيء بحيث يختفي الخاص لصالح العام الذي كان في بدايته خاصاً ثمَّ أصبح عاماً بفعل القوة»(8). فالثقافة لا يمكنها إلّا أن تكون خاصة في أصلها وبدايتها وانطلاقها. وأمّا الثقافة العالميّة فهي «أسطورة لا وجود لها، خلقتها أجهزة الإعلام الغربيّة حتى يتمَّ تطويع الخارجين على سلطان الغرب. الثقافة تنبع من الهويّة الثقافيّة وليس من التغريب الثقافيّ، والنخبة لا تكون إلّا وطنيّة تعبِّر عن رؤية حضارتها الخاصة، ولا توجد نخبة عالميّة إلّا نخبة الارتزاق»(9). فالمُفكِّر المصريّ «حسن حنفي» يحكم بالخصوصيّة على كلّ الحضارات الإنسانيّة بما فيها الحضارة الغربيّة ذاتها، حيث يقول أيضاً: «إن العلاقة بين الأنا والآخر ليست علاقة بين الخصوصيّة والعالميّة وإلّا أعطينا أنفسنا أَقلّ ممّا نستحق، وأعطينا الآخر أكثر ممّا يستحق. فكلّ حضارة خاصة ولا توجد حضارة عامة تمثل الحضارات جميعاً، وإن تراكم الإبداعات البشريّة في آخر مرحلة من مراحل تطوُّر البشريّة في الغرب الحديث لا يجعل باقي الحضارات تُصاب بالدوار وبفقدان التوازن، لأن لها في هذا التراكم دوراً سابقاً وإسهاماً تاريخيّاً غير منظور. وإن علوم الصين والهند وفارس وحضارات ما بين النهرين، وكنعان ومصر القديمة والإسلام، لهي أحد المُكوِّنات التاريخيّة والروافد العلميّة للغرب الحديث»(10). ولذلك ينبغي تصحيح المفاهيم، وتوضيح معنى الخصوصيّة حتى لا تستأسد أو تتنمَّر عليها العالميّة التي تخفي ماضيها الخاص. «تعني الخصوصيّة البداية بالأنا قبل الآخر، وبالقريب قبل البعيد، وبالموروث قبل الوافد […] تعني الخصوصيّة أدبيّاً، البداية بالجذور قبل الثمار، وبالجذع قبل الأوراق، وبالطين قبل الماء، وبالأرض قبل السماء»(11).

وتبعاً لذلك، فالثقافة الإسلاميّّة لا تلغي الآخر، بل تعترف به وتتعامل معه، كما ينبهنا إلى ذلك «ابن رشد» بقوله: «فالمذاهب في العَالَم ليست تتباعد كلّ التباعد حتى يكفر بعضها ولا يكفر، فإن الآراء التي شأنها هذا يجب أن تكون في الغاية من التباعد، أعني أن تكون متقابلة»(12). وإن دلَّ هذا على شيء، فإنما يدلُّ على أن الثقافة الإسلاميّّة تقدِّم درساً مفيداً في التعايش الفكريّ والدينيّ والسياسيّ، والعناية بالعلوم الفلسفيّة، ومجالس المُناظرة والتحاجج، وصقل الآراء، والأخذ والاقتباس عن «آداب الحكماء اليونانيّين»، ومقابلة المعارف وإظهار الحقّ بالتي هي أحسن، بعيداً عن التعصب والأهواء والأطماع، فالإنسان المُتدين الحقيقيّ هو الذي يرتفع عن العصبيات. «وهكذا فالتسامح واعتماد التي هي أحسن وأيسر واجتناب الغلو والتطرُّف والتعصب… كلّ ذلك يعطي لحق الاختلاف مضمونه الإيجابيّ البنَّاء الذي يقي الناس الفتنة والاقتتال وينمي التنوُّع السليم، مصدر الخصوبة والإبداع»(13).

ولذلك نعلن جهاراً أن الثقافة الإسلاميّّة ثقافة مرنة وخصبة، ترفض الخضوع لأي وصاية أو حجر، اغتنت بالسؤال والنقاش، ورفضت الاعتقادات الدوغمائيّة اليابسة والمُتحجرة والمُتكلسة، لم تنشئ محاكم التفتيش، ولم تضطهد العلماء والمُفكِّرين، بل رحَّبت بالعلماء ونالتهم الحظوة. وقد نظرت الثقافة الإسلاميّّة قديماً بعينين متكاملتين: العين الإسلاميّّة والعين اليونانيّة، واغترفت من معينين أو مثابتين: مثابة المِلة ومثابة الحكمة، فتآلف النقل مع العقل، وأثبت «الشارح الأكبر» لأرسطو كما سمَّاه اللاتين، شرعية الفلسفة باللجوء إلى الخطاب الفقهيّ الأصوليّ، وبذلك تأصَّلت الفلسفة في الثقافة الإسلاميّّة، وتمَّت إزاحة العلاقة المُتوترة بين علوم الأنا وعلوم الآخر، وخرج الإنسان من الحجر إلى الرشد. ولابد من استئناف السير في هذا الطريق الآن والهنا من خلال الاتصال بآفاقٍ أخرى في عالمنا الأوسع والأرحب والمُتغيِّر، والاستفادة من منجزات العصر، ومكتسبات الحداثة بالمُساهمة في إكمال مشروعها وتتميمه. لأن الثقافة الإسلاميّّة هي ثقافة عالميّة في كلياتها ومبادئها أو اتجاهاتها العامة، تنحو من خلال تفاعلها، وتأثيرها وتأثرها، وفعلها وانفعالها نحو الكمال الإنسانيّ «إنّ ما نعنيه بالتأصيل الثقافيّ لحقوق الإنسان في فكرنا العربيّ المُعاصِر هو إيقاظ الوعي بعالميّة حقوق الإنسان داخل ثقافتنا، وذلك بإبراز عالميّة الأسس النظريّة التي تقوم عليها والتي لا تختلف جوهرياً عن الأسس التي قامت عليها حقوق الإنسان في الثقافة الغربيّة. ومن هنا يبرز الطابع العالميّ – الشموليّ، الكليّ، المُطلق لحقوق الإنسان من داخل الخصوصيّة الثقافيّة نفسها، ويتأكَّد مرّة أخرى أن الخصوصيّة والعالميّة ليستا على طرفي نقيض، بل بالعكس، هما متداخلتان متضايفتان، في كلّ «خاص» شيء ما من «العام»، كما أن «العام» ليس كذلك إلّا لكونه يضمُّ ما هو «عام» في كلّ نوعٍ من أنواع «الخاص»(14). وهكذا نلاحظ بأن العلاقة بين الخاص والعام هي علاقة التناغم وليست علاقة التوتر والتنازع. وإذا كانت الخصوصيّة والعالميّة تتفقان على «كلمة سواء»، فإن ما يستدعي التنبيه عليه هو السياسة الغربيّة التي تكيل بأكثر من مكيال في تعاملها مع الدول والأنظمة السياسيّة المُستبدة والمُعادية لحقوق الإنسان. «بمعنى أن حقوق الإنسان أصبحت تُستخدَم اليوم كلافتة أيديولوجيّة من أجل تصفية الأنظمة السياسيّة المُزعجة للغرب بحجة أنها معادية لحقوق الإنسان والسكوت عن أنظمة أخرى لا تقلُّ عنها عداءً ولكنها «صديقة» للغرب. لقد فقدت «حقوق الإنسان» براءتها الأولى عندما أعلنت لأول مرّة في أثناء الثورة الفرنسيّة. وبدلاً من أن تُوظَّف لخدمة حقوق الإنسان بالفعل أصبحت تُستخدَم لخدمة مصالح الغرب واستراتيجياته»(15).

ومن هنا يصح القول بأن عدم عدول الغرب عن هيمنته وسياساته الخاطئة في منطقتنا الجغرافيّة وفي النظر إلى قضايانا الكبرى هو مورد النزاع الأكبر بيننا وبينه، ودون تصحيح ذلك (خَرْطُ القَتَادِ)، كما يقول أهل اللّغة! ذلك أن «أسباب التوتر والصراع لا ترجع إلى اختلاف الثقافات طالما أنها مجرَّد رؤى للعَالَم وأنماط للعيش وأنظمة للقيم، وإنما ترجع إلى روح الهيمنة التي تمارسها الثقافة الغربيّة على العَالَم على أساس من الظلم الغاشم، والتي تتجلَّى في الغزو الاقتصاديّ، وفي التعامل بمعايير مزدوجة، وفي عدم احترام الآخر في خصوصيّته الثقافيّة، وفي التدخل في مصائر الأمم والدول، إلخ»(16). ولذلك كنّا وما زلنا أشد حملاً على الحداثة كسياسة، وأشد دفاعاً عن الحداثة كقيمة. فالحداثة بما هي قيمة فوق الشك، أمّا الحداثة بما هي سياسة فينبغي أن تتهم، فالعلاقات الدوليّة ليست علاقات حداثيّة، وهذا لا يرجع إلى مفهوم الحداثة بقدر ما يرجع إلى تجليها السياسيّ. «قيام المشروع الحضاري العربيّ من حيث هو مشروع حضاري قوامه الإسلام ووجهته المُستقبل، لا يتأتى مع إقفال النوافذ والأبواب في وجه «الآخر» والانصراف عنه، ولو كان ظالماً وخاطئاً في نظره إلينا، كما أن قيام ذلك المشروع لا يقوم مع إغلاق النوافذ والدعوة إلى رفض الآخر والانزواء، ولكنه يكون بالحوار»(17). فالتقابل بين العَالَم العربيّ الإسلاميّ والعَالَم الغربيّ على الصعيد المعرفيّ ليس تشكيكاً في الحداثة، ولا ينبغي أن نفهم منه موقفاً سلفيّاً. وهنا نقطة الخطورة التي يجب أن نضع تحتها الخطوط، وهذه المسألة تحتاج إلى «تحرير محل النزاع» بيننا وبين الغرب الذي ينحاز إلى الأنظمة السياسيّة المُستبِدة بدل الانحياز لشعوبها المقهورة الثائرة. فقضايا حقوق الإنسان، والديموقراطيّة والحرّيّات العامة والعدالة الاجتماعيّة، لا تتعارض مع الإسلام، وإنما مع تأويلات معيَّنة للإسلام، وهي قضايا عصرنا، ولا ينبغي أن تكون قضايا مؤجَّلة، لأنها لا تحتمل التأجيل أو التسويف، بل يجب أن تكون على سُلَّم أولويات المُعارضة والمُجتمع المدنيّ في العَالَم الإسلاميّ.

صحيح أن الثقافة الغربيّة تريد فرض هيمنتها ونمط حياتها وعيشها بالقوة الخشنة تارةً والقوة المرنة تارةً أخرى، على الثقافات المُخالفة والأمم الضعيفة المغلوبة على أمرها من خلال «العولمة»، وفرض الطريقة الغربيّة والأميركيّة، في الحياة باعتبارها الطريقة المُثلى الوحيدة المُمكنة، بالنظر إلى أن الغرب هو الأقوى ثقافيّاً وعسكريّاً ويحتل المركز، بينما الأمم الأخرى هي الأضعف وتحتل الهامش. ممّا يجعلنا وجهاً لوجه أمام جملة من التحدّيات الثقافيّة التي تطرحها العولمة باعتبارها الاسم الحركيّ للأمركة، التي أصبحت تهدِّد التنوُّع الثقافيّ… بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك، والقول مع محمد عابد الجابري بأن الغرب اليوم لا تحرِّكه المصالح الاقتصاديّة فحسب، بل تحرِّكه أيضاً الذاكرة الثقافيّة الدينيّة الأوروبيّة الحديثة التي مازالت تفعل فعلها في صُنَّاع القرار والسياسة، وفي هذا الصدد نورد قول المرحوم الجابري: «سنكون مخطئين إذا نحن اعتقدنا أن الغرب قد تحرَّر من تلك الخلفيات الثقافيّة الدينيّة التي كانت توجِّه فلاسفة التاريخ والمُستشرقين، وأنه الآن غرب علمانيّ خالص، عقلانيّ براغماتيّ لا غير، سنكون مخطئين إذا نحن جرَّدنا الغرب من ذاكرته الثقافيّة الدينيّة، ذلك لأنه إذا كانت هذه الذاكرة تفعل بصورة واعية في الكنسيين والمُتطرفين العنصريّين في كلّ من أوروبا وأميركا، فهي تفعل كذلك بصورة لا واعية في العلمانيّين والليبراليّين، وهي تميط اللثام عن نفسها بين حينٍ وآخر من خلال ردود فعلٍ معيَّنة، غير مراقبة»(18). وهكذا أصبح العَالَم الغربيّ متهمَّاً من طرف العَالَم غير الغربيّ انطلاقاً من سلوكاته السياسيّة وسلبه للعوالم الأخرى بما فيها العَالَم العربيّ الإسلاميّ حقها في التحديث، ممّا يقود البعض إلى رفض الحداثة. فالغرب كان أداة الحداثة بالفعل منذ عصر النهضة، إلّا أنه أصبح الآن عائقاً في مسلسل التحديث. وبعبارةٍ أدق: إن الغرب أصبح محافظاً على العلاقات الدوليّة، ويتجلَّى هذا الطابع المُحافظ في سهره على استمرار عدم اكتمال الحداثة وتعميمها.

وإذا كنّا نتفق مع الجابري في الخلفية الدينيّة اللاشعوريّة التي مازال الغرب أسيراً لها حتى اليوم، فإننا نعتقد بأن نقد المركزيّة الأوروبيّة، والهيمنة الأميركيّة، وسياساتها الخاطئة في العَالَم غير الغربيّ، لا يعني الدعوة إلى الصعود إلى «جبل قاف»، والعيش في جزيرة دونها «جزيرة حي بن يقظان». فالتعايُش بين الثقافة الإسلاميّّة والثقافات الأخرى أصبح اليوم ضرورةً حضارية، أكثر من أي وقتٍ مضى، بعد أن أصبح العَالَم قريةً صغيرة تحتم علينا التعاون والتآزر، ممّا يجعل من الضروري والحاجي (كما يقول علماء الأصول) أن تتعاون جميع الثقافات في صُنع الإنسان «الكونيّ» و«الكامل» انطلاقاً من خصوصيّاته، حتى تكتمل إنسانيّة الإنسان وسعادته باعتباره أنبل المخلوقات وأعظمها، والمُساهمة في صُنع التاريخ الجديد الذي لا تكون كتابته حكراً على الأقوى والأجمح، بعيداً عن التفاضل بين الثقافات الإنسانيّة، والدخول في «المُزايدة المُحاكاتية» بينها، بالرغم من بعض المآخذ التي يمكن أن ننبه إليها بين الفينة والأخرى في ما يتعلَّق بالحداثة المُتوحشة، والعقلانيّة الأداتيّة…

إنّ التعايش هو لُبُّ الثقافة الإسلاميّّة ولُبابها، فهي ثقافة التواصل بالجوهر وبالذات، لا بالعرض والمظهر، بالرغم من أن التعايش بين الثقافات هو العملة الصعبة في عالَم منقسم وغير متوازن بين عالَم اليسر والفائض الذي يرفض اقتسام الثروات التي يستأثر بالقسط الأوفر منها 80 في المئة (الشمال) ويقصي مساحات شاسعة من الشعوب من الحداثة التي يحتكرها. وعالَم العسر والعجز (الجنوب) الذي يرفض الإمبرياليّة والهيمنة ويطالب بتوزيع عادل للثروات، وبتعميم الحداثة وعدم حكرنتها، وأعزُّ ما يطلب في الوعاء الزمنيّ الذي تسوده نظريّة المركز والهامش، في جغرافيّة تتخفَّى فيها الأمركة والغربنة خلف العولمة والعالميّة. ومع ذلك، فالثقافة الإسلاميّّة تملك من المُقوِّمات والأسس ما يجعلها جديرةً بحيِّز خاص بها في عالَم الحداثة المُشترك المُتعدد، بعيداً عن كلّ محاولات الغرب للاستئثار بهذه الحداثة واحتكارها، فقد أنتجت الثقافة الإسلاميّّة حداثتها الخاصة بها مع مفكِّرين عظام منذ زمنٍ بعيد، وبلونيات مختلفة، وكانت النموذج الأمثل للتعايُش بين الثقافات الإنسانيّة، ونشر التفاهم بين البشريّة، وبذلك حقَّقت الثقافة الإسلاميّّة «الوجود الأشرف» فضلاً عن «الوجود الضروريّ». وذلك في حدود المُمكن والمُتاح لها في الإبيستيميّ الوسطويّ، وفي حدود ما تسمح به الأطر الاجتماعيّة لمعرفة عصر النظار وحملة الأقلام القدماء، والتي كان من المُتعذِّر عليهم القفز عليها. فالتنوُّع الثقافيّ رصيدٌ وإرث عام مشترك بين البشريّة وشعوب الأرض جميعاً، يجب أن يعمل الجميع على صيانته والمُحافظة عليه لتعزيز التعايُش والتعاون والاحترام والاعتراف المُتبادَل بين الشعوب والأمم والحضارات بدل الصدام والصراع والحرب بينها. أمّا طغيان ثقافة القوي والغالب على ثقافة الضعيف والمغلوب، فهو أقرب الدروب الخبيثة إلى معانقة نظام شموليّ وتفقيريّ يضعف الإنسانيّة بدل أن يقويها. وبذلك يصبح الكوجيطو الثقافيّ الإسلاميّ: «أنا أتعايش إذن أنا موجود».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 – سعيد بنسعيد العلوي، الإسلام وأسئلة الحاضر، منشورات الزمن، العدد 22 يناير 2001، ص 11 – 12.

2 – سعيد بنسعيد العلوي، أوروبا في مرآة الرحلة: صورة الآخر في أدب الرحلة المغربيّة المُعاصِرة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بالرباط، سلسلة بحوث ودراسات رقم 12، الطبعة الأولى 1416هـ/1995م، ص 11 – 12 – 13.

3 – سعيد بنسعيد العلوي، الإسلام وأسئلة الحاضر، سبق ذكره، ص 10.

4 – عبد المجيد الصغير، في البدء كانت السياسة: إشكالية التأصيل للنهضة والديموقراطيّة في المُجتمع المغربيّ، منشورات رمسيس، العدد 7، يونيو 1999، ص 8 – 9.

5 – سعيد بنسعيد العلوي، الإسلام وأسئلة الحاضر، سبق ذكره، ص 107.

6 – سعيد بنسعيد العلوي، الإسلام وأسئلة الحاضر، سبق ذكره، ص 43.

7 – حسن حنفي، العقل والحرّيّة بين فرح أنطون ومحمد عبده: سجال «الجامعة» و«المنار»، مجلّة «المُستقبل العربيّ»، العدد 359، يناير/كانون الثاني 1/2009.، ص 142 و147.

8 – حسن حنفي، ما العولمة، (حوارات لقرنٍ جديد)، تأليف حسن حنفي وصادق جلال العظم، دار الفكر، دمشق – سوريّة، الطبعة الثانية 1421هـ/2000م.، ص 47 – 48 و53.

9 – المرجع نفسه، ص 254.

10 – حسن حنفي، حوار المشرق والمغرب: نحو إعادة بناء الفكر القوميّ العربيّ، حسن حنفي، محمد عابد الجابري، المُؤسَّسة العربيّة للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1990، ص 80 – 81.

11 – حسن حنفي، ما العولمة، سبق ذكره، ص 58 – 59.

12 – ابن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، دراسة وتحقيق محمد عمارة، الطبعة الثالثة 1986م، ص 42.

13 – محمد عابد الجابري، الديموقراطيّة وحقوق الإنسان، مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطبعة الأولى، بيروت، نوفمبر/تشرين الثاني 1994، ص 218.

14 – محمد عابد الجابري، الديموقراطيّة وحقوق الإنسان، سبق ذكره، ص 144.

15 – هاشم صالح، أين هو الفكر الإسلاميّ المُعاصِر؟ تأليف محمد أركون، ترجمة وتعليق هاشم صالح، الطبعة الثالثة 2006، دار الساقي، ص 73.

16 – محمد المصباحي، نعم ولا: ابن عربي والفكر المُنفتح، منشورات ما بعد الحداثة، الطبعة الأولى 2006، ص 57 – 58.

17 – سعيد بنسعيد العلوي، الإسلام وأسئلة الحاضر، سبق ذكره، ص 120.

18 – محمد عابد الجابري، «مسألة الهويّة، العروبة والإسلام… والغرب»، مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطبعة الأولى، أبريل 1995، ص 136 – 137.